إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

الإيمان بالثالوث

الفكر اللاهوتي الكتابي

للكنيسة الجامعة في القرون الأولى

توماس ف. تورانس

 ترجمة 

دكتور عماد موريس اسكندر

 

 

الفصل الرابع

إله من إله نور من نور

“نؤمن برب واحد يسوع المسيح، ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء..”

 

أوَّلية ’علاقة الابن بالآب‘ في الفكر اللاهوتي الآبائي

لقد تناولنا في الفصل الثاني العلاقة بين الآب والابن، ورأينا أنه من داخل هذه العلاقة فقط، أُعطينا إمكانية الدخول إلى معرفة الله وفقًا لما هو بالحقيقة في ذاته، لأنه في الابن فقط ـ الابن الوحيد المولود من الآب ـ وكلمة الله المتجسد، قد أظهر الله ذاته لنا بحيث نستطيع أن نعرفه وفقًا بالضبط لطبيعته الإلهية. وفي هذا السياق، وجدنا أن كلاًّ من التقوى والبحث الدقيق، وكلاًّ من علم اللاهوت (الكلام عن الله) والعلوم الأخرى، يساهمان معًا في الإدراك المنطقي لإعلان الله عن ذاته لنا في يسوع المسيح ـ في الزمان والمكان ـ ويساهمان كذلك فيما يتطلبه هذا الإدرك من تغيير جذري في أسلوبنا المعتاد في التفكير.

وفي الفصل الثالث، ناقشنا حقيقة أنه فقط من داخل علاقة الآب بالابن يمكننا أن نفهم عملية الخلق بكونها عمل الله الآب (بواسطة الابن وفي الروح القدس). فكون الله ’خالقًا‘ ينبغي أن يُفهم من منظور أو من واقع كون الله ’آبًا‘ وليس العكس، لأنه في ابنه وبواسطته قد خُلقت كل الأشياء. إن ما يفعله الآب يفعله الابن وما يفعله الابن يفعله الآب. ولذلك فإن كلاًّ من عملية الخلق وطبيعة الخليقة يجب فهمها من منظور يسوع المسيح. ومن هذا المنطلق تكون عقيدة الخلق في المسيحية وما تتضمَّنه من مفهوم ’الاعتمادية‘ قائمة على أساس عقيدة التجسد. ولذا حين نبدأ تفكيرنا من منطلق هاتين العقيدتين نجد أن مفهومنا عن الله والمسيح والعالم قد تغيَّر بالكامل.

إذن فكل شيء يعتمد على العلاقة ـ وطبيعة العلاقة ـ الكائنة بين يسوع المسيح الابن المتجسد وبين الله الآب. ولذلك فإننا في هذا الفصل سنتناول الإجابة عن الأسئلة الآتية:

– كيف يجب علينا أن ننظر إلى العلاقة الكائنة بين الابن والآب؟

– ماذا يعني الإنجيل عندما يخبرنا أن المسيح قد أُرسل من قِبَل (بواسطة) الله، وأنه من عند الله وأنه من الله الآب؟

– كيف يجب أن ننظر إلى يسوع المسيح ذاته في إعلانه عن الآب؛ إذ إن كل شيء يعتمد بالفعل على هذا الإعلان؟

وهذه الأسئلة، تجيب عنها بالفعل العبارات التي أوردها الآباء في قانون الإيمان النيقي ـ القسطنطيني[1]. ونحن في ظل تسليمنا بأولوية علاقة الآب بالابن على علاقة الخالق بالمخلوق، فإن ما يهمنا هنا هو كيف ينبغي أن نفهم علاقة الابن بالآب بشكل دقيق ومحدد، حتى نتفادى الوقوع في الأخطاء والالتباسات التي حدثت في القرن الرابع، والتي كادت أن تهدد قلب الإيمان المسيحي وجوهره.

 

بدعتان متناقضتان من جهة شخص يسوع المسيح

لا شك أن مشاكل القرن الرابع هذه، كانت قد نشأت بسبب الثنائية الحادة بين عالم الحسّيات (الأشياء المحسوسة) وعالم المُدرَكات (الأشياء التي تُدرَك بالعقل) ـ والتي جاء ذكرها في مطلع الفصل الثاني ـ وبسبب ما أحدثته هذه الثنائية من تأثير على ما كان يوجد في داخل الكنيسة من أنماط مختلفة للفكر العبري والهلليني. وقد بدأت هذه المشاكل في الظهور حين شرعت الكرازة في الانتشار خارج قاعدتها الأولى في أورشليم واليهودية حيث بدأت تمد لها جذورًا في داخل الثقافة الإغريقية ـ الرومانية.

وسرعان ما ظهرت محاولات متناقضة لتفسير سر يسوع المسيح، ليس فقط انطلاقًا من الفكر العبري والهلليني المتباين، ولكن أيضًا من منطلق المفهوم السائد الخاص بالتناقض الحاد بين الله والعالم. ومن ثم ظهرت بدعتان متناقضتان من جهة شخص يسوع المسيح: بدعة ’الأبيونيين‘ (ebionite) وبدعة ’الدوسيتيين‘ (docetic). وقد فصلت هاتان البدعتان بين اللاهوت والناسوت (في المسيح) وبالتالي شوَّهتا ـ وقسَّمتا بطرق مختلفة ـ كمال الصورة التي قدَّمها العهد الجديد عن المسيح بكونه إلهًا وإنسانًا معًا وفي آنٍ واحد (إله متأنس). وهنا يجب أن نتوقف قليلاً للنظر في هذه الانحرافات، لأنها تمثل الصور الأولى للمشاكل التي واجهت الكنيسة في القرن الرابع الميلادي.

 

البدعة ’الأبيونية‘

لقد نشأت البدعة ’الأبيونية‘ بين جماعة من المسيحيين الأوائل من أصل يهودي كانوا يُلقَّبون بـ ’الفقراء‘ (ebionim)[2]. وكانوا يفسرون سر المسيح: بأن يسوع الإنسان قد اختاره الله لبنوّة إلهية خاصة عندما حلّ عليه الروح القدس في معموديته، ولم يؤمنوا به كمولود من الآب بل كمخلوق، ولم يعتبروه أنه هو الله الذي صار إنسانًا، بل رأوه بالأحرى كنبي قد حلّ الله فيه. وبالتالي فقد رفضوا فكرة وجود أية علاقة كيانية داخلية بين المسيح والآب، مفضِّلين عن ذلك فكرة وجود علاقة معنوية خارجية بينهما، وهي التي بموجبها أتمّ المسيح رسالته المسيانية.

وقد سعى الفكر الأبيوني عن المسيح ـ ومن مدخل يتجه من أسفل إلى أعلى* ـ إلى تفسير كيفيّة حلول الله في يسوع المسيح، بطريقة تحتفظ بمكانته الفريدة في الإيمان المسيحي، ولكن أيضًا بحيث لا يمس ذلك سمو الله الفائق ووحدانيته المطلقة. إلاّ أن يسوع المسيح في نظر هؤلاء كان بلا شك ضمن صفوف المخلوقات ـ بكل ما بينها وبين الله من فرق جذري ـ ولذا لم يكن من الممكن النظر إليه على أنه يجسِّد في شخصه الذاتي حضور الله الحقيقي نفسه أو عمل الله الخلاصي بين البشر.

وبالتالي لم يكن يسوع المسيح (في نظرهم) هو مركز الإيمان، بل كان مركز الإيمان هو ’الآب السماوي‘ فقط، وهو الذي كان يشير إليه (إلى الآب) المسيح دائمًا في تعاليمه للجنس البشري. وبما أن أصحاب هذه البدعة كانوا يرون أن علاقة الله بالعالم هي علاقة هامشية، فقد ظل الله بالنسبة لهم هو إله اليهودية المخفي المجهول، الذي لا يسمح للبشر بأن يعرفوا أي شيء عنه حسبما هو في كيانه الذاتي الأزلي. ولكي يقدر الأبيونيون أن يقدِّموا للعالم رسالة فعليّة عن الإعلان والفداء الإلهي، اضطروا ـ في نظرتهم للمسيح ـ أن يعتبروه على نحو ما شخصًا إلهيًّا! مما تناقض بالطبع مع ما قالوه في أول الأمر عن طبيعة المسيح المخلوقة.

 

البدعة ’الدوسيتية‘

أما البدعة الأخرى التي تسمى ’الدوسيتية‘ (أي الخيالية) فقد أخذت اسمها من طوائف تُفرط في التفسير الروحاني وكانت تؤمن بأن جسد المسيح، ابن الله المتجسد، لم يكن جسدًا حقيقيًّا بل قد بدا كذلك، أي كان جسدًا وهميًّا (خياليًّا)[3]. وكانت هناك بالفعل تحذيرات من الدوسيتية وردت في العهد الجديد[4]، حيث كانت هذه البدعة سائدة وسط غنوسييّ القرن الثاني والثالث ثم انتشرت على نطاق واسع بعد ذلك. ومن خلال مدخل يتجه من أعلى إلى أسفل* سعى الفكر الدوسيتي عن المسيح ـ وبالاعتماد على مفهوم الثنائية ـ إلى تفسير كيف صار الله إنسانًا في يسوع المسيح، بطريقة تركز فقط على حقيقته الإلهية بدون مساس بثبات الله وعدم تغيره وعدم شعوره بالألم رغم اتحاده بالجسد.

وكانت النتيجة أنهم نظروا إلى طبيعة المسيح الإنسانية وشعوره بالألم كشيء وهمي (خيالي) غير حقيقي، وذلك لكي يعطوا (حسب تفكيرهم) لرسالة الإنجيل صفة المثالية، وبالتالي قوَّضوا حقيقة التجسد الموضوعية والتاريخية. إذن فتجسد الكلمة لم يكن في نظرهم إلاّ أداة في يدي الله لإدخال الحق الإلهي في العالم، ولكن هذه الأداة تنتهي عندما يتحقق الغرض منها. ومما لا شك فيه أن تلك الصورة التي توصَّلت إليها الدوسيتية عن المسيح، كانت من جهة أخرى، قد تم التوصل إليها وتفسيرها بعيدًا عن تعليم الإنجيل وحسب الأفكار البشرية المسبقة.

وهكذا اعتادت الدوسيتية ـ فيما يخص المسيح ـ أن تبتعد عن نقطة البداية، ألا وهي: ألوهية المسيح. وكانت تميل إلى الافتراضات البشرية أو الأسطورية وتطبِّقها على الله، ولم تعدو ألوهية المسيح بالنسبة لهم عن كونها فكرة بشرية أضفوا عليها شكلاً إلهيًّا.

وهنا نلاحظ أن هناك خلطًا وجدلاً واضحًا في كلتا البدعتين، لأنه بسبب ’الثنائية‘ التي ظهرت في كل منهما، وبسبب التضاد بين الخالق والخليقة، كان لا بد أن تتداخل الواحدة في الأخرى[5].

 

أهمية حقيقة أن المسيح هو ’ابن الله الكلمة المتجسِّد‘

وكانت حقيقة أن كلاًّ من هاتين البدعتين قد تنتهي بها الأمر إلى حيث بدأت الأخرى، إنما دليل على أن كلاًّ منهما لم تبدأ بالفعل من حقيقة الإنجيل الأساسية: أن يسوع المسيح ـ المولود من مريم العذراء والذي تألم في عهد بيلاطس البنطي ـ هو الله الذي جاء بنفسه، ليكون معنا ويعلن ذاته لنا ويتحد بنا بغير انفصال من أجل خلاصنا.

ومن هنا نجد أن الإنجيل لم يقدِّم يسوع المسيح في وضع مقارنة مع الله أو مشابهة معه، ولم يتأرجح بين الاثنين كما في البدعتين المذكورتين، بل قدَّمه في كليَّة حقيقته ’الإلهية الإنسانية‘ غير المنقسمة باعتباره الله الذي صار إنسانًا[6]. وعلى هذا الأساس، فإن يسوع المسيح يكون هو الرب والمخلِّص، وهدف الإيمان المباشر، والابن الوحيد المولود من الله، الذي بغيره لا يمكن معرفة الآب. فإذا لم يكن يسوع المسيح هو الله لما استطاع أن يعلن الله لنا، لأننا لا نستطيع معرفة الله إلاّ من خلال الله نفسه فقط، وإذا لم يكن المسيح في نفس الوقت إنسانًا لما كان ممكنًا أن يخلِّصنا (نحن البشر)، لأنه فقط من خلال كونه واحدًا معنا يستطيع الله أن يتمِّم خلاصنا من داخل وجودنا البشري الفعلي.

وقد أكَّد أوريجينوس أن الإيمان بيسوع المسيح بكونه: الله الذي صار إنسانًا وأنه هو نفسه ’الله‘ و ’إنسان‘ في آنٍ واحدٍ، (الله المتأنس) هو إيمان ينتمي إلى تعليم الكتاب المقدس وقد تسلَّمناه منذ نشأة الكنيسة الأولى[7]. وقد عقَّب ر. ف. سيلرز على تعليم تلاميذ أوريجينوس الخاص بوحدة شخص (أقنوم) السيد المسيح قائلاً “من الواضح أن تلاميذ أوريجينوس ينسبون أعمال وأقوال يسوع المسيح كلها، وبدون تمييز بينها، إلى اللوغوس المتجسد ذاته ـ أي إلى الشخص الواحد الذي هو الله وإنسان في وقت واحد[8]“.

وقد تعيَّن على ق. أثناسيوس أن يردد ما جاء في كلام أوريجينوس بأن هذا الإيمان كان هو تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة منذ البداية، ومن هنا جاء تأكيد ق. أثناسيوس ـ في فقرة مهمة نشير إليها مرة ثانية ـ على أن آباء نيقية “لم يكتبوا ما بدا لهم أنه حسن، بل ما آمنت به الكنيسة الجامعة، ولذا فقد اعترفوا بما كانوا يؤمنون به لكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست آراء جديدة بل هي آراء رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم بل هو نفسه ما قد علَّم به الرسل[9]“.

وكان على مجمع نيقية إعادة تأكيد الحقيقة الإنجيلية الرئيسية التي تعلن أن يسوع المسيح هو ابن الله الكلمة (المتجسد)، وأن ابن الله الكلمة (المتجسد) هو يسوع المسيح، وذلك حتى يتصدى المجمع لتعاليم الأريوسية والسابيلية وكافة البدع الأخرى التي تلت ظهور الأبيونية والدوسيتية، والتي باتت تهدد سلامة إيمان الكنيسة. وقد رفضت الكنيسة المساومة في الإيمان بأن يسوع المسيح هو الله المتأنس، لأنه إذا لم يكن المسيح هو الله بالفعل فلا تكون هناك أي حقيقة إلهية في كل ما قاله أو صنعه، وأيضًا إذا لم يكن (في نفس الوقت) هو إنسانًا بالفعل فلا يكون ما صنعه الله له أية صلة خلاصية ببني البشر.

وكان ق. أثناسيوس قد لخَّص هذه القضية الخاصة بالأعمال الإلهية والأعمال الإنسانية للكلمة المتجسد بقوله: “إذا أدركنا ما يخص كل منهما (أي نوعي الأعمال)، وإذا رأينا وفهمنا أن كلاهما قام بهما ’واحد‘، فنكون على حق في إيماننا ولن نضلَّ أبدًا. ولكن إذا نظر أحد إلى ما عُمل ’إلهيًّا‘ بواسطة الكلمة فأنكر (حقيقة) الجسد، أو إذا نظر إلى صفات الجسد فأنكر قدوم الكلمة بالجسد أو بسبب ما هو بشري قلَّل من شأن الكلمة، فإن مثل هذا الإنسان يعد مثل تاجر الخمر اليهودي الذي يخلط الماء مع النبيذ وسوف يعتبر الصليب عارًا، أو مثل الوثني الذي يعتبر الكرازة حماقة.

وهذا ما حدث بالنسبة لأعداء الله الأريوسيين الذين نظروا إلى الصفات الإنسانية للمخلِّص فاعتبروه مخلوقًا، ونظروا إلى الأعمال الإلهية للكلمة فاضطروا إلى إنكار ميلاده بالجسد وبالتالي يُحسَبون مع أتباع ماني[10]“. فالإيمان بأن يسوع المسيح هو الله الذي صار جسدًا (إنسانًا) لأجلنا ولأجل خلاصنا، يتطلب إيمانًا أكيدًا ’بألوهيته‘، لأن في المسيح، الله ذاته هو الذي صار إنساناً، وكذلك يتطلب إيمانًا مساويًا ’بإنسانيته‘ لأن في يسوع المسيح جعل الله طبيعتنا البشرية خاصة له. أما الأريوسية فقد كانت على النقيض من ذلك، حيث خلطت بين الحق والخطأ وأذنبت ضد لب الإيمان الإنجيلي وأفسدت رسالة الإنجيل الخلاصية لأنها سقطت في كلتا البدعتين الأبيونية والدوسيتية في آنٍ واحد.

 

موقف الكنيسة في الدفاع عن علاقة الابن المُتجسِّد بالله الآب

وسرعان ما أدرك البابا ألكسندروس بابا الإسكندرية التاسع عشر[11]، أن تعليم أريوس قد أظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن الأمر الحاسم في موضوع الإيمان والخلاص، هو طبيعة العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والله الآب. إذن كيف كان على الكنيسة النظر إلى هذه العلاقة؟ وماذا يعني الإنجيل عندما أقرن يسوع المسيح بالله في كل أعماله الخاصة بالإعلان والخلاص؟ وما الذي يجب أن يقال عن طبيعة هذه العلاقة لتفادي أي سوء فهم أو تحريف لها؟

وقد حرص آباء نيقية على الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عندما قاموا بصياغة اعتراف الإيمان: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب (من جوهر الآب)، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί)، الذي به كان كل شيء”. وعلاوة على ذلك ألحق الآباء بإعتراف الإيمان، قانوناً مؤداه أن الكنيسة الجامعة تحرم “كل مَن يقول إن ’هناك وقت لم يكن فيه الابن كائنًا‘، أو إنه ’لم يكن كائنًا قبل أن يُولد‘، أو إنه ’أتى إلى الوجود من العدم‘، أو يزعم أن ابن الله له جوهر مختلف (عن الآب)، أو أنه مخلوق، أو قابل للتغير والتبدل”. وكان مجمع نيقية قد أخضع جميع العبارات التي وضعها للفحص الدقيق، حتى يمكنه مواجهة النقد المتواصل خلال القرن الرابع. وقد ساعد ذلك على تأكيد وتعميق إيمان وعقيدة الكنيسة، حتى أن مجمع القسطنطينية اللاحق قد أقرَّ تمامًا هذا الإيمان وأعطاه الشكل النهائي كالآتي: “وبربٍ واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي به كان كل شيء”. ومن الملاحظ أنه لم تطرأ تعديلات ذات أهمية كبيرة في هذه العبارات عن سابقتها (التي وُضعت في نيقية)، وإنما كان التغيير الطفيف لمجرد تفادي التكرار غير الضروري[12].

وإذ بدأ آباء نيقية المقطع الثاني من قانون الإيمان بعبارة “وبربٍ واحد يسوع المسيح”، فقد أظهروا بذلك العلاقة المباشرة للرب يسوع المسيح بـ “الله الآب ضابط الكل …” الذي بدأوا به في المقطع الأول، وبالتالي بيَّنوا أنهم سواء بالنسبة ليسوع المسيح أو بالنسبة لله الآب، فإنما كانوا يشيرون إلى نفس الجوهر الواحد. وهكذا عبَّر الآباء عن المحتوى الحقيقي للعهد الجديد فيما يخص المسيح، هذا المحتوى الذي فيه الإيمان بالمسيح يتطابق تمامًا مع الإيمان بالله الآب. فأن تؤمن ’برب واحد يسوع المسيح‘ هو أن تؤمن ’بإله واحد الله الآب‘ وتعترف به إلهًا متطابقًا مع الآب.

وقد عبَّر قانون الإيمان عن هذه العلاقة الفريدة التي للمسيح مع الآب داخل وحدانية الله بهذه العبارات “ابن الله الوحيد، المولود من أبيه قبل كل الدهور .. مولود غير مخلوق”. وكان مصطلحا ’ابن‘ و ’آب‘ إنما يشيران إلى التمايز داخل جوهر الله الواحد، لأن الابن هو ’ابن‘ وليس ’آب‘، والآب هو ’آب‘ وليس ’ابن‘[13]. ولكن بما أن هناك إله واحد، فبالتالي يكون هناك فقط ابن واحد لله، الذي هو أزليًّا ابن الآب كما أن الآب هو أزليًّا أبو الابن لأنه لا يوجد فارق زمني أو من أي نوع بينهما. وقد تم تجميع مفاد كل هذه العبارات معًا في مصطلحٍ مُركزٍ واحدٍ هو ’هوموأووسيوس‘ *(Ðμοούσιος) مع الآب أو ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘[14] وذلك للتعبير عن وحدانية الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب، وجاءت إضافة عبارة “الذي به كان كل شيء ..” للتأكيد على ارتباط الابن مع الخالق[15].

 

مفهوم أريوس عن علاقة الابن بالآب

وباستخدامه هذه التعبيرات في صياغة قانون الإيمان، كان مجمع نيقية بلا شك يضع هرطقة أريوس و’عدم تقواه‘ أمام عينيه.[16] فقد علَّم أريوس بأنه بسبب أن طبيعة الله فريدة تمامًا وأزلية وفائقة الإدراك، فإن جوهر الله الواحد لا يمكن معرفته أو تمييزه أو الاتصال معه، وهذا التعليم كان بالضرورة يتضمَّن رفض فكرة أن الابن أو الكلمة هو أقنوم آخر له منذ الأزل نفس طبيعة الله ذاتها، لأن هذا الأمر كان يعني بالنسبة لأريوس أن جوهر الله قابل للتقسيم أو التعددية.[17] فوجود كيان آخر غير ’الآب‘ ـ المصدر غير المبتدئ لكل حقيقة ـ كان مقبولاً عند أريوس، فقط بشرط أن يكون هذا الكيان قد أُحضر إلى الوجود من العدم. وهكذا علَّم أريوس بأن ابن الله أو كلمة الله ليس (بالطبيعة) من الآب، بل خُلق من العدم بإرادة الله، وبالرغم من تبني الله له كابن، فإنه لا يكون بأي شكل من الأشكال مكافئًا لكيان الله أو مساويًا له أو له ذات جوهر الله الواحد (Ðμοούσιος)، بل على العكس اعتقد أريوس بأن الابن ـ مثله مثل كل الأشياء الأخرى المخلوقة من العدم ـ غريب تمامًا ومختلف عن جوهر الآب[18]. وهذا يعني (بالنسبة لأريوس) أن الآب غير معروف وغير مدرَك تمامًا للابن، وبالتالي فإن الابن لا يستطيع أن تكون له ـ أو أن ينقل ـ معرفة حقيقية أصيلة بالآب، لأنه (أي الابن) يمكن أن يعرف ويفهم فقط ’بقدر ما يتناسب مع قدرته‘ كمخلوق[19]. وفوق ذلك اعتقد أريوس بأن الكلمة “مخلوق ولكن ليس كأحدٍ من المخلوقات، وأنه عمل ولكن ليس كأحد الأعمال، وأنه مولود ولكن ليس كأحد المواليد[20]“. ومعنى هذا أن الكلمة كان في نظر أريوس مخلوقًا متوسطًا بين الله والإنسان، وقد اعتبر أنه ليس هو إلهًا تمامًا ولا هو مخلوقًا تمامًا[21]. هذا بالإضافة إلى أنه بحسب رأي كل من إبيفانيوس وثيئودوريت، فإن مفهوم أريوس لإنسانية المسيح كان مفهومًا معيبًا، وقد وضح ذلك في اعتقاده بأنه في التجسد اتخذ الكلمة جسدًا مجردًا من النفس الإنسانية العاقلة، وقد حلّ هو نفسه (أي الكلمة) محل النفس الإنسانية[22].

موقف الكنيسة من الفكر الهرطوقي الأريوسي

ولا عجب في أن آباء نيقية اعتبروا أن الأريوسية هي أخطر الهرطقات على الإطلاق، لأنها طعنت في صميم جذور إيمان الكنيسة: بإثارة الشكوك حول حقيقة ألوهية المسيح وعمله الخلاصي، ناهيك عن الأمور المتعلقة بحقيقة إنسانيته. وقد جاء رد فعل الآباء قويًّا وحاسمًا وبتعبيرات وتحديدات لا لبس فيها، مؤكدين إيمانهم في أن الرب يسوع المسيح ابن الله الوحيد هو: مولود من صميم جوهر الله، وهو غير مخلوق، إله حق من إله حق، وأن له ذات الجوهر الواحد مع الآب[23].

وكانت النقطة الحاسمة في مناقشات مجمع نيقية هي كيفية فهم التعبيرات الإنجيلية: ’بواسطة الله‘، ’من عند الله‘، ’من الله‘، التي استخدمت عند الحديث عن الابن المتجسد. هل ينبغي أن تُفهم ـ كما ادعى الأريوسيون ـ على أنها تعني أن الابن المتجسد هو ابن الآب، فقط بعمل إرادته بالنعمة؟ أم نفهمها على أنها تعني أنه ابن الآب، من صميم جوهره (™κ τÁς οÙσίας)، أي من طبيعته الذاتية كإله؟ لأنه إذا كان الابن فعلاً من صميم جوهر الآب ـ كما علَّم آباء نيقية ـ فإن “كل كيان الآب يكون هو الابن بجملته”، لأن الآب والابن كل منهما خاص (‡διος) بالآخر. وعلى هذا الأساس تكون علاقة الآب والابن كائنة في داخل جوهر الله الواحد، حيث إنهما متلازمان ويتواجد كل منهما في الآخر (يحتوي الآخر) بشكل كامل ومطلق منذ الأزل. فالله هو آب لأنه بالتحديد هو منذ الأزل أبو الابن، وبالمثل أيضًا الابن هو إله من إله لأنه بالتحديد هو منذ الأزل ابن الآب. وهناك تبـادلية أزلية مطلقـة بين الآب والابن دون أي فـارق أو فاصـل في الوجـود أو الزمن أو المعــرفة بينهمـا[24]. وقد عبَّــــر ق. غريغـوريوس النـزينـزي عن ذلـك بقـوله: إن ولادة الابن من الآب هـي ولادة ’غير زمنيــة‘، و’غير سببيــة‘، و’غير مبتـدأة‘    (¨χρoνως, ¢να…τiως, ¨νaρχως)[25]. أما بالنسبة للقديس أثناسيوس وآباء نيقية، فقد كانت ولادة الابن من الآب أمر يتخطى ويفوق إدراك البشر[26]. ولا يجب أن يتصور أحد أنها (أي ولادة الابن) قد حدثت في ’لحظة ما‘ أو بواسطة ’فعل إرادة‘ من قِبَل الله ـ كما تصور ذلك بالفعل كل من أريوس ويوسابيوس[27] ـ بل هي علاقة لا يُنطق بها بين الآب والابن، كائنة منذ الأزل في الله، ولذلك يقول ق. أثناسيوس: “والله فيما هو على الدوام، هو على الدوام آب للابن[28]“.

 

المنهج الذي اتبعه الآباء للتعبير عن علاقة الابن بالآب

لقد أدرك ق.أثناسيوس وآباء نيقية أنه لا مفر أمامهم من استخدام أمثلة وتشبيهات (صور) من الخليقة، في السعي للتعبير عن فهمهم لعلاقة الابن بالآب، لأن هذا الأسلوب هو الكيفيّة التي تم بها نقل الإعلان الإلهي لنا ـ من خلال لغة البشر. ومع أن هذه الأمثلة والتشبيهات (الصور) في حد ذاتها لا تفي بالغرض ـ حتى إنه لا ينبغي التمادي فيها[29] ـ إلاّ أنها وعلى الرغم من ذلك قد استُخدمت في الإعلان الإلهي بدقة مبهرة، حيث كانت تشير إلى أبعد من محتواها المحدود، إلى ما يكشفه الله عن علاقاته الإلهية الداخلية[30]. وهذا يعني أننا لا بد وأن نفسِّر هذه الأمثلة والتشبيهات وفقًا للمعنى المُعطى لها في الكتب المقدسة، وفي نطاق النظرة الشاملة والإطار العام للرسالة الإنجيلية[31].

وعلى هذا النحو، كما يقول ق. أثناسيوس، استطاع آباء نيقية استخدام المثال الإنجيلي الخاص بـ ’النور‘ (φîς) و’الشعاع‘ (¢παύγασμα) ليساعدهم في شرح علاقة المسيح كابن الله الآب وكلمته[32]، مما أدى إلى تفادي تطبيق المفهوم البشري أو الجسدي لكلمات مثل ’أب‘، ’ابن‘، ’مولود‘، ’ولادة‘، ’كلمة‘… وبالإضافة إلى ذلك، أوضح هذا المثال أيضًا أنه كما أن النور لا يكون أبدًا بدون شعاعه فهكذا الآب لا يكون أبدًا بدون ابنه أو كلمته[33]. وبالضبط كما أن النور والشعاع هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر، فكذلك الآب والابن هما واحد وكل منهما غير مختلف أو غريب عن الآخر بل لهما ذات الجوهر الواحد. وحيث إن الله هو نور أزلي، فكذلك ابن الله بكونه البهاء (الشعاع) الأزلي لله فإنه هو نفسه نور أزلي بلا بداية أو نهاية[34].

ويضيف ق. أثناسيوس أن الآبــاء استطاعوا (باستخدام هذا المثال) ـ وعلى أســـــــاس إنجيلي ـ “أن يتحــــــدثوا بثقة عن المسيـــح: بكــونه ابن الآب الحقيـقي والطبيـعي، وبكــونه خــــاص بجـوهر الآب (‡διος τÁς οÙσίας αÙτοà)، وأنه هو نفسه إله حقيقي وله ذات الجوهر الواحد (Ðμοούσιος) مع الآب الحقيقي، لأنه ’هو رسم* أقنوم  (Øπόστασις) الآب‘، وهو نور من نور، وهو صورة كيان الآب الحقيقية وقوته[35]“. ومن هذا المنطلق، أدخل آباء نيقية في قانون الإيمان هذه العبارة على وجه التحديد: “إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، وذلك لكي يوضِّحوا ويحددوا طبيعة العلاقة الفريدة التي بين الابن المتجسد والآب[36].

 

كيف توصَّل الآباء للصياغة النهائية للفقرات التي تعبِّر عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

ويخبرنا ق. أثناسوس في العديد من أعماله[37]، أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ كما جاء في ’نور من نور‘، أصرَّ آباء نيقية على تعريف ’من الله‘ أو ’من عند الله‘ على أنها تعني ’من جوهر الآب‘ (™κ τÁς οÙσίας τοà Πατρός)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه ’من الله‘ الآب ـ وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات ـ وأنه هو إله من إله.

ولكن عندما تظاهر أتباع أريوس ويوسابيوس ـ وفي موقف مثير للدهشة ـ بالموافقة على عبارة ’من جوهر الآب‘، أدرك آباء نيقية أن هؤلاء الهراطقة سيفسرون هذه العبارة على نحو يمكن فيه أن تُطبَّق أيضًا على البشر الذين خُلقوا ليس فقط كـ ’أولاد الله‘ بل على ’صورة الله ومجده‘. ولذلك قرَّر الآباء قطع الشك باليقين وإزالة أية إمكانية لسوء الفهم، فأضافوا التعبير اللاهوتي الحاسم بأن الابن ’له ذات الجوهر الواحد‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί)، والذي يعني أن كلاًّ من الابن والآب هو إله مساوٍ داخل جوهر الله الواحد[38]. وفي نفس الوقت أضاف الآباء ملحقًا لقانون الإيمان يدحض الاعتقاد بأن الابن ’من جوهر آخر مختلف (عن الآب)‘، وبذلك أعلن المجمع إدانته للهرطقتان السابيلية والأريوسية والتي كانت كل منهما تميل إلى التداخل في الأخرى[39].

وهكذا رفض الآباء أي تعليم يفيد أن الابن هو من جوهر آخر غير الله، أو أنه ابن الله من خلال فقط مشاركته في الله. وأقرَّوا بشكل واضح تمامًا وبدون أي لبس أن الابن من صميم جوهر الله، وأنه هو الله، على نفس النحو الذي به الآب هو الله، لأنه واحد معه بصورة كاملة وفريدة[40]. وهو (أي الابن) ـ وفي اتحاد كامل مع الآب ـ كان منذ الأزل هو الله القائل ’أنا هو‘[41].

وقد حاول بعض الأشخاص ـ في مجمع نيقية وما بعده ـ الاستعاضة عن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) بمصطلح آخر وهو ’هومي أووسيوس‘ (Ðμοιούσιος) والذي يعني أن الابن هو فقط ’مشابه في الجوهر‘ للآب[42]. وفي الواقع، كان ق. أثناسيوس ذاته قد استخدم في بعض الأحيان تعبير أن الابن ’يشبه الآب‘[43] (وذلك حين كان يتكلَّم عن الابن بكونه صورة الآب ورسمه)، ولكن سرعان ما انصرف ق. أثناسيوس عن هذا المصطلح حتى لو كان يقصد بالمشابهة أن الابن هو الصورة الكيانية المطابقة (للآب)، لأن المشابهة تنطبق على الصفات والعادات وليس على الجوهر، وعلى أية حال فإن التشابه يعني ضمنيًّا أن هناك قدرًا من عدم التشابه*[44].

ومن هنا أصبح واضحًا أمام آباء نيقية أن مصطلح ’مشابه للآب‘ لا يعتبر كافيًا لاهوتيًّا حتى ولو أضيفت إليه كلمة ’تمامًا‘ أو كلمة ’جوهريًّا‘، لأنه لا يزال عندئذ يعطي مساحة لسوء التفسير. ورغم أن مصطلح ’التشابه في الجوهر‘ (Ðμοιούσιος) يمكن أن يحمل في صورته المطلقة مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ (Ðμοούσιος)[45]، إلاّ أن المجمع فضَّل استخدام الأخير[46]. فالابن مولود من الآب بالطبيعة (φύσει)، وهو خاص بجوهر الله الآب ومطابق له، وله ذات الطبيعة الواحدة (Ðμοφυής) مع الآب الذي وَلَدَه ذاتيًّا منذ الأزل. وهو (أي الابن) لا يشارك في الآب مجرد مشاركة، بل هو جوهريًّا وكليًّا واحد مع الآب في الجوهر وفي الكينونة[47]. ويقول ق. أثناسيوس: “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله[48]“.

 

المعاني المتضمَّنة في مصطلح ’هوموأووسيوس‘ 

وحيث إن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ لم يكن مأخوذًا من الكتاب المقدس، بل كان تعبيرًا جديدًا نسبيًّا، فقد تحتم على آباء نيقية تفسيره بمنتهى العناية والدقة كما قال ق. هيلاري[49]. وهذا هو ما شرع آباء نيقية في عمله بمجرد انتهاء أعمال المجمع[50].

وصار واضحًا تمامًا في الكنيسة، أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ قد تمّ استخدامه على هذا النحو، كمصطلح لاهوتي ’تقني‘ يحمل معنى ’واحد في ذات الجوهر والطبيعة‘ (مع الآب). ومن هنا فقد تمّ الاعتماد عليه ليكون بمثابة إعلان محدد ودقيق للإيمان المسيحي في مواجهة الهرطقة الأريوسية[51].

وبالطبع كان ق. أثناسيوس في مقدمة مَن أدركوا أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘، فيما هو يعبِّر عن مساواة الابن الكاملة للآب، فإنه يحمل معنى أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وأنه واحد معه في الطبيعة ’هوموفيس‘ (Ðμοφυής). إذن فالفهم الدقيق والصحيح للتعبير اللاهوتي النيقي ’هوموأووسيوس‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί)، إنما يعني: أن (الابن) ’له ذات جوهر الآب تمامًا‘. وقد ذكر ق. أثناسيوس أن الله ذاته هو الذي أُعلن لنا كآب وابن ـ وأن الابن المتجسد مثله مثل الله الآب هو نفس الجوهر ذاته.[52] ولم تكن هناك صياغة أقوى من تلك التي عبَّر بها ق. أثناسيوس عن ذلك المعنى حين قال “إن كيان الابن بأكمله هو مكافئ تمامًا لكيان الآب”، وأن “ملء لاهوت الآب هو كيان الابن[53]“. إذن فالابن والآب هما بالضرورة نفس الله الواحد تمامًا، لدرجة ـ كما كان يردد ق. أثناسيوس ـ أن الابن هو كل ما هو الآب ما عدا كونه ’آبًا‘[54]. وبما أن الأمر كذلك، فإن أي انتقاص للابن يكون بالضرورة هو انتقاص للآب، لأن أي إنكار لطبيعة الابن الإلهية يكون إنكارًا لكون الله ’آب‘ منذ الأزل. ومن هذا المنطلق أيضًا، فإن أي إنكار لحقيقة ’الكلمة‘ الإلهي يكون بمثابة القول بأن الله في داخله هو بدون كلمة (¨λογος)، أو بدون حكمة (¨σοφος)[55]. وكما علَّم الرب يسوع المسيح نفسه في الإنجيل، فإن مَن يكرم الابن يكرم الآب ومَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. حيث إن الابن المتجسد له كل ما لله الآب ما عدا ’الأبوة‘[56].

