شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

التاسع

ملخص: الاعتراض بأن الابن، بسبب أنه مُرسَل من الآب يصير ـ على الأقل ـ من جهة الاعتبار أقل من الآب، نجيب عليه بأنه أيضًا أُرسل من الروح القدس الذى لا يُعتبر أعظم من الابن. علاوة على ذلك، فإن الروح القدس ـ بدوره ـ قد أرسله الآب إلى الابن حتى تتضح وحدانية عملهم (أى أقانيم الثالوث). فمِن واجبنا لذلك أن نميز بحرص بين ما هو ملائم أن يُنسب للمسيح كإله، وما الذى يُنسب إليه كإنسان.

 

74 ـ لا تنتابنى أية مخاوف بخصوص الاعتراض الشائع من جهة المسيح أنه أقل من الآب ـ بسبب أنه مُرسَل منه ـ لأنه رغم كونه كان مُرسلاً، إلاّ أنه لا ينتج عن هذا أن يكون أقل فى الطبيعة؛ ومن الجهة الأخرى، فإن لقبه المساوى فى الكرامة (للآب) هو أمر ثابت حقًا. وبما أن الجميع يكرمون الابن كما يكرمون الآب (يو23:5)، فمن المؤكد أن الابن ليس أقل من الآب، بسبب كونه مُرسَل (منه).

 

75 ـ لذلك، لا ينبغى أن تلتفت إلى الحدود الضيقة للغة البشرية، بل لاحظ المعنى الواضح للكلمات، وآمن بالحقائق التى تمَّت. تذكَّر أن ربنا يسوع المسيح قال فى سفر إشعياء إن الروح قد أرسله (إش1:61). فهل لذلك يكون الابن أقل من الروح لأن الروح أرسله؟ وهكذا عندك المكتوب أن الابن يعلن نفسه أنه مُرسَل من الآب ومن روحه. إنه يقول: ” أنا الأوّل“، “وأنا الحى إلى الأبد، ويدى أسَّست الأرض ويمينى نشرت السموات ليقفن معًا” (إش13،12:48). وأيضًا: ” أنا أنا تكلمت ودعوته، أتيت به فينجَحُ طريقه، تقدموا إلىَّ واسمعوا هذا، لم أتكلم من البدء فى الخفاء، منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلنى وروحه” (إش16،15:48). هنا بالحق نجد أن الذى صنع السماء والأرض هو نفسه الذى أرسله السيد الرب وروحه. فها أنت ترى إذن أنه حتى فقر اللغة لا يقلل شيئًا من كرامة إرساليته، إذن فالآب أرسله، كما أن الروح أرسله أيضًا.

 

76 ـ ولكى تعرف أنه لا يوجد فرق فاصل فى الجلالة والعظمة، فإن الابن أيضًا بدوره يرسل الروح كما قال هو نفسه: ” متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من عند أبى، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق” (يو26:15). أما عن كون المعزى نفسه مُرسل من الآب، فقد بيّنه من قبل فى قوله: ” المعزى الروح القدس الذى يُرسله الآب باسمى” (يو26:14). لاحظ وحدتهم من حيث إن الذى يُرسله الآب، فالابن أيضًا يُرسله، والذى يرسله الآب يُرسله الروح أيضًا. وإلاّ كان الآريوسيون لا يعترفون أن الابن قد أُرسل لأننا نقرأ أن الابن هو يد الآب اليمنى، فإنهم بأنفسهم يعترفون فيما يخص الآب بما ينكرونه للابن، إلاّ إذا ـ ربما ـ اخترعوا لأنفسهم أبًا آخر أو ابنًا آخر.

 

77 ـ فلنكف إذن عن الجدل العقيم حول الألفاظ، لأن ملكوت الله كما هو مكتوب ليس “ بكلام بل بقوة” (انظر 1كو20:4)، ولننتبه إلى التمييز بين الألوهية والجسد، ففى كليهما يتكلم ابن الله الواحد نفسه، لأن كلاً من الطبيعتين موجودة فيه، ورغم أنه هو نفس الشخص الذى يتكلم، فهو لا يتكلم دائمًا بنفس الطريقة. فأنت ترى فيه مجد الله أحيانًا، وفى أحيان أخرى ترى آلام الإنسان. فهو كإله يتكلم بأمور الله لأنه هو الكلمة؛ وكإنسان هو يتكلم بأمور الإنسان لأنه يتكلم بطبيعتى.

 

78 ـ ” هذا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء” (يو58:6). هذا الخبز هو جسده كما قال هو بنفسه: ” والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى” (يو51:6). هذا هو الذى نزل من السماء، هذا هو الذى قدَّسه الآب وأرسله إلى العالم، والكتاب نفسه يعلّمنا أن اللاهوت ليس فى حاجة إلى تقديس بل الجسد، كما قال الرب نفسه: ” لأجلهم أُقدس أنا ذاتى” (يو19:17). وهذا لكى تعترف وتقرّ أنه إنما يتقدس فى الجسد لأجلنا، كما أنه هو الذى يُقدِّس (جسده) بقوة لاهوته.

 

79 ـ هذا هو نفس الابن الذى أرسله الآب، ولكنه كما يقول الرسول: ” مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس” (غلا4:4). هذا هو نفسه الذى يقول: ” روح الرب علىَّ، لأنه مسحنى لأُبشِّر المساكين” (لو18:4، إش1:61)، هذا هو الذى قال: ” تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسى” (يو17،16:7). فالتعليم الذى من الله شئ والتعليم الذى من الإنسان شئ آخر. لذلك فإن اليهود عندما اعتبروه إنسانًا وسألوه عن تعليمه وقالوا: ” كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ أجابهم يسوع: تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى” (يو15:17و16). فإن كان يُعلِّم وهو لم يعرف أُبهة اللغة، يتضح أنه لا يُعلِّم كإنسان ولكن كإله، وهو لم يتعلم (من أحد) ولكنه أبدع تعليمه (بنفسه).

 

80 ـ لأنه هو الذى أوجد وأبدع كل طريق التعليم كما قرأنا من قبل، نظرًا لأنه ابن الله الذى قيل عنه: ” هذا هو إلهنا ولا يحاذيه آخر. هو أوجد طريق التعليم بكماله، وبعد ذلك تراءى على الأرض وتخاطب مع الناس” (باروخ36:3ـ38). كيف إذن وهو إله لا يستطيع أن يكون له تعليمه الخاص، وهو الذى قد أوجد كل طريق التعليم قبل أن يتراءى على الأرض؟ وكيف يكون أقل (من الآب) وهو الذى قيل عنه: ” ولا يحاذيه آخر” ؟. بالتأكيد فإنه يعلو على المقارنة، وهو إذا قورن بآخر فإن هذا الآخر لا يمكن أن يكون محاذيًا له. والآن إذا افترض أحد أن كلام النبوة هنا هو عن الآب، فإنهم سيسقطون فى تجديف سابيليوس، بأن ينسبوا للآب أنه اتخذ طبيعة بشرية.

 

81 ـ فلنأتِ الآن إلى ما يلى: ” مَن يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه” (يو18:7). انظر الوحدة التى يُعلن بها الآب والابن بكل وضوح. الذى يتكلم لا يمكن إلاّ أن يكون كائنًا ومع ذلك فما يتكلم به لا يمكن أن يكون من نفسه وحده، لأنه كل ما فيه هو موجود فيه طبيعيًا من الآب.

 

82 ـ والآن ما معنى تلك الكلمات: ” يطلب مجد نفسه“؟، إنها لا تعنى مجدًا لا يكون الآب مشتركًا فيه، لأنه فى الحقيقة إن كلمة الله هو مجد الله. ويقول ربنا أيضًا: ” لينظروا مجدى” (يو24:17)، ولكن مجد الكلمة هو أيضًا مجد الآب كما هو مكتوب: ” الرب يسوع المسيح فى مجد الآب” (فى11:2)، فمن جهة لاهوته، فإن ابن الله له مجده الإلهى الذاتى، ليكون مجد الآب والابن واحدًا. فمن ثمَّ لا يكون أقل فى البهاء وذلك لأن المجد واحد، ولا أقل فى الألوهة لأن ملء اللاهوت حالٌّ فيه (كو19:1، 9:2).

83 ـ أنت تسأل معى، كيف كُتب: ” أيها الآب قد أتت الساعة، مجِّد ابنك“؟ (يو1:17). أنت تقول إن الذى يتفوَّه بهذه الكلمات يحتاج إلى أن يتمجَّد، ولكن يا لقصر نظرك! ألم تقرأ بقية المكتوب الذى يكمل:   ” ليمجدك ابنك أيضًا“. هل حَدَثَ مطلقًا أن الآب قد احتاج لأى مجد، حتى يمجِّده الابن؟.

 

 

 

 

الفصل العاشر

ملخص: دحض الاعتراض الذى يستند على طاعة الابن، وتوضيح أن القوة والألوهة والعمل كلها واحدة فى الثالوث، كما يشير إلى طاعة المسيح لوالدته، التى بكل تأكيد لا يمكن أن يكون أقل منها.

 

84 ـ وأيضًا فإن خصومنا يثيرون عادة معضلة من جهة طاعة الابن (للآب) باستنادهم على ما هو مكتوب: ” وإذ وُجِدَ فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت” (فى8:2). فالكاتب لم يذكر فقط أن الابن أطاع حتى الموت، ولكنه يبيّن أولاً أنه كان إنسانًا، حتى يمكننا أن نفهم أن الطاعة حتى الموت كانت فيما يخص تجسده، وليست خاصة بألوهته، ولذلك اتخذ الوظائف وكذلك الأسماء التى تخص طبيعتنا.

 

85 ـ وهكذا تعلّمنا أن قوة الثالوث هى واحدة، وهذا تعلّمناه من آلام الرب وكذلك بعد آلامه: لأن الابن يتألم بجسده، هذه الآلام التى هى علامة هذا التجسد، والروح القدس ينسكب (من الآب) على الرسل، والمسيح يستودع روحه فى يدى الآب؛ وعلاوة على ذلك، فالله يُنادى به بصوت مقتدر أنه الآب. تعلّمنا أنه توجد صورة واحدة، شبه واحد، تقديس واحد للآب والابن، نشاطٌ واحد ومجدٌ واحد، وأخيرًا ألوهة واحدة.

 

86 ـ لذلك فإنه يوجد إله واحد كما هو مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (تث13:6)، إله واحد لا بمعنى أن الآب والابن هما نفس الشخص، كما يقول سابيليوس الهرطوقى، ولكن بمعنى أنه توجد ألوهة واحدة لكل من الآب والابن والروح القدس، وحيث توجد ألوهة واحدة، فإنه توجد مشيئة واحدة وهدف واحد.

 

87 ـ ولكى تعرف أيضًا أن الآب كائن وأن الابن كائن وأن عمل الآب وعمل الابن هو واحد، أنصت لقول بولس الرسول: ” والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يهدى طريقنا إليكم” (1تس11:3)، فمع أن اسم الآب والابن مذكوران، ولكن توجد وحدة فى اتجاه الهداية، وهذا بسبب وحدة السلطان. كما نقرأ فى موضع آخر: ” وربنا نفسه يسوع المسيح والله وأبونا، الذى أحبنا وأعطانا عزاءً أبديًا ورجاءً صالحًا بالنعمة، يُعزى ويُثبِّت قلوبكم” (2تس16:2و17). كم هى كاملة تلك الوحدة التى يضعها الرسول أمامنا، حيث إنَّ ينبوع العزاء ليس متعددًا، وإنما هو واحد. ليخرس كل شك، أو إن لم يُغلب بالبرهان العقلى، فليثنِه فكر ربنا الرحوم الشفوق (ليرجع عن غِيِّه).

 

88 ـ فلنتذكر كيف تعامل معنا ربنا بكل إشفاق، إذ أنه علّمنا ليس الإيمان فقط، بل والأخلاق أيضًا. لأنه عندما جاء فى هيئة إنسان، فإنه كان خاضعًا ليوسف ومريم (لو51:2). فهل كان هو أقل من كل البشر بسبب خضوعه؟ إن القيام بالواجب شئ أما السيادة فشيء آخر، ولكن القيام بالواجب لا يلغى السيادة.

          إذن، متى كان المسيح خاضعًا لناموس الآب؟ بالتأكيد كان ذلك بجسده، والذى به كان خاضعًا لأمه أيضًا.

 

الفصل الحادى عشر

ملخص: يتحدث هذا الفصل عن هدف التجسد وتأثيراته الشافية، ونفع الإيمان الذى به نعرف أن المسيح حَمَلَ كل الضعفات لأجلنا، المسيح الذى أعلنت ألوهيته عن نفسها فى آلامه؛ لذلك فنحن نفهم أن إرسالية ابن الله لا تستلزم أى نوع من المذلَّة، هذا الاعتقاد الذى لا نحتاج أن نخافه كشئ لا يسرّ الله، الذى يعلِن هو نفسه أنه مسرور بابنه.

 

89 ـ دعنا بالمِثل نتعامل بعطف، دعنا نُقنِع الذين يعادوننا بما هو نافع لهم، ” هلم نسجد ونجثو وننوح أمام الرب خالقنا” (مز6:95س)، لأننا لن نطرحهم بعيدًا بل بالأحرى سوف نشفى، إننا لن نضع فخًا أمامهم، ولكننا سوف نحذِّرهم كما هو الواجب. إن الشفقة كثيرًا ما تُغيِّر أولئك الذين لا ينفع فى إخضاعهم لا القوة ولا الجدال. وربنا أيضًا عالج بالزيت والخمر الرجل الذى كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والذى وقع بين اللصوص ولم يعالجه بأدوية الناموس الخشنة ولا بالنبوات الجافة.

 

90 ـ لذلك، فليأتِ إليه جميع الذين يريدون أن يصيروا أصحاء. دعهم يأخذون الدواء الذى أنزله من عند أبيه والمصنوع فى السماء، والذى أعدَّه من عصائر تلك الثمار السمائية التى لا تذبل. هذا ليس من نتاج أرضى، لأن الطبيعة لا يوجد بها هذا المزيج فى أى مكان. أخذ جسدنا لأجل هدف عجيب، لكى يُبيِّن لنا أن ناموس الجسد قد أُخضِع لناموس العقل. لقد تجسَّد معلِّم البشر لكى يغلب كإنسان.

 

91 ـ ماذا كان سيفيدنى، لو أنه كإله كشف عن ذراع قوَّته وأظهر أن ألوهيته لا تُنتهك؟ فلماذا اَّتخذ لنفسه طبيعة بشرية وسمح لنفسه أن يُجرَّب تحت ظروف طبيعتى وضعفى؟ لقد كان من الصواب أن يُجرَّب وأن يتألم معى، وذلك لكى أعرِف كيف أَنتَصِر عندما أُجرَّب، وكيف أهرب عندما أُضغَط بشدة. لقد انتصر بقوة طهارته وقوة الازدراء بالغِنَى؛ وبالإيمان. فقد وطأ الطمع وهرب من الإفراط والتطرف، آمرًا الشهوانية أن تبقى بعيدة عنه.

 

92 ـ هذا الدواء شاهده بطرس، فترك شباكه، أى أدوات الصيد والرِّبح المضمون، وتخلى عن شهوة الجسد كأنها سفينة مثقوبة فى القاع تتسرب إليها شهوات متعددة كثيرة. حقًّا إنه علاج فعَّال، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضًا يقطع أصل الألم ومصدره. أيه أيها الإيمان الأثمن مِن كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز، الشافى لجراحاتنا وخطايانا!.

 

93 ـ دعنا نذكِّر أنفسنا بمنفعة الإيمان الصحيح. إنه نافع لى أن أعرف أنه مِن أجلى حَمَل المسيح ضعفاتى، أخضع نفسه لمشاعر جسدى، ولأجلى، أى لأجل كل إنسان، صار خطيَّة ولعنة[1]، ولأجلى وفىَّ تذلَّل وصار خاضعًا، ولأجلى صار حملاً وكرمة وصخرة[2] وعبدًا، وابن الأَمَة[3] (يقصد الأُمة اليهودية والعذراء)، (قاصدًا) ألاّ يعرف يوم الدينونة ، ولأجلى لا يعرف اليوم ولا الساعة[4].

 

94 ـ لأنه كيف يمكنه، وهو الذى صنع الأيام والأزمنة أن يكون غير عارف لليوم (الدينونة)؟ كيف لا يمكنه أن يعرف اليوم وهو الذى أعلن زمن الدينونة الآتية وسببها[5]؟ وهو قد صار لعنة، إذن، لا من جهة ألوهيته وإنما من جهة جسده، لأنه مكتوب: ” ملعون كل مَن عُلِّق على خشبة” (تث23:21، غل13:3)، ولذلك فإنه فى الجسد أى بعد التجسد قد عُلِّق، ولذلك فإن هذا الذى حَمَل لعناتنا صار لعنة[6]. إنه بكى، حتى لا يطول بكاؤك أيها الإنسان، واحتَمَلَ الإهانة حتى لا تحزن قِبالة الإساءة التى تصيبك[7].

 

95 ـ إنه علاج عظيم أن نتعزَّى بالمسيح! لأنه احتمل هذه الأشياء فى صبر تجاوز الحدّ لأجلنا، ونحن لا نقدر أن نحتملها بصبرٍ مماثل لأجل مجد اسمه! مَن مِنَّا لا يتعلَّم أن يصفح عندما يُهَاجم، وهو يرى المسيح حتى وهو على الصليب يُصلِّى لأجل أولئك الذين اضطهدوه؟ أما ترى أن ضعفات المسيح هذه كما يُسرِّك (أيها الهرطوقى) أن تُسمِّيها إنما هى قُوَّتك[8]؟ لماذا تسأله عن أدوية لعلاجنا؟ إن دموعه تغسلنا، وبكاءه يطهِّرنا، فلا تشكَّ أنه توجد قوة خاصة فى الضعف، لأنك إن كنت تشك (فى قوته) فسوف تيأس. وكلَّما كانت الإهانة أكبر، كلَّما كان الامتنان الذى يليق به أعظم.

 

96ـ حتى فى وقت السخرية والاستهزاء، عليك أن تعترف بألوهيته. إنه عُلِّق على الصليب، وكل العناصر أولتهُ التكريم[9]. الشمس أخفت شعاعها، ونور النهار احتجب، والظلمة أقبلت وغطَّت الأرض، والأرض اهتزت مع أن المُعلَّق هناك لم يهتز. إلى أىّ شئ تشير هذه العلامات إلاّ إلى توقير الخالق؟ إن هذا المُعلَّق على الصليب، هذا الذى تلاحظه أيها الآريوسى، هذا هو مُعطِى ملكوت الله، وأنتَ لا تُريد أن تعتبره أو تلتفت إليه. إنك تقرأ أنه ذاق الموت، ولكنه أيضًا هو الذى دعا اللص إلى الفردوس[10]، ولكن أنتَ لا تنتبه لمثل هذا العمل. إنك تُحملِق فى المرأة التى تبكى عند القبر، ولكن لا تنظر إلى الملائكة التى تظل تحرسه[11]. إنك تقرأ ما يقوله، ولكنك لا تقرأ ما يعمله. أنتَ تقول إن الرب قال للمرأة الكنعانية: ” لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت24:15)، ولكنك لا تذكر إنه أتمَّ ما توسلَّت إليه أن يعمله.

97 ـ وهكذا عليك أن تفهم أن كونه: ” أُرسِل” لا يعنى أنه أُجبِر على ذلك بأمر آخرَ، ولكنه عمل هذا بإرادة حُرَّة، وبحسب فكره الخاص. وإلاّ فأنتَ سوف تتّهمهُ أنه يحتقر أباه، لأنه إن كان بحسب شرحك قد جاء المسيح إلى اليهود مثل من يُتمِّم وصايا الآب ليخلِّص شعب اليهود وليس أحد آخر معهم، ومع ذلك فإنه مِن قَبْل أن يُتمِّم هذا، فإنه أقام ابنة المرأة الكنعانية ، فهو بالتأكيد ليس فقط يُتمِّم وصايا آخر، ولكنه حُرٌّ أيضًا ليمارس حكمه ورأيه الخاص. وحيث توجد حرِّية فى أن يعمل الشخص ما يريد، فلا يمكن أن يكون هناك تعدِّى على مهام إرسالية الشخص.

 

98 ـ لا تخف أن يكون عمل الابن لا يرضى الآب، لأنك ترى الابن نفسه يقول: ” لأنى فى كل حين أفعل ما يرضيه“، وأيضًا: ” الأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضًا“(يو29:8، 12:14). كيف إذن، يكون الآب غير راضٍ عما يفعله هو نفسه بواسطة الابن؟ كما هو مكتوب: ” لأن الله واحد هو الذى سيُبرِّر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30:3).

 

99 ـ اقرأ جميع الكتب المقدسة، أصغِ إليها باجتهاد، سوف تجد عندئذٍ أن المسيح قد أظهر ذاته حتى يمكن أن نرى الله فى الإنسان، وعندما تسمع الآب يُعلن رضاءه عن الابن، فلا تسئ الفهم بخبث من جهة تمجيد الابن فى الآب.

 

الفصل الثانى عشر

ملخص: هل الأرثوذكس أم الآريوسيون هم الذين يضمنون لأنفسهم فضل المسيح كديَّان لهم؟ إن الاعتراض المؤَّسس على المزمور 1:110 باطل، إذ يمكن أن نبيّن أن الابن عندما يُدعى بواسطة الآب أن يجلس عن يمينه، فإنه لا يقصد بهذا أى إخضاع، بل ولا أى أفضلية له وعلى الابن، بسبب أن الابن يجلس عن يمينه. إن الحق الخاص بالأقانيم الثلاثة فى الله ووحدة طبيعتهم يبرهن عليها بالتسبحة الملائكية ذات الثلاثة تقديسات.

 

100 ـ إن كان لا يمكن أن يتحوَّل مقاومونا باللطف، فلنستدعِهم أمام القاضى. إلى أىّ قاضٍ إذًا سنذهب؟ بالتأكيد إلى مَنْ له الدينونة. هل إلى الآب؟ كلاَّ، ” لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن” (يو22:5). إن الابن أُعطى هذا ليس كإنعام، بل فى ولادته من الآب. انظر إذن كيف أنه، غير راضٍ عن إهانتك لابنه، ومع ذلك فإنه أعطاه أن يكون ديَّانًا لك.

 

101 ـ دعنا إذن فى موقف القضاء، مَنْ يكون له الدعوى الأفضل، أنت أم أنا؟ بالتأكيد إن اهتمام الفريق الحكيم وهو يعرض الدعوى أن ينال أولاً رضا القاضى. أنت الذى تُكرِّم الإنسان ألا تكرِّم الله؟ إننى أسألك أيهما سوف يجد قبولاً عند القاضى: الاحترام أم الازدراء؟ افترض إننى على خطأ، ومع أننى بالتأكيد لست هكذا، هل المسيح لا يُسرُّ بالكرامة التى نقدمها؟ نحن كلنا خطاة، فمن الذى سيكون جديرًا بالغفران: هل الذى يُقدِّم العبادة أم الذى يظهر العجرفة؟

 

102 ـ أمّا إذا كان العقل لا يستحثَّك، فعلى الأقل دع وجه الدينونة الواضح يحركك! ارفع عينيك إلى الديَّان وانظر مَنْ هو الجالس، ومع مَنْ هو جالس وأين. المسيح يجلس عن يمين الآب. إن كنت لا تستطيع بعينيك أن ترى هذا، فاسمع كلمات النبى: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى” (مز1:110). فالابن إذًا جالس عن يمين الآب. وإلاَّ، قُل لى يا مًن تتمسَّك بأن أمور الله يُحكم عليها من أشياء هذا العالم، فأخبرنى إذًا هل أنت تفكر أنه الجالس عن اليمين هو أقل؟ هل هو أمر مهين للآب أن يجلس عن يسار الابن؟ إن الآب يكرِّم الابن وأنت تجعل هذا الإكرام إهانة! إن الآب يجعل هذه الدعوة علامة حب وتقدير، وأنت تعتبرها أمرًا مِن سيد متسلط على غيره! المسيح قام من الأموات وجلس عن يمين الله.

 

103 ـ ولكنك تعترض وتقول، حسنًا، اسمع الآن عبارة لم ينطق بها الآب، ولكن الابن يتنبأ ويقول: ” مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة” (مت64:26)، وله يقول الآب: ” اجلس عن يمينى[12]. إن كنت حقًا تسأل عن السكن الأبدى للألوهة، فإنه قال عندما سأله بيلاطس ما إذا كان هو ملك اليهود: ” لهذا وُلِدت[13]، وهكذا فإن الرسول حقًا يوضح أنه من الجيد لنا أن نؤمن أن المسيح يجلس عن يمين الآب، ليس كأمر ولا كنعمة، ولكن كابن الله الحبيب العزيز جدًا، لأنه مكتوب: ” اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا بالأشياء التى هى فوق” (كو1:3و2). وأن تهتم بالأشياء التى هى فوق هو أن تؤمن أن المسيح فى جلوسه، لا يطيع كمن يتلقَّى أمرًا، بل هو مكرَّم كابن محبوب جدًا، إذًا، إنه من جهة جسد المسيح يقول الآب: ” اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك“.

 

104 ـ أمّا إذا كنت تسعى مرة أخرى أن تقلب معنى هذه الكلمات:   ” أضع أعداءك تحت موطئ قدميك“، فإننى أجيب أن الآب أيضًا يعطى للابن أن يقيم الأموات ويُحيى، ويقول المسيح: ” لا يقدر أحد أن يُقبِل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير” (يو44:6). وأنتَ تقول إن ابن الله خاضع بسبب الضعف، وهو الابن الذى يجذب الآب إليه الناس ليقيمهم فى اليوم الأخير. أتوسل إليك، هل يبدو لعينيك أن هذا خضوع، بينما الملكوت هو معدٌّ للآب والآب يعطيه للابن، ولا مجال لقلب الكلمات، لأن الابن يعطى الملكوت للآب، ولا يوجد من يُفضَّل عليه؟ وبما أن الآب يقدِّم للابن والابن أيضًا يقدِّم للآب، فإنه توجد هنا براهين واضحة على الحب والاعتبار، إذ نرى أن الواحد هكذا يقدم للآخر، فلا يكون الذى يأخذ كأنه يحصل على شئ كما لو كان يخص الآخر، ولا الذى يقدم يَفقد.

 

105 ـ وعلاوة على ذلك، فالجلوس عن اليمين ليس هو أفضلية ولا الجلوس عن اليسار يدل على الازدراء، لأنه لا توجد درجات فى الألوهة التى لا تُحدّ بمكان أو بزمان، هذه الأمور التى هى معايير وقياسات الأذهان البشرية الناقصة. إنه لا يوجد اختلاف فى الحب، ولا ما يقسم الوحدة.

 

106 ـ فلماذا إذن الجولان بعيدًا؟ وأنت قد رأيت كل شئ حولك، رأيت الديَّان، ولاحظت الملائكة وهم يسبحونه، هل هم يسبحون وأنت تسيئ إليه؟ السلاطين والقوات تنطرح أمامه وأنت تتكلم بالشر على اسمه! جميع القديسين يعبدونه وأنتَ لا تعبد ابن الله ولا الروح القدس، بينما السارافيم يقولون ” قدوس، قدوس، قدوس” (إش3:6).

 

107 ـ ماذا يعنى هذا النطق المثلث لنفس الاسم: ” قدوس“؟ فإن كان يكرر ثلاثًا، فلماذا يكرر إلاّ لأنه فعل تسبيح واحد. وإن كان فعل تسبيح واحد، فلماذا يُكرَّر إذًا ثلاث مرات، لماذا التكرار المثلث إن لم يكن الآب والابن والروح القدس واحد فى القداسة؟ إن الساروف ينطق بالاسم ليس مرَّة واحدة لئلا يستبعد الابن، ولا مرتين لئلا يتغاضى عن الروح القدس، وليس أربع مرات لئلا يضيف الكائنات المخلوقة (فى تسبيح الخالق). وعلاوة على ذلك، فلكى يبيّن أن ألوهية الثالوث واحدة، فإن بعد الثلاثة تقديسات يضيف فى عدد مفرد: “رب الصباؤوت” فالآب إذن قدوس، والابن قدوس، وروح الله قدوس بالمثل، ولهذا فإن الثالوث يُعبَد ولا يَعبُد، ويُسبَّح ولا يسبِّح. أمَّا بالنسبة لى، فإننى أومن مثل السارافيم، وأعبد بحسب طريقة كل الرئاسات والقوات السمائية.

 

الفصل الثالث عشر

ملخص: الآراء الشريرة والمخزية التى يتمسك بها الآريوسيون والسابيليون والمانويون فيما يخص الدّيان الذى يدينهم تُفَّند باختصار، كما نستعرض باختصار الاعتراضات الأخرى فيما يتعلق بباقى خصوم المسيح، ويُعبِّر القديس أمبروسيوس عن أمله فى دينونة أخف لنفسه.

 

108 ـ دعنا إذن نتقدم إلى اتهاماتكم، ولنرَ كيف أنك قد تحصل على نعمة عند ديَّانك. أقول لك تكلم الآن، تكلم وقُل: ” إننى أعتبرك، أيها المسيح، لست مثل أبيك”، وسوف يجيبك: “لاحظ، أقول لك، لاحظ وقُل لى فى أى شئ تظن أننى أختلف (عنه)”.

 

109 ـ قُل ثانية: ” إننى أعتبرك كائنًا مخلوقًا”، والمسيح سوف يجيبك: ” إن كانت شهادة رُجلين حقًا، أما كان يجب عليك أن تؤمن بى وبأبى، هذا الذى دعانى ابنه؟”.

 

110 ـ سوف تقول: ” إننى لا أظن أنك كُلِّى القدرة”، وسوف يجيب بدوره: ” وأنا إذن لن أقدر أن أغفر لك خطاياك”.

 

112 ـ أنت تقول: ” أنت كائن خاضع تحت سلطان آخر”، ومن ثمَّ سوف يجيب: ” فلماذا إذن تبحث عن الحرية والغفران مِن هذا الذى تظن أنه خاضع لغيره مثل عبد؟”.

 

113 ـ إننى أرى أن اتهامك يقف عند هذا الحد، وأنا لن أضغط عليك، نظرًا لأننى أنا نفسى أعرف خطاياى. إننى لن أضمر لك عدم الغفران، لأننى أنا نفسى فى احتياج أن أنال الغفران، ولكننى أريد أن أعرف هدف صلواتك. انظر، إذًا، بينما أنا أسرد أمام القاضى رغباتك، إننى لا أظهر خطاياك، ولكننى أتطلّع لأن أشاهد صلواتك ورغباتك مرتَّبة فى نسقها الصحيح.

 

114 ـ افصح إذن عن تلك الرغبات، والتى يريد الجميع أن تُمنح لهم. ” يا سيد، اجعلنى على صورة الله” مِن ثمَّ سوف يجيب: ” على أى صورة؟ هل على الصورة التى أنت أنكرتها؟”.

 

115ـ ” اجعلنى على غير فساد”، فإن إجابته سوف تكون بالتأكيد: “كيف يمكن أن أجعلك على غير فساد، أنا الذى تدعونى كائنًا مخلوقًا، ومن ثمَّ تستنبط أننى قابل للفساد. إن الأموات سوف يقومون متحررين من الفساد، فهل تطلق عليه أنه قابل للفساد، ذاك الذى هو إله؟”.

 

116 ـ ” كُن صالحًا”، ” لماذا تطلب لنفسك ما تنكر أننى عليه؟ كنت أتمنى أن تكون صالحًا، وأنا قلت: ” تكونون قديسين لأنى قدوس” (لا2:19)، وأنت تشرع فى نفسك بأن تنكر أننى صالح؟ هل تبحث إذن عن غفران الخطايا؟ كلا، إنه لا يقدر أحد أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده. فإن كنت ترى أننى بالنسبة لك لستُ الإله الحقيقى الوحيد، فإننى لن أقدر أن أغفر لك خطاياك”.

 

117 ـ ثم دع أتباع آريوس وفوتينوس يتكلمون ويقولون: ” أنا أنكر لاهوتك”، فيجيبهم الرب: ” قال الجاهل فى قلبه ليس إله” (مز1:14، 1:53). مَنْ تُرى هو المقصود بذلك، هل اليهودى أم الأممى أم الشيطان؟ أيًّا كان المقصود أيها التابع لفوتينوس، فإنه يمكن احتماله لأنه سكت (أى قال فى قلبه فقط)، أمّا أنت فمع ذلك تجرَّأت ورفعت صوتك لتنطق بهذا (القول)، حتى يثبت أنك أكثر جهلاً من الجاهل. أنت تنكر لاهوتى رغم أننى قلت: ” إنكم آلهة وبنو العلى كلكم” (مز6:82، يو34:10). وأنت تنكر أننى إله، رغم أنك ترى أعمالى الإلهية تحدث حولك”.

 

118 ـ دع أتباع سابيليوس يتكلمون بدورهم: ” إننى أعتبر أنك تكون بنفسك مرة الآب ومرة الابن أو الروح القدس”. ولهذا يقول الرب: “أنت لم تسمع لا الآب ولا الابن”. هل يوجد أى شك بخصوص هذا الأمر؟ إن الكتاب المقدس نفسه يُعلِّمك أن الآب هو الذى يُعطى الدينونة وأن الابن هو الذي يدين (انظر يو22:5). إنك لم تُعطِ أُذُنًا لكلماتى:   ” أنا لست وحدى ولكن أنا والآب الذى أرسلنى” (يو16:8، 32:16).

 

119 ـ دع الآن من يتبع مانى يعطى كلمته. ” إننى أعتقد أن الشرير هو خالق جسدنا”. ولمثل هذا سوف يجيب الرب: ” ماذا تفعل الآن فى الأماكن السمائية؟ انصرف واذهب فى طريقك إلى الذى خلقك. “أريد أن الذين أعطانى يكونون معى”. أنت أيها المانوى تنوِّه عن نفسك أنك مخلوق من الشيطان؛ فاسرع إذن إلى مسكنه، موضع النار والكبريت، حيث النار فيه لا تنطفئ، وحيث العقاب الأبدى لا نهاية له”.

 

120 ـ إننى أترك جانبًا أصحاب الهرطقات الآخرين، لا أشخاصهم ولكن ما سينالونه من توعُّد مريع. أىّ نوع من القضاء ينتظرهم، وما هو شكل الحُكم عليهم؟ إنه فى الواقع سوف يقول لكل هؤلاء؛ فى أسفٍ أكثر منه فى غضبٍ: ” يا شعبى، ماذا صنعتُ بك وبماذا أضجرتك؟ ألم أُصعدك من مصر وأخرجتك من بيت العبودية إلى الحرية” (ميخا3:6و4، خر2:20).

 

121 ـ ولكن ليس كافيًا أنه أخرجنا من مصر إلى الحرية، وأنه أنقذنا من بيت العبودية، ولكن (هناك) نعمة أعظم من هذه، أنت قد أعطيتَ ذاتك لنا، وعندئذٍ سوف يقول: أما ” حملتُ أحزانكم“؟ (إش4:53)، أما أعطيت جسدى لكم؟ أما ذقتُ الموت الذى ليس له مكان فى لاهوتى ولكنه كان ضروريًا لفدائكم؟ هل هذه هى التشكرات التى آخذها (منكم)؟ أهذا هو ما يتحصَّل عليه دمى، مع أنى تكلَّمت فى الأزمنة الماضية بفم النبى: ” ما الفائدة من دمى إذا نزلتُ إلى الجحيم” (مز9:30). هل هذه هى المجازاة أنكم تنكرونى بخبث، أنتم الذين لأجلكم احتملت تلك الأشياء”؟

 

122 ـ أمَّا من جهتى يا ربى يسوع، فمع أننى عارف فى داخلى بخطيئة عظيمة، إلاّ أننى سوف أقول: ” أنا لم أنكرك وأنت تغفر لى ضعف جسدى، أعترف لك بخطيتى ولا أكتم إثمى” (مز5:32، مز3:51). إن أردت تقدر أن تطهرنى (انظر مت2:8)، والأبرص بقوله هذا نال غاية رجائه. أتوسل إليك ألاّ تدخل فى محاكمة مع عبدك (مز2:143)، أسألك ألاّ تحكم علىَّ ولكن أن تغفر لى”.

 

الفصل الرابع عشر

ملخص: يُعرض حكم القاضى، واعتراضات المعترضين توضع فى الاعتبار، ويبرهن على أن الحكم نهائى وليس له استئناف.

 

123ـ أىُّ حكم نتوَّقعه من المسيح؟ هذا أنا أعرفه. هل أقول أىّ حكم سوف يُعطِى؟ كلا، لأنه إنما نطق الحكم مسبقًا، وهو بين أيدينا إذ يقول: ” لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذى أرسله” (يو23:5).

 

124ـ إذا كان الحُكم لا يروق لك، استأنفه لدى الآب، وألغِ الحكم الذى أعطاه الآب، وقُل إن له ابنًا ليس مثله، وعندئذٍ سوف يجيب: “هل قد كذبتُ وأنا الذى قلتُ للابن: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك26:1).

 

125ـ قُل للآب إنه خلق الابن وسوف يجيبك: ” لماذا إذن تعبد من تظن أنه كائن مخلوق؟”.

 

126ـ قل له إنه وَلَد ابنًا أدنى منه، وهو سوف يجيب: ” قارن بيننا ولننظر”.

 

127ـ قُل له إنه ليس لك إيمان بالابن، وسوف يجيبك: ألم أقل لك: “هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررتُ. له اسمعوا” (مت5:17). ماذا تعنى هذه الكلمات: ” له اسمعوا” سوى أن تسمعه وهو يقول: ” كل ما هو للآب هو لى” (يو15:16، 10:17)؟. إن هذا ما سمعه الرسل كما هو مكتوب: ” ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا” (مت6:17). فإن كان الذين اعترفوا به سقطوا على الأرض، فماذا يعمل للذين ينكرونه؟ أماّ يسوع فوضع يده على الرسل وأقامهم، أما أنت فسوف يتركك منبطحًا على وجهك حتى لا ترى المجد الذى أنكرته.

 

128 ـ فلنهتم إذن لهذا، لأن من يدينه الابن فالآب يدينه أيضًا، لذلك يجب علينا أن نكرم الابن كما نكرم الآب، حتى يمكننا أن نأتى إلى الآب بواسطة الابن.

 

 

 

الفصل الخامس عشر

ملخص: يرفض القديس أمبروسيوس أىّ مديح (يوّجه له) بسبب الشرح الذى يقدمه للإمبراطور، فالإيمان يُدافع عنه بكفاية عن طريق سلطان الكتب المقدسة وشهادتها، هذه التى إذ يقاومها الآريوسيون كاليهود فإنهم يصمون آذانهم عنها. وهو يصلى لأجل أن يرجعوا عن عنادهم ويتحولوا إلى محبة الحق. وفى نفس الوقت يجب أن نتحاشاهم لأنهم هراطقة وأعداء للمسيح.

 

129ـ يا صاحب الجلالة، إن هذه الحجج والبراهين قد نسَّقتُها باختصار وبتلخيص وبشكل تقريبى وليس كشرح كامل ونظام دقيق. وإن كان الآريوسيون يعتبرونها غير كاملة وغير تامة، فأنا اعتبر أنها تكاد تكون بداءة، وإن كانوا يظنون أنه يوجد ما يجب تقديمه، فأنا أُسلِّم بهذا. فبينما غير المؤمنين فى احتياج شديد للبراهين، فإن المؤمنين عندهم ما يكفى ويزيد. إن اعتراف بطرس كان فى الواقع كافيًا ليكفل لنا الإيمان بالمسيح: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16، مر29:8)، لأنه يكفى أن تعرف ميلاده الإلهى بدون تقسيم أو إنقاص، وهو ليس نتيجة اشتقاق أو خلق[14].

 

130ـ وهذا فى الواقع قد أُعلِن فى كل الكتب المقدسة، ومع ذلك فإن غير المؤمنين لا يزالون يَشُكُّون: ” لأنه كما هو مكتوب: قلب هذا الشعب غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلاً، وأعينهم أغمضوها، لئلا يبصروا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم” (إش10:6، أع27:28و28). فالآريوسيون مثل اليهود اعتادوا أن يصدُّوا آذانهم (عن أن تسمع)، وأن يصنعوا ضجيجًا كثيرًا للتشويش على كلمة الخلاص.

 

131ـ وما العجب (فى هذا) إن كان غير المؤمنين يُشُكُّون فى كلمة الإنسان، عندما يرفضون أن يؤمنوا بكلمة الله؟ سوف تجد مكتوبًا فى الإنجيل إن ابن الله قال: ” أيها الآب مجد اسمك“، وسُمع صوت من السماء يقول: ” مجَّدتُ وأُمجِّد أيضًا” (يو28:12)، وهذه الكلمات سمعها غير المؤمنين ولكن لم يؤمنوا. الابن تكلّم والآب أجاب واليهود قالوا:” دَوِىّ رعد قد كلَّّمه، وآخرون قالوا قد كلمه ملاك” (يو29:12).

 

132ـ وعلاوة على ذلك، فإن القديس بولس عندما تسلَّم من صوت المسيح دعوة النعمة، كما هو مكتوب فى سفر الأعمال (أع9:22)، فإنه رغم أن عددًا من رفقائه كانوا مسافرين معه فى نفس الوقت، فقد قيل إنه بمفرده سمع صوت المسيح، لذلك يا صاحب الجلالة المُبجّل، فإن الذى يؤمن يسمع، وهو يسمع لكى يؤمن، بينما الذى لا يؤمن فإنه لا يسمع، وهو لن يسمع بل لا يمكنه أن يسمع إن لم يؤمن!.

 

133 ـ أمّا بالنسبة لى، ففى الواقع أريد أن تكون لهم رغبة فى الاستماع لعلهم يؤمنون، أن يسمعوا بمحبة حقيقية ووداعة، مثل أُناس يبحثون عما هو حق، ولا يهاجمون كل ما هو حق؛ لأنه مكتوب (علينا) ألاّ نصغى إلى ” خرافات وأنساب لا حدّ لها، والتى بالأحرى تسّبب مباحثات دون أن تؤدى إلى التعليم الإلهى الذى فى الإيمان. أمّا غاية الوصية فهى المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء، الأمور التى إذا زاغ قوم عنها انحرفوا إلى كلام باطل، يريدون أن يكونوا معلِّمى الناموس وهم لا يفهمون الكلمات التى يقولوها ولا الأشياء التى يتكلمون عنها بتأكيد (ولا ما يقرِّرونه)” (1تى4:1ـ7). وفى موضع آخر يقول أيضًا نفس الرسول: ” أما المباحثات الغبيَّة والسخيفة اجتنبها” (2تى23:2).

 

134ـ مثل هؤلاء الناس الذين يزرعون خصومات، أقصد الهراطقة، فإن الرسول يأمرنا أن نتركهم ونبتعد عنهم. إذ يقول عنهم فى موضع آخر: ” يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحًا مُضِلَّة وتعاليم شياطين” (1تى1:4).

 

135 ـ والقديس يوحنا بالمِثل يقول إن الهراطقة هم أضداد للمسيح (1يو18:2) مشيرًا بوضوح إلى الآريوسيين، لأن هذه الهرطقة قد بدأت أن توجد بعد جميع الهرطقات الأخرى، وقد جمعت سموم الكل، كما هو مكتوب عن ضد المسيح أنه: ” فتح فمه بالتجديف على الله، ليجدِّف على اسمهوأن يصنع حربًا مع قديسيه” (رؤ6:13و7). وهكذا هم لا يكرمون ابن الله، كما لم يشفقوا على شهدائه، وربما (عملوا) ما لم يعمله ضد المسيح، فإنهم زوَّروا الكتب المقدسة، وهكذا من يقول إن يسوع ليس هو المسيح؛ ومن ينكر الابن ينكر الآب أيضًا كما هو مكتوب: ” كل من ينكر الابن ينكر الآب أيضًا” (1يو23:2).

 

الفصل السادس عشر

ملخص: يؤكد القديس أمبروسيوس للإمبراطور جراتيان، أنه سينتصر، ويعلن أن هذه النصرة قد سبق وأنبأ عنها حزقيال فى نبواته، وهذا الرجاء تدعمه تقوى الإمبراطور، كما يبيّن القديس أن الكوارث السابقة كانت عقابًا على الهرطقة الموجودة فى الشرق[15]، ويختم القديس هذا الفصل بصلاة إلى الله يطلب منه فيها أن يُظهِر رحمته وأن يُنقذ الجيش والأرض والمملكة التى يعيش فيها المؤمنون.

 

136ـ لا ينبغى أن أُعوِّق جلالتك أيها الإمبراطور، أكثر من هذا وأنت تستعد لهذه الحرب ليتم انتصارك على البرابرة. اذهب وأنتَ فى حماية درع الإيمان، وتمنطق بسيف الروح. اذهب إلى النصرة التى تم الوعد بها منذ قديم الزمن، والتى أُنبئ عنها فى الوحى الذى أعطاه الله.

 

137 ـ لقد تنبأ حزقيال فى الأيام القديمة جدًا عما سيحط من قدر شعبنا وعن الحروب مع الغوط البرابرة بقوله: ” لذلك تنبأ يا ابن الإنسان وقُل يا جوج هكذا يقول الرب: أفلاَ تعلم فى ذلك اليوم عند سُكنى شعبى إسرائيل آمنين، وتأتى من موضعك من أقصى الشمال، أنتَ وشعوب كثيرون معك كلهم راكبون معك، كلهم راكبون خيلاً جماعة عظيمة وجيش كثير؟ وتصعد على شعبى إسرائيل كسحابة تُغشِّى الأرض فى الأيام الأخيرة” (حز14:38ـ16س).

138ـ إن الغوط Goth هم جوج Gog، وإن مجيئهم قد سبق وذكرناه، أمَّا عن الانتصار الذى وُعد به عليهم فى الأيام الآتية بحسب كلمة الرب فهو: ” وينهبون الذين نهبوهم، ويسلبون الذين سلبوهم يقول السيد الرب، ويكون فى ذلك اليوم أنى أُعطى جوجًا ـ أى الغوط ـ موضعًا شهيرًا، لأن إسرائيل تكون مثل كومة عالية لأناس كثيرين[16]، أناس قد جعلوا طريقهم إلى البحر… ويسدُّون فم الوادى، وهناك يخرِّب بيت إسرائيل جوجًا وجمهوره ويسمونه وادى جمهور جوج، ويحدق[17] بهم بيت إسرائيل ليُطهِّروا الأرض” (حز 10:39ـ12س).

 

139ـ وعلاوة على ذلك، فلن نشك يا صاحب الجلالة المقدس، أننا نحن الذين أخذنا على عاتقنا أن نناضل ضد الكفر المخالف سوف نتمتع بمساعدة الإيمان الجامع Catholic Faith الذى هو قوىٌّ فيك. وحقًا وبوضوح فإن سبب غضب الله قد صار ظاهرًا، لدرجة أن تقدير الإمبراطورية الرومانية واحترامها قد هُدِمَ عندما انهار الإيمان بالله.

 

140ـ لا توجد لدىَّ رغبة فى أن أحصى الذين ماتوا والذين عُذبوا والمعترفين الذين نُفوا، كما أن وظائف المؤمنين ومراكزهم أُعطِيَتْ هدايا للخائنين[18]. ألم تسمع مِن وراء كل التخوم والحدود، مِن تراسا وراكيا التى على النهر وميسيا وكل فاليريا ضوضاء مشوبة بتعاليم المجدفين وغزو البرابرة؟ أى فائدة يمكن للجيران المتعطشين للدماء أن يجلبوها لنا، أو كيف يمكن للدولة الرومانية أن تكون فى أمان مع مثل هؤلاء المدافعين؟

 

141ـ نعم، هذا يكفى بل وأكثر من الكفاية أيها الإله القادر على كل شئ، ما ضحَّينا به وقدَّمناه من موت المعترفين ونفى الكهنة واحتمال الأشرار المتعجرفين، كل ما قدمناه بدمنا وبنفينا. إنه من الواضح بصورة كافية أن هؤلاء الذين حطموا الإيمان لم يكونوا فى أمان. التفِت مرة أخرى أيها الرب وارفع رايات الإيمان بك.

 

142ـ إنها ليست النسور الحربية ولا طيران الطيور هى التى تقود طلائع جيشنا، ولكن اسمك وعبادتك أيها الرب يسوع. إنها ليست أرض غير المؤمنين ولكنها الأرض التى من عادتها أن تُرسل المعترفين؛ إيطاليا. إيطاليا هذه التى كثيرًا ما جُرِّبت وأُغوِيَت ولكنها لم تنسحب أبدًا. إيطاليا هذه التى دافعتَ عنها طويلاً يا صاحب الجلالة والآن أيضًا قد أُنقِذَت من البرابرة. لا يوجد فى إمبراطورنا عقل متردد أو متذبذب، بل يوجد الإيمان الثابت الراسخ بقوة.

 

143ـ أُظهِر لنا الآن علامة واضحة على عظمة جلالك، حتى أن كل مَن يؤمِن بك أنك رب القوات الحقيقى وقائد جيوش السماء؛ ويؤمِن أنك أنت قوة الله وحكمته الحقيقية[19]، ليس كائنًا ناشئًا فى الزمن، ليس كائنًا مخلوقًا، بل كما هو مكتوب، القوة الأزلية، وألوهية الله، أنت أيها الرب تسند بقوتك الفائقة لتجعله ينال جائزة النصر لإيمانك.

[1] 2كو21:5، غل13:3.

[2] يو29:1و36، يو1:15، 1كو4:10.

[3] مر45:10، يو4:13و5، مز16:86 ” أعطِ عبدك قُوَّتك، وخلِّص ابن أَمَتَك“.

[4] مت36:24.

[5] مت 22:24و29، مز13:96 ” لأنه جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالأمانة“، مز9:98 ” جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة“.

[6] هذا هو ما شكل عثرة ” الصليب “، انظر غل11:5، 1كو22:1.

[7] المقصود هنا الأحزان التى نجوزها خلال وجودنا فى العالم بسبب قسوة البشر.

[8] 2كو9:12، 4:13، 1بط24:2، 13:4.

[9] مت51:27.

[10] لو43:23.

[11] يو11:20و12.

[12] قال هذا للمسيح المُقام أف20:1: ” إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه فى السماويات“.

[13] يفهم القديس أمبروسيوس من هذه الآية أن المسيح يجلس عن يمين الآب.

[14] ميلاد الابن الأزلى لا يستلزم انقسامًا أو تجزئة للألوهة، ولا تقليلاً. فالآب لن يكون إلهًا أقل، وألوهيته لن تفقد شيئًا بولادته للابن الأزلى.

[15] الكوارث المُلَّمح عنها فى هذه المقدمة هى انكسار الجيش الرومانى 378م فى هادريانوبل Hadrianople والموت المُفجع للإمبراطور فالنس، الذى بعدما هرب والتجأ إلى كوخ (ليختبئ فيه) أدركه الغوط وأحاطوا بالكوخ وأضرموا فيه النيران حيث هلك الإمبراطور وسطها. وكان الأرثوذكس (المستقيمى الرأى من غير الآريوسيين) ينظرون إلى هذه النكسة على أنها دينونة (من الله) بسبب اعتقاد فالنس والذين يشاركونه فى المراكز السامية، بالهرطقة الآريوسية.

[16] ” أُعطى جوجًا موضعًا هناك للقبر فى إسرائيل” بحسب الترجمة العبرية.

[17] يُقبرهم (بحسب الترجمة العبرية).

[18] أُبعِد الأساقفة والكهنة الأرثوذكس عن كراسيهم ووظائفهم ليفسحوا مجالاً لأولئك المدعوين “الخائنين للإيمان” أى أولئك الذين كفروا واعتنقوا الآريوسية.

[19] 1كو24:1 ” وأمّا للمدعُوِّين… فبالمسيح قوة الله وحكمة الله“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكتاب الثانى

مقدمة

 

1 ـ كما أظن يا جلالة الإمبراطور، فقد قلت ما يكفي في الكتاب السابق لأوضح أن ابن الله كائن أزلي وغير مختلف عن الآب، مولود غير مخلوق: كما برهنّا من خلال الاقتباسات من الكتب المقدسة أن ابن الله الحقيقي هو الله، وهذا قد أُعِلن أنه هكذا بواسطة العلامات الواضحة الخاصة بجلاله.

 

2 ـ ورغم أن ما سبق تقديمه هو كثير بل ويزيد، وذلك لأجل الحفاظ على الإيمان، إذ نرى أن عظمة النهر يُحكم عليها غالبًا من الطريقة التي ترتفع وتفيض بها ينابيعه. ومع ذلك، فلكي يكون إيماننا  أكثر وضوحًا، فإن مياه ينبوعنا يجب ـ كما أظن ـ أن تُقسَّم إلى ثلاث قنوات، ولذلك فإنه يوجد:

أولاً: علامات واضحة تبيّن التلازم الجوهري  في الألوهة؛

ثانيًا: التعبيرات الدالة على التماثل بين الآب والابن،

وأخيرًا: تلك التعبيرات الدالة على وحدة الجلال الإلهي التي لا يُشك فيها.

          بخصوص النوع الأول لدينا الأسماء: “ولادة”، “الله”، “ابن”، “الكلمة”[1]؛

          وبخصوص النوع الثاني لدينا: “بهاء”، “رسم”، “مرآة”، “صورة”[2]؛

          وبخصوص النوع الثالث لدينا: “حكمة”، “قوة”، “حق”، “حياة”[3].

 

3 ـ هذه الدلائل تعلن هكذا طبيعة الابن، حتى من خلالها يمكنك أن تعرف أن الآب أزلي وأن الابن غير مختلف عنه؛ لأن مصدر الولادة هو الكائن الذي يكون[4]؛ وكمولود من الأزلي فإنه إله؛ وكصادر من الآب، فهو الابن[5]؛ ولأنه من الله فهو الكلمة؛ هو شعاع مجد الآب، رسم جوهره[6]، مثيل الله، صورة عظمته؛ جود الذي هو الجوّاد، حكمة الذي هو الحكيم، قوة القدير، حق الذي هو الحقيقي[7]، حياة الذي هو الحي[8]. لذلك فالصفات المميزة للآب والابن ترتبط معًا باتفاق، حتى لا يفترض أحد وجود أي اختلاف، أو أن يشك في أن لهما عظمة واحدة. ولكل من هذه الأسماء ولجميعها سوف نعطي أمثلة لاستخدامها، حتى نجعل حديثنا مؤكدًا بدلائل.

 

4 ـ ومن الاثني عشر هذه، التي هي كاثني عشر جوهرًا كريمًا يُبني عمود إيماننا، لأن هذه الأحجار الكريمة ـ الجزع العقيقي، اليشب، الزمرد، الزبرجد، والبقية منسوجة في رداء هارون المقدس[9]، الذي هو مثال للمسيح[10] الكاهن الحقيقي؛ حجارة ممتزجة بالذهب، ومنقوشة بأسماء أبناء إسرائيل، اثنى عشر حجرًا متصلة معًا موضوعة الواحد داخل الآخر، حتى إن شَطَرَها أو فَصَلَها أحد، فإن نسيح الإيمان كله يتهاوى محطمًا.

 

5 ـ هذا إذن هو أساس إيماننا، أن نعرف أن ابن الله مولود؛ لأنه إن لم يكن مولودًا فلا يكون ابنًا. ولا يكفي أن ندعوه ابنًا إن لم تميّزه باعتباره الابن الوحيد الجنس. فلو كان مخلوقًا فلا يكون إلهًا، ولو لم يكن إلهًا، لما كان هو الحياة، وإن لم يكن هو الحياة فلا يكون هو الحق.

 

6 ـ فالعلامات الثلاث الأولى، أعني الأسماء: “الولادة”، “ابن”، “الابن الوحيد الجنس”، تُظهر أن الابن هو أصلاً من الله، بسبب أنه من نفس طبيعته.

 

7 ـ أمّا الثلاثة التي تليها أي الأسماء: “إله”، “حياة”، “حق”، فهي تُعلن قوته التي بها وضع أساسات العالم المخلوق وهو ضابطه. وكما يقول القديس بولس: ” الذي به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع28:17)؛ ولذلك فالثلاثة الأولى تُعبِّر عن “حق الابن الطبيعي”، وفي الثلاثة الثانية الأخرى، فإن وحدة العمل القائمة بين الآب والابن تصير ظاهرة.

 

8 ـ ابن الله يُسمّى أيضًا: “صورة” و”بهاء” و”تعبير” (التي تُعبِّر عن الله)، لأن هذه الأسماء قد كشفت عن عظمة الآب التي لا تُدرك ولا تُستقصى، التي في الابن، وكشفت عن التعبير عن مثاله في الابن. هذه الأسماء الثلاثة كما رأينا تشير إلى مماثلة الابن للآب[11].

 

9 ـ كما يوجد لدينا أيضًا أفعال القوة والحكمة والحق التي يمكن بها البرهنة على أزلية الابن.

 

10 ـ هذا إذن هو الرداء المُزين بالحجارة الكريمة؛ هذا الذي يُعبِّر عن حب الكاهن الحقيقي؛ هذا هو رداء العُرس، هنا النسَّاج المُلهم الذي عرف جيدًا كيف ينسج هذا العمل. إنه ليس عمل نسيح عادي، والذي عنه تكلم الرب بواسطة نبيه: ” من ذا الذي أعطى النساء مهارة في النسيج[12]. أقول مرة أخرى، تلك الحجارة الموجودة ليست حجارة عادية، والتي نجدها تُسمّى “للترصيع”[13] لأن كل الكمال يعتمد على شرط عدم وجود شئ ناقص. إنها حجارة مرتبطة معًا ومُحاطة بالذهب، أي أنها من نوعٍ روحاني، ربطها يكون بواسطة أذهاننا، وهي مُحاطة بالبرهان المُقنع. وفي الختام (أقول) إن الكتاب المقدس يُعلّمنا أن هذه الحجارة هي غير عادية، نظرًا لأن البعض يُحضرون صنفًا، وآخرون صنفًا آخر أقل قيمة، هذه التي أحضرها الأمراء الورعون، مرتدين إياها على أكتافهم، وصنعوا منها “درع الحق”، أي جزءً من العمل المنسوج. فالآن يصير لدينا عمل منسوج، عندما يسير الإيمان والعمل معًا.

 

11 ـ أرجو ألاّ يفترض أحد أنني أخطأت عندما رَّتبتُ في الأول تقسيمًا ذا ثلاث جوانب، وكل جزء يحوي أربعة، ثم بعد ذلك تقسيمًا رباعيًا، كل واحد له ثلاثة تعبيرات. إن جمال الشيء الصالح يصير أكثر إبهاجًا عندما يُعرض بأوجه مختلفة. إن تلك الأشياء التي نُسج الرداء الكهنوتي كعلامة لها هي أشياء حسنة، أي الناموس أو الكنيسة، التي صنعت فيما بعد ثوبين لعريسها ـ كما هو مكتوب[14] ـ الواحد ثوب العمل والثاني ثوب الروح، وهي تنسج خيوط الإيمان والعمل معًا، لذلك، فكما تقرأ[15]، فإنها تصنع في مكان واحد قاعدة من ذهب، وبعد ذلك تنسج عليها أزرق وأرجوانًا مع قرمزي وأبيض. وأيضًا ـ كما تقرأ في موضع آخر ـ فإنها تصنع أولاً أزهارًا صغيرة من أزرق وألوان أخرى، وتضم فيها الذهب، وهناك تنسج ثوبًا كهنوتيًا واحدًا بهدف أن الحلية المتنوعة من النعمة والجمال، والمصنوعة من نفس الألوان الزاهية تضفي جمالاً جديدًا بتنوع الترتيب.

 

12 ـ وعلاوة على ذلك (لكي نكمل تفسيرنا لهذه الأمثلة)، فمن المؤكد أن الذهب المصفي والفضة يدلان على أقوال الرب التي منها يستمد إيماننا ثباته: ” كلام الرب كلام نقي، فضة محمّاة مجربة في الأرض، قد صُفيت سبعة أضعاف” (مز6:12و7س). اللون الأزرق مثل الهواء الذي نتنفسه ونستنشقه داخلنا؛ والأرجواني يمثل أيضًا ظهور المياه، والقرمزي يشير إلى النار، والكتان الأبيض يشير إلى الأرض لأن أصله من الأرض[16]، ومن هذه العناصر الأربعة يتكون الجسم الإنساني[17].

 

13 ـ وسواء إذا كنت تربط الإيمان الموجود أصلاً في الروح بالأعمال الجسدية التي تنسجم معها، أو أن تأتي الأعمال أولاً والإيمان يتصل بها كرفيق يُقدمها إلى الله ـ هنا يكون رداء خادم الدين، هنا الثوب الكهنوتي.

 

ألوهية المسيح هي أساس الإيمان:

14 ـ لذلك فإن الإيمان ينفع إن كانت حافته لامعة بتاج جميل من الأعمال الصالحة[18]. هذا الإيمان ـ لأقتضب في الأمر ـ هو موجود في الأساسات التالية، والتي لا يمكن إغفالها. إن كان أصل الابن من لا شئ فهو ليس ابنًا؛ وإن كان مخلوقًا فهو ليس الخالق؛ وإن كان مصنوعًا فهو لم يصنع كل الأشياء، وإن كان في احتياج إلى أن يتعلّم فليس له سبق المعرفة، وإن كان يحتاج أن ينال فهو ليس كاملاً؛ وإن كان يرتقى (إلى العلا) فهو ليس إلهًا. إن لم يكن مثل الآب فهو ليس صورته؛ وإن كان ابنًا بالنعمة فهو ليس ابنًا بالطبيعة[19]؛ وإن لم يكن له الألوهة بالطبيعة، فسوف يوجد فيه الاحتمال أن يخطئ، لأنه ” ليس أحد صالحًا إلاّ الله[20].

 

 

الفصل الأول

 

     شرح الآية:

ليس أحد صالحًا إلاَّ واحد وهو الله” (مر18:10).

 

15 ـ الاعتراض الذي ينبغي أن أواجهه الآن يا جلالة الإمبراطور ـ يملأني بالذهول، حتى إن روحي وجسدي يقشعران عند التفكير بأنه يوجد بشر، بل بالأحرى ليسوا بشرًا، وإنما كائنات لها المظهر الخارجي للبشر، ولكن ممتلئة داخليًا بغباء وحشي، حتى، بعد أن تنال من يدي الرب إحسانات هذا عددها وهذه عظمتها، فإنها تقول إن خالق كل الأشياء الصالحة، هو نفسه ليس صالحًا.

 

16 ـ هم يقولون إنه مكتوب: ” ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. إنني أقر بما يقوله الكتاب المقدس ولكن لا يوجد خطأ في المكتوب، بل الخطأ هو في شرح الآريوسيين. إن الحروف المكتوبة لا لوم فيها، ولكن ما يُلام هو المعنى الذي يعطيه لها الآريوسيون. إنني أعترف بأن هذه الكلمات هي كلمات ربنا ومخلصنا ولكن علينا أن نفكر جيدًا متى قيلت، ولمن قيلت، وما هو قصده من هذا الكلام.

 

17 ـ إن ابن الله يتكلم هنا بالتأكيد كإنسان، وهو يتكلم مع أحد الكتبة، وهو الذي يخاطب ابن الله بقوله ” أيها المعلم الصالح“، ولكنه لا يعترف به أنه إله، لذلك فما لا يؤمن به هذا الكاتب، يعطيه المسيح أن يفهمه، وقصده من هذا أن يقوده ليؤمن بابن الله ليس “كمعلم صالح”، ولكن “كالإله الصالح”. وإن كان عندما يسمّى ” الإله الواحد” في أي مكان، فإن ابن الله لا ينفصل أبدًا عن ملء هذه الوحدانية، فكيف حينما يُقال إن الله وحده صالح يمكن أن يُستبعد الابن الوحيد عن ملء الصلاح الإلهي؟ على الآريوسيين إذًا إمًا أن يعترفوا أن ابن الله هو إله، أو أن ينكروا بأن الله صالح.

 

18 ـ لذلك، فإن ربنا ـ بفهم إلهي مُلهم ـ لا يقول: ” ليس أحد صالحًا إلاّ الآب وحده“، وإنما يقول: ” ليس أحد صالح إلاّ واحد وهو الله “. إن “الآب” هو الاسم الحقيقي لمن يلد. ولكن وحدانية الله لا تستبعد بأي حال ألوهة الثلاثة أشخاص، ولذلك فإن طبيعة الله هي التي تُمجد. فالصلاح إذن هو خاص بطبيعة الله. ومرة أخرى، فإن ابن الله موجود في طبيعة الله، والآية التي يستند إليها الآريوسيون ويسيئون تفسيرها، تخص ليس أحد الأقانيم، بل تخص الوحدة الكاملة للألوهة[21].

 

19 ـ فالرب إذن لا ينكر أنه صالح، ولكنه يوبخ مثل هذا النوع من السائلين، لأن الكاتب عندما قال: ” أيها المعلم الصالح“، فإن الرب أجابه:    ” لماذا تدعوني صالحًا؟” أي أنه يعنى بذلك: ” إنه ليس كافيًا أن يدعوه صالحًا إن كان لا يؤمن به أنه إله “. إنني لا أريد أن يكون تلاميذي من مثل هذا النوع، أشخاصًا يفكرون ـ فقط ـ في طبيعتي البشرية، ويحسبونني مجرد معلم صالح، دون أن ينظروا إلى ألوهيتي ويؤمنوا بي إنني الإله الصالح.

 

الفصل الثاني

ملخص:

يُبرهَن على صلاح ابن الله من خلال أعماله، وبالتحديد، إحساناته التي أظهرها نحو شعب إسرائيل في العهد القديم، وللمسيحيين في العهد الجديد. إنه لفائدة الإنسان أن يثق في صلاح ذاك الذي هو الرب والديان. شهادة الآب للابن. عدد ليس بقليل من الشعب اليهودي يشهد للابن؛ لذلك فإنه يتضح أن الآريوسيين أردأ من اليهود. وأيضًا فإن كلمات  العروس (في سفر نشيد الأنشاد) تُعلِن عن المسيح نفسه.

 

20 ـ ومهما كان، فإنني سوف لا أعتمد على موضوع (ألوهة) الابن من مجرد امتياز طبيعته واستحقاقاته الخاصة بجلاله. دعنا لا نسميه صالحًا إن كان هو غير جدير بهذا اللقب، وإن كان لا يستحق ذلك بسبب الأعمال وأفعال المحبة والرحمة، فليتنازل عن الحق الذي يتمتع به  بسبب طبيعته، وليُسلَّم إلى حكمنا عليه. إن الذي يديننا لا يستنكف من أن ندينه كالمكتوب: ” حتى يتبرر في أقواله ويغلب إذا حوكم” (مز4:51).

 

21 ـ أليس صالحًا ذاك الذي أعطاني أشياء حسنة؟ أليس صالحًا ذاك الذي عندما هرب ستمائة ألف من شعب اليهود من أمام الذين يطاردونهم، فتح فجأة تيارات البحر الأحمر، كميات من الماء غير المنقطع؟ حتى إن الأمواج فاضت حول المؤمنين وصارت سورًا لهم ولكنها دفعت غير المؤمنين إلى الخلف وأغرقتهم[22].

 

22 ـ أليس صالحًا الذي بأمره صارت البحار أرضًا يابسًا تحت أقدام الهاربين، وأخرجت الصخور ماء للعطاش[23]؟ حتى تُعرف أعمال الخالق الحقيقي عندما صار السائل المنحلّ صلبًا، وتدفَّق الماء من الصخرة؟ حتى نعترف بأن هذا هو عمل المسيح كما قال الرسول: ” والصخرة كانت المسيح” (1كو4:10).

 

23 ـ أليس هو صالحًا ذاك الذي عال في البرية بخبز من السماء، هذه الآلاف غير المحصاة من الناس، لئلا تقتحمهم أي مجاعة، فكانوا بلا حاجة إلى أي جهد بل وصاروا متمتعين بالراحة؟ حتى أنه لمدة أربعين سنة لم تبلَ ثيابهم عليهم وسيورهم لم تُقطع[24]، وهذا أمر يرمز للمؤمنين في القيامة الآتية، ليبيِّن أنه لا مجد الأعمال العظيمة ولا جمال القوة التي وشَّحنا الله بها، ولا مجرى الحياة البشرية، يصنعها هو بدون هدف؟

 

24 ـ أليس صالحًا الذي رفع الأرض إلى السماء، حتى إنه كما أن مجموعات النجوم تعكس مجده في السماء كما في مرآة، هكذا جوقات الرسل والشهداء والكهنة إذ يضيئون كالنجوم المجيدة يمكن أن ينيروا لكل العالم[25].

 

25 ـ إذن هو ليس صالحًا فقط، بل وأكثر من هذا، إنه راعٍ صالح لقطيعه لأن ” الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف“، نعم! إنه وضع نفسه ليرفعنا ـ ولكن بسلطان لاهوته وضع نفسه وأخذها: ” لي سلطان أن أضع نفسي وأن آخذها أيضًا، ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي” (يو11:10و17و18).

 

26 ـ ها أنت ترى صلاحه، إذ يضع نفسه من ذاته، وها أنت ترى قوته إذ أنه أخذها أيضًا ـ هل تنكر صلاحه بينما هو يقول عن نفسه في الإنجيل: ” أم أن عينيك شريرة لأني أنا صالح” (مت15:20)؟ أيها الشقي غير الشاكر، ماذا تفعل؟ هل تنكر صلاحه وهو الذي يكمن فيه رجاؤك بخصوص الصالحات؟ هذا إن كنت تؤمن حقًا بهذا. هل تنكر صلاحه وهو الذي أعطانا: ” ما لم ترَ عين وما لم تسمع به أذن“؟ (1كو9:2وإش4:64).

 

27 ـ إنه أمر هام أن نؤمن أنه صالح، لأنه ” صالح هو الاتكال على الرب” (مز8:118)، إن هذا يبهجني أن أعترف للرب، لأنه مكتوب:       ” اعترفوا للرب فإنه صالح[26].

 

28 ـ إن أمر نافع لي أن أعتبر أن ديّاني صالح، لأن الرب قاضي عادل لبيت إسرائيل. فإن كان ابن الله هو قاضي (فينتج عن ذلك) أن الذي هو قاضي وابن الله هو الإله العادل[27].

 

29 ـ ولكن ربما لا تصدق الآخرين ولا تصدق الابن. اسمع إذن الآب يقول: ” فاض قلبي بالكلمة الصالحة” (مز1:45) فالابن إذن هو صالح، والابن هو المكتوب عنه: ” والكلمة كان مع الله وكان الكلمة الله” (انظر يو1:1)، فإن كان الكلمة صالحًا والابن هو كلمة الله، فبالتأكيد ـ رغم أن هذا لا يرضى الآريوسيين ـ يكون ابن الله هو الله. فلتحمّر وجوههم من الخجل.

 

30 ـ اعتاد اليهود أن يقولوا: ” إنه صالح “، مع أن البعض قالوا: ” إنه ليس كذلك”، مع أن آخرين قالوا: ” إنه صالح” ولكن أنتم ـ معشر الآريوسيين ـ جميعكم تنكرون صلاحه[28].

 

31 ـ إن كان صالحًا، ذاك الذي يصفح عن خطية إنسان واحد، ألا يكون صالحًا الذي حمل خطية العالم؟ فهو الذي قيل عنه: ” هوذا حمل الله، هوذا الذي يحمل خطية العالم” (يو29:1).

 

32 ـ ولكن لماذا نشك؟ لقد آَمَنَتْ الكنيسة بصلاحه طوال هذه الأجيال، وقد عبّرت عن اعترافها بالإيمان بالمكتوب: ” ليقبَّلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر” (نش1:1)، وأيضًا: ” حنكك كأجود الخمر” (نش9:7). لذلك فمن صلاحه هو يغذينا بينابيع الناموس والنعمة، ويخفف أحزان البشر بأن يخبرهم عن الأمور السماوية، فهل ننكر بعد ذلك صلاحه، بينما وهو نفسه هو الإعلان عن الصلاح، فإنه يُعبِّر في شخصه عن صورة الجود الأزلى، كما أوضحنا أعلاه أنه مكتوب أنه الانعكاس الذي بلا لوم والصورة المطابقة لذلك الجود.

 

الفصل الثالث

 

ملخص: نظرًا لأن الله واحد، من ثمّ يكون ابن الله هو الإله الصالح والحقيقي.

 

33 ـ ماذا تظن إذن، يا من تُنكر صلاح ابن الله وألوهيته الحقيقية، مع أنه مكتوب إنه ليس إله آخر إلاّ واحدًا؟[29] لأنه وإن وُجِدَ ما يُسمى آلهة، فهل ستحسب المسيح ضمن تلك التى تُسمى آلهة، وهي ليست كذلك، بينما ترى أن المسيح جوهره أزلى، وأنه لا يوجد سواه من هو صالح وإله حقيقي، بسبب أن الآب فيه[30]. إذ أن من طبيعة الآب ذاتها، إنه لا يوجد إله حقيقي آخر سواه، لأن الله واحد، كما أننا لا نخلط أقنومَي الآب والابن كما يفعل السابيليون، ولا نفصل الآب عن الابن كما يفعل الآريوسيون، لأن الآب والابن، كأب وابن هما أقنومان مميزان، دون أى انقسام لألوهيتهما.

 

 

 

الفصل الرابع

ملخص: يوضح هذا الفصل أن ابن الله كُلِّى القدرة، وذلك بشهادة العهدين القديم والجديد

 

34 ـ بما أننا نرى أن ابن الله هو (إله) حقيقي وصالح، فبالضرورة يكون هو الإله القادر على كل شئ. هل يمكن أن يوجد أي شك فى هذه النقطة؟ لقد استشهدنا سابقًا بالآية التى تقول عنه: ” اسمه الرب القادر على كل شئ[31]، إذن، فلأن الابن هو الرب، والرب قادر على كل شئ، من ثمّ يكون ابن الله هو القادر على كل شئ.

 

35 ـ واسمع أيضًا العبارة التالية، والتى لا يمكن استخراج أي شكوك فيها[32]، حيث يقول الكتاب: “هوذا يأتى مع السحاب، وستنظره كل عين والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين. أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتى، القادر على كل شئ” (رؤ7:1و8). وأنا أسأل، من الذي طعنوه؟ لأن من هو الذى نترجى مجيئه سوى الابن؟ فالمسيح إذن هو الرب القادر على كل شئ وهو الله.

 

36 ـ اسمع عبارة أخرى يا صاحب الجلالة، اسمع صوت المسيح: ” لأنه هكذا قال الرب القادر على كل شئ: بعد مجده أرسلنى ضد الأمم الذي سلبوكم، لأنه من يمسكم يمس حدقة عينه، لأنى هأنذا أُحرك يدي على الذين سلبوكم وأُنقذكم، فيكونون سلبًا لكم، فيعلمون أن الرب القادر على كل شئ أرسلنى” (زك8:2و9س). من الواضح أن الذي يتكلم هو الرب القادر على كل شئ، والذي أُرسل هو الرب القادر على كل شئ، وتبعًا لذلك إذن، فإن القوة القادرة على كل شئ تخص الآب والابن كليهما، ومع ذلك فهو إله واحد قادر على كل شئ، لأنه توجد وحدانية في العظمة والجلالة.

 

37 ـ وعلاوة على ذلك، ولكى تعلم يا صاحب الجلالة أن المسيح الذي تكلم في الأناجيل هو نفسه تكلم في الأنبياء، فإنه يقول بفم إشعياء كما لو كان يسبق ويتكلم عن الإنجيل: ” أنا نفسى الذي تكلمت، أنا آتي[33]،، أي إننى أنا الذي تكلم في الناموس حاضر في الإنجيل.

 

38 ـ وفي موضع آخر يقول أيضًا: ” كل ما للآب هو لي” (يو15:16)، ماذا يقصد بـ “كل ما”؟ واضح أنه لا يقصد الأشياء المخلوقة، لأن هذه كلها قد خُلِقت بالابن، بل يقصد الأشياء التى للآب، أى، الأزلية، الهيمنة، الألوهية، هذه الأشياء التى يملكها كمولود من الآب. ومن ثمّ لا يمكن أن نشك أن الابن قادر على كل شئ، إذ أن له كل ما للآب، بحسب المكتوب: ” كل ما للآب هو لى“.

 

الفصل الخامس

ملخص: بعض العبارات في الكتاب المقدس التى قد تدفعنا للاعتقاد بما هو ضد قدرة المسيح على كل شئ، يوجد لها حلٌّ، والكاتب يبذل جُهدًا خاصًا ليبيِّن أن المسيح ـ كثيرًا ما كان يتكلم بحسب مشاعر الطبيعة البشرية.

 

39 ـ مع أنه مكتوب بخصوص الله: ” المبارك القادر الوحيد” (1تى15:6)، إلاّ أنه لا يساورنى أدنى شك بأن ابن الله منفصل عن الآب، إذ أرى أن الكتاب المقدس يستخدم لقب ” القادر الوحيد” ليس للآب وحده، فالآب نفسه ايضًا يُصرِّح بخصوص المسيح بفم النبى: ” جعلتُ عونًا على مَنْ هو قَوِى” (مز19:89). فمن ثمَّ ليس هو الآب فقط القادر الوحيد، بل والله الابن أيضًا قادر، لأنه عندما يُمدح الآب يُمدح الابن أيضًا.

 

40 ـ حقًا، فليبيِّن أى شخصٌ، ما هو الذي لا يقدر ابن الله أن يفعله. مَنْ كان معينه عندما صنع السموات؟ مَنْ كان معينه عندما وضع أُسس العالم[34]؟ وهل كان محتاجًا لأىّ معين ليحرِّر الإنسان، وهو الذي لم يكن محتاجًا إلى أحد في خلق الملائكة والرئاسات[35]؟

 

41 ـ يقولون: ” إنه مكتوب: ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنىِّ هذه الكأس” (مت39:26، مر35:14، لو42:22)، فإن كان قادرًا على كل شئ، فكيف يشكُ هو إذن في هذه الإمكانية؟”، بمعنى أنه حيث إنى برهنتُ على قدرته، فقد برهنتُ إنه لم يشكُ في قدرته على كل شئ.

 

42 ـ أنت تقول إن الكلمات هي كلمات المسيح، هذا حق، ولكن يجب أن نفكر في المناسبة التى قالها فيها، وبأى صفة كان يتكلم. لقد أخذ لنفسه طبيعة الإنسان[36] ومِن ثمَّ فقد أخذ معها أحاسيسها. كما تجد أيضًا في الموضع المذكور أعلاه أنه: ” تقدَّم قليلاً وخرَّ على وجهه وكان يُصلِّى قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن” (مت39:26، مر35:14)، فهو يتكلم إذن ليس كإله ولكن كإنسان، لأنه هل يمكن أن يكون الله جاهلاً بإمكانية حدوث أو عدم حدوث شئ ما ؟ وهل يوجد أىّ شئ غير ممكن لدى الله، والكتاب يقول: ” لا يعسر عليك أمر” (أى2:42).

 

43 ـ مَن هو الذى يشك فيه، في نفسه أم في الآب؟ بالتأكيد في نفسه، هذا الذي يقول: ” لتعبُر عنىِّ“، مِن حيث إنه يشعر كإنسان. إن النبي لا يُدوِّن شيئًا يحسب أنه مستحيل لدى الله. فإن كان النبى لا يشك، فهل تظن أن الابن يشك؟ هل تضع الله أقلّ مِن الإنسان؟ ماذا؟ هل ابن الله لديه شكوك من جهة أبيه، وهو يخاف في مواجهة الموت؟ هل المسيح يخاف؟ بينما بطرس لا يخاف شيئًا. يقول بطرس: ” إنىِّ أضع نفسى عنك” (يو37:13)، بينما يقول المسيح:     ” نفسى قد اضطربت” (يو27:12).

 

44 ـ إن كلا النصّين صواب، ومِن الطبيعى أن يكون بالتساوى أن الإنسان الذي هو أقل لا يخاف، بينما الأعظم يتحمل هذا الشعور؛ لأن الأول له كل ما للإنسان مِن جهل بقوة الموت، بينما الآخر، إذ هو الله ساكنًا في جسدٍ يُصِّور ضعف الجسد، حتى لا يكون لشرِّ أولئك الذين ينكرون سر التجسد أىّ عذر. إذن هو قال هذا، بينما لا يؤمن المانويون[37] بذلك، وينكره فالنتيونوس، بينما يقول عنه ماركيون إنه خيال.

 

45 ـ وفي الواقع، فإن المسيح هنا يضع نفسه فى مستوى الإنسان، حتى يُظهر نفسه ليكون في حقيقة شكله البشرى، فيقول: ” ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت” (مت39:26)، مع أنه حقًا أن قوة المسيح الخاصة هي أن يريد ما يريد الآب، كما أنه يفعل ما يفعله الآب.

 

46 ـ ليت الاعتراض ينتهى عند هذا الحد، هذا الذي اعتدتم أن تعارضونا فيه بسبب قول السيد: ” ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، وأيضًا: ” لأنى قد نزلت مِن السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذي أرسلنى” (يو38:6).

 

الفصل السادس

ملخص: عبارات الكتاب المقدس التى استُشِهد بها مِن قبل تُؤخذ كذريعة للإقلال من شأن الابن، بينما الرب يسوع يملك حرية العمل نفسها التى تُنسب للروح القدس وفي مواضع أخرى تُنسب للابن.

 

47 ـ دعنا الآن ـ في الوقت الحاضر ـ نشرح بأكثر استفاضة لماذا قال ربنا: “إن أمكن”، ولنفسح وقتًا لنوضح أنه يملُك حرية الإرادة. أنتم تنكرون ـ بل حتى الآن تمضون في طريق شرّكم ـ وتنكرون أن لابن الله مشيئة حُرَّة، وعلاوة على ذلك، فإنكم تميلون إلى أن تحطُّوا مِن قدر الروح القدس، مع أنه لا يمكنكم أن تنكروا ما هو مكتوب: ” الروح يهب حيث يشاء” (يو8:3)[38]. يقول الكتاب: ” حيث يشاء“، ولم يقُل: “حيث يُؤمر”. فإن كان الروح إذن يهب حيث يشاء، أفما يُمكن للابن أن يفعل ما يشاء؟ لماذا؟ إنه ابن الله نفسه الذي يقول في إنجيله إن الروح له القوة أن يهبَّ حيث يشاء. فهل الابن بذلك يعترف أن الروح أعظم منه، بكون الروح له القوة أن يفعل ما لم يُسمح به للابن؟

 

48 ـ يقول الرسول أيضًا: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12). لاحظ القول: ” كما يشاء“، أى بحسب حكم مشيئة حُرَّة وليس طاعة لِما هو قهرى. وعلاوة على ذلك، فإن المواهب التى تُوزَّع (تُقسَّم) بواسطة الروح ليست هى مجرد مواهب بسيطة أو عادية، بل مِن مثل تلك الأفعال التى اعتاد الله أن يعملها في موهبة شفاء وأعمال قُوَّات. وبينما الروح إذن يُقسِّم كما يشاء، ألا يمكن لابن الله أن يُحرِّر مَن يشاء!. اسمعه يتكلم عندما يفعل ما يشاء:   ” أشاء أن أفعل مشيئتك يا إلهي” (مز8:40)، وأيضًا: ” أُقدِّم لك ذبيحة طوعية” (مز6:54).

 

49 ـ لقد عرف الرسول القديس فيما بعد أن يسوع له القدرة أن يفعل ما يشاء، ولذلك فإذ رآه يمشى على البحر قال: ” يا سيد إن كنتَ أنتَ هو، فمُرنى أن آتى إليك على الماء” (مت28:14). لقد آمن بطرس أنه إِنْ أَمَرَ المسيح، فإن الأحوال الطبيعية سوف تتغيَّر، والمياه سوف تُدعِّم خطوات الإنسان، والأشياء المناقضة سوف تُقهَر وتنقص لتؤول إلى انسجام واتّفاق. إن بطرس يطلب مِن المسيح أن يأمُر، وتمَّ ما أَمَرَ به، وهذا ينكره آريوس!

 

50 ـ ما هو الذي يكون للآب ولا يكون للابن؟، وما هو الذى للابن وليس هو للآب؟ وكما هو مكتوب، فإن: ” الآب يُحيى مَن يشاء، والابن أيضًا يُحيى من يشاء” (يو21:5).  قل لى، مَنْ أحياه الابن والآب لم يُحيه، وإن كان الابن يُحيى من يشاء، وفِعل الآب والابن واحد، فأنت ترى أنه ليس الابن فقط يصنع مشيئة الآب، ولكن الآب أيضًا يفعل مشيئة الابن، لأن عملية الإحياء لا تتم إلاّ مِن خلال رغبة المسيح في الإحياء. ولكن فِعل المسيح هو مشيئة الآب، لذلك فمن يحييه الابن، فإنما يحييه بمشيئة الآب، لذلك فإن مشيئتهما هي واحدة.

 

51 ـ ومرة أخرى، ماذا كانت مشيئة الآب إلاّ أن يأتى المسيح إلى العالم وأن يُطهِّرنا من خطايانا؟ اسمع كلمات الأبرص: ” إن شئت تقدر أن تطهرنى” (مت2:8)، وأجابه المسيح: ” أريد“، وللوقت تبعت الصحة الإرادة. ألا ترى أن الابن هو سيد مشيئته الخاصة، وأن مشيئة المسيح هي نفسها مشيئة الآب. وإن كنتَ ترى حقًا أنه قال: ” كل ما للآب هو لى“، فبالضرورة لم يستثنٍ شيئًا، ومِن ثمّ تكون للابن نفس المشيئة التى للآب.

 

 

الفصل السابع

 

52 ـ لذلك، فإنه توجد وحدة فى المشيئة حيث توجد وحدة فى العمل، لأنه فى الله، فإن مشيئته يصدر عنها مباشرة فعل حقيقى، ولكن مشيئة الله شئ، والمشيئة البشرية شئ آخر. وعلاوة على ذلك، فإن الحياة هى هدف المشيئة البشرية، فنحن نخاف الموت، بينما آلام المسيح كانت تعتمد على المشيئة الإلهية بأن يتألم لأجلنا، ولكى يوضح الرب ذلك، فعندما حاول بطرس أن يثنيه عن الآلام، قال له: ” أنت لا تهتم بما لله. بل بما للناس” (مت23:16).

 

53 ـ ولذلك، أخذ مشيئتى لنفسه، أخذ أحزانى وبثقة أدعوها أحزانى، لأننى أكرز بصليبه. إن ما هو خاص بى هو المشيئة التى سمّاها مشيئته، لأنه كإنسان هو حمل أحزانى، وكإنسان تكلَّم ولذلك قال: ” لا مشيئتى بل مشيئتك“. الأحزان هى أحزانى، وما هو خاص بى والحِمل الثقيل الذى حمله بسبب حزنى هو حملى أنا، لأنه لا يوجد مًن يتهلّل عندما يكون على حافة الموت. هو يتألم معى ويتألم لأجلى، فهو حزن لأجلى. وتثقل لأجلى. لذلك فهو حزن بدلاً منى وحزن فىّ، هو الذى لم يكن هناك سبب يجعله يحزن لأجل نفسه.

 

54 ـ ليست جروحك هى التى آلمتك أيها الرب يسوع، بل جروحى؛ ليس هو موتك بل هو ضعفنا الذى تسبب فى آلامك، كما يقول النبى: “ ضُرِبَ لأجلنا” (إش4:53س)، ونحن يارب، حسبناك مضروبًا عندما تألمت ليس لأجل نفسك بل لأجلى.

 

55 ـ وما الغرابة إن كان الذى بكى لأجل واحد، يحزن لأجل الجميع؟، وما الغرابة إن كان قد تثقل لأجل الجميع ساعة الموت هذا الذى بكى وهو مزمع أن يُقيم لعازر من الموت؟ حقًا لقد تحرَّكت مشاعره بتأثير دموع أخت لعازر المُحِبَّة، لأن هذه الدموع مسَّت قلبه الإنسانى، وهنا وبحزن سِرِّى سمح للمشاعر الإنسانية أن تُعبِّر عن نفسها، حيث كما أن موته وضع نهاية للموت، وجلداته شفت جروحنا، هكذا أيضًا فإن حزنه أزال أحزاننا[39].

 

56 ـ لذلك، فهو كإنسان، كان يشكّ، وكإنسان كان يندهش، ولكن لا قوَّته ولا ألوهيته تُدهش، ولكن نفسه. لقد دُهِشَ نتيجة أنه أخذ ضعفنا البشرى على عاتقه، وإذ ترى أنه اتخذ نفسًا، فقد اتخذ أيضًا مشاعر النفس الإنسانية[40]، لأنه لا يمكن لله أن يتألم أو يموت من جهة كونه الله. وأخيرًا، فإنه صرخ: ” إلهى إلهى لماذا تركتنى“؟ (مز1:22، مت46:27، مر34:15). فهو يتكلَّم هكذا كإنسان حاملاً معه مخاوفى، لأننا عندما نكون وسط المخاطر، فإننا ربما نظن فى أنفسنا أن الله قد تركنا. فهو قد تألم كإنسان، وبكى كإنسان وصُلِبَ كإنسان.

 

57 ـ وهكذا فإن الرسول بولس يقول: ” لأنهم صلبوا جسد المسيح” (غلا24:5)[41]، ويقول القديس بطرس أيضًا: ” إذ قد تألم المسيح.. بالجسد” (1بط1:4). لذلك فالجسد هو الذى تألم، بينما اللاهوت هو فوق فى أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أن يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10). فإن كانت النفس لا يمكن أن تُقتل، فكيف يمكن أن يموت اللاهوت؟

 

58 ـ إذن، فعندما نقرأ أن رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما فى مجده[42]، ولكن لأن الذى هو الله هو أيضًا إنسان، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إن رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام فى بشريته، حتى يمكننا القول إن الذى تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا فى نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: ” الذى نزل من السماء” (يو13:3).

 

الفصل الثامن

ملخص: فى هذا الفصل يشرح القديس قول المسيح: ” أبى أعظم منى” بناءً على المبدأ الذى تقرَّر من قَبْل. والأقوال الأخرى المشابهة تُفسَّر بنفس الطريقة، ولا يمكن فيما يتعلق بألوهية ربنا ـ أن يُقال عنه إنه أقل من الآب.

 

59 ـ لذلك، فيما يليق ببشرَّيته، فإن ربَّنا قيل عنه إنه شكَّ وإنه اغتم بحزن شديد وإنه قام من الموت، لأن من يموت هو أيضًا يقوم ثانية. وأيضًا بسبب بشرَّيته فإنه قال تلك الأقوال: ” أبى اعظم منى” (يو28:14)، والتى يُحوِّلها مخاصمونا بخبث ضده.

 

 

60 ـ ولكن عندما نقرأ فى مقطع آخر: ” خرجتُ مِن عند الآب وقد أتيتُ إلى العالم، وأيضًا أتركُ العالمَ وأذهب إلى الآب” (يو28:16)، فكيف يمكنه أن يذهب (إلى الآب) إلاّ عن طريق الموت، وكيف يمضى إلاّ بقيامته؟ وعلاوة على ذلك، فإنه يضيف ـ ليوضِّح أنه يتكلم فيما يختص بصعوده:   ” وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو29:14). لقد كان يتكلم عن الآلام والقيامة التى لجسده، وعن طريق هذه القيامة يؤمن أولئك الذين سبق أن شكُّوا، لأن الله ـ فى الحقيقة ـ الموجود فى كل مكان لا يَعبُر مِن مكان إلى مكان، ولكن كما أن الإنسان يذهب، فإنه هو نفسه الذى يأتى. وأيضًا، فإنه يقول فى موضعٍ آخر: ” قوموا ننطلق من ههنا” (يو31:14)، إذن، فهو يذهب ويأتى، الذى هو أمر مشترك بينه وبيننا.

 

61 ـ فكيف يمكن ـ أن يكون إلهًا أصغر بينما هو إله كامل وحقيقى؟ ولكن من جهة إنسانيته فهو أقلَّ. وأنت لا تزال تتعجَّب أنه عندما يتكلم كشخص إنسانى فإنه يدعو الآب أعظم منه، بينما هو كإنسان دعا نفسه دودة لا إنسان، وهذا فى قوله: ” أمّا أنا فدودة لا إنسان” (مز6:22)، وأيضًا ” كشاة تُساق إلى الذبح” (إش7:53).

 

62 ـ أمَّا إن كنت تعترف أنه أقلّ من الآب من هذه الجهة فأنا لا أستطيع أن أنكر ذلك، ورغم ذلك فإننا عندما نتكلم بكلمات الكتاب المقدس، فإنه لم يُولد أقلّ، ولكن ” وُضِع أقلّ” (عب9:2)، أى أنه “جُعِل أدنى”. ولكن كيف   ” وُضِع أقلّ” إلاّ لأنه: ” إذ كان فى صورة الله، لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه” (فى6:2و7)، وفى الواقع ـ هو لم ينفصل عن ما كان عليه، ولكنه اتخذ لنفسه ما لم يكن له، لأنه ” أخذ صورة عبد” (فى7:2).

 

63 ـ وعلاوة على ذلك، فلكى نعرف أنه ” وُضِع قليلاً” باتخاذه جسدًا لنفسه، فإن داود يُبيِّن لنا أنه كان يتنبأ عن إنسان بقوله: ” مَنْ هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن الإنسان حتى تفتقده؟ وضعته قليلاً عن الملائكة” (مز4:8و5)، وفى تفسيره لنفس العبارة، فإن الرسول بولس يقول: ” لأننا نرى يسوع الذى وُضِع قليلاً عن الملائكة مُكلَّلاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت” (عب9:2).

 

64 ـ ومِن ثمَّ، فإن ابن الله، قد جُعِل أقلّ، ليس من الآب، بل من الملائكة أيضًا. وإن كنتَ تُحوِّل هذا لتحط من كرامته؛ فأنا أتساءل ما إذا كان الابن ـ من جهة ألوهيته ـ أقلّ من ملائكته الذين يخدمونه ويعبدونه؟ فهكذا وأنت تقصد أن تُقلِّل من كرامته، فإنك تنزلق إلى التجديف برفع طبيعة الملائكة فوق ابن الله، ولكن ” العبد ليس أفضل من سيده” (مت24:10). وأيضًا، فإن الملائكة خدموه حتى بعد تجسده، وذلك لكى تعترف به أنه لم يتعرض لفقدان جلاله بسبب (اتخاذ) طبيعته الجسدية، لأن الله لا يمكن أن يخضع لأى تناقص فى ذاته[43]، وما أخذه من العذراء لا يُضيف أو يُنقص من قوته الإلهية.

 

65 ـ فإذ له ملء اللاهوت والمجد[44]، فهو إذن من جهة ألوهيته ليس أقلّ (من الآب)، فالأعظم والأقلّ هما من الصفات التى تليق بالموجودات المادية، حيث الأعظم يكون هكذا من جهة الرتبة أو الصفات أو العمر، ولكن هذه المصطلحات تفقد معناها عندما نأتى إلى معالجة أمور الله. فمن الشائع أن من يُسمّى الأعظم هو ذلك الذى يرشد أو يُعلِّم آخر، ولكن ليست الحالة هكذا مع حكمة الله (يقصد المسيح الابن) كأنها بُنِيَت بالتعليم الذى يحصل عليه واحد من آخر، إذ أن الحكمة هى نفسها التى وَضَعت أساس كل تعليم. لذا كتب الرسول: ” لكى يذوق بنعمة الله ـ الموت لأجل كل واحد“، وذلك حتى لا نفترض أن اللاهوت وليس الجسد هو الذى كابد الآلام[45]!.

 

66 ـ فإن كان معارضونا لم يجدوا وسيلة ليبرهنوا على أن الآب أعظم من الابن، فدعهم لا يقلبون الكلمات إلى أقوال كاذبة. بل فليبحثوا عن معناها. لذلك فأنا أسألهم، من أى ناحية يعتبرون الآب أنه أعظم؟ فإن كان بسبب أنه هو الآب، فأنا أجيبهم، نحن هنا لسنا نسأل عن العمر أو الزمن، فالآب لا يتميز بشعر أبيض ولا الابن بالشباب، هذه الأمور التى على أساسها تقوم الكرامة الأعظم لأى أب. وكلمتا “أب” و”ابن” هما مجرد اسمين، الواحد للوالد والآخر للولد، أسماء يتضح أنها تربط ولا تفصل، لأن الطاعة والقيام بالواجب لا توحِى بأى فقدان للجدارة الشخصية، باعتبار أن القرابة تربط الناس ببعض، ولا تُمزقهم.

 

67 ـ فإن كانوا لا يقدرون أن يجعلوا من نظام الطبيعة سندًا لأى سؤال عندهم، فليؤمنوا الآن بشهادة الكتب، فالبشير يشهد بأن الابن ليس أقلّ من الآب بسبب أنه ابن، حاشا، بل هو يُوضِّح أنه بكونه الابن، فهو مساوٍ للآب بقوله: ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله” (يو18:5).

 

68 ـ ليس هذا ما قاله اليهود، ولكن البشير هو الذى شهد بذلك، أى أن المسيح بقوله عن نفسه إنه ابن الله، فهو يجعل نفسه مساويًا لله، لأن اليهود لم يُظهروا أنفسهم أنهم يقولون: ” لهذا السبب نحن نطلب أن نقتله”؛ ولكن البشير هو الذى يشهد بنفسه ويقول: ” من أجل هذا كان اليهود يطلبون أن يقتلوه“. علاوة على ذلك، فإن البشير قد اكتشف السبب (بقوله) إن اليهود تحركوا بالرغبة فى قتله، لأنه إن كان كإله قد كَسرَ السبت، وأيضًا قال إن الله أبوه، فإنه يكون قد نسب إلى نفسه ليس فقط جلال السلطان الإلهى فى كسر السبت، بل أيضًا فى كلامه عن أبيه نسب إلى نفسه الحق فى المساواة الأزلية معه.

 

69 ـ وقد كانت الإجابة التى أعطاها ابن الله لهؤلاء اليهود مناسبة جدًا، بأن أثبت نفسه أنه الابن وأنه مساوى لله؛ إذ قال: ” لأن مهما عمل الآب فهذا يعمله الابن كذلك” (يو19:5)، لذلك فإن الابن قد عُرِفَ وبُرِهنَ على أنه المساوى للآب ـ وهى مساواة حقيقية، وهذه المساواة تستبعد أى اختلاف فى الألوهية، كما أنها تكشف ليس الابن فقط بل الآب أيضًا، الذى الابن مساوى له؛ لأنه لن تكون هناك مساواة حيث يوجد اختلاف، وأيضًا لن تكون هناك مساواة، لو كان يوجد أقنوم واحد فقط، نظرًا لأن الشخص الواحد لا يكون بنفسه مساويًا لنفسه. وهذا ما بيّنه البشير، أنه من اللائق أن يُسمِّى المسيح نفسه ابن الله، أى أنه مساوي لله.

 

70 ـ ومن ثمّ فإن بولس الرسول، وهو يتبع هذا الإعلان يقول: ” لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله“، لأن ما لا يمتلكه الإنسان، فإنه يسعى ليتحصل عليه كغنيمة. لذلك فإن مساواته للآب، كإله ورب، يمتلكها فى جوهره الذاتى، وليس كغنيمة استولى عليها لنفسه بطريقة خاطئة. ومن هنا فإن الرسول أضاف الكلمات: ” آخذًا صورة عبد“. وبالتأكيد، فإن العبد هو عكس المساوى، ومن ثمَّ، فإن الابن مساوى إذ هو فى صورة الله، ولكنه أقلّ باتخاذه لنفسه جسدًا، وأيضًا فى آلامه كإنسان. لأنه كيف يمكن لنفس الطبيعة أن تكون أقل ومتساوية معًا فى نفس الوقت؟ وكيف يمكن للابن ـ إن كان أقل ـ أن يعمل نفس الأعمال، بنفس الطريقة، كما يعمل الآب؟ كيف يمكن فى الواقع أن يكون العمل واحدًا مع وجود اختلاف فى القوة؟ هل يستطيع الأقل أن يعمل نفس المفاعيل مثل الأعظم؟ أو هل يمكن أن توجد وحدة فى العمل حيث يوجد اختلاف فى الجوهر؟

 

71 ـ لذلك، عليك أن تَقْبَل بأن المسيح ـ فيما يمس ألوهيته ـ لا يمكن أن يُسَّمى أقل من الآب. يتكلم المسيح مع إبراهيم ويقول: ” أقسمت بذاتى” (تك16:22)، والرسول يُبيّن أن من يُقسم بذاته لا يمكن أن يكون أقل من أىٍّ (آخر)، ولذلك يقول: ” فإنه لمَّا وعد الله إبراهيم، إذ لم يكن له أعظم يُقسم به، أقسم بنفسه قائلاً: إنى لأباركنك بركة وأكثرنك تكثيرًا” (عب13:6 و14). فالمسيح إذن لا يوجد له آخر أعظم منه ليقسم به، ولهذا السبب فإنه أقسم بذاته. وعلاوة على ذلك، فإن الرسول قد أضاف عن صواب: ” فإن الناس يقسمون بالأعظم منهم” (عب16:6)، من حيث إن الناس لهم مَنْ هو أعظم، أمّا الله فليس له أعظم.

 

72 ـ وإلاّ، فإن كان الذين يعترضون علينا سوف يفهمون الآية السابقة على أنها تُنسب إلى الآب، فإن باقى المكتوب لا يتفق مع هذا، لأن الآب لم يظهر لإبراهيم، ولا أن إبراهيم غسل قدمى الله الآب، ولكنه غسل قدمى ذاك الذى  فيه سوف تكون صورة الإنسان[46]. وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله قال: ” إبراهيم … رأى يومى وفَرِح” (انظر يو56:8)، لذلك فإن الذى أقسم بذاته هو بعينه الذى رآه إبراهيم.

 

73 ـ فكيف يكون له مَنْ هو أعظم منه، هذا الذى هو واحد مع الآب فى الألوهية[47]. وحيث توجد وحدة، لا يوجد أى اختلاف، بينما يوجد اختلاف بين الأعظم والأقل. إذًا فإن التعليم فى الاقتباس الموجود أمامنا من البشائر فيما يتعلق بالآب والابن، هو أن الآب ليس أعظم، وأن الابن ليس له مَنْ هو أعلا منه، نظرًا لأنه لا يوجد بين الآب والابن فرق فى الألوهة يفصل بينهما، وإنما جلالٌ واحد.

 

[1] يو14:1و18، عب5:1، رو5:9، 3:1ـ4، يو1:1ـ3، 14.

[2] عب3:1، انظر يو9:14، كو15:1.

[3] 1كو24:1، انظر يو6:14، 25:11.

[4] انظر خر14:3 ” أهيه الذي أهيه ” أي أكون الذي أكون.

[5] انظر يو42:8، 27:16ـ28.

[6]  انظر عب3:1.

[7] انظر يو6:14، 3:17، 1يو20:5.

[8] انظر تث26:5 ” مَنْ.. سمع صوت الله الحي يتكلم.. وعاش“. انظر يو25:11.

[9] انظر خر15:28ـ21.

[10] انظر عب15:4، 1:5ـ5، 28:7، 7:8.

[11] انظر عب3:1.

[12] يُرجع القديس أمبروسيوس الشاهد إلى أيوب36:38، بحسب الترجمة السبعينية.

[13] خر27:35.

[14] يتبع القديس أمبروسيوس النسخة السبعينية (أم21:31(22).

[15] انظر سفر الخروج34،33:28، وأيضًا 6،5:28.

[16] هذه الألوان استُخدمت في صُنع إفود الكاهن الأعظم (خر5:28و6) وصُنع حجاب الهيكل.

[17] هذه هي نظرية بعض الفلاسفة الأيونيين.

[18] انظر يع14:2ـ26.

[19] أي ابنًا “بالتبني” كواحد منّا.

[20] انظر مر18:10.

[21] الابن موجود ” في طبيعة الله ” بسبب أن صفة أبوة الله الأزلية تتضمن وجود ابن أزلي  وحبه الأزلي هو الغاية الأزلية لهذا الحب.

[22] مز6:13 “ لأنه أحسن إلىَّ” ، خر14.

[23] خر6:17، عد8:20و11.

[24] خر12:16، تث3:8و4، تث5:29، مز24:78و25، مز40:105، يو31:6، 1كو3:10.

[25] قارن مت43:13، دا 3:12، إن تألق هذه الجوقات السماوية هو إنعكاس لذاك الذي هو نور العالم، النور الحقيقي، انظر يو9:1، 12:8، 46:12، رؤ23:21، 5:22.

[26] مز1:118، 1:136، 1:106، 1:107.

[27] القياس المنطقي للقديس أمبروسيوس يظهر كالتالي: ” إن القاضي هو الإله العادل، وابن الله هو القاضي، إذن يكون ابن الله هو الإله العادل”.

[28] يو12:7.

[29] انظر 1كو4:8.

[30] انظر يو22:17و23.

[31]  راجع الكتاب الأول الفصل الأول.

[32] لا يستخرج أي شك من المقطع التالى بسبب أن :

1 ـ معنى العبارات واضح وبسيط                  2 ـ والآيات المقتبسة هي من الكتاب الموحى به.

[33] إش6:52س، والقراءة في ترجمة دار الكتاب المقدس: ” لذلك يعرف شعبي اسمى، لذلك في ذلك اليوم يعرفون أنِّي أنا هو المتكلم هأنذا “.

[34] أى4:38ـ6 ” أين كنتَ حين أسستُ الأرض.. مَن وضع قياسها.. على أى شئ قرَّت قواعدها..“.

[35] كو15:1و16.

[36] أى الطبيعة البشرية.

[37] انظر الكتاب الأول فقرة 57.

[38] إن نفس الكلمة ـ في اللغة اليونانية على الأقل ـ تُعطِى نفس معنى (ريح) و(روح). فالهواء غير المرئي ومع ذلك فهو محسوس وحقيقي، والريح، والنَفَس يمكن أن تكون أفضل رمز للروح، الذي يُعرف ويُحقق حضوره فقط من خلال آثاره. والروح في معناه الأوَّلى هو “نسمة”.

[39] إنه تعليم جميل جدًا للآباء أن المسيح أخضع ذاته لظروف وتجارب حياتنا كى يعيدها ويقدِّسها ويمدها بفاعلية استحقاقاته، وكان الآباء حريصون أن ينسبوا لكلمة الله المتجسد ليس فقط الأجزاء الطبيعية فى الجسد والنفس، بل وحتى أصغر الأشياء والخاصة جدًا مثل: الحزن، الخوف، الدموع؛ وكذلك جميع المشاعر البشرية: الحَمْل، الميلاد، الطفولة؛ وجميع مراحل الحياة والنمو: الجوع والعطش، التعب والحزن ـ كى يجد علاجًا لكل ما زحفت إليه الخطية. وكما أفسد الموت الكل، هكذا يلزم أن يُرش ماء الحياة. ويقول القديس غريغوريوس النزينزى بطريقة مُلفتة للنظر: ” لقد نام حقًا ليبارك نومنا، وتعب ليقدِّس تعبنا، وبكى ليكرِّم الدموع”. ويقول القديس كيرلس الكبير فى شرح (يو27:12): ” سوف تجد كل أنواع الاختبارات البشرية ممثلة كما يجب فى المسيح، وأن المشاعر الجسدية قد تسربلت بالقوة، ولكن ليس مثلنا، لكى تحصل على السلطة والسيادة والاستعلاء. ولكن بقوة الكلمة الساكن فى الجسد يمكن لهذه المشاعر أن تُذلَّل وتُضبَط، وتتحوَّل طبيعتنا إلى حالة أفضل.

[40] يعدد ذلك أريستوتل فى الأخلاقيات Aristotle, Ethics II. Ch. 4 (5).

[41] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلى مُلفت للنظر حيث يقول النص: ” ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد“.

[42] انظر 1كو8:2.

[43] لأنه إن كان الأمر هكذا، فإن الله يتوقف عن أن يكون إلهًا.

[44] كو9:2: فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت.

[45] يريد القديس أمبروسيوس أن يقول إن المسيح تألم ومات بالجسد وإنه نال معونة كإنسان وقت آلامه، كما ذكر الإنجيل أن ملاكًا من السماء ظهر له ليقويه وهو فى بستان جسثيمانى (انظر لو43:22).

[46] 1يو2:3و3، تك4:18: ” ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة“.

[47] انظر يو30:10 ” أنا والآب واحد“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الفصل السادس

ملخص:

القديس أمبروسيوس وهو يبرهن على أن المسيح لا يختلف عن الآب، يذكر أسماء القادة الآريوسيين الأكثر شهرة، ويشرح كيف أن شهادتهم لا تتفق كثيرًا، ويبين أن الدليل الذى تقدمه الكتب المقدسة ضدهم.

 

          43 ـ يقول الآريوسيون إن المسيح ليس مثل الآب، أما نحن فننكر هذا القول، بل بالحرى حقًا، نحن نجزع هلعًا عند سماع هذه العبارة. ومع ذلك فأنا أريد من جلالتك أن تثق فى مناظراتنا ومحاوراتنا. دعنا نسأل الكتب المقدسة، الرسل، الأنبياء، المسيح، بل دعنا فى كلمة (واحدة) نسأل عن الآب الذى يقول هؤلاء القوم إنهم يُرفِّعون من قدره عندما يدّعون أن الابن أدنى منه. علمًا بأن إهانة الابن لن تؤول إلى كرامة للآب الصالح. ولا يمكن أن يُسرّ الآب الصالح إذا قيل إن الابن أقل من الآب، وليس مساويًا له .

 

          44 ـ إننى أتوسل إلى جلالتك أن تحتملنى إن كنت ـ لفترة وجيزة ـ أوجه كلامى لهؤلاء الناس بنوعٍ خاص. ولكن من منهم أختاره لأقتبس منه؟ أونوميوس[1] Eunomius، أم آريوس وإتيوس Aetïus[2] معلميه، لأن أسماءهم كثيرة، ولكنهم مشتركون فى كفر واحد، ثابت فى الشر، ولكن فى المناقشات، فإنهم ينقسمون على أنفسهم بغير اختلاف فيما يخص المخادعة والمكر؛ ولكن فى مجموعهم يشتركون فى الإقدام على بث الخلافات، ولكن لماذا لا يتفقون معًا فيما بينهم فهذا ما لا أفهمه؟!

 

          45 ـ الآريوسيون ينبذون شخص أونوميوس، ولكنهم يتمسكون بكفره ويسيرون فى طرقه الشريرة. هم يقولون إنه بحماس كبير نشر كتابات آريوس. حقًا يا لها وفرة مسرفة فى الضلال! إنهم يمدحون من أعطى الأمر ويرفضون من ينفذه! ولذلك فقد انقسموا إلى شيع متعددة. فالبعض يتبع أونوميوس أو إتيوس، والبعض يتبع بلاديوس أو ديموفيلوس Demophilus وأكسينتيوس Auxentius أو الوارثين لهذا النمط من الكفر[3]، وآخرون أيضًا يتبعون معلمين مختلفين، فهل انقسم المسيح[4]؟ حاشا، ولكن أولئك الذين يفصلون المسيح عن الآب فإنهم يقطعون أنفسهم بأيديهم إلى أجزاء متباعدة .

 

          46 ـ لذلك إذ أرى أن الرجال الذين لا يتوافقون بين أنفسهم وكلهم يتماثلون فى التآمر على كنيسة الله، فسوف أطلق على أولئك الذين أرد عليهم، اللقب المشترك، “الهراطقة”. إن الهرطقة هى مثل نوع من الطحالب المذكورة فى الأساطير، والتى عندما تخرج، فإنها تغطى نفسها بطبقة سميكة من الشمع، كما أنه يحدث فى أكثر الأحيان إنه عندما يقصر طولها بسبب ما ينالها من قَطْع أجزاء منها فإنها تنمو من جديد. هذا النوع من الطحالب لا يمكن ملاشاته إلاّ بلهيب النار[5]، أو مثل نوع من الـ”سكيللا” Scylla الهائلة والمريعة ـ ينقسمون إلى أشكال كثيرة من الكفر ـ فإنها تتخفى كما بقناع لتخفى غدرها، هكذا هم يتظاهرون بأنهم شيعة مسيحية. إن هؤلاء القوم البائسين والتعساء الذين يندفعون ذهابا وإيابًا ـ يشبهون ذاك الوحش الذى يندفع وسط أمواج عنفه الشرير ـ هكذا هم أيضًا يندفعون وسط حطام مذهبهم، يتمرغون بتورطهم الشديد فى تعاليمهم الكفرية متمنطقين بحيوانات متوحشة.

 

          47 ـ إن كهف هذا الوحش الفظ، يا جلالة الإمبراطور محفوظ كما يقول الملاحون فى مرابض مختفية، ولذلك فإن جميع الجيران فى المناطق المجاورة، يتعرفون عليه بواسطة نباح الكلاب، لذا فيجب علينا نحن أيضًا أن نرهف آذاننا جيدًا إلى نباح كفرهم، لأنه مكتوب: ” انظر، سيِّج أذنيك بالشوك” (يشوع بن سيراخ28:28) وأيضًا: ” احذروا الكلاب، احذروا فعلة الشر” (فى2:3)، بل وأيضًا: ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه” (تى10:3ـ11). إذن فمثل بحارة حكماء، دعنا نقلع رافعين شراع إيماننا فى الطريق الذى نعبره بأمان شديد، وأيضًا نتبع شواطئ الكتب المقدسة.

 

 

 

الفصل السابع

ملخص:

إن مماثلة Likeness المسيح للآب تُؤكَّد بالاستناد إلى القديس بولس، والأنبياء، والأناجيل، وخاصة بالاعتماد على خلقة الإنسان على صورة الله.

 

          48 ـ يقول الرسول إن المسيح هو صورة الآب، لأنه يدعوه: ” صورة الله غير المنظور، بِكر كل خليقة “. انتبه من فضلك، فهو يقول بِكر وليس أول الخليقة، حتى نؤمن به أنه مولود حسب طبيعته[6]، وأنه الأول بسبب أزليته. وفى مكان آخر أيضًا، فإن الرسول قد أعلن أن الله جعل الابن:     “ وارثًا لكل شئ، الذى به أيضًا عمل العالمين، الذى هو بهاء مجده وصورة جوهره” (عب2:1و3). فالرسول يدعو المسيح صورة الآب، بينما يقول آريوس إنه ليس مثل الآب، فلماذا إذن يُسمَّى صورة إن لم يكن مماثلاً (للآب)؟ إن البشر لن يقبلوا أن تكون الصور التى تُعمل لهم غير مماثلة لهم، وآريوس يقول إن الآب ليس مثل الابن، وأن الآب قد وَلَد شخصًا ليس مماثلاً له، وكأنه غير قادر أن يَلِد المماثل لنفسه.

 

          49 ـ يقول الأنبياء: ” بنورك نرى نورًا” (مز9:36)، وأيضًا ” الحكمة هى شعاع النور الأزلى ومرآة جلال (بهاء) الله التى لا عيب فيها وصورة صلاحه” (حكمة26:7). انظر أيَّة أسماء يعلنونها! ” شعاع ” لأنه فى الابن يُشرق مجد الآب بوضوح، و”المرآة التى لا عيب فيها” لأن الآب يُرى فى الابن[7]، و”صورة صلاحه” لأن الذى يُرى منعكسًا فى آخر ليس جسم ما، بل كل القوة التى للاهوت، تُرى فى الابن. إن كلمة ” صورة ” تُعلِّمنا أنه لا يوجد اختلاف، بل تعنى “التعبير” أو “نسخة طبق الأصل لهيئة الآب”، و”البهاء” يُعبِّر عن أزليته[8]. إن ” الصورة ” فى الحقيقة ليست هى لملامح أو تقاطيع جسدية، كما أنها ليست مصنوعة بالألوان، ولا شُكِّلت فى (قالب) شمع، وإنما هى مستمدة ببساطة من الله، صادرة من الآب، رُسمت من الينبوع الأصلى.

 

          50 ـ وبواسطة هذه الصورة فإن الرب قد أظهر الآب لفيلبس بقوله:  “ الذى رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرِنا الآب؟ ألست تؤمن إنى أنا فى الآب والآب فىَّ؟[9]. حقًا إن من ينظر إلى الابن، يرى الآب فى صورة شخصية[10]. لاحظ أى نوع من الصورة نتكلم عنه. إنه الحق، البر، قوة الله[11]، وهى ليست صماء، لأنها هى “الكلمة”، وليست عديمة الحس لأنها “الحكمة”، وليست باطلة وغبية، لأنها هى القوة، وليست بلا روح، لأنها هى الحياة، وليست ميتة لأنها هى القيامة[12]. فأنت ترى إذن بينما الكلام هو عن صورة، فإنما المعنى المقصود هو الابن الذى هو صورة الآب، حيث إنه لا يمكن لأى كائن أن يكون هو صورة نفسه.

 

          51 ـ ربما أكون قد وضعتُ ودوَّنتُ كثيرًا من شهادات الابن، ولئلا نظهره ربما كأنه يشهد لنفسه أكثر، لهذا دعنا نتوجه إلى الآب لنتعلم منه، لأنه يقول: ” نعمل الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تك26:1). إن الآب يقول للابن: “ على صورتنا ومثالنا“، بينما أنت أيها الهرطوقى تقول إن الابن ليس مثل الآب.

