هل المسيح هو الراعي أم الحمل؟ يوحنا 10: 11
هل يوجد تعارض بين وصف المسيح بالراعي الصالح ووصفه بحمل الله؟

قال الرب يسوع:
«أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ» (يوحنا 10: 11).
لكن يوحنا المعمدان يقدّم المسيح في موضع آخر باعتباره «حمل الله»:
«وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (يوحنا 1: 29).
«فَنَظَرَ إِلَى يَسُوعَ مَاشِيًا، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ!» (يوحنا 1: 36).
فهل المسيح هو الراعي أم الحمل؟ وهل يوجد تناقض بين الصورتين؟
الإجابة المختصرة
لا يوجد أي تناقض. فالكتاب يستخدم صورتين مختلفتين لتوضيح جانبين مختلفين من عمل المسيح. فهو «حمل الله» لأنه بذل نفسه ذبيحة عن خطايانا، وهو «الراعي الصالح» لأنه يقود شعبه ويحفظهم ويرعاهم. فالصورتان لا تتعارضان، بل تتكاملان: المسيح يموت عنا كالحمل، ويقودنا كراعٍ صالح.
الفكرة الأساسية: المسيح ليس محصورًا في صورة رمزية واحدة. فهو الحمل من جهة الفداء والذبيحة، والراعي من جهة القيادة والرعاية والحفظ.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقول إن إنجيل يوحنا يقدّم المسيح في يوحنا 10: 11 بوصفه «الراعي الصالح»، بينما يقدمه في يوحنا 1: 29 و36 بوصفه «حمل الله». وبما أن الراعي يقود الخراف، والحمل أو الخروف يكون من القطيع، فقد يتساءل البعض: كيف يكون المسيح راعيًا وخروفًا في الوقت نفسه؟
لكن هذا الاعتراض يفترض أن التشبيهات الكتابية يجب أن تُفهم كأنها أوصاف حرفية من نفس الزاوية، وهذا غير صحيح. فالكتاب يستخدم الصور الرمزية بحسب المعنى المقصود في كل سياق.
الحل: الصورتان مجازيتان وتعلنان حقيقتين مختلفتين
المسيح يُقدَّم بالصورتين بطريقة صحيحة ومناسبة. فهو حمل الله من جهة أنه مات عن خطايا العالم، وهو الراعي الصالح من جهة أنه يقود شعبه ويرعاهم.
فحين يقول يوحنا المعمدان: «هوذا حمل الله»، فهو يشير إلى الذبيحة والفداء ورفع الخطية. أما حين يقول المسيح: «أنا هو الراعي الصالح»، فهو يتكلم عن علاقته بخرافه، وعن قيادته لهم، ومعرفته بهم، وبذله نفسه لأجلهم.
أولًا: المسيح هو حمل الفصح الذي مات لأجلنا
صورة المسيح كحمل ترتبط بالذبيحة والفداء. ففي العهد القديم، كان حمل الفصح علامة نجاة لشعب إسرائيل، إذ نجا الأبكار بدم الحمل. وفي العهد الجديد، يعلن الرسول بولس أن المسيح هو فصحنا الحقيقي:
«لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا» (1 كورنثوس 5: 7).
ومن هنا، فإن وصف المسيح بأنه «حمل الله» لا يقصد أنه تابع أو ضائع أو محتاج إلى راعٍ، بل يقصد أنه الذبيحة الطاهرة التي تحمل خطية العالم. فهو الحمل من جهة تقديم نفسه ذبيحة كفارية لأجل خلاص البشر.
وهذا هو نفس المعنى الذي أعلنه يوحنا المعمدان:
«هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!» (يوحنا 1: 29).
فكلمة «الحمل» هنا مرتبطة برفع الخطية، لا بالضعف أو الجهل أو الاحتياج إلى قيادة.
ثانيًا: المسيح هو الراعي الصالح الذي يقود شعبه
أما صورة المسيح كراعٍ صالح، فهي تشير إلى قيادته ورعايته لشعبه. فالإنسان الخاطئ يشبه الخروف الضال الذي يحتاج إلى من يقوده ويرده ويحفظه.
ولهذا يقول المسيح:
«أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ» (يوحنا 10: 11).