وعلاوة على ذلك فإن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) ينطوي على معنى آخر هام. لأنه إذا كان الابن مولودًا من الآب أزليًّا داخل جوهر اللاهوت، إذن فإن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ بالإضافة إلى كونه يعبِّر عن الوحدانية بين الآب والابن، فإنه يعبِّر أيضًا عن التمايز الذي بينهما داخل هذه الوحدانية. وكما يقول ق. باسيليوس: “لأنه لا يمكن لأي أحد أن يكون له ذات الجوهر الواحد ’هوموأووسيوس‘ مع نفسه، بل يكون له ذات الجوهر الواحد ’هوموأووسيوس‘ مع آخر[57]“. وهكذا فقد كان هذا المصطلح ’هوموأووسيوس‘ يحمل معنى أنه في حين أن الآب والابن هما واحد في ذات الجوهر، إلاّ أنهما أيضًا متمايزان أزليًّا، لأن الآب بغير تغيير هو الآب وليس الابن، وكذلك الابن بغير تغيير هو الابن وليس الآب. لذلك صار مصطلح ’هوموأووسيوس‘ حصنًا منيعًا ضد كل من السابيلية والأريوسية على حَدٍّ سواء ـ أي ضد مذهب التوحيد الذي ينكر الثالوث وضد مذهب ’تعدد الآلهة‘[58]. وهذه الإشارة إلى التمايز الأزلي داخل جوهر اللاهوت الواحد، والتي يتضمَّنها مصطلح ’هوموأووســـيـوس‘، ســــوف نقــابلـها ثانيـة عندمـا نـأتي إلى تطبيـق ق. أثناسيوس لنفس المصطلح مع الروح القدس، وهو ما مكَّنه ـ ومعه الآباء الآخرون الذين دافعوا عن عقيدة الروح القدس ـ من توضيح فهم الكنيسة للثالوث القدوس في القرن الرابع[59].

وقبل انعقاد مجمع القسطنطينية بسنتين، وصف ق. إبيفانيوس الوحـــــدانية في ذات الجـــوهر بين الابن المتجســـد والآب ـ والتي تعتـــبر لب قــانـــون الإيمــــان النيقي ـ على أنها “ربــاط الإيمـان” (σύνδεσμος τÁς πίστεως)[60]. وهذا بالحقيقة ما قد ثبت صحته في الكنيسة: حيث كان لهذا المفهوم (أي الوحدانية في ذات الجوهر) الدور الرئيسي في إرشاد المؤمنين في تفسيرهم للكتب المقدسة، وفي توضيح وتأمين فهمهم ’للحق‘ الإنجيلي، وكذلك في تمكينهم من إدراك التركيب الداخلي المترابط للإيمان المسيحي. وإذا نظرنا إلى مفهوم ’الوحدانية في ذات الجوهر‘ في نطاق تلك الأهمية، سوف نستطيع أن ندرك بعمق أكثر مركزية المسيح (Christocentricity) في قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

 

أولاً: الأهمية التفسيرية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)

 

العلاقة المتبادلة بين ’الإيمان الرسولي‘ و’التقليد الرسولي‘

لقد كان عصر نيقية هو العصر الذي تم فيه توضيح ’قانون الحق‘ أو ’قاعدة الإيمان‘[61]، وذلك من خلال الكشف عن مضمون الإيمان الداخلي في صياغة ثالوثية. كما كان هذا العصر أيضًا هو الذي تحقَّق فيه الاعتراف بقانونية الكتب المقدسة بكونها المستودع الذي يحتوي الإعلان الإلهي الذي نقله الرسل والأنبياء[62].

ولم يكن تزامن هذين الأمرين معًا من قبيل المصادفة، لأن توضيح وديعة الإيمان الرسولي في مواجهة التعاليم الخاطئة (أي الدفاع عن الإيمان المُسلَّم)، هو أمر متداخل ومترابط بشدة مع عملية تمييز التقليد الرسولي عن أي تقليد آخر (أي تمييز وتحديد الأسفار القانونية). وقد كان هناك تفاعل دائم بين ’قانون‘ الحق (الإيمان الرسولي المُسلَّم)، و’قانون‘ الكتب المقدسة (التقليد الرسولي). فالكتب التي قُبلت بكونها تنقل الإعلان الإلهي كانت فقط هي تلك التي جاءت متفقة مع ’قانون‘ الحق (الإيمان المُسلَّم)، وكذلك الإيمان الذي قُبل كإيمان رسولي أصيل كان فقط هو ذلك الذي جاء متفقًا مع تعاليم الكتب المقدسة المقبولة (التقليد الرسولي). وأثناء ذلك كله، كانت السلطة والأوليَّة التي أعطتها الكنيسة للإيمان الرسولي ـ على أي إيمان آخر ـ قد حملت ضمنيًّا معها سلطة وأوَّلية الكتب المقدسة الرسولية. وقد حدث الاعتراف الكامل بالأسفار المقدسة، فقط حين وُجد أن تركيبها الداخلي وتناغمها هو بالضبط نفس التركيب والتناغم الموجود في وديعة الإيمان الرسولي.

 

اهتمام مجمع نيقية بتوضيح الجوهر الداخلي للإنجيل وإعطائه صيغة رسمية في قانون الإيمان

إن ما نــراه جليًّا تمامـًا في “المجمـع الكبير”، هـو أن “الآبـاء بنيقيـة ـ كما عبَّر ق. أثناسيوس ـ قد تنفسوا روح الكتب المقدسة”[63]. فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي الذي تضمَّنته الكتب المقدسة ـ في العديد من نصوصها ـ فيما يخص علاقة الرب يسوع المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل. ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام الآباء ـ ومن خلال الإعلان الإنجيلي ـ إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب. ومن هنا توصل آباء نيقية ـ ومن خلال جهودهم التفسيرية واللاهوتية ـ إلى الصيغة الفائقة الأهمية: ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)  والذي يعني أن (الابن) ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘. وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر (وتُربَط) نصوصه المختلفة.

ومن خلال خضوع مجمع نيقية للمعنى (διάνοια) المتضمَّن في الأسفار المقدسة، ومن خلال خضوعه كذلك للفكر التقوي (φρόνημα) الرسولي ـ والذي هو بكل يقين فكر (νοàς) المسيح الذي يملأهم ـ استطاع المجمع أن يوضح البناء الداخلي للإنجيل وأن يعطيه صيغة رسمية في قانون الإيمان، وبذلك أعطى المجمع للأسفار المقدسة سلطة وأوليَّة غير مسبوقة في فكر الكنيسة الجامعة[64]. وباليقين كانت الأناجيل ورسائل بولس الرسول قد قُبلت بشكل غير رسمي وألحقت بأسفار العهد القديم باعتبارها كتبًا مقدسة مقبولة ومعتَرف بها، ولكن (قائمة) الأسفار القانونية المعترف بها لم تتحدد بالضبط إلاّ بعد مجمع نيقية. إذن فلا عجب في أن يكون ق. أثناسيوس ـ والذي يرجع إليه الفضل في ترسيخ مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ في فكر الكنيسة ـ هو الذي ندين له بأول قائمة محددة “للأسفار القانونية، المُسَلَّمة إلينا والمُعترف بأنها إلهية”. وقد أوضح ق. أثناسيوس ذلك بقوله: “إن هذه الأسفار هي ينابيع الخلاص، ولذلك فكل من يعطش يستطيع أن يمتلئ من الكلمات الحيَّة التي فيها. وفي هذه الأسفار وحدها يتضح قانون التقوى. فلا ندع أي إنسان يضيف إليها شيئًا أو ينتقص منها شيئًا[65]“.

ويتضح من وقائع جلسات مجمع نيقية التي وصلت إلينا، أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ كان يُستخدم في أول الأمر للتفسير والتوضيح، وأنه تكوَّن في داخل إيمان وعبادة الكنيسة، وتشكَّل في ظل تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ليساعد الكنيسة على إدراك معنى (διάνοια) وحقيقة (¢λήθεια) مفاهيم وعبارات وصور (أمثلة) الكتاب المقدس. ويخبرنا ق. أثناسيوس أنه نظرًا للأسلوب المراوغ الذي استخدمه وفسَّر به الأريوسيون الأسفار المقدسة، وضع آباء نيقية فقرات الكتاب المقدس الواحدة تلو الأخرى ـ من العهدين القديم والجديد ـ تحت الدراسة والفحص والتدقيق والمقارنة، مع الأخذ في الاعتبار المجال الذي قيلت فيه والزمان والمكان والشخص والموضوع قيد البحث، وكذلك أسلوب الكتاب المقدس المميَّز في الحديث، وكل ذلك من أجل توضيح الفهم الحقيقي والصحيح لهذه النصوص، ومن أجل كشف ـ بكل أمانة ممكنة ـ المعنى الدقيق الذي تنقله تلك النصوص[66]. وقد رفض الآباء الأفكار الأسطورية والمادية التي أقحمها الأريوسيون على النصوص المقدسة واعتبروها أفكارًا غير كتابية وغير إيمانية[67].

 

لماذا اضطر الآباء، في تعبيرهم عن الإيمان، لاستخدام مصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس؟

لقد وجد الآباء أنفسهم مضطرين أحيانًا لاستخدام عبارات ومصطلحات غير كتابية (لم ترد في الكتاب المقدس) مثل ’أوسيا‘ (οÙσία) و ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، وذلك من أجل التعبير بأقصى دقة وتحديد عن معنى (διάνοια) النصوص الكتابية وقوتها (δύναμις) فيما يختص بوحدانية يسوع المسيح غير المنفصلة مع الآب. وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجًا عن الكتب المقدسة، أقرَّ الآباء بأن توضيح وشرح الحق بعبارات مأخوذة من الأسفار المقدسة ـ وليس من أي مصدر آخر ـ هو الأفضل من جهة الدقة والصحة، ولكنهم بالرغم من ذلك أُجبروا ـ بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة ـ أن يصيغوا ويشكِّلوا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم[68]. وكما أوضح ق. أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات بعينها وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات[69]. وكانت القاعدة العامة عند ق. أثناسيوس: أنه عندما تُستخدم التعبيرات في الحديث عن البشر، فإنها ينبغي أن تُفهم بمعنى يختلف تمامًا عن معناها حين تُستخدم في الحديث عن الله، لأن الله يتمايز عن البشر تمايزًا كليًّا وفائقًا، ولذلك فعندما تُستخدم نفس المصطلحات مع الله ومع الإنسان، يجب أن تُفسر تفسيرًا مختلفًا وفقًا لطبيعة من تشير إليه[70]. وكان التغيير الذي حدث في استخدام اللغة وفي مفهوم المصطلحات ـ تحت تأثير قوة الإنجيل ـ هو ما عبَّر عنه ق. أثناسيوس ورسخه كمبدأ تفسيري هام، حيث قال: “إن التعبيرات(λέξεις)  لا تنتقص من طبيعته (أي طبيعة الله)، بل بالأحرى فإن طبيعة الله تسحب هذه التعبيرات إليها وتحولها. لأن التعبيرات لم تسبق الكيانات (οÜσiαι)، بل الكيانات كانت أولاً ثم جاءت التعبيرات (التي تعبِّر عن هذه الكيانات وتشير إليها)[71]“. ولا ينطبق هذا المبدأ التفسيري على فهمنا لمصطلحات وتعبيرات الكتاب المقدس فقط، ولكنه يحكم أيضًا التعبيرات التي نأتي بها نحن لشرح وتفسير الكتاب المقدس. ولذلك فإن مصطلحات مثل ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، التي استخدمت في الحديث عن الله في مجمع نيقية، لم تُوظف بنفس المعنى المعتاد لها في المراجع اليونانية، ولكن أُعطيت معنى جديدًا تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح والذي غيَّر معاني هذه المصطلحات وأعطاها أبعادًا جديدة[72].

 

الدور التفسيري لمصطلح ’هوموأووسيوس‘

ومن هذا المنظور، كان التعبير النيقي: أن الابن ’له ذات الجوهر الواحد‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί) يعتبر أداة تفسيرية بالإضافة إلى كونه أداة لاهوتية. ومع التسليم بأن هذا التعبير كان يُعتبر في البداية تعبيرًا لاهوتيًّا قاطعًا ـ نشأ من الفحص الدقيق لعبارات الكتاب المقدس وأنماط الحديث الواردة فيه، وتمت صياغته في شكل موجز (مضغوط) بلغة دقيقة ومكافئة ليس لنص كلمات الكتاب المقدس بعينها وإنما للمعنى أو الحقيقة التي تنقلها أو تشير إليها هذه الكلمات[73] ـ ولكن مع ذلك فإنه بمجرد استقرار هذا التعبير كأداة لاهوتية (تساعد الفكر على الإدراك)، بدأ يساهم أيضًا كمرشد لفهم الكتب المقدسة، وكأساس إيماني رئيسي يُرجع إليه عند تعليم المؤمنين. وعلى حد قول ق. أثناسيوس، فإن الكنيسة عندما تدخل في مثل هذا الإدراك اللاهوتي (الذي يقدمه مفهوم ’هوموأووسيوس‘)، تكون قد وضعت قدميها على الأساس الرسولي الثابت، وتكون قادرة على أن تُسلِّم للجيل التالي التعليم الصحيح كما قد تسلَّمته من الجيل السابق بدون تحريف أو تشويه[74].

وبعد أن تثبت مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ (في الكنيسة) على هذا النحو، ساهم هذا المفهوم أيضًا في إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهلليني (اليوناني) كما ذكرنا في فصل سابق*. فنجد أن معاني بعض المصطلحات مثل ’أوسيا‘ (οÙσία) و’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) وكذلك ’لوغوس‘ (λόγος) و’إنرجيا‘ (™νέργεια)، قد خضعت لتغييرات جذرية من خلال الاستخدام الذي وُظِّفت فيه وذلك أثناء عمل الكنيسة التفسيري واللاهوتي. وأصبح ينبغي أن تُفهم معاني هذه المصطلحات في ضوء رسالة الإنجيل التي استُخدمت (هذه المصطلحات) لنقلها، أي في ضوء حقيقة: إن الله ـ الذي هو المصدر الخالق لكل الوجود ـ قد صار إنسانًا وواحدًا معنا، لكي نُعطى بالابن وفي الروح القدس سبيلاً إلى الآب وفقًا لما هو في ذاته. ومن هنا كان يُعد تعبير ’له ذات الجوهر الواحد‘ مع الآب (Ðμοούσιος τù Πατρί) أنه تعبير فذ وحاسم: لأنه عبَّر عن حقيقة أن ’ما هو‘ الله نحونا ـ وفي وسطنا ـ من خلال الكلمة الذي صار جسدًا، هو بالحقيقة نفس ’ما هو‘ الله في ذاته#؛ أي إن ’ما هو‘ الله في العلاقات الداخلية لجوهره الفائق ـ كآب وابن وروح قدس ـ هو نفس ’ما هو‘ الله في عمله الإعلاني والخلاصي نحو البشر في الزمان والمكان[75].

 

المدلول اللاهوتي لمصطلح ’أوسيا، (οÙσία) ومصطلح ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις)

تشير كلمة ’أوسيا‘ (οÙσία) في استخدامها اللاهوتي الحالي إلى ’الجوهر‘، ولكن ليس ببساطة كما ما هو عليه (أي لا تشير إلى الجوهر في صورة عامة مجردة)، وإنما تشير إلى ماهية هذا الجوهر فيما يتعلق بحقيقته الداخلية. وتشير كلمة ’هيبوستاسيس‘ (Øπόστασις) إلى ’الجوهر‘، ليس في وجوده المستقل، بل في توجهه أو هدفه الآخري (الذي نحو الآخر). وطبقًا لشرح برستيج، فإن ’أوسيا‘ تعني الجوهر في ’مدلوله الداخلي‘، بينما تعني ’هيبوستاسيس‘ الجوهر في ’مدلوله الخارجي‘[76]. ومما يتعيَّن ذكره أيضًا أن هذه المصطلحات في الاستخدام اللاهوتي تحمل بالضرورة ضمنيًّا المعنى أو المفهوم الشخصي (الأقنومي)، وهو ما لم تكن تتضمَّنه تلك المصطلحات في استخدامها في اللغة اليونانية الكلاسيكية. إذن فمصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) يشير إلى علاقات شخصية (أقنومية) كائنة في اللاهوت، ففي جوهر الله الواحد: الآب والابن والروح القدس كل منهم متمايز (¨λλος) عن الآخر وهم جميعًا لهم ذات الجوهر الواحد؛ ومن جهة عــلاقة كــل منهــم بالآخــر فإنهـم في علاقة أقنومية  (Øποστατός, Øποστατικός) مع بعضهم البعض، أو يمكن القول إنهم في علاقة كيانية أقنومية داخل الجوهر الواحد (™νυπόστατος, ™νυποστατικός). ووحدانية الابن والروح القدس في ذات الجوهر إنما تشير إلى أن لهما ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، كما أنها تشير كذلك إلى وحدتهما وتساويهما المطلق معه داخل هذا الجوهر الواحد غير المنقسم. وهكذا صارت الصيغة “جوهر واحد، ثلاثة أقانيم” (μία οÙσία, τρε‹ς Øποστάσεις) صيغة إيمانية مقبولة عند التحدث عن الثالوث القدوس[77].

وهنا يجب أن نتذكر التغيير الذي حدث في الفهم اللاهوتي لجوهر الله، بفضل ما تضمَّنته التعبيرات التي قدَّمها ق. أثناسيوس عن: ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος Λόγος) و’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος ™νέργεια)، وقد تعرَّضنا لهذه التعبيرات في مناسبة سابقة*. فإذا كان ’ما هو‘ الله في ذاته هو نفس ’ما هو‘ في شخص وفعل ابنه وكلمته المتجسد، فإن جوهر (οÙσία) الله يجب أن يُفهم بشكل مختلف تمامًا عما كان في الفكر اليوناني. فبالنسبة لله، ’اللوغوس الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος Λόγος) و’الفعل (أو الطاقة) الكائن في الجوهر‘ (™νούσιος ™νέργεια)، إنما يعبِّران عن حقيقة أن جوهر الله ليس بلا كلمة أو بلا فعل، أي ليس صامتًا أو خاملاً (ساكنًا)، بل هو بليغ وفعَّال. وجوهر الله ينبغي فهمه بكونه جوهر متحدِّث وبليغ، لأن ’جوهر‘ الله و’كلمته‘ متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فصميم ’جوهره‘ هو الكلمة وصميم ’كلمته‘ هو الجوهر. وبالمثل أيضًا، فإن جوهر الله هو جوهر فعَّال (ديناميكي)، لأن ’جوهر‘ الله و ’فعله أو طاقته‘ متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فجوهره هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله*.

وهكذا صاغ آباء نيقية مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος) تحت تأثير إعلان الله عن ذاته، وعمله الخلاصي في يسوع المسيح، وقد ساهم هذا المصطلح بالفعل في دعم وتعميق العقيدة المسيحية المتميزة عن الله.

 

ثانيًا: الأهمية الإنجيلية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)

 

مفهوم ’هوموأووسيوس‘ هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النّيقيّ كله

لقد أصبح واضحًا لدينا الآن أن المناقشات التي جرت في نيقية والقرارت التي اتُخِذت هناك، لم تكن في الأساس تختص بأمور غيبية أو ميتافيزيقية (أي فيما وراء الطبيعة)، على الرغم من أن مثل هذه القضايا (الميتافيزيقية) وغيرها من المسائل التفسيرية كانت متضمَّنة داخل تلك المناقشات. ولكن الموضوع الرئيسي محل الاهتمام كان هو الوحدانية بين يسوع المسيح والله الآب في ذات الجوهر والفعل والقول، ومدى تأثير ذلك على صحة الرسالة الإنجيلية. وكان على الآباء أن يتخذوا القرار الحاسم فيما يخص هذا الموضوع، وهذا بالفعل هو ما قد تم في نيقية.

وكان القصد الأساسي ـ في مجمعي نيقية والقسطنطينية ـ من صياغة مصطلح ’هوموأووسيوس‘ والتمسك به، هو الالتزام الأمين بما جاء في الإنجيل الذي اؤتُمِنَت عليه الكنيسة، وتقديم اعتراف رسمي بالإيمان يحمل في جوهره ’الحق‘ الإنجيلي الأسمى الذي تأسست عليه الكنيسة. وبدلاً من فرض الفكر الهلليني على الإنجيل[78]، تم تعديل معاني المصطلحات الهللينية* حتى يمكن توظيفها لخدمة تعليم وشهادة إنجيل العهد الجديد بلا أي تحريف أو ضلال.

وعلى هذا النحو، تحوَّل مصطلح ’هوموأووسيوس‘ من كونه مجرد مصطلح لغوي بسيط، إلى أن أصبح يمثل مفهومًا فكريًّا كاملاً، لا يستطيع العقل الورع إلاّ أن يقبله إذا أراد أن يكون وفق الحق المُعلن في المسيح يسوع. وصار (هذا المصطلح) بذلك هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النيقي كله، كما ظل هو المفهوم الرئيسي الذي حافظت عليه الكنيسة، وطالما عادت إليه في فهم وإعلان بشارة الإنجيل. وما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو إدراك تأثير الـ ’هوموأووسيوس‘ على رسالة الإنجيل، والذي نستطيع من خلاله أن نحكم على هذا المصطلح ونكتشف أهميته.

ويمكننا إبراز الأهمية الإنجيلية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ من خلال طرح هذه التساؤلات:

– ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك وحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب؟

– وإذا لم تكن هناك وحدانية في الجوهر وفي القدرة بين المسيح والله (الآب)، فما هو تأثير ذلك على فهمنا للمسيح بكونه الرب والمخلِّص، وماذا يمكن أن يحدث لرسالة الإنجيل التي تعلن عن محبة الله الخلاصية؟

– وماذا يعني كل ذلك بالنسبة لمعرفتنا لله ذاته؟

ولنبدأ الآن بمناقشة السؤال الأول.

 

ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك وحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب؟

هنا نجد أن الأهمية الرئيسية والشاملة لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ تكمن في تأكيده الدامغ على أن يسوع المسيح هو ’الله‘، وبكونه ’الله‘ فهو يشترك مع الآب (وبصورة متطابقة ومطلقة) في ذات جوهر اللاهوت الواحد. وبكونه الابن الوحيد المولود من الآب، فهو التجسيد التام لكيان الله بالكامل، كما أنه هو إعلان الله الفريد عن ذاته لأنه الكلمة الذي صار جسدًا. ومن جانب آخر، إن لم يكن يسوع المسيح هو الله ـ كما زعم أريوس ـ فلابد عندئذ أن نعتبر أنه مخلوق من العدم، وبالتالي يكون ’خارجًا‘ عن الله (الخالق)، و’مختلفًا‘ تمامًا عن جوهره، بل و’غريبًا‘ عنه، ويترتب على ذلك ـ كما كان يؤكد أريوس ـ أن الله لا يمكن على الإطلاق معرفته، لأنه لا يوجد مخلوق (وهنا يقصد المسيح) مهما علت مرتبته يستطيع التوصل إلى معرفة حقيقية عن الله.

وهذا يعني أنه إذا فصلنا بين جوهر الابن المتجسد وبين جوهر الآب[79]، فلن نستطيع عندئذ أن نقول أنه توجد أية وحدانية بين ما يقدمه الإنجيل من إعلان عن الله (في المسيح) وبين الله ذاته. وإذا لم يكن ’ما هو‘ الله في ذاته هو نفس ’ما هو‘ في الرب يسوع المسيح، فلن يكون هناك تطابق بين الله وبين مضمون إعلانه عن ذاته (في المسيح)، ولن يستطيع البشر عندئذ الوصول إلى الآب بالابن في الروح القدس. وسنكون حينئذٍ في جهل تام عن الله، وسيكون الله بالنسبة لنا مبهمًا ومجهولاً تمامًا، فلا نستطيع أن نفكر فيه أو نتحدث عنه.

وقد عبَّر ق. أثناسيوس عن ذلك بقوله: لو كان الابن منفصلاً عن الآب، أو لو أن الكلمة لم يكن كائناً منذ الأزل في الله، لكان جوهـر الله صــامــتـًا تمامـًا (¨λογος) ـ بالضبــط مثل نور لا يشع (μή φωτίζων)، أو أرض جرداء بلا خصوبة (œρημος)، أو مثل ينبوع جاف (لا ينبع منه شيء) أو حفرة خاوية (λάκκος)[80]. والحقيقة الأساسية التي يؤكِّدها ق. باسيليوس هي أنه لو كان الابن مخلوقًا، لما كان للبشر أية معرفة عن الله على الإطلاق[81]. ولن يكون لدى الكنيسة في تلك الحالة إلاّ بعض الفهم البشري    ـ الذي مركزه في الإنسان وليس في الله ـ لكي ما تطبقه على الله وتقدِّمه في شكل ’إعلان‘ زائف. وقد أشار ق. أثناسيوس في أحيان كثيرة إلى أن الهراطقة يتاجرون في هذا النوع من ’الإعلان‘ الزائف الذي يبتكرونه (κατ’ ε̉πίνοιαν) وفقًا لخيالاتهم الشخصية، بدلاً من أن يكون هذا الإعلان أمرًا يتسلَّموه ويدركوه (κατά διάνοιαν) وفقًا لحقيقة الله الموضوعية. وإذا لم يكن الله نفسه ’في كيانه الذاتي‘ (كآب وابن وروح قدس) هو ما يعنينا في أمر ’الإعلان الإلهي‘، فإننا في هذه الحالة نكون قد انشغلنا بالميثولوجيا (μυθολογία) أي معرفة الله من خلال الأساطير، وليس بالثيؤلوجيا (θεολογία) أي المعرفة اللاهوتية الحقيقية. وأيضًا إذا كان المسيح منفصلاً عن الله، فلن يكون هو نفسه مركزًا لكل الإنجيل (البشارة المفرحة) بل مجرد شخص زائل يمثل الله، أو صورة رمزية له فقط لا غير، وكان هذا سيؤدي بالتأكيد ـ كما ادعى أريوس ـ إلى عدد لا يُحصى من ’كلمات‘ الله و’صوره‘[82].

ومَن يكون هذا الإله الذي نعبده إذن، لو لم يكن المسيح (الذي حلّ بيننا) هو إعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا؟ فلو أن الأمر كذلك، ألاّ يكون الله عندئذ هو من لا يعبأ بأن يُعلن ذاته لنا، ولم يتنازل لإظهار ذاته لنا في المسيح يسوع، أو يمكن حتى أن نقول إن محبته ستكون عندئذٍ قد عجزت عن أن يصير واحدًا معنا؟ وكان هذا سيعني بالتأكيد أنه لا توجد علاقة ’من حيث الوجود‘ وبالتالي ’من حيث المعرفة‘ بين محبة المسيح ومحبة الله ـ أي إننا بالحقيقة لن نجد إعلانًا عن محبة الله، بل على العكس سنجد ما يدعو للسخرية، لأنه في حين يُقال إن الله أظهر محبته لنا في المسيح يسوع، إلاّ أن المسيح (في هذه الحالة) لن يكون بالحقيقة هو نفس هذه المحبة في ذاته!

وقد رأى آباء نيقية أن هذه الأفكار وما يترتب عليها تنطوي على تناقض شديد مع رسالة الإنجيل التي تقول إن الإيمان بالرب يسوع المسيح هو الإيمان بالله ذاته. ولذلك أدخلوا تعبير ’هوموأووسيوس‘ في قانون الإيمان، ليؤكدوا على الحقيقة العظمى في أن الله قد أعلن لنا ذاته في التجسد، وأن الله واحد تمامًا مع إعلانه هذا. فكل شيء يعتمد على الوحدانية في ’الجوهر‘ و’الفعل‘ و’القول‘ بين يسوع المسيح الابن الوحيد المتجسد والله الآب. وإن لم تكن هذه الوحدانية في ذات الجوهر أمرًا حقيقيًّا وصادقًا، لفقد الإنجيل ’الأساس‘ الفعلي لإعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا في المسيح يسوع، وهذا الأساس هو ما يجعل الإنجيل يصير إنجيلاً (أي بشارة مفرحة حقيقية).

وعلاوة على ذلك كما رأينا، فإن تعبير ’له ذات الجوهر الواحد‘ (Ðμοούσιος) مع الآب إنما يعبِّر عن الوحدانية المطلقة بين ’أنا هو‘ الخاصة بالرب يسوع و ’أنا هو‘ الخاصة بالله الآب ضابط الكل، لأن ابن الله في شخصه المتجسد هو الذي نستطيع فيه أن نعرف الآب وفقًا لما هو في ذاته، ونعرفه معرفة دقيقة وحقيقية وفقًا لطبيعته الإلهية. ويؤكِّد مصطلح ’هوموأووسيوس‘ أن ’ما هو‘ الله في ذاته منذ الأزل هو نفس ’ما هو‘ في يسوع المسيح، وبالتالي فليس هناك إله آخر (مجهول) بعيد عن الرب يسوع المسيح، بل هو فقط (الإله) الذي قد صار معروفًا لنا في يسوع المسيح. وهذا ما نسمعه من ق. أثناسيوس حين يقول “إن معرفة الآب من خلال الابن ومعرفة الابن من الآب هما نفس الشيء تمامًا[83]“، ويردد ق. باسيليوس ما قاله ق. أثناسيوس: “كل ما للآب يُرى في الابن، وكل ما للابن هو للآب، لأن الابن بجملته هو في الآب وله كل ما هو للآب في ذاته. وبذلك فإن أقنوم الابن كما لو كان هو هيئة ووجه معرفة الآب، كما أن أقنوم الآب يُعرَف في هيئة الابن[84]“.

وجدير بالذكر هنا، أن مصطلح ’هوموأووسيوس‘ ينطبق (تبعيًّا) على العلاقة بين الابن ’المتجسد‘ والله الآب. وهذا يعني أن هذا المصطلح يؤكد حقيقة ’بشرية‘ المسيح، وحقيقة أن كل ما أعلنه (المسيح) لنا وما صنعه من أجلنا إنما قد تم وهو في وحدانية غير منفصلة في جوهر الله الأزلي. وقد أشرنا سابقًا إلى أهمية ما قاله ق. أثناسيوس بأن الابن المتجسد أو ’بشرية الرب‘ أو ’الإنسان الرباني ـ Dominical Man‘ ـ على حد تعبير ق. أثناسيوس ـ يعتبر رأس (أو أول) طرق الله* لأجلنا[85]، مما كان له أكبر الأثر في الفهم المسيحي لله وفقًا ’لما هو‘ في ذاته وما قد أعلنه لنا عن ذاته. ولا بد لنا من أن نشير إلى أن أهمية مصطلح ’هوموأووسيوس‘ تكمن في ارتباط المسيح، وهو في حقيقة وكمال بشريته، بحقيقته وكماله بكونه ابن الآب الأزلي. وما يجب علينا هنا أن نعيه تمامًا هو كمال بشرية (إنسانية) المسيح: أي إن الابن (في التجسد) اتحد بطبيعة بشرية كاملة في زمان ومكان محدد، لذا فالمسيح هو أخ لنا، لحم من لحمنا ودم من دمنا[86]. وبالتحديد كما أنه بكونه الابن المتجسد هو شريك مع الآب في ذات الجوهر والطبيعة الواحدة منذ الأزل، فكذلك أيضًا شاركنا كياننا وطبيعتنا البشرية المخلوقة. ومن المدهش فعلاً أن الإنجيل كشف لنا أن الله ذاته جاء بيننا كإنسان[87]، وليس مجرد أنه أقام أو سكن في إنسان بل إنه هو نفسه صار إنسانًا كاملاً. وهكذا هو يلتقي بنا، ويعلن ذاته لنا، لأنه يشاركنا في كل كياننا وطبيعتنا البشرية: في الجسد والعقل والنفس[88].

وكانت هذه هي إحدى حقائق الإنجيل الأوليَّة التي سعى الأريوسيون إلى إغفالها إصرارًا منهم على إبقاء الله على مسافة بعيدة للغاية عن الإنسان، ولذا فقد نادوا بفكرة غريبة مفادها أنه بما أن المخلوقات لا تحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، فقد خلق الله اللوغوس أولاً، ثم من خلال اللوغوس وبواسطته أحضر بقية الخليقة إلى الوجود[89]. ولذلك اعتبر الأريوسيون أن اللوغوس يحتل مكانة ودور مخلوق متوسط بين الله والعالم. وقد انزعج آباء نيقية جدًّا عند سماعهم تلك الأقوال، وصمّموا بالإجماع على استبعاد الهرطقة الأريوسية بشكل قاطع ـ وكان هذا هو الهدف الأول لتعبير ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (Ðμοούσιος τù Πατρί)[90]. وفي وجه النزعات الانقسامية الخاصة “بفصل الابن، غير القابل للإنفصال، عن الآب” ـ تلك النزعات التي “مزَّقت رداء المسيح” و “ثوب الله الذي بغير خياطة” ـ كان لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ أكبر الأثر في رفض ثنائية الفكر، والحفاظ على حقيقة وكمال طبيعة المسيح الإنسانية، التي يتأسس عليها كمال وحقيقة خلاصنا[91]. وتُعد هذه النقطة ذات أهمية خاصة في فهمنا للوحدانية في ذات الجوهر بين الابن ’المتجسد‘ والله الآب ـ لأن هذه الوحدانية هي التي تربط الخلق والفداء معًا، حيث تكون محبة الله هي القاعدة الحقيقية التي يرسو عليها كل موضوع الخلق. ولذلك فإن عدم قبول هذه الحقيقة ـ أي الوحدة في ذات الجوهر بين المسيح والله ـ يعتبر رفضًا لنظرة المسيحية نحو الله والخلق والفداء، لأن كل شيء يعتمد في النهاية على حقيقة وكمال بشرية الابن المتجسد ووحدانيته في ذات الجوهر مع الله الآب.

 

ماذا يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك وحدانية في القدرة والعمل بين الابن المتجسد والله الآب؟

وحين ننتقل إلى السؤال الثاني، سنجد أن تعبير ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (Ðμοούσιος τù Πατρί) قد أكَّد بوضوح عدم وجود انفصال ليس فقط بين جوهر الابن وجوهر الآب، بل أيضا بين أعمال الابن وأعمال الله الآب. وحين قال السيد المسيح في إنجيل ق. يوحنا: “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل”، فقد كان يطابق بين عمله وعمل الله الخالق[92]. ويقول ق. أثناسيوس: “هو الذي صنعنا بكلمته، صنع كل الأشياء الصغيرة منها والكبيرة. وليس لنا أن نقسم الخليقة ونقول إن هذا صنعه الآب وذاك صنعه الابن، لأن الكل صنعه الله الواحد الذي يعمل بكلمته الحقيقي مثل يده ويخلق الكل به ’لنا إله واحد، الآب الذي منه جميع الأشياء، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء‘[93]“. ولكن إذا فصلنا بين الابن والآب، فإن ذلك سوف يجعلنا بالتالي نفصل عمل الابن عن عمل الآب، لأنه سوف ينزل بعمل الابن إلى مستوى عمل المخلوق[94]. فلو لم يكن يسوع المسيح هو نفسه الله، لغاب كل سلطان وكل شرعية في أي شيء قاله أو صنعه لأجل البشر؛ ولو لم يكن هو الله لما استطاع أن يعمل كإله؛ ولو لم يكن هو الخالق لما استطاع أن يخلِّص ويعيد خلقة البشرية[95] كما أكَّد ق. أثناسيوس أنه “لا يمكن لمخلوق أن يخلِّص مخلوقًا أبدًا[96]“.

إذن فللإجابة عن سؤالنا الافتراضي، لا بد أن نقول إنه لو فُصلت أعمال يسوع المسيح عن أعمال الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، لسقط أساس الإنجيل كله. ولو اعتبرنا أن ما صنعـه المسيـح لأجلنـا ليس هـو عمــل الله الذي صـار إنسـانًا بل فقـط هـو عمــل إنســــــــان قد لُقّــِب بـ ’ابن الله‘ ـ كمكافأةٍ له مقابل خدمته للآخرين من البشر ـ لكان المسيح لا يجسد نعمة (χάρις) الله الخلاصية للبشر، ولكان عاجزًا تمامًا عن عمل التأليه (θεοποίησις)[97]. وفي المقابل، إذا كان يسوع المسيح لا ينفصل لا في ’الجوهر‘ ولا في ’العمل‘ عن الله الآب، فإنه بالتالي يكون ’بالجوهر‘ و’بالعمل‘ ـ وفي حضوره المتجسد وتدبيره الخلاصي ـ هو إعطاء الله ذاته للجنس البشري[98]. وهكذا فكما أن تعبير ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ يؤكد أن الله ذاته هو ’مضمون‘ إعلانه ’في يسوع المسيح‘، فإن هذا التعبير أيضًا يؤكد أن الله ذاته هو محتوى (أو مضمون) نعمته الخلاصية ’في يسوع المسيح‘[99]. ففي يسوع المسيح: مُعطي النعمة وعطية النعمة هما واحد تمامًا*، لأن في المسيح وبالمسيح لا يكون إلاّ الله ذاته هو الذي يعمل لأجلنا ولأجل خلاصنا[100].