 

          52 ـ يقول القديس يوحنا: ” أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو2:3). يا للجنون الأعمى! يا للعناد الذى لا يخجل! نحن بشر، ورغم ما نحن عليه فإننا سوف نكون مثل الله، فهل نجرؤ نحن وننكر أن الابن هو مثل الله؟

 

          53 ـ لذلك يقول الآب: ” نعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا“. عند بدء العالم نفسه، وكما قرأت، كان الآب والابن موجودين. وأنا أرى خليقة واحدة، وأنا أسمع ذاك الذى يتكلم[13]، وأنا أعترف بذاك الذى يعمل[14]، ولكننى أقرأ عن صورة واحدة، مثال واحد. إن هذا المثال Likeness (الشبه) لا يخص التعدد والاختلاف ولكن يخص الوحدة. فما تدَّعيه إذًا أنت لنفسك، إنما قد أخذته من ابن الله، إذ أنك ترى فى الواقع أنه لا يمكنك أن تكون ” على صورة الله” إلاَّ بفضل ” صورة الله” (يقصد الابن).

 

الفصل الثامن

ملخص:

هنا يثبت القديس أمبروسيوس مماثلة Likeness الابن للآب. إنه ليس من الصعب إثبات أزلية الابن، مع أنه ـ في الواقع ـ يمكن أن يُبنى هذا بالاستناد على شهادات النبى إشعياء والقديس يوحنا البشير، هذه التى بالرجوع إليها يُمكن أن تُدحَض تعاليم الهراطقة.

 

54 ـ لذلك فمن الواضح أن الابن ليس غير مماثل للآب، وهكذا فإنه يمكننا أن نعترف بأكثر سهولة أنه أيضًا أزلى، لأن الذي هو مِثل الأزلى لابد أن يكون أزليًا. ولكن إن كنا نقول إن الآب أزلى ثم ننكر أزلية الابن، فنحن بهذا نقول إن الابن ليس مماثلاً للآب، لأن الزمنى يختلف عن الأزلى. والنبى يُعلن أنه أزلى، وكذلك فإن الرسول يُعلن أنه أزلى؛ وكلا العهدين القديم والجديد هما على قدم المساواة مملوءان بالشهادة لأزلية الابن.

 

55 ـ دعنا الآن نتناولهما بحسب ترتيبهما. ففي العهد القديم دعنا نستشهد بإحدى الشهادات العديدة، فإنه مكتوب: “.. قبلى لم يوجد إله وبعدى لا يكون” (إش10:43). إننى لن أُعلَّق على هذا الشاهد ولكننى أسألك مباشرةً: ” مَن الذي يتكلَّم هذه الكلمات، الآب أم الابن؟”. سواء قلت إنه الآب أو الابن، فسوف تجد نفسك مقتنعًا، وإن كنت مؤمنًا فسوف تتعلّم. مَن إذن هو الذي ينطق بهذه الكلمات: الآب أم الابن؟ إن كان الابن فإنه يقول: “ قبلى لم يوجد إله“، وإن كان الآب، فإنه يقول: ” وبعدى لا يكون“. فالواحد لا يوجد أحد قبله، والآخر لا يوجد أحد بعده. وكما أن الآب يُعرف في الابن، هكذا أيضًا فإن الابن يُعرف في الآب، لأنه في أى وقت تتكلَّم عن الآب، فأنت تتكلم أيضًا ضمنيًا عن ابنه، إذ ترى أنه لا يوجد آخر سواه هو أبوه own father الخاص (الذاتى)؛ وعندما تذكر الابن، فأنت تعترف أيضًا بأبيه، نظرًا لأنه لا يمكن أن يكون هناك آخر غير ابنه الخاص (الذاتى). وهكذا فإنه لا يمكن أن يوجد الابن بدون الآب ولا أن يوجد الآب بدون الابن. لذلك فالآب أزلى والابن أيضًا أزلى.

 

56 ـ ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع with الله، وكان الكلمة الله، هذا نفسه the same كان في البدء مع الله” (يو1:1). لاحظ كلمة “كان مع الله”. انتبه! إن لدينا كلمة “كان” مكرَّرة 4 مرات، أين يجد المجدَّف أنه مكتوب: “لم يكن”. ومرة ثانية، فإن يوحنا في عبارة أخرى في رسالته يتكلم عن: ” الذي كان من البدء” (1يو1:1). إن امتداد الـ “كان” لا نهائى. تصور أى طول للزمن تريده، ومع ذلك فإن الابن يظل كما هو: “كان”.

 

57 ـ والآن، فإنه في هذه الفقرة القصيرة، قد سدَّ صيَّادنا[15] الطريق على كل هرطقة، لأن الذي “كان في البدء” لا يُفهم أنه كان في الزمن، وهو لا يسبقه أى بدء. لذلك دع آريوس يكف عن الكلام. وإضافة إلى ذلك، فإن هذا الذي كان “مع الله” ليس مختلطًا أو ممتزجًا معه، ولكنه مُميَّز (يقصد التميُّز الأقنومى ـ المترجم)، بسبب الكمال التام الذي له، باعتباره الكلمة الموجود مع الله. لهذا، فدع السابليين أيضًا يصمتون[16]. و” الكلمة كان الله“، فلذلك فإن هذه الكلمة ليس هو كلام منطوق، بل هو لقب مميَّز ذو رفعة سماوية، وهكذا يدحض تعليم “فوتينوس”. بل والأكثر من هذا، فمن حقيقة أنه “في البدء كان مع الله”، تتبرهن الوحدة غير المنقسمة للاهوت الأزلى للآب والابن، ودع أونوميوس[17] يخزى ويخجل. وأخيرًا وإذ نرى أنه مكتوب عنه أن جميع الأشياء خُلِقت به، فإنه يظهر جليًا أنه هو مصدر العهدين القديم والجديد كليهما، حتى لا يجد أصحاب مانى أى سبب أو أساس لهجومهم. وهكذا فإن الصياد الماهر قد اصطادهم جميعًا في شبكة واحدة، ليجعلهم غير قادرين على الخداع، ولو أنه سمك غير نافع بالمرة.

 

 

 

الفصل التاسع

ملخص:

في هذا الفصل يسأل القديس أمبروسيوس الهراطقة ويفند إجاباتهم، التي هى أن الابن موجود حقيقة قبل كل الأزمنة ومع ذلك فهو ليس مساوِِ للآب في الأزلية، ولأجل ذلك فهو يُبيَّن أنهم يُظهرون الألوهة كما لو كانت متغيرة، وعلاوة على ذلك، أن كل أقنوم يجب أن يؤمَن به أنه أزلى.

 

58 ـ أخبرنى أيها الهرطوقى ـ إذ أن سماحة الإمبراطور الفائقة تُخوَّل إلىَّ هذا التسامح لمخاطبتك لفترة وجيزة، ليس لأننى أريد أن أتباحث معك، أو لأننى أطمع أن أسمع حججك، ولكن لأنى أريد أن أفندها. أريد أن تخبرنى هل كان يوجد مطلقًا زمن لم يكن فيه الله الكلِّى القدرة آبًا، ومع ذلك فقد كان هو الله؟ إنك سوف ترد علىَّ وتقول: “إننى لم أتكلم شيئًا بخصوص الزمن”. حسنًا! ولكن أنت تعترض بطريقة خبيثة، لأنك إن أدخلت الزمن في الجدال، فأنت سوف تدين نفسك، إذ (بحسب رأيك) يجب أن تعترف أنه كان يوجد زمن لم يكن فيه الابن، بينما الابن هو الضابط الكل وهو خالق الزمن، لأنه لا يمكن أن يبدأ (الابن) في الوجود بعد شئ ما صنعه هو، لذلك فإنك ترى أنك تحتاج أن تعترف به سيدًا وخالقًا لصنعته.

 

          59 ـ قد تجيب: ” إننى لم أقل إن الابن لم يوجد قبل الزمن، ولكننى عندما أدعوه “ابنًا”، فإننى أُظهر وأُوضح أن أباه موجود قبلاً منه، كما يُقال: ” إن الآب موجود قبل الابن”. ولكن ماذا يعنى هذا؟ أنت تنكر أن الزمن كان موجود قبل الابن، ومع ذلك فأنت تريد أن تقول إنه يوجد شئ يسبق وجود الابن، أى مخلوق زمنى: أنت تُبيَّن مراحل نشوء متوسطة متداخلة، وتريدنا بذلك أن نفهم أن الولادة من الآب قد حدثت في الزمن. إن قلت إنه ابتدأ أن يكون أبًا، فيظهر لأول وهلة أنه كان إلهًا في الأول وبعد ذلك أصبح أبًا. كيف يكون هذا بخصوص الله بينما هو غير متغيّر[18]، لأنه إن كان أولاً إلهًا ثم بعد ذلك صار أبًا، فلابد بالتأكيد أنه قد حدث له تغير بسبب عملية الولادة المضافة والحادثة متأخرًا.

 

          60 ـ ليت الله يحفظنا من هذا الجنون، فإننا لم نكتب إلاّ لندحض ونفنَّد عدم تقوى الهراطقة. إن الروح التقية المتخشعة تؤكد ميلادًا ليس في الزمن، وهكذا تعلن أن الآب والابن متساويان في الأزلية، كما لا تعترف بأن الله قد خضع لأى تغيير.

 

61 ـ لذلك دعنا نقدم العبادة للآب والابن معًا ما داما متشاركان في الألوهة. لا تسمح للتجديف أن يشطر هذين اللذين قد ربطتهما الولادة معًا بقوة. دعنا نكرَّم الابن فبهذا نكرَّم الآب أيضًا كما هو مكتوب في الإنجيل[19]. إن أزلية الابن هى بهاء جلال الآب وعظمته. إن لم يكن الابن منذ البدء، فسوف يكون الآب نفسه قد لحقه التغيير؛ ولكن الابن هو منذ الأزل، لذلك فالآب لم يعتره أى تغيير، لأنه دائمًا غير متغير، لذلك فنحن نرى أن الذين ينكرون أزلية الابن سوف يعلِّمون أن الآب متغيّر.

 

الفصل العاشر

ملخص:

إن أزلية المسيح يُبرهَن عليها من تعليم الرسول. والقديس أمبروسيوس يحضنا على الاعتقاد بأن الميلاد الإلهى لا يجب أن يُفكَّر فيه بأنه على نمط التناسل البشرى، ولا يجب أن يُنظر إليه فى فضول. من ثمَّ وبسبب الصعوبات الناجمة، فإنه يرفض أن يبحث فى هذا الموضوع، ويقول إنه مهما كانت العبارات والاصطلاحات (التى يُعبَّر بها) والتى نستمدها من معرفتنا البشرية الشخصية، فهذه عندما تُستخدم فى الميلاد الإلهى، فإنه يجب علينا أن نفهمها بمعنى روحى.

 

62 ـ لدينا هنا برهان آخر يبّين بوضوح أزلية الابن. فالرسول يقول إن قوة الله والألوهة هما أزليان، وإن المسيح هو قوة الله، لأنه مكتوب أن المسيح هو: ” قوة الله وحكمة الله” (1كو23:1و24)، فإن كان المسيح هو قوة الله، فمن ثمَّ نظرًا لأن قوة الله هى أزلية فيكون المسيح أيضًا أزليًا.

 

63 ـ فأنت لا تقدر إذن أيها الهرطوقى أن تبنى عقيدة مزيفة من خلال عُرف التناسل البشرى، ولا أن تجمع مدلولات من خلال حديثنا هذا، إذ أنه لا يمكننا أن نحيط بعظمة الألوهة غير المحدودة من خلال لغتنا المحدودة، لأنه: ” ليس لعظمته استقصاء” (مز3:145). إن كنت تبحث فى أن تُعطى حسابًا عن ميلاد إنسان، فإنه يلزمك أن نحدد زمنًا، أمّا الميلاد الإلهى فهو فوق كل الأشياء، إنه يبلغ أقصى بُعده واتساعه، ويرتفع فوق كل فكر وإحساس، لأنه مكتوب: ” ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى” (يو6:14). لذلك فمهما تخيلت فيما يتعلق بالآب، حتى ولو كان أزليته، فلن تستطيع أن تدرك شيئًا عنه إلاّ بمعونة الابن، ولا يمكن لأى فهم أو إدراك أن يرتفع إلى الآب إلاّ بالابن. إن الآب يقول: ” هذا هو ابنى الحبيب” (مت5:17، مر7:9، لو35:9). عليك أن تلاحظ وتنتبه إلى أن لفظة: “هو”، أى هو كائن كما هو إلى الأبد، ومن ثمَّ فإن داود تحرك ليقول: ” يارب إن كلمتك مثبتة فى السموات إلى الأبد” (مز89:119). إن ما يثبت لا يكف عن أن يكون موجودًا وأزليًا.

 

64 ـ ولكنك قد تسألنى كيف يكون المسيح ابنًا إن لم يكن له أبٌ موجود قبله؟ وأنا بدورى أسألك كيف ومتى تظن أنت أن الابن قد وُلِدَ؟ أما بالنسبة لى فإن معرفة سر ميلاده تفوق ما يمكننى إدراكه[20]، والفكر يعجز واللسان يبكم، ودائمًا، ولست أنا فقط، ولكن الملائكة أيضًا. إنه سر أسمى من قدرة القوات (الملائكة)، وفوق الملائكة وفوق الشاروبيم والساروفيم، وفوق كل الموجودات التى لها حسٌّ وإدراكٌ، لأنه مكتوب: ” سلام المسيح الذى يفوق كل فهم” (فى7:4)، فإن كان سلام المسيح يفوق كل فهم، فكيف لا يكون هذا الميلاد العجيب فوق كل إدراك؟

 

65 ـ فعليك إذن (مثل الملائكة) أن تُغطِّى وجهك بيدك[21]، إذ لم يُعطَ لك أن تتطلَّع إلى الأسرار العجيبة! إنه من الجائز والمسموح به لنا أن نعرف أن الابن مولود، لا أن نجادل فى طريقة ميلاده. إننى لا يمكننى أن أنكر الأمر الأول، أما الثانى فإننى أخشى أن أبحث فيه، لأنه إن كان بولس يقول إن الكلمات التى سمعها عندما اختُطِف إلى السماء الثالثة لا يُنطق بها[22]، فكيف يمكننا نحن أن نشرح سر هذا الميلاد من الآب، الشيء الذى لا يمكننا أن نسمعه ولا أن نبلغه بعقلنا؟

 

66 ـ ولكنك إن كنت تجبرنى على قبول قاعدة الولادة البشرية، حتى تدعنى أسمح لك أن تقول إن الآب كان موجودًا قبل الابن، فعليك أن تفكر، هل الأمثلة التى تُستمد من المخلوقات الأرضية، تكون مناسبة لتُبيّن وتُوضح الميلاد الإلهى. فإن كنا نتكلم بحسب ما هو معتاد أن يحدث بين الناس، فإنه لا يمكنك أن تنكر أنه ـ فى الإنسان ـ فإن التغيُّرات التى تحدث فى كيان الأب (الوالد) تحدث قبل تلك التى تحدث فى أبنائه. فالأب هو الأول فى النمو، وفى الدخول فى الشيخوخة، وفى أن يحزن، وفى أن يبكى. إذن فإن كان الابن يأتى بعده فى الزمن، فالأب يكون أقدم فى الخبرة عن الابن. وإن كان الابن يُولد، فإن الوالد يفلت من عار الولادة.

 

67 ـ لماذا تجد لذة فى هذا العذاب بالأسئلة. أنت تسمع اسم ابن الله، فإمّا أن تلغيه وتبطله، أو أن تقرّ وتعترف بطبيعته الحقيقية. أنت تسمعه يتكلم عن الرحِم، فعليك أن تعترف بحقيقة الميلاد الذى لا شك فيه[23]، وتسمع عن قلبه ـ فعليك أن تعترف أنه يوجد هنا كلمة الله[24]. وعن يده اليمنى ـ فعليك أن تعترف بقوته[25]. وعن وجهه ـ فاعترف بحكمته[26]. فعندما نتكلم عن الله، فلا يجب أن نفهم هذه الكلمات، كما نفهمها حينما نتكلم عن الأجساد. إن ميلاد الابن يفوق الفهم، والآب يلد الابن بدون ألم[27]، ومع ذلك فإن الإله الحق قد وَلَدَ  الإله الحق من ذاته وولده قبل كل الدهور. الآب يحب الابن[28]، بينما أنت تفحص بقلق عن شخصه. إن الآب قد سُرَّ به[29]، أمَّا أنت فإنك تشترك مع اليهود إذ تنظر إليه بعين شريرة؛ الآب يعرف الابن[30]، وأنت تشترك مع الوثنيين بسبّك وإهانتك وشتيمتك له[31].

 

 

 

 الفصل الحادى عشر

ملخص:

      لا يمكن للكتب المقدسة إثبات أن الآب موجود قبل الابن، كما أنه لا يمكن أن تكون المجادلات المتخذة من التناسل البشرى تفيد في هذا الصدد، لأنها تُوصَّل إلى سخافات منافية للعقل ولا نهاية لها. أمَّا مَن يتجاسر ليعلّم بأن المسيح بدأ وجوده في الزمن، فهذا هو قمة التجديف.

 

68 ـ أنت تسألنى هل من الممكن أن يكون الآب سابقًا في وجوده (على الابن). وأنا أسألك أن تخبرنى متى كان الآب موجودًا دون أن يكون الابن (معه). فأى برهان يمكن أن تقدمه أو ما هى الحجج والأدلة التي تؤيد ذلك من الكتاب المقدس. فإن كنت تعتمد على أدلة (من الكتاب)، فإنك بلا شك قد تعلمت أن قوة الله أزلية. فلابد أنك قرأت الكتاب القائل: “ يا إسرائيل إن سمعت لى، فلن يكون فيك إله غريب ولا تسجد لإله أجنبى” (مز8:81و9). أول هذه الوصايا يدل على أزلية (الابن)، والثانى منها يدل على امتلاكه لنفس الطبيعة، حتى إننا لا نستطيع أن نؤمن أنه جاء إلى الوجود بعد الآب، كما لا يمكننا أن نفترض أنه ابن لإله آخر. لأنه لو لم يكن موجودًا دائمًا مع الآب، فإنه يكون إلهًا ” غريبًا ” (جديدًا)، وإن لم يكن من نفس الألوهة مع الآب، فهو يكون إلهًا ” أجنبيًا “. فالابن لم يوجد بعد الآب، لأنه ليس “إلهًا جديدًا”، ولا هو ” إله أجنبى “، لأنه مولود من الآب، ولأنه هو: ” الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد” (رو5:9) كما هو مكتوب.

 

69 ـ ولكن إن كان الآريوسيين يعتقدون فيه أنه إله أجنبى، فلماذا إذن يعبدونه بينما الكتاب يقول: ” لا تسجد لإله غريب؟ “، وإلاّ فإن كانوا لا يسجدون للابن، فليتهم إذًا يعترفون بذلك وبهذا ينتهى الموضوع، فلا يخدعون أحدًا باعترافات ديانتهم. هذه هى إذن شهادات الكتب المقدسة. أمَّا إن كان عندك شهادات أخرى، فهذا هو عملك الذي عليك أن تقوم به.

 

70 ـ دعنا الآن نتقدم أكثر لنستخلص الحقيقة من خلال البراهين والحجج. فمع أن البراهين تكون كافية عادةً للمنطق البشرى، إلاّ أن الهرطوقى لا يزال يجادل كما تفعل أنت، فأنت تقول: ” إن الاختبار يُعلّمنا أن الكائن الذي يلد هو سابق على ” الكائن المولود “، وأنا أجيب: دعنا نتتبع اختبارنا المعتاد في كل جوانبه، فإن كانت باقى الجوانب تتفق مع ما تقوله هنا، فإننى لن أعارض ادعاءك وسوف أُسلّم بما تقول، ولكن إن لم يوجد مثل هذا الاتفاق، فكيف تطالب بالموافقة على هذه النقطة الواحدة، بينما يعوزك السند في باقى الجوانب؟ فأنت باستنادك على ما هو معتاد تقول إن الابن عندما وُلِدَ من الآب كان طفلاً صغيرًا. أنت تراه طفلاً يصرخ في المهد، وبمرور السنين أخذ ينمو من قوة إلى قوة ـ لأنه لو كان ضعيفًا بخضوعه لضعف الأشياء المولودة، فلابد أيضًا (الابن) أن يكون قد سقط تحت نفس الضعف فقط، ليس من جهة الولادة فقط بل من جهة الحياة أيضًا.

 

71 ـ ولكنك ربما بهذا تجرى نحو هوة من الغباء حتى تجعلك لا تحجم عن أن تؤكد على حدوث هذه الأمور مع ابن الله، وتقيسه كما تفعل الآن، بحسب مقياس الضعف البشرى. إذن فبينما أنت لا يمكنك أن ترفض أن تعطيه اسم إله، إلاّ أنك تنزع إلى إثبات أنه إنسان بسبب الضعف؟ وماذا إن كنت وأنت تفحص شخص الابن، فإنك تتشكك في الآب، وبينما أنت تحكم بتسرع على الأول (الابن)، فإنك تضم الآخر (الآب) تحت نفس الحكم!

 

72 ـ لو كانت الولادة الإلهية خاضعة لحدود الزمن إن افترضنا هذا، باقتباس ما هو معتاد في الولادة البشرية، فإنه يتبع ذلك أن يكون الآب قد حبل بالابن في رحم جسدى، وتمخض تحت نير الحمل إلى أن انقضت عشرة أشهر. ولكن كيف يمكن أن يتم التوالد كما يحدث عادةً بدون اشتراك الجنس الآخر؟ إنك ترى أن النظام المعتاد للتوالد لم يكن هو ما حدث في البداية، وأنت تظن أن طرق التوالد العادى الذي تحكمه ضرورات معينة تخضع لها الأجساد، كانت سائدة دائمًا فيما سبق. أنت تفترض الطريق المعتاد، وأنا أسأل عن اختلاف الجنس: أنت تتمسك بوجود الزمن، وأنا أتمسك بالطريقة (طريقة الولادة)، أنت تبحث في النهاية، وأنا أبحث في البداية.

          والآن، بالتأكيد فإن النهاية تعتمد على البداية، وليست البداية هى التي تعتمد على النهاية.

 

73 ـ أنت تقول: ” إن كل ما يولد له بداية، ولأن الابن هو ابن، فلابد أن تكون له بداية، وقد أتى إلى الوجود أولاً ضمن حدود الزمن. إن هذا هو ما ينطق به فم الهراطقة. أما بالنسبة لى، فإننى أعترف أن الابن مولود، ولكن بقية كلامهم تجعلنى أرتعد. أيها الإنسان، هل تعترف بالله، وبعد ذلك تحط من كرامته بمثل هذا الافتراء؟ ليت الله ينقذنا من هذا الجنون. 

 
 
 

 

 

 

الفصل الثانى عشر

ملخص:

إن اعتراضات إضافية بخصوص ألوهة الابن تُقابَل بنفس الإجابة، وهى توضح للذهن الذكى أن هذه الاعتراضات تكون ضد الآب أيضًا بالتساوى. فإن كان الآب لا يُحد إطلاقًا، لا بزمن أو بمكان أو بأى شئ آخر مخلوق، فمثل هذه التحديدات ينبغى ألا تُفرض على الابن أيضًا، الذي ميلاده العجيب ليس هو من الآب فقط، بل ومن العذراء أيضًا. ولذلك فحيث إنه في ميلاده من الآب لم يكن هناك تمييز في الجنس (ذكر وأنثى) وما شابه ذلك، فإن هذا التمييز ليس له وجود في حالة ولادته من العذراء.

 

74 ـ إن الاعتراض التالى هو هذا: ” إن لم يكن للابن تلك الصفات التي لجميع الأبناء، فلن يكون ابنًا”. ليت الآب والابن والروح القدس يسامحونى، لأننى أعرض الاعتراض بكل خشوع وورع. بالتأكيد، فإن الآب كائن وهو دائم إلى الأبد: والأشياء المخلوقة موجودة كما رسم لها الله أن توجد. هل يوجد أىّ من هذه المخلوقات غير خاضع لحدود الزمن أو المكان أو لحقيقة أنه مخلوق، أو لعلة ما أو أصل خالق؟ بالتأكيد، لا يوجد. فماذا إذن؟ هل الله يحتاج إلى أى واحد من هذه المخلوقات؟ إن قلت هذا، فهذا هو التجديف بعينه. كفّ إذًا عن أن تنسب للألوهة ما هو خاص ومناسب فقط للموجودات المخلوقة. أما إن كنت تُصّمم على إتمام المقارنة (في الموضوع)، فتفكر مليًا إلى أين يقودك شرّك هذا. لا سمح الله لنا، حتى أن ترى نهاية هذه الأمور.

 

75 ـ نحن نؤكد على الجواب الذي تعطيه التقوى. الله كُلَّى القدرة، ولذلك فإن الله الآب لا يحتاج لأى من تلك الأشياء، إذ لا يوجد في الله أى تغيير أو احتياج إلى مثل هذه المعونة التي نحتاجها نحن. فإن ضعفنا يتم مساندته بأشياء من هذا القبيل. أمَّا الذي هو كلّى القدرة، فمن الواضح أنه غير مخلوق، وغير منحصر في مكان بعينه، وهو يتجاوز الزمن. قبل الله لم يكن شئ. حاشا، فحتى أن تتكلم عن وجود شئ قبل الله فهذا خطية فظيعة مُهلكة. إذن، فإن كنت تُسلَّم أنه لا يوجد شئ في طبيعة الله الآب يلمح إلى أنه يحتاج إلى مساندة، بسبب كونه الله، فيتبع ذلك أنه لا شئ من هذا النوع يمكن أن يُفترض أنه يوجد في ابن الله، لا شئ يدل على بداءة أو ازدياد، من حيث إنه ” إله حق من إله حق[32].

 

76 ـ وإذ نرى إذن، أننا لا نجد النظام المعتاد، سائدًا هنا، فإننا نقتنع أيها الآريوسى، بأن نؤمن بميلاد عجائبى للابن. أقول لك: كن مقتنعًا، وإن كنت لا تُصَّدقنى، فاحترم على الأقل صوت الله الذي يقول: ” بمن تشبهوننى لنتشابه؟” (إش5:46س)، وأيضًا: ” الله ليس إنسانًا فيكذب” (عد19:23). فإن كان الله حقًا يعمل بطريقة سرَّية، إذ نراه لا يعمل أى عمل، أو يصنع أى شئ، أو يُحضِره إلى كماله، بواسطة عمل اليدين أو من خلال سير الزمن، لأنه: ” أَمَرَ فَخُلِقت” (مز5:148)، فلماذا لا نصدّق أن هذا الذي نعترف به كخالق يعمل بطريقة سرية ـ مميزين طريقته هذه في مخلوقاته ـ لماذا لا نصدق أنه قد ولد ابنه أيضًا بطريقة سرية؟ إنه من المناسب، بالتأكيد أن يُعتبر أنه قد ولد ابنه بطريقة خاصة وسرَّية. فهذا الذي له الجلال المنقطع النظير، يليق به أيضًا المجد الخاص بالولادة السرَّية.

 

77 ـ وليس فقط ميلاد المسيح من الآب، بل أيضًا ميلاده من العذراء يدعو إلى تعجبنا. إنك تقول إن الميلاد الأول يكون بحسب الطريقة التي نولد بها نحن البشر. ولكننى سوف أُريك بل وسوف أضطرك أنت نفسك أن تعترف، بأن الميلاد من العذراء أيضًا لا يشبه طريقة ميلادنا نحن. أخبرنى كيف وُلد من مريم، وأى قانون يتفق مع الحمل به في رحم عذراء، كيف تكون هناك أية ولادة بدون زرع رجل، كيف يمكن لعذراء أن تحمل بطفل، وكيف صارت أمًا قبل أن تختبر مثل هذا الاتصال الذي يتم بين الزوجات وأزواجهن. إنه لا يوجد سبب منظور ـ ومع ذلك فإن ولدًا قد وُلد. كيف تم إذن هذا الميلاد تحت قانون جديد؟.

 

78 ـ فإن لم يكن هذا النظام البشرى المعروف قائمًا في حالة العذراء مريم، فكيف تطلب أنت أن تكون ولادة الله الآب لابنه بمثل الطريقة التي وُلِدتَ أنت بها؟ وبالتأكيد فإن النظام المعروف يتحقق بواسطة اختلاف الجنس، إذ أن هذا قد غُرس في طبيعة جسدنا، ولكن حيث لا يوجد جسد، فكيف يمكن أن تتوقع أن تجد ضعف الجسد. لا يستطيع أحد أن يحاكم مَن هو أفضل منه. فإن تؤمن فهذا ما أُمرتَ به دون أن يُؤذَن لك بأن تسأل أو تحاكِم، لأنه مكتوب: ” آمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا” (تك6:15). إن اللغة تقصر عن أن توضح ليس فقط ميلاد الابن بل حتى أعمال الله أيضًا، كما هو مكتوب: ” كل أعماله تنجز بالأمانة” (مز4:33س). فأعماله إذن تُصنع بأمانة، ولكن ليس ميلاده. نحن دُعينا وأُمرنا أن نؤمن، وبدلاً من أن نسأل عن ما نراه بعيوننا، نجد أنفسنا أننا نفحص ونفتش ونرتاب في ما لا نراه؟

 

الفصل الثالث عشر

ملخص:

لا يزال الحديث عن الولادة الإلهية مستمرًا فى هذا الفصل. والقديس أمبروسيوس يوضح طريقة هذا الميلاد بنفس المثال الذى استخدمه كاتب الرسالة إلى العبرانيين. ويُبيِّن وجوب الإيمان بما أُعلن باستخدام مثال نبوخذنصر والقديس بطرس. ومن خلال الرؤيا التى وُهِبت للقديس بطرس تُظهر أزلية الابن وألوهيته، وينبغى أن نصدق بطرس الرسول أكثر من معلمى الفلسفة، الذين تهاوت سلطتهم فى كل مكان ولم يعد أحد يصدقهم. ومن الجهة الأخرى، يوضح أن الآريوسيين هم كالوثنيين.

 

79 ـ سوف يُطرح السؤال: ” بأى طريقة وُلِدَ الابن؟ (فنجيب) لقد وُلِدَ كائنًا له دوام أبدى، وُلِدَ كلمة، وُلِدَ كبهاء النور الأزلى[33]. فالبهاء يكون فاعلاً فى لحظة مجيئه إلى الوجود. هذا المثل ليس من عندى ولكنه من عند الرسول (بولس). فلا تفكر إذن أنه كانت هناك لحظة من الزمان على الإطلاق كان الله فيها بدون حكمة، مثلما لم يكن هناك زمن على الإطلاق كان النور فيه بلا إشعاع. لا تحكم أيها الآريوسى على الأمور الإلهية بمقاييس بشرية، ولكن آمن بالأمور الإلهية عندما لا تجد (ما يماثلها فى) الأمور البشرية.

 

80 ـ لقد أبصر الملك الوثنى فى النار التى أُلقى فيها الثلاثة فتية اليهود ـ رابعًا معهم شبيهًا بملاك[34]، ولأنه ظن أن هذا الملاك يفوق جميع الملائكة، فإنه حكم بأنه ابن الله، وهو الذى لم يكن قد سمع عنه، ولكنه آمن به، وإبراهيم أيضًا أبصر ثلاثة وسجد لواحد[35].

 

81 ـ بطرس لما رأى موسى وإيليا على الجبل مع ابن الله، لم ينخدع بسبب طبيعتهما ومجدهما. وهو لم يسأل أحدًا منهما، إنما سأل المسيح عما يجب أن يعمله، فمع كونه قدَّم الاحترام والوقار للثلاثة، ولكنه انتظر الأمر من واحد. ولكن بسبب أنه بجهالة فكر بأن يصنع ثلاث مظال، إلاَّ أن الصوت الإلهى المهيمن الذى لله الآب قد صحح وتدارك هذا بقوله: ” هذا هو ابنى الحبيب، له اسمعوا” (مت5:17)، أى: ” لماذا تضع إخوتك العبيد على قدم المساواة مع سيدك؟”، إن ” هذا (وحده) هو ابنى”، ” موسى ليس ابنى”، ” وإيليا ليس ابنى” بل ” هذا هو ابنى“. ولم يكن الرسول غبيًا بل فهم التوبيخ، لذلك فإنه سقط على وجهه وانحنى متضعًا لصوت الآب وللجمال المُمجد الذى للابن، ولكن الابن أقامه، الذى يُسرّ بأن يقيم الساقطين[36]. وبعد هذا فإنه رأى واحدًا فقط[37]، ابن الله فقط، لأن العبيد انسحبوا، ليظهر أنه هو الرب وحده، وهو وحده الذى سُمِّى ” الابن”.

 

82 ـ ماذا إذن كان الغرض من هذه الرؤيا والتى بيّنت أن المسيح وعبيده هم غير متساوين، بل وتدل على سر، إذ ينبغى أن يصير جليًا لنا أن الناموس والأنبياء متفقون مع الإنجيل، ويعلنون أن المسيح هو ابن الله الأزلى، الذى سبق أن بُشروا به. لذلك فعندما نسمع أن الابن يخرج من الرحم، كما أن الكلمة يخرج من القلب، فليتنا نؤمن أن الابن المبارك ليس مخلوقًا بل هو مولود من الآب، ليس هو عمل صانع ماهر، ولكنه مولود الآب.

 

83 ـ فذاك الذى قال: ” هذا هو ابنى” لم يقل: ” هذا مخلوق فى الزمن” ولم يقل: ” هذا الكائن هو خليقتى، ولا هو من من صنعى، ولا هو خادمى”، ولكنه قال: ” هذا هو ابنى الذى ترونه مُمجدًا”. هذا هو إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب الذى ظهر لموسى فى العليقة[38]، والذى قال عنه موسى: “ الذى هو الكائن قد أرسلنى“. لم يكن الآب هو الذى تكلم مع موسى فى العليقة أو البرية، بل الابن. وعن موسى هذا تكلم اسطفانوس قائلاً: ” هذا هو الذى كان فى الكنيسة فى البرية مع الملاك[39]. إذن، فهذا هو الذى أعطى الناموس، والذى تكلم مع موسى قائلاً: ” أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب“. هذا هو، إذن، إله الآباء البطاركة، هذا هو إله الأنبياء.

 

84 ـ لذلك، فعن الابن نحن نقرأ، فليفهم عقلك القراءة، ودع لسانك يعترف ابتعد عن المجادلات حيث يكون الإيمان مطلوبًا. دع المنطق الجدلى يهدأ حتى فى وسط مدارسه الخاصة. أنا لا أسأل ما الذى يقوله الفلاسفة، ولكننى أريد أن أعرف ماذا يعملون. إنهم يقفون مهجورين فى مدارسهم. انظر إلى نصرة الإيمان على المجادلات. إن هؤلاء الذين يجادلون بدقة، إنما يهجرهم زملاؤهم كل يوم، وأولئك الذين يؤمنون ببساطة يزدادون كل يوم. إن الذين يُصدقهم الناس الآن ليسوا هم الفلاسفة بل صيادى السمك، ليس المتمرسون فى المنطق ولكن جباة الضرائب. إن أولئك بالملذات والترف قد وضعوا ثقل العالم على أنفسهم، والآخرون بالصوم وإماتة الشهوات قد طرحوا هذا الحمل عنهم، وهكذا يبدو أن الحزن قد أخذ يربح أتباعًا أكثر من أتباع اللذة.

 

85 ـ دعنا الآن نرى إلى أى مدى يختلف الآريوسيون عن الوثنيين. إن الوثنيين يتخذون لأنفسهم آلهة مختلفة فى الجنس وغير متساوية فى القوة، بينما يؤكد الآريوسيون ويقرون (إيمانهم) بثالوث ولكن بدون تساوى فى القوة، وتنُّوع فى الألوهية. يؤكد الوثنيون أن آلهتهم قد بدأت وجودها فى زمن ما، والآريوسيون يجاهرون كاذبين أن المسيح بدأ فى الوجود فى زمن ما. ألم يصبغ الجميع عقوقهم وعدم تقواهم فى أوعية الفلسفة؟ ولكن فى الحقيقة، فإن الوثنيين يمجدون ويُرفِّعون ما يعبدونه[40]، بينما يقول الآريوسيون إن ابن الله، الذى هو إله، إنما هو مخلوق.

 

الفصل الرابع عشر

ملخص:

ابن الله ليس كائنًا مخلوقًا، هذا ما يمكن أن يُبَرهنُ عليه بالحجج التالية:

1 ـ أنه أمر تلاميذه أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها وليس لنفسه.

2 ـ أن الكائن المخلوق مُستعبد للبُطل.

3 ـ أن الابن قد خلق كل الأشياء.

4 ـ أننا نقرأ عنه أنه مولود.   

5 ـ أن الفرق بين الميلاد والتبنى، كان دائمًا مفهومًا فى تلك الشواهد، التى يتضح منها أن كلا الطبيعتين ـ الإلهية والبشرية ـ متواجدتان معًا فيه.

كل الشواهد الخاصة بهذه الأمور تُثبت بواسطة تفسيرات الرسول.

 

86 ـ أعتقد أنه قد صار واضحًا الآن، لجلالتك المقدسة، أن الرب يسوع ليس مختلفًا عن الآب، كما أنه لم يبدأ وجوده أثناء الزمن. ومع ذلك، فلا يزال علينا أن ندحض تجديفًا آخر، وأن نوضح أن ابن الله ليس كائنًا مخلوقًا. نجد هنا الكلمة الحية التى نقرأها كمعين لنا، لأننا قد سمعنا العبارة التى يقول فيها الرب: ” اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر15:16). إن الذى يقول ” للخليقة كلها” لا يستثنى شيئًا، فكيف يتأتى لهم أن يدّعوا على المسيح أنه “مخلوق”؟، لأنه لو كان مخلوقًا، فهل كان يمكنه أن يأمر أن يُكرز بالإنجيل له هو نفسه؟، لذلك، فالذى يسلّم لتلاميذه عمل الكرازة للمخلوقات، ليس مخلوقًا بل خالقًا.

 

87 ـ فالمسيح، إذن، ليس كائنًا مخلوقًا، لأن الأشياء المخلوقة كما يقول الرسول: ” قد أُخضِعت للبُطل” (رو20:8)، فهل المسيح أُخضِع للبُطل؟ وأيضًا، “ فإن الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن” (رو22:8) كما يقول نفس الرسول، ماذا إذن؟ هل المسيح له نصيب فى هذا الأنين والمخاض، وهو الذى حرّرنا نحن الباكين البؤساء من الموت؟ يقول الرسول: ” الخليقة سوف تُعتق من عبودية الفساد” (رو21:8). نحن نرى إذن أنه بين الخليقة وخالقها يوجد اختلاف شاسع، لأن الخليقة مستعبدة، ” أما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب فهناك حرية” (2كو17:3).

 

88 ـ مَن هو ذاك الذى قاد أولاً إلى هذا الضلال بإعلانه أن الذى خلق الأشياء وصنعها، يكون مخلوقًا؟ إننى أتساءل: هل الرب يخلق نفسه؟ إننا نقرأ: ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان” (انظر يو3:1). وإن كان هو هكذا، فهل هو خلق نفسه؟ نحن نقرأ : ” الله بالحكمة صنع كل شئ” (مز24:104)، ومن يستطيع أن ينكر المكتوب؟ فإن كان الأمر هكذا فكيف يمكننا أن نفترض أن الحكمة قد خُلِقت بنفسها؟

 

89 ـ إننا نقرأ أن الابن مولود، بحسب ما يقول الآب: ” مِن الرحم قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز3:109س). ونقرأ عن ” الابن البكر”[41] وعن “الابن الوحيد”[42] فهو البكر لأنه لا يوجد أحد قبله، وهو “الابن الوحيد”، لأنه لا يوجد بعده أحد. ونقرأ أيضًا: “ وميلاده generation  من يُخبِر به” (إش8:53س). لاحظ أنه مكتوب: “ميلاده” وليس “خلقته”. وأى مجادلات يمكن أن تقف أمام شهادات عظيمة وقوية جدًا مثل هذه.

 

90 ـ وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله يكشف الفرق بين الميلاد والنعمة عندما يقول: ” إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم” (يو17:20)[43]. فهو لم يقل: “إنى أصعد إلى أبينا”، وإنما قال: ” إنى أصعد إلى أبى وأبيكم“. هذا التمييز إنما هو برهان على الفرق، فالذى هو أب المسيح هو خالقنا نحن.

 

91 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه يقول: ” وإلهى وإلهكم“، لأنه رغم أنه هو والآب واحد، والآب هو أبوه إذ له نفس طبيعة أبيه ـ بينما قد بدأ الله أن يصير أبًا لنا بواسطة عمل الابن، ليس بفضل الطبيعة بل بالنعمة، إلاّ أنه ينبهنا هنا إلى وجود طبيعتين معًا فى المسيح، اللاهوت والناسوت، اللاهوت من أبيه، والناسوت من أمه. الأولى كائنة قبل الأشياء، والثانية مأخوذة من العذراء. بسبب الأولى ـ إذ هو يتكلم على أنه الابن، فهو يدعو الله أباه، وبعد ذلك، إذ يتكلم كإنسان، فإنه يدعوه إلهًا له.

 

92 ـ ففى الحقيقة نجد فى مواضع كثيرة، شهادات فى الكتب المقدسة تبين أن المسيح، عندما يدعو الله إلهه، فإنه يفعل هذا كإنسان، مثل: ” إلهى إلهى لماذا تركتنى” (مز1:22)[44]، وأيضًا: ” من بطن أمى أنت إلهى” (مز10:22). ففى الشاهد الأول، فإنه يتألم كإنسان، وفى الثانى، فإن إنسانًا هو الذى خرج من رحِم أمه. وهكذا، فإنه عندما يقول: ” من بطن أمى أنت إلهى“، فهو يعنى أن هذا الذى كان أبوه على الدوام، هو أيضًا إلهه من لحظة خروجه من بطن أمه.

93 ـ وهكذا نرى أننا عندما نقرأ فى الأناجيل وفى الرسائل وفى الأنبياء، فإننا نجد انه مكتوب عن المسيح أنه “مولود”، فكيف يجرؤ الآريوسيون أن يقولوا إنه مخلوق أو مصنوع؟ كان يجب عليهم فى الحقيقة أن يفكروا ويتأملوا مليًا فى هذه الشهادات، وأين يقرأوا فيها عنه أنه مخلوق أو مصنوع؟ وإذ قد بيّنا بوضوح أن ابن الله، مولود من الله، دعهم إذن يفكرون ويفحصون فيما هو مكتوب، أين قرأوا أنه مصنوع، وسوف يرون أنه لم يصر إلهًا ولكنه وُلِدَ إلهًا، وهو ابن الله، وبعد ذلك، صار إنسانًا من مريم، حسب الجسد.

 

94 ـ ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس” (غل4:4). لاحظ جيدًا القول، فإنه يقول ابنه، فهو ليس واحدًا من كثيرين، ولا هو شريك مع آخر، ولكنه ابنه الخاص. وكذلك، فإنه فى القول “ابنه”، فإن الرسول هنا يوضِّح أنه من جهة طبيعة الابن فإن ميلاده كان أزليًا، ويؤكد عنه الرسول أنه بعد ذلك صار من امرأة، حتى لا يُفهم أن الصيرورة خاصة بالألوهة، ولكن بسبب لبسه جسدًا “مصنوعًا من امرأة” بأخذه جسدًا “مصنوعًا تحت الناموس” أى بواسطة حفظ الناموس. وهكذا فإنه بينما الأولى، أى الولادة الروحية هى قبل وجود الناموس، فإن الأخرى هى بعده.

 

 

الفصل الخامس عشر

ملخص:

فى هذا الفصل شرح للآية (أع36:2) و(أمثال22:8). وأن هذه الآيات تتحدث عن إنسانية (ناسوت) المسيح فقط.

 

95 ـ إن اقتباس الهراطقة المعتاد من الكتاب المقدس للآية: ” الله جعله ربًا ومسيحًا” لن يؤدى إلى غرض أو غاية. ليت هؤلاء الجهلاء يقرأون العبارة كلها ويفهمونها، لأنه هكذا هو مكتوب: ” الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا[45]. إنه ليس اللاهوت ولكن الجسد هو الذى صُلِب، وهذا فى الواقع ممكن لأن الجسد الذى أخذه هو قابل للصلب، ولهذا فإنه لا ينتج عن ذلك أن يكون ابن الله كائنًا مخلوقًا.

 

96 ـ دعنا نوضح بعد ذلك بسرعة تلك الآية الأخرى التى يسيئون تفسيرها ـ لكى يتعلموا ما هو معنى الكلمات: ” الله خلقنى“. إنه لم يُكتب:    ” الآب خلقنى[46]. الذى يتحدث هنا هو الجسد الذى يعترف بربه، والتسبيح يُعلِن عن الآب: إن طبيعتنا المخلوقة تعترف بالأول، وتحب الآخر وتعرفه. من إذن لا يمكنه أن يلاحظ أن هذه الكلمات تُعِلن التجسد؟ فالابن يتكلم عن نفسه كمخلوق، أى الجسد الذى يشهد به لنفسه، إنه إنسان، حينما يقول:     ” لماذا تطلبون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق؟” (يو40:8). إنه يتكلم عن بشريته، والتى صُلِب بها ومات ودُفن.

 

97 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه لا يوجد شك أن الكاتب يتكلم عما هو آتٍ (مستقبلاً) وكأنه تمَّ فى الماضى، وهذا هو العُرف فى النبوة أن الأشياء الآتية يُذكَر كما لو كانت فى الحاضر أو قد تمت فى الماضي. ونعطى مثلاً على ذلك، ففى المزمور 22 قد قرأت : ” أقوياء باشان اكتنفتنى[47] وأيضًا: ” اقتسموا ثيابي بينهم[48]. هذا يوضحه الإنجيلي أنه إنما كُتب نبويًا عن زمن الآلام، لأنه بالنسبة لله، فإن الأشياء الآتية فى المستقبل تكون حاضرة أمامه، ولذا فإن الذى يعرف كل الأشياء قبل حدوثها تظهر له كما لو أنها تمت وانقضت، كما هو مكتوب: ” الذى صنع الأشياء التى ستكون[49].

 

98 ـ فليس من العجب إذن أن يُعلن عن مكانه أنه قد تعيّن ونُصِبَ قبل كل العوالم، إذ نرى أن الكتب المقدسة تخبرنا أنه قد تعين من قبل، أى قبل الأزمنة والدهور. إن العبارة التالية تكشف كيف أن الكلمات التى هى مضمون التساؤل تعلن عن نفسها كنبوة حقيقية عن التجسد: ” الحكمة بنت لها بيتًا، أقامت سبعة أعمدة لتُدعِّمها، وذبحت ذبحها، ومزجت خمرها فى الطاس، وأيضًا رتبت مائدتها، وأرسلت خدامها وهم ينادون بصوتٍ عالٍ، يدعون الرجال معًا وهى تقول: من هو بسيط فليمل إلىَّ” (أم1:9ـ4س). أما نرى فى الإنجيل أن جميع هذه الأشياء قد تحققت بعد التجسد، إذ أن المسيح كشف أسرار العشاء المقدس، وأرسل تلاميذه وصرخ بصوتٍ عالٍ، قائلاً: ” إن عطش أحد فليُقبل إلىّ ويشرب” (يو37:7). إذن، فما يأتى بعد ذلك إنما يجيب عما جاء قبله. ونحن نرى بأنفسنا قصة التجسد كلها مبينة وموضحة باختصار بواسطة النبوة.

 

99 ـ وتوجد مقاطع كثيرة يمكن أن نرى فيها أنها نبوات من هذا النوع بخصوص التجسد، ولكن لن أتعوّق (فى البحث) فى الكتب، لئلا يبدو البحث طويلاً جدًا.

 

 

 

 

الفصل السادس عشر

ملخص:

يُجدف الآريوسيون على المسيح إذ يفهمون كلمتَي “مخلوق” و”مولود” بنفس المعنى. ولكن لو كانوا يعتبرون الكلمات مختلفة عن بعضها فى المعنى، فعندئذ يجب ألاّ يتكلموا عن المسيح المولود كما لو كان كائنًا مخلوقًا. إن هذه القاعدة تستند على شهادة القديس بولس الذي بينما يُصرح عن نفسه أنه عبد للمسيح، فهو ينهي عن عبادة أى مخلوق. إن الله إذ هو جوهر خالص وغير مُركَّب، فلا توجد فيه طبيعة مخلوقة؛ وبالإضافة إلى ذلك، يجب ألاَّ يُحط بالابن إلى مستوى المخلوقات، فنحن نرى أن الآب قد سُرَّ به.

 

100 ـ والآن أود أن أسأل الآريوسيين بالذات إن كانوا يعتقدون أن مولود ومخلوق لهما نفس المعنى. إذا كانوا يعتبرونهما بنفس المعنى الواحد، فلا يكون هناك إذن فرق بين الولادة والخلقة. وعليه لأننا نحن أيضًا مخلوقون، فلا يكون بيننا وبين المسيح أى فرق. ومهما كان جنون الآريوسيين عظيمًا، إلاّ أنهم لن يتجاسروا أن يقولوا هذا.

 

101 ـ وبالإضافة إلى ذلك، إذا ما وافقنا على ما هو ليس حقيقيًا وأخذنا بغبائهم، أود أن أسألهم إن كان لا يوجد فرق فى الألفاظ كما يظنون، فلماذا لا ينادون الذي يعبدونه باللقب الأفضل؟ لماذا لا ينتفعون من ” كلمة الآب”؟ ولماذا يرفضون لقب الكرامة ويستعملون اسمًا مهينًا؟

 

102 ـ وإن كان يوجد مع ذلك تمييز ـ كما أظن ـ بين كلمة “مخلوق” وكلمة “مولود”، فإننا عندما نقرأ عنه أنه “مولود” ، فبالتأكيد سوف لا نفهم نفس الشيء من كلمتَي: “مولود” و”مخلوق”. دعهم إذن يعترفون به بأنه مولود begotten من الآب ومولود born من العذراء، أو فليقولوا لنا كيف أن ابن الله يمكن أن يكون مولودًا ومخلوقًا معًا؟ إن الطبيعة الواحدة التى هي فوق الكل، أى الكائن الإلهي، لا تقبل أى صراع أو تناقض (فى داخلها).

 

103 ـ على أى حال، فلندع جانبًا رأينا الخاص، ولنسأل بولس هذا الإنسان المملوء بروح الله، والذى إذ قد سبق فرأي هذه التساؤلات فإنه حكم ضد الوثنيين عامة وعلى الآريوسيين خاصة قائلاً إن الذين يعبدون المخلوق دون الخالق هم مُدانون بحسب قضاء الله. ويمكنك فى الواقع أن تقرأ: ” لذلك أسلمهم الله أيضا فى شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم الواحد مع الآخر، هؤلاء الذين استبدلوا حق الله بالكذب، وعبدوا وخدموا المخلوق دون الخالق، الذي هو الله المبارك إلى الأبد” (انظر رو25،24:1).

 

104 ـ إن بولس يمنعني أن أعبد مخلوقًا، ويحثني على عمل واجبي، بأن أعبد المسيح. يتبع ذلك أن المسيح ليس كائنًا مخلوقًا. إن الرسول يدعو نفسه: ” بولس عبد ليسوع المسيح” (رو1:1)، وهذا العبد الصالح الذي يعترف بإلهه، يريدنا بالمثل ألاّ نعبد ما هو مخلوق. كيف إذن يتأتَّى أن يكون الرسول نفسه عبدًا للمسيح لو كان بولس يعتقد أن المسيح شخص مخلوق؟ دع هؤلاء الهراطقة يكفُّون عن أن يعبدوه، هذا الذى يدعونه “كائنًا مخلوقًا” أو يسمونه مخلوقًا هذا الذي يتظاهرون أنهم يعبدونه، لئلا تحت شكل أنهم عابدون فإنهم يسقطون في عبادة رديئة، لأن ما يظهر للعيان أنه قريب هو أردأ من العدو الغريب. وكون هؤلاء القوم يستخدمون اسم المسيح لإهانة المسيح، فإن هذا يزيد إثمهم.

 

105 ـ أيُّ شارح للكتب المقدسة سنجده أفضل من رسول الأمم، ذاك الإناء المختار، والمختار من ضمن كثير من المضطهدين؟ إن ذاك الذي كان يضطهد المسيح صار يعترف به، إنه على أي حال قرأ سليمان أكثر مما فعل آريوس، وكان متعلمًا حسنًا في الناموس، ولذلك فهو لم يقل إن المسيح كان مخلوقًا، بل إنه كان مولودًا. إنه قرأ: ” لأنه قال فكان ، وأمر فخُلِقت[50]. وأنا أسأل: ” هل المسيح صُنِع بكلمة؟ خُلِق بأمر؟”.

 

106 ـ وبالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن أن توجد طبيعة مخلوقة داخل الله؟ وفى الحقيقة فإن طبيعة الله ليست مُركَّبة، ولا يمكن أن يُضاف إليه شئ، وهو لا يحوي فى طبيعته سوى ما هو إلهي فقط، يملأ كل الأشياء[51]، دون أن يختلط بأي شئ. هو يتخلل كل الأشياء، ولكن لا يتخلله شئ أبدًا. موجود بكل ملئه فى نفس اللحظة، فى السماء وعلى الأرض وفى عمق أعماق البحر[52]. هو غير مرئي للعيون ولا يُعبَّر عنه بالنطق، ولا يُقاس بالإحساس، ولكن يُقتفى أثره بالإيمان، ويُعبد بالورع، حتى إنه مهما كان هناك من ألقاب تفوق فى عمقها كل ما عُرف فى الإدراك الروحي، من حيث المجد والكرامة وعظمة القوة، فهذا عليك أن تعرف أنه يخص الله بحق.

 

107 ـ حيث إن الآب قد سُرَّ بالابن، فآمن أن الابن جدير بالآب، وأنه خرج من الآب كما يشهد هو لنفسه قائلاً: ” لأنى خرجت من قِبل الله وأتيت” (يو42:8)، وأيضًا ” من عند الله خرجت” (يو27:16). فالذي خرج من الله، أيمكن أن تكون له صفات سوى صفات الله ؟!

 

 

 

الفصل السابع عشر

 

108 ـ فمن ثمَّ فإن المسيح لا يكون إلهًا فقط، ولكن هو الله نفسه حقيقة، هو إله حق من إله حق، إذ أنه هو الحق[53]. وإن سألنا عن اسمه، فإن “الحق” هو اسمه. وإن بحثنا لنعرف مرتبته الطبيعية ومنزلته، فهو بالحق تمامًا ابن الله الحقيقي، لأنه في الحقيقة ابن الله الخاص كما هو مكتوب:    ” الذي لم يُشفق على ابنه (الخاص) بل بذلك لأجلنا أجمعين” (رو32:8). وعندما يقول “بذله” فإنه يتحدث عن الجسد، أما أن يكون ابن الله الخاص، فهذا يُعلن ألوهيته؛ وإذ هو إله حقيقي فهذا يُبيّن أنه ابن الله الذاتي؛ أما مذلته فهي بسبب خضوعه وهو في الجسد، وبسبب ذبيحته، وهي بداية طريق خلاصنا.

 

109 ـ ومع ذلك، فلئلا يُحرِّف البعض الكتب المقدسة بسبب العبارة: ” الله بذله “، فإن الرسول نفسه يقول في مكان آخر: ” سلام من الله الآب ومن ربنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا” (غلا3:1و4)، وأيضًا:    ” كما أحبنا المسيح أيضًا وبذل نفسه لأجلنا” (أف2:5). فإن كان الآب قد بذله، وأيضًا هو بذل نفسه من تلقاء نفسه، فمن البيِّن إذن أن إرادة وعمل الآب والابن هما واحد.

 

110 ـ فإن كنا نسأل عن تفوقه الطبيعي، فإننا نجد أن سبب ذلك هو كونه مولود، أمّا إن كنت تفكر أن ابن الله مولود (من الله) فهذا معناه أنك تفكر أنه ابن الله الذاتي؛ وكذلك أن تُنكر أن المسيح هو ابن الله الذاتي، فهذا معناه أنك تُصنِّفه مع سائر البشر ولا يكون بعد ابنًا مختلفًا عن الآخرين. أمَّا إن كنا نسأل عن خاصية ميلاده المُتميزة فهي هكذا: إنه خرج من الله. لأنه بينما نعرف من خبرتنا أن كلمة يخرج تتضمن أيضًا شيئًا موجودًا من قبل، والشيء الذي يُقال عنه إنه يخرج يظهر لنا أنه ينتقل من أماكن داخلية ومستترة، فنحن مع أننا قدَّمنا الموضوع في عبارات موجزة، إلاّ أنه علينا أن نلاحظ الخاصية المميزة للميلاد الإلهي، كون الابن لا يظهر أنه يخرج من مكان، ولكنه يخرج كإله من إله، أي كابن من أبيه، كما أنه ليست له بداية زمنية، ولكنه خرج من الآب بالميلاد. أمّا عن كونه هو نفسه مولودًا، فإنه يقول: ”  إني خرجت من فم العلي” (يشوع بن سيراخ3:24).

 

111 ـ ولكن إن كان الآريوسيون لا يعترفون بطبيعة الابن، وإن كانوا لا يؤمنون بالكتب المقدسة، دعهم على الأقل يؤمنون بالأعمال المقتدرة. ونحن نسأل لمن يقول الآب: ” نعمل الإنسان” (تك26:1) إلاّ لمن يعرف أنه ابنه الحقيقي؟ وهل يمكن للآب أن يرى صورته إّلا في هذا الواحد الحقيقي؟ إن الابن المتبنَّي ليس مثل الابن الحقيقي، وإلاّ ما كان يمكن للابن أن يقول: ” أنا والآب واحد[54] إن كان يقيس نفسه بمن هو حقيقي بينما هو نفسه غير حقيقي. لذلك فإن الآب يقول: ” نعمل الإنسان“. إن الذي يتكلم هو صادق، فهل يمكن أن الذي يعمل (معه) لا يكون صادقًا؟ هل يمكن للكرامة التي تُقدم لذاك الذي يتكلم أن تُحجز عن الذي يعمل؟

 

          112 ـ كيف يمكن للآب إن لم يكن يعرف أنه ابنه الحقيقي أن يستودعه إرادته للتعاون الكامل. وأن يستودعه أعماله ليخلق الأشياء بالفعل؟ وإذ نرى أن الابن يعمل الأعمال التي يعملها الآب، وأن الابن يُحيى من يشاء[55] كما هو مكتوب، فمن ثمَّ فهو مساوٍ في القوة وحر في إرادته، وهكذا تتأكد الوحدانية بينهما، نظرًا لأن قوة الله تكمن في أن جوهر الألوهة هو خاص بكل أقنوم، والحرية لا تعني أي اختلاف، ولكنها تكمن في وحدة المشيئة.

 

113 ـ والرسل عندما تقاذفتهم العواصف وهم في البحر، حالما رأوا المياه تقفز حول أقدام سيدهم وهم ينظرون خطواته الشجاعة غير الخائفة على الماء وهو يسير وسط أمواج البحر الثائرة، وعندما رأوا السفينة التي كانت تضربها الأمواج، وقد هدأت حالما دخلها المسيح، وأيضًا لما رأوا الأمواج والريح يطيعانه، فمع أنهم لم يكونوا قد آمنوا بعد، فقد آمنوا أنه هو ابن الله الحقيقي وقالوا: ” حقًا أنت ابن الله[56].

 

114 ـ وبالمثل فإن نفس الأمر نجده عندما اعترف قائد المائة والآخرون الذين كانوا معه لمّا عاينوا اهتزاز أساسات المسكونة وقت آلام الرب، وهذا تنكره أنت أيها الهرطوقي! قال قائد المائة: ” حقًا كان هذا ابن الله” (مت 54:27)، إنه قال: “كان” والآريوسيون يقولون: “لم يكن!”، لذلك فإن قائد المائة وبأيدي مصبوغة بالدم، ولكن بذهن ورع مخلص يفصح عن حقيقة وأزلية ميلاد المسيح كليهما، وأنت أيها الهرطوقي تُنكر حقيقة هذا الميلاد وتجعله زمنيًا! هل لطخت يداك أكثر من نفسك! ولكنك أنت غير الطاهر حتى في يديك، والقاتل عمدًا، تطلب موت المسيح الذي تترصده إذ أراك تفكر فيه كوضيع وضعيف، كلاَّ، فهذه خطية رديئة، لأنه ولو أن جوهر الألوهة غير متألم، إلاّ أنك تعمل باجتهاد لتذبح المسيح، ليس جسده ولكن مجده.

 

115 ـ لا يمكننا إذن أن نشك بأن الابن هو إله حق حيث إن ألوهته الحقة يؤمن بها حتى القتلة، والأرواح الشريرة كذلك تعترف بها. إننا لا نحتاج الآن إلى شهادتهم، ولكنها مع ذلك هي أعظم من تجاديفك. إننا استدعيناهم للشهادة لنجعلك تستحي، هذا بالإضافة إلى أننا نقتبس مما هو مكتوب في الوحي الإلهي بقصد أن نقودك إلى الإيمان.

 

116 ـ يُعلن الرب بفم إشعياء: ” وأطلب في فم الذين يخدمونني اسمًا جديدًا، الذي يبارك في كل الأرض، وسوف يباركون الإله الحق، والذين يحلفون بالإله الحق” (إش16:65س). إنني أقول إن إشعياء نطق بهذه الكلمات عندما رأي مجد الرب، وقد قيل بوضوح في الإنجيل إنه رأي مجد المسيح وتكلم عنه[57].

          اسمع أيضًا ما كتبه يوحنا البشير في رسالته قائلاً: ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية” (1يو20:5). يوحنا يسميه ابن الله الحقيقي والإله الحق، فإن كان هو الإله الحق، فبالتأكيد يكون غير مخلوق، بلا وصمة كذب أو خداع، وليس فيه اختلاط ولا عدم تماثل مع أبيه.

 

الفصل الثامن عشر

ملخص:

إن أخطاء الآريوسيين مذكورة في النصّ المحدّد لقانون الإيمان النيقاوي، حتى لا تكون لهم فرصة أن يخدعوا أي شخص. وهذه الأخطاء تُسرد بالإضافة إلى الحرم الصريح ضدهم، والذي يُقال إن النطق بهذا الحرم ضدهم لم يكن في مجمع نيقية فقط، وإنما كُرِّر مرتين أيضًا في مجمع أرمينيوم.

 

118 ـ إذن، فالمسيح هو: ” إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود من الآب غير مخلوق؛ له جوهر واحد مع الآب”.

 

119 ـ لذلك حقًا، إذ قد اتبع آباؤنا إرشاد الكتب المقدسة، فإنهم أعلنوا ـ بل أكثر من ذلك ـ تمسكوا، بأن مِن واجبهم أن يذكروا تلك التعاليم المُضادة للتقوى (التي للآريوسيين) في سجل قوانينهم، حتى يُكشف كفر آريوس، ولا يظهر متنكرًاـ كما لو أنه ـ يتستر بصبغة أو دهان للوجه[58]، لأن الآريوسيين يعطون لونًا مزيفًا لأفكارهم التي لا يجرؤون أن يظهروها صراحة. وبحسب ما هو متّبع في سجلات المكتوبات، فإن الهرطقة الآريوسية لا يُكشف عنها بالاسم[59]، ولكن الإدانات الصريحة الموجهة لها تجعلها ظاهرة، حتى يمكن لمن هو مدقق ومتلهف على أن يسمع عنها، أن يُحفظ من السقوط، عندما يعرف أنه قد تمَّ مسبقًا الحكم عليها وإدانتها، من قبل أن يسمع عنها، وتكون نتيجة ذلك هي أن يؤمن (بالإيمان المستقيم).

 

120 ـ ويستطرد القانون قائلاً: ” أولئك الذين يدَّعون إنه يوجد زمن لم يكن فيه ابن الله موجودًا، وإنه لم يكن موجودًا من قبل ميلاده، أو إنه خُلق من العدم، أو إنه من جوهر أو طبيعة أخرى، أو إنه قابل للتغيير، أو إنه يوجد فيه أي ظلّ دوران، فأولئك تُعلن الكنيسة الجامعة الرسولية أنهم محرومون.

 

121 ـ لقد وافقتَ يا صاحب الجلالة على أن من ينطق بمثل هذه التعاليم المنحرفة يُدان عن صواب. إنه لم يكن قرارًا بشريًا أو من مشورة بشرية أن يتقابل في مجمع مسكوني ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا كما بيَّنت بالتفصيل والاستفاضة من قبل[60]، كما أن عددهم هذا يبرهن على أن الرب يسوع بواسطة علامة اسمه وآلامه كان في وسط خاصته، الذين اجتمعوا باسمه[61]، لأن من خلال الرقم ثلاثمائة تتضح علامة الصليب، ومن خلال الرقم ثمانية عشر كانت علامة اسم يسوع[62].

 

122 ـ كان هذا أيضًا هو الإقرار الأول للإيمان، في مجمع أرمينيوم وكذلك في التعديل الثاني بعد هذا المجمع. وبخصوص الإقرار، فإن الخطاب المُرسل إلى الإمبراطور قنسطانطين يشهد بذلك، والمجمع الذي تلاه يوضح التصحيح[63].

 

 

 

 

 

الفصل التاسع عشر

ملخص:

اتُهِمَ آريوس بالخطأ الأول من الأخطاء المذكورة سابقًا، وقد دُحِضَ هذا الخطأ  بشهادة القديس يوحنا. إن الموت الشنيع التعيس للزعيم الهرطوقي موصوف هنا، وكذلك تُفَحص هنا باقي الأخطاء التجديفية واحدة بواحدة ويُردُّ عليها.

 

123 ـ يقول آريوس: ” كان هناك زمن لم يكن فيه ابن الله موجودًا”، ولكن الكُتب المقدسة تقول: “كان”، ولا تقول: ” لم يكن”. وعلاوة على ذلك. فإن القديس يوحنا كَتَب: ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء مع الله” (يو1:1ـ2). لاحظ كم مرة يظهر الفعل “كان”، بينا لم يوجد أي مكان يُذكر فيه “لم يكن”. مَن مِنْ الاثنين إذن يجب علينا أن نصدِّقه؟ القديس يوحنا الذي كان يتكئ في حضن المسيح، أم آريوس الذي غاص متمرغًا وسط أحشائه المنسكبة؟ إن تمرُّغه يجعلنا نفهم كيف أظهر آريوس نفسه ـ بتعاليمه ـ أنه كان مشابهًا ليهوذا، إذ عاقبه الله بعقاب مشابه.

 

124 ـ إن أحشاء آريوس انسكبت أيضًا خارجًا، والحياء يمنعنا أن نذكر أين حدث هذا، وهكذا فإنه انفجر مشطورًا في الوسط، وسقط منطرحًا على وجهه، وتلوثت تلك الشفاه الشريرة التي أنكر بها المسيح. لقد انشق تمامًا كما قال القديس بطرس عن يهوذا، ” لأنه اقتني حقلاً من أجرة الظلم وفِعل الشر، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها[64]. لم يحدث هذا الموت مصادفة، لأنه قد عوقب مثل هذا الشر بعقاب مُشابه، بهدف أن أولئك الذين ينكرون ويخونون نفس الرب سوف ينالون نفس العذاب.

 

125 ـ دعنا الآن ننتقل إلى نقاط أخرى. يقول آريوس: ” إن ابن الله لم يكن موجودًا قبل أن يُولد”، ولكن الكتب المقدسة تقول إن كل الأشياء إنما تقوم في الوجود[65] (أي خُلِقَت) عن طريق الابن، فكيف يمكن إذن لهذا الذي لم يكن موجودًا أن يمنح الوجود لغيره؟ ومرة أخرى نقول إن المجدِّف عندما يستخدم الكلمات: “عندما” و “قبل”، فهو بالتأكيد يستخدم كلمات تشير إلى الزمن. كيف يقول الآريوسيون إن الزمن كان موجودًا قبل الابن، وهناك أشياء مخلوقة في الزمن أي أنها بذلك تكون موجودة قبل الابن، بينما نعرف من الكتب المقدسة أن كل الأشياء قد خُلِقت عن طريق الابن؟

 

126 ـ يقول آريوس إن ابن الله جاء للوجود من لا شئ، فكيف يكون إذن هو ابن الله، كيف وُلد من داخل الآب، كيف نقرأ عنه أنه الكلمة الذي خرج من عند الآب كفيض[66] صادر من صميم طبيعته، إلاّ إذا أقررنا بأنه يجب أن نؤمن أنه خرج ـ كما هو مكتوب ـ من عمق أعماق أقداس الآب الذي لا يُدنى منه؟ أن يُدعى شخص ما ابنًا، فهذا يكون إما بسبب التبنى أو بسبب الطبيعة. فنحن نُسمَّى أبناء (لله) بالتبنى[67]. أما المسيح فهو ابن الله بمقتضى طبيعته الحقيقية الأزلية والدائمة. فكيف يمكن إذن لهذا الذي خلق كل الأشياء من العدم أن يكون هو نفسه مخلوقًا من العدم؟

 

127 ـ إن مَن لا يعرف ما هو مصدر الابن ليس له الابن، لذلك فإن اليهود ليس لهم الابن؛ لأنهم لم يعرفوا من أين هو، لذلك فإن الرب قال لهم: ” أنتم لا تعلمون من أين آتى[68]، وأيضًا قال: ” لستم تعرفوننى أنا ولا أبى” (يو19:8)، لأن الذي ينكر أن الابن من الآب لا يعرف الآب الذي منه (جاء) الابن، وأيضًا لا يعرف الابن لأنه لا يعرف الآب[69].

 

128 ـ يقول آريوس: [ إن الابن من طبيعة أخرى ]، ولكن أى طبيعة أخرى يمكن أن تُرفع إلى درجة المساواة مع ابن الله ـ والتي بمقتضاها يصير هو ابن الله؟! وبأى حق يلومنا الآريوسيون عندما نتكلم باليونانية عن جوهر الله بكلمة oÙs…a أو عندما نُعبِّر باللاتينية بكلمة substantia عن جوهره، إن كانوا هم أنفسهم بقولهم إن ابن الله هو من “جوهر” آخر إنما يؤكدون وجود “جوهر” إلهي.

 

129 ـ ومع أنهم يرغبون في المجادلة بخصوص استخدام الكلمات: “جوهر إلهي” أو “طبيعة إلهية”، فإنهم سوف يُدحَضون بسهولة، لأن الكتابات المقدسة القديمة إنما قد تكلَّمت عن الجوهر oÙs…a باليونانية وعن الطبيعة substantia باللاتينية. فنحن نقرأ أن القديس بطرس يقول إننا شركاء في الطبيعة الإلهية. أما إن قالوا إن الابن هو من طبيعة أخرى، فإنهم بشفاههم يردُّون على أنفسهم، لأنهم بينما يعترفون بالتعبير “طبيعة”، إلاّ أنهم يخافون منه، وهم يضعون الابن في مستوى الخلائق التي يدّعون بأنهم يرفعون الابن إلى مستوى أعلى منها.

 

130 ـ إن آريوس يدعو الابن مخلوقًا، ولكن [ليس مثل باقى المخلوقات]، ولكن في اى شئ لا تختلف المخلوقات عن بعضها؟ فالإنسان ليس ملاكًا، ولا الأرض سماء، والشمس ليست مثل الماء، ولا النور مثل الظلام (ولكنها كلها مخلوقة) ومن ثم فإن تمييز آريوس للابن إنما هو عقيم، لأنه إنما يكون كمَن أخفى ـ بصبغة حقيرة كئيبة ـ تجاديفه الغاشة والخادعة ليصطاد البسطاء.

 

131 ـ يُصَّرح آريوس بأن ابن الله يمكنه أن يتغير وينحرف، فكيف يمكن له أن يكون إلهًا إن كان هو متغيرًا، ونحن نراه يقول: “ أنا الكائن، أنا الكائن، لا أتغير[70]؟.

 

 

الفصل العشرون

 

132 ـ إنني أحتاج أن أعترف باعتراف النبي إشعياء الذي قاله قبل أن يجاهر بكلمة الرب: ” ويل لي، قد ضُرِب قلبي، لأنه وبينما أنا إنسان نجس الشفتين وساكن بين شعب نجس الشفتين، فإنني قد رأيت الملك رب الصباؤوت” (إش5:6). فإن كان إشعياء قال ” ويلٌ لي” عندما رأى رب الصباؤوت، فماذا أقول أنا عن نفسي، وأنا: ” إنسان نجس الشفتين، كُلِّفت لأبحث موضوع الميلاد الإلهي؟ كيف يحلُّ لي أن أتكلم عن أشياء أنا متخوف منها، في حين أن داود يُصلّي ليضع الله حارسًا على فمه بخصوص أمور هو يعرفها[71]. ليت واحدًا من السيرافيم يأتيني بالجمرة المشتعلة من على المذبح السماوي ويضعها في مِلقطي العهدين (القديم والجديد). ومن النار الخارجة منها يطهر شفتيّ النجستين!

 

133 ـ ولكن بينما هبط أحد السيرافيم آنئذ إلى النبي في رؤية، فإنك أيها الرب، في إعلان السر أتيت إلينا في الجسد[72]، فأنت بلا وسيط ولا عن طريق أي رسول، أنت بذاتك طهِّر ضميري من خطاياي الخفية، حتى أنا أيضًا الذي كنت قبلاً نجسًا، أصير برحمتك طاهرًا بالإيمان، وأرنم بكلمات داود: ” أرنم لك بالعود يا قدوس إسرائيل، تبتهج شفتاي إذ أرنم لك ونفسي التي فديتها” (مز22:71و23).

 

134 ـ وهكذا أيها الرب فلتترك أولئك الذين يفترون عليك ويكرهونك، ولتأتِ إلينا، مُطهرًا أذني حاكمنا الملك جراتيان وجميع من معه، الذين سوف يصل هذا الكتاب إليهم ليكون بين أيديهم، وطهّر أذنيَّ حتى لا تبقى فيها أي وصمة من وصمات الكفر التي سمعتها أذناي. طهر إذن بالتمام آذاننا، لا بماء الينبوع أو البحر أو بواسطة جداول تخر وتتموج (مياهها)، وإنما بالكلمات المطهرة كالماء، والتي هي أكثر صفاءً من أي مياه، وأنقى من أي ثلج، كما تقول الكلمات التي نطقتَ بها: ” إن كانت خطاياكم كالقرمز أجعلها تبيض كالثلج” (إش18:1).

 

135 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه يوجد كأس مملوء من خمر عجيب، ذاك الذي تستخدمه لتطهير مخادع النفس الداخلية، كأس ليس هو من النظام العتيق[73]، ولا هو ممتلئ من عصير كرم عادي، وإنما كأس هبط إلينا من السماء إلى الأرض[74]، وهو ممتلئ من خمر عصير العنقود المُعلق بشكل بشري على خشبة الصليب، مثل العنب المُعلّق في الكرمة. من هذا العنقود يكون الخمر الذي يفرّح قلب الإنسان[75]، والذي يرفع الحزين، والذي أريجه يسكب فينا نشوة الإيمان، والعبادة والتقوى الحقيقية والنقاء.

 

136 ـ ولذلك، فبهذا الخمر أيها الرب إلهي، طهّر تمامًا الآذان الروحية لملكنا الإمبراطور، وكما أن الإنسان عندما ينتشي بالخمر العادي، فإنه يحب الراحة والهدوء، ويلقي عنه خوف الموت ولا يشعر بالأذي، ولا يبحث فيما يخص الآخرين بل ينسى ما لهم، هكذا هو أيضًا أعطِه أن يسكر بخمرك؛ فيحب السلام، وإذ هو مؤتمن على رفعة الإيمان، لا يناله موت الكفرة غير المؤمنين، ولينشر الصبر المملوء محبة، ولا يشترك في تجاديف الناس الآخرين، بل يتمسك بالإيمان أكثر من تمسكه بالأسرة والأشقاء والأولاد، كما هو مكتوب: ” اترك كل ما لك واتبعني[76].

 

137 ـ بهذا الخمر، أيها الرب يسوع، طهر أيضًا حواسنا، لكي نمجدك ونعبدك أنت خالق كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة. أنت دائمًا بالحق غير منظور وأنت دائمًا صالح، أنت الذي أعطيت خلائقك أن تكون غير منظورة وصالحة[77].

 

[1]  كان أونوميوس فى وقت ما أسقفًا على سيزيكوس Cyzicus، واشتهر عام 355م، وعلّم ـ مثل آريوس أن الابن مخلوق، مع أنه أول وأكمل مخلوقات الله، وعمله هو أن يرشد الخلائق الأخرى إلى معرفة مصدر وجودهم. فالدين إذن من وجهة نظره يتكون من فهم عقلى كامل لمبدأ فائق للطبيعة وليس أكثر من هذا، واعتبر أن ميلاد الابن حدث فى الزمن وليس قبل الزمن. أمّا النقطة التى ذهب بها أونوميوس أبعد من آريوس فكانت هى إثبات إمكانية إدراك العقل البشرى للجوهر الإلهى، وقال إن أولئك الذين يُصرِّحون بأن الله فى جوهره لا يُدرَك بالعقل، والذين يُعلِّمون أنه إنما يُعرف جزئيًا وبعلامات ودلائل، إنما هم يُعلِّمون (الناس) إلهًا غير معروف، وينكرون كل معرفة ممكنة لله، ولذلك حيث إنه بدون معرفة الله لا يمكن أن توجد مسيحية، فهؤلاء لا يستخدمون أيضًا اسم مسيحيين.

[2] كان إتيوس هو معلم أونوميوس وأصبح أسقفًا على إنطاكية، الكرسى الذى ضُمن له بواسطة الآريوسي أودوكسيوس Eudoxius والذى تمكن من الحصول على (كرسى) سيزيكوس لأونوميوس. وعلى أى حال فإن كلاً من إتيوس وأونوميوس قد عُزلا حوالى عام 360م.

[3] كان ديموفيلوس أسقفًا على القسطنطينية أيام الإمبراطور فالنس (378م)، ولكن عند تبوّأ الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير، فإنه اضطر إلى ترك كرسيه، الذى أُعطى إلى غريغوريوس النزينزى.

[4] 1كو13:1.

[5] يرى هيراكلس Hercules أنه من المستحيل قتل الطحلب الهدرا (نوع من أنواع ثعابين البحر الغريبة والضخمة) الموجود فى المستنقعات الليرنية Lernean marshes بمجرد ضربها فقط على الرأس، من حيث إنه حتى إذا قُطع جزء منها، فإن اثنين ينميان مكانه للتو، لذلك يصبح من اللازم تجفيف الجرح بالنار، كما أنه يوجد واحد من رؤوسها دون أن يموت، ويقول هيراكلس إنه يمكن التخلص منه فقط بسحقه تحت صخرة كبيرة.

[6] المقصود بنوته للآب، وهنا يشير القديس أمبروسيوس إلى كولوسى15:1.

[7] قارن يوحنا45:12 ” والذى يرانى يرى الذى أرسلنى“.

[8] إن بهاء أو ضياء أىّ جسم يظل موجودًا طالما أن هذا الجسم موجود؛ ولأن الآب أزلى فالابن الذى هو بهاؤه يجب أن يكون هو أزليًا أيضًا.

[9] انظر يو9:14ـ10.

[10] أو من يرى الآب فى الابن يراه كما فى صورة شخصية Portrait.

[11]  المسيح هو : الحق : يو6:14؛ البر: إر16،33، إر6:23، 1كو30:1؛ قوة الله: 1كو24:1.

[12] المسيح هو: الكلمة: انظر يو1:1ـ18؛ الحكمة: 1كو24:1، 1كو30:1؛ القيامة والحياة: يو25:11.

[13] يقصد الآب .

[14]  يقصد الابن .

[15] يقصد القديس يوحنا الرسول لأنه كان صيادًا للسمك.

[16] السابيلية تضعف التمييز بين الأقانيم الثلاثة في اللاهوت، وتجعله مجرد تمييز أشكال متعددة لنفس الشخص. إنهم لا يقسمون الجوهر ولكنهم خلطوا الأقانيم.

[17] كان أونوميوس معلِّمًا وقائدًا آريوسيًا، والبرهان والحُجَّة المبسوطتان ضده هنا مِن المناسب أن توجه أيضًا ضد آريوس نفسه.

[18] فكيف تتعامل مع مثل هذه الشواهد: ” أنت أنت وسنوك لن تفنى“، ” أنا هو الرب، أنا لا أتغير، فأنتم يا أبناء يعقوب لن تهلكوا“، ” أبى الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران“.

[19] يو23:5 ” لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يُكرم الآب الذي أرسله“.

[20] مز6:139: ” عجيبة هذه المعرفة فوقى، ارتَفَعَتْ لا أستطيعها“.

[21] قارن إشعياء5:6.

[22] 2كو2:12ـ5.

[23] قد يكون الشاهد هنا هو إش5:49س ” والآن قال الرب جابلى من الرحم (البطن)“.

[24] 1صم14:13 ” .. قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه ..” .

[25] مز2:97 ” أحيَت (خلَّصت) له يمينه وذراعه القدوسة .. “.

[26] مز9:27 ” لا تحجب وجهك عنى ..” .

[27] أى دون أن يعتريه أى تغيير فى نفسه.

[28] يو20:5 ” لأن الآب يحب الابن “.

[29] انظر مت17:3، مر11:1، لو22:3.

[30] انظر يو22:5و23، يو35:3، يو1:17و2و5.

[31] انظر لو36:23و37.

[32] انظر قانون الإيمان النيقاوى.

[33] انظر عب3:1

[34] انظر دا25:3.

[35] تك1:18ـ3.

[36] مت6:17ـ8.

[37] مت7:17.

[38] خر14:3.

[39] أع38:7.

[40] المقصود بهذا الكلام أن الوثنيين يعبدون آلهة غير حقيقية، ولكنهم على الأقل لديهم الاحتشام والتوقير ليعتبروها فى درجة أعلى من المخلوقات البشرية، ولا ينقصون بعناد من قدرها.

[41] كو15:1.

[42] يو14:1.

[43] النعمة التى يتكلم عنها القديس أمبروسيوس هى نعمة التبنى. إن يسوع المسيح هو ابن الله “بالطبيعة” (fÚsi) أمّا نحن فأبناء الله “بالتبنى” (uƒoqes…v).

[44] وانظر مت46:27، مر24:15.

[45] أع36:2، وقارن 1يو3:4

[46] أم22:8س وفى العبرية: ” الله قنانى“.

[47] مز12:22، قارن مت36:27، لو35:23.

[48] مز18:22، قارن مت35:37، مر24:15، لو34:23، يو23:19، 24.

[49] إش11:45س، أما بحسب الترجمة العبرية فإن النص هو: ” اسألوني عن الآتيات“.

[50] مز9:33، مز5:148.

[51] عد21:14 ” ولكن حيٌّ أنا فتُملأ كل الأرض من مجد الرب“.

[52] مز19:72 ” ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتلئ الأرض كلها من مجده“؛ إش3:6 “ وهذا نادي ذاك وقال: قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض“؛ زك9:14 ” ويكون الرب ملكًا على كل الأرض، في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده“.

[53]  يو6:14.

[54] انظر يو30:10.

[55] انظر يو19:5و21.

[56] انظر مت33:14.

[57] انظر يو41:12.

[58] يقصد القديس أمبروسيوس أن كُفر الآريوسيين يحاولون أن يخفوا حقيقته، تمامًا كما تحاول النسوة إخفاء حقيقة وجوههن باستخدام الأصباغ والدهانات للوجه، هذه الأمور التي كانت منتشرة في الشرق وانتقلت إلى اليونان (اقرأ عن إيزابل عندما كحلت بالأُثمد عينيها 2مل30:9 وأيضًا حز40:23).

[59] يتبع القديس هنا ما هو جارٍ في سجلات مجلس الشيوخ في القديم، عندما كان يُصمت عن ذكر شخص ما، وتُسقط الكتابة عنه، ويُفهم أن سبب الإبعاد غالبًا ما يكون تدنيًا أخلاقيًا خطيرًا. هكذا بالمثل لا يُذكر آريوس أو الآريوسية صراحة بالاسم، حتى لا تُدان بشكل صريح.

[60] انظر الفصلين الثالث والخامس.

[61] انظر مت20:18.

[62] انظر الفصلين الثالث والخامس.

[63] عُقد مجمع أرمينيوم عام 359م إبان حكم الإمبراطور قنسطنطيوس، وحضره أكثر من أربعمائة أسقف، وهؤلاء أعلموا الإمبراطور أنهم مصمِّمون على ألاّ يسمحوا بأي تغيير بخصوص ما قُرِّر في مجمع نيقية، وهذا هو المعروف بـ ” الإقرار الأول “. ولكن مع ذلك فإن هذا الإقرار لم يُحافظ عليه طويلاً، لأن الأساقفة، إلى حدٍّ ما، بسبب إرهاب الإمبراطور، وجزئيًا بسبب أنهم خُدعوا من الآريوسيين، فإنهم وافقوا على أن يحذفوا الكلمات: ” طبيعة Substance” و” من نفس الجوهر Consubstantial”، ولكن بعد هذا كان “التصحيح” والذي يسميه القديس أمبروسيوس “الثاني”، والذي تمَّ إما بأولئك الأساقفة الذين إذ عرفوا خطأهم سحبوا قرارات المجمع الذي عُقد في أرمينيوم، أو بواسطة المجامع التي تلته، وبالتحديد مجامع الأسكندرية (الذي ترأسه القديس أثناسيوس) وباريس   (362م) وروما (الذي ترأسه داماسوس عام 369م).

[64] أع18:1. يبدو أن آريوس انتابته إصابة مرعبة بالكوليرا أو بميكروب من نفس النوع. انظر:

Newman, Arians of the Fourth century chII:2 & Robertson, History of The Christian Church: vol. I, pp 301-2, ed. 1875.

[65] كو17:1 ” فيه يقوم الكل “.

[66] مز1:45س “فاض قلبى بكلام صالح”

[67] غل4:4ـ5 “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه: مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى“.

[68] انظر يو14:8

[69] انظر 1يو23:2

[70] قارن خر14:3 ” أهيه الذي أهيه” أى “أكون الذي أكون” مع ملا6:3 “ أنا الرب لا أتغيَّر“، حيث يجمعهما القديس أمبروسيوس في تعبير واحد.

[71] مز1:39و2، 3:141و4.

[72] يقابل القديس أمبروسيوس ظهور السيرافيم لإشعياء بظهور الرب للناس في الجسد في حياتهم اليومية، انظر إش6:6و7، 1تي16:3.

[73] يقصد بهذا، أنه غير متوفر في الطقس الموسوي، وأيضًا لا يختص بالخليقة القديمة، وإنما هو عربون وسبق للجديد (رؤ5:21) ” وقال الجالس على العرش، ها أنا أصنع كل شئ جديدًا“.

[74] انظر يو32:6 و 50ـ51.

[75] قض13:9 ” فقالت لها الكرمة أ أترك مسطاري (خمرى) الذي يُفرِّح الله والناس“.

[76] انظر مت21:19 ” اذهب وبع أملاكك … وتعال اتبعني“.

[77] انظر كو15:1و16.

 

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكتاب الأول

مقدمة

 

         1 ـ نقرأ فى كتاب الملوك أن ملكة الجنوب قد أتت لتسمع حكمة سليمان[1] ونقرأ أن الملك حيرام أرسل إلى الملك سليمان ليختبره[2]، وهكذا فإن جلالتك المقدس إذ قد تتبَّعت هذه الأمثلة القديمة، فقد قررت أن تسمع مني الاعتراف بالإيمان. ولكنى لست سليمان حتى تتعجب من حكمتي، كما أن جلالتكم أوغسطس وحاكم العالم كله، والذى طلب مني القيام بوضع (بنود) الإيمان فى كتاب، وهذا ليس بقصد تعليم فخامتكم ، ولكن لكى ينال الكتاب موافقتكم.

 

         2 ـ فلأي سبب أيها الإمبراطور أوغسطس تتوجه جلالتكم لتتعلم الإيمان، هذا الذي منذ طفولتكم المبكرة قد حفظتموه بتقوى وبمحبة؟ كما يقول الكتاب: ” قبلما صوَّرتك فى البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك” (إر5:1). فالتقديس إذن لا يأتى من التقليد ولكن من عمل الروح، لذلك اسهر على مواهب الله وحافظ عليها، هذه التى وإن لم يُعلِّمك إياها أحد من الناس، ولكن بالتأكيد فإن الله هو الذى منحك وألهمك إياها..

 

          3 ـ إن جلالتك المقدس، وأنتم قاصدون الذهاب إلى الحرب تطلبون منى كتابًا لأفسّر وأشرح فيه الإيمان، وأنتم تعلمون أن إحراز الانتصارات إنما يكون بالإيمان بالقائد، أكثر من شجاعة الجنود. إن إبراهيم دخل المعركة ومعه 318 رجلاً[3]، واسترد الغنائم من الأعداء الكثيرين، وبقوة تلك التى هى كانت إشارة إلى صليب مخلصنا واسمه[4]، قَهَر قوة خمسة ملوك مع جيوشهم، فإنه انتقم لجيرانه ونال النصرة وفدى ابن أخيه (أى لوط).

          وبالمثل فإن يشوع بن نون عندما لم يستطع أن يتغلب على العدو بقوة كل جيشه[5]، فإنه انتصر بصوت سبعة أبواق مقدسة فى المكان الذى أبصر فيه وتعرَّف على رئيس جند السماء[6]. فجلالتكم الآن تُعدُّون للانتصار إذ أنك أنت خادم المسيح المخلص، والمدافع عن الإيمان الذى تطلب منى جلالتكم أن أقدمه لكم مكتوبًا فى كتاب.

 

         4 ـ وحقيقةً سوف آخذ على عاتقى واجب الوعظ للمحافظة على الإيمان أكثر من أسلوب الجدل حول الإيمان.. لأن الأسلوب الأول (الوعظ) يعنى الاعتراف بالإيمان بتقوى وورع، بينا الأسلوب الثانى (الجدل) يكون عرضة إلى افتراضات طائشة متهورة. ونظرًا لأن جلالتكم لستم فى حاجة إلى وعظ، فإنى لا أطلب الاعتذار عن واجب الولاء لكم (بالكتابة)، بل سوف آخذ على عاتقى القيام بعمل جرئ، ولكنه فى نفس الوقت معتدل وبسيط، لا يعتمد كثيرًا على العقل والجدال بخصوص الإيمان، بقدر ما يعتمد على جمع عددًا كبيرًا من الشواهد معًا[7].

 

          5 ـ وكذلك من خلال أعمال المجامع المسكونية، فسوف أجعل أحدها هو دليلى الأساسى، وهو الذى قرَّره الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا[8]، الذين هم على مثال الذين خرجوا مع إبراهيم (للحرب)، ليكون قرارهم (إن جاز القول) نصب يُقام لإعلان انتصارهم على الكفر[9] فى كل العالم، هذا الانتصار الذى ساد بسبب قوة الإيمان الذى اتفق عليه الجميع، وحقًا كما يبدو لى، فإنه يمكن للمرء أن يرى يد الله فى هذا، نظرًا لأن العدد الذى كان له سلطة القرار فى مجمعنا بخصوص الإيمان، هو نفسه كان مثالاً للولاء فى السجلات القديمة (يقصد سفر التكوين بخصوص إبراهيم).

 

 

 الفصل الأول

ملخص:

      يُميِّز الكاتب بين الإيمان وبين أخطاء الوثنيين واليهود، وبعد أن يشرح مغزى الأسماء: الله فى الآب، فإنه يبين بوضوح الفرق بين الأقانيم Persons فى وحدة الجوهر. إن الآريوسيين بتقسيمهم للجوهر، لا يدخلون فقط الاعتقاد بثلاثة آلهة ، بل يُسقطون أيضًا ربوبية الثالوث.

 

          6 ـ وهذا هو بيان وإقرار إيماننا، نحن نقول إن الله واحد، ونحن لا نفصل ابنه عنه كما يفعل الوثنيون[10]؛ ولا ننكر ـ كما يفعل اليهود، أن الابن مولود من الآب قبل كل الدهور، وبعد ذلك وُلد من العذراء، كما أننا لسنا مثل سابيليوس[11] الذى خلط الآب مع الكلمة وبهذا يؤكد ويدافع عن أن الآب والابن هما ذات ونفس الشخص. وأيضًا ليس كما فعل فوتينوس[12] Photinus الذى يتمسك بأن الابن بدأ وجوده فى بطن العذراء. ولا نعتقد مع آريوس[13] فى وجود سلطات متعددة، وبهذا فهو مثل الوثنيين ـ الذين يعيشون فى الجهل والظلام ـ وهكذا يكون عند آريوس أكثر من إله واحد. أما الوحى فيقول: ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد“.

 

          7 ـ إن إله ورب هما اسم للجلالة (الإلهية)، اسم للقوة، كما يقول الله نفسه: ” يهوه…، هذا اسمي” (خر15:3)، وكما يعلن النبى فى موضع آخر: ” أنا الرب، هذا اسمي” (إش8:42). لذلك فالله يكون “هو”، كما أنه الرب، وهذا إما بسبب أن سلطانه هو على الكل، أو لأن هو ضابط كل الأشياء، والجميع يخشونه بلا استثناء.

 

          8 ـ إذن ، إن كان الله واحدًا، فواحد هو الاسم، وواحدة هى القوة التى للثالوث. والمسيح نفسه قال بحق: ” اذهبوا عمّدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28). لاحظ أنه يقول باسم وليس بأسماء .

 

          9 ـ وأكثر من هذا ، فإن المسيح نفسه يقول: ” أنا والآب (نحن معًا) واحد“، وهو يقول واحد حتى لا يكون هناك انفصال فى القوة والطبيعة، ولكن لاحظ مرة أخرى انه يقول: “نحن” (يقصد الآب والابن)، حتى يمكنك أن تتعرف على وجود الآب والابن نظرًا لأننا نؤمن أن الآب الكامل قد ولد الابن الكامل، وأن الآب والابن هما واحد، وليس باختلاط الأشخاص ولكن بوحدانية الطبيعة.

 

          10 ـ لذلك نحن نقول إنه يوجد إله واحد وليس إلهان أو ثلاثة. لأنه من الخطأ القول بوجود ثلاثة آلهة لأن هذا ما وقعت فيه هرطقة الآريوسيين الكفرة، عديمة التقوى، بما فيها من تجاديف، وبهذا فإنها تقسّم ألوهية الثالوث، بينما فى قول الرب: ” اذهبوا عمّدوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” يُوضِّح أن الثالوث هو قوة واحدة. نحن نعترف بالآب والابن والروح، وبذلك نفهم كمال ملء الألوهية وكمال وحدة القوة، فى ثالوث كامل.

 

          11 ـ يقول الرب: ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب سريعًا“. إن مملكة الثالوث لا تنقسم، فإن كانت غير منقسمة فهى واحدة، لأن ما ليس هو واحد فهو منقسم، أما الآريوسيون فيريدون أن تكون مملكة الثالوث من النوع الذى يخرب بسهولة، بأن يجعلوها تنقسم على نفسها. ولكن إذ نحن نرى بالحق أنها لا يمكن أن تخرب ، فمن الواضح أنها غير منقسمة. لأنه لا توجد وحدانية تنقسم أو تنشطر إلى نصفين، لذلك فلا الزمن ولا الفناء يقوى عليها.

 

 

الفصل الثانى

ملخَّص:

      يحضّ الإمبراطور ليظهر غيرة على الإيمان، إن ألوهية المسيح الكاملة تتضح من خلال وحدة الإرادة والعمل اللذين له مع الآب. إن صفات الألوهية يُبيَّن أنها خاصة بالمسيح ولائقة به، وهو الذى تبرهن ألقابه المختلفة على وحدته الجوهرية (مع الآب) مع تمايز الأشخاص  ولا يمكن أن يحافظ على وحدانية الله بأية طريقة أخرى.

 

12ـ يقول الكتاب: ” ليس كل مَن يقول لى يارب يارب يدخل ملكوت السموات” (مت21:7). فالإيمان إذن أيها الإمبراطور الجليل لا يجب أن يكون مجرد عمل نؤديه، لأنه مكتوب: ” غيرة بيتك أكلتنى[14]. دعنا إذن بروح مؤمنة مخلصة، نصلى ليسوع الرب، دعنا نؤمن أنه إله، وغايتنا من هذا هى أن كل ما نسأله من الآب باسمه يعطينا[15]، لأن هذه هى مشيئة الآب أن التوسل إليه يكون عن طريق الابن، الابن الذى به نتوسل إلى الآب[16].

 

13ـ إن نعمة طاعته تناسب وتوافق تعليمنا، وأعمال قوته تتوافق أيضًا مع هذا التعليم. لأن مهما كانت الأشياء التى يعملها الآب، فهى نفسها التى يعملها الابن كذلك[17]. إن الابن يعمل نفس الأشياء، ويعمل بطريقة مماثلة، ولكن الابن يعمل بحسب مشيئة الآب في الشئ الذى يريد أن يفعله حتى يمكنك أن تفهم، ليس أنه لا يمكنه أن يعمل بطريقة أخرى، بل يمكنك أن تفهم أن هناك قوة واحدة تظهر للعيان. إذن فينبغى أن يكرّم ابن الله ويُعبد حقيقة، الذى بقوة لاهوته قد وضع أساسات العالم وبطاعته هذب مشاعرنا[18].

 

14ـ لذلك يجب أن نؤمن أن الله صالح، أبدى، كامل، كُلَّى القدرة، وحق مثلما يظهر لنا من خلال الناموس والأنبياء وبقية الكتب المقدسة، وبخلاف ذلك لا يوجد إله[19]. لأن الذى هو إله لا يمكن أن يكون إلاّ صالحًا، لأننا نرى أن كمال الصلاح هو من طبيعة الله[20]. كما أنه لا يمكن لله الذى خلق الزمن أن يكون زمنيًا (خاضعًا للزمن) ، وأيضًا لا يمكن أن يكون الله غير كامل، فواضح أن أى كائن أدنى هو غير كامل، إذ نرى أنه ينقصه شئ يمكنه به أن يصير مساويًا لمن هو أعظم منه. هذا إذن هو تعليم إيماننا، وهو أن الله صالح، وأنه لا يوجد شئ مستحيل عند الله، وأن الله لم يوجد في الزمن، وأن الله أعلا من كل الكائنات. وإن كنت على خطأ، فدع خصومى يبرهنون على خطأى.

 

15ـ إذن، فإذ نرى أن المسيح هو الله، فتبعًا لذلك فهو صالح وكُلِّى القدرة وأبدى وكامل وحق ، لأن هذه الخاصيات تخص الطبيعة الجوهرية للألوهية. دع خصومنا ينكرون الطبيعة الإلهية التى في المسيح، وإلاّ فإنه لا يمكنهم أن يرفضوا بالنسبة لله، ما هو خاص بالطبيعة الإلهية ولائق بها.

 

16ـ علاوة على ذلك، وحتى لا يقع أحد في خطأ، ليت الإنسان يصغى لتلك العلامات التى أعطتها لنا الكتب المقدسة، والتى يمكننا بها أن نعرف الابن. إنه يُسّمى الكلمة والابن وقوة الله وحكمة الله[21]. فهو الكلمة لأنه بلا لوم، وهو القوة لأنه كامل، وهو الابن لأنه مولود من الآب، وهو الحكمة لأنه واحد مع الآب، واحد في الأبدية، واحد في الألوهية. ليس أن الآب شخص واحد مع الابن، فبين الآب والابن يوجد تمايز واضح، ناتج عن الولادة[22]. هكذا المسيح هو إله من إله، أبدى دائم من أبدى دائم، الملء من الملء[23].

 

17ـ والآن فإن هذه ليست هى مجرد أسماء، إنما علامات قوة تُعلن نفسها من خلال الأعمال، لأنه بينما يوجد ملء الألوهية في الآب، فإنه يوجد أيضًا ملء الألوهية في الابن، ليسا مختلفين، بل هما واحد. إن اللاهوت ليس شيئًا به اختلاط، إذ أنه وحدة، وليس متعددًا (في الجوهر)، لأنه لا اختلاف في الجوهر.

 

18ـ وعلاوة على ذلك، إن كان قد كُتب بخصوص جميع الذين آمنوا أنه كان لهم نفس واحدة وقلب واحد[24]، “وإن كان كل واحد يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا” (1كو17:6) كما يقول الرسول، وإن كان الرجل وزوجته يكونان جسدًا واحدًا[25]، وإن كنا نحن جميعنا البشر المائتين بحسب طبيعتنا المشتركة نكون من جوهر واحد. وإن كان هذا هو ما يقوله الكتاب المقدس بخصوص الإنسان المخلوق، إنه وإن كان متعددًا لكنه واحد[26]، وهو الذى لا يمكن أن يُقارن بالأقانيم الإلهية، فكم بالحرى يكون الآب والابن واحدًا في الألوهية، وهما اللذان لا يوجد بينهما أى اختلاف في الجوهر أو المشيئة !

 

19ـ لأنه بأى كيفية أخرى يمكننا أن نقول إن الله واحد؟ إن الألوهية تحوى التعدد، ولكن وحدة القدرة تمنع وتُعارض كمية العدد، إذ أننا نرى أن الوحدة ليست عددًا؛ ولكن هى نفسها أصل ومبدأ جميع الأعداد.

 

 

 

الفصل الثالث

       ملخَّص:

من الشواهد التى تُجمع من الكتب المقدسة، يمكن البرهنة على وحدانية الآب والابن. وأولاً فإنه تؤخذ آية من كتاب إشعياء وتُقارن مع آيات أخرى وتُفَّسر بطريقة لتبين أنه لا يوجد اختلاف في طبيعة الابن عن طبيعة الآب، إلاّ فيما ما يتعلق بالجسد، ويتبع هذا أن اللاهوت في الأقنومين واحد، وهذا الاستنتاج يُصَّدق عليه بالرجوع إلى سفر باروخ.

 

20ـ والآن فإن أقوال الأنبياء تشهد أيّة وحدة قوية توضح الكتب المقدسة أنها تقوم بين الآب والابن فيما يخص ألوهيتهما. لأنه هكذا يقول رب الصباؤوت[27]: ” تعب مصر وتجارة الأثيوبيون والسبئيون الرجال الأقوياء يعبرون إليك، ويصيرون عبيدك، وخلفك يتبعون، وهم مربوطون بالقيود ويسجدون أمامك، وإليك يتضرعون لأن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك لأنك أنت الله، ولا نعرف آخر يا إله إسرائيل” (إش14:45).

 

21ـ اسمع صوت النبى:” إن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك“. كيف يتفق هذا مع تعليم الآريوسيين؟ يجب عليهم أن ينكروا إما ألوهية الآب أو الابن إن لم يؤمنوا ـ مرة واحدة ـ بوحدة نفس الألوهية.

 

22ـ يقول: ” لأن الله فيك“، لأن الآب في الابن، لأنه مكتوب:” الآب الحال فىَّ هو نفسه يتكلم“، وأيضًا:” الأعمال التى أعملها هو نفسه أيضًا يعملها” (يو10:14)، وأيضًا نقرأ ثانية أن الابن في الآب:” إنى أنا في الآب والآب فىَّ” (يو10:14). دع الآريوسيين إن استطاعوا أن يزعزعوا هذه الوحدة التى في الطبيعة وفي العمل.

 

23ـ لذلك فإنه يوجد إله، وليس إلهان، لأنه مكتوب أنه يوجد إله واحد[28]، ورب في رب[29]، ولكن ليس ربَّان، لأنه بخصوص هذا قد كتب:  “ لا تخدم سّيدين (رّبين)” (مت24:6)، ويقول الناموس ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد” (تث4:6)، وكذلك في نفس العهد مكتوب: ” فأمطر الرب من عند الرب” (تك24:19)، وبالمثل يمكنك أن تقرأ في سفر التكوين: “ وقال الله… فعمل الله” (تك6:1و7)، وفي مكان آخر قبل ذلك يقول: ” فخلق الله الإنسان على صورة الله” (تك26:1و27)، إذن ليس هناك إلهان ولكن إله واحد الذى خلق الإنسان. ففى أى وضع كما في الآخر، فإن وحدة العمل والاسم تظل مؤكدة، لأنه بالضرورة عندما نقرأ: ” إله من إله”[30]، فنحن لا نتكلم عن إلهين.

 

24ـ مرة أخرى، فإنك تقرأ في المزمور الرابع والأربعين[31] كيف أن النبى يدعو ليس فقط الآب إلهًا بل يدعو أيضًا الابن إلهًا، حيث يقول:       ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور” [مز44(45):6]، وعلاوة على ذلك:     “ الله (الذى هو) إلهك قد مسحك بزيت البهجة أفضل من رفقائك” [مز44(45):7]. الله هذا هو الذى يَمسَح، والله الذى هو في الجسد والذى يُمسَح هو ابن الله، لأنه أى رفقاء للمسيح في مسحته سوى أولئك الذين صاروا له وهو في الجسد؟ فأنت ترى إذن أن الله يُمسَح بواسطة الله، ولكنه إذ يُمسَح وهو متخذ الطبيعة البشرية فإنه يُكرز به أنه “ابن الله”، إذن أساس الناموس لم ينكسر.

 

25ـ لذلك أيضًا عندما تقرأ: ” الرب أمطر من عند الرب“، فإنك تُقِرُّ وتعترف بوحدانية الألوهة، لأن الوحدانية في العمل لا تسمح بأكثر من إله واحد قائم بذاته، كما أوضح ذلك الرب نفسه بقوله: ” صدَّقونى أنى أنا في الآب والآب فىَّ، وإلاّ فصدقونى بسبب الأعمال نفسها” (يو38:10، 11:14). هنا نرى أيضًا وحدانية الألوهة مُعبَّرًا عنها بوحدانية العمل.

 

26ـ والرسول وهو يثبت بعناية أنه يوجد لاهوت واحد  للآب والابن معًا، وربوبية واحدة ـ حتى لا نندفع نحو أى خطأ، سواء نحو الوثنيين أو عدم تقوى اليهود ـ فإنه يوضِّح لنا القاعدة التى يجب علينا أن نتبعها، فيقول: “ إله واحد الآب الذى منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به” (1كو6:8)، فكما أنه في تسميته يسوع المسيح أنه “رب” فإنه لم ينكر أن الآب أيضًا “رب”، هكذا أيضًا في قوله: ” إله واحد الآب” فإنه لا ينكر ألوهية الابن الحقيقية، وهكذا فإنه يُعلّم ليس أنه يوجد أكثر من إله واحد، بل هو (يُعلَّم أن) مصدر القوة هو واحد، نظرًا لأن الألوهة تتضمن الربوبية، والربوبية تتضمن الألوهة، كما هو مكتوب: ” اعلموا (بتأكيد) أن الرب هو الله، هو صنعنا وليس نحن” (مو3:99س).

 

27ـ لذلك ” فيك” “الله” بحسب وحدانية الطبيعة، ” ولا يوجد معك آخر” بسبب الملكية الشخصية للجوهر بدون أى تحفظ أو اختلاف[32].

 

28ـ وأيضًا فإن الكتاب المقدس يتكلم في سفر إرميا عن إله واحد ومع ذلك فهو يعترف بكلا الآب والابن، فنقرأ: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه، لا يعادله آخر، إنه كشف جميع طرق المعرفة وأعطاها ليعقوب عبده وإسرائيل محبوبه. بعد ذلك ظهر على الأرض وتكلم مع الناس[33].

 

29ـ النبى يتكلم عن الابن، لأنه هو نفسه الذى تحَّدث مع الناس، وهذا ما يقوله: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه لا يعادله آخر “. لماذا نشك فيه هذا الذى يقول عنه نبى عظيم مثل هذا إنه لا يوجد من يُقَارن به؟ أى مقارنة مع آخر يُمكن أن تعمل عندما يكون الله واحدًا؟ هذا هو اعتراف أناس محفوفين بالمخاطر وهم يحترمون ويُوقِّرون الأمور الدينية، ولذلك فهم غير متمرسين في صراع المجادلات.

 

30   ـ تعالَ أيها الروح القدس وساعد أنبياءك الذين أردت أن تسكن فيهم، الذين نؤمن بهم. هل نؤمن بحكمة هذا العالم إن كنا لا نؤمن بالأنبياء؟ ولكن أين الحكيم، أين الكاتب؟ بينما هذا القروى[34] الذى يزرع التين، قد وجد ما لم يعرفه الفلاسفة، لأن الله قد اختار جُهَّال العالم ليخزى الأقوياء[35]. هل نصّدق اليهود؟ لأن الله عُرف مرة من قبل في اليهودية. لا، إنهم ينكرون نفس الشئ الذى هو أساس إيماننا، فهم كما نرى لا يعرفون الآب إذ هم ينكرون الابن[36].

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

ملخص:

      وحدانية الله يُستدلُّ عليها بالضرورة في نظام الطبيعة، وفي الإيمان وفي المعمودية. إن هدايا المجوس توضح وحدانية الألوهة كما توضح ألوهية المسيح وإنسانيته. إن حقيقة عقيدة الثالوث في الوحدانية تظهر في الملاك الماشى في وسط الأتون في شدرخ وميشخ وعبدنغو.

 

          31ـ إن الطبيعة كلها تشهد على وحدانية الله من حيث إن العالم كله واحد. الإيمان يعلن أنه يوجد إله واحد، إذ أننا نرى اعتقادًا واحدًا في كلا العهدين القديم والجديد، أما عن وجود روح واحد[37] كُلِّى القداسة، فهذا ما تشهد له النعمة، لأنه توجد معمودية واحدة باسم الثالوث. إن الأنبياء يُعلنون، والرسل يسمعون صوت إله واحد. إن المجوس يؤمنون بإله واحد، وقد أحضروا معهم ـ تعبدًا وإكرامًا ـ ذهبًا ولبانًا ومرًا، وهم ذاهبون إلى مزود المسيح معترفين من خلال الذهب بملوكيته، ومن خلال البخور كانوا يعبدونه كإله، لأن الذهب هو علامة الملوكية، والبخور علامة الألوهة، والمُرّ علامة الدفن.

 

          32ـ ماذا إذًا كان معنى الهدايا السَّرية التي قُدَّمت، في إسطبل البهائم الوضيع، سوى أنه يجب أن نميِّز في المسيح الفرق بين الألوهة والجسد؟ إنه يُنظر إليه كإنسان[38] ولكنه يُعبد كرب. إنه راقد وسط الأقمطة ولكنه يشرق وسط النجوم. إن المهد يكشف ميلاده ولكن الكواكب تبرهن على سلطانه[39]. إنه الجسد هو المُقمّط في الملابس ولكن الألوهة تتقبّل خدمة الملائكة، وبهذا فإن كرامة عظمته الطبيعية لم تُفقد وبهذا يتبرهن اتخاذه للجسد حقًا.

 

          33ـ هذا هو إيماننا، ولقد أراد الله، أنه ينبغى أن يكون معروفًا هكذا من الجميع، وهكذا آمن الثلاثة فتية[40] ولم يشعروا بالنار التي أُلقوا في وسطها، النار التي أهلكت وأحرقت غير المؤمنين[41]، بينما صارت بلا ضرر وكَنَدَى على المؤمنين[42]، الذين صارت النيران التي أشعلت بواسطة الآخرين باردة بالنسبة لهم، لأن الأتون قد فقد قوته تمامًا في المعركة ضد الإيمان فقد كان في وسطهم واحد في شكل ملاك[43] يُعزيهم[44] وذلك بهدف أنه في عدد الثالوث يُقدم التسبيح والتمجيد لقوة واحدة فائقة السمو. لقد تمجد الله، ورأوا ابن الله في ملاك الله، والنعمة المقدسة الروحانية تكلَّمت في الفتية[45].

الفصل الخامس

ملخص:

      يذكر التجاديف المختلفة التى نطق بها الآريوسيين ضد المسيح، وقَبل الإجابة عنها، فإنه يحث المستقيمى الرأى (الأرثوذكس) لكى يحترسوا من حجج الفلاسفة المضللة نظرًا لأنهم (أى الفلاسفة) يضعون أملهم في هذه الحجج.

 

          34ـ دعنا نتمعن في معارك الآريوسيين بخصوص ابن الله.

 

          35ـ إنهم يقولون إن ابن الله ليس مثل أبيه، وأن يُقال هذا عن إنسان فهذا يكون إهانة[46] له.

 

          36ـ يقولون إن ابن الله له بداءة في الزمن، بينما هو نفسه مصدر الزمن ومنظمه بكل ما (يوجد) فيه. نحن بشر ولا نريد أن نكون محدودين بالزمن لقد بدأ وجودنا مرة (في الزمن) ونحن نؤمن أنه سوف يكون لنا وجود (بعد ذلك) غير محدد بزمن. نحن نشتاق إلى الخلود فكيف يمكن إذن أن ننكر أزلية ابن الله، الذي أُعلِنَ أنه أزلى بالطبيعة، وليس بالنعمة؟

 

          37ـ إنهم يقولون إنه مخلوق، ولكن هل يُحصَى الصانع مع مصنوعاته وكيف نجعله يبدو وكأنه أحد المصنوعات التي صنعها هو نفسه؟

 

          38ـ إنهم ينكرون صلاحه وتجديفهم هذا هو نفسه الذي يدينهم، لذلك فلا يوجد رجاء لهم للغفران.

          39ـ إنهم ينكرون أنه بالحقيقة ابن الله، وينكرون أنه كُلِّى القدرة إذ بينما هم يزعمون أن كل الأشياء قد صُنِعَت عن طريق خدمة الابن، فإنهم ينسبون المصدر الأصلي لوجود هذه الأشياء إلى قوة الله. ولكن ماذا تكون القوة سوى اكتمال الطبيعة[47]؟

 

          40ـ وأكثر من هذا، فإن الآريوسيين ينكرون أن الابن واحد مع الآب في الألوهة[48]. دعهم إذن يلغون الإنجيل، ويُسكتون صوت المسيح. لأن المسيح نفسه قال: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، لستُ أنا الذي أقول هذا، المسيح هو الذي قال. فهل المسيح مخادع حتى يكذب[49]؟ وهل هو آثم حتى يَّدعى لنفسه ما لم يكنه بالمرة. وبخصوص هذه الأمور فنحن سوف نتناولها مرات عديدة، وبإسهاب أكبر في مكانها المناسب.

 

          41ـ وإذ نرى أن الهرطوقى يقول إن المسيح ليس مثل أبيه، ويسعى لتأكيد هذا بقوة الاحتيال والمراوغة، فيجب علينا أن نستشهد بقول الكتاب: ” انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح، فإنه فيه يحلُّ كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو8:2و9).

 

          42ـ لأنهم إنما قد ادخروا كل قوة سمومهم في منازعاتهم الجدلية، والتي بحسب حكم الفلاسفة، ليست لها أى قوة لتقيم أو تؤسس أى شئ كما ينبغى، بل تهدف فقط إلى الهدم، ولكن ليس بالجدال قد سُرّ الله أن يُخلِّص شعبه لأن ” ملكوت الله إنما هو ببساطة الإيمان وليس بإقناع الكلام” (1كو20:4)[50].

[1] 1مل1:10 ” وسمعت ملكة سَبَا بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل “.

[2] 1مل1:5 ” وأرسل حيرام ملك صور عبيده إلى سليمان .. ” .

[3] تك14:14 ” فلما سمع أبرام أن أخاه سُبى، جرَّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم..” .

[4] إن شكل علامة الصليب هى مثل حرفt ، والرقم العددى لهذا الحرف (تاو tau) فى الحساب اليونانى هو رقم 300، أما الثمانية عشر فيُرمز له بالحرفين I , h  وهما الحرفان الأوَّلان للاسم يسوع باليونانى IhsoÚj، لهذا فإنه يُعزى للقديس أمبروسيوس نسبة القوة السرية للرقم 318، المرموز له بعلامة الصليب والحرفان الأولان لاسم المخلص، فيكون الرقم 318 هو التعبير عن   T I H صليب يسوع المسيح.

[5] يش6:6 ” فدعا يشوع بن نون الكهنة وقال لهم: احملوا تابوت العهد، وليحمل سبعة كهنة سبعة أبواق هتاف أمام تابوت الرب“.

[6] يش14،13:5 ” وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول بيده، فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لأعدائنا، فقال كلاَّ بل أنا رئيس جند الرب” .

[7] يقصد شواهد من الكتب المقدسة.

[8] يتكلم القديس أمبروسيوس هنا عن المجمع المسكونى المنعقد فى نيقية فى بيثينية عام 325م.

[9] إن النصرة على الكفر يُقصد بها طبعًا نصر الكنيسة الأرثوذكسية على الآريوسية، وأصبح القانون النيقاوى يُنظر إليه مثل ” نصب ” لتذكار النصرة، والتى تمثلت حقيقتها فى البلوغ إلى العبارة : (من نفس جوهر الآب

Of one substance with the Father.  ÐmooÚsiou tù Patr…)

والتى أقرها المجمع.

[10] حرفيًا: الأمم ” The Nations ـ t¦ œqnh ـ Gentes ” . إن الرومان فى الجمهورية تعوَّدوا أن يتكلموا عن الشعوب الغريبة خصوصًا إذا كانوا يخضعون لملوك ” أمم خارجيةGentes – exterae ” للتمييز عن ” شعب الجمهورية Populus Romanus “. القديس أمبروسيوس يقصد هنا بلا شك أولئك الذين لا يزالون يتمسكون بالديانات القديمة، الذين هم غرباء عن جمهور الكنيسة.