فالراعي هنا ليس مجرد قائد خارجي، بل هو الراعي الذي يبذل نفسه عن الخراف. وهنا نلاحظ أن صورة الراعي نفسها تتصل بصورة الذبيحة، لأن الراعي الصالح لا يكتفي بقيادة الخراف، بل يبذل حياته لأجلها.
تمييز مهم: عندما يكون المسيح «حمل الله»، فالتركيز على موته الكفاري لأجلنا. وعندما يكون «الراعي الصالح»، فالتركيز على قيادته ورعايته وخلاصه لشعبه.
ثالثًا: المؤمنون يُشبَّهون أحيانًا بإسرائيل المحتاج إلى حمل الفصح
في سياق الفداء، يشبه المؤمنون شعب إسرائيل في ليلة الفصح، حيث يحتاجون إلى دم الحمل حتى ينجوا. لذلك يقدَّم المسيح كحمل الفصح الحقيقي، الذي بذل نفسه لأجلنا.
فالصورة هنا هي: نحن خطاة نحتاج إلى ذبيحة، والمسيح هو الحمل الذي مات عنا.
ولهذا لا يوجد تعارض في أن يكون المسيح حملًا في هذا السياق، لأن المقصود ليس وضعه داخل القطيع، بل تقديمه كذبيحة الفداء التي ترفع الخطية.
رابعًا: المؤمنون يُشبَّهون أيضًا بخراف تحتاج إلى راعٍ
في سياق آخر، يُشبَّه المؤمنون بخراف ضالة تحتاج إلى راعٍ يقودها. وهنا يظهر المسيح باعتباره الراعي الصالح، الذي يعرف خرافه، ويدعوها بأسمائها، ويقودها إلى الحياة.
فالصورة هنا هي: نحن خراف تائهة نحتاج إلى راعٍ، والمسيح هو الراعي الذي يقودنا ويحفظنا.
إذن، الاختلاف ليس تناقضًا في هوية المسيح، بل اختلاف في زاوية التشبيه. في صورة الفصح، حاجتنا هي إلى ذبيحة. وفي صورة القطيع، حاجتنا هي إلى راعٍ.
خامسًا: تعدد الصور لا يعني تعدد الحقائق المتناقضة
الكتاب المقدس كثيرًا ما يستخدم أكثر من صورة واحدة للشخص الواحد أو الحقيقة الواحدة، لأن كل صورة تُبرز جانبًا معينًا لا تستطيع صورة واحدة وحدها أن تستوعبه كاملًا.
فالمسيح يُدعى «النور» و«الطريق» و«الخبز» و«الباب» و«الكرمة» و«الراعي» و«الحمل». ولا يعني هذا أنه حرفيًا كل هذه الأشياء المادية في نفس الوقت، بل أن كل صورة تكشف جانبًا من شخصه وعمله.
فهو نور العالم لأنه ينير الظلمة. وهو الطريق لأنه يقودنا إلى الآب. وهو خبز الحياة لأنه يشبع الإنسان روحيًا. وهو الباب لأنه المدخل إلى الخلاص. وهو الكرمة لأن المؤمنين يثبتون فيه. وهو الحمل لأنه ذُبح لأجلنا. وهو الراعي لأنه يقودنا ويرعانا.
الرد المختصر على الشبهة
المسيح هو الراعي والحمل معًا، لكن ليس بنفس المعنى ولا في نفس زاوية التشبيه. هو حمل الله لأنه مات لأجل خطايانا كذبيحة فداء، وهو الراعي الصالح لأنه يقود خرافه ويحفظهم ويبذل نفسه عنهم. لذلك فالصورتان ليستا متعارضتين، بل متكاملتين.
الخلاصة
لا يوجد تناقض بين يوحنا 10: 11 ويوحنا 1: 29 و36. فالمسيح يُقدَّم كحمل الله حين يكون الحديث عن الذبيحة ورفع الخطية، ويُقدَّم كراعٍ صالح حين يكون الحديث عن القيادة والرعاية والحفظ. نحن نحتاج إليه كحمل الفصح الذي مات لأجلنا، ونحتاج إليه كراعٍ صالح يقودنا إلى الحياة.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 416). Victor Books: Wheaton, Illinois.