وكان المصطلح المميَّز الذي استُخدم ـ في الفكر اللاهوتي الآبائي المدوَّن باليونانية ـ للتعبير عن إعطاء الله ذاته للجنس البشري بالمسيح وفي الروح القدس: هو التأله#  (θέωσις)[101]. فالمسيح لم يكن إلهًا لأنه يشترك في الله، بل هو ذاته الله بالتمام والكمال وله ذات الجوهر الواحد مع الآب. وبفضل حقيقته الإلهية، وحضوره المتجسد داخل الجنس البشري، فهو يعمل في البشر بفعله الإلهي الخالق بطريقة فائقة، جاعلاً إياهم يشتركون فيه من خلال النعمة، وبهذا يشتركون في الله. وهكذا فإن مصطلح التأليه (θεοποίησις) أو التأله (θέωσις) قد اُستخدم لوصف الفعل الفريد لله المتجسد*، ذلك الفعل الذي يلازم جوهره الإلهي بغير انفصال: فهو فعله الكائن في جوهره أو هو جوهره الكائن في فعله. فيسوع المسيح في شخصه المتجسد هو فعل الله الفريد الذي به نخلص ونتجدد، ولكن بطبيعة الحال نحن لا نحصل على الخلاص أو التجديد بواسطة عمل المسيح دون أن نكون متحدين به وشركاء فيه. وقد بنى لاهوتيّو نيقية مفهومهم عن التأليه (θεοποίησις) معتمدين على قول الرب في إنجيل يوحنا (35:10)، بأن الكتب المقدسة قد دعتهم “آلهة (θεοί) أولئك الذين صار(ت) إليهم كلمة# الله[102]“. وقد فهم الآباء أن هذا يشير إلى أولئك الذين رغم أنهم مخلوقون قد صاروا شركاء ’للكلمة‘ بواسطة فعله الخالق فيهم. فالمسيح وحده هو الله (Θεός)، إله حق من إله حق، وهو وحده الابن الحقيقي للآب، ولكن بواسطة فعله ’التأليهي‘ (θεοποίησις)، تم تبنينا وصرنا أبناءً لله فيه، ومن هذا المنطلق فإن أولئك الذين من خلال الاتحاد بالمسيح قد قبلوا نعمة ونور روحه القدوس يُقال عنهم أنهم ’آلهة‘ (θεοί)[103].

وفي تطبيقهم لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ على الابن المتجسد وكلمة الله، رفض آباء نيقية رفضًا قاطعًا فكرة أنه مخلوق متوسط (بين الله والإنسان)، بل بالأحرى رأوا أنه ينبغي النظر إليه على أنه وسيط بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك بكونه هو الله وإنسانًا في آنٍ واحد. ففي الابن المتجسد، الله ذاته وهو في جوهره الأزلي، قد تنازل ليصير إنسانًا، وذلك لكي يعطي ذاته ويعلن ذاته ـ وليس جزءً من ذاته ـ للبشرية. وبنفس الطريقة عند تطبيقهم مفهوم الـ ’هوموأووسيوس‘ على عطية النعمة، رفض الآباء رفضًا قاطعًا فكرة أن النعمة هي مجال مخلوق بين الله والإنسان، بل على العكس اعتبروا أن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في ابنه المتجسد، والذي فيه (أي في الابن المتجسد) المُعطي والعطية هما واحد بغير انفصال[104]. ويقول ق. أثناسيوس: “من خلال الابن نحن نُعطى ما نُعطَى، فالآب لا يعمل شيئًا إلاّ بالابن، لذلك فالنعمة محفوظة لمَن يحصل عليها[105]“. وفي ظل هذا النمط من العطاء الذي تحكمه الوحدانية التي بين الآب والابن، فإن النعمة لا يمكن أن تكون هبة إلهية ’قابلة للانفصال‘ عن الله أو ’قابلة للانتقال‘ منه لتُعطى للإنسان، وهي التي بفضلها يصير الإنسان بصورة ما ’مؤلَّهًا‘ أو ’إلهيًّا‘*[106].

إن نعمة ربنا يسوع المسيح ينبغي أن نفهمها بنفس الطريقة التي نفهم بها حقيقة الروح القدس الذي كما عبَّر قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عنه، هو ’الرب المحيي‘. وقد أكد ق. أثناسيوس هذه النقطة مرات كثيرة وبصفة خاصة في رسائله إلى سرابيون إذ قال: “إن الروح القدس هو هو بغير تغيير على الدوام، وهو لا ينتمي إلى طبيعة الذين يشتركون فيه رغم أن كل الأشياء تشترك فيه[107]“. كذلك أيضًا النعمة، لأن النعمة هي ’إعطاء‘ الله ذاته لنا في المسيح يسوع، ولا يمكن فصلها، أو بالحري فصله (أي المسيح) عن الله بأي شكل من الأشكال، لأنه واحد في ذات الجوهر مع الله ’المعطي‘[108]. وإعطاء الله ذاته لنا في النعمة لا يمكن فصله أبدًا عن الجوهر الواحد والفعل الواحد الذي للثالوث القدوس. ويقول ق. أثناسيوس في ذلك: “الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس[109]“. ويعود ق. أثناسيوس ليؤكِّد مرة أخرى: “هذه النعمة والعطية التي تُعطى، إنما تُعطى في الثالوث القدوس، من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة لنا هي من الآب بالابن، فإنه لا تكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه، تكون لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس ذاته[110]“.

ولمصطلح ’هوموأووسيوس‘ أهمية إنجيلية تتضح تمامًا في أعمال المسيح الخلاصية مثل الشفاء والغفران والمصالحة وفداء البشرية الساقطة، لأن هذا المصطلح أكَّد بأقصى ما يمكن على أن كل هذه الأعمال تمت نتيجة علاقة الوحدة غير المنفصلة والشركة التامة الكاملة بين يسوع المسيح والله الآب. كما تكمن أهمية موضوع التأليه (θεοποίησις) في تأكيده القاطع على الوحدانية في الفعل كما في الجوهر بين الابن والآب، مما يجعل أعمال المسيح الخلاصية في الإنجيل هي نفسها أعمال الله ذاته ’لأجلنا ولأجل خلاصنا‘. وهكذا ينكشف مدى تأثير وشرعية هذه الأعمال من خلال الإصرار على أن هذه الأعمال هي تلك التي يستطيع الله الآب وحده ـ بكونه ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى ـ أن يعملها.

وبدون هذا الأساس ـ كما رأى آباء نيقية ـ فإننا نفرغ الإنجيل من جوهره الخلاصي. وعلى سبيل المثال: ماذا تكون قيمة وفاعلية كلمة الغفران التي قالها السيد المسيح لأحد الخطاة لو أن المسيح كان مجرد مخلوق، لأن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا ـ وهو يغفرها بالفعل كما لو كان الخاطىء لم يفعل هذه الخطية ـ بل ويجدد كيانه أيضًا؟ الحقيقة أنه فلو لم تكن كلمات يسوع المسيح وأعمال محبته الغافرة مؤسسة على كيان الله وحقيقته، لما كان لها أي أثر أو معنى.

ثم ماذا عن آلام السيد المسيح وفدائه للبشرية؟ وماذا تكون غاية الصليب لو أن المسيح الذي عليه كان منفصلاً عن الله، أي لو أن المسيح وهو على الصليب كان مجرد مخلوق والله بعيد تمامًا عنه ومنعزلاً في كيانه الإلهي؟ كيف كان ممكنًا أن يتم الفداء ما لم يكن الله ذاته ـ في حبه وتحننه الفائق ـ هو الذي أتى إلينا في يسوع المسيح ليجعل طبيعتنا وموتنا خاصًّا به من أجل خلاصنا؟ وكان هذا هو السؤال الذي طرحه ق. أثناسيوس في جداله الطويل مع الأريوسيين، حيث أظهر أنه في يسوع المسيح اتخذ ابن الله الأزلي ’شكل العبد‘ ليصير بالتحديد كاهنًا وذبيحة (في آنٍ واحد)، وذلك في تدبيره الخلاصي لأجلنا[111]. ولم يكن لدى آباء نيقية أدنى شك في أن موت المسيح على الصليب كان هو عمل الله نفسه ـ في أعماق وجودنا البشري المخلوق ـ من أجل خلاصنا، وإلاّ فيكون ما حدث على الصليب بلا أي معنى أو فائدة. وقد عبَّر ق. غريغوريوس النزينزي عن هذا المعنى في عظة في عيد الفصح: “الله مصلوب … هذه هي ’المعجزة‘. لقد كنا في حاجة إلى إله يتجسد، إله يموت لكي نحيا نحن. فكلنا قد متنا معه حتى نتطهر، وقد قمنا ثانيةً معه لأننا متنا معه. وقد تمجَّدنا معه لأننا قمنا معه[112]“. إذن فهذا الفداء يكون مفرغًا من مضمونه تمامًا، لو لم يكن الابن المتجسد، الإله الحق من الإله الحق، هو الذي تألم ومات لأجلنا على الصليب.

ثم ماذا عن المصير النهائي للبشرية عندما يأتي السيد المسيح في مجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات؟ كيف يكون التفكير في ذلك لو لم يكن يسوع المسيح هو نور من نور، إله حق من إله حق، بل مجرد كيان زائل يرحل عن هذا العالم مع بقية الخليقة؟ ولن يكون السيد المسيح في هذه الحالة كفيلاً لمستقبلنا، بل سيكون كل ما يمكن أن نرجوه في النهاية هو ملاقاة إله مستبد ومجهول لنا تمامًا، ولا علاقة له بيسوع المسيح أو بكل ما كان قد أعلنه. ولكن ما هو الوضع إذا كان المسيح هو الله الظاهر في الجسد، الذي قد أخذ على عاتقه دينونة العالم ـ وبحكم هذا فهو الوسيط بين الله والإنسان ـ وبه يدين الله جميع الناس في اليوم الأخير؟[113] هذا بالتحديد هو ما يوضحه قانون الإيمان النيقي، لأن لمصطلح ’هوموأووسيوس تأثيره البالغ في فهمنا للدينونة الإلهية، لأنه يؤكد أنه لا يوجد فاصل أو مسافة من أي نوع بين يسوع المسيح والله ديَّان العالم كله. فدينونة المسيح ودينونة الله هي واحدة تمامًا، لأنه حتى في الدينونة الأخيرة فإن الله الآب والابن المتجسد هما واحد تمامًا في الجوهر وفي العمل. وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت قانون الإيمان يؤكد أن المسيح “ليس لملكه انقضاء”، لأن التجسد لن يزول أبدًا بل سيدوم وسيبقى إلى أبد الآبدين[114].

 

المكانة المحورية لمصطلح ’هوموأووسيوس‘ في الكنيسة

عندما شرع آباء الكنيسة العظام في التأمل بدقة في كل ما يمكن أن يترتب على تعبير ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، اكتشفوا أن هذا التعبير يحمل في طياته معاني تزيد بكثير عما كان مُدركًا وقت صياغته واستخدامه في قانون الإيمان. وسرعان ما صار هذا التعبير هو ركيزة أرثوذكسية المسيحية أو التقوى، وصار مَن يرفضه “كمَن أنكر رسالة الخلاص إنكارًا صريحًا” كما قال ق. غريغوريوس النيصي[115]. بل ما هو أكثر من هذا، أن الآباء قد غمرهم الانبهار والدهشة إزاء دلالة العلاقة الداخلية التي للابن المتجسد بجوهر الله الحي، وماذا تعني هذه العلاقة بالنسبة لحياة السيد المسيح كلها، والتي ينبغي اعتبارها متضمَّنة داخل علاقات التواجد (الاحتواء) المتبادل التي للثالوث القدوس. فما صار فيه ابن الله في تجسده، وما اختبره وقاله وصنعه لأجلنا ولأجل خلاصنا، كان مؤسسًا في الله، ومُعتبرًا أنه في داخل الله وخاصًّا به تمامًا. والأدهش من هذا كله، أن يسوع ابن العذراء مريم الذي عاش حياة بشرية كاملة بيننا كواحد منا، لم يكن هو إلاّ الله ذاته الذي قد صار إنسانًا، وهو ـ وفي نفس الوقت وإلى الأبد ـ ينتمي إلى عمق جوهر اللاهوت[116]. ولا عجب إذن في أن آباء الكنيسة قد جاهدوا بشدة من أجل الحفاظ على صحة هذا الإيمان الذي توهج نوره بقوة في ذهن الكنيسة في نيقية، مما ولَّد قناعة لدى المؤمنين بأن ما حدث في هذا المجمع كان بالحقيقة من الله.

وفي أثناء التوصل إلى صياغة مصطلح ’هوموأووسيوس‘ بنيقية، حدث أمر جوهري في فكر الكنيسة الأولى، فقد تمت خطوة حاسمة نحو مستوى أعمق في فهم الإنجيل، وفي نفس خط التقليد الرسولي الذي لا يمكن للكنيسة أن تتراجع عنه طاعة منها لإعلان الله الخلاصي في المسيح يسوع. وقد كانت هذه الخطوة حدثًا لا رجعة فيه في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي. ويمكننا أن نستدل على أهمية ما قد تم إذا نظرنا إلى ما نفعله في لعبة لغز الصورة المُقطَّعة (jig-saw puzzle) أي الأحجية المؤلفة من قطع صغيرة يتعين على المرء أن يرتبها بحيث تشكِّل صورة ما. فنحن نرتب القطع المتناثرة حتى يظهر منها الشكل المطلوب، وإذا أعدنا تفكيكها فلن نجد صعوبة كبيرة في إعادة ترتيبها مرة أخرى. ولكننا لا نستطيع عمل هذا بدون تذكر الصورة التي توصلنا إليها في المرة الأولى، لأن شيئًا ما قد حدث في العقل والذاكرة يتعذر إلغاؤه، وهو الذي يؤثر على كل المحاولات التالية للرجوع إلى الشكل المتكامل الأصلي المكوَّن من القطع المختلفة.

وقد وقع حدث ’لن يُمحى‘ من هذا النوع في عقل وذاكرة الكنيسة في مجمع نيقية عام 325م، وكان هذا نقطة تحول ذات أهمية كبرى وتطور في الفهم لا رجوع عنه. وعندما تأكد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب، وتمت صياغته بوضوح في مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (Ðμοούσιος)، كان هذا خطوة عملاقة إلى الأمام نحو إدراك أعمق لترابط الإنجيل كما نقلته إلينا كتابات الرسل. وبمجرد الوصول إلى هذا المفهوم في الكنيسة، لم يكن من الممكن التراجع عنه، لأن المضمون الإنجيلي للإيمان كان قد تم حفظه وتأمينه في ذهن الكنيسة بشكل دائم وباقٍ. وكما قال ق. أثناسيوس: “إن كلمة الله التي جاءت خلال المجمع المسكوني بنيقية تدوم إلى الأبد[117]“.

 

مصطلح ’هوموأووسيوس‘ ينطبق على علاقة الابن الأزلي بالآب، وينسحب بالتالي على علاقة الابن المتجسد بالآب

لقد تناولنا في هذا الفصل، الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها مصطلح ’هوموأووسيوس‘ في توضيحه وتأكيده للوحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب. وقد اهتممنا بتوضيح حقيقة إنجيلية هامة، ألا وهي أن ’ما هو‘ الله في يسوع المسيح ـ في كل إعلانه وعمله الخلاصي نحونا ـ هو نفس ’ما هو‘ الله في جوهره الذاتي. ولكن يوجد جانب آخر لهذه الحقيقة وهي أن مفهوم ’هوموأووسيوس‘ أي الوحدانية في ذات الجوهر، ينطبق ليس فقط على العلاقة بين الابن الأزلي والآب، بل أيضًا ـ كما أشرنا ـ على العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والآب، ولذا كان علينا أن نبحث فيما يعنيه هذا من جهة بشرية المسيح. وقد طُرح هذا السؤال في الكنيسة فورًا عقب مجمع نيقية كما نرى من رسالة ق. أثناسيوس إلى إبكتيتُس: وماذا عن بشرية الرب يسوع، إذا كان علينا أن نعطي مفهوم ’هوموأووسيوس‘ هذه المكانة الرئيسية في إيماننا وفكرنا؟ وبلا شك ـ كما ذكرنا ـ فإننا نقول، إن يسوع المسيح ـ وهو في كمال وتمام طبيعته البشرية ـ له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وبكونه هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، فلابد أن يكون إنسانًا كاملاً من إنسان، كما أنه في نفس الوقت إله من إله.

 

 

1  كان نص اعتراف الإيمان النيقي يحتوي على عبارة ” إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق”، ولكن مجمع القسطنطينية رأى حذف عبارة إله من إله باعتبارها مكررة.

2  See Justin Martyr, Dial.c. Tryph., 47-48, Irenaeus, adv. haer., 1.22.1, vol.1, pp. 212f; 3.11.10, vol.2, p. 45; 3.15.1f, pp.78f; 4.52.1f, pp. 259f; 5.1.3, pp. 316f; Hippolytus, Ref. haer., 7.34f; 9.13ff; Origen, De prin., 4.1.22; Con. Cel., 2.1; 5.61, 65; Minucius Felix, Dial. Oct., 36; Tertullian, De praescr., 33; Eusebius, Hist. eccl., 3.27; 4.22; Hilary, De Trin., 1.26; 2.4; 7.3,7; 8.40; De syn., 38f, 50; Epiphanius, Haer., 29f; Jerome, Ep., 112,13. Cf. Ignatius, Philad., 8; Magn., 8ff.

*   من أسفل إلى أعلى هو تعبير يشرح نظرة هذه البدعة للمسيح باعتباره كان إنسانًا عاديًّا (من أسفل) ثم أصبح ابنًا لله في المعمودية أي إنه انتقل إلى هذه الحالة (إلى أعلى). (المترجم)

3  Ignatius, Eph., 7.18-20; Trall., 9; Smyrn., 1-3, 5, 7; Magn., 11; Justin, De res., 2; Irenaeus, Adv. haer., 1.16.2, vol.1, p. 193f; 3.17.5f, vol.2, pp. 86ff; 4.55.2ff, p.266ff; 5.1.2, pp. 315f; Hippolytus, Ref. haer., 8.8-11; 10.16; Clement Alex., Strom., 7.17; Eusebius, Hist. eccl., 6.12; Theodoret, Haer., 5.12; Ep., 82. See also Tertullian, De carne Christi, passim.

[4]  1يو 22:2؛ 2:4؛ 2يو 7.

*  من أعلى إلى أسفل هو تعبير يشرح مدخل الدوسيتيين إلى المسيح باعتباره الله المتعالي (من أعلى)  الذي ظهر في شكل جسد غير حقيقي، أي إنه تنازل وظهر في هذه الحالة ـ الوهمية ـ الأقل (إلى أسفل). (المترجم)

[5]  كان ق. أثناسيوس مدركًا بالفعل لهذه الأمور الجدلية، ولكنه كان يعتبر أن قانون الإيمان النيقي هو الحصن الحامي ضدها جميعاً:

  1. Con. Ar., 1.8; 2.12, 14; De decr., 12, 32; De syn., 45; Ad. Afr., 11. See also Evagrius/Basil, Ep., 8.3; and Basil, Ep., 125.1.

 

[6]  انظر تأكيد ق. أثناسيوس في (ضد الأريوسيين 35:4) على أن المسيح هو “إنسان وإله كامل معًا (وفي آنٍ واحد)” (ο̉́λον αυ̉τόν α̉́νθρωπόν τε καί Θεόν ο̉μου̃)، ويعتبر هذا القول هو ضد كل من البدعة الدوسيتية والبدعة الأبيونية. انظر كذلك قوله في (ضد الأريوسيين 3: 41) بإن المسيح “هو إله حقيقي في الجسد، وجسد حقيقي في الكلمة

7  Origen, De prin., 1.praef, ; 1.2.1ff; 2.6.2f, etc. Cf. Ignatius; Eph., 7.2- cited by Athanasius, De syn., 46.  

8  R. V. Sellers, Two Ancient Christologies, 1940, p.29.       

9  Athanasius, De syn., 5;see De decr., 5; Ad Ser., 1.28; Ad Afr., 1; Fest. Ep., 2.4-7, etc. Cf. also Alexander of Alexandria, Ep., 1.12-13; Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

10  Athanasius, Con. Ar., 3.35.

وقد كان يشير إلى الكتاب المقدس في: إش 22:1 (الترجمة السبعينية)، و1يو 3:4.

11  See the epistles of Alexander preserved by Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and by Athanasius, De decr., 35; Socrates, Hist. eccl., 1.6; Gelasius, Hist. eccl., 2.3. Consult Vlasios Pheidas, ‘Alexander of Alexandria and his two Encyclical Epistles’, in Άντίδωρον Πνευματικόν, Athens, 1981. Cf. the earlier teaching of Dionysius of Alexandria discussed by Athanasius, De sent. Dion.

12  Cf. the creed cited by Epiphanius, Anc., 120.

[13]  كان هذا التمييز يتضمن رفضاً لبدعة سابليوس:

 Athanasius, De syn., 16; cf. De sent. Dion., 5ff; Con. Ar., 3.4, 36; 4.1ff; Ad Ant., 3-6, 11; Con. Ar., 4.2.

*  مصطلح ’هوموأووسيوس‘ هو صفة من مقطعين:  ’هوموس ο̉μος‘ ويعني ذات الشيء الواحد (one and the same) ، و’أوسيا ούσια‘ والذي يعني الجوهر، فيكون المعنى الكامل لمصطلح ’هوموأووسيوس  مع الآب‘: له ذات الجوهر الواحد مع الآب أو واحد مع الآب في ذات الجوهر (of one and the same being with the father). (المترجم)

14  Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, The Incarnation. Ecumenical Studies in the Nicene-Constantinopolitan Creed, 1981, p.6 (ed. By T. F. Torrance).

15  Athanasius, De decr., 7, 18f; De syn., 12, 35; Con. Ar., 1.9ff; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.2-5.

16  Athanasius, Ad episc., 13; De decr., 1f; De syn., 3; Con. Ar., 1.7; Basil, Ep., 52.2, etc.

[17]  انظر المقاطع التي ذُكرت من أقوال وخطابات أريوس في كتابات كل من ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس والبابا ألكسندروس:

See the citations from Arius’ Thalia in Athanasius, De syn., 15-16; Con. Ar., 1.5ff; De decr., 16; Ad episc., 12; Arius’ Letters to Alexander, in Athanasius, De syn., 16, and to Eusebius, in Epiphanius, Haer., 69.6.Cf. also the first Encyclical of Alexander on the Arian heresy, Theodoret, Hist. eccl., 1.3; and Socrates, Hist. eccl., 1.6.

18  Athanasius, Con. Ar., 1.5-6; De syn., 15.

19  Athanasius, ibid., and cf. also Ad episc., 12.

20  See Athanasius, Con. Ar., 2.19, and De syn., 16, for this citation from Arius’ Letter to Alexander.

21  Athanasius, Con. Ar., 2.24-26, 30; De decr., 8, 24.

22  Epiphanius, Anc., 33; Theodoret, Haer., 5.11. Cf. Eustathius, De an. adv. Ar., MPG, 18.689B; Athanasius, Ad Ant., 7; Gregory Naz., Ep., 101, MPG, 37, 134A; Gregory Nyss., Con. Eun., 2.124, Jaeger, II, p.365; Athanasius, Con. Apol., 1.15; 2.3, 17; Theodoret, Ep., 103. See also the evidence adduced by V. Pheidas from the Colluthian schism, Τό Κολλουθιανόν Σχίσμα καί Άρχαί τοà Άρειανισμοà, 1973.

[23]  انظر تفسير ق. أثناسيوس لهذه العبارات في:

Athanasius, De decr., 6ff; Con. Ar., 1.9ff; De syn., 41ff.

24  Athanasius, Con. Ar., 1.1-29, 34; 2.22ff, 33; 3.1ff; 65f; 4.1ff; De syn., 41-54; De decr., 24, 27; Basil, Ep., 52.2; Hilary, De syn., 25.

25  Gregory Naz., Or., 30.11&19; cf. 29.3f; 31.14.

[26]  يقول ق. باسيليوس: “إن طريقة الولادة الإلهية (للابن)، هي أمر لا ينطق به ويفوق كل تخيلات الفكر البشري” (Ep., 52.3). انظر كذلك:

 Basil, Con. Eun., 2.16 & 24; Gregory Naz., Or., 29.8

27  Cf. C. Stead, Divine Substance, 1977, pp. 26 & 229.

28  Athanasius, De decr., 12; cf. 20. Also Ad Episc., 2;

إن هذا الفهم للأبوة والبنوة بكونها علاقات أزلية كائنة في الله، هو ما قد أيده بشده ق. غريغوريوس النزينزي ـ ونفس الوضع ينطبق بالطبع على الروح القدس ـ حيث نراه يشرح ذلك بوضوح في ’عظاته اللاهوتية‘، كما يمكننا أيضاً أن نجد نفس المعنى تقريباً عند بقية الآباء الكبادوك:

Gregory Naz., Or., 29.16 & 20; 31.9. Cf. Basil, (or his brother) Ep., 38.4; and Gregory Nyss., Con. Eun., 1.33; 8.5; 9.2; Or. Cat., 1.

29  Athanasius, In ill. om., 3.

30  Athanasius, In ill. om., 3-5.

ارجع إلى مفهوم ق. أثناسيوس عن الصور الإنجيلية بكونها ’أمثلة‘ (παραδείγματα):

De decr., 12; Con. Ar., 1.20; 2.30; 3.3, 10; De syn., 42; Ad Ser., 1.19f, etc.

[31] ارجع إلى كتاب المؤلف:(Reality and Evangelical Theology, 1982, pp.100ff)

32  Athanasius, De decr., 21-24.

33  Athanasius, Con. Ar., 1.24; De decr., 27; In sent. Dion., 25.

34  Athanasius, De decr., 24; Con. Ar., 1.13, 25; 2.33; Ad episc. Aeg., 13; Ad Afr., 8.

*   أي الصورة الكاملة المطابقة لأقنوم الآب. (المترجم)

35  Athanasius, Con. Ar., 1.9, with reference to Hebrews 1.3.

36  Jaroslav Pelikan, The Light of the World. A Basic Image in Early Christian Thought, 1962, pp.55ff.

37  Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

38  Athanasius, De syn., 41.

39  See Basil, Ep., 125.1; Ep., 214. See also Ep., 236.6; Gregory/Basil, Ep., 38.1ff, etc. Cf. Athanasius, Con. Ar., 3.65; 4.33; Ad Afr., 4ff & 8.

40  Athanasius, De syn., 48-54; Ad Afr., 8-9.

41  Athanasius, , Con. Ar., 1.11ff, 34, 46ff, 60; 2.12, 14, 18, 20, 53f, 56, 59, 61, 82; 3.1f, 5f, 9, 19, 22, 24f, 27, 33; 4.4; De decr., 22, 30; De syn., 34, 48f; Ad Afr., 4; Ad Ser., 1.28; 2.2; In ill. om., 4. See also Gregory Naz., Or., 30.18.

42  Athanasius, De decr., 20; De syn., 8, 26, 29 (the Arian creed); 37f, 41, 46, 50, 52f. Cf. Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

43  Athanasius, Con. Ar., 1.20f, 26, 40; 2.17f, 22, 34; 3.11, 20, 26, 67; Ad episc., 17; Ad Afr., 7; cf. Exp. Fidei, 1.

*   إن لفظة ’مشابه‘ تعني أنه ليس هو تمامًا، ولكن يشبهه في بعض الأمور وبالتالي فإنه لا يشبهه في أمور أخرى. ونلاحظ أن الفرق بين المصطلحين اليونانيين هو حرف واحد (ι). (المترجم)

44  Athanasius, De syn., 41 & 53; De decr., 20; cf. Evagrius/Basil, Ep., 8.3.

45  Athanasius, Con. Ar., 1.21, 26, 40; 2.17f, 22, 33; 3.10f, 14, 26, 67; De syn., 26, 38, 41. 47-54; De decr., 20, 23; Ad episc., 17; Hilary, De syn., 89; Evagrius/Basil, Ep., 8.3; 9.3. Cf. Epiphanius, Haer., 73.22; and Cyril of Jerusalem, Cat., 4.7; 11.4, 18.

46  Athanasius, Cf. the stance taken by Basil of Ancyra, Athanasius, De syn., 41; Epiphanius, Haer., 73.22.

[47]  كان ق. أثناسيوس يرى أن علاقة ’الكلية‘ التي بين الابن والآب متضمَّنة في تشبيه النور والشعاع. (Con. Ar., 2.33, 35; cf. De inc., 17; Con Ar., 3.6.)

وكان يرى أن هذا التشبيه يتضمَّن أيضاً علاقة التواجد المتبادل بينهما.(De decr., 25.)

48  Athanasius, Con. Ar., 3.3 Cf. Ad. Ser., 1.16 and Exp. Fidei, 1.

    حيث قيل عن الابن أنه ’كلي من كل‘ (wholly from the whole).

49  Hilary, De syn., 70, 91.

50  Hilary, De Trin., 4.4-7; De syn., 84.

51  Cf. Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, op. cit., pp. 1-15.

52  Athanasius, De syn., 49-54; Ad Afr., 8.

53  Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6; 4.1ff.

54  See Athanasius, Con. Ar., 3.4; De syn., 49; Ad Afr., 8, etc. Gregory Naz., Or., 30.11.

55  Athanasius, Con. Ar., 1.8, 14ff, 18ff, 24f; 2.2, 32f; 3.42, 61ff; 4.2f, 14; De decr., 15, 26; De sent. Dion., 16, 23; Ad Ser., 2.2.

56  Athanasius, Con. Ar., 1.8, 15ff, 33; 2.24f, 32; 3.4ff, 35f, 44; Ad episc., 17; Ad Afr., 8; Ad Ser., 1.30; 3.2; 4.6.

57  Basil, Ep., 52.3.

58  Athanasius, De decr., 23; Con. Ar., 3.4; 4.2; De syn., 34, 45; Basil, Ep., 52. 1ff; Epiphanius, Anc., 6.4; Haer., 65.8; 69.72; 76.7.

59  Cf. Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.2; and Ad Jov., 4; Ad Ant., 6; Con. Apol., 1.9.

60  Epiphanius, Anc., 6.4; cf. Haer., 69, 70; Ambrose, De fide, 3.15.

[61] ارجع إلى مفهوم ق. إيرينيئوس عن ’قانون الحق‘ في الفصل الأول:

Adv. Haer., 1.20, vol. 1, p. 87f; 1.15, pp. 188f; 2.8.1, p. 272; 2.40f, pp. 347ff; 3.1-5, vol. 2, pp. 2-20; 3.11.7, pp. 41; 3.12.6f, pp. 58ff; 3.15.1, p. 79; 3.38.1f, pp. 131f; 4.57.2ff, pp. 273ff; 5. Pref., p.313f; 5.20.1f, pp. 377ff; and Dem., 1-6.

     ارجع أيضاً إلى مفهوم أوريجينوس في الفصل الأول عن ’قانون التقوى‘ الذي يمكِّن الكنيسة من فهم وتفسير الكتب المقدسة وفقاً لـ ’فكر المسيح‘:

De prin., praef. 1-2; 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.3.4; 3.5.3; 4.2.2f; 4.3.14f.

[62]  انظر للمؤلف: ’وديعة الإيمان‘ (SJT, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28)

63  Athanasius, Ad Afr., 4.

64  Alfred Robertson, St Athanasius: Select Works and Letters, pp. xvii and Lxxv.

65  Athanasius, Fest. Ep. (of 367), 39.1-7; cf. Eusebius, Hist. eccl., 4.26.14.

66  Athanasius, Con. Ar., 1.55; 2.44; 3.28ff; De decr., 10f, 14, 19-22; De syn., 38-45; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.8.Cf. also Ep. Euseb., 5- appended to the De decr.

67  Athanasius, De decr., 24; Ad episc., 4, 9, 12f; De syn., 39, 42, 45; Con. Ar., 1.1, 8ff, 15, 37, 53; 2.1ff, 33, 72; 3.18f, etc.

68  Athanasius, De decr., 18f, 32; Hilary, De syn., 88, 91.

وقد أشار ق. أثناسيوس إلى أن المصطلحات غير الإنجيلية التي استُخدمت، كانت مأخوذة بالفعل من آباء سابقين:

De decr., 18, 25; De syn., 43; cf. 33ff. See C. Stead’s examination of the use of (οÙσία) and (Ðμοούσιος) before the Council of Nicaea, op. cit., pp. 199-232.

69  Athanasius, De decr., 18, 21; De syn., 39, 41, 45; Con. Ar., 2.3; Ad Afr., 9; Ad episc., 4, 8; cf. Ad Ant., 8.

70  Athanasius, De decr., 10f.

    ينطبق هذا الأمر على الأفعال ’يخلق‘ و’يصنع‘:

De decr., 11; De syn., 51. Cf. Hilary, De syn., 17; Basil, Con. Eun., 2.23; Gregory Naz., Or., 20.9.

    انظر أيضًا للمؤلف:

‘The Hermeneutics of St Athanasius’, Ekklesiastikos Pharos, vol. 52, 1970, pp. 446-468; 89-106; 237-49; vol. 53, 1971, pp. 133-149.

71  Athanasius, Con. Ar., 2.3. Cf. also Gregory Naz., Or., 42.16; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.37, and Hilary, De Trin., 4.14.

[72]  وفي ضوء هذا الاستخدام المتنوع للمصطلحات، أعلن ق. أثناسيوس أن “كل مجمع له أسبابه ومنطقه في استخدام لغته الخاصة”. (De syn., 45)

73  Athanasius, De decr., 10f, 20-24; Con. Ar., 1.20, 55ff; 3.19ff.

74  Athanasius, De decr., 4.

*  ارجع إلى الفصل الثاني من صفحة 97 إلى صفحة 106. (المترجم)

#  لأنه إذا كان الكلمة الذي صار جسدًا وحل بيننا هو ’هوموأووسيوس‘ مع الآب (والروح القدس)، فإن كل ما أعلنه لنا يكون مطابقًا تمامًا لـ ’ما هو‘ الله في ذاته.

75  Athanasius, Con. Ar., 2.11; 3.1ff; Ad Ser., 1.14-17, 20f, 30f; 2.2; 3.1f; 4.6.

76  G.L. Prestige, Fathers and Heretics, 1954, p. 88; God in Patristic Thought, pp. 168f, 188f. See also, T.F. Torrance, Theology in Reconciliation, 1975, pp. 243ff; and Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

77  Athanasius, Ad Ant., 5-6.

*   ارجع إلى صفحتي 103، 104 في الفصل الثاني. (المترجم)

*  إن الحديث عن أن الله يتعامل معنا بأفعاله (أو طاقاته) وليس بجوهره، ينبغي ألاّ يُفهم بمعنى وجود ثنائية في الله وكأن الله مثل دائرتين لهما مركز واحد: واحدة داخلية تمثل الجوهر وحولها الأخرى مثل الهالة تمثل فعل الله (أو طاقته). وحيث إن الله لا توجد به مثل هذه الثنائية، فيمكننا أن نمثل جوهر الله وفعله (أو طاقته) كأنهما دائرتان متساويتان تمامًا ولهما مركز واحد (أي كائنتان في بعضهما البعض تمامًا) فيكون جوهر الله هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله. ولكن مع ذلك تبقى علاقة الله معنا هي علاقة مشاركة من الخارج Κατ£ Μετοχ»ν `ΕπακτÒν أي علاقة خارجية. لأنه توجد هناك علاقة شركة في الجوهر وهي التي بين الآب والابن والروح القدس فقط، وهناك علاقة شركة خارجية مثل حلول الروح القدس علينا. (المترجم)

78  Athanasius, De syn., 51.

*  أي إن هذه المصطلحات الهللينية ـ عند استخدامها في التعليم المسيحي ـ أصبحت تحمل معاني لم تكن تحملها حين كانت تُستخدم في التعبير عن الفكر الهللّيني. (المترجم)

79  Cf. Athanasius, De syn., 45.

80  Athanasius, Con. Ar., 1.19; 2.2, 14, De decr., 15. Cf. G. D. Dragas, Athanasiana, vol. 1, 1980, p. 54.

81  Basil, Con. Eun., 1.18ff.

82  See the citations from Arius’ Thalia, in Athanasius, De syn., 15; De decr., 16; Ad episc., 14, 16.

83  Athanasius, Con. Ar., 2.82.

84  Basil, Ep., 28.8. Cf. Athanasius, Con. Ar., 2.18, 22; 3.3f.

*   ارجع إلى الفصل الثاني صفحة 88 ، والفصل الثالث صفحة 119. (المترجم)

85  Athanasius, Exp. Fidei, 1 & 4; De decr., 13f; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.18-67, etc.

86  Athanasius, Ad Epict., 2-9; Con. Ar., 4.30-36.

87  Athanasius, Con. Ar., 3.30. Cf.

يقول ق. إبيفانيوس: “إنه هو ذاته، كان الله وإنسان (في آنٍ واحد)، ليس كما لو كان يسكن في إنسان ولكنه هو نفسه صار إنسانًا بالكامل”. (Haer., 77.29 )

[88]  تحتوي رسالتا ق. أثناسيوس ضد أبوليناريوس (Contra Apollinarem) على حجج قوية عن حقيقة بشرية المسيح الكاملة وأثر ذلك على خلاص الإنسان ككل.

  1. D. Dragas, St Athanasius Contra Apollinarem, 1985.

[89]  وهنا كان للقديس أثناسيوس السؤال التالي: كيف يستطيع اللوغوس نفسه في هذه الحالة، أن يحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، لو كان هو أيضًا ـ حسب رأي الأريوسيين ـ مخلوقًا؟     :Athanasius, De decr., 7ff

90  Athanasius, Ad episc., 13.

91  Athanasius, Ep. fest., 4.4; 5.6; 10.9; Ad Adel., 2ff.

[92]  كان لاهوتيو نيقية يقتبسون هذه الآية (يو 17:5) بصورة متكررة، كما نرى في:

 Athanasius, In ill. om., 1; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.21f, 29, etc.