[11] كان سابيليوس قسًا فى برقة فى الخمس مدن الغربية فى ليبيا، ومنها أتى إلى روما حيث جاهر بتعاليمه الكفرية فى أوائل القرن الثالث الميلادى (حوالى210م). كان سابيليوس يعتقد أنه لا يوجد تمييز حقيقى بين أقانيم اللاهوت، ويقول إن الله هو أقنوم (شخص) واحد، وعندما يكون الكلام عن أقانيم إلهية متميزة عن بعضها، فهذا لا يعنى عنده أكثر من أوجه أو ظهورات مختلفة، أى أن نفس الأقنوم يقوم بأدوار مختلفة. فالآب يقوم بدور الابن عند التجسد، وهو نفسه يظهر بعد ذلك باسم الروح القدس.

[12] كان فوتينوس من أهل غلاطية على سيرميم Sirmium (فى سلافونيا Slavonia) فى القرن الرابع، وهو يعلّم أن يسوع المسيح لم يوجد قبل أمه مريم، ولكنه وُلد منها ومن يوسف النجار، وهذا الإنسان يسوع الذى عاش بروح عاقلة وجسد بشرى استنار وأُرشد واقتيد بتأثير اللوغوس أو العقل الإلهى، وبذلك فإنه صار ابن الله الفائق على جميع الأنبياء والمعلمين.

[13] كان آريوس كاهنًا بالأسكندرية، وبدأ فى عام 319م فى جذب الانتباه بتعليمه الهرطوقى المخالف، والذى أودى به ـ نتيجة لذلك ـ إلى حرمه، إلاّ أنه وجد استحسانًا وقبولاً لدى أشخاص لهم حيثيات فى الكنيسة مثل يوسابيوس القيصرى فى فلسطين، ويوسابيوس أسقف نيقوميدية، وآخرين. وقد نوقشت هرطقته فى النهاية فى مجمع نيقيا المسكونى بناءً على دعوة من الإمبراطور قسطنطين. أدان المجمع البدعة الآريوسية وشجبها، ومع ذلك فقد تفشت الهرطقة فى الشرق حتى حكم ثيئودوسيوس الكبير (379ـ395م).

            كان آريوس ينادى بما يلى: ” إما أن الابن له جوهر أصلى إلهى؛ وإن كان هكذا فإنه يجب علينا أن نعترف بإلهين، أو أنه يكون مخلوقًا، وإن كان هكذا فإنه ليس إلهًا بنفس المعنى الذى به يكون الآب إلهًا. وقد اختار آريوس البديل الأخير، هذا الذى اعتبره القديس أمبروسيوس سقوطًا فى الوثنية بـ” آلهتها المتعددة وأربابها المتعددة ” والآلهة المولود من الآلهة والإلاهات .

            إن أخطاء آريوس قد لُخصت فى الحرومات التى أُلحقت بالقانون النيقاوى الأصلى: إن أولئك الذين يقولون إنه كان يوجد زمان لم يكن فيه ابن الله موجودًا، أو انه تكوّن من أشياء غير موجودة، أو أن الذى يزعم أن ابن الله من جوهر مختلف أو أنه مخلوق، أو متغير، فإن جميع هؤلاء تشجبهم وتحرمهم كنيسة الله الرسولية الجامعة” .

[14] مز 9:69  قارن  يو17:2

[15] انظر يو16:15

[16] انظر يو23:16، 24

[17] انظر يو30:5

[18] يو3:1، عب7:5ـ10.

[19] انظر على سبيل المثال مز8:25 ، إر10:10، دا10،9:9، يع18،17:1، لو37:11.

[20] انظر دا 7:9، خر6:34

[21]  انظر يو1:1، يو14:1، رو4:1، مت18:28، 1كو24:1، كو3:2

[22] الوالد والمولود يلزم أن يتميزا كل واحد منهما بشخصه.

[23] كو19:1، كو9:2

[24] أع 32:4

[25] تك24:2، مت 5:19

[26] أع26:17

[27] أو رب الجنود كما في إش3:6

[28] إش18:45

[29] أو يهوه في يهوه

[30] قانون إيمان نيقية: إله حق من إله حق

[31] وهو المزمور 45  ترجمة دار الكتاب المقدس

[32] يلزم أن نتذكر أن القديس أمبروسيوس كان حاكمًا مدنيًا من قبل توليه منصب الأسقفية، لذلك فإن فكره يميل إلى أن ينظر إلى الأمور من وجهة نظر قانونية شرعية.

[33] سفر باروخ 36:3ـ38، الأصل الإنجليزي متروك بدون شاهد، لأنه بينما الشاهد هو سفر باروخ، إلاّ أنه فى الحديث يقول: “يتكلم فى سفر إرميا”، ولكن فى حاشية أخرى للفقرة 30 يذكر الشاهد باروخ36:3ـ38.

[34] المقصود بهذا القروى إرميا النبى (انظر إرميا 24)

[35] 1كو 27:1

[36] الله معروف في اليهودية: انظر مزمور 1:76 ولكنهم ينكرون الابن، ولذلك فإنهم لا يعرفون الآب (انظر متى27:16، يو18:1).

[37]  راجع: يو24:4 ، 2كو 17:3

[38] فيلبى 7:2

[39] رؤ16:1 ، 16:22 ـ  عدد 17:24.

[40] دا 17:3.

[41] دا 22:3.

[42] هوشع5:14.

[43] دا 28:3.

[44] لو43:22.

[45] دا 25:3.

[46] يكون إهانة من حيث افتراض أن الإنسان نغل، أى ليس ابنًا شرعيًا بل ابن زنا.

[47] إن تعليم آريوس بخصوص هذا الموضوع قد بيَّنه القديس أثناسيوس بما فيه الكفاية، فيقول آريوس: ” عندما قصد الله أن يوجِد طبيعة مخلوقة، ورأى عدم قدرتها على أن تحتمل لمسة يد الآب المباشرة وعمله، لذلك “خلق وصنع كائنًا واحدًا مفردًا وسماه “ابن” و”كلمة” لكى عن طريقه كوسيط، فإن كل الأشياء يؤتي بها إلى الوجود” (ضد الآريوسيين 24:2)

[48] بحسب ما يقول الآريوسيون فإن المسيح ليس إلهًا حقًا حتى لو كان قد دُعِى إلهًا. إنه يُدعى هكذا فقط بسبب انتقال النعمة إليه من الآب، وهكذا فإنه حصل على هذا اللقب والكرامة، باستخدام اسم الله (له) عند التكلم عنه بنوع من التحويل، كما نجد ذلك في مز 6:82 :” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كّلكم“، رغم أن ادعاء المسيح وحقه في هذا اللقب إنما يفوق أى كائن آخر.

[49]  عدد 19:23

[50] قارن 1كو 20:20 مع 1كو4:2و5:” وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المُقنع بل ببرهان الروح والقوة، لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الله الواحد الثالوث ف6 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الله الواحد الثالوث ف6 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

الله الواحد الثالوث ف6 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

 

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

السادس*

 

الله الواحد الثالوث

“نؤمن بإله واحد الآب ضابط الكل … وبرب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد … وبالروح القدس الرب المحيي..”

 

سنتناول في هذا الفصل عقيدة ’الله الواحد الثالوث‘ في تعاليم كل من: ق. أثناسيوس، وق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيصي، وق. غريغوريوس النزينزي، وق. ديديموس، وق. إبيفانيوس، ومجمع القسطنطينية، ثم نتعرض في النهاية لتعاليم ق. كيرلس السكندري.

 

  1. القديس أثناسيوس

 

من خلال الثالوث نؤمن بوحدانية الله، ومن خلال الاعتراف بوحدانية الابن والروح القدس في ذات الجوهر مع الآب يكتمل إيماننا بالثالوث

يقول ق. أثناسيوس:

– “يوجد لاهوت واحد أزلي في ثالوث، وهناك مجد واحد للثالوث القدوس،

(¢διος καί μία Θεότης ™στίν ™ν Τριάδι, καί μία δόξα τÁς ¡γίας Τριάδος)

… وإذا كانت معرفة الله الحقة هي كاملة الآن (بمعرفته) كثالوث، فإن هذه هي العبادة الإلهية الحقيقية والوحيدة، وهذا هو صلاحها وحقيقتها، وهو ما يجب أن يظل على الدوام.

(Ε„ γ¦ρ νàν ™ν Τριάδι ¹ θεολογία τελεία ™στί, καί αÞτη ¹ ¢ληθής καί μόνη θεοσέβειά ™στί, καί τοàτό ™στί τÕ καλÕν κሠ¹ ¢λήθεια: œδει τοàτο οÞτως ¢εί εŒναι) “[1]

– “توجد هيئة واحدة بعينها للاهوت (žν εŒδος Θεότητος)، والتي هي أيضًا في الكلمة؛ ويوجد إله واحد، الله الآب، كائن بذاته إذ هو متعال على الكل، وهو ظاهر في الابن وفي تخلله (أي الابن) لكل الأشياء، وظاهر في الروح حيث فيه يعمل في كل الأشياء بواسطة الكلمة. لذلك نحن نعترف أن الله واحد من خلال الثالوث،

(ΟÞτω γ¦ρ κሠžνα δι¦ τÁς Τριάδος Ðμολογοàμεν, εŒναι τÕν ΘεÕν)

ونقرُّ أن فهمنا لهذا الإيمان باللاهوت الواحد في ثالوث هو أكثر تقوى جدًّا من فهم الهراطقة للاهوت ذي الأشكال الكثيرة والأجزاء العديدة[2]“.

هذه العبارات للقديس أثناسيوس، تأخذنا إلى عمق الإيمان المسيحي بالله وعبادته بكونه ’الواحد الثالوث‘. وبما أنه توجد هيئة واحدة للاهوت ـ في الوحدة غير المنقسمة التي للآب والابن والروح القدس ـ فنحن نؤمن أنه في ذاته هو ’واحد ثالوث‘ منذ الأزل. وبالحقيقة إننا من خلال الثالوث نؤمن بوحدانية الله، ولكن أيضًا، من خلال الاعتراف بالوحدانية في ذات الجوهر التي للابن والروح القدس مع الآب، يأخذ الإيمان بالثالوث القدوس شكله الكامل والتام[3]. وهذا هو الاعتقاد بالله بكونه ثالوثًا في وحدة ووحدة في ثالوث. ولذلك كان ق. أثناسيوس مميَّزًا في أنه كان يعادل بين ’الثيؤلوجيا‘ (θεολογία) ـ والتي في عمق معناها هي معرفة الله وعبادته وفقًا لما هو في ذاته، وكما أعلن عن نفسه بواسطة يسوع المسيح وفي الروح القدس ـ وبين عقيدة الثالوث القدوس بصفة خاصة[4].

 

معرفة الثالوث تكون من خلال الابن

إن معرفة الله ـ بالنسبة للقديس أثناسيوس ـ لا تكون إلاّ من خلال الابن ولا آخر سواه، ولذلك يقول: “وعندما نرى الابن، فإننا نرى الآب، لأن ما نفهمه وندركه عن الابن يكون هو هو ما (يمكن أن) نعرفه عن الآب، لأن الابن هو المولود الذاتي من جوهر الآب[5]“. وهذا هو ما دعا ق. أثناسيوس ليؤكد أنه “يكون من الأجدى من جهة التقوى والحق أن نتعرف على الله من الابن وندعوه ’الآب‘ عن أن نشير إلى الله نسبة إلى أعماله فقط وندعوه ’غير المخلوق‘[6]“. وبالقطع فإن الابن ليس هو الآب بل هو ’آخر‘ (žτερος) غير الآب، ولكنه بكونه المولود من جوهر الآب وبكونه له ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιος) معه، فإن لاهوت الابن ولاهوت الآب هو واحد تمامًا[7].

وهذا يعني أن معرفة الابن بالنسبة لنا تكون هي نفسها معرفة الآب وفقًا لما هو (الآب) في طبيعته الذاتية ـ وذلك في إطار عدم انفصال الآب عن الابن والابن عن الآب ـ وبالتالي تكون هي معرفة الله في العلاقات الداخلية التي لجوهره الأزلي[8]. وهذه المعرفة الحقيقية لله ـ أي معرفته وفقًا لما هو في ذاته ـ كان ق. أثناسيوس قد أوضحها بشدة في مقالته الثالثة “ضد الأريوسيين”، ونعرض هنا بعضًا مما أورده فيها:

-“لقد سُمح لنا أن نعرف الابن (الذي) في الآب، لأن كل كيان الابن (σύμπαν τό εŒναι) هو مكافئ تمامًا وخاص بجوهر (οÙσία) الآب.. وحيث إن هيئة لاهوت الآب هي كيان (τό εŒναι) الابن، فإن هذا يأتي من أن الابن في الآب والآب في الابن”. وفي إشارة إلى كلمات الرب “أنا والآب واحد” وكذلك “أنا في الآب والآب فيّ” أوضح ق. أثناسيوس أن هذه الآيات “إنما تبيِّن نفس اللاهوت ووحدانية الجوهر

(τήν ταÙτότητα τÁς Θεότητος τήν δέ ενότητα τÁς οÙσίας δείξh) “[9]

-“هما اثنان، لأن الآب هو آب وليس ابنًا أيضًا، كما أن الابن هو ابن وليس آبًا أيضًا؛ لكن الطبيعة هي واحدة، وكل ما للآب هو للابن… فالابن والآب هما واحد في ذاتية وخصوصية الطبيعة، ولهما نفس اللاهوت الواحد،

(žν ε„σιν αÙτÕς καˆ Ð Πατήρ τÍ „διότητι καί ο„κειότητι τÁς φύσεως, καί τÍ ταÙτότητι τÁς μι©ς Θεότητος).

فلاهوت الابن هو نفسه الذي للآب؛ ومن هنا أيضًا هو غير قابل للتجزئة؛ ولهذا فإنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. وبما إنهما (أي الآب والابن) واحد، وبما أن اللاهوت نفسه هو واحد، فكل ما يُقال عن الآب يُقال عن الابن ماعدا كونه يُدعى ’آبًا‘[10]“.

-“وبما أن الابن هو صورة الآب، فينبغي بالضرورة أن يكون مفهومًا أن لاهوت الآب، وكل ما هو خاص به، هو كيان الابن،

(¹ Θεότης κሠ¹ „διότης τοà Πατρός τÕ εŒναι τοà Υƒοà ™στι).

وهذا هو معنى “الذي إذ كان في صورة الله” (فيلبي 6:2) وكذلك “الآب فيَّ” (يو 10:14). ولا يمكن أبدًا أن تكون هذه الصورة جزئية، بل أن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله،

(τÕ πλήρωμα τÁς τοà ΠατρÕς Θεότητός ™στι τÕ εŒναι τοà Υƒοà, καί Öλος Θεός ™στιν Ð Υƒός)

… لأن (كل) ما يخص جوهر الآب هو ما يكونه الابن … وهيئة لاهوت الآب هي ما يكونه الابن

(τÕ γ¦ρ ‡διον τÁς τοà ΠατρÕς οÙσίας ™στˆν Ð ΥƒÒς … τÕ γ¦ρ εŒδος τÁς τοà ΠατρÕς Θεότητός ™στιν Ð Υƒός) “[11]

 

المدخل الخلاصي والكياني لفهم عقيدة الثالوث

من الواضح تمامًا أن مدخل ق. أثناسيوس إلى فهم وشرح عقيدة الثالوث القدوس كان يقوم على أساس أعمال الله الخلاصية والإعلانية التي تحقَّقت في ظهور (παρουσία) ابنه الوحيد بالجسد*. ومن خلال مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ كان ق. أثناسيوس يصل إلى شرح العلاقات الأزلية والتمايز داخل جوهر اللاهوت الواحد.

وكان استخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) في مجمع نيقية يعبِّر تعبيرًا دقيقًا عن الحقيقة الكبرى المعلنة في الإنجيل ألا وهي: أن الله ذاته هو محتوى (أو مضمون) إعلانه الذي قدَّمه لنا، وأن العطية التي أنعم الله بها علينا هي تتطابق مع ذاته، أي تتطابق مع المُعطي لهذه العطية (بمعنى أن المُعطي والعطية هما واحد)، وقد كانت هذه النقطة هي محور تركيز ق. أثناسيوس في تعليمه عن موضوع ’التأليه‘*  (θεοποίησις).

ومما لا شك فيه أن مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) كان يشكِّل المحور الرئيسي في فكر ق. أثناسيوس، لأن هذا المصطلح يعبِّر بصورة دقيقة وقاطعة عن الوحدانية في ذات الجوهر والعمل التي بين الابن المتجسد والله الآب، والتي يُبنى عليها كل شيء في الإنجيل. وفي نفس الوقت كان الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) يحمل في طياته أيضًا مفهوم علاقة التواجد (الاحتواء) المتبادل التي للأقانيم داخل جوهر الله الواحد، والتي أشار إليها إعلان الله عن ذاته في ’تدبير الخلاص‘. وبالنسبة للقديس أثناسيوس، لم يكن هذا التواجد (الاحتواء) المتبادل يعني مجرد ارتباط أو اتصال متبادل بين الثلاثة أقانيم الإلهية، ولكنه كان يعني السكنى الكاملة المتبادلة بينهم: فبينما كل أقنوم يظل ’كما هو‘ محتفظًا بتمايزه كآب أو ابن أو روح قدس، إلاّ أنه يكون بكامله في الآخرين كما أن الآخرين هما بالكامل فيه[12]. وهكذا نجد أن ق. أثناسيوس في صياغته لعقيدة نيقية عن الله، كان شرحه للتجسد دائمًا ما يتضمن هذه المفاهيم الخلاصية والكيانية (الخاصة بالعلاقات الداخلية للثالوث).

 

عقيدة الثالوث في رسائل ق. أثناسيوس إلى سرابيون

وكان هذا المدخل الخريستولوجي لفهم وشرح عقيدة الثالوث القدوس عند ق. أثناسيوس، واضح جدًّا في ’رسائله عن الروح القدس‘، التي كتبها بين عامي 356 و361م بناءً على طلبٍ من صديقه سرابيون أسقف تمي من أجل الرد على أنصاف الأريوسيين الذين كانوا يرفضون ألوهية الروح القدس، على أساس بدعة تقول إنه من ’جوهر مختلف‘ (˜τερούσιος) عن الآب والابن. ولأن هذا الانحراف كان يشكِّل تهديدًا واضحًا لعقيدة الثالوث القدوس وبالطبع لسر المعمودية المقدسة ـ بسبب تمزيقه لوحدة الله ـ فقد واجهه ق. أثناسيوس بنفس البراهين الخريستولوجية والخلاصية والكيانية التي كان قد استخدمها في جداله الطويل مع الأريوسيين[13]. وقد ظل على تأكيده القاطع بأنه من خلال عقيدة ألوهية الروح القدس ووحدانيته في ذات الجوهر (مع الآب والابن)، يكتمل فهمنا للثالوث القدوس داخل فكر الكنيسة وعبادتها. ومن هنا استطاع ق. أثناسيوس أن يكتب في رسالته لأساقفة أفريقيا عام 369، أن إيمان نيقية “بإله واحد يُعرف في ثالوث قدوس وكامل” كان له أثره ـ كما أدرك الآباء ـ في إعلان “الشكل (χαρακτÁρα) الدقيق لإيمان المسيح، ولتعليم الكنيسة الجامعة[14]“.

وبالضبط كما أننا نأخذ معرفتنا للآب من معرفتنا للابن، فهكذا ينبغي أيضًا أن نأخذ معرفتنا للروح القدس من معرفتنا للابن*: أي من العلاقات الداخلية التي بين الآب والابن والروح القدس في جوهر الثالوث الواحد غير المنقسم[15]. وكان ق. أثناسيوس قد أقام حجته الدفاعية على أساس رؤية خلاصية من منطلق أننا لو لم نكن في الروح القدس نُعطى علاقة مع الله#، لما كان للإنجيل أي مضمون حقيقي، وكان هذا بالضبط ما سيحدث أيضًا لو لم يكن الابن واحدًا في ذات الجوهر والقدرة مع الله الآب. كل شيء إذن، يرتبط بحقيقة الوحدانية في ذات الجوهر التي للروح القدس مع الابن والآب. وبما أن الابن هو من جوهر الآب oÙs…aj) tÁj  (™k وخاص بجوهره، فكذلك روح الله الذي هو واحد مع الابن (وخاص به)، لا بد أن يكون معه (أي مع الابن) من جوهر الآب وواحد معه في ذات الجوهر[16].

ويقول ق. أثناسيوس: “ولأن الروح واحد، بل ولأنه خاص بالكلمة الذي هو واحد، فهو خاص بالله الذي هو واحد، وله ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιον) معه[17]“. كما يضيف قائلاً: “الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس، وتوجد طبيعة إلهية واحدة وإله واحد، ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘[18]“.

وهكذا شرح ق. أثناسيوس تعليمه عن علاقة التواجد (الاحتواء) المتبادل الذي للروح القدس مع الآب والابن[19]، بنفس المنهج الذي سبق واستخدمه لشرح علاقة التداخل والسكنى المتبادلة التي بين الابن والآب[20]. فالثالوث القدوس إذن متحد ومتجانس، ليس فقط في فعله (نشاطه) الواحد (μία ™νέργεια) نحونا بل أيضًا في جوهره الذاتي الأزلي غير القابل للتقسيم[21]. وهذا التعليم ـ كما يذكر ق. أثناسيوس ـ يتفق مع الإيمان الرسولي المُسلَّم من الآباء بالتقليد، وهذا الإيمان لم يبتدعه الآباء، بل هو مأخوذ مباشرة من الرب يسوع المسيح، الذي علَّم بنفسه المرأة السامرية ـ ونحن أيضًا من خلالها ـ “كمال الثالوث القدوس بكونه لاهوتًا واحدًا غير منقسم*

(τ¾ν τÁς `Aγίας Τριάδος τελειότητα ¢διαίρετον υπάρχουσαν κሠμίαν Θεότητα) “[22].

وجدير بالذكر هنا أن ق. أثناسيوس عندما وصل في شرحه لعقيدة الروح القدس ـ في ’رسائله إلي سرابيون‘ ـ إلى موضوع إرسالية الروح القدس، عاد مرة أخرى إلى الحديث الذي كان قد ذكره في الرسالة الأولى عن سوء فهم الأريوسيين ’لظهور الكلمة بالجسد‘ (τ¾ν œνσαρκον παρουσίαν τοà Λόγοà)[23]، وكان هدف ق. أثناسيوس من ذلك هو التأكيد ثانية على الأساس الإنجيلي للعلاقة غير المنفصمة بين الابن (المتجسد) والآب، لأنه على نفس هذا الأساس ينبغي أن نفهم إرسالية الروح القدس في انبثاقه من الآب وأخذه من الابن[24]. ولذلك اهتم ق. أثناسيوس في رسالته الثانية أن يُظهر ليس فقط أن كل ما يُقال عن الآب يُقال عن الابن، ولكن أيضًا أن الآب والابن كائن كل منهما في الآخر منذ الأزل، لأن الابن هو من ’جـوهر الآب‘ (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός) و’له ذات الجوهر الواحد‘(Ðμοούσιος)  مع الآب[25]. وعلى هذا الأساس الإلهي الداخلي   ـ وليس على أي أساس آخر خارج عن الله ـ ينبغي أن نفهم حياة وعمل المسيح ابن الله المتجسد باعتبارها حياة وعمل الوسيط الوحيد الذي بين الله والناس. فحقيقة الإنجيل تعتمد على صحة علاقة ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ بين المسيح والله الآب. ولذلك استطرد ق. أثناسيوس موضحًا أن الابن المتجسد بعد أن أكمل التدبير بالجسد، هو يجلس الآن عن يمين الآب “بكونه في الآب والآب فيه، كما كان دائمًا، وهكذا يكون إلى الأبد[26]“. وهذا يعني أن ق. أثناسيوس إنما كان يؤكد أن الوحدة بين الابن المتجسد والآب ليس مجرد حادث عرضي تم في زمن ما، بل هي وحدة كيانية وحقيقية منذ الأزل في الله. إذن كان مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιον) يمثل الأساس المرجعي الأهم في فهم ق. أثناسيوس لإعلان الله عن ذاته ـ الذي من الآب بالابن في الروح القدس ـ وفي فهمه لوحدانية الله الأزلية في الثالوث القدوس. وانطلاقاً من هذا الأساس يمكننا أن نفهم إرسالية الروح القدس من الآب، وعطية الروح القدس بواسطة الابن.

وفي رسالتيه الثالثة والرابعة إلى سرابيون، حرص ق. أثناسيوس على تقديم شرح لعقيدة الروح القدس على أساس تعليم المسيح نفسه الذي جاء في إنجيل يوحنا (26:15)* و(13:16ـ15)#،ولكنه كان يفسِّر هذه النصوص على أساس أنه “من خلال معرفتنا للابن سيمكننا أن نعرف الروح القدس معرفة حقيقية، لأن خصوصية علاقة الروح القدس بالابن هي عينها التي عرفنا أنها للابن مع الآب”.[27] وحيث إن ق. أثناسيوس قد أشار في هاتين الرسالتين إلى ما كان قد ذكره بالفعل (في رسالتيه السابقتين)، فسيكون من المناسب هنا أن نسترجع أولاً ما قاله في الرسالة الأولى والثانية في هذا الصدد:

-“الـــــــــــــــروح القــــــــــــــــــــــدس ينبثـــــــــــــــــــــــــــــــــــق مــــن الآب (παρά τοà Πατρός ™κπορεύεται)؛ وإذ هو خـــاص* بـالابن (τοà Υƒοà Šδιον Ôν) فإنه يُعـطى منه (أي يُرسـل من الابن) (παρ’ αÙτοà δίδοται) للتلاميذ ولكل الذين يؤمنون به[28]“.

-“الـــــروح القــــدس ينبثق من الآب، ويأخــــــذ منه (مـــــن الابن)   (™κ τοà αÙτοà λαμβάνει) ويعطي[29]“.

-“الروح القدس يأخذ من الابن (™κ τοà Υƒοà λαμβάνει)[30] “.

-“فــإن كــــان الابـن هو من (™κ) الآب وخـــــاص بجـــــــوهره  (Šδιος τÁς οÙσίας αÙτοà)، فإن الروح القدس الذي هو من (™κ) الله (الآب) لا بد أيضًا أن يكون خاصًّا بجوهر الابن من جهة كيانه (Šδιον εŠναι κατ’ οÙσίαν τοà Υƒοà)[31]“.

-“ولأن الروح واحد، بل ولأنه خاص بالكلمة الذي هو واحد، فهو خاص بالله الذي هو واحد وله ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιον) معه … وفي الطبيعة والجوهر، (هو مختلف عن المخلوقات ولا يوجد شيء خاص أو مشترك بينه وبينها) ولكنه هو (أي الروح) خاص بلاهوت الابن وجوهره وليس غريبًا عنه، وكذلك بالنسبة للثالوث القدوس[32]“.

وقد تناول ق. أثناسيوس هذه التعاليم مرة ثانية (في الرسالتين الثالثة والرابعة)، وركَّز مجددًا على ألوهية الروح القدس وتميُّزه المطلق عن كل الكائنات المخلوقة. فمن ناحية، أكَّد ق. أثناسيوس على أن هناك علاقة كيانية غير منفصلة بين الروح القدس والابن، بحيث إن الابن هو الذي يعطي الروح القدس من عنده*، فيأخذ الروح القدس من الابن (ويعطي الخليقة). ومن ناحية أخرى، أوضح ق. أثناسيوس أن الروح القدس هو روح الابن وروح الآب وله ذات الجوهر الواحد معهما. إذن فعلى حين إن الروح القدس في الأساس ينبثق من الآب، فإنه “بسبب خصوصية علاقته مع الابن، فهو يُعطى منه للجميع

(διά τήν πρÕς τÕν Υƒόν „διότητα αÙτοà, καί Öτι ™ξ αÙτοà δίδοται π©σι) “[33]   

وقد أعاد ق. أثناسيوس التأكيد على هذا التعليم، حين بيَّن أن الابن والروح القدس، رغم أن كلاًّ منهما متمايز عن الآخر إلاّ أن كلاًّ منهما يتواجد في الآخر (أو يحتوي الآخر)، ولذلك هناك عمل (فعل) إلهي واحد فقط. وهذا صحيح بالنسبة لعمل الخلق، حيث إن “الآب يخلق كل الأشياء بالكلمة في الروح القدس”، كما أنه صحيح أيضًا بالنسبة لكل المواهب الروحية التي تُعطى في الثالوث “لأن الآب ذاته بواسطة الكلمة في الروح القدس، يعمل ويعطى كل الأشياء[34]“، علمًا بأن هذا العمل هو عمل الثالوث الأزلي غير المتغير، الذي فيه الروح القدس كائن أزليًّا في الابن ومعه. ويقول ق. أثناسيوس: “كما كان على الدوام هكذا يكون الآن؛ وكما يكون الآن هكذا كان على الدوام، هو الثالوث: الآب والابن والروح القدس[35]“. ويضيف أيضًا قائلاً: “وفقط في الألوهية، الآب هو آب حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة (أو بحصر المعنى)، وحيث إنه الآب الوحيد، فقد كان ويكون وسيظل دائمًا كما هو (آب). والابن هو ابن حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة (أو بحصر المعنى)، وهو الابن الوحيد. ويحق القول أن الآب هو آب على الدوام، والابن هو ابن على الدوام، والروح القدس هو روح قدس على الدوام. ونحن نؤمن أنه (أي الروح القدس) هو الله، وأنه يُعطى من الآب من خلال الابن. وهكذا يظل الثالوث القدوس بلا تغيير، ويُعرف في ألوهة واحدة[36]“.

 

المدلول اللاهوتي لمصطلح ’أوسيا، (οÙσία) و مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) في تعليم ق. أثناسيوس

وكان هذا التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس عن الثالوث (في رسائله إلى سرابيون) يحمل في طياته مراجعة عميقة لمعنى مصطلحي ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هيبوستاسيس‘*(Øπόστασις)  في الفكر اللاهوتي المسيحي، وقد اتضح ذلك في قبول صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις)، التي تم اعتمادها في المجمع الذي دعا إليه ق. أثناسيوس عام 362م. وقد قام ق. أثناسيوس نفسه بشرح هذه الصيغة في خطابه إلى كنيسة أنطاكية (Tomus ad Antiochenos).

وقد عبَّر ج. ل. برستيج عن استخدام هذين المصطلحين بقوله: “بينما يشير مصطلح ’هيبوستاسيس‘  (Øπόστασις)إلى التمايز الملموس (في الله)، يعبِّر مصطلح ’أوسيا‘ (οÙσία) عن الحقيقة الداخلية (له). فمصطلح ’هيبوستاسيس‘  (Øπόστασις)يعني ’الحقيقة الآخرية (نحو الآخر)‘ (ad alios)، أما مصطلح ’أوسيا‘ (οÙσία) فيعني ’الحقيقة الذاتية الداخلية‘ (in se). أي إن الأول يشير إلى الله كما هو ظاهر ومعلن، والثاني يشير إليه في كيانه وجوهره.

وقد علَّم ق. أثناسيوس أن في الله: نفس الجوهر الواحد ـ بلا أي انقسام، ولا اختلاف أو تغيير ـ كائن على الدوام في ثلاثة حقائق (أقنومية) متمايزة[37]“. وفي بعض الأحيان عند الحديث عن جوهر الله، استخدم ق. أثناسيوس مصطلح ’أوسيا‘ (οÙσία) في أبسط معانيه ليشير إلى مجرد من هو ’كائن بذاته‘، وهو ما كان مساويًا تقريبًا لمدلول مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) في معناه البسيط*[38]. إلاّ أننا نجد أن هذا المعنى البسيط للـ ’أوسيا‘ يختلف ويزداد عمقًا عندما يتحدث ق. أثناسيوس عن إعلان الله عن ذاته وأنه هو الخالق الذي يفوق كل الكيان أو الجوهر (οÙσία) المخلوق، وهو وحده الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) الحقيقي (الجوهر الحقيقي) بحصر المعنى، لأنه هو الوحيد الذي بالفعل وبالحقيقة كذلك[39].

وقد كان هذا التعمق في مدلول ’الأوسيا‘ ضروريًّا في ضوء حقيقة أن الله يعلن لنا ذاته بالابن في الروح القدس الكائنين في جوهره (οÙσία) الذاتي الأزلي. ومن هنا فإن الله يعطينا وصولاً إليه، بواسطة يسوع المسيح وفي روح واحد، بحيث يمكننا أن نعرف الله ـ بعض المعرفة ـ وفقًا لما هو بالحقيقة في ذاته، في العلاقات الداخلية لجوهره (οÙσία) الذاتي الثالوثي[40]. وهكذا عندما تم الربط بين الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) وإعلان الله عن ذاته في ثلاثة أقانيم (Øποστάσεις) متمايزة آب وابن وروح قدس، صار هذا المصطلح يشير إلى جوهر الله الواحد الأزلي في كمال علاقاته الداخلية الشخصية (الأقنومية) بكونه ثالوثًا قدوسًا. وبعيدًا عن فكرة أنه هو الشيء العمومي (أو المشترك) بين الأقانيم، فإن مصطلح الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) في تطبيقه مع الله كان له عند ق. أثناسيوس مدلول شخصي ملموس (بمعنى أن العلاقات الأقنومية متضمنة داخل الجوهر الواحد)*. ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا الفكر كان واضحًا جدًّا في مفهوم ق. أثناسيوس المميز عن ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος Λόγος) و’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος ™νέργεια)[41]، لأن عمل الله في إعلانه عن ذاته وفي إعطائه ذاته لنا بواسطة الابن وفي الروح القدس هو عمل واحد ـ غير قابل للتقسيم ـ تجاهنا، على نفس النحو الذي في جوهر (οÙσία) اللاهوت الواحد الذي صدر عنه هذا العمل، فهذا الجوهر (οÙσία) الإلهي الواحد تم كشفه لنا بكونه جوهرًا ’شخصيًّا (أقنوميًّا)‘ في ذاته، كما هو الحال في أعماله نحونا، داخل علاقات التواجد (الاحتواء) المتبادل للأقانيم الإلهية الثلاثة[42].

وقد ظل هذا الفهم الأعمق للـ ’أوسيا‘ (οÙσία) ثابتًا عند ق. أثناسيوس حتى عندما وافق على صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) عام 362م. وباليقين أنه في ضوء هذا الفهم، قدَّم ق. أثناسيوس تعليمه المميَّز عن وحدانية الله الثالوث، وأكمله بتعليمه عن الروح القدس. وكان مفهوم ق. أثناسيوس عن الثالوث متضمَّنًا بالفعل داخل فهمه للـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، حيث كان الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) ـ في تخطيه لفكرة العلاقات المنفصلة أو غير المتمايزة بين الأقانيم الثلاثة ـ يحمل في طياته مفهوم التمايز الأزلي والعلاقات الداخلية في اللاهوت، والتي كل منها تحتوي الأخرى بالكامل وبصورة متبادلة داخل الجوهر الواحد التام الذي للآب والابن والروح القدس. وهكذا أكَّد ق. أثناسيوس أنه من خلال الثالوث القدوس نحن نؤمن بوحدانية الله، وأنه فقط باعترافنا بالوحدانية ـ غير المنقسمة ـ في ذات الجوهر، التي للابن والروح القدس مع الآب، فإننا نستطيع بحق أن ندرك الثالوث القدوس[43].

 

وحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία) في تعليم القديس أثناسيوس

وإذا تطرقنا إلى تعليم ق. أثناسيوس عن مفهوم وحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία) في الثالوث، فينبغي علينا أن ننظر إلى ذلك أيضًا في ضوء نفس فهمه العميق للـ ’أوسيا‘. وفي البداية نؤكد أن ق. أثناسيوس نظر إلى الآب بكونه هو مبدأ (¢ρχή) الابن، ولكن كان ذلك من جهة أنه وَلَدَه منذ الأزل، ولذا أعلن: “نحن نعرف مبدأ (¢ρχή) واحدًا فقط”، إلاّ أن ق. أثناسيوس وعلى الفور ربط الابن بهذا المبدأ (الرأس) (¢ρχή) حيث قال: “لأننا لا نعترف بوجود أي نمط آخر للاهوت (τρόπον Θεότητος) سوى الذي لله الواحد[44]“. وبينما يرتبط الابن بالمبدأ (الرأس) (¢ρχή) بهذه الطريقة (لأنه واحد مع الآب في نفس الجوهر واللاهوت)، إلاّ إنه (أي الابن) لا يمكن النظر إليه بكونه مبدأً (رأسًا) (¢ρχή) منفردًا بذاته، لأنه في صميم طبيعته غير منفصل عن الآب الذي هو مولود منه. وكذلك وعلى نفس هذا النحو لا يمكن اعتبار الآب أنه مبدأ (أو رأس) (¢ρχή) بعيدًا عن الابن، لأنه بكونه بالتحديد آبًا فهو آب للابن (بصورة دائمة ومن غير انفصال). ويقول ق. أثناسيوس: “الآب والابن هما اثنان، غير أن وحدة اللاهوت هي واحدة بغير انقسام. وهكذا نحن نعترف بمبدأ (رأس) (¢ρχή) واحد للاهوت وليس بمبدأين (¢ρχαί)، ولذا فنحن بالفعل نؤمن بوحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία)[45]“.

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم ما جاء في الخطاب إلى كنيسة الأنطاكيين (Tomus ad Antiochenos)، والذي أقرَّ فيه ق. أثناسيوس مع آخرين بالاعتراف “بثالوث قدوس، ولكن لاهوت واحد، ومبدأ (رأس) (¢ρχή) واحد، وبأن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، كما أن الروح القدس مساوٍ وغير منفصل عن جوهر الآب والابن[46]“. وبينما قبل ق. أثناسيوس صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις)، إلاّ إنه كانت لديه رؤية ثابتة عن الوحدة المطلقة والمساواة والتطابق التام بين الأقانيم الثلاثة في داخل اللاهوت، حتى إنه رفض الرأي الذي ينادي بوحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία) الذي تعتمد فيه وحدانية الله على شخص (أقنوم) الآب*. وحينما أُشير في بعض الأحيان إلى الآب بكونه ’المسبب‘ (αŠτιος) و’المبدأ‘ (¢ρχή) للابن، فإن المقصود كان هو التعبير عن حقيقة أن الآب هو أبو الابن وأن الابن هو ابن الآب، ولم يكن القصد أبدًا هو الإخلال بأي شكل من الأشكال بالمساواة التامة بين الابن والآب، لأن بنوة الابن جوهرية، كجوهرية أبوة الآب، ولذا يقول ق. أثناسيوس: “كل ما يُقال عن الآب يُقال عن الابن ما عدا كونه يُدعى ’آبًا‘[47]“.

ولذا فإن المبدأ (الرأس) الواحد (Μία Άρχή / Μοναρχία) هو نفسه الثالوث ذاته. أي إن الوحدة (Μονάς) تتطابق مع التثليث (Τριάς)، وبالتحديد نحن في التثليث (Τριάς) نعرف أن الله هو واحد (Μονάς). والواقع أن ق. أثناسيوس فضَّل الحديث عن الله بكونه واحدًا (Μονάς) عن أنه هو المبدأ (الرأس) (¢ρχή)، لأن مفهومه لله الواحد (Μονάς) كان يتضمن فهمه له كثالوث (Τριάς): أي إن الله هو منذ الأزل وبغير تغيير آب وابن وروح قدس، ثلاثة أقانيم إلهية، وهؤلاء الثلاثة ـ بينما هم على الدوام آب وابن وروح قدس، في علاقة السكنى المتبادلة والتواجد (الاحتواء) المتبادل بينهم ـ هم الله الواحد الثالوث. ولذا فإن وحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία) في الله هي بالضرورة ’ثالوثية‘ في داخل العلاقات الداخلية لجوهره (οÙσία) الأزلي[48]. ويتضح تمامًا مفهوم ق. أثناسيوس في عقيدة الثالوث، في فقرة منسوبة إليه كُتبت مبكرًا جاء فيها: “الثالوث المُسبَّح والممجَّد والمسجود له، هو واحد بغير انقسام وبدون درجات (تدرج) (¢σχημάτιστος)، وهو متحد بغير اختلاط، بالضبط كما تتمايز العناصر في الفكر بغير انقسام. وفي التسبحة الثالوثية التي تقدمها الكائنات السمائية ’قدوس قدوس قدوس هو الرب‘، تُذكر كلمة ’قدوس‘ ثلاث مرات لإظهار الأقانيم الثلاثة الكاملة (τρε‹ς Øποστάσεις τελείας)، بينما يشيرون (أي السمائيون) في كلمة ’الرب‘ إلى جوهر الله الواحد              (μίαν οÙσίαν)[49]“.

 

  1. 2. القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس النيصي والقديس غريغوريوس النزينزي وديديموس

 

مدخل ق. باسيليوس لشرح عقيدة الثالوث

وعندما ننتقل من ق. أثناسيوس إلى ق. باسيليوس القيصري نجد مدخلاً مختلفًا بعض الشيء، حيث لم يكن المنطلق اللاهوتي عند ق. باسيليوس ـ في فهم وشرح عقيدة الثالوث ـ يأتي من منظور خلاصي أو وجودي (كياني)، بل بالأحرى من منظور روحي وأخلاقي، من نوع ما تبناه أوريجينوس عن أسلوب الحياة المسيحية تحت تأثير عمل الروح القدس في التغيير والتقديس. ولكن عندما تعرضت المبادئ الأساسية لهذا المدخل للتهديد والخطر من قبل أتباع كل من إفنوميوس وسابيليوس، استعان ق. باسيليوس بكتاب ق. أثناسيوس ’عن مجمع نيقية‘ (De Synodis)[50] للرجوع إلى عقيدة نيقية عن الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) وذلك من أجل محـاربة البدعة التي تنادي بأن الابن قد أُحضر إلى الوجود من العدم، وكذلك “لمقــاومة البدعة التي تنـــادي بــأن الله هو أقنوم الواحد (τ¾ν ταÙτότητα τÁς Øποστάσεως) ، ولتأكيد مفهوم الأقانيم (τελείαν τîν προσώπων τήν œννοιαν) الإلهية”. ويقول ق. باسيليوس: “إن الشيء لا يكون له ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιον) مع نفسه، ولكنه يكون كذلك فقط مع شيء آخر. ولذا فالمصطلح (هوموأووسيوس) له دور رائع في توضيح التمايز التام الذي للأقانيم، مع تأكيد الطبيعة الواحدة غير المتغيرة لهم

(τîν τε Øποστάσεων τ¾ν „διότητα διορίζουσα καί τÁς φύσεως τό ¢παράλλακτον παριστîσα) .”[51]

 

تعليم ق. باسيليوس في كتابه ’عن الروح القدس‘

ورغم أن ق. باسيليوس لم يصل إلى نفس مستوى العمق الذي أدركه ق. أثناسيوس من جهة المفاهيم الخلاصية والكيانية، إلاّ أن ق. باسيليوس ـ وبمساعدة عقيدة نيقية الأساسية ـ قدَّم فكره اللاهوتي المميَّز والورع، وأعطاه أساسًا ’ثالوثيًّا‘ قويًّا، مستندًا على تأسيس الرب لسر المعمودية باسم الآب والابن والروح القدس[52]. وقد اتضح فكر ق. باسيليوس هذا بصورة خاصة، في الحجج التي قدمها ـ من خلال الليتورجيا والتسبحة ـ عن ’الاشتراك الورع‘ والمساوي للروح القدس مع الآب والابن في كل ما يُقدَّم للثالوث من سجود وعبادة وتضرع. وقد جاء هذا التعليم في كتابه ’عن الروح القدس‘ (De Spiritu Sancto)[53]، الذي أكَّد فيه أيضًا أن الروح القدس ليس غريبًا عن الطبيعة الإلهية، بل هو أقنوم (Øπόστασις) في الثالوث له نمط وجوده الأقنومي (τρόπος Øπάρξεως) الخاص، في شركة (κοινωνία) الطبيعة الإلهية غير المنقسمة مع الآب والابن[54]. ولكن الغريب أن ق. باسيليوس تجنَّب التصريح بأن الروح القدس هو الله[55]، كما أنه تردد في استخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) في الحديث عن الروح القدس مفضلاً استخدام مصطلحات أخرى مثل واحد (مع الآب والابن) في ذات الكرامة (Ðμότιμος)، وفي ذات المجد (Ðμόδοξος)، وفي ذات الربوبية (العرش) (Ðμόθρονος)، إلاّ أنه أشار مرة واحدة إلى الثالوث القدوس بأنه ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، وذلك في معرض حديثه عن المعمودية[56].

وبالطبع ليس هناك أدنى شك من جهة إيمان ق. باسيليوس بألوهية الروح القدس؛ إذ نجده يقول عن الروح القدس: إنه ليس فقط بسبب كونه ’روح قدس‘ (“Aγιον Πνεàμα) له ذات الطبيعة الروحية الفائقة الإدراك التي للآب والابــن[57]، بل أيضـًا لأن الـروح القــدس هو ـ بغير انفصال وبالتساوي ـ خالق مع الآب والابن حيث إنهم (معًا) العلة (α„τία) الوحيدة لكل الموجودات[58].

وقد استخدم ق. باسيليوس أحد التعاليم الهامة للقديس أثناسيوس ليؤكد أن: “(خصوصية) علاقة الروح القدس بالابن هي مثل خصوصية علاقة الابن بالآب*. وإذا كان الروح متساويًا مع الابن، والابن مع الآب، فمن الواضح أن الروح أيضًا متساوٍ مع الآب[59]“. إذن، فعلى الرغم من تمايز الأقانيم الثلاثة عن بعضهم البعض، فإنهم دائمًا معًا بغير انفصال. ويضيف ق. باسيليوس قائلاً: “في الطبيعة الإلهية غــــير المـــركبة، تكــمن الوحـــــدة في شركـــة اللاهــــوت (™ν τÍ κοινωνία τÁς Θεότητός ™στιν ¹ žνωσις). واحد هو الروح القدس، و(حتى) عندما نتحدث عنه بمفرده فإنه يكون متحدًا بالآب الواحد من خلال الابن الواحد#. ومن خلال الروح القدس ذاته يكتمل الثالوث القدوس المسجود له …… وكما أنه يوجد آب واحد، وابن واحد، فكذلك يوجد روح قدس واحد[60]“. والروح القدس في فكــــر ق. باسيليوس مرتبط بغير انفصـــــال في ـ بل ويأتينا أيضًا من ـ شركـة (الطبيعة والجوهـــر) مع الآب والابن، وبالتـالي فهو المصــــدر المبـــــاشر لشركتنا نحن مع الثــــــالوث القـــــــدوس[61].

 

عقيدة الثالوث في رسائل ق. باسيليوس

وقام ق. باسيليوس أيضًا في رسائله، بتقديم عرض أكثر تحديدًا عن عقيدة الثالوث القدوس، بكونه ثلاثة أقانيم وجوهرًا واحدًا[62]. ورغم حرصه الشديد على الالتزام بتعليم مجمع نيقية[63]، إلاّ أنه شعر أن الدفاع عن الفكر اللاهوتي النيقيّ يحتاج إلى أن يفرِّق بشكل واضح بين مصطلحي ’أوسيا‘ (οØσία) و’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις)، لأن استعمالهما بطريقة مترادفة قد يستخدمه أتباع سابيليوس وإفنوميوس لتأييد هرطقاتهم[64]. وعلى أية حال، كان ق. أثناسيوس قد سبق وتقدم باقتراح بهذا المعنى في مجمع الإسكندرية عام 362م، وتم فيه قبول صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم[65]“. وكان الجــــدال مع الـــهراطقة ـ وبالأخــــص إفــنومـيوس ـ قـــد أدى إلى اقتنــاع ق. باسيليوس بـــأن صيــــغة “جـوهــــــر واحــــــد، ثلاثـــــة أقـــــانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) لا يمكن أن يكون فيها الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) و الـ ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) يحملان نفس المعنى لأن ذلك يكون منافيًا للعقل والمنطق، ولكن الأمر يختلف حين يكون لهما مدلولان مختلفان. ومن هنا فرَّق ق. باسيليوس مدلول معنى الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) عن مدلول الـ ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) على أســاس أن علاقة الـ ’أوسيا‘ بالـ ’هيبوستاسيس‘ هي مثل علاقــــة العمــــومي (أو المشــــــــــترك) (τό κοινόν) بالخصوصي (أو المميَّز) (τÕ Šδιον)، كما أنه ميَّز الأقانيم (Øποστάσεις) الثلاثة بعضها عن البعض الآخر طبقًا لأنماط وجودهم (τρόποι Øπάρξεως) الخاصة، وطبقًا لصفاتهم أو خواصهم

(„διώματα, „διότητα, γνωρίσματα, χαρακτηριστικά)

المميَّزة، فميَّز بينهم بـ ’الأبوة‘ (πατρότης) و’البنوة‘ (υƒότης) و’القداسة‘ (¡γιασμός / ¡γιωσύνη)[66]. ولذلك نجد أن ق. باسيليوس يلجأ في بعض الأحيان إلى تعريف الأقانيم الثلاثة بحسب خواصهم المميزة („διώματα, „διότητα) مع مجرد إشارة عابرة فقط إلى وجودهم في جوهر (οÙσία) واحد، ومع ذلك ذهب إلى القول بأن كل شخص منهم هو أقنوم (Øπόστασις) حقيقي[67]. ولتخفيف آثار هذا الأسلوب في التفكير، لجأ ق. غريغوريوس أخو ق. باسيليوس إلى لغة ق. أثناسيوس ليظهر كيف أن الأقانيم الإلهية الثلاثة في علاقة داخلية متبادلة بعضها مع البعض الآخر بغير انفصال فيقول: “كل ما يُرى في الآب يُرى في الابن، وكل ما هو للابن هو للآب، لأن الابن بجملته يسكن في الآب وهو (أي الابن) فيه الآب بجملته. وعلى ذلك فإن أقنوم (Øπόστασις) الابن كما لو كان هو هيئة ووجه (μορφή καί πρόσωπον) معرفة الآب، كما أن أقنوم (Øπόστασις) الآب يُعرف في هيئة (μορφή) الابن، ولكن الخواص المميَّزة لكل منهما(„d…othta)  إنما ترجع إلى التمايز الواضح الذي لأقنوميهما (Øποστάσεις)[68]“.

وبالرغم من هذا الاقتراب من مفهوم ق. أثناسيوس الخاص بالتواجد (الاحتواء) المتبادل الذي بين الأقانيم ـ والذي كان يشاركه فيه بالفعل ق. باسيليوس ـ إلاّ أن اقتراح ق. باسيليوس بأن مصطلح ’أوسيا‘ (οÙσία) لا بد أن يُفهم بمدلول عام ومشترك، قد غيَّر من المفهوم السابق للـ ’أوسيا‘ (οÙσία) في الله؛ إذ قد ساوى بينه وبين مفهوم الـ ’فيزيس‘ (φύσις) أو الطبيعة التي تشترك فيها الأقانيم الإلهية الثلاثة[69]. وقد تم هذا التغيير على حساب المدلول الشخصي (الأقنومي) القوي لمفهوم الـ ’أوسيا‘ (οÙσία)، والذي فيه كان الـ ’أوسيا‘ يتميز بالعلاقات الداخلية (المتضمَّنة فيه)، وقد أثَّر هذا التغيير بالتالي على فهم الآباء الكبادوكيين لله. ومع التفرقة الواضحة التي رآها ق. باسيليوس بين جوهر الله غير المُدرك ولا المعروف وبين أفعال (طاقات) الله* التي يُظهر بها ذاته لنا[70]، فإن هذا التفسير المستحـــدث للجــوهر الــواحد (μία οÙσία) والثلاثة أقــانيم (τρε‹ς Øποστάσεις) قد أدى إلى التحول (في شرح الثالوث) من التركيز على ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ إلى ’المساواة بين الأقانيم‘ كما أدى كذلك إلى تغير مركز الثقل في العقيدة (من الجوهر الواحد الذي له مدلول شخصي) إلى الخواص التي تميِّز كلاًّ من الآب والابن والروح القدس[71].

 

مدخل الآباء الكبادوكيين لفهم وشرح عقيدة الثالوث

وقد يكون من المفيد هنا أن نعود إلى ما ذكرناه في الفصل السابق[72] عن عقيدة الآباء الكبادوكيين في الروح القدس، حتى نتعرف على ما أحدثه هذا التعليم في عقيدة الثالوث القدوس. ففي مواجهة اتهامهم بميلهم إلى البدعة التي تنادي بثلاثة آلهة لهم طبيعة مشتركة (tritheism) ـ والذي أثاره عليهم تحول تركيزهم في التعليم إلى الأقانيم وخواصها المميَّزة[73] ـ سعى هؤلاء الآباء إلى تأكيد وحدانية الله من خلال ربطها بالآب بكونه هو المبدأ الواحد (أو الرأس) (¢ρχή) والعلة (α„τία) للابن والروح القدس[74]. ومع أن الآباء الكبادوكيين أقرّوا بأن الابن والروح القدس معلولان أزليًّا بواسطة الآب بحيث إنه لا يوجد أي فاصل بين ’العلة‘ و’المعلول‘ وبحيث إن صدورهما من الآب هو بلا بداية (¥νaρχως)، إلاّ أنهم نظروا إلى العلاقات الداخلية بين أقانيم الثالوث على أنها تشكِّل بناءً متسلسلاً من السببية والترتيب المنطقي أو كأنها تكوِّن ’سلسلة‘ من الاعتمادية (éσπερ ™ξ ¡λύσεως)[75] (يتوسطها الابن).

وهذا المفهوم كان ق.غريغوريوس النيصي قد أبرزه بشدة في تعليمه؛ إذ قال إن كيان الروح القدس مُسبَّب بـ ومتأسس في وجود الابن والذي بدوره كيانه مُسبَّب بـ ومتأسس في الآب[76]. والنقطة التي أراد ق. باسيليوس وأخوه ق. غريغوريوس النيصي التعبير عنها هي: أن نمط الوجود (τρόπος Øπάρξεως) الأقنومي الخاص بالابن يصدر من الآب لأنه هو ابن الآب، كما أن نمط الوجود الأقنومي الخاص بالـــروح القــدس في وحدته غير المنفصلة مع الابـن هـو أيضًا يصـدر من الآب. إلاّ أن مفهومهــما للـ ’أوسيا‘ (οÙσία) بمدلـوله العمــومي أو المشترك هو الـذي أدى بهما إلى القول بأن الابن والــــــــــــــــروح القــــدس يدينــــــــــــــان ’بكــيانيهما‘ (τό εναι) لأقنوم (Øπόστασις / πρόσωπον)  الآب[77]، مما كان له تأثير واضح على عقيدة انبثاق الروح القدس في صميمها. فنجد ق. غريغوريوس النيصي يقول: “إن الروح القدس مرتبط (متصل) بالابن، ولا يُدرك إلاّ متصلاً به، أما ’كيانه‘ فيعتمد فيه على الآب بكونه ’علة‘ له. وهو أيضًا ينبثق منه (أي من الآب) بكل ما يخص ويميِّز طبيعته الأقنومية في كونه يُعرف بعد الابن ومعه، وفي كونه يستمد كيانه من الآب[78]“.

ويبدو أن كلاًّ من القديسين غريغوريوس النيصي وغريغوريوس النزينزي قد راجع نفسه بالنسبة لهذا التعليم الخاص بالعلاقات بين الأقانيم الثلاثة، والذي كان قد أُرجع فيه وجود الابن والروح القدس أو صميم كيانيهما ـ وليس مجرد نمطي وجودهما الأقنومي ـ إلى أقنوم (Øπόστασις) الآب بدلاً من جوهر (οÙσία) الآب. فنجد أن ق. غريغوريوس النيصي عاد وفرَّق بين الوجود وبين شكل (نمط) الوجود[79]، مؤكدًا أن لفظ ’الله‘ (Θεός) إنما يدل على الجوهر ولا يشير إلى الأقنوم (أو الشخص) (πρόσωπον)، مما يعني أن الآب ليس هو الله بفضل أبوته ولكن بفضل جوهره (و إلاّ فلا يكون الابن هو الله أو الروح القدس هو الله)[80]. أما ق. غريغوريوس النزينزي فقد أكَّد أن لفظ ’الآب‘ ليس هو اسمًا للجوهر (οÙσία)، بل ’للعلاقة‘ (σχέσις) التي يحملها الآب نحو الابن أو التي للابن مع الآب[81]. وكان هذا التغيير الغريب عن عقيدة نيقية (فيما يخص صدور الابن من أقنوم الآب وليس من جوهره*)، وكذلك إدخال مفهوم ’السببية‘ في العلاقات الأقنومية للثالوث القدوس، قد أديا إلى إثارة العديد من المشاكل، بالإضافة إلى أن ذلك كان يُعد استبدالاً لمفهوم ق. أثناسيوس عن الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) بكونه جوهر الله الواحد الذي يتضمَّن في داخله العلاقات الكيانية الأقنومية. وقد أعطى هذا التعليم الكبادوكي مفهومًا مختلفًا عن الوحدة والتثليث في الله، كما قد فتح الطريق لسوء فهم خطير وانقسام حول عقيدة انبثاق الروح القدس.

 

عقيدة الثالوث عند ق. غريغوريوس النزينزي

ورغم أن فكر ق. غريغوريوس النزينزي حول الثالوث القدوس، كان يتفق في شكله العام مع ما قدمه ق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيصي، إلاّ أنه كان متخوفًا من أنه بهذا يمكن أن يَنظر إلى الآب (وحده) على أنه الجوهر (οÙσία) فلا يَنظر إلى الابن والروح القدس على أنهما شخصان (أقنومان) (Øποστάσεις)، ولكن يجعلهما كـ “قوتي الله الملازمتين، وليس الكائنين جوهريًّا فيه

(δυνάμεις Θεοà ™νυπαρχούσας, οÙχ Øφεστώσας) “.[82]

وقد كتب يقول (متفقًا مع التوجه العام للآباء الكبادوكيين): “إن الأقانيم الثلاثة لهم طبيعة واحدة، وهم الله، ولكن أساس وحدتهم هو الآب، الذي منه ونحوه يُحسب الأقنومان الآخران[83]“. كما استخدم ق. غريغوريوس أيضًا لغة تنم على ’السببية‘ في إرجاع الابن والروح القدس إلى مبدأ واحد أو رأس (¢ρχή) واحد في الآب[84].

ولكن ق. غريغوريوس النزينزي تبنّى رغم ذلك مفهومًا أكثر قربًا للقديس أثناسيوس فيما يخص وحدانية الله ووحدانية اللاهوت الكاملة؛ ليس فقط بكونها أوليًّا في الآب، ولكن بكونها في كل أقنوم، وكذلك في جميعهم ككل[85]. وقد أضاف أيضًا أن الثالوث يُعبد في الوحدة بالضبط كما أن الوحدة تُعبد في الثالوث[86]. فالوحدة (Μονάς) تتطابق مع التثليث (Τριάς)، لأنه بينما الله الواحد هو ثلاثة (أقانيم)، فإن الثلاثة هم واحد. ويقول ق. غريغوريوس النزينزي في هذا الصدد:

-“اللاهوت (الله) هو واحد في ثلاثة، والثلاثة هم واحد، والثلاثة فيهم اللاهوت أو بتعبير أكثر دقة الثلاثة هم اللاهوت (الله)[87]“.

-“وعندما تقرأ الآية: ’أنا والآب واحد‘ ضع نصب عينيك الوحدانية في الجوهر (οÙσία)؛ ولكن عندما تقرأ قوله ’نأتي إليه ونصنع منزلاً‘ تذكر التمايز الذي بين الأشخاص (πρόσωπα)؛ وعندما ترى أسماء ’آب‘ و’ابن‘ و’روح قدس‘ فكر في الأقانيم (Øποστάσεις) الثلاثة[88]“.

ومثل ق. اثناسيوس، كان مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) (أي الوحدانية في ذات الجوهر) عند ق. غريغوريوس النزينزي، هو مفتاحه لشرح عقيدة الثالوث الإلهي[89]. ولذا كان هو بالفعل أقرب الآباء الكبادوكيين لأثناسيوس في تبنيه مدخلاً خلاصيًّا وكيانيًّا لفهم عقيدة الثالوث، وهذا المدخل مؤسس على مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) الذي طبَّقه بدون أي تردد على علاقة الروح القدس بالآب كما فعل بالنسبة للابن، فنجده يقول: “الثلاثة هم واحد في اللاهوت، والواحد هو ثلاثة في الأنماط المتمايزة. ولكن ليست الوحدانية هي من النوع الذي نادى به سابيليوس، ولا أيضًا الثلاثة أقانيم يخضعون لتقسيم بغيض مثل ذاك الذي نادى به إفنوميوس. وماذا إذن؟ هل الروح القدس هو الله؟ بكل يقين. إذن هل هو ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)؟ نعم، طالما هو الله[90]“.

ومن الواضح أن ق. غريغوريوس النزينزي كان قلقًا بعض الشيء من المفهوم الأوريجاني الخاص بوجود ترتيب أو درجات (مراتب) (subordinationism) بين الأقانيم، وهو ما كان قد برز فجأة في تعليم الآباء الكبادوكيين عن الثالوث القدوس. لذلك فبينما قد شارك بقية الآباء الكبادوكيين في التحدث عن الآب بصفته ’أعظم‘ من الابن والروح القدس (بسبب أن الأقنومين الآخرين هما منه)، إلاّ أنه حاول الدفاع عن الوحدة والتساوي بين الأقانيم الثلاثة الإلهية. وما كان يزعجه بالفعل هو تطبيقه ـ مع الآباء الكبادوكيين الآخرين ـ لمفهوم المبدأ (أو الرأس) (¢ρχή) على الآب، في تمييزه عن الابن والروح القدس، لأن هذا الأمر قد يحوي ضمنيًّا فكرة الأسبقية في الكرامة أو قد يعطي الإيحاء بوجود درجات غير متساوية في الألوهة داخل الثالوث القدوس. ولذا أصرَّ ق. غريغوريوس على أن اعتبار أي من الأقانيم الثلاثة الإلهية في مرتبة (أو درجة) أدنى من الآخر، إنما يعني الإطاحة بعقيدة الثالوث[91].

وقد كانت إجابته للمشاكل التي برزت في عصره هي أن مصطلحات ’الآب‘ و’الابن‘ و’الروح القدس‘ يجب النظر إليها بكونها تشير إلى علاقات (σχέσεις) كائنة أزليًّا وجوهريًّا داخل الله، وهذه العلاقات تتخطى كل زمن (¥χρόνως) وكل بداية (¥νάρχως) وكل سبب (¥ναιτίως)[92]. ومن الجدير بالملاحظة أن ق. غريغوريوس تجنَّب تمامًا فكرة ق. باسيليوس الخاصة بمفهوم نمط الوجود (τρόπος Øπάρξεως) الأقنومي، لأن حسب فهم ق. غريغوريوس للأقانيم الإلهية، فإن العلاقات بينهم ليست مجرد أنماط للوجـــــود، بل هي علاقــــات جوهرية داخلية وفقـــــًا لما هـم في ذواتهم ـ بكونهم حقائق أقنومية متمايزة ـ ووفقًا لما هم في علاقاتهم المتبادلة بعضهم مع البعض الآخر*. وهذه العلاقات بين الأقانيم هي جوهرية أو كيانية، بحيث إنهم ’فيما بينهم‘ يكونون بالضبط تمامًا نفس ’ما هم في ذواتهم وبذواتهم‘. ولذا فالآب هو ’آب‘: بالتحديد في علاقته الكيانية غير المنفصلة مع الابن والروح القدس، والابن والروح القدس هما ابن وروح قدس: بالتحديد في علاقتيهما الكيانية غير المنفصلة مع الآب ومع بعضهما البعض. ويمكننا القول بأن فهم ق. غريغوريوس لعقيدة الثالوث، كان يعتبر تعمقًا ملحوظًا في مفهوم ق. أثناسيوس للـ ’أوسيا‘ بكونه الجوهر الإلهي في علاقاته الداخلية (أي المتضمِّن العلاقات الإقنومية). وقد رأى ق. غريغوريوس أن كل العلاقات الكائنة في اللاهوت هي علاقات ديناميكية، ومتداخلة بصورة متبادلة، وفي وحدة تامة، ودون تعارض بين أي منها والآخر[93]. وهنا نجد كما ذكرنا أن ق. غريغوريوس قدَّم فكرًا أكثر قبولاً من جهة عقيدة الثالوث عن بقية الآباء الكبادوكيين، حين أوضح أن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليست محدودة بأقنوم واحد: لأن الوحدة قائمة في الثالوث وبالثالوث[94]، ولذا نجده يقول:

-“بالنسبة لنا يوجد إله واحد ولاهوت واحد، وكل ما يصدر عنه يرجع عائدًا إليه ليكون واحدًا معه، مع أننا نؤمن (بالتأكيد) بثلاثة أقانيم. وليس واحدًا (من الأقانيم) هو الله بدرجة أكبر وآخر هو الله بدرجة أقل، ولا واحد (منهم) هو سابق وآخر لاحق. كما أنهم ليسوا منقسمين في الإرادة ولا منفصلين في القدرة، ولا توجد هناك أية سمة تشير لكونهم أفرادًا منفصلين، بل بكونهم أشخاصًا متمايزين فإن اللاهوت بأكمله وبغير تقسيم هو في كل واحد منهم[95]“.

-“وكل أقنوم من الأقانيم هو واحد تمامًا مع مَن هو متحد بهما ـ كما مع نفسه ـ وذلك بسبب الوحدانية بينهم في ذات الجوهر والقدرة،

(¢λλά τό ›ν ›καστον αÙτîν œχει πρός τό συγκείμενον οÙχ Áττον ½ πρός ˜αυτό, τî ταÙτî τÁς οÙσίας καί τÁς δυνάμεως)

وهذا شرح عن وحدانية الله كما قد فهمناها، وإذا كان لهذا الشرح شيء من القوة فالفضل يرجع إلى الله الذي يعطى البصيرة. وأما إذا لم يكن هكذا فلنبحث عن آخر أكثر قوة[96]“.

ومما يذكر أن مفهوم ق. غريغوريوس النزينزي عن العلاقات الكائنة في الثالوث القدوس ـ مع تنويهه عن التشبيه الإنساني للثالوث بأنه مثل العقل والكلمة والروح في الإنسان[97] ـ قد أخذه عنه ق. أغسطينوس فيما بعد، وأُعطي مكانة هامة في اللاهوت الغربي بالنسبة لعقيدة الثالوث القدوس[98].

وانطلاقًا من هذا الفهم لعلاقات التواجد (الاحتواء) المتبادل بين أقانيم الثالوث القدوس، شرح ق. غريغوريوس النزينزي عقيدة انبثاق الروح القدس على أساس مختلف بعض الشيء (عن بقية الآباء الكبادوكيين)، حيث لم تكن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) بالنسبة له كائنة في أقنوم واحد، كما لم يكن عنده أيضًا أي تجزئة أو تقسيم للـ ’أوسيا‘ (οÙσία)[99]. فالروح القدس (في فكر ق. غريغوريوس) ينبثق بالتأكيد من الآب، ولكن بسبب وحدة اللاهوت، التي فيها كل أقنوم هو الله بالتمام والكمال، فإن الروح يصدر من وسط العلاقة التي بين الآب والابن*، بكونه هو للآب (روح الآب) وللابن (روح الابن). وعلى هذا الأساس يصعب معرفة سبب ظهور مشكلة الانبثاق المزدوج من الآب والابن في الغرب!!. وكل ما نستطيع قوله عن الروح القدس، على حد تعبير ق. غريغوريوس، النزينزي، أنه في حين أن الابن هو ’المولود‘ فإن الروح القدس هو ’المنبعث‘ (œκπεμψις) أو ’المنبثق‘ (œκπόρευσις)، وهو يصدر من الآب ليس كابن (υƒϊκîς) ولا كمولود (γεννητîς) بل عن طريق الانبثاق (™κπορευτîς)، أي بشكل فريد تمامًا لا ينطق به وفقًا لطبيعته المتمايزة („διότης) أو لإقنومه (Øπόστασις) (الخاص)، بكونه ذاتيًّا وجوهريًّا ’قدوس‘ وبالفعل هو ’القداسة ذاتها‘ (αÙτοαγιότης)[100].

 

عقيدة الثالوث عند ديديموس الضرير

وكان تأثير مناقشات ما بعد نيقية حول الثالوث القدوس، واضحًا للغاية في تعليم ديديموس السكندري. وقد اقتفى ديديموس أثر ق. أثناسيوس في جعله مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) ـ أي ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ ـ هو محور كل تفكيره وتعليمه عن الثالوث، حيث أكد على الوحدانية وعدم التقسيم في جوهر وربوبية اللاهوت[101]. واستخدم ديديموس صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις)، بالرغم من إنه كـــان يفضل استخـــدام مصطلح ’ألوهة واحدة‘ (μία Θεότης) بدلاً من مصطلح ’جوهر واحد‘ (μία οÙσία)[102]. وطبَّق ديديموس مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) على الثالوث القدوس ككل[103]، مؤكدًا أن الثلاثة أقانيم (Øποστάσεις) متماثلون بالكامل ومتساوون تمامًا في الكرامة والقدرة، فالآب ليس أعظم من الابن، بدليل أن كلاًّ من الأقانيم الإلهية أمكن أن يُذكر أولاً في الكتاب المقدس (قبل الأقنومين الآخرين)[104]. والآب في ذاته له الطبيعة الإلهية بجملتها، ولكن هذا صحيح أيضًا بالنسبة للابن وللروح القدس. والآب ليس آبًا بعيدًا عن الابن، كما أن الابن ليس ابنًا بعيدًا عن الآب، وهما بكونهما آبًا وابنًا ليسا كذلك بعيدًا عن الروح القدس، وأيضًا الروح القدس ليس هو روح قدس بعيدًا عن الآب والابن، لأنهم جميعًا متلازمون جوهريًّا وفي تواجد (احتواء) متبادل بغير انفصال في ذات جوهر الله الواحد. واللاهوت (الله) في جوهره ثالوثي، والثالوث في جوهره هو واحد ـ أي وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة[105].

          وكان ديديموس في نفس الوقت، حريصًا جدًّا على دحض بدعة سابيليوس الذي علّم بأن الله أقنوم واحد. ومثله مثل الآباء الكبادوكيين، وضع ديديموس نصب عينيه، حقيقة وجود وتمايز الأقانيم (Øποστάσεις) الثلاثة والخواص المميزة لكل منهم، وكذلك علاقاتهم (σχέσεις) الشخصية (الأقنومية) المتبادلة في جوهر الله الواحد[106]. واستخدم ديديموس في بعض الأحيان مفهوم ق. باسيليوس الخاص بنمط الوجود (τρόπος Øπάρξεως) الأقنومي، ولكنه أعطاه عمقًا أكثر حين أضاف إليه مفهوم أن الأقانيم كيان ’شخصي‘ أساسي (™νυπόστατος) في داخل جــوهر الله، وذلك للتأكيد على أن أنماط الوجود المتمايزة هذه ليست مجرد صفات بل هي حقائق شخصية (أقنومية) في الله[107]. كما إننا نجد أن تعاليم ديديموس قد اقتربت كثيرًا من تعاليم ق. غريغوريوس النزينزي في أن الابن والروح القدس يصدران أقنوميًّا من الآب بالولادة والانبثاق قبل كل زمان (¥χρόνως) وقبل كل بداية (¥νάρχως)، فيقول ديديموس: “نحن نعترف أن الروح القدس هو الله، وهو واحد مع الآب والابن في ذات الجوهر، ومعهما بلا أي بداية (συνανάρχως)، وهو ينبثق من الآب جوهريًّا[108]“. وكما أن الابن يصدر من الآب بالولادة بطريقة تتناسب معه بكونه ابن (υƒϊκîς)، فكذلك أيضًا الروح القدس يصدر من الآب بالانبثاق بطريقة تتناسب معه بكونه روح (قدس) (πνευματικîς). ولكن لا الولادة ولا الانبثاق يكونان عن طريق الفعل (الإرادي) أو الخلق (δημιουργικîς)[109]. إذن فقد نظر ديديموس إلى الروح القدس ـ بالضبط كما نظر إلى الابن ـ بكونه حقيقة أقنومية (أو أقنومًا حقيقيًّا)، وبينما هو (أي الروح القدس) كائن أزليًّا في الله، فإنه حاضر بصورة مباشرة بيننا بكيانه الذاتي، وكائن أقنوميًّا في كل عطاء الله الذاتي لنا بحيث أن فيه يكون المُعطى والعطية هما واحد[110].

ومن هذا المنظور الأقنومي العميق، رأى ديديموس أن الروح القدس ينبثق جوهريًّا وأزليًّا من أقنوم (™κ τÁς Øποστάσεως) الآب. وحين ذكر ديديمـوس أن الروح القدس يصــــدر من أقنوم   (™κ τÁς Øποστάσεως) الابن[111]، كان يعني أن اختبارنا مع الروح القدس وعلاقة البنوة التي لنا مع الآب بواسطة الابن أمران مرتبطان بغير انفصال*[112]. إلاّ أن ديديمـــوس عند نقطة انبثـاق الروح القدس من الآب اختلف عن ق. أثناسـيوس وآباء نيقية، حيث نزع إلى استبدال صـيغة نيقية بأن الابن (والروح القدس) “من جوهر الآب” (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός) بصيــغة أخرى وهي “من أقنـــــــــوم الآب” (™κ τÁς Øποστάσεως τοà Πατρός)، وكان ديديموس أحيانًا يبرر هذا الاستبدال بأن يوضح أن الانبثاق من الآب ينبغي أن يُفهم مع اعتبار وحدانية لاهوته[113]. وفي وقت من الأوقات جمع ديديموس بين الصيغتين معًا[114]، ولكن هذا كان استثناءً عن القاعدة العامة عنده. وكان ديديموس يؤمن إيمانًا مؤكدًا بأن الروح القدس مع الابن لهما ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، وأن كلاًّ منهما إله من إله، وأن انبثاق الروح القدس ’من أقنوم الآب‘ هو علاقة مستمرة في داخل ’وحدة الثالوث القدوس‘[115]. وهنا يبدو موقف ديديموس غير واضح#، إلاّ أنه كان يريد في الأغلب أن يتجنب فكرة التمييز بين ألوهية الآب غير المستمدَّة وألوهية الابن أو الروح القدس المستمدَّة من الآب، وهو ما يعني ضمنيًّا وجود ترتيب أو درجات (مراتب) (subordinationism) بين الأقانيم. هذا من ناحية، ولكن في نفس الوقت ومن ناحية أخرى أراد ديديموس أن يؤكد أن الابن والروح القدس يستمدان نمطي وجوديهما المتمايز من خلال الولادة والانبثاق من أقنوم الآب. وبتعبير آخر، فإن الحديث عن ولادة الابن وانبثاق الروح من أقنوم الآب، لم يكن (عند ديديموس) يساوي في المعنى إطلاقًا اعتبار أن الآب هو المتسبب في وجودهما (كما ذكر الآباء الكبادوكيون)، بل كان يعني فقط أن هذا هو نمط الوجود المتمايز لكل منهما (بكونهما ابنًا وروح قدس) داخل جوهر اللاهوت الواحد. وهكذا استطاع ديديموس أن يتحدث عن صدور الروح من أقنوم الابن كما من أقنوم الآب داخل وحدانية الجوهر غير المنقسمة التي للثالوث القدوس، ولم يكن يقصد عندئذ أن الروح القدس قد صدر بالابن أو أنه يوجد مبدآن (¢ρχαί) إلهيان، ولكن هذا الأمر بالنسبة له كان يتعلق بوجود الروح القدس في الابن* وبشركة الروح والابن في الجوهر مع الآب[116]. وهذا يعني أن أقوال ديديموس عن صدور الروح القدس من الآب والابن لا يجب أن تُفهم على أنها تؤيد مسألة ازدواجية الانبثاق التي نشأت فيما بعد.

 

  1. القديس إبيفانيوس ومجمع القسطنطينية

 

مدخل ق. إبيفانيوس لشرح عقيدة الثالوث

كان ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس هو أكثر الذين قدَّموا شروحًا وحلولاً للصعوبات التي نشأت بشأن عقيدة الروح القدس والثالوث القدوس. وبفضل أصله اليهودي، أعطى ق. إبيفانيوس تعليمًا ذو جذور عبرية عميقة، حيث ربط بين تعبير ’أنا هو‘ الخاص بجوهر الله الواحد وبين ما استُعلن عنه في العهد الجديد ـ وجاء في الكتب المقدسة ـ بكونه آبًا وابنًا وروح قدس، كما نظر ق. إبيفانيوس إلى الآب والابن والروح القدس بكون كل منهم: ’بروسوبون‘ (πρόσωπον) أي شخص، و’أونوما‘ (Öνομα) أي اسم، و’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) أي أقنوم[117]. وهكذا فإن الله أقنوميًّا، وعلى الدوام، هو في ذاته ثالوث من الأقانيم الإلهية الساكنة والمتواجدة في بعضها البعض (المحتوية بعضها البعض)، وهذا الإيمان هو بحسب ما أعلنه لنا الله عن ذاته في تدبير التجسد[118]. وكانت بشارة الخلاص بالنسبة لإبيفانيوس ـ كما أظهر مجمع نيقية ـ تعتمد على الصلة الداخلية بين حياة وعمل يسوع المسيح وبين الله الآب[119]. وحيث إن ق. إبيفانيوس كان قد تبنى الفكر اللاهوتي للقــديس أثناسيـوس وامتد به، فإننـا نجد أن تعليمـه كــان ـ مثل ق. أثناسيوس ـ من منظور خلاصي وكياني، وهذا يتضح بوجه خاص في مناقشاته الطويلة عن حياة الابن المتجسد وعمله الخلاصي، بما في ذلك حقيقة بشرية الابن المتجسد وكمالها في العقل والنفس والجسد. واعتمد ق. إبيفانيوس في دحضه للبدع والهرطقات، على الإيمان الإنجيلي للكنيسة الجامعة في تأكيدها على كمال الطبيعة الإلهية الأزلية غير المخلوقة التي لابن الله ’الكلمة‘ المتجسد، وكذلك تأكيدها في نفس الوقت على كمال إنسانيته وعمله من أجل فداء البشرية[120].

 

’الوحدانية في ذات الجوهر‘ عند ق. إبيفانيوس

وقد آمن ق. إبيفانيوس ـ متفقًا في ذلك مع ق. أثناسيوس وق. باسيليوس[121] ـ بأن مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) النيقيّ يحمل ضمنيًّا التمايز الفعلي بين الأقانيم في الله، لأن أقنومًا واحدًا لا يمكن أن يكون ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) (واحد في ذات الجوهر) مع نفسه، كما أكَّد ق. إبيفانيوس أن كلاًّ من الأقانيم الثلاثة له وجوده الكامل والحقيقي في داخل جوهر الله الواحد، وبالحقيقة فإن كل كيان الابن وكل كيان الروح القدس هو مماثل تمامًا لكل كيان الآب، وكل أقنوم هو الله بالتمام والكمال. ويقول ق. إبيفانيوس: “نحن ندعو الآب الله، والابن الله، والروح القدس الله .. وعندما تنطق بالـ ’هوموأووسيوس‘ فإنك تعلن أن الابن هو إله من إله، وأن الروح القدس هو إله من نفس اللاهوت[122]“. ومن هذا المنطلق قَبل ق. إبيفانيوس صيغة ’جوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) ولكنه كان يفهم الـ ’أوسيا‘ بحسب مفهوم مجمع نيقية ـ وليس بمفهوم أنه هو الشيء العمومي أو المشترك بين الأقانيم حسبما علَّم ق. باسيليوس ـ إذ كان هذا المصطلح يعني بالنسبة له الجوهر الإلهي في علاقاته (الأقنومية) الداخلية بما يتضمَّنه من مدلول شخصي مؤكد[123]. ومن هنا يمكننا أن نفهم كيف أنه لم يَقصِر (استخدام) مصطلح ’الآب‘ فقط على أقنوم الآب، بل انتقد فكرة أن مصطلح ’الآب‘ لا يشير أيضًا إلى جوهر اللاهوت[124].

 

تعليم ق. إبيفانيوس عن الأقانيم الإلهية الثلاثة

وعلى خلاف الآباء باسيليوس وغريغوريوس النيصي وأمفيلوخيوس، لم يتحدث ق. إبيفانيوس عن الأقانيم الإلهية بأنها ’أنماط للوجود‘ بل بكونها كيانًا شخصيًّا أساسيًّا في داخل جوهر الله (™νυπόστατος)، بمعنى أن لها وجودًا شخصيًّا حقيقيًّا، وأنها في تلازم وتواجد (احتواء) أقنومي متبادل في جوهر الله الواحد[125]. وكان فهم ق. إبيفانيوس للـ ’هوموأووسيوس‘ بأنه لا ينطبق على كل أقنوم فحسب، بل أيضًا على علاقات الثالوث الداخلية ككل*[126] قد ساهم في تعميق مفهومه عن التواجد (الاحتواء) المتبادل للآب والابن والروح القدس في علاقاتهم الجوهرية والأقنومية، ولذلك نجــــــد أنه تحــــــدث عن الـــــــــروح القــدس بأنه “في وسط (™ν μέσw) الآب والابن” أو بأنـــه “رباط الثالوث (σύνδεσμος τÁς Τριάδος)[127]“.

وقد رفض ق. إبيفانيوس مفهوم أوريجينوس عن وجود ترتيب أو درجات (subordinationism) بين الأقانيم، لأن كل ما هو للآب هو أيضًا للابن وهو أيضًا للروح القدس من جهة اللاهوت. والابن والروح القدس مساويان تمامًا للآب في الكرامة والقدرة والمجد والربوبية (βασιλεία)، وصدورهما من الآب هو بلا بداية وبلا زمن وبلا تفسير (¥νάρχως καί ¥χρόνως καί ¢νεκδιηγήτως) ـ فلا يوجد ’قبل‘ أو ’بعد‘ فيما يتعلق بالله، لأن العلاقات بين الأقانيم الثلاثة الإلهية هي علاقات جوهرية وأقنومية منذ الأزل[128]. ويقول ق. إبيفانيوس: ” لم يوجد هناك (وقت)، لم يكن فيه الروح (القدس) كائنًا (οÙδέ Âν ποτέ Óτε οÙκ Âν Πνεàμα)[129]“.

       ومن هذا المنطلق استطاع ق. إبيفانيوس أن يشير إلى الابن والروح القدس بكونهما المصـــدر الواحـــد المطلق مع الآب (بكونهما مصدرًا من مصدر πηγή ™κ πηγÁς)[130]. والروح القدس كـــــائن في ويتدفق من جـوهر وحياة ونــور الثالوث القدوس، حيث يشترك بصــــورة مطلقة وكـاملة في المعـــــرفــة المتبـــادلة التي بين الآب والابن، وهكذا هو يحـــل في وسطنا (™ν μέσJ) منبثقًا من الآب، وآخـــــــــــذًا من الابن، ومعلنًا الله لنا، ويجعلنا فيه نشارك في معرفة الله لذاته[131].

 

العمل الواحد للثالوث عند ق. إبيفانيوس

ومثله مثل ق. أثناسيوس، رفض ق. إبيفانيوس بشدة أي اتجاه أو تفكير فيه تجزيء لله، سواء فيما هو في ذاته أو فيما هو نحونا. ولذا اعتبر ق. إبيفانيوس أن إعطاء الله ذاته لنا في الروح القدس هو عمل واحد (للثالوث)، لأن ’ما هو‘ الله في جوهره الذاتي الأزلي هو نفس ’ما هو‘ الله في إعلانه عن ذاته لنا وهو نفس ’ما هو‘ الله في إعطائه ذاته لنا، لذا فالمُعطي والعطية هما واحد تمامًا. وتوجد أعمال متنوعة للروح القدس ولكنها كلها أعمال أقنومية (أي يعملها الروح بشخصه وهو في علاقته الداخلية مع الآب والابن في جوهر الله)؛ إذ أن الله المثلث الأقانيم هو العامل في هذه الأعمال جميعها بشكل مباشر وخلاّق (من الآب بالابن في الروح القدس). وهناك فقط نعمة واحدة (›ν χάρισμα) ، وروح واحد (›ν Πνεàμα)، حيث إن الله ذاته في ملء كيانه الثالوثي يكون حاضرًا في جميع أعماله من خلق واستعلان وشفاء واستنارة وتقديس[132].

 

وحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία) في تعليم ق. إبيفانيوس

كان ق. إبيفانيوس يشرح تعليمه عن الابن والروح القدس في إطار فهم شامل للثالوث ككل: الثالوث الواحد في ذات الجوهر، وغير المنقسم. ولم يقدِّم ق. إبيفانيوس تعليمه من منطلق أن الآب هو المبدأ (الرأس) الواحد (Μοναρχία)[133] في الثالوث، كما لم يشارك الآباء الكبادوكيين في محاولتهم تأكيد وحدة الله بإرجاعها إلى أقنـــــــــوم واحد ’لا يصـــــدر من غيره‘، بل رأى أن الثالوث القدوس ككل*، وليس الآب فقط، هو مبدأ وأساس وحدة اللاهوت. ولذا حرص ق. إبيفانيوس على التأكيد بشدة على تمام المساواة والكمال والأزلية والقوة والمجد الذي للآب والابن والروح القدس على حد سواء، وبالتالي التأكيد على كمال الثالوث القدوس. ولم توجد في تعليمه إشارة لأي انتقاص في طبيعة أو كرامة أو كمال أوخصوصية أي من الأقانيم الإلهية عن للآخر ـ وبالتالي (لا توجد إشارة لأي انتقاص) بالنسبة للابن أو الروح القدس عن الآب ـ لأن كلاًّ من الأقانيم هو رب وإله تام وكامل، في حين أن الثلاثة كلهم، لهم ـ بل هم ـ نفس اللاهوت الواحد. وليس أي من الأقانيم الإلهية هو أسبق من، أو أعظم من، الآخر[134]. ولذلك يقول ق. إبيفانيوس: “وفي إقرارنا بوحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) فإننا لا نضلّ، بل نعترف بالثالوث، وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة، لاهوت واحد للآب والابن والروح القدس،

(τήν Τριάδα, Μονάδα ™ν Τριάδι, καί Τριάδα ™ν Μονάδι, μίαν Θεότητα Πατρός καί Υƒοà καί `Αγίου Πνεύματος)

فالابن لم يلد نفسه (أي ليس آبًا)، ولا الآب يتوقف عن كونه آبًا من أجل أن يكون ابنًا، ولا الروح القدس يسمي نفسه المسيح قط. ولكنه (أي الروح القدس) هو روح المسيح الذي يُعطَى بواسطة المسيح، وهو منبثق من الآب ويأخذ من الابن. الآب هو كيان أقنومي (في داخل الجوهر)، والابن كيان أقنومي (في داخل الجوهر)، والروح القدس كيان أقنومي (في داخل الجوهر)، ولكن لا يوجد أي خلط بينهم كما اعتقد سابيليوس، كما لا يوجد أي تغيير في أزليتهم ومجدهم كما ادعى أريوس باطلاً، لأن الثالوث هو على الدوام ثالوث بلا أية إضافة، لاهوت واحد، ربوبية واحدة، تمجيد واحد، ومع ذلك فهو ثالوث آب وابن وروح قدس[135]“.

 

الله ’الواحد الثالوث‘ في تعليم ق. إبيفانيوس

يقول ق. إبيفانيوس:

-“لا يوجد ثلاثة آلهة، بل إله واحد حقيقي، لأن الابن الوحيد المولود هو واحد من واحد، وواحد أيضًا هو الروح القدس الذي هو واحد من واحد، أي ثالوث في وحدة ، وهو إله واحد: آب وابن وروح قدس

(Τριάς γάρ ™ν Μονάδι, καί εŒς Θεός, Πατήρ, Υƒός καί •Aγιον Πνεàμα) .”[136]

-“يوجد ثالوث واحد في وحدة، ولاهوت واحد في ثالوث

(μία Τριάς ™ν Μονάδι, καί μία Θεότης ™ν Τριάδι) “[137]

ومن الواضح أن ق. إبيفانيوس قد تعمَّد أن يؤكد ويكرر حقيقة أن الله بصورة تامة وكاملة ثالوث في واحد وواحد في ثالوث[138]. وعندما اقترح الصيغة الإيمانية التي أقرَّها مجمع القسطنطينية كتب يقول: “نحن نعرف الآب أنه هو آب، وأن الابن هو ابن، والروح القدس هو روح قدس، ثالــــوث في وحدة. لأن وحدة الآب والابن والروح القدس هي (في) واحد: جـــــوهر واحــــد، ربوبية واحـــدة، وإرادة واحــــدة[139]“.

          وتؤكد هذه الاقتباسات من تعليم ق. إبيفانيوس، أن محور عقيدته كان يرتكز على إبراز أهمية وطبيعة العلاقات الثالوثية في الله، لأن الله في هذه العلاقات هو واحد، ومن خلال هذه العلاقات نعرفه أنه ثالوث. والكتب المقدسة تعترف أن: “نفس اللاهوت الواحد في ثالوث، ونفس الثالوث في لاهوت واحد، كما أنها تمجِّد الآب في الابن والابن في الآب مع الروح القدس، قداسة واحدة، عبادة واحدة، ألوهية واحدة ومجد واحد[140]“. وفي الواقع، إن الله هو الثالوث والثالوث هو الله[141]. فالآب والابن والروح القدس، من جهة الجوهر وعلاقة التواجد (الاحتواء) المتبادل بينهم، هم واحد[142]. وفي حين أن كلاًّ من الأقانيم الإلهية الثلاثة يظل ـ دائمًا وأقنوميًّا ـ كما هو في ذاته (بكونه آبًا أو ابنًا أو روح قدس)، إلاّ أنهم جميعًا يحمل (يحتوي) كل منهم الآخر، ويتواجد كل منهم في الآخر بصورة متبادلة داخل جوهر اللاهوت الواحد، والثلاثة أقانيم هم اللاهوت (الله)[143]. ويضيف ق. إبيفانيوس: “إن علاقة الآب هي مع الابن، وعلاقة الابن هي مع الآب، وكلاهما يعمل في الروح القدس، لأن الثالوث على الدوام يكوِّن وحدة اللاهوت: ثلاثة أقانيم كاملة ولاهوت واحد[144]“.

الروح القدس في تعليم ق. إبيفانيوس

وفي ضوء تعليم ق. إبيفانيوس هذا عن عقيدة الله الواحد الثالوث، وكــذلك في ضـوء مفهومه عن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ـ والذي كان بالنسبة له يعني مبدأً (رأسًا) واحدًا (μία ¢ρχή) يتكـون من ثلاثـة أقانيم: متسـاوية تمامًا وكائنة أزليـًّا معًا في داخـــل الجوهر الواحد، وفي وسطها الروح القدس هو ’رباط الثالوث‘ ـ نستطيع أن نفهم ما قاله ق. إبيفانيوس عن انبثاق الروح القدس.

وكان ق. أثناسيوس قد علَّم أن الروح القدس الذي ينبثق من الآب، هو دائمًا في يديّ (لدى) الآب الذي يرسله والابن الذي يعطيه بكونه له أو خاصًّا به، ومنه (أي من الابن) يأخذ الروح. وبما أن الروح القدس هو ـ مثله مثل الابن ـ من ذات جوهر الله (الآب)، وهو (أي الروح) يخص الابن، فلا يمكن إلاّ أن ينبثق من جوهر الآب ومن غير انفصال عن الابن. وبطبيعة الحال، فإن فكرة أن الروح القدس يستمد كيانه (τό εŒναι) من الابن لم ترد ولم يكن من الممكن أن ترد عند ق. أثناسيوس[145].

واتفاقًا مع هذا التعليم، رأى ق. إبيفانيوس أن الروح القدس لا يصدر فقط “من الآب من خلال الابن*” (™κ Πατρός δι’ Υƒοà) بل هو أيضًا “من ذات الجوهر” (™κ τÁς αÙτÁς οÙσίας) و”من ذات اللاهوت” (™κ τÁς αÙτÁς Θεότητος) الذي للآب والابن، لأن الروح القدس هو الله بغير انفصال عن الآب والابن، وبكونه روح الآب وروح الابن فهو “في وسط الآب والابن” وهو “رباط الثالوث”. ومن هنا يمكن القول إن الروح القدس كنفخة نور وحق من الآب والابن كليهما*[146]. وبهذا الشرح فسَّر ق. إبيفانيوس عبارة ق. أثناسيوس المختصرة أن “الروح القدس ينبثق من الآب ويأخذ من الابن”، ولكنه فعل ذلك بأسلوب تظل فيه الحقائق الأقنومية والخواص المميزة للآب والابن والروح القدس كما هي على الدوام، في التساوي المطلق ووحدانية الجوهر الذي للثالوث القدوس[147]. ومن هذا المنطلق، وضع ق. إبيفانيوس الصياغة الإيمانية عن الروح القدس والتي اتخذها فيما بعد مجمع القسطنطينية عام 381م: “نؤمن بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده، مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء[148]“.

 

مجمع القسطنطينية وعقيدة الروح القدس

إن ما يدعو للأسف أن الوثيقة الأصلية التي نُشر فيها قانون إيمان مجمع القسطنطينية، وكذلك الكتاب الذي أُرسل معها لتأييدها ليس لهما وجود الآن، ولكن لا يزال لدينا النص (الخاص بمجمع القسطنطينية) الذي صُدِّق عليه رسميًّا من مجمع خلقيدونية، ولدينا أيضًا الرسائل المجمعية المتبادلة بين أساقفة الشرق والغرب عام 382م في أعقاب المجمع، هذا بالإضافة إلى منشور اعتراف الإيمان الجامع الذي أعلنه دماسوس بابا روما ضد هرطقة كل من مقدونيوس وأبوليناريوس، وهذا كله يساعدنا على معرفة ما كانت تحتويه تلك الوثائق المفقودة[149]. أضف إلى ذلك أن ق. غريغوريوس النزينزي قد أعطانا فكرة عما دار في ذلك المجمع، من خلال الخطبة التي ألقاها حين أعلن استقالته من منصبه كرئيس لأساقفة القسطنطينية وكرئيس للمجمع[150]، وقد أعرب فيها ق. غريغوريوس بوضوح عن أسفه بأن المجمع لم يكن صريحًا وقاطعًا بصورة أكثر في بعض عباراته بخصوص ألوهية الروح القدس ووحدانيته في ذات الجوهر (مع الآب والابن).

وبسبب قصده المتعمَّد في التصديق على “الإيمان الإنجيلي للآباء الثلاثمائة والثمانية عشر بنيقية[151]“، لم يُدخل مجمع القسطنطينية إلاّ أقل تعديل ممكن في قانون الإيمان (السابق وضعه في نيقية)، كما حرص المجمع كذلك في العبارات التي أُضيفت عن الروح القدس أن يسير في خط غير مختلف عن الخط الذي اُتبع في نيقية، وذلك من جهة إلتزامه قدر الإمكان بالنصوص الإنجيلية. ومن الجدير بالذكر أن التعليم الذي قدَّمه ق. أثناسيوس بعد مجمع نيقية عن الروح القدس ـ والذي أخذه عنه بعد ذلك ق. إبيفانيوس وامتد به ـ كان هو بالتحديد (المرجع) الذي حسم الأمر في مجمع القسطنطينية.

وقد ظل المنهج والبناء الثالوثي الذي استخدمه مجمع نيقية (في صياغة قانون الإيمان)، هو ذاته دون أي تغيير أثناء مجمع القسطنطينية. وكان أساس هذا المنهج هو: “إيمان المعمودية التي تعلِّمنا أن نؤمن باسم الآب والابن والروح القدس”. وقد أكَّد المنشور الباباوي (الذي أشرنا إليه)، أنه “طبقـــــًا لهـــــذا الإيمـــــــان: فإنه يوجــــــــد لاهـــــــوت واحــد، وقدرة واحدة، وجوهر واحد (Θεότητος καί δυνάμεως καί οÙσίας μι©ς) للآب وللابن وللروح القدس. كما أن التساوي في الكرامة والجلال وشركة الربوبية الأزلية هو في ثلاثة أقانيم كاملة تمامًا، أي في ثلاثة أشخاص كاملة

(Ðμοτίμου τε ¢ξίας καί συναϊδίου τÁς βασιλείας, ™ν τρισί τελειοτάταις Øποστάσεσιν, Àγουν τρισί τελείοις προσώποις) “.

ويضيف المنشور أنه بالتالي “لم يعد هناك مجال لهرطقة سابيليوس في الخلط بين الأقانيم أو إنكار خصوصية وتميّز كل منهم. وكذلك لم تعد هناك فرصة للتجديف الذي قام به أتباع إفنوميوس وأريوس في تقسيم جوهر الله أو طبيعته أو لاهوته، حيث فرضوا على الثالوث الأزلي غير المخلوق والواحد في ذات الجوهر                  (τÍ ¢κτίστω καί Ðμοουσίω καί συναϊδίω Τριάδι) طبائع غير أزلية (صدرت لاحقًا) ومخلوقة ومختلفة في الجوهر. كما إننا نتمسك أيضًا بعقيدة التجسد دون تغيير، محافظين على التقليد في أن بشرية الابن المتجسد لم تكن بلا نفس أو عقل، بل كانت تامة وكاملة، لأننا كلنا على وعي كامل بأن: كلمة الله كان كاملاً قبل الدهور، كما أن الكلمة صار إنسانًا كاملاً في آخر الأيام لأجل خلاصنا”.

ويتضح مما سبق أن اللغة المستخدمة في هذا الملخص ـ لعقيدة المجمع المسكوني بالقسطنطينية ـ كانت تعكس نفس الفكر والتعليم الذي وُجد عند ق. إبيفانيوس، كما إنها تضمَّنت أيضًا بعض التشابه مع فكر ولغة ق. غريغوريوس النزينزي. والجدير بالملاحظة أنه لا توجد هنا أية إشارة إلى أن وحدانية الله تكمن في شخص الآب، بل نرى عودة إلى مفهوم ق. أثناسيوس في وحدانية الثالوث القدوس[152]. كما يبدو أيضًا أن مجمــع القسطنطينية رغم أنه قبل التمييز بين ’أوسيا‘ واحد (μία οÙσία) وثلاثة ’هيبوستاسيس‘ (Øποστάσεις) أو ’بروسوبا‘ (πρόσωπα)، إلاّ أنه لم يأخذ مصطلح الـ ’أوسيا‘ بمعنى الشيء العمومي أو المشترك كما فعل الآباء الكبادوكيون ـ رغم أن ثلاثة منهم كانوا مشتركين بالمجمع ـ ولكن أخذوه بحسب مفهوم ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس عن الـ ’أوسيا‘ بمدلوله الشخصي، وبكونه يشير إلى الجوهر الواحد الذي يتضمَّن العلاقات الأقنومية في داخله. وقد صار لكل من مصطلحي ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) معناه المحدد الواضح، فالـ ’أوسيا‘(οÙσία) الإلهي هو واحد بغير انقسام، وفي حين هو داخليًّا يتمايز في ثلاثة أقانيم أو أشخاص (Øποστάσεις, πρόσωπα)[153]، إلاّ أنه هو هو نفسه فيهم جميعًا. وبينما الثلاثة أشخاص أو أقانيم هم على الدوام ’كما هم‘ آب وابن وروح قدس، إلاّ أنهم يُظهرون عملاً إلهيًّا واحدًا وإرادة واحدة، وهم معًا في أزليةٍ واحدةٍ، وتساوٍ تامٍ في ذات الجوهر الواحد، والكمال المطلق، والسيادة، والعبادة والتمجيد الذي يليق بالثالوث القدوس. وكان المنشور الصادر عن المجمع الغربي الذي أرسله دماسوس بابا روما ـ والذي يعكس ما جاء في الكتاب المفقود الخاص بمجمع القسطنطينية ـ يحوي نفس العقيدة الخاصة بوحدة اللاهوت والسيادة في الثالوث القدوس، دون أدنى انتقاص بشأن الابن أو الروح القدس؛ إذ إنهما مساويان تمامًا للآب ولهما ذات الجوهر الواحد معه[154].

والحقيقة إن ما عرفناه من دماسوس يساعدنا جدًّا في فهم عقيدة مجمع القسطنطينية عن الروح القدس. فالعبارات التي أضافها المجمع لقانون إيمان نيقية، كان القصد منها التعبير عن الإيمان بالروح القدس بشكل مماثل للعبارات التي اُستخدمت للتعبير عن الإيمان بولادة الابن ’من الآب‘ ووحدانيته غير المنفصلة مع الآب. ورغم ذلك، ألغى مجمع القسطنطينية في الحديث عن الابن عبارة “من جوهر الآب” (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός) التي وردت في نص قانون نيقية، واستبدلها بعبارة “من الآب” (™κ τοà Πατρός) ليكون المعنى محددًا تمامًا، ولكي لا يدع مجالاً لأي مراوغة من قبل الأريوسيين وأتباع يوسابيوس*. ومن المحتمل أنه تبعًا لهذا التعديل، اُعتبر من غير المناسب أن يُقال عن الروح القدس عبارة أنه ينبثق “من جوهر الآب” وهي لم تُقَل مع الابن. وأمام حقيقة أن المجمع في حديثه عن الروح القدس لم يذكر أنه ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) (أي له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن)، فإن البعض قد يظن أن هذا يُعد “تقليصًا للحق”، ولكن اعتراف المجمع بأن الروح القدس هو “الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن” كان من أجل إظهار مساواة الروح القدس الكاملة مع الآب والابن في الربوبية ومجد اللاهوت، كما لا يمكننا تجاهل حقيقة أن العبارات الواردة عن الثالوث القدوس في الرسائل المجمعية آنذاك، كانت كلها تؤكد على أن الروح القدس له ذات الألوهية والقدرة والجوهر مع الآب وأنه مساوٍ تمامًا للآب وللابن في الكرامة والجلال والسيادة. ومن هنا يجب أن نفهم قانون إيمان القسطنطينية بكونه اعتراف ثابت بالإيمان بألوهية الروح القدس، على الرغم من أنه لم يعبِّر صراحة عنه بأنه ’واحد في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιος) أو بأنه ’الله‘ (Θεός).

ومما لا شك فيه أن منشور دماسوس كان ذا فائدة واضحة، ففي النص اليوناني لهذا المنشور اللاتيني ـ والذي سجله ثيؤدوريت ـ نجد أنه يتحدث عن الـروح القددس بكونه “له ذات الجوهر الواحد (μι©ς καί τÁς αÙτÁς οÙσίας) الذي للآب وللابن[155]“. وبالضبط كمــــــــا أعلن دمـــــــاسوس في منشـــــــــوره أنه: “إن أنكــــر أحـــــــــد أن الابن هو مـــــــــولــــــــود من الآب، أي من جـوهــــــــره الإلــــــــــــهي  (id est de substantia divina ipsius)، فهو هرطوقي”. فقد أكَّد أيضًا وبنفس الطريقة أنه: “إن أنكر أحد أن الروح القدس هو بالحقيقة من الآب، وأنه مثل الابن من الجوهر الإلهي، وأنه إله حق (sicut Filium de divina substantia et Deum verum)، فهو هرطوقي”. وأضاف دماسوس، أن الروح القدس هو الخالق مع الآب والابن، ومن هنا أكد على “اللاهوت الواحد المساوي الذي للآب وللابن وللروح القدس[156]“. وفي النهاية كتب دماسوس مرددًا ما جاء بمنشور مجمع القسطنطينية: “هذا هو خلاص المسيحيين، أن نؤمن بالثالوث: الآب والابن والروح القدس، وأن ننال المعمودية على هذا الاسم، وبالتالي نؤمن أن للثالوث نفس اللاهوت الحقيقي الواحد ونفس السلطان والجلال والجوهر الواحد[157]“.

وكان الاعتراف المجمعي بالروح القدس ـ في إطار إيمان الكنيسة الثالوثي بالآب والابن والروح القدس[158] ـ له أكبر الأثر في ترسيخ عقيدة الروح القدس بكونه متساويًا تمامًا مع الآب والابن في الثالوث القدوس، كما كان له أثره في جعل عقيدة الثالوث القدوس تأتي بثمارها الكاملة في ذهن الكنيسة. ومن هنا تم القبول الكامل لعقيدة الله الواحد الثالوث في صيغة: ’جوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις)، حيث أصبحت إيمانًا مسكونيًّا معترفًا به في الكنيسة شرقًا وغربًا.

 

تجنب مجمع القسطنطينية المنهج الكبادوكي في شرح الثالوث

وكان من الحكمة البالغة، إصرار آباء القسطنطينية على التأكيد والتصديق على قانون إيمان نيقية، وصياغة ما يلزم إضافته بالنسبة للروح القدس في عبارات واضحة، بدون التعرض لفكر الآباء الكبادوكيين عن أقنوم الآب بكونه هو مصدر وعلة ’ألوهة وكيان‘ الابن والروح القدس.

وتجدر هنا الإشارة مرة أخرى، إلى أن إعادة تعريف مصطلح الـ ’أوسيا‘ وفهمه بأنه الشيء العمومي أو المشترك وفقدان المدلول الحقيقي للـ ’أوسيا‘ بكونه الجوهر الواحد الذي يتضمن العلاقات الأقنومية في داخله، أبعد الناس عن المفهوم الأصيل للقديس أثناسيوس عن الثالوث القدوس، الذي “كما كان على الدوام هكذا يكون الآن؛ وكما يكون الآن، هكذا كان على الدوام، هو الثالوث: الآب والابن والروح القدس[159]“، فقد أكد ق. أثناسيوس أنه لو أن ’كلمة‘ (Λόγος) الله و ’فعله (طاقته)‘ (™νέργεια) ليسا كائنين في جوهر الله (™νούσιοι) الأزلي لما استطعنا أن نربط بين ’ما هو‘ الله نحونا (في إعلانه وأعماله) وبين ’ما هو‘ الله في ذاته، والعكس بالعكس*. وكان هذا هو مكمن الخطر عند ق. باسيليوس في تفرقته بين الجوهر الإلهي والأفعال (الطاقات) الإلهية#، مما جعل معرفة الله قاصرة على أفعاله (طاقاته) الإلهية واستبعاد الوصول لمعرفة الله في العلاقات الداخلية التي لجوهره الثالوثي الأزلي[160].

وبترسيخهم وحدة اللاهوت في الآب باعتباره المبدأ (الرأس) الوحيد والفريد للألوهة وبالتالي اعتباره العلة الوحيدة لكيان ووجود الابن والروح القدس، كان هدف الآباء الكبادوكيين اتخاذ المسلك الوسط بين بدعة القول بأن الله أقنوم واحد، و بدعة القول بأن الله ثلاثة آلهة. وعلى الرغم من الاستفادة من هذا المنهج على المستوى الفلسفي ـ وخاصة في مواجهة أتباع سابيليوس وإفنوميوس ـ إلاّ أن هذا المسلك أدى إلى خلاف كبير بين الشرق والغرب. فأمام الرأي القائل بأن الروح القدس ينبثق من ’أقنوم‘ الآب، أي من الآب فقط، فإن اللاهوتيين في الغرب وجدوا أنفسهم مضطرين للقول بأن الروح القدس ينبثق “من الابن أيضًا” إذا كان عليهم أن يؤمنوا بأن الروح القدس هو “إله حق من إله حق” مثل الابن المتجسد. أما اللاهوتيون في الشرق فقد شعروا بضرورة الإصرار على أن الروح القدس ينبثق “من الآب فقط”، لكي يحافظوا على وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) في الله، والتي كان يمكن هدمها بعقيدة ’الانبثاق المزدوج‘ للروح القدس. وعندما نسترجع ما حدث، نجد أنه من الصعب علينا أن نتصور حدوث مثل هذا الموقف في ظل مفهوم ق. أثناسيوس وآباء نيقية عن صدور الابن من جوهر الله الآب، وبالتالي انبثاق الروح القدس من الآب من خلال الابن*. وهذا ما نراه واضحًا في تعليم كل من ق. إبيفانيوس وق. كيرلس السكندري.

 

الدور الإيجابي للآباء الكبادوكيين فيما بين نيقية والقسطنطينية

وقد ساهم الآباء الكبادوكيون تحت قيادة ق. باسيليوس مساهمة كبيرة في الفهم الروحي لإيمان نيقية، وحفظوا نصرة هذا الإيمان في الكنيسة بعد نياحة ق. أثناسيوس. والحقيقة أنه لم يكن لمجمع القسطنطينية أن ينعقد دون الجهد الذي قام به أولئك الآباء. وفي محاولتهم السير بعيدًا عن انحرافات كل من سابيليوس وأريوس، ساعد الآباء الكبادوكيون في التوصل إلى اتفاق لاهوتي عام حول عقيدة الثالوث القدوس كما ظهرت في تأسيس الرب للمعمــــــودية وفي عـــــبادة الكنيسة. وقد ركز هؤلاء الآبـاء في تعليــــمهم عن الثـــالوث، على صيغة ’جوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) بطريقة أظهرت السمات الخصوصية والأقنومية لكل من الآب والابن والروح القدس في وحدتهم وشركتهم الديناميكية مع بعضهم البعض. وكان تعليمهم عن مفهوم الوحدة الإلهية في شخص الآب له أثره كذلك في تعميق العلاقات الشخصية مع الله في الإيمان والعبادة. وبينما استمرت هذه النظرة الروحية تأتي بثمارها في حياة وصلوات الكنيسة، بدأت الأفكار الفلسفية التي احتواها جدالهم حول عقيدة الثالوث تتلاشى تدريجيًّا بعد مجمع القسطنطينية، غير أن مكسيموس ويوحنا الدمشقي التقطا بعضًا من هذه الأفكار مرة أخرى فيما بعد.

وفي النهاية، أخذت الكنيسة تعليم ق. غريغوريوس النزينزي ـ على وجه الخصوص ـ عن أبوة الآب وبنوة الابن وانبثاق الروح القدس بكونها علاقات ديناميكية كائنة على الدوام في جوهر اللاهوت الواحد، وضمَّته مع تعليم ق. أثناسيوس عن السكنى المتبادلة للأقانيم الثلاثة الإلهية، ليتبلور المفهوم الغني عن التواجد (الاحتواء) المتبادل للأقانيم في داخل الجوهر الإلهي، مما أدى إلى تعميق الفهم اللاهوتي لعقيدة الله الواحد الثالوث[161].

 

عقيدة الثالوث عند ق. كيرلس السكندري

          وهذا بالتحديد هو ما يظهر بوضوح في تعليم ق. كيرلس السكندري عن الثالوث، فقد رفض تمامًا مفهوم أن الـ ’أوسيا‘ (οÙσία) هو الشيء العمومي أو المشترك[162]، كما رفض كذلك فكرة العلاقات ’السببية‘ داخل الثالوث القدوس[163] وإن كان قد أشار في بعض الأحيان إلى الآب بكونه ’المصدر‘ (πηγή) أو ’الجذر‘ (·ίζα) في علاقات الثالوث*[164]. ومن جهة أخرى أكَّد ق. كيرلس على تعليم ق. غريغوريوس النزينزي عن الأقانيم الثلاثة بكونها علاقات شخصية كائنة على الدوام في الجوهر الإلهي[165]، كما أكد أيضًا على مفهوم ق. أثناسيوس عن السكنى المتبادلة أو التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية في داخل الجوهر الواحد الذي للثالوث القدوس[166].

ووفقًا للمبدأ الذي أورده ق. أثناسيوس مرارًا وتكرارًا، بأن الابن له بالطبيعة كل ما هو للآب ما عدا كونه يُدعى ’آبًا‘، دفع ق. كيرلس بأن الآب يُقال أنه أعظم من الابن بحسب التدبير (ο„κονομικîς) فقط (أي في حال تجسده) #، وبهذا لم يدع أية فرصة لفكرة وجود ترتيب أو درجات (مراتب) (subordinationism) في الثالوث القدوس[167].

          وكان مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل في داخل جوهر الله الواحد ـ والذي يعني أن الأقانيم الثلاثة يسكن كل منهم في الآخر ويحتوي كل منهم الآخر بصورة متبادلة، مع بقائهم كما هم آب وابن وروح قدس ـ هو الذي يحكم فهم ق. كيرلس لانبثاق الروح القدس *.

يقول ق. كيرلس: “إن الروح القدس يأتي (إلينا) من الآب والابن (πρόεισι δέ καί ™κ Πατρός καί Υƒοà) لأنه ينتمي للجوهر الإلهي وكائن فيه ويصدر عنه جوهريًّا (οÙσιωδîς)[168]“. وبحسب فهم ق. كيرلس، فإن كل شيء يعتمد على حقيقة أن الثلاثة أقانيم الإلهية كائن كل منهم في الآخر بغير انقسام، وأنهم في ذات الجوهر الواحد وذات الطبيعة الواحدة. وبما أن الروح القدس لا يمكن أن ينفصل عن الطبيعة الإلهية والجوهر الإلهي، فهو ينبثق من الآب طبيعيًّا وجوهريًّا (φυσικîς τε καί οÙσιωδîς). والروح القدس يصدر من الآب من خلال الابن* لأنه خاص بالابن بالطبيعة وواحد معه في ذات الجوهر

(δι’ αÙτοà τοà Υƒοà, φυσικîς Ôν αÙτοà, καί Ðμοούσιον αÙτù). [169]

ويقول ق. كيرلس أيضًا: “بما أن الروح هو روح الله، روح الآب وروح الابن، فهو يصدر جوهريًّا من كليهما، (بمعنى أنه) ينحدر (إلينا) من الآب من خلال الابن

(οÙσιωδîς ™ξ ¢μφο‹ν, Àγουν ™κ Πατρός δι’ Υƒου).[170]

وعلاوة على هذا، فإن ق. كيرلس رأى أن إرسالية الروح القدس ’في الزمن‘ من الابن المتجســـــد (إلينا)، مرتبطــــــة ومتصـــــلة بالانبثاق الأزلي للروح القدس من جوهر الله (من الآب إلى/في الابن)، لأن الابن في إرســــــاله للــــروح القـدس من ملئه الذاتي      (™ξ „δίου πληρώματος) أرسله بكونه خاصًّا به منذ الأزل وواحدًا معه في ذات الجوهر والطبيعة في اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس[171]. أي إن ’ما هو‘ الله نحونا بالمسيح وفي الروح القدس هو نفس ’ما هو‘ داخليًّا في ذاته منذ الأزل في داخل الجوهر الواحد الذي للثالوث القدوس، و’ما هو‘ الله داخليًّا وبلا انقسام في ثالوثه الأزلي هو نفس ’ما هو‘ نحونا في تجسد ابنه وفي إرسالية روحه القدوس[172].

       وما يجب أن نتوقف عنده هنا هو موقف ق. كيرلس السكندري من مفهوم ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس عن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) بكونها وحدة في ثالوث وثالوثًا في وحدة[173]. فقد رفض ق. كيرلس بطبيعة الحال، أية فكرة عن تعدد المبادئ (¢ρχαί) الإلهية، ولكنه رغم ذلك لم يؤيد إطلاقًا الأسلوب الذي اتبعه الآباء الكبادوكيون في فهمهم وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία)، لأن هؤلاء الآباء في تعاملهم مع بدعة القائلين بثلاثة آلهة أو مع بدعة سابيليوس الذي خلط بين الأقانيم، قاموا بإدخال بناء متسلسل من السببية والترتيب المنطقي في علاقات الأقانيم الإلهية. ولهذا فإن تعليم ق. كيرلس عن انبثاق الروح القدس لا يمكن أن يُفهم على نحو يتفق مع المفهوم الغربي للانبثاق المزدوج، وكذلك فإن استخدامه لصيغة ’من الآب من خلال الابن‘ كان يختلف تمامًا عن مفهوم ق. باسيليوس وأخيه ق. غريغوريوس بأن الروح القدس يستمد كيانه من كيان الابن، ومن خلال الابن يستمد كيانه من كيان الآب*.      وكان للقديس كيرلس مفهومًا متميزًا عن العلاقة المتبادلة للثلاثة أقانيم ـ الكاملة والمتساوية والأزلية معًا ـ من خلال السكنى الكاملة المتبادلة والاحتواء المتبادل بين بعضهم البعض، بحيث إنهم في وحدة تامة بغير اختلاط، وفي تمايز كامل بغير انفصال. وكان هذا التعليم يجمع بين مفهومي ’الجوهر الواحد‘ (μία οÙσία) والمبدأ (الرأس) الواحد (μία ¢ρχή). وهكذا فإن المفهوم الرئيسي الذي كان يحكم فكر ق. كيرلس عن انبثاق وإرسالية الروح القدس، وكل أعمال الآب والابن والروح القدس المتمايزة في الخلق والإعلان والخلاص على حد سواء، كان هو الوحدانية في ذات الجوهر والطبيعة والإرادة والعمل والقدرة والربوبية التي للثالوث القدوس، والتي يُعبَّر عنها تمامًا في كل أقنوم إلهي. وكان هذا هو مفهوم ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس وآباء مجمع القسطنطينية وعقيدتهم عن: جوهر الله الواحد في ثالوث، والثالوث الذي في وحدة (ذات الجوهر). وبتعبير لاهوتي آخر، هو تطابق ’وحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία)‘ مع ’التثليث في الله.

 

صلاة إلى الثالوث القدوس

 

يا الله الأبدي ضابط الكل،

الذي أظهرت ذاتك بكونك آبًا وابنًا وروح قدس،

الكائن إلى الأبد والمالك، في وحدانية الحب الكاملة،

هب لنا أن نتمسك على الدوام بهذا الإيمان بفرح وثبات،

وأن نحيا في تسبيح مجدك الإلهي،

حتى نصير أخيرًا واحدًافيك،

أيها الثالوث القدوس الإله الواحد إلى دهر الدهور.