93  Athanasius, De decr., 7, & 1Cor. 8.6-see further De decr., 19ff; Con. Ar., 1.19; 2.31; 3.4, 39; De syn., 35, etc.

94  Athanasius, De syn., 46.

95  Athanasius, Con. Ar., 2.21ff, 29, 31, 56ff; Ad Max., 3f.

96  Athanasius, Ad Adel., 8.

97  Athanasius, Con. Ar., 1.6, 38-39, 42-43.

98  Athanasius, De decr., 1, 25; Con. Ar., 2.6, 9f, 45, 51f, 75f; Ad Ant., 7.

[99]  يقول ق. أثناسيوس: “هي نفس النعمة الواحدة، من الآب في الابن، كما أن النور الذي للشمس وللشعاع هو واحد، وكما أن إضاءة الشمس تتحقق من خلال الشعاع”.

 (Athanasius, Con. Ar., 3.11; cf. also 3.13)

*  إن نعمة ربنا يسوع المسيح هي كل ما عمله في جسد بشريته لأجلنا، ولا يمكن فصل ما عمله المسيح (نعمة المسيح) عن المسيح نفسه. وبما أن هناك وحدانية في العمل بين المسيح الابن المتجسد والله الآب (وذلك بسبب الوحدانية في ذات الجوهر بينهما) فإن النعمة (العطية التي لنا في المسيح) ومُعطي النعمة (الله الآب) هما واحد تمامًا. (المترجم)

100  Athanasius, De decr., 14; Con. Ar., 1.16, 39f, 50; 3.12f.

#  انظر شرح المفهوم الأرثوذكسي لمصطلح ’التأله‘ في “كتاب طبيعة وأقنوم” للقمص تادرس يعقوب ملطي، مراجعة نيافة الأنبا بيشوي (كنيسة مارجرجس سبورتنج طبعة سبتمبر 1987 صفحة 26). (المترجم)

[101] رغم أن مصطلح التأله (θέωσις) لم يرد حرفيًّا في كتابات ق. أثناسيوس، إلاّ أنه بالتأكيد كان متضمَّنًا في استخدامه للفعل يؤله (θεοποιεî): “لقد صار إنساناً، لكي ما يؤلهنا نحن”

(αÙτός γάρ ™νηνθρώπησεν ‡να ºμε‹ς θεοποιηθîμεν). De inc., 54.

*  إن مفهوم ’تأليه الإنسان‘ عند الآباء لا يعني أبدًا أن الإنسان سيصبح غير محدود وعالم بكل شيء، ولا يلغي طبيعة الإنسان المخلوقة أو يغير جوهره، لأن هذا معناه انتهاء الشركة نفسها التي بين الإنسان والله. ولكنه يعني تحقيق غاية خلقة الإنسان بالشركة مع الله والاتحاد به ونوال نعمة الحياة الأبدية. ولكن الله سيظل على الدوام ’آخر‘ بالنسبة للإنسان، وسيظل الإنسان المخلوق متلقيًا من الله الخالق. وفي هذا يقول ق. اثناسيوس: “ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة، ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سُر الله الذي وهبنا هذه النعمة” (ضد الأريوسيين 3: 19). (المترجم)

#  كان ق. أثناسيوس قد فسَّر ’كلمة الله‘ في هذه الآية على أنها تشير إلى اللوغوس الذي حل بيننا متجسدًا. (ضد الأريوسيين 39:1). (المترجم)

[102]  يو 35:10 – انظر ق. أثناسيوس (Con. Ar., 1.39; Ad Afr., 7)

وكان مفهوم ’التأليه‘ (θεοποίησις) هذا، يُدعِّم بمفهوم ’الاستنارة‘ (φωτισμός)، لأنه حيث إن المسيح هو إله من إله ونور من نور، وليس مجرد أنه يشهد للنور بل هو النور الحقيقي، فإن إنارته لنا تكون بالحقيقة فعلاً إلهيًّا ومؤلِّهًا. انظر:

 Athanasius, De decr., 23f; Con. Ar., 1.43; 2.41; 3.3ff, 125; 4.18; Ad Ser., 1.19f, 30, etc.

103  Athanasius, Con. Ar., 1.9, 16, 37-43, 46-50; 2.47, 53, 59, 63-70, 74, 76-78; 3.17, 19-25, 34, 39-40, 53; 4.33-36. See also De decr., 14; De syn., 51; Ad Adel., 4; Ad Ser., 1.24.

[104]  وفي تعليقه على (فيلبي 9:2-10) كتب ق. أثناسيوس: “لأنه كما مات المسيح ثم مُجِّد كانسان، فبالمثل قيل عنه أنه أخذ كانسان ما كان له دائماً كإله، وذلك لكي يمكن للنعمة المعطاه أن تصل إلينا. لأن الكلمة لم يُنتقص منه شيئاً بأخذه جسداً حتى يسعى للحصول على النعمة، لكن بالأحرى هو قد ألّه (™θεοποίησεν) ما قد أخذه (جسده الخاص)، بل والأكثر من هذا أنه أنعم (™χαρίσατο) بهذه العطية (التأليه) على الجنس البشري”.

(Con. Ar., 1.42. Cf. 2.69; 3.39-40)

105 Athanasius, Con. Ar., 3.12.

*    وحيث إن نعمة ربنا يسوع المسيح لا يمكن فصلها عن المسيح، فإن نوال هذه النعمة تعني الاشتراك في المسيح ذاته (لأنها ليست أمرًا بعيدًا عنه)، وهذا يتم من الآب في الروح القدس. وحيث إن المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، فبالتالي يصبح نوال نعمة ربنا يسوع المسيح هو هو شركة الثالوث الأقدس. (المترجم)

[106]  كثيراً ما يُستخدم ـ مع الأسف ـ هذا المعنى الضعيف للنعمة لتفسير مفهوم ’التأله أوالتأليه‘

(θέωσις, θεοποίησις)  وذلك في الإشارة إلى الآية “شركاء الطبيعة الإلهية” (2بط 4:1) –    وهذا الأمر هو ما رفضه ق. أثناسيوس بشدة وبوضوح. (Con. Ar., 2.17ff, 24f)

انظر استخدام ق. أثناسيوس للآية 2بط 4:1 في (Ad Adel., 4) مع الإشارة إلى حقيقة أن ابن الله بكونه صار إنسانًا، فإنه قد نقل ’نسلنا المخطىء‘ (πλανηθε‹σαν γέννησιν) إلى نفسه، حتى ما يمكن أن نكون ’جنسًا مقدسًا‘.

107  Athanasius, Ad Ser., 1.27.

108  Athanasius, Con. Ar., 2.18; 3.11ff, 24-25, 39f; 4.6f.

109  Athanasius, Ad Ser., 1.14; cf. 3.5.  

110  Athanasius, Ad Ser., 1.30.

111  Athanasius, Con. Ar., 1.41ff, 59ff; 2.7ff, 68ff, 75f; 3.31ff, 56f; 4.6f; and see especially the Athanasian Con. Apol., I & II.

112  Gregory Naz., Or., 45.28f; cf. also ibid., 22.

113  Athanasius, Con. Gent., 47; De inc., 20f, 56; In ill. om., 2; Con. Ar., 1.59f; 2.14, 31, 69, 76; 4.6f; Con. Apol., I.II; cf. De inc. et con. Ar., 22; and Serm. maj. de fid., 26.

114  See Athanasius, Con. Ar., 1.42f.

115  Gregory Nyss, Con. Eun., 1.15; cf. 2.12.

116  See especially Athanasius, Con. Ar., 1.46; 2.69-76; 3.1-6, 30-35; 4.1ff. 33-36; Ad Epict., 5-9.

117 Athanasius, Ad Afr., 2.

 

إله من إله نور من نور ف4 – الإيمان بالثالوث – توماس ف. تورانس

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب
 

ماذا يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك وحدانية في القدرة والعمل بين الابن المتجسد والله الآب؟

وللإجابة على هذا السؤال، سنجد أن تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί قد أكَّد بوضوح عدم وجود انفصال ليس فقط بين جوهر الابن وجوهر الآب، بل أيضا بين أعمال الابن وأعمال الله الآب. وحين قال السيد المسيح في إنجيل القديس يوحنا: أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل، فقد كان يطابق بين عمله وعمل الله الخالق[1]. ويقول القديس أثناسيوس: هو الذي صنعنا بكلمته، صنع كل الأشياء الصغيرة منها والكبيرة.

وليس لنا أن نقسم الخليقة ونقول إن هذا صنعه الآب وذاك صنعه الابن، لأن الكل صنعه الله الواحد الذي يعمل بكلمته الحقيقي مثل يده ويخلق الكل به لنا إله واحد، الآب الذي منه جميع الأشياء، ورب واحد يسوع المسيح الذي به جميع الأشياء[2]. ولكن إذا فصلنا بين الابن والآب، فإن ذلك سوف يجعلنا بالتالي نفصل عمل الابن عن عمل الآب، لأنه سوف ينزل بعمل الابن إلى مستوى عمل المخلوق[3].

فلو لم يكن يسوع المسيح هو نفسه الله، لغاب كل سلطان وكل شرعية في أي شيء قاله أو صنعه لأجل البشر؛ ولو لم يكن هو الله لما استطاع أن يعمل كإله؛ ولو لم يكن هو الخالق لما استطاع أن يخلِّص ويعيد خلقة البشرية[4] كما أكَّد القديس أثناسيوس أنه لا يمكن لمخلوق أن يخلِّص مخلوقًا أبدًا[5].

إذن فللإجابة عن سؤالنا الافتراضي، لا بد أن نقول إنه لو فُصلت أعمال يسوع المسيح عن أعمال الله الآب ضابط الكل خالق السماء والأرض وكل الأشياء ما يُرى وما لا يُرى، لسقط أساس الإنجيل كله. ولو اعتبرنا أن ما صنعه المسيح لأجلنا ليس هو عمل الله الذي صار إنسانًا بل فقط هو عمل إنسان قد لُقِّب ب ابن الله كمكافأةٍ له مقابل خدمته للآخرين من البشر لكان المسيح لا يجسد نعمة χάρις الله الخلاصية للبشر، ولكان عاجزًا تمامًا عن عمل التأليه θεοποίησις[6].

وفي المقابل، إذا كان يسوع المسيح لا ينفصل لا في الجوهر ولا في العمل عن الله الآب، فإنه بالتالي يكون بالجوهر وبالعمل وفي حضوره المتجسد وتدبيره الخلاصي هو إعطاء الله ذاته للجنس البشري[7]. وهكذا فكما أن تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب يؤكد أن الله ذاته هو مضمون إعلانه في يسوع المسيح، فإن هذا التعبير أيضًا يؤكد أن الله ذاته هو محتوى أو مضمون نعمته الخلاصية في يسوع المسيح[8]. ففي يسوع المسيح: مُعطي النعمة وعطية النعمة هما واحد تمامًا*، لأن في المسيح وبالمسيح لا يكون إلاّ الله ذاته هو الذي يعمل لأجلنا ولأجل خلاصنا[9].

وكان المصطلح المميَّز الذي استُخدم في الفكر اللاهوتي الآبائي المدوَّن باليونانية للتعبير عن إعطاء الله ذاته للجنس البشري بالمسيح وفي الروح القدس: هو التأله#θέωσις[10]. فالمسيح لم يكن إلهًا لأنه يشترك في الله، بل هو ذاته الله بالتمام والكمال وله ذات الجوهر الواحد مع الآب. وبفضل حقيقته الإلهية، وحضوره المتجسد داخل الجنس البشري، فهو يعمل في البشر بفعله الإلهي الخالق بطريقة فائقة، جاعلاً إياهم يشتركون فيه من خلال النعمة، وبهذا يشتركون في الله.

وهكذا فإن مصطلح التأليه θεοποίησις أو التأله θέωσις قد اُستخدم لوصف الفعل الفريد لله المتجسد*، ذلك الفعل الذي يلازم جوهره الإلهي بغير انفصال: فهو فعله الكائن في جوهره أو هو جوهره الكائن في فعله. فيسوع المسيح في شخصه المتجسد هو فعل الله الفريد الذي به نخلص ونتجدد، ولكن بطبيعة الحال نحن لا نحصل على الخلاص أو التجديد بواسطة عمل المسيح دون أن نكون متحدين به وشركاء فيه.

وقد بنى لاهوتيّو نيقية مفهومهم عن التأليه θεοποίησις معتمدين على قول الرب في إنجيل يوحنا 35:10، بأن الكتب المقدسة قد دعتهم آلهة θεοί أولئك الذين صارت إليهم كلمة# الله[11]. وقد فهم الآباء أن هذا يشير إلى أولئك الذين رغم أنهم مخلوقون قد صاروا شركاء للكلمة بواسطة فعله الخالق فيهم. فالمسيح وحده هو الله Θεός، إله حق من إله حق، وهو وحده الابن الحقيقي للآب، ولكن بواسطة فعله التأليهي θεοποίησις، تم تبنينا وصرنا أبناءً لله فيه، ومن هذا المنطلق فإن أولئك الذين من خلال الاتحاد بالمسيح قد قبلوا نعمة ونور روحه القدوس يُقال عنهم أنهم آلهة θεοί[12].

وفي تطبيقهم لمصطلح هوموأووسيوس على الابن المتجسد وكلمة الله، رفض آباء نيقية رفضًا قاطعًا فكرة أنه مخلوق متوسط بين الله والإنسان، بل بالأحرى رأوا أنه ينبغي النظر إليه على أنه وسيط بكل ما تعنيه الكلمة، وذلك بكونه هو الله وإنسانًا في آنٍ واحد. ففي الابن المتجسد، الله ذاته وهو في جوهره الأزلي، قد تنازل ليصير إنسانًا، وذلك لكي يعطي ذاته ويعلن ذاته وليس جزءً من ذاته للبشرية.

وبنفس الطريقة عند تطبيقهم مفهوم الهوموأووسيوس على عطية النعمة، رفض الآباء رفضًا قاطعًا فكرة أن النعمة هي مجال مخلوق بين الله والإنسان، بل على العكس اعتبروا أن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في ابنه المتجسد، والذي فيه أي في الابن المتجسد المُعطي والعطية هما واحد بغير انفصال[13]. ويقول القديس أثناسيوس: من خلال الابن نحن نُعطى ما نُعطَى، فالآب لا يعمل شيئًا إلاّ بالابن، لذلك فالنعمة محفوظة لمَن يحصل عليها[14].

وفي ظل هذا النمط من العطاء الذي تحكمه الوحدانية التي بين الآب والابن، فإن النعمة لا يمكن أن تكون هبة إلهية قابلة للانفصال عن الله أو قابلة للانتقال منه لتُعطى للإنسان، وهي التي بفضلها يصير الإنسان بصورة ما مؤلَّهًا أو إلهيًّا*[15].

إن نعمة ربنا يسوع المسيح ينبغي أن نفهمها بنفس الطريقة التي نفهم بها حقيقة الروح القدس الذي كما عبَّر قانون الإيمان النيقي القسطنطيني عنه، هو الرب المحيي. وقد أكد القديس أثناسيوس هذه النقطة مرات كثيرة وبصفة خاصة في رسائله إلى سرابيون إذ قال: إن الروح القدس هو هو بغير تغيير على الدوام، وهو لا ينتمي إلى طبيعة الذين يشتركون فيه رغم أن كل الأشياء تشترك فيه[16].

كذلك أيضًا النعمة، لأن النعمة هي إعطاء الله ذاته لنا في المسيح يسوع، ولا يمكن فصلها، أو بالحري فصله أي المسيح عن الله بأي شكل من الأشكال، لأنه واحد في ذات الجوهر مع الله المعطي[17]. وإعطاء الله ذاته لنا في النعمة لا يمكن فصله أبدًا عن الجوهر الواحد والفعل الواحد الذي للثالوث القدوس.

ويقول القديس أثناسيوس في ذلك: الثالوث القدوس المبارك واحد في ذاته بغير انقسام. وعندما يُذكر الآب، فإن ذلك يتضمن كلمته والروح القدس الذي هو في الابن. وعندما يُذكر الابن، فإن الآب هو في الابن والروح القدس ليس خارج الكلمة. لأنه توجد نعمة واحدة من الآب تتحقق بالابن في الروح القدس[18].

ويعود القديس أثناسيوس ليؤكِّد مرة أخرى: هذه النعمة والعطية التي تُعطى، إنما تُعطى في الثالوث القدوس، من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة لنا هي من الآب بالابن، فإنه لا تكون لنا شركة في العطية إلاّ في الروح القدس. لأننا حينما نشترك فيه، تكون لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس ذاته[19].

ولمصطلح هوموأووسيوس أهمية إنجيلية تتضح تمامًا في أعمال المسيح الخلاصية مثل الشفاء والغفران والمصالحة وفداء البشرية الساقطة، لأن هذا المصطلح أكَّد بأقصى ما يمكن على أن كل هذه الأعمال تمت نتيجة علاقة الوحدة غير المنفصلة والشركة التامة الكاملة بين يسوع المسيح والله الآب. كما تكمن أهمية موضوع التأليه θεοποίησις في تأكيده القاطع على الوحدانية في الفعل كما في الجوهر بين الابن والآب، مما يجعل أعمال المسيح الخلاصية في الإنجيل هي نفسها أعمال الله ذاته لأجلنا ولأجل خلاصنا.

وهكذا ينكشف مدى تأثير وشرعية هذه الأعمال من خلال الإصرار على أن هذه الأعمال هي تلك التي يستطيع الله الآب وحده بكونه ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى أن يعملها.

وبدون هذا الأساس كما رأى آباء نيقية فإننا نفرغ الإنجيل من جوهره الخلاصي. وعلى سبيل المثال: ماذا تكون قيمة وفاعلية كلمة الغفران التي قالها السيد المسيح لأحد الخطاة لو أن المسيح كان مجرد مخلوق، لأن الله وحده هو الذي يستطيع أن يغفر الخطايا وهو يغفرها بالفعل كما لو كان الخاطىء لم يفعل هذه الخطية بل ويجدد كيانه أيضًا؟ الحقيقة أنه فلو لم تكن كلمات يسوع المسيح وأعمال محبته الغافرة مؤسسة على كيان الله وحقيقته، لما كان لها أي أثر أو معنى.

ثم ماذا عن آلام السيد المسيح وفدائه للبشرية؟ وماذا تكون غاية الصليب لو أن المسيح الذي عليه كان منفصلاً عن الله، أي لو أن المسيح وهو على الصليب كان مجرد مخلوق والله بعيد تمامًا عنه ومنعزلاً في كيانه الإلهي؟ كيف كان ممكنًا أن يتم الفداء ما لم يكن الله ذاته في حبه وتحننه الفائق هو الذي أتى إلينا في يسوع المسيح ليجعل طبيعتنا وموتنا خاصًّا به من أجل خلاصنا؟

وكان هذا هو السؤال الذي طرحه القديس أثناسيوس في جداله الطويل مع الأريوسيين، حيث أظهر أنه في يسوع المسيح اتخذ ابن الله الأزلي شكل العبد ليصير بالتحديد كاهنًا وذبيحة في آنٍ واحد، وذلك في تدبيره الخلاصي لأجلنا[20]. ولم يكن لدى آباء نيقية أدنى شك في أن موت المسيح على الصليب كان هو عمل الله نفسه في أعماق وجودنا البشري المخلوق من أجل خلاصنا، وإلاّ فيكون ما حدث على الصليب بلا أي معنى أو فائدة. وقد عبَّر القديس غريغوريوس النزينزي عن هذا المعنى في عظة في عيد الفصح: الله مصلوب … هذه هي المعجزة.

لقد كنا في حاجة إلى إله يتجسد، إله يموت لكي نحيا نحن. فكلنا قد متنا معه حتى نتطهر، وقد قمنا ثانيةً معه لأننا متنا معه. وقد تمجَّدنا معه لأننا قمنا معه[21]. إذن فهذا الفداء يكون مفرغًا من مضمونه تمامًا، لو لم يكن الابن المتجسد، الإله الحق من الإله الحق، هو الذي تألم ومات لأجلنا على الصليب.

ثم ماذا عن المصير النهائي للبشرية عندما يأتي السيد المسيح في مجيئه الثاني ليدين الأحياء والأموات؟ كيف يكون التفكير في ذلك لو لم يكن يسوع المسيح هو نور من نور، إله حق من إله حق، بل مجرد كيان زائل يرحل عن هذا العالم مع بقية الخليقة؟ ولن يكون السيد المسيح في هذه الحالة كفيلاً لمستقبلنا، بل سيكون كل ما يمكن أن نرجوه في النهاية هو ملاقاة إله مستبد ومجهول لنا تمامًا، ولا علاقة له بيسوع المسيح أو بكل ما كان قد أعلنه.

ولكن ما هو الوضع إذا كان المسيح هو الله الظاهر في الجسد، الذي قد أخذ على عاتقه دينونة العالم وبحكم هذا فهو الوسيط بين الله والإنسان وبه يدين الله جميع الناس في اليوم الأخير؟[22] هذا بالتحديد هو ما يوضحه قانون الإيمان النيقي، لأن لمصطلح هوموأووسيوس تأثيره البالغ في فهمنا للدينونة الإلهية، لأنه يؤكد أنه لا يوجد فاصل أو مسافة من أي نوع بين يسوع المسيح والله ديَّان العالم كله.

فدينونة المسيح ودينونة الله هي واحدة تمامًا، لأنه حتى في الدينونة الأخيرة فإن الله الآب والابن المتجسد هما واحد تمامًا في الجوهر وفي العمل. وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت قانون الإيمان يؤكد أن المسيح ليس لملكه انقضاء، لأن التجسد لن يزول أبدًا بل سيدوم وسيبقى إلى أبد الآبدين[23].

المكانة المحورية لمصطلح هوموأووسيوس في الكنيسة

عندما شرع آباء الكنيسة العظام في التأمل بدقة في كل ما يمكن أن يترتب على تعبير هوموأووسيوس μοούσιος، اكتشفوا أن هذا التعبير يحمل في طياته معاني تزيد بكثير عما كان مُدركًا وقت صياغته واستخدامه في قانون الإيمان. وسرعان ما صار هذا التعبير هو ركيزة أرثوذكسية المسيحية أو التقوى، وصار مَن يرفضه كمَن أنكر رسالة الخلاص إنكارًا صريحًا كما قال القديس غريغوريوس النيصي[24]. بل ما هو أكثر من هذا، أن الآباء قد غمرهم الانبهار والدهشة إزاء دلالة العلاقة الداخلية التي للابن المتجسد بجوهر الله الحي، وماذا تعني هذه العلاقة بالنسبة لحياة السيد المسيح كلها، والتي ينبغي اعتبارها متضمَّنة داخل علاقات التواجد الاحتواء المتبادل التي للثالوث القدوس.

فما صار فيه ابن الله في تجسده، وما اختبره وقاله وصنعه لأجلنا ولأجل خلاصنا، كان مؤسسًا في الله، ومُعتبرًا أنه في داخل الله وخاصًّا به تمامًا. والأدهش من هذا كله، أن يسوع ابن العذراء مريم الذي عاش حياة بشرية كاملة بيننا كواحد منا، لم يكن هو إلاّ الله ذاته الذي قد صار إنسانًا، وهو وفي نفس الوقت وإلى الأبد ينتمي إلى عمق جوهر اللاهوت[25]. ولا عجب إذن في أن آباء الكنيسة قد جاهدوا بشدة من أجل الحفاظ على صحة هذا الإيمان الذي توهج نوره بقوة في ذهن الكنيسة في نيقية، مما ولَّد قناعة لدى المؤمنين بأن ما حدث في هذا المجمع كان بالحقيقة من الله.

وفي أثناء التوصل إلى صياغة مصطلح هوموأووسيوس بنيقية، حدث أمر جوهري في فكر الكنيسة الأولى، فقد تمت خطوة حاسمة نحو مستوى أعمق في فهم الإنجيل، وفي نفس خط التقليد الرسولي الذي لا يمكن للكنيسة أن تتراجع عنه طاعة منها لإعلان الله الخلاصي في المسيح يسوع. وقد كانت هذه الخطوة حدثًا لا رجعة فيه في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي.

ويمكننا أن نستدل على أهمية ما قد تم إذا نظرنا إلى ما نفعله في لعبة لغز الصورة المُقطَّعة jig-saw puzzle أي الأحجية المؤلفة من قطع صغيرة يتعين على المرء أن يرتبها بحيث تشكِّل صورة ما. فنحن نرتب القطع المتناثرة حتى يظهر منها الشكل المطلوب، وإذا أعدنا تفكيكها فلن نجد صعوبة كبيرة في إعادة ترتيبها مرة أخرى. ولكننا لا نستطيع عمل هذا بدون تذكر الصورة التي توصلنا إليها في المرة الأولى، لأن شيئًا ما قد حدث في العقل والذاكرة يتعذر إلغاؤه، وهو الذي يؤثر على كل المحاولات التالية للرجوع إلى الشكل المتكامل الأصلي المكوَّن من القطع المختلفة.

وقد وقع حدث لن يُمحى من هذا النوع في عقل وذاكرة الكنيسة في مجمع نيقية عام 325م، وكان هذا نقطة تحول ذات أهمية كبرى وتطور في الفهم لا رجوع عنه. وعندما تأكد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب، وتمت صياغته بوضوح في مصطلح هوموأووسيوس μοούσιος، كان هذا خطوة عملاقة إلى الأمام نحو إدراك أعمق لترابط الإنجيل كما نقلته إلينا كتابات الرسل. وبمجرد الوصول إلى هذا المفهوم في الكنيسة، لم يكن من الممكن التراجع عنه، لأن المضمون الإنجيلي للإيمان كان قد تم حفظه وتأمينه في ذهن الكنيسة بشكل دائم وباقٍ. وكما قال القديس أثناسيوس: إن كلمة الله التي جاءت خلال المجمع المسكوني بنيقية تدوم إلى الأبد[26].

مصطلح هوموأووسيوس ينطبق على علاقة الابن الأزلي بالآب، وينسحب بالتالي على علاقة الابن المتجسد بالآب

لقد تناولنا في هذا الفصل، الأهمية الكبرى التي ينطوي عليها مصطلح هوموأووسيوس في توضيحه وتأكيده للوحدانية في ذات الجوهر بين يسوع المسيح والله الآب. وقد اهتممنا بتوضيح حقيقة إنجيلية هامة، ألا وهي أن ما هو الله في يسوع المسيحفي كل إعلانه وعمله الخلاصي نحونا هو نفس ما هو الله في جوهره الذاتي. ولكن يوجد جانب آخر لهذه الحقيقة وهي أن مفهوم هوموأووسيوس أي الوحدانية في ذات الجوهر، ينطبق ليس فقط على العلاقة بين الابن الأزلي والآب، بل أيضًا كما أشرنا على العلاقة بين يسوع المسيح الابن المتجسد والآب، ولذا كان علينا أن نبحث فيما يعنيه هذا من جهة بشرية المسيح.

وقد طُرح هذا السؤال في الكنيسة فورًا عقب مجمع نيقية كما نرى من رسالة القديس أثناسيوس إلى إبكتيتُس: وماذا عن بشرية الرب يسوع، إذا كان علينا أن نعطي مفهوم هوموأووسيوس هذه المكانة الرئيسية في إيماننا وفكرنا؟ وبلا شك كما ذكرنا فإننا نقول، إن يسوع المسيح وهو في كمال وتمام طبيعته البشرية له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وبكونه هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، فلابد أن يكون إنسانًا كاملاً من إنسان، كما أنه في نفس الوقت إله من إله.

[1]كان لاهوتيو نيقية يقتبسون هذه الآية يو 17:5 بصورة متكررة، كما نرى في:

 Athanasius, In ill. om., 1; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.21f, 29, etc.

93 Athanasius, De decr., 7, & 1Cor. 8.6-see further De decr., 19ff; Con. Ar., 1.19; 2.31; 3.4, 39; De syn., 35, etc.

94 Athanasius, De syn., 46.

95 Athanasius, Con. Ar., 2.21ff, 29, 31, 56ff; Ad Max., 3f.

96 Athanasius, Ad Adel., 8.

97 Athanasius, Con. Ar., 1.6, 38-39, 42-43.

98 Athanasius, De decr., 1, 25; Con. Ar., 2.6, 9f, 45, 51f, 75f; Ad Ant., 7.

[8]يقول القديس أثناسيوس: هي نفس النعمة الواحدة، من الآب في الابن، كما أن النور الذي للشمس وللشعاع هو واحد، وكما أن إضاءة الشمس تتحقق من خلال الشعاع.

 Athanasius, Con. Ar., 3.11; cf. also 3.13

*إن نعمة ربنا يسوع المسيح هي كل ما عمله في جسد بشريته لأجلنا، ولا يمكن فصل ما عمله المسيح نعمة المسيح عن المسيح نفسه. وبما أن هناك وحدانية في العمل بين المسيح الابن المتجسد والله الآب وذلك بسبب الوحدانية في ذات الجوهر بينهما فإن النعمة العطية التي لنا في المسيح ومُعطي النعمة الله الآب هما واحد تمامًا. المترجم

100 Athanasius, De decr., 14; Con. Ar., 1.16, 39f, 50; 3.12f.

#انظر شرح المفهوم الأرثوذكسي لمصطلح ’التأله‘ في كتاب طبيعة وأقنوم للقمص تادرس يعقوب ملطي، مراجعة نيافة الأنبا بيشوي كنيسة مارجرجس سبورتنج طبعة سبتمبر 1987 صفحة 26. المترجم

[10] رغم أن مصطلح التأله θέωσις لم يرد حرفيًّا في كتابات القديس أثناسيوس، إلاّ أنه بالتأكيد كان متضمَّنًا في استخدامه للفعل يؤله θεοποιε: لقد صار إنساناً، لكي ما يؤلهنا نحن

ατός γάρ νηνθρώπησεν να μες θεοποιηθμεν. De inc., 54.

*إن مفهوم ’تأليه الإنسان‘ عند الآباء لا يعني أبدًا أن الإنسان سيصبح غير محدود وعالم بكل شيء، ولا يلغي طبيعة الإنسان المخلوقة أو يغير جوهره، لأن هذا معناه انتهاء الشركة نفسها التي بين الإنسان والله. ولكنه يعني تحقيق غاية خلقة الإنسان بالشركة مع الله والاتحاد به ونوال نعمة الحياة الأبدية.

ولكن الله سيظل على الدوام ’آخر‘ بالنسبة للإنسان، وسيظل الإنسان المخلوق متلقيًا من الله الخالق. وفي هذا يقول القديس اثناسيوس: ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة، ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سُر الله الذي وهبنا هذه النعمة ضد الأريوسيين 3: 19. المترجم

#كان القديس أثناسيوس قد فسَّر ’كلمة الله‘ في هذه الآية على أنها تشير إلى اللوغوس الذي حل بيننا متجسدًا. ضد الأريوسيين 39:1. المترجم

[11]يو 35:10 – انظر القديس أثناسيوس Con. Ar., 1.39; Ad Afr., 7

وكان مفهوم ’التأليه‘ θεοποίησις هذا، يُدعِّم بمفهوم ’الاستنارة‘ φωτισμός، لأنه حيث إن المسيح هو إله من إله ونور من نور، وليس مجرد أنه يشهد للنور بل هو النور الحقيقي، فإن إنارته لنا تكون بالحقيقة فعلاً إلهيًّا ومؤلِّهًا. انظر:

 Athanasius, De decr., 23f; Con. Ar., 1.43; 2.41; 3.3ff, 125; 4.18; Ad Ser., 1.19f, 30, etc.

103Athanasius, Con. Ar., 1.9, 16, 37-43, 46-50; 2.47, 53, 59, 63-70, 74, 76-78; 3.17, 19-25, 34, 39-40, 53; 4.33-36. See also De decr., 14; De syn., 51; Ad Adel., 4; Ad Ser., 1.24.

[13]وفي تعليقه على فيلبي 9:2-10 كتب القديس أثناسيوس: لأنه كما مات المسيح ثم مُجِّد كانسان، فبالمثل قيل عنه أنه أخذ كانسان ما كان له دائماً كإله، وذلك لكي يمكن للنعمة المعطاه أن تصل إلينا. لأن الكلمة لم يُنتقص منه شيئاً بأخذه جسداً حتى يسعى للحصول على النعمة، لكن بالأحرى هو قد ألّه θεοποίησεν ما قد أخذه جسده الخاص، بل والأكثر من هذا أنه أنعم χαρίσατο بهذه العطية التأليه على الجنس البشري.

Con. Ar., 1.42. Cf. 2.69; 3.39-40

105 Athanasius, Con. Ar., 3.12.

*وحيث إن نعمة ربنا يسوع المسيح لا يمكن فصلها عن المسيح، فإن نوال هذه النعمة تعني الاشتراك في المسيح ذاته لأنها ليست أمرًا بعيدًا عنه، وهذا يتم من الآب في الروح القدس. وحيث إن المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، فبالتالي يصبح نوال نعمة ربنا يسوع المسيح هو هو شركة الثالوث الأقدس. المترجم

[15]كثيراً ما يُستخدممع الأسفهذا المعنى الضعيف للنعمة لتفسير مفهوم ’التأله أوالتأليه‘

θέωσις, θεοποίησιςوذلك في الإشارة إلى الآية شركاء الطبيعة الإلهية 2بط 4:1 –وهذا الأمر هو ما رفضه القديس أثناسيوس بشدة وبوضوح. Con. Ar., 2.17ff, 24f

انظر استخدام القديس أثناسيوس للآية 2بط 4:1 في Ad Adel., 4 مع الإشارة إلى حقيقة أن ابن الله بكونه صار إنسانًا، فإنه قد نقل ’نسلنا المخطىء‘ πλανηθεσαν γέννησιν إلى نفسه، حتى ما يمكن أن نكون ’جنسًا مقدسًا‘.

107Athanasius, Ad Ser., 1.27.

108Athanasius, Con. Ar., 2.18; 3.11ff, 24-25, 39f; 4.6f.

109Athanasius, Ad Ser., 1.14; cf. 3.5.

110Athanasius, Ad Ser., 1.30.

111Athanasius, Con. Ar., 1.41ff, 59ff; 2.7ff, 68ff, 75f; 3.31ff, 56f; 4.6f; and see especially the Athanasian Con. Apol., I & II.

112Gregory Naz., Or., 45.28f; cf. also ibid., 22.

113Athanasius, Con. Gent., 47; De inc., 20f, 56; In ill. om., 2; Con. Ar., 1.59f; 2.14, 31, 69, 76; 4.6f; Con. Apol., I.II; cf. De inc. et con. Ar., 22; and Serm. maj. de fid., 26.

114See Athanasius, Con. Ar., 1.42f.

115Gregory Nyss, Con. Eun., 1.15; cf. 2.12.

116See especially Athanasius, Con. Ar., 1.46; 2.69-76; 3.1-6, 30-35; 4.1ff. 33-36; Ad Epict., 5-9.

117 Athanasius, Ad Afr., 2.

وحدانية القدرة والعمل بين الابن المتجسد والآب

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

مفهوم هوموأووسيوس هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النّيقيّ كله

لقد أصبح واضحًا لدينا الآن أن المناقشات التي جرت في نيقية والقرارت التي اتُخِذت هناك، لم تكن في الأساس تختص بأمور غيبية أو ميتافيزيقية أي فيما وراء الطبيعة، على الرغم من أن مثل هذه القضايا الميتافيزيقية وغيرها من المسائل التفسيرية كانت متضمَّنة داخل تلك المناقشات. ولكن الموضوع الرئيسي محل الاهتمام كان هو الوحدانية بين يسوع المسيح والله الآب في ذات الجوهر والفعل والقول، ومدى تأثير ذلك على صحة الرسالة الإنجيلية. وكان على الآباء أن يتخذوا القرار الحاسم فيما يخص هذا الموضوع، وهذا بالفعل هو ما قد تم في نيقية.

وكان القصد الأساسيفي مجمعي نيقية والقسطنطينيةمن صياغة مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος والتمسك به، هو الالتزام الأمين بما جاء في الإنجيل الذي اؤتُمِنَت عليه الكنيسة، وتقديم اعتراف رسمي بالإيمان يحمل في جوهره الحق الإنجيلي الأسمى الذي تأسست عليه الكنيسة. وبدلاً من فرض الفكر الهلليني على الإنجيل[1]، تم تعديل معاني المصطلحات الهللينية* حتى يمكن توظيفها لخدمة تعليم وشهادة إنجيل العهد الجديد بلا أي تحريف أو ضلال.

 

وعلى هذا النحو، تحوَّل مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος من كونه مجرد مصطلح لغوي بسيط، إلى أن أصبح يمثل مفهومًا فكريًّا كاملاً، لا يستطيع العقل الورع إلاّ أن يقبله إذا أراد أن يكون وفق الحق المُعلن في المسيح يسوع. وصار هذا المصطلح بذلك هو المفصل الذي يدور عليه قانون الإيمان النيقي كله، كما ظل هو المفهوم الرئيسي الذي حافظت عليه الكنيسة، وطالما عادت إليه في فهم وإعلان بشارة الإنجيل. وما يعنينا هنا بالدرجة الأولى هو إدراك تأثير ال هوموأووسيوس ὁμοούσιος على رسالة الإنجيل، والذي نستطيع من خلاله أن نحكم على هذا المصطلح ونكتشف أهميته.

 

ما الذي يمكن أن يحدث إذا لم تكن هناك وحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب؟

هنا نجد أن الأهمية الرئيسية والشاملة لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تكمن في تأكيده الدامغ على أن يسوع المسيح هو الله، وبكونه الله فهو يشترك مع الآب وبصورة متطابقة ومطلقة في ذات جوهر اللاهوت الواحد. وبكونه الابن الوحيد المولود من الآب، فهو التجسيد التام لكيان الله بالكامل، كما أنه هو إعلان الله الفريد عن ذاته لأنه الكلمة الذي صار جسدًا.