 

 

* هذا الفصل هو الفصل الثامن في الكتاب الأصلي

1  Athanasius, Con. Ar., 1.18.

لاحظ أن كلمتي (Τριάς) و (Μονάς) في اليونانية لهما معنى أكثر وضوحًا وقوة من كلمتي (Trinitas) و(Unitas) في اللاتينية.

2  Athanasius, Con. Ar., 3.15.

3  Athanasius, Ad Afr., 11.

4  Likewise, Gregory Naz., Or., 31.3 -see also Or., 6.22, Athens ed. 59, pp. 22f; and 25.17, p. 199.

5  Athanasius, Con. Ar., 1.16; cf. De syn., 48.

6  Athanasius, Con. Ar., 1.34; and De decr., 31.

7  Athanasius, Con. Ar., 1.9, 39, 58, 61; 3.4, 6.

8  Athanasius, Con. Ar., 1.14-19, 25-34; 2.57f; 3.1-6; 4.1-10; De syn., 41-54.

9  Athanasius, Con. Ar., 3.3.

10  Athanasius, Con. Ar., 3.4-5.

11  Athanasius, Con. Ar., 3.5f.

*   أي إن ق. أثناسيوس كان يبدأ من عمل الله التدبيري ـ في حياة الإنسان ـ بواسطة يسوع المسيح، ومن المسيح ’الابن المتجسد‘ يصل من خلال ’الهوموأووسيوس‘ (أي من خلال الوحدانية في ذات الجوهر التي للابن المتجسد مع الآب والروح القدس) إلى شرح العلاقات الأقنومية داخل الثالوث، أي العلاقات الداخلية في جوهر الله الواحد. (المترجم)

*   ارجع إلى صفحتي 205 و 206 في الفصل الرابع. (المترجم)

[12]  ورغم أن ق. أثناسيوس لم يكن هو الذي استخدم المصطلح اللفظي (coinherence) والذي يعني التواجد (الاحتواء) المتبادل، إلاّ إنه بالتأكيد هو الذي أرسى مفهوم علاقات التواجد (الاحتواء) المتبادل في الله. ارجع كذلك إلى ق. هيلاري (De Trin., 3.1) حيث له عبارة بليغة عن مفهوم أن ثلاثة الأشخاص الإلهية في حين يبقون على وجودهم وحالهم المتمايز، فإنه “يحتوي كل منهم الآخر بالتبادل، وبالتالي كل واحد منهم هو على الدوام يحيط (يحتوي – envelops) الآخر وأيضًا يُحاط (يُحتوى – enveloped) من الآخر الذي ما زال هو يحتويه. انظر أيضًا: (De Trin., 3.2-4 & 9.69).

13  Athanasius, Ad Ser., 1.2ff.

14  Athanasius, Ad Afr., 11.

*  ارجع إلى صفحة  235. (المترجم)

15  Athanasius, Ad Ser., 2.3-4; 3.1, 3.

#  أي إنه إذا كان الروح القدس ليس واحدًا مع الآب والابن في ذات الجوهر (أي مخلوق)، فلا يمكن بالتالي أن نٌعطى فيه أية علاقة مع الله. (المترجم)  

16  Athanasius, Ad Ser., 1.4-14, 23ff, 27.

17  Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.1.

18  Athanasius, Ad Ser., 1.14; & 16-17, 21, 29.

19  Athanasius, Ad Ser., 1.19-21; 3.3ff.

20  Athanasius, Con. Ar., 3.1-6.

21  Athanasius, Ad Ser., 1.2, 9, 14, 16f, 20, 28-33; 3.6.

*   يشير ق. أثناسيوس هنا إلى كلام الرب للمرأة السامرية في (يو 4: 21 – 24) “يا امرأة صدقيني أنه تأتي ساعة وهي الآن حين الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق… الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغوا أن يسجدوا”، ويوضح أن الحق هو الابن نفسه (يو6:14). أي إن الساجدين الحقيقيين يسجدون للآب ولكن بالروح والحق، معترفين بالابن والروح فيه. (المترجم)

22  Athanasius, Ad Ser., 1.33.

23  Athanasius, Ad Ser., 1.3 & 9.

24  Athanasius, Ad Ser., 1.33 & 3.1.

25  Athanasius, Ad Ser., 2.2-5.

26  Athanasius, Ad Ser., 2.7.

*  “ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق، الذي من عند الآب ينبثق، فهو يشهد لي”. (المترجم)

#  “وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية. ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم. كل ما للآب هو لي. لذلك قلت: إنه يأخذ مما لي ويخبركم”. (المترجم)

27  Athanasius, Ad Ser., 3.1.

*   ارجع إلى الحواشي صفحتي 277 و 278 بالفصل الخامس. (المترجم)

[28]  Athanasius, Ad Ser., 1.2; cf. 3.1; 4.3.

[29]  Athanasius, Ad Ser., 1.11.

[30]  Athanasius, Ad Ser., 1.20; 3.1; 4.1f.

[31]  Athanasius, Ad Ser., 1.25; 3.1; 4.3f.

[32]  Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.1; 4.3.

*  ارجع للحاشية صفحة 299 في الفصل الخامس. (المترجم)

33  Athanasius, Ad Ser., 3.1.

34  Athanasius, Ad Ser., 3.5; cf. 4.3-5.

35  Athanasius, Ad Ser., 3.7.

36  Athanasius, Ad Ser., 4.6.

*  ارجع إلى صفحة 193. (المترجم)

37  G.L. Prestige, God in Patristic Thought, ed. 1950, p. xxix; see also pp. 168ff, 188; and my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 218ff, 226ff, 231ff, 234ff.

*   ارجع إلى التمييز بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ في الفكر اللاهوتي السكندري، حاشية صفحة 261. (المترجم)

38  Athanasius, Con. Ar., 1.11; 2.10; 3.63; De decr., 22, 27; De syn., 35, 41; Ad Afr., 4, 8; Ad Ser., 2.5.

39  Athanasius, Con. gent., 2, 35, 40; De inc., 17; Con. Ar., 1.20; 3.22; De decr., 11; In ill. om., 1.

40 Athanasius, Con. Ar., 1.9ff, 14ff, 24f; 2.1f, 22, 31ff; 3.1ff, 15ff, 24f; 4.1, 5, 9; Ad Ser., 1.14, 19ff, 25; 3.5f.

*   انظر الفرق بين مفهوم الأوسيا عند ق. أثناسيوس (وآباء نيقية) وعند الآباء الكبادوكيين، حاشية صفحة 294. (المترجم)

41  See Athanasius, De syn., 34, 41; Con. Ar., 2.2; 4.1; Ad Ant., 5.

42  Athanasius, Exp. fidei, 1-4; In ill. om., 1-6; Con. Ar., 3.1ff.

43  Athanasius, Con. Ar., 3.1ff; 4.1ff; Ad Ser., 1.16, 20, 28; 3.1, 6; cf. De inc. et con. Ar., 10.

44  Athanasius, Con. Ar., 1.14; 3.15.

45  Athanasius, Con. Ar., 4.1; cf. 2-3.

46  Athanasius, Ad Ant., 5.

*   بالنسبة للقديس أثناسيوس كما للقديس ألكسندروس، كان مفهوم أن الآب وحده هو ’المبدأ‘ (الرأس) (¢ρχή) على هذا النحو، إنما يُعتبر مفهومًا أريوسيًّا، لأن قناعة ق. أثناسيوس هي أنه بما أن اللاهوت بكامله هو في الابن وفي الروح القدس، فلذا لا بد من اعتبارهما مع الآب في نفس ’المبدأ‘ (الرأس) (¢ρχή) الواحد ـ الذي لا مصدر له ـ الذي للثالوث القدوس. (المترجم)

47 Athanasius, Con. Ar., 3.3f; De syn., 49; cf. Con. Ar., 2.54; 3.1; 4.3; De decr., 16; De syn., 46; Ad Ant., 5.

48  Athanasius, Con. Ar., 4.1, 3; De decr., 26; In sent. Dion., 17, etc.

49  Athanasius, In ill. om., 6.

50  See especially Athanasius, De syn., 45-51.

51  Basil, Ep., 52.3.

52  Basil, De Sp. St., 24-36, 66ff; cf. De fide, 4.

53  Basil, De Sp. St., 3, 13ff, 28, 35-38, 43-49, 62f, 64, 68.

54  Basil, De Sp. St., 7, 13f, 30, 37f, 42, 45, 48, 60, 63, 68.

[55]  أما استشهاد ق. باسيليوس بما قاله أوريجينوس عن ’ألوهة الروح القدس‘ (عن الروح القدس: 37؛ الرسالة: 8) والذي يتكلم فيه بوضوح عن الروح القدس بكونه واحدًا في ذات الجوهر مع الله وبكونه هو الله، فإنه في الحقيقة لم يُكتب بواسطة ق. باسيليوس وإنما بواسطة إيفاجريوس.

56  Basil, De fide, 4.

انظر مصطلح ’الثالوث، الواحد في ذات الجوهر‘ (Τριάς ο̉μοούσιος) في التقليد الرسولي لهيبوليتُس: 21؛ وارجع أيضاً إلى ق. غريغوريوس النزينزي: (Ep., 58 and Or., 43.68.)

57  Basil, De Sp. St., 22 & 45f.

58  Basil, De Sp. St., 19ff, 37ff.

*  أي إن الروح القدس يخص الابن (أو خاص بالابن) حيث إنه منبثق من الآب إلى الابن، كما أن الابن يخص بالآب (أو خاص  بالآب) إذ هو مولوده الذاتي. (المترجم)

59  Basil, De Sp. St., 43; cf. Athanasius, Ad Ser., 1.21f, 25f, 31f, etc.

#  ارجع إلى تعليم الآباء الكبادوكيين عن الثالوث في الفصل الخامس الصفحات 287 – 289. (المترجم)

60  Basil, De Sp. St., 45.

61  Basil, De Sp. St., 30, 38, 45, 48, 63f, 68.

62  Basil, Ep., 52, 69, 125, 210, 214, 236; and Gregory/Basil, Ep., 38.

63  Basil, Ep., 52, 92, 125, 128, 140, 159, 204; Gregory/Basil, Ep., 38.

64  Basil, Ep., 52.2f; 124.3; 210.3-5; 265.2; Hom., 111.

65  Athanasius, Ad Ant., 6, 11.

66  Gregory/Basil, Ep., 38.1ff; Basil, Ep., 125.1f; 214.3f; 236.6; De Sp. St., 7; Con. Eun., 2.28. Consult Methodios Fouyas, op. cit., pp. 53ff.

67  Basil, Ep., 210.5.

68  Gregory/Basil, Ep., 38.8.

69  Basil, Con. Eun., 2.28; Ep., 236.6; cf. Gregory/Basil, Ep., 38.3f; and also Evagrius/Basil, Ep., 8.2.

*  ارجع إلى الفصل الرابع صفحة 195. (المترجم)

70  Basil, Con. Eun., 1.12, 14f; 2.32; Ep., 234.1; 235.2f.

71  But cf. Basil’s Homily, 23.4; Con. Eun., 2.28.

[72]  ارجع إلى الفصل السابق من صفحة 285 إلى صفحة 295. (المترجم)

73  Evagrius, Ep., 8.2; Basil, Ep., 131.2; 189.2f; Hom. con. syc., 1ff, Athens ed., 54, pp. 234ff.

74  Gregory/Basil, Ep., 38.4, 7; Basil, Con. Eun., 1.25; 2.12;3.1; Hom., 24.4.

وكان ديونيسيوس السكندري قد سبق وقدم مفهومًا مشابهًا لهذا المفهوم. انظر:

apud Athanasius, De sent. Dion., 17.

75  Gregory/Basil, Ep., 38.4; Basil, De Sp. St., 13, 45f, 58f; Con. Eun., 3.1; Con. Sab., 4.

76  Gregory Nyss., Con. Eun., 1.36, 42; Adv. Maced., 12f; non tres dei, Jaeger, 3.1, p. 56; see again Gregory/Basil, Ep., 38.4.

ولكن فكر ق. غريغوريوس النزينزي عن ’التسلسل المتتابع من السببية‘ داخل الثالوث، قد تعدل بواسطة مفهومه عن الأقانيم بكونها علاقات دائمة كائنة في الله. انظر الخطبة 9:31، 14، 33.

77  Gregory/Basil, Ep., 38.4ff; Gregory Nyss., Ex com. not., Jaeger, 3.1, p. 25; cf. Gregory Naz., Or., 31.14.

78  Gregory/Basil, Ep., 38.4.

79  Gregory Nyss., non tres dei, Jaeger, 3.1, p. 56.

80 Gregory Nyss., Ex comm.. not., Jaeger, 3.1, pp. 19-25; De Sp. St., 3.1, pp. 13ff.

81 Gregory Naz., Or., 29.16; 31.14, 16.

*  بينما استبدل الآباء الكبادوكيون ومعهم ديديموس صيغة نيقية “من جوهر الآب” بصيغة “من أقنوم الآب”، نجد أن كلاً من ق. إبيفانيوس وق. كيرلس السكندري قد تمسك بصيغة آباء نيقية. (المترجم)

82  Gregory Naz., Or., 31.32.

83  Gregory Naz., Or., 42.15.

84  Gregory Gregory Naz., Or., 1.38; 2.38; 20. 7; 29.3, 15, 19; 30.19f; 31.8-14; 32.30, 33; 34.8, 10; 40.41ff; 42.15ff.

85  Gregory Naz., Or., 30.20; 31.9f, 14, 16; 37.33ff; 38.8; 39.10f; 40.41ff; 42.16; 45.4.

86  Gregory Naz., Or., 6.22; 25.17; 29.2f; 34.8f; 39.10; 40.41; 42.16.

87  Gregory Naz., Or., 39.11.

88  Gregory Naz., Or., 34.13.

89  Gregory Naz., Or., 31.17ff; 34.13; 39.11; 40.41, 45; 42.16.

90  Gregory Naz., Or., 31.9f.

انظر رسالة ق. غريغوريوس النزينزي رقم 58 حيث أظهر رغبته في صياغة أعمق لعقيدة الروح القدس عن تلك التي سبق وقدمها ق. باسيليوس.  

91  Gregory Naz., Or., 40.43; 43.30; cf. 29.15.

92  Gregory Naz., Or., 23.8, 11; 29.2ff, 16; 30.11, 19f; 31.9, 14, 16; 42.15ff. Cf. Athanasius, De syn., 16.

*   وعلى سبيل المثال علاقة الآب بالابن والروح القدس تكون وفقًا لما هو الآب في ذاته بكونه آبًا ووفقًا لما هو في علاقته مع الأقنومين الآخرين: أي مع الابن بكونه أبا الابن ومع الروح القدس بكونه باثق الروح. وكلا الأمرين واحد تمامًا، لأن الآب هو آب بالتحديد في علاقته مع الابن والروح القدس. (المترجم)

93  Gregory Naz., Or., 20.7-11; 23.8; 31.6-9; 35.1-4; 41.9; 42.15.

94  Gregory Naz., Or., 29.2; 31.14; 40.41; 42.15-16.

     وهذا يعني أنه ينبغي التفكير في الثالوث ككل، بكونه المبدأ أو الرأس (α̉ρχή) الإلهي الواحد ـ ارجع إلى العبارة المميزة التي وردت في إحدى قصائد ق. غريغوريوس النزينزي، حيث يتكلم في الجزء الأول منها عن الثالوث ككل بكونه روحًا (الله روح) وبكونه المبدأ الإلهي الواحد غير المبتدئ، ثم يتكلم عن أقانيم هذا الثالوث (Athens ed. 61, p. 146.): “الثالوث الممجد: روح، ومبدأ (رأس واحد) غير مبتدئ.. وهو: غير المعلول، والمولود، والمنبثق.. الآب، والابن الكلمة، والروح القدس.. الثالوث الواحد في ذات الجوهر”.

95  Gregory Naz., Or., 31.14; cf. also 25.16; 26.19.

وقد وضَّح ق. غريغوريوس النزينزي في العظة (15:36) أن العهد الجديد نفسه نوَّع في الترتيب الذي ذكر به الآب والابن والروح القدس.

96  Gregory Naz., Or., 31.16; cf. 42. 15ff.

97  Gregory Naz., Or., 12.1; Car., 38, MPG 37.1325-6.

98 Augustine, De Trin., 5-7; De civ. Dei, 10; In Jn., tr. 39; In Ps., 68.1,5; Ep., 170, 238-241; cf. Thomas Aquinas, S.Theol., Ia. xxvi-xxx; De pot., 1-2. See also J. N. D. Kelly. Early Christian Doctrines, 1958, pp. 271ff; E.L. Mascall, The Triune God, An Ecumenical Study, 1986, pp. 11-22; and T. F. Torrance, ‘Toward an Ecumenical Consensus on the Trinity’, Theol. Zeitschr., vol.31, 1975, pp. 337-350; Reality and Scientific Theology, 1985, ‘The Trinitarian Structure of Theology’, pp. 160-206.

99  Gregory Naz., Or., 29.2; 40.41.

ارجع إلى العظة (36:2) حيث أشار فيها ق. غريغوريوس النزينزي إلى الثالوث المبارك بكونه المبدأ أو الرأس (α̉ρχή) الإلهي.

*   يقصد بهذا إرسالية الروح القدس من الآب والابن وليس انبثاقه من الآب. (المترجم)

100  Gregory Naz., Or., 25.16; 29.2ff; 31.8f; 39.12.

[101]  لاحظ التركيز المتكرر لديديموس على ’الجوهر الواحد‘ في كتابه عن الروح القدس والمحفوظ فقط في الترجمة اللاتينية لجيروم: (16-19, 21f, 24f, 32, 36f, 40, 53, 58)

102  Didymus, De Trin., 1.16, 18f, 36; 2.6.7, 16ff, 14fin, 15; 2.27, etc.

103  Didymus, De Trin., 1.16ff, 20, 24f, 27, 34; 2.1.4ff, 13f, 18, 27; 3.7, 15; Con. Eun., Athens ed., 44, p. 238.

104  Didymus, De Trin., 1.16, 18, 26f; cf. 3.1f, 13, 18; De Sp. St., 36.

105  Didymus, De Trin., 1.9f, 11, 15f, 18f, 25, 27; 2.1, 3f, 6.7ff, 15f, 18; 26f; 3.2, 15f, 24, 55; De Sp. St., 30-39; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 246f, 255ff.

106  Didymus, De Trin., 1.9, 11f, 15f, 18f, 21, 26f, 30, 34f; 2.1ff, 5ff, 8, 12, 19, 27; 3.1f, 18, 23f, 38, 40f, 45; De Sp. St., 27, 30.

107  Didymus, Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 226f. See also De Trin., 1.9; 2.1, 12; and De Trin., 1.16, 26; 2.1ff, 8, 10; 3.19, 37; Con. Eun., 44, pp. 239, 253.

108  Didymus, De Trin., 2.26; cf. 1.15; 3.2, 8.

109  Didymus, De Trin., 2.1f, 5; 2.6, 8, 22, etc.

110  Didymus, De Trin., 2.1-3; De Sp. St., 3ff, 16-25; 32-40, 57-61.

111  Didymus, De Trin., 1.15, 18, 26, 36; 2.1ff,5; 3.3, 5, 38; De Sp. St., 26, 37; cf. Con. Eun., Athens ed. 44, p.251.

*   من الواضح أن المقصود هنا هو إرسالية الروح القدس إلينا من أقنوم الابن. وبما أن الروح القدس هو روح الابن فهو يأخذ مما للابن ويعطينا، حتى إنه وهو فينا ينقل لنا من الابن بالمشاركة ـ وعلى قدر ما تسمح به طبيعتنا ـ علاقة البنوة التي له مع الآب فننال التبني للآب “أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا آبا الآب” (غل 6:4) (المترجم) 

112  Didymus, De Sp. St., 34-37.

113  Didymus, De Trin., 2.2.

114  Didymus, De Trin., 2.5; cf. Ep. Euseb., Theodoret, Hist. eccl., 1.11.

115  Didymus, De Trin., 2.2, 15.

#  إذ بينما كان ديديموس يعلم بالانبثاق ’من أقنوم‘ الآب، فإنه لا يجعل الآب هو العلة في وجود الروح القدس. (المترجم)

*   إن المقصود هنا هو أن الروح القدس ينبثق من الآب ويستقر في الابن، ولذلك فهو خاص بالابن (أو يخص الابن) وبالتالي فإن الابن هو الذي يعطيه للخليقة. (المترجم)

116  Didymus, De Trin., 2.1; 2.2, 5; 2.26f; De Sp. St., 26.

117  Epiphanius, Anc., 6, 8; Haer., 57.10; 62.7f; 63.7; 69.36, 67, 72;73. 16, etc

118  Epiphanius, Anc., 7, 33, 57,65,67; Haer., 62.3- 7;69. 54,56; 73.  16ff;74.4f.

[119]  ويتضح هذا الأمر من حديث ق. إبيفانيوس عن التجسد (Anc., 120): “الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل (من السماء) وتجسد، أي ولد بصورة كاملة من القديسة مريم الدائمة البتولية بواسطة الروح القدس، وصار إنسانًا بكل معنى الكلمة أي إنسانًا كاملاً روحًا وجسدًا وعقلاً وكل ما للإنسان ماعدا الخطية، وهو من غير زرع زوج (بشر)، ولا هو حل في إنسان، ولكنه أخذ جسدًا في ذاته في وحدة تامة مقدسة”.

120  Epiphanius, especially Haer., 69,77-79.

121  See Basil, Ep., 258, and Epiphanius, Haer., 77.20-23.

122  Epiphanius, Anc., 2.

123  Epiphanius, Anc., 81, Haer., 73.34.

124  Epiphanius, Haer., 73.21;Exp.fidei, 14.

125 Epiphanius, Anc., 5-10, 67, 72, 74, 81; Haer., 57.4f; 62.1ff, 6; 72.11; 74.9; 76. Ref. Aet., 30; 77.22; cf. Athanasius, De syn., 42; Con. Ar., 4.2; Con. Apol., 1.20.

*  ارجع للحاشية صفحة 263 بالفصل الخامس. (المترجم)

126 Epiphanius, Anc., 64; Haer., 36.6; 57.4; 65.8;69.67;72.1; 73.34 ;74. 1ff; 76. Ref. Aet., 16; Exp. Fidei, 21.

ولم يأتِ تطبيق مفهوم ’الهوموأووسيوس‘ على الثالوث ككل عند ق. أثناسيوس إلاَّ قليلاً. انظر: Athanasius, Ad Ser., 1.27; Con. Apol., 1.9.

127  Epiphanius, Anc., 7f, 10; Haer., 62.4; 74.11; cf. Gregory Naz., Or., 31.8f, and Basil, De Sp. St., 38, 43, 45f.

128  Epiphanius, Anc., 46; Haer., 57.4; 62.3; 69.36;70.8; 73.16ff, 36; 74.1ff; 76. Ref. Aet., 18, 21, 35f.

129  Epiphanius, Anc., 74, 120; Haer., 74.10; cf. Gregory Naz., Or., 29.3; 31.4.

130  Epiphanius, Haer., 69.54.

131  Epiphanius, Anc., 6ff, 11, 15, 67, 70f, 115; Haer., 57.9; 62.4; 64.9; 69.18, 43; 74.4, 10; 76. Ref. Aet., 7, 21, 29, 32; cf. Athanasius, Con. Ar., 1.20, 33; Hilary, De Trin., 2.3; and Basil, Hom., 111.

132  Epiphanius, Anc., 7f, 67f, 70f, 119f; Haer., 69.17, 52; 70.5; 72.4f; 73.16, 18; 74.5, 7, 11f; Exp. fidei, 14.

133  Epiphanius, Haer., 8.5; 73.16; Exp. fidei, 14.

*   هذا المفهوم الخاص بأن: وحدة المبدأ (وحدة الرأس) (Μοναρχία) في الثالوث لا تقتصر على أقنوم الآب وإنما هي الثالوث ككل، نجد أساسه عند ق. أثناسيوس (ارجع إلى صفحة 327)، كما يظهر أيضًا عند ق. غريغوريوس النزينزي (ارجع إلى صفحة343)، ويمتد كذلك إلى ق. كيرلس السكندري (ارجع إلى صفحة 373). (المترجم)

134  Epiphanius, Anc., 6-8; 22, 81; Haer., 66.69; 69.33; 69.37, 43; 72. 1; 73.3; 74.8, 12;76. Ref. Aet., 4, 20f, 32f, 35; Exp. fidei, 14; Anc., 6-8.

135  Epiphanius, Haer., 62.3; see also 62.4-7.

136  Epiphanius, Anc., 2; see also 5f, and Haer., 69.77; 73.16.

137  Epiphanius, Haer., 76. Ref. Aet., 33 & 35.

138  See further, Epiphanius, Anc., 22, 67; 81; Haer., 69.33, 43f, 56, 59, 75, 78; 72.11; 74.4; 76.6; 76. Ref. Aet., 20, 33, 35f; Exp. fidei, 18.

139  Epiphanius, Anc., 118.

140  Epiphanius, Anc., 24.

[141]  يقول ق. غريغوريوس النزينزي في العظة (8:38؛ 4:45): “حين أقول الله، فأنا أعني الآب والابن والروح القدس”.

142  Epiphanius, Anc., 10.

143  Epiphanius, Haer., 63.6; 65.1f; 72.1f, 10;73.16ff, 34f; 74.11f; 76.2, 12, 20, 35; Anc., 6ff, 10.

144  Epiphanius, Con. Haer., 69.54; cf. Gregory Naz., Or., 23.8.

145  Athanasius, De sent. Dion., 1.17; Exp. fidei, 4; Con. Ar., 1.16, 20, 46ff, 50; 2.18, 28; 3.1ff, 15, 24ff, 44ff; Ad Ser., 1.2, 15f, 20ff; 3.2ff; 4.3f.

*  انظر الحاشية صفحة 299. (المترجم)

*  انظر الحاشية صفحة 299. (المترجم)

146  Epiphanius, Haer., 62.4; 69.54; 73.12, 16;74.7, 10ff; 76.11; Anc., 7f, 67, 71f; Haer., 74.7f.

147  Epiphanius, Anc., 72ff; Haer., 74.9ff, 12.

148  Epiphanius, Anc., 119.

149  Theodoret, Hist. eccl., 5.9-11

150  Gregory Naz., Or., 42, especially 15 & 16.

151  Theodoret, Hist. eccl., 5.9.

152  Gregory Naz., Or., 42.15; cf. also his Oration on Athanasius, Or., 21.13 & 34; 31.14; 34.8; 40.41.

وقد كان فكر ق. غريغوريوس يتحرك بالتأكيد عائدًا إلى مفهوم المبدأ أو الرأس (α̉ρχή) الإلهي الواحد، الذي فيه الابن والروح القدس هما مع الآب في وحدانية الجوهر التي للاهوت.   

153  Gregory Naz., Or., 42.16.

وقد أوضح ق. غريغوريوس النزينزي، أن المصطلحات لم تكن هي التي تهم، ولكن بالحري المعاني التي تشير إليها أو التي تدل عليها تلك المصطلحات.

154  Theodoret, Hist. eccl., 5.11.

من الجدير بالذكر أن دماسوس استخدم في ترجمته اللاتينية كلمة (usia) عدة مرات ليشير بها إلى الجوهر بدلاً من الكلمة اللاتينية (substantia) مما يعطي الانطباع بأن المنشور الأصلي المكتوب باليونانية كان أمامه في ذلك الحين. انظر الترجمة اللاتينية للمنشور:

Denzinger – Schoenmetzer, Enc. Symb., 144f.

*  ولا يعني هذا تغيير مفهوم نيقية “من جوهر الآب” إلى مفهوم “من أقنوم الآب”. (المترجم)

155 Theodoret, Hist. eccl., 5.11.

156  Denz. Schoen., op. cit., 169-177.

157 Ibid., 178.

[158] انظر تركيز ق. إبيفانيوس على الاستخدام الثلاثي لفعل ’نؤمن‘ في قانون الإيمان:

Epiphanius, Haer., 73.25; 74.13; cf. Basil, Ep., 236.6.

159 Athanasius, Ad Ser., 3.7; cf.2.7.

 *   ارجع إلى الفصل الثاني صفحتي 103و 104، والفصل الرابع صفحتي 194و 195. (المترجم)

 #   ارجع إلى الفصل الرابع حاشية صفحة 195. (المترجم)

[160]  هذا الأمر ظهر تأثيره في ادعاء ما يُسمى بـ ‘Pseudo-Dionysius’؛ إذ أصبح واضحًا جدًّا أن الفكر اللاهوتي ’المستيكي‘ لا بد أن يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التفكير في الله بكونه جوهرًا (أوسيا) فائقا غير مميز وغير معروف في علاقاته الداخلية:

De div. nom., 1.5 ff; 2.1ff ; Theol. Myst., 1f.

*   ارجع للحاشية صفحة 299. (المترجم)   

161  See again E.L. Mascall, op. cit.

وقد قدَّم عرضًا تحليليًّا رائعًا عن استعادة المفهوم الخاص ’بالعلاقات الكائنة‘ في جوهر اللاهوت ومدى تأثيره وأهميته بالنسبة للكنائس الغربية والشرقية.

162  Cyril, De Trin. dial., MPG, 75.733.

163  Cyril, De Trin. dial., MPG,75.721, 744, 769; Thes., MPG, 75.128.

*   إن الحديث عن ولادة الابن وانبثاق الروح من أقنوم الآب داخل علاقات الثالوث، لا يساوي في المعنى أبدًا اعتبار أن الآب هو المتسبب في ألوهيتهما أو وجودهما (كما ذكر الآباء الكبادوكيون)، بل يعني فقط التعبير عن حقيقة أن الآب هو أبو الابن وباثق الروح القدس داخل جوهر اللاهوت الواحد. (انظر نفس هذا المفهوم عند ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس وديديموس). (المترجم)

164  Cyril, De Trin. dial., MPG, 75.721, 769, 872.

165  Cyril, Thes., MPG, 75.553.

166  Cyril, In Jn., MPG, 74.28ff, 213ff, 552ff; Thes., MPG, 75.177ff, 528f, 568ff, etc.

#  ارجع إلى تفسير الآباء للآية “أبي أعظم مني” (يو 28:14) في المرجع رقم 163 الوارد بصفحة 267 بالفصل الخامس. (المترجم)

167  Cyril, Thes., MPG, 75.144f, 177f, 380f; In Jn., 10.29f.

*   كان ق. كيرلس السكندري واضحًا في تعليمه عن كون الروح القدس ينبثق من الآب انبثاقًا تامًّا كاملاً (perfect procession)، وقد جاء على لسانه أن ” الروح القدس ينبثق من الآب، كما من ينبوع، إلاّ أن الابن هو الذي يرسله إلى الخليقة” (MPG, 77. 316D). ولكن بعض اللاهوتيين الغربيين يستندون إلى ق. كيرلس في تدعيم رأيهم عن انبثاق الروح القدس المزدوج من الآب والابن، وهذا بالطبع محض افتراء، لأنهم لو عادو إلى الفقرات التي يستشهدون بها من كتابات ق. كيرلس سيجدون:

أولاً: أنه مثله مثل ق. أثناسيوس وق. باسيليوس تحدث عن أن الروح القدس ينبثق من الآب في الابن (أو إلى الابن) (MPG, 75. 576, 577, 580)

ثانيًا: أن ق. كيرلس لم يستخدم الفعل ’ينبثق‘ (œκπορεύεται) إلا في علاقة الروح القدس الأزلية مع الآب، ولكنه استخدم أفعالاً أخرى مثل ’يأتي‘ (πρόεισι) و ’ينحدر‘ (η̉́γουν) وذلك في شرحه لإرسالية الروح القدس إلينا:

سواء “من الآب والابن”(MPG, 76. 1408B; MPG, 68. 148A)

أو “من الآب من خلال الابن” (MPG, 76. 184D; MPG, 68. 148A)

أو “من الابن” (MPG, 76. 173A-B).

ثالثًا: كان ق. كيرلس يربط بين خصوصية علاقة الروح القدس الأزلية مع الابن وبين إرسال الروح القدس للخليقة بواسطة الابن “لأنه يرسله بكونه خاصًّا به منذ الأزل وواحدًا معه في ذات الجوهر والطبيعة” (MPG, 76. 172f). (المترجم)

168  Cyril, Thes., MPG, 75.577, 580f & 585. See the whole discussion of these issues from 575 to 617, and In Jn., MPG 73.209f, 604f; 74.213f, 256f, 333ff, 417, 448f, 710f, etc.

*  ارجع إلى الحاشية صفحة 299. (المترجم)

169  Cyril, Con. Nest., 4.3. Chapters 1-3, MPG, 76.168-189.

170  Cyril, De ador., MPG, 68.148.

171  Cyril, Con. Nest., 4.1, MPG, 76.172f.

172  See I.R. Torrance, Christology After Chalcedon, Canterbury Press 1988

173 Cyril, MPG, 77.1120-1272.

*  ارجع إلى الفصل الخامس المرجعان رقما 226و 229. (المترجم)

 

الله الواحد الثالوث ف6 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الروح الأزلي ف5 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الروح الأزلي ف5 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

الروح الأزلي ف5 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

 

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

الفصل الخامس*

 

الروح الأزلي

“و (نؤمن) بالروح القدس، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء”

 

شهادة مجمع نيقية عن الروح القدس

لقد تكلَّم الآباء في مجمع نيقية عام 325م عن الروح القدس في جملة واحدة فقط وهي الجملة الأخيرة من قانون الإيمان: “نؤمن بالروح القدس”. ورغم قصر هذه العبارة إلاّ أنها أبرزت بوضوح تأكيد إنجيل العهد الجديد على طبيعة الروح القدس الإلهية والأقنومية، والذي مع الآب والابن هو موضوع وهدف الإيمان، ومن خلاله وفيه نؤمن بيسوع المسيح وننال الخلاص. ففي الروح القدس، الله ذاته يكون حاضرًا مباشرة في وسطنا، وعاملاً بطريقة إعجازية من أجل خلاصنا، ومن خلال الروح القدس يعلن الله عن ذاته بكونه ’ربًا‘؛ إذ إن الله نفسه يكون هو محتوى (أو مضمون) كل ما يفعله الروح لنا أو ينقله إلينا. فالروح القدس ليس مجرد شيء إلهي، أو شيء شبيه بالله ينبعث منه، ولا هو عمل يتم بعيدًا عن الله أو عطية منفصلة عن نفسه، لأن في الروح القدس الله ذاته يعمل مباشرةً فينا، وعندما يعطينا الله روحه القدوس فهو لا يعطينا إلاّ ذاته، حيث إن مُعطي الروح وعطية الروح هما واحد[1]، ولذلك نجد في قانون الإيمان النيقي أن الإيمان بالروح القدس اقترن بالإيمان بالآب وبالابن باعتباره إيمانًا بإله واحد ورب واحد[2].

 

شهادة الكتاب المقدس عن الروح القدس

ولقد شهد الرسل بوضوح منذ البداية عن طبيعة الروح الإلهية والأقنومية بكونه ’الرب‘، وذلك من خلال تفرده بلقب ’القدس‘ (¤γιος) أي (القدوس) كترجمة للكلمة العبرية ’قادوش‘ )קָדוֹשׁ( التي كانت قد استخدمت في أسفار العهد القديم للتحدث عن طبيعة الله الفائقة الإدراك، وعن مجده وجلاله الذي لا يُدنى منه: “قدوس، قدوس، قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض[3]“. ولذا نجد أن كلمة ’قادوش‘ )קָדוֹשׁ( استخدمت في سفر إشعياء للإشارة إلى الرب باعتباره “قدوس إسرائيل”، وخاصةً في التعبير عن عمله الخلاصي في حياة وتاريخ شعبه[4]، كما اُستخدمت هذه الكلمة أيضًا في أحيان أخرى للإشارة إلى روح الله بوصفه “الروح القدس”[5]. ومما لا شك فيه أنه نظرًا لطبيعة الروح الفريدة والتي لا تُضَاهى، فإن كلاًّ من العهد القديم (في ترجمته السبعينية إلى اليونانية) والعهد الجديد لم يستخدما الكلمة اليونانية الأكثر شيوعًا ’يروس‘ (ƒερός) بل فَضَّلا استخدام الكلمة النادرة نسبيًّا ’أجيوس‘ (¤γιος) للتعبير عن القداسة والتميُّز الفائق الخاص بالألوهية، ولذلك فإن مصطلح “الروح القدس” كان يعبِّر عن الإدراك بأن حلول الروح هو حلول ’للروح‘ في سموه وعلوه الفائق.

وعلاوة على ذلك، كانت الكلمة العبرية المستخدمة للتعبير عن الروح ’رُوَح‘ )רוּחַ( تحمل معنى محدَّدًا وديناميكيًّا، وهو الأمر الذي لم يكن كذلك بالنسبة الكلمة اليونانية ’بنفما‘ (πνεàμα) التي تُستخدم في الفكر والأدب اليوناني القديم[6]. ولذلك عندما ربط العهد القديم كلمتي “روح” )רוּחַ) و”قدس” (קָדוֹשׁ) معًا فقد قصد بذلك الإشارة بوضوح إلى الله الحي القدير، وإلى أن حضور روحه القدوس يجب أن يُفهم في الحال على أنه هو الحضور الشخصي الحقيقي والفعَّال لله. إن روح الله ليس هو انبعاث لبعض القوة الإلهية المنفصلةً عن الله، بل هو تقابل الله نفسه مع البشر ومع شئونهم، حيث يؤثر الله بقوته الإلهية وقداسته ويعمل بصورة مباشرة و’شخصية‘ في حياتهم. وقد تأكد جدًّا هذا المفهوم عن روح الله من خلال العلاقة الحميمة بين ’كلمة‘ الله و ’روح‘ الله في عمله الإعلاني والخلاصي[7]. وكانت هذه النظرة العبرية هي ما ميَّز تعليم إنجيل العهد الجديد عن الروح القدس، باعتباره وصول الله إلى البشر لتقديسهم وفدائهم وإعطائهم الحياة بواسطة كلمته، جاذبًا إياهم إلى الشركة وجهًا لوجه مع نفسه[8]. وكما يُنظر إلى القداسة والطبيعة الفائقة لكل من الله (الآب) ـ في العهدين القديم والجديد ـ والرب يسوع المسيح، وتُقدم لهما العبادة والسجود، فكذلك أيضًا روح الله، الذي بفضل طبيعته الذاتية المقدسة يستوجب نفس العبادة والسجود. لأن في الروح القدس لا يكون إلاّ الله ذاته ـ القدوس الضابط الكل ـ حاضرًا بصورة شخصية مع شعبه، يجتمع بهم ويتحدث معهم.

 

أولاً: عقيدة الروح القدس

واكتمال الفهم الثالوثي لله في الكنيسة

 

علاقة عقيدة الروح القدس بعقيدة الآب والابن في الكنيسة

لقد كان إيمان آباء نيقية بالروح القدس متمشيًا مع تعليم الكتاب المقدس حينما اعترفوا قائلين: “نؤمن بإله واحد … وبرب واحد يسوع المسيح … وبالروح القدس”، حيث قد أكدوا بذلك أن الإيمان بالروح القدس هو في داخل إطار الثالوث القدوس، طبقًا لطقس المعمودية المقدسة التي تتم بالاسم الواحد: الآب والابن والروح القدس، وطبقًا للإيمان المسلَّم لهم من الرسل. وكما عبَّر عن ذلك ق. باسيليوس: “إننا ملتزمون بأن نُعمِّد بالأحكام التي تسلَّمناها، وبأن نعلن إيماننا بالأحكام التي تعمَّدنا بها[9]“. إذن فإن التأكيد الواضح على العبارة الخاصة بالروح القدس في قانون الإيمان، قد أظهر كمال فهم الكنيسة لله، كما أنه أعطى مركزية لعقيدة الثالوث القدوس. وحيث إن تعليم إنجيل العهد الجديد عن الله أنه روح، وأنه يُعرف بالحقيقة ويُسجد له بكونه روحًا ـ لأن طبيعة جوهر الله الأزلي أنه روح: سواء آب أو ابن أو روح قدس ـ فلذلك ينبغي علينا أن نفهم الآب والابن والروح القدس في ذاتهم وفي علاقاتهم الداخلية المتبادلة بطريقة روحية فقط.

ويمكننا أن نفهم تأثير عقيدة الروح القدس بالنسبة لعقيدة الآب والابن من العبارة التي قالها ق. أثناسيوس: “وبينما أن المسيح هو ’الهيئة‘ (ōδος) الوحيدة أو ’الشكل‘ الوحيد أو ’الصورة‘ الوحيدة للاهوت الآب، فإن الروح هو ’هيئة‘ (ōδος) أو ’صورة‘ الابن[10]“. والقول بأن الروح هو ’صورة‘ الابن قد يكون محيرًا بعض الشيء إلى أن ندرك أن الروح نفسه بلا صورة، وحيث إن الآب والابن والروح القدس لهم ذات الطبيعة الواحدة[11]، فيتعين أن يكون تفكيرنا فيهم وفي علاقاتهم المتبادلة داخل الثالوث القدوس بطريقة فائقة وروحية تمامًا ولا تصوير فيها (imageless)[12]. ويقول ق. إبيفانيوس في هذا الصدد: (في تعاملنا مع الله) علينا أن نستخدم آذاننا بدلاً من أعيننا، لأننا نعرفه فقط من خلال كلمته ونراه فقط بالذهن[13]، لأن ’الله روح‘ ويُعرف فقط بالمسيح، كلمة الله الحي و’الهيئة‘ الوحيدة أو ’الصورة‘ الوحـــيدة لله غير المنظــــور[14]. وقد أشـــــرنـا في الفصل الثاني إلى أن الوحي الإلهي عندما يستخدم مصطلحي ’آب‘ و’ابن الله‘، فإننا يجب أن نفكر في هذين المصطلحين بكونهما يشيران إلى الآب والابن بطريقة لا تصوير فيها، وبدون إقحام أي نوعٍ من الصور (أو الأمثلة) المخلوقة أو أي شكل من أشكال الفكر المادي[15]. بل المقصود هو أن نربط معًا في أذهاننا صورة الآب بالابن، وصورة الابن بالروح القدس، وهكذا نستطيع أن نشير بصور مأخوذة من علاقاتنا البشرية إلى اللاهوت بطريقة روحية وليس بطريقة مادية بشرية[16].

وكان تطبيق مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) مع الروح القدس ـ في خلال الفترة التي بين مجمعيّ نيقية والقسطنطينية[17] ـ إنما يعني أن الابن له ذات جوهر الله بالضبط كما هو الحال بالنسبة للروح القدس، وكذلك أن الروح القدس له ذات جوهر الله بالضبط كما هو الحال بالنسبة للابن. وكان تطبيق مفهــــوم الـ ’هـومـوأووسيــوس‘ (Ðμοούσιος) مــع الــــروح القــــدس ـ  بالطبع مع ما تضمَّنه ذلك من التأكيد التام على ألوهية الروح القدس ـ قد ساعد الكنيسة على أن تدرك بشكل أعمق مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιος) التي للابن المتجسد مع الآب، وكذلك العلاقات الجوهرية داخل الثالوث القدوس. وهكذا اكتمل التعبير عن عقيدة الروح القدس بوضوح كامل من داخل إيمان الكنيسة بالثالوث، واحتلت هذه العقيدة مكانًا راسخًا في ذهن الكنيسة، بالضبط كما هو الحال بالنسبة لعقيدة الابن[18].

 

الهدف من وراء الاستخدام الثلاثي لفعل ’نؤمن‘ في قانون الإيمان النّيقيّ

وكان ق. أثناسيوس قد أكد على هذه النقطة الأساسية في خطابه المجمعي عام 369م ـ والذي سبق الإشارة إليه ـ وذلك في تعرضه لتعاليم أنصاف الأريوسيين وإنكارهم لألوهية الروح القدس، حيث قال: “لأن مجمع نيقية هذا، قد فَضَح بالحقيقة كل هرطقة، كما أنه يحبط أولئك الذين يجدِّفون على الروح القدس ويدعونه مخلوقًا. لأن الآباء بعد حديثهم عن الإيمان بالابن أضافوا على الفور ’ونؤمن بالروح القدس‘، لكي باعترافهم الأمين والكامل بالثالوث القدوس يعلنون الشكل الدقيق لإيمان المسيح وتعليم الكنيسة الجامعة. فمن الواضح لكم وللجميع ـ ولا يمكن لأي مسيحي أن يساوره شك في هذا ـ أننا لا نؤمن بمخلوقٍ بل بإله واحد؛ الآب ضابط الكل خالق كل شيء ما يُرى وما لا يُرى، وبرب واحد يسوع المسيح ابنه الوحيد، وبروح قدس واحد: إله واحد يُعرف في الثالوث الكامل القدوس، الذي به (باسمه) نعتمد، وفيه نتحد بالإلوهة (بالله)[19]“.

وقد ذكر ق. باسيليوس وق. إبيفانيوس[20] أنه في مجمع نيقية، لم يكن هناك أي جدال بالنسبة للروح القدس، لأنه على مدى حياة الكنيسة وتسبحتها وإيمانها: كان الروح القدس مرتبطًا بالآب والابن بغير انفصال في العبادة والتمجيد (الذي تقدِّمه الكنيسة) باعتبار أن الروح القدس هو المصدر الإلهي للخلاص والتجديد[21].

ولكن حينما تفجَّر الخلاف بعد عام 350م، رفض ق. أثناسيوس الادعاء القائل بأن الروح القدس مخلوق، واعتبر أن هذا الكلام يقوِّض أسس الإيمان لأنه يقسِّم الثالوث القدوس ويهدم سر المعمودية المقدسة. واستند ق. أثناسيوس في ذلك ليس فقط إلى تقليد الكنيسة الجامعة، بل أيضًا إلى التعليم الرسولي والكتابي المتضمَّن في هذا التقليد، والذي كان قد كرَّس نفسه (أي ق. أثناسيوس) لشرحه وتوضيحه[22]. وكما قال ق. غريغوريوس النزينزي في وقت لاحق، أنه فقط بعد أن أعطانا الله معرفة واضحة عن الآب وعن الابن، كان في تدبير إعلان الله عن ذاته أن تصبح معرفتنا عن ألوهية الروح القدس الساكن في الكنيسة معرفة جليّة، وأن يتضح أيضًا أن عبادتنا لله الآب والله الابن والله الروح القدس، هي مقدمة لثلاثة أقانيم ولاهوت واحد[23].

 

النصوص الكتابية التي ساهمت في فهم الكنيسة لعقيدة الثالوث

وكـانت الـوصـية التي أعطـاها المسيـــــح القـائم للكنيسـة كـلهـا ـ والتي كانت ذات أهمية قصوى في تقليد الكنيسة ـ هي أن تعمِّد باسم الآب والابن والروح القدس ـ كما جاء في الإنجيل بحسب ق. متى ـ وذلك استنادًا إلى ما حدث في معمودية المسيح نفسه في نهر الأردن عندما أعلن الآب أنه ابنه الحبيب، ونزل عليه الروح معلنًا أنه المسيح. وفي العهد الجديد، كانت هناك ثلاثة نصوص ذات أهمية لاهوتية خاصة، وقد دخلت تلك النصوص في صلب الإيمان الرسولي والتعليم والعبادة والتقليد، وتجلى مضمونها داخل الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى. وهذه النصوص هي:

  1. صيغة المعمودية كما وردت في (مت 19:28) “باسم الآب والابن والروح القدس”.
  2. البركة الرسولية كما وردت في (2كو 14:13) “نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس مع جميعكم”.
  3. الفقرة المأخوذة من (1كو 4:12-6) والتي نوقشت كثيرًا في الكنيسة الأولى: “فأنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد. وأنواع خِدَم موجودة، ولكن الرب واحد. وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد، الذي يعمل الكل في الكل”.

ويلفت نظرنا كارل لودويج شميدت في وقتنا المعاصر ـ وقد سبقه في ذلك كل من ق. غريغوريوس النزينـزي وديديمـوس في القـرن الرابع ـ إلى أنه في تلك النصوص الثلاثة، هناك تنوع في الترتيب الذي ذُكر به كل من ’الآب‘ و’الابن‘ و’الروح القدس‘[24]. وحقيقة أن كل من ’الآب‘ و’الابن‘ و’الروح القدس‘ قد ذُكر أولاً (في الترتيب) في أحد هذه النصوص، إنما يشير إلى أن الترتيب الذي اُستخدم في أي منها لا ينتقص من المساواة الكاملة بين الثلاثة أقانيم الإلهية. فبينما في الليتورجيا الكنسية وفي طقس المعمودية يُذكر الآب أولاً، نجد أنه في البركة الرسولية المذكورة في الإنجيل ـ والتي سادت في عصر ما بعد الرسل كما أشار أوسكار كولمان[25] ـ يأتي ذكر الابن أولاً لأن الإيمان بالله الآب والله الروح القدس كان متضمنًا في الإيمان بيسوع المسيح كرب ومخلِّص، بيد أنه في حياة أبناء الكنيسة وفي خدمتهم الروحية، كان التركيز المباشر على عمل ومواهب الروح القدس. ورغم أن ق. أثناسيوس اعترف بهذا التنوع في ترتيب ذكر الأقانيم وفقًا لفهمه للإيمان المسيحي والحياة المسيحية، إلاّ أنه حذَّر من تغيير ترتيب أقانيم الثالوث عن الترتيب الذي ذُكر في صيغة المعمودية المقدسة، وذلك في مواجهة هرطقة سابليوس[26].

وهناك شواهد أخرى عن الثالوث القدوس في العهد الجديد كان لها قدر من التأثير على نمو الفكر اللاهوتي في فترة ما قبل نيقية وما بعد نيقية[27]، ومن أهم هذه الشواهد ما يلي:

  1. 1. (أع32:2-33): “فيسوع هذا أقامه الله، ونحن جميعًا شهود لذلك. وإذ ارتفع بيمين الله، وأخذ موعد الروح القدس من الآب، سكب هذا الذي أنتم الآن تبصرونه وتسمعونه”.
  2. (1بط2:1): “إلى…. المختارين بمقتضى علم الله الآب السابق، في تقديس الروح للطاعة، ورش دم يسوع المسيح: لتكثر لكم النعمة والسلام”.
  3. (2تس13:2-14): “وأما نحن فينبغي لنا أن نشكر الله كل حين لأجلكم أيها الإخوة المحبوبون من الرب، أن الله اختاركم من البدء للخلاص، بتقديس الروح وتصديق الحق. الأمر الذي دعاكم إليه بإنجيلنا، لاقتناء مجد ربنا يسوع المسيح”.
  4. (أف18:2): “لأن به (يسوع المسيح) لنا كلينا قدومًا في روح واحد إلى الآب”.
  5. (أف4:4 ـ 7): “جسد واحد، وروح واحد، كما دعيتم أيضًا في رجاء دعوتكم الواحد. رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله وآب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم. ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة حسب قياس هبة المسيح”.

 

الإيمان بالثالوث كان مستقرًّا في عبادة الكنيسة وخبرتها قبل صياغته في مجمعيّ نيقية والقسطنطينية

وتبين تلك النصوص أن تعاليم الإنجيل التي تسلَّمناها بواسطة التقليد الرسولي كانت تعلن الإيمان الراسخ بالآب والابن والروح القدس، وهو الإيمان الذي استقر في خبرة الكنيسة التي أسسها المسيح. ونجد الدليل على هذا، في التسابيح الأولى المتبقية لدينا من فترة ما بعد العصر الرسولي مثل: تسبحة باكر “المجد لله في الأعالي…” (Δόξα ™ν Øψίστοις Θεù) التي وُجدت في المخطوطة السكندرية للكتاب المقدس (Codex Alexandrinus)، وقد وُجدت ملحقة بسفر المزامير[28]، وكذلك تسبحة المساء “النور الساطع للمجد المقدس” (Φîς ƒλαρόν ¡γίας δόξης) التي ذكرها ق. باسيليوس في كتابه ’عن الروح القدس‘[29]. كما تتضح أيضًا عمومية هذه النظرة الثالوثية في الكنيسة من كتابات أخرى ترجع إلى العصور الأولى[30].

وقد وجد آباء نيقية أن الشهادة (التعاليم) الإنجيلية عن الآب والابن والروح القدس، تتضمَّن بالفعل فهمًا ثالوثيًّا لجوهر الله الواحد. وهذه الشهادة لا يمكن فهمها بعيدة عن عقيدة الثالوث، تلك العقيدة التي نشأت عن تفسير أمين وصادق للعهد الجديد ونمت في حياة الكنيسة الليتورجية وخبرتها الإنجيلية منذ البداية. ومن هنا يمكننا القول أنه قد تم بالفعل استجلاء ما كانت تتضمَّنه وديعة الإيمان الأساسية[31] من خلال صياغة مصطلح ’هوموأووسيوس‘؛ إذ قد تم توضيح وإظهار العلاقة الجوهرية بين الابن والآب والتي تقوم عليها رسالة الإنجيل. وبتطبيق نفس مفهوم ’هوموأووسيوس‘ على الروح القدس ـ للتعبيـر عن وحدانيتـه في ذات الجـوهر مع الآب والابن ـ فإن الفهم الثالوثي لله يكون قد اكتمل وترسَّخ بشدة في ذهن الكنيسة. وكان مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر يحمل في طياته أيضًا مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد[32]. وهكذا بواسطة مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ تم تتبع إعلان الله عن ذاته كآب وابن وروح قدس ـ والذي حدث في التجسد ـ ودخلت الكنيسة بالفعل من خلاله إلى معرفة الله وفقً ’لما هو‘ الله أقنوميًّا في جوهره الذاتي الأزلي[33].     

 

التلازم المتبادل بين عقيدة الابن وعقيدة الروح القدس

وفي أعقـاب مجمـع نيقية، وفي ظـل الحرب المستمرة ضد الأريوسية ـ والتي ظلت قائمة نتيجة وجود بعض التدخلات اللاهوتية للقادة السياسيين في تلك الفترة ـ أصبح واضحًا أن إنكار إلوهية الابن يترتَّب عليه إنكار لإلوهية الروح القدس، لأن رسالة وتعاليم الإنجيل قدَّمت الابن والروح القدس معًا بشكل متلاحم جدًّا، حتى أن الاعتراف بإلوهية الابن الكاملة كان يحمل معه الاعتراف بإلوهية الروح القدس الكاملة. ولذلك كان لا بد للإيمان التقليدي بالروح القدس بكونه ’الرب‘ من أن يُعطَى الصياغة اللاهوتية المناسبة، أسوة بما حدث بالنسبة للابن، وهذا يفسر ـ إلى حد ما ـ السبب وراء تأكيد عقيدة الروح القدس انطلاقًا من عقيدة الابن[34]. وكانت الأولوية في هذا السياق أيضاً، لإيمان الكنيسة وصلاتها وعبادتها لله من خلال المسيح وفي الروح القدس*، والذي انعكس على شكل تسبيحها الدائم ـ أي أن الأولوية كانت للدخول إلى الآب بالمسيح وفي روح واحد.

وقد أوضح لنا ق. باسيليوس هذا الجانب من عقيدة ما بعد نيقية في كتابه ’عن الروح القدس‘[35]، حيث قام اللاهوتيّون في الفترة التي تلت نيقية، بوضع صياغة قانونية لما كان مستقرًّا ومُتَفقًا عليه بالنسبة للروح القدس ـ بالضبط مثلما فعل آباء نيقية بالنسبة للابن في علاقته بالله الآب ـ إذ قد صار واضحًا أن حقيقة الإنجيل وفاعليته لا تعتمد فقط على الوحدانية في ذات الجوهر والفعل بين الابن المتجسد والله الآب، بل أيضًا على الوحدانية في ذات الجوهر والفعل بين الروح القدس وكل من الابن والآب. ولذلك علَّم ق. كيرلس الأورشليمي طالبي العماد قائلاً: “آمنوا أيضًا بالروح القدس، وتمسكوا بالنسبة له بنفس التعليم الذي أخذتموه عن الآب والابن … فهو مع الآب والابن ممجد بمجد اللاهوت[36]“.

 

مدخل القديس أثناسيوس لشرح عقيدة الروح القدس

وكانت الصياغة اللاهوتية لعقيدة الروح القدس قوية وواضحة جدًّا بصفة خاصة عند القديسين أثناسيوس، وباسيليوس، وغريغوريوس النزينزي، وإبيفانيوس[37]. وكان مدخل ق. أثناسيوس لعقيدة ’الروح القدس‘ متفقًا تمامًا مع مدخله لعقيدة ’اللوغوس‘ أو ابن الله، فكما أنه تمشيًا مع تعليم العهد الجديد رفض أي فكر يقول بأن ’اللوغوس‘ هو مبدأ هذا الكون ويحتل مكانًا متوسطًا بين الله والخليقة، فكذلك أيضًا وبنفس الأسلوب رفض ق. أثناسيوس كل محاولة للوصول إلى فهم الروح القدس تبدأ من مظاهر أو أعمال الروح في الخليقة سواء في الإنسان أو في العالم. وإذا اعتبرنا أن هناك خطًّا فاصلاً بين ما هو إلهي وما هو مخلوق، أي بين جانب الله الخالق وجانب الخليقة، فإن ق. أثناسيوس جعل النقطة المحوريَّة في شرح عقيدة الروح القدس هي ما أسماه ’اختصاص أو خصوصية‘ (the propriety) الروح القدس بالجانب الإلهي وليس بالجانب المخلوق، وبالتالي كانت مرجعيته الأساسية هي نفس مرجعيته في موضوع علاقة الابن الداخلية بجوهر اللاهوت الواحد. فالروح القدس مثله مثل الابن هو عطاء الله الذاتي: الذي فيه المُعطي والعطية هما واحد[38]. وبالتحديد لأن الروح القدس هو روح الآب وروح الابن، فقد صاغ ق. أثناسيوس عقيدة الروح القدس من واقع علاقته الجوهرية في الله الواحد، ومن واقع الفعل الواحد غير المنفصل الذي له مع الآب والابن، وكذلك من واقع خصوصية علاقة الروح القدس بالابن، ولذلك نجده يقول: “الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمَّن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس، وتوجد طبيعة إلهية واحدة وإله واحد، ’الذي على الكل وبالكل وفي الكل‘[39]“.

ويعبِّر ق. أثناسيوس أيضًا عن العمل الواحد الذي للآب والابن والروح القدس بقوله: “الآب يعمل كل الأشياء بالابن في الروح القدس، وهكذا تُحفظ وحدانية الثالوث القدوس[40]“. وحيث إن عمل الثالوث هو عمل واحد، فلا يجوز بأي حالٍ اعتبار أعمال الروح القدس على أنها أقل شأنًا من أعمال الآب أو الابن، لأن كل الأعمال هي في الله الواحد ومن الله الواحد[41]. كما يتضح أيضًا، أنه طبقًا لترتيب ق. أثناسيوس في صياغة العقيدة، فإن معرفتنا الحقيقية عن الروح القدس تأتي من معرفتنا الحقيقية عن الابن، وعن الآب من خلال الابن[42].

إذن، كانت عقيدة الروح القدس تنبع ليس فقط من مجرد النصوص الكتابية أو الذكصولوجيات، ولكن من الحقيقة العظمى وهي: أن الله يعلن عن ذاته بواسطة ذاته، وبالتالي فإن الله ذاته يكون هو محتوى أو مضمون هذا الإعلان من خلال الابن وفي الروح القدس[43]. أي إن عقيدة الروح القدس لم يتم إقحامها من الخارج، بل قد ظهرت ونمت بصورة طبيعية من داخل معرفة الله الواحد، هذه المعرفة النابعة من إعلان الله عن ذاته واتصاله بنا بذاته كآب وابن وروح قدس. وهذا البناء العقيدي هو ما سلَّط الآباء الضوء عليه في نيقية، وذلك من خلال صياغة مصطلح ’هوموأووسيوس‘ للتعبير عن علاقة الابن بالآب. وكل ما تبقى عمله بعد نيقية كان تطبيق نفس مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ بصورة مماثلة على الروح القدس المُرسل من الآب بواسطة الابن. ولذا نرى أن ق. أثناسيوس لم يتردد في تطبيق مصطلح ’هوموأووسيوس على الروح القدس كما هو الحال بالنسبة للابن[44]، وقد تبعه في ذلك آخرون من لاهوتييّ ما بعد نيقية خاصةً ديديموس[45]، وإيفاجريوس[46] وغريغوريوس النزينزي[47] وإبيفانيوس[48]. فبما أن الآب والابن والروح القدس هم إله واحد كامل غير منقسم[49]، كان من الطبيعي تطبيق مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) أي ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ على الثالوث القدوس ككل[50].

 

معرفة الآب والروح القدس تكون من خلال معرفة الابن

وعلاوة على ذلك، كان واضحًا تمامًا أمام هؤلاء الآباء أنه فقط في الابن ومن خلاله ـ الابن الواحد الوحيد ـ يمكننا أن نعرف هيئة (εδος) اللاهوت، لأنه بالتحديد في يسوع المسيح الابن المتجسد، أوصل الله ذاته لنا نحن البشر من داخل ظروف وواقع وجودنا الأرضي ومعرفتنا المحدودة. وبالتالي فإنه في الابن المتجسد وحده، الذي هو ’هوموأووسيوس‘ مع الآب وفي نفس الوقت ’هوموأووسيوس‘ معنا*، نستطيع أن نعرف الله بالحقيقة وفقًا لما هو في ذاته ووفقًا لطبيعته. وكذلك على نفس هذا الأساس ـ الذي به نعرف الآب من خلال الابن ـ نستطيع أيضًا أن نعرف الروح القدس، لأنه في الروح القدس المُرسل لنا من الآب بواسطة الابن تُنقل إلينا معرفة الله وتتحقَّق فينا[51]. إذن، فمعرفتنا للروح القدس ومعرفتنا للآب تُستمد وتُضبط من معرفتنا للابن#[52]. ولا يعطينا الروح القدس أية معرفة مستقلة عن الله ولا يضيف أي محتوى جديد لإعلان الله عن ذاته[53]، بل هو يأتي بكونه روح الآب وروح الابن معلنًا الآب في الابن والابن في الآب، ولأنه هو ذاته الله، فمن خلاله يعلِّن الله عن ذاته، ويقول ق. أثناسيوس: “الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته و الروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة[54]“. ولا يمكن فصل معرفتنا لكل من الآب والابن والروح القدس بعضها عن البعض الآخر، لأن الله يُعرف فقط من خلال إعلانه الواحد عن ذاته الذي من الآب بالابن في الروح القدس. وبهذا الفهم للوحدانية في إعلان الله الثالوثي عن ذاته بواسطة ذاته، وجد ق. أثناسيوس أنه من الضروري تطبيق مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) النيقي على علاقة الروح القدس بكل من الله الابن والله الآب.

 

عقيدة الروح القدس فيما بين نيقية والقسطنطينية

وقد أُعطيت عقيدة الروح القدس تركيزاً واهتماماً أكثر في الفترة ما بين نيقية والقسطنطينية، وذلك في اتجاهين:

الأول كان بالنسبة للأسرار المقدسة، وقد قام ق. كيرلس الأورشليمي بتوضيح وشرح هذا الجانب من عقيدة الروح القدس في عظاته الشهيرة للموعوظين (Catecheses) وخاصة العظات 4، 16، 17.

أما الاتجاه الثاني فكان بالنسبة للفكر اللاهوتي النسكي وتقليد الكنيسة في تمجيد الله (الذكصولوجية)، وهذا التعليم هو ما قـــدَّمه ق. باسيلـــيوس في كــــتابه الهــام ’عن الــروح القـــدس‘ (De Spiritu Sancto)، والذي بيَّن فيه أن الكنيسة حينما تقدم تمجيدًا واحدًا للآب والابن والروح القدس فإن هذا يشير إلى وحدانية الثالوث الفائقة في الطبيعة والجوهر. ومن ثم فإن الكنيسة كانت ترى أنه بالروح القدس “يكتمل الثالوث المبارك والمسجود له[55]“.

وعلى أساس هذا الفهم الذي اشترك فيه لاهوتيّو كبادوكية والإسكندرية، قدَّم ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس (في قبرص) في كتابه ’المُثبَّت بالمرساة‘ (Anchoratus) عام 374م، تعبيرات قاطعة عن الروح القدس سبق بها ما تم صياغته في قانون الإيمان[56] (في مجمع القسطنطينية). وهذا التعليم الذي نقله ق. إبيفانيوس عن ق. أثناسيوس كان له تأثيره الدامغ ـ ولا ننسى في ذلك أيضًا ديديموس وق. غريغوريوس النزينزي وق. باسيليوس ـ على الصياغة التي وضعها مجمع القسطنطينية عام 381م (عن الروح القدس)[57].

والآن ننتقل لبحث الملامح الرئيسية لعقيدة الروح القدس التي تمت صياغتها في مجمعيّ نيقية والقسطنطينية.

         

 

ثانيًا: الملامح الرئيسية لعقيدة الروح القدس

في مجمعيّ نيقية والقسطنطينية

 

1ـ الله روح، والروح القدس هو الله

 

تعبير الله ’روح‘، يشير إلى ماهية الله في جوهره الأزلي

كانت العبارات المتضمَّنة في قانون الإيمان عن الروح القدس تخبرنا عن أمرين رئيسيين في وقت واحد: أولاً أن الله في صميم طبيعته هو روح، وثانيًا أن الروح القدس مع الآب والابن لهم نفس الجوهر الأزلي الواحد للاهوت[58]. وفي الكتب المقدسة وكتابات آباء الكنيسة كانت كلمة ’روح‘ تُستخدم في كثير من الأحيان للتعبير بصورة مطلقة عن الله، خاصة من جهة طبيعته غير المحدودة، والفائقة الإدراك، وغير المنظورة، وغير المادية وغير المتغيرة، وذلك بالمقارنة بطبيعة المخلوقات الإعتمادية والزائلة والمحدودة[59]. فكلمة ’روح‘ تُعبِّر عن ماهية الله في ذاته في الكمال اللانهائي الذي لجوهره القدوس، كما أنها تُخبر أيضًا عن ماهية الله في حريته غير المحدودة تجاه كل شيء آخر عداه: سواء في أن يخلق هذا الشيء من العدم، أو في أن يحفظه في علاقة معه[60].

وحين يذكر الإنجيل بحسب ق. يوحنا أن “الله روح”[61]، فإن المعنى المطلق لكلمة ’روح‘ يشير ببساطة إلى اللاهوت بدون تمييز للأقانيم وهو ينطبق هنا بالتساوي على الآب والابن والروح القدس[62]. وكما يقول ق. إبيفانيوس: “الله روح، روح يفوق كل روح، ونور يفوق كل نور[63]“. إذن، فعندما يقال أحيانًا عن المسيح ابن الله إنه “روح” فالمقصود هنا ليس مقارنته بالروح القدس، بل مجرد التأكيد على طبيعته الإلهية[64]. وهذا هو ما جعل ق. غريغوريوس النزينزي يستطيع أن يتحدث عن مسح الابن المتجسد بالروح، على أن هذه المسحة هي “بواسطة لاهوته[65]“.

 

كيف يميِّز الكتاب المقدس بين كون الله ’روح‘ وبين ’الروح القدس‘

إن استخدام كلمة ’روح‘ بمعناها المطلق مع الآب والابن والروح القدس، لا يجب أن تُفهم على أنها تلغي التمايز بين أقانيم (Øποστάσεις) الآب والابن والروح القدس، لأن كلمة ’روح‘ إنما المقصود بها التأكيد على طبيعة الجوهر (οÙσία) الواحد الذي للاهوت، والذي للأقانيم الثلاثة على السواء[66]. وقد أوضح ق. أثناسيوس للأسقف سرابيون أنه عندما يشير الكتاب المقدس إلى الروح القدس مميزًا إياه عن الآب والابن، نجد أن كلمة ’روح‘ تأتي دائمًا معرَّفة أو مضافة إلى إضافات محددة مثل “روح الله” أو “روح الآب” أو “روح الابن” أو “الروح” أو “الروح القدس”[67]، وذلك بطريقة لا تشير إلى وجود أي انفصال قط بين أقانيم الآب والابن والروح القدس لا في الجوهر ولا في الفعل، لأن الثالوث القدوس المبارك هو أساسًا واحد بغير انقسام[68].

 

’الله روح‘ ولذلك يجب علينا أن نعرفه بطريقة روحية

وتوضح الكنيسة في اعترافها بالإيمان، مكانة الروح القدس بكونه في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل مع الآب والابن في اللاهوت الواحد غير المنقسم[69]. وقد أكدت على إيمانها بأن الله في طبيعته الأزلية هو روح[70]، ولذلك يجب علينا أن نعرفه ونفكر فيه بطريقة روحية تقوية وبدون استخدام للصور (التشبيهات) المادية التي لا تليق بالله[71]. وإذ تختلف طبيعة الله بصورة فائقة تمامًا عن طبيعة المخلوقات، وحيث إن الله لا يمكن مقارنته أبدًا بأي شيء نعرفه، فلذلك لا يليق بنا أن نسأل أسئلة بشرية عن اللاهوت، فالله يمكن أن نعرفه، ولكن ليس من (خلال أمور) خارجًا عنه، بل فقط من ’ما هو‘ الله في داخل ذاته[72].  

وهكذا، وللمرة الثانية، أثارت عقيدة الروح القدس قضية معرفية كان قد أثارها الأريوسيون في بداية القرن الرابـع عندما نـادوا بمبدأ: أن ما لا نستطيع أن ندركه كبشر لا يمكن أن يكون موجودًا[73]. أي إنهم تصوَّروا أن حدود إدراكهم هي نفس حدود الحقيقة، ومن ثم وضعوا شروطًا لفهمهم لله ولإدراكهم للإعلان الإلهي[74]. ولكن كان واضحًا تمامًا لدى لاهوتيّ نيقية، أن أنماط التفكير هذه تتحطم من نفسها أمام ربوبية الروح القدس الفائقة الإدراك، مما يعني أن الله يمكن فقط معرفته بواسطة ذاته[75]، فسيادة الله في إعلانه عن ذاته هي بلا أي قيدٍ أو شرط[76].

 

المعرفة الصحيحة للروح القدس لا تكون من خلال أعماله (في الخليقة)، ولكن من واقع علاقاته الأزلية في داخل جوهر الثالوث

لقد صار واضحًا أنه بدون الروح القدس لا تستقيم عقيدتنا في الله كإيمان صحيح ومتكامل[77]، كما أن تضمين عقيدة الروح القدس في داخل عقيدة الله المثلث الأقانيم، أصبح يعني أنه لا ينبغي علينا أن نعرفه (أي الروح القدس) من خلال بعض العلاقات الخارجية، وإنما من خلال علاقته الداخلية الفريدة مع الآب (والابن)[78]. ونُذكِّر القارئ هنا أنه بالنسبة للقديس أثناسيوس، لم تكن الطريقة الصحيحة والخاشعة لكي نعرف الله (الآب) هي من خلال أعمال الخلق التي هي أمور ’خارجة عن الله‘ بل من خلال ابنه الأزلي، لأننا عندئذ نعرفه وفقًا ’لما هو‘ بالحقيقة في ذاته ووفقًا لطبيعته الإلهية بكونه آبًا[79]. وعلى نفس النمط، فإن المعرفة الصحيحة والخاشعة للروح القدس لا تبدأ من مظاهر وأعمال الروح في الخليقة والتي هي أمور ’خارجة عن الله‘، بل من واقع كون الروح القدس في جوهر اللاهوت الأزلي كروح الآب وروح الابن، أي من واقع علاقاته الداخلية في اللاهوت[80].

وقد ذهب ق. إبيفانيوس بمدخل معرفة الله هذا، إلى أبعد من ذلك إذ قال: وكما أننا نعرف الآب والابن، فقط من داخل العلاقة المتبادلة بينهما في الوجود وفي المعرفة، وكما أن هذه المعرفة يعلنها لنا الله بذاته من خلال الروح القدس، فكذلك نحن يمكننا أن نعرف روح الآب وروح الابن، فقط عندما يسكن فينا ويدخلنا في الشركة مع الثالوث القدوس. أي إن مدخلنا لعقيدة الروح القدس يجب أن تكون من خلال علاقاته الداخلية ’الأقنومية‘ في جوهر الله المثلث الأقانيم[81]. وهنا نجد أن التركيز كان بلا شك على حقيقة الروح القدس الموضوعية*، لأنه حتى عندما نشترك في روح الله من خلال سكناه فينا، فإن هذا الأمر في عمقه متأصل في السكنى المتبادلة (التواجد والاحتواء المتبادل) التي للآب والابن والروح القدس في الثالوث. ويعبِّر عن ذلك ق. أثناسيوس بقوله: “إن وجودنا في الآب ليس منا، بل من الروح القدس الذي في داخلنا والذي يسكن فينا … إذن فالروح هو الذي في الله وليس نحن بذواتنا[82]“. فبالنسبة لنا، أن نكون في الروح أو أن الروح ساكن فينا فهذا معناه أننا جُعلنا شركاء مع الله ذاته[83]. ولم يغب عن آباء نيقية أبدًا، أن الروح يسكن فينا بكونه يفوق تمامًا كل الوجود المخلوق؛ ولذا رأوا أن الروح يسكن فيهم بمعنى سكناهم هم في الله. “الروح القدس يُشتَرَك فيه، ولكنه لا يَشتَرِك هو (في أحد)[84] “.

 

حضور الروح القدس، هو الحضور الفعلي المباشر لله ذاته

وإذا نظرنا إلى الروح القدس من هذا المدخل، أي من خلال علاقته الداخلية في الثالوث، سوف نتيقن أن حضوره هو حضور الله معنا في كامل حقيقة جوهره وحياته الإلهية ـ أي إن حضور الروح القدس معنا يكون هو الحضور الفعلي المباشر لله الكلي القداسة ضابط الكل، في مجده وقوته وجلاله الفائق، وفي ألوهيته وقداسته المطلقة.

وفي رسالته إلى سرابيون، يتحدث ق. أثناسيوس عن التقوى (εÙσέβεια) والخشوع (εÙλάβεια) الذي يهبهما لنا الروح القدس، حيث نجده يتعجب أمام حقيقة أن الله بإرساله روحه القدوس لنا، لم يعطنا مجرد شيء من ذاته بل ذاته بالفعل، ففي الرب المُحيي (الروح القدس المُعطى لنا)، الله ذاته يكون هو محتوى عطيته. ويقول ق. أثناسيوس: “عندما نُعطى الروح القدس (إذ يقول المخلِّص’اقبلوا الروح القدس‘[85]) فإن الله يصبح فينا، ولهذا كتب يوحنا ’إن أحب بعضنا بعضًا، فالله يسكن فينا.. بهذا نعرف أننا نسكن فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه‘[86]، ولكن عندما يكــــون الله فينا، فالابن أيضــًا يكــــون فينا، لأن الابن نفسه قال: ’أنــــا والآب نـــــأتي ونصنع عنــــده منــــزلاً‘[87]، وأيضًا بما أن الابن هو الحياة ـ لأنه يقول’أنا هو الحياة‘[88] ـ فإننا نُحيَّ بالروح[89]“. وهكذا فإن الحـــــاضر فينا ليس هو مجــــرد قوته أو عمله الإلهي، بل هو الله ذاتــــــــه الخــــــالق ضابط الكل في حقيقته الفائقة الإدراك.

ولذلك كان ديديموس واضحاً في اعتراضه على التفريق بين أعمال الله (أو طاقاته) وبين الفعل المباشر لجوهره*، والذي أشار إليه ق. باسيليوس[90]، لأن مثل هذا التفريق من شأنه أن يهدم فهمنا الصحيح لحضور الله الحقيقي فينا بروحه القدوس[91].

ولم ينس لاهوتيّو نيقية كلمة الرب يسوع التي ظل صداها يدوي في الكنيســة الأولى، بأن كــــل مَن تكلَّم (بسوء) على ابن الإنســــان يُغفر له، أما من جــــــــدَّف على الـروح القدس فلا يُغفر له[92]. وكــــــان لهذا النص أثره في تأييد الكنيسة في توقيرها وعبادتها وسجودها للروح القدس، بكونه بالحقيقة الله في (كامل) ألوهيته وجلاله غير المحدود وفي قداسته المطلقة وربوبيته ومجده الأسنى. وحيث إن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن، فيحق له السجود والتمجيد مع الآب والابن والاعتراف بأنه الله[93]. وهنا نجد أن الكنيسة وهي تسبح تسبحة الثلاثة تقديسات التي في الليتورجيا، والمقدَّمة للآب والابن والروح القدس، وتترنم بها على الأرض إنما هي تردد ما يسبح به الملائكة والسيرافيم بغير انقطاع حول العرش في السماء[94].

وهنا نطرح ملاحظتين هامتين ينبغي الانتباه لهما بالنسبة لهذا المدخل في عقيدة الروح القدس:

في الروح القدس يظل سر الله محفوظًا، لأنه حاضر بيننا بنمط أقنومه الشفاف والخفي*

الملاحظة الأولى، هي أنه في الروح القدس، يظل سر الله الذي لا يُنطق به محفوظًا، لأنه في حين نحن في الروح القدس نتقابل مع الله ونوجد في حضوره، إلاّ أن الروح القدس يبقى غير مدرَك بالعقل ولا يمكن معرفته في ذاته[95]. والروح القدس هو ’روح‘ ليس فقط في جوهره (οÙσία) ـ والذي هو أمر مشترك بينه وبين الآب والابن ـ ولكن أيضًا في أقنومه (Øπόστασις) المتمايز أو نمط كيانه الشخصي (personal mode of being) بكونه ’الروح‘، لأنه إذ يُدعى ’الروح القدس‘ فهو يتمايز عن نمط الكيان الأقنومي (الشخصي) الذي لكل من الآب والابن، في حين أنه واحد معهما تمامًا في ذات الجوهر (Ðμοούσιος)[96].

والروح القدس هو “روح من روح، لأن الله (الآب) ذاته هو روح (Πνεàμα ™κ Πνεàματος, Πνεàμα γ£ρ Ð Θεός)[97] “.

وفي حين أن الآب والابن يُعلنان لنا، كل في أقنومه (Øπόστασις) المتمايز ـ لأننا في الروح القدس نُعطَى أن نشترك في معرفة الآب للابن وفي معرفة الابن للآب ـ إلاّ أن الروح القدس لا يُعرف مباشرةً في أقنومه الخاص لأنه يبقى محتجبًا وراء ما يقدِّمه من إعلان فعليّ عن الآب والابن[98]. وهو روح الحق غير المنظور المُرسل من الآب باسم الابن، وليس باسمه الشخصي بكونه الروح القدس، ولذلك فهو لا يتكلَّم من نفسه بل كل ما يسمع يُخبر به[99]. والروح القدس لا يُظهِر لنا ذاته، ولذلك لا يستطيع العالم أن يقبله أو يعرفه[100]. وهو يُظهِر لنا وجه الآب في الابن، ووجه الابن في الآب، ومن هنا يمكن القول عن الروح القدس أنه هو ’وجه الآب‘ من جهة أنه يجعل وجه الآب يُرى في الابن[101]. وبينما في الله هناك ثلاثة أقانيم، إلاّ أنه توجد هيئة (εδος) واحدة (للاهوت) تنبع من الآب وتتألق وتشع في الابن وتصير ظاهرة ومدرَكة من خلال الروح القدس[102]. والروح القدس بنمط وجوده الأقنومي كروح من روح، فإنه يُخفي نفسه عنا، وراء الآب في الابن، ووراء الابن في الآب، ولذا فنحن لا نعرفه وجهًا لوجه في أقنومه (Øπόστασις) الذاتي[103]. وبالروح القدس، الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ولكنه لم يكن هو الكلمة، وبالروح القدس تجسد ابن الله ولكن الروح لم يجسِّد نفسه بيننا. إنه هو الروح الواحد الذي فيه يوصِّل الآب ذاته لنا من خلال ابنه، وفيه أيضًا نصل إلى الآب بواسطة الابن. والروح القدس هو النور غير المنظور الذي في بهائه نرى نور الله (الآب) ظاهرًا في يسوع المسيح، وهو نفسه يُعرف فقط في كونه هو الذي يضيء (لنا) وجه الله الآب في وجه يسوع المسيح[104]. والروح القدس حاضر بالحقيقة بأقنومه بيننا، ولكن بنمط كيانه الشفاف والخفي[105]، وبما إنه واحد في ذات الجوهر مع الآب والابن فإنه (وهو فينا) يلقي بنوره الأزلي على (وجه) الآب في الابن وعلى (وجه) الابن في الآب، ولذا يقول ق. باسيليوس: “إن ذهننا الذي استنار بالروح، ينظر إلى الابن ـ وفيه (أي في الابن)، كما في صورة ـ يرى الآب[106]“.

وبهذه الطريقة، فإن الله ’الآب والابن والروح القدس‘ الثالوث غير المنقسم، يضيء علينا من خلال الروح القدس بنوره المثلث، ويقول ق. أثناسيوس: “وعندما يكون الروح القدس فينا، فالكلمة الذي يعطي الروح يكون فينا أيضًا، وفي الكلمة يكون الآب. وهذا يتفق مع ما قيل ’وإليه نأتي (أنا والآب) وعنده نصنع منزلاً‘. لأنه حيثما يكون النور فهناك يكون الشعاع أيضًا، وحيثما يكون الشعاع فهناك أيضًا يكون فعله ونعمته الخافقة[107]“. ونجد نفس المعنى عند ق. غريغوريوس النزينزي؛ إذ يقول: “بمجرد أن أفكر في الواحد، أجدني مستنيرًا ببهاء الثلاثة، وبمجرد أن أميِّز بينهم، أجدني عائدًا إلى الواحد. عندما أفكر في أحد الثلاثة (أقانيم) أفكر فيه بكونه الكل، وتمتلئ رؤيتي، وأجد أن ما فكرت فيه أكثره قد هرب مني، ولا أستطيع أن أدرك مقدار عظمة ذلك الواحد حتى ما أنسب عظمة أخرى للأقنومين الآخرين. وعندما أتأمل في الثلاثة أقانيم معًا، لا أرى إلاّ منيرًا واحدًا لا يمكن تقسيمه أو قياس نوره غير المنقسم[108]“. إذن، فأقانيم الثالوث القدوس الثلاثة ينبغي علينا أن نعرفهم ونسمع لهم ونسجد لهم ونمجدهم بكونهم واحد تماماً[109].

وهكذا من خلال نمط وجوده الأقنومي الذي لا يُعبَّر عنه، يجعلنا الروح القدس نتقابل مع عظمة الله المطلقة التي لا توصف، لأننا فيه (أي في الروح) نتلامس مباشرةً مع الكليّ القداسة ضابط الكل الذي تتوقف أمامه ـ في خشوع وسجود ـ كل أشكال الفكر والكلام. ونستشهد هنا أيضًا بقول ق. أثناسيوس في رسائله لسرابيون: “إلى هذا الحد تبلغ المعرفة البشرية. وعندئذ يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية[110]“.

 

في الروح القدس، الله يجعل نفسه مُتاحًا لأن نعرفه

الملاحظة الثانية بالنسبة لهذا المدخل في عقيدة الروح القدس، هي أنه على الرغم من أن جوهر الله الأزلي يفوق بصورة لا نهائية حدود إدراكنا إلاّ أن الله ليس مغلقًا أمامنا تمامًا، لأن الروح القدس يعني تحرك الله ’نحو الخارج‘، والذي فيه (أي في الروح) يجعل الله نفسه متاحًا لأن نعرفه. وكون الله لا يُنطق به ولا يُعبَّر عنه، لا يعني أنه غير قابل للإدراك أو المعرفة[111]، لأن الله في داخله مُدرَك وقابل للمعرفة، وهذا هو أساس ومصدر معرفتنا له بواسطة يسوع المسيح ـ الكلمة الذي صار جسدًا ـ وفي الروح القدس. ولذا نجد أن ق. باسيليوس يتحدث عن الروح القدس بكونه ’روح المعرفة‘، لأنه “في ذاته، يُظهِر مجد الابن الوحيد المولود، وفي ذاته يمنح معرفة الله للعابدين المخلصين. إذن، فالطريق إلى معرفة الله يتحرك من الروح القدس الواحد بواسطة الابن الواحد إلى الآب الواحد[112]“.

وحقيقة أن الروح القدس في نمط وجوده الأقنومي وفي فعله، له ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιος) مع الآب والابن إنما تؤكد لنا أن حضور الروح القدس ينقل إلينا حقيقة إعلان الله عن ذاته بالكلمة المتجسد، لأن كلمة الله وروح الله هما في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل بغير انفصال[113]. ويقول ق. أثناسيوس: “(كل) ما يُقال من الله، يُقال بالمسيح (الابن المتجسد)، وفي الروح القدس[114]“. وبما أن الله له فعل واحد وتحرك واحد (نحونا) للإعلان عن ذاته: من الآب بالابن في الروح القدس[115]، فإن هذا يخبرنا بأن عظمة الله التي لا يُنطق بها هي إيجابية وليست سلبية، لأن الله بجعل نفسه معروفًا بالحقيقة لنا بواسطة الابن وفي الروح القدس، قد أظهر عظمته بشكل يفوق كل ما يمكن أن نتصوره. والوحيد الذي يستطيع أن يعلن الله لنا، هو روح الله الذي يعرف ما في داخل الله “لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله[116]“. وبما أن الروح القدس قد أُرسل لنا من الآب باسم المسيح لكي يشهد له ولكي يرشدنا إلى كل الحق لأنه هو روح الحق، فإنه (أي الروح القدس) يعطينا وبصورة مذهلة وصولاً إلى معرفة الله وإدراكه، ولكن مع الحفاظ على السر المطلق الذي لا يُعبَّر عنه الذي لجوهره الإلهي. ويقول ق. إبيفانيوس: “وبكونه آتيًا إلينا (أي مُرسلاً) من الآب والابن*، فإنه هو وحده الذي يرشدنا إلى الحق … (وهو) معلِّم الرسل، والمصدر المنير للعقائد الإنجيلية، ومنظم الأمور المقدسة، وهو نور حقيقي من نور حقيقي[117]“.

وهكذا من خلال شركتنا مع الروح القدس، أُعطينا أن نرتفع إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته، ولكن في نفس الوقت حُفظنا من تعدي حدودنا ونحن أمام قداسة الله وجلاله ونوره الذي لا يدنى منه.

 

2ـ الروح القدس أقنوم حقيقي متمايز،

وهو كائن على الدوام مع الآب والابن بغير انفصال

 

تطبيق مفهوم ’هوموأووسيوس‘ مع الروح القدس هو دليل على إيمان الكنيسة بحقيقته الأقنومية

كان اعتراف مجمع نيقية بأن الابن المتجسد هو ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) مع الآب، قد أكَّد ليس فقط على ألوهية المسيح، بل أيضًا على الكينونة الأقنومية التي لله الآب ضابط الكل. وكما أوضحنا في حديثنا عن الـ ’هوموأووسيوس‘، أن ’ما هو‘ الله الآب في ذاته منذ الأزل هو نفس ’ما هو‘ نحونا في يسوع المسيح. فالله ذاته هو نفس محتوى (أو مضمون) نعمته في شخص يسوع المسيح: أي أن المُعلِّن وما يعلِّنه ، والمُعطي وما يعطيه، هما واحد تمامًا. كما أن تعبير “أنا هو” الخاص بالآب، و “أنا هو” الخاص بالابن هما واحد تمامًا بغير انفصال، لأن الآب في الابن والابن في الآب، وبينما الآب والابن متمايزان أقنوميًّا عن بعضهما (حيث أن الآب غير الابن والابن غير الآب)، إلاّ أنهما واحد بغير انقسام في الجوهر الإلهي. ولذا كان التجسد في نظر مجمع نيقية يعتبر تجسيمًا دقيقًا للغاية لطبيعة وعمل الله[118].

وقد طبَّق ق. أثناسيوس نفس مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ على علاقة الروح القدس بالمسيح وبالآب، وقد أدى ذلك إلى تأكيد تعليم الإنجيل عن حقيقة الروح القدس الأقنومية وتعميق هذا التعليم في إيمان الكنيسة[119]. وكان تطبيق مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ على الروح القدس بالإضافة إلى تطبيقه على الابن، هو ما دعا ق. إبيفانيوس إلى تسمية مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ بأنه ’رباط الإيمان‘ (σύνδεσμος τÁς πίστεως)[120].

 

الروح القدس في تعليم القديس أثناسيوس

كان هدف ق. أثناسيوس في تأكيده الواضح والمحدَّد على وحدانية الروح القدس مع الابن والآب في ذات الجوهر والطبيعة والعمل، هو الرد على أنصاف الأريوسيين ـ أو مَن أسماهم ق. أثناسيوس ’التروبيكيين‘* ـ وغيرهم في ادعائهم بأن الروح القدس ليس إلهًا من إله، بل هو قوة لا أقنومية مخلوقة، صادرة من الله وقابلة للانفصال عنه[121]. وكما أوضح ق. أثناسيوس في رسائله إلى الأسقف سرابيون عن الروح القدس، فإن هذا المفهوم يمثل انتهاكًا خطيرًا لإيمان الكنيسة في وحدانية الثالوث القدوس الذي باسمه يتم سر المعمودية. ويقول ق. أثناسيوس في هذا الصدد:

– “إنه ثالوث ليس فقط في الاسم أو في صيغة الكلام، بل أيضًا في الحقيقة والوجود الفعلي، فكما أن الآب هو مَن يكون (بذاته)، فكذلك أيضًا كلمته هو مَن يكون (بذاته)، وهو الله الذي فوق الكل. وليس الروح القدس هو مَن بلا وجود حقيقي، بل هو كائن وله وجود فعلي[122]“.

– “وكما أن المعمودية التي تُعطى بالآب والابن والروح القدس هي واحدة، وكما أن هناك إيمان واحد بالثالوث (كما قال الرسول)، فهكذا الثالوث القدوس هو متطابق مع ذاته ومتحد في ذاته، وليس له شيء من التي للمخلوقات في نفسه. وهذه هي وحدانية الثالوث غير القابلة للانقسام، والإيمان به إيمان واحد[123]“.

وعندما تَجدَّد الهجوم على ألوهية الروح القدس من قِبل إفنوميوس وبعض أصحاب المفاهيم الأفنومية[124] في الكنيسة، أُدينت تعاليمهم رسميًّا في مجمع محلي رأَسه ق. أثناسيوس في الإسكندرية عام 362م، وأعلن المجمع الإيمان “بثالوث قدوس، ليس ثالوثًا بالاسم فقط بل ثالوث حقيقي كائن ـ آب حقيقي كائن، وابن حقيقي كائن جوهريًّا، وروح قدس حقيقي كائن… وقد اعترفوا بثالوث قدوس ولكن بلاهوت واحد ومبدأ (رأس) واحد، وبأن الابن ـ كما شهد الآباء ـ له ذات الجوهر الواحد مع الآب، كما أن الروح القدس ليس مخلوقًا وليس ’خارجًا‘ عن الله، بل هو بغير انفصال واحد في ذات الجوهر مع الآب والابن”. وفي رفضهم لفكرة أن الابن ليس له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وكذلك لفكرة أن الروح القدس ليس أقنومًا حقيقيًّا، أكَّد الآباء اعترافهم بالإيمان بقولهم: “نؤمن أنه يوجد إله واحد وأن له طبيعة واحدة، وأن ليس للآب طبيعة تختلف عن تلك التي للابن أو تلك التي للروح القدس”. ومن هنا تم قبول صيغة “ثلاثة أقانيم (أشخاص)” (τρε‹ς Øποστάσεις)، و”جوهر واحد” (μία οÙσία)، وصارت هذه الصيغة تُعبِّر عن الفهم الأرثوذكسي الصحيح للثالوث القدوس؛ إذ إنها من ناحية تتجنب فكرة أن الله أقنوم واحد (unipersonal)، كما أنها من الناحية الأخرى  تتجنب فكرة تقسيم الله إلى ثلاثة آلهة (tritheistic)[125]. ومع هذا، سرعان ما بات واضحًا، أنه يتعين صياغة المزيد من العبارات اللاهوتية لدحض الحجج الفلسفية التي أثارهـــــا إفنـــوميوس وأتباعه.

وكان من عادة ق. أثناسيوس أن يستخدم المصطلحــــات اللاهوتية بأســــلوب مرن ومنفتح، بحيث يسمح للحقــــائق الموضوعية ـ المراد التعبير عنها ـ أن تكون هي المتحكمة في استخدامات هذه المصطلحات وفي معانيها، ولذا حرص ق. أثناسيوس على تجنب التعريفات الشكلية والتحديدات المنطقية التحليلية التي لا أساس لها في الواقع[126]. ومن هنا كان ق. أثناسيوس يرى أن في مقدوره أن يتفـــق تمـــــــامًا مع من كــان يختلف معهم لو كـــان هذا الاختلاف هو مجرد اختلاف لفظي، وطالمـــا أن المعنى المقصود هو واحد. ولكــــن عندما استُغِّلت هذه الاختلافــــات اللفظية كستار للهرطقة، أصبح من الضروري استخـــــدام مصطلحــــات لاهوتية أكثر تحــــديدًا وأكثر دقة. وفي هذا المنعطف، ساهم الآباء الكبادوكيون ـ وعلى أساس تعاليم ق. أثناسيوس ـ في دحض أراء إفنوميوس، وفي تنظيم استخدام المصطلحات اللاهوتية الملائمة بالنسبة لعقيدة الثالوث[127].

 

الروح القدس في تعليم الآباء الكبادوكيين

كان هذا هو الدافع الذي جعل ق. باسيليوس يكتب مؤلفه العظيم “عن الروح القدس” بناء على طلبٍ من أمفيلوخيوس[128]. وعلى الرغم من أن ق. باسيليوس كان مترددًا في استخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) بشكل مباشر في تعليمه عن الروح القدس، إلاّ أنه أكَّد على طبيعة الروح القدس الإلهية والأقنومية. وهذا هو ما نراه جليًّا في كل عبادة الكنيسة؛ إذ كان الروح القدس يُمجَّد ويُسجد له بالتساوي مع الآب والابن في وحدانية الثالوث القدوس غير المنقسمة. وكان أيضًا قد استقر في فهم الكنيسة وخبرتها التي استلمتها، أن الروح القدس له نفس العمل الواحد غير المنقسم الذي للثالوث القدوس سواء في الخلق أو في التقديس.

وعلاوة على ذلك أوضح ق. باسيليوس أن خصوصية علاقة الروح القدس بالابن* هي مثل خصوصية علاقة الابن بالآب، وهكذا تكون هناك هيئة واحدة للاهوت تُرى في الآب والابن والروح القدس. ولذلك فبينما الثلاثة متمايزون أقنوميًّا، إلاّ أنهم في الوحدانية التي لا تنفصل التي لـ “أنا هو” الخاصة بالله في طبيعته البسيطة غير المركَّبة ولاهوته الواحد، وفي عمله الواحد تجاه العالم[129]. لذلك فالروح القدس ليس هو ذو طبيعة مخلوقة، وليس هو قوة غير أقنومية؛ بل هو “أقنوم حيّ”، هو الرب الذي يقدِّس الجميع. وهكذا نستطيع أن ندرك علاقته في جوهر اللاهوت (مع الآب والابن)، بينما يظل نمط وجوده (τρόποj Øπάρξεως) الأقنومي غير المدرك فوق القدرة على التعبير[130]“.

ومثل ق. أثناسيوس، أكَّد ق. باسيليوس على أن الروح القدس هو كيان أقنومي حقيقي في الله ـ وذلك من جهة وجوده في الثالوث غير المنقسم ـ وأن ما يعمله من أعمال إلهية إنما يعمله بأقنومه (بشخصه) الذاتي[131].

وفي رغبته ليكون أكثر تحديدًا، ميَّز ق. باسيليوس بين مصطلح ’أوسيا‘ (οÙσία) باعتباره يشير إلى جوهر الله الواحد، وبين مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (Øποστάσεις) باعتباره يشير إلى أقانيم الثالوث، وقد ساعد ذلك على تعميم استخدام صيغة ’جوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις)[132]. وبينما اُستخدم مصطلح ’أوسيا‘ (οÙσία) للإشارة إلى جوهر اللاهوت الواحـــــــد الذي للأقـــــــانيم الإلهية الثــــلاثة على السواء، فإن مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) كان يشير إلى الأقانيم في تمايزهم عن بعضهم البعض وفي علاقاتهم ببعضهم البعض وفقًا لأنماط كيانهم الخاصة في شركة الجوهر الواحد كآب وابن وروح قدس[133]. ولهـذا الغرض أضاف ق. باسيليوس للإشارة إلى ’الأقنوم‘ (Øπόστασις) مصطلح ’بروســـــوبون‘ (πρόσωπον) أي وجـــــه أو شخص ومصطلح ’أونومـا‘ (Óνομα) أي اسم[134]، وذلك من أجل التعبير بصورة أوضح عن نمط الوجود (τρόποj Øπάρξεως) الأقنومي الفريد الذي للآب والابن والروح القدس في جوهر اللاهوت الواحد[135].

ويبدو أن مفهوم نمط الوجود (τρόποu Øπάρξεως) الأقنومي الذي قدَّم به ق. باسيليوس تعليمــــه عن الأقـــــــانيم، كـــان يعتمد على مفهوم ق. أثناسيوس عن الأقنـــوم بكونــه ’نمــــط الألــوهة‘ (τρόποu Θεότητος) أي ’نمط الألوهة الكائن جوهريًّا في اللاهوت (الله)‘، وقد طبَّقه ق. باسيليوس على التمايزات الأقنومية في داخل الله ولكن بدون أن يتضمن ذلك أي شبهة تقسيم في وحدانية الجوهر[136]. وقد أيَّد هذه الإضافة التفسيرية التي قدمها ق. باسيليوس لتعليم ق. أثناسيوس ولاهوتي نيقية[137]، زملاؤه الآباء الكبادوكيون الآخرون وهم: ق. غريغوريوس أسقف نيصص وق. غريغوريوس النزينزي وأمفيلوخيوس[138]، مما كان له أكبر الأثر في زيادة وتعميق الفهم لطبيعة الـــــــروح القـــــــدس الإلهية والأقنـــــومية، ولنسمع مـــــا يقوله ق. غريغوريوس النيصي في هذا الصدد: “نحن نعتبر روح الله ملازمًا للكلمة ومُظهرًا لفعله، وليس كمجرد تأثير أو نفخة… لكنه في قدرته هذه، له وجود حقيقي بذاته وفي أقنومه (Øπόστασις) الخاص المميَّز الذي لا يمكن أن ينفصل عن الله (الآب) الذي هو فيه ولا عن الكلمة الذي هو ملازم له. والروح القدس ليس هو شيء عارض (أو اعتمادي)، بل هو كائن أقنوميًّا بحريته الذاتية في الاختيار والتحرك والعمل كما يشاء، وبقوته في تنفيذ كل غاية[139]“. كما أدرك ق. غريغوريوس النيصي أنه بسبب أن الروح القدس يأتينا ويعمل فينا من داخل شركة اللاهوت الواحد مع الآب والابن في الثالوث القدوس، فإننا نعرف أنه متعال وممجد في أقنومه الذاتي وفي قدرته على إعطاء الحياة[140].

 

الروح القدس في تعليم القديس إبيفانيوس

أما ق. إبيفانيوس، ففي كتابه ’المثبَّت بالمرساة‘ (Anchoratus) الذي صدر قبل صـدور كتاب ق. باسيليوس ’عن الروح القـدس‘ (De Spiritu Sancto)، وكذلك في كتابه ’خزانة الدواء‘ (Panarium haeresium) الذي صدر بعد ذلك بأربع سنوات، قدَّم نفس المفهوم عن طبيعة الروح القدس الأقنومية الكاملة وعمله الأقنومي. غير أن ق. إبيفانيوس كان له توجه عبري في كونه أرجع “أنا هو” الخاصة بالله الواحد إلى جوهره (οÙσία) (الواحد)، بينما أشـــــار إلى كل أقنوم بمصطلحات ’شخص‘ و’اسم‘ و’أقنوم‘[141]. وكان هذا الفكــــــر يعــد امتدادًا مباشرًا لتعليم ق. أثناسيوس الذي جاء في خطابه إلى كنيسة أنطاكية (Tomus ad Antiochenos). ولكن من الواضح أيضًا في نفس الوقت أن أفكار ق. إبيفانيوس وق. باسيليوس كانت مألوفة لدى بعضهما البعض[142].

وقد أكَّد ق. إبيفانيوس كذلك أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) النيقي ينطوي ضمنيًّا على وجود أقانيم متمايزة في الله، لأن أقنومًا واحدًا لا يمكن أن يكون له ذات الجوهر الواحد ’هوموأووسيوس‘ مع نفسه، وأصرَّ على أن كلاًّ من الأقانيم الثلاثة له وجود ثابت وجوهري وحقيقي وكامل داخل جوهر الله الواحد، وبالحقيقة فإن كيان الروح الكامل هو مثله مثل كيان الابن الكامل وكيان الآب الكامل، فكل أقنوم هو الله بالتمام والكمال[143]، ولذلك تَعبد الكنيسة وتمجِّد الروح القدس مع الله الآب والله الابن.

وفي ضوء هذا، يتضح أن صيغة ’جوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ كانت مقبولة تمامًا لدى ق. إبيفانيوس، على الرغم من أنه كان ينظر إلى ’الأوسيا‘ (οÙσία) بنفس طريقة مجمع نيقية* حيث إنه (أي مصطلح الأوسيا) كـــان يُفهم لــــديه بكونه يعبِّر عن الجوهر في علاقاته الداخلية (أي المتضمِّن العلاقات الداخلية للثالوث) وبكونه يشتمل على مـــــدلول أو معنى أقنـــــومي (أي شخصي)[144]. ولذا استطاع ق. إبيفـانيوس أن يتعامل ـ مثلما فعل ق. أثناسيوس ـ مع

المصطلحين ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) بمرونة كبيرة* في ضوء المعنى المقصود في كل موقف[145]. وقد ساهم ق. إبيفانيوس بالفعل في الوصول بعقيدة نيقية عن الروح القدس إلى صورتها الكاملة التي تؤكد تمامًا وبلا تردد على ألوهية الروح القدس، ولذا نراه يقول: “نحن ندعو الآب الله، والابن الله، والروح القدس الله … وعندما تنطق بالـ ’هوموأووسيوس‘ فإنك تعلن أن الابن هو إله من إله، وأن الروح القدس هو إله من نفس اللاهوت[146]“. فالروح القدس في أقنومه الذاتي المتمايز، هو إله تام وكامل، إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن. وفي فعله الخاص الفريد بكونه الروح القدس، فإنه يجعل الاشتراك في الثالوث ـ غير المنقسم ـ ممكنًا.

وكان لتعليم ق. إبيفانيوس عن الروح القدس بعض الملامح الخاصة المميَّزة:

  1. على خلاف الآباء الكبادوكيين، لم يتحدث ق. إبيفانيوس عن أقانيم الثالوث الآب والابن والروح القدس بكونها “أنماط للوجود” (τρόπος Øπάρξεως) في جوهر الله الواحد، ولكنه فضَّل أن يتحدث عنهم ككيان ’أقنومي‘ (شخصي) أساسي (™νυπόστατος) في داخل جوهر الله*، أي إن لهم كيانًا حقيقيًّا وشخصيًّا في الله وأنهم في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل فيما بينهم. وكان هذا الأسلوب أكثر تحديدًا وواقعية في الحديث عن حقيقة الأقانيم الإلهية المتمايزة في داخل جوهر الله الواحد[147]، ومن الملاحظ أن ق. كيرلس السكندري قد التقط نفس هذا الأسلوب ـ الذي يعود إلى ق. أثناسيوس ـ في تعليمه اللاهوتي.
  2. 2. كان فهم ق. إبيفانيوس للـ ’هوموأووسيوس‘ بأنه لا ينطبق على كل أقنوم فحسب، بل أيضًا على علاقات الثالوث الداخلية ككل*، مما كان له أكبر الأثر في تعميق إدراكه للتلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل الذي بين الآب والابن والروح القدس في علاقاتهم الأقنومية داخل الجوهر الواحد، حتى إنه استطاع أن يقول عن الروح القدس إنه في “وسط (™ν μέσù) الآب والابن” أو إنه هو “رباط الثالوث (σύνδεσμος τÁς Τριάδος)[148]“. إلاّ أن هذا التعليم لم يكن يتضمَّن أية إشارة إلى تبعية أو خضوع أي من الأقانيم للآخر، لأن كل ما للآب هو للابن وهو للروح القدس. وصدور الابن والروح القدس من الآب، ووجودهما مع الآب، هو بلا أي بداية وبلا أي زمن (¨νaρχως καί ¨χρoνως)؛ إذ لا يوجد ’قبل‘ أو ’بعد‘ فيما يتعلق بالله[149]. وكما قال ق. إبيفانيوس عن الـــــــروح القدس: “لم يـوجد هنـاك (وقت)، لم يكن فيه الروح (القدس) كائنًا (οÙδέ Ãν ποτέ Óτε οÙκ Ãν Πνεàμα)[150]#.
  3. الروح القدس كائن في، ويتدفق من، جوهر الثالوث القدوس الداخلي ومن حياته ونوره، حيث يشترك بصورة مطلقة وكاملة في المعرفة المتبادلة التي بين الآب والابن. ومن هذا المنطلق يحل الروح القدس في وسطنا (™ν μέσù)، منبثقًا من الآب وآخذًا من الابن، ومعلنًا الله لنا، ويجعلنا فيه نشارك في معرفة الله لذاته[151].
  4. 4. ومثله مثل ق. أثناسيوس، رفض ق. إبيفانيوس بشدة أي اتجاه أو تفكير فيه تجزيء لله، سواء فيما هو نحونا (أي فيما يخص عمل الله معنا) أو فيما هو في ذاته (أي فيما يخص عمل الأقانيم الواحد). ولذا اعتبر ق. إبيفانيوس أن إعطاء الله ذاته لنا في الروح القدس هو أمر موحد لا يمكن تجزئته؛ إذ إن المُعطي والعطية هما واحد. كما رأى أنه توجد أعمال متنوعة للروح القدس، ولكن في جميعها، يكون الثالوث هو الذي يعمل بشكل مباشر وخلاَّق، فهناك نعمة واحدة (›ν χάρισμα) فقط، وروح واحد (›ν Πνεàμα)، لأن الله ذاته في ملء كيانه الثالوثي يكون حاضرًا في جميع أعماله من خلق واستعلان وشفاء واستنارة وتقديس[152].

من كل هذا نرى أن ق. إبيفانيوس قدَّم تعليمه عن الروح القدس من منطلق فهمٍ شاملٍ للثالوث القدوس غير المنقسم ككل، وليس فقط من منطلق أن الرئاسة (في الثالوث) هي في الآب وحده (Μοναρχία). وأكَّد إبيفانيوس تأكيداً مشدداً على أن الله واحد مثلث الأقانيم بدون أن يكون في ذلك أي انتقاص من حقيقة وكمال الطبيعة الأقنومية المتمايزة لكل من الأقانيم الإلهية في علاقتهم ببعضهم البعض، ونراه يقول: “وفي إقرارنا بوحدة المبدأ (أو وحدة الرأس) (Μοναρχία) فإننا لا نضلّ، بل نعترف بالثالوث، وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة، لاهوت واحد للآب والابن والروح القدس[153]“، ويضيف أيضًا: “يوجد إله حقيقي واحد، ثالوث في وحدة، إله واحد الآب والابن والروح القدس[154]“.

ومن الجدير بالذكر أن صياغة ق. إبيفانيوس لعقيدة الروح القدس ـ انطلاقًا من هذا التعليم ـ كانت هي التي امتدت مباشرةً إلى مجمع القسطنطينية عام 381م وهي: “نؤمن بروح قدس واحد، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء[155]“.

 

الروح القدس في تعليم ديديموس الضرير

وعلى غرار تعليم ق. إبيفانيوس، طبَّق ديديموس السكندري مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ النيقي على الثالوث بأكمله[156]، وقد تبنى ديــــديموس كـــذلك صيغــــــة ’جـوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις)[157]. ومثله مثل ق. إبيفانيوس، استخدم ديديموس مرارًا في الحديث عن الأقانيم، مفهوم الكيان ’الأقنومي‘ الأساسي (™νυπόστατος) في داخل جوهر الله[158]، ولكنه استخدم أيضًا مثل آباء كبادوكية وخلاف ق. إبيفانيوس، تعبير ’نمط الوجود‘ (τρόπος Øπάρξεως) وذلك لوصف أنماط الوجود ’الأقنومي‘ المميِّزة للأقانيم الإلهية[159]. وبنفس إصرار القديسين أثناسيوس وإبيفانيوس، أكَّد ديديموس على الوحدانية في الجوهر والربوبية للآب والابن والروح القدس؛ إذ إن كل أقنوم هو الله بالتمام والكمال، وهذا بفضل الطبيعة غير المنقسمة التي لجوهر الله[160]، فالآب في ذاته له الطبيعة الإلهية بكاملها، وهذا صحيح أيضًا بالنسبة للابن وبالنسبة للروح القدس. لأن الآب ليس هو آبًا بعيدًا عن الابن، كما أن الابن ليس هو ابنًا بعيدًا عن الآب وهما بكونهما آبًا وابنًا ليسا كذلك بعيدًا عن الروح القدس، وأيضًا الروح القدس ليس هو روح قدس بعيدًا عن الآب والابن، لأنهم جميعًا وبغير انفصال متلازمون وفي تواجد (احتواء) متبادل في ذات جوهر الله الواحد. فاللاهوت في داخله ثالوثي، والثالوث في جوهره هو واحد ـ وِحدة في ثالوث وثالوث في وِحدة[161].

وقد حرص ديديموس في نفس الوقت، على دحض بدعة سابيليوس الذي علَّم بأن الله أقنوم واحد (unipersonalism)، ومثل الآباء الكبادوكيين وضع ديديموس دائمًا نصب عينيه، حقيقة وجود الأقانيم الثلاثة، وخصوصية وتميُّز كل منهم، وكذلك علاقاتهم (σχέσεις) الأقنومية المتبادلة مع بعضهم البعض داخل جوهر الله الواحد[162]. وقد طبَّق ديديموس مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ بكل أمانة حتى إنه تحدث عن الأقانيم (Øποστάσεις) الثلاثة بكونها متماثلة بالكامل ومتساوية تمامًا في السلطان والكرامة، ولهذا فالآب ليس أعظم من الابن، كما أنه يمكن أن يُذكر أي من الأقانيم الإلهية أولاً في الترتيب، كما ورد في الكتب المقدسة[163].

وفي مجمل كتاباته ركَّز ديديموس بشكل أساسي على الروح القدس، وكان هذا متفقًا مع تقواه الإنجيلية وحياته الروحية العميقة التي تغذت على ’التقليد السري (mystical tradition)‘ للأسفار المقدسة في العهدين القديم والجديد، والذي يتحدث فيها الروح القدس شخصيًّا إلى الكنيسة على الدوام[164]. وكان ديديموس ينظر إلى الروح القدس بكونه القدوس في ذاته، والمصدر المطلق والحقيقي لكل قداسة، وهكذا فهو يأتي ويسكن فينا في حين هو كائن في الله على الدوام، وهو حاضر في كل الأعمال الإلهية في الخلق والإعلان والفداء والتبرير والتقديس وذلك ليس بصورة جزئية بل بكامل لاهوته. كما رأى ديديموس أن الروح القدس كائن بشخصه (بأقنومه) في كل عطايا الله، وحاضر حضورًا مباشرًا بكيانه الذاتي، حتى أن فيه يكون الله المُعطي والعطية هما واحد تمامًا[165]. وهذا المفهوم الأقنومي للروح القدس عند ديديموس كان يتعلق بعقيدته عن الروح القدس بكونه يصدر ـ بلا زمن وبلا بداية ـ من أقنوم الآب، وقد تحدث ديديموس أيضًا عن صدوره (إرساله) من أقنوم الابن[166]، ولكن هذا بالنسبة لديديموس كان يعني أن سكنى الروح القدس فينا، وعلاقة البنوة للآب التي ننالها من خلال الابن، كلاهما مرتبطان ومتصلان ببعضهما بلا انفصال*[167].

 

الروح القدس في تعليم القديس كيرلس الأورشليمي

وإذا انتقلنا إلى ق. كيرلس الأورشليمي، سنجد أنه في تواصل مع تعليم نيقية ـ وداخل إطار الفكر الكتابي ـ سعى لتقديم عقيدة الكنيسة عن الروح القدس لطالبي المعمودية. وقد رأى أنه بما أن الكتاب المقدس بعهديه مُوحى به من الروح القدس، فينبغي لنا أن نتمسك بما يقوله الكتاب عن الروح القدس حتى نستطيع أن نتكلَّم عنه بشكل صحيح يليق به[168] وبالحقيقة نحن فقط من خلال الروح القدس نفسه نستطيع أن نتحدث عنه بحكمة. ومن هنا رفض ق. كيرلس أن يقول أي شيء عن الروح القدس سوى ما قيل عنه في الكتب المقدسة. ويعلل ذلك بقوله: “إن الروح القدس نفسه هو الناطق في الكتب المقدسة، كما أنه تحدَّث عن نفسه بالقدر الذي يريده، أو على قدر ما نستطيع أن نقبل. فلنتحدث إذن عن الأشياء التي قالها هو نفسه، لأن كل ما لم يقله لا نجرؤ نحن أن نقوله[169]“. ويضيف ق. كيرلس قائلاً، إن الرب يسوع نفسه قال لنا، إنه يوجد إله واحد: الآب والابن والروح القدس، ونحن “يكفينا أن نعرف هذا، فلا تبحثوا بطريقة تخمينية في طبيعته أو جوهره، لأنه لو كان قد كُتب شيء في هذا الشأن لكان يمكننا أن نتحدث عنه. فلا ندع أنفسنا نتجاسر في أن نذهب إلى أبعد مما هو مكتوب، ويكفي لخلاصنا أن نعرف أنه يوجد آب وابن وروح قدس[170]“. وقد يفسِّر لنا هذا التوجه سبب عزوف ق. كيرلس ـ بخلاف الآباء الآخرين المعاصرين له ـ عن التحدث بوضوح عن كل من الروح القدس أو الابن بأنه ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)[171]، وذلك بالرغم من أنه كان يؤكد بصورة قاطعة أن كلاًّ من الروح القدس والابن هما بلا انفصال، واحد في ذات الجوهر والقدرة مع الآب. وكان ق. كيرلس يرفض تمامًا بدعة سابليوس التي تنادي بأن الله أقنوم واحد، أو بدعة القائلين بأن الله ثلاثة آلهة ـ تلك البدع التي خلطت بين الثلاثة أقانيم أو التي فصلت بين بعضهم البعض[172].

وبرغم هذه القيود التي وضعها ق. كيرلس، إلاّ أنه شعر أنه يجب عليه أن يؤكد ويجزم بأن الروح القدس ليس قوة كونية غير أقنومية ـ مثل ’الروح (πνεàμα)‘ التي كان يتكلم عنها الرواقيِّون ـ بل هو أقنوم (شخص) حقيقي، حيّ، فاعل، عاقل، ناطق، وكائن جوهريًّا في اللاهوت غير المنقسم الذي للثالوث[173]. وقد صاغ ق. كيرلس العبارة تلو الأخرى، ليوضح حقيقة أن الروح القدس على الرغم من كونه قوة الله الفائقة وغير المفحوصة، إلاّ أنه ـ وبصورة أساسية وكاملة ـ أقنوم حقيقي في نمط وجوده الإلهي[174]. ويقول ق. كيرلس عن الروح القدس: “وهو مع الآب والابن ممجد بمجد اللاهوت… لأنه يوجد إله واحد، (الآب) أبو المسيح؛ ورب واحد يسوع المسيح، الابن الوحيد المولود من الله الوحيد؛ وروح قدس واحد*، الذي يقدس ويؤله الكل[175]“. ويضيف ق. كيرلس قائلاً: “الآب يهب كل الأشياء بالابن، وعطايا الآب ليست إلاّ هي بعينها عطايا الابن وعطايا الروح القدس، لأنه يوجد خلاص واحد وسلطان واحد وإيمان واحد؛ إله واحد الآب، ورب واحد ابنه الوحيد، وروح قدس واحد البراكليت[176]“. وهذا الروح حيّ وفعَّال، وهو أقنوم حقيقي كائن جوهريًّا في الله، ومساوٍ في الكرامة للآب والابن، وحاضر معهما على الدوام. وهو بهذا ليس فقط كيانًا حيًّا وعاقلاً بذاته، بل هو مصدر الخلق والتقديس لكل الأشياء التي صنعها الله بالمسيح. إذن فالقديس كيرلس رأى أن الروح القدس هو مصدر الروحانية والاستنارة والعقلانية، ولذلك فهو الذي تدين له كل الطبائع الروحية والعاقلة الأخرى (بعقلانيتها وروحانيتها)[177].