ومن جانب آخر، إن لم يكن يسوع المسيح هو الله كما زعم أريوس فلابد عندئذ أن نعتبر أنه مخلوق من العدم، وبالتالي يكون خارجًا عن الله الخالق، ومختلفًا تمامًا عن جوهره، بل وغريبًا عنه، ويترتب على ذلك كما كان يؤكد أريوس أن الله لا يمكن على الإطلاق معرفته، لأنه لا يوجد مخلوق وهنا يقصد المسيح مهما علت مرتبته يستطيع التوصل إلى معرفة حقيقية عن الله.

وهذا يعني أنه إذا فصلنا بين جوهر الابن المتجسد وبين جوهر الآب[2]، فلن نستطيع عندئذ أن نقول أنه توجد أية وحدانية بين ما يقدمه الإنجيل من إعلان عن الله في المسيح وبين الله ذاته. وإذا لم يكن ما هو الله في ذاته هو نفس ما هو في الرب يسوع المسيح، فلن يكون هناك تطابق بين الله وبين مضمون إعلانه عن ذاته في المسيح، ولن يستطيع البشر عندئذ الوصول إلى الآب بالابن في الروح القدس. وسنكون حينئذٍ في جهل تام عن الله، وسيكون الله بالنسبة لنا مبهمًا ومجهولاً تمامًا، فلا نستطيع أن نفكر فيه أو نتحدث عنه.

وقد عبَّر القديس أثناسيوس عن ذلك بقوله: لو كان الابن منفصلاً عن الآب، أو لو أن الكلمة لم يكن كائناً منذ الأزل في الله، لكان جوهر الله صامتًا تمامًا λογοςبالضبط مثل نور لا يشع μή φωτίζων، أو أرض جرداء بلا خصوبة ρημος، أو مثل ينبوع جاف لا ينبع منه شيء أو حفرة خاوية λάκκος[3]. والحقيقة الأساسية التي يؤكِّدها القديس باسيليوس هي أنه لو كان الابن مخلوقًا، لما كان للبشر أية معرفة عن الله على الإطلاق[4].

ولن يكون لدى الكنيسة في تلك الحالة إلاّ بعض الفهم البشري الذي مركزه في الإنسان وليس في الله لكي ما تطبقه على الله وتقدِّمه في شكل إعلان زائف. وقد أشار القديس أثناسيوس في أحيان كثيرة إلى أن الهراطقة يتاجرون في هذا النوع من الإعلان الزائف الذي يبتكرونه κατ ε̉πίνοιαν وفقًا لخيالاتهم الشخصية، بدلاً من أن يكون هذا الإعلان أمرًا يتسلَّموه ويدركوه κατά διάνοιαν وفقًا لحقيقة الله الموضوعية.

وإذا لم يكن الله نفسه في كيانه الذاتي كآب وابن وروح قدس هو ما يعنينا في أمر الإعلان الإلهي، فإننا في هذه الحالة نكون قد انشغلنا بالميثولوجيا μυθολογία أي معرفة الله من خلال الأساطير، وليس بالثيؤلوجيا θεολογία أي المعرفة اللاهوتية الحقيقية. وأيضًا إذا كان المسيح منفصلاً عن الله، فلن يكون هو نفسه مركزًا لكل الإنجيل البشارة المفرحة بل مجرد شخص زائل يمثل الله، أو صورة رمزية له فقط لا غير، وكان هذا سيؤدي بالتأكيد كما ادعى أريوس إلى عدد لا يُحصى من كلمات الله وصوره[5].

ومَن يكون هذا الإله الذي نعبده إذن، لو لم يكن المسيح الذي حلّ بيننا هو إعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا؟ فلو أن الأمر كذلك، ألاّ يكون الله عندئذ هو من لا يعبأ بأن يُعلن ذاته لنا، ولم يتنازل لإظهار ذاته لنا في المسيح يسوع، أو يمكن حتى أن نقول إن محبته ستكون عندئذٍ قد عجزت عن أن يصير واحدًا معنا؟

وكان هذا سيعني بالتأكيد أنه لا توجد علاقة من حيث الوجود وبالتالي من حيث المعرفة بين محبة المسيح ومحبة الله أي إننا بالحقيقة لن نجد إعلانًا عن محبة الله، بل على العكس سنجد ما يدعو للسخرية، لأنه في حين يُقال إن الله أظهر محبته لنا في المسيح يسوع، إلاّ أن المسيح في هذه الحالة لن يكون بالحقيقة هو نفس هذه المحبة في ذاته!

وقد رأى آباء نيقية أن هذه الأفكار وما يترتب عليها تنطوي على تناقض شديد مع رسالة الإنجيل التي تقول إن الإيمان بالرب يسوع المسيح هو الإيمان بالله ذاته. ولذلك أدخلوا تعبير هوموأووسيوس ὁμοούσιος في قانون الإيمان، ليؤكدوا على الحقيقة العظمى في أن الله قد أعلن لنا ذاته في التجسد، وأن الله واحد تمامًا مع إعلانه هذا. فكل شيء يعتمد على الوحدانية في الجوهر والفعل والقول بين يسوع المسيح الابن الوحيد المتجسد والله الآب.

وإن لم تكن هذه الوحدانية في ذات الجوهر أمرًا حقيقيًّا وصادقًا، لفقد الإنجيل الأساس الفعلي لإعلان الله الذاتي لنا واتصاله الذاتي بنا في المسيح يسوع، وهذا الأساس هو ما يجعل الإنجيل يصير إنجيلاً أي بشارة مفرحة حقيقية.

وعلاوة على ذلك كما رأينا، فإن تعبير له ذات الجوهر الواحد μοούσιος مع الآب إنما يعبِّر عن الوحدانية المطلقة بين أنا هو الخاصة بالرب يسوع وأنا هو الخاصة بالله الآب ضابط الكل، لأن ابن الله في شخصه المتجسد هو الذي نستطيع فيه أن نعرف الآب وفقًا لما هو في ذاته، ونعرفه معرفة دقيقة وحقيقية وفقًا لطبيعته الإلهية. ويؤكِّد مصطلح هوموأووسيوس أن ما هو الله في ذاته منذ الأزل هو نفس ما هو في يسوع المسيح، وبالتالي فليس هناك إله آخر مجهول بعيد عن الرب يسوع المسيح، بل هو فقط الإله الذي قد صار معروفًا لنا في يسوع المسيح.

وهذا ما نسمعه من القديس أثناسيوس حين يقول إن معرفة الآب من خلال الابن ومعرفة الابن من الآب هما نفس الشيء تمامًا[6]، ويردد القديس باسيليوس ما قاله القديس أثناسيوس: كل ما للآب يُرى في الابن، وكل ما للابن هو للآب، لأن الابن بجملته هو في الآب وله كل ما هو للآب في ذاته. وبذلك فإن أقنوم الابن كما لو كان هو هيئة ووجه معرفة الآب، كما أن أقنوم الآب يُعرَف في هيئة الابن[7].

وجدير بالذكر هنا، أن مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος ينطبق تبعيًّا على العلاقة بين الابن المتجسد والله الآب. وهذا يعني أن هذا المصطلح يؤكد حقيقة بشرية المسيح، وحقيقة أن كل ما أعلنه المسيح لنا وما صنعه من أجلنا إنما قد تم وهو في وحدانية غير منفصلة في جوهر الله الأزلي.

وقد أشرنا سابقًا إلى أهمية ما قاله القديس أثناسيوس بأن الابن المتجسد أو بشرية الرب أو الإنسان الرباني Dominical Man على حد تعبير القديس أثناسيوس يعتبر رأس أو أول طرق الله* لأجلنا[8]، مما كان له أكبر الأثر في الفهم المسيحي لله وفقًا لما هو في ذاته وما قد أعلنه لنا عن ذاته. ولا بد لنا من أن نشير إلى أن أهمية مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تكمن في ارتباط المسيح، وهو في حقيقة وكمال بشريته، بحقيقته وكماله بكونه ابن الآب الأزلي.

وما يجب علينا هنا أن نعيه تمامًا هو كمال بشرية إنسانية المسيح: أي إن الابن في التجسد اتحد بطبيعة بشرية كاملة في زمان ومكان محدد، لذا فالمسيح هو أخ لنا، لحم من لحمنا ودم من دمنا[9]. وبالتحديد كما أنه بكونه الابن المتجسد هو شريك مع الآب في ذات الجوهر والطبيعة الواحدة منذ الأزل، فكذلك أيضًا شاركنا كياننا وطبيعتنا البشرية المخلوقة.

ومن المدهش فعلاً أن الإنجيل كشف لنا أن الله ذاته جاء بيننا كإنسان[10]، وليس مجرد أنه أقام أو سكن في إنسان بل إنه هو نفسه صار إنسانًا كاملاً. وهكذا هو يلتقي بنا، ويعلن ذاته لنا، لأنه يشاركنا في كل كياننا وطبيعتنا البشرية: في الجسد والعقل والنفس[11].

وكانت هذه هي إحدى حقائق الإنجيل الأوليَّة التي سعى الأريوسيون إلى إغفالها إصرارًا منهم على إبقاء الله على مسافة بعيدة للغاية عن الإنسان، ولذا فقد نادوا بفكرة غريبة مفادها أنه بما أن المخلوقات لا تحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، فقد خلق الله اللوغوس أولاً، ثم من خلال اللوغوس وبواسطته أحضر بقية الخليقة إلى الوجود[12]. ولذلك اعتبر الأريوسيون أن اللوغوس يحتل مكانة ودور مخلوق متوسط بين الله والعالم.

وقد انزعج آباء نيقية جدًّا عند سماعهم تلك الأقوال، وصمّموا بالإجماع على استبعاد الهرطقة الأريوسية بشكل قاطع وكان هذا هو الهدف الأول لتعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί[13]. وفي وجه النزعات الانقسامية الخاصة بفصل الابن، غير القابل للإنفصال، عن الآب تلك النزعات التي مزَّقت رداء المسيح وثوب الله الذي بغير خياطة كان لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος أكبر الأثر في رفض ثنائية الفكر، والحفاظ على حقيقة وكمال طبيعة المسيح الإنسانية، التي يتأسس عليها كمال وحقيقة خلاصنا[14].

وتُعد هذه النقطة ذات أهمية خاصة في فهمنا للوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والله الآب لأن هذه الوحدانية هي التي تربط الخلق والفداء معًا، حيث تكون محبة الله هي القاعدة الحقيقية التي يرسو عليها كل موضوع الخلق. ولذلك فإن عدم قبول هذه الحقيقة أي الوحدة في ذات الجوهر بين المسيح والله يعتبر رفضًا لنظرة المسيحية نحو الله والخلق والفداء، لأن كل شيء يعتمد في النهاية على حقيقة وكمال بشرية الابن المتجسد ووحدانيته في ذات الجوهر مع الله الآب.

 

78Athanasius, De syn., 51.

*أي إن هذه المصطلحات الهللينية عند استخدامها في التعليم المسيحي أصبحت تحمل معاني لم تكن تحملها حين كانت تُستخدم في التعبير عن الفكر الهللّيني. المترجم

79Cf. Athanasius, De syn., 45.

80Athanasius, Con. Ar., 1.19; 2.2, 14, De decr., 15. Cf. G. D. Dragas, Athanasiana, vol. 1, 1980, p. 54.

81Basil, Con. Eun., 1.18ff.

82See the citations from Arius’ Thalia, in Athanasius, De syn., 15; De decr., 16; Ad episc., 14, 16.

83Athanasius, Con. Ar., 2.82.

84Basil, Ep., 28.8. Cf. Athanasius, Con. Ar., 2.18, 22; 3.3f.

* ارجع إلى الفصل الثاني صفحة 88 ، والفصل الثالث صفحة 119. المترجم

85Athanasius, Exp. Fidei, 1 & 4; De decr., 13f; Ad episc., 17; Con. Ar., 2.18-67, etc.

86Athanasius, Ad Epict., 2-9; Con. Ar., 4.30-36.

87Athanasius, Con. Ar., 3.30. Cf.

يقول القديس إبيفانيوس: إنه هو ذاته، كان الله وإنسان في آنٍ واحد، ليس كما لو كان يسكن في إنسان ولكنه هو نفسه صار إنسانًا بالكامل. Haer., 77.29

[11]تحتوي رسالتا القديس أثناسيوس ضد أبوليناريوس Contra Apollinarem على حجج قوية عن حقيقة بشرية المسيح الكاملة وأثر ذلك على خلاص الإنسان ككل.

D. Dragas, St Athanasius Contra Apollinarem, 1985.

[12]وهنا كان للقديس أثناسيوس السؤال التالي: كيف يستطيع اللوغوس نفسه في هذه الحالة، أن يحتمل حضور الله المطلق أو يد الله، لو كان هو أيضًا حسب رأي الأريوسيين مخلوقًا؟ :Athanasius, De decr., 7ff

90 Athanasius, Ad episc., 13.

91 Athanasius, Ep. fest., 4.4; 5.6; 10.9; Ad Adel., 2ff.

الأهمية الإنجيلية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

العلاقة المتبادلة بين الإيمان الرسولي والتقليد الرسولي

لقد كان عصر نيقية هو العصر الذي تم فيه توضيح قانون الحق أو قاعدة الإيمان[1]، وذلك من خلال الكشف عن مضمون الإيمان الداخلي في صياغة ثالوثية. كما كان هذا العصر أيضًا هو الذي تحقَّق فيه الاعتراف بقانونية الكتب المقدسة بكونها المستودع الذي يحتوي الإعلان الإلهي الذي نقله الرسل والأنبياء[2].

ولم يكن تزامن هذين الأمرين معًا من قبيل المصادفة، لأن توضيح وديعة الإيمان الرسولي في مواجهة التعاليم الخاطئة أي الدفاع عن الإيمان المُسلَّم، هو أمر متداخل ومترابط بشدة مع عملية تمييز التقليد الرسولي عن أي تقليد آخر أي تمييز وتحديد الأسفار القانونية. وقد كان هناك تفاعل دائم بين قانون الحق الإيمان الرسولي المُسلَّم، وقانون الكتب المقدسة التقليد الرسولي.

فالكتب التي قُبلت بكونها تنقل الإعلان الإلهي كانت فقط هي تلك التي جاءت متفقة مع قانون الحق الإيمان المُسلَّم، وكذلك الإيمان الذي قُبل كإيمان رسولي أصيل كان فقط هو ذلك الذي جاء متفقًا مع تعاليم الكتب المقدسة المقبولة التقليد الرسولي. وأثناء ذلك كله، كانت السلطة والأوليَّة التي أعطتها الكنيسة للإيمان الرسولي على أي إيمان آخر قد حملت ضمنيًّا معها سلطة وأوَّلية الكتب المقدسة الرسولية. وقد حدث الاعتراف الكامل بالأسفار المقدسة، فقط حين وُجد أن تركيبها الداخلي وتناغمها هو بالضبط نفس التركيب والتناغم الموجود في وديعة الإيمان الرسولي.

 

اهتمام مجمع نيقية بتوضيح الجوهر الداخلي للإنجيل وإعطائه صيغة رسمية في قانون الإيمان

إن ما نراه جليًّا تمامًا في المجمع الكبير، هو أن الآباء بنيقية كما عبَّر القديس أثناسيوس قد تنفسوا روح الكتب المقدسة[3]. فمن ناحية، اهتم الآباء بتحديد المعنى الأساسي الذي تضمَّنته الكتب المقدسة في العديد من نصوصها فيما يخص علاقة الرب يسوع المسيح بالآب، وقد حققوا ذلك من خلال التعمُّق في الجوهر الداخلي للإنجيل. ولكن من ناحية أخرى، كان اهتمام الآباء أيضًا أن يقدموا صياغة دقيقة ومحددة للإيمان بيسوع المسيح بكونه ابن الله المتجسد، وذلك من خلال استجلاء طبيعة علاقته الحقيقية بالله الآب. وفي هذا الصدد لم يكن أمام الآباء ومن خلال الإعلان الإنجيلي إلاّ أن يشهدوا بإيمانهم بألوهية المسيح الكاملة، بكونه إله من إله، له ذات الجوهر الواحد مع الآب.

ومن هنا توصل آباء نيقية ومن خلال جهودهم التفسيرية واللاهوتية إلى الصيغة الفائقة الأهمية: هوموأووسيوس ὁμοούσιος والذي يعني أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب. وترجع أهمية هذه الصيغة إلى أنها قدَّمت في تعبير محدد، العلاقة الكيانية بين الابن المتجسد والآب والتي بُنيَت عليها رسالة العهد الجديد، وفي ضوئها تُفسَّر وتُربَط نصوصه المختلفة.

ومن خلال خضوع مجمع نيقية للمعنى διάνοια المتضمَّن في الأسفار المقدسة، ومن خلال خضوعه كذلك للفكر التقوى φρόνημα الرسولي والذي هو بكل يقين فكر νος المسيح الذي يملأهم استطاع المجمع أن يوضح البناء الداخلي للإنجيل وأن يعطيه صيغة رسمية في قانون الإيمان، وبذلك أعطى المجمع للأسفار المقدسة سلطة وأوليَّة غير مسبوقة في فكر الكنيسة الجامعة[4].

وباليقين كانت الأناجيل ورسائل بولس الرسول قد قُبلت بشكل غير رسمي وألحقت بأسفار العهد القديم باعتبارها كتبًا مقدسة مقبولة ومعتَرف بها، ولكن قائمة الأسفار القانونية المعترف بها لم تتحدد بالضبط إلاّ بعد مجمع نيقية. إذن فلا عجب في أن يكون القديس أثناسيوس والذي يرجع إليه الفضل في ترسيخ مفهوم ال هوموأووسيوس في فكر الكنيسة هو الذي ندين له بأول قائمة محددة للأسفار القانونية، المُسَلَّمة إلينا والمُعترف بأنها إلهية.

وقد أوضح القديس أثناسيوس ذلك بقوله: إن هذه الأسفار هي ينابيع الخلاص، ولذلك فكل من يعطش يستطيع أن يمتلئ من الكلمات الحيَّة التي فيها. وفي هذه الأسفار وحدها يتضح قانون التقوى. فلا ندع أي إنسان يضيف إليها شيئًا أو ينتقص منها شيئًا[5].

ويتضح من وقائع جلسات مجمع نيقية التي وصلت إلينا، أن مصطلح هوموأووسيوس كان يُستخدم في أول الأمر للتفسير والتوضيح، وأنه تكوَّن في داخل إيمان وعبادة الكنيسة، وتشكَّل في ظل تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ليساعد الكنيسة على إدراك معنى διάνοια وحقيقة λήθεια مفاهيم وعبارات وصور أمثلة الكتاب المقدس.

ويخبرنا القديس أثناسيوس أنه نظرًا للأسلوب المراوغ الذي استخدمه وفسَّر به الأريوسيون الأسفار المقدسة، وضع آباء نيقية فقرات الكتاب المقدس الواحدة تلو الأخرى من العهدين القديم والجديد تحت الدراسة والفحص والتدقيق والمقارنة، مع الأخذ في الاعتبار المجال الذي قيلت فيه والزمان والمكان والشخص والموضوع قيد البحث.

وكذلك أسلوب الكتاب المقدس المميَّز في الحديث، وكل ذلك من أجل توضيح الفهم الحقيقي والصحيح لهذه النصوص، ومن أجل كشف بكل أمانة ممكنة المعنى الدقيق الذي تنقله تلك النصوص[6]. وقد رفض الآباء الأفكار الأسطورية والمادية التي أقحمها الأريوسيون على النصوص المقدسة واعتبروها أفكارًا غير كتابية وغير إيمانية[7].

 

لماذا اضطر الآباء، في تعبيرهم عن الإيمان، لاستخدام مصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس؟

لقد وجد الآباء أنفسهم مضطرين أحيانًا لاستخدام عبارات ومصطلحات غير كتابية لم ترد في الكتاب المقدس مثل أوسيا oύσiα و هوموأووسيوس ὁμοούσιος، وذلك من أجل التعبير بأقصى دقة وتحديد عن معنى διάνοια النصوص الكتابية وقوتها δύναμις فيما يختص بوحدانية يسوع المسيح غير المنفصلة مع الآب.

وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجًا عن الكتب المقدسة، أقرَّ الآباء بأن توضيح وشرح الحق بعبارات مأخوذة من الأسفار المقدسة وليس من أي مصدر آخر هو الأفضل من جهة الدقة والصحة، ولكنهم بالرغم من ذلك أُجبروا بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة أن يصيغوا ويشكِّلوا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم[8].

وكما أوضح القديس أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات بعينها وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات[9]. وكانت القاعدة العامة عند القديس أثناسيوس: أنه عندما تُستخدم التعبيرات في الحديث عن البشر، فإنها ينبغي أن تُفهم بمعنى يختلف تمامًا عن معناها حين تُستخدم في الحديث عن الله، لأن الله يتمايز عن البشر تمايزًا كليًّا وفائقًا، ولذلك فعندما تُستخدم نفس المصطلحات مع الله ومع الإنسان، يجب أن تُفسر تفسيرًا مختلفًا وفقًا لطبيعة من تشير إليه[10].

وكان التغيير الذي حدث في استخدام اللغة وفي مفهوم المصطلحات تحت تأثير قوة الإنجيل هو ما عبَّر عنه القديس أثناسيوس ورسخه كمبدأ تفسيري هام، حيث قال: إن التعبيراتλέξεις لا تنتقص من طبيعته أي طبيعة الله، بل بالأحرى فإن طبيعة الله تسحب هذه التعبيرات إليها وتحولها. لأن التعبيرات لم تسبق الكيانات οσαι، بل الكيانات كانت أولاً ثم جاءت التعبيرات التي تعبِّر عن هذه الكيانات وتشير إليها[11].

ولا ينطبق هذا المبدأ التفسيري على فهمنا لمصطلحات وتعبيرات الكتاب المقدس فقط، ولكنه يحكم أيضًا التعبيرات التي نأتي بها نحن لشرح وتفسير الكتاب المقدس. ولذلك فإن مصطلحات مثل أوسيا oύσiα وهوموأووسيوس ὁμοούσιος، التي استخدمت في الحديث عن الله في مجمع نيقية، لم تُوظف بنفس المعنى المعتاد لها في المراجع اليونانية، ولكن أُعطيت معنى جديدًا تحت تأثير إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح والذي غيَّر معاني هذه المصطلحات وأعطاها أبعادًا جديدة[12].

 

الدور التفسيري لمصطلح هوموأووسيوس

ومن هذا المنظور، كان التعبير النيقي: أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί يعتبر أداة تفسيرية بالإضافة إلى كونه أداة لاهوتية. ومع التسليم بأن هذا التعبير كان يُعتبر في البداية تعبيرًا لاهوتيًّا قاطعًا نشأ من الفحص الدقيق لعبارات الكتاب المقدس وأنماط الحديث الواردة فيه، وتمت صياغته في شكل موجز مضغوط بلغة دقيقة ومكافئة ليس لنص كلمات الكتاب المقدس بعينها وإنما للمعنى أو الحقيقة التي تنقلها أو تشير إليها هذه الكلمات[13]

ولكن مع ذلك فإنه بمجرد استقرار هذا التعبير كأداة لاهوتية تساعد الفكر على الإدراك، بدأ يساهم أيضًا كمرشد لفهم الكتب المقدسة، وكأساس إيماني رئيسي يُرجع إليه عند تعليم المؤمنين. وعلى حد قول القديس أثناسيوس، فإن الكنيسة عندما تدخل في مثل هذا الإدراك اللاهوتي الذي يقدمه مفهوم هوموأووسيوس، تكون قد وضعت قدميها على الأساس الرسولي الثابت، وتكون قادرة على أن تُسلِّم للجيل التالي التعليم الصحيح كما قد تسلَّمته من الجيل السابق بدون تحريف أو تشويه[14].

وبعد أن تثبت مفهوم ال هوموأووسيوس في الكنيسة على هذا النحو، ساهم هذا المفهوم أيضًا في إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهلليني اليوناني كما ذكرنا في فصل سابق*. فنجد أن معاني بعض المصطلحات مثل أوسيا oύσiα وهيبوستاسيس ύπόστασiς وكذلك لوغوس λόγος وإنرجيا νέργεια، قد خضعت لتغييرات جذرية من خلال الاستخدام الذي وُظِّفت فيه وذلك أثناء عمل الكنيسة التفسيري واللاهوتي.

وأصبح ينبغي أن تُفهم معاني هذه المصطلحات في ضوء رسالة الإنجيل التي استُخدمت هذه المصطلحات لنقلها، أي في ضوء حقيقة: إن الله الذي هو المصدر الخالق لكل الوجود قد صار إنسانًا وواحدًا معنا، لكي نُعطى بالابن وفي الروح القدس سبيلاً إلى الآب وفقًا لما هو في ذاته.

ومن هنا كان يُعد تعبير له ذات الجوهر الواحد مع الآب ὁμοούσιος τῶ Πατρί أنه تعبير فذ وحاسم: لأنه عبَّر عن حقيقة أن ما هو الله نحونا وفي وسطنا من خلال الكلمة الذي صار جسدًا، هو بالحقيقة نفس ما هو الله في ذاته#؛ أي إن ما هو الله في العلاقات الداخلية لجوهره الفائق كآب وابن وروح قدس هو نفس ما هو الله في عمله الإعلاني والخلاصي نحو البشر في الزمان والمكان[15].

 

المدلول اللاهوتي لمصطلح أوسيا oύσiα ومصطلح هيبوستاسيس ύπόστασiς

تشير كلمة أوسيا oύσiα في استخدامها اللاهوتي الحالي إلى الجوهر، ولكن ليس ببساطة كما ما هو عليه أي لا تشير إلى الجوهر في صورة عامة مجردة، وإنما تشير إلى ماهية هذا الجوهر فيما يتعلق بحقيقته الداخلية. وتشير كلمة هيبوستاسيس ύπόστασiς إلى الجوهر، ليس في وجوده المستقل، بل في توجهه أو هدفه الآخري الذي نحو الآخر.

وطبقًا لشرح برستيج، فإن أوسيا oύσiα تعني الجوهر في مدلوله الداخلي، بينما تعني هيبوستاسيس الجوهر في مدلوله الخارجي[16]. ومما يتعيَّن ذكره أيضًا أن هذه المصطلحات في الاستخدام اللاهوتي تحمل بالضرورة ضمنيًّا المعنى أو المفهوم الشخصي الأقنومي، وهو ما لم تكن تتضمَّنه تلك المصطلحات في استخدامها في اللغة اليونانية الكلاسيكية.

إذن فمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος يشير إلى علاقات شخصية أقنومية كائنة في اللاهوت، ففي جوهر الله الواحد: الآب والابن والروح القدس كل منهم متمايز λλος عن الآخر وهم جميعًا لهم ذات الجوهر الواحد؛ ومن جهة علاقة كل منهم بالآخر فإنهم في علاقة أقنومية ποστατός, ποστατικός مع بعضهم البعض، أو يمكن القول إنهم في علاقة كيانية أقنومية داخل الجوهر الواحد νυπόστατος, νυποστατικός.

ووحدانية الابن والروح القدس في ذات الجوهر إنما تشير إلى أن لهما ذات الجوهر الواحد مع الله الآب، كما أنها تشير كذلك إلى وحدتهما وتساويهما المطلق معه داخل هذا الجوهر الواحد غير المنقسم. وهكذا صارت الصيغة جوهر واحد، ثلاثة أقانيم Μία ουσίατρεις υποστάσεις صيغة إيمانية مقبولة عند التحدث عن الثالوث القدوس[17].

وهنا يجب أن نتذكر التغيير الذي حدث في الفهم اللاهوتي لجوهر الله، بفضل ما تضمَّنته التعبيرات التي قدَّمها القديس أثناسيوس عن: اللوغوس الكائن في الجوهر νούσιος Λόγος والفعل أو الطاقة الكائن في الجوهر νούσιος νέργεια، وقد تعرَّضنا لهذه التعبيرات في مناسبة سابقة*. فإذا كان ما هو الله في ذاته هو نفس ما هو في شخص وفعل ابنه وكلمته المتجسد، فإن جوهر οσία الله يجب أن يُفهم بشكل مختلف تمامًا عما كان في الفكر اليوناني.

فبالنسبة لله، اللوغوس الكائن في الجوهر νούσιος Λόγος والفعل أو الطاقة الكائن في الجوهر νούσιος νέργεια، إنما يعبِّران عن حقيقة أن جوهر الله ليس بلا كلمة أو بلا فعل، أي ليس صامتًا أو خاملاً ساكنًا، بل هو بليغ وفعَّال. وجوهر الله ينبغي فهمه بكونه جوهر متحدِّث وبليغ، لأن جوهر الله وكلمته متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فصميم جوهره هو الكلمة وصميم كلمته هو الجوهر.

وبالمثل أيضًا، فإن جوهر الله هو جوهر فعَّال ديناميكي، لأن جوهر الله و فعله أو طاقته متلازمان وكائن كل منهما في الآخر بغير انفصال، فجوهره هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله*.

وهكذا صاغ آباء نيقية مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος تحت تأثير إعلان الله عن ذاته، وعمله الخلاصي في يسوع المسيح، وقد ساهم هذا المصطلح بالفعل في دعم وتعميق العقيدة المسيحية المتميزة عن الله.

 

[1] ارجع إلى مفهوم القديس إيرينيئوس عن ’قانون الحق‘ في الفصل الأول:

Adv. Haer., 1.20, vol. 1, p. 87f; 1.15, pp. 188f; 2.8.1, p. 272; 2.40f, pp. 347ff; 3.1-5, vol. 2, pp. 2-20; 3.11.7, pp. 41; 3.12.6f, pp. 58ff; 3.15.1, p. 79; 3.38.1f, pp. 131f; 4.57.2ff, pp. 273ff; 5. Pref., p.313f; 5.20.1f, pp. 377ff; and Dem., 1-6.

ارجع أيضاً إلى مفهوم أوريجينوس في الفصل الأول عن ’قانون التقوى‘ الذي يمكِّن الكنيسة من فهم وتفسير الكتب المقدسة وفقاً ل ’فكر المسيح‘:

De prin., praef. 1-2; 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.3.4; 3.5.3; 4.2.2f; 4.3.14f.

[2] انظر للمؤلف: ’وديعة الإيمان‘ SJT, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28

63 Athanasius, Ad Afr., 4.

64 Alfred Robertson, St Athanasius: Select Works and Letters, pp. xvii and Lxxv.

65 Athanasius, Fest. Ep. of 367, 39.1-7; cf. Eusebius, Hist. eccl., 4.26.14.

66 Athanasius, Con. Ar., 1.55; 2.44; 3.28ff; De decr., 10f, 14, 19-22; De syn., 38-45; Ad Afr., 4-9; Ad Ser., 2.8.Cf. also Ep. Euseb., 5- appended to the De decr.

67 Athanasius, De decr., 24; Ad episc., 4, 9, 12f; De syn., 39, 42, 45; Con. Ar., 1.1, 8ff, 15, 37, 53; 2.1ff, 33, 72; 3.18f, etc.

68 Athanasius, De decr., 18f, 32; Hilary, De syn., 88, 91.

وقد أشار القديس أثناسيوس إلى أن المصطلحات غير الإنجيلية التي استُخدمت، كانت مأخوذة بالفعل من آباء سابقين:

De decr., 18, 25; De syn., 43; cf. 33ff. See C. Stead’s examination of the use of οσία and μοούσιος before the Council of Nicaea, op. cit., pp. 199-232.

69 Athanasius, De decr., 18, 21; De syn., 39, 41, 45; Con. Ar., 2.3; Ad Afr., 9; Ad episc., 4, 8; cf. Ad Ant., 8.

70 Athanasius, De decr., 10f.

ينطبق هذا الأمر على الأفعال ’يخلق‘ و’يصنع‘:

De decr., 11; De syn., 51. Cf. Hilary, De syn., 17; Basil, Con. Eun., 2.23; Gregory Naz., Or., 20.9.

انظر أيضًا للمؤلف:

‘The Hermeneutics of St Athanasius’, Ekklesiastikos Pharos, vol. 52, 1970, pp. 446-468; 89-106; 237-49; vol. 53, 1971, pp. 133-149.

71 Athanasius, Con. Ar., 2.3. Cf. also Gregory Naz., Or., 42.16; Gregory Nyss., Con. Eun., 1.37, and Hilary, De Trin., 4.14.

[12] وفي ضوء هذا الاستخدام المتنوع للمصطلحات، أعلن القديس أثناسيوس أن كل مجمع له أسبابه ومنطقه في استخدام لغته الخاصة. De syn., 45

73 Athanasius, De decr., 10f, 20-24; Con. Ar., 1.20, 55ff; 3.19ff.

74 Athanasius, De decr., 4.

* ارجع إلى الفصل الثاني من صفحة 97 إلى صفحة 106. المترجم

# لأنه إذا كان الكلمة الذي صار جسدًا وحل بيننا هو ’هوموأووسيوس‘ مع الآب والروح القدس، فإن كل ما أعلنه لنا يكون مطابقًا تمامًا ل ’ما هو‘ الله في ذاته.

75 Athanasius, Con. Ar., 2.11; 3.1ff; Ad Ser., 1.14-17, 20f, 30f; 2.2; 3.1f; 4.6.

76 G.L. Prestige, Fathers and Heretics, 1954, p. 88; God in Patristic Thought, pp. 168f, 188f. See also, T.F. Torrance, Theology in Reconciliation, 1975, pp. 243ff; and Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

77 Athanasius, Ad Ant., 5-6.

* ارجع إلى صفحتي 103، 104 في الفصل الثاني. المترجم

* إن الحديث عن أن الله يتعامل معنا بأفعاله أو طاقاته وليس بجوهره، ينبغي ألاّ يُفهم بمعنى وجود ثنائية في الله وكأن الله مثل دائرتين لهما مركز واحد: واحدة داخلية تمثل الجوهر وحولها الأخرى مثل الهالة تمثل فعل الله أو طاقته. وحيث إن الله لا توجد به مثل هذه الثنائية، فيمكننا أن نمثل جوهر الله وفعله أو طاقته كأنهما دائرتان متساويتان تمامًا ولهما مركز واحد أي كائنتان في بعضهما البعض تمامًا فيكون جوهر الله هو هو فعله الكائن في جوهره وفعله هو هو جوهره الكائن في فعله.

ولكن مع ذلك تبقى علاقة الله معنا هي علاقة مشاركة من الخارج Κατ Μετοχν Επακτν أي علاقة خارجية. لأنه توجد هناك علاقة شركة في الجوهر وهي التي بين الآب والابن والروح القدس فقط، وهناك علاقة شركة خارجية مثل حلول الروح القدس علينا. المترجم

الأهمية اللاهوتية التفسيرية لمصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

يخبرنا القديس أثناسوس في العديد من أعماله[1]، أن مجمع نيقية قد جاهد جهادًا عنيفًا من أجل التوصل إلى الصياغة النهائية للفقرات الحاسمة في قانون الإيمان، وقد تم ذلك على مراحل متتالية. ففي أول الأمر، عندما وافق الأريوسيون على صيغة أن الابن هو “من الله” أو “من عند الله” كما جاء في “نور من نور”، أصرَّ آباء نيقية على تعريف “من الله” أو “من عند الله” على أنها تعني “من جوهر الآب” (κ τς οσίας το Πατρός)، وذلك لتوضيح وتحديد العلاقات في داخل الله. وكان هذا يعني أن الابن خاص بصميم جوهر الله، وأنه “من الله” الآب وهو الأمر الذي لا ينطبق على المخلوقات وأنه هو إله من إله.

ولكن عندما تظاهر أتباع أريوس ويوسابيوس وفي موقف مثير للدهشة بالموافقة على عبارة “من جوهر الآب”، أدرك آباء نيقية أن هؤلاء الهراطقة سيفسرون هذه العبارة على نحو يمكن فيه أن تُطبَّق أيضًا على البشر الذين خُلقوا ليس فقط ك “أولاد الله” بل على “صورة الله ومجده”.

ولذلك قرَّر الآباء قطع الشك باليقين وإزالة أية إمكانية لسوء الفهم، فأضافوا التعبير اللاهوتي الحاسم بأن الابن “له ذات الجوهر الواحد” مع الآب (ὁμοούσιος τῶ Πατρί)، والذي يعني أن كلاًّ من الابن والآب هو إله مساوٍ داخل جوهر الله الواحد[2]. وفي نفس الوقت أضاف الآباء ملحقًا لقانون الإيمان يدحض الاعتقاد بأن الابن “من جوهر آخر مختلف (عن الآب)”، وبذلك أعلن المجمع إدانته للهرطقتان السابيلية والأريوسية والتي كانت كل منهما تميل إلى التداخل في الأخرى[3].

وهكذا رفض الآباء أي تعليم يفيد أن الابن هو من جوهر آخر غير الله، أو أنه ابن الله من خلال فقط مشاركته في الله. وأقرَّوا بشكل واضح تمامًا وبدون أي لبس أن الابن من صميم جوهر الله، وأنه هو الله، على نفس النحو الذي به الآب هو الله، لأنه واحد معه بصورة كاملة وفريدة[4]. وهو (أي الابن) وفي اتحاد كامل مع الآب كان منذ الأزل هو الله القائل “أنا هو”[5].

وقد حاول بعض الأشخاص في مجمع نيقية وما بعده الاستعاضة عن مصطلح هوموأووسيوس (ὁμοούσιος) بمصطلح آخر وهو “هومي أووسيوس” (ὁμοιούσιος) والذي يعني أن الابن هو فقط “مشابه في الجوهر” للآب[6].

وفي الواقع، كان القديس أثناسيوس ذاته قد استخدم في بعض الأحيان تعبير أن الابن “يشبه الآب”[7] (وذلك حين كان يتكلَّم عن الابن بكونه صورة الآب ورسمه)، ولكن سرعان ما انصرف القديس أثناسيوس عن هذا المصطلح حتى لو كان يقصد بالمشابهة أن الابن هو الصورة الكيانية المطابقة (للآب)، لأن المشابهة تنطبق على الصفات والعادات وليس على الجوهر، وعلى أية حال فإن التشابه يعني ضمنيًّا أن هناك قدرًا من عدم التشابه*[8].

ومن هنا أصبح واضحًا أمام آباء نيقية أن مصطلح “مشابه للآب” لا يعتبر كافيًا لاهوتيًّا حتى ولو أضيفت إليه كلمة “تمامًا” أو كلمة “جوهريًّا”، لأنه لا يزال عندئذ يعطي مساحة لسوء التفسير. ورغم أن مصطلح “التشابه في الجوهر” (ὁμοιούσιος) يمكن أن يحمل في صورته المطلقة مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” (ὁμοούσιος)[9]، إلاّ أن المجمع فضَّل استخدام الأخير[10].

فالابن مولود من الآب بالطبيعة (φύσει)، وهو خاص بجوهر الله الآب ومطابق له، وله ذات الطبيعة الواحدة (ὁμοφυής) مع الآب الذي وَلَدَه ذاتيًّا منذ الأزل. وهو (أي الابن) لا يشارك في الآب مجرد مشاركة، بل هو جوهريًّا وكليًّا واحد مع الآب في الجوهر وفي الكينونة[11]. ويقول القديس أثناسيوس: “إن كل ملء لاهوت الآب هو كيان الابن، والابن هو الله بأكمله[12]“.

المعاني المتضمَّنة في مصطلح هوموأووسيوس

وحيث إن مصطلح هوموأووسيوس لم يكن مأخوذًا من الكتاب المقدس، بل كان تعبيرًا جديدًا نسبيًّا، فقد تحتم على آباء نيقية تفسيره بمنتهى العناية والدقة كما قال القديس هيلاري[13]. وهذا هو ما شرع آباء نيقية في عمله بمجرد انتهاء أعمال المجمع[14].

وصار واضحًا تمامًا في الكنيسة، أن مصطلح هوموأووسيوس قد تمّ استخدامه على هذا النحو، كمصطلح لاهوتي “تقني” يحمل معنى “واحد في ذات الجوهر والطبيعة” (مع الآب). ومن هنا فقد تمّ الاعتماد عليه ليكون بمثابة إعلان محدد ودقيق للإيمان المسيحي في مواجهة الهرطقة الأريوسية[15].

وبالطبع كان القديس أثناسيوس في مقدمة مَن أدركوا أن مصطلح هوموأووسيوس، فيما هو يعبِّر عن مساواة الابن الكاملة للآب، فإنه يحمل معنى أن الابن له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وأنه واحد معه في الطبيعة “هوموفيس” (μοφυής). إذن فالفهم الدقيق والصحيح للتعبير اللاهوتي النيقي “هوموأووسيوس” مع الآب (μοούσιος τ Πατρί)، إنما يعني: أن (الابن) “له ذات جوهر الآب تمامًا”.

وقد ذكر القديس أثناسيوس أن الله ذاته هو الذي أُعلن لنا كآب وابن وأن الابن المتجسد مثله مثل الله الآب هو نفس الجوهر ذاته.[16] ولم تكن هناك صياغة أقوى من تلك التي عبَّر بها القديس أثناسيوس عن ذلك المعنى حين قال “إن كيان الابن بأكمله هو مكافئ تمامًا لكيان الآب”، وأن “ملء لاهوت الآب هو كيان الابن[17]“. إذن فالابن والآب هما بالضرورة نفس الله الواحد تمامًا، لدرجة كما كان يردد القديس أثناسيوس أن الابن هو كل ما هو الآب ما عدا كونه “آبًا”[18].

وبما أن الأمر كذلك، فإن أي انتقاص للابن يكون بالضرورة هو انتقاص للآب، لأن أي إنكار لطبيعة الابن الإلهية يكون إنكارًا لكون الله “آب” منذ الأزل. ومن هذا المنطلق أيضًا، فإن أي إنكار لحقيقة “الكلمة” الإلهي يكون بمثابة القول بأن الله في داخله هو بدون كلمة (λογος)، أو بدون حكمة (σοφος)[19]. وكما علَّم الرب يسوع المسيح نفسه في الإنجيل، فإن مَن يكرم الابن يكرم الآب ومَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذي أرسله. حيث إن الابن المتجسد له كل ما لله الآب ما عدا “الأبوة”[20].

وعلاوة على ذلك فإن مصطلح هوموأووسيوس ὁμοούσιος ينطوي على معنى آخر هام. لأنه إذا كان الابن مولودًا من الآب أزليًّا داخل جوهر اللاهوت، إذن فإن مصطلح هوموأووسيوس بالإضافة إلى كونه يعبِّر عن الوحدانية بين الآب والابن، فإنه يعبِّر أيضًا عن التمايز الذي بينهما داخل هذه الوحدانية. وكما يقول القديس باسيليوس: “لأنه لا يمكن لأي أحد أن يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع نفسه، بل يكون له ذات الجوهر الواحد “هوموأووسيوس” مع آخر[21]“.

وهكذا فقد كان هذا المصطلح هوموأووسيوس يحمل معنى أنه في حين أن الآب والابن هما واحد في ذات الجوهر، إلاّ أنهما أيضًا متمايزان أزليًّا، لأن الآب بغير تغيير هو الآب وليس الابن، وكذلك الابن بغير تغيير هو الابن وليس الآب. لذلك صار مصطلح هوموأووسيوس حصنًا منيعًا ضد كل من السابيلية والأريوسية على حَدٍّ سواء أي ضد مذهب التوحيد الذي ينكر الثالوث وضد مذهب “تعدد الآلهة”[22].

وهذه الإشارة إلى التمايز الأزلي داخل جوهر اللاهوت الواحد، والتي يتضمَّنها مصطلح هوموأووسيوس، سوف نقابلها ثانية عندما نأتي إلى تطبيق القديس أثناسيوس لنفس المصطلح مع الروح القدس، وهو ما مكَّنه ومعه الآباء الآخرون الذين دافعوا عن عقيدة الروح القدس من توضيح فهم الكنيسة للثالوث القدوس في القرن الرابع[23].

وقبل انعقاد مجمع القسطنطينية بسنتين، وصف القديس إبيفانيوس الوحدانية في ذات الجوهر بين الابن المتجسد والآب والتي تعتبر لب قانون الإيمان النيقي على أنها “رباط الإيمان” (σύνδεσμος τς πίστεως)[24]. وهذا بالحقيقة ما قد ثبت صحته في الكنيسة: حيث كان لهذا المفهوم (أي الوحدانية في ذات الجوهر) الدور الرئيسي في إرشاد المؤمنين في تفسيرهم للكتب المقدسة، وفي توضيح وتأمين فهمهم “للحق” الإنجيلي، وكذلك في تمكينهم من إدراك التركيب الداخلي المترابط للإيمان المسيحي.

وإذا نظرنا إلى مفهوم “الوحدانية في ذات الجوهر” في نطاق تلك الأهمية، سوف نستطيع أن ندرك بعمق أكثر مركزية المسيح (Christocentricity) في قانون الإيمان النيقي القسطنطيني.

37 Athanasius, De syn., 33ff, 46; De decr., 19ff; Ad Afr., 5f.

38 Athanasius, De syn., 41.

39 See Basil, Ep., 125.1; Ep., 214. See also Ep., 236.6; Gregory/Basil, Ep., 38.1ff, etc. Cf. Athanasius, Con. Ar., 3.65; 4.33; Ad Afr., 4ff & 8.

40 Athanasius, De syn., 48-54; Ad Afr., 8-9.

41 Athanasius, , Con. Ar., 1.11ff, 34, 46ff, 60; 2.12, 14, 18, 20, 53f, 56, 59, 61, 82; 3.1f, 5f, 9, 19, 22, 24f, 27, 33; 4.4; De decr., 22, 30; De syn., 34, 48f; Ad Afr., 4; Ad Ser., 1.28; 2.2; In ill. om., 4. See also Gregory Naz., Or., 30.18.

42 Athanasius, De decr., 20; De syn., 8, 26, 29 (the Arian creed); 37f, 41, 46, 50, 52f. Cf. Theodoret, Hist. eccl., 1.3.

43 Athanasius, Con. Ar., 1.20f, 26, 40; 2.17f, 22, 34; 3.11, 20, 26, 67; Ad episc., 17; Ad Afr., 7; cf. Exp. Fidei, 1.

* إن لفظة ’مشابه‘ تعني أنه ليس هو تمامًا، ولكن يشبهه في بعض الأمور وبالتالي فإنه لا يشبهه في أمور أخرى. ونلاحظ أن الفرق بين المصطلحين اليونانيين هو حرف واحد (ι). (المترجم)

44 Athanasius, De syn., 41 & 53; De decr., 20; cf. Evagrius/Basil, Ep., 8.3.

45 Athanasius, Con. Ar., 1.21, 26, 40; 2.17f, 22, 33; 3.10f, 14, 26, 67; De syn., 26, 38, 41. 47-54; De decr., 20, 23; Ad episc., 17; Hilary, De syn., 89; Evagrius/Basil, Ep., 8.3; 9.3. Cf. Epiphanius, Haer., 73.22; and Cyril of Jerusalem, Cat., 4.7; 11.4, 18.

46 Athanasius, Cf. the stance taken by Basil of Ancyra, Athanasius, De syn., 41; Epiphanius, Haer., 73.22.

[11] كان القديس أثناسيوس يرى أن علاقة ’الكلية‘ التي بين الابن والآب متضمَّنة في تشبيه النور والشعاع. (Con. Ar., 2.33, 35; cf. De inc., 17; Con Ar., 3.6.)

وكان يرى أن هذا التشبيه يتضمَّن أيضاً علاقة التواجد المتبادل بينهما.(De decr., 25.)

48 Athanasius, Con. Ar., 3.3 Cf. Ad. Ser., 1.16 and Exp. Fidei, 1.

حيث قيل عن الابن أنه ’كلي من كل‘ (wholly from the whole).

49 Hilary, De syn., 70, 91.

50 Hilary, De Trin., 4.4-7; De syn., 84.

51 Cf. Archbishop Methodios, ‘The Homoousion’, op. cit., pp. 1-15.

52 Athanasius, De syn., 49-54; Ad Afr., 8.

53 Athanasius, Con. Ar., 3.3, 6; 4.1ff.

54 See Athanasius, Con. Ar., 3.4; De syn., 49; Ad Afr., 8, etc. Gregory Naz., Or., 30.11.

55 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 14ff, 18ff, 24f; 2.2, 32f; 3.42, 61ff; 4.2f, 14; De decr., 15, 26; De sent. Dion., 16, 23; Ad Ser., 2.2.

56 Athanasius, Con. Ar., 1.8, 15ff, 33; 2.24f, 32; 3.4ff, 35f, 44; Ad episc., 17; Ad Afr., 8; Ad Ser., 1.30; 3.2; 4.6.

57 Basil, Ep., 52.3.

58 Athanasius, De decr., 23; Con. Ar., 3.4; 4.2; De syn., 34, 45; Basil, Ep., 52. 1ff; Epiphanius, Anc., 6.4; Haer., 65.8; 69.72; 76.7.

59 Cf. Athanasius, Ad Ser., 1.27; 3.2; and Ad Jov., 4; Ad Ant., 6; Con. Apol., 1.9.

60 Epiphanius, Anc., 6.4; cf. Haer., 69, 70; Ambrose, De fide, 3.15.

مختصر تاريخ ظهور النور المقدس

مدرسة الاسكندرية اللاهوتية – د. ميشيل بديع عبد الملك (1)

القديسة مريم العذراء – دراسة في الكتاب المقدس

انجيل توما الأبوكريفي لماذا لا نثق به؟ – ترجمة مريم سليمان

هوموأووسيوس – كيف توصل الآباء للصياغة النهائية للفقرات المعبرة عن علاقة الابن بالآب في قانون الإيمان؟

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة: ” نؤمن … “

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

 

مكانة مجمع نيقية في الكنيسة*

يحتل مجمع نيقية 325م مكانًا فريدًا في تاريخ الكنيسة المسيحية باعتباره ’المجمع الكبير والمقدس‘ أو ’المجمع المسكوني الكبير‘، الذي اتخذته كافة المجامع اللاحقة كمعيار رئيس لها. وهذا لأن قانون الإيمان الذي وضعه الآباء في نيقية قد حمى بشكل حاسم الإيمان الرسولي الجامع من أي تحريف مخرِّب للإنجيل، مما أدى في آخر الأمر إلى ضبط وتوحيد فكر الكنيسة كلها وتثبيتها بشكل لا لبس فيه في الإيمان بأن الله الآب كشف عن ذاته من خلال ابنه يسوع المسيح وفي روح واحد[1].

كذلك فإن الارتباط الجوهري بين نص الإنجيل وبين “الإيمان المُسلَّم مَرَّةً للقديسين”[2]، قد ظهر بوضوح في نيقية بطريقة بسيطة وموجزة، حتى إنه صار يُنظر إلى ما حدث في نيقية فيما بعد، برهبة ووقار بكونه عملاً من الروح القدس، الأمر الذي يدعو للدهشة في ظل ما كان قائمًا ـ في ذلك الوقت ـ من تباين كبير في الآراء وفي الصيّغ الإيمانية.

ومع انقضاء القرن الرابع وبقاء وصمود الكنيسة رغم الهجمات الشرسة من قِبل الهراطقة ـ والتي كادت تهدد لب الرسالة الإنجيلية التي اؤتمنت عليها ـ فإن التقليد أخذ يكرِّم قانون إيمان نيقية بصورة متزايدة على أنه هو ’التحديد الكنسي غير القابل للتغيير‘ (imperturbata constitutio)، أو ’الحدث العظيم الذي لا رجعة فيه في حياة الكنيسة‘[3]، والذي يأتي مباشرةً بعد الأساس الواحد الذي وضعه المسيح نفسه في الرسل والأنبياء[4]، بل إن قانون الإيمان نفسه، كان يخدم ذلك الأساس ويبني عليه ويشاركه ـ بشكل ما ـ في طبيعته غير القابلة للتكرار.

ومما يذكر أن القديس غريغوريوس النزينزي الذي رأس الجلسة الافتتاحية لمجمع القسطنطينية عام 381م كرئيس أساقفة، كتب إلى كليدونيوس أحد كهنة نزينزا يقول: “نحن من جانبنا لم نعتبر ولن نعتبر أي تعليم مفضَّل على إيمان الآباء القديسين الذين اجتمعوا بنيقية لهدم الهرطقة الأريوسية، ونحن بمعونة الله لا نحيد ولن نحيد عن هذا الإيمان، مكمِّلين ما قد تركوه بخصوص الروح القدس”[5].

وكان القديس غريغوريوس النزينزي يُعبِّر عن التقليد السائد، عندما تحدث في ’عظته عن أثناسيوس الكبير‘ ذاكرًا ’مجمع نيقية المقدس‘ واجتماع الثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً ’المختارين‘ بكونهم قد “وحَّدهم الروح القدس”[6]. كما كان القديس غريغوريوس يمثل رأي الكثيرين أيضًا، في إعطائه القديس أثناسيوس الدور الحاسم في أعمال المجمع؛ إذ قال: “وعلى الرغم من أنه لم يكن بعد في ترتيب صفوف الأساقفة، إلاّ أنه احتل الترتيب الأول بين أعضاء المجمع، لأن الأفضلية كانت للتميّز بنفس القدر الذي كانت به للمنصب.

وكرجل الله الذي نطق بقوة للحق، حافظ القديس القديس أثناسيوس بلباقة على وحدة اللاهوت إذ علَّم بإخلاص عن الثالوث تعليمًا اشتمل على العلاقات الأقنومية: بغير ضياع للأقانيم الثلاثة في داخل الوحدة، ولا تقسيم للجوهر فيما بين الأقانيم الثلاثة؛ بل ظل القديس أثناسيوس داخل حدود التقوى متجنبًا الميل الزائد أو المعارضة الزائدة لأحد الرأيين”[7].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين

كان القديس أثناسيوس يعتبر أن الآباء في مجمع نيقية لم يبتكروا شيئًا جديدًا، بل إنهم تنفَّسوا روح الكتب المقدسة واعترفوا بالإيمان الإلهي والرسولي بدقة شديدة، حتى إنه (أي القديس أثناسيوس) استطاع بعد سنوات كثيرة أن يكتب إلى أساقفة إفريقيا قائلاً: “إن كلمة الرب التي جاءت عن طريق مجمع نيقية المسكوني باقية إلى الأبد”[8]، ولم يكن يعني بهذا أن الله قد أعطى أساقفة نيقية كشفًا جديدًا، بل إنهم كانوا فقط أداة في يد الله، وذلك بتسليمهم (لمن بعدهم) ـ بشكل صادق وأمين ـ كلمة الله ذاتها، وهي عينها التي كانوا قد تسلَّموها بأنفسهم من تعاليم الرسل في الكتب المقدسة فيما يتعلق بالله الآب والابن والروح القدس.

وفي الواقع كان التقليد الرسولي، والتعاليم المعطاة في الكتب المقدسة، بالنسبة للقديس أثناسيوس شيئًا واحدًا تمامًا، حيث لا يوجد عدة تقاليد “للحق” سواء مكتوبة أو غير مكتوبة، بل هو التقليد الواحد المتضمَّن في الكتب المقدسة المُعترف بها، وهو إيمان الكنيسة الحقيقي الذي تسلَّموه، والذي كان عليهم أن يحافظوا عليه ويسلِّموه مرة أخرى[9].

هكذا فهم القديس أثناسيوس عمل الآباء بمجمع نيقية المسكوني، لذلك كتب لأساقفة إفريقيا في خطابه المجمعي لهم يقول: “إن الإيمان السليم المُعطى لنا من المسيح والذي أعلنه الرسل، قد سلَّمه للأجيال التالية الآباء الذين اجتمعوا في نيقية من كافة أنحاء العالم”[10].

وعندما أُثير التساؤل حول التعليم الرسولي التقليدي عن الروح القدس، أصر القديس أثناسيوس على ضرورة وضع تقليد وتعليم وإيمان الكنيسة الجامعة في الاعتبار من البداية، هذا الذي أعطاه الرب، وأعلنه الرسل، وحافظ عليه الآباء. وقد استطاع القديس أثناسيوس، وهو يتحدث عن نفسه، أن يقول: “طبقًا للإيمان الرسولي المُسلَّم لنا من الآباء بواسطة التقليد، فإني قد سلَّمت التقليد بدون ابتكار أي شيء خارجًا عنه. وما تعلَّمته هذا قد سجلته وفقًا للكتب المقدسة”[11]. فالمهم كان هو تقديم الكتب المقدسة بدقة وبإخلاص، بالإضافة إلى تناول التقليد بأمانة[12].

وكان القديس أثناسيوس دائم الإشارة إلى قانون إيمان نيقية على أنه “الإيمان الذي اعترف به الآباء بنيقية” طبقًا للكتب المقدسة وتقليد الكنيسة السليم، وكان يقول عنه إنه هو هو “الإيمان المسلَّم من مخلِّصنا بواسطة رسله”، وقد اعتبر أن صياغة قانون الإيمان كانت في الأساس عملاً إيمانيًّا ورعًا ومخلصًا قام به المجمع المسكوني “باعتباره في حضرة الله”[13].

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: الشك ف الكمين – هل مجمع نيقية هو من قرر أن المسيح هو الله وأهم العقائد المسيحية؟

هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة

لقد كان هناك سببان لانعقاد مجمع نيقية: أولاً التوصل إلى اتفاق مسكوني حول يوم الاحتفال بعيد القيامة، وثانيًا الحكم على الهرطقة الأريوسية التي كانت تخل بتناغم الكنيسة، إلاّ أن نوع القرار الذي اتخذه المجمع في كل حالة ـ كما أوضح القديس أثناسيوس ـ كان مختلفًا تمامًا. فبالنسبة لعيد القيامة، كتب الآباء: “يبدو حسنًا ما يلي”، لأنه كان بالفعل يبدو حسنًا أن يكون هناك اتفاق عام. ولكن بالنسبة للإيمان فإنهم لم يكتبوا “يبدو حسناً”، بل كتبوا: “هكذا تؤمن الكنيسة الجامعة”، ليؤكدوا بذلك أنهم إنما كانوا يعترفون بما يؤمنون به، ولكي يبيِّنوا أن آراءهم ليست جديدة بل هي تعاليم رسولية، وأن ما كتبوه لم يكن اكتشافًا من عندياتهم، بل كان هو نفسه ما علَّم به الرسل[14].

بل والأكثر من ذلك، أن آباء نيقية عبَّروا عن هذا التعليم بدقة شديدة لدرجة أن كل من يقرأ هذه النصوص بأمانة، فإنها لا بد وأن تعيده إلى التقوى والإيمان بالمسيح (ες Χριστν εσέβειαν) المُعلَن عنه في الكتب المقدسة[15]. أي أن قانون إيمان نيقية ينبغي أن يُفهم كصياغة كرازية للإيمان، حسب مبادئ الإنجيل الأولى البسيطة، لأن الإيمان الذي سُلَّم للكنيسة مرة واحدة يمكن تسليمه فقط بالإيمان، من إيمانٍ إلى إيمان[16].

ومن الواضح أن القديس أثناسيوس كان يرى أن مجمع نيقية ـ من خلال اعترافه بالإيمان بشكل موجز وبسلطان مسكوني ـ قد حقق الغرض الذي كان قد تصوره هو نفسه قبل المجمع، والذي ذكره في بيانه عن”أساس الإيمان” (κεφάλαιον τς πίστεως)، ألا وهو إدراك العمل الخلاصي لابن الله المتجسِّد[17]، مرتبطًا بدراسة الكتب المقدسة وبفهم أعمق لرسالتها[18].

 

علاقة الإيمان بالتقوى

ومن العلامات المميِّزة لتوجه مجمع نيقية، أنه ربط بين الإيمان وبين الخشوع أو التقوى (εσέβεια / θεοσέβεια)، والذي يعني استخدام أسلوبٍ ورعٍ للعبادة والسلوك والفكر، يليق بالله الآب والابن والروح القدس. وكان هذا الارتباط بين الإيمان والتقوى طريقًا مسيحيًّا مميزًا للحياة، حيث كان فكر الكنيسة (διάνοια / φρόνημα) مختومًا بختم الثالوث القدوس الذي لا يُمحى، فلم يكن هناك فصل بين التقوى والتعليم اللاهوتي، أو بين العبادة والإيمان، حيث كان الاهتمام الثابت موجهًا: لتفسير الكتب المقدسة بوقار، ولاستخدام المنطق بوقار ولاتباع طرق للمناقشة بوقار، وفي كل ذلك بغير تدخلٍ حادٍّ في سر الله وبغير تعليمٍ خارج عن الوقار في الأمور التي تخص الله.

وحتى حين يتناول علم اللاهوت العلاقات الداخلية للثالوث في الله نفسه، كانت الكنيسة تُصرّ على التحفظ والخشوع سواء في الأسلوب أو في صياغة الفكر أو في اللغة المستخدمة؛ إذ كان ينبغي أن يتم كل شيء بتقوى أمام وجه صاحب الجلال والمجد الإلهي مثل ما يفعل الشاروبيم الذين يغطون وجوههم أمام عرش الله بشكل يليق بقداسة الله الفائقة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

إقرأ أيضًا: آباء الكنيسة الأولى (ما قبل مجمع نيقية) وحقيقة إيمانهم بلاهوت المسيح

الإيمان الذي حفظه الآباء في نيقية

إن إدراك آباء مجمع نيقية لمضمون التعليم الرسولي، بالإضافة إلى التقوى الإنجيلية في الاعتراف بالإيمان، قد أدّيا معًا إلى ظهور أسلوب مميَّز للتعبير ترك بصمته الدائمة على ذهن الكنيسة. وكان هذا الأمر واضحًا للغاية في مجمع القسطنطينية عام 381م حيث أُعيد التأكيد بشكل نهائي وحاسم على قانون الإيمان النيقي، مما جعله قانون الإيمان المسكوني الأسمى في العالم المسيحي. فالتعليم اللاهوتي الخاص بمجمع نيقية لم ينل فقط قوة داخلية وحركة دفع ذاتي في عصره، ولكنه ترسَّخ ضمن الأساسات الإنجيلية للكنيسة الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية، بحيث صار القاعدة التي انطلقت منها المجامع الأخرى ـ الواحد تلو الآخر ـ لتكمل عملها في القرون اللاحقة، بالرجوع دائمًا إلى “مجمع الثلاثمائة وثمانية عشر”.

وهكذا كان يُنظر لقانون إيمان نيقية، على أنه المحور الرئيس والمتحكم في الرسالة المتنامية للكنيسة، وكإعلان إنجيلي يؤدي إلى الإيمان بالمسيح، كما كان يُنظر إليه أيضًا بكونه صياغة تعليمية لكبرى حقائق الإنجيل، لذلك يمكن أن يُعتبر كمرشد موثوق به وذو سلطان في قراءة وتفسير الكتب المقدسة. أي أنه في قانون الإيمان النيقي وبواسطته، عقدت الكنيسة العزم على الدفاع عن جوهر الإيمان والحفاظ عليه، كأمانة مقدسة تسلَّمتها لكي تسلِّمها إلى الآخرين متكاملة إنجيليًّا، وبالتالي تستطيع أن تعطي الله حساب وكالتها على سرائر الله[19].

وكان هذا هو قصد الكنيسة الذي أوضحه القديس أثناسيوس في خطابه إلى أساقفة إفريقيا عندما قال: “ليكن فقط الإيمان، الذي اعترف به الآباء بنيقية، قانونًا ساريًا بينكم، حتى يستطيع الرسول أن يقول عنا أيضًا: ’فأمدحكم أيها الإخوة على أنكم تذكرونني في كل شيء، وتحفظون التعاليم كما سلَّمتها إليكم‘”[20].

إقرأ أيضًا:  ايمان الاباء بلاهوت المسيح قبل مجمع نيقية – القمص عبد المسيح بسيط

 

نؤمن …

وبتعبير “نؤمن”، الذي استهلت به الكنيسة الجامعة نص اعترافها ـ في نيقية عام 325م ـ فإنها أوضحت أن ما كان يهمها هو أن تعترف بحقائق الإنجيل الأساسية، داعية إلى الالتزام بالإيمان (نؤمن)، أكثر من مجرد وضع مراسيم (قوانين للإيمان) (δόγματα) مطلوب إطاعتها كأنها قرارات رسولية[21] أو أوامر إمبراطورية[22].

ولكن بالطبع قدَّم آباء نيقية بعض الدلالات التي توضح كيف يجب أن تُفهم المصطلحات التي استخدموها، كما أشاروا أيضًا إلى “الحدود الفاصلة” (ρισθέντα) في اعتراف (قانون) الإيمان، والتي لا يجوز تعديها وإلاّ انحرف المرء إلى ضلال الهرطقة أو إلى خطورة التناقض[23].

وقد حدد الآباء أيضًا عددًا من “القوانين” أو “القواعد” الكنسية التي يجب أن تُراعى من أجل الحفاظ على الوحدة في الكنيسة كلها في تعليمها وتوجيهها المنتظم، وفي تنظيم الخدمة الكنسية[24]. غير أن هذه الأوامر “الناهية” والقواعد الرسمية، قد تم وضعها فقط كملحقٍ لنص قانون الإيمان، ولم تدخل في صلب التعبير عن الإيمان ذاته. وهكذا كان حرص الآباء ينصب كله على الحفاظ على سمة قانون الإيمان “كإعلان إنجيلي” للإيمان الخلاصي، الذي اضطرت الكنيسة إلى وضعه بإلزام من الحق الإلهي الذي وصل إليها من خلال الكتب المقدسة.

مجمع نيقية – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

نظرة الآباء إلى ’الإيمان‘

ومن هنا، فإن الأولوية القصوى التي أعطاها مجمع نيقية ’للإيمان‘ على هذا النحو كانت لها دلالة كبيرة للغاية، لأنها تمثِّل التحوُّل الجذري في فهم شعب الكنيسة ـ حيث استنارت عقولهم بحقيقة الله الحي وتحرروا من الأسر في ظلمة التحيُّزات الشخصية والتخمينات والأوهام التي لا أساس لها ـ وهو تحول من أن يكون مركز الفكر في داخل المنطق البشري (πίνοια) الشخصي (الغريب عن الله)، إلى أن يكون هذا المركز هو في إعلان الله (عن ذاته)، وفي فعل المصالحة الذي تم في يسوع المسيح ’كلمته‘ المتجسِّد داخل حيز الزمان والمكان في عالمنا المخلوق.

هذه الاستنارة بحقيقة الله كانت هي السبب وراء الثقة الراسخة في ’إيمان‘ الكنيسة بالله، لأن الكنيسة قد أدركتها محبة الله الثابتة والأمينة، وقد أمسكت الكنيسة بهذه المحبة من خلال “كلمة حق الإنجيل”[25]، كما أن الله ذاته كان على الدوام يسند الكنيسة ويقويها. وهذه الأهمية القصوى التي أولاها قانون نيقية، ’للإيمان‘ إنما تعكس الفكر الآبائي الراسخ عن ’الإيمان‘ بأنه اقتناع للعقل لا يقوم على أساس منظور ’شخصي‘ بل على أساس ’موضوعي‘، وهذا الاقتناع تسنده ـ أبعد من حدوده نفسه ـ ’الحقيقة‘ الموضوعية أو الأقنومية (πόστασις) التي لله ذاته، كما أعلن لنا عن نفسه في يسوع المسيح.

ويعبِّر القديس هيلاري عن ذلك بقوله “في الإيمان، يتخذ الإنسان موقفه على أساس كيان الله ذاته (in substantia dei)”[26].

إقرأ أيضًا: مجرد إله؟ القضية الحقيقة في مجمع نيقية

 

علاقة ’الإيمان‘ بالمعرفة

وكان الآباء ’اليونان‘ (الذين كتبوا باليونانية) ينظرون إلى المعرفة العلمية (πιστήμη)، على أنها وقوف أو رسوخ العقل (διάνοια) على الحقيقة الموضوعية، وعلى أنها أيضًا الفهم اليقين والمؤكد. ولتعضيد هذا الرأي من الكتاب المقدس، كثيرًا ما كان الآباء يستشهدون بما جاء في الترجمة السبعينية “إن لم تؤمنوا فلن تفهموا” أو “فلن تثبتوا”[27]، حيث كانوا يؤكدون على أنه بالإيمان، تتلامس عقولنا مباشرة مع الحقيقة مستقلة عن ذواتنا، لأنه من خلال الإيمان تتقبل عقولنا الإدراك الباطني (البديهي) للأشياء وتخضع لقوتها الشاهدة لذاتها، كما تتكيَّف وتتهيأ لتعرف هذه الأشياء في طبيعتها الذاتية (الخاصة بها) (κατά φύσιν)[28].

وعلى هذا النوع من الاتصال الأساسي (المباشر) مع الحقيقة، ترتكز كل معرفة مؤكدة ويرسخ كل فهم صادق أصيل، كما أنه هو أيضًا الطريق الصحيح لكل بحث جديد ولكل محاولة لتعميق فهمنا للأمور. وكما أن هذه العلاقة بين الإيمان والفهم تنطبق على كل معرفة علمية، فهي تنطبق بنفس القدر بل وبأكثر تحديد على معرفتنا لله، الذي هو الأساس والمصدر المطلق لكل قدرة على المعرفة والإدراكٍ وكل حق[29]، مثلما كان القديس أغسطينوس يقول دائماً: “نحن لا نسعى لفهم ما نؤمن به، ولكننا نؤمن لكي يمكننا أن نفهم”[30].

إذن ينبغي أن يكون واضحًا الآن، أن ’الإيمان‘ حسب الفكر اللاهوتي النيقي، لم يكن نوعًا من علاقة غير مدركة أو غير مفهومة مع الله، بل كان إيمانًا يتضمن عمليات المعرفة والفهم والإدراك، إيمانـــًا له طـــابع فطـرى (بديهي) للغــاية في تقبـــل العقـــل ـ بشكل مسئول ـ ’للحق‘ الكامن في إعلان الله لذاته للجنس البشري. فالإيمان ينشأ فينا نتيجة التأثير الخلاَّق لشهادة الله لذاته، ولكشف الله عن ذاته في “كلمته”، كما أنه ينشأ كذلك كاستجابة لمطالب ’الحقيقة‘ الإلهية علينا، والتي لا نقدر أن نقاومها بمنطق العقل أو الضمير[31].

ويأخذ الإيمان شكل الطاعة (πακοή τς πίστεως)[32] المنصتة لدعوة ونداء “كلمة” الله، كما أن المعرفة التي تتولد داخلنا، تتطلب في صميمها قبول ذهني وإدراكي (πιστημονική συγκατάθεσις) ’للحق‘ الإلهي، وتصبح مغلقًا عليها في داخل هذا الحق[33].

وقد أكد القديس هيلاري أنه حقًّا بهذه الطريقة عينها فقط، يتشابك الإيمان والفهم (الإدراك) وهو ما قد حدث في حالة الرسل أنفسهم، عندما “التحم ’الحق‘ الذي سمعوه لأول مرة مع يقينهم الداخلي”[34]، وحين تحدث القديس هيلاري عن اعتراف الرسل ’بأن المسيح هو ابن الله‘ على أن ذلك هو ’صخرة الإيمان‘ التي بنيت عليها الكنيسة[35]، كان فهمه لهذه الحقيقة فهمًا موضوعيًّا، لأن الكنيسة بنيت على ’الحق‘ الإلهي الذي اعترف به الرسل، وليس على اعترافهم في حد ذاته، هذا ’الحق‘ الذي لا تزال الكنيسة تعتمد عليه في إيمانها.

وبالطبع كان من الأمور المُسلَّم بها أن اعتراف الرسل ’بالإيمان‘ وفهمهم ’للحق‘ محفوظ في الكتب المقدسة التي سلَّمها لنا الرسل، ولذا ينبغي أن نقول إن “الإيمان وكل جزء منه مُنطبع فينا بواسطة برهان الأناجيل وتعليم الرسل”[36].

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية، هل إخترع عقائد جديدة أم أكَّدَ على العقائد المستقرة من عصر الرُسل؟ عرض ونقد ورد

 

الله هو الذي يعلن عن ذاته

وفي نهاية الأمر، فإننا لا بد أن نتعلم من الله ذاته، ما الذي يجب أن نفتكره عنه “لأن الله لا يمكن أن يُفهم إلاّ من خلاله هو ذاته”[37]. كما أن إيماننا يجب أن يرتكز على نفس ’الحق‘، الذي بنى عليه الرسل الأولون إيمانهم وفهمهم، مما يعنى أننا حينما نلجأ إلى أقوال الكتاب المقدس فعلينا أن نخضع عقولنا مباشرةً ’للحق‘ الذي تشهد له الكتب المقدسة، لأن نصوص (dicta) الكتاب المقدس يجب أن تُفسَّر في ضوء الأمور أو الحقائق (res) التي تشير إليها والتي بسببها كُتبت هذه الأقوال وليس العكس؛ إذ إن هذه الأقوال تحقق الغرض الإلهي المقصود منها عندما تنقل شهادة الله عن ذاته.

وبالتالي تمكِّننا من الإيمان بالله والتفكير فيه بالطريقة الوحيدة المتاحة، والتي تتمشى مع الطريقة التي يقدِّم هو بها نفسه لنا[38]. ومن هنا يتضح أن الأهمية القصوى المعطاة ’للإيمان‘ في معرفتنا لله، تعكس الأفضلية المطلقة لدور الله (حين يعلن هو عن ذاته و يجعلنا ندرك شيئًا عنه) على كل فكر بشري عن الله (نعتمد فيه على ذواتنا)، بل وحتى على الوسائط البشرية التي أوجدها الله لتخدم إعلانه عن ذاته[39].

إقرأ أيضًا: الثالوث قبل مجمع نيقية – الأدلة الآبائية

 

البعد المزدوج للإيمان

إن الإيمان الذي ينشأ بالتزام واعٍ بما أوجبه الله في إعلانه عن ذاته في يسوع المسيح، والمرتبط بأولوية الله المطلقة على كل فكر أو حديث عنه، هذا الإيمان له سمة ذات شقين: الشق الأول يظهر فيه الإيمان بأنه مقيد ومحدد وملتزم بشكل دقيق بما أعلنه ’الحق‘ الإلهي في تجسد ’الكلمة‘ (أي بما أعلنه الابن المتجسِّد)، ومع ذلك يظهر الإيمان في الشق الآخر بأنه غير مقيَّد وغير محدَّد من خلال علاقته بحقيقة الله اللانهائية والتي تفوق كل فهم محدود.