وهنا ـ كما في كل تعليم الآباء الذين كتبوا باليونانية خلال القرن الرابع ـ كان الإيمان بأن حضور الله المباشر، لا يعني أن الله يطغى على (أو يكتسح) الكائنات المخلوقة، ولكنه يعني بالحقيقة أنه يبقيها ويحفظها. وهذا أيضًا صحيح ـ كما أشار ق. باسيليوس وديديموس ـ حتى بالنسبة للمذنبين الذين يقعون تحت حكم الله[178]. وكان تعليم ق. كيرلس الأورشليمي عن الروح القدس في هذا الصدد واضحًا أشد الوضوح؛ إذ تحدث عن حضور الله الذي يعطي الحياة للعالم، بأنه هو نعمة الروح القدس، التي هي مثل الأمطار، لا تتغير عندما تهبط إلى أسفل ولكنها تتكيف مع طبيعة كل مَن يستقبلها. وبينما الروح القدس هو واحد في طبيعته الخاصة، وغير منقسم في ذاته، إلاّ أنه يقسِّم لكل واحد نعمته، وحسب مشيئة الله وباسم المسيح يعمل عجائب كثيرة[179].

ولذا ينبغي علينا، أن ننظر إلى الروح القدس بكونه حضور الله: الخالق والفعّال والمنير، الذي يتفاعل مع مخلوقاته من البشر بالشكل الذي يُبقي على علاقتهم به كمصدر لحياتهم الروحية والشخصية والعقلانية. ويعبِّر ق. كيرلس الأورشليمي عن حضور الروح القدس المميَّز فينا بأنه في حين يأتي (الروح) إلينا ويعمل فينا بقوة الله غير المحدودة، إلاّ أنه لا يعصف بنا بجبروت وعنف، حيث إن حلوله يكون بشكل مختلف تمامًا. ويقول ق. كيرلس: “هو يحل برقة، ونحن نشعر به كالعطر، وحمله خفيف للغاية، وفي حلوله تشع خفقات من نور. هو يأتي بحنو الوصيّ الحقيقي، لأنه يأتي ليخلِّص ويشفي، ليعلِّم ويوبِّخ ويقوي وينصح وينير العقل[180]“. وهذا الربط بين الروح القدس والنور كان شائعًا تمامًا عند آباء القرن الرابع، الذين كثيرًا ما كانوا يشيرون (في شرحهم) إلى النور المخلوق وسلوكه، حتى ما يتمكن الناس (من خلال هذا المثل) من إدراك شيء عن الطريقة الصامتة غير المحسوسة التي يعمل بها الله في خليقته[181]. إذن، فالروح القدس والكلمة الذي صار جسدًا يمكن وصفهما بأنهما “النور المعطي الحياة[182]“، فكما أن في يسوع المسيح “كانت الحياة” التي هي نور للناس، فهكذا أيضًا الروح القدس يعمل بهذا النوع من القوة الهادئة والفائقة السمو. وإذا كان (الله) ضابط الكل هو وحده القادر أن يكون لطيفًا للغاية، فالروح القدس يمكن وصفه بأنه هو لطف الله الآب ضابط الكل.

 

عمل الروح القدس في تكميل وتقديس الكائنات العاقلة      

ويمكننا ربط هذا الفهم الكيرلسي لصفات الروح القدس المميَّزة، بتعليم ق. باسيليوس عن الطريقة التي بها “يتمم الروح القدس كمال الكائنات العاقلة، ويكمِّل امتيازها[183]“. فبما أن الروح القدس لا ينفصل قط في الجوهر أو القدرة عن الآب والابن، فهو متحد بهما في كونهم مصدر (πηγή) وعلَّة (α„τία) كل الأشياء في خلقتها الأولى، غير أن ق. باسيليوس ميَّز بين عمل الآب بكونه ’العلَّة الأصلية أو المصدرية‘ (τήν προκαταρκτικήν α„τίαν) لكل المخلوقات، وبين عمل الابن بكونه ’العلَّة الفعَّالة أو العـاملة‘     (τήν δημιουργικήν α„τίαν)، وبين عمل الروح القدس بكونه ’العلَّة المحقِّقة للكمال‘ (τήν τελειωτικήν α„τίαν)[184]. ويقول ق. باسيليوس: “إن المبدأ الأول لكل الموجودات هو واحد، (الآب)، وهو يخلقها بالابن، ويكمِّلها (أي يُتمم كمالها) بالروح[185]“. وقد نظر ق. باسيليوس إلى عمل الروح القدس على أنه حضور الله مع مخلوقاته في العالم ـ بكامل حريته السيادية ـ ليحقق ويكمِّل قصده (من خلقتهم) في أن يكون البشر في علاقة دائمة ومستقرة مع قداسة الله وربوبيته[186]. واختار ق. باسيليوس أن يستخدم في هذا الصدد كلمتي (τελειοàν)، (τελειωτικός) والتي تحمل المعنى المزدوج للتكميل (أو الكمال) والتقديس معًا[187]. وكانت هذه الكلمات مناسبة جدًّا للتعبير عن إرادة الله في حضوره في البشر من أجل أن يثمر قصده الإلهي من جهة علاقتهم به. ومن خلال حضوره الفائق الوصف في الروح القدس، فإن الله على الدوام يسند مخلوقاته في وجودهم وبقائهم، وبفضل حضوره في داخلهم يحقِّق علاقتهم مع نفسه وبالتالي يصبح هو أساس حياتهم ومصدر استنارتهم. وعلاوة على ذلك، فإن الروح القدس بحضوره يكون هو ’المكان‘ (τόπος) الذي يلتقي فيه الناس مع الله، ويُعطَون إمكانية الشركة معه وقبول إعلانه والدخول في عبادته[188].

واستطاع ق. غريغوريوس النزينزي، صديق ق. باسيليوس، أن يعبِّر عن العلاقة التي يقيمها الله معنا من خلال روحه القدوس بقوله: إن الله، يُدخلنا بنفسه في علاقة مع نفسه[189]. إذن، ففي عملية رفع البشر من أسفل، والعمل داخلهم، والوصول بهم إلى هدفهم الحقيقي في الله، فإن الروح القدس يجعلهم يشاركون في حياة وقداسة الله ذاته، لأن “بلوغهم الكمال” (τελείωσις) هو هو “تقديسهم” (τελείωσις)[190].

وإذا تتبعنا هذا النضوج في فهم عقيدة الروح القدس كما ظهرت في تعليم آباء مثل ق. باسيليوس وق. كيرلس الأورشليمي، فلا يجب أن نغفل المنظور الخريستولوجي العميق الذي ظهر قبلاً عند ق. أثناسيوس، والذي أوضح فيه أنه في ضوء علاقة التلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل التي بين الروح القدس والابن المتجسد نستطيع أن ندرك بالحقيقة عمل الروح في البشر، حيث إنه يقدسهم من خلال علاقتهم مع الله (حيث يأخذ من الابن ويعطيهم). ومن هنا ندرك أن “العلَّة المحقِّقة للكمال” ينبغي أن تُفهم مقترنة بتجسد “علَّة الله الفعَّالة أو العاملة” الذي هو يسوع المسيح.

 

شفاء وتجديد وتكميل وجودنا ’الشخصي‘

لقد صار الابن الأزلي إنسانًا دون أي انتقاص للطبيعة الإنسانية (التي أخذها في تجسده)، بل على العكس كان لها وجود كامل وحقيقي. وهذا يعني في لغة ق. إبيفانيوس وق. كيرلس الأورشليمي أن طبيعة المسيح البشرية قد تشخصَنت أو أُعطيت حقيقة أقنومية في اتحادها بأقنوم ابن الله المتأنس، وقد حدث هذا في يسوع المسيح بطريقة فريدة للغاية. وبالنسبة لنا، فمع أننا كلنا أشخاص في كياننا المخلوق، إلاّ أننا بفضل عمل كلمة الله وروح الله، صار لنا وجود متأقنم* حقيقي في علاقتنا بالله، وفي علاقة كل منا بالآخر. فنحن أشخاص، ولكن ليس بشكل مستقل أو مطلق (أي إن هذا ليس أمرًا نابعًا من ذواتنا)، وإنما بصورة اعتمادية وعرضية، وهذا يعني أننا أشخاص ليس بذواتنا ولكن بآخر أي ’أشخاص مُشَخصَنين‘ والذي يعني باللاتينية (persona personata). ولكن الله هو وحده الشخص الحقيقي في ذاته، وبكونه هو الكمال المطلق للوجود ’الشخصي‘ (الأقنومي)، فإن الله هو المصدر (πηγή) والمُسبب (α‡τιος) لكل واقع ’شخصي‘ آخر، لأنه وحده هو ’الشخص المُشخصِن‘ (persona personans). وبالتحديد من منطلق هذا العمل المُشخصِن، فإن ابن الله “نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس”. ولم تحل ألوهية الابن محل الطبيعة البشرية أو تطغى عليها ـ وينطبق هذا أيضًا بالنسبة للعقل البشري والروح البشرية (في المسيح) ـ وإنما ما حدث كان هو العكس تمامًا، ولذلك ينبغي علينا أن نقول إنه لا يوجد إنسان له مثل كمال الطبيعة البشرية المتأقنمة التي للمسيح. ومن هذه الزاوية يتعين علينا بالحقيقة أن ننظر إلى عمل الله في الخلاص والتجديد بالمسيح وفي الروح القدس كما أعلنه لنا الإنجيل، فبدلاً من أن يكتسح طبيعتنا البشرية أو يدمر وجودنا الشخصي، كان حلول الله فينا بالمسيح يسوع وفي الروح القدس هو ما أدى إلى شفاء وتجديد واستعادة وجودنا البشري الشخصي[191]*. وهذا العمل المُشخصِن الذي للروح القدس لا يجب فهمه بمعزلٍ عن فعله التقديسي في المعمودية (والمرتبط باسمه الخاص). وحيث إن روح الله يُدعى “الروح القدس” إعلانًا لهويته الشخصية المميَّزة، فلذلك فإنه في المعمودية المقدسة، يختمنا الروح باسم الله ليتبنانا أبناءً له، ومن خلال حضوره السري فينا كروح الابن وروح الآب فإنه يعطينا أن نصرخ “يا أبا الآب”[192]، وهذا ما يعنيه أن نكون “في المسيح” و “في الروح” في وقت واحد، لأنه بالمسيح وفي الروح القدس نكون باليقين في شركة شخصية مع الله الحي المثلث الأقانيم[193].

 

3ـ انبثاق الروح القدس

 

دور القديس أثناسيوس في وضع أساس عقيدة الروح القدس

كان ق. أثناسيوس، هو الذي وضع الأساس الثابت لعقيدة الروح القدس؛ إذ أوضح أن معرفتنا للروح، في علاقته داخل الثالوث وفي طبيعته الذاتية الإلهية كروح الله، يجب أن تأتي من معرفتنا للابن. كما أنه استخدم مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) في الحديث عن الروح القدس بالضبط كما استخدمه من قبل في الحديث عن الابن[194].

ويقول ق. اثناسيوس عن الروح القدس:

-“الـــــــــــــــروح القــــــــــــــــــــــدس ينبثـــــــــــــــــــــــــــــــــــق مــــن الآب (παρά τοà Πατρός ™κπορεύεται)؛ وإذ هو خـــاص* بـالابن (καί τοà Υι̉οà ‡διον Ôν) فإنه يُعطى منه (أي يُرسل من الابن) (παρ’ αÙτοà δίδοται) للتلاميذ ولكل الذين يؤمنون به[195]“.

-“الـــــروح القـدس ينبثق من الآب، ويأخــــــذ# منه (مـــــن الابن) (καί ™κ τοà αÙτοà λαμβάνει) ويعطي[196]“.

-“الروح القدس يأخذ من الابن (™κ τοà Υ…οà λαμβάνει)[197]“.

-“فــإن كــــان الابـن هو من (™κ) الآب وخـــــاص بجـــــــوهره  (‡διος τÁς οÙσίας αÙτοà)، فإن الروح القدس الذي هو من (™κ) الله (الآب) لا بد أيضًا أن يكون خاصًّا بجوهر الابن من جهة كيانه* (‡διον ε‡ναι κατ’ οÙσίαν τοà Υ…οà)[198]“.

-“ولأن الروح واحد، بل ولأنه خاص بالكلمة الذي هو واحد، فهو خاص بالله الذي هو واحد وله ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιον) معه … وفي الطبيعة والجوهر، (هو مختلف عن المخلوقات ولا يوجد شيء خاص أو مشترك بينه وبينها) ولكنه هو (أي الروح) خاص بلاهوت الابن وجوهره وليس غريبًا عنه، وكذلك بالنسبة للثالوث القدوس[199].”

وكان ق. أثناسيوس قد وضع أساس عقيدة الروح القدس وعلاقته الكيانية مع الآب والابن، في أثناء جداله مع الأريوسيين[200]، وأوضح أن الابن ليس مختلفًا في الجوهر (˜τερούσιος) عن الله (الآب)، ولا غريبًا (¢λλότριος) عن طبيعته، بل له ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιος) والطبيعة الواحدة (Ðμοφυής) معه. وبالمثل أيضًا لا بد أن ننظر إلى الروح القدس بكونه له ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιος) مع الله (الآب)، ولا يمكن فصله عن الابن، لأن الثالوث القدوس غير قابل للانقسام وذو طبيعته واحدة (Ðμοφυής)[201]. وبينما تردد ق. باسيليوس وق. كيرلس الأورشليمي في استخدام مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ في تعليمه عن الروح القدس، نجد ق. غريغوريوس النزينزي غير متردد بالمرة ـ مقتفيًا في ذلك أثر ق. أثناسيوس ـ في أن يقول: “هل الروح القدس هو الله؟ بكل يقين. إذن هل هو ’هوموأووسيوس‘(Ðμοούσιος)؟ نعم، طالما هو الله[202]“. وعندما اجتمع مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιος) مع مفهوم أن الأقانيم ’كيان شخصي أساسي في داخل جوهر الله‘ (™νυπόστατος) ـ مثلما ظهر بقوة عند ق. إبيفانيوس ـ صار الطريق مفتوحًا لفهم أعمق للثالوث، ولعقيدة انبثاق الروح القدس من جوهر الآب في توازٍ مع ما قد تم بالنسبة لعقيدة الابن التي أقرَّها مجمع نيقية.

 

’ما هو‘ الله الآب نحونا بابنه في الروح القدس، هو نفس ’ما هو‘ الله أزليًّا في ذاته

وفي تطبيق الـ ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) على علاقة الابن المتجسد بالله الآب، عبَّر آباء نيقية بدقة عن إيمانهم، بأن ’ما هو‘ الله نحونا ـ في إعلانه وعمله الخلاصي بيسوع المسيح ـ هو نفس ’ما هو‘ الله أزليًّا في ذاته. ولذا أكَّد الآباء أيضًا أن المسيح هو “من جوهر الآب (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”. وكان هذا الفكر ينطوي على تحركٍ في اتجاهين معًا وهو أن: ’ما هو‘ الله نحونا (بابنه المتجسد) هو نفس ’ما هو‘ الله في ذاته، و’ما هو‘ الله في ذاته هو نفس ’ما هو‘ الله نحونا. فالآب والابن يتواجد كل منهما في الآخر (ويحتوي كل منهما الآخر) في جوهر الله الواحد، وكما عبَّر عن ذلك ق. إبيفانيوس وديديموس فإن كلاًّ منهما يتواجد ’أقنوميًّا‘ في الآخر، أي إنه فيما يتعلق بحقيقتيهما الأقنومية المتمايزة فإن كلاًّ منهما هو ’الله بالكامل‘ (Óλος Θεός). وقد اتضح لنا ـ كما رأينا ـ أن عقيدة نيقية في الروح القدس، كما هي بالنسبة للآب والابن،  كانت تنطوي على نفس الفكر ’الثنائي الاتجاه ‘، وذلك بفضل علاقة التلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل بين الروح القدس وكل من الآب والابن. وكان إيمان الكنيسة بالنسبة للروح القدس ـ كما ظهر في كل خبرتها وتسبيحها ـ هو أن أعمال الروح المميَّزة: في النطق على لسان أولاد الله (في الكتب المقدسة)، وفي الخلاص، والاستنارة، والتقديس، والتحرير، يُنظر إليها بكونها أعمالاً إلهية؛ لأنه في الروح القدس يكون كياننا البشري تحت التأثير المباشر لكيان الله الخالق والضابط الكل ومصدر كل وجود. ومن هنا كان الاعتراف بأن الروح القدس، في طبيعته وكيانه الذاتي، يعمل فينا كل أعماله الإلهية بما يهبنا من بركة ونعمة*، لأن الروح ـ وكما هو الحال بالنسبة للابن ـ ينتمي إلى ويتدفق من الجوهر الداخلي للاهوت. ولذا يقول ق. إبيفانيوس: “عندما تنطق بالـ ’هوموأووسيوس‘، فإنك تؤكد بأن الابن إله من إله، وأن الروح القدس أيضًا هو إله من نفس اللاهوت[203]“.

وهنا أيضًا نجد تحركًا في اتجاهين معًا وهو أن: ’ما هو‘ الروح القدس نحونا هو نفس ’ما هو‘ الروح في ذاته، و ’ما هو‘ الروح القدس في ذاته هو نفس ’ما هو‘ الروح نحونا. فالروح القدس هو مع الآب والابن على الدوام، في علاقة تواجد (احتواء) متبادل معهما في جوهر الله الواحد، ولكن علاقة التواجد ’الأقنومي‘ المتبادل هذه تكون بحيث إنه، في جوهر الله الواحد، الروح القدس يكون دائمًا هو روح قدس، كما أن الآب هو دائماً آب، والابن هو دائمًا ابن، وكل من الأقانيم الثلاثة هو بالحقيقة “الله بالتمام والكمال” كما كان ق. إبيفانيوس يحب أن يقول[204]. أي إن الروح القدس ينتمي إلى الجوهر الداخلي الذي لله الواحد، كما ينتمي إلى العلاقات الداخلية التي للاهوت كآب وابن وروح قدس. فالروح القدس ليس إضافة بالنسبة للثالوث، لأن الله الآب لا يكون الآب ولا الله الابن يكون الابن بدون الله الروح القدس. ولذلك هناك عمل إلهي واحد: الذي هو من الآب بالابن في الروح القدس، لأن كل ما هو للآب وللابن هو أيضًا للروح القدس ما عدا كونهما ’آبًا‘ و’ابنًا‘[205].

ومن هنا استطاع ق. غريغوريوس النزينزي أن يتحدث عن الروح القدس أنه في وسط الآب والابن[206]، كما استطاع ق. باسيليوس أن يتحدث عن الشركة (κοινωνία) التي للروح مع الآب والابن (في الطبيعة والجوهر)، وأن يجد في تلك الشركة (κοινωνία) وحدانية اللاهوت[207]. وبالمثل فإن ق. إبيفانيوس قد تحدث عن الروح القدس بأنه “في وسط الآب والابن”، بل واستطاع حتى أن يقول عنه إنه “رباط الثالوث[208]“. غير أن أغسطينوس قد تمادى في هذا المفهوم عن الروح القدس لدرجة إنه قال عن الروح إنه (سبب) “شركة الآب والابن في ذات الجوهر الواحد”*، وأنه هو “الحب المتبادل الذي به يحب الآب والابن كل منهما الآخر[209]“. وكان النمو الذي حققه الفكر اللاهوتي النيقي قد أدرك أن علاقات التلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل بين الآب والابن والروح القدس والتي أُعلنت في أعمال الله الخلاصية بالمسيح وفي الروح القدس، ليست مجرد مظاهر وقتية لطبيعة الله بل هي ثابتة وأزلية في داخل الجوهر الواحد للثالوث[210]. ويقول ق. إبيفانيوس: “إن الله واحد، الآب في الابن والابن في الآب مع الروح القدس،… آب أقنوم حقيقي، وابن أقنوم حقيقي، وروح قدس أقنوم حقيقي، ثلاثة أشخاص (أقانيم) ولاهوت واحد، جوهر واحد، مجد واحد وإله واحد. وعندما تفكر في الله (الواحد) فأنت تفكر في الثالوث، ولكن دون أن تخلط في ذهنك بين الآب والابن والروح القدس. لأن الآب هو الآب، والابن هو الابن، والروح القدس هو الروح القدس، ولكن دون أن يكون في (هذا) الثالوث أي انحراف عن الوحدانية والتطابق[211]“.

وفي ضوء نضوج عقيدة الثالوث هذه، والتي تجمع بين مفهوم الجوهر الإلهي الواحد ومفهوم الوحدة الداخلية التي للأقانيم الإلهية الثلاثة، فإننا نستطيع أن نتطرق بشكل أفضل إلى موضوع انبثاق الروح القدس.

 

انبثاق الروح القدس في تعليم القديس أثناسيوس

يخبرنا ق. أثناسيوس أنه في سياق الحوار حول الثالوث والوحدانية، أثار ديونيسيوس السكندري موضوع انبثاق الروح القدس، وذلك قبل مجمع نيقية بوقت طويل. ففي دفاعه عن مفهوم ’وحدة المبدأ (الرأس)‘ (Μοναρχία) ضد بدعة القول بأن الله ثلاثة آلهة (tritheism) أو البدعة القائلة بأن الله أقنوم واحد (unipersonalism)، أصَّر ديونيسيوس على أن يأخذ الروح القدس في الاعتبار من ناحية “مِن أين، وممن ينبثق”، وقد أشار إلى الشركة (κοινωνία) التي بين الآب والابن، وقال: “(الآب والابن) الذيّن في يديهما الروح القدس، الذي لا يمكن أن ينفصل عن ذاك الذي يرسله أو عن ذاك الذي ينقله[212]“.

وكان هذا هو الموقف الذي تبنَّاه ق. أثناسيوس نفسه، حيث قال: “الروح القدس الذي ينبثق من الآب، هو دائمًا في يديّ (لدى) الآب الذي يرسله والابن الذي يعطيه[213]“. إلاّ أن هذا الفكر اكتسب قوةً وثباتًا عند ق. أثناسيوس بفضل عقيدته عن علاقة التلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل بين الأقانيم الإلهية الثلاثة، حيث نجده يقول: “الروح (القدس) ليس خارج الكلمة، بل إذ هو في الكلمة فهو في الله بالكلمة[214]*. وبما أننا نأخذ معرفة الروح القدس الحقيقية ـ بحسب تعليم ق. أثناسيوس ـ من معرفة الابن، على أساس وجود الروح في الابن وفي الله، فإن عطية الروح القدس لا بد أن تأتينا “بالمسيح ومن المسيح” علاوة على أنه “من الآب”، لأن الروح القدس مثل الابن هو “في الله” و “من الله[215]“.

إذن فبالنسبة للقديس أثناسيوس، كان انبثاق الروح القدس من الآب مرتبط ارتباطًا وثيقًا “بولادة الابن من الآب والذي يفوق ويسمو فوق أفكار الناس[216]“. وحيث إنه لا يكون من التقوى أن نسأل عن كيفية انبثاق الروح القدس من الله، فقد رفض ق. أثناسيوس أن يتناول مثل هذا السؤال. وهكذا لم تكن مشكلة ما يُسمّى “بالانبثاق المزدوج” للروح القدس، واردة من الأصل عند ق. أثناسيوس[217]، بل كان كل تركيزه ينصب على فهم أن الروح القدس هو “من جوهر الله” و”من الله” وذلك في ضوء مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ وفي ضوء تفسير نيقية بأن “من الآب” تعني “من جوهر الآب” (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός). وبالتالي كان تطبيق ق. أثناسيوس لمفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ على الروح القدس، له أثره ليس فقط في التأكيد على أن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد مع الآب، ولكن أيضًا في كون انبثاق الروح هو من جوهر الآب وليس من أقنوم (Øπόστασις) الآب[218]. وبالنسبة للقديس أثناسيوس، كانت حقيقة أن الابن والروح القدس كلاهما من جوهر الله الآب، إنما تعني أن الله له فعل ونشاط واحد وهو الذي يظهر في الأعمال المتمايزة للأقانيم الإلهية الثلاثة، ودائمًا ما يأخذ شكل تحرك واحد “من الآب، بالابن في الروح القدس[219]“.

 

تعليم الآباء الكبادوكيين عن الثالوث وانبثاق الروح القدس

واستلم آباء كبادوكية هذا الإيمان بالثالوث من ق. أثناسيوس، ولكنهم كما رأينا دعوا إلى تمييز واضح بين الجوهر (οÙσία) وبين الأقنوم (Øπόστασις) لكي يتمكنوا من تسليط الضوء على أقانيم (أشخاص) الآب والابن والروح القدس في أنماط وجودهم المختلفة وخصوصياتهم المميَّزة. فعلاقة الابن الخاصة بالآب الذي هو مولود منه بالتحديد كابن، تختلف تمامًا عن علاقة الروح القدس الخاصة بالآب الذي هو منبثق منه بالتحديد كروح مثل نفخة من الفم[220]. وكان هذا التمييز الواضح بين ’الأبوة‘ و’البنوة‘ و’الانبثاق‘ له أثره في تحويل التركيز (في الشرح والتعليم) إلى الأقانيم (Øποστάσεις) الإلهية الثلاثة، مع الاحتفاظ بكونهم ـ بفضل طبيعتهم الإلهية المشتركة ـ لهم جوهر إلهي واحد (μία οÙσία)[221]. إذن، شركة الطبيعة الواحدة لا يمزقها تمايز الأقانيم، كما أن خصوصية وتمايز الأقانيم لا يربكها شركة الجوهر الواحد[222]. والابن يصدر من الآب بطريقة تتناسب مع الابن كابن ’بالولادة‘، والروح القدس يصدر من الآب بطريقة تتناسب مع الروح كروح ’بالانبثاق‘، وكل من ولادة الابن وانبثاق الروح أمر لا يُنطق به[223].

       ومما يُذكر أن آباء كبادوكية عندما تحدثوا عن صيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) كان ذلك على أساس فهمهم بأن علاقة الجوهر (οÙσία) بالأقنوم (Øπόστασις) هي مثل علاقة ’العمومي‘ (أو المشترك) بالخصوصي (أو المميَّز)، وقد لجأوا في شرح الوحدانية والتثليث في الله إلى الاستعانة بتشبيه بدا خطيرًا وهو ’ثلاثة أشخاص مختلفين، لهم طبيعة واحدة مشتركة‘، مما جعلهم موضع شك (ممن حولهم) في ميلهم بنوع ما إلى البدعة التي تنادي بثلاثة آلهة لهم طبيعة مشتركة (tritheism). وقد أنكر الآباء الكبادوكيون هذا الاتهام ورفضوه بشدة، كما يتضح لنا ذلك في كتاب ق. غريغوريوس النيصي: ’في أنه لا يوجد ثلاثة آلهة‘[224].

وقد سعى هؤلاء الآباء إلى الحفاظ على وحدانية الله من خلال التأكيد على أن الله الآب ـ الذي هو غير مولود وغير معلول ـ هو الرأس الواحد أو مبدأ (¢ρχή) وعلة (α„τία) الابن والروح القدس، على الـــــرغم من أن هذا المفهوم لا يعني أنه هناك أي فاصل في الوجود أو الزمان أو المكان بينهم، وبدون أن يكون هناك “قبل” أو “بعد” في ترتيب وجودهم. وقد تضمَّن هذا التعليم مفهومًا ’سببيًّا‘ خاصًّا، كان له تأثيره ونتائجه المباشرة[225]. وهـذه النظرة إلى الآب باعتبـاره المبدأ الموحِّـد في اللاهـــوت كان قد قدمها بقوة ق. غريغوريوس النيصي حتى إنه استطاع أن يقول عن الابن والروح إنهما ’معلـولان‘ (α„τιατοί) بواسطة الآب، وذلك ليــس من جهة طبيعتهما ولكـن مـن جهـة نمــط وجودهما. وفي نفـس الوقت اعتقـد ق. غريغوريوس أن كيان الروح القدس متأسس في كيان الآب من خلال كيان الابن[226].

وهنا تظهر مشكلة من شقين، نستطيع أن نلاحظها بوضوح في كلام ق. غريغوريوس النيصي عن انبثاق الروح القدس؛ إذ يقول: “إن الروح القدس الذي هو مصدر كل الأشياء الصالحة في الخليقة، مرتبط (متصل) بالابن، ولا يُدرَك إلاّ متصلاً به. أما كيانه فيعتمد فيه على الآب كعلةٍ له، ومنه أيضًا هو ينبثق. ومن العلامات المميّزة لطبيعته الأقنومية أنه يُعرف بعد الابن ومعه، وأنه كذلك يستمد كيانه من الآب[227]“. ففي الشق الأول من المشكلة، نجد أنه في رفض آبـــــاء كبـادوكـية للاتهــام بـأنهـم في تمييزهـم بـين الأقــانيـم الثلاثـة ـ بأنماط الوجود المتمايزة ـ أشاروا ضمنيًّا بوجود ثلاثة “مبادئ” (¢ρχαί) إلهية، وكذلك في محاولتهم الحفاظ على وحدة (›νωσις) اللاهوت بإرجاع الثلاثة أقانيم إلى ’مبدأ‘ (رأس) (¢ρχή) واحد أو ’علة‘(α„τία) واحدة في الآب، فإنهم قد فعلوا هذا على حساب تفرقة خاطئة ومدمرة بين ألوهية الآب باعتبارها “غير مستمدة أو غير معلولة” وبين ألوهية الابن والروح القدس باعتبارها “مستمدة أو معلولة” أزليًّا[228]. أما الشق الثاني فيتجلى في كون آباء كبادوكية في تمييزهم بين أقانيم الثالوث القدوس، وضعوا العلاقات الداخلية بين الآب والابن والروح القدس في بناء متسلسل من السببية والترتيب المنطقي أو في ’سلسلة‘ من الاعتمادية “من خلال الابن[229]“، وذلك بدلاً من النظر إلى الأقانيم، مثل ق. أثناسيوس، من جهة تواجدهم (احتوائهم) المتبادل فيما بينهم، ومن خلال كليتهم غير المنقسمة والتي فيها كل أقنوم هو “كل الكل[230]“. ولو كان الآباء الكبادوكيون لم يعطوا كل هذا التركيز لمفهوم ’السببية‘ في الله، ولو أنهم اهتموا أكثر بما وصف به ق. أثناسيوس الابن بأنه “إرادة الله الحية”[231]، لكان ذلك أفضل بكثير. وفي هذا الشأن نجد أن ق. غريغوريوس النزينزي كان هو الأقرب للقديس أثناسيوس؛ إذ قد أكَّد على وحدانية الجوهر والعمل والإرادة في الله[232].

وبينما قدَّم ق. غريغوريوس النزينزي تقريبًا نفس التعليم الذي قدَّمه زملاؤه الكبادوكيون، إلاّ أنه كان أكثرهم مرونة في استخدام المصطلحات اللاهوتية، وكان له مفهوم أكثر قربًا للقديس أثناسيوس بالنسبة لوحدة الله ووحدة اللاهوت الكاملة، ليس فقط بكونها أوليًّا في الآب، ولكن بكونها في كل أقنوم، وكذلك بكونها في جميعهم ككل[233]. غير أن ق. غريغوريوس أيضًا ـ مثله مثل بقية الآباء الكبادوكيين ـ استخدم لغة تنطوي على ’السببية‘ في إرجاعه ألوهية الابن وألوهية الروح القدس إلى مبدأ (رأس) (¢ρχή) واحد في اللاهوت[234]، ولكنه مع هذا كان أكثر إدراكًا من غيره بالصعوبات التي يتضمَّنها هذا المفهوم فنراه يقول: “أود أن أدعو الآب أعظم؛ إذ إن مساواة وكيان الأقانيم المتساوية هي منه، ولكني أفزع من كلمة ’مبدأ‘ (τήν ¢ρχήν) لئلا أجعل الآب ’مبدأ‘ لمَن هم أدنى منه، وأكون بذلك قد أهنته بفكرة الأسبقية في الكرامة… لأنه لا يوجد أعظم أو أقل عظمة بالنسبة لكيان الأقانيم التي لها ذات الجوهر الواحد[235]“. كما كتب أيضًا: “إننا لا نكرم الآب بأن نعطي مَن يصدر عنه (أي الابن والروح القدس) درجات غير مساوية من الألوهة … واعتبار أي من الثلاثة أقانيم في مرتبة أدنى إنما يعني الإطاحة بالثالوث (كله)[236] “. وبالرغم من أن ق. غريغوريوس النزينزي تحدث عن الآب بكونه ’المبدأ‘(¢ρχή) و’العلة‘ (α„τία) بهدف الحفاظ على وحدة اللاهوت، إلاّ أن هذه المصطلحات كانت في ذهنه تشير إلى علاقات (σχέσεις) كائنة في داخل الله، والتي تتخطى كل زمن (¨χρoνως) وكل بداية (¨νaρχως) وكل سبب (¨ναιτiως)[237]. وهذا المفهوم للعلاقات الإلهية أخذه ق. كيرلس السكندري فيما بعد، إلاّ أنه دَعمه برفضه لأي فكر ينطوي على ’السببية‘ داخل الثالوث القدوس[238].

وعلاوة على هذا، ظلت هناك مشكلة إضافية (فيما يتعلق بتعليم الآباء الكبادوكيين) وهي السؤال: هل ’كيان‘ الابن والروح القدس هو الذي يمكن إرجاعه إلى أقنوم الآب، أم ’نمط وجودهما‘ الأقنومي[239]؟ وقد سعى ق. غريغوريوس النيصي للرد على هذه النقطة ـ رغم عدم استمرار ثبات رأيه ـ حيث أوضح في كتابه ’أفكار شائعة‘ أن لفظ ’الله‘ (Θεός) (الذي يُطلق على أي من الأقانيم الثلاثة) إنما يشير إلى ’الجوهر‘ (οÙσία) ولا يشير إلى أقنوم (Øπόστασις)، وبالتالي فإن الآب ليس الله بفضل أبوته بل بفضل جوهره، وإلاّ فلا يكون الابن ولا الروح القدس هو الله. ورغم ذلك وفي نفس الوقت، عاد ق. غريغوريوس النيصي ليقول: في الثالوث القدوس، كل شيء يصدر من الآب بكونه مركز الوحدة، وهو الذي يُسمى ’الله‘ بكل معنى الكلمة، لأن في ’أقنومه‘ (Øπόστασις) يستقر مبدأ (رأس) (¢ρχή) اللاهوت[240]. والنتيجة التي يمكن أن نراهـــا هنـــا من خـــــلال هذا العــــرض المتســـلسـل، أن الابن والـــروح القـــدس لا يستمــــدان ’ألوهيتهما‘ من الآب، ولكن فقط ’أقنوميهما‘ (Øποστάσεις) أو نمطي وجـودهما     (τρόποι Øπάρξεως) المتمايزين، لأن جوهر (οÙσία) اللاهوت هو واحد وهو ذاته في الكل. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نعتبر أقنومي الابن والروح القدس يصدران من، ويعتمدان من جهة ’علتهما‘ على، أقنوم  Øπόστασις)أو (πρόσωπον الآب[241].

وقد حاول آباء كبادوكية شرح عقيدة الثالوث بدقة أكثر من خلال ما استخدموه من مصطلحات تعبِّر عن خصوصية وتمايز الأقانيم (الأشخاص) الإلهية الثلاثة. ولكن هؤلاء الآباء وضعوا الكنيسة أمام مشكلة من شقين: الأول يتعلق بأهمية أبوة الله، والثاني يخص وحدانية الثالوث. فمن جهة كان مصطلح ’آب‘ يُستخدم في الكنيسة الأولى ليشير إلى ’جوهر اللاهوت‘ وأيضًا إلى ’أقنوم الآب‘ دون الفصل أو الخلط بينهما قط، ولكن الآباء الكبادوكيين دمجوا هذين المعنيين للأبوة دمجًا كاملاً. ومن الجهة الأخرى وفي نفس الوقت كان أسلوبهم في التمييز بين ’الجوهر‘(οÙσία) كمفهوم عمومي وبين ’الأقنوم‘(Øπόστασις) كمفهوم خصوصي، قد أدى إلى التحول: من التركيز على ’الهوموأووسيوس‘ (أي الوحدانية في ذات الجوهر) (Ðμοούσιος) بكونه مفتاح التطابق والوحدانية والعلاقات الداخلية للثالوث، إلى التركيز على الأقانيم الثلاثة المتمايزة بكونها موحدة من خلال ’وحدة المبدأ (وحدة الرأس)‘ (Μοναρχία) التي في الآب ومن خلال أن لها جوهرًا واحدًا مشتركًا[242]. وهكذا كان المحور الرئيسي لتعاليم الآباء الكبادوكيين ـ وحتى مع كل الحرص والتحفظ ـ هو جعل الأقنوم الأول من الثالوث أي أقنوم الآب هو ’المبدأ‘ (الرأس) (¢ρχή) أو ’العلة‘ (α„τία) أو ’المصدر‘ (πηγή) الوحيد للألوهة (Θεότητος). ورغم قولهم بأن كل ما للآب هو للابن وكل ما للابن هو للآب[243]، إلاّ أن الاتجاه العام لديهم كان يُضعف مقولة ق. أثناسيوس بأن كل ما نقوله عن الآب نقوله عن الابن وعن الروح القدس ما عدا (كونه) ’آبًا‘[244]. وبالنسبة للقديس أثناسيوس كما للقديس ألكسندروس، كان مفهوم أن الآب وحده هو ’المبدأ‘ (الرأس) (¢ρχή) على هذا النحو، إنما يُعتبر مفهومًا أريوسيًّا[245]، لأن قناعة ق. أثناسيوس هي أنه: بما أن اللاهوت بكامله هو في الابن وفي الروح القدس، لذلك لا بد من اعتبارهما مع الآب في نفس ’المبدأ‘ (الرأس) (¢ρχή) الواحد ـ الذي لا مصدر له ـ الذي للثالوث القدوس[246].

ورغم أن أسلوب آباء كبادوكية في شرح عقيدة الثالوث ’جوهر واحد، ثلاث أقانيم‘ (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) قد ساعد الكنيسة على فهمٍ أغنى وأعمق لأقانيم الثالوث القدوس في أنماط وجودهم المتمايزة، إلاّ أن هذا كان على حســـاب استبعـــــاد المعنى الحقيقي للأوســـيا (οÙσία) بكـونه ’الجوهر في علاقاته الداخلية‘، وعلى حســـاب سلب مفهوم الأوسيا (οÙσία) معناه ومدلوله الشخصي (الأقنومي) العميق الذي برز بشدة في مجمع نيقية*. وعلاوة على ذلك، كان الفهم الكبادوكي (للثالوث) يحمل غموضًا كبيرًا: فعلى الرغم من أن ما يُسمى بـ ’النسق الكبادوكي‘ في شرح الثالوث كان يرفض فكرة وجود ترتيب أو درجات (مراتب) (subordinationism) بين الأقانيم، إلاّ أنه من جهة أخرى كان يحوي ضمنيًّا وجود بناء (أو ترتيب) متدرج        (hierarchical structure) داخل اللاهوت ـ وقد أدى هذا الغموض إلى ارتباك في الفكر داخل الكنيسة، كما أنه فتح الطريق للانقسام.

 

انبثاق الروح القدس في تعليم ديديموس الضرير

وفي هذا الوقت، ظهر أثر المناقشات التي تلت نيقية على فكر ديديموس الضرير فيما يخص انبثاق الروح القدس. وقد ربط ديديموس بحكمة ـ كما رأينا ـ بين عقيدة الثالوث: ’جوهر واحد، ثلاثة أقانيم‘ وعقيدة ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ للثالوث ككل. فبينما كل من الآب والابن والروح القدس هو متمايز تمامًا، إلاّ أن كل واحد منهم هو الله بكل المعنى المطلق للكلمة، وهو في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل مع الأقنومين الآخرين، وبدون أي انقسام داخل وحدانية جوهرهم الإلهي وطبيعتهم الإلهية. وكان ديديموس هو الأقرب إلى تعليم ق. غريغوريوس النزينزي عن الابن والروح القدس بكونهما يصدران ’أقنوميًّا‘ بالولادة والانبثاق من الآب قبل كل زمان وكل بداية، فيقول ديديموس: “نحن نعترف أن الروح القدس هو الله، وفي ذات الجوهر الواحد مع الآب والابن، وهو معهما دون أي بداية (συν£νaρχως)، وهو ينبثق من الله الآب جوهريًّا[247]“. إلاّ أن ديديموس كان كثير التأكيد على أن هذا يعني الانبثاق من أقنوم (Øπόστασις) الآب[248]. وقد كتب يقول، وكما أن الابن يصدر من الآب عن طريق الولادة بطريقة تتناسب معه بكونه ابنًا (υ„ϊκîς)، فكذلك أيضًا الروح القدس يصدر من الآب عن طريق الانبثاق بطريقة تتناسب معه بكونه الروح (πνευματικîς)، ولكن لا الولادة ولا الانبثاق كانا بالفعل الإرادي أو الخلق (δημιουργικîς)[249]. وفي مرة نادرة تحدث ديديموس عن علاقات الثالوث بصيغة تنطوي على ’السببية‘، ولكن لم يشكل هذا الفكر عند ديديموس بعدًا رئيسًا في تعليمه كما كان لدى آباء كبادوكية[250].

وتكمن أهمية ديديموس في أنه رغم كونه ينتمي في الأساس لنفس توجه ق. أثناسيوس (في شرح الثالوث)، إلاّ أنه نزع إلى استبدال صيغـة نيقية عن كــــون الابن (وأيضًا الـــروح القدس) “من جوهر الآب” (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός) بصـيغة “مـــن أقنــــوم الآب”* (™κ τÁς Øποστάσεως τοà Πατρός)[251]. ومع هذا فقد دافع ديديموس عن حقيقة وحدانية الروح القدس مع الله (الآب) في ذات الجوهر وأنه (أي الروح) هو إله من إله، ولذا ينبغي النظر إليه بأنه يأتينا بكيانه الفعلي وليس فقط في نشاطه وأعماله، لأن الله نفسه يكون هو محتوى إعطائه ذاته لنا في الروح القدس. ولذا عرَّف ديديموس انبثاق الروح من أقنوم الآب بأنه انبثاق أزلي ’من الله‘، لأن الروح القدس والابن يتواجدان جوهريًّا وطبيعيًّا معًا، ويصدران في آنٍ واحد وعلى الدوام من الآب داخل وحدة الثالوث القدوس[252].

وجدير بالذكر أن ديديموس قد أراد بالتأكيد أن يتجنب تقديم مفهوم وحدانية اللاهوت من خلال اعتبار أن صدور الابن والروح من أقنوم الآب هو بسبب أنه هو المصدر (أو الرأس) (¢ρχή) الوحيد للألوهة، وبالتالي يتجنب أي ترتيب أو درجات (subordinationism) أو تفرقة في المكانة بين ألوهية الآب غير المستمدة، وألوهية الابن والروح القدس ’المستمدة‘ من الآب. صحيح أن الابن والروح القدس يستمدان نمطي وجودهما المتمايزين من خلال ’الولادة‘ و ’الانبثاق‘ من أقنوم الآب، ولكن هذا لا يساوي في المعنى أبدًا اعتبار أن الآب هو المتسبب في وجودهما. لذلك عندما تحدث ديديموس عن صـــــدور الــــــروح من أقنـــــــوم الابن كما من أقنـــــــوم الآب داخل وحـــــــدانية الجــــــــــوهر غير المنقسمة التي للثـــــــالوث القـــــدوس، لم يكـــــن يعني أن الروح القدس قد أخذ نمط وجـــــــــوده بالابن أو أن هناك مبـــــــدآن إلهيان (في اللاهوت)، بل أن هذا كــــــان له علاقة بأن الـــــــروح القـــــدس كائن في الابن* وبأنه هو والابن في شركة الطبيعة الواحدة (والجوهر الواحد) مع الآب[253].

 

 

انبثاق الروح القدس في تعليم القديس إبيفانيوس

أما ق. إبيفانيوس، فقد تناول مسألة انبثاق الروح القدس وقام بتوضيحها من خلال الرجوع إلى التعليم الرئيسي الذي أرساه ق.أثناسيوس والبناء عليه. وكان ق. أثناسيوس قد علَّم بأن: الروح القدس الذي ينبثق من الآب، هو دائمًا في يديّ الآب الذي يرسله والابن الذي ينقله، باعتبار أن الروح هو للابن أو خاصّ به، ومنه (أي من الابن) يأخذ الروح*. وبما أن الروح مثله مثل الابن هو من جوهر الله الآب، وأنه خاص بالابن، فلا يمكن إلاّ أن ينبثق من جوهر الله ومن غير انفصال عن الابن. وبطبيعة الحال، فإن فكرة أن الروح القدس يستمد كيانه من أقنوم الابن لم تكن ولا يمكن أن تكون واردة على الإطلاق عند ق. أثناسيوس[254].

ويمكننا أن نسمع صدى هذا التعليم عند ق. إبيفانيوس، حيث كتب في كتابه ’المُثبَّت بالمرساة‘ (Anchoratus) إن “الروح القدس هو على الدوام مع الآب والابن، وهو ينبثق من الآب، ويأخذ من الابن#[255]“. كما أوضح ق. إبيفانيوس كذلك أن صدور الابن أو الروح القدس، والذي يحدث ’أقنــــوميًّا‘ في الله، هــو قبل كــــل بدايـــــــة وكـــل زمن (¨νaρχως καί ¨χρoνως)[256]. وينبغي علينا أن نفهم هذه الأقوال في إطار تعليم ق. إبيفانيوس عن الثالوث بكونه ثلاثة أقانيم متساوية معًا وأزلية معًا في داخل جوهر اللاهوت، وأن الروح القدس ’في الوسط‘ هو ’رباط الثالوث‘.وفي ضوء هذا نظر ق. إبيفانيوس إلى الروح القدس ليس فقط بكونه يصدر أقنوميًّا ’من الآب من خلال الابن*‘ (™κ Πατρός δι’ Υ„οà) بل بكونه بالتحديد ’من جـــــوهر‘ (™κ τÁς οÙσίας) الآب، أو ’مــــن ذات الجـــــــــــوهر‘ (™κ τÁς αÙτÁς οÙσίας) الواحد الذي للآب والابن، لأن الروح القدس هو الله. والروح القدس هو كنفخة نور وحق من الآب والابن كليهما#[257].

ومن هذا العرض يتضح لنا كيف فهم ق. إبيفانيوس عبارة ق. أثناسيوس الموجزة “الروح القدس ينبثق من الآب، ويأخذ من الابن”، وبالطريقة التي تظل فيها الحقائق الأقنومية والخصائص المميّزة للآب والابن والروح القدس كما هي على الدوام في التساوي المطلق والوحدانية في ذات الجوهر الذي للثالوث القدوس[258].

وعلى هذا الأساس وضع ق. إبيفانيوس الصياغة الإيمانية عن الروح القدس، والتي اتخذها فيما بعد مجمع القسطنطينية عام 381م: “نؤمن بروح قدس واحد، الرب المحيي، المنبثق من الآب، نسجد له ونمجده مع الآب والابن، الناطق في الأنبياء[259]“.

 

عقيدة انبثاق الروح القدس في مجمع القسطنطينية

لقد كان آباء مجمع القسطنطينية مدينين بلا شك للآباء الكبادوكيين فيما يخص عقيدة الروح القدس، وبالأخص للقديس غريغوريوس النزينزي الذي كان يرأس الاجتماعات الأولى للمجمع[260]. ومن الواضــــــح أن الذي كان له الدور الحـاسم في النهـاية ـ بالنسبة لأولئك الآباء ـ هو خط العقيدة (الخاص بالروح القدس) الذي بدأ من ق. أثناسيوس عبورًا بإبيفانيوس، وهــــــذا يتضح بالأخص في عبارتهم عن انبثاق الروح القدس ’من الآب‘. فباليقين كان المقصود أن تكون هذه العبارة متوازية مع عبارة مجمع نيقية عن ولادة الابن ’من الآب‘، وبدون أية إضافات تنتمي إلى فكر الآباء الكبادوكيين.* وهذا بالطبع مع إعطـــــــــاء عقيدة “جــوهر واحــــــد. ثلاثــــة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) مرجعيتها المجمعية[261].

وبالتأكيد كان هذا الاتفاق على عدم الابتعاد عن الموقف الأساسي الذي اتخذ في نيقية دليلاً على العناية الإلهية؛ إذ إن محاولة الآباء الكبادوكيين في إعادة تعريف ’الأوسيا‘ (οÙσία) أو الجوهر على أنه مفهوم عام ـ والذي فقد معه مدلوله ومعناه الراسخ بكونه الجوهر المتضمِّن العلاقات الداخلية ـ كان معناه أنه سيصبح من الصعب إن لم يكن من المستحيل للفكر اللاهوتي أن يربط بين إعلان الله عن ذاته في أعماله (أي بين ’ما هو‘ الله نحونا) وبين ’ما هو‘ الله داخليًّا في ذاته. فكما أكَّد ق. أثناسيوس، أنه لو لم يكن ’كلمة الله و’فعل‘ الله كائنين في جوهره (™νούσιοι) فلن نستطيع أن نربط بين ’ما هو‘ الله نحونا في إعلانه وعمله الخلاصي وبين ’ما هو‘ الله في ذاته، والعكس صحيح.[262] وكان فكر الآباء الكبادوكيين قد أدى إلى مأزق خطير حين تبنوا الطريق الوسط بين الذين علَّموا بأن الله أقنوم واحد (unipersonalism) وبين من نادوا بتقسيم الله إلى ثلاثة آلهة (tritheism) ـ حيث جعلوا أساس وحدة اللاهوت في الآب بكونه المبدأ (الرأس) الفريد والوحيد للاهوت، وبالتالي هو العلة الوحيدة لكيان ووجود الابن والروح القدس.

 

الاختلاف بين الغرب والشرق في مسألة انبثاق الروح القدس

وفي ظل القول بأن الروح القدس ينبثق من الآب فقط، اتجهت الكنيسة الغربية إلى القول بأن الروح القدس ينبثق من الابن أيضًا كما من الآب، وإلاّ فلا يمكن اعتبار الابن إله من إلهًا، أي إله بالمعنى الذي ينطبق على الآب. وأمام هذا التعليم وجدت الكنيسة الشرقية أنه يتعين عليها رفض أية فكرة لانبثاق الروح القدس من الابن كما من الآب، لأن هذا يعني وجود مبدأين إلهيين في الله ـ ولذا تمسكوا بعقيدة انبثاق الروح القدس من الآب فقط. ولم يكن لمثل هذا المأزق أن ينشأ لو أن الكنيسة في الشرق والغرب اقتربت أكثر من عقيدة ق. أثناسيوس عن الروح القدس، هذه العقيدة التي نمت عبر ق. إبيفانيوس ومجمع القسطنطينية إلى أن وصلت إلى ق. كيرلس السكندري. وهنا تجدر بنا الإشارة إلى تعليم ق. كيرلس الأورشليمي الذي قدَّم عقيدته عن انبثاق الروح القدس بعيدًا عن هذه المشكلة حيث قال: “الروح القدس هو هو على الدوام، حيّ وكائن أقنوميًّا وحاضر دائمًا مع الآب والابن معًا ـ ليس كأنه نَفَس انبث من فم وشفاه الآب والابن ليتبدد في الهواء ـ ولكن بكونه كيانًا أساسيًّا أقنوميًّا يتحدث ويعمل ويوزع ويحقِّق (يكمِّل) تدبير الخلاص الذي يأتينا من الآب والابن والروح القدس. وهو (أي الروح) واحد، متناغم وغير قابل للتقسيم[263]“.

وقبل أن نختم هذا العرض عن مضمون الفكر الآبائي اليوناني (أي الآباء الذين كتبوا باليونانية) خلال القرن الرابع الميلادي، يجب علينا أن نوجه الأنظار ـ ولو باختصار ـ للمظاهر العديدة لعمل الروح القدس في داخل حياة الكنيسة.

 

ثالثاً: الروح القدس في حياة الكنيسة

 

الروح القدس الناطق في الأنبياء

إن المظهر الأول لعمل الروح القدس في حياة الكنيسة يمكن الاستدلال عليه من العبارات التي وردت في قانون الإيمان بنيقية والقسطنطينية عن الروح القدس بكونه ’الرب‘ وبكونه هو ’الناطق في الأنبياء‘[264]. وهذا معناه أن الروح القدس يتقابل معنا باعتباره آتيًا من ’أنا هو‘ (جوهر اللاهوت) الخاص بالرب الإله ضابط الكل[265]. والروح القدس هو “الرب الروح”[266]، الفاعل الإلهي ذو السيادة (Κύριος) الذي يكلِّمنا شخصيًّا ويدخل في شركة معنا. وهو “الروح الناطق”، الروح ذاته الذي كلَّم شعب الله في أنبياء العهد القديم، وهو يكلِّمنا الآن أيضًا في العهد الجديد[267]. ولقد سبق لنا الحديث عن الوحدة الجوهرية التي بين ’روح‘ و’كلمة‘ الله وأنهما في تواجد متبادل مع بعضهما البعض، ولكن ما يعنينا الآن هو أثر ذلك في موقفنا من احترام وتبجيل الأسفار المقدسة في العهدين القديم والجديد. وقد جاء اعتراف الإيمان في نيقية بأن الروح القدس هو ’الناطق في الأنبياء‘ ليؤكد الوحدة بين إعلان الله لذاته من خلال شعب إسرائيل وبين إعلانه لذاته من خلال التجسد، وبالتالي الوحدة بين الوحي الإلهي في جميع الأسفار المقدسة.

ولم يكن الاهتمــــــــام الأول للآبــــــاء هو عن كيفية حدوث الوحي الإلهي أو مظاهره الخارقة، وإنما كان اهتمامهم منصبًا على حقيقة أنه عبر كــــل هذه الأسفــــــــــار لم يكـــــن إلاّ الله نفسه وليس آخر هو الذي يتحدث في الروح ’الرب‘. وإذا استرشدنا هنا بديديموس كأحد الذين غاصوا في الأسفار المقدسة، نجده يأتي بتعبيرات متنوعة للتأكيد على حقيقة أن ما نسمعه في الكتاب المقــــــدس ليس هو إلاّ كلمة الله المبــاشرة[268]. ولذا استطاع أن يتحدث عن كلمة الله في الأسفار المُوحى بهـــــا بكـــــونها ’الحضـــــور الإلهي‘ للروح[269]، لأنه فيها يتحدث الروح الحيّ، الذي يفحص أعماق الله ويكشفها لنا[270]. أي إن كلمة الله التي نسمعها في الأسفار المقدسة ليست مجرد كلمة ساكنة (جامدة وخاملة أو بلا حياة)، بل هي كلمة آتية إلينا من فم الله الحيّ بواسطة روحه المحيي (أو نسمته المحييّة) ـ أي كلمة من أنفاس الله (θεόπνευστος)[271].

 

الروح القدس يأخذ من الابن ويعطينا

ومما كان له أهمية قصوى في كل حديث عن الروح القدس، تلك الفقرات التي في إنجيل ق. يوحنا والتي تتحدث عن إرسالية الروح القدس من الابن والآب، حيث نجد فيها أن الروح لا يتكلَّم من نفسه بل مما يأخذه من الابن. وهذه العلاقة غير المنفصمة التي بين ’الكلمة‘ و’الروح‘ كانت واضحة للغاية في خطابات ق. أثناسيوس لصديقه الأسقف سِرابيون.[272] ولذا ليس غريبًا أن نرى أن هذه العلاقة الوثيقة التي بين ’الكلمة‘ و’الروح‘ قد انعكست أيضًا في خولاجي سرابيون (Euchologion of Serapion)، والذي يظهر فيه أول شكل من أشكال صلوات الاستدعاء* (™πίκλησις). ففي هذا الخولاجي نجد صلاة تُرفع من أجل عطية الروح القدس، لكيما يتحدث الرب يسوع والروح القدس في المصلين ليمكِّناهم من قبول استعلانات الأسرار المقدسة والاشتراك في تمجيد الثالوث؛ غير أنه في صلاة الاستدعاء نفسها كانت الصلاة موجهة للكلمة دون ذكر الروح القدس.[273] إلاّ أن الأمر يختلف في الطقس الأورشليمي بالنسبة لصلاة الاستدعاء، حيث نجد الصلاة توجه للروح القدس، ولكن كما رأينا فإن الروح القدس عند ق. كيرلس الأورشليمي هو “الروح الناطق” الذي ينقل المسيح وكلمته إلى المؤمنين.[274] وحيث إن الكلمة والروح القدس في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل مع بعضهما البعض، فإن الروح ليس صامتًا بل متحدث بليغ عن المسيح الكلمة المتجسد. وهو روح الله الواحد، الحاضر والعامل في العهد القديم والعهد الجديد على حد سواء ـ لأنه هو “الناطق في الأنبياء”.

 

الروح القدس ’الباراكليت‘

وإذا تأملنا العبارات التي تقول إن الروح القدس هو “الرب المحييّ المنبثق من الآب”، وأيضًا الإضافة التي أضافها ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس عن الروح القدس أنه “يأخذ من الابن”، فسوف نقترب من اللقب الذي أطلقه السيد المسيح على الروح القدس أنه “الباراكليت” الذي يرسله هو إلى العالم. وصِلة الروح القدس بكيان وفعل الابن المتجسد هي صلة وثيقة للغاية، فالابن المتجسد يرسل الروح القدس من عند الآب والروح القدس يأخذ من الابن المتجسد ويعطينا، وهذا يعني أنه هو ’المعزي الآخر‘ (Alter Advocatus) الذي يمجِّد المسيح ويحقِّق (يكمِّل) عمله[275]. إن الباراكليت هو روح الله الحيّ والمحييّ، الذي يعطينا الشركة في حياة الله، والذي يمجد المسيح بكونه ابن الله؛ إذ يلقي بضوئه على شخص المسيح ليستعلنه لنا، وهو الذي يحقِّق فينا إعطاء الله ذاته لنا في ابنه، وهو أيضًا ينقل إلينا عمل المسيح الخلاصي من أجلنا، ويجعله يثمر فينا. ووفقًا لهذا التعليم الكتابي، عبّّر هيبوليتس عن الروح القدس بأنه “الروح الكهنوتي الأسمى[276]“. وكان هذا العمل المعزي والشفاعي للباراكليت موضوعًا محببًا في تعليم آباء نيقية وما بعد نيقية[277]، ويعد هذا التعليم الآبائي ـ وبخاصة المدوَّن باليونانية ـ نموًّا مباشرًا للتعليم الذي قدمه ق. بولس في رسالته إلى أهل رومية (الإصحاح الثامن)، حين تحدث عن الروح القدس بكونه يشفع فينا. ومما يثير الانتباه أن ق. بولس استخدم في نفس الإصحاح مع الروح القدس الفعل (Øπερεντυγχάνει) * وهو أقوى حتى من ذاك الذي استُخدم مع المسيح (™ντυγχ£νει) #، وذلك لكي ما يؤكد بشدة ما قاله عن العمل الشفاعي الذي يقوم به الروح القدس. وهذا ما يحدث ـ على حد قول بولس الرسول ـ  عندما نصلي، لأن صلوات الخليقة كلها تُقدم بتدخل وبفعل الروح القدس الشفاعي[278].

وفي هذا الصدد يرى ق. غريغوريوس النزينزي أن وظيفة الباراكليت مرتبطة بصفة خاصة بالصلاة والعبادة، لأنه من خلال الروح القدس تصل شفاعة المسيح ـ رئيس كهنتنا الأعظم ـ إلى داخل قلوبنا، ومن ثم تُحمل صلواتنا وعبادتنا في الروح إلى أعلى وتصبح فعَّالة بواسطته وكأن الله بنفسه (من خلال الروح) يُدخلنا في علاقة مع نفسه[279]. أما بالنسبة للقديس إبيفانيوس، فإن الصلة بين عمل المسيح الخلاصي وبين سكنى الروح القدس فينا، تظهر بوضوح في صلوات الاستدعاء،  وبوجه عام في تقديس وتكميل حياة المؤمنين في المسيح[280].

الروح القدس هو ’روح الشركة‘

وفي كل عمله، يأتي إلينا الروح القدس من الشركة الداخلية التي بين الآب والابن والروح القدس (في الجوهر وفي الطبيعة). وهو الرب المحييّ، وهذا معناه أنه هو المحتوى الحي لإعطاء الله ذاته لنا بالابن وفي الروح القدس[281]. إذن، ففي الروح القدس نحن نُعطى الشركة (κοινωνία) في سر المسيح، ونصير أعضاءً في جسده. وهذا العمل المُشخصِن (المُؤقنِم)* الذي يقوم به الروح القدس لا يخلق فقط شركة اتحاد بين المسيح وبيننا كمؤمنين، بل أيضًا شركة اتحاد بين بعضنا البعض، وهذا لا يكون إلاّ انعكاسًا لعلاقات الثالوث في الله ذاته، وهكذا تقوم الكنيسة وتوجد على الدوام بفضل اتحادها بالمسيح بكونها جسده. هذه هي كنيسة الله مثلث الأقانيم، الحاملة في داخلها قوة الروح القدس الرب المحييّ، وإذا كانت الكنيسة ’في الروح‘ خلال وجودها على الأرض فهي بالتالي تكون ’في الله‘. ومن صميم طبيعة الكنيسة وحياتها أن تشترك في الحياة والنور والحب الذي هو الله ذاته، ولذا فمن الضروري لحياة الكنيسة أن تحافظ دائمًا على وحدانية الروح ورباط السلام وبهذا تكون مرآة تعكس في ذاتها وحدانية الثالوث القدوس المبارك.

* هذا الفصل هو الفصل السادس في الكتاب الأصلي

1  Athanasius, Ad Ser., 1.30; Epiphanius, Haer., 74.7.

[2]   انظر تركيز ق. إبيفانيوس على الاستخدام الثلاثي لفعل ’نؤمن‘ مع كل من الآب والابن والروح القدس في قانون الإيمان:  Haer., 73.25; 74.14; and Basil, Ep., 236.6 .

[3]   إش 3:6؛ انظر أيضاً لا 45:11؛ 2:19؛ 7:20؛ إلخ.

[4]   إش 4:1؛ 19:5،24؛ 17:10،20؛ 6:12؛ 7:7؛ 19:29،23،23؛ 11:30؛1:31؛ 23:37؛ 25:40؛ 14:40،16،20؛ 3:43،14؛ 11:45؛ 4:47؛ 17:48؛ 7:49؛ 5:54؛ 9:60،15؛ مر 24:1؛ لو 34:4؛ يو 69:6؛ أع 14:3؛ 1يو 20:2.

[5]   إش 10:63؛ مز 11:51.

[6]  الكلمة اليونانية ’بنفما‘ (πνεàμα) مثلها مثل العبرية، تعني حرفيًّا’ريح‘ أو ’نفس – نفخة‘، ولكن بينما خَفُتَ هذا الصدى الأصلي للكلمة في الأدب اليوناني، نجد أنه قد أُبقي عليه إلى حد كبير في العبرية وبالتالي في الاستخدام الإنجيلي للكلمة كما في يو 3: 8، أع 2: 1؛ انظر أيضًا: Gregory Nyss., Or. Cat., 2.

[7]  إش 1:11؛ 1:42؛ 3:44؛ 16:48؛ 21:59؛ 61؛ 7:63.

8  Cf. K. L. Schmidt, ‘Das Pneuma Hagion als Person und als Charisma’, Eranos Jahrbuch, 1945 (XIII), pp. 190ff; and A. I. C. Heron, The Holy Spirit, 1983, pp. 1-60.

9  Basil, Ep., 125.3.

10  See Con. Ar., 3.6, 10; Ad Ser., 1.19f; cf. Didymus, De Trin., 2.5, 11, and John of Damascus, De Fide, 1. 13.

11  Cf. Cyril of Jer., Cat., 16.3:

“الآب الواحد، والابن الواحد، والروح القدس الواحد ينتمون جوهريًّا وبلا انفصال بعضهم إلى البعض الآخر (أو يخصون بعضهم البعض الآخر)”.

12  Cf. Eusebius, De eccl .theol., 1.12; Gregory Naz., Or., 24.4; 28.12; 29.2, 8; 30.17; 31.7, 33; Basil, Hom., 111; Cyril of Jer., Cat., 11.11, 19; Epiphanius, Haer., 70.5.

13  Epiphanius, Haer., 70.4-8.

14  Cf. Ps. Athanasius, Con. Sabellianos, 5ff (MPG, 28.105f) which is evidently a variation on Basil’s Homily 111.

15  See Athanasius, Con. Ar., 1.15, 21; De decr., 24; De syn., 42& 51. See Basil, Con. Eun., 2.16; De Sp. St., 15, 84; Gregory Nyss., Con. Eun., 11.6, 4; Didymus, De Sp. St., 57.

إن عدم تصوير الله (imagelessness) كان متضمنًا في مفهوم أن الله ’نور‘ وأنه ’روح‘:

  1. Athanasius, Ad Ser., 1.19, 30; Basil, De Sp. St., 47. 64; Epiphanius, Haer., 70.5, etc.

[16]  وهذا قد يمنع أي تفكير سخيف عن وجود نوع للجنس (أي ذكر أو أنثى) في الله:

Gregory Naz., Or., 31.7.

17  Cf. Epiphanius, Anc., 7, 46, 69f; Haer., 69.17f, 32f; 74.6, etc.  

18  See Didymus, De Trin., 2.6ff; Epiphanius, Haer., 73.15ff, 24f, 34f, and especially the long refutation of the ‘Pneumatomachians’, 74.1-14.

19  Athanasius, Ad Afr., 11; see Ad Ant., 3; and Epiphanius, Haer., 73.34.

20  Basil, Ep., 125, 159.2, 226.3; Ep. ad Epiph., 258.2; Epiphanius, Haer., 74.14.

[21]  ومن هنا كان هذا التركيز على التمجيد الواحد (μία δοξολογία) الذي يُقدم للثالوث:

Epiphanius, Anc., 24; Haer., 62.3, 8; 69.29, 33, 56, 75; 74.14; 76. Ref. Aet., 10, 21, 30; Exp. fidei, 17, etc.

22 Athanasius, Ad Ser., 1.1-33; cf. Epiphanius, Anc., 65ff & Haer., 74.2ff.

23 Gregory Naz., Or., 34.26-28.

24  K.L. Schmidt, op. cit., pp. 215f. See Gregory Naz., Or., 36.15; and Didymus, De Trin., 1.18.

25  O. Cullmann, Early Christian Confessions.

26  Athanasius, Ad Ser., 4.5. Also Basil, Ep., 125.3.

27  See K.L. Schmidt, op. cit., pp. 209f, 216ff.

[28]  انظر أيضًا التسبحة التي وردت في (Apost. Const., 7.47): “المجد لله في الأعالي… الله الآب ضابط الكل، وابنه الوحيد ربنا يسوع المسيح، والروح القدس الرب الإله”. ارجع كذلك إلى ق. إبيفانيوس في (Haer., 74.10.).

29  Basil, De Sp. St., 73.

30  See Didache, 7.1; Ignatius, Magn., 13. 1; Polc. martyr., 14.3; Justin Martyr, Apol., 1.6, 13, 61, 65; Athenagoras, Leg., 6, 10, 12, 24; Irenaeus, Adv. haer., 1.2ff, vol. 1, p.90ff; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 22ff; 4.1f, pp. 146ff; 4.53.1, p. 261f; 5.20.1f, pp. 377f; Dem., 5f; Hippolytus, Apost. Trad., 3, 8, 21; Novatian, De Trin., 7, 16, 29f; Tertullian, Adv. Prax., 2-5, 8f, 11ff, 25, 30, etc.; Origen, De prin., 1.3.5, 7f; 4.2f; 6.2; 2.2.2; 3.5.8; 4.3.14f; 4.1, 3; In Jn., 2.6; 6.17, etc.

[31]  هذا بالتأكيد كان هو القصد وراء الحاشية التي وُجدت في ’الترجمة اللاتينية للكتاب المقدس والمعروفة بـ الفولجاتا‘ على 1يو 7:5-8 وهي: “فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد. والذين يشهدون في الأرض هم ثلاثة: الروح، والماء، والدم. والثلاثة هم في واحد”.

32  See Athanasius, Ad Ser., 1.27; 2.3, 5; 3.1; Epiphanius, Haer., 63.6; 65.1ff; 74.12; 76.2; 76.35; Exp. fidei, 14.

33  Athanasius, Con. Ar., 3.1ff; Epiphanius, Anc., 2-7, 10, 67, 72, 81; Haer., 62.1ff; 64.9; 72.11; 73.20; 74.9, 11ff; 76.30; 77.22; Gregory Naz., Or., 29.16, 20; 31.10; Schol., MPG, 36. 911; Ep., 58; Or., 43.68.  

34  Athanasius, Ad Ser., 3.1ff.

*  أي إن الاعتراف بالروح القدس بكونه ’الرب‘ بدأ في عبادة الكنيسة وتسبيحها قبل أن يظهر في صورة صياغة رسمية قانونية. (المترجم)

[35]  وقد لجأ ق. باسيليوس لتعضيد آرائه إلى كل من إيرينيئوس وكليمندس وأوريجانوس وديونيسيوس السكندري ـ انظر: (De Sp. St., 72.).

36  Cyril of Jer., Cat., 4.16. Thus also Amphilochius, Ep. Syn., 2.

انظر أيضًا الليتورجيا البيزنطية (F.E. Brightman, Eastern Liturgies, p.382): “هلّم نحب بعضنا بعضًا حتى ما نعترف بذهن واحد بالآب والابن والروح القدس، الثالوث غير المنقسم والواحد في ذات الجوهر”.

37  Refer to Athanasius, Ad Ser.; Basil, De Sp. St., & Con. Eun., 3; Gregory Naz., Or., 31, 37, 41; Gregory Nys., De Sp. St., De Trin., Con. Eun., 1; and Epiphanius, Anc., 65ff, Haer., 74. See Theol. In Reconstr., pp. 209-258; Theol. In Reconcil., pp. 231-9; and also T.C. Campbell, ‘The Doctrine of the Holy Spirit in the Theology of Athanasius’, SJT, vol. 27, 1974. pp. 408-440.

38  Athanasius, Ad Ser., 1.30; 3.1, 16; cf. Cyril of Jer., Cat., 16.24.

39  Athanasius, Ad Ser., 1.14 & Ephesians 4.6; see also Ad Ser., 1.20f; 3.5.  

40  Athanasius, Ad Ser., 1.28.

41  Athanasius, Ad Ser., 1.31.

42  Athanasius, Ad Ser., 1.2, 20; 3.1-5; 4.4, 17, etc.

43  Athanasius, Ad Ser., 1.31-33.

44  Athanasius, Ad Ser., 1.2, 27; 3.1; cf. Ad Jov., 1, 4.

45  Didymus, De Trin., 1.19; 1.33f; 1.36; 2.4; 2.6.6; 2.6.15; 2.6.22; 2.13; 2.25f; 3.1.2; 3.2.35, 46; 3.12.25f; 3.18; De Sp. St., 17.

46  Evagrius/Basil, Ep., 8.10f.

47  Gregory Naz., Or., 31.10.

48  Epiphanius, Anc., 6, 74, 120; Haer., 73.34f; 74.12; 76.11, 16.

49  Athanasius, Ad Ser., 1.33.

50  Thus Didymus, De Trin., 1.17f; 1.34; 1.36; 2.1; 2.4; 2.6.9; 2.14; 2.18; De Sp. St., 7; Basil, De fide, 4; Amphilochius, Fragm., 13, MPG, 39.111; Epiphanius, Anc., 2, 5-7, 74; Haer., 57.4; 72.1; 74.14; 86.16; Exp. fidei, 14; Theodoret, Hist. eccl., 5.9.11; Cyril of Jer., Ep. ad Const., 8; Ps. Macarius, Hom., 17.15.

*    وهذا يعني أننا في الابن المتجسد وحده نستطيع أن نعرف الله بالحقيقة وفقًا لما هو في ذاته، وفي نفس الوقت وفقًا لظروف وواقع وجودنا الأرضي ومعرفتنا المحدودة. (المترجم)

51  Epiphanius, Haer., 73.15f; 74.4ff, 10, 13f; 76. Ref. Aet., 7, 29; 86.32; Anc., 19.67ff, 72f.

#    ارجع إلى الفصل الثاني صفحة 73. لاحظ كذلك القداس الغريغوري الذي يخاطب الابن قائلاً: “أيها الكائن السيد الرب…الذي أظهر لنا نور الآب، الذي أنعم علينا بمعرفة الروح القدس الحقيقية”. (المترجم)

52  See Theol. in Reconstr., p. 213f; God and Rationality, pp. 165ff.

53  Athanasius, Ad Ser., 3.1ff.

54  Athanasius, Ad Ser., 1.14.

55  Basil, De Sp. St., 45; cf. Hex., 2.6, and Ep., 243,

حيث أشار إلى الروح القدس بكونه (Συμπληρωτικόν τÁς `Aγίας Τριάδος) أي ’مكمِّل الثالوث القدوس‘، كما أشار كذلك إلى ما ذكره ق. أثناسيوس في رسالته إلى سيرابيون 25:1.

56  Epiphanius, Anc., 119-120; cf. also Anc., 2-11, 67; Exp. fidei, 14ff.

قارن هذه التعبيرات مع تلك التي جاءت عند ق. كيرلس الأورشليمي. ارجع إلى مناقشة ذلك في:

J.N.D. Kelly, Early Christian Creeds, 1950, pp. 297ff, 338ff.

[57]  قارن خطاب ق. أثناسيوس إلى الإنطاكيين (Tomus ad Antiochenos, 3.5, 11) والذي صدر من مجمع الإسكندرية عام 362م مع الخطاب المجمعي لمجمع القسطنطينية (Theodoret, Hist. eccl., 5.9). وارجع كذلك إلى:

  1. B. Swete, The Holy Spirit in the Ancient Church, pp. 210-229.

58  Athanasius, Con. Ar., 3.15, 24; Ad Ser., 1.11-14, 17, 22, 24-28; 3.1-5; 4.3, 6f; Ad Jov., 1.4; Ad Afr., 11.

[59]  مثل ما جاء في إشعياء 3:31؛ 11:51.  

[60]  مثل ما جاء في مز 29:104-30.

[61]  يو 24:4.

62  See Origen, De prin., I. 1-4; Eusebius, De eccl. theol., 3.5; Gregory Nyss., Ant. Con. Eun., 2.14, Jaeger, vol. 2, p. 389; Cyril of Jer., Cat., 11.5ff; 17.34; Epiphanius, Haer., 73.16-18; 74.7; Anc., 70; Didymus, De Trin., 2.5.

63  Epiphanius, Haer., 70.5.

64  See Athenagoras, Leg., 10; Theophilus, Ad Aut., 2.10; Tertullian, Adv. Prax., 26f; Apol., 23; Adamantius, Dial., 5.11; Hilary, De Trin., 2.24, 26; 8.23f; 9.3, 14; Gregory Naz., Or., 38.13; Ep. 101; Amphilochius, ap. Theodoret, Dial., 1, MPG, 83.99.etc.

65  Gregory Naz., Or., 10.4; 30.21; see also Athanasius, Con. Ar., 1.46; 4.36; Con. Apol., 2.3.

66  Epiphanius, Anc., 73; Haer., 62.1ff; 69.53; 74.10.

67  Athanasius, Ad Ser., 1.4-7; see Cyril of Jer., Cat., 16.3; 17.4.

68  Athanasius, Ad Ser., 1.14, 20, 27f, 30f; 3.5f; 4.7; Con. Ar., 3.15, etc. Cf. Basil, Hom., 111.4-6.

69  See Hilary, De Trin., 3.1-4.

70  Eusebius, Hist. eccl., 3.5; Athanasius, Con. Ar., 2.33, 41; 3.1-6; De decr., 26; Ad Ser., 1.26; Cyril of Jer., Cat., 17.34; Basil, De Sp. St., 9.22, 25, 53; Gregory Nyss., Con. Eun., 2.14; cf. Origen. In Jn., 13.21f; Novatian, De Trin., 5ff; Tertullian, Adv. Prax., 26; Hilary, De Trin., 2.26; 3.4; 4.6.

71  Athanasius, Ad Ser., 1.17-25.

72  Athanasius, Ad Ser., 1.15, 18; 4.2-5; Con. Ar., 1.15, 20ff, 57; 2.36; Gregory Naz. Or., 30.20; 31.7; Hilary, De Trin., 2.29ff; 4.1; 5.20f.

73  Basil, Con. Eun., 2.24.

74  Hilary, De Trin., 1.13, 15, 3.1, 20, etc.

75  See Hilary, De Trin., 12.55f.

76  Thus Karl Barth in his account of the Nicene doctrine of the Spirit – C.D., 1.1, pp. 468f.

[77]  يقول ق. هيلاري في كتابه عن الثالوث (29:2): “إن الروح القدس مرتبط مع الآب والابن في اعترافنا بالإيمان، ولا يمكن استبعاده من أي اعتراف سليم بالآب والابن”. انظر أيضاً:

H.B. Swete with reference to Athanasius, op. cit., p. 220.

78  Athanasius, Con. Ar., 3.3-6, 24f; Ad Ser., 1.14, 25; 3.5f; 4.3f.

79  Athanasius, De decr., 30f; Con. Ar., 1.33f.

80  Athanasius, Con. Ar., 3.15, 24f; Ad Ser., 1.25; 3.5.

81  Epiphanius, Haer., 57.4f; 62.1f, 6;74.9ff; 72.22; Anc., 5, 10f, 67f, 72, 81; cf. Didymus, De Trin., 3.37-38; Cyril of Jer., Cat., 6.6; 7.11; 16.1ff; 17.1ff.

*  أي وجوده الأزلي وعلاقاته الأقنومية في جوهر الله المثلث الأقانيم، وليس مجرد نشاطه وأعماله في الخليقة. (المترجم)

82  Athanasius, Con. Ar., 3.24-25.

83  See Theol. in Reconcil., pp. 231-239.

84  Athanasius, Ad Ser., 1.27; Gregory Naz., Or., 41.9.

[85]  يو 22:20

[86]  يو 12:4

[87]  انظر يو 23:14

[88]  يو 6:14

89  Athanasius, Ad Ser., 1.19; cf. 1.20.

*  ارجع إلى الفصل الرابع صفحة 195. (المترجم)

90  Basil, Ep., 234.1; cf. 235.2; 236.1ff; Con. Eun., 2.32.

[91]  ولذلك نجد ديديموس الضرير يتحدث عن حضور الروح القدس الساكن فينا بكونه هو حضور الله بذاته (secundum substantiam) وليس مجرد بأفعاله (secundum substantiam): (De Sp. St., 23ff, 60f; De Trin., 2.6.7). قارن هذا مع:

Basil, Ep., 234.1-3; 235.2f; Con Eun., 1.14, 23; 2.32; De obs. se, 7, Athens ed., 54, p. 36; cf. Gregory Naz., Or., 38.7.

ارجع أيضاً إلى مفهوم ق. أثناسيوس في (De decr., 11). وانظر كذلك:

Theol. in Reconst., pp. 210, 213f; Theol. in Reconcil., pp. 235f; and E. L. Mascall, Existence and Analogy, 1949, pp. 148ff.

 

[92]  مت 31:12؛ مر 28:3؛ لو 10:12. انظر:

Athanasius, Con. Ar., 1.50; Ad Jov., 1; Ad Afr., 11; Ad Ser., 1.1f; 3.7; 3.8ff, 16ff, Athens ed., 33, p. 139f, 143ff; Basil, De Sp. St., 46, 70, 75; Hom., 111.5ff; Con. Eun., 2.33; Or., 35; Ep., 152.3; 188. 1; 251.4; Gregory Nyss., De Sp. St., Jaeger, 3.1, p. 106f; Gregory Naz., Or., 31.30; Didymus, De Trin., 2.26; 3.2.54; 3.40; De Sp. St., 1, 63; Con. Eun., Athens ed., 44, p. 259; Amphilochius, Con. Haer., 17; Ep. Syn., 4; Epiphanius, Anc., 69, 116; Haer., 54.2; 74.6, 14; Cyril of Jer., Cat., 4.16; 5.5; 16.1, 6, etc.

93  Athanasius, Ad Jov., 4; Ad Ser., 1.31; Basil, De Sp. St., 3, 26, 64, 73; Ep., 90.2; 159.2; 258.2; Gregory Naz., Or., 31.12, 28; Gregory Nyss., De Sp. St., Jaeger, 3.1., pp. 92ff, 108ff; Ep., 24; Amphilochius, MPG, 39.97B; Didymus, De Trin., 2.21f; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 245, 247; Epiphanius, Anc., 70, 117, 119; Haer., 70.6f; Cyril of Jer., Cat., 4.16; 16.1ff.

94  Apost. Const., 8.12; Serapion, Euch., 13, Athens ed., 43, p. 76; Basil, Lit., Athens ed., 56, p. 28f (cf. Brightman, op. cit., p. 402); De Sp. St., 38; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.23; Athanasius, In ill. om., 6; Epiphanius, Haer., 76. Ref. Aet., 10; Anc., 9, 26, 69; Didymus, De Trin., 2.7, 19; Cyril of Jer., Cat., 23.6; Gregory Naz., Or., 34.13; 38.8 & 45.4 (Cited by John of Damascus, De fide, 3.10). Cf. also the discussion of Isaiah’s vision, 6.1ff, in Ps. Athanasius, De Trin. et Sp. St., 16 and De Inc. et Con. Ar., 10.

*    بما أن الروح القدس يدعى ’الروح‘، فإنه هو ’روح‘ ليس فقط في جوهره (مثل الآب والابن) ولكن أيضًا في نمط أقنومه. ولذلك فإنه يظل مختفيًا وشفافًا ولا يُدرك في ذاته ولا نعرفه وجهًا لوجه في أقنومه الخاص، ولكننا نعرفه فقط في كونه يعطينا معرفة الآب والابن. (المترجم) 

[95]  يقول ق. باسيليوس عن الروح القدس (De Sp. St., 44, 53. Cf. 22): “إن اسمه الخاص والشخصي هو ’الروح القدس‘، وهو اسم ينطبق تماماً على كل شيء غير جسدي وغير مادي وغير منقسم”.

96  Epiphanius, Haer., 73.16, 25; 74.10ff Anc., 8,72ff.

97  Epiphanius, Haer., 73.17; 74.7; Anc., 70.

98  See Didymus, De Trin., 3.36ff; Epiphanius, Anc., 6f, 10f, 67f, 73; Cyril of Jer., Cat., 16.3, 5, 13, 24.

[99]  يو 16:14، 25؛ 26:15؛ 13:16. انظر:

Athanasius, Ad Ser., 1.20; 3.1; Con. Ar., 1.15; 3.44; Hilary, De Trin., 7.20; 8.20; Didymus, De Sp. St., 30-38; Cyril of Jer., Cat., 16.14; Epiphanius, Haer., 48.12; 62.4, 7; 69.18, 34;74.1,4,6,9ff; 76.4,7; Anc., 6ff, 11,73,120; Gregory Nyss., De Sp. St., Jager, 3.1, p. 108, etc.

[100]  يو17:14. انظر (Cf. A.I.C. Heron, op. cit., p.56): “الروح القدس هو (مرآة) يعكس صورة المسيح بنفسه، ولكن المرآة لا تنقل أية صورة إلى ’العالم‘”.

101  Thus Cyril of Alex., Thes., 34.

102  Ps. Athanasius/Basil, Con. Sab., 12. Cf. Gregory Nyss., De Trin., Jaeger, 3.1, p. 13.

103  See Gregory/Basil, Ep., 38.4.

[104]  يقول ق. باسيليوس في كتابه عن الروح القدس (47): “الروح القدس هو الذي يعلن في ذاته مجد الابن الوحيد،… إذن طريق معرفتنا بالله يبدأ بالروح الواحد من خلال الابن الواحد إلى الآب الواحد”.

105  Cf. Basil, De Sp. St., 22f; 46f.

106  Basil, Ep., 236.

 انظر أيضاً ما قاله ق. باسيليوس في كتابه عن الروح القدس (64): “إنك لا تقدر أن ترى صورة الله غير المنظور إلاّ في استنارة الروح. وفي نظرنا إلى الصورة لا يمكن أن نفصل النور عن الصورة، لأنه لا بد لهذا النور الذي يسبب رؤيتنا أن يُرى هو نفسه مع الصورة التي نراها”.

107  Athanasius, Ad Ser., 1.30 & 1.19.

108  Gregory Naz., Or., 40.1 See also Or., 39.11; Ps. Gregory Naz., Ep., 243; Gregory Nyss., De Sp. St., Jaeger, 3.1, p. 108f; Epiphanius, Haer., 69.33; 70.5; 74.7f, 10; Anc., 61; Didumus, Con. Eun., Athens ed., 44, p.255f.

109  Didumus, De Trin., 2.36; and Cyril of Alex., In Jn., 15.1.

110  Athanasius, Ad Ser., 1.17.

ومن هنا كانت الصعوبة الحقيقية في صياغة عقيدة الروح القدس، لأن الروح القدس هو إله من إله ويأتينا في نمطه الأقنومي بكونه ’الروح‘ أي بالتحديد بكونه ’غير القابل للمعرفة‘ (في ذاته)! انظر أيضًا:

 ‘The Epistemological Relevance of the Spirit’, God and Rationality, pp. 165-192.

[111]  يقول ق. باسيليوس في رسالته (2:235): “نحن نقر أننا نعرف عن الله ما هو قابل للمعرفة، ومع ذلك فما نعرفه يفوق بكثير قدرتنا على التعبير”.

112  Basil, De Sp. St., 47.

113  Athanasius, Ad Ser., 1.14, 19, 21, 30f; 4.4.

114  Athanasius, Ad Ser., 1.14.

115  Athanasius, Ad Ser., 1.19ff, 27f, 30f; 3.5; Didymus, De Sp. St., 34-39; De Trin., 2.1; Basil, Con. Eun., 3.4; Gregory/Basil, Ep., 189.6f; Gregory Nys., non tres dei, Jaeger, vol.3.1, pp. 47f, 55f; cf. Ex comm.. not., Jaeger, 3.1, pp. 3f; De Sp. St., Jaeger, 3.1, pp. 97-100, 105ff, 109; Gregory Naz., Or., 31.6, 16.

[116]  1كو 10:2. وكانت هذه الفقرة ذات تأثير قوي على الفكر اللاهوتي النيقي ـ انظر:

Athanasius, In ill. om., 1; Exp. fidei, 2; Ad Ser., 1.6, 15, 22, 26; 3.1; 4.1; Basil, De Sp. St., 10, 38, 40, 50; Con. Eun., 1.14; Gregory Nyss., Con. Eun., 2, Jaeger, 1, pp. 289, 340; 3, 1, II, p. 160; Gregory Naz., Or., 28.6; 30.15; 40.9; 43.65; Amphilochius, Fr., 5; Cyril of Jer., Cat., 4.16; 6.6; 11.13; 16.23; Didymus, Con. Man., 40; De Trin., 1.9, 15; 2.2f, 5, 6.14f, 7.8; 3.37; De Sp. St., 15, 31, 40, 54f; Con. Eun., Athens ed., pp. 232, 251f, 255, 260; Epiphanius, Anc., 7, 12, 15f, 68, 117; Haer., 74.1,5, 11, 13; 76.29.

*    هنا المقصود هو إرسالية الروح القدس من الاب باسم الابن وليس انبثاقه الأزلي من الآب. (المترجم)

117  Epiphanius, Anc., 73; cf. 15f; Haer., 74.10; 76.Ref. Aet., 29.

118  See Athanasius, Con. Ar., 1.9, 46; 3.1-6; De syn., 41-53; Ad Ser., 1.27; 2.2, 5.

119  Athanasius, Ad Ser., 1.25-33; 3.1.

120  Epiphanius, Anc., 6.

*    أي المحرِّفون، وقد ظهروا في مصر وكانوا أولاً ضمن الجماعة التي حاربت قانون الإيمان النيقي فيما يخص ألوهية الابن، ثم انفصلوا عنها عام 358م معلنين إنكارهم لألوهية الروح القدس. (المترجم)

121  Athanasius, Ad Ser., 1.2, 9-10.

122  Athanasius, Ad Ser., 1.28.

123  Athanasius, Ad Ser., 1.30.

124  See especially Eunomius, Apologia 1 of 360, MPG, 30.835ff, and Apologia 2 of 378, preserved in the Con. Eun. Of Gregory Nyss., Jaeger, 1& 2.

125  Athanasius, Ad Ant., 5-6.

126  See Theol. in Reconcil., pp. 242f. Thus also Gregory Naz., Or., 31.11& 43.68.

127  Basil, Con. Eun., 1-3, Athens ed., 52, pp. 157-227; Antir., pp. 143-156; Gregory Nyss., Con. Eun., Jaeger, 1 & 2. See also Didymus, Con. Eun. (Ps. Basil, Con. Eun., 4-5), Athens ed., 44, pp. 223-261.

128  Basil, Ep., 231.

*  أي إن الروح القدس يخص الابن أو خاص بالابن. (المترجم)

129  Basil, De Sp. St., 16f, 37, 41-47; Ep., 159; 189.5-8.

130  Basil, De Sp. St., 46; Con. Sab., 6. Cf. Gregory Nyss., Con. Eun., 1, Jaeger, 1,p. 89; non tres dei, 3.1, p. 56.

131  E.g., Basil, Hex., 2.6.

132  Basil, De Sp. St., 7; Ep., 52, 69, 125, 210, 214, 236, 258; Hom., 111; cf. Athanasius, Ad Ant., 5-6, 11; In ill. om., 6; Epiphanius, Haer., 73.16; Gregory Naz., Or., 21.35; 3.7-16; 43.30; Gregory/Basil, Ep., 38; Ex comm.. not., Jaeger, 3.1, pp. 21-33.

133  Basil, Ep., 214.4; 236.6. See also Gregory Naz., Or., 25.16, 26.19, 29.2; 31.29; 32.21; Gregory Nyss., Or. Cat., 1f – G.L. Prestige, God in Patristic Thought, pp. 168f, 188f, 244ff.

134  See also Gregory Naz., Or., 20, MPG, 35, 1072; 39.11; 42.16, etc.

ولكن ق. غريغوريوس النزينزي كان يختلف عن ق. باسيليوس في كونه لم يستخدم مصطلح نمط الوجود (τρόπος υ̉πάρξεως) الأقنومي.

135  Basil, De Sp. St., 46; Ep., 38. 1-4; 9.2; 125.1; 236.6; cf. Con. Eun., 1.19; 2.29; Gregory Nyss., Con. Eun., 1, Jaeger, 1, p. 89; and Ex com. not., 3.1, pp. 19-33.

136  See Athanasius, Exp. fidei, 2; Con. Ar., 3.15; 4.2; De syn., 52;

ويبدو أن استخدام ق. أثناسيوس للكلمتين (υ̉́παρξις) و (υ̉πάρχειν) في رسالته إلى ق. سيرابيون (28:1) كان له تأثير مباشر على ق. باسيليوس.  

137  Compare Basil, Ep., 52, with Athanasius, De syn., 45-51.

138  Cf. the statement attributed to Amphilochius (Fragment 15, MPG, 39.112)

139  Gregory Nyss., Or. Cat., 2.

140  Gregory Nyss., De Trin., Jaeger, 3.1, pp. 6-15; non tres dei, pp. 47-57; De Sp. St., pp. 99f, 105ff. Refer to D.B. Harned, op. cit., p. 87f.

141  Cf. Epiphanius, Anc., 6, 8; Haer., 57. 10; 62.7f; 63.7; 69.36, 67, 72; 73.16; etc.

142  Basil, Ep., 258.

143  Epiphanius, Haer., 62.3ff; 65.1-8.

*    انظر الفرق بين مفهوم الأوسيا عند ق. أثناسيوس (وآباء نيقية) وعند الآباء الكبادوكيين: الحاشية صفحة 294. (المترجم)

144  Epiphanius, Anc., 81; Haer., 73.34.

*   كان الفكر اللاهوتي السكندري هو أول من بدأ في التمييز في المعنى بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ بكون الأول يعبِّر عن الجوهر والثاني يعبِّر عن الأقنوم وذلك ابتداءً من أوريجانوس (origin, in John ii 6,10-75)، كما نراه كذلك عند ديونيسيوس السكندري (في رسائله إلى ديونيسيوس الروماني quoted by St. Basil, De Sp. St., 72) وأيضًا عند ديديموس الضرير (De Trin., 1.18 etc., cited by Newman, 436). ولكن هذا النضج في التفريق بين مدلولي المصطلحين لم يكن كذلك خارج الإسكندرية، إذ بقي مفهوم ’الهيبوستاسيس‘ لا يخرج عن مفهوم ’الأوسيا‘ في أبسط معانيه، وهذا الاتجاه نجده واضحًا في مقررات مجمع نيقية نفسه؛ إذ يضع المجمع المصطلحين كمترادفين دون أي تفريق بينهما، وقد اضطر السكندريون لقبول ذلك على مضض (Hahn: the Creed p. 209 cited by Beth Bak. P. 237). ولكن الأمر المدهش الذي حيّر اللاهوتيين، هو أن آباء الإسكندرية عندما أدركوا أن الأريوسيين يحاولون الاستفادة من اصطلاح الثلاثة أقانيم ليصلوا إلى التفريق في اللاهوت (أي التفريق بين الآب والابن والروح القدس في الجوهر، بمعنى أن هناك جوهرًا أوليًّا غير مخلوق وجوهرًا ثانيًا مخلوقًا) ـ هذا من جهة ـ ومن جهة أخرى، عندما أدركوا كذلك عدم فهم اللاهوتيين وخاصة في الغرب للفرق بين معنى ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘، بدأوا في كتاباتهم الموجهة إليهم يخاطبوهم على حسب إدراكهم. وهذه الحقيقة نراها في غاية الوضوح في كتابات ق. أثناسيوس: إذ بينما في كتاباته الخاصة يفرِّق في الاستخدام بين المصطلحين (Ibid. De Virginitate (1) De incarn.)، نجده يعود في كتاباته العامة الموجهة ضد الأريوسيين والموجهة للغرب ليقول بالهيبوستاسيس الواحد كمرادف للأوسيا دون تفريق. إلى أن جاء مجمع الإسكندرية 362م وأعلن ق. أثناسيوس للعالم أنه يصح الأخذ بمصطلح الهيبوستاسيس بمعنى الأقنوم. ومع مرور الوقت اتفق العالم شرقًا وغربًا على الأخذ بتعليم الإسكندرية الرصين، وقد ساعد الآباء الكبادوكيون وبخاصة ق. باسيليوس على انتشار هذا الفكر. (ارجع إلى كتاب القديس أثناسيوس الرسولي للأب متى المسكين الطبعة الثانية صفحة 422). (المترجم)

145  E.g. Epiphanius, Haer., 69.72.

146  Epiphanius, Anc., 2.

*    مصطلح (™νυπόστατος) يعني كيان شخصي (أقنومي) أساسي في داخل الجوهر، وهذا يختلف عن التعبير عن الأقانيم بأنها أنماط (أشكال) للوجود. (المترجم)

147  Epiphanius, Anc., 5-10, 67, 72, 74, 81; Haer., 57.4f; 62.1ff, 6; 65.1ff; 69.21, 40; 70.6; 72.5, 11; 74.9; 76. Ref. Aet., 2f, 12, 18; 77.32; 77.22; cf. Athanasius, De syn., 42; Con. Ar., 4.2; Con. Apol., 1, 20.

*     كان ق. إبيفانيوس يقصد أن ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιος) لا تنطبق فقط على كل أقنوم على حدة وبالتالي كل منهم هو ’هوموأووسيوس‘ مع الأقنومين الآخريّن، ولكنها تنطبق أيضًا على علاقة الأقانيم ككل ببعضهم البعض أي إن الثلاثة يشتركون معاً في ذات الجوهر الواحد وذلك بسبب التواجد (الاحتواء) المتبادل بينهم (داخل الجوهر). (المترجم)

148  Epiphanius, Anc., 4, 7f, 10; Haer., 62.4; 74.11; cf. Gregory Naz., Or., 31.8f; Basil, De Sp. St., 38, 43, 45f.

149 Epiphanius, Anc., 46; Haer., 57.4; 62.3; 69.36; 70.8; 73.36; 74.1;76.6,21.

لاحظ إشارة ق. إبيفانيوس في (Haer., 69.54) إلى الابن والروح القدس بكونهما المصدر المطلق مع الآب، أي نبع من نبع  (πηγή ε̉κ πηγη̃ς).

150 Epiphanius, Anc., 74, 120; Haer., 74.10. Cf. Gregory Naz., Or., 29.3; 31.4.

#    وكانت نفس هذه العبارة قد قيلت عن الابن في مواجهة هرطقة أريوس. (المترجم)

151  Epiphanius, Anc., 6ff, 11, 15, 67, 70f, 115; Haer., 57.9; 62.4; 64.9; 69.18, 43; 74.4, 10; 76. Ref. Aet., 7, 21, 29, 32. Cf. Athanasius, Con. Ar., 1.20, 33, and Hilary, De Trin., 2.3; and Basil, Hom., 111.7.

152  Epiphanius, Anc., 7f, 67f, 70f, 119f; Haer., 69.17, 52; 70.5; 72.4f; 73.16, 18; 74.5, 7, 11f; De fide, 14.

153  Epiphanius, Haer., 62.3.

154  Epiphanius, Anc., 2. See also 6, 10, 24, 26, 28, 67, 73f, 81, 117f; Haer., 57.4, 8; 62.3, 8; 69. 33, 44, 54, 56, 62, 68, 74ff; 72.1; 73.16, 34; 74.11; 76.6; De fide, 14.

155  Epiphanius, Anc., 119; cf. 120; Haer., 66.70ff, 84; 67.3; 74.10; 76. Ref. Aet., 36, etc.

156  Didymus, De Trin., 1.16ff, 20, 24f, 27, 34; 2.1, 4ff, 6f, 13f, 18, 27; 3.7, 15; Con. Eun., Athens ed., 44, p. 238.

157  Didymus, De Trin., 1.16

ولكن ديديموس كان عادة يفضل صيغة: “لاهوت واحد (μία Θεότης)، وثلاثة أشخاص”، مثل ما جاء في كتابه عن الثالوث (27:2).

158  Didymus, De Trin., 1.16, 26; 2, 1ff, 8, 10; 3.19, 37; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 239, 253.

159  Didymus, Con. Eun., Athens ed., 44, p. 226f; for cognate expressions see De Trin., 1.9; 2.1, 12.

[160]  لاحظ التركيز المتكرر لديديموس على ’الجوهر الواحد‘ في كتابه عن الروح القدس والمحفوظ فقط في الترجمة اللاتينية لجيروم: (16-19, 21f, 24f, 32, 36f, 40, 53, 58)

161  Didymus, De Trin., 1.9f, 11, 15f, 18f, 25, 27; 2.1, 3f, 5ff, 15, 18, 26f; 3.2, 15f, 24, 47, 55; De Sp. St., 30-39; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 246f, 255ff.

162  Didymus, De Trin., 1.9, 11f, 15f, 18f, 21, 26f, 30, 34f; 2.1ff, 5ff, 8, 12, 19, 27; 3.1f, 18, 23f, 38, 40f, 45; De Sp. St., 27, 30. See Gregory Naz., Or., 29. 16; 31, 8-20.

163  Didymus, De Trin., 1.16, 18, 26f; cf. 3.1f, 13, 18; De Sp. St., 36.

وقد فسَّر ديديموس الآية “أبي أعظم مني” (يو 28:14) من جهة التواضع التدبيري للابن ’من أجلنا‘. انظر أيضاً في نفس الموضوع:

Hilary, De Trin., 9.51, 54f; cf. 3.65; De syn., 64; and Amphilochius, ap. Theodoret, Dial., 1, MPG 83.99; Epiphanius, Haer., 69.43, 53.

وبالنسبة للقديس أثناسيوس (في ضد الأريوسيين 58:1) كانت هذه الآية تشير إلى علاقة البنوّة التي للابن مع الآب (قانون البنوّة والأبوّة)، ولم تكن تعني بأي حال من الأحوال عدم التساوي في الطبيعة الإلهية (أو أن وحدة الرئاسة هي في الآب فقط كما سيأتي ذكره) أما بالنسبة للقديس باسيليوس وبقية الآباء الكبادوك فقد فسَّروا هذه الآية بأن الآب ’أعظم‘ في كونه هو ’المصدر‘ (πηγή) و’العلة‘ (αι̉τία) بالنسبة للابن:

Basil, Con. Eun., 1.25; Evagrius/Basil, Ep., 8.5f; Gregory Nyss., Ex comm., Jaeger ed., 3.1, p. 24f; cf. Gregory Naz., Or., 29.15; 30.7; and John of Damascus, De fide, 1.8.  

164  See for example Didymus, De Trin., 1.36.

165  Didymus, De Trin., 2.1-3; De Sp. St., 3ff; 16-25; 32-40; 57-61.

166  Didymus, De Trin., 1.15, 18, 26, 36; 2.1ff, 5; 3.3, 5, 38; De Sp. St., 26, 37; cf. Con. Eun., Athens ed., 44, p. 251.

*     لأن الروح القدس حين يسكن فينا، يجعلنا نتحد بالابن وبالتالي نشترك في بنوة الابن للآب: “أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا آبا الآب” (غل 6:4). (المترجم)

167  Didymus, De Sp. St., 34-37.

168  Cyril of Jer., Cat., 4.16, 33; 11.12; 16.1-4, 16ff, 24.

169  Cyril of Jer., Cat., 16.2 and 13.

170  Cyril of Jer., Cat., 16.24.

171  But cf. Sozomen, Hist. eccl., 7.7, for a reported change in Cyril’s views.

172  Cyril of Jer., Cat., 16.3-4; 17.34; cf. 17.4f, 34.

173 Cyril of Jer., Cat., 16.3f, 12, 24; 17.2, 5.

174 Cyril of Jer., Cat., 16.3, 13; 17.2, 5, 28, 33f.

*  إرجع إلى القداس الإلهي حيث نجد في كل من تقدمة الحمل والاعتراف تُذكر عبارة “واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس..” (المترجم)

175 Cyril of Jer., Cat., 4.16; cf. 6.1, 6f; 16.3.

176 Cyril of Jer., Cat., 16.24.

177 Cyril of Jer., Cat., 4.16; 16.3; 17.2, 5, 28, 33f.

178  Basil, De Sp. St., 38-40; Didymus, De Trin., 2.6.

179  Cyril of Jer., Cat., 16.11-13, with reference to 1Cor. 12.1-11.

180  Cyril of Jer., Cat., 16.16.

181  See, for example, Basil, Hex., 2.3-8; De Sp. St., 22f.

182  Gregory Naz., Or., 31.3, 29;41.9, 14.

183  Basil, De Sp. St., 61.

184  Basil, De Sp. St., 38; see also 48-56.

185  Basil, ibid., 38. Cf. Gregory Nyss., non tres dei, Jaeger, 3.1, p.47ff;

انظر تمييز ق. غريغوريوس النزينزي بين كل من ’المسبب‘ (αι̉́τιος) و’الفاعل‘ (δημιουργός) و’المكمِّل‘ (τελειοποιός).

186  Basil, De Sp. St., 49, 51f, 55ff, 61f.

187  Basil, ibid., 38-40.

188  Basil, ibid., 46-49, 55, 61-64.

189  Gregory Naz., Or., 31.12.

190  Basil, Con. Eun., 3.5; In Ps., 48. 1f; also Athanasius, Con. Ar., 2.41f, 46; 3.22; Ad Ser., 1.6, 9, 22f, 29; 2.7; 4.7, etc.

 

*    ’الشخص‘ (الأقنوم) له مدلول يختلف تمامًا عن مدلول ’الفرد‘. فالشخص هو من لا يوجد أو يحيا إلاّ في شركة واتحاد الحب مع آخر، وهو يحقق ذاته (بكونه شخصًا) في حبه الحر الكامل للآخر، وفي تقديمه للآخر على نفسه، وفي اختفائه هو وإظهار الآخر، وفي اتحاده الكامل مع الآخر. والاتحاد لا يحدث إلاّ بين أشخاص (أقانيم) بكل ما تعنيه الكلمة، أي بين من يحيون على صورة أقانيم الثالوث. إذن الوجود المتأقنم (الذي خُلقنا لنحياه) هو الوجود في شركة واتحاد ـ وليس الوجود الفردي ـ سواء مع الله أو مع بعضنا البعض. (المترجم)

191  Cf. Epiphanius on this, Anc., 68; Haer., 74.4.

*    كانت غاية خلقة الإنسان هي أن يحيا في شركة واتحاد الحب مع الله ومع الآخرين، ولكن الخطية أخرجت الإنسان عن صورة أقنوميته (أي عن صورة الله) وعن غاية خلقته، وظهر أثر الخطية في الفردية التي أصبح الإنسان عليها. ولذلك كان الخلاص الذي من الآب بالمسيح في الروح القدس ليعيد الإنسان مرة أخرى إلى صورته الأولى ويعيده شخصًا ـ لا فردًا ـ قادرًا أن يحيا في اتحاد مع الله ومع الآخرين. ومن هنا كان عمل الله الخلاصي في حياة الإنسان هو عمل مُشخصِن (مؤقنِم) بالمسيح وفي الروح القدس. (المترجم)

[192]  رو 15:8؛ غل 6:4؛ انظر:

Cyril of Jer., Procat., 1ff; Cat., 1.1ff; 3.1ff; 7.14; 17.4, 6; 21.1ff; 23.5.

[193]  هذا كان باليقين جزءًا من المعنى الذي يتضمنه مفهوم ’التأليه‘  (θεοποίησις)في الفكر اللاهوتي الآبائي اليوناني (المدوَّن باليونانية). انظر:

Athanasius, De decr., 14, 31; Con. Ar., 1.9, 39, 78; 2.59,70; 3.19, 33, 53; 4.21f; Ad Ser., 1.23 ff; De syn., 51; Ad Adel., 4; Ad Max., 2, etc.  

194  Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.1.

*   خاص بالابن أي يخصه أو أنه خاصته (his own)، والكلمة اليونانية (ι̉́διος) تعني خاصًّا أو خصوصيًّا أو ذاتيًّا. (المترجم)

195  Athanasius, Ad Ser., 1.2; cf. 3.1; 4.3.

#   على غير ما يحاول البعض خطأً الاستناد إلى الآية “يأخذ مما لي ويعطيكم” (يو14:16) لكي ما ينسبوا انبثاق الروح الأزلي إلى الابن مع الآب، فإننا نجد ق. أثناسيوس يشرحها (في رسائله إلى سرابيون 20:1) على أنها تشير فقط إلى مجرد إرسال الروح القدس من الابن، حيث يقارن بين ما سمعه الابن من الآب وتكلم به (يو 26:8) وبين ما يسمعه الروح القدس من الابن ويتكلم به “لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به…. لأنه يأخذ مما لي ويعطيكم”.(يو14:16). (المترجم)

196  Athanasius, Ad Ser., 1.11.

197  Athanasius, Ad Ser., 1.20; 3.1; 4.1f.

*   يتضح المعنى المقصود إذا بدأنا الجملة من نهايتها، أي بما أن الروح القدس هو أيضًا من الآب، فلا بد أن يكون خاصًّا بالابن الذي هو من الآب. (المترجم)

198 Athanasius, Ad Ser., 1.25; 3.1; 4.3f.

199 Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.1; 4.3.

200 Athanasius, Con. Ar., 1.15, 47f; 1.50, 56; 2.18; 3.15, 24, 25, 44; cf. also the addendum to the Ad Ser., 4.8-23, Athens ed., 33, pp. 133-149; and Con. Apol., 1.9.

201 Athanasius, Con. Ar., 1.58; Ad Ser., 1.17, 28; 3.1.

202  Gregory Naz., Or., 31.10.

* استخـدم ق. أثناسـيوس هذا المدخـل ليثبت ألوهية الروح القدس (انظر الرسـائل إلى سرابيون 24:1) “فلو كان الروح القدس مخلوقًا، لما كان لنا اشتراك في الله بواسطته، فإن كنا قد اتحدنا بمخلوق، فإننا نكون غرباء عن الطبيعة الإلهية حيث إننا لم نشترك فيها”. (المترجم)

203  Epiphanius, Anc., 6.

204  Epiphanius, Anc., 10, 81; Haer., 69.44, 56; 72.1; 76.21; Exp. Fidei, 18.

[205] يقول ق. غريغوريوس النزينزي: “كل ما لدى الآب هو لدى الابن أيضًا ماعدا كونه (أي الآب) غير مولود. وكل ما لدى الابن هو لدى الروح القدس أيضًا ما عدا كونه (أي الابن) مولودًا”.(خطبة 9:41)

206  Gregory Naz., Or., 31.8.

207  Basil, De Sp. St., 30, 38, 45ff, 68; cf. Athanasius, Ad Ser., 1.20; 3.1; Gregory Nyss., Con. Eun., Jaeger, 2, p. 328; Hilary, De Trin., 2.33.

208  Epiphanius, Anc., 4, 7f; Haer., 62.4; 74.11.

*   كان ق. أثناسيوس يرفض بشدة فكرة أن الروح القدس هو سبب وحدة الكلمة بالاب: “لأن الكلمة لا يشترك في الروح القدس حتى يصير في الآب،… فالروح لا يوحد الكلمة بالآب…، فالابن هو في الآب لأنه كلمته وشعاعه” (ضد الأريوسيين 25:3). (المترجم)

209  Augustine, De Trin., 6.7; 15.27, 50.

[210]  من المؤكد أن مصطلح ’التواجد (الاحتواء) المتبادل‘ (περιχώρησις) قد بدأ استخدامه اللاهوتي من خلال ق. غريغوريوس النزينزي (Or., 18.42; 22.4; Ep., 101.6.). انظر:

 Comments of G.S. Kirk and J.E. Raven (The Presocratic Philosophers, 1957, pp. 373, 380), with reference to the Scholia on Gregory’s Orationes, MPG, 36.991.

انظر أيضًا هذا المفهوم عند الآباء الذين سبقوا ق. غريغوريوس النزينزي:

 Athenagoras, Suppl., 10; Irenaeus, Adv. haer., 3.6.2, vol. 2, p. 22f; Dionysius of Alex., ap. Athanasius, De decr., 26; Hilary, De Trin., 3.4; 4.10.

211  Epiphanius, Anc., 10.

212  Athanasius, De sent. Dion., 17; cf. also De syn., 26.

213  Athanasius, Exp. fidei, 4.

214 Athanasius, Ad Ser., 3.5.

*   رغم أن هذا النص يمكن أن يُساء فهمه بمعنى أن الروح القدس يكون في الله الآب بالكلمة، إلاّ أننا إذا رجعنا إلى الفقرة التي أُخذ منها هذا النص (الرسائل إلى سرابيون 5:3) سنجد أنها تدور حول عمل الروح ووحدانيته مع عمل الآب والابن، فيبدأ ق. أثناسيوس بالكلام عن أن الروح ليس مخلوقًا بل هو فاعل في عمل الخلق، ويستمر في إثبات ألوهية الروح من منطلق وجوده الدائم مع الابن في كل أعماله الإلهية “لأنه حيث يكون الكلمة (فاعلاً)، فهناك أيضًا الروح (محققًا)”، وحتى النطق على لسان أولاد الله يكون فيه الروح أيضاً ملازماً للكلمة، ويختم الحديث بقوله إن المواهب تُعطى في الثالوث…”لأن الآب نفسه بالكلمة في الروح يعمل كل الأشياء ويعطيها”. ومن هذا السياق نستطيع أن نفهم النص في معناه المقصود والذي لا يتعرض لعلاقة الروح بالاب والابن في جوهر الله الواحد وإنما يدور حول عمل الروح القدس غير المنفصل عن عمل الابن والاب:

“لأن الروح ليس خارج الكلمة (حين يعمل أو يعطي)،

بل إذ هو في الكلمة (وهو يعطي)

فهو في الله بالكلمة (يعطي).”

كما أننا سنجد نفس هذا المعنى في نفس الرسالة (الفقرة 30): “فما يقسمه الروح لكل واحد، يكون الآب هو الذي يمنحه بواسطة الكلمة… فالمواهب التي يمنحها الابن في الروح القدس تكون هي أصلاً مواهب الآب”. (المترجم)

215  Athanasius, Con. Ar., 1.47f, 50; 2.18; 3.3ff, 15, 25; Ad Ser., 1.2, 15, 20; 4.3.

216  Athanasius, De decr., 12.

217  Athanasius, Con. Ar., 1.17f; 4.5; Ad Ser., 1.15ff, etc. Cf. Cyril of Jerusalem, Cat., 11.9.

218  Athanasius, Ad Ser., 1.0, 22,25, 27; 2.5; 3.1.

كان فكر ق. أثناسيوس قاطعًا تمامًا في هذا الأمر، وهو ما يؤكد أن الفرق بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ كان واضحًا تمامًا في الفكر اللاهوتي السكندري، رغم أننا نجد أن ق. أثناسيوس في حرومات مجمع نيقية (De decr., 20; De syn., 41) قد استخدم المصطلحين بصورة مترادفة (ارجع إلى الحاشية صفحة: 281).

219  Athanasius, Ad Ser., 1.9, 12, 14, 20, 24, 28, 30; 3.5; 4.6.

220  Basil, De Sp. St., 46; Con. Eun., 2.28; Ep., 214.4; 236.6; Gregory Nyss., Or. Cat., 2; Gregory Naz., Or., 41.9, 14.

221  See especially Basil’s Epistles 125, 214, 236, and Gregory/Basil, Ep., 38.

[222] انظر رسالة باسيليوس (أوغريغوريوس) (4:38) حيث ذُكر عن الأقانيم أنهم في: “انفصال مرتبط، وارتباط منفصل (conjoined separation, and a separated conjunction)” في الله. وبالمثل أشار ق. غريغوريوس النزينزي للأقانيم الثلاثة بكونهم “منقسمين بلا انقسام ومتحدين في انقسام (divided without division, and united in division)” (خطبة 11:39؛ 14:31؛ 9:41).

223  See Gregory Naz., Or., 29.8f; 30.19; 31.8f; 39.12.

224  See Basil, Hom. Con. Syc., Athens ed., 54, pp. 234-237; Ep., 8, 31, 189.

225  Basil, Con Eun., 1.19, 25;  Gregory Nyss., Con Eun., 1.36, 39, 42; Gregory/Basil, Ep., 38.4, 7.

غير أنه عند الحديث عن علاقات الله الخارجية (بما هو خارجه)، فإن الابن والروح القدس حينئذ يُنظر إليهما مع الآب بكونهم معًا رأس (مبدأ) (α̉ρχή) واحد وعلة (αι̉τία) واحدة:

Basil, De Sp. St., 37; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.36; 3.64; De Sp. St., Jaeger, 3.1, pp. 97ff, 105ff; non tres dei, Jaeger, 3.1, pp. 47ff; Gregory/Basil, Ep., 38.4, etc.

226  Gregory Nyss, non tres dei, Jaeger, 3.1, p. 56f; see also Con. Eun., 1.25, 33ff, 42; Con. Eun., 2, Jaeger, 1, pp. 264ff; Con. Eun., 3.5, 4; Or. Cat., 1ff.

227  Gregory/Basil, Ep., 38.4.

228  Gregory Naz., Or., 29.3; 31.13f.

ولكن ق. غريغوريوس عاد وأشار إلى اللاهوت (وليس الآب) بكونه هو الذي يتضمن وحدة المبدأ (أو وحدة الرأس) (Μοναρχία) في الله (Or., 2.38; 31.14; 39.12; 41.9.).

229  Gregory/Basil, Ep., 38.4; Basil, De Sp. St., 13, 45f, 58f; Con. Sab., 4; Gregory Nyss., Con. Eun., 1, 36; Adv. Maced., 13.

ورغم ذلك كتب ق. غريغوريوس النيصي في (non tres dei, Jaeger, 3.1, p. 56) أن فكرة السببية يمكن الاستغناء عنها.

230  Athanasius, Con. Ar., 1.16; 3.1ff; 4.1ff; Ad Ser., 1.16, 29, etc.

وحين ذكر ق. أثناسيوس مرة (De syn., 46f) أن الآب هو ’المسبب‘(αι̉́τιος) كان هذا بدون أدنى إشارة إلى وجود ’تركيب سببي‘ أو ’ترتيب‘ في أقانيم الثالوث. أما كلمة (αι̉τία) التي جاءت في مقالته الثانية ضد الأريوسيين (Con. Ar., 2.54) فكانت تحمل معنى ’منطق‘ وليس ’علة‘.

231  Athanasius, Con. Ar., 2.2, 31; De syn., 23; cf. Con. Ar., 3.58ff.

وقد تبعه في ذلك ق. كيرلس السكندري : (Thes., MPG 75.97A, 105C, 249A.).

232  Gregory Naz., Or., 20.7; cf. 29.6; and Basil, De Sp. St., 21.

233  Gregory Naz., Or., 30.20; 37.33ff; 38.8; 39.10f; 40.41ff; 42.16; 45.4.

234  Gregory Naz., Or., 1.38; 2.38; 20.7; 29.3, 15, 19; 30.19f; 31.8-14; 32.30, 33; 34.8, 10; 39.12; 40.41ff; 41.9; 42.15ff.

235  Gregory Naz., Or., 40.43; and see 29.15.

236  Gregory Naz., Or., 43.30.

237  Gregory Naz., Or., 29.2ff, 16; 30.11, 19f; 31.9, 14, 16. Cf. also   Gregory Nyss., Con. Eun., 1.22; De fide, Jaeger, 3.1, p. 65; and Basil, De Sp. St., 14f; Con. Eun., 1, Athens ed., 52, p. 164.

238  Cyril Alex., Thes., MPG, 75, 10. 125f, 128f; 32. 553; cf. Dial. De Trin., MPG, 75, 2.721, 744f, 769.

239  See Gregory Naz., Or., 31.14.

240  Gregory Nyss., Ex com. not., Jaeger, 3.1, pp. 19-25; cf. De Sp. St., Jaeger, 3.1, pp. 13ff; and Ex com. not., Jaeger, 3.1, p. 25.