إذن فمن جانب، يتميز الإيمان باليقين الثابت الذي يستمد قوته من حقيقة الله ذاته الكامنة في هذا الإيمان، ولكن من الجانب الآخر هذا الإيمان يتميز بوجود مجال مفتوح دائم الاتساع ليستجيب مع سر الله غير المدرك وطبيعته التي لا تُحدّ[40]. وهذه بلا شك هي القوة المزدوجة التي تكمن في كلمة “نؤمن” (πιστεύομεν) الواردة في اعتراف الإيمان النيقي بالله الآب والابن والروح القدس، وهي التي تحكم أيضًا الطريقة التي ينبغي أن تُفهم بها كل عبارات هذا الاعتراف (القانون)، تلك القوة المزدوجة تعني كلاًّ من التحديد والقصر (exclusiveness) من جهة، بجانب اتساع المجال (open range) من الجهة الأخرى، وهذان الأمران معًا هما اللذان يميزان الإيمان.

 

التحديد والالتزام في الإيمان المؤسس على الحق

وفي التزامه بالإيمان بإله واحد، الآب ضابط الكل، يمنع قانون (إيمان) نيقية، الإيمان بأي إله آخر غير الله الآب، كما يمنع الإيمان بأي إعلان آخر عن هذا الإله الواحد غير ابنه الوحيد المولود منه. مما يعبِّر بوضوح عما أكده الكتاب المقدس بجزم، بأن الإيمان بإله واحد يلغي إمكانية وجود أية آلهة أخرى، وأن الإيمان بأن يسوع المسيح هو “الطريق والحق والحياة” يستبعد الوصول إلى الآب بأية طريقة أخرى غير تلك التي قدَّمها الله ذاته في تجسد ’كلمته‘ في يسوع المسيح، أي في ’ما هو‘ يسوع المسيح في كيانه الأقنومي الخاص.

وكان من العسير أن يصبح الأمر هكذا، لو أن الإيمان كان قد تأسس فقط ـ وبشكل شخصي وغير موضوعي ـ على القناعة الداخلية للعقل البشري، وليس كما هو الحال من أنه مؤسس بشكل موضوعي على ’حقيقة‘ الله ـ الملزمة كليًّا ـ المجسمة في المسيح بكونه عطاء الله الذاتي الفريد واتصاله الذاتي الفريد بالجنس البشرى كرب وكمخلِّص. وفي طاعة غير مشروطة لهذا الإعلان الإلهي، نجد أن الإيمان المسيحي قد تبنى مدخلاً إلى الله يطرح جانبًا أي مدخل بديل، وأصدر حكمًا يستبعد به أي معتقد منحرف، وصدَّق على إقرار ’للحق‘ رافضًا بذلك أي ادعاءات أخرى معتبرًا إياها باطلة.

ومن هنا كان الأمر الجوهري في إيمان الكنيسة، هو ’الحق‘ الإلهي الذي أدركته الكنيسة في المسيح وفي إنجيله ولم ولن تفرط فيه. هذا الحق ليس تحت تصرف وتحكم الكنيسة، ولكنه هو (أي الحق) الذي يحررها ويثبتها في محبة الله، ولهذا فإن الكنيسة لا تستطيع إلاّ أن تعترف بإيمانها بالله، أمام الله، وتقر بغير تحفظٍ بتصديقها ويقينها في ’الحق‘ الخاص بالمسيح وإنجيله، حيث إن هذا الحق هو الذي ترتبط به بصميم كيانها باعتبارها الكنيسة، جسد المسيح الواحد.

إن ما حدث في مجمع نيقية، كان اعترافًا مسكونيًّا بالإيمان، أعلنه الآباء في مواجهة إنكار الهراطقة للوحدة المطلقة بين الله وبين إعلانه عن ذاته في شخص يسوع المسيح. فقانون الإيمان النيقي كان عملاً مهيبًا للكنيسة مجتمعة، وفي حضور الله، وتم بالتزام ثابت ’للحق‘ الخاص بالإعلان الإلهي الذي من الآب بالابن في الروح القدس، وبإدراكٍ تام بأن صميم وجود الكنيسة المسيحية وصحة رسالتها الإنجيلية الداعية للخلاص الإلهي كانت معرضة للخطر.

ولو لم تكن هناك علاقة الوحدة في الجوهر والعمل، بين ما هو الله الآب ـ في ذاته ـ وبين ما هو نحونا في نعمة ربنا يسوع المسيح، لصارت الكرازة بالإنجيل (kerygma κήρυγμα) مفرغة من مضمونها الخلاصي، ولكانت تعاليم (διδαχή) الرسل مجردة من شرعيتها الإلهية. لكن إذا كانت نعمة الرب يسوع المسيح هي بعينها نعمة الله ذاته، وإذا كان في المسيح يسوع العطية الإلهية والمعطي هما واحد، فليس للكنيسة ـ أمانة منها للإنجيل ـ إلاّ أن تكرس نفسها لتأكيد هذه النعمة بشكل إيجابي وأن تستبعد أي احتمال آخر[41].

وكانت هذه هي القضية الحاسمة التي دعا القديس بولس كنيسة غلاطية لمواجهتها في القرن الأول، حيث كانوا مهدَّدين بتعاليم تفسد إنجيل المسيح وتحوله إلى ’إنجيل آخر‘ والذي ليس هو إنجيلاً بالمرة، وولذلك كتب يقول “إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما”[42]. وكان هذا هو النموذج الرسولي الذي اتبعه آباء نيقية في موقفهم الحاسم، عندما ألحقوا باعتراف الإيمان عبارة تحرم هؤلاء الذين يعلِّمون بأن ابن الله لم يكن منذ الأزل واحداً مع الآب، بل له ’جوهر‘ مختلف عن الذي للآب، فينكرون بذلك لب الإيمان الجامع ذاته[43].

إذن فمجمع نيقية قد عبَّر عن العقائد الرئيسية ـ التي رأى ضرورتها حسب الإنجيل ـ في قانون إيمان، تم الاعتراف به لاحقًا في الكنيسة في كل العالم، وهو القانون الذي يستبعد ببنائه الداخلي أية عقيدة بديلة (نتيجة لاستنتاجات عقلية منحرفة)، في مقابل إعلان الله الوحيد عن ذاته في يسوع المسيح، أو بمعنى آخر هو الذي يمنع أي انحراف هرطوقي عن ’الحق‘[44].

 

المجال المفتوح والمتسع للإيمان

وهناك وجه آخر لما سبق أن ذكرناه (أي غير الوجه المقيد والمحدد للإيمان)، لأنه في حين يعبِّر قانون الإيمان النيقي عما ينبغي علينا أن نعترف به ـ داخل الإطار العام لالتزام الكنيسة تجاه ’حقيقة‘ إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح ـ فإن كل هذا قد جاء مسبوقًا بكلمة “نؤمن” (πιστεύομεν)، مما يعني أن كل ما تم إقراره في هذا القانون يقع داخل دائرة ’الإيمان‘ ومرتكزًا على ’الحقيقة‘ الموضوعية لله التي تسمو تمامًا فوق كل ما يمكننا أن نفتكره أو نقوله عنها.

وتحديدًا، بما أن هذا الإيمان مستمد من إعلان الله في يسوع المسيح ومؤسس فيه ـ والذي يتطابق مع ما هو الله أزليًّا في جوهره الذاتي ـ فإن الإيمان يكون ’مفتوحًا‘ لما يمكن أن يُعرف، من خلال روح المسيح المُرسل من الآب باسم الابن، ليقودنا على الدوام إلى فهم أعمق ’للحق‘. إذن فالإيمان المسيحي في صميم طبيعته يحاول باستمرار استقصاء الأعماق السحيقة التي لا تستقصى ’للحق‘، والذي تفوق دائمًا ما يمكن أن ندركه من إعلانات هذا الحق لنا؛ غير أن الإيمان الذي يمتد بهذا الشكل إلى أبعد من ذاته بغير حدود، يتسم بالضرورة بأن له رؤية ’ذات مجال مفتوح ومتسع‘ (open range in its focus ‘σκοπός’) وهذا الإيمان لا يمكن أن يختصر دون أن يتحول إلى شيء آخر.

وقد أكد على مفهوم ’مجال الإيمان المفتوح‘ كل من القديس أثناسيوس والقديس هيلاري بالإضافة إلى القادة البارزين الآخرين من شارحي الفكر اللاهوتي النيقي. وأوضح القديس أثناسيوس أنه كان كلما تقدم إلى الأمام في سعيه لإدراك الله، كلما وجد أن معرفة الله تفوق إدراكه، ولم يستطع أن يعبِّر كتابةً عما بدا له أنه يفهمه، وما كتبه كان يقل بكثير حتى عن الظل العابر للحقيقة في ذهنه[45].

فالأمر الوحيد الثابت، وموضوع الإيمان كله، بل وهدف الكتب المقدسة أو ’الحق‘ الذي نؤمن به، كان هو يسوع المسيح ذاته، لأنه في إعلان الله الفريد عن ذاته في المسيح ومن خلال هذا الإعلان، يصبح الإيمان راسخًا في حقيقة كيان الله ذاته، وأيضًا يتوفر للإيمان ’الضابط المعياري‘ الذي يحتاجه في علاقته بما يفوق طاقة الإدراك البشري[46]. إن إيمانًا من هذا النوع هو الذي يسبق ويرشد كل بحث أو تفسير لاهوتي، لأنه يشكل الأساس المعرفي السليم الذي يعطى القوة لكل حجة صحيحة[47].

ولم يكن القديس هيلاري أقل من القديس أثناسيوس في تأكيده حقيقة أنه بالإيمان علينا أن ندرك الله بطريقة لا تحصره داخل الحدود الضيقة لما يمكننا أن نفهمه أو نعبر به عنه، بل إن هذا الإيمان عليه أن يمتد باستمرار ليكون تحت سلطان قدرة الله على إعلان ذاته[48]. إذن فالإيمان بالله ـ في صميم طبيعته ـ يتميز بنوع من ’اللانهائية‘، لأنه في حين أن الله “ككل” يفوق إدراكنا، فإن ما يسمح لنا بإدراكه عن نفسه لا ينفصل عما هو “ككل”، وبذلك فإن الإيمان يخترق الحدود الضيقة لإدراكنا، وهذا ما يفسر أنه في صميم عملية فهم ’شيء‘ عن الله، فإن الإيمان يجعلنا نعترف بالعجز عن الإدراك الكليّ لله.

وهكذا في حين يفوق الله قدرات العقل البشري بشكل لانهائي، فإنه بالرغم من ذلك يمكن أن يُعرف عن طريق حركة ’إيمان‘، حيث ينفتح العقل على لانهائية الله وسموه الذي لا يوصف[49]. وهذا يعني أنه من خلال الإيمان تكون لنا صلة بالله بطريقة تمكِّننا من أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نعبِّر عنه بشكل واضح بالأفكار أو بالكلام، وأنه في الإيمان ومن خلال الإيمان ننشغل بالله في بحث لا يسبر غوره، لأن ’الحق‘ الذي نسعى إلى معرفته له من العمق ما لا نستطيع أن نصل إلى نهايته، وهذا ما يقلل من قدرتنا على تحديد معرفتنا له في صيغة وافية ملائمة[50].

 

الهرطقات هي التي دفعت الآباء للتعبير ـ بكلام بشري ـ عن ’الحق‘ الذي لا يُنطق به

إن المعنى المعرفي المتضمَّن في هذا المجال ’المفتوح والمتسع بلا حدود‘ للإيمان، كان واضحًا تمامًا أمام لاهوتيي نيقية، وذلك في إدراكهم أن البحث اللاهوتي يُحمل من خلال الإيمان إلى ما هو أبعد من النطاق القاصر للمنطق العادي ـ الذي يُعرف بالأشياء المرئية والملموسة في الواقع المخلوق ـ وحتى إلى ما هو أبعد من العبارات الصريحة في الكتب المقدسة، أي يُحمل إلى ’الحق‘ الإلهي الذي تشير إليه تلك العبارات بغير اعتماد على ذاتها. ولذا نجد أن مجال الإيمان ’المفتوح‘ قد ترتب عليه ظهور حالة خطيرة، حيث صار الباب وكأنه مفتوح لكل شكل من أشكال النظريات المفتقرة للوقار والتفكير السليم[51].

ولهذا السبب عينه، لم يستطع لاهوتيّو الكنيسة أن يظلوا صامتين، بل في خوف ورعدة وصلاة إلى الله، وجب عليهم أن يسعوا للتعبير ـ على قدر ما تسمح به إمكانيات اللغة البشرية الضعيفة ـ عن ’الحق‘ الإلهي الذي ترشدهم الكتب المقدسة إليه، وحتى ولو كان ذلك لمجرد مقاومة الأثر المدمر لدخول أنماط من الفكر البشري ـ التعسفي والاعتباطي ـ غير المتدين في طريقة ’معرفة‘ الله.

هذا بالتحديد كان الموقف الذي وجد آباء نيقية أنفسهم فيه عندما اضطروا لاستخدام مصطلح ’هوموأووسيوس‘ (μοούσιος) من خارج الكتاب المقدس ليعطوا تعبيرًا واضحًا ولا لبس فيه عن ’الحقيقة‘ الكتابية والإنجيلية. وكان هذا الحدث الخطير في ذهن القديس هيلاري عندما قال: “نحن مضطرون بسبب أخطاء الهراطقة والمجدفين، لأن نعمل ما هو غير مُباح، وأن نتسلق المرتفعات، وأن نُعبِّر عن الأشياء التي لا يُنطق بها، وأن نتناول أمورًا محظورة.

ومع أنه ينبغي علينا أن ننفِّذ الوصايا من خلال الإيمان وحده، عابدين الآب وساجدين للابن معه وفرحين في الروح القدس، فنحن مضطرون لتوسيع قدرة لغتنا الضعيفة، للتعبير عن الحقائق التي لا تُوصف، كما أننا مجبرون بسبب تجاوزات الآخرين أن نتجاوز نحن في محاولة محفوفة بالمخاطر حين نضع في كلام بشري ما كان يجب أن يُحفظ في عقولنا برهبة مقدسة … إن عدم أمانتهم قد جرتنا إلى هذا الموقف الخطير والمريب حيث قد تعين علينا أن نضع عبارات محدَّدة تذهب أبعد مما قد وصفته السماء عن أمور سامية للغاية ومخفية في الأعماق”[52].

 

أهمية التقوى مع الإيمان

وإلى جانب الإيمان الذي أولاه الفكر اللاهوتي النيقي أهمية قصوى، كان هناك عنصر رئيس آخر ـ له نفس الأهمية التي للإيمان ومرتبط به ومتداخل معه بغير انفصال ـ يجب علينا أن نأخذه أيضًا في الاعتبار، ألا وهو ’التقوى‘ (θεοσέβεια, εσέβεια). فالإيمان في حد ذاته هو عمل من أعمال التقوى داخل العبادة والطاعة المقدمة لله بكل تواضع وخضوع. والتقوى هي العلاقة السليمة مع الله، من خلال الإيمان الذي يعطي اتجاهًا مميزًا للعقل ويُشكِّل الفكر والحياة وفقًا “لكلمة وحق الإنجيل”[53].

التقوى إذن تعتبر من المكونات الجوهرية في التقليد الحيّ للكنيسة الملتزمة بالإيمان بإعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح. والتقوى ومعرفة ’الحق‘ ينتميان كلاهما إلى البناء الإنجيلي الذي “للإيمان المسلَّم مرة للقديسين”.

إن التقوى التي من هذا النوع هي التي تُشكِّل القوة التي توجِّه كل “تعليم صحيح”، وهى التي يجب أن يُسمح لها بتوجيه فهمنا اللاهوتي خاصةً في مجال الإيمان ’المفتوح‘، حيث نكون مضطرين أن نكوِّن مفاهيم وننطق بعبارات عن ’الحق‘ تتجاوز العبارات الصريحة التي وردت في الكتب المقدسة.* لذلك وفي هذا المجال بعينه ـ حيث تحوي الكتب المقدسة سر الله الذي لا يُوصف، والذي يظل سرًّا حتى في صميم إعلانه عن ذاته ـ فإنه ينبغي علينا أن نحذر من الوقوع في الاقتحام بلا توقير وبغير ورع فيما أبقاه الله سرًّا في جوهره الأزلي الذاتي.

 

التقوى في الفكر الكنسي

والتقوى (εσέβεια) كما نجدها واضحة في الفكر اللاهوتي النيقي، كانت تشير إلى الفهم الأرثوذكسي القويم ’للحق‘ الذي في الإيمان والعبادة المسلَّمة من الرسل. ويتعين علينا أن نقتفي أثر التقوى من خلال العودة إلى الرسائل الرعوية في العهد الجديد، حيث كانت ’التقوى‘ كلمة تدل نوعًا ما إلى ما كان يُشار إليه بـ “الطريق” في سفر أعمال الرسل[54]، أي ’طريق‘ الإيمان والعبادة الذي ميَّز الذين اتبعوا المسيح الذي من أجله كان لا بد لهم أن يتألموا.

وكانت السمة المميّزة للتقوى، أنها تجسيد للإيمان أو معرفة ’لحق‘ الإنجيل، في تطابقٍ مع أسلوب الحياة والعبادة في خدمة الله بورع[55]. ومما كان له دلالة هامة، هذا التأكيد الشديد على العلاقة الثابتة (المتلازمة) والمتبادلة بين ’التقوى‘ و’الإيمان‘ و’الحق‘، أي التأكيد على “التعليم الذي هو حسب التقوى”[56]، أو على “التعليم الصحيح”[57] والذي جاء كرد فعل حاد لظهور تحريف للإنجيل على أساس خرافات وظنون عقلية[58].

فبينما اعتُبرت ’التقوى‘ كمرادف ’للإيمان‘ و’الحق‘، اعتُبر عدم التقوى مرادفاً لعدم الإيمان والضلال، وكان هذا التباين هو الذي حدد الاسلوب والنمط لصراع الكنيسة مع الهراطقة على مدى الأربعة قرون الأولى.

ومن الواضح أن ما ذكره القديس بولس الرسول من علاقة بين ’السر العظيم للتقوى‘ وبين التجسد، كان هو النص الكتابي الذي تحكَّم في فهم التقوى في الكنيسة الأولى. وكان الرسول يكتب لتيموثيئوس ليُعرِّفه كيف يجب أن يتصرف في بيت الله “الذي هو كنيسة الله الحي، عمود الحق وقاعدته. وبالإجماع عظيم هو سر التقوى εσεβείας μυστήριον) (τό τς: الله ظهر في الجسد، تبرر في الروح، تراءى لملائكة، كُرز به بين الأمم، أومن به في العالم، رُفع في المجد”[59].

فمن جانب نجد في هذا النص الكتابي، أن التقوى تُعَرَّف على أنها النفاذ إلى السر الداخلي للإيمان، وإلى الحقيقة الموضوعية ’لإعلان الله لذاته‘ بالتجسد، في حين على الجانب الآخر نجد أيضًا في النص الحديث عن الكنيسة على أنها تؤيد ’الحق‘ الإلهي وتتمسك به. وإذا عبَّرنا عن هذا المعنى بطريقة عكسية فإننا نقول إن ’الحق‘ الإلهي المُعلن، هو مؤسس وراسخ في حياة البشر وفي المجتمع، بحسب ما يُكشَف ويُؤمَن به وبحسب ما يُعرَف ويُعلّم بوَاسطة الكنيسة، وذلك بأسلوب يدعو إلى التقوى ويقود إليها.

ولذلك (وبحسب هذا النص الكتابي) فإن السر العظيم الذي للتقوى والظاهر جليًّا في يسوع المسيح ونعمته الخلاصية، صار مجسَّدًا ومتضمَّنًا في الكنيسة كقرينها، وهو ما يتمشى مع ما أشار إليه القديس بولس على أنه السر العظيم من نحو المسيح وكنيسته التي هي جسده[60]. وعلى هذا فإن إعلان الله الخلاصي في يسوع المسيح، وقبول وفهم الرسل لهذا الإعلان بإيمان، قد ساهما معًا في تأسيس الكنيسة، حتى أنه ـ وحسب قصد الله ’التدبيري‘ ـ صار ’الحق‘، كما استُعلن في يسوع، في متناول أيدي الناس من خلال تعليم ووعظ الرسل الخاص بالإنجيل، وبتواصل حي لتقليدهم ’التقويّ‘ في الكنيسة عبر التاريخ.

إقرأ أيضًا: مجمع نيقية – المجامع المسكونية المقدسة

 

’وديعة الإيمان‘ المسلَّمة هي ’حياة التقوى حسب الإيمان‘ أو هي ’الحياة حسب جوهر الإيمان أو حسب الحق‘

هذا بالتأكيد ما كانت تعنيه الرسائل الرعوية بـ “وديعة الإيمان” (παραθήκη)، التي استؤمنت عليها الكنيسة لحفظها والدفاع عنها ونقلها في تقوى إلى الآخرين[61]. إن ’الإيمان‘ الذي استؤمنت عليه الكنيسة، في معناه الأَوَّلي، هو الإيمان بيسوع المسيح واستعلانه لنا وعمله الخلاصي من أجلنا، هذا العمل الذي يفسِّر نفسه ويكشف عن نفسه داخل الكنيسة.

غير أن ’الإيمان‘ في معناه الثانوي يشير إلى المضمون الإنجيلي للرسالة الرسولية والتقليد، كما هو منقول إلينا من خلال كتاب العهد الجديد ومن خلال الاشتراك في ’سر التقوى‘ في وسط الكنيسة، حيث يستمر المسيح في التعريف بذاته وفي عمله الخلاصي من خلال القوة المنيرة لروحه القدوس.

لذلك ففقط بالاعتماد على الشهادة الرسولية والتعليم الرسولي، وبالاعتماد على المعنى الثانوي الذي ذكرناه ’لوديعة الإيمان‘ (أي الحياة حسب الإيمان)، والذي يعترف ويشير دائمًا إلى يسوع المسيح كرب ومخلِّص، تمكن البشر عبر التاريخ من فهم واقتناء الجوهر (المضمون) العقيدي للإيمان، وهو ما كانت تعنيه منذ البداية كلمة ’الوديعة‘. وعلى أية حال، فإن كل هذا يحدث فقط داخل التكامل البنياني بين ’الحق‘ و’الإيمان‘ و’التقوى‘ في تقليد الكنيسة الحي بكونها جسد المسيح أو بكونها الشكل الأرضي-التاريخي لوجوده في العالم.

وإذا قمنا بمحاولة لتقدير علاقة وتأثير هذا التعليم الإنجيلي على الفكر اللاهوتي النيقي، فإن ذلك سوف يساعدنا على أن ندرك كيف استفادت الكنيسة الأولى منه في الفترة ما بين عصر الرسل ومجمع نيقية، وهو ما نراه منعكسًا على فكر كل من القديس إيرينيوس والعلاّمة أوريجينوس.

إقرأ أيضًا: لاهوت الروح القدس عند اباء ما قبل نيقية أ/ أمجد بشارة

 

وديعة الإيمان في فكر القديس إيرينيوس

لقد كان لدى القديس إيرينيوس إحساس قوي بوجود ’حق الإنجيل‘ (مجسمًا) داخل الأساس الرسولي للكنيسة، كما كان لديه أيضًا إحساس قوي بطبيعة بناء الإيمان المُسلَّم مرة للقديسين والمنقول بواسطة التقليد الرسولي. وقد فهم تعبير “وديعة الإيمان” فهمًا عميقًا، فلم يكن يعتبرها مجرد مجموعة مقولات عقائدية، بل الحق الإنجيلي الموضوعي (المُعاش) الذي يعيـد للكنيسة شبابها باستمرار ـ من خلال قوة الروح القدس ـ وهكذا تتجدد روابطها بالمصدر الخلاَّق لكيانها.

كما أن وديعة الإيمان تُشكِّل أيضًا حياة الكنيسة المتواصلة ورسالتها لتكون وفقًا لصورة المسيح ابن الله المتجسِّد وطبقًا لنموذج ’الحق‘ الإلهي المجسَّد فيه[62]. ولذلك فكنيسة يسوع المسيح استلمت إيمانًا ’واحدًا وثابتًا على الدَّوام‘، لأنه مؤسس على حقيقة المسيح غير المتغيرة، وعلى إعلان الله فيه الذي أُعطي مرة واحدة وللكل[63].

إننا لا نستطيع على الإطلاق أن ندرك الله أو نصفه، لأن عظمته الفائقة وجلاله السامي يفوقان ـ بما لا يُقاس ـ قدرة البشر على معرفته ووصفه كما هو في طبيعته الذاتية. غير أن الله ـ بغير انتهاك لسر جوهره الذاتي ـ قد اختار أن يجعل نفسه معروفًا لنا، وذلك من خلال حركة حب وتنازل فائق اقترب بها إلينا من خلال ظهوره في الجسد في المسيح يسوع، وهكذا جعل نفسه في نطاق المعرفة البشرية[64].

وبهذا المعنى فإن يسوع المسيح يُمثِّل الطريق الموصل بين الله والإنسان، بين غير المرئي والمرئي، بين غير المُدرَك والمُدرَك، بين غير المحدود والمحدود. إذن ففي يسوع المسيح ومن خلال الاتحاد و’الشركة‘ معه في الحب، فإننا نستطيع أن نعرف الله بطريقة راسخة ومؤكدة، لأن هذه المعرفة تكون مثبتة ومستقرة في حقيقة الله الأزلي[65].

ولم يكن هذا الأمر ممكنًا بدون الدور الذي يقوم به روح الله، حيث في الرب يسوع المسيح ومن خلاله، ’عوَّد‘ الله روحه القدوس أن يسكن في الطبيعة البشرية، وفي نفس الوقت هيأ الطبيعة البشرية لقبول الروح القدس، ومن خلال عطية الروح القدس نستطيع أن نشارك في علاقة المعرفة المتبادلة بين الآب والابن وبالتالي نشارك في معرفة الله وفقًا لما هو في ذاته[66].

وفي الشركة مع الله بالمسيح في الروح القدس، كما فهمها القديس إيرينيوس ـ والتي صارت بالمصالحة وشفاء بشريتنا بواسطة اتحاده بجسدنا ـ تأخذ الكنيسة بالضرورة دورًا هامًّا في تحقيقها، لأن الكنيسة هي التي ائتمنها الله على وديعة الإيمان، وقد أعطى روحه القدوس للكنيسة، وفي الكنيسة منحنا الله خدمة الإنجيل وجميع الوسائط الأخرى التي يعمل الروح من خلالها.

ولذلك استطاع القديس إيرينيوس أن يقول “حيثما توجد الكنيسة فهناك يوجد روح الله، وحيثما يوجد روح الله فهناك توجد الكنيسة وتوجد كل نعمة: لأن الروح هو الحق”[67]. وبينما أشار القديس إيرينيوس إلى الكنيسة على أنها مكان المعرفة الراسخة ’للحق‘، إلاّ أنه كان يؤكد على أن إعلان الله عن ذاتـه بواسطـة المسيـح وفي الـروح القـدس هـو المصـدر الحقيقي لمعرفتنــا ’للحــق‘[68].

وجاء تأكيده القــاطع هـذا واضحًا، عندما ـ وبالإشارة إلى كلمة القديس بولس عن الكنيسة بكونها “عمـود الحق وقاعدتـه”[69] ـ تكلَّم بقصد عن “الإنجيل وروح الحياة” على أنه “عمود الكنيسة وقاعدتها”: (στύλος δέ κα στήριγμα κκλησίας, τ εγγέλιον κα πνεμα ζως)[70].

ومن ناحية أخرى، كان إيرينيوس يعتقد أنه فقط في إطار الإيمان الذي استؤمنت عليه الكنيسة والمتضمَّن في التقليد الرسولي، يمكن ’للكلمة‘ الخاصة بالإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، أن تُفسَّر بأمانة بدون انحراف أو تجاوزات متجاسرة أو عديمة التقوى، وحينئذٍ يمكن للمسيح ذاته ـ الكنز المخفي في هذه الكتب ـ أن يُعرف معرفة حقيقية[71].

إن معرفة ’الحق‘ الإلهي أو ’الحق‘ الإنجيلي بالنسبة للقديس إيرينيوس لا تُعطى بشكل مجرد أو بشكل منفصل، ولكن تُعطى بشكل واقعي ملموس في داخل الكنيسة، حيث إن هذا ’الحق‘ يجب أن يُفهم داخل إطار الإيمان المُسلَّم للكنيسة من خلال تعليم الرسل، وبالتالي يجب أن يُفهم فقط في الوحدة والعلاقة غير المنفصلة مع الإيمان والعبادة وحياة التقوى لكل من هم متَّحدون (متضمَّنون) في المسيح كأعضاء في جسده.

وقد اعتبر القديس إيرينيوس ’الحق‘ المعلن في الكتب المقدسة على أنه تركيب عضوي أسماه “جسم الحق”، والذي تتمايز في داخله حقائق ومعتقدات متنوعة (كأعضاء هذا الجسم)، ولكنها تكوِّن ’كلاًّ متماسكًا‘ (أي وحدة كاملة متماسكة) ولا يمكن لإحدى هذه الحقائق والمعتقدات أن تنفصل عن هذا الكل، بالضبط كما أنه لا يمكن لأطراف الجسد الحي أن تنفصل عن الجسد دون أن تسبب تدميرًا وتمزيقًا لوحدة هذا الجسد[72].

وبالرغم من ذلك فان المهمة الأساسية التي كلَّف القديس إيرينيوس نفسه بها، كانت إظهار وكشف النظام المتضمَّن في داخل ’وديعة الإيمان‘ وتوضيح الترتيب الداخلي لـ “جسم الحق والتوافق المتناغم بين أعضائه”، وذلك بما يتفق مع ’قانون الحق‘ المسلَّم بالتقليد في المعمودية[73]، ليكون كل هذا مرشداً في تفسير الكتب المقدسة. ومن ثم يكون إيرينيوس قد قدَّم عرضًا واضحًا للكرازة الرسولية (kerygma) في مواجهة انحراف وضلال الهراطقة[74].*

وفي هذا الصدد، كان عمل القديس إيرينيوس يعكس بوضوح نشاط الكنيسة العام في القرنين الثاني والثالث في محاولتها لتوضيح المضمون العقيدي للإيمان في ضوء نظامها الخاص القائم على أسس موضوعية، حيث إنه في سياق هذه المحاولة ظهرت صيَغ محددة للإيمان وهي التي أخذت ـ في وضعها النهائي ـ شكل قوانين الإيمان الأولى[75].

ومن الطريقة التي تناول بها القديس إيرينيوس نفسه هذه الصيغ القانونية الأولية للإيمان، يتضح أنها لم تكن افتراضات عقائدية مرتبطة معًا من خلال نظام ’منطقي استنتاجي‘ للتفكير، بل كانت تأكيدات إيمانية منظومة معًا بصورة فائقة لذاتها، بفضل أساسها المشترك في وديعة الإيمان الرسولي، وبالأحرى بفضل إعلان الله عن ذاته في يسوع المسيح، ’الحق‘ الإلهي الواحد المتجسِّد والذي تنبع منه كل الحقائق الإنجيلية. وبالتالي فإن هذه الصيغ القانونية للإيمان لم يكن الحق الذي فيها نابع منها، بل من ذلك ’الحق‘ الأعلى الذي تشير هي إليه والذي فيه أيضًا تنحصر.

وبينما تحدث القديس إيرينيوس عن تلك الصيغ (القانونية) على أنها مرتبطة بـ “قانون الحق”، إلاّ أنه أوضح أن قانون الحق الفعلي أو المركز الذي يمكن الرجوع إليه هو ’الحق‘ ذاته[76]. وكان يُنظر إلى هذه التأكيدات (الصيغ) الإيمانية، على أنها تملك قوة ضابطة في ذاتها بقدر صحة انتمائها لذلك ’الحق‘ وبقدر خضوعها لسلطانه الأسمى؛ إذ إن كل معرفتنا عن الله (theology) هي فقط “معرفة جزئية” لأن هناك الكثير الذي يخص الله لا بد أن ندعه له بخشوع، بل إن مجرد التفكير في اقتحامه يعتبر من عدم التقوى[77].

وتكمن أهمية هذه الصيغ ليس في ’نوع الكلمات الصحيحة‘ المستخدمة فيها، بل في إسهامها في إخضاع ذهن الكنيسة لما يستوجبه الحق الإلهي، وفى إرشادها للكنيسة في رسالتها لحماية “الإيمان الرسولي والإنجيلي”، والدفاع عن هذا الإيمان الذي ائتُمنت عليه، لتسلِّمه للآخرين وفقًا “لسر التقوى”.

إقرأ أيضًا: المعمودية علي إسم الثالوث القدوس قبل مجمع نيقية

 

معرفة الحق والتقوى في فكر أوريجينوس

هذا العرض لما أسهم به القديس إيرينيوس، في كشف البعد اللاهوتي لـ ’اعتراف الإيمان‘ الخاص بالكنيسة، يحتاج إلى تكملته بعرض آخر لبعضٍ من مساهمة أوريجينوس الواسعة النطاق في الفهم اللاهوتي والكتابي، والذي كان له أثره البالغ على الكنيسة وحتى مجمع نيقية.

لقد كان أوريجينوس عالِمًا فذًا ودارسًا إنجيليًّا لا يُضاهى في الكنيسة الأولى، ولكنه كان لاهوتيًّا صاحب فكر مُفرط في التأمل ـ رغم إخلاصه ـ ويشعر بضرورة نقل فكره إلى ما هو أبعد من المضمون الحرفي للأقوال الإنجيلية، أي إلى الحقائق الإلهية التي تدل عليها هذه الأقوال.

ورغم أنه كان يشارك القديس إيرينيوس الرأي بأن المرجع الذي يمكن الاستناد إليه في معرفتنا لله هو في النهاية ’الحق‘ ذاته ـ كما هو معلن في يسوع المسيح، وليس في أية صيَغٍ بشرية لمعرفتنا نحن ’للحق‘[78] ـ إلاّ أنه وبخلاف القديس إيرينيوس عمل من خلال إطار ثنائي للفكر، وهو الفصل الأفلاطوني بين عالم الحسيّات (الأشياء المحسوسة) κόσμος) (ασθητς وعالم المدرَكات (الأشياء التي تُدرك بالعقل) κόσμος) (νοητς [79]، وكان لهذا المنهج الثنائي في التفكير، تداعيات بعيدة المدى لدى أوريجينوس إلى درجة قوله بأن: “الأشياء غير المرئية وغير المادية في السماء هي حقيقية، أما الأشياء المرئية والمادية على الأرض فهي نسخ من تلك الأشياء الحقيقية وليست هي حقيقية بذاتها”[80].

وقد أثرت وجهة النظر هذه بشدة في فهمه للكتب المقدسة، فرأى أنها وسائط وفرتها العناية الإلهية داخل عالم الحسيّات، والتي بواسطتها يُهيئ ’اللوغوس‘ الإلهي اتصاله بالضعف البشرى ويغلف أسرار الإعلان الإلهي في صورة أشكال وأرقام يسهل فهمها، وهذا فقط حتى يمكنه ـ من خلالها (الكتب المقدسة) ـ أن يرفع العقول المؤمنة إلى مستوى أعلى حيث تستطيع فهم الحقائق الروحية أو الإلهية في العالم العقلاني (عالم الأمور الحقائق) البعيد عنهم[81].

ولقد اعتقد أوريجينوس أن المصطلحات البشرية الموجودة في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، تحكمها طبيعة (φύσει) ’الحقائق‘ التي تدل عليها هذه المصطلحات، وأنها ليست مجرد متصلة بها فقط بصورة تقليدية (θέσει). ومن هنا فإن هذه المصطلحات ينبغي أن تُفهم من خلال القبول الإيماني لما تفرضه (καταληπτικός) تلك ’الحقائق‘ على عقل المفسِّر، مما يعني أنه لا بد له من أن ينهمك في بحث دقيق للتأكد من أن هذا القبول الإيماني (لمعاني المصطلحات) يتفق بالفعل مع الحقيقة[82].

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فقد أصرَّ أوريجينوس على أن التفسير الروحي للكتب المقدسة طبقًا للطبيعة الروحية لهذه ’الحقائق‘، لا بد وأن يَعبر في الفكر من مستوى أدنى للمعنى ’المادي‘ أو الحرفي إلى مستوى أعلى للمعنى ’الروحي‘ أو السري حيث تشرق الحقيقة بنورها العقلاني والشاهد لذاته[83]. إلاّ أن هذا (العبور) يحتاج إلى قدر كبير من التدريب الروحي للعقل علي البصيرة اللاهوتية (θεωρία) ونوع من الحس الإلهي (θεία ασθησις) يتناسب مع معرفة الله[84].

هذا الجمع بين البحث الدقيق والتدريب الروحي كان سمة مميزة جدًّا لأوريجينوس، رغم علمه بالمخاطر التي ينطوي عليها هذا الاتجاه، والذي قاده للفصل بين الإنجيل “الجسدي ـ الحسي” وبين الإنجيل “الروحي ـ الفكري”، أو بين ما يُسمى بالإنجيل “الزمني” وما يُسمى بالإنجيل “الأبدي”, والذي اعتقد أوريجينوس أنه يوازي الفرق بين مجيء المخلِّص في حالة ’التواضع‘ عندما أخذ شكل العبد من أجلنا، وبين مجيء المسيح في المجد في المستقبل عندما ستفسح ظلال “الإنجيل الزمني” المجال للحقائق المطلقة التي “للإنجيل الأبدي”[85].