241  Gregory Nyss., non tres dei, Jaeger, 3.1, pp. 55ff.

[242]  انظر تغير فكر ق. باسيليوس في: (Basil, Con. Eun., 1.23).

243  Gregory/Basil, Ep., 38.8.

244  Thus also Epiphanius, Haer., 70.8. Cf. Ps. Athanasius Quaest. al., 5, MPG, 28.784.

وقد كان ق. غريغوريوس النزينزي هو الأقرب إلى ق. أثناسيوس في هذا الأمر كما

 في كافة الأمور الأخرى: (Or., 21.13, 34; 31.9, 14; 34.8ff; 40.41;

 41.9; 42.15ff, etc.).

245  See the Letter of Arius to Eusebius, ap. Theodoret, Hist. eccl., 1.4; Athanasius, De syn., 16. Thus also Hilary, De Trin., 4.13; and Epiphanius, Haer., 69.8, 78; cf. also 73.16 & 21.

246  Athanasius, Ad Ant., 5; Con. Ar., 4.1-4. Thus also Epiphanius, Haer., 69.29; 73.16; Exp. Fidei, 14.

وقد كان ق. إبيفانيوس يركز دائمًا على ربوبية واحدة وسيادة واحدة مطلقة للثالوث

 غير المنقسم: Haer., 57.4; 62, 2f; 63.8; 69.33, 44, 73, 75; 73.15f; 74.14.

*   كان مفهوم ق. أثناسيوس وآباء نيقية للأوسيا (οÙσία) أنه “الجوهر الفائق لكل إدراك الذي يحوي ضمنًا العلاقات الأقنومية في داخله”، أي إن هذه العلاقات متضمَّنة داخل هذا الجوهر الواحد. أما ’الهيبوستاسيس‘ فأصبح يعني “كيان شخصي أساسي متمايز في داخل جوهر الله (™νυπόστατος)“، أي إن الأقانيم الإلهية لها وجود شخصي حقيقي، في جوهر الله الواحد وهذا هو المعنى أو المدلول الشخصي (الأقنومي) للأوسيا، ولذلك استخدم ق. أثناسيوس تعبير (ενούσιος λόγος) أي اللوغوس الذي في الجوهر. ومن هنا كان مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (أي الوحدانية في ذات الجوهر) هو مفتاح فهم الوحدانية والتطابق في الثالوث. كما أن هذا هو ما جعل ق. اثناسيوس يقول إن اللاهوت بكامله هو في الابن وفي الروح القدس كما هو في الآب، ولذلك فالثلاثة أقانيم هم ربوبية واحدة ومبدأ واحد ورئاسة واحدة. وكان مفهوم ’هوموأووسيوس‘ عند آباء نيقية يحمل في طياته أيضًا مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد (Athanas., Ad Ser., 1.27; 2.3,5; 3.1; Epiph., Haer., 63.6; 65.1 ff.). وقد تبع ق. أثناسيوس في هذا التعليم كل من ق. إبيفانيوس وق. غريغوريوس اللاهوتي وق. كيرلس الكبير.

     أما الآباء الكبادوكيون فعلى الرغم من أنهم ساهموا في فهم أعمق لأقانيم الثالوث، إلاّ أنهم قاموا بالتفريق بين مدلول ’الأوسيا‘ ومدلول ’الهيبوستاسيس‘ على أساس أن علاقة ’الأوسيا‘ بـ ’الهيبوستاسيس‘ هي مثل علاقة العمومي (أو المشترك) (τό κοινόν) بالخصوصي (أو المميَّز) (τό ‡διον)، وبالتالي فقد ’الأوسيا‘ أي مدلول شخصي (أقنومي) له. كما أنهم ميَّزوا الأقانيم الثلاثة بعضها عن البعض الآخر طبقًا لأنماط وجودهم (τρόποι Øπάρξεως) الخاصة. وكان مدخلهم لفهم الثالوث يبدأ من الأقانيم المتمايزة والموحدة من خلال وحدة المبدأ (الرأس) التي في أقنوم الآب الذي اعتبروه هو ’المبدأ‘ (الرأس) (¢ρχή) أو ’العلة‘(α„τία) أو ’المصدر‘ (πηγή) الوحيد للألوهة (Θεότητος) ولكن بدون وجود أي فاصل بين ’العلة‘ و’المعلول‘ وبحيث أن صدور الابن والروح القدس من الآب هو بلا بداية (¨νaρχως). ولكن هذا المدخل جعلهم ينظرون إلى العلاقات الداخلية بين أقانيم الثالوث على أنها تشكِّل بناءً متسلسلاً من السببية والترتيب المنطقي، كما أدى إلى تفريق بين ألوهة الآب ’غير المستمدة‘ وألوهة الابن والروح القدس ’المستمدة‘. (المترجم)  

247  Didymus, De Trin., 2.26.

248  Didymus, De Trin., 1.10, 15, 32, 34f; 2.1f, 4f; 2.6, 22; 2.7, 12; 3.2f, 5, 38; De Sp. St., 26; 34f; Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 225f.

249  Didymus, De Trin., 2.1f, 5; 2.6.8, 22, etc.

250  Didymus, Con. Eun., Athens ed., 44, p. 251.

وقد ظهر بوضوح تأثير ق. باسيليوس على ديديموس في هذا الكتاب.

*    بينما قام الآباء الكبادوكيون وديديموس باستبدال صيغة نيقية “من جوهر الآب” بصيغة “من أقنوم الآب”، نجد أن كلاً من ق. إبيفانيوس وق. كيرلس السكندري قد تمسك بصيغة آباء نيقية. (المترجم)

[251]  وقد جمع ديديموس بين الصيغتين ’من جوهر الآب‘ و ’من أقنوم الآب‘ في:

Didymus, De Trin., 2.5. See Epistola Eusebii, ap. Theodoret, Hist. eccl., 1.11.

252  Didymus, De Trin., 2.2, 15.

*   كان ديديموس يؤكد دائمًا أن انبثاق الروح القدس الأزلي هو من الآب (من أقنوم الآب)، أما هنا فيبدو أنه يقصد إرسال الروح القدس من الآب (الذي ينبثق منه) ومن الابن (الذي يأخذ منه ويعطينا)، والمعنى أنه بما أن الروح القدس المنبثق من الآب هو يستقر في الابن، فإنه يُرسَل (إلينا) من الابن ومن الآب. (المترجم)

253  Didymus, De Trin., 2.1; 2.2, 5; 2.26f; De Sp. St., 26. Heron, Ekkl. Pharos, 1971, p. 16; kerygma und Logos, edit, by A.H. Ritter, 1979, p. 308.

*   هذا الكلام يختص بإرسالية الروح القدس؛ إذ هو يأخذ من المسيح ويعطينا. (ارجع إلى الحاشية صفحة 277). (المترجم)

254  Athanasius, De sent. Dion., 1.17; Exp. fidei, 4; Con. Ar., 1.16, 20, 46ff, 50; 2.18, 28; 3.1ff, 15, 24ff, 44ff; Ad Ser., 1.2, 15f, 20ff; 3.2ff; 4.3f.

#   ينبثق من الآب فيما يخص صدوره الأزلي داخل الثالوث القدوس، ويأخذ من الابن فيما يخص إرساليته إلى العالم. (المترجم)

255  Epiphanius, Anc., 6; cf. 9 & 11; and Haer., 76. Ref. Aet., 15, 22, 28, 31, 35; thus also Gregory Nyss., Adv. Maced., 10.

256  Epiphanius Haer., 62.3; 63.7; 69.18, 36;73.11, 26; 76.6; 76. Ref. Aet., 5, 21, 28; 78.3.

*   بما إن الروح القدس هو ـ مثله مثل الابن ـ من ذات جوهر الآب، وهو يخص الابن، لذلك فهو ينبثق من جوهر الآب بغير انفصال عن الابن. وهو ينبثق من الآب ويستقر في الابن (ق. أثناسيوس إلى سرابيون 19:1، 33؛ ق. باسيليوس خطاب 4:38) أي إن الروح القدس ينبثق من الآب إلى الابن (أو في الابن) لأنه خاص (‡διον = his own) بالابن من جهة الكيان (ق أثناسيوس إلى سرابيون 27،25:1؛ 1:3؛ 3:4).

    وهناك ارتباط بين خصوصية علاقة الروح القدس الأزلية مع الابن، وبين إرسال الروح القدس للخليقة من خلال الابن فحيث إن الروح ينبثق من الآب إلى الابن وهو يخص الابن فيمكن أن يُقال: إن الابن يرسله إلينا من الآب، أو إن الآب يرسله إلينا بواسطة الابن أو إن الروح يأتينا من الآب من خلال الابن. إذن فبينما في الأساس، ينبثق الروح القدس من الآب، فإنه “بسبب خصوصية علاقته مع الابن، فهو يُعطى منه للجميع” (ق. أثناسيوس إلى سرابيون 1:3) ويقول ق. كيرلس السكندري: “بما أن الروح هو روح الله، روح الآب وروح الابن، فهو يصدر جوهريًّا من كليهما، (بمعنى أنه) ينحدر (إلينا) من الآب من خلال الابن (MPG, 68.148). (المترجم)

#    هذا المعنى ينحصر في إرسالية الروح القدس في العالم والتي يشترك فيها الآب والابن.. ولينتبه القارئ إلى أن الابن (المتجسد) نفسه نفخ في وجه تلاميذه قائلاً لهم اقبلوا الروح القدس (يو 20:22). (المترجم)

257 Epiphanius, Haer., 62.4; 69, 54, 56, 63; 73.12, 16; 74.7f; 74.14; 76.11; Anc., 71f.

258  Epiphanius, Anc., 72ff; Haer., 74.9ff, 12.

259  Epiphanius, Anc., 119.

260  See Gregory Naz., Or., 42. 15ff.

*  انظر صفحة 287 – 289 والمرجع رقم 226، 229 في نفس الفصل. حيث ذكر هؤلاء الآباء أن كيان الروح القدس متأسس في كيان الآب من خلال كيان الابن، كما أنهم وضعوا العلاقات الداخلية بين الآب والابن والروح القدس في بناء متسلسل من السببية والترتيب المنطقي أو في ’سلسلة‘ من الاعتمادية من خلال الابن. (المترجم)

[261]  انظر الخطاب المجمعي الصادر عن المجمع (ap. Theodoret, Hist. eccl., 5.9): “هناك ألوهة واحدة وسلطان واحد وجوهر واحد للآب والابن والروح القدس، ثلاثة أقانيم كاملة وثلاثة أشخاص تامة، وهم متساوون في المجد والكرامة والربوبية”. انظر أيضاً الملحق الخاص بالمجمع الذي وُجد في رسالة دماسوس أسقف روما والذي يحرم هؤلاء الذين لا يعترفون بأن الروح القدس له ذات الجوهر الواحد والقدرة الواحدة مع الآب وللابن، وأن الثالوث الواحد في ذات الجوهر ينبغي أن يُعبد في ثلاثة أشخاص (Theodoret, ibid., 5.11.).

[262]  هذا الأمر ظهر تأثيره في النص المسمى بـ ‘Pseudo-Dionysius’؛ إذ أصبح واضحًا جدًّا أن الفكر اللاهوتي ’المستيكي‘ لا بد أن يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التفكير في الله بكونه جوهرًا (أوسيا) فائقًا غير مميز وغير معروف في علاقاته الداخلية:

De div. nom., 1.5 ff; Theol. Myst., 1f.

263  Cyril of Jersualem, Cat., 7.5.

264  See Epiphanius, Haer., 66.72f, 84; 74.7; Anc., 119f.

265  See Didymus, Con. Eun., Athens ed., 44, pp. 253, 255, 277; cf. Athanasius, De decr., 22; De syn., 35; Con. Ar., 1.46; 3.6f; Ad Afr., 4; Epiphanius, Anc., 70; Haer., 58. 10; 62.4; 63.7; 74.7; 76. Ref. Aet., 29.etc.

[266] 2كو 17:3. انظر:

Athanasius, Ad ser., 1.4ff; Con. Ar., 1.11; Ep., 1.8f; Basil, De Sp. St., 52f.

267  E.g., Cyril of Jer., Cat., 4.16, 33; 11.12; 16.1ff, 16f, 24, 26ff; 17.5.

268  Didymus, De Trin., 1.15-18, 25f; 2.2, 6, 21f; Con. Eun., Athens ed., p. 242, etc.

269  Didymus, De Trin., 1.18, 26, 35.

270  Didymus, De Trin., 1.18; 2.3, 5, 16; 3.37; De Sp. St., 15, 32, 55, etc.

271  Didymus, De Trin., 1.18; 2.11; Con. Eun., Athens ed., 44, p. 242; In Ps., 17.16; 39.8; 41.2; 64. 10; 92.1, etc.; see also Epiphanius, Anc., 72, 75; Haer., 74.9.

272  Athanasius, Ad Ser., 1.2f, 6, 11, 33; 3.2; 4.3f.

*  أي صلوات التوسل لله من أجل تقديس القربان. (المترجم)

273  Serapion, Euch., 13, Athens ed., 43, p. 76f.

274  Cyril of Jer., Cat., 23.7. Cf. also Apost. Const., 8.12; The Liturgy of St Mark, xvii, Brightman, op. cit., p. 134.

275  Gregory Naz., Or., 30. 14; 31.3, 30; 34.13; 41.12.

276  Hippolytus, Apost. Trad., 3.5. Cf. Hilary, De Trin., 8.19; 12.55;

Desyn., 11, 29, 54f; Cyril of Jer., Cat., 16.20; 17.4, 9; and Tertullian,

De praescr. Haer., 13.

277  Thus Basil, De Sp. St., 23, 44, 46; Con. Eun., 2.32f; 3.1ff; Gregory        Nyss., Ref. Eun., Jaeger, 2, pp. 389ff; Gregory Naz., Or., 30.14; 31.3, 12, 26ff; Epiphanius, Haer., 66. 19; 73.15, 25; 74. 12f; Anc., 8, 67; Didymus, De Trin., 2.2, 6, 16, 19; 3.38; De Sp. St., 25-37, etc.

*  رو 26:8  “لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي. ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا ينطق بها” (المترجم)

#  رو 34:8 “المسيح هو الذي مات ، بل بالحري قام أيضًا ، الذي هو أيضًا عن يمين الله، الذي أيضا يشفع فينا (المترجم)

278  See Origen, De Or., 2.14.

279  Gregory Naz., Or., 30.14; 31.12; Basil, De Sp. St., 50.

280  Epiphanius, Anc., 68.72; cf. Haer., 55.5; and Basil, De Sp. St., 66f.

281  Epiphanius, Anc., 5-8; Haer., 62.4; 73.36; 74.11; cf. 70.1.

*  ارجع للحاشية صفحة 275، 276. (المترجم)

 

الروح الأزلي ف5 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

الفصل الرابع

إله من إله نور من نور

“نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء..”

 

أوَّلية ’علاقة الابن بالآب‘ في الفكر اللاهوتي الآبائي

لقد تناولنا في الفصل الثاني العلاقة بين الآب والابن، ورأينا أنه من داخل هذه العلاقة فقط، أُعطينا إمكانية الدخول إلى معرفة الله وفقًا لما هو بالحقيقة في ذاته، لأنه في الابن فقط ـ الابن الوحيد المولود من الآب ـ وكلمة الله المتجسد، قد أظهر الله ذاته لنا بحيث نستطيع أن نعرفه وفقًا بالضبط لطبيعته الإلهية. وفي هذا السياق، وجدنا أن كلاًّ من التقوى والبحث الدقيق، وكلاًّ من علم اللاهوت (الكلام عن الله) والعلوم الأخرى، يساهمان معًا في الإدراك المنطقي لإعلان الله عن ذاته لنا في يسوع المسيح ـ في الزمان والمكان ـ ويساهمان كذلك فيما يتطلبه هذا الإدرك من تغيير جذري في أسلوبنا المعتاد في التفكير.

وفي الفصل الثالث، ناقشنا حقيقة أنه فقط من داخل علاقة الآب بالابن يمكننا أن نفهم عملية الخلق بكونها عمل الله الآب (بواسطة الابن وفي الروح القدس). فكون الله ’خالقًا‘ ينبغي أن يُفهم من منظور أو من واقع كون الله ’آبًا‘ وليس العكس، لأنه في ابنه وبواسطته قد خُلقت كل الأشياء. إن ما يفعله الآب يفعله الابن وما يفعله الابن يفعله الآب. ولذلك فإن كلاًّ من عملية الخلق وطبيعة الخليقة يجب فهمها من منظور يسوع المسيح. ومن هذا المنطلق تكون عقيدة الخلق في المسيحية وما تتضمَّنه من مفهوم ’الاعتمادية‘ قائمة على أساس عقيدة التجسد. ولذا حين نبدأ تفكيرنا من منطلق هاتين العقيدتين نجد أن مفهومنا عن الله والمسيح والعالم قد تغيَّر بالكامل.

إذن فكل شيء يعتمد على العلاقة ـ وطبيعة العلاقة ـ الكائنة بين يسوع المسيح الابن المتجسد وبين الله الآب. ولذلك فإننا في هذا الفصل سنتناول الإجابة عن الأسئلة الآتية:

– كيف يجب علينا أن ننظر إلى العلاقة الكائنة بين الابن والآب؟

– ماذا يعني الإنجيل عندما يخبرنا أن المسيح قد أُرسل من قِبَل (بواسطة) الله، وأنه من عند الله وأنه من الله الآب؟

– كيف يجب أن ننظر إلى يسوع المسيح ذاته في إعلانه عن الآب؛ إذ إن كل شيء يعتمد بالفعل على هذا الإعلان؟

وهذه الأسئلة، تجيب عنها بالفعل العبارات التي أوردها الآباء في قانون الإيمان النيقي ـ القسطنطيني[1]. ونحن في ظل تسليمنا بأولوية علاقة الآب بالابن على علاقة الخالق بالمخلوق، فإن ما يهمنا هنا هو كيف ينبغي أن نفهم علاقة الابن بالآب بشكل دقيق ومحدد، حتى نتفادى الوقوع في الأخطاء والالتباسات التي حدثت في القرن الرابع، والتي كادت أن تهدد قلب الإيمان المسيحي وجوهره.

 

بدعتان متناقضتان من جهة شخص يسوع المسيح

لا شك أن مشاكل القرن الرابع هذه، كانت قد نشأت بسبب الثنائية الحادة بين عالم الحسّيات (الأشياء المحسوسة) وعالم المُدرَكات (الأشياء التي تُدرَك بالعقل) ـ والتي جاء ذكرها في مطلع الفصل الثاني ـ وبسبب ما أحدثته هذه الثنائية من تأثير على ما كان يوجد في داخل الكنيسة من أنماط مختلفة للفكر العبري والهلليني. وقد بدأت هذه المشاكل في الظهور حين شرعت الكرازة في الانتشار خارج قاعدتها الأولى في أورشليم واليهودية حيث بدأت تمد لها جذورًا في داخل الثقافة الإغريقية ـ الرومانية.

وسرعان ما ظهرت محاولات متناقضة لتفسير سر يسوع المسيح، ليس فقط انطلاقًا من الفكر العبري والهلليني المتباين، ولكن أيضًا من منطلق المفهوم السائد الخاص بالتناقض الحاد بين الله والعالم. ومن ثم ظهرت بدعتان متناقضتان من جهة شخص يسوع المسيح: بدعة ’الأبيونيين‘ (ebionite) وبدعة ’الدوسيتيين‘ (docetic). وقد فصلت هاتان البدعتان بين اللاهوت والناسوت (في المسيح) وبالتالي شوَّهتا ـ وقسَّمتا بطرق مختلفة ـ كمال الصورة التي قدَّمها العهد الجديد عن المسيح بكونه إلهًا وإنسانًا معًا وفي آنٍ واحد (إله متأنس). وهنا يجب أن نتوقف قليلاً للنظر في هذه الانحرافات، لأنها تمثل الصور الأولى للمشاكل التي واجهت الكنيسة في القرن الرابع الميلادي.

 

البدعة ’الأبيونية‘

لقد نشأت البدعة ’الأبيونية‘ بين جماعة من المسيحيين الأوائل من أصل يهودي كانوا يُلقَّبون بـ ’الفقراء‘ (ebionim)[2]. وكانوا يفسرون سر المسيح: بأن يسوع الإنسان قد اختاره الله لبنوّة إلهية خاصة عندما حلّ عليه الروح القدس في معموديته، ولم يؤمنوا به كمولود من الآب بل كمخلوق، ولم يعتبروه أنه هو الله الذي صار إنسانًا، بل رأوه بالأحرى كنبي قد حلّ الله فيه. وبالتالي فقد رفضوا فكرة وجود أية علاقة كيانية داخلية بين المسيح والآب، مفضِّلين عن ذلك فكرة وجود علاقة معنوية خارجية بينهما، وهي التي بموجبها أتمّ المسيح رسالته المسيانية.

وقد سعى الفكر الأبيوني عن المسيح ـ ومن مدخل يتجه من أسفل إلى أعلى* ـ إلى تفسير كيفيّة حلول الله في يسوع المسيح، بطريقة تحتفظ بمكانته الفريدة في الإيمان المسيحي، ولكن أيضًا بحيث لا يمس ذلك سمو الله الفائق ووحدانيته المطلقة. إلاّ أن يسوع المسيح في نظر هؤلاء كان بلا شك ضمن صفوف المخلوقات ـ بكل ما بينها وبين الله من فرق جذري ـ ولذا لم يكن من الممكن النظر إليه على أنه يجسِّد في شخصه الذاتي حضور الله الحقيقي نفسه أو عمل الله الخلاصي بين البشر.

وبالتالي لم يكن يسوع المسيح (في نظرهم) هو مركز الإيمان، بل كان مركز الإيمان هو ’الآب السماوي‘ فقط، وهو الذي كان يشير إليه (إلى الآب) المسيح دائمًا في تعاليمه للجنس البشري. وبما أن أصحاب هذه البدعة كانوا يرون أن علاقة الله بالعالم هي علاقة هامشية، فقد ظل الله بالنسبة لهم هو إله اليهودية المخفي المجهول، الذي لا يسمح للبشر بأن يعرفوا أي شيء عنه حسبما هو في كيانه الذاتي الأزلي. ولكي يقدر الأبيونيون أن يقدِّموا للعالم رسالة فعليّة عن الإعلان والفداء الإلهي، اضطروا ـ في نظرتهم للمسيح ـ أن يعتبروه على نحو ما شخصًا إلهيًّا! مما تناقض بالطبع مع ما قالوه في أول الأمر عن طبيعة المسيح المخلوقة.

 

البدعة ’الدوسيتية‘

أما البدعة الأخرى التي تسمى ’الدوسيتية‘ (أي الخيالية) فقد أخذت اسمها من طوائف تُفرط في التفسير الروحاني وكانت تؤمن بأن جسد المسيح، ابن الله المتجسد، لم يكن جسدًا حقيقيًّا بل قد بدا كذلك، أي كان جسدًا وهميًّا (خياليًّا)[3]. وكانت هناك بالفعل تحذيرات من الدوسيتية وردت في العهد الجديد[4]، حيث كانت هذه البدعة سائدة وسط غنوسييّ القرن الثاني والثالث ثم انتشرت على نطاق واسع بعد ذلك. ومن خلال مدخل يتجه من أعلى إلى أسفل* سعى الفكر الدوسيتي عن المسيح ـ وبالاعتماد على مفهوم الثنائية ـ إلى تفسير كيف صار الله إنسانًا في يسوع المسيح، بطريقة تركز فقط على حقيقته الإلهية بدون مساس بثبات الله وعدم تغيره وعدم شعوره بالألم رغم اتحاده بالجسد.

وكانت النتيجة أنهم نظروا إلى طبيعة المسيح الإنسانية وشعوره بالألم كشيء وهمي (خيالي) غير حقيقي، وذلك لكي يعطوا (حسب تفكيرهم) لرسالة الإنجيل صفة المثالية، وبالتالي قوَّضوا حقيقة التجسد الموضوعية والتاريخية. إذن فتجسد الكلمة لم يكن في نظرهم إلاّ أداة في يدي الله لإدخال الحق الإلهي في العالم، ولكن هذه الأداة تنتهي عندما يتحقق الغرض منها. ومما لا شك فيه أن تلك الصورة التي توصَّلت إليها الدوسيتية عن المسيح، كانت من جهة أخرى، قد تم التوصل إليها وتفسيرها بعيدًا عن تعليم الإنجيل وحسب الأفكار البشرية المسبقة.

وهكذا اعتادت الدوسيتية ـ فيما يخص المسيح ـ أن تبتعد عن نقطة البداية، ألا وهي: ألوهية المسيح. وكانت تميل إلى الافتراضات البشرية أو الأسطورية وتطبِّقها على الله، ولم تعدو ألوهية المسيح بالنسبة لهم عن كونها فكرة بشرية أضفوا عليها شكلاً إلهيًّا.

وهنا نلاحظ أن هناك خلطًا وجدلاً واضحًا في كلتا البدعتين، لأنه بسبب ’الثنائية‘ التي ظهرت في كل منهما، وبسبب التضاد بين الخالق والخليقة، كان لا بد أن تتداخل الواحدة في الأخرى[5].

 

أهمية حقيقة أن المسيح هو ’ابن الله الكلمة المتجسِّد‘

وكانت حقيقة أن كلاًّ من هاتين البدعتين قد تنتهي بها الأمر إلى حيث بدأت الأخرى، إنما دليل على أن كلاًّ منهما لم تبدأ بالفعل من حقيقة الإنجيل الأساسية: أن يسوع المسيح ـ المولود من مريم العذراء والذي تألم في عهد بيلاطس البنطي ـ هو الله الذي جاء بنفسه، ليكون معنا ويعلن ذاته لنا ويتحد بنا بغير انفصال من أجل خلاصنا.

ومن هنا نجد أن الإنجيل لم يقدِّم يسوع المسيح في وضع مقارنة مع الله أو مشابهة معه، ولم يتأرجح بين الاثنين كما في البدعتين المذكورتين، بل قدَّمه في كليَّة حقيقته ’الإلهية الإنسانية‘ غير المنقسمة باعتباره الله الذي صار إنسانًا[6]. وعلى هذا الأساس، فإن يسوع المسيح يكون هو الرب والمخلِّص، وهدف الإيمان المباشر، والابن الوحيد المولود من الله، الذي بغيره لا يمكن معرفة الآب. فإذا لم يكن يسوع المسيح هو الله لما استطاع أن يعلن الله لنا، لأننا لا نستطيع معرفة الله إلاّ من خلال الله نفسه فقط، وإذا لم يكن المسيح في نفس الوقت إنسانًا لما كان ممكنًا أن يخلِّصنا (نحن البشر)، لأنه فقط من خلال كونه واحدًا معنا يستطيع الله أن يتمِّم خلاصنا من داخل وجودنا البشري الفعلي.

وقد أكَّد أوريجينوس أن الإيمان بيسوع المسيح بكونه: الله الذي صار إنسانًا وأنه هو نفسه ’الله‘ و ’إنسان‘ في آنٍ واحدٍ، (الله المتأنس) هو إيمان ينتمي إلى تعليم الكتاب المقدس وقد تسلَّمناه منذ نشأة الكنيسة الأولى[7]. وقد عقَّب ر. ف. سيلرز على تعليم تلاميذ أوريجينوس الخاص بوحدة شخص (أقنوم) السيد المسيح قائلاً “من الواضح أن تلاميذ أوريجينوس ينسبون أعمال وأقوال يسوع المسيح كلها، وبدون تمييز بينها، إلى اللوغوس المتجسد ذاته ـ أي إلى الشخص الواحد الذي هو الله وإنسان في وقت واحد[8]“.

وقد تعيَّن على ق. أثناسيوس أن يردد ما جاء في كلام أوريجينوس بأن هذا الإيمان كان هو تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البداية، ومن هنا جاء تأكيد ق. أثناسيوس ـ في فقرة مهمة نشير إليها مرة ثانية ـ على أن آباء نيقية “لم يكتبوا ما بدا لهم أنه حسن، بل ما آمنت به الكنيسة الجامعة، ولذا فقد اعترفوا بما كانوا يؤمنون به لكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست آراء جديدة بل هي آراء رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم بل هو نفسه ما قد علَّم به الرسل[9]“.

وكان على مجمع نيقية إعادة تأكيد الحقيقة الإنجيلية الرئيسية التي تعلن أن يسوع المسيح هو ابن الله الكلمة (المتجسد)، وأن ابن الله الكلمة (المتجسد) هو يسوع المسيح، وذلك حتى يتصدى المجمع لتعاليم الأريوسية والسابيلية وكافة البدع الأخرى التي تلت ظهور الأبيونية والدوسيتية، والتي باتت تهدد سلامة إيمان الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة المساومة في الإيمان بأن يسوع المسيح هو الله المتأنس، لأنه إذا لم يكن المسيح هو الله بالفعل فلا تكون هناك أي حقيقة إلهية في كل ما قاله أو صنعه، وأيضًا إذا لم يكن (في نفس الوقت) هو إنسانًا بالفعل فلا يكون ما صنعه الله له أية صلة خلاصية ببني البشر.

وكان ق. أثناسيوس قد لخَّص هذه القضية الخاصة بالأعمال الإلهية والأعمال الإنسانية للكلمة المتجسد بقوله: “إذا أدركنا ما يخص كل منهما (أي نوعي الأعمال)، وإذا رأينا وفهمنا أن كلاهما قام بهما ’واحد‘، فنكون على حق في إيماننا ولن نضلَّ أبدًا. ولكن إذا نظر أحد إلى ما عُمل ’إلهيًّا‘ بواسطة الكلمة فأنكر (حقيقة) الجسد، أو إذا نظر إلى صفات الجسد فأنكر قدوم الكلمة بالجسد أو بسبب ما هو بشري قلَّل من شأن الكلمة، فإن مثل هذا الإنسان يعد مثل تاجر الخمر اليهودي الذي يخلط الماء مع النبيذ وسوف يعتبر الصليب عارًا، أو مثل الوثني الذي يعتبر الكرازة حماقة.

وهذا ما حدث بالنسبة لأعداء الله الأريوسيين الذين نظروا إلى الصفات الإنسانية للمخلِّص فاعتبروه مخلوقًا، ونظروا إلى الأعمال الإلهية للكلمة فاضطروا إلى إنكار ميلاده بالجسد وبالتالي يُحسَبون مع أتباع ماني[10]“. فالإيمان بأن يسوع المسيح هو الله الذي صار جسدًا (إنسانًا) لأجلنا ولأجل خلاصنا، يتطلب إيمانًا أكيدًا ’بألوهيته‘، لأن في المسيح، الله ذاته هو الذي صار إنساناً، وكذلك يتطلب إيمانًا مساويًا ’بإنسانيته‘ لأن في يسوع المسيح جعل الله طبيعتنا البشرية خاصة له. أما الأريوسية فقد كانت على النقيض من ذلك، حيث خلطت بين الحق والخطأ وأذنبت ضد لب الإيمان الإنجيلي وأفسدت رسالة الإنجيل الخلاصية لأنها سقطت في كلتا البدعتين الأبيونية والدوسيتية في آنٍ واحد.

 

موقف الكنيسة في الدفاع عن علاقة الابن المُتجسِّد بالله الآب

وسرعان ما أدرك البابا ألكسندروس بابا الإسكندرية التاسع عشر[11]، أن تعليم أريوس قد أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمر الحاسم في موضوع الإيمان والخلاص، هو طبيعة العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والله الآب. إذن كيف كان على الكنيسة النظر إلى هذه العلاقة؟ وماذا يعني الإنجيل عندما أقرن يسوع المسيح بالله في كل أعماله الخاصة بالإعلان والخلاص؟ وما الذي يجب أن يقال عن طبيعة هذه العلاقة لتفادي أي سوء فهم أو تحريف لها؟

وقد حرص آباء نيقية على الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عندما قاموا بصياغة اعتراف الإيمان: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب (من جوهر الآب)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί)، الذي به كان كل شيء”. وعلاوة على ذلك ألحق الآباء بإعتراف الإيمان، قانوناً مؤداه أن الكنيسة الجامعة تحرم “كل مَن يقول إن ’هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا‘، أو إنه ’لم يكن كائنًا قبل أن يُولد‘، أو إنه ’أتى إلى الوجود من العدم‘، أو يزعم أن ابن الله له جوهر مختلف (عن الآب)، أو أنه مخلوق، أو قابل للتغير والتبدل”. وكان مجمع نيقية قد أخضع جميع العبارات التي وضعها للفحص الدقيق، حتى يمكنه مواجهة النقد المتواصل خلال القرن الرابع. وقد ساعد ذلك على تأكيد وتعميق إيمان وعقيدة الكنيسة، حتى أن مجمع القسطنطينية اللاحق قد أقرَّ تمامًا هذا الإيمان وأعطاه الشكل النهائي كالآتي: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء”. ومن الملاحظ أنه لم تطرأ تعديلات ذات أهمية كبيرة في هذه العبارات عن سابقتها (التي وُضعت في نيقية)، وإنما كان التغيير الطفيف لمجرد تفادي التكرار غير الضروري[12].

وإذ بدأ آباء نيقية المقطع الثاني من قانون الإيمان بعبارة “وبربٍ واحد يسوع المسيح”، فقد أظهروا بذلك العلاقة المباشرة للرب يسوع المسيح بـ “الله الآب ضابط الكل …” الذي بدأوا به في المقطع الأول، وبالتالي بيَّنوا أنهم سواء بالنسبة ليسوع المسيح أو بالنسبة لله الآب، فإنما كانوا يشيرون إلى نفس الجوهر الواحد. وهكذا عبَّر الآباء عن المحتوى الحقيقي للعهد الجديد فيما يخص المسيح، هذا المحتوى الذي فيه الإيمان بالمسيح يتطابق تمامًا مع الإيمان بالله الآب. فأن تؤمن ’برب واحد يسوع المسيح‘ هو أن تؤمن ’بإله واحد الله الآب‘ وتعترف به إلهًا متطابقًا مع الآب.

وقد عبَّر قانون الإيمان عن هذه العلاقة الفريدة التي للمسيح مع الآب داخل وحدانية الله بهذه العبارات “ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل الدهور .. مولود غير مخلوق”. وكان مصطلحا ’ابن‘ و ’آب‘ إنما يشيران إلى التمايز داخل جوهر الله الواحد، لأن الابن هو ’ابن‘ وليس ’آب‘، والآب هو ’آب‘ وليس ’ابن‘[13]. ولكن بما أن هناك إله واحد، فبالتالي يكون هناك فقط ابن واحد لله، الذي هو أزليًّا ابن الآب كما أن الآب هو أزليًّا أبو الابن لأنه لا يوجد فارق زمني أو من أي نوع بينهما. وقد تم تجميع مفاد كل هذه العبارات معًا في مصطلحٍ مُركزٍ واحدٍ هو ’هوموأووسيوس‘ *(Ðμοούσιος) مع الآب أو ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘[14] وذلك للتعبير عن وحدانية الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب، وجاءت إضافة عبارة “الذي به كان كل شيء ..” للتأكيد على ارتباط الابن مع الخالق[15].

 

مفهوم أريوس عن علاقة الابن بالآب

وباستخدامه هذه التعبيرات في صياغة قانون الإيمان، كان مجمع نيقية بلا شك يضع هرطقة أريوس و’عدم تقواه‘ أمام عينيه.[16] فقد علَّم أريوس بأنه بسبب أن طبيعة الله فريدة تمامًا وأزلية وفائقة الإدراك، فإن جوهر الله الواحد لا يمكن معرفته أو تمييزه أو الاتصال معه، وهذا التعليم كان بالضرورة يتضمَّن رفض فكرة أن الابن أو الكلمة هو أقنوم آخر له منذ الأزل نفس طبيعة الله ذاتها، لأن هذا الأمر كان يعني بالنسبة لأريوس أن جوهر الله قابل للتقسيم أو التعددية.[17] فوجود كيان آخر غير ’الآب‘ ـ المصدر غير المبتدئ لكل حقيقة ـ كان مقبولاً عند أريوس، فقط بشرط أن يكون هذا الكيان قد أُحضر إلى الوجود من العدم. وهكذا علَّم أريوس بأن ابن الله أو كلمة الله ليس (بالطبيعة) من الآب، بل خُلق من العدم بإرادة الله، وبالرغم من تبني الله له كابن، فإنه لا يكون بأي شكل من الأشكال مكافئًا لكيان الله أو مساويًا له أو له ذات جوهر الله الواحد (Ðμοούσιος)، بل على العكس اعتقد أريوس بأن الابن ـ مثله مثل كل الأشياء الأخرى المخلوقة من العدم ـ غريب تمامًا ومختلف عن جوهر الآب[18]. وهذا يعني (بالنسبة لأريوس) أن الآب غير معروف وغير مدرَك تمامًا للابن، وبالتالي فإن الابن لا يستطيع أن تكون له ـ أو أن ينقل ـ معرفة حقيقية أصيلة بالآب، لأنه (أي الابن) يمكن أن يعرف ويفهم فقط ’بقدر ما يتناسب مع قدرته‘ كمخلوق[19]. وفوق ذلك اعتقد أريوس بأن الكلمة “مخلوق ولكن ليس كأحدٍ من المخلوقات، وأنه عمل ولكن ليس كأحد الأعمال، وأنه مولود ولكن ليس كأحد المواليد[20]“. ومعنى هذا أن الكلمة كان في نظر أريوس مخلوقًا متوسطًا بين الله والإنسان، وقد اعتبر أنه ليس هو إلهًا تمامًا ولا هو مخلوقًا تمامًا[21]. هذا بالإضافة إلى أنه بحسب رأي كل من إبيفانيوس وثيئودوريت، فإن مفهوم أريوس لإنسانية المسيح كان مفهومًا معيبًا، وقد وضح ذلك في اعتقاده بأنه في التجسد اتخذ الكلمة جسدًا مجردًا من النفس الإنسانية العاقلة، وقد حلّ هو نفسه (أي الكلمة) محل النفس الإنسانية[22].

موقف الكنيسة من الفكر الهرطوقي الأريوسي

ولا عجب في أن آباء نيقية اعتبروا أن الأريوسية هي أخطر الهرطقات على الإطلاق، لأنها طعنت في صميم جذور إيمان الكنيسة: بإثارة الشكوك حول حقيقة ألوهية المسيح وعمله الخلاصي، ناهيك عن الأمور المتعلقة بحقيقة إنسانيته. وقد جاء رد فعل الآباء قويًّا وحاسمًا وبتعبيرات وتحديدات لا لبس فيها، مؤكدين إيمانهم في أن الرب يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو: مولود من صميم جوهر الله، وهو غير مخلوق، إله حق من إله حق، وأن له ذات الجوهر الواحد مع الآب[23].

وكانت النقطة الحاسمة في مناقشات مجمع نيقية هي كيفية فهم التعبيرات الإنجيلية: ’بواسطة الله‘، ’من عند الله‘، ’من الله‘، التي استخدمت عند الحديث عن الابن المتجسد. هل ينبغي أن تُفهم ـ كما ادعى الأريوسيون ـ على أنها تعني أن الابن المتجسد هو ابن الآب، فقط بعمل إرادته بالنعمة؟ أم نفهمها على أنها تعني أنه ابن الآب، من صميم جوهره (™κ τÁς οÙσίας)، أي من طبيعته الذاتية كإله؟ لأنه إذا كان الابن فعلاً من صميم جوهر الآب ـ كما علَّم آباء نيقية ـ فإن “كل كيان الآب يكون هو الابن بجملته”، لأن الآب والابن كل منهما خاص (‡διος) بالآخر. وعلى هذا الأساس تكون علاقة الآب والابن كائنة في داخل جوهر الله الواحد، حيث إنهما متلازمان ويتواجد كل منهما في الآخر (يحتوي الآخر) بشكل كامل ومطلق منذ الأزل. فالله هو آب لأنه بالتحديد هو منذ الأزل أبو الابن، وبالمثل أيضًا الابن هو إله من إله لأنه بالتحديد هو منذ الأزل ابن الآب. وهناك تبـادلية أزلية مطلقـة بين الآب والابن دون أي فـارق أو فاصـل في الوجـود أو الزمن أو المعــرفة بينهمـا[24]. وقد عبَّــــر ق. غريغـوريوس النـزينـزي عن ذلـك بقـوله: إن ولادة الابن من الآب هـي ولادة ’غير زمنيــة‘، و’غير سببيــة‘، و’غير مبتـدأة‘    (¨χρoνως, ¢να…τiως, ¨νaρχως)[25]. أما بالنسبة للقديس أثناسيوس وآباء نيقية، فقد كانت ولادة الابن من الآب أمر يتخطى ويفوق إدراك البشر[26]. ولا يجب أن يتصور أحد أنها (أي ولادة الابن) قد حدثت في ’لحظة ما‘ أو بواسطة ’فعل إرادة‘ من قِبَل الله ـ كما تصور ذلك بالفعل كل من أريوس ويوسابيوس[27] ـ بل هي علاقة لا يُنطق بها بين الآب والابن، كائنة منذ الأزل في الله، ولذلك يقول ق. أثناسيوس: “والله فيما هو على الدوام، هو على الدوام آب للابن[28]“.

 

المنهج الذي اتبعه الآباء للتعبير عن علاقة الابن بالآب

لقد أدرك ق.أثناسيوس وآباء نيقية أنه لا مفر أمامهم من استخدام أمثلة وتشبيهات (صور) من الخليقة، في السعي للتعبير عن فهمهم لعلاقة الابن بالآب، لأن هذا الأسلوب هو الكيفيّة التي تم بها نقل الإعلان الإلهي لنا ـ من خلال لغة البشر. ومع أن هذه الأمثلة والتشبيهات (الصور) في حد ذاتها لا تفي بالغرض ـ حتى إنه لا ينبغي التمادي فيها[29] ـ إلاّ أنها وعلى الرغم من ذلك قد استُخدمت في الإعلان الإلهي بدقة مبهرة، حيث كانت تشير إلى أبعد من محتواها المحدود، إلى ما يكشفه الله عن علاقاته الإلهية الداخلية[30]. وهذا يعني أننا لا بد وأن نفسِّر هذه الأمثلة والتشبيهات وفقًا للمعنى المُعطى لها في الكتب المقدسة، وفي نطاق النظرة الشاملة والإطار العام للرسالة الإنجيلية[31].

وعلى هذا النحو، كما يقول ق. أثناسيوس، استطاع آباء نيقية استخدام المثال الإنجيلي الخاص بـ ’النور‘ (φîς) و’الشعاع‘ (¢παύγασμα) ليساعدهم في شرح علاقة المسيح كابن الله الآب وكلمته[32]، مما أدى إلى تفادي تطبيق المفهوم البشري أو الجسدي لكلمات مثل ’أب‘، ’ابن‘، ’مولود‘، ’ولادة‘، ’كلمة‘… وبالإضافة إلى ذلك، أوضح هذا المثال أيضًا أنه كما أن النور لا يكون أبدًا بدون شعاعه فهكذا الآب لا يكون أبدًا بدون ابنه أو كلمته[33]. وبالضبط كما أن النور والشعاع هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر، فكذلك الآب والابن هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر بل لهما ذات الجوهر الواحد. وحيث إن الله هو نور أزلي، فكذلك ابن الله بكونه البهاء (الشعاع) الأزلي لله فإنه هو نفسه نور أزلي بلا بداية أو نهاية[34].

ويضيف ق. أثناسيوس أن الآبــاء استطاعوا (باستخدام هذا المثال) ـ وعلى أســـــــاس إنجيلي ـ “أن يتحــــــدثوا بثقة عن المسيـــح: بكــونه ابن الآب الحقيـقي والطبيـعي، وبكــونه خــــاص بجـوهر الآب (‡διος τÁς οÙσίας αÙτοà)، وأنه هو نفسه إله حقيقي وله ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιος) مع الآب الحقيقي، لأنه ’هو رسم* أقنوم  (Øπόστασις) الآب‘، وهو نور من نور، وهو صورة كيان الآب الحقيقية وقوته[35]“. ومن هذا المنطلق، أدخل آباء نيقية في قانون الإيمان هذه العبارة على وجه التحديد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، وذلك لكي يوضِّحوا ويحددوا طبيعة العلاقة الفريدة التي بين الابن المتجسد والآب[36].

 

كيف توصَّل الآباء للصياغة النهائية للفقرات التي تعبِّر عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

ويخبرنا ق. أثناسوس في العديد من أعماله[37]، أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ كما جاء في ’نور من نور‘، أصرَّ آباء نيقية على تعريف ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ على أنها تعني ’من جوهر الآب‘ (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه ’من الله‘ الآب ـ وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات ـ وأنه هو إله من إله.

ولكن عندما تظاهر أتباع أريوس ويوسابيوس ـ وفي موقف مثير للدهشة ـ بالموافقة على عبارة ’من جوهر الآب‘، أدرك آباء نيقية أن هؤلاء الهراطقة سيفسرون هذه العبارة على نحو يمكن فيه أن تُطبَّق أيضًا على البشر الذين خُلقوا ليس فقط كـ ’أولاد الله‘ بل على ’صورة الله ومجده‘. ولذلك قرَّر الآباء قطع الشك باليقين وإزالة أية إمكانية لسوء الفهم، فأضافوا التعبير اللاهوتي الحاسم بأن الابن ’له ذات الجوهر الواحد‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί)، والذي يعني أن كلاًّ من الابن والآب هو إله مساوٍ داخل جوهر الله الواحد[38]. وفي نفس الوقت أضاف الآباء ملحقًا لقانون الإيمان يدحض الاعتقاد بأن الابن ’من جوهر آخر مختلف (عن الآب)‘، وبذلك أعلن المجمع إدانته للهرطقتان السابيلية والأريوسية والتي كانت كل منهما تميل إلى التداخل في الأخرى[39].

وهكذا رفض الآباء أي تعليم يفيد أن الابن هو من جوهر آخر غير الله، أو أنه ابن الله من خلال فقط مشاركته في الله. وأقرَّوا بشكل واضح تمامًا وبدون أي لبس أن الابن من صميم جوهر الله، وأنه هو الله، على نفس النحو الذي به الآب هو الله، لأنه واحد معه بصورة كاملة وفريدة[40]. وهو (أي الابن) ـ وفي اتحاد كامل مع الآب ـ كان منذ الأزل هو الله القائل ’أنا هو‘[41].

وقد حاول بعض الأشخاص ـ في مجمع نيقية وما بعده ـ الاستعاضة عن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) بمصطلح آخر وهو ’هومي أووسيوس‘ (Ðμοιούσιος) والذي يعني أن الابن هو فقط ’مشابه في الجوهر‘ للآب[42]. وفي الواقع، كان ق. أثناسيوس ذاته قد استخدم في بعض الأحيان تعبير أن الابن ’يشبه الآب‘[43] (وذلك حين كان يتكلَّم عن الابن بكونه صورة الآب ورسمه)، ولكن سرعان ما انصرف ق. أثناسيوس عن هذا المصطلح حتى لو كان يقصد بالمشابهة أن الابن هو الصورة الكيانية المطابقة (للآب)، لأن المشابهة تنطبق على الصفات والعادات وليس على الجوهر، وعلى أية حال فإن التشابه يعني ضمنيًّا أن هناك قدرًا من عدم التشابه*[44].

ومن هنا أصبح واضحًا أمام آباء نيقية أن مصطلح ’مشابه للآب‘ لا يعتبر كافيًا لاهوتيًّا حتى ولو أضيفت إليه كلمة ’تمامًا‘ أو كلمة ’جوهريًّا‘، لأنه لا يزال عندئذ يعطي مساحة لسوء التفسير. ورغم أن مصطلح ’التشابه في الجوهر‘ (Ðμοιούσιος) يمكن أن يحمل في صورته المطلقة مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιος)[45]، إلاّ أن المجمع فضَّل استخدام الأخير[46]. فالابن مولود من الآب بالطبيعة (φύσει)، وهو خاص بجوهر الله الآب ومطابق له، وله ذات الطبيعة الواحدة (Ðμοφυής) مع الآب الذي وَلَدَه ذاتيًّا منذ الأزل. وهو (أي الابن) لا يشارك في الآب مجرد مشاركة، بل هو جوهريًّا وكليًّا واحد مع الآب في الجوهر وفي الكينونة[47]. ويقول ق. أثناسيوس: “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله[48]“.

 

المعاني المتضمَّنة في مصطلح ’هوموأووسيوس‘ 

وحيث إن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ لم يكن مأخوذًا من الكتاب المقدس، بل كان تعبيرًا جديدًا نسبيًّا، فقد تحتم على آباء نيقية تفسيره بمنتهى العناية والدقة كما قال ق. هيلاري[49]. وهذا هو ما شرع آباء نيقية في عمله بمجرد انتهاء أعمال المجمع[50].

وصار واضحًا تمامًا في الكنيسة، أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ قد تمّ استخدامه على هذا النحو، كمصطلح لاهوتي ’تقني‘ يحمل معنى ’واحد في ذات الجوهر والطبيعة‘ (مع الآب). ومن هنا فقد تمّ الاعتماد عليه ليكون بمثابة إعلان محدد ودقيق للإيمان المسيحي في مواجهة الهرطقة الأريوسية[51].

وبالطبع كان ق. أثناسيوس في مقدمة مَن أدركوا أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘، فيما هو يعبِّر عن مساواة الابن الكاملة للآب، فإنه يحمل معنى أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وأنه واحد معه في الطبيعة ’هوموفيس‘ (Ðμοφυής). إذن فالفهم الدقيق والصحيح للتعبير اللاهوتي النيقي ’هوموأووسيوس‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί)، إنما يعني: أن (الابن) ’له ذات جوهر الآب تمامًا‘. وقد ذكر ق. أثناسيوس أن الله ذاته هو الذي أُعلن لنا كآب وابن ـ وأن الابن المتجسد مثله مثل الله الآب هو نفس الجوهر ذاته.[52] ولم تكن هناك صياغة أقوى من تلك التي عبَّر بها ق. أثناسيوس عن ذلك المعنى حين قال “إن كيان الابن بأكمله هو مكافئ تمامًا لكيان الآب”، وأن “ملء لاهوت الآب هو كيان الابن[53]“. إذن فالابن والآب هما بالضرورة نفس الله الواحد تمامًا، لدرجة ـ كما كان يردد ق. أثناسيوس ـ أن الابن هو كل ما هو الآب ما عدا كونه ’آبًا‘[54]. وبما أن الأمر كذلك، فإن أي انتقاص للابن يكون بالضرورة هو انتقاص للآب، لأن أي إنكار لطبيعة الابن الإلهية يكون إنكارًا لكون الله ’آب‘ منذ الأزل. ومن هذا المنطلق أيضًا، فإن أي إنكار لحقيقة ’الكلمة‘ الإلهي يكون بمثابة القول بأن الله في داخله هو بدون كلمة (¨λογος)، أو بدون حكمة (¨σοφος)[55]. وكما علَّم الرب يسوع المسيح نفسه في الإنجيل، فإن مَن يكرم الابن يكرم الآب ومَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. حيث إن الابن المتجسد له كل ما لله الآب ما عدا ’الأبوة‘[56].

وعلاوة على ذلك فإن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) ينطوي على معنى آخر هام. لأنه إذا كان الابن مولودًا من الآب أزليًّا داخل جوهر اللاهوت، إذن فإن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ بالإضافة إلى كونه يعبِّر عن الوحدانية بين الآب والابن، فإنه يعبِّر أيضًا عن التمايز الذي بينهما داخل هذه الوحدانية. وكما يقول ق. باسيليوس: “لأنه لا يمكن لأي أحد أن يكون له ذات الجوهر الواحد ’هوموأووسيوس‘ مع نفسه، بل يكون له ذات الجوهر الواحد ’هوموأووسيوس‘ مع آخر[57]“. وهكذا فقد كان هذا المصطلح ’هوموأووسيوس‘ يحمل معنى أنه في حين أن الآب والابن هما واحد في ذات الجوهر، إلاّ أنهما أيضًا متمايزان أزليًّا، لأن الآب بغير تغيير هو الآب وليس الابن، وكذلك الابن بغير تغيير هو الابن وليس الآب. لذلك صار مصطلح ’هوموأووسيوس‘ حصنًا منيعًا ضد كل من السابيلية والأريوسية على حَدٍّ سواء ـ أي ضد مذهب التوحيد الذي ينكر الثالوث وضد مذهب ’تعدد الآلهة‘[58]. وهذه الإشارة إلى التمايز الأزلي داخل جوهر اللاهوت الواحد، والتي يتضمَّنها مصطلح ’هوموأووســـيـوس‘، ســــوف نقــابلـها ثانيـة عندمـا نـأتي إلى تطبيـق ق. أثناسيوس لنفس المصطلح مع الروح القدس، وهو ما مكَّنه ـ ومعه الآباء الآخرون الذين دافعوا عن عقيدة الروح القدس ـ من توضيح فهم الكنيسة للثالوث القدوس في القرن الرابع[59].

وقبل انعقاد مجمع القسطنطينية بسنتين، وصف ق. إبيفانيوس الوحـــــدانية في ذات الجـــوهر بين الابن المتجســـد والآب ـ والتي تعتـــبر لب قــانـــون الإيمــــان النيقي ـ على أنها “ربــاط الإيمـان” (σύνδεσμος τÁς πίστεως)[60]. وهذا بالحقيقة ما قد ثبت صحته في الكنيسة: حيث كان لهذا المفهوم (أي الوحدانية في ذات الجوهر) الدور الرئيسي في إرشاد المؤمنين في تفسيرهم للكتب المقدسة، وفي توضيح وتأمين فهمهم ’للحق‘ الإنجيلي، وكذلك في تمكينهم من إدراك التركيب الداخلي المترابط للإيمان المسيحي. وإذا نظرنا إلى مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ في نطاق تلك الأهمية، سوف نستطيع أن ندرك بعمق أكثر مركزية المسيح (Christocentricity) في قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

 

أولاً: الأهمية التفسيرية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)

 

العلاقة المتبادلة بين ’الإيمان الرسولي‘ و’التقليد الرسولي‘

لقد كان عصر نيقية هو العصر الذي تم فيه توضيح ’قانون الحق‘ أو ’قاعدة الإيمان‘[61]، وذلك من خلال الكشف عن مضمون الإيمان الداخلي في صياغة ثالوثية. كما كان هذا العصر أيضًا هو الذي تحقَّق فيه الاعتراف بقانونية الكتب المقدسة بكونها المستودع الذي يحتوي الإعلان الإلهي الذي نقله الرسل والأنبياء[62].

ولم يكن تزامن هذين الأمرين معًا من قبيل المصادفة، لأن توضيح وديعة الإيمان الرسولي في مواجهة التعاليم الخاطئة (أي الدفاع عن الإيمان المُسلَّم)، هو أمر متداخل ومترابط بشدة مع عملية تمييز التقليد الرسولي عن أي تقليد آخر (أي تمييز وتحديد الأسفار القانونية). وقد كان هناك تفاعل دائم بين ’قانون‘ الحق (الإيمان الرسولي المُسلَّم)، و’قانون‘ الكتب المقدسة (التقليد الرسولي). فالكتب التي قُبلت بكونها تنقل الإعلان الإلهي كانت فقط هي تلك التي جاءت متفقة مع ’قانون‘ الحق (الإيمان المُسلَّم)، وكذلك الإيمان الذي قُبل كإيمان رسولي أصيل كان فقط هو ذلك الذي جاء متفقًا مع تعاليم الكتب المقدسة المقبولة (التقليد الرسولي). وأثناء ذلك كله، كانت السلطة والأوليَّة التي أعطتها الكنيسة للإيمان الرسولي ـ على أي إيمان آخر ـ قد حملت ضمنيًّا معها سلطة وأوَّلية الكتب المقدسة الرسولية. وقد حدث الاعتراف الكامل بالأسفار المقدسة، فقط حين وُجد أن تركيبها الداخلي وتناغمها هو بالضبط نفس التركيب والتناغم الموجود في وديعة الإيمان الرسولي.

 

اهتمام مجمع نيقية بتوضيح الجوهر الداخلي للإنجيل وإعطائه صيغة رسمية في قانون الإيمان

إن ما نــراه جليًّا تمامـًا في “المجمـع الكبير”، هـو أن “الآبـاء بنيقيـة ـ كما عبَّر ق. أثناسيوس ـ قد تنفسوا روح الكتب المقدسة”[63]. فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي الذي تضمَّنته الكتب المقدسة ـ في العديد من نصوصها ـ فيما يخص علاقة الرب يسوع المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل. ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام الآباء ـ ومن خلال الإعلان الإنجيلي ـ إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب. ومن هنا توصل آباء نيقية ـ ومن خلال جهودهم التفسيرية واللاهوتية ـ إلى الصيغة الفائقة الأهمية: ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)  والذي يعني أن (الابن) ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘. وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر (وتُربَط) نصوصه المختلفة.

ومن خلال خضوع مجمع نيقية للمعنى (διάνοια) المتضمَّن في الأسفار المقدسة، ومن خلال خضوعه كذلك للفكر التقوي (φρόνημα) الرسولي ـ والذي هو بكل يقين فكر (νοàς) المسيح الذي يملأهم ـ استطاع المجمع أن يوضح البناء الداخلي للإنجيل وأن يعطيه صيغة رسمية في قانون الإيمان، وبذلك أعطى المجمع للأسفار المقدسة سلطة وأوليَّة غير مسبوقة في فكر الكنيسة الجامعة[64]. وباليقين كانت الأناجيل ورسائل بولس الرسول قد قُبلت بشكل غير رسمي وألحقت بأسفار العهد القديم باعتبارها كتبًا مقدسة مقبولة ومعتَرف بها، ولكن (قائمة) الأسفار القانونية المعترف بها لم تتحدد بالضبط إلاّ بعد مجمع نيقية. إذن فلا عجب في أن يكون ق. أثناسيوس ـ والذي يرجع إليه الفضل في ترسيخ مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ في فكر الكنيسة ـ هو الذي ندين له بأول قائمة محددة “للأسفار القانونية، المُسَلَّمة إلينا والمُعترف بأنها إلهية”. وقد أوضح ق. أثناسيوس ذلك بقوله: “إن هذه الأسفار هي ينابيع الخلاص، ولذلك فكل من يعطش يستطيع أن يمتلئ من الكلمات الحيَّة التي فيها. وفي هذه الأسفار وحدها يتضح قانون التقوى. فلا ندع أي إنسان يضيف إليها شيئًا أو ينتقص منها شيئًا[65]“.

ويتضح من وقائع جلسات مجمع نيقية التي وصلت إلينا، أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ كان يُستخدم في أول الأمر للتفسير والتوضيح، وأنه تكوَّن في داخل إيمان وعبادة الكنيسة، وتشكَّل في ظل تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ليساعد الكنيسة على إدراك معنى (διάνοια) وحقيقة (¢λήθεια) مفاهيم وعبارات وصور (أمثلة) الكتاب المقدس. ويخبرنا ق. أثناسيوس أنه نظرًا للأسلوب المراوغ الذي استخدمه وفسَّر به الأريوسيون الأسفار المقدسة، وضع آباء نيقية فقرات الكتاب المقدس الواحدة تلو الأخرى ـ من العهدين القديم والجديد ـ تحت الدراسة والفحص والتدقيق والمقارنة، مع الأخذ في الاعتبار المجال الذي قيلت فيه والزمان والمكان والشخص والموضوع قيد البحث، وكذلك أسلوب الكتاب المقدس المميَّز في الحديث، وكل ذلك من أجل توضيح الفهم الحقيقي والصحيح لهذه النصوص، ومن أجل كشف ـ بكل أمانة ممكنة ـ المعنى الدقيق الذي تنقله تلك النصوص[66]. وقد رفض الآباء الأفكار الأسطورية والمادية التي أقحمها الأريوسيون على النصوص المقدسة واعتبروها أفكارًا غير كتابية وغير إيمانية[67].

 

لماذا اضطر الآباء، في تعبيرهم عن الإيمان، لاستخدام مصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس؟

لقد وجد الآباء أنفسهم مضطرين أحيانًا لاستخدام عبارات ومصطلحات غير كتابية (لم ترد في الكتاب المقدس) مثل ’أوسيا‘ (οÙσία) و ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، وذلك من أجل التعبير بأقصى دقة وتحديد عن معنى (διάνοια) النصوص الكتابية وقوتها (δύναμις) فيما يختص بوحدانية يسوع المسيح غير المنفصلة مع الآب. وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجًا عن الكتب المقدسة، أقرَّ الآباء بأن توضيح وشرح الحق بعبارات مأخوذة من الأسفار المقدسة ـ وليس من أي مصدر آخر ـ هو الأفضل من جهة الدقة والصحة، ولكنهم بالرغم من ذلك أُجبروا ـ بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة ـ أن يصيغوا ويشكِّلوا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم[68]. وكما أوضح ق. أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات بعينها وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات[69]. وكانت القاعدة العامة عند ق. أثناسيوس: أنه عندما تُستخدم التعبيرات في الحديث عن البشر، فإنها ينبغي أن تُفهم بمعنى يختلف تمامًا عن معناها حين تُستخدم في الحديث عن الله، لأن الله يتمايز عن البشر تمايزًا كليًّا وفائقًا، ولذلك فعندما تُستخدم نفس المصطلحات مع الله ومع الإنسان، يجب أن تُفسر تفسيرًا مختلفًا وفقًا لطبيعة من تشير إليه[70]. وكان التغيير الذي حدث في استخدام اللغة وفي مفهوم المصطلحات ـ تحت تأثير قوة الإنجيل ـ هو ما عبَّر عنه ق. أثناسيوس ورسخه كمبدأ تفسيري هام، حيث قال: “إن التعبيرات(λέξεις)  لا تنتقص من طبيعته (أي طبيعة الله)، بل بالأحرى فإن طبيعة الله تسحب هذه التعبيرات إليها وتحولها. لأن التعبيرات لم تسبق الكيانات (οÜσiαι)، بل الكيانات كانت أولاً ثم جاءت التعبيرات (التي تعبِّر عن هذه الكيانات وتشير إليها)[71]“. ولا ينطبق هذا المبدأ التفسيري على فهمنا لمصطلحات وتعبيرات الكتاب المقدس فقط، ولكنه يحكم أيضًا التعبيرات التي نأتي بها نحن لشرح وتفسير الكتاب المقدس. ولذلك فإن مصطلحات مثل ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، التي استخدمت في الحديث عن الله في مجمع نيقية، لم تُوظف بنفس المعنى المعتاد لها في المراجع اليونانية، ولكن أُعطيت معنى جديدًا تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح والذي غيَّر معاني هذه المصطلحات وأعطاها أبعادًا جديدة[72].

 

الدور التفسيري لمصطلح ’هوموأووسيوس‘

ومن هذا المنظور، كان التعبير النيقي: أن الابن ’له ذات الجوهر الواحد‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί) يعتبر أداة تفسيرية بالإضافة إلى كونه أداة لاهوتية. ومع التسليم بأن هذا التعبير كان يُعتبر في البداية تعبيرًا لاهوتيًّا قاطعًا ـ نشأ من الفحص الدقيق لعبارات الكتاب المقدس وأنماط الحديث الواردة فيه، وتمت صياغته في شكل موجز (مضغوط) بلغة دقيقة ومكافئة ليس لنص كلمات الكتاب المقدس بعينها وإنما للمعنى أو الحقيقة التي تنقلها أو تشير إليها هذه الكلمات[73] ـ ولكن مع ذلك فإنه بمجرد استقرار هذا التعبير كأداة لاهوتية (تساعد الفكر على الإدراك)، بدأ يساهم أيضًا كمرشد لفهم الكتب المقدسة، وكأساس إيماني رئيسي يُرجع إليه عند تعليم المؤمنين. وعلى حد قول ق. أثناسيوس، فإن الكنيسة عندما تدخل في مثل هذا الإدراك اللاهوتي (الذي يقدمه مفهوم ’هوموأووسيوس‘)، تكون قد وضعت قدميها على الأساس الرسولي الثابت، وتكون قادرة على أن تُسلِّم للجيل التالي التعليم الصحيح كما قد تسلَّمته من الجيل السابق بدون تحريف أو تشويه[74].

وبعد أن تثبت مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (في الكنيسة) على هذا النحو، ساهم هذا المفهوم أيضًا في إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهلليني (اليوناني) كما ذكرنا في فصل سابق*. فنجد أن معاني بعض المصطلحات مثل ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) وكذلك ’لوغوس‘ (λόγος) و’إنرجيا‘ (™νέργεια)، قد خضعت لتغييرات جذرية من خلال الاستخدام الذي وُظِّفت فيه وذلك أثناء عمل الكنيسة التفسيري واللاهوتي. وأصبح ينبغي أن تُفهم معاني هذه المصطلحات في ضوء رسالة الإنجيل التي استُخدمت (هذه المصطلحات) لنقلها، أي في ضوء حقيقة: إن الله ـ الذي هو المصدر الخالق لكل الوجود ـ قد صار إنسانًا وواحدًا معنا، لكي نُعطى بالابن وفي الروح القدس سبيلاً إلى الآب وفقًا لما هو في ذاته. ومن هنا كان يُعد تعبير ’له ذات الجوهر الواحد‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί) أنه تعبير فذ وحاسم: لأنه عبَّر عن حقيقة أن ’ما هو‘ الله نحونا ـ وفي وسطنا ـ من خلال الكلمة الذي صار جسدًا، هو بالحقيقة نفس ’ما هو‘ الله في ذاته#؛ أي إن ’ما هو‘ الله في العلاقات الداخلية لجوهره الفائق ـ كآب وابن وروح قدس ـ هو نفس ’ما هو‘ الله في عمله الإعلاني والخلاصي نحو البشر في الزمان والمكان[75].

 

المدلول اللاهوتي لمصطلح ’أوسيا، (οÙσία) ومصطلح ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις)

تشير كلمة ’أوسيا‘ (οÙσία) في استخدامها اللاهوتي الحالي إلى ’الجوهر‘، ولكن ليس ببساطة كما ما هو عليه (أي لا تشير إلى الجوهر في صورة عامة مجردة)، وإنما تشير إلى ماهية هذا الجوهر فيما يتعلق بحقيقته الداخلية. وتشير كلمة ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) إلى ’الجوهر‘، ليس في وجوده المستقل، بل في توجهه أو هدفه الآخري (الذي نحو الآخر). وطبقًا لشرح برستيج، فإن ’أوسيا‘ تعني الجوهر في ’مدلوله الداخلي‘، بينما تعني ’هيبوستاسيس‘ الجوهر في ’مدلوله الخارجي‘[76]. ومما يتعيَّن ذكره أيضًا أن هذه المصطلحات في الاستخدام اللاهوتي تحمل بالضرورة ضمنيًّا المعنى أو المفهوم الشخصي (الأقنومي)، وهو ما لم تكن تتضمَّنه تلك المصطلحات في استخدامها في اللغة اليونانية الكلاسيكية. إذن فمصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) يشير إلى علاقات شخصية (أقنومية) كائنة في اللاهوت، ففي جوهر الله الواحد: الآب والابن والروح القدس كل منهم متمايز (¨λλος) عن الآخر وهم جميعًا لهم ذات الجوهر الواحد؛ ومن جهة عــلاقة كــل منهــم بالآخــر فإنهـم في علاقة أقنومية  (Øποστατός, Øποστατικός) مع بعضهم البعض، أو يمكن القول إنهم في علاقة كيانية أقنومية داخل الجوهر الواحد (™νυπόστατος, ™νυποστατικός). ووحدانية الابن والروح القدس في ذات الجوهر إنما تشير إلى أن لهما ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، كما أنها تشير كذلك إلى وحدتهما وتساويهما المطلق معه داخل هذا الجوهر الواحد غير المنقسم. وهكذا صارت الصيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) صيغة إيمانية مقبولة عند التحدث عن الثالوث القدوس[77].

وهنا يجب أن نتذكر التغيير الذي حدث في الفهم اللاهوتي لجوهر الله، بفضل ما تضمَّنته التعبيرات التي قدَّمها ق. أثناسيوس عن: ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος Λόγος) و’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος ™νέργεια)، وقد تعرَّضنا لهذه التعبيرات في مناسبة سابقة*. فإذا كان ’ما هو‘ الله في ذاته هو نفس ’ما هو‘ في شخص وفعل ابنه وكلمته المتجسد، فإن جوهر (οÙσία) الله يجب أن يُفهم بشكل مختلف تمامًا عما كان في الفكر اليوناني. فبالنسبة لله، ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος Λόγος) و’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος ™νέργεια)، إنما يعبِّران عن حقيقة أن جوهر الله ليس بلا كلمة أو بلا فعل، أي ليس صامتًا أو خاملاً (ساكنًا)، بل هو بليغ وفعَّال. وجوهر الله ينبغي فهمه بكونه جوهر متحدِّث وبليغ، لأن ’جوهر‘ الله و’كلمته‘ متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فصميم ’جوهره‘ هو الكلمة وصميم ’كلمته‘ هو الجوهر. وبالمثل أيضًا، فإن جوهر الله هو جوهر فعَّال (ديناميكي)، لأن ’جوهر‘ الله و ’فعله أو طاقته‘ متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فجوهره هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله*.

وهكذا صاغ آباء نيقية مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) تحت تأثير إعلان الله عن ذاته، وعمله الخلاصي في يسوع المسيح، وقد ساهم هذا المصطلح بالفعل في دعم وتعميق العقيدة المسيحية المتميزة عن الله.

 

ثانيًا: الأهمية الإنجيلية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)

 

مفهوم ’هوموأووسيوس‘ هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النّيقيّ كله

لقد أصبح واضحًا لدينا الآن أن المناقشات التي جرت في نيقية والقرارت التي اتُخِذت هناك، لم تكن في الأساس تختص بأمور غيبية أو ميتافيزيقية (أي فيما وراء الطبيعة)، على الرغم من أن مثل هذه القضايا (الميتافيزيقية) وغيرها من المسائل التفسيرية كانت متضمَّنة داخل تلك المناقشات. ولكن الموضوع الرئيسي محل الاهتمام كان هو الوحدانية بين يسوع المسيح والله الآب في ذات الجوهر والفعل والقول، ومدى تأثير ذلك على صحة الرسالة الإنجيلية. وكان على الآباء أن يتخذوا القرار الحاسم فيما يخص هذا الموضوع، وهذا بالفعل هو ما قد تم في نيقية.

وكان القصد الأساسي ـ في مجمعي نيقية والقسطنطينية ـ من صياغة مصطلح ’هوموأووسيوس‘ والتمسك به، هو الالتزام الأمين بما جاء في الإنجيل الذي اؤتُمِنَت عليه الكنيسة، وتقديم اعتراف رسمي بالإيمان يحمل في جوهره ’الحق‘ الإنجيلي الأسمى الذي تأسست عليه الكنيسة. وبدلاً من فرض الفكر الهلليني على الإنجيل[78]، تم تعديل معاني المصطلحات الهللينية* حتى يمكن توظيفها لخدمة تعليم وشهادة إنجيل العهد الجديد بلا أي تحريف أو ضلال.

وعلى هذا النحو، تحوَّل مصطلح ’هوموأووسيوس‘ من كونه مجرد مصطلح لغوي بسيط، إلى أن أصبح يمثل مفهومًا فكريًّا كاملاً، لا يستطيع العقل الورع إلاّ أن يقبله إذا أراد أن يكون وفق الحق المُعلن في المسيح يسوع. وصار (هذا المصطلح) بذلك هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النيقي كله، كما ظل هو المفهوم الرئيسي الذي حافظت عليه الكنيسة، وطالما عادت إليه في فهم وإعلان بشارة الإنجيل. وما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو إدراك تأثير الـ ’هوموأووسيوس‘ على رسالة الإنجيل، والذي نستطيع من خلاله أن نحكم على هذا المصطلح ونكتشف أهميته.

ويمكننا إبراز الأهمية الإنجيلية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ من خلال طرح هذه التساؤلات:

– ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك وحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب؟

– وإذا لم تكن هناك وحدانية في الجوهر وفي القدرة بين المسيح والله (الآب)، فما هو تأثير ذلك على فهمنا للمسيح بكونه الرب والمخلِّص، وماذا يمكن أن يحدث لرسالة الإنجيل التي تعلن عن محبة الله الخلاصية؟

– وماذا يعني كل ذلك بالنسبة لمعرفتنا لله ذاته؟

ولنبدأ الآن بمناقشة السؤال الأول.

 

ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك وحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب؟

هنا نجد أن الأهمية الرئيسية والشاملة لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ تكمن في تأكيده الدامغ على أن يسوع المسيح هو ’الله‘، وبكونه ’الله‘ فهو يشترك مع الآب (وبصورة متطابقة ومطلقة) في ذات جوهر اللاهوت الواحد. وبكونه الابن الوحيد المولود من الآب، فهو التجسيد التام لكيان الله بالكامل، كما أنه هو إعلان الله الفريد عن ذاته لأنه الكلمة الذي صار جسدًا. ومن جانب آخر، إن لم يكن يسوع المسيح هو الله ـ كما زعم أريوس ـ فلابد عندئذ أن نعتبر أنه مخلوق من العدم، وبالتالي يكون ’خارجًا‘ عن الله (الخالق)، و’مختلفًا‘ تمامًا عن جوهره، بل و’غريبًا‘ عنه، ويترتب على ذلك ـ كما كان يؤكد أريوس ـ أن الله لا يمكن على الإطلاق معرفته، لأنه لا يوجد مخلوق (وهنا يقصد المسيح) مهما علت مرتبته يستطيع التوصل إلى معرفة حقيقية عن الله.

وهذا يعني أنه إذا فصلنا بين جوهر الابن المتجسد وبين جوهر الآب[79]، فلن نستطيع عندئذ أن نقول أنه توجد أية وحدانية بين ما يقدمه الإنجيل من إعلان عن الله (في المسيح) وبين الله ذاته. وإذا لم يكن ’ما هو‘ الله في ذاته هو نفس ’ما هو‘ في الرب يسوع المسيح، فلن يكون هناك تطابق بين الله وبين مضمون إعلانه عن ذاته (في المسيح)، ولن يستطيع البشر عندئذ الوصول إلى الآب بالابن في الروح القدس. وسنكون حينئذٍ في جهل تام عن الله، وسيكون الله بالنسبة لنا مبهمًا ومجهولاً تمامًا، فلا نستطيع أن نفكر فيه أو نتحدث عنه.

وقد عبَّر ق. أثناسيوس عن ذلك بقوله: لو كان الابن منفصلاً عن الآب، أو لو أن الكلمة لم يكن كائناً منذ الأزل في الله، لكان جوهـر الله صــامــتـًا تمامـًا (¨λογος) ـ بالضبــط مثل نور لا يشع (μή φωτίζων)، أو أرض جرداء بلا خصوبة (œρημος)، أو مثل ينبوع جاف (لا ينبع منه شيء) أو حفرة خاوية (λάκκος)[80]. والحقيقة الأساسية التي يؤكِّدها ق. باسيليوس هي أنه لو كان الابن مخلوقًا، لما كان للبشر أية معرفة عن الله على الإطلاق[81]. ولن يكون لدى الكنيسة في تلك الحالة إلاّ بعض الفهم البشري    ـ الذي مركزه في الإنسان وليس في الله ـ لكي ما تطبقه على الله وتقدِّمه في شكل ’إعلان‘ زائف. وقد أشار ق. أثناسيوس في أحيان كثيرة إلى أن الهراطقة يتاجرون في هذا النوع من ’الإعلان‘ الزائف الذي يبتكرونه (κατ’ ε̉πίνοιαν) وفقًا لخيالاتهم الشخصية، بدلاً من أن يكون هذا الإعلان أمرًا يتسلَّموه ويدركوه (κατά διάνοιαν) وفقًا لحقيقة الله الموضوعية. وإذا لم يكن الله نفسه ’في كيانه الذاتي‘ (كآب وابن وروح قدس) هو ما يعنينا في أمر ’الإعلان الإلهي‘، فإننا في هذه الحالة نكون قد انشغلنا بالميثولوجيا (μυθολογία) أي معرفة الله من خلال الأساطير، وليس بالثيؤلوجيا (θεολογία) أي المعرفة اللاهوتية الحقيقية. وأيضًا إذا كان المسيح منفصلاً عن الله، فلن يكون هو نفسه مركزًا لكل الإنجيل (البشارة المفرحة) بل مجرد شخص زائل يمثل الله، أو صورة رمزية له فقط لا غير، وكان هذا سيؤدي بالتأكيد ـ كما ادعى أريوس ـ إلى عدد لا يُحصى من ’كلمات‘ الله و’صوره‘[82].

ومَن يكون هذا الإله الذي نعبده إذن، لو لم يكن المسيح (الذي حلّ بيننا) هو إعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا؟ فلو أن الأمر كذلك، ألاّ يكون الله عندئذ هو من لا يعبأ بأن يُعلن ذاته لنا، ولم يتنازل لإظهار ذاته لنا في المسيح يسوع، أو يمكن حتى أن نقول إن محبته ستكون عندئذٍ قد عجزت عن أن يصير واحدًا معنا؟ وكان هذا سيعني بالتأكيد أنه لا توجد علاقة ’من حيث الوجود‘ وبالتالي ’من حيث المعرفة‘ بين محبة المسيح ومحبة الله ـ أي إننا بالحقيقة لن نجد إعلانًا عن محبة الله، بل على العكس سنجد ما يدعو للسخرية، لأنه في حين يُقال إن الله أظهر محبته لنا في المسيح يسوع، إلاّ أن المسيح (في هذه الحالة) لن يكون بالحقيقة هو نفس هذه المحبة في ذاته!

وقد رأى آباء نيقية أن هذه الأفكار وما يترتب عليها تنطوي على تناقض شديد مع رسالة الإنجيل التي تقول إن الإيمان بالرب يسوع المسيح هو الإيمان بالله ذاته. ولذلك أدخلوا تعبير ’هوموأووسيوس‘ في قانون الإيمان، ليؤكدوا على الحقيقة العظمى في أن الله قد أعلن لنا ذاته في التجسد، وأن الله واحد تمامًا مع إعلانه هذا. فكل شيء يعتمد على الوحدانية في ’الجوهر‘ و’الفعل‘ و’القول‘ بين يسوع المسيح الابن الوحيد المتجسد والله الآب. وإن لم تكن هذه الوحدانية في ذات الجوهر أمرًا حقيقيًّا وصادقًا، لفقد الإنجيل ’الأساس‘ الفعلي لإعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا في المسيح يسوع، وهذا الأساس هو ما يجعل الإنجيل يصير إنجيلاً (أي بشارة مفرحة حقيقية).

وعلاوة على ذلك كما رأينا، فإن تعبير ’له ذات الجوهر الواحد‘ (Ðμοούσιος) مع الآب إنما يعبِّر عن الوحدانية المطلقة بين ’أنا هو‘ الخاصة بالرب يسوع و ’أنا هو‘ الخاصة بالله الآب ضابط الكل، لأن ابن الله في شخصه المتجسد هو الذي نستطيع فيه أن نعرف الآب وفقًا لما هو في ذاته، ونعرفه معرفة دقيقة وحقيقية وفقًا لطبيعته الإلهية. ويؤكِّد مصطلح ’هوموأووسيوس‘ أن ’ما هو‘ الله في ذاته منذ الأزل هو نفس ’ما هو‘ في يسوع المسيح، وبالتالي فليس هناك إله آخر (مجهول) بعيد عن الرب يسوع المسيح، بل هو فقط (الإله) الذي قد صار معروفًا لنا في يسوع المسيح. وهذا ما نسمعه من ق. أثناسيوس حين يقول “إن معرفة الآب من خلال الابن ومعرفة الابن من الآب هما نفس الشيء تمامًا[83]“، ويردد ق. باسيليوس ما قاله ق. أثناسيوس: “كل ما للآب يُرى في الابن، وكل ما للابن هو للآب، لأن الابن بجملته هو في الآب وله كل ما هو للآب في ذاته. وبذلك فإن أقنوم الابن كما لو كان هو هيئة ووجه معرفة الآب، كما أن أقنوم الآب يُعرَف في هيئة الابن[84]“.

وجدير بالذكر هنا، أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ ينطبق (تبعيًّا) على العلاقة بين الابن ’المتجسد‘ والله الآب. وهذا يعني أن هذا المصطلح يؤكد حقيقة ’بشرية‘ المسيح، وحقيقة أن كل ما أعلنه (المسيح) لنا وما صنعه من أجلنا إنما قد تم وهو في وحدانية غير منفصلة في جوهر الله الأزلي. وقد أشرنا سابقًا إلى أهمية ما قاله ق. أثناسيوس بأن الابن المتجسد أو ’بشرية الرب‘ أو ’الإنسان الرباني ـ Dominical Man‘ ـ على حد تعبير ق. أثناسيوس ـ يعتبر رأس (أو أول) طرق الله* لأجلنا[85]، مما كان له أكبر الأثر في الفهم المسيحي لله وفقًا ’لما هو‘ في ذاته وما قد أعلنه لنا عن ذاته. ولا بد لنا من أن نشير إلى أن أهمية مصطلح ’هوموأووسيوس‘ تكمن في ارتباط المسيح، وهو في حقيقة وكمال بشريته، بحقيقته وكماله بكونه ابن الآب الأزلي. وما يجب علينا هنا أن نعيه تمامًا هو كمال بشرية (إنسانية) المسيح: أي إن الابن (في التجسد) اتحد بطبيعة بشرية كاملة في زمان ومكان محدد، لذا فالمسيح هو أخ لنا، لحم من لحمنا ودم من دمنا[86]. وبالتحديد كما أنه بكونه الابن المتجسد هو شريك مع الآب في ذات الجوهر والطبيعة الواحدة منذ الأزل، فكذلك أيضًا شاركنا كياننا وطبيعتنا البشرية المخلوقة. ومن المدهش فعلاً أن الإنجيل كشف لنا أن الله ذاته جاء بيننا كإنسان[87]، وليس مجرد أنه أقام أو سكن في إنسان بل إنه هو نفسه صار إنسانًا كاملاً. وهكذا هو يلتقي بنا، ويعلن ذاته لنا، لأنه يشاركنا في كل كياننا وطبيعتنا البشرية: في الجسد والعقل والنفس[88].

وكانت هذه هي إحدى حقائق الإنجيل الأوليَّة التي سعى الأريوسيون إلى إغفالها إصرارًا منهم على إبقاء الله على مسافة بعيدة للغاية عن الإنسان، ولذا فقد نادوا بفكرة غريبة مفادها أنه بما أن المخلوقات لا تحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، فقد خلق الله اللوغوس أولاً، ثم من خلال اللوغوس وبواسطته أحضر بقية الخليقة إلى الوجود[89]. ولذلك اعتبر الأريوسيون أن اللوغوس يحتل مكانة ودور مخلوق متوسط بين الله والعالم. وقد انزعج آباء نيقية جدًّا عند سماعهم تلك الأقوال، وصمّموا بالإجماع على استبعاد الهرطقة الأريوسية بشكل قاطع ـ وكان هذا هو الهدف الأول لتعبير ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (Ðμοούσιος τù Πατρί)[90]. وفي وجه النزعات الانقسامية الخاصة “بفصل الابن، غير القابل للإنفصال، عن الآب” ـ تلك النزعات التي “مزَّقت رداء المسيح” و “ثوب الله الذي بغير خياطة” ـ كان لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ أكبر الأثر في رفض ثنائية الفكر، والحفاظ على حقيقة وكمال طبيعة المسيح الإنسانية، التي يتأسس عليها كمال وحقيقة خلاصنا[91]. وتُعد هذه النقطة ذات أهمية خاصة في فهمنا للوحدانية في ذات الجوهر بين الابن ’المتجسد‘ والله الآب ـ لأن هذه الوحدانية هي التي تربط الخلق والفداء معًا، حيث تكون محبة الله هي القاعدة الحقيقية التي يرسو عليها كل موضوع الخلق. ولذلك فإن عدم قبول هذه الحقيقة ـ أي الوحدة في ذات الجوهر بين المسيح والله ـ يعتبر رفضًا لنظرة المسيحية نحو الله والخلق والفداء، لأن كل شيء يعتمد في النهاية على حقيقة وكمال بشرية الابن المتجسد ووحدانيته في ذات الجوهر مع الله الآب.

 

ماذا يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك وحدانية في القدرة والعمل بين الابن المتجسد والله الآب؟

وحين ننتقل إلى السؤال الثاني، سنجد أن تعبير ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (Ðμοούσιος τù Πατρί) قد أكَّد بوضوح عدم وجود انفصال ليس فقط بين جوهر الابن وجوهر الآب، بل أيضا بين أعمال الابن وأعمال الله الآب. وحين قال السيد المسيح في إنجيل ق. يوحنا: “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل”، فقد كان يطابق بين عمله وعمل الله الخالق[92]. ويقول ق. أثناسيوس: “هو الذي صنعنا بكلمته، صنع كل الأشياء الصغيرة منها والكبيرة. وليس لنا أن نقسم الخليقة ونقول إن هذا صنعه الآب وذاك صنعه الابن، لأن الكل صنعه الله الواحد الذي يعمل بكلمته الحقيقي مثل يده ويخلق الكل به ’لنا إله واحد، الآب الذي منه جميع الأشياء، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء‘[93]“. ولكن إذا فصلنا بين الابن والآب، فإن ذلك سوف يجعلنا بالتالي نفصل عمل الابن عن عمل الآب، لأنه سوف ينزل بعمل الابن إلى مستوى عمل المخلوق[94]. فلو لم يكن يسوع المسيح هو نفسه الله، لغاب كل سلطان وكل شرعية في أي شيء قاله أو صنعه لأجل البشر؛ ولو لم يكن هو الله لما استطاع أن يعمل كإله؛ ولو لم يكن هو الخالق لما استطاع أن يخلِّص ويعيد خلقة البشرية[95] كما أكَّد ق. أثناسيوس أنه “لا يمكن لمخلوق أن يخلِّص مخلوقًا أبدًا[96]“.

إذن فللإجابة عن سؤالنا الافتراضي، لا بد أن نقول إنه لو فُصلت أعمال يسوع المسيح عن أعمال الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، لسقط أساس الإنجيل كله. ولو اعتبرنا أن ما صنعـه المسيـح لأجلنـا ليس هـو عمــل الله الذي صـار إنسـانًا بل فقـط هـو عمــل إنســــــــان قد لُقّــِب بـ ’ابن الله‘ ـ كمكافأةٍ له مقابل خدمته للآخرين من البشر ـ لكان المسيح لا يجسد نعمة (χάρις) الله الخلاصية للبشر، ولكان عاجزًا تمامًا عن عمل التأليه (θεοποίησις)[97]. وفي المقابل، إذا كان يسوع المسيح لا ينفصل لا في ’الجوهر‘ ولا في ’العمل‘ عن الله الآب، فإنه بالتالي يكون ’بالجوهر‘ و’بالعمل‘ ـ وفي حضوره المتجسد وتدبيره الخلاصي ـ هو إعطاء الله ذاته للجنس البشري[98]. وهكذا فكما أن تعبير ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ يؤكد أن الله ذاته هو ’مضمون‘ إعلانه ’في يسوع المسيح‘، فإن هذا التعبير أيضًا يؤكد أن الله ذاته هو محتوى (أو مضمون) نعمته الخلاصية ’في يسوع المسيح‘[99]. ففي يسوع المسيح: مُعطي النعمة وعطية النعمة هما واحد تمامًا*، لأن في المسيح وبالمسيح لا يكون إلاّ الله ذاته هو الذي يعمل لأجلنا ولأجل خلاصنا[100].

وكان المصطلح المميَّز الذي استُخدم ـ في الفكر اللاهوتي الآبائي المدوَّن باليونانية ـ للتعبير عن إعطاء الله ذاته للجنس البشري بالمسيح وفي الروح القدس: هو التأله#  (θέωσις)[101]. فالمسيح لم يكن إلهًا لأنه يشترك في الله، بل هو ذاته الله بالتمام والكمال وله ذات الجوهر الواحد مع الآب. وبفضل حقيقته الإلهية، وحضوره المتجسد داخل الجنس البشري، فهو يعمل في البشر بفعله الإلهي الخالق بطريقة فائقة، جاعلاً إياهم يشتركون فيه من خلال النعمة، وبهذا يشتركون في الله. وهكذا فإن مصطلح التأليه (θεοποίησις) أو التأله (θέωσις) قد اُستخدم لوصف الفعل الفريد لله المتجسد*، ذلك الفعل الذي يلازم جوهره الإلهي بغير انفصال: فهو فعله الكائن في جوهره أو هو جوهره الكائن في فعله. فيسوع المسيح في شخصه المتجسد هو فعل الله الفريد الذي به نخلص ونتجدد، ولكن بطبيعة الحال نحن لا نحصل على الخلاص أو التجديد بواسطة عمل المسيح دون أن نكون متحدين به وشركاء فيه. وقد بنى لاهوتيّو نيقية مفهومهم عن التأليه (θεοποίησις) معتمدين على قول الرب في إنجيل يوحنا (35:10)، بأن الكتب المقدسة قد دعتهم “آلهة (θεοί) أولئك الذين صار(ت) إليهم كلمة# الله[102]“. وقد فهم الآباء أن هذا يشير إلى أولئك الذين رغم أنهم مخلوقون قد صاروا شركاء ’للكلمة‘ بواسطة فعله الخالق فيهم. فالمسيح وحده هو الله (Θεός)، إله حق من إله حق، وهو وحده الابن الحقيقي للآب، ولكن بواسطة فعله ’التأليهي‘ (θεοποίησις)، تم تبنينا وصرنا أبناءً لله فيه، ومن هذا المنطلق فإن أولئك الذين من خلال الاتحاد بالمسيح قد قبلوا نعمة ونور روحه القدوس يُقال عنهم أنهم ’آلهة‘ (θεοί)[103].

وفي تطبيقهم لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ على الابن المتجسد وكلمة الله، رفض آباء نيقية رفضًا قاطعًا فكرة أنه مخلوق متوسط (بين الله والإنسان)، بل بالأحرى رأوا أنه ينبغي النظر إليه على أنه وسيط بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك بكونه هو الله وإنسانًا في آنٍ واحد. ففي الابن المتجسد، الله ذاته وهو في جوهره الأزلي، قد تنازل ليصير إنسانًا، وذلك لكي يعطي ذاته ويعلن ذاته ـ وليس جزءً من ذاته ـ للبشرية. وبنفس الطريقة عند تطبيقهم مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ على عطية النعمة، رفض الآباء رفضًا قاطعًا فكرة أن النعمة هي مجال مخلوق بين الله والإنسان، بل على العكس اعتبروا أن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في ابنه المتجسد، والذي فيه (أي في الابن المتجسد) المُعطي والعطية هما واحد بغير انفصال[104]. ويقول ق. أثناسيوس: “من خلال الابن نحن نُعطى ما نُعطَى، فالآب لا يعمل شيئًا إلاّ بالابن، لذلك فالنعمة محفوظة لمَن يحصل عليها[105]“. وفي ظل هذا النمط من العطاء الذي تحكمه الوحدانية التي بين الآب والابن، فإن النعمة لا يمكن أن تكون هبة إلهية ’قابلة للانفصال‘ عن الله أو ’قابلة للانتقال‘ منه لتُعطى للإنسان، وهي التي بفضلها يصير الإنسان بصورة ما ’مؤلَّهًا‘ أو ’إلهيًّا‘*[106].

إن نعمة ربنا يسوع المسيح ينبغي أن نفهمها بنفس الطريقة التي نفهم بها حقيقة الروح القدس الذي كما عبَّر قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عنه، هو ’الرب المحيي‘. وقد أكد ق. أثناسيوس هذه النقطة مرات كثيرة وبصفة خاصة في رسائله إلى سرابيون إذ قال: “إن الروح القدس هو هو بغير تغيير على الدوام، وهو لا ينتمي إلى طبيعة الذين يشتركون فيه رغم أن كل الأشياء تشترك فيه[107]“. كذلك أيضًا النعمة، لأن النعمة هي ’إعطاء‘ الله ذاته لنا في المسيح يسوع، ولا يمكن فصلها، أو بالحري فصله (أي المسيح) عن الله بأي شكل من الأشكال، لأنه واحد في ذات الجوهر مع الله ’المعطي‘[108]. وإعطاء الله ذاته لنا في النعمة لا يمكن فصله أبدًا عن الجوهر الواحد والفعل الواحد الذي للثالوث القدوس. ويقول ق. أثناسيوس في ذلك: “الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس[109]“. ويعود ق. أثناسيوس ليؤكِّد مرة أخرى: “هذه النعمة والعطية التي تُعطى، إنما تُعطى في الثالوث القدوس، من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة لنا هي من الآب بالابن، فإنه لا تكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه، تكون لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس ذاته[110]“.

ولمصطلح ’هوموأووسيوس‘ أهمية إنجيلية تتضح تمامًا في أعمال المسيح الخلاصية مثل الشفاء والغفران والمصالحة وفداء البشرية الساقطة، لأن هذا المصطلح أكَّد بأقصى ما يمكن على أن كل هذه الأعمال تمت نتيجة علاقة الوحدة غير المنفصلة والشركة التامة الكاملة بين يسوع المسيح والله الآب. كما تكمن أهمية موضوع التأليه (θεοποίησις) في تأكيده القاطع على الوحدانية في الفعل كما في الجوهر بين الابن والآب، مما يجعل أعمال المسيح الخلاصية في الإنجيل هي نفسها أعمال الله ذاته ’لأجلنا ولأجل خلاصنا‘. وهكذا ينكشف مدى تأثير وشرعية هذه الأعمال من خلال الإصرار على أن هذه الأعمال هي تلك التي يستطيع الله الآب وحده ـ بكونه ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى ـ أن يعملها.

وبدون هذا الأساس ـ كما رأى آباء نيقية ـ فإننا نفرغ الإنجيل من جوهره الخلاصي. وعلى سبيل المثال: ماذا تكون قيمة وفاعلية كلمة الغفران التي قالها السيد المسيح لأحد الخطاة لو أن المسيح كان مجرد مخلوق، لأن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا ـ وهو يغفرها بالفعل كما لو كان الخاطىء لم يفعل هذه الخطية ـ بل ويجدد كيانه أيضًا؟ الحقيقة أنه فلو لم تكن كلمات يسوع المسيح وأعمال محبته الغافرة مؤسسة على كيان الله وحقيقته، لما كان لها أي أثر أو معنى.

ثم ماذا عن آلام السيد المسيح وفدائه للبشرية؟ وماذا تكون غاية الصليب لو أن المسيح الذي عليه كان منفصلاً عن الله، أي لو أن المسيح وهو على الصليب كان مجرد مخلوق والله بعيد تمامًا عنه ومنعزلاً في كيانه الإلهي؟ كيف كان ممكنًا أن يتم الفداء ما لم يكن الله ذاته ـ في حبه وتحننه الفائق ـ هو الذي أتى إلينا في يسوع المسيح ليجعل طبيعتنا وموتنا خاصًّا به من أجل خلاصنا؟ وكان هذا هو السؤال الذي طرحه ق. أثناسيوس في جداله الطويل مع الأريوسيين، حيث أظهر أنه في يسوع المسيح اتخذ ابن الله الأزلي ’شكل العبد‘ ليصير بالتحديد كاهنًا وذبيحة (في آنٍ واحد)، وذلك في تدبيره الخلاصي لأجلنا[111]. ولم يكن لدى آباء نيقية أدنى شك في أن موت المسيح على الصليب كان هو عمل الله نفسه ـ في أعماق وجودنا البشري المخلوق ـ من أجل خلاصنا، وإلاّ فيكون ما حدث على الصليب بلا أي معنى أو فائدة. وقد عبَّر ق. غريغوريوس النزينزي عن هذا المعنى في عظة في عيد الفصح: “الله مصلوب … هذه هي ’المعجزة‘. لقد كنا في حاجة إلى إله يتجسد، إله يموت لكي نحيا نحن. فكلنا قد متنا معه حتى نتطهر، وقد قمنا ثانيةً معه لأننا متنا معه. وقد تمجَّدنا معه لأننا قمنا معه[112]“. إذن فهذا الفداء يكون مفرغًا من مضمونه تمامًا، لو لم يكن الابن المتجسد، الإله الحق من الإله الحق، هو الذي تألم ومات لأجلنا على الصليب.

ثم ماذا عن المصير النهائي للبشرية عندما يأتي السيد المسيح في مجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات؟ كيف يكون التفكير في ذلك لو لم يكن يسوع المسيح هو نور من نور، إله حق من إله حق، بل مجرد كيان زائل يرحل عن هذا العالم مع بقية الخليقة؟ ولن يكون السيد المسيح في هذه الحالة كفيلاً لمستقبلنا، بل سيكون كل ما يمكن أن نرجوه في النهاية هو ملاقاة إله مستبد ومجهول لنا تمامًا، ولا علاقة له بيسوع المسيح أو بكل ما كان قد أعلنه. ولكن ما هو الوضع إذا كان المسيح هو الله الظاهر في الجسد، الذي قد أخذ على عاتقه دينونة العالم ـ وبحكم هذا فهو الوسيط بين الله والإنسان ـ وبه يدين الله جميع الناس في اليوم الأخير؟[113] هذا بالتحديد هو ما يوضحه قانون الإيمان النيقي، لأن لمصطلح ’هوموأووسيوس تأثيره البالغ في فهمنا للدينونة الإلهية، لأنه يؤكد أنه لا يوجد فاصل أو مسافة من أي نوع بين يسوع المسيح والله ديَّان العالم كله. فدينونة المسيح ودينونة الله هي واحدة تمامًا، لأنه حتى في الدينونة الأخيرة فإن الله الآب والابن المتجسد هما واحد تمامًا في الجوهر وفي العمل. وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت قانون الإيمان يؤكد أن المسيح “ليس لملكه انقضاء”، لأن التجسد لن يزول أبدًا بل سيدوم وسيبقى إلى أبد الآبدين[114].

 

المكانة المحورية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ في الكنيسة

عندما شرع آباء الكنيسة العظام في التأمل بدقة في كل ما يمكن أن يترتب على تعبير ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، اكتشفوا أن هذا التعبير يحمل في طياته معاني تزيد بكثير عما كان مُدركًا وقت صياغته واستخدامه في قانون الإيمان. وسرعان ما صار هذا التعبير هو ركيزة أرثوذكسية المسيحية أو التقوى، وصار مَن يرفضه “كمَن أنكر رسالة الخلاص إنكارًا صريحًا” كما قال ق. غريغوريوس النيصي[115]. بل ما هو أكثر من هذا، أن الآباء قد غمرهم الانبهار والدهشة إزاء دلالة العلاقة الداخلية التي للابن المتجسد بجوهر الله الحي، وماذا تعني هذه العلاقة بالنسبة لحياة السيد المسيح كلها، والتي ينبغي اعتبارها متضمَّنة داخل علاقات التواجد (الاحتواء) المتبادل التي للثالوث القدوس. فما صار فيه ابن الله في تجسده، وما اختبره وقاله وصنعه لأجلنا ولأجل خلاصنا، كان مؤسسًا في الله، ومُعتبرًا أنه في داخل الله وخاصًّا به تمامًا. والأدهش من هذا كله، أن يسوع ابن العذراء مريم الذي عاش حياة بشرية كاملة بيننا كواحد منا، لم يكن هو إلاّ الله ذاته الذي قد صار إنسانًا، وهو ـ وفي نفس الوقت وإلى الأبد ـ ينتمي إلى عمق جوهر اللاهوت[116]. ولا عجب إذن في أن آباء الكنيسة قد جاهدوا بشدة من أجل الحفاظ على صحة هذا الإيمان الذي توهج نوره بقوة في ذهن الكنيسة في نيقية، مما ولَّد قناعة لدى المؤمنين بأن ما حدث في هذا المجمع كان بالحقيقة من الله.

وفي أثناء التوصل إلى صياغة مصطلح ’هوموأووسيوس‘ بنيقية، حدث أمر جوهري في فكر الكنيسة الأولى، فقد تمت خطوة حاسمة نحو مستوى أعمق في فهم الإنجيل، وفي نفس خط التقليد الرسولي الذي لا يمكن للكنيسة أن تتراجع عنه طاعة منها لإعلان الله الخلاصي في المسيح يسوع. وقد كانت هذه الخطوة حدثًا لا رجعة فيه في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي. ويمكننا أن نستدل على أهمية ما قد تم إذا نظرنا إلى ما نفعله في لعبة لغز الصورة المُقطَّعة (jig-saw puzzle) أي الأحجية المؤلفة من قطع صغيرة يتعين على المرء أن يرتبها بحيث تشكِّل صورة ما. فنحن نرتب القطع المتناثرة حتى يظهر منها الشكل المطلوب، وإذا أعدنا تفكيكها فلن نجد صعوبة كبيرة في إعادة ترتيبها مرة أخرى. ولكننا لا نستطيع عمل هذا بدون تذكر الصورة التي توصلنا إليها في المرة الأولى، لأن شيئًا ما قد حدث في العقل والذاكرة يتعذر إلغاؤه، وهو الذي يؤثر على كل المحاولات التالية للرجوع إلى الشكل المتكامل الأصلي المكوَّن من القطع المختلفة.

وقد وقع حدث ’لن يُمحى‘ من هذا النوع في عقل وذاكرة الكنيسة في مجمع نيقية عام 325م، وكان هذا نقطة تحول ذات أهمية كبرى وتطور في الفهم لا رجوع عنه. وعندما تأكد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب، وتمت صياغته بوضوح في مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، كان هذا خطوة عملاقة إلى الأمام نحو إدراك أعمق لترابط الإنجيل كما نقلته إلينا كتابات الرسل. وبمجرد الوصول إلى هذا المفهوم في الكنيسة، لم يكن من الممكن التراجع عنه، لأن المضمون الإنجيلي للإيمان كان قد تم حفظه وتأمينه في ذهن الكنيسة بشكل دائم وباقٍ. وكما قال ق. أثناسيوس: “إن كلمة الله التي جاءت خلال المجمع المسكوني بنيقية تدوم إلى الأبد[117]“.

 

مصطلح ’هوموأووسيوس‘ ينطبق على علاقة الابن الأزلي بالآب، وينسحب بالتالي على علاقة الابن المتجسد بالآب

لقد تناولنا في هذا الفصل، الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها مصطلح ’هوموأووسيوس‘ في توضيحه وتأكيده للوحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب. وقد اهتممنا بتوضيح حقيقة إنجيلية هامة، ألا وهي أن ’ما هو‘ الله في يسوع المسيح ـ في كل إعلانه وعمله الخلاصي نحونا ـ هو نفس ’ما هو‘ الله في جوهره الذاتي. ولكن يوجد جانب آخر لهذه الحقيقة وهي أن مفهوم ’هوموأووسيوس‘ أي الوحدانية في ذات الجوهر، ينطبق ليس فقط على العلاقة بين الابن الأزلي والآب، بل أيضًا ـ كما أشرنا ـ على العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والآب، ولذا كان علينا أن نبحث فيما يعنيه هذا من جهة بشرية المسيح. وقد طُرح هذا السؤال في الكنيسة فورًا عقب مجمع نيقية كما نرى من رسالة ق. أثناسيوس إلى إبكتيتُس: وماذا عن بشرية الرب يسوع، إذا كان علينا أن نعطي مفهوم ’هوموأووسيوس‘ هذه المكانة الرئيسية في إيماننا وفكرنا؟ وبلا شك ـ كما ذكرنا ـ فإننا نقول، إن يسوع المسيح ـ وهو في كمال وتمام طبيعته البشرية ـ له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وبكونه هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، فلابد أن يكون إنسانًا كاملاً من إنسان، كما أنه في نفس الوقت إله من إله.

 

 

1  كان نص اعتراف الإيمان النيقي يحتوي على عبارة ” إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، ولكن مجمع القسطنطينية رأى حذف عبارة إله من إله باعتبارها مكررة.

2  See Justin Martyr, Dial.c. Tryph., 47-48, Irenaeus, adv. haer., 1.22.1, vol.1, pp. 212f; 3.11.10, vol.2, p. 45; 3.15.1f, pp.78f; 4.52.1f, pp. 259f; 5.1.3, pp. 316f; Hippolytus, Ref. haer., 7.34f; 9.13ff; Origen, De prin., 4.1.22; Con. Cel., 2.1; 5.61, 65; Minucius Felix, Dial. Oct., 36; Tertullian, De praescr., 33; Eusebius, Hist. eccl., 3.27; 4.22; Hilary, De Trin., 1.26; 2.4; 7.3,7; 8.40; De syn., 38f, 50; Epiphanius, Haer., 29f; Jerome, Ep., 112,13. Cf. Ignatius, Philad., 8; Magn., 8ff.

*   من أسفل إلى أعلى هو تعبير يشرح نظرة هذه البدعة للمسيح باعتباره كان إنسانًا عاديًّا (من أسفل) ثم أصبح ابنًا لله في المعمودية أي إنه انتقل إلى هذه الحالة (إلى أعلى). (المترجم)

3  Ignatius, Eph., 7.18-20; Trall., 9; Smyrn., 1-3, 5, 7; Magn., 11; Justin, De res., 2; Irenaeus, Adv. haer., 1.16.2, vol.1, p. 193f; 3.17.5f, vol.2, pp. 86ff; 4.55.2ff, p.266ff; 5.1.2, pp. 315f; Hippolytus, Ref. haer., 8.8-11; 10.16; Clement Alex., Strom., 7.17; Eusebius, Hist. eccl., 6.12; Theodoret, Haer., 5.12; Ep., 82. See also Tertullian, De carne Christi, passim.

[4]  1يو 22:2؛ 2:4؛ 2يو 7.

*  من أعلى إلى أسفل هو تعبير يشرح مدخل الدوسيتيين إلى المسيح باعتباره الله المتعالي (من أعلى)  الذي ظهر في شكل جسد غير حقيقي، أي إنه تنازل وظهر في هذه الحالة ـ الوهمية ـ الأقل (إلى أسفل). (المترجم)

[5]  كان ق. أثناسيوس مدركًا بالفعل لهذه الأمور الجدلية، ولكنه كان يعتبر أن قانون الإيمان النيقي هو الحصن الحامي ضدها جميعاً:

  1. Con. Ar., 1.8; 2.12, 14; De decr., 12, 32; De syn., 45; Ad. Afr., 11. See also Evagrius/Basil, Ep., 8.3; and Basil, Ep., 125.1.

 

[6]  انظر تأكيد ق. أثناسيوس في (ضد الأريوسيين 35:4) على أن المسيح هو “إنسان وإله كامل معًا (وفي آنٍ واحد)” (ο̉́λον αυ̉τόν α̉́νθρωπόν τε καί Θεόν ο̉μου̃)، ويعتبر هذا القول هو ضد كل من البدعة الدوسيتية والبدعة الأبيونية. انظر كذلك قوله في (ضد الأريوسيين 3: 41) بإن المسيح “هو إله حقيقي في الجسد، وجسد حقيقي في الكلمة

7  Origen, De prin., 1.praef, ; 1.2.1ff; 2.6.2f, etc. Cf. Ignatius; Eph., 7.2- cited by Athanasius, De syn., 46.  

8  R. V. Sellers, Two Ancient Christologies, 1940, p.29.       

9  Athanasius, De syn., 5;see De decr., 5; Ad Ser., 1.28; Ad Afr., 1; Fest. Ep., 2.4-7, etc. Cf. also Alexander of Alexandria, Ep., 1.12-13; Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

10  Athanasius, Con. Ar., 3.35.

وقد كان يشير إلى الكتاب المقدس في: إش 22:1 (الترجمة السبعينية)، و1يو 3:4.

11  See the epistles of Alexander preserved by Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and by Athanasius, De decr., 35; Socrates, Hist. eccl., 1.6; Gelasius, Hist. eccl., 2.3. Consult Vlasios Pheidas, ‘Alexander of Alexandria and his two Encyclical Epistles’, in Άντίδωρον Πνευματικόν, Athens, 1981. Cf. the earlier teaching of Dionysius of Alexandria discussed by Athanasius, De sent. Dion.

12  Cf. the creed cited by Epiphanius, Anc., 120.

[13]  كان هذا التمييز يتضمن رفضاً لبدعة سابليوس:

 Athanasius, De syn., 16; cf. De sent. Dion., 5ff; Con. Ar., 3.4, 36; 4.1ff; Ad Ant., 3-6, 11; Con. Ar., 4.2.

*  مصطلح ’هوموأووسيوس‘ هو صفة من مقطعين:  ’هوموس ο̉μος‘ ويعني ذات الشيء الواحد (one and the same) ، و’أوسيا ούσια‘ والذي يعني الجوهر، فيكون المعنى الكامل لمصطلح ’هوموأووسيوس  مع الآب‘: له ذات الجوهر الواحد مع الآب أو واحد مع الآب في ذات الجوهر (of one and the same being with the father). (المترجم)

14  Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, The Incarnation. Ecumenical Studies in the Nicene-Constantinopolitan Creed, 1981, p.6 (ed. By T. F. Torrance).

15  Athanasius, De decr., 7, 18f; De syn., 12, 35; Con. Ar., 1.9ff; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.2-5.

16  Athanasius, Ad episc., 13; De decr., 1f; De syn., 3; Con. Ar., 1.7; Basil, Ep., 52.2, etc.

[17]  انظر المقاطع التي ذُكرت من أقوال وخطابات أريوس في كتابات كل من ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس والبابا ألكسندروس:

See the citations from Arius’ Thalia in Athanasius, De syn., 15-16; Con. Ar., 1.5ff; De decr., 16; Ad episc., 12; Arius’ Letters to Alexander, in Athanasius, De syn., 16, and to Eusebius, in Epiphanius, Haer., 69.6.Cf. also the first Encyclical of Alexander on the Arian heresy, Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and Socrates, Hist. eccl., 1.6.

18  Athanasius, Con. Ar., 1.5-6; De syn., 15.

19  Athanasius, ibid., and cf. also Ad episc., 12.

20  See Athanasius, Con. Ar., 2.19, and De syn., 16, for this citation from Arius’ Letter to Alexander.

21  Athanasius, Con. Ar., 2.24-26, 30; De decr., 8, 24.

22  Epiphanius, Anc., 33; Theodoret, Haer., 5.11. Cf. Eustathius, De an. adv. Ar., MPG, 18.689B; Athanasius, Ad Ant., 7; Gregory Naz., Ep., 101, MPG, 37, 134A; Gregory Nyss., Con. Eun., 2.124, Jaeger, II, p.365; Athanasius, Con. Apol., 1.15; 2.3, 17; Theodoret, Ep., 103. See also the evidence adduced by V. Pheidas from the Colluthian schism, Τό Κολλουθιανόν Σχίσμα καί Άρχαί τοà Άρειανισμοà, 1973.

[23]  انظر تفسير ق. أثناسيوس لهذه العبارات في:

Athanasius, De decr., 6ff; Con. Ar., 1.9ff; De syn., 41ff.

24  Athanasius, Con. Ar., 1.1-29, 34; 2.22ff, 33; 3.1ff; 65f; 4.1ff; De syn., 41-54; De decr., 24, 27; Basil, Ep., 52.2; Hilary, De syn., 25.

25  Gregory Naz., Or., 30.11&19; cf. 29.3f; 31.14.

[26]  يقول ق. باسيليوس: “إن طريقة الولادة الإلهية (للابن)، هي أمر لا ينطق به ويفوق كل تخيلات الفكر البشري” (Ep., 52.3). انظر كذلك:

 Basil, Con. Eun., 2.16 & 24; Gregory Naz., Or., 29.8

27  Cf. C. Stead, Divine Substance, 1977, pp. 26 & 229.

28  Athanasius, De decr., 12; cf. 20. Also Ad Episc., 2;

إن هذا الفهم للأبوة والبنوة بكونها علاقات أزلية كائنة في الله، هو ما قد أيده بشده ق. غريغوريوس النزينزي ـ ونفس الوضع ينطبق بالطبع على الروح القدس ـ حيث نراه يشرح ذلك بوضوح في ’عظاته اللاهوتية‘، كما يمكننا أيضاً أن نجد نفس المعنى تقريباً عند بقية الآباء الكبادوك:

Gregory Naz., Or., 29.16 & 20; 31.9. Cf. Basil, (or his brother) Ep., 38.4; and Gregory Nyss., Con. Eun., 1.33; 8.5; 9.2; Or. Cat., 1.

29  Athanasius, In ill. om., 3.

30  Athanasius, In ill. om., 3-5.

ارجع إلى مفهوم ق. أثناسيوس عن الصور الإنجيلية بكونها ’أمثلة‘ (παραδείγματα):

De decr., 12; Con. Ar., 1.20; 2.30; 3.3, 10; De syn., 42; Ad Ser., 1.19f, etc.

[31] ارجع إلى كتاب المؤلف:(Reality and Evangelical Theology, 1982, pp.100ff)

32  Athanasius, De decr., 21-24.

33  Athanasius, Con. Ar., 1.24; De decr., 27; In sent. Dion., 25.

34  Athanasius, De decr., 24; Con. Ar., 1.13, 25; 2.33; Ad episc. Aeg., 13; Ad Afr., 8.

*   أي الصورة الكاملة المطابقة لأقنوم الآب. (المترجم)

35  Athanasius, Con. Ar., 1.9, with reference to Hebrews 1.3.

36  Jaroslav Pelikan, The Light of the World. A Basic Image in Early Christian Thought, 1962, pp.55ff.

37  Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

38  Athanasius, De syn., 41.

39  See Basil, Ep., 125.1; Ep., 214. See also Ep., 236.6; Gregory/Basil, Ep., 38.1ff, etc. Cf. Athanasius, Con. Ar., 3.65; 4.33; Ad Afr., 4ff & 8.

40  Athanasius, De syn., 48-54; Ad Afr., 8-9.

41  Athanasius, , Con. Ar., 1.11ff, 34, 46ff, 60; 2.12, 14, 18, 20, 53f, 56, 59, 61, 82; 3.1f, 5f, 9, 19, 22, 24f, 27, 33; 4.4; De decr., 22, 30; De syn., 34, 48f; Ad Afr., 4; Ad Ser., 1.28; 2.2; In ill. om., 4. See also Gregory Naz., Or., 30.18.

42  Athanasius, De decr., 20; De syn., 8, 26, 29 (the Arian creed); 37f, 41, 46, 50, 52f. Cf. Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

43  Athanasius, Con. Ar., 1.20f, 26, 40; 2.17f, 22, 34; 3.11, 20, 26, 67; Ad episc., 17; Ad Afr., 7; cf. Exp. Fidei, 1.

*   إن لفظة ’مشابه‘ تعني أنه ليس هو تمامًا، ولكن يشبهه في بعض الأمور وبالتالي فإنه لا يشبهه في أمور أخرى. ونلاحظ أن الفرق بين المصطلحين اليونانيين هو حرف واحد (ι). (المترجم)

44  Athanasius, De syn., 41 & 53; De decr., 20; cf. Evagrius/Basil, Ep., 8.3.

45  Athanasius, Con. Ar., 1.21, 26, 40; 2.17f, 22, 33; 3.10f, 14, 26, 67; De syn., 26, 38, 41. 47-54; De decr., 20, 23; Ad episc., 17; Hilary, De syn., 89; Evagrius/Basil, Ep., 8.3; 9.3. Cf. Epiphanius, Haer., 73.22; and Cyril of Jerusalem, Cat., 4.7; 11.4, 18.

46  Athanasius, Cf. the stance taken by Basil of Ancyra, Athanasius, De syn., 41; Epiphanius, Haer., 73.22.

[47]  كان ق. أثناسيوس يرى أن علاقة ’الكلية‘ التي بين الابن والآب متضمَّنة في تشبيه النور والشعاع. (Con. Ar., 2.33, 35; cf. De inc., 17; Con Ar., 3.6.)

وكان يرى أن هذا التشبيه يتضمَّن أيضاً علاقة التواجد المتبادل بينهما.(De decr., 25.)

48  Athanasius, Con. Ar., 3.3 Cf. Ad. Ser., 1.16 and Exp. Fidei, 1.

    حيث قيل عن الابن أنه ’كلي من كل‘ (wholly from the whole).

49  Hilary, De syn., 70, 91.

50  Hilary, De Trin., 4.4-7; De syn., 84.

51  Cf. Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, op. cit., pp. 1-15.

52  Athanasius, De syn., 49-54; Ad Afr., 8.

53  Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6; 4.1ff.

54  See Athanasius, Con. Ar., 3.4; De syn., 49; Ad Afr., 8, etc. Gregory Naz., Or., 30.11.

55  Athanasius, Con. Ar., 1.8, 14ff, 18ff, 24f; 2.2, 32f; 3.42, 61ff; 4.2f, 14; De decr., 15, 26; De sent. Dion., 16, 23; Ad Ser., 2.2.

56  Athanasius, Con. Ar., 1.8, 15ff, 33; 2.24f, 32; 3.4ff, 35f, 44; Ad episc., 17; Ad Afr., 8; Ad Ser., 1.30; 3.2; 4.6.

57  Basil, Ep., 52.3.

58  Athanasius, De decr., 23; Con. Ar., 3.4; 4.2; De syn., 34, 45; Basil, Ep., 52. 1ff; Epiphanius, Anc., 6.4; Haer., 65.8; 69.72; 76.7.

59  Cf. Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.2; and Ad Jov., 4; Ad Ant., 6; Con. Apol., 1.9.

60  Epiphanius, Anc., 6.4; cf. Haer., 69, 70; Ambrose, De fide, 3.15.

[61] ارجع إلى مفهوم ق. إيرينيئوس عن ’قانون الحق‘ في الفصل الأول:

Adv. Haer., 1.20, vol. 1, p. 87f; 1.15, pp. 188f; 2.8.1, p. 272; 2.40f, pp. 347ff; 3.1-5, vol. 2, pp. 2-20; 3.11.7, pp. 41; 3.12.6f, pp. 58ff; 3.15.1, p. 79; 3.38.1f, pp. 131f; 4.57.2ff, pp. 273ff; 5. Pref., p.313f; 5.20.1f, pp. 377ff; and Dem., 1-6.

     ارجع أيضاً إلى مفهوم أوريجينوس في الفصل الأول عن ’قانون التقوى‘ الذي يمكِّن الكنيسة من فهم وتفسير الكتب المقدسة وفقاً لـ ’فكر المسيح‘:

De prin., praef. 1-2; 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.3.4; 3.5.3; 4.2.2f; 4.3.14f.

[62]  انظر للمؤلف: ’وديعة الإيمان‘ (SJT, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28)

63  Athanasius, Ad Afr., 4.

64  Alfred Robertson, St Athanasius: Select Works and Letters, pp. xvii and Lxxv.

65  Athanasius, Fest. Ep. (of 367), 39.1-7; cf. Eusebius, Hist. eccl., 4.26.14.

66  Athanasius, Con. Ar., 1.55; 2.44; 3.28ff; De decr., 10f, 14, 19-22; De syn., 38-45; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.8.Cf. also Ep. Euseb., 5- appended to the De decr.

67  Athanasius, De decr., 24; Ad episc., 4, 9, 12f; De syn., 39, 42, 45; Con. Ar., 1.1, 8ff, 15, 37, 53; 2.1ff, 33, 72; 3.18f, etc.

68  Athanasius, De decr., 18f, 32; Hilary, De syn., 88, 91.

وقد أشار ق. أثناسيوس إلى أن المصطلحات غير الإنجيلية التي استُخدمت، كانت مأخوذة بالفعل من آباء سابقين:

De decr., 18, 25; De syn., 43; cf. 33ff. See C. Stead’s examination of the use of (οÙσία) and (Ðμοούσιος) before the Council of Nicaea, op. cit., pp. 199-232.

69  Athanasius, De decr., 18, 21; De syn., 39, 41, 45; Con. Ar., 2.3; Ad Afr., 9; Ad episc., 4, 8; cf. Ad Ant., 8.

70  Athanasius, De decr., 10f.

    ينطبق هذا الأمر على الأفعال ’يخلق‘ و’يصنع‘:

De decr., 11; De syn., 51. Cf. Hilary, De syn., 17; Basil, Con. Eun., 2.23; Gregory Naz., Or., 20.9.

    انظر أيضًا للمؤلف:

‘The Hermeneutics of St Athanasius’, Ekklesiastikos Pharos, vol. 52, 1970, pp. 446-468; 89-106; 237-49; vol. 53, 1971, pp. 133-149.

71  Athanasius, Con. Ar., 2.3. Cf. also Gregory Naz., Or., 42.16; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.37, and Hilary, De Trin., 4.14.

[72]  وفي ضوء هذا الاستخدام المتنوع للمصطلحات، أعلن ق. أثناسيوس أن “كل مجمع له أسبابه ومنطقه في استخدام لغته الخاصة”. (De syn., 45)

73  Athanasius, De decr., 10f, 20-24; Con. Ar., 1.20, 55ff; 3.19ff.

74  Athanasius, De decr., 4.

*  ارجع إلى الفصل الثاني من صفحة 97 إلى صفحة 106. (المترجم)

#  لأنه إذا كان الكلمة الذي صار جسدًا وحل بيننا هو ’هوموأووسيوس‘ مع الآب (والروح القدس)، فإن كل ما أعلنه لنا يكون مطابقًا تمامًا لـ ’ما هو‘ الله في ذاته.

75  Athanasius, Con. Ar., 2.11; 3.1ff; Ad Ser., 1.14-17, 20f, 30f; 2.2; 3.1f; 4.6.

76  G.L. Prestige, Fathers and Heretics, 1954, p. 88; God in Patristic Thought, pp. 168f, 188f. See also, T.F. Torrance, Theology in Reconciliation, 1975, pp. 243ff; and Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

77  Athanasius, Ad Ant., 5-6.

*   ارجع إلى صفحتي 103، 104 في الفصل الثاني. (المترجم)

*  إن الحديث عن أن الله يتعامل معنا بأفعاله (أو طاقاته) وليس بجوهره، ينبغي ألاّ يُفهم بمعنى وجود ثنائية في الله وكأن الله مثل دائرتين لهما مركز واحد: واحدة داخلية تمثل الجوهر وحولها الأخرى مثل الهالة تمثل فعل الله (أو طاقته). وحيث إن الله لا توجد به مثل هذه الثنائية، فيمكننا أن نمثل جوهر الله وفعله (أو طاقته) كأنهما دائرتان متساويتان تمامًا ولهما مركز واحد (أي كائنتان في بعضهما البعض تمامًا) فيكون جوهر الله هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله. ولكن مع ذلك تبقى علاقة الله معنا هي علاقة مشاركة من الخارج Κατ£ Μετοχ»ν `ΕπακτÒν أي علاقة خارجية. لأنه توجد هناك علاقة شركة في الجوهر وهي التي بين الآب والابن والروح القدس فقط، وهناك علاقة شركة خارجية مثل حلول الروح القدس علينا. (المترجم)

78  Athanasius, De syn., 51.

*  أي إن هذه المصطلحات الهللينية ـ عند استخدامها في التعليم المسيحي ـ أصبحت تحمل معاني لم تكن تحملها حين كانت تُستخدم في التعبير عن الفكر الهللّيني. (المترجم)

79  Cf. Athanasius, De syn., 45.

80  Athanasius, Con. Ar., 1.19; 2.2, 14, De decr., 15. Cf. G. D. Dragas, Athanasiana, vol. 1, 1980, p. 54.

81  Basil, Con. Eun., 1.18ff.

82  See the citations from Arius’ Thalia, in Athanasius, De syn., 15; De decr., 16; Ad episc., 14, 16.

83  Athanasius, Con. Ar., 2.82.

84  Basil, Ep., 28.8. Cf. Athanasius, Con. Ar., 2.18, 22; 3.3f.

*   ارجع إلى الفصل الثاني صفحة 88 ، والفصل الثالث صفحة 119. (المترجم)

85  Athanasius, Exp. Fidei, 1 & 4; De decr., 13f; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.18-67, etc.

86  Athanasius, Ad Epict., 2-9; Con. Ar., 4.30-36.

87  Athanasius, Con. Ar., 3.30. Cf.

يقول ق. إبيفانيوس: “إنه هو ذاته، كان الله وإنسان (في آنٍ واحد)، ليس كما لو كان يسكن في إنسان ولكنه هو نفسه صار إنسانًا بالكامل”. (Haer., 77.29 )

[88]  تحتوي رسالتا ق. أثناسيوس ضد أبوليناريوس (Contra Apollinarem) على حجج قوية عن حقيقة بشرية المسيح الكاملة وأثر ذلك على خلاص الإنسان ككل.

  1. D. Dragas, St Athanasius Contra Apollinarem, 1985.

[89]  وهنا كان للقديس أثناسيوس السؤال التالي: كيف يستطيع اللوغوس نفسه في هذه الحالة، أن يحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، لو كان هو أيضًا ـ حسب رأي الأريوسيين ـ مخلوقًا؟     :Athanasius, De decr., 7ff

90  Athanasius, Ad episc., 13.

91  Athanasius, Ep. fest., 4.4; 5.6; 10.9; Ad Adel., 2ff.

[92]  كان لاهوتيو نيقية يقتبسون هذه الآية (يو 17:5) بصورة متكررة، كما نرى في:

 Athanasius, In ill. om., 1; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.21f, 29, etc.

93  Athanasius, De decr., 7, & 1Cor. 8.6-see further De decr., 19ff; Con. Ar., 1.19; 2.31; 3.4, 39; De syn., 35, etc.

94  Athanasius, De syn., 46.

95  Athanasius, Con. Ar., 2.21ff, 29, 31, 56ff; Ad Max., 3f.

96  Athanasius, Ad Adel., 8.

97  Athanasius, Con. Ar., 1.6, 38-39, 42-43.

98  Athanasius, De decr., 1, 25; Con. Ar., 2.6, 9f, 45, 51f, 75f; Ad Ant., 7.

[99]  يقول ق. أثناسيوس: “هي نفس النعمة الواحدة، من الآب في الابن، كما أن النور الذي للشمس وللشعاع هو واحد، وكما أن إضاءة الشمس تتحقق من خلال الشعاع”.

 (Athanasius, Con. Ar., 3.11; cf. also 3.13)

*  إن نعمة ربنا يسوع المسيح هي كل ما عمله في جسد بشريته لأجلنا، ولا يمكن فصل ما عمله المسيح (نعمة المسيح) عن المسيح نفسه. وبما أن هناك وحدانية في العمل بين المسيح الابن المتجسد والله الآب (وذلك بسبب الوحدانية في ذات الجوهر بينهما) فإن النعمة (العطية التي لنا في المسيح) ومُعطي النعمة (الله الآب) هما واحد تمامًا. (المترجم)

100  Athanasius, De decr., 14; Con. Ar., 1.16, 39f, 50; 3.12f.

#  انظر شرح المفهوم الأرثوذكسي لمصطلح ’التأله‘ في “كتاب طبيعة وأقنوم” للقمص تادرس يعقوب ملطي، مراجعة نيافة الأنبا بيشوي (كنيسة مارجرجس سبورتنج طبعة سبتمبر 1987 صفحة 26). (المترجم)

[101] رغم أن مصطلح التأله (θέωσις) لم يرد حرفيًّا في كتابات ق. أثناسيوس، إلاّ أنه بالتأكيد كان متضمَّنًا في استخدامه للفعل يؤله (θεοποιεî): “لقد صار إنساناً، لكي ما يؤلهنا نحن”

(αÙτός γάρ ™νηνθρώπησεν ‡να ºμε‹ς θεοποιηθîμεν). De inc., 54.

*  إن مفهوم ’تأليه الإنسان‘ عند الآباء لا يعني أبدًا أن الإنسان سيصبح غير محدود وعالم بكل شيء، ولا يلغي طبيعة الإنسان المخلوقة أو يغير جوهره، لأن هذا معناه انتهاء الشركة نفسها التي بين الإنسان والله. ولكنه يعني تحقيق غاية خلقة الإنسان بالشركة مع الله والاتحاد به ونوال نعمة الحياة الأبدية. ولكن الله سيظل على الدوام ’آخر‘ بالنسبة للإنسان، وسيظل الإنسان المخلوق متلقيًا من الله الخالق. وفي هذا يقول ق. اثناسيوس: “ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة، ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سُر الله الذي وهبنا هذه النعمة” (ضد الأريوسيين 3: 19). (المترجم)

#  كان ق. أثناسيوس قد فسَّر ’كلمة الله‘ في هذه الآية على أنها تشير إلى اللوغوس الذي حل بيننا متجسدًا. (ضد الأريوسيين 39:1). (المترجم)

[102]  يو 35:10 – انظر ق. أثناسيوس (Con. Ar., 1.39; Ad Afr., 7)

وكان مفهوم ’التأليه‘ (θεοποίησις) هذا، يُدعِّم بمفهوم ’الاستنارة‘ (φωτισμός)، لأنه حيث إن المسيح هو إله من إله ونور من نور، وليس مجرد أنه يشهد للنور بل هو النور الحقيقي، فإن إنارته لنا تكون بالحقيقة فعلاً إلهيًّا ومؤلِّهًا. انظر:

 Athanasius, De decr., 23f; Con. Ar., 1.43; 2.41; 3.3ff, 125; 4.18; Ad Ser., 1.19f, 30, etc.

103  Athanasius, Con. Ar., 1.9, 16, 37-43, 46-50; 2.47, 53, 59, 63-70, 74, 76-78; 3.17, 19-25, 34, 39-40, 53; 4.33-36. See also De decr., 14; De syn., 51; Ad Adel., 4; Ad Ser., 1.24.

[104]  وفي تعليقه على (فيلبي 9:2-10) كتب ق. أثناسيوس: “لأنه كما مات المسيح ثم مُجِّد كانسان، فبالمثل قيل عنه أنه أخذ كانسان ما كان له دائماً كإله، وذلك لكي يمكن للنعمة المعطاه أن تصل إلينا. لأن الكلمة لم يُنتقص منه شيئاً بأخذه جسداً حتى يسعى للحصول على النعمة، لكن بالأحرى هو قد ألّه (™θεοποίησεν) ما قد أخذه (جسده الخاص)، بل والأكثر من هذا أنه أنعم (™χαρίσατο) بهذه العطية (التأليه) على الجنس البشري”.

(Con. Ar., 1.42. Cf. 2.69; 3.39-40)

105 Athanasius, Con. Ar., 3.12.

*    وحيث إن نعمة ربنا يسوع المسيح لا يمكن فصلها عن المسيح، فإن نوال هذه النعمة تعني الاشتراك في المسيح ذاته (لأنها ليست أمرًا بعيدًا عنه)، وهذا يتم من الآب في الروح القدس. وحيث إن المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، فبالتالي يصبح نوال نعمة ربنا يسوع المسيح هو هو شركة الثالوث الأقدس. (المترجم)

[106]  كثيراً ما يُستخدم ـ مع الأسف ـ هذا المعنى الضعيف للنعمة لتفسير مفهوم ’التأله أوالتأليه‘

(θέωσις, θεοποίησις)  وذلك في الإشارة إلى الآية “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط 4:1) –    وهذا الأمر هو ما رفضه ق. أثناسيوس بشدة وبوضوح. (Con. Ar., 2.17ff, 24f)

انظر استخدام ق. أثناسيوس للآية 2بط 4:1 في (Ad Adel., 4) مع الإشارة إلى حقيقة أن ابن الله بكونه صار إنسانًا، فإنه قد نقل ’نسلنا المخطىء‘ (πλανηθε‹σαν γέννησιν) إلى نفسه، حتى ما يمكن أن نكون ’جنسًا مقدسًا‘.

107  Athanasius, Ad Ser., 1.27.

108  Athanasius, Con. Ar., 2.18; 3.11ff, 24-25, 39f; 4.6f.

109  Athanasius, Ad Ser., 1.14; cf. 3.5.  

110  Athanasius, Ad Ser., 1.30.

111  Athanasius, Con. Ar., 1.41ff, 59ff; 2.7ff, 68ff, 75f; 3.31ff, 56f; 4.6f; and see especially the Athanasian Con. Apol., I & II.

112  Gregory Naz., Or., 45.28f; cf. also ibid., 22.

113  Athanasius, Con. Gent., 47; De inc., 20f, 56; In ill. om., 2; Con. Ar., 1.59f; 2.14, 31, 69, 76; 4.6f; Con. Apol., I.II; cf. De inc. et con. Ar., 22; and Serm. maj. de fid., 26.

114  See Athanasius, Con. Ar., 1.42f.

115  Gregory Nyss, Con. Eun., 1.15; cf. 2.12.

116  See especially Athanasius, Con. Ar., 1.46; 2.69-76; 3.1-6, 30-35; 4.1ff. 33-36; Ad Epict., 5-9.

117 Athanasius, Ad Afr., 2.

 

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الخالق الضابط الكل ف3 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الخالق الضابط الكل ف3 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

الخالق الضابط الكل ف3 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

 

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

الفصل الثالث

الخالق الضابط الكل

“إله واحد، آب ضابط الكل، خالق السموات والأرض،

ما يرى وما لا يرى”

 

معرفتنا لله ’كخالق‘ تُستَمد من معرفتنا له ’كآب‘

لقد تعمَّد مجمع نيقية إعطاء المكانة الأولى لأبوة الله، وذلك في اعتراف المجمع بالإيمان بإله واحد الله ’الآب‘، ضابط الكل و’الخالق‘، لأن معرفتنا لله ’كخالق‘ تُستَمد من معرفتنا له ’كآب‘* وليس العكس. ولكن كما رأينا، فإن معرفة الآب هي مأخوذة من يسوع المسيح ابنه الذي له ذات الجوهر الواحد مع الآب، لأن الآب أعلن لنا نفسه فيه (أي في المسيح) كما هو في طبيعته الذاتية. ولهذا السبب أصرَّ ق. أثناسيوس في عبارته الهامة التي استرشدنا بها “إنه يكون أكثر تقوى وحق أن نتعرف على الله من خلال الابن وندعوه ’الآب‘ عن أن نسميه من خلال  أعماله فقط وندعوه ’غير المخلوق‘(¢γένητον)[1]“. وعلى ذلك، فإن فهمنا لله كخالق ينبغي بالمثل أيضًا أن يُستَمد من الابن، لأن الله هو خالق الكل وصانع الكل بالابن ’الكلمة‘ الذي هو في الآب أزليًّا ومن نفس طبيعته الذاتية.  ويؤكِّد ق. أثناسيوس: “إن مَن يدعو الله ’آبًا‘ يتعرَّف عليه من الابن، مدركًا تمامًا أنه حيث يوجد ابن، فبالضرورة تكون كل الأشياء التي أتت إلى الوجود قد خُلقت بالابن. وعندما يدعونه (أي الله) ’غير المخلوق‘ فإنهم يسمُّونه هكذا من جهة أعماله فقط وبذلك فهم لا يعرفون الابن أكثر مما يعرفه اليونانيون (الوثنيون). ولكن مَن يدعوه ’آبًا‘ فإنه يسمِّيه من جهة ’كلمته‘؛ وإذ هو يعرف الكلمة فإنه يعترف بأنه صانع الكل، ويفهم أن به (أي بالكلمة) قد أتت كل الأشياء إلى الوجود[2]“. إذن فعند ق. أثناسيوس فإن مفهوم الله كخالق محكوم تمامًا بعلاقة التلازم والتواجد (الاحتواء) المتبادل بين الآب والابن، وبالعمل الواحد غير المنفصل الذي لهما. وبما أن الآب لا يكون قط بدون الابن كما أن الابن أيضًا لا يكون بدون الآب، فكل ما يصنعه الآب يتم بالابن ومن خلاله، وكل ما يصنعه الابن يكون هو نفسه ما يصنعه الآب. ونفس الشيء ينبغي أن يُقال بالنسبة للعلاقة بين الله وكلمته، فبما أن الله لا يكون قط بدون كلمته كما أن الكلمة لا يكون بدون الله، فكل شيء مخلوق قد خلقه الله من خلال كلمته وبكلمته وفي كلمته[3]. وبالطبع من النصوص التي كانت ذات أهمية قصوى بالنسبة للقديس أثناسيوس وكل لاهوتيي نيقية، الإصحاحات الأولى من إنجيل ق. يوحنا والرسالتان إلى أهل كولوسي والعبرانيين، والتي قُدِّمت فيها عقيدة الخلق التي مركزها المسيح الكلمة المتجسِّد.

وقد فسَّر ق. هيلاري عقيدة نيقية الخاصة بالله كخالق، بنفس التأكيد على أبوة الله والدخول إلى الله الآب من خلال الله الابن، وهذه بعض من أقواله في هذا الصدد:

– “تذَّكر أن الاستعلان لم يكن للآب الذي أُظهر كـ ’الله‘ بل لله الذي أُظهر كـ ’آب‘[4]“.

– “إن صميم مركز الإيمان الخلاصي، ليس هو مجرد الإيمان بالله بل الإيمان بالله كآب، وليس هو مجرد الإيمان بالمسيح ولكن الإيمان به كابن الله، ليس كمخلوق بل بكونه الله الخالق المولود من الله (الآب)[5] “.

– “إن الوجود كله مدين في أصله ومنشأه للآب، (فالآب) في المسيح وبالمسيح هو مصدر كل شيء[6]“.

إذن بالنسبة للقديس هيلاري، فإن كل ما يُقال أو يُعتقد عن الله ’كخالق‘ يجب أن يكون محكومًا بفهم ’أبوة‘ الله التي تُنقل (إلينا) في ومن خلال شخص وعمل يسوع المسيح ابنه الحبيب، ولذلك نجد ق. هيلاري يقول : “الله لا يمكن أن يكون إلاّ محبة، ولا يمكن أن يكون إلاّ آبًا: و(كما أن) مَن يحب لا يحسد، فمَن هو آب هو آب بكليته وبجملته*[7]“.

 

معرفتنا لله ’كخالق‘ تكون من خلال ابنه الكلمة المتجسِّد

ونستطيع الآن من منظور أولوية ومركزية علاقة الآب بالابن وأيضًا من حقيقة أننا نأتي إلى الآب، فقط من خلال الابن ـ الكلمة الذي صار جسدًا ـ أن نقدِّم عرضًا لعقيدة نيقية الخاصة بالله الخالق ضابط الكل. ونحن لا نقدر أن نفهم معنى ’ضبط‘ الله للكل أو كونه ’خالق‘، من خلال احتمالات نظرية مجردة وتعميمات غامضة ـ وذلك بتخيلنا عن ما هو ليس الله، أو بالبحث فيما قد أتى به الله إلى الوجود مختلفًا عن نفسه. ولكن كما ذكرنا، أنه ليس من خلال أعمال الله (خليقته)، وإنما فقط من خلال إعلان الله عن ذاته، وإعطاء الله ذاته لنا، في يسوع المسيح ابنه المتجسد المولود من طبيعته الذاتية الإلهية، فإننا نستطيع أن نفهم مَن هو الله فهماً حقيقيًّا وأن نعرفه ـ على قدر الامكان ـ وفقًا لطبيعته الذاتية كآب. وكذلك على نفس الأساس وبنفس الطريقة فقط، يمكننا أن نعرف الله الضابط الكل، بكونه خالق السماء والأرض، وكل الأشياء ما يرى وما لا يرى ـ أي عندما نعرفه مباشرةً وهو يعمل من خلال يسوع المسيح، الذي دُفع إليه من الآب كل سلطان في السماء وعلى الأرض[8].

وبسبب وحدة الجوهر والطبيعة بين الآب والابن فإنه يوجد أيضًا وحدة في الفعل بينهما، فما يصنعه الآب يصنعه الابن، كما أن أعمال الابن ينبغي أن يُنظر إليها على أنها أعمال الآب.[9] إذن فإن فهمنا لسيادة الله كلي القدرة وفعله الخلاَّق يجب أن تحكمه معرفتنا الفعلية لله كآب في يسوع المسيح ـ فهو أبو المسيح بشكل فريد، وأبونا نحن من خلال المسيح. ومن هنا نتعلَّم أن الله بكونه الآب ضابط الكل فهو الخالق ضابط الكل.

 

 

الله هو ’آب‘ في صميم كيانه، ولهذا فهو ’خالق‘

إن الله هو الكيان الواحد الأسمى، ضابط الكل، غير المخلوق، المكتفي ذاتيًّا، كليّ الكمال، الينبوع (πηγή) والمصدر (¢ρχή) والمسبب (αŠτιος) لكل الكائنات الأخرى[10]. ويمكن حتى أن يُقال إنه هو وحده الكائن بكل معنى الكلمة، حيث إن جميع الكائنات الأخرى هي كائنات فقط من منطلق أنها تستمد (كيانها) منه بكونها خليقته[11]. ومع ذلك، فإن الله هو هذا المصدر أو الينبوع المطلق للكينونة، فقط لأنه آب للابن منذ الأزل، ومن هنا فهو ينبوع في صميم طبيعته الداخلية كإله[12]. وعندما نسمي الله ’آب‘ فنحن لا نسمي إحدى صفات الله، وإنما “نعني (أو ندلِّل على) صميم كيانه[13]“.

وهذا بالطبع لا يعني أن الله هو الينبوع بالنسبة للكائنات المخلوقة بنفس الطريقة التي بها هو الينبوع بالنسبة للابن الأزلي، وإنما يعني أنه إن لم يكن هو الآب الذي قد وَلَد الابن أزليًّا من جوهره (™κ τÁς οÙσίας) الذاتي، فلا يمكن أن يكون (من الأساس) ولودًا (γεννητικός) أو مثمرًا (καρπογόνος) في جوهره الذاتي[14]، أو بالتالي لا يمكن أن نعتبره كمصدر للوجود أو لأي كيان على الإطلاق، لأنه في هذه الحالة لن يكون أكثر من مجرد صانع أو مُشكِّل للكون[15]. فلأن الله (في الأساس) هو ولود في صميم كيانه لذلك فهو خالق.

ومن هنا كان إصرار ق. أثناسيوس على أن الذين ينكرون أن الله ضابط الكل هو ’آب‘ لا يمكنهم أن يؤمنوا به ’كخالق‘ فيقول: “لو كان الله بلا ’مولود‘ (¨γονος) لكان بلا ’أعمال‘ (¢νενέργητος)، لأن الابن هو مولوده الذي يعمل من خلاله[16]“.

 

الآب يخلق كل الأشياء بالابن في الروح القدس

ولقد كان مفهوم ق. أثناسيوس الأساسي أنه بما أن كيان الابن بكامله مطابق تماماً لكيان الآب، وبما أنهما واحد في ذات الطبيعة وفي ذات اللاهوت، فكل ما يقال عن الآب يقال عن الابن ما عدا (كونه) ’آب‘[17]. وإذا كان “الابن له كل ما هو للآب” وبالحقيقة هو نفسه ’الكل‘ الذي للآب*، وإذا كان الابن هو “الله بكامله وكماله” (Öλος καί πλήρης θεός)، فبالحقيقة يكون هو أيضًا بالتأكيد أصل أو مبدأ (¢ρχή) الوجود# مع الآب[18]. ولا يمكن بالطبع أن يكون هناك اثنان أو ثلاث مصادر أو أصول، بالضبط كما أنه لا يمكن أن يكون هناك آبان أو ثلاثة آباء[19]. فالآب والابن والروح القــدس هم واحد بلا انقســام، وهم أزلـــيًّا في تــواجد (احتـــواء) متبــــادل، كل منهم في الآخر، بكونهم الثــــالوث القـــــدوس المبــــارك. ولكن هم “لاهـــوت واحـد ورئاسة واحــــدة” (μία Θεότης καί μία ¢ρχή)[20]. أي إن الله مثلث الأقانيم، الثالوث غير المنقسم، هو وحده الرأس أو المبدأ (¢ρχή) المطلق الواحد لكل الأشياء. وبعبارة أخرى، فإن الجوهر الإلهي الواحد هو كامل وكلي الكمال، ليس فقط في الآب ولكن أيضًا في الابن وفي الروح القدس. فكل أقنوم هو الله بأكمله (Óλος Θεός)، وكل أقنوم هو ’كل ما هو الله منذ الأزل[21]‘.

وبهذا المعنى علينا أن نفهم التمايز والوحدانية في الفعل الخلاَّق الذي للآب وللابن، وهو ليس للواحد بدون الآخر على الإطلاق، لأن أي شيء يصنعه الآب يصنعه وهو في الابن، وأي شيء يصنعه الابن يصنعه وهو في الآب. “فبينما يُعطي الآب كل الأشياء للابن، فهي لا تزال له في الابن، وحينما تكون هذه الأشياء للابن فإنها لا تزال للآب، لأن لاهوت الابن هو لاهوت الآب، ولذلك فالآب يحقِّق ضبطه لكل الأشياء وتدبيره الإلهي (πρόνοιαν) بالابن[22]“. وفي الواقع “لا يوجد شئ يجريه الآب إلاّ بالابن[23]“.

 

 

 

 

الآب مع الابن والروح القدس هو أصل ومصدر كل الوجود

إذن فالله بكونه ’آب‘ فإنه الكيان الواحد الأسمى ضابط الكل الذي هو نبع (πηγή) كل الوجود. فهو الآب الأزلي الذي مع الابن الأزلي والروح القدس الأزلي ـ المساويين له واللذين لهما ذات الجوهر الواحد معه ـ  هو الأصل (¢ρχή) الفائق الإدراك لكل الأشياء المخلوقة، ما يرى وما لا يرى على حد سواء، والتي تختلف تمامًا في طبائعها الزائلة عن طبيعته. و لأن الله هو وحده ’الآب‘ ضابط الكل ـ والعلة (α„τία) غير المحدودة والفائقة الإدراك لكل الموجودات ـ فهو الذي يجب أن نعرفه بكونه ’الخالق‘ ضابط الكل[24]. ويقول ق. أثناسيوس: “نحن نؤمن بإله واحد غير مولود، الله الآب ضابط الكل، خالق الكل، ما يرى وما لا يرى، الذي وجوده من ذاته[25]“، وهذا الإيمان عبَّر عنه ق. هيلاري أيضًا بأسلوب جدير بالذكر حيث قال: “إنه الآب الذي تدين له كل الكائنات بأصل وجودها؛ إذ إنه في المسيح وبالمسيح هو مصدر الكل. وبخلاف كل شيء آخر، فهو كائن بذاته. وهو لا يستمد وجوده من خارجه ولكنه يمتلك هذا الوجود من ذاته وفي ذاته. إنه لانهائي لأنه لا شيء يمكن أن يحتويه ولكنه هو يحتوي كل شيء. ولا يحده مكان لأنه غير محدود، وفي أزليته هو أقدم من الزمن لأنه هو خالق الزمن. أطلق العنان للخيال لتخمِّن ما هو أقصى حدود الله ولسوف تجده حاضرًا هناك، ومهما حاولت أن تمتد (بخيالك) فستجد دائمًا آفاقًا أبعد وأبعد. اللانهائية هي ملكه مثلما تمتلك أنت المقدرة على بذل هذا الجهد (في التفكير). الكلمات سوف تخذلك، ولكن وجوده لن يمكن أن يُحاط (أو يُحصر). ولك أيضًا أن تعود بصفحات التاريخ إلى الوراء فسوف تجده حاضرًا على الدوام، وإذا عجزت الأرقام عن تحديد أقدم العصور التي تغلغلت إليها فسوف تجد أن أزلية الله لم تنتقص بالمرة. حاول أن تُحفز ذهنك وتنهضه لتدرك الله ’ككل‘ فستجده يفلت منك. فالله ’ككل‘ قد ترك لك شيئًا لتدركه ولكن هذا الشيء غير منفصل أبدًا عن ’كليته‘. وهكذا فأنت تفقد ’الكل‘ طالما ما تبقى بين يديك هو مجرد ’الجزء‘، وقد يكون ولا حتى ’الجزء‘ لأنك تتعامل مع ’كلٍّ‘ لن تتمكن من تقسيمه. لأنه بينما ’الجزء‘ يحمل معنى التقسيم فإن ’الكل‘ هو غير منقسم، والله كائن في كل مكان وهو حاضر ’بكليته‘ أينما كان. إذن فالعقل لا يستطيع الوصول إلى مستوى الله طالما لا توجد نقطة يمكن تأملها خارج ذاته، وطالما أن الأبدية هي ملكه منذ الأزل. هذا عرض صادق لسر الكيان الفائق الإدراك الذي يُعبر عنه باسم ’آب‘: الله غير المرئي، غير المحدود، الذي لا يُنطق به. ولنعترف بِصَمتنا أن الكلمات لا تستطيع أن تصفه، وليعترف العقل أنه فشل في محاولته لإدراك الله وفشل في سعيه لتعريف الله. ورغم ذلك، كما قلنا، فإن الله له في اسم ’الآب‘ ما يشير إلى طبيعته: فهو آب دون أي قيد أو شرط، وهو لا يأخذ قوة الأبوة من مصدر خارجي مثلما يفعل البشر. هو غير مولود، باقٍ على الدوام، أبدي بطبيعته. وهو معروف للابن فقط لأن “لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن، ومن يريد الابن أن يُعلن له”، كما أنه لا أحد يعرف الابن إلاّ الآب. كل منهما له معرفة تامة وكاملة بالآخر. ولذلك طالما أن ’لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن‘ فلنجعل أفكارنا عن الآب متوافقة مع (ما قد أعلنه) الابن، الشاهد الأمين الوحيد الذي يعلن الآب لنا[26]“.

هذا النص مفيد للغاية، لأنه في حين يبيِّن ق. هيلاري أن الله الضابط الكل ـ والمعروف لنا بالابن ـ يفوق بصورة لانهائية كل ما يمكن أن ندركه أو نعبِّر به عنه، إلاّ أنه (أي ق. هيلاري) رغم ذلك يؤكد أن كل ما نفكر فيه أو نقوله عن الله يجب أن يكون مقصورًا ومحكومًا داخل حدود إعلان الآب في الابن المتجسِّد ومن خلاله[27]. وهذا الإعلان عن قدرة الله ضابط الكل الذي قدَّمه لنا الله بذاته بواسطة الابن وفي الروح القدس، يتعارض بالطبع مع أفكارنا التي تنسب لله قوى متجبرة غير محدودة، تلك الأفكار التي نكوِّنها نحن من اختباراتنا في هذا العالم ثم ننسبها إلى الله بعد أن نعطيها صفة اللانهائية، لأن القدرة الإلهية ـ والتي ظهرت في يسوع المسيح ـ هي من نوع مختلف تمامًا. إن الأمر ليس في أن نفكر نحن فيما يمكن أن يفعله الله، وإنما نفكر فيما فعله الله ولا يزال يفعله من خلال يسوع المسيح. وبهذا نستطيع أن نفهم شيئًا عن ما هي بالحقيقة قدرته الإلهية كضابط الكل[28].

 

قدرة الله (ضابط الكل) وعنايته، تجلَّت في التجسد والفداء

ربما الذي استحوذ على فكر ق. هيلاري أكثر من أي شيء آخر في هذا الصدد، كان هو قدرة الله المذهلة التي ظهرت في تنازله ليصير متجسدًا داخل حدود البشرية المخلوقة والضعيفة، وهذه القدرة ظهرت أيضًا في حياته المحتقرة التي أرادها لنفسه على الأرض في تواضع الجسد، من الطفل الباكي في المذود وصولاً إلى الإنسان الضعيف على الصليب. فأن يصير الله ضابط الكل في مثل هذه الحالة من الصغر والفقر والعوز لأجلنا بينما يظل هو الله بكل ما هو عليه أزليًّا، فهو عمل ينم عن قدرة وعظمة لا توصف وأبعد مما يمكن للعقل البشري وحده أن يدرك[29]. وبذلك يتضح لنا تمامًا أن كلاًّ من ’الخريستولوجي‘ (أي التعليم عن المسيح) و’السوتيريولوجي‘ (أي التعليم عن الخلاص) لهما ـ ولا بد أن يكون لهما ـ أهمية حاسمة في فهمنا لقدرة الله ’كضابط الكل‘ وفي فهمنا لفعله المتميز في الخلق والفداء.

وقد سلَّط ق. أثناسيوس الضوء على هذا التعليم النيقي وأوضحه بشدة، حيث تحدث عن الله بأنه في جوهره الثالوثي هو الرأس (أو المبدأ)، وبأن المسيح (بكونه واحدًا في ذات الجوهر) فهو الرأس (أو المبدأ) المتجسد. ويقول ق. أثناسيوس في هذا الصدد: “إن ناسوت الرب (Ð Κυριακός ¨νθρωπος) الذي أخذه من العذراء مريم، هو الشكل التدبيري الذي اتخذه الرأس (أو المبدأ) (¢ρχή) الإلهي، وذلك في تنازل ابن الله الكلمة شخصيًّا ليدخل الخليقة ويحقِّق في داخلها عمل وتدبير (πρόνοια) الله الآب ضابط الكل[30]“. أما الأريوسيون، فلكي يبرروا وجهة نظرهم بأن ابن الله الكلمة هو مخلوق في الأساس ـ على الرغم من أنه الفاعل الإلهي في الخلق ـ فقد لجأوا إلى ما ورد في الترجمة السبعينية لسفر الأمثال (22:8) “الرب قناني (أوجدني) أول (رأس ـ مبدأ) طريقه من أجل أعماله[31]“. وبدلاً من أن يرفض ق. أثناسيوس هذه الفقرة، فسَّرها بأنها تعني أن يسوع المسيح في طبيعته الإنسانية، قد خلقه الله كرأس (أو بداية) (¢ρχήν) وكنموذج أول لكل أعمال عناية الله وفدائه لنا. ولقد حرص ق. أثناسيوس أولاً على ترسيخ حقيقة أن الابن المتجسد هو إله حق من إله حق وهو الذي به أتت كل المخلوقات إلى الوجود من العدم، وفيه تقوم وتتماسك معًا (وذلك بكونه الرأس أو المبدأ الإلهي)[32]. ثم أوضح ق. أثناسيوس بعد ذلك أن الابن قصد أن يصير إنسانًا “في شكل العبد” لكي ما يتمم عمل الله الخلاصي والتجديدي لنا (بكونه الرأس أو المبدأ المخلوق، أي بداية الخليقة الجديدة)[33].

ولكي يربط ق. أثناسيوس بين الرأس (أو المبدأ) (¢ρχή) المخلوق ـ أي يسوع المسيح في طبيعته الإنسانية ـ وبين الرأس (أو المبدأ) (¢ρχή) غير المخلوق الذي هو الله في جوهره الفائق، اعتبر ق. أثناسيوس أن المسيح بكونه الرأس (أوالمبدأ) المخلوق ـ في طبيعته الإنسانية ـ  إنما يعتبر ’الأول‘ لبداية جديدة داخل الخليقة، كما أنه ـ بكونه الرأس (أو المبدأ) الإلهي مع الآب والروح القدس ـ فإنه ’المصدر‘ لعطاء الله ونعمته لخليقته[34]. وهذا يعني، أولاً: أنه بكونه الرأس (أو المبدأ) (¢ρχή) لكل طرق الله لأجلنا ـ  وذلك في هذا الشكل التدبيري في المكان والزمان ـ فإن الابن المتجسد له وظيفة ذات شقين، فمن ناحية هو الطريق الفعلي الذي اتخذه الله بيننا في تدبيره لخلاصنا، ومن ناحية أخرى هو أيضًا الطريق الوحيد الذي نعود فيه إلى الآب. ثانيًا: بكونه الرأس (أو المبدأ) (¢ρχή) الإلهي فإنه (بالتالي) هو مصدر كل الخليقة، والوحيد الذي به يمكن أن نفهم جميع طرق الله وأعماله*.

فما عسى لهذا المدخل ’المتمركز حول المسيح‘ (Christocentric) أن يخبرنا عن الله كخالق وضابط الكل؟

 

أولاً: الله لم يكن خالقًا على الدوام#

 

التمييز بين الابن والخليقة

لقد ذكرنا فيما سبق أن الله الآب بينما هو ينبوع كل الوجود، إلاّ إنه ليس ينبوعًا للمخلوقات بنفس الطريقة التي بها هو ينبوع الابن. لأن الابن مولود من الآب أزليًّا داخل جوهر الله الواحد كإله من إله، في حين أن المخلوقات ليست مولودة من الله بل مخلوقة بواسطته من العدم وهي بذلك تكون خارجًا عن الله. فالابن مولود من طبيعة الله وهو بلا بداية (¨ναρχος) مثله مثل الآب، ولا يوجد أي فاصل (زمني أو من أي نوع) بينه وبين الآب لأنه واحد مع الآب في ذات الجوهر والطبيعة.

أما على الجانب الآخر فإن المخلوقات قد أُوجدت من العدم بإرادة الله ولها بداية محددة، وهي تختلف اختلافًا كاملاً من حيث الجوهر والطبيعة عن الله.  والنقطة المحورية هنا، هي التفريق والتمييز المطلق بين ولادة الابن بالطبيعة (φύσει) من الله وبين خلق العالم بالإرادة (βοÚλhσει / θšλhσει) من الله[35]. وقد بات واضحًا جدًّا للكنيسة في العقود الأولى من القرن الرابع، أنه ما لم يتم تحديد هذا التمييز بوضوح فإن الكنيسة يمكن أن ترتد في نهاية الأمر إلى الوثنية.

 

المشاكل التي نتجت عن نظرة كل من أوريجينوس وأريوس لله والعالم

وكان هذا هو الأمر الذي يكمن وراء المشاكل التي واجهت آباء نيقية، لأن الأفكار المزعجة التي ظهرت في تعاليم أريوس كانت تعود إلى عدم وضوح الرؤية لدى أوريجانوس بخصوص الفرق بين علاقات الله الداخلية والخارجية، أي بين ولادة الابن الأزلية داخل جوهر الله الواحد وبين خلق الكون بواسطة الابن الأزلي أو كلمة الله[36]، فلم يستطع أوريجينوس أن يفكر في الله بكونه ’باندوكراطور‘ أو ضابط الكل (Παντοκράτωρ) إلاّ في ظل تلازم (أو اقتران) ضروري وأزلي لله مع كــل الأشيــاء (المخـلوقة)  (τ£ πάντα). ولذا فالخليقة بالنسبة لأوريجينوس، كان ينبغي أن يُنظر إليها على أنها ملازمة لجوهر الله وأنها موجودة معه منذ الأزل[37].

ومما ساعد على زيادة هذا القصور في إعطاء أسبقية قاطعة (خارج الزمن) لعلاقة الآب بالابن عن علاقة الخالق بالكون، أن أوريجينوس كان لا يتفــق مع العقـــيدة الخـــاصة بولادة الابن “من جوهر الآب” (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός) وقد بدا أنه يعتقد بأن كلاًّ من ولادة الابن وخلق الكون إنما يرجع إلى إرادة الآب[38].

ولذلك كان يتعين حل مشكلتين أساسيتين: الأولى هي نظرة أوريجينوس ’الأحادية‘الخاصة بأزلية العالم (الذي وحّد فيها بين الله والعالم من جهة الأزلية) والتي أدت إلى تقويض مبدأ سمو (أو تفوق) الله على الخليقة، لأنها بذلك جعلت العلاقات الخارجية لله* كما لو كانت ضرورية بالنسبة لله#، كما أدت أيضًا إلى تقويض الحقيقة التاريخية الفريدة الخاصة بالتجسد لأن نظرة أوريجينوس تلك كانت تعني ضمنًا أن الأحداث التاريخية ليست في النهاية أكثر من مجرد تصويرات رمزية مؤقتة ’للإنجيل الأزلي‘.

أما المشكلة الثانية فتمثلت في أن نظرة أريوس ’الثنائية‘ لعلاقة الله بالعالم (التي فصل فيها بين الآب والابن) قد أدت إلى قطع الصلة الوجودية بين الابن المتجسد والله الآب وهي التي يعتمد عليها جوهر الإنجيل كله، كما أدت إلى نظرة أريوس أيضًا التي اعتبر فيها الابن ضمن أعمال الله التي أحضرها إلى الوجود بإرادته الخالقة. ولذلك اقتصرت معرفة الإنسان لله بالنسبة لأريوس على علاقات الله الخارجية بالخليقة؛ إذ كان الله بالنسبة له ’خالقًا‘ في المقام الأول وليس ’آبًا‘، وأنه فقط لكونه ’خالق‘ فإنه يكون ’آبًا‘ وليس العكس.

 

دور ق. أثناسيوس في إيضاح الإيمان الرسولي فيما يخص تعليم كل من أوريجينوس وأريوس

ومرة أخرى، كانت الكنيسة مدينة للقديس أثناسيوس أكثر من أي شخص آخر في إيضاح إيمانها الرسولي والإنجيلي. فمن ناحية، رفض ق. أثناسيوس فكرة أزلية العالم وضرورته بالنسبة لله وأظهر أنه وفقًا لطبيعة الأشياء التي أتت إلى الوجود فإنه ليس لها أي شبه ’في الجوهر‘ مع خالقها (الذي أوجدها)، بل هي خارج عنه (œξωθεν αÙτοà) وتعتمد في وجودها على نعمة الله وإرادته[39]. ومن ناحية أخرى أيضاً، رفض ق. أثناسيوس كذلك الفصل الأريوسي بين جوهر الابن وجوهر الآب كما أكَّد على الفكر النيقي الخاص بوحدانية الابن مع الآب في ذات الجوهر مُظهرًا أن الابن ينتمي إلى الجانب الإلهي من العلاقة بين الخالق والخليقة[40]. وسوف نتناول هذه النقطة فيما بعد لأن موضوعنا الآن يتعلق بالرفض الحاسم (من جانب الكنيسة) لفكرة الوجود الأزلي المشترك للعالم مع الله.

 

أسلوب الأريوسيين في تفسير تعليم أوريجينوس عن أزلية الخليقة، وتفنيد ق. أثناسيوس لآرائهم 

كان الضغط شديدًا على الكنيسة من جهة الادعاء بأن ’الله هو خالق على الدوام‘ طالما أن قدرة الخلق لم تنشأ عنده في وقت لاحق[41]. وهنا كما أوضح فلوروفسكي[42] لجأ الأريوسيون إلى تعاليم أوريجينوس، ولكنهم خرجوا منها باستنتاج مختلف تمامًا إذ قالوا: بما أن كل مخلوقات الله أزلية (لأن الله بالنسبة لهم هو خالق على الدوام)، فما هو الخطأ في القول بأنها لم يكن لها وجود قبل أن تصدر؟* أي إن الأريوسيين أرادوا مساواة نوع ’الأزلية‘ المنسوبة للمخلوقات التي أُوجدت بالإرادة من الله مع نوع ’الأزلية‘ التي تخص الابن، وذلك في ضوء عبارتهم السيئة الشهيرة التي تقول: إنه “كان هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا[43]“. وردًّا على هذا، دفع ق. أثناسيوس بأنه لا يوجد أي تشابه بين ’ابن‘ و ’شيء مخلوق‘، وأن الفرق بينهما يكافيء الفرق بين وضع ’الأب‘ ووضع ’الصانع‘، لأن هناك تفاوت هائل للغاية بين ’شيء مخلوق‘ أُوجد من العدم بإرادة الله ’كعمل خارج عن طبيعته‘ وبين ’الابن‘ الذي هو بالطبيعة ’المولود الحقيقي من جوهر الله (الآب)‘. إذن فبالمقارنة مع ’الابن‘ ـ الذي هو أزلي مثله مثل الآب تمامًا ـ فإن المخلوقات (أي الأشياء المصنوعة وغير المولودة) ليس لها وجود مشترك مع الله منذ الأزل[44].

وكما رأينا فيما سبق، فإن ق. أثناسيوس أوضح أن الله بفضل أبوته الذاتية الأزلية، كان دائمًا له القدرة على الخلق ـ بل وقد خلق بالفعل ـ لأنه كان ولا يزال هو أبو الابن. فالله هو دائمًا أبدًا ’آب‘، ولكن أن يخلق شيئًا من العدم ـ وهذا الشيء مختلف تمامًا عن نفسه ـ فإن ذلك يفعله بإرادته ويصدر عنه بفضل ما هو أزلي وداخلي في ذاته (أي بفضل كونه آبًا). لذلك “فبالنسبة لله كونه يخلق فهذا أمر ’ثانوي‘ أما كونه والد فهذا هو أمر ’أولي‘[45]“.

 

لماذا لم يكن الله على الدوام خالقًا، بالرغم من أن الله كانت لديه دائمًا القدرة على الخلق؟

ورداً على هذا السؤال، أوضح ق. أثناسيوس أنه بسبب الطبيعة الداخلية (الذاتية) للمخلوقات، لم يكن ممكنًا أن توجد منذ الأزل، لأنها خلقت من العدم. ويقول ق. أثناسيوس: “كيف يمكن للأشياء التي لم تكن موجودة قبل أن تُخلق، أن تكون لها ذات الأزلية مع الله؟[46]” وبقرار الله أن يخلق أشياء خارجًا عنه، فإنه كان يعرف ما هو الصالح لوجودها واستقرارها. وفي إشارة إلى التجسد أيضًا أوضح ق. أثناسيوس أن الله على الرغم من أنه كان قادرًا أن يرسل كلمته الذاتي من البداية منذ أيام آدم أو نوح أو موسى، إلاّ أنه على خلاف ذلك لم يرسله إلى أن جاء ملء الزمان، لأنه رأى أن هذا هو صالح الخليقة كلها. ونفس الأمر بالنسبة للمخلوقات أيضًا: فقد صنعها الله عندما أراد أن يفعل ذلك، ولأن هذا كان صالحًا لها[47]. وفقط في ضوء ما فعله الله في الخلق والفداء وما أعلنه عن قصده الإلهي الأزلي، نستطيع أن نتحدث عنه بهذه الطريقة.

فحقيقة الأمر إذن، أنه في حين كان الله ’آبًا‘ على الدوام فإنه لم يكن على الدوام خالقًا أو صانعًا. وهذا ليس معناه أن الخليقة لم تكن في فكر الله قبل أن يأتي بها إلى الوجود، ولكن يعني أن الله قد أوجد الخليقة بفعل محدد من إرادته، وبذلك قد أعطاها بدءًا.

 

قصور اللغة البشرية في الحديث عن الله

من الواضح تمامًا أن كلمات مثل ’كان‘ و ’قبل‘ و ’عندما‘ و’بدء‘ كلها لها علاقة بالزمن، وهي تجلب لنا مشاكل عندما نتحدث بها عن الله، لأن العلاقات الزمنية التي تعنيها هذه الكلمات قد لا تصلح للحديث عن الله.[48] فهذه التعبيرات يكون لها معنى معين عندما تُستخدم في الحديث عن الله، أي عندما تحكمها طبيعة الله الفريدة، ولكنها تحمل معنى آخر تمامًا عندما تُستخدم في الحديث عن المخلوقات بطبيعتها الزائلة[49].

لذلك عندما يخبرنا الكتاب المقدس أنه “في البدء خلق الله …” فإننا ينبغي أن نفهم كلمة ’بدء‘ على نحو ثنائي: أولاً كإشارة لفعل (قدرة) الله في الخلق (وهذا يسبق عملية الخلق الفعلي)، وثانيًا كإشارة للأشياء التي خلقها، أي أعماله (œργα) (أي بداية وجود هذه المخلوقات). ولذا استطاع ق. أثناسيوس أن يقول “بينما الأعمال (المخلوقات) يكون لوجودها بداية، فإن ’بدء‘ هذه الأعمال (أي أصلها ومصدرها الذي هو قدرة الخلق في الله) يسبق حضورها إلى الوجود[50]“. فقبل بداية الخليقة، هناك بدء مطلق أو فائق في الله الذي هو ذاته أزلي بغير بداية[51]. وهذا ما يجعل خلقة العالم من العدم أمرًا مُحيرًا ومذهلاً للغاية، وهذا ليس فقط بسبب أن شيئًا جديدًا تمامًا قد ابتدأ في الوجود ـ جديدًا حتى لله* الذي خلقه بكلمته وأعطاه واقعًا وتكاملاً خارج ذاته ـ ولكن بسبب أن “الكلمة ذاته صار خالقًا للأشياء التي لها بداية” على حد قول ق. أثناسيوس[52]، وذلك كان بطريقة ما يصعب على البشر إدراكها.

 

كيف فسَّر ق. أثناسيوس الخلق في ضوء التجسد؟

إن الله كان ’آبًا‘ على الدوام ولم يكن ’خالقًا‘ على الدوام، ولكنه الآن هو ’خالق‘ بالإضافة لكونه ’آبًا‘ أيضًا. ومن نفس المنطلق، نستطيع أن نتحدث عن الابن الأزلي الذي صار إنسانًا، فالابن كان على الدوام ’ابنًا‘ لله ولكنه الآن هو الإله المتأنس “لم يكن إنسانًا قبلاً، ولكنه صار إنسانًا من أجلنا[53]“.

ولنتوقف هنا لنتأمل كيف أقرن ق. أثناسيوس الخلق والتجسد معًا، وذلك في إظهاره أنه في كليهما ينبغي علينا أن ندرك أننا أمام أعمال جديدة حاسمة لم تكن موجودة سابقًا وتمت بإرادة الله. فحيث إن الله لم يكن’خالقًا‘ على الدوام، فإن خلق الكون ـ كواقع ’خارج عن الله‘ ـ كان شيئًا جديدًا (أي لم يكن واقعًا موجودًا فيما قبل) بالنسبة لله. وحيث إن ابن الله أو ’كلمة‘ الله الذي به خلق كل الأشياء لم يكن متجسِّدًا على الدوام ولكنه صار إنسانًا في ملء الزمان، إذن فاتصال الله نفسه بنا في يسوع المسيح ـ الذي هو واحد في ذات الجوهر والطبيعة مع الآب ـ يعتبر شيئًا جديدًا. وهكذا بتفسير الخلق في ضوء التجسد، صار للخلق والتجسد معًا تأثيرات رائعة على فهمنا لطبيعة الله؛ إذ إنهما (أي الخلق والتجسد) يخبراننا بأن الله له الحرية في أن يصنع ما لم يصنعه من قبل، وله الحرية أيضًا في أن يكون ما لم يكُنه منذ الأزل: أن يكون الخالق ضابط الكل، وحتى أن يتجسد في هيئة المخلوقات، بينما يظل هو هو الله كما هو منذ الأزل.

إن عقيدة الخلق من العدم هذه ـ والتي تعني أن شيئًا جديدًا تمامًا قد حدث ـ كانت بلا شك أمرًا مغضبًا للفكر اليوناني، ولكن هذه العقيدة كانت مدعومة بقوة بعقيدة التجسد. وكانت كلتا العقيدتين تتصادمان بشدة مع المقولات الفلسفية اليونانية التي تصف الله ’بالحتمية‘ و ’الجمود‘ و ’عدم تفاعله مع الخليقة‘. وهنا نأتي إلى الوضع المميّز بشدة لعقيدة الخلق، والذي يظهر من خلال الإعلان بأنه: بواسطة ابن الله الكلمة الأزلي الذي صار إنسانًا، خلق الله الآب ضابط الكل السماء والأرض ما يرى وما لا يرى، وأن هذه الخليقة في يسوع المسيح تُحكم كلها وتُضبط معًا.

 

ثانيًا: الله لا يريد أن يكون وجوده هو لنفسه فقط

 

الله كائن بذاته ولا يعتمد على شيء خارج ذاته

لقد تناولنا موضوع أن الله كان ’آبًا‘ على الدوام ولكنه لم يكن على الدوام ’خالقًا‘، ولكن مع ذلك علينا أن نكون حريصين حتى لا نفهم عبارة ’كان الله على الدوام‘ بشكل زمني، كما حذَّرنا ق. غريغوريوس النزينزي الذي قال “إن الله كان على الدوام ويكون على الدوام، أو بالأحرى هو كائنٌ على الدوام، لأن ’كان‘ و ’سيكون‘ هما أجزاء من زماننا و لهما طبيعة قابلة للتغيير، (أما الله) فهو كائن أزلي أبدي[54]“.

إن النقطة محل الاهتمام هنا، هي أن الله هو: الذي كائن في ذاته (أو بذاته)، وغير معتمد بتاتًا على أي حقيقة غير ذاته، ولذلك فهو مستقل تمامًا عن خليقته، ومتعالٍ بشكل لانهائي فوق كل زمان ومكان. وكما عبَّر عن ذلك ق. هيلاري بقوله: “إن الآب الذي تدين له كل الكائنات بوجودها… هو، بخلاف هذه الكائنات جميعها، كائن بذاته. هو لا يستمد وجوده من خارجه ولكنه يمتلك هذا الوجود من ذاته وفي ذاته. وهو لانهائي، لأنه لا شيء يمكن أن يحتويه ولكنه هو يحتوي كل شيء؛ ولا يحده مكان لأنه غير محدود، وفي أزليته هو أقدم من الزمن لأنه هو خالق الزمن”.[55] إذن فإن الله له في ذاته حرية فائقة وهو لا يحتاج إلى شيء خارج ذاته، لأنه هو خالق و رب كل الكائنات الأخرى.

 

لا توجد علاقة إلزامية (ضرورية) بين الله والخليقة

بينما الله هو ’الخالق‘ بفضل كونه ’آبًا‘ منذ الأزل، فبالنسبة لنا الأمر عكس ذلك: لأن الله قد صار أبًا لنا ـ ليس بالطبيعة بل بالنعمة ـ بعدما صار خالقًا لنا[56]. وبالرغم من ذلك فهو معروف لنا من خلال الخليقة وفقًا لما هو في ذاته منذ الأزل كـ ’آب‘، كما أنه معروف بالحقيقة كـ ’آب وابن وروح قدس‘ بمعزل عن الخليقة[57]. ولذلك لا توجد علاقة إلزامية (ضرورية) بين الله والعالم المخلوق، كما لو كان الله يحتاج إلى علاقة مع شيء غير ذاته لكي يكون ما هو أزليًّا في ذاته، أي الله الآب ضابط الكل[58]. ولهذا السبب كما قد ذكرنا سابقًا، لم يقبل الفكر اللاهوتي النيقي فكرة أن الله كان أيضًا ’خالقًا‘ على الدوام بالاضافة إلى كونه ’آبًا‘، هذا بالرغم من أن آباء نيقية أقرّوا بأن فعل الخلق ينبع من طبيعة الله الأزلية ’كآب‘ للابن الأزلي. إذن فمن منطلق كيان الله الذاتي الأزلي كآب ضابط الكل، يمكننا أن نتحدث كما ينبغي عن الخليقة وعن تفاعل الله المستمر معها.

 

الله أوجد الخليقة ’من العدم‘ بسبب صلاحه وحبه الفائق

وكما اعتاد ق. هيلاري أن يقول، فإن الله في ذاته ليس “منعزلاً”[59]، لأنه كآب وابن وروح قدس هو في ذاته شركة أزلية للحب والوجود الشخصي. وقبل ق. هيلاري كان ق. إيرينيئوس قد قال إنه على الرغم من أن الله مكتفٍ ذاتيًّا تمامًا في الشركة الداخلية التي لكيانه، إلاّ إنه لا يريد أن يكون وجوده هو لذاته فقط، بل بتلقائية وحرية قد أحضر العالم إلى الوجود من العدم وأعطاه تكاملاً خاصًا به، ووضع فيه كائنات مخلوقة عاقلة يمكنه أن يهبها من نِعَمه ويشركها معه في شركة الحب الخاصة به. ومع أن الله متعالٍ بصورة فائقة إلاّ أنه ليس بمعزل عن خليقته، بل هو حاضر وعامل فيها بلا عائق، كما أنه يتدخل شخصيًّا بعنايته الإلهية في أحداث العالم وفي شئون خليقته من البشر[60].

وكان ق. إيرينيئوس قد وجَّه الانتباه إلى تعليم أفلاطون الذي في رده على سؤال: لماذا من الأساس خلق الله العالم؟ قد أشار إلى صلاح الله الذي بلا حسد، والذي بدلاً من أن يحتفظ بصلاحه لنفسه، كوَّن العالم لكي يعكس من خلاله صلاحه ونظامه الخاص[61]. وكذلك أرجع ق. أثناسيوس ـ وكلمات أفلاطون واضحة في ذهنه ـ سبب وجود العالم إلى حقيقة أن الله مصدر كل صلاح وكمال، وهو لا يضِنُّ بالوجود على أي شيء قد صنعه. ولكن ق. أثناسيوس مثل ق. إيرينيئوس أعطى هذه الفكرة توضيحًا مسيحيًّا وذلك بالتأكيد على أن الله خلق كل الأشياء ’من العدم‘ وأنه يريد للبشرية الوجود بسبب محبته للبشر (φιλανθρωπία)، تلك التي أظهرها للعالم في يسوع المسيح الكلمة الذاتي المتجسد، الذي به أُحضرت كل الأشياء إلى الوجود وأُعطيت كيانًا واقعيًّا. وبدلاً من أن يضِنَّ الله على الخليقة بالوجود ـ كواقع خارج عن ذاته ـ أحضرها بحريته إلى الوجود بواعز من كرمه المحض لكي ما يغدق عليها حبه[62].

 

الخليقة هي نتاج إرادة الله وفعل محبته

هذا المدخل إلى فهم سر الخليقة من خلال ’مركزية المسيح‘، كان هو الأساس الرئيس لكل الفكر اللاهوتي النيقي. وكان تنازل الله الواضح في تجسد الكلمة وإعلانه عن ذاته في يسوع المسيح ابنه الحبيب ـ الذي به خُلقت كل الأشياء ـ هو المنطلق الذي من خلاله تأمل آباء نيقية في الأصل المحيِّر للكون كواقع حقيقي خارجٍ عن الله.

وكان خلق العالم من العدم واستمرار وجوده، يُفهم على أنه نابع من ـ وقائم على ـ محبة الله غير المحدودة، هذه المحبة التي هي الله ذاته منذ الأزل كآب وابن وروح قدس، وهي التي يريد أن يشرك خليقته فيها[63]. فالخلق مثله مثل الفداء، كان عملاً من أعمال نعمة الله المحضة التي تعلو على الشرح، والتي ظهرت في ابنه المتجسد الذي “قناه الله أول طريقه لأجل أعماله”، حيث فيه وبواسطة عمله الخلاصي، نستطيع أن نستدل على السبب الخفي للخلق[64].

ولم تكن هناك أية محـاولة للإجابة على سـؤال: كيـــف خلـق الله الكون من العدم (™κ τοà μή ×ντος)؟، فقد كان كافيًا اتباع تعليم الكتاب المقدس في الإيمـان بأن “جميع الأشياء هي من الله (™κ τοà θεοà)”[65]، ولكن هـذا “التكوين الـذي من الله” (γένεσις ™κ θεοà) كما عبَّر عنه ق. غريغوريوس النيصي، يجب أن يُفهم على أنه ليس فيضًا من جوهر الله، وإنما نتاج من إرادة الله وفعل محبته[66]. وهكذا صارت محبة الله هي المبدأ والمصدر الأوّلي في كل الفكر المسيحي عن الخلق.

 

الخليقة لم تُحضَر إلى الوجود، لا بصورة جزافية (بالمصادفة) ولا بصورة إلزامية (وجوبية)

كيف إذن ينبغي أن ننظر إلى علاقة الله بالكون؟ إنها ليست علاقة ضرورة ولا هي علاقة اعتباطية. فالله كانت له الحرية في أن يخلق العالم وكانت له الحرية أيضًا في ألاّ يخلق العالم[67]. والكون لم يأتِ إلى الوجود بنفسه أو دون قصد (κατάσυμβεβηκός) كما لو كان نتاج مصادفة جزافية مضادة للعقل[68]، ولكن حقيقة أن الله قد خلق الكون بكلمته أو حكمته الأزلي إنما تعني أن العالم لم يتصوَّر ولم يُؤتى به إلى الوجود ’بدون سبب‘، ولكن على العكس كان نتاجًا مفهومًا للفكر الإلهي[69]. ولهذا السبب كما قال ق. أثناسيوس، فإن الكون المخلوق، بدون الابن الكلمة، لا يُعتبر في ذاته كافيًا ليجعل الله معروفًا لنا. ولكن التأمل الصحيح في الكون إنما يكون في اللوغوس (Λόγος) ومن خلاله؛ إذ هو الذي أنشأ الكون وأعطاه نظامه المنطقي، وفيه (أي في الكلمة) يتماسك الكون بثباتٍ معًا[70].

ومن جهة أخرى، فإن الكون لم يأتِ إلى الوجود بسبب أي اضطرار داخلي في جوهر الله[71]. كلا، بل إن الكون صدر بحرية من المحبة الأزلية التي هي الله ذاته، وهو (أي الكون) مؤسس على الدوام على هذه المحبة. وعلى الرغم من أن الله في اكتفائه الذاتي الكامل غير محتاج للكون إلاّ أنه خلقه بحرية بسبب محبته ونعمته، ولذا يجب أن نعتبر أن للكون أساسًا أوليًّا منطقيًّا في طبيعة الله الخيّرة وفي محبته الفائقة.

ولقد كان ظهور هذا الحب الإلهي في يسوع المسيح اللوغوس وحكمة الله الذي صار جسدًا، هو الذي دعا الآباء إلى إدراك أن للكون سببًا لوجوده فائق للتصور، هذا السبب مؤسس ـ أبعد من نطاق الكون ذاته ـ في محبة الآب والابن والروح القدس. ولذلك فقد سعى اللاهوتيون أن يدركوا الله الخالق وعمله في ضوء نشاطه وفعله الواحد غير المنقسم كآب وابن وروح قدس، إله واحد الذي منه وبه وفيه جميع الأشياء[72]. وهكذا أعلن ق. أثناسيوس: “أن الآب يخلق جميع الأشياء بالكلمة في الروح[73]” كما أكد ق. غريغوريوس النزينزي قائلاً “عندما أقول الله، أعني الآب والابن والروح القدس[74]“.

 

الكون خُلق على مثال الثالوث القدوس

إن الكون قد أُحضر بالحقيقة إلى الوجود من الآب بالابن في الروح القدس، بحيث يكون على مثال الثالوث، وهذا ما أسماه كارل بارث في أيامنا “(الكون هو) نظير زمني ـ واقع خارج الله ـ لما هو في الله ذاته، والذي فيه الله هو آب للابن” أو بتعبير آخر أن الكون هو “مقابل (مماثل) مخلوق” للثالوث القدوس[75]. وهذا حقًّا ما نجده مرارًا وتكرارًا في كتابات آباء نيقية وما بعد نيقية، ومثال ذلك الإشارة التي وردت على لسان ق. غريغوريوس الصانع العجائب عن “التدبير المقدس للكون[76]“. وكان ق. إيرينيئوس، على الأخص، هو الذي أوضح بجلاء تعليم الكتاب المقدس عن الكون باعتباره خليقة الله الصالحة، الذي يصونه الله على الدوام ويضبطه بتناغم في علاقة عهد مع نفسه، وهو الذي يعكس مجد الله ويشكِّل المجال الذي يظهر فيه قصد محبة الله للبشرية[77]. ومن جانبه استخدم ق. أثناسيوس تعبيرات من عالم الموسيقى مثل ’تناغم‘ و ’سيمفونية‘ من أجل التعبير عن الوحدة الرائعة وتناسق نظام الخليقة التي تعلن وتمجد الله باعتباره ربها وخالقها[78].

ومع إدراك اللاهوتيين أنه في تدبير التجسد جعل الخالق نفسه واحدًا مع خليقته، وأنه في حلول الروح القدس أصبح الله ذاته حاضرًا شخصيًّا في كل خليقته ـ محافظًا على كيانها ونظامها، وممارساً عنايته الإلهية بصورة مباشرة في أحداثها ـ أصبحت لهم القناعة بأن الكون كله بزمانه ومكانه قد أقيم على أساس جديد[79].

لقد شعروا بضرورة اعتبار أن نظام الخليقة قد تجدَّد وتقدَّس في المسيح على هذا النحو لكي يكون ـ حسب قصد الله ـ مقابلاً (مماثلاً) مخلوقًا للشركة والمودة والأمانة التي تظهر في الله ذاته، لأن الخليقة تقوم على ثبات الله ذاته كما أنها تعتمد في وجودها المستمر على الحضور الدائم لروحه القدوس[80].

إن كل المنطق في وجود الكون (raison d´être) هو في حقيقة أن الله لا يريد أن يكون وحده، وأنه لا يريد أن يكون بدوننا، ولكنه بقصد وحرية قد خلق الكون وربطه بذاته كمجال يسكب فيه محبته بلا تحفظ، وكمكان نتمتع نحن فيه بالشركة معه.

ثالثًا: الله خلق الكون من العدم

 

خلق الكون من العدم هو مفهوم ’عبري- مسيحي‘

لقد كان تركيزنا حتى الآن موجَّه إلى الله كخالقٍ للكون، ولكننا لا بد أيضًا أن نعطي قدرًا من الاهتمام إلى طبيعة الخليقة ذاتها، وعلى الأخص إلى  المفهوم   الصعب   الخاص   بالخلق    من      العدم (creatio ex nihilo)، والذي يعني أن الله خلق الكون كمادة وكشكل من العدم، وأعطاه بداية مطلقة (أي بداية لم يكن قبلها شيء) في الوجود والزمن. وهذا المفهوم هو في أساسه مفهوم عبري- مسيحي مصدره تعليم العهد القديم أن الله “صنع السماء والأرض، والبحر وكل ما فيها”[81]، وكان لهذا التعليم صدى قوي أيضًا في العهد الجديد[82].

إن الآية الافتتاحية من سفر التكوين “في البدء خلق الله السموات والأرض” لم يُذكر فيها مفهوم الخلق من العدم بصورة مُفصَّلة، ولكن في التفسير اليهودي كان هذا المعنى يُفهم ضمنيًّا[83]، لأن الفعل العبري المستخدم للحديث عن عمل الله في خلق السموات والأرض لم يكن ’عاساه‘ (עָשָׂה) وهو الذي يُستخدم عادة للحديث عن عمل الإنسان أوعمل الله في صنع أو إنتاج أو تغيير الأشياء. وإنما الفعل الذي استُخدم كان الفعل المميَّز ’بارا‘ (בָּרָא) وهو الفعل المخصص فقط لما يصنعه الله ليقدم شيئًا جديدًا تمامًا لم يكن قد حدث من قبل ولم يكن من الممكن حدوثه إلاّ هكذا[84]، وهذا الفعل لم يكن يُستخدم إطلاقًا للحديث عما يصنعه الله بأشياء موجودة من قبل[85]. أي إن الفعل ’خَلَقَ‘ (בָּרָא) وبخلاف الفعل ’صَنَعَ‘ (עָשָׂה)، إنما يشير إلى عمل الله الفريد والأوّلي بواسطة كلمته، في إحضار ما لم يكن موجودًا من قبل إلى الوجود، وفي إعطائه إياه واقعًا وثباتًا أمامه “قال فكان. هو أَمَر فصار[86]“.

وكانت أول شهادة مسجَّلة في الكتابات اليهودية تذكر بوضوح موضوع الخلق من العدم تُنسب إلى أمٍّ مكابية قالت: “انظر يا ولدي إلى السماء والأرض وإذا رأيت كل ما فيها فاعلم أن الله خلق الجميع من العدم وبنفس الطريقة أوجد جنس البشر[87]“. وفي العهد الجديد كان الإيمان بأن الله خلق الكون من العدم قد ترسَّخ تمامًا وصار أمرًا بديهيًّا مُسلَّمًا به، غير أن أول ذكر لهذا الأمر بوضوح في الكتابات المسيحية وُجد فقط في نهاية القرن الأول في كتاب ’الراعي‘ لهرماس، وهذا النص كان له تأثيره الكبير على تطور الفكر المسيحي: “أول كل شيء، آمن بأن الله واحد الذي خلق كل الأشياء ورتبها وأحضرها إلى الوجود من العدم، وهو يضع حداً لكل الأشياء إلاّ أنه هو وحده لا يُحد[88]“. ومن هنا يبدو واضحاً أن الإيمان بأن الله خلق كل الأشياء من العدم قد صار أمراً مُعترفاً به ضمن ’قانون الإيمان‘[89].

وكانت فكرة الخلق من العدم (creatio ex nihilo) قد أُثيرت عدة مرات في تاريخ الفكر اليوناني كما يخبرنا بذلك أناس مختلفون أمثال أرسطو[90] وبلوتارخ[91] وديوجنيس لايرتيوس[92] وسِكستُس امبيريكوس[93]، ولكنها رُفضت كأمرٍ مستحيل ومناقض لذاته[94]. أما المفكرون المسيحيون الأوئل أمثال ثيؤفيلوس الأنطاكي[95] وأثيناغوراس الأثيني[96] وأرستيدِس[97] وتاتيان[98] فقد صمموا على فكرة خلق الكون من العدم من حيث المادة والشكل، واعتبروها أمرًا أساسيًّا للإيمان بالله الواحد الوحيد. ومما كانت له دلالته الهامة بالنسبة لهؤلاء المفكرين، أن نقطة الانطلاق الحقيقية لعقيدة الخلق ـ كما أوضح أثيناغوراس بالأخص[99] ـ كانت هي عمل الله العظيم في إقامة يسوع المسيح من الأموات، لأن في هذا العمل ظهرت بشكل فريد قوة الله المطلقة وسلطانه على الحياة والموت، وعلى كل الموجود وغير الموجود. وكان هذا التركيز يتفق تمامًا مع شهادة العهد الجديد، ويكمل الصورة بالنسبة لعقيدة الخلق التي ’مركزها المسيح‘ والتي ترسَّخت في كنيسة ما قبل نيقية[100].

 

التجسد كان هو مدخل الآباء لفهم عقيدة خلق الكون من العدم

في أوائل القرن الرابع، ظهر ضعف خطير في المفاهيم السائدة عن ’الخلق‘، وذلك نتيجة الخلط بين ولادة ابن الله الأزلية وبين عمل الله في الخلق بإحضار الكون إلى الوجود. وهذه هي المشكلة الأساسية التي كنا نبحث فيها بمساعدة تعاليم ق. أثناسيوس الذي ميَّز بوضوح بين كينونة الله المطلقة وبين وجود العالم، هذا الوجود الذي يعتمد اعتمادًا كليًّا على كلمة الله وإرادته الخالقة، وبذلك فكَّ ق. أثناسيوس للكنيسة، الاشتباك بين خطوط الفكر المتداخلة في تعاليم أوريجينوس وأريوس: عن الله والمسيح والعالم، وقد أدى ذلك إلى توضيح الفهم المسيحي لله كآب وكخالق في ضوء علاقة الابن المتجسد بالآب. ولكن حقيقة أنه في يسوع المسيح، الله الخالق ذاته صار واحدًا مع خليقته لكي يفدي العالم، هذه الحقيقة أجبرت اللاهوتيين أن يفحصوا بأكثر عمق في مفهوم الخلق من العدم وفي طبيعة الوجود المخلوق. وكان ق. أثناسيوس هو الذي أدرك أكثر من غيره ماهية القضايا الحقيقية، وكان أول مَن أوضح الطبيعة والحالة الاعتمادية* للواقع المخلوق، وأيضًا نظامه المخلوق المُعطى له من الله. ولذلك سوف نعتمد على ق. أثناسيوس ومعه بعض لاهوتيّ الكنيسة الأولى، لاستخراج المعاني العميقة لتجسد الكلمة، من أجل الوصول إلى فهم مسيحي لخليقة الله من جهة اعتماديتها وعقلانيتها وحريتها.

 

1ـ اعتمادية الخليقة (على الله)

 

التجسد أظهر حقيقة الطبيعة المخلوقة

كان ق. أثناسيوس في أول عمل له بعنوان ’ضد الوثنيين‘، قد تعرَّض بالفعل للسؤال الأساسي الذي يثيره التجسد من جهة علاقة كلمة الله ـ المولود الواحد والوحيد الذي هو بلا تغيير وبلا حدود وبلا تركيب في كيانه وطبيعته ـ بالأشياء المخلوقة من العدم والتي تتسم بالتغيير والمحدودية والتركيب في كيانها وطبيعتها. وقد وجد ق. أثناسيوس الجواب على هذا السؤال في التجسد ذاته، لأن ذلك الاتحاد العجيب بين الكلمة والأشياء المخلوقة (في التجسد) هو الذي أظهر أن طبيعة الأشياء المخلوقة من العدم ـ عند النظر إليها في حد ذاتها ـ ليست فقط ضعيفة وقابلة للموت، ولكنها أيضًا متجهة إلى الزوال، أو في حالة تغير متواصل وعرضة للانحلال والفناء بحسب قوانينها الذاتية. ومع ذلك، فعندما ننظر إلى الطبيعة المخلوقة من زاوية صلاح الله الكامل ومحبته وحنانه سنجد أن هذه الطبيعة قائمة بواسطة الفعل الخالق والمدبر لكلمة الله، وبالتالي فهي محفوظة بالنعمة الإلهية من الارتداد مرة أخرى إلى العدم. فبالحقيقة كما علَّمنا القديس بولس الرسول أنه في المسيح وبه يقوم الكل ما يرى وما لا يرى[101].

وقد تابع ق. أثناسيوس عرض ومناقشة هذه الأفكار في كتابه ’تجسد الكلمة‘، حيث أشار بصورة واضحة للآية الأولى من سفر التكوين “في البدء خلق الله السموات والأرض”. وقد أشار أيضًا لتعليم الرسالة إلى العبرانيين (3:11): “بالإيمان نفهم أن العالمين أُتقنت بكلمة الله حتى لم يتكون ما يُرى مما هو ظاهر” والتي فسَّرها ق. أثناسيوس على نفس النحو الذي جاء في النص الذي ذكرناه في كتاب ’الراعي‘ لهرماس[102].

وكان ق. أثناسيوس واضحًا كل الوضوح بخصوص حقيقة أن خلق الكون من العدم لا تعني أن الله خَلَق الكون من ’شيء ما‘ يُسمى ’العدم‘، وإنما ما خلقه الله لم يخلقه من أي شيء سابق بالمرة. فالخلق من العدم إنما يعني بالأحرى أن الخليقة تعتمد كلية في وجودها على إرادة الله وتفضله، وأنه ليس لها ثبات ولا استقرار على الإطلاق بدون ما يُمنح لها بسخاء بواسطة حضور كلمة الله وفعله المستمر. وهذا الفكر يتفق تمامًا مع تعليم ق. إيرينيئوس بأن جوهر كل الأشياء المخلوقة ينبغي أن يُنسب إلى قوة الله وإرادته، لأن أساس هذه المخلوقات ليس في ذاتها بل هو قائم في كلمة الله[103].

ومن الواضح أن ق. أثناسيوس قد واجه بعض الصعوبة في إيجاد اللغة المناسبة السليمة لوصف الطبيعة المحيِّرة التي للمخلوقات، لأنه بينما مُنحت هذه المخلوقات حقيقة خاصة بها من الله، إلاّ أن استمرار وجودها ظل كما لو كان معلقًا فوق هاوية العدم، الذي كانت قد أُحضرت منه بواسطة نعمة الله. وقد استخدم القديس أثناســـــيوس كلــــــمة (rεÙστός)[104] ليعبِّر عن الطبيعة المتجهة للزوال وغير المستقرة داخليـــــًّا، التي للأشـــــــياء المخــــــــــلوقة (γενητά, τυγχάνοντα)، والتي بالرغم من هذا تبقى كمخلوقات حقيقية بواسطة الحضور الإلهي للكلمة[105]. واستعار ق. أثناسيوس من الفكر اليوناني كلمتيّ (συμβεβηκός)[106] و(™νδεχόμενος)[107] ليعبِّر عن حقيقة عدم ضرورية الأشياء المخلوقة، ولكنه رفض فكرة أن وجود هذه المخلوقات كان بمحض الصدفة أو أنها أتت عن غير قصد[108]. وهذا المفهوم عن طبيعة المخلوقات يوضح بشكل كبير ما نقصده عندما نصفها ’بالاعتمادية‘[109]. وفي الحقيقة أن هذا ما كان يعنيه بالتأكيد ق. أثناسيوس، لأنه في ظل تأثير التجسد على الفكر المسيحي تولد مفهوم جديد تمامًا لم يكن من الممكن تفسيره وفقًا لمعطيات أنماط الفكر العلماني التقليدي.

 

مفهوم الاعتمادية في الفكر اليوناني

في الفلسفة أو العلوم اليونانية، كانت فكرة ’الاعتمادية أو العرضيّة‘ تطابق في المعنى حدوث شيء بالمصادفة المحضة، أي إنه عكس الشيء الضروري أو المنطقي، ولذلك كان يُنظر إلى ذلك الشيء العرضي على أنه يفتقر إلى أي نظام عقلاني (منطقي) ولا يعدو أن يكون أكثر من مظهر مؤقت تنقصه الحقيقة، وبالتالي كان يعتبر أمرًا مستحيلاً وغير واردٍ تمامًا ولم يكن من الممكن إدراجه في أي حديث عقلاني أو تفسير علمي، بل كان في الواقع يعتبر نوعًا من الشر. ومن هنا جاءت المقاومة الشديدة للفكر المسيحي من جهة طبيعة الوجود ’الاعتمادية‘، نتيجة لما كان سائدًا من نماذج الفكر اليوناني الكلاسيكي[110].

 

اعتمادية الخليقة في المفهوم المسيحي

من المعترف به أن مفهوم ’الاعتمادية‘ ليس بالمفهوم السهل أبدًا، لأنه كما رأينا فإن خلق الكون من العدم يعني أن الكون قد أُحضر إلى الوجود كشيء متميز تمامًا عن الله ـ ولكن له حقيقة خاصة به وبالتالي له قدر من الاستقلال الحقيقي ـ وهذا ما يتضمَّنه مفهوم ’الاعتمادية‘. وقد تأصل هذا الاتجاه الفكري وتقوّى بواسطة عقيدة تجسد الله الخالق داخل خليقته. فبينما من ناحية، قامت عقيدة التجسد على تمييز مطلق بين الكائن غير المخلوق والكائن المخلوق، إلاّ أنها من الناحية الأخرى أكدت على الحقيقة الكاملة للوجود المادي وأحداثه حتى بالنسبة لله.

غير أن صعوبة مفهوم ’الاعتمادية‘ تكمن في حقيقة أن الاستقلالية التي أعطاها الله للخليقة هي ذاتها معتمدة على الله؛ إذ أن الله قد صنع الطبيعة بحيث تعمل بقدرٍ من ’الحكم الذاتي‘: فهي (أي الكائنات الحية) تأتي بنفس نوع ثمرها من ذاتها ’تلقائيًّا‘ كما عبَّر عن ذلك العهد الجديد[111]. وهذا يعني أننا كلما سعَينا لاستكشاف وفهم الطبيعة، فإننا ينبغي أن نفعل ذلك فقط من خلال فحص الطبيعة كما هي فعليًّا في ذاتها، ومن خلال اكتشاف عملياتها وتكوينها وقوانينها الداخلية الخاصة بها. ورغم ذلك فإن استقلال الطبيعة هذا في صميم حقيقته، هو ذاته اعتماد الطبيعة على الله أو توقفها عليه. وكان هذا التداخل المحيِّر بين الاعتماد والاستقلال هو الذي جعل فكرة ’الاعتمادية‘ عسرة علينا جدًّا في فهمها وفي التعبير عنها. فالكون لا يعول نفسه بنفسه أو يفسِّر نفسه بنفسه كما لو كان له مبدأ داخلي في ذاته، كما أنه أيضًا ليس مجرد مظهر خارجي، لأنه من جهة وجوده فهو يعتمد على الله وليس على ذاته، وقد أعطاه الله واقعًا حقيقيًّا وشرعية خاصة به وهو يدعمها على الدوام بواسطة حضور كلمته الخالق وروحه القدوس. ولو فُرض أن الله سحب ذلك الحضور من الخليقة، لتلاشت وصارت عدمًا[112]. ولذا ففي نهاية الأمر فإن معنى الكون وحقيقته الجوهرية تكمن فيما وراء حدود هذا الكون، أي في الله الذي يحبه ويحفظه ويطوقه بحقيقته الإلهية الخاصة. إذن فبالمعنى الحقيقي، هذا الكون يمكن أن يُنظر إليه على أنه ’في الله‘، وأنه محاط بقوة وحضور الكلمة الخالق والروح القدس.

 

كيف شرح ق. أثناسيوس عقيدة ’الخلق من العدم‘؟

لقد لعبت عقيدة التجسد دورًا إضافيًّا في عقيدة ’الخلق من العدم‘ عند الآباء؛ إذ كشفت أن العالم كان في وضع غير مستقر وغير ثابت تمامًا، مما استدعى من الله الابن أن يوحده بذاته لكي يحفظه وينقذه.

وكان هذا الأمر من الموضوعات الرئيسية في كتاب ق. أثناسيوس عن ’تجسد الكلمة‘، حيث ظهر فيه أن موضوع طبيعة البشر ’الاعتمادية‘ كان في ذهنه أثناء كتابته لهذا العمل. فمن جهة، أشار ق. أثناسيوس إلى القصور الطبيعي في الوجود لدى البشر (τÒ μ» ε‡ναι ποτέ)، ولكن من الجهة الأخرى أشار إلى دعوتهم إلى الوجود (ε„ς τÒ ε‡ναι) بواسطة “حضور الكلمة ومحبته للبشر” (παρουσία κα… φιλανθρωπία). وبما أن البشر قد أُحضروا إلى الوجود من حالة عدم الوجود بنعمة الله، فإنهم بحسب طبيعتهم يفنون ويعودون إلى حالة عدم الوجود عندما يبتعدون عن الله، ويقعون عندئذ تحت قانون الموت (العودة إلى العدم أو الفساد الطبيعي). كما قد كشف تجسد الكلمة في داخل هذا الوجود العرضي (الاعتمادي) أن المخلوقات البشرية قد أصبحت مُصابة بفسادٍ (φθορά) آخر ضارب في العمق، أكثر من الفساد الطبيعي الناتج عن طبيعتهم العرضية ’الاعتمادية‘، وهذا الفساد الأعمق يؤدي بهم إلى الفناء التام[113]. ولم يكن هذا الفساد (الإضافي) الذي أصاب البشر هو ذلك الفساد الطبيعي الذي في جميع الكائنات التي لها بداية ونهاية محددة ـ بسبب قابليتها للفناء والموت ـ ولكنه هو فساد الشر والذي كان هناك حكم إلهي ضده، وهذا الفساد لا يمكن التغلب عليه إلاّ من خلال العمل الكفاري والفدائي لله نفسه[114].

وكانت عملية استعادة وتجديد الخليقة هي السبب وراء تجسد كلمة الله وابنه الأزلي، الذي بأخذه طبيعتنا الضعيفة ’العرضية الاعتمادية‘ لنفسه ـ وهو الأصل والمصدر الواحد لكل الكائنات المخلوقة ـ فإنه نقل أصلنا إلى ذاته لكي يحفظ وجودنا من الفناء والعدم (قانون الموت)، وفي نفس الوقت أخذ لنفسه طبيعتنا المنحرفة والفاسدة بما في ذلك لعنة الخطية حتى يفدينا (من حكم الموت) ويجدِّد كياننا في ذاته*. أي إن الفكر اللاهوتي المسيحي أدرك أن الكيان العرضي (غير الثابت) للخليقة قد فسد نتيجة اتجاه الخليقة نحو تدمير وجودها (بالخطية)، وهو ما كان لا بد من التغلب عليه من أجل إنقاذ الخليقة وتوجيهها ثانية نحو الهدف الذي قد صوَّرها خالقها لأجله. وبنقل وجودنا ’الاعتمادي‘ (العرضي) إلى ذاته ـ وهو الذي اتحد فيه بغير انفصال؛ الإلهي مع البشري، غير المخلوق مع المخلوق ـ فقد حفظ يسوع المسيح الابن المتجسد أصل وجودنا وغاية وجودنا في كيانه الذاتي الأزلي. وهكذا بالنظر إلى التجسد بهذه الطريقة، فإنه ينبغي أن يُفهم على أنه (أي التجسد) يُكمِّل عمل الخلق ويُتمِّم علاقة الخليقة ’الاعتمادية‘ بالله#. إذن فبصورة ما، يجب اعتبار أن الخليقة من البداية كانت متوقفة على (أو مشروطة بـ) التجسد[115].

 

2ـ عقلانية الخليقة* ونظامها المنطقي

 

اعتمادية الخليقة تنطوي على مفهوم عقلانية الخليقة

إذا كانت فكرة ’اعتمادية‘ الخليقة (على الله) وعرضيتها أمرًا صعب الفهم على العقل اليوناني، فإن فكرة عقلانية هذه الخليقة (أو نظامها المنطقي) كان أمرًا أكثر صعوبة. ولكن العقيدة المسيحية عن خلق الكـــــون من العدم و’اعتماديته‘ كانت في الحقيقة تتضمن مفهــــوم هذه ’العقـــــلانية‘، لأن ’اعتماديـــــة‘ الخليقة تظهر بالتحــــديد في نظامهـــــــا المنطقي الــــــــداخلي، والذي لا يُفسِّـــر نفسه، بل هو يعتمد على ’عقلانية‘ خالقها الفائقة الإدراك. ولذا اعترفت الكنيسة في قانون إيمانها أن الله خلق السماء والأرض ما يُرى وما لا يُرى، مــا هو مُــــــــــــــدرك بالعقل ومــا هو مُــــــدرك بالحـــــس. فالله في خلقــــــته للكــــــــون لم يُحضر إلى الوجود مادة الكون فقط، بل أوجد أيضًا شكل الكون ونظامه المعقول (المنطقي)، وحتى العقل البشري أوجده الله أيضًا من العدم[116].

 

عقلانية الخليقة تُستمد من عقلانية خالقها الفائقة

وإذا كان قد ظهر في التجسد، أن ’كلمة‘ الله الخالق الذي هو ’اللوغوس‘ الوحيد الذاتي (ΑÙτολόγος) الأزلي غير المخلوق هو الذي قد صار جسدًا، فقد تبين بالتالي أن كل الأشكال العقلانية (λόγοι) (الأخرى) المنتشرة في الكون هي مخلوقة. وبالضبط كما أن هناك تمييزًا تامًا بين كيان الله غير المخلوق وبين الكيان المخلوق، كذلك هناك تمييز تام بين ’عقلانية‘ الله غير المخلوقة و’عقلانية‘ العالم المخلوقة، وهناك تمييز بين نور غير مخلوق ونور مخلوق سواء كان مادِّيًّا أو ذهنيًّا. ومع ذلك فإن ’العقلانية‘ المخلوقة ـ أو ’النور‘ المخلوق ـ إنما تُستمد من الله ذاته، وهي تكون على ما هي عليه من خلال المشاركة في ’عقلانية‘ و’نور‘ الله غير المخلوق، الذي بدلاً من أن يطغى عليها ويلغي كيانها فإنه يحفظها في حقيقتها ’الاعتمادية‘ الخاصة بها[117].

ولا عجب إذن أن ق. أثناسيوس قد وجد أنه من الواجب عليه رفض الثنائية اليونانية بين عالم ’المدركات‘ (الأشياء التي تُدرك بالعقل) وعالم ’الحسيّات‘ (الأشياء المحسوسة)، بما في ذلك تعاليمهم عن: ’اللوغوس‘ الإلهي كمبدأ داخلي للكون، وعن ’بذور المنطق‘ (λόγοι σπερματικοί) أو ’الصور العقلانية الأزلية‘ الكامنة في الطبيعة[118]. وبدلاً من هذه الأفكار والمفاهيم، قدَّم ق. أثناسيوس التمييز الكتابي بين الخالق والخليقة مُظهرًا أن كل النظام العقلاني في الكون ينبغي إرجاعه إلى مصدره الخلاّق أي كلمة الله، لأنه بواسطة الكلمة قد مُنِحَ الكون كله ’عقلانيته‘ الرائعة المخلوقة، وهو (أي الكلمة) يداوم على مساندته للكون وإبقائه في وضعه هذا[119]. وبفضل فعل اللوغوس الإلهي المُنظِم والمتكامل والشامل الكل، فإن الوجود المخلوق كله يتغلغله نظام ’عقلاني‘ واحد يعتمد على ’العقلانية‘ الفائقة الإدراك التي لله رب الخليقة الذي يفوق الوجود المخلوق كله[120].

 

نظام الكون المخلوق منفتح على الدوام لفعل الله الخلاّق

دعونا نتأمل هذا الأمر من منطلق أن الله في خلقته للكون من العدم، قد خلق معه الزمان والمكان أيضًا. هذه الأفكار عادةً ما تُنسب لأغسطينوس (الذي كتب باللاتينية) بالرغم من أنها قد وُجدت في التراث اللاهوتي اليوناني (أي المُدوّن باليونانية) منذ القرن الثاني، حيث كانت منتشرة في الإسكندرية قبل وقت أغسطينوس بكثير ووصلت هذه الأفكار هناك إلى تمام نضجها[121]. ومع عقيدة التجسد التي تعني ـ كما عبَّر ق. أثناسيوس ـ أن الرب لم يحل داخل إنسان بل هو قد صار إنسانًا[122]، وجد المسيحيون أنفسهم في خلافٍ حادٍّ مع الأفكار التي سادت طويلاً في الفلسفة والعلوم اليونانية عن الزمان والمكان، والتي ظهرت في صور متنوعة إما أفلاطونية أو أرسطوطالية أو رواقية. ففي ظل حقيقة وواقعية ظهور (παρουσία) الله المتجسد في الزمان والمكان، وجد آباء الكنيسة أن عليهم وضع مفاهيم متغايرة عن الزمان والمكان تتوقف على حسب من تُستخدم معه ويمكن تطبيقها بطرق مختلفة: فبالنسبة لله تُطبَّق بطريقة تتوافق مع طبيعته الفائقة، وبالنسبة للكائنات المخلوقة تُطبَّق بطريقة أخرى تتمشى مع طبيعتهم ’الاعتمادية‘ (العرضّية).

وهكذا سعى الآباء إلى التأكيد على أنه داخل النظام المخلوق لهذا العالم، توجد تركيبات زمنية ـ مكانية مُهيأة ومتاحة لفعل الله المدّبر والخلاّق، كما توصّل الآباء إلى مفاهيم جديدة تمامًا عن قانون الطبيعة تجعله ذا تكوين منفتح ومتحرر من أفكار الحتمية والقدرية التي كانت سائدة في الفكر اليوناني[123]. ووفقًا لفهم الآباء لعقيدة الخلق، كانت القوانين الطبيعية تُعتبر بالنسبة لهم كتتابع منظم وكتركيبات ثابتة في الطبيعة، تقوم بأمر الله الخالق[124]. أي إن قوانين الطبيعة (أي أنظمتها العقلانية) كانت بالنسبة للآباء تعتمد على كلمة الله بكونه مصدرها وأساسها. فهذه القوانين في حد ذاتها هي أنظمة ’اعتمادية‘ وعرضّية، وهي ’عقلانية‘ (أي لها نظام منطقي) فقط لأنها تشير إلى أساس ’العقلانية‘ الفائق في ’لوغوس‘ الله الخالق، حيث إنه على هذا الأساس يقوم ثبات هذه القوانين وإمكانية الثقة فيها والاعتماد عليها[125].

 

3ـ حرية الخليقة

 

اعتمادية الخليقة تنطوي على مفهوم حرية الخليقة

إن المفهوم الكامل لـ ’اعتمادية‘ الخليقة، يحمل في طياته فكرة أن علاقة الله بالكون ليست هي علاقة جزافية (أي إنها لم تأتِ بمحض الصدفة)، كما أنها ليست علاقة الضرورة (أي إن وجودها لم يكن ضروريًّا بالنسبة لله)، وإنما هي علاقة ناتجة عن حرية نعمة الله وحرية إرادته، حيث إن الله قد خلق الكون انطلاقًا من حبه البحت وجعله معتمدًا على كلمته الذاتي (اللوغوس)[126].

وكما أن ’اعتمادية‘ الخليقة تنطوي على مفهوم اعتماد ’عقلانية‘ الخليقة على ’عقلانية‘ الله، فعلى نفس النمط فإن ’اعتمادية‘ نظام الكون على إرادة الله تحمل معها فكرة ’حرية‘ الخليقة التي تعتمد بالكامل على ’حرية‘ الله. فالله لم يبخل على خليقته بحرية كاملة، بالضبط كما لم يضنّ عليها بوجودٍ أو بحقيقة مختلفة عن نفسه، بل على العكس فهو يمنح خليقته أن تشارك أيضًا ـ بصورة مناسبة ـ في حريته الخاصة الفائقة.

 

الخليقة أُحضرت إلى الوجود بحرية الله الكاملة

وكما سبق وأشرنا، فإن الله كانت له الحرية المطلقة في أن يخلق الكون أو لا يخلقه، مما يعني أن الكون كان من الممكن ألاّ يُوجد على الإطلاق، فلم تكن هناك ضرورة تحتم على الله أن يخلق أي شيء، وكان من الممكن أن يضع نهاية لوجود الخليقة إن كانت هذه هي مشيئته لأنه لا توجد ضرورة بأن يكون الكون موجودًا إلى الأبد[127]. وعليه فإن التداخل الفريد بين الاعتماد والاستقلال داخل مفهوم ’الاعتمادية‘ يجب أن يُنظر إليه من جهة الله وأيضًا من جهة الخليقة.

وكما اعتاد جورج فلوروفسكي أن يؤكد، فإنه ينبغي علينا أن نفكر في الأمر من منطلق “اعتمادية ثنائية”: أي من جهة عمل الله الحر الخلاّق؛ إذ لم يكن الله مضطرًّا إلى أن يصنع ما قد صنعه (اعتمادية من جهة الوجود من العدم)، وأيضًا من جهة ما أوجده الله بالفعل والذي كان من الممكن ألاّ يحدث بهذا الشكل أو حتى لا يحدث على الإطلاق (اعتمادية من جهة شكل الوجود)[128]. وهذا لا يعني بالطبع أن عمل الله الحر والسيادي في الخلق كان عملاً غير عقلاني أو عملاً جزافيًّا بأي شكل، لأن الخليقة وكل ما فيها لها سببها ومنطقها الإلهي[129].

 

حرية الخليقة في الفكر اليوناني

هذا الاعتقاد المسيحي في حرية الكون، كان جديدًا تمامًا بالنسبة للعالم القديم الذي كانت تسوده أفكار عن حتمية عدم تغيُّر الطبيعة وعن أزلية العالم، وذلك بسبب مفهوم تكون (ونشأة) الطبيعة مع الله[130]. وكان هذا وراء ظهور فكرة ’عجلة القدر‘ ذات الطبيعة العنيدة والتي انعكست في الأدب الكلاسيكي اليوناني والروماني القديم، كما كان هذا أيضًا وراء ظهور فكرة ’المعادلة بين الضرورة والعقلانية‘ والتي نجدها منتشرة في كل فلسفتهم وعلومهم.

ولم يتوان المدافعون عن العقيدة المسيحية في الكنيسة الأولى مثل أثيناغوراس الأثيني، في إظهار كيف أن النظرة المسيحية إلى الله والخليقة كان لها الفضل في كسر الصلة الجائرة في عقول الناس بين الله وبين القدر المجهول المتسلط على الكل، كما كان لها أيضًا الفضل في تحريرهم من السطوة الخرافية للعرافة والتنجيم[131].

كيف نشأ مفهوم ’حرية‘ الكون أو حرية الطبيعة؟

هذا المفهوم جاء بلا شك من النظرة الجديدة إلى العالم وتاريخه، والتي تولّدت من رسالة الإنجيل التي نادت بأنه: بتجسد الكلمة، فإن الخالق ذاته قد جاء بنفسه ليفدي ويحرر جنس البشر من أربطة الخطية والذنب ومن الفساد والموت[132]. غير أن هذا الفداء وهذا التحرر ينطبق على الخليقة جمعاء، لأن المسيح هو رأس كل الخليقة، وهو أصلها وغايتها. فبواسطته قد خُلقت كل الأشياء، وفيه تقوم ومن خلاله تتصالح مع الله. إذن ففي يسوع المسيح قد أسس الله وأمَّن علاقة جديدة بينه وبين الخليقة، ومن خلال هذه العلاقة أُعطيت الخليقة ’حرية‘ مؤسسة على ’حرية‘ الله الفائقة وغير المحدودة.

وكان مفهوم الفداء وتجديد الخليقة بأسرها في المسيح أقوى بكثير في الفكر الآبائي اليوناني (أي عند الآباء الذين كتبوا باليونانية) عنه في الفكر الآبائي اللاتيني (أي عند الآباء الذين كتبوا باللاتينية)، وكان ذلك بسبب العلاقة المتبادلة العميقة بين عقائد التجسد والفداء والخلق في الفكر اللاهوتي لآباء الإسكندرية وكبادوكية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى بسبب الثنائية الضارة بين عالم المدركات (أي الأشياء التي تُدرك بالعقل) وعالم الحسيات (أي الأشياء المحسوسة) في فكر ق. أوغسطينوس. ففي الشرق، سادت حقيقة أن الذي تجسد هو بذاته الخالق ـ الأصل والمصدر المطلق لكل وجود ولكل نظام ولكل عقلانية، والذي تغلغل بنفسه إلى داخل موتنا وانتصر عليه بموته وقيامته ـ وهذا معناه أن الكون كله مرتبط من جهة وجوده (كيانيًّا) بالمسيح الابن المتجسد والقائم، وبالتالي فالكون كله قد دُعيّ للمشاركة في ’حرية‘ الخالق. وبالضبط كما أن الكون قد أخذ بدايته في الكلمة، هكذا أيضًا من خلال الفداء والتقديس والتجديد سيأخذ اكتماله فيه.

 

حرية الخليقة تعتمد على حرية خالقها الفائقة

لنتوقف قليلاً لنتأمل فيما تعنيه ’حرية‘ الخليقة هذه. فبما أن هذه ’الحرية‘ هي ’حرية‘ كون ’عرضي‘، فإنها ستكون بالضرورة ’حرية‘ عرضّية وبالتالي ’حرية‘ محدودة. لأنه لو أُعطيت ’حرية‘ غير محدودة لعالم ’عرضي‘ لانطوى ذلك على تناقض بيِّن. ولكن كون ’حرية‘ العالم المخلوق هي ’حرية‘ عرضّية فإن ذلك يعني أنها محكومة بتلك ’الحرية‘ الفائقة الإدراك التي لله والتي تمثل بالنسبة لها أساسها الحقيقي الذي تعتمد عليه بحكم كونها ’حرية عرضّية أو اعتمادية‘.

وهنا أيضًا نرى مرّة أخرى التداخل العجيب بين الاعتماد والاستقلال الذي وجدناه في مفهوم ’الاعتمادية‘. غير أنه لو كان الكون مرتبطًا فعلاً بحرية الله اللانهائية وغير المحدودة، ولو كان الكون منفتحاً بصورة مستمرة على قوة الله الخلاّقة، فإن هذا يعني أن ’حرية‘ الخليقة لا بد وأن تعكس ’حرية‘ الله وأن تكون ـ بصورة ما ـ غير محدودة ولا نهائية بطريقتها الخاصة وعلى مستواها المخلوق الخاص بها. أي إنه بسبب علاقة الخليقة ’الاعتمادية‘ بالله، فإنه يوجد في الكون المخلوق إمكانيات غير محدودة ولانهائية، وهذا مبدأ جوهري في مفهوم ’الاعتمادية‘.

وبسبب أن الكون يتصف بهذا النوع المحيِّر وغير المحدَّد من ’الاعتمادية‘، فإننا لا نستطيع أن نحقق أية اكتشافات علمية عن الكون عن طريق أساليب التفكير المنطقية الاستنتاجية. وبسبب قدر الاستقلالية الحقيقية المعطاة للكون ـ والمؤيدة من الله ـ فنحن نقدر أن نكشف عن أسرار الطبيعة، فقط من خلال تجارب نقدم فيها أسئلتنا للطبيعة، ثم ندع الطبيعة تخبرنا هي عن نفسها دون أن نفرض عليها الافتراضات المسبقة المخبأة في أسئلتنا.

وكان البعض من آباء الكنيسة قد أدرك بالفعل هذا الأمر، ولذا كانوا معارضين لفرض أية نماذج من الفكر ’المنطقي‘ أو الإستنتاجي على الطبيعة[133]. ولا يمكن القول إنهم كانوا مستعدين في تلك المرحلة لأن يضعوا تعليمًا كافيًا عن الطبيعة، ولكن ما أقروه بالفعل هو أن الطبيعة في علاقتها المرتبطة بحرية الله يجب اعتبارها غير كاملة في حد ذاتها[134]. وبالتحديد لأنها كذلك فقد منحها الله انفتاحًا وتلقائية وحرية تفاجئنا بها على الدوام. فكل أعمال الله وطرقه في الطبيعة لها نفس خاصية المفاجأة والتي تتحدى بها أية توقعات من جانبنا. إلاّ أنه في داخل ’حرية‘ الطبيعة هذه ـ كما هو الحال بالطبع في ’حرية‘ الله ولكن بصورة فائقة ـ يوجد ثبات وانتظام مذهل يمكن الاعتماد عليه.

وكان المفكر الوحيد في الكنيسة الأولى الذي ـ حسب معرفتي ـ قد أدرك بالفعل هذه الحقيقة وطبقها بصورة ذات معنى هو يوحنا فيلوبونوس السكندري، حيث أصرَّ على رفض آراء أفلاطون وأرسطو عن أزلية العالم، بل وتبنى أفكارًا مميزة عن طبيعة النور[135]، فقد نظر إلى نور الكون المخلوق على أنه انعكاس مخلوق لنور الله غير المخلوق وبالتالي فهو مرتبط ـ بصورة اعتمادية ـ بثبات الله وعدم تغيره. وهكذا ينبغي علينا بالتأكيد أن نفكر بنفس الطريقة في العلاقة بين ’حرية‘ الكون المخلوقة و’حرية‘ الله غير المخلوقة.

 

كيف تستقيم حرية الخليقة مع ثباتها؟

إنه في إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح الكلمة المتجسد ومن خلاله، نستطيع أن ندرك شيئًا من هذا الجمع بين: الحرية والثبات، تلقائية الطبيعة وإمكانية الاعتماد عليها، أحداث الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها والنظام الدقيق الذي في الطبيعة. غير أن كل شيء يتوقف على ما نفهمه عن محبة يسوع المسيح وعدم تغيره (ثباته) وأمانته كرب ومخلِّص، وعما إذا كان ما يعلنه عن طبيعة الله هو بالفعل ما هو حقيقي عن الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يُرى وما لا يُرى. هل توجد علاقة أمانة مطلقة بين ’إعلان الله عن ذاته‘ في التجسد وبين ’مَن هو الله‘ في جوهره الذاتي الأزلي؟ فإذا كانت هناك مثل هذه العلاقة من الأمانة المطلقة والثبات المطلق، إذن فيسوع المسيح في محبته الفادية وفي نعمته المحررة، هو الضمان الإلهي* لما نفهمه عن ’حرية‘ الخليقة وتكاملها وإمكانية الاعتماد عليها حتى في نظامها الطبيعي وسلوكها المادي[136].

وقد لا يكون من السهل علينا اليوم أن نقدِّر مدى الأهمية العظمى لهذا الاكتشاف بالنسبة للكنيسة الأولى التي كان عليها أن تجاهد لتكوين صورة مترابطة للكون باعتباره له نظام عقلاني خاص به، وهذا النظام ليس نظامًا جزافيًّا (أي بمحض الصدفة) ولا نظامًا ضروريًّا (أي من المحتم وجوده)، ولكن رغم أن الكون ’عرضي‘ في طبيعته ـ حيث كان من الممكن أن لا يأتي إلى الوجود على الإطلاق، أو أن يكون مختلفًا تمامًا عما هو بالفعل ـ إلاّ أنه مع ذلك مستقر وثابت ويمكن الاعتماد عليه، بل إنه أيضًا منفتح لعناية الخالق في إتمام قصد محبته. وكان كل هذا إظهارًا ـ في ضوء إنجيل المسيح ـ لما أشار إليه العهد القديم عن الخلق بأنه “حسن” لأنه جاء من يد الله، وبالتحديد هو حسن في تكامله وحقيقته.

وقد نجح المسيحيون بالفعل في الجمع بين ’عرضية‘ الخليقة وثباتها، وأيضًا بين مرونة الخليقة وإمكانية الاعتماد عليها، كصفات أساسية للواقع المخلوق ـ والذي دأبنا على تسميته “بالطبيعـة”. ولم يكــن هذا بالأمـر الســهل بالنســبة لأنــاس كان يسيطر عليهم مفهــوم حتمية ارتبـــاط أو تطـابق الله مع الطبيعة (dues sive natura). أما فكرة أن هذا الكون الواقعي أي عالم الحسيات والوجود المادي له ثباته ووحدته الخاصة به، فقد كانت غريبة تمامًا بالنسبة للحضارة الكلاسيكية. وكانت لهذه النظرة الجديدة تمامًا على العالم، جذور عميقة ـ كما قد رأينا ـ في التقليد اليهودي، مع الفارق في أن العامل الحاسم في الفهم المسيحي للكون الذي صنعه الله كان يتمثل في ثبات محبة الله في يسوع المسيح.

ولذلك ففي التحليل الأخير، تظهر عقيدة الخلق وهي متصلة بشدة بمفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘، لأنه بيسوع المسيح الذي له ذات الجوهر الواحد مع الآب “كان كل شيء”، كما قرر قانون الإيمان بنيقية. وهذا الموضوع الهام هو ما سنتناوله في الفصل القادم.

*  إن معرفتنا لله بكونه ’آبًا‘ إنما تعني ضمنيًّا: أنه آب مولود منه الابن ومنبثق منه الروح القدس، لأنه الله في جوهره ثالوثي ومعرفتنا له تعني معرفتنا له بكونه ثالوثًا (كما سيأتي ذكره في الفصل الأخير). وهذا هو المنهج الذي نراه في قانون الإيمان؛ إذ يبدأ بالاعتراف بالله بكونه آبًا ثم بعد ذلك يعلن الإيمان بالابن المولود من هذا الآب والروح القدس المنبثق من هذا الاب أيضًا. (المترجم)

1  Athanasius, Con.Ar., 1.34.  

2  Athanasius, Con.Ar., 1.33; De decr., 30-31.

3  Athanasius, Con.Ar., 2.31ff. And cf. De decr., 7, 11f.

4  Hilary, De Trin., 3.22.

5  Hilary, De Trin., 1.17.

6  Hilary, De Trin., 2.6.  

*  القديس هيلاري يقصد هنا أن ’أبوة‘ الله هي التي تحكم كل كلامنا وتفكيرنا عن الله كخالق‘، لأن الله هو ’آب‘ كما أعلن لنا عن ذاته في المسيح. وكما أن الله كمحبة لا يمكن أن يحسد (وإلا فلن يكون حينئذ محبة)، فكذلك بما أن الله ’ آب‘ فهو في كل ما يكونه ويفعله ’آب‘ (حتى حينما يخلق)، وهذا هو مدخل فهمنا لله في كل شيء. (المترجم)

7  Hilary, De Trin., 9.61.

 8 في مجمع القسطنطينية، تم تحريك كلمتي “السماء والأرض” في قانون الإيمان لتكون في موضعها الحالي، وذلك بعد أن كانت ضمن العبارة التي عن الابن في قانون نيقية.

9  Hilary, De Trin., 7.17, with reference to John 5.17-22. Cf. De Trin., 8.4.

10  Athanasius, Con. Ar., 2.54; 3.1; 4.3; De decr., 16; De syn., 46; Ad Ant., 5.

11  See Athenagoras, Leg., 4.2; 15.1,

كانت المخلوقات، في علاقتها مع الله ’الكائن‘ الوحيد ’غير المخلوق‘، تُوصف بأنها ’غير كائنة‘

Cf. Origen, Con. Cel., 7.42f; De prin., 1.1; Athanasius, Con. gent., 2, 35, 40; De inc., 17.

12  Athanasius, De syn., 46ff.  

13  Athanasius, De decr., 22; cf. De syn., 34; and Ad Afr., 8.  

14  Athanasius, De decr., 15; Con. Ar., 1.14; 2.2, 33; 3.66; cf. 1.14, 19; Ad Ser., 2.2.

15  Cf. here G. Florovsky, ‘The Concept of Creation in Saint Athanasius’, Studia Patristica, Vol. IV, 1962, pp.45f.

16  Athanasius, Con. Ar., 4.4; cf. 2.41; 3.11f.

17  Athanasius, Con. Ar., 3.3-6; De syn., 49. For the same principle see Gregory Nyss., Con. Eun., 1.38 and 42, ed. Jaeger, I, pp. 196f and 222f; Con. Eun., 3.4, II, p. 260; Antir., 6 and 7, 11, pp. 330f and 337.

*  ارجع إلى ق. أثناسيوس في ضد الأريوسيين 9:1 “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن”. (المترجم)

#  إن الآب هو مصدر الوجود ولكن ليس بمعزل عن الابن أو الروح القدس، حيث إن الاب يخلق كل شيء بالابن في الروح القدس. (المترجم)

18  Athanasius, Con. Ar., 3.6; 4.1.  

19  Athanasius, Con. Ar., 3.15; 4.1-3; Ad Ser., 1.28.  

20  Athanasius, Ad Ant., 5; 6-11; Con. Ar., 2.33; 3.1f, 15; Ad Afr., 11; In ill. om., 5; Exp. Fidei, 1-4.  

21  Athanasius, De decr., 16ff., 22f; Ad episc., 17f; Con. Ar., 1.16.28; 2.33; 3.1ff; Ad Afr., 4f; cf. also Exp. Fidei, 1f In ill. om., 6.

22  Athanasius, Con. Ar., 3.36.

23  Athanasius, Con. Ar., 3.12.

24  Athanasius, De decr., 11.

25  Athanasius, Exp. Fidei, 1.

26  Hilary, De Trin., 2.6.

27  Hilary, De Trin., 1.13-19.

28  Hilary, De Trin., 3.1-5; cf. 1-12; 2.33.

29  Hilary, De Trin., 2.24-27; 3.20; 9.4-14; Com. In Ps. 53 (54).3.

30  Athanasius, Exp. Fidei, 1 and 4.

31  (Κύριος ε̉́κτισέν με α̉ρχήν ο̉δω̃ν αυ̉του̃ ει̉ς ε̉́ργα αυ̉του̃)

32  Athanasius, Con. Ar., 2.18-43.

33  Athanasius, Con. Ar., 2.44-82.

34  Athanasius, De decr., 13f.

*  كان ق. أثناسيوس يرى أنه بسبب أن المسيح هو الرأس (أو المبدأ) (¢ρχή) الإلهي الذي به أُعطيت كل المخلوقات وجودها من العدم، فإنه بالتالي هو الوحيد الذي يستطيع تجديدها، ولذا أتى وتجسد ليصير هو الرأس (¢ρχή) المخلوق (في طبيعته الإنسانية) لكل الخليقة الجديدة. (المترجم)

#  بالطبع ليس المقصود أن الله لم تكن لديه ’على الدوام‘ القدرة على الخلق، ولكن المعنى أن الله لم يكن ’على الدوام‘ ممارسًا لعمل الخلق. فالخليقة لم تكن موجودة ’على الدوام‘ مع الله، حيث لا توجد علاقة ضرورية (لزومية) بين الله والخليقة. (المترجم)

35  See the Epistle of Alexander, recorded by Theodoret, Hist. eccl., 1.3; the overture of the Council of Antioch to the Council of Nicaea, J.N.D. Kelly, Early Christian Creeds, pp. 150, 209f; and Athanasius, Con. Ar., 3.59-62.

36  G. Florovsky, ‘The Concept of Creation in Saint Athanasius’, op. cit., pp. 39ff; see also ‘Creation and Creaturehood’, Collected Works, Vol. III, pp. 47ff.

37  Origen, De prin., 1.2f, 10. See the fragment of De rebus creatis by Methodios of Olympus, preserved by Photius, Bibliotheca, c.235.

38  Origen, De prin., 1.2, 6; 4.4, 1; In Jn., 20.18.

*  العلاقات الداخلية في الله هي العلاقات الأقنومية داخل جوهر الله الواحد، أما العلاقات الخارجية فهي علاقات الله بكل ما هو خارج عنه. (المترجم)

#  بمعنى أن وجودها ضروري بالنسبة لوجود الله. (المترجم)

39  Athanasius, Con. Ar., 1.20.

40  Athanasius, De syn., 45.

41  Athanasius, Con. Ar., 1.29: (α̉εί ποιητής ε̉στιν ο̉ Θεός)

42  G. Florovsky, ‘Creation in Saint Athanasius’, op. cit., p. 50f.  

*  رأى أوريجينوس أن الله خالق على الدوام وبالتالي فإن الخليقة ملازمة لجوهر الله وموجودة معه منذ الأزل. أما الأريوسيون فرأوا أنه بما أن الله هو خالق على الدوام فكل خليقته أزلية، ولكن هذه الأزلية نسبية لأنها الخليقة خُلقت بالإرادة وبالتالي فإن الله كان أسبق من الخليقة. وبما أنه كان هناك وقت لم تكن فيه الخليقة موجودة حيث إنها أوجدت بالإرادة من الله، فكذلك الابن رغم أنه أزلي إلاّ أنه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا. (المترجم)

43  See Athanasius, Con. Ar., 1.5: (ήν ποτε ο̉́τε ου̉κ ήν). See also De syn., 15; the Letter of Arius to Eusebius, Theodoret, Hist. eccl., 1.4; and Epiphanius, Haer., 69.6

44  Athanasius, Con. Ar., 1.29.

45  Athanasius, Con. Ar., 2.2.

46  Athanasius, Con. Ar., 1.29; 2.2.

47  Athanasius, Con. Ar., 1.29.b

48  Athanasius, Con. Ar., 1.2, 11, 13.

49  Athanasius, Con. Ar., 1.11; 2.3.

50  Athanasius, Con. Ar., 2.57.

51  See especially, Basil, Hex., 5-6.

*  جديد بمعنى أنه لم يكن موجوداً فيما قبل، ولكن ليس جديداً على معرفة الله الذي الكل حاضر أمامه. (المترجم)

52  Athanasius, ibid.

53  Athanasius, In ill. om., 3.

وبالتأكيد لم يحدث تغيير في جوهر الله :

Con. Ar., 1.62-64; 2.8f; 2.12ff; 4.15. See Hilary, De Trin., 11.16;

ويقول ق. غريغوريوس النزينزي: “هو لم يتغير عن ما كانه، ولكنه أخذ ما لم يكنه”

Gregory Naz., Or., 39.13.

54  Gregory Naz., Or., 38.7 and 45.3.

55  Hilary, De Trin., 2.6.

56  Athanasius, Con. Ar., 2.59ff.

57  Athenagoras, Leg., 8-10, 13, 16.24; De res., 12-14.

58  Gregory Thaumaturgos, In Origenem, 8; Athanasius, De decr., 22; De syn., 34; Hilary, De Trin., 2.6ff; 9.72; 11.44ff.

59  Hilary, De syn., 37; De Trin., 4.21; 6.12, 19; 7.3, 8, 39; 8.52.

60  Irenaeus, Adv. haer., 2.47.2, vol. 1, pp. 367f; 2.56. 1f, p. 382f; 4.25.1f, vol 2, pp. 184f; 4.34.1f, pp. 212ff; 4.63.1f, pp. 294ff; Dem., 3ff, 11f.

61  Irenaeus, Adv. haer., 3. Praef. And 41, vol.2, pp. 1ff; 4.25.1f, pp. 184ff; 4.63.1, p. 294f; Plato, Timaeus, 29e-30b. Cf. philo, De migr. Abr., 32.

62  Athanasius, Con. gent., 41; De inc., 3; cf. Con. Ar., 2.29.

63  Basil, Hex., 1.2; Gregory Nyss., Or. cat., 5; De an. et res., MPG 46.9Bff; Gregory Naz., Or., 38.9; 45.5. See also Athenagoras, De res., 12-13.

64  Athanasius, De inc., 1.1ff; Con. Ar., 2.14, 44-65; 3.43, 67; 4.33.

[65]  1كو 12:11.

66  Gregory Nyss., De op. hom., 23f; De an. et res., MPG 46.94-125; Or. cat., 5. Cf. Evagrius/ Basil, Ep., 8.11.

67 1Clement 27.4; Tatian, Or., 7.3; Aristides, Apol., 13; Athanasius, Con. Ar., 2.31; Gregory Naz., Or., 29.6.

68  Athenagoras, Leg., 6-9, 16, 20, 22, 25; De res., 12-13; Basil, Hex., 1.5-7; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.20.

69  Theophilus, Ad Aut., 1.7; 11.4, 10, 13; Athenagoras, Leg., 10, 13-16; Irenaeus, Adv. haer, 2.2.1ff, vol. 1, pp. 254ff; 2.8f, pp. 271ff; 2.47.2, p. 367f; 3.41, vol.2, p.135f; 4.25.1f, pp.184f; 4.83.1, p.295; 5.3.2, p. 326; 5.18.1f, pp. 372ff; Basil, Hex., 1.5-10; 2.2; 4.6; 5.5.

70 Athanasius, De inc., passim; Con. Ar., 1.11-12- a comment on Romans 1.19f.

71  Athanasius, Con. Ar., 3.59-62.

[72]  2كو 6:8، رو 36:11. انظر:

Irenaeus, Adv. haer., 4.34.1f, vol.2, pp. 212ff; Dem., 3; Hilary, De Trin., 8.36f; Gregory Naz., Or., 39.12; Basil, De Sp. St., 4.6

73  Athanasius, Ad Ser., 3.5.

74  Gregory Naz., Or., 38.8 and 45.4.

75  Karl Barth, Dogmatics in Outline, p.52; Church Dogmatics, III.1, pp. 13ff.

76  Gregory Thaum., In Origenem, 8.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.2.3f, vol.1, pp. 255f; 2.37.1f, pp.342f; 2.43.2f, pp. 356f; 2.47.2, p. 367f; 3.11.2ff, pp. 35ff; 3.12.14f, vol. 2, pp. 66ff; 4.6, p.152; 4.18-19, pp.168-172; 4.27.3-30, pp.189-200; 4.34.1ff, pp.212ff; 5.18.1f, pp. 372ff.

وهذا الأمر لا ينبغي أن يختلط مع أفكار البدعة الغنوسية عن ’النماذج الإلهية‘:

Adv. haer., 2.7.1ff, pp.270ff, etc.  

78  Athanasius, Con. gent., 34ff. Cf. Con. Ar., 2.20: ‘The whole earth hymns the Creator’.

79  Irenaeus, Adv. haer., 3.11.2, vol.2,p.35.

80  See also Athenagoras, Leg., 4.2; 6.2; 10.2-5; 12.3; 18.2; and Theophilus, Ad Aut., 1.4, 7; 11.13.

[81]  خر 11:20؛ تك 1:1؛ مز 6:146، 4:148؛ إش 7:45؛ عا 13:4؛ أم 24:8؛ نح 6:9؛ يون 9:1.  

[82]  أع 24:4، 15:14؛ رو 17:4؛ رؤ 6:10؛ يو 1:1؛ كو 1:1؛ عب 1:1؛ وكذلك أع 28:17؛ رو 36:11؛ 2كو 6:8؛ أف 5:4؛ عب 10:2.

83  E.g., philo, De spec. leg., 4.187; De op. mundi, 26, 28, and 31; cf. Justin Martyr, Dial., 5.

[84]  خر 10:34؛ عد 30:16.

[85]  انظر التفريق الواضح بين عمل ’الخلق‘ عند الله و ’صنعه‘ للأشياء:

See Basil, Hex., 1.7, Cf. Athanasius, Con. Ar., 2.21f, 27, 31, 57ff.

[86]  مز 9:33؛ مز 91:119؛ جا 36:43؛ حك 24:16.

[87]  2 مك 28:7، وقد اقتبسها أوريجينوس في (De prin., 2.1.5 and In Jn., 1.18).  انظر:

Hilary, De Trin., 4.16; cf. Basil, Ep., 6.2. And see also Jubilees 12.4.

88   Hermas, Mand., 1.1. See also Vis., 1.1.6 and 2 Clement, 1.8.

89  Compare Mand., 1.1 with Irenaeus, Adv. haer., 1.15.1 and 4.34.2, vol.1, p.188f and vol. 2, p.213f; Dem., 4-6; Origen, De prin., praef., 3f; 3.3;  and Tertullian, De praescr. Haer., 13.

90 Aristotle, De coelo, 1.10, 279f; 3.1, 298; cf. Met., 10.1075b; also Pseudo – Aristotle, cited by A. Ehrhardt, in ‘Creatio ex nihilo’, Studia Theologica, IV, 1950, p. 24.

91   Plutarch, De an. Procr., 5.

92   Diogenes Laertius, Vitae, 9.4.

93   Sextus Empiricus, Adv. Math., 1.53 and 60; cf. 7.66f

94   Cf. the Epistle of Epicurus cited by Diog. Laert., 10.38.

عن فكرة وجود ’البدء المطلق‘ في الفكر اليوناني، انظر:

  1. Ehrhardt, The Beginning. A Study in the Greek Philosophical Concept of Creation from Anaximander to St John, 1968.

95   Theophilus, Ad Aut., 1.4; 1.8; 2.4; 11.4; 11.10; 11.13.

96   Athenagoras, Leg., 4.1f, 7-8.

97   Aristides, Apol., 1.4f, 13.

98   Tatian, Or., 4f, 7.

99   Athenagoras, De res., 3-5.

100  Thus, for example, Origen, De prin., praef., 4; Irenaeus, Adv. haer., 3.4.1, vol.2, p.15f; cf. 3.17.6, p.87; Apost. Const., 5.7; 7.33; 8.12.

*  كائنات اعتمادية تعني أنها كائنات عرضية لا توجد بذاتها بل تعتمد في وجودها على غيرها. (المترجم) 

101  Athanasius, Con. gent., 41- the reference is to Col. 1.15-18.

102  Athanasius, De inc., 3.Cf. De decr., 18.

103  Irenaeus, Adv. haer., 1.15, vol. 1, p. 188f; 2.1; p. 251; 2.10.2, p. 274f; 2.47.2, p. 367f; 3.8.3, vol. 2, p. 29f; Athanasius, Con. Ar., 2.24; 2.31; Ep., 11.4.

104  Athanasius, Con. gent., 41; De decr., 11; Con. Ar., 1.23 and 28. Cf Basil, Con. Eun., 2.23; Gregory Naz., Or., 28.22.

105  Cf. Athanasius, Con. gent., 39 and 41; De decr., 11, etc.  

106  Athanasius, De decr., 22; Con. Ar., 1.20; 1.36; 4.2; cf. 3.65. See also Gregory Nyss., Con. Eun., 1.26.  

107  Athanasius, Con. Ar., 1.51; 3.62; In Ps., 88.36-37.  

108  Athanasius, De inc., 2; cf. De decr., 19; De syn., 35.  

[109]  في اللغة اليونانية الحديثة، تستخدم الكلمة: (ε̉νδεχόμενος) لتعني ’الإعتمادية‘ أما الكلمة: (ε̉νδέχεται) فهي المقابل اليوناني للكلمة اللاتينية: (contingit).

110  See John Philoponos, De aetern. Mundi con. Proclum, 9.11-13; In physica, apud Simplicius, Comm. in Artist. Gr., vol. 10, p.189.

[111]  مر 28:4.

112  Aristides, Ad Aut., 1.7; Basil, Hex., 3.1f; 4.1f; 5.1f; 8.1; De Sp. St., 16.37-38; 19.49.

113  Athanasius, De inc., 4ff.

114  Athanasius, De inc., 3-10.

*    أي إن الإنسان بعد السقوط ـ كما يؤكد ق. أثناسيوس ـ كان تحت سلطان الموت بصورة مزدوجة: أولاً، قانون الموت والفساد الذي بسبب الطبيعة العرضية للإنسان، وثانياً، حكم الموت الذي قرره الله بسبب الشر وخطية الإنسان. (المترجم)

#    لقد كان التجسد في ذهن الله من قبل إنشاء العالم، وذلك لتكميل الخلق وتحويل أصل الخليقة ’الاعتمادي‘ إليه، لتحقيق هدف خلقة الإنسان وهو التبني لله من خلال اتحادنا بالابن: “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح، الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قديسين وبلا لومٍ قدامه في المحبة؛ إذ سبق فعيّننا للتبني بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرة مشيئته…الذي فيه لنا الفداء بدمه، غفران الخطايا، حسب غنى نعمته” (أف 1: 3-10). (المترجم)

115  See Athanasius, Con. Ar., 2.65-72, 74ff, 77; 3.33, 38; 4.33; cf. Con. gent., 40ff; De inc., 2ff & 44f .

*  يُقصد بعقلانية الخليقة أن لها نظامًا داخليًّا منطقيًّا ودقيقًا ومتكاملاً تسير عليه، ولها قوانين منظمة تحكمها. (المترجم)

116  Basil, Hex., 2.1ff; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.22; De op. hom., 23,29,39; De an. et res., MPG 46.30B, 105B, 124B, 125C.

117  Basil, Hex., 6.1ff.

118  Athanasius, Con. gent., 35ff; 40ff; 44 & 46; De decr., 11; Exp. Fidei, 1; cf. Con. Ar., 3.16.

119  Athanasius, Con. Ar., 2.2, 24, 31f, etc; cf. Gregory Nyss., De op. hom., 23f.

120  Athanasius, Con. gent., 29ff, 34ff, 38ff, 40ff, 44, 46. Cf. Con. Ar., 2.28, 41.

121  T.F. Torrance, Space, Time and Incarnation, 1969; and in ‘The Rela- tion of the Incarnation to Space’, the contribution to the Festschrift for Georges Florovsky, The Ecumenical World of Orthodox Civilization, vol. III, 1974, pp. 42-70.

122  Athanasius, Con. Ar., 3.30; cf. Ad Ant., 7.

123  Athanasius, Con. gent., 11f, 26, 28, 32, 39, 41.

124  Basil, Hex., 4.2ff; 5.1f, 5; 8.5; 9.1ff; Gregory Nyss., Con. Eun, 1.26.

125  Basil, Hex., 1.8-10; 3.1ff; 9.2ff.

[126]  انظر بالأخص ق. أثناسيوس في تصميمه على أن يسوع المسيح نفسه هو إرادة الله:

Con. Ar., 1.20; 2.2; 2.24f; 3.60ff. Cf. Con. Ar., 2.31; 3.63.

127  Athanasius, Con. Ar., 1.20; 2.24, 29f.

128  Georges Florovsky, ‘The Concept of Creation in Saint Athanasius’, Studia Patristica, 1962, p. 37; Collected Works, vol. II, pp. 48f, 57ff

129  Basil, Hex., 5.4; Athanasius, Con. Ar., 2.31

130  Origen, Con. Cel., 5.7; Basil, Hex., 1.3; cf.  

131  Athenagoras, Leg., 6.3-4; 20.3; 22.12; 25.2; De res., 19.1-3. See also Con. gent., and De inc. of Athanasius.

132  Athanasius, Con. Ar., 1.48f; 2.14, 56, 61ff, 67-69, 70-72; Ad Ant., 7.

133  E.g., Basil, Hex., 3.8.

134  Thus Basil, Hex., 2.1f.

135  John Philoponos, De op. mundi, 2.1ff.

*  لأنه إذا كان الله أمينًا في إعلانه عن ذاته لنا (في يسوع المسيح)، وإذا كان ثابتًا في محبته لنا، فهذا هو الذي يضمن ثبات الخليقة ووحدانيتها والاعتماد عليها. (المترجم)

136  Aristides, Ad Aut., 1.4. See Athanasius, Con. Ar., 1.9, 35ff, 51f; 2.6-10; 3.36; De decr., 14; cf. De syn., 27.12; Con. Apol., 1.12, 15.

 

الخالق الضابط الكل ف3 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

السبيل إلى الآب ف2 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

السبيل إلى الآب ف2 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

السبيل إلى الآب ف2 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

الفصل الثاني

السبيل إلى الآب
“نؤمن بإله واحد، آب ضابط الكل، خالق السموات والأرض، ما يرى وما لا يرى”

 

النظرة ’الثنائية‘ السائدة وقت ظهور المسيحية

عندما امتدت الكنيسة المسيحية من مركزها في اليهودية (بفلسطين) إلى عالم البحر الأبيض المتوسط، واجهت كرازتها وتعليمها بالإنجيل معارضة شديدة من المذهب المتطرف الخاص ’بالثنائية‘ بين الجسد والعقل، والذي كان سائدًا ومنتشرًا في كل جانب من جوانب الحضارة اليونانية ـ الرومانية. وقد أدى هذا المذهب إلى تقسيم الاختبار الإنساني إلى قسمين مما أثر على أنماط الفكر الأساسية في كل من الدين والفلسفة والعلوم على حد سواء. وقد كان الفصل (χωρισμός) الذي نادى به أفلاطون بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) (κόσμος α„σθητός) وعالم المدرَكات العقلية (الأشياء التي تُدرك بالعقل) (κόσμος νοητός) ـ والذي شدَّد عليه أرسطو أيضًا ـ هو الذي تحكم في عملية الانفصال بين كل من: العمل والتفكير، الحدث الواقع والفكرة، ما يمكن أن يحدث وما هو موجود فعلاً، المادي والروحي، المنظور وغير المنظور، الزمني والأبدي. وكان هذا هو الأساس الذي بنى عليه بطليموس ـ بطريقة علمية ـ العلم الخاص بالكونيات (الذي يبحث في الكون)، والذي ساد على الفكر الأوروبي لأكثر من ألف عام. وقد نتج عن مذهب ’الثنائية‘ هذا ـ والذي سيطر على كل شيء ـ استبعاد الله من عالم الواقع الحاصل في الزمان والمكان.

وعندما نُوديَ بالبشارة المسيحية في هذا المناخ، سرعان ما نشأ نزاع حاد بين أنماط الفكر الهلليني والفكر العبري، وأيضًا بين أسلوب التفكير الأسطوري (μυθολογε‹ν) الذي يرتكز على عقل الإنسان، وأسلوب التفكير اللاهوتي (θεολογε‹ν) الذي مركزه الله نفسه. وقد تعيَّن بصفة خاصة، على التعليم الكتابي عن عناية الله وعمله الخلاصي في التاريخ، والتعليم المسيحي عن التجسد والفداء ـ حتى يمكن لهذا التعليم أن يجد من يستمع إليه وحتى يمكن أن يتأصل بشكل صحيح تمامًا ـ أن يدخل في صراع مع الافتراضات التي ترتكز عليها النظرة ’الثنائية‘ تجاه الله والعالم. وازدادت صعوبة هذه المشكلة بسبب الترابط غير العادي بين مفاهيم التعالي والسمو الخاصة بالله في اليهودية والهللينية. فقد آمن كل المسيحيين مع اليهود بالله الواحد خالق السموات والأرض، ولكن الفارق الهائل بين الخالق والمخلوق (الذي يظهر في اليهودية) كان يميل، في بعض النواحي، إلى تأكيد التركيبة ’الثنائية‘ التي اتسم بها الفكر اليوناني، سواء الأفلاطوني أو الأرسطوطالي أو الرواقي. وبدا هذا واضحًا في تعاليم فيلو الفيلسوف الإسكندري، الذي علَّم بأن الله والعالم بعيدان كل البعد أحدهما عن الآخر إلى درجة أنه سعى لإيجاد علاقة بينهما من خلال عالم متوسط من الأفكار المبهمة. واتضح هذا الأمر بدرجة كبيرة في الأنظمة الأسطورية الخاصة بالغنوسيين، والتي فيها اتسعت ’الثنائية‘ بين الله والعالم لتصبح هوة ضخمة. كما اتضح أيضًا وبنفس المقدار في ’الثنائية‘ الماكرة للأريوسيين الذين أنكروا ألوهية يسوع المسيح الحقيقية، واعتقدوا أن ابن الله ليس ’أزليًّا‘ بالطبيعة وأنه ينتمي إلى المخلوقات، التي تقع في الجانب الآخر من الخط الفاصل بين الله وبين العالم المخلوق[1].

 

الدور الذي اضطلعت به الكنيسة في مواجهة النظرة ’الثنائية‘

وفي صراع الكنيسة مع الافتراضات السائدة ’للثنائية‘، والتي كان من الممكن أن تعوق فهم رسالتها، وجدت الكنيسة أنه يتعيَّن عليها تغيير أسس الفكر اليوناني -الروماني ذاتها. وبعملها هذا، وضعت الكنيسة الأساس لمدخل مختلف تمامًا عن الكون المخلوق، من أجل الوصول في النهاية إلى تفسير علمي ـ مقبول عقليًّا ـ للنظام الأساسي لهذا العالم.

وقد اقتضى عمل خطير من هذا النوع ـ لتغيير وإعادة بناء المفاهيم ـ قيام الكنيسة بنشاط ذهني دؤوب وشاق، على مدى القرون الستة الأولى، مما ترك بصمته الدائمة على الحضارة الغربية، وكان هذا العمل لحساب مهمة الكنيسة التبشيرية الأساسية في الكرازة بالإنجيل للعالم، ونشر معرفة الله الخلاصية بابنه يسوع المسيح بين الأمم، وإعطاء شعب الله عبر التاريخ فهمًا واضحًا لجوهر الإيمان. ووفقًا للتقليد الرسولي، ركَّزت الكنيسة على أولية ومركزية ’العلاقة بين الآب والابن‘ التي عرفتها في الإنجيل والتي أبرزتها في قانون الإيمان، لأنه على أساس هذه العلاقة بالتحديد بُني كل شيء آخر في الإنجيل.

ولذلك عندما بدأت تشتد طرق التفكير ’الثنائية‘ بين أنصار الهرطقة الأريوسية، وهدَّدت بتقويض الإيمان بألوهية المسيح ـ وذلك بقطع العلاقة الجوهرية بينه وبين الله الآب ـ اهتمت الكنيسة في مجمع نيقية بوضع بيان دقيق ومحدد عن الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسِّد والآب، لأن هذا الأمر كان هو المحور الرئيس الذي اعتمد عليه في النهاية اعتراف الإيمان بأكمله، بنفس الدرجة التي اعتمد بها على الإيمان بالله الآب ضابط الكل[2]. وسوف نولي اهتمامًا كاملاً بهذا الموضوع في حينه، ولكننا إذ ننتقل إلى موضوع هذا الفصل وهو “السبيل إلى الآب” علينا أن نفترض مسبقًا صلة هذا الموضوع بالعلاقة الداخلية بين الابن والآب.

 

المدخل إلى الله الآب

لنبدأ حديثنا بما قاله ق. أثناسيوس: “إنه يكون أكثر تقوى وحق أن نتعرف على الله من خلال الابن وندعوه ’الآب‘ عن أن نسميه من خلال  أعماله فقط وندعوه ’غير المخلوق‘”[3]. ويكشف ق. أثناسيوس في هذه العبارة تأكيد مجمع نيقية على مركزية ’علاقة الآب بالابن‘ في الإيمان كله، وأسبقيتها على ’علاقة الخالق بالمخلوق‘ والتي يجب أن تُفهم في ضوء ’علاقة الآب بالابن‘ وليس العكس. كما أوضح ق. أثناسيوس أن المدخل إلى الله بكونه آبًا* من خلال الابن، هو سبيل أكثر ورعاً ودقة، من المدخل إليه من خلال أعماله بتتبعها وإرجاعها إليه باعتباره مصدرها غير المخلوق. لذلك فإن الــورع والحق (εÙσέβεια  κα…  ¢λήθεια)، أي التقوى والدقـة (θεοσέβεια κα… ¢κρίβεια) يتلازمان معًا في المعرفة الأصيلة لله من خلال يسوع المسيح ابنه (المتجسِّد)[4]. لذا ينبغي أن ننتبه ونذكر باستمرار أن الجمع بين ’الدقة‘ اللاهوتية واعتبار المسيح ’مركزًا‘ للإيمان كان هو السمة المميزة جدًّا للفكر اللاهوتي النيقي.

 

الفرق بين المدخل إلى معرفة الله من ’خلال ابنه‘ والمدخل إلى معرفته ’من خلال أعماله‘

وقد أبرز اللاهوتيون بنيقية أن الفرق بين هذين المدخلين إلى معرفة الله، أي من خلال ابنه ومن خلال أعماله، هو الفرق بين من ’وَلَده‘ الله من طبيعته الذاتية وما قد ’صنعه‘ من العدم ويختلف اختلافًا كاملاً عن طبيعته. فنحن عندما نفكر ونتحدث عن الله من منظور ’علاقة الخالق بالمخلوق‘ أو علاقة غير المبتدئ بالمبتدئ‘، فإننا نستطيع فقط أن نفكر ونتحدث عن الله بعبارات نفي عامة وغامضة، لأنه بسبب المسافة غير المحدودة التي بين المخلوق والخالق، فإننا لا نستطيع أن نعرف الله وفقًا لما هو في ذاته* أو حسب طبيعته الإلهية، بل نعرفه فقط في انفصاله التام عنا، بوصفه الأبدي والمطلق وغير الموصوف[5]. ومن هذا المدخل لا يمكننا أن نفعل شيئًا أكثر من محاولة التحدث عن الله من خلال أعماله التي أوجدها بمشيئته وبواسطة ’كلمته‘، أي من خلال ما يتعلق بالله ’من خارج‘، الأمر الذي لا يستطيع في الواقع أن يعرِّفنا أي شيء عن مَن هو الله أو ماذا يشبه في طبيعته الذاتية[6].

 

خطورة المدخل إلى معرفة الله من ’خلال أعماله‘

إن هذا الخط الفكري (أي خط الدخول إلى الله من خلال أعماله) ـ كما أصَّر كل من القديسين أثناسيوس وهيلاري ـ يفتقر تمامًا إلى الدقة والضبط (¢κρίβεια)، وقد أبعد الاثنان نفسيهما بصورة حاسمة ـ من جهة هذا الأمر ـ عن نظرية باسيليدس الغنوسي الإسكندري، الذي علَّم مستندًا على تعبير أفلاطون، بأن الله أعلى من كل الوجود حتى إننا لا نقدر أن نقول شيئًا عن ما ’هو‘ الله ولكننا نقدر فقط أن نقول شيئًا عن ما ’ليس هو‘ الله[7]. وقد أوضح ق. غريغوريوس النزينزي أننا إذا لم نستطع أن نقول شيئًا إيجابيًّا عن ما ’هو‘ الله، فبالتالي نحن في الحقيقة لا نقدر أن نقول بدقة أي شيء عن ما ’ليس هو‘ الله[8]. وطبقًا لآباء نيقية، فإنه لا يصح أبدًا التحدث عن الله بمفاهيم سلبية جوفاء.

 

المدخل إلى الله من ’خلال أعماله‘ يفتقر إلى الطريقة العلمية السليمة والدقيقة

وإذا لم نفكر في الآب من مدخل علاقته بالابن، بل فقط من مدخل إظهار الفرق بينه كخالق وبين المخلوقات، فإننا حتمًا سوف ننتهي إلى التفكير في الابن نفسه على أنه أحد أعمال الله المخلوقة، مما يقودنا بالتالي إلى التحدث عن الله والتفكير فيه بأسلوب غير مؤسس شخصيًّا في الله ذاته، وإنما بأسلوب غير شخصي بعيد كل البعد عن ’ما هو‘ الله في ذاته[9]. وفضلاً على ذلك، فإننا إذا حاولنا التوصل إلى معرفة الله من نقطة ما ’خارج عن الله‘، فإننا لن نستطيع التعامل مع أي نقطة ’في الله‘ ـ والتي بواسطتها فقط يمكننا أن نمتحن ونضبط مفاهيمنا عن الله ـ بل سنرتد حتمًا إلى أنفسنا (لنأخذ منها معرفتنا عن الله). وحتى إن حاولنا أن نربط بطريقة سلبية بين الله وبين ما نحن عليه في ذواتنا (بقولنا أنه غير المحدود، غير المتغير،..)، فلن نستطيع أبدًا تجنب وضع أنفسنا بنوع ما كمقياس لما نفكر أو نقوله عن الله. وهكذا في نهاية المطاف سيكون الاستناد إلى رأينا الشخصي  (κατά τÒν ‡διον νοàν)، بالإضافة إلى ما نفكر فيه أو نبتكره من عندياتنا بشكل اعتباطي (™πινοε‹ν)، هو الذي يكوِّن حكمنا عن كل من الابن والآب، وهذا بالتحديد هو ما اتُهم الأريوسيون بعمله[10].

إن أية محاولة للتوصل إلى معرفة الله بهذه الطريقة، هي اتباع للمشيئة الذاتية (وهو نوع من العناد الشخصي) البعيد تمامًا عن التقوى (εÙσεβÁς)، كما أنها تتصف أيضًا بأنها طريقة غير علمية (™πιστημονική) وغير دقيقة (¢κριβής). وفي الإسكندرية على الأخص أُعطي قدر كبير من الاهتمام للبحث العلمي والأسلوب العلمي، وهو ما كان له تأثيره على مفكرين مسيحيين أمثال كليمندس وأناتوليوس وأثناسيوس[11]. وأساس هذا الأسلوب هو أن المعرفة العلمية الدقيقة تكون ناتجة عن ’بحث‘ يُجرى بطريقة متوافقة تمامًا مع طبيعة (κατ£ φύσιν) ’الحقيقة‘ التي يُجرى بحثها، أي أن ما يُعرف عن هذه ’الحقيقة‘ يتم الوصول إليه بالالتزام بما هو فعليًّا وجوهريًّا داخل هذه ’الحقيقة‘، وليس طبقًا لأي عرف اعتباطي (κατ£ θέσιν). إن معرفة الأمور بهذه الطريقة ـ أي طبقًا لطبيعتها ـ هي المعرفة التي تتوافق مع حقيقة هذه الأمور وواقعها (κατ£ ¢λήθειαν)، وبالتالي يمكن التفكير فيها والحديث عنها بحق (¢ληθîς)[12]. وهذا هو الطريق الوحيد للتوصل إلى معرفة حقيقية ودقيقة أو معرفة علمية في أي مجال من مجالات البحث، وذلك من خلال قبول العقل بأمانة لمتطلبات ’الحقيقة‘ التي تلح عليه.

هذا المدخل العلمي والذي به نعرف الأشياء فقط طبقًا لطبيعتها المميِّزة لها، ينطبق بشكل أقوى على معرفة الله، وحيث إنه لا يوجد تشابه بين جوهر الله الأزلي وبين جوهر الواقع المخلوق، فإن الله يمكن معرفته فقط من خلال ذاته[13]. لذلك إذا أردنا أي معرفة علمية ودقيقة وحقيقية عن الله، فلا بد أن نعطي لطبيعته الذاتية ـ كما أظهر ذاته لنا ـ أن تحدد كيف ينبغي أن نعرفه، وكيف ينبغي أن نفكـر فيـه وماذا ينبغي أن نقوله عنه. وهذا بالضبط هو ما يحدث عندمـا نقتــرب إلى الله كآب من خلال يسوع المسيـح ابنــه المتجسِّـد، لأن الابـن هو من نفس الطبيعة الواحــدة والجوهر الواحـد (Ðμοφυής κα… Ðμοούσιος) مع الآب “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن والابن هو الله بأكمله”[14] لأنه هو إله من إله وهو الطريق الوحيد للوصول إلى الله الآب.

 

المدخل إلى الله من ’خلال أعماله‘ لن يجعلنا نعرفه كآب

إننا عندما نسعى لمعرفة الله من خلال مخلوقاته، فإننا لن نعرفه ’كآب‘ بل سنعرفه فقط ’كخالق‘، وفي هذا لن نكون أفضل من اليونانيين (الوثنيين)[15]. ولكن من يعرف الله ’كآب‘ في ابنه ’كلمة الله‘ ومن خلاله، فإنه سيعرفه أيضًا ’كخالق‘ لأنه ’بالكلمة‘ قد خلق كل شيء[16].

 

أمران يجب ملاحظتهما في دخولنا إلى معرفة الله

الأمر الأول: أنه إذا أردنا حقًّا أن نعرف الله فلا بد أن تكون قد أُعطيت لنا نقطة للدخول إليه، بحيث تكون هذه النقطة في كل من الله ذاته وفي كياننا نحن كمخلوقات. وهذا بالتحديد هو ما حصلنا عليه في التجسد، حيث إعلان الله عن ذاته ’كآب‘ يتم من خلال إعطائه ذاته لنا في يسوع المسيح ابنه، وعندما يعطينا الله أن نصل إلى معرفته بهذه الصورة فهو يفعل هذا في إطار ظروف المكان والزمان، أي داخل حدود ما يمكن أن نفهمه نحن البشر. وفي نفس الوقت، فإن المعرفة التي يعطيها لنا الله عن ذاته في ابنه المتجسِّد يكون مركزها في الله ذاته، وبالتالي يكون كل فهمنا البشري لله وكل تصوراتنا عنه يمكن فحصها وضبطها وفقًا لطبيعته الإلهية[17]. لذلك عندما نقترب إلى الله ’كآب‘ من خلال الابن، فإن معرفتنا للآب في الابن يكون أساسها قائمًا في صميم كيان الله، كما أن هذه المعرفة تتحدد بما هو الله بالحقيقة في طبيعته الذاتية. و بما أننا في يسوع المسيح نستطيع بالحقيقة أن نعرف الله وفقًا لطبيعته الذاتية كآب وابن، فإننا من الممكن أن نعرفه بطريقة تقوية ودقيقة معًا.

الأمر الثاني: أنه عندما نعرف الآب بهذه الطريقة، أي في يسوع المسيح الابن المتجسِّد ومن خلاله، فإننا ندرك أنه يفوق بطريقة لانهائية كل ما نقدر أن نفكر فيه أو نقوله عنه. إننا نعرف أن الله الآب ذاته ـ الذي أُعطينا السبيل إليه من خلال الابن ـ هو غير محدود ويفوق الإدراك في حقيقته الإلهية، وكما يقول ق. هيلاري: “إن الله اللانهائي والذي لا يُحد لا نقدر أن نفهمه ببعض كلمات من الحديث البشري”[18]، ولذلك فإننا في الإيمان نعترف بحقيقة أن الإيمان نفسه غير كفء لإدراك الله، الذي هو الموضوع الإلهي للإيمان على حد تعبير ق. هيلاري[19]. ونحن في إدراكنا الفعلي لله، نتحقق من أننا لا نستطيع أن نستوعبه، فنحن نعرف أكثر بكثير مما نستطيع أن نستوعب أو نعبِّر، كما أننا نشعر أو نختبر أكثر بكثير مما يمكننا أن نصوغه في أفكار أو كلمات[20]. ونحن لا نستطيع أن نحتوي ونستوعب كل ما هو الله داخل معرفتنا له، لأنه يتخطى كل مفاهيمنا وتعريفاتنا المحدودة، ولكن كما يقول ق. هيلاري: بينما الله في كليته يفلت من إدراك عقولنا، فهو مع ذلك يترك لنا شيئًا من ذاته ضمن حدود إدراكنا. غير أن ما نعرفه عن الله، هو بالطبع ليس جزءًا من الله، لأن الله لا يمكن أن يتجزأ إلى أجزاء، ولكننا بالأحرى نعرف بصورة جزئية ’الله كله‘، الذي يفوق ما يمكن أن ندركه داخل إطار فكرنا وحديثنا البشري. ويعود ق. هيلاري ليقول: “إن معرفة الله الكاملة، هي أن نعرفه متيقنين أننا ينبغي ألا نجهله، إلا إننا لا نستطيع أن نصفه. إننا ينبغي أن نؤمن به، وينبغي أن ندركه، وينبغي أن نعبده بوقار، لأن هذه العبادة هي التي يجب أن تحل محل تعريفنا له”[21].

وهكذا نكون أمناء تجاه حقيقة الله غير الموصوفة التي لا تحد، كما نكون أمناء أيضًا تجاه معرفتنا لله معرفة إيجابية ودقيقة في يسوع المسيح وبواسطته. وهذه المعرفة تعني أن نعرف الله بطريقة تليق حقًّا بالله، أي بطريقة جديرة به وتتسم بالتقوى. وهي تعني أيضًا أن نعرف الله بطريقة حقيقية ودقيقة تحددها طبيعته كما أُظهرت لنا في الابن المتجسِّد. وفقط كلما تفتحت عقولنا وتوافقت مع الله طبقًا لطبيعته المعلَنة، وكلما استجبنا له في إيمان وطاعة وعبادة، استطعنا أن نفكر فيه ونتحدث عنه بنوع من الدقة التي تلائم طبيعته الإلهية. فالخشوع والدقة، التقوى والإتقان ينتمي بعضها للبعض الآخر، ويحكم كل منها الآخر، لأن معرفة الله تنشأ وتتشكَّل في عقولنا حسب ما تحدِّده طبيعته المعلَنة، وتظل هذه المعرفة مُصانة وقائمة داخل اختبار العبادة، والصلاة، والقداسة، والتقوى. وهكذا تمتزج العناصر العملية والنظرية، التقوية واللاهوتية، هذه كلها معًا بغير انفصال، في الفهم اللاهوتي والصياغة اللاهوتية[22].

 

الله هو الذي يُعرِّفنا ’ذاته‘ بذاته

وإذا تحدثنا بصورة أكثر تدقيقًا ـ كما أشار ق. إيرينيئوس ـ نستطيع أن نقول إن الله فقط هو الذي يَعرف ذاته، وبالتالي فلا يمكن معرفة الله إلاّ من خلال الله فقط. وبما أن الله وحده كائن داخل سرمديته ولانهائيته الذاتية، فإنه هو وحده الذي يستطيع أن يَعرف ذاته بطريقة تتفق تمامًا مع ماهيته، وبما يتناسب مع كينونته وبما يلائم طبيعته بكونه الله، لذلك فإذا أردنا حقًّا أن نعرف الله فهذا يتأتى فقط من خلال المشاركة ـ بشكل لا يصدقه عقل ـ في المعرفة التي يملكها الله عن ذاته[23]. أي إننا نستطيع معرفة الله، فقط إذا أدخلنا هو في شركة معه في العلاقات الداخلية له كآب وابن وروح قدس. وهذه المشاركة في المعرفة التي لله عن نفسه، صارت ممكنة من خلال تجسد ابن الله وبواسطة روح الآب والابن.

 

الله يُعرِّفنا ’ذاته‘ من خلال الابن المتجسِّد وفي الروح القدس

إن الله في التجسُّد، أعطانا ذاته في يسوع المسيح ابنه الحبيب، وهو لم يوصل إلينا شيئًا عن ذاته بل أعطانا ذاته عينها، وبذلك جعل نفسه معروفًا لنا طبقًا لطبيعته الإلهية ’كآب‘. وفي يوم العنصرة سكب الله علينا روحه القدوس، الذي بكونه روح الآب وروح الابن فهو حضور الله المباشر. أي إنه في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، أدخل الله في وجودنا البشري، المعرفة المتبادلة التي يعرفها الآب والابن كل منهما للآخر، وفي الروح القدس يعطينا شركة في العلاقة المتبادلة التي للآب والابن، وبذلك يجعلنا نشترك في المعرفة التي للآب والابن عن بعضهما البعض. وبتعبير آخر، فإنه من خلال يسوع المسيح الابن المتجسِّد أُعطينا سبيلاً إلى الآب في روح واحد[24].

ولا نبالغ إذا قلنا إن علاقة الابن بالآب هذه، والتي أُعلنت في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، قد صارت القاعدة والنقطة المركزية للفكر اللاهوتي النيقي كله، لأن تجسد الابن قد فتح الطريق إلى معرفة الله وفقاً لما هو في ذاته، وهو ما لم يكن من الممكن أن يفعله أي شيء آخر. ففي التجسد، أخذ ابن الله طبيعتنا البشرية لنفسه وجعلها خاصة به تمامًا حتى إنه جاء بيننا ’كإنسان‘، وبواسطة وجوده بيننا ’كإنسان‘ كشف لنا عن ما هو ’كإله‘. وبمعنى آخر، فإنه ـ دون أن يتخلى عن طبيعته الإلهية ـ اتحد بنا في طبيعتنا البشرية بشكل تام كامل، لدرجة أنه بحياته الإلهية التي كان يحياها في داخل حياتنا البشرية ـ بكامل حقيقة هذه الحياة البشرية ـ قد أعلن شيئًا من السر الأعمق لحياته الإلهية ’كابن‘ للآب. ولكنه وبالتحديد في إعلانه لنا عن طبيعته الذاتية ’بكونه الابن‘، قد أظهر لنا طبيعة ’الآب‘، ليس فقط بالكلام، مُعْلِمًا إيانا عن الآب، بل بكونه ـ كما هو منذ الأزل ـ ابن الآب الذاتي، المتجسِّد في حياتنا البشرية. ولذا كان يقين ’كنيسة نيقية‘ الكاسح أنه فقط بتجسُّد الابن، قد أُدخلت معرفة الله الحقيقية في نطاق فهمنا البشري بشكل إيجابي، لأنه فقط بمشاركتنا في معرفة الابن للآب يكون فكرنا وحديثنا عن الله بالحقيقة هدفه ومحوره هو الله، وبالتالي يكون له محتوى إيجابي. وفي عمل من تواضع الذات أو إخلاء الذات لأجلنا، تنازل الله الابن ليشاركنا طبيعتنا المخلوقة وليشاركنا ضآلتنا وجهلنا، لكي يرفعنا في ذاته إلى الشركة مع الله، وإلى معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته بالحقيقة. فالله “هو معروف للابن فقط، لأن ليس أحد يعرف الآب إلاّ الابن ومَن يريد الابن أن يعلن له، ولا أحد يعرف الابن إلاّ الآب. كل منهما له معرفة تامة وكاملة بالآخر. ولذلك بما أنه لا أحد يعرف الآب إلاّ الابن فلنجعل أفكارنا عن الآب متوافقة مع أفكار الابن ـ الشاهد الأمين الوحيد الذي يعلن الآب[25]“.

وهذا التركيز على المعرفة المتبادلة بين الآب والابن بكونها الأساس لمعرفتنا نحن لله، لم يكن أبدًا لينتقص أو يقلل بأي شكل من حقيقة الروح القدس وعمله، لأنه فقط من خلال شركة الروح القدس المُرسل لنا من الآب بواسطة الابن نستطيع بالفعل أن نشترك في علاقة الابن بالآب والذي به (أي بالابن) نُعطى دخولاً إلى الآب نفسه. وهكذا يصبح مفهومًا أنه بالرجوع الدائم لعلاقة الابن الداخلية بالآب ـ كمحور مركزي للإيمان ـ صاغت الكنيسة فهمها لكل الأمور الأخرى مثل الخلق، والخلاص، والكنيسة، وقيامة الأموات، وحياة الدهر الآتي.

وإذ نحن كائنات عرضية (أي اعتمادية ومتوقفة في وجودها على غيرها)، فإننا محصورون داخل النطاق المحدود لوعينا وإدراكنا المخلوق، ولكن تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في المسيح يسوع وعمل روحه القدوس الخلاَّق، تنفتح عقولنا وقدراتنا وتتسع وتمتد أفكارنا إلى ما هو أبعد بكثير من نطاقها المحدود، إلى أن تصير متناسبة ـ على الأقل إلى حد ما ـ مع هدفها الإلهي[26]. إنه الروح القدس الذي يحقق إعطاء الله ذاته لنا في يسوع المسيح، وبالتالي يُمكِّننا من قبول وإدراك ما هو أبعد من ذواتنا تمامًا، ألا وهو المعرفة الحقيقية لله نفسه متجسِّدًا بيننا في المسيح. وهذا ما يتحقق في إيمان الكنيسة وتوقيرها وعبادتها وتكريسها الخاشع المطيع لإعلان الله عن ذاته بالابن وفي الروح القدس. وهنا نورد قول ق. هيلاري مرة أخرى “إن الله لا يمكن أن يُعرف إلاّ عن طريق العبادة والتقوى[27]“. أي إنه بعلاقة الشركة الحميمة مع الله في المسيح وبالروح القدس ومن خلالها ـ والتي ندخل فيها بواسطة الإيمان والعبادة والتأمل والسجود ـ فإنه يمكن لعقلنا البشري أن يتكيف ويتلاءم ـ على قدر الإمكان ـ مع معرفة الله وفقًا لطبيعته كآب وابن وروح قدس، وبهذا ندخل في معرفةٍ دقيقةٍ ومحددة له وفقًا لما هو الله بالحقيقة في ذاته، وحسبما يكشف هو لنا ذاته.

 

هل ينبغي أن نعرف الله من خلال النصوص الكتابية فقط؟

قبل أن نبحث بتدقيق أكثر فيما يعني السبيل إلى الله الآب من خلال الابن وفي روح واحد، دعونا نبدي ملاحظة هامة وهي أن الدقة في المعرفة لا تعني أبدًا اتباع اسلوب ضيق الأفق في التفكير والحديث عن الله من الكتاب المقدس فقط. لأن المعرفة الصحيحة والدقيقة عن الله لا تُكتسب بترتيب آيات الكتاب المقدس في صف واحد معًا، ولكن بالسماح لفكرنا بأن يتشكَّل وبأن يتحدَّد ’بالحق‘ الإلهي الذي توجهنا إليه هذه الآيات. لأن اعتبار تعبيرات الكتاب المقدس بأنها تأكيدات إلهية، لا يعني أنه يسهل إدراكها وفهمها على الفور، ولكن يعني أنه يجب أن تُفسَّر في ضوء ’الحق‘ الذي تُشير إليه كما يجب أيضاً لتفسيراتنا تلك من أن تُمتحن وفقًا لهذا ’الحق‘. لذلك يتعين علينا التفكير بتروٍ فيما تعنيه آيات الكتاب المقدس في ضوء تلك المرجعية[28].

وهذا لا يعني بالطبع أن نطرح جانبًا إرشاد الكتاب المقدس لنا والذي من خلاله أتى إلينا إعلان الله، وإنما يعني أننا نرفض الاكتفاء بذكر نص التعبيرات الكتابية، لمجرد رغبتنا في أن يستند تفكيرنا وحديثنا على ’الحق‘ الإلهي ذاته، والذي يحدثنا بواسطة هذه التعبيرات الكتابية. ومن هنا فإنه يتعين علينا أن نقرر ما الذي نقوله عن ’الحق‘ تحت إرشاد أقوال الكتاب المقدس، وأن نحدد أيضًا الكيفية التي بها نصيغ تعبيراتنا بحيث تكون صحيحة ومتناسبة مع ’الحق‘ ذاته. وقد عبَّر ق. أثناسيوس عن هذا المعنى بما أسماه “حرية الحديث الديني” على أساس الأسفار المقدسة، وذلك حين نَعبُر إلى ما وراء ما ذكرته هذه الأسفار حرفيًّا، إلى ’حقيقة الله‘ ذاتها ـ التي تنقلها تلك الأسفار ـ ونسعى للتعبير عنها بكل ما أوتينا من صحة ودقة[29]. ونحن لا نتجاسر أو نتجرأ على فعل هذا إلاّ بأسلوب يتسم بأقصى درجات الحذر والخشوع وبصلوات كثيرة[30].

 

اضطرار الآباء لصياغة مصطلحات لم ترد في الأسفار المقدسة، كان لحماية ’الحق‘ الذي في هذه الأسفار، وبإرشاد هذا ’الحق‘ ذاته

       وكما ذكرنا سابقًا، فإن لاهوتيي نيقية مثل ق. أثناسيوس و ق. هيلاري، كانوا على دراية كاملة بصعوبة وخطورة الموقف الذي وُضعوا فيه حين اضطروا لتقديم تأكيدات محددة ’أبعد‘ من النصوص الواردة في الأسفار المقدسة، وكما ذكروا فإن هذا لم يكن ممكنًا إلاّ فقط في رعدة وصلاة. وقد شعروا أن ’الحق‘ ذاته ـ الذي تقابلوا معه في الكتاب المقدس ـ هو الذي يضطرهم أن يقدِّموا في مصطلحات دقيقة ما وجدوا أنه يتعين عليهم قوله من أجل إخلاصهم للحق، وبالتالي حماية الكتب المقدسة من التشويه والتفسير الاعتباطي[31]. وقد عبَّر القديسان أثناسيوس وهيلاري عن ما حدث في مجمع نيقية، حينما سعى الآباء لأن يعطوا تعبيرًا صحيحًا ودقيقًا عن صميم ومضمون الرسالة الإنجيلية ـ كما نُقلت عبر الكتب المقدسة ـ وهكذا كشفوا وأظهروا الجوهر الداخلي ’للحق‘ الإنجيلي الذي في ضوئه يصير الكتاب المقدس نفسه مفهومًا أكثر بالنسبة لنا[32].

 

تعليم آباء نيقية كان يعتمد على الفهم العميق للنصوص الكتابية

وقد تأسس الفكر اللاهوتي النيقي في الكنيسة العابدة، وبُني من خلال شرح الكتاب المقدس والتأمل فيه: حيث بحث اللاهوتيون والأساقفة في الكتاب المقدس كله بعهديه القديم والجديد، وركزوا بشدة على نصوص معينة فيه، واعتبروها مفاتيح لفهم الإنجيل، واستخلصوا منها الروابط والعلاقات الأساسية في الإنجيل التي تعطي لإيمانهم المسيحي أن يكون بناءً متماسكًا، ثم شكَّلوا منها أداة تفسيرية ولاهوتية يوضحون بها فكر الكنيسة ويدافعون بها عن وديعة الإيمان التي ائتمنوا عليها من قبل الرسل[33]. وسيكون كافيًا في حديثنا الآن أن نتناول فقط بعضًا من هذه المفاتيح (المقاطع).

 

“ليس أحد يعرف مَن هو الابن إلاّ الآب، ولا مَن هو الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له”

كانت لكلمات ربنا التي سجلها ق. لوقا وق. متى أهمية أساسية جدًّا في الفكر اللاهوتي النيقي حين قال: “كل شيء قد دفع إليَّ من أبي. وليس أحد يعرف مَن هو الابن إلاّ الآب ولا مَن هو الآب إلاّ الابن ومن أراد الابن أن يعلن له[34]“. وقد كشف الفحص اللاهوتي الدقيق أن علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن ـ والتي سبق أن تعرضنا لها ـ تتضمن أيضًا علاقة التواجد (الاحتواء) المتبادل بينهما، وليس فقط بين الابن الأزلي والآب بل أيضًا بين الابن ’المتجسِّد‘ والآب*. وهذا يعني ضمنيًّا أننا أُعطينا السبيل إلى الدائرة الخاصة للمعرفة الإلهية بين الآب والابن، فقط من خلال اتحادنا بالمسيح ومعرفتنا له، أي فقط من خلال علاقة متبادلة من المعرفة والوجود بيننا وبين الابن المتجسِّد، وهذا على الرغم من أنه في حالتنا يكون هذا الاتحاد بالمشاركة بالنعمة وليس اتحادًا بالطبيعة.

وهذا التأكيد على الاتحاد ’المعرفي‘ بابن الله المتجسِّد عززه ودعمه بشدة ما جاء في تعاليم ق. بولس الرسول عن التبني والاتحاد بالمسيح، وأيضًا ما جاء في تعاليم ق. يوحنا الرسول عن السكنى الداخلية المتبادلة بيننا وبين المسيح. ولذا فبالنسبة للفكر اللاهوتي النيقي، فإن العلاقة المتبادلة في المعرفة والوجود بين الآب والرب يسوع المسيح تُشكِّل الأساس الكياني لمعرفتنا نحن لله، لأنه في هذه العلاقة ومن خلالها تصير معرفتنا لله الآب متأصلة ـ بشكل موضوعي ـ في كيان الله الأزلي نفسه. إذن فمن خلال الاتحاد بالمسيح، قد أُعطينا الوصول إلى معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته. وبالإضافة إلى ذلك فإننا على نفس الأساس، نعرف أن الروح القدس الذي يأتينا من الآب بواسطة الابن، كروح الآب وروح الابن، هو في ذات جوهر الله الواحد، لأنه توجد علاقة متبادلة في المعرفة والوجود بين الروح القدس والآب وبين الروح القدس والابن كما هي بين الابن والآب[35]. لذلك فإن معرفة الله الآب التي أُعطينا سبيلاً إليها بالابن وفي الروح القدس، هي معرفة لله وفقًا لما هو أزليًّا في ذاته كآب وابن وروح قدس[36]. وهكذا يكون التمركز حول المسيح والتمركز حول الله (الآب) متطابقين ومتزامنين معًا.

ولا بد لنا أن نلاحظ هنا أن الابن يعلن الآب ليس بكونه هو آب بل بكونه ابنًا. وبالتحديد فإن يسوع المسيح بكونه الابن الوحيد، هو الملتقى الذي فيه نتقابل مع الآب ونعرفه، وهو الابن المتجسِّد الذي يعطينا السبيل إلى الآب بأن يجعلنا نشترك (بالتبني) في بنوته (الطبيعية) للآب. وفيه (أي في الابن المتجسِّد) صارت معرفة الله الذاتية متجسِّدة من خلال العلاقة المتبادلة بين الآب في السماء ويسوع المسيح على الأرض، هذه العلاقة التي يمكن أن نُعطى الاشتراك فيها من خلال الاتحاد بالمسيح. وبذلك تكون الدائرة الخاصة (المغلقة) للمعرفة بين الآب والابن قد أُدخلت في عالم الواقع العرضي الذي ننتمي إليه نحن البشر، وتقاطعت بطريقة ما مع دائرة معرفتنا البشرية ـ بعضنا لبعض وللعالم ـ حتى إنه في المسيح يمكننا أن نشارك ـ بقدر ما ـ في ذات المعرفة التي لله عن ذاته.

وهكذا تكون معرفة الله الآب ومعرفة الله الابن متطابقتين معًا، وهذا أمر مهم للغاية لأننا لا نعرف الآب أولاً وبعد ذلك نأتي إلى معرفة الابن، ولا نحن نعرف الابن أولاً ثم نأتي إلى معرفة الآب. فلو أننا بدأنا بالقناعة بأن المسيح هو الله، لكنا حتمًا سنطبق فكرتنا المسبقة عن الله ـ والتي تعتمد على تصوراتنا الشخصية ـ على فهمنا للمسيح، ولكن إذا عرفنا المسيح: فقط بكونه ابن الآب، وفقط باعتبار أن فيه وبه نعرف الله، فحينئذٍ ستتطابق معرفتنا للمسيح الابن المتجسِّد مع معرفتنا لله الآب، وفي هذه الحالة فإن أية معرفة مسبقة عن الله ندَّعي امتلاكها سيُعاد بناؤها من جديد من خلال مشاركتنا في المعرفة المتبادلة بين الآب والابن. وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم لماذا لم يعلن السيد المسيح نفسه لتلاميذه على الفور وبشكل صريح بأنه ابن الله؛ إذ كانوا سيفهمون حينئذ إعلانه لهم، من خلال أفكارهم المُسبقة عن الله، ولكن بدلاً من ذلك اختار المسيح أن يلتقي الناس بطريقة غير واضحة ومتواضعة، متعمدًا عدم الإعلان عن ذاته، حتى يحدث إعلانه عن نفسه بالكلام تدريجيًّا خطوة بخطوة مع إعلانه عن نفسه بالأعمال. ولذلك، ففقط عندما أُدخل التلاميذ في شركة علاقة المسيح مع الآب، أتوا إلى معرفة مَن هو الآب من خلال الابن، وفي نفس الوقت معرفة مَن هو الابن من خلال الآب. ومن هنا وجد التعليم اللاهوتي النيقي أنه يتعين عليه رفض كلٍّ من منهج الدوسيتيين* ومنهج الأبيونيين# في فهم المسيح، أي مدخل ’الكريستولوجيا من أسفل‘ ومدخل ’الكريستولوجيا من أعلى‘، لأن معرفتنا للمسيح بكونه ابن الله المتجسِّد ومعرفتنا لله الآب تتداخلان بعضهما مع البعض الآخر، وتَنشأن معًا وتحكم كل منهما الأخرى، فنجد أن ق. هيلاري يقول: “كل الذين يؤمنون بالله كآب لهم، فإن الله هو آب لهم من خلال نفس الإيمان الذي به يعترفون أن يسوع المسيح هو ابن الله[37]“.

 

“لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله.. هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله”.

وثمة نص آخر كان ذا أهمية قصوى للفكر اللاهوتي النيقي أُخذ من القديس بولس: “ما لم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان: ما أعده الله للذين يحبونه. فأعلنه الله لنا بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله. لأن مَن من الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله[38]“. فمن الناحية اللاهوتية، يجب أن يُؤخذ هذا النص مقترنًا بالنصوص الأخرى المقتبسة من الأناجيل والتي تؤكد حقيقة أن الدخول إلى معرفة الابن التي تقتصر على الآب وحده، ومعرفة الآب التي تقتصر على الابن وحده، قد صار ممكنًا ومفتوحًا لنا بواسطة الابن. وهذا يحدث حينما يعطينا المسيح الروح القدس، الذي هو روح الآب وروح الابن، والذي يأتينا من الجوهر الداخلي (الواحد) للثالوث الأقدس.

وكذلك أيضًا، بما أن يسوع المسيح وُلد من العذراء مريم بقوة الروح القدس، وقَبل الروح القدس بفيض في الطبيعة البشرية التي أخذها منا، وقدَّم ذاته للآب بالروح الأزلي كفارة عنا، لذا فهو الآن يعطينا نفس الروح (القدس) الذي يفحص أعماق الله، لكي ما نستطيع ـ بالروح وفي الروح ـ أن نشارك بالحقيقة في معرفة الله لذاته.

وبسبب هذه العلاقة المتبادلة بين الابن المتجسِّد والروح القدس في كون كل منهما ’واسطة‘ لنوال الآخر ـ وذلك من جهة إعطائنا الروح بواسطة المسيح وإعطائنا المسيح بواسطة الروح* ـ وجدت الكنيسة (في فترة ما بعد نيقية) أنه يتعين عليها أن تزيد على ما قاله آباء نيقية عن الابن، وتضيف تعبيرات مماثلة عن الروح القدس. وكان قد صار جليًّا أنه لم يعد ممكنًا فصل عقيدة الابن عن عقيدة الروح القدس، ولا فصل عقيدة الروح القدس عن عقيدة الابن. ومن جهة المعرفة تأتي عقيدة الابن أولاً، لأن الابن هو كلمة الله الذي صار جسدًا (وصار ابن الإنسان)، وبما أننا لا نستطيع أن نعرف الله إلاّ من خلال ’كلمته‘، فإننا فقط من خلال نفس ’الكلمة‘ نستطيع أن نعرف الروح القدس كما نعرف الآب والابن. ولكن من جهة أخرى، نحن لا نستطيع أن نفهم ’الكلمة‘ إلاّ من خلال المشاركة في الروح ذاته الذي بواسطته صار ’الكلمة‘جسدًا.

 

“أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي”.

وينبغي الانتباه أيضًا إلى كلمات الرب التي سجلها القديس يوحنا “أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي”[39]، لأن الأريوسيين في رفضهم لطبيعة المسيح الإلهية، قد بحثوا في كل الكتاب المقدس ليجدوا نصوصًا تشير إلى طبيعة الابن المخلوقة أو الأقل رتبة (من الآب) أو تشير إلى وضعه كعبد، فتلاعبوا بنص من سفر الأمثال وفسروه على أنه يشير إلى اللوغوس (كلمة الله): “الرب قناني أول طريقه من أجل أعماله منذ القدم[40]“، وذلك لكي يُظهروا أن ابن الله كان مخلوقًا متوسطًا (بين الله والخليقة). ولكن ق. أثناسيوس وبقية اللاهوتيين بنيقية أمسكوا بهذا النص وفسَّروه بمفهوم ’خلاصي‘ (soteriological sense) ـ وليس هذا النص وحده ولكن مع نصوص كثيرة أخرى من العهد الجديد وخاصةً من الرسالة إلى العبرانيين ـ وذلك لكي يُبينوا أن الطبيعة البشرية التي ليسوع المسيح ابن الله المتجسِّد قد خلقها الله بالفعل كأول (أو بدء) (¢ρχή) طريقه وأعماله لأجل خلاصنا. وهكذا وبعيدًا تمامًا عن رفض المخلوقية ووضع المسيح كعبد، أصر لاهوتيو نيقية على أنه من محض نعمته قد تنازل ابن الله الأزلي عن قصد، ليجعل وضع عبوديتنا خاصًّا به هو، لكي يفدينا[41].

وقد ترتب على هذا التوجه، تركيز هائل من قِبل الفكر اللاهوتي النيقي على أن يسوع المسيح هو الطريق والحق والحياة والذي بدونه لا يقدر أحد أن يأتي إلى الآب[42]، وعلى هذا النحو فإنه ليس فقط مبدأً (¢ρχή) لكل طرق الله، بل هو الرأس (¢ρχή) ’الحاكم‘ الذي به تُختبر كل معرفتنا لله. وبذلك تصبح بشرية المسيح التامة (وبكل ما لهذه الكلمة من معنى) هي المنطلق لمعرفة الله معرفة أصيلة حقيقية ولفهم الرسالة المسيحية فهمًا صادقًا. ولذا يقول ق. أثناسيوس: “إن بشرية الرب (κυριακÒς ¨νθρωπος) قد خُلقت (كأول طرقه) مُظهرًا إياها لنا من أجل خلاصنا، فبها نصل إلى الآب لأنه (أي المسيح) هو الطريق الذي يرجعنا إلى الآب، والطريق هو حقيقة جسدية منظورة التي هي بشرية الرب[43]“.

إذن فالتركيز الرئيس بنيقية كان موجهًا إلى أهمية الطبيعة البشرية التي لابن الله المتجسِّد، التي صُلب ومات بها لأجلنا، والتي قام بها من الأموات وصعد بها إلى السموات ـ أي كل ما كانه وما صنعه المسيح لأجلنا لتوصيل الإعلان الإلهي والخلاصي للجنس البشري. وهذا الفهم الخلاصي لتدبير تجسد الابن الوحيد يضع يسوع المسيح في صميم مركز معرفتنا لله، حيث إنه جُعل لنا السبيل الوحيد الذي به نعرف الله الآب. وفقط كلما كانت معرفتنا لله مطابقة ليسوع المسيح، صارت هذه المعرفة معرفة دقيقة وصحيحة لله، لأن يسوع المسيح الابن المتجسِّد هو الصورة الكاملة، والهيئة (Ε‡δος) الفريدة للاهوته[44]، وهو “الختم الدقيق (الكامل التام)” لله الآب ـ كما عبَّر ق. أثناسيوس[45] ـ الذي فيه ينقل لنا الآب معرفة ذاته كما هو بالحقيقة وكما أعلن عن ذاته بالفعل. وكابن الله المتجسِّد، فإن يسوع المسيح ليس فقط صورة الله، بل صميم حقيقة الله في توصيل ذاته لنا، ولذلك فالالتقاء به والتعرف عليه هو نفسه الالتقاء بالله الآب والتعرف عليه، لأنه هو في الآب والآب فيه[46]. وقد عبَّر ق. باسيليوس (أو أخوه ق. غريغوريوس) عن هذا المعنى بقوله “كل ما للآب يُرى في الابن، وكل ما هو للابن هو للآب، لأن الابن بجملته هو في الآب والابن له الآب بجملته في ذاته. وعلى ذلك فإن أقنوم (Øπόστασις) الابن كما لو كان هو هيئة ووجه معرفة الآب، وكذلك أقنوم (Øπόστασις) الآب يُعرف في هيئة الابن[47]“. وفي تعبير ق. أثناسيوس الدقيق “إن هيئة لاهوت الآب هي كيان الابن[48]“.

وفضلاً عن ذلك، فإن الروح القدس يأتينا في المسيح ومن خلال بشريته في كل ما صنعه لأجلنا، ولذلك فالروح القدس (بالإضافة إلى تجسُّد الابن) قد أُعطي مكانًا هامًّا ومحوريًّا في بنيان الفكر اللاهوتي المسيحي. فبينما يعطينا تجسد الابن الأساس الرئيس الذي يُشكِّل ويحكم معرفتنا لله، فإن هذه المعرفة تنتقل لنا من خلال الابن ولا تصلنا إلاّ بعمل الروح القدس، لأنه في الروح القدس نحن نشترك في الابن الذي من خلاله نشترك في الله الآب. وهكذا لم يكن التمركز حول المسيح (أي مركزية المسيح) (Christocentricity) الذي ميَّز الفكر اللاهوتي النيقي يقلل بأي حال من الأحوال من التمركز حول الله (أي مركزية الله) (Theocentricity)، بل بالأحرى خدم ما يمكن أن نسميه التمركز حول الآب (أي مركزية الآب) (Patrocentricity)، وبالتالي أعطى مكانًا كاملاً صريحًا لروح الآب الذي يأتينا بواسطة الابن وعلى أساس عمله الخلاصي. ومن ناحية أخرى كما أكد ق. أثناسيوس مرارًا[49]، فإنه لا ينبغي علينا اعتبار عقيدة الروح القدس أنها مجرد متصلة (من الخارج) بعقيدة الله، لأنه لا الابن ولا الروح القدس هما مجرد إضافات لله، ولكنهما ينتميان لنفس جوهر الله الواحد الأزلي بكونه الله المثلث الأقانيم الذي هو في ذاته الآب بكامله والابن بكامله والروح القدس بكامله بغير انقسام في وحدانية الجوهر، فهو كإله واحد كامل غير منقسم يعلن ذاته لنا كآب وابن وروح قدس[50].

 

المدخل المسيحي لمعرفة الله في مواجهة اليهودية والهللينية

هذه العقيدة “الإنجيلية والرسولية” عن الله، الذي أُعلن لنا كآب بواسطة الابن وفي الروح القدس[51]، كان قد كشف مكنونها الثالوثي ودافع عنها آباء نيقية اللاهوتيون على مدار القرن الرابع، وذلك في مواجهة كل من اليهودية والهللينية. وقد رسَّخ هؤلاء اللاهوتيون في الكنيسة، الإيمان الجامع بالثالوث ووحدانية الله، حافظين هذا الإيمان (الثالوثي) من اتجاهات يهودية ترمي إلى تقليص الثلاثة الأقانيم إلى وحدانية غير متمايزة على طريقة سابليوس، وكذلك من اتجاهات هللينية تدعو إلى الفصل بين الأقانيم الثلاثة واختلاف الطبائع على نحو ما فعل الأريوسيون[52].

وسوف نتمكن من تقدير أهمية هذا المدخل المسيحي المتميِّز لمعرفة الله الآب، حين نبرز الاختلاف بينه وبين المداخل اليهودية والهللينية.

 

الاختلاف مع اليهودية

 

الأصل العبري للعقيدة المسيحية

مما لا شك فيه أن عقيدة نيقية عن الله هي عبرية في أصلها ـ الذي انحدرت منه ـ وفي سماتها أيضًا. وهذا يتضح تمامًا في رفض عقيدة نيقية للقول بأن الله في تعاليه وسموه الفائق لا يستطيع التلاؤم مع طبائع أخرى غير طبيعته وأنه لا يتفاعل مع العالم، كما يتضح أيضًا في تأكيدها على وحدانية وقداسة الله الذي يتدخل في التاريخ من أجل خلاص البشر، هذا بالإضافة إلى تركيزها على كلمة الله التي وصلتنا من خلال الإعلان الكتابي في العهد القديم والعهد الجديد.

 

التعليم النيقيّ كان فهمًا خلاصيًّا (عبريًّا ـ مسيحيًّا) للّه

وكانت عقيدة نيقية ـ في شكلها اللاهوتي المكتمل ـ فهمًا خلاصيًّا (عبريًّا ـ مسيحيًّا) لله، وقد صار هذا الفهم سائدًا ومحكومًا بالحقيقة القاطعة: إنه في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، يتدخل الله شخصيًّا في العالم ليتمم خلاص البشرية[53]، ويسوع المسيح ليس هو سوى الله الكلمة الأزلي، والابن الذي أعلن ذاته لنا وعمل بصورة مباشرة داخل وجودنا البشرى وحياتنا البشرية. وعلى هذا الأساس استطاع لاهوتيو نيقية أن يقولوا، إنه بالحضور المتجسِّد (™νσ£ρκος παρουσία) لله بيننا فإن أي شيء يقوله ويصنعه  الله، أصبــــح يُقــــال ويُصنـــع فقـط (وحصـــريًّا) من قِبـــل شــخص (™κ προσώπου) المسيح وحده[54]*، وهنا تتضح بقوة مفاهيم العهد القديم عن وجه الله وكلمة الله[55]، وتصير مشخصنة تمامًا، حتى إن رؤية الرب يسوع المسيح وسماعه تكون هي هي رؤية وسماع الله الآب نفسه وجهًا لوجه.

وبتقدمه نحونا واقترابـه إلينا في يسوع المسيح الكلـمة المتجسِّد ـ الذي أخذ طبيعتنا البشرية ووحدها بنفسه ـ فتح الله لنا معرفة أعمق أعماق ذاته ككيان شخصي (أقنومي) كامل (في ذاته)، وأدخلنا في شركة حميمة ’شخصية‘ معه كآب وابن وروح قدس[56]، ولنتذكر مرة أخرى كلمات بولس الرسول في (أف18:2) والتي كانت تعني الكثير لكنيسة نيقية “لأن به لنا كلينا (أي اليهود والأمم) قدومًا في روح واحد إلى الآب”، لأنه من قبل مصالحته نقض المسيح حائط الحاجز المتوسط الذي يفصل الأمم عن اليهود في القدوم والاقتراب إلى الله في العبادة، وبذلك أدمج الأمم في شركة الإعلان الإلهي والخلاص، ولكنه أيضًا فتح طريقًا عَبْر الحجاب بين الله والبشر معطيًا لليهود والأمم على السواء إمكانية الدخول مباشرةً إلى حضرة الله الآب.

 

التعليم عن الله في الفكر اليهودي

أما على الجانب الآخر، فكان الله يُنظر إليه في اليهودية على أنه متعال جدًّا إلى درجة لا يمكن معها وصفه أو تسميته، كما أنه غير قابل للمعرفة في وحدانية كيانه غير المتمايزة، ولذلك فإن أي طلب لمعرفة الله (الداخلية) كان يُرفض بفزع شديد ويُوصف بعدم التقوى. ولم يكن يوجد في التعاليم اليهودية معرفة لله في علاقاته الداخلية، بل فقط في علاقاته الخارجية ـ ومن هنا كان مأزق اليهودية التي أصبحت بذلك تقترن بنوعٍ من أنواع الثنائية الهللينية. ومن الصحيح طبعاً أن نقول إن اليهودية (تاريخيًّا) كانت مؤسسة على إعلان الله الفريد عن ذاته في صورة عهد وحوار مع إسرائيل، الشعب الذي اختاره ليكون أداة أو وسيلة للإعلان الإلهي للجنس البشري بأجمعه. لذلك فعند شعب إسرائيل القديم، الله لم يكن يُعرف بشكل مجرد منعزل أو فقط بإبراز الفرق بينه كغير مخلوق وبين المخلوقات، بل كان يُعرف بشكل خلاصي وإيجابي من خلال كلمته وأعماله العظيمة كخالق ورب وفادٍ. وعلى الرغم من أن وسطاء الإعلان الإلهي مثل موسى قيل إنهم تكلموا مع الله “وجهًا لوجه[57]“، وكذلك الأنبياء وكُتَّاب المزامير كانت لهم اختبارات مؤثرة وعميقة مع الله، إلاّ أنه قبل أن يصير كلمة الله جسدًا في ملء الزمان فإن المؤمنين لم يُدخَلوا في علاقة شخصية حميمة مع الله مثل التي حدثت حينما عرفوه مباشرةً كما هو في ذاته (كآب وابن وروح قدس)، أي كما قد أصبح معروفًا في يسوع المسيح الابن المتجسِّد.

 

الدخول إلى الله في المسيحية

وسرعان ما أدرك لاهوتيو نيقية ’الثورة‘ الأساسية في معرفة الله التي حدثت في يسوع المسيح الابن المتجسِّد، الذي من خلاله كوسيط بين الله والإنسان فإننا نحن الذين كنا (بحسب طبيعتنا) بعيدين عن الله صرنا قريبين منه، وأُعطينا بالفعل سبيلاً إليه. أي إنه بتجسد وظهور (παρουσία) الابن لم يعد الله مغلقًا بالنسبة لنا، بل قد فتح نفسه لنا لكي نعرفه في كيانه الذاتي كآب وابن وروح قدس، لأن ما قد أعلنه لنا عن ذاته بالمسيح وفي الروح القدس هو بالحقيقة ’ما هو الله في ذاته‘. ولذا فنحن الآن يمكننا الدخول في شركة ’شخصية‘ مع الله دون أن تمنعنا إمكانياتنا المحدودة كبشر ودون أن يعوقنا ابتعاد طبيعتنا عن الله، وذلك بفضل ما صنعه الله بمحبته ـ لأجلنا ولأجل خلاصنا ـ في تجسد ابنه الوحيد، وأيضًا بفضل عطية روحه القدوس الذي هو حضور الله ذاته ساكنًا فينا. إذن فسواء كنا يهودًا أو أمميين، فبالمسيح يسوع وفي الروح القدس نستطيع أن ندخل ـ بقدر ما ـ إلى داخل الحجاب، ونعرف الله في العلاقات الداخلية لجوهره الفائق كآب وابن وروح قدس.

وأن نعرف الله بهذه الطريقة لا يعني أننا نستطيع أن نعرف ما هو جوهر الله[58]، بل يعني أننا أُعطينا أن نعرف الله معرفةً تكون مؤسسة ـ مباشرة وبشكل موضوعي ـ في الله الأزلي نفسه. وهذا من جهة علم المعرفة، هو ما تعنيه عقيدة الثالوث القدوس وما يعنيه قانون إيمان نيقية: حيث يمكننا بالحقيقة أن نعرف الله الآب ضابط الكل معرفة حقيقية ويقينية.

وعند هذه النقطة الجوهرية تختلف المسيحية عن اليهودية، لأنها تعني ـ وبصورة مدهشة تمامًا ـ أننا نستطيع بقدر ما أن ندرك الله في علاقاته الذاتية الداخلية. وعلى الرغم من هذا، فإن لاهوتي نيقية ظلوا ’عبرانيين‘ بكل ما تعنيه الكلمة من جهة خوفهم من التجرؤ على الله؛ ففي مهابة واندهاش غامر كانوا على دراية أنهم يمشون على أرض مقدسة حيث ينبغي السير بمنتهى الخشوع والاتضاع وحيث ينبغي أن يفرضوا على أنفسهم قدرًا كبيرًا من التحفظ والانضباط، وإذا كان حتى الشاروبيم والسيرافيم المقدسون يغطون وجوههم في حضرة الله[59]، فكم بالحري ينبغي أن يفعل بنو البشر؛ إذ كيف يمكن أن ينظروا الله وأن يعرفوه كما هو في ذاته ويحيون؟ غير أن هذا هو بالتحديد ما قد صار ممكنًا على نحو ما بتنازل (συγκατάβασις) الله العجيب في التجسد: وهو أن يكون لنا معرفة دقيقة لله وفقًا لطبيعته الإلهية، ولكنها في نفس الوقت معرفة خاشعة.

 

الاختلاف مع الهللينية

 

العلاقة بين الهللينية والمسيحية

في كتاب “تاريخ المعتقدات”، يقول مؤلفه أدولف هارنك إنه في القرون الأولى من تاريخ الكنيسة المسيحية دخلت الهللينية إلى المسيحية بقوة وبشكل جذري، وإن الفضل يرجع بدرجة كبيرة إلى القديس أثناسيوس في منع ’تَهلُّن‘ المسيحية[60]. لقد دُون الإنجيل منذ البداية باللغة اليونانية، كما عبَّرت الكنيسة الأولى بشكل كبير عن عبادتها وتعاليمها بأنماط الفكر اليوناني، ولكن بالرغم من كل ذلك بدلاً من أن يحدث ’تهلُّن‘ جذري للمسيحية حدث شيء مختلف تمامًا. فمن أجل الاستفادة من أشكال الفكر اليوناني قام الفكر اللاهوتي المسيحي بتغيير هذه الأشكال بصورة جذرية وجعلها أدوات لنقل عقائد وأفكار كانت غريبة تمامًا عن الهللينية. وفي الحقيقة كان لرسالة الكنيسة الأثر القوي في تغيير الأفكار الأساسية للهللينية التقليدية، وذلك طوال فترة صياغة الكنيسة لعقيدتها المتميزة: عن الله بكونه واحدًا، وبكونه ثالوثًا في جوهره الأزلي، وبكونه خالق الكون من العدم، وكذلك عن عقيدة التجسد كتدخل شخصي من الله لأجل خلاص البشر، وعن عقائد العناية الإلهية والدينونة والقيامة. ولذا كان من أهم ملامح الفكر اللاهوتي النيقي هو عدم ’تَهلُّن‘ المسيحية بل ’تمسحُن‘ الهللينية، وفي هذا الأمر كانت الكنيسة مدينة بشكل خاص للقديس أثناسيوس.

وفي الفصل القادم سوف نتناول الأثر البعيد المدى لعقيدة نيقية في فهمنا لله كضابط الكل خالق كل شيء ما يُرى وما لا يُرى، ولكننا سنركز هنا على ثلاثة اختلافات هامة بين الفكر النيقي والفكر الهلليني وذلك بالنسبة لمفهوم المصطلحات الآتية: ’الأيقونة أو الصورة‘ (ε„κών) و’الكلمة‘ (λόγος) و’الفعل أو الطاقة‘ (™νέργεια).

 

الفرق بين الفهم الهلليني والفهم المسيحي لمصطلح ’الأيقونة أو الصورة‘ (ε„κών)

إن من الأمور التي تميزت بها الهللينية أنها أعطت حاسة البصر أهمية أولى على بقية الحواس مما أدى إلى نمو نمط من أنماط الفكر يتصل في جوهره بهذه الحاسة (أي نمط ’بصري‘)[61]، ويظهر ذلك جليًّا من حقيقة أنه في اللغة اليونانية، الكلمات ’فكرة‘(„δέα) ، ’هيئة أو شكل‘ (ε‡δος)، و’نظرية‘ (θεωρία) تشير كلها إلى أساليب للرؤية أو تشير إلى ما يمكن أن يُرى. كما أن الكلمات أو الأسماء كانت تعتبر كأنها تصوير ـ بشكل حقيقي أو اعتباري ـ لما تعنيه أو تدل عليه أو لما تمثله هذه الكلمات والأسماء. أضف إلى ذلك التفسير اليوناني لعملية البصر على أنها تحدث بواسطـة شعــاع من النـور يتجـه مباشرة مـن العـين إلى الشيء المـراد رؤيته. ومـن المعـروف أن طـريقة التفكـير الذي في شكـل ’صور‘ (ε‡δωλα ε„κόνες) التي في الهللينية ـ والتي قد امتد بها الناس إلى ما هو أبعد من أنفسهم إلى مستوى الأساطير ـ قد لعبت دورًا بارزًا في كل من الفلسفة والدين على حد سواء.

وكان التباين بين المسيحية والهللينية كبيرًا للغاية عند هذا المستوى الجوهري (من جهة أساليب الفكر)، حيث إن أنماط الفكر الإنجيلي التي تحكمها كلمة الله وطاعة الإيمان           (Øπακοή τÁς πίστεως) تتعارض بشدة مع الأنماط الخاصة بالديانة والفلسفة اليونانية. وقد وصل هذا التباين إلى أوجه في النزاع الأريوسي حول علاقة الآب بالابن والتي تعتبر لب البشارة المسيحية. هل علينا أن نفهم مصطلحات مثل ’الآب‘ و ’الابن‘ على أنها صور حسيِّة ومرئية أُخذت من علاقاتنا البشرية ثم طبقناها بشكل أسطوري على الله؟ في هذه الحالة، كيف نستطيع تجنب تطبيق موضوع ’نوعية الجنس‘ الذي في المخلوقات على الله*، أو كيف يمكننا تجنب التفكير في الآب على أنه ’جد‘ أيضًا علاوة على كونه أب، لأن النوع الوحيد من الآباء الذي نعرفه هو من يكون ابنًا لأب آخر؟ وبالتالي فإن التفكير في الله بهذه الطريقة (أي باستخدام المحتوى المخلوق لصور خارجة من عندياتنا) سوف يؤدي حتمًا إلى تصورات عن الألوهة نخلع فيها الصفات البشرية على الله، ونصفه فيها بتعدد الأشكال، وسيؤدي في الواقع إلى تعدد الآلهة والوثنية[62]. لكن إذا كان تفكيرنا مركزه في الله ـ كما يعلن هو لنا ذاته من خلال كلمته المتجسِّد ـ فحينئذٍ سنعرفه وفقًا لما هو في ذاته كآب بشكل فريد تماماً وبصورة لا تقارن، وسيصبح هو نفسه المعيار الضابط الذي نرجع إليه لنفهم كل ما يخص الأبوة والبنوة البشرية. وكما يقول ق. أثناسيوس: “الله لم يجعل الإنسان نموذجًا له، بل بالأحرى بما أن الله وحده هو الآب الحقيقي والكامل (فبالتالي) نحن الرجال نُسمىَ آباء لأبنائنا، لأن منه تُسمى كل أبوة في السماء وعلى الأرض[63]“. فالأبوة الفريدة والبنوة الفريدة في الله تعرِّف كل منهما الأخرى (define one another) بشكل مطلق وفريد. وقد عبَّر ق. أثناسيوس عن هذا المعنى ببلاغة في رفضه لدعاوى الأريوسية التي نادت بأن الإنسان هو مركز وأساس فهم كل شيء: “بالضبط كما أننا لا نستطيع أن نقول إن هناك أب ’للآب‘، كذلك نحن لا نستطيع أن نقول إن هناك أخ ’للابن‘[64]“.

وحقيقة أن الله قد عرَّف ذاته لنا باسم ’الآب‘ ـ  وذلك في ابنه المتجسِّد يسوع المسيح وبواسطته ـ إنما تعني أننا لا نستطيع ولا يجوز لنا أن نسعى لمعرفة الله أو التعبير عن هذه المعرفة بطريقة تتجاهل تسميته لذاته. لذلك فإن المصطلحين ’أب‘ و’ابن‘ لم يقرهما الإعلان الإلهي فقط، بل قد أعطاهما وظيفة ضرورية في معرفتنا لله واختبارنا معه، ولهذا السبب نحن نعمِّد باسم الآب والابن والروح القدس. وقد كان الأمر الذي تعين على آباء نيقية استجلاؤه هو كيف يمكن للصور ’المخلوقة‘ والكامنة في فكرنا عن مصطلحي الأبوة والبنوة ـ وبالتأكيد كما هو الحال في كل المصطلحات والمفاهيم البشرية المستخدمة في الكتاب المقدس ـ أن تنطبق على الله[65]. وهنا أكثر من أي موضع آخر، يظهر الأصل العبري الذي انحدر منه الفكر اللاهوتي النيقي وأثر إعلان الله في العهد القديم بما يحتويه من رفض قاطع ـ وخاصة في الوصية الثانية من الوصايا العشر ـ لأي رسم وتصوير حسي لله، مثل ما في العبادة الوثنية للبعليم والعشتاروث آلهة الطبيعة والجنس في العالم السامي القديم. وكان المبدأ الرئيس الذي أخذته الكنيسة من هذا التقليد الكتابي القديم ـ والذي كان ثابتًا باستمرار داخل الكنيسة في اقترابها الخاشع إلى الله ـ هو أن الله يفوق تمامًا كل تصور بشري. لذلك رفضت الكنيسة ـ في إطار معرفة الله ـ الفكرة الهللينية التي تقول بأن ’الصور‘ تعتبر ’محاكاة‘ للأشياء التي تعنيها أو تمثلها (وبالتالي رفضت أن صورة الأب البشري هي محاكاة للآب)، ووضعت محلها الفكرة العبرية التي تقول أن جميع ’الصور‘ التي تُستخدم بطريقة لائقة في التفكير والحديث عن الله هي تشير إليه دون أن تصوره: (refer to him without imaging him)[66].

وكما سنرى فيما بعد عند الحديث عن عقيدة الروح القدس ومفهوم ق. أثناسيوس عن الروح القدس بأنه “صورة الابن”، أنه حتى الصور المستخدمة في الإعلان الإلهي تنطبق على الله بطريقة ليس فيها أي تصوير له (imageless) لأن الله يفوق بشكل مطلق ولا نهائي، المضمون أو المحتوى البشري* (المخلوق) لهذه الصور. ويستخدم الفكر اللاهوتي المسيحي مصطلحي ’آب‘ و ’ابن‘ استخدامًا مناسبًا ـ في الحديث عن الله كما هو في ذاته ـ عندما يسمح لهذين المصطلحين أن يشيرا وبطريقة لا تصوير فيها إلى العلاقات الأزلية في جوهر الله، هذه العلاقات التي بوضعها المتعالي غير المخلوق تشكِّل الأساس الذي يرشدنا ـ على قدر ما يسمح به مستوانا كبشر ـ لفهم علاقات كل من الأبوة والبنوة في البشر.

وقد ساهمت تعاليم نيقية عن الابن المتجسِّد وعن الروح القدس في تدعيم هذا المدخل العبري، لأن كون يسوع المسيح الابن المتجسِّد هو صورة الله وحقيقته معًا، كان له الأثر البالغ في استبعاد كافة الصور أو التصورات الأخرى عن الله. وبدلاً من أن يكون المسيح تجسيدًا لما نفتكره نحن كبشر عن الله، كان هو التجسيد الفريد لله ذاته بيننا في هيئة البشر. أي إن التجسد لا يمثل انعكاس (أو تطبيق) ’ما هو بشري‘ على ’ما هو إلهي‘ بل هو انعكاس ’ما هو إلهي‘ على ’ما هو بشري‘. وبهذا يكون التجسد هو الصخرة التي تحطمت عليها كل الأساطير[67]. هذا من ناحية، أما من الناحية الأخرى، وكما سنرى فيما بعد، فإن التماثل (التطابق) الذي أقره لاهوتيو نيقية بين وحدانية الابن في ذات الجوهر (Ðμοούσιον) وبين وحـدانية الـروح القــدس أيضًا في ذات الجوهـر (Ðμοούσιον) ـ وذلك في إطار إظهارهم أن ’ما هو‘ الله الآب نحونا بالابن وفي الروح القدس، هو نفس ’ما هو‘ الله أزليًّا في ذاته ـ قد أدت هذه المطابقة إلى منع المؤمنين من العودة إلى التفكير في الله حسب ما تحتويه تصوراتهم عن الأبوة والبنوة البشرية، وبالتالي منعهم من التفكير في الأبوة والبنوة الخاصة بالله بأي شكل مادي أو حسي. وعلاوة على ذلك، لم يكن تركيز ق. أثناسيوس على حقيقة أن الابن هو ’الهيئة‘ (Ε‡δος) الوحيدة (الفريدة) للاهوت الآب فقط، بل أيضًا على أن الروح القدس هو ’صورة‘ (Ε„κών) الابن، مما أوضح أنه ينبغي علينا أن نفكر في الله بطريقة لا تصوير فيها وأيضًا على أساس علاقات غير معتمدة على الصور[68]. ولهذا فقد أعطى الفكر اللاهوتي النيقي موضعًا مركزيًّا لعقيدة الروح القدس بالضبط كما أعطى لعقيدة الابن، مما ساعد على تنقية عقول المؤمنين من العادة الهللينية الخاصة بالتفكير في الله في شكل صور تتسم ’بالمحاكاة‘ وتعتمد على مركزية الصور البشرية[69]*.

وبدلاً من أن ’يتهلَّن‘ الفكر اللاهوتي المسيحي بنمط التفكير ’التصويري – البصري‘ المستوطِن في ديانة وفلسفة عالم البحر المتوسط، ظلّ هذا الفكر اللاهوتي أمينًا لجذوره العبرية والكتابية.

 

الفرق بين الفهم الهلليني والفهم المسيحي لمصطلحي ’الكلمة‘ (λόγος) و’الفعل أو الطاقة‘ (™νέργεια)

ولكن ماذا عن أثر الفكر الهلليني على المسيحية فيما يختص بمدلول مصطلحيّ ’الكلمة‘ (λόγος) و’الفعل أو الطاقة‘ (™νέργεια)؟ وللإجابة على هذا السؤال نعود مرة أخرى إلى ق.أثناسيوس وخاصًة إلى مفهومه عن (™νούσιος Λόγος) و(™νούσιος ™νέργεια) أي ’الكلمة‘ و’الفعل أو الطاقة‘ اللذان في صميم جوهر (οÙσία) الله[70]. وهنا نجد أنه بفضل نشأة الفكر اللاهوتي المسيحي وظهوره في محيط الفكر والحديث اليوناني، قد حدث تعديل هائل في الأفكار الهللينية الأساسية.

فمن ناحية، تحول المفهوم اليوناني لـ ’اللوغوس‘ (λόγος) إلى مفهوم مسيحي، وذلك باندماجه داخل مفهوم العهد القديم عن ’كلمة الرب‘ ومفهوم العهد الجديد عن ’الكلمة‘ الذي كان عند الله وكان الله وصار جسدًا في يسوع المسيح. وعلى خلاف الفكر اليوناني الخاص باللوغوس كمبدأ مجرد (معنوي) يختص بالكون، فإن الفكر اللاهوتي المسيحي عبَّر عن اللوغوس بأنه كائن في جوهر الله ذاته (™νούσιος λόγος) وأنه هو نفسه أقنوم الابن. فالله لا يكون بدون ’كلمته‘ (¨λογος) على الإطلاق، لأن ’كلمة‘ الله ليس شيئًا و’جوهره‘ شيئًا آخر بل إن كلاً منهما كائن في الآخر بغير انفصال. إذن فالله ليس صامتًا في جوهره الداخلي ولكنه على العكس من ذلك، هو في داخله متكلم وبليغ[71]. وصار هذا المفهوم ’الكياني‘ عن اللوغوس (أي كينونته في جوهر الله) هو ما ميّز الفهم المسيحي للإعلان الإلهي بكونه تجسيدًا لاتصال الله بنفسه بالبشر في ’كلمته‘*. وعلى هذا الأساس، اختلفت ’الثيؤلوجيا‘ (theologia) أي معرفة الله التي مركزها في ’كلمته‘، اختلافًا شديدًا عن ’الميثولوجيا‘ (mythologia) أي معرفة الله التي مركزها في الذات البشرية وتخيلاتها[72]. وفي نفس الوقت قد تَعدَّل جذريًّا المفهوم العام لعلاقة اللوغوس بالكائنات المخلوقة وذلك كما سنرى من خلال عقيدة خلق الكون من العدم، والتي أنشأت قناعة بأن الله في خلقه كل الأشياء بكلمته قد منحها نصيبًا في اللوغوس* أو إدراكًا خاصًا بها.

ومن الناحية الأخرى، تغير أيضاً المدلول اليوناني لتعبير ’الفعل أو الطاقة‘ (™νέργεια) إلى مدلول مسيحي، تحت تأثير مفهوم الكتاب المقدس عن قدرة الله الحي في الخلق والعناية. فبخلاف الفكر الأرسطوطالي الذي كان ينظر إلى الله على أنه يتسم “بالفعل الثابت غير المتحرك” (™νέργεια ¢κινησίας) وأنه يحرك العالم فقط “حسب رغبة العالم” (κινε‹ îς ™ρώμενον)[73]، جاءت نظرة ق. أثناسيوس لله بأن فيه الفعل (الطاقة) والحركة داخليان في صميم جوهر الله ذاته (™νούσιος ™νέργεια) #. فالله لا يكون بدون ’فعله أو طاقته‘ (™νέργεια) على الإطلاق، لأن ’فعل‘ الله ليس شيئًا و’جوهره‘ شيئًا آخر فهما متلازمان وكل منهما كائن في الآخر بغير انفصال.* إذن فالله ليس خاملاً في جوهره الداخلي بل على عكس ذلك فإن الحركة والنشاط والعمل ينتمون إلى الطبيعة الأزلية لجوهر الله.

وكان هذا المفهوم الديناميكي عن الله هو ما ميّز الفهم المسيحي للتجسد على أنه تفاعل الله ـ في عنايته وفدائه للجنس البشري ـ متجسِّدًا بصورة شخصية في الزمان والمكان. لذلك نظر اللاهوت النيقي إلى يسوع المسيح بكونه واحدًا مع الله الآب في ’الفعل‘ كما في ’الجوهر‘ أيضًا، لأنه جسَّد الحضور الفعَّال (غير الخامل) لله ذاته في التاريخ البشري، كما أنه أظهر في كل ما كانه وكل ما فعله، تحرك الله الحر ـ في تنازل ومحبة ـ نحو البشر.

إن هذه المحبة الإلهية المخلِّصة للبشر (φιλανθρωπία) ـ وهي الكلمة المفضلة عند ق. أثناسيوس للتعبير عن حب الله العامل (الفعَّال) نحونا ـ كانت على النقيض تمامًا لكلمة أرسطو ’إيروس‘ (eros, œρως) والتي تعني الرغبة التي بها يؤثر الله (بصورته الخاملة في فكر أرسطو) في العالم. ففي ظل مفهوم أرسطو عن هذه العلاقة الخاملة لله بالكون، لم يكن هناك مجال لفكرة الخلق من عدم أو لأي بداية للزمان، أما المفهوم المسيحي عن الله الحيّ العامل فقد أرسى عقيدة خلق كل الأشياء من العدم ووضع الأساس لمفهوم مختلف تمامًا للحركة بالنسبة للواقع المخلوق أيضًا.

 

المنهج المسيحي في الاستفادة من المصطلحات الهللينية

وقد أصبح الآن واضحًا، حتى من المفهومين المتشابهين: ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘(™νούσιος Λόγος) و’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος ™νέργεια)، أنه في حين استخدم الفكر اللاهوتي النيقي المصطلحات والأفكار اليونانية بكثرة في ربط مضمون ومفاهيم الإيمان المسيحي، إلاّ أنه أعاد صياغة وتشكيل هذه المصطلحات والأفكار من أساسها تمامًا، وفقًا للتأثير الخلاَّق للكتاب المقدس. فصارت لتعبيرات مثل ’الجوهر‘ (οÙσία)، ’الكلمة‘ (λόγος) و’الفعل أو الطاقة‘ (™νέργεια) في الفكر اللاهوتي الآبائي معانٍ مختلفة تمامًا عما كانت تعنيه هذه التعبيرات في فكر أفلاطون وأرسطو والرواقيين، أي إنه في الحقيقة قد تم ’إلغاء يونانيتها‘ بصورة جذرية. إذن فالفكر اللاهوتي النيقي لم ينشأ من تحول مسيحية الكتاب المقدس إلى الهللينية، بل على العكس فهو يمثل إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهلليني الشائعة لتصير أداة جديرة بالإنجيل وتمكِّن الكنيسة من توضيح ـ وإعطاء تعبيرات راسخة عن ـ عقيدة الثالوث المتضمَّنة في معرفة الله الآب الذي ندخل إليه بالابن وفي روح واحد. وفوق كل شيء، فإن أنماط الفكر التي تم تخصيصها ونقلها من الثقافة اليونانية قد أخذت الطابع المسيحي الدامغ في إطار دورها في فهم الثالوث القدوس وعبادته، وهكذا اتحدت التقوى مع الدقة، والعبادة مع التعليم الصحيح، بغير انفصال في العمل اللاهوتي لآباء الكنيسة ولاهوتييها الذين قدموا للعالم المسيحي قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

1  See Athanasius, De syn., 46; Ad episc. Aeg., 4ff.

2  Athanasius, Ad Afr., 4-11; Ad Jov., 1 etc.

3  Athanasius, Con. Ar., 1.34: (Ου̉κου̃ν ευ̉σεβέστερον καί α̉ληθές α̉́ν ει̉́η μα̃λλον τόν Θεόν ε̉κ του̃ Υι̉ου̃ σημαίνειν καί Πατέρα λέγειν η̉́ ε̉κ μόνων τω̃ν ε̉́ργων ο̉νομάζειν καί λέγειν αυ̉τόν α̉γένητον). Cf. 1.16, 33; De decr., 31; Hilary, De Trin., 1.17; 3.22; cf. 2.6-8.

*  إن معرفتنا لله بكونه ’آبًا‘ إنما تعني ضمنيًّا: أنه آب مولود منه الابن ومنبثق منه الروح القدس، لأنه الله في جوهره ثالوثي ومعرفتنا له تعني معرفتنا له بكونه ثالوثًا (كما سيأتي ذكره في الفصل الأخير). وهذا هو المنهج الذي نراه في قانون الإيمان؛ إذ يبدأ بالاعتراف بالله بكونه آبًا ثم بعد ذلك يعلن الإيمان بالابن المولود من هذا الآب والروح القدس المنبثق من هذا الاب أيضًا. (المترجم)

[4]    عند ق. أثناسيوس كلمة ’التقوى‘ (ευ̉σέβεια) كانت تعني ’الأرثوذوكسية‘ كما يتضح من:

De syn,3; De decr., 1; Con. Ar.,1.7, etc.; Ep. Enc., 2; Ad Afr., 2; Ad Ant, 8  بينما كانت كلمة ’عدم التقوى‘ (α̉σέβεια, δυσσέβεια) تشير إلى ’الهرطقة‘ كما في: Con. Ar., 1.1ff, 37, 52f; 2.18; 3.10.55,etc.

*  إن معرفة الله في ذاته أو وفقًا لما هو في ذاته إنما تعني معرفة الله فقط كما أعلن هو لنا ذاته أي معرفته في علاقاته الداخلية الأقنومية كآب وابن وروح قدس. (المترجم)

5  Hilary, De Trin., 2.6f.

6  See Athanasius, De decr., 13; Con. Ar., 1.29; 2.22, etc.

7  Athanasius, De decr., 22; De syn., 34.

8  Cf. Gregory Naz., Or., 28.9; Athanasius, Ad mon., 2; Basil, Con. Eun., 1.10, and contrast John of Damascus, De fide orth., 1.4.

 9  Athanasius, Con. Ar. 1, 29-34; De Syn., 35, 46-47.

10  Athanasius, Con. Ar. 1.1f, 14f, 37, 52f; 2.18, 38; 3.10, 55; De Syn., 15.

وقد اتهم ق. أثناسيوس الأريوسيين بأنهم يفكرون في الله (κατ’ ε̉πίνοιαν) بأن يتخيلوا عنه تصورات معينة لا تمت للحقيقة بصلة:

De sent. Dion., 2, 23f; Ad episc., 12ff; Con. Ar., 1.12; 2.37; 4.2f, 8f, 13; cf. Con. Apol., 2.7.

11  T. F. Torrance, Oikonomia. Heilsgeschichte als Thema der Theologie, edit. by F. Christ, 1967, pp.223-238; Theol. in Reconcil., 1975, pp. 215ff, 239ff, 255ff.

12  Athanasius, Con. Apol. 1.10, 13, 16f; 2.9.

أن تفكر ’بحسب الطبيعة أو بما يتمشى مع الطبيعة‘ (in accordance with nature) هو على النقيض مع وهم محاولة التفكير فيما وراء الطبيعة (beyond nature):

1.9; cf. 1.13, 17; 2.18f. See also Ad Epict., 2.7; De syn., 54.

13  Athanasius, Con. Ar., 1.20; Ad Ser., 1.9, 24; 2.5;cf. also Con. gent., 9; Con. Ar., 2.21, 41; De decr., 11.

14  Athanasius, Con. Ar., 1.9; cf. 3.11.

15  Cf. Plato, Timaeus, 28c, cited by Origen, Con. Cel., 42.

16  Athanasius, Con. Ar., 1.33.

[17]  يقول ق. هيلاري: “إن صميم الإيمان الخلاصي، ليس هو مجرد الإيمان بالله ولكنه الإيمان به بكونه آبًا، وليس هو مجرد الإيمان بالمسيح ولكنه الإيمان بالمسيح بكونه ابن الله وبأنه ليس ضمن الخليقة بل بأنه هو الله الخالق المولود من الله (الآب)”. (في الثالوث 17:1؛ 22:3؛ 20:5؛ 30:6) 

18  Hilary, De syn., 62 & 69; cf. De Trin., 2.5ff; 3.1ff; 4.2.

19  Hilary, De Trin., 2.6-11.

20  Hilary, De Trin., 2.6-7; cf. Athanasius, Ad mon., 1ff; Gregory Nyss., Or. Cat., 3.

21  Hilary, De Trin., 2.7; cf. 2.6, 11; 3.1-5; 4.1ff; 11.44-49; De syn., 69.

22  See especially Athanasius, Expositio fidei, 1-4; and In illud “Omnia mihi tradita”, 1-6.

23  Irenaeus, Adv. haer., 4.11. 1-5, vol. 2, pp. 158-62. See ‘The Deposit of Faith’, SJT, vol. 36, 1983, No. 1, pp. 8ff.

[24]  أف 18:2.

25  Hilary, De Trin., 2.6; cf. 2.10, and especially 5.20f.

26  Hilary, De Trin., 1.18 or 7.41.

27  Hilary, De Trin., 22.44.

28  Thus Hilary, De Trin., 3.1ff.

29  Athanasius, Con. Ar., 1.9.

30  Athanasius, Con. Ar., 1.25; Ad Ser., 1.1; Ad Epict., 13, etc.

31  Athanasius, De decr., 19ff; Hilary, De Trin., 2.1-11.

32  Athanasius, De syn., 5ff; Hilary, De syn., 62f, 88f.

33  Athanasius, De decr., 32; Ad episc., 4; Ad Jov., 1; Ad Epict., 1.Cf. Cyril of Jer., Cat., 5.12-13.

[34]  لو 22:10؛ مت 27:11. انظر أيضاً ق. أثناسيوس في (In ill. Om.). وكانت فقرات من إنجيل يوحنا 15:10، 30، 38؛ 9:14 قد وردت في كتابات ق. أثناسيوس:

Con. Ar., 3.3, 5f, 10, 16f; De decr., 21, 31; De syn., 45; Ad episc., 9, 13 etc.

*  “أ لست تؤمن أني أنا في الآب والآب فيَّ؟.. الآب الحال فيَّ” (يو 14: 10)، “كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك… أنا فيهم وأنت فيّ (يو 17: 21- 23) .(المترجم)

35  See Gregory Naz., Or. 31.8-10; Basil, De Sp. St., 18.47; Gregory Nyss., De Sp. St. adv. Maced., edit. By W. Jaeger, p.98.

36 Athanasius, Ad Ser., 1.17; Ad Jov., 4, etc. ; Basil, De Sp. St. 18.47; Gregory Naz., Or., 6.13; 25.17.

*  الدوسيتية (أي الخيالية) هي بدعة تنادي بأن جسد المسيح، ابن الله المتجسد، لم يكن جسدًا حقيقيًّا بل قد بدا كذلك، أي كان جسدًا وهميًّا أو خياليًّا. (المترجم)

#  الأبيونية هي بدعة تقول بأن يسوع الإنسان قد اختاره الله لبنوة إلهية خاصة عندما حل عليه الروح القدس في معموديته، ولم يؤمنوا به كمولود من الآب بل كمخلوق، ولم يعتبروه أنه هو الله الذي أخذ شكل إنسان بل رأوه بالأحرى كنبي قد حل الله فيه. (المترجم)

37  Hilary, De Trin., 6.30. See also 1.17; 3.17 & 22; 5.20.

[38]  1كو 10:2.

*  لأننا في المسيح نأخذ الروح القدس الذي حينما يحل فينا يعطينا ما للمسيح “يأخذ مما لي ويعطيكم”. (المترجم)

[39]  يو 6:14.

[40]  أم 22:8.

[41]  انظر الشرح المطوّل لآية سفر الأمثال 22:8 في:

Athanasius, Con. Ar., 2.18-82, but cf. also Ad episc., 10.

42  Cf. Basil, De Sp. St., 8.17ff; 18.47

43  Athanasius, Exp. Fidei, 4.

44  Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6, 10, 15, 17; De syn., 2; Ad episc., 10. Cf. Gregory Naz., Or., 38.13f; Gregory Nyss., Con. Eun., 3.2.8

45  Athanasius, In ill. Om., 5; cf. 3-4.

46  Athanasius, Con. Ar., 3.1.

47  Gregory/ Basil, Ep., 38.8.

48  Athanasius, Con. Ar., 3.3 &6.

49  Athanasius, Ad Ser., passim; and Basil, De Sp. St., 13.30..

50  Gregory Naz., Or., 31.14.  

51  Hilary, De syn., 61. See also De Trin., 1.37; 2.22; 4.1, 7; 5.35; 7.7; 8.4.  

52  Gregory Naz., Or., 1.37; 18.16; 21.13, 34; 34.8; 38.15; 39.11; Basil, Hom., 24.1-7; De Sp.St., 30.77; Hex., 9.6; Ep., 189.2f; 210.3f; 265.2; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.18f; 3.8.2, 4; Or. Cat., Prol., 1, 3; Ep., 2.

53  Gregory Nyss., Or. Cat., 24. Cf. R.V. Sellers, Two Ancient Christologies, 1940, p.66.

[54]  كان هذا هو التعبير المحبب عند ق. أثناسيوس كما نرى في:

De inc. 3. See Theol. in Reconcil., 245f, and R.V.Sellers, op. cit., p.46f.

*  يجب أن نلاحظ أنه قبل التجسد كان كل ما يفعله أو يقوله الله يتم من الآب بالابن في الروح القدس، ولكن بعد التجسد صار كل ما يفعله أو يقوله الله يتم من الآب بالابن المتجسد في الروح القدس. (المترجم)

[55]  تك 30:32، عد 25:6، أخ 14:7، مز 16:31.

[56]  في الحقيقة ـ وكما سنرى ـ فإنه مع بلورة هذه المعرفة المسيحية المميزة عن الله الثالوث، بدأ المفهوم الحقيقي ’للشخص‘ والذي لم يكن موجودًا من قبل ـ ولا حتى في العهد القديم ـ ينمو ليصبح الأكثر أهمية في كل الفكر الإنساني.

[57]  خر 11:33.

58  Athanasius, Ad mon.; cf. De decr., 22; De syn., 35.

59  Athanasius, Ad Ser., .17; cf. In ill. Om., 6.

60  A.von Harnack, History of Dogma, Eng. tr. 1897, vol. III, p. 194.

61  Cf. Martin Buber, Eclipse of God, 1957, p. 40.

*  إن محاولة الأريوسيين لتطبيق العلاقات البشرية على معرفتهم لله، كان من أثرها إدخال بعض الأفكار التي تتعلق بالجنس على هذه المعرفة. (المترجم)

62  Cf. the arguments of Athenagoras of Athens in the second century A.D. against the anthropocentric character of images, Leg., 7-10, 15-18. See also Origen, Con. Cel., 8.17-18; Eusebius of Caesarea, Opera, MPG 20, 1545-49; and cf. V. Weidlé, The Baptism of Art, Oxford, 1950.

63  Athanasius, Con. Ar., 1.23, with reference to Eph. 3:15. See the preceding discussion, 1.21-22.

64  Athanasius, Ad Ser., 1.16. Thus also Gregory Naz., Or., 31.7.

[65]  انظر الدور الذي قامت به الأمثلة (التشبيهات القياسية) والصور الإنجيلية، وتحليلها من جهة علم المعرفة عند هيلاري:     Hilary, De Trin., 2.1.18f; 2.6ff.

66  Gregory Naz., Or., 28.12ff; 29.2; 31.7, 33, etc.

*  الذي هو نتاج التفكير البشري (المترجم)

67  Cf. F. W. Camfield, Reformation Old and New, 1947, p. 85.

68  Athanasius, Con. Ar., 1.15; De syn., 42 & 51; Ad Ser., 1.24; Hilary, De Trin., 7.37; 8.52; 10.6; Gregory Naz., Or., 31.33; and cf. Cyril of Alexandria, De Trin., 6, MPG 75.1089.

[69]  ارجع إلى مفهوم الأيقونة في الفكر المسيحي والتي لا تعني أيضًا المحاكاة بل تشير بطريقة روحية وغير مادية إلى من تدل عليهم، انظر في ذلك:

Cf. G. Florovsky, Collected Works, II, Belmont, 1974, pp. 101-119.

*    إن الفكر اللاهوتي النيقي عن الروح القدس كان له دور مركزي في منع التفكير في الله بالطريقة التصويرية (التي هي من نتاج التفكير البشري المخلوق) وذلك من ناحيتين:

أولاً: لقد أظهر أنه إذا كانت الأبوة والبنوة في الله هي مثل (صورتهما) التي في الإنسان، فإذا استطعنا أن نقول إن الابن هو واحد في ذات الجوهر مع الآب (بسبب بنوته له)، فكيف نفسِّر حينئذ أن الروح القدس أيضاً هو واحد في ذات الجوهر معهما.

ثانيًا: لو كان الابن هو صورة الآب (بحسب مفهومنا البشري عن الصورة التي تعني المحاكاة) فكيف نقول عن الروح القدس أيضاً إنه هو صورة الابن. ، وهذا يعني أن الصور (أي صور الأبوة والبنوة) التي تُستخدم في الحديث عن الله هي بعيدة تمامًا عما يعرفه الانسان في واقعه البشري المخلوق عن معنى الصورة. (المترجم)   

70  For references to these Athanasian concepts see Theol. in Reconcil., pp. 222f, 226ff, 235ff.

[71]  يقول ق. هيلاري: “الكلمة هو حقيقة وليس صوتًا، كيان وليس حديثًا، وهو الله وليس عديم الهوية” (عن الثالوث، 15:2).

*  لأنه لو لم يكن الكلمة (اللوغوس) كائن في جوهر الله لما كان تجسد الكلمة هو إعلان الله الحقيقي عن نفسه للبشر واتصال الله الحقيقي بنفسه بالبشر. (المترجم)

72  CF. Plato’s discussion, phaedo, 85 c.

*  القديس أثناسيوس: ضد الوثنيين 44؛ تجسد الكلمة 3:3، 42 (المترجم)

73  CF. Aristotle, Eth. Nic., 7, 1154b; Met., 1072b.

#  هناك فرق بين ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘ و ’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘:

+  فاللوغوس هو نفسه أقنوم الابن، وبالتالي ’اللوغوس الذي في الجوهر‘ معناه أن الابن هو مع الآب والروح القدس في ذات الجوهر الواحد. وبالتالي فإن الله يتحدث (يتواصل) معنا بالابن (اللوغوس) في الروح القدس.

+  أما ’الفعل (أو الطاقة) الذي في الجوهر‘ فله معني آخر، حيث إن الفعل ليس أقنومًا (شخصًا)، ولكن قدرة الله ـ وفعله ونشاطه وحركته ـ الكائنة في صميم جوهره، لأن جوهر الله وفعله متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال. (المترجم)

 

*  انظر الحاشية صفحة 195 في الفصل الرابع

 

السبيل إلى الآب ف2 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الإيمان والتقوى ف1 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الإيمان والتقوى ف1 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

الإيمان والتقوى ف1 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

 

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

الفصل الأول

 

الإيمان والتقوى

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة: ” نؤمن … “

 

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية. ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار. ومما يذكر أن ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان ق. غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان ق. غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب. وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ ق. أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل ق. أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

 

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان ق. أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي ق. أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9]. هكذا فهم ق. أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر ق. أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع ق. أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان ق. أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

 

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح ق. أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام. ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14]. بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ε„ς ΧριστÒν εÙσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16]. ومن الواضح أن ق. أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τÁς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εÙσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

 

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي. فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة. أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19]. وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه ق. أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

 

نؤمن …

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22]. ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (Ðρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23]. وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

 

نظرة الآباء إلى ’الإيمان‘

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (™πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق. هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (Øπόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح. ويعبِّر ق. هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

 

علاقة ’الإيمان‘ بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (™πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها)  (κατά φύσιν)[28]. وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان ق. أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطــــرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري. فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31]. ويأخذ الإيمان شكل الطاعة         (Øπακοή τÁς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (™πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد ق. هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث ق. هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها. وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته، وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود. إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

       وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه. مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة. ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر. ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41]. وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43]. إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها. وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘. إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من ق. أثناسيوس وق. هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح ق. أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45]. فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن ق. هيلاري أقل من ق. أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48]. إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله. وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49]. وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها. ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51]. ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله. هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن ق. هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة. ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εÙσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

التقوى في الفكر الكنسي

والتقوى (εÙσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم ’للحق‘ الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت ’التقوى‘ كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه بـ “الطريق” في سفر أعمال الرسل[54]، أي ’طريق‘ الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا. وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة ’لحق‘ الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[55]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين ’التقوى‘ و’الإيمان‘ و’الحق‘، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[56]، أو على “التعليم الصحيح”[57] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[58]. فبينما اعتُبرت ’التقوى‘ كمرادف ’للإيمان‘ و’الحق‘، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره ق. بولس الرسول من علاقة بين ’السر العظيم للتقوى‘ وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εÙσεβείας μυστήριον) (τό τÁς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[59]. فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية ’لإعلان الله لذاته‘ بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد ’الحق‘ الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن ’الحق‘ الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها. ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[60]. وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه ـ وحسب قصد الله ’التدبيري‘ ـ صار ’الحق‘، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم ’التقويّ‘ في الكنيسة عبر التاريخ.

 

’وديعة الإيمان‘ المسلَّمة هي ’حياة التقوى حسب الإيمان‘ أو هي ’الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق‘

هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية بـ “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[61]. إن ’الإيمان‘ الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة. غير أن ’الإيمان‘ في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في ’سر التقوى‘ في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس. لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه ’لوديعة الإيمان‘ (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة ’الوديعة‘. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين ’الحق‘ و’الإيمان‘ و’التقوى‘ في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من ق. إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

 

وديعة الإيمان في فكر ق. إيرينيوس

لقد كان لدى ق. إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعــاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها. كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[62]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[63].

       إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[64]. وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[65].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[66].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها ق. إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها. ولذلك استطاع ق. إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[67]. وبينما أشار ق. إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[68]. وجــاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[69] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”:

(στύλος δέ κα… στήριγμα ™κκλησίας, τÒ εÙaγγέλιον κα… πνεàμα ζωÁς)[70].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[71].

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده. وقد اعتبر ق. إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[72]. وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف ق. إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[73]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[74].*

وفي هذا الصدد، كان عمل ق. إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[75]. ومن الطريقة التي تناول بها ق. إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية. وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر. وبينما تحدث ق. إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[76]. وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط  “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[77]. وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

 

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به ق. إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ ’اعتراف الإيمان‘ الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال. ورغم أنه كان يشارك ق. إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية ’الحق‘ ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن ’للحق‘[78] ـ إلاّ أنه وبخلاف ق. إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (α„σθητÒς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητÒς [79]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[80]. وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ ’اللوغوس‘ الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[81].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) ’الحقائق‘ التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك ’الحقائق‘ على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[82]. هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه ’الحقائق‘، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى ’المادي‘ أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى ’الروحي‘ أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[83]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία αŠσθησις) يتناسب مع معرفة الله[84].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة ’التواضع‘ عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[85]. وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل ’الحق‘ الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا ’الحق‘ الأبدي، فإن ذلك الوسيط ’التاريخي‘ سوف يكون وجوده نسبيًّا[86]. وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية ’التفسير المجازي‘ وعلى غرس ’الإحساس‘ الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان ’التاريخي ـ الزمني‘ والوصول إلى حقائق الله الأبدية ’غير المرئية‘ والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[87]. هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[88] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[89].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογε‹ν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογε‹ν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل ’معرفة الله‘ كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر ’البحث الدقيق‘ و’التدريب على التقوى‘ كل منهما على الآخر. وطبقًا لمفهوم ’المعرفة العلمية‘ (™πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله. إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي ’معرفة الثالوث القدوس‘، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[90]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[91]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من ’الحق‘ على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[92]. وهكذا صارت ’التقوى‘ و ’قانون الحق‘ متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه ’الكهنوتي‘ لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[93]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[94]. فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[95]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[96].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع  المسيح*، وبما أن ’كلمة‘ الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس. وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[97]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[98] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[99]. إذن ففي كل بحث عن ’الحق‘ ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[100]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[101].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت ’التقوى‘ تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها ’بحسب يسوع المسيح‘      (κατ£ ‘Іησοàν Хριστόν) بل أنها ’من خلال يسوع المسيح نفسه‘ (δι£ ‘Іησοà Хριστoà)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[102]. وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[103]. ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[104]. وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية ’للفكر المسيحي‘ ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ ’للفكر الكنسي‘، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً ’خطًّا محددًا وقاعدة واضحة‘، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية. ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية ’للحق‘ المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[105]. وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك ’الحق‘ الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة. ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(εÙσέβεια / θεοσέβεια)  في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[106].

 

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية. وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن ’عدم التقوى‘ و’عدم الورع‘ (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (¢πόδειxις εÙσεβείας)[107].

وقد أخبر ق. أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τ»ν τÁς εÙσεβείας διάνοιαν)[108]. وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس)  “هوموأووسيوس” (Ðμοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن)  “لـ الله” أو “من الله”، أوضح ق. أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εÙσεβ» τ»ν διάνοιαν)، كما أوضح ق. أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح”

 (υψηλ» διάνοια κα… φιλόχριστος εÙσέβεια). [109]

       وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم ق. أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εÙσέβε‹ λογισμî μετ ̉ εÙλαβείας)[110] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان ق. أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”. هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[111].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر ق. هيلاري، وكما قد رأينا فإن ق. هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد ق. هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[112]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن ق. هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول ق. هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[113]. وبهذا الأسلوب لم يكن ق. هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[114]. لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه ق. هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[115].

 

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد. وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى ـ وفي رسالتها وعبادتها ـ حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية. وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير ق. أثناسيوس[116]. وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها ’للحق‘ الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق. ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق ’المقدمات‘ لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

 

تطابق ’العقيدة الداخلية‘ و’العقيدة المعلَنة‘ في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من ’كيان متكامل‘ للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على ’عبارات عن “الكنيسة”‘، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة لـ “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[117]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و’المجسم‘ في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط. وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع. ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[118]. ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم ’الإيمان الداخلي‘ المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل ’النظامي‘ الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها. وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[119] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة ـ كعطية إلهية ـ لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3  Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

     [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

  5  Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.  

6  Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.   

7  Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.  

8  Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9  Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10  Athanasius Ad Afr., 1.  

11  Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12   Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13  Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14  Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15  Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16  Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17  Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18  Athanasius De inc., 56.1.

[19]  1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

   [20]   1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

   [21]   انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

   [22]   انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

       [23]   Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα)            . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24]   بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم    ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25]  كو 5:1.

26  Hilary, De Trin., 1.18

[27]  إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28]  انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29  Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.   

30  Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31  Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32]  رو 5:1؛ 26:16.

33  Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34  Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35  Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

  1. E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36  Hilary, De Trin., 2.22.

37  Hilary, De Trin., 5.20f.

38  Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39  Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40  Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41  Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42]  غل 9:1.

43  Athanasius, Ap. con. Ar., 49;  De decr., 2.5;  Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3;  2.6;  5.10.

44  Hilary, De syn., 61-64.

45  Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46  Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47  Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48  Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49  Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50  Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51  Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52  Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53  Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

*  إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)  

[54]  أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[55]  1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[56]  1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[57]  1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[58]  1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[59]  1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[60]  أف 32:5.

[61]  1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62  Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63  Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64  Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f;  4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65  Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66  Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67  Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68  Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[69]  اتي 15:3.

70  Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71  Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72  Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73  Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74  Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

*  كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75  Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76  Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77  Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78  Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79  See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80  Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81  Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82  Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83  Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84  Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85  Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86  Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87  Origen, De prin., 4.3.15.

88  Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89  Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90  Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91  Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92  Origen, De prin., 1.5.4

93  Origen, In Jn., 1.3.

94  Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95  Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96  Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

*  حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)  

97  Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98  Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99  Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100  Origen, De prin., 3.1.17.

101  Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102  Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103  Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104  Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105  Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107  Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108  Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109  Athanasius, De syn., 39.

110  Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111  Athanasius, Ep., 11.9-11.

112  Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113  Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114  Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115  Hilary, De Trin., 1.38.

116  Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117  See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[118]  ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[119]  1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

 

الإيمان والتقوى ف1 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

Exit mobile version