وينتج عن هذا، اعتبار المسيح الذي جاء في التاريخ على أنه هيئة مشروطة بفترة زمنية محددة، والذي فيها ينتقل ’الحق‘ الأبدي إلى المخلوقات الساقطة، ولكن بمجرد أن تتم معرفة هذا ’الحق‘ الأبدي، فإن ذلك الوسيط ’التاريخي‘ سوف يكون وجوده نسبيًّا[86]. وكان هذا هو السبب وراء تأكيد أوريجينوس على أهمية ’التفسير المجازي‘ وعلى غرس ’الإحساس‘ الروحي نحو الله، والذي قد يساعد المؤمن على اختراق قشور وظلال الإعلان ’التاريخي ـ الزمني‘ والوصول إلى حقائق الله الأبدية ’غير المرئية‘ والتي يمكن فهمها فقط بأسلوب بسيط ومباشر ولا يمكن التعبير عنها بكلمات بشرية[87].

هذا الامتداد التأملي للعقل الروحي، إلى ما وراء مجال المعرفة ـ الذي يخضع لمعايير الحقيقة التي عملت بها العلوم والفلسفة اليونانية[88] ـ كان بدون شك أمرًا خطيرًا، ولكن بالرغم من ذلك كان أوريجينوس منبهرًا به وبالأخص لأنه ارتبط برجال الله في العهد القديم مثل ملكي صادق رائد العبادة السماوية، أو موسى الذي تكلم مع الله وجهًا لوجه، أو حين ارتبط باختبار التلاميذ على جبل التجلي أو ما كتبه القديس بولس عن اختباراته المجيدة، والتي تشير جميعها إلى نوع من الرؤية السامية لله والتي من الممكن أن تكون مفتوحة أمام “البصيرة الصوفية التي تفوق التعبير”[89].

وثمة جانب آخر لاسلوب أوريجينوس ضمن لفكره اللاهوتي (θεολογεν) الحماية ضد التحول للفكر الأسطوري الخيالي (μυθολογεν)، كما وفَّر إطارًا معياريًّا للإيمان والعبادة يساعد على جعل ’معرفة الله‘ كمركز للحياة وللتقليد الحي الذي “للكنيسة العظيمة”، وهذا (الجانب الآخر) هو الذي كان يفرض على أوريجينوس أن يعمل بالأسلوب الذي فيه يؤثر ’البحث الدقيق‘ و’التدريب على التقوى‘ كل منهما على الآخر.

وطبقًا لمفهوم ’المعرفة العلمية‘ (πιστήμη) الذي قد ساد طويلاً في الإسكندرية، وهو أن المعرفة الصحيحة هي التي تكون وفقًا لطبيعة (κατά φύσιν) الشيء الذي تجري معرفته، فقد ركز أوريجينوس على تطوير طريقة لمعرفة الله تكون متمشية تمامًا مع طبيعة الله كما قد أعلنها لنا بنفسه، أي طريقة تتسم بالتقوى؛ فقد هيأ نفسه لتنمية التقوى الشخصية بالاعتماد على نعمة المسيح وقوة روحه القدوس، حتى يستطيع أن يعوِّد العقل على التقوى التي تلائم معرفة الله.

إذن فإن “معرفة الله” والتي في معناها الدقيق هي ’معرفة الثالوث القدوس‘، و “التقوى الإلهية التي تُحدد بواسطة يسوع المسيح ابن الله المتجسِّد، قد اعتبر أوريجينوس أن كلاًّ منهما متوقف على الآخر، وذلك في مجال (عملية) تعميق البحث اللاهوتي[90]. فكلما عُرف الله بحق وفقًا لطبيعته، زاد مستوى التقوى؛ وكلما زاد مستوى التقوى، زادت إمكانية معرفتنا لله بصورة تقوية تليق بطبيعة الله[91]. وعمومًا فإن “الهدف هو أن نقترب من ’الحق‘ على قدر المستطاع وأن نشكِّل إيماننا طبقًا لقاعدة التقوى”[92]. وهكذا صارت ’التقوى‘ و ’قانون الحق‘ متكافئين عمليًّا.

ولقد كان أوريجينوس يفكر ويعمل في إطار احترامه البالغ للكتب المقدسة وإخلاصه ’الكهنوتي‘ لكلمة الله وحق الله اللذين تنقلاهما لنا هذه الكتب[93]، والتي رأى أوريجينوس أنها يجب أن تُبحث على أنها من نتاج وحي الروح القدس، كما يجب أن تُفسَّر وفقًا “لسمتها الإلهية” بطريقة ورعة ووقور إدراكًا منا أن لها من عمق المعنى ما يفوق إدراك البشر مما لا يدع مجالاً للفهم المتسرع[94].

فالكتب المقدسة في صميم طبيعتها تستلزم الدراسة العميقة والتأمل والصلاة والجهد الشاق[95]، وهذا هو بالضبط ما أظهره أوريجينوس نفسه في إنتاجه الضخم من التفاسير الإنجيلية، التي تشهد شهادة رائعة على معالجته للنص بضمير حي في كل تفاصيله اللغوية والنحوية الدقيقة، كما تشهد أيضًا على بحثه الدؤوب لتوضيح الملابسات والخلفيات التاريخية التي قد تؤثر على المعنى، ولكنه سعى أيضًا لتوضيح مدى تأثير الإعلان الإلهي الكتابي بأكمله وكل تقليد الإيمان والفهم المسيحي في الكنيسة، مدى تأثير كل هذا على كل سفر وكل فقرة في الكتاب، وبذلك يمكن أن تُفهم الكتب المقدسة ـ بقدر المستطاع ـ خارجًا عن نفسها في ضوء القصد الإلهي الذي احتوته هي وأظهرته في ترابطها وتواصلها الداخلي[96].

وبما أن الكتب المقدسة هي نتيجة وحي الروح القدس بإرادة من الآب وبواسطة يسوع المسيح*، وبما أن ’كلمة‘ الله الذي يتكلم في كل الكتب المقدسة قد تجسَّد في شخص يسوع المسيح، لذلك فإن يسوع المسيح ذاته هو الذي يشكِّل المحور الحاكم لكافة التفسيرات الصحيحة للكتاب المقدس.

وقد ذهب أوريجينوس إلى القول بأن تفسير الكتاب المقدس، وحتى الأناجيل، بهذه الطريقة ـ أي من خلال وجود وحضور “فكر المسيح” ـ يعني الحفاظ على “قانون كنيسة يسوع المسيح السماوية متمشيًا مع التعاقب الرسولي”[97]، فيسوع المسيح هو نفسه الذي أعطى للمسيحيين تعريفًا للتقوى الحقيقية[98] لأنه هو نفسه “سر التقوى العظيم الظاهر في الجسد” والذي في نفسه ومن خلال نفسه حقَّق التلاقي بين تنازل الله الكريم إلينا واقترابنا نحن إلى الله، أي بين كُلٍّ من إعلان الله عن ذاته لنا ومعرفتنا نحن لله وعبادتنا له[99].

إذن ففي كل بحث عن ’الحق‘ ينبغي علينا أن نجاهد أكثر وأكثر لكي نحافظ بكل الطرق على موقف التقوى نحو الله ومسيحه[100]. ولكي نكون أمناء “لفكر المسيح” في كل تفسيرنا للكتب المقدسة “فإننا لا بد أن نحافظ على قانون التقوى”[101].

ومن المهم جدًا أن نلاحظ أنه بالنسبة لأوريجينوس، كانت ’التقوى‘ تُعرَّف وتتحدد ليس فقط بكونها ’بحسب يسوع المسيح‘ (κατ Іησον Хριστόν) بل أنها ’من خلال يسوع المسيح نفسه‘ (δι Іησο Хριστ)، من جهة علاقته الفريدة بالآب كابن الله وأيضًا من جهة علاقته الفريدة بنا كرئيس كهنتنا الذي فيه ومن خلاله نعبد الآب[102].

وإذ هو بذبيحته يشفينا، ويطهرنا بقدرته الإلهية الذاتية، لذلك نحن نعبده كما نعبد الآب، لأنه هو والآب واحد. ولكن لأنه هو أيضًا في نفس الوقت واحد معنا كما هو واحد مع الآب، فنحن نصلي له “كوسيط لنا وكرئيس كهنة وكشفيع” طالبين منه أن يقدِّم رغباتنا وتوسلاتنا وتشفعاتنا التي نرفعها إليه إلى الآب، وهكذا فإننا نعبد الآب ونحن في اتحاد به ومن خلاله. وكابن الله المتجسِّد وكرئيس كهنة، فإن يسوع المسيح قد عرَّف الجنس البشري الطريقة النقية لعبادة الله ـ وهذه هي التقوى الحقيقية التي بها يثبت إيماننا وفهمنا في الله[103].

ومما لا شك فيه أن ما كتبه أوريجينوس عن عبادة الآب التي مركزها المسيح والتي يتوسط فيها المسيح، إنما يعكس الفكر السائد للكنيسة في إيمانها القائم على التقليد الحي، وفي خدمتها لأجل خلاص الجنس البشري: حيث كان الانبهار المصحوب بالتوقير في معرفة الله، والشكر والتسبيح لأجل أعمال الله الخلاصية في تجسد يسوع المسيح وموته وقيامته، وأيضًا التقوى في القول والفعل، كل هذه مُضفَّرة معًا وملتحمة بغير انفصال في عبادة الكنيسة كما يتضح ذلك في ليتورجية المعمودية والإفخارستيا[104].

وكان تقديس اسم الله، والتفكير فيه والتكلم عنه بصورة لائقة، وكذلك التوقير العميق لكشف الله لذاته كآب وابن وروح قدس هذه كلها كانت من العلامات الجوهرية ’للفكر المسيحي‘ ـ بل وكما اعتقد أوريجينوس ـ ’للفكر الكنسي‘، وذلك نتيجة البصمة التي تركها الرسل عليه. لذلك فعندما شرع أوريجينوس في إعداد وطبع مؤلف عن المبادئ الأساسية للإيمان، بقصد زيادة الترتيب والتناغم في فهم العقيدة المسيحية، وضع أولاً ’خطًّا محددًا وقاعدة واضحة‘، وهى أن شرح الإيمان ينبغي أن يبقى داخل حدود تعليم الكنيسة المتفق عليه بالإجماع كما تسلَّمته من الرسل، وذلك في ضوء العقائد التي اعتبرها الرسل ضرورية للغاية.

ولكن بالنظر لاحتمال حدوث الخطأ والاختلاف في الرأي فيما بعد، شعر أوريجينوس أنه يتعين عليه المزيد من البحث في “دوافع وخلفيات الأقوال التي وعظ بها الرسل عن الإيمان بالمسيح” أملاً في تأسيس القاعدة الأولية للإيمان المسيحي، ومن ثم يحدد الارتباطات المنطقية ’للحق‘ المعلَّن، وذلك لبناء كيان متماسك وثابت للعقيدة المسيحية[105].

وفي خلال مشروعه هذا والذي كان الأول من نوعه، سعى أوريجينوس لإدراك ’الحق‘ الإلهي بكل ما أوتي به من إخلاص، وكان يحرص خاصةً بالنسبة “للنقاط الأكثر صعوبة” على أن يسترشد بقانون التقوى، أي قاعدة البر. وكان يسمح فقط باستخدام المفاهيم اللاهوتية التي يشعر أنها تليق بالله والمصوغة طبقًا لما يتطلبه ويحتِّمه كيان الله وطبيعته الفائقة الإدراك.

ونتيجة لشدة افتراضاته الفلسفية المسبقة، والتي لم يخضعها بصورة كافية للنقد ـ وعلى الرغم من التزامه بما أعلنه الكتاب المقدس ـ فإن فكر أوريجينوس التأملي تجاوز قاعدة التقوى في عدد من النقاط الحاسمة، مما أدى إلى اصطدام تعليمه مع فكر الكنيسة الجامعة. ومع ذلك فإن أوريجينوس، بجمعه بين البحث العلمي لأسس الإيمان الموضوعية والإصرار على مراعاة مبدأ التقوى(εσέβεια / θεοσέβεια) في معرفة الثالوث القدوس، كان له تأثير بالغ على اللاهوتيين في نيقية وما بعد نيقية، حيث أصبح المبدأ الفعَّال فيما بينهم هو ما عُرف فيما بعد بقانون التقوى-قانون الإيمان (lex orandi – lex credendi)[106].

إقرأ أيضًا: هل أسس مجمع نيقية قانونية أسفار الكتاب المقدس؟ ترجمة: زاهي جندي

 

دور التقوى في حفظ الإيمان

وعبر تاريخ الكنيسة، قُدِّمت مرارًا وتكرارًا أفكار عن الله ناتجة عن تجاسر وعدم توقير، وقد رفضتها الكنيسة بصورة بديهية بسبب احترامها العميق لسر الله وجلاله، هذا الاحترام العميق الذي كان قد تأسس ونما داخل نسيج الإيمان بواسطة الصلاة والعبادة. وكان هذا هو بالضبط ما حدث بسبب الهرطقة الأريوسية في فترة حرجة من تاريخ الكنيسة، حيث شككت هذه الهرطقة في وحدانية الثالوث القدوس بإصرارها على أن الابن مخلوق، وبالتالي فصله عن جوهر الآب وإدخال نوع من التضارب في الألوهية.

وكان رد فعل الأساقفة بنيقية هو الفزع الشديد لتلك الإهانة التي إنما تنم عن ’عدم التقوى‘ و’عدم الورع‘ (ασέβεια) الأريوسي، وهذا قد جعلهم يقدمون ضد تلك البدعة “مجادلات تتسم بالتقوى” (πόδειις εσεβείας)[107].

وقد أخبر القديس أثناسيوس أساقفة مصر بأنه عندما كان يدوِّن تعبيرات الأريوسيين المنحرفة والعديمة التقوى، كان يتعين عليه أن يطهر نفسه بالتفكير في عكس هذا الاتجاه تمامًا، وأن يتمسك “بذهن التقوى” (τν τς εσεβείας διάνοιαν)[108].

وبالإشارة إلى حقيقة أن مجمع نيقية اضطر إلى استخدام التعبير غير الكتابي (أي الذي لم يرد في الكتاب المقدس) “هوموأووسيوس” (μοούσιος) لشرح ما كان يعنيه الكتاب المقدس في حديثه عن المسيح (بكونه كابن) “لـ الله” أو “من الله”، أوضح القديس أثناسيوس أنه لا يهم إذا استخدم المرء أو لم يستخدم تعبيرًا غير كتابي طالما أن له “ذهن تقوّي” (εσεβ τν διάνοιαν)، كما أوضح القديس أثناسيوس أيضاً حقيقة أن الآباء بنيقية كانوا بعيدين كل البعد عن التحدث عن المسيح بدون توقير، فهم تحدثوا عنه بوقار “وبذهن متسامٍ وتقوى تنم عن محبة للمسيح” (υψηλ διάνοια κα φιλόχριστος εσέβεια). [109]

وفي فترة لاحقة، عندما تجاسر بعض رجال الكنيسة من دعاة الأريوسية على القول بأن الروح القدس مخلوق، وتجرأوا على إخضاع العلاقات الداخلية للثالوث القدوس ـ حيث “يبسط الشاروبيم أجنحتهم للتغطية” ـ للفحص الوقح، قدَّم القديس أثناسيوس حججًا مضادة بنفس أسلوب نيقية (الورع)، وكان يفعل هذا بروح التقوى المتمركزة حول المسيح. فالتعليم الذي سبق أن سُلِّم يجب أن يُقبَل بخبر الإيمان، ويجب أن يُشرَح “بنمط فكري يتسم بالتقوى” (εσέβε λογισμ μετ ̉ ελαβείας)[110] وليس بمجادلات لغوية تفتقر للوقار.

وكان القديس أثناسيوس يصرُّ دائمًا على أن إطاعة الإيمان تؤدي إلى أسلوب شرعي في التفكير والتحدث عن الله، وذلك بفضل الاتزان الداخلي الذي يتولد نتيجة عبادة الله. ففي كل محاولة للفهم وإعطاء تعبير عن أسرار الإيمان، يكون المطلوب هو انضباط خشوعي وترتيب للعقل وصل إلى حالة الانسجام “بواسطة صلاة دائمة لله، ومعرفة تتسم بالتقوى، وتضرعات مقدمة ليس بشكل عرضي ولكن بتسليم كامل للقلب”.

هكذا يمكن أن يكون الدخول إلى الله، والذي فيه الإيمان والتقوى كل منهما يحكم الآخر في معرفتنا لله “لأن (كلمتي) الإيمان والتقوى مرتبطتان، وهما أختان: فمن يؤمن بالله لا ينفصل عن التقوى، ومَن يملك التقوى فهو حقًّا يؤمن”[111].

وقد لعب نفس مبدأ (lex orandi – lex credendi) أي ’قانون التقوى ـ قانون الإيمان‘ دورًا هامًّا في فكر القديس هيلاري، وكما قد رأينا فإن القديس هيلاري كانت تزعجه بالأكثر الطريقة التي استغل بها الهراطقة ’المجال المفتوح‘ للإيمان لإقحام أفكارهم الخاصة الوقحة في معرفة الله، كما أقلقه أيضًا ـ في الرد على الهراطقة ـ الحاجة إلى فكر لاهوتي مستقيم (أرثوذكسي)، لصياغة اعترافات محددة ـ أبعد من تصريحات الكتاب المقدس ـ عن أمور هي في الأساس تفوق الوصف.

واعتقد القديس هيلاري أنه في هذه الظروف، ينبغي علينا أن نعتمد على ذلك النوع من الإدراك والفهم لله، المتضمَّن في الإيمان الذي يزداد بالعبادة، كما نعتمد على تلك العبادة التي يدخلنا فيها الله بنفسه؛ إذ إننا قد أُعطينا قدومًا إلى الآب من خلال الابن[112]. فإننا مهما حاولنا تطويع لغتنا لتعرب عن عظمة الله، فهي تبقى قاصرة بصورة لا حد لها في التعبير عن ’ماهية الله‘ في كيانه وطبيعته السرمدية. ولكن رغم هذا فإن لغتنا يمكن توجيهها والتحكم فيها من جانبنا بواسطة أعمال العبادة الرئيسية التي يطلبها الله منا، من خلال إعلانه عن ذاته في الإنجيل.

وهكذا فإن القديس هيلاري عمل بمفهوم للإيمان مؤسس على التقوى الإنجيلية، وبمفهوم للتقوى التي تتسع بالإيمان بحقيقة الله التي لا تستنفذ. وفي هذا يقول القديس هيلاري: “ينبغي علينا أن نصدِّقه وندركه ونعبده وأن نسمح لأعمال العبادة هذه أن تكون الطرق الأساسية التي نتحدث بها عن الله”[113].

وبهذا الأسلوب لم يكن القديس هيلاري يعني أن نرتد في ذعر أمام جلال الله الفائق الإدراك، ونتراجع تمامًا إلى التوقير القلبي الصامت (فقط)، ولكن بالأحرى كان يعني أننا يجب أن نفكر في الله، فقط بالطريقة التي بها ندرك أنه يفوق بصورة لا نهائية إمكانيات الفكر والكلام البشرى؛ إذ يجب أن نجعل عبادتنا لله من خلال الابن ـ والذي فيه ينكشف سر الآب غير المدرك ـ هي التي تحكم كل ما نعترف به في الإيمان أو ما نعبِّر عنه في صياغات لاهوتية[114].

لأن الفكر اللاهوتي، كما سعى فيه القديس هيلاري نفسه، لا بد أن يمتزج ويتشابك مع الصلاة بصفة دائمة، حتى إنه في كل محاولاتنا للتعبير عن إيماننا واعترافنا بإله واحد الآب، ورب واحد يسوع المسيح ـ حسب ما قد تعلمناه بالأنبياء والرسل ـ فإن الله سوف يهبنا ما نريده من معنى في اللغة، ونور في الفهم، ووقار في التعبير والعرض، وإخلاص وأمانة للحق[115].

إقرأ أيضًا: الثالوث المسيحي – لماذا لا يفهمه المسلمون؟ فيديو والرد عليه – أحمد سبيع

 

كيف تشكَّلت البصيرة اللاهوتية في الكنيسة في القرن الرابع؟

في كل ما سبق، كنا نفحص بعمق في الطريقة التي يجب بها البحث في جذور قانون الإيمان النيقي، في محاولة للعودة إلى ما كانت عليه الأمور عند التأسيس الرسولي للكنيسة، حين صار الإيمان الخلاصي بالله الآب والابن والروح القدس مصوغًا (مجسمًا) فيها مرة وإلى الأبد. وأيضًا كنا نبحث في الطريقة التي بدأ فيها هذا الإيمان يكشف عن محتواه اللاهوتي وهو في طريقه للوصول إلى قانون نيقية، مسترشدًا بالأساس الإنجيلي للتقليد الرسولي العامل في حياة الكنيسة الجامعة في القرون الأولى ـ وفي رسالتها وعبادتها ـ حيث اتضح هذا الأساس في طريقة تفسير الكنيسة للكتب المقدسة وفي طريقة تعبيرها عن التعليم المسيحي.

ولقد وجدنا في هذه القرون تقليدًا متواصلاً يتميز بكون الإيمان والتقوى والفهم والعبادة مضفَّرة معًا بعمق، تحت التأثير الخلاَّق للقناعات الإنجيلية التي انطبعت في ذهن الكنيسة، في التزامها بإعلان الله عن ذاته بواسطة الابن المتجسِّد وفي الروح القدس. وهذه القناعات المصحوبة بتنسيق وترتيب للعقل مركزه المسيح، ظلت تتولد وتُغذَّى معًا داخل الحياة والشركة المتنامية للكنيسة من خلال التأمل المنتظم في الكتب المقدسة والمشاركة في العبادة الليتورجية.

وهذا هو الذي كوَّن القالب الذي تشكَّلت داخله البصيرة اللاهوتية والرأي الذي يتصف بالتقوى، واللذان ساهما في تحديد صياغة أكثر رسمية للمعتقدات في داخل حدود ما طالب به المسيح الكنيسة من طاعة وخدمة.

ومن هنا برز إطار فهم عام للحياة والتقوى، وإطار خاص تحددت فيه المعتقدات التي نشأت من المعمودية المقدسة ومن خلالها، و”المتضمَّن فيها كل جوهر الإيمان بالثالوث” على حد تعبير القديس أثناسيوس[116]. وفي إطار هذا الفهم وعمله المعياري، ومع الرجوع المستمر للإعلان الإلهي في الكتب المقدسة، فإن فهم الكنيسة وصياغتها ’للحق‘ الإنجيلي أخذ يتسع ويتعمق.

ولذلك حدث في الكنيسة الجامعة في فترة ما قبل نيقية، تعمق متزايد داخل بناء مفاهيم الإيمان المسيحي، والذي بالرغم من أنه أخذ يتزايد في الفهم والدقة إلاّ أنه كان لا يزال في نطاق ’المقدمات‘ لمعتقدات الكنيسة النهائية المتضمنة في وديعة الإيمان الرسولي.

إقرأ أيضًا: دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية بقلم اثناسيوس الرسولي

 

تطابق ’العقيدة الداخلية‘ و’العقيدة المعلَنة‘ في مجمع نيقية

ومن الجدير بالذكر أنه عندما بدأت تظهر صياغات صريحة للعقيدة نابعة من ’كيان متكامل‘ للإيمان الرسولي، فإنها عادة ما كانت تحتوي على ’عبارات عن “الكنيسة”‘، وهو ما نجده قد ترسَّخ نهائيًّا في الصورة الناضجة لـ “قانون الرسل” و”قانون نيقية”[117]، وهذا يعبِّر عن حقيقة أنه عندما تبلورت القوانين الرسمية، فإنها ظلت مرتبطة بالتركيب الضمني الداخلي للإيمان و’المجسم‘ في الأساس الرسولي للكنيسة، وبالتالي كانت هذه القوانين ستصبح معيبة للغاية لو أنها جُردت من هذا الارتباط.

وهكذا فإن التكامل العميق بين العقيدة الداخلية (الحياة التقوية الداخلية التي بحسب جوهر الإيمان) والعقيدة الصريحة المعلنة (الصياغة المحددة للإيمان) لم يكن منسيًّا أبدًا، بل أن هذا التكامل قد تم تحويله إلى اعتراف كامل للإيمان الجامع. ورغم أنه في مجمع نيقية نفسه لم تُدرج عبارة صريحة عن الكنيسة في قانون الإيمان، إلاّ أن إعطاء الشكل القانوني الواضح والمحدد للإيمان، كان معروفًا أنه اعتمد على ما كانت تؤمن به الكنيسة الجامعة على الدوام، وما عرفته بالبديهة أنه “حق”[118].

ومن خلال هذا النوع من الصياغة الرسمية، فإن كل جسم ’الإيمان الداخلي‘ المضمر في التقليد الرسولي للكنيسة قد تم تدعيمه وإمداده بالشكل ’النظامي‘ الذي وسّع في قوته الضابطة داخل حياة الكنيسة ورسالتها. وكان هذا كله يعتمد على مبدأ “معرفة الحق بحسب التقوى”[119] الذي تضمَّنه ميراث الكنيسة، والإحساس الفطري بالله الذي انطبع في ذهن الكنيسة بواسطة الإعلان الإلهي؛ كما اعتمد أيضًا على بصيرة معطاة ـ كعطية إلهية ـ لإدراك العلاقات الفائقة في الله بكونه آب وابن وروح قدس، وهو الذي ينبغي له السجود والتعبد أكثر مما ينبغي التعبير عنه.

إقرأ أيضًا: بارت إيرمان حبيب الإخوة المسلمين، يرد على إدعاء الإخوة المسلمين بشأن مجمع نيقية وألوهية المسيح

 

* العناوين الجانبية من وضع المترجم.

[1] أف 18:2.

[2] يهوذا 3.

3 Hilary, Con. Const., 27. See also Athanasius, De syn., 9; Ad Ant., 15; Ad Afr., 10; Ep., 55, 56; Basil, Ep., 125.1; 127.2; 140.2; 159.1; 204.6; 251.4; Theodoret, Hist. eccl., 2.15, 18.

 [4] 1كو10:3-11؛ أف 20:2.

 5 Gregory Naz., Ep. ad Cled., 102.

6 Gregory Naz., Or., 21.14; Ep. ad Cled., 102.1; Theodoret, Hist. eccl., 2.15; Socrates, Hist. eccl., 1.9; Eusebius, Vita Const., 3.20.

7 Gregory Naz., Or.,21.13, 14; cf. also 19.33-35.

8 Athanasius Ad Afr., 1f; cf. 4-6, 9-11; De syn., 5f, 9, 43; Ad Adel., 6; Ad Ser., 1.28, 33; Ep. 55 & 56.

9 Athanasius Ad Adel., 6; cf. Ep., 2.6f; 39.1-7.

10 Athanasius Ad Afr., 1.

11 Athanasius Ad Ser., 1.28, 33.

12 Athanasius De decr., 4f, 18ff, 31ff; Con. Ar., 1.8, 10; 2.33f, 40; De syn., 3, 6, 7, 33f, 39ff, 45f; Ad Afr., 4ff; Ep., 2.4-7, 59; Ad Epict., 3; cf. also Con. gent., 1; De inc., 5.

13 Athanasius Ap. Con. Ar., 23f; Ad Ep. Aeg., 5, 18, 20, 21; De syn., Ad Ant., 3.5; Ad Afr., 10f; Ep., 51; 55; 56.1-4; 59.1; 61.5; 62.

14 Athanasius De syn., 5 ; cf. 3f.

15 Athanasius De syn., 6 ; cf. De decr., 18-22 ; 31f.

16 Athanasius Ad Ser., 1.17, 20 ; De vita Ant., 16, 77-80, etc.

17 Athanasius De inc., 19.3 ; cf. Exp. Fidei ; Con. Ar., 4.21 ; and Socrates, Hist. Eccl., 2.30.

18 Athanasius De inc., 56.1.

[19] 1كو1:4؛ انظر كذلك: Athanasius, Ep. Enc. 1.

 [20] 1كو2:11؛ انظر كذلك: Athanasius, Ad Afr., 10.

 [21] انظر أع 28:15 وما بعدها؛ وكذلك 4:16.

 [22] انظر لو 1:2؛ وكذلك أع 7:17.

 [23] Athanasius De decretis ـ العنوان اللاتيني المتداول هو ترجمة خاطئة للكلمة: (ο̉ρισθέντα) . انظر كذلك Cf. De syn., 5, and Hilary, De Trin., 4.1-7.

[24] بعد مجمع نيقية، أصبح استخدام مصطلح ’قانون‘ يرتبط بالتأديبات الكنسية. وقد استخدم ق. أثناسيوس هذا المصطلح ليشير إلى القوانين التي ترجع إلى الرسل. انظر:

Athanasius Ep. Enc., 1.6 ; Ap. con. Ar., 25, 29, 31f ; Hist. Ar., 36, 51.

[25] كو 5:1.

26 Hilary, De Trin., 1.18

[27] إش 9:7. ولذلك نجد ق. إيرينيئوس يقول في (Dem., 3) “والإيمان ينتج عن الحق؛ لأن الإيمان يقف أو يرتكز على الأشياء الحقيقية (أو التي هي بالحقيقة كائنة). ونحن نؤمن في أشياء حقيقية (أو بالحقيقية كائنة)، وبالإيمان في أشياء حقيقية، نظل واثقين بشدة فيها”؛ انظر أيضاً: Clement of Alex., Strom., 1.1; 2.2, 4; 4.21; Cyril of Jer., Cat., 5.4, etc.

[28] انظر استخدام مصطلح ’طبيعة‘ (φύσις) في الفكر الإسكندري:

See my Theology in Reconciliation, 1975, pp. 241f, 247ff; Archbishop Methodios Fouyas, The Person of Jesus Christ in the Decisions of the Ecumenical Councils, 1976, pp. 65ff.

29 Cf. Hilary, De Trin., especially books 1-4,

وفي هذه الكتب الأربعة، يعرض ق. هيلاري المعرفة اللاهوتية بشكل مميز جداً.

30 Augustine, De Trin., 7.5; In Jn. Ev., 27.9; 29.6; 40.9; De lib. arb.,

2.2.6; De div. quaest., 48; In Ps., 118, 18.3; Ep., 120.1, 3, etc.

31 Hilary, De Trin., 1.18; 2.6f; 3.9f, 23; 4.14, 36; 5.20f; 6.13-16; 8.52.

[32] رو 5:1؛ 26:16.

33 Cf. Clement Alex., Strom., 2.2ff, 6, 11f; 8.3; and Augustine, De spir. et litt., 21.54; 34.60.

34 Hilary, De Trin., 6.34; see also 4.6.14.

35 Hilary, De Trin., 6.36f; cf. 2.22f; 6.20f; and ‘The Liturgy of St James’

E. Brightman, Liturgies of Eastern and Western Churches, 1896, p. 54:

حيث إن ’الكنيسة الجامعة الرسولية‘ هي أيضاً تقول أنها تأسست على ’صخرة الإيمان‘.

36 Hilary, De Trin., 2.22.

37 Hilary, De Trin., 5.20f.

38 Hilary, De Trin., 4.14; 5.4, 7; 8.52.

39 Hilary, De Trin., 1.6, 16; 2.2ff, 12, 24ff, 52ff.

40 Cf. Clement Alex., Strom., 7.16.

41 Athanasius, Con. Ar., 4.12:

“لأن ما يُعطى إنما يُعطى من خلال الابن؛ ولا يوجد شيء ما يعمله الآب إلاّ من خلال الابن؛ ولهذا فإن النعمة محفوظة (ومؤمنة) لذاك الذي يقبلها”.

[42] غل 9:1.

43 Athanasius, Ap. con. Ar., 49; De decr., 2.5; Ad Ep. Aeg., 2; Ep., 2.6; Theodoret, Hist. eccl., 1.3; 2.6; 5.10.

44 Hilary, De syn., 61-64.

45 Athanasius, Ad. mon., 1.1-3.

46 Athanasius, Con. Ar., 2.15; 3.28, 35, 58; cf. also my discussion of this in Reality and Evangelical Theology, 1982, pp. 106ff.

47 Athanasius, De vit. Ant., 77-80.

48 Hilary, De Trin., 1.7-16; 2.5-11; 3.1-6, 18-26.

49 Hilary, De Trin., 1.8, 12; 2.5ff, 11.

50 Hilary, De syn., 65; De Trin., 3.18; 10.53; 11.44-47; 12.24-37.

51 Hilary, De Trin., 2.1-5; 10.51-53.

52 Hilary, De Trin., 2.2, 5.

53 Cf. G. Florovsky, Bible, Church, Tradition: An Eastern Orthodox View, 1972, on ‘the scriptural mind’ and ‘the catholic mind’, pp. 9ff, 57f.

* إن الإيمان المسلَّم للكنيسة لم يكن مجرد مقولات عقيدية، ولكن كان هو الحياة الجديدة في المسيح، أي الحياة التقوية بحسب الحق المؤسس عليه هذا الإيمان، وهو ما سُمي ’وديعة الإيمان‘. إذن ففي الإيمان الصحيح تكون هناك المعرفة الصحيحة والتقوى السليمة، وهذه التقوى بدورها تقوم بحفظ الإيمان السليم والتعليم الصحيح من أي انحراف. (المترجم)

[54] أع 2:9؛ 9:19، 23؛ 4:22؛ 14:24، 22.

[55] 1تي 2:2؛ 16:3؛ 7:4، 8؛ 3:6، 5؛ 2تي 5:3؛ تي 1:1؛ 2بط 3:1، 6؛ 11:3.

[56] 1تي 3:6؛ تي 1:1؛ 2 تي 7:3.

[57] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2.

[58] 1تي 4:1؛ 7:4؛ 3:6-6؛ 2تي 4:4؛ تي 14:1؛ 2بط 16:1.

[59] 1تي 15:3-16؛ وعلى سبيل المثال: Hilary, De Trin., 11:9.

[60] أف 32:5.

[61] 1تي 20:6؛ 2تي 12:1؛ 2:2، 4؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 2تس 15:2؛ 6:3؛ غل 9:1؛ 2:2، 9؛ 1كو 23:11؛ 3:15؛ 2كو 3:11؛ رو 17:6؛ 1تي 6:4؛ عب 1:3؛ 14:4؛ 23:10.

62 Irenaeus, Adv. haer. (edit. By Harvey, 1897), 3. praef., 1-5, vol. 2, pp. 22ff; 3.38.1, pp. 131f; 4.40.2, p. 236. for this and what follows see, T.F. Torrance, ‘The Deposit of Faith’, Scottish Journal of Theology, 1983, vol. 36.1, pp. 1-28.

63 Irenaeus, Adv. haer., 1.3, vol. 1, p.94; 3.1-4, vol. 2, pp. 1ff; 3.11.1, p.47; 3.12.9, p.62; 4.4ff, pp. 234ff; 5.20, pp. 377ff.

64 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.4, vol. 1, pp. 282f; 2.39.1f, pp. 345f; 2.40-43, pp. 349-358; 3.38.1f, vol. 2, pp. 131f; 4.22.2, p. 178; 4.34.4, pp. 215-219.

65 Irenaeus, Adv. haer., 3.11f, vol. 2, pp. 43f; 3.17.6, p. 87f; 4.6, p.153; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.1, 4-6, pp. 212, 215f; 4.6.1, p. 291; 5.praef., 1-2, pp. 313ff; 5.27.2, pp. 398f.

66 Irenaeus, Adv. haer., 2.3.7, 1-4, vol. 1, pp. 342-344; 3.6.2, vol. 2, pp. 22f; 3.18.1, p. 92; 3.19.6, pp. 100f; 3.21.2, p. 107; 4.11.1-5, pp. 158-162; 4.34.5, 7, pp. 210, 218f.

67 Irenaeus, Adv. haer., 3.38, vol. 2, p. 132.

68 Irenaeus, Adv. haer., 3.38.1-2, vol. 2, pp. 131f; 4.53.1f, pp. 261ff; 5.20.1, pp. 378ff.

[69] اتي 15:3.

70 Irenaeus, Adv. haer., 3.11.11, vol. 2, p. 47.

71 Irenaeus, Adv. haer., 1. praef., vol. 1, pp. 1ff; 1.15, p. 67; 1.1.19-4.1, pp. 80-97; 2.7-9, pp. 271-274; 2.40-43, pp. 349-358; 3.1-5, vol. 2, pp.1-20; 3.38, pp. 131-3; 4.40-42.1, pp. 234-238; 4.53-54, pp. 261-264; 5. praef., pp. 313f; 5.20.1f, pp. 377ff.

72 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.15, vol. 1, pp. 66f; 1.18, pp. 80ff; 2.40-45, pp. 347-358.

73 Irenaeus, Adv. haer., 1.1.14, vol. 1, p. 67; cf. 1.1.20, pp. 87ff; 1.3, pp. 93f; and Tertullian, De virg. vel., 1.

74 Irenaeus, Adv. haer., 1.19f, vol. 1, pp. 80-90; 2.37-43, pp. 342-358; 3.12.11, vol. 2, p. 65; 3.38, pp. 131f; Dem., 1-6.

* كان للهراطقة منهج مخالف لهذا المنهج في تفسير الكتاب المقدس. (المترجم)

75 Irenaeus, Adv. haer., 1.2, vol. 1, pp. 90f; 3.1f, 4, vol. 2, pp. 2ff, 25ff; 4.1, pp. 146ff; 4.53. 1, pp. 261f; 5.20.1, pp. 377f; Dem., 6.

76 Irenaeus, Adv. haer., 2.41, p. 349.

وهذه النقطة ذاتها كان ق. كليمندس السكندري قد طرحها عندما تكلم عن “النفاذ إلى الحق عن طريق أخذ قانون الحق من داخل الحق ذاته” – Strom, 7.16.

77 Irenaeus, Adv. haer., 2.15.3f, vol. 1, pp. 282f; 2.41ff, pp. 349-358.

78 Origen, De prin., praef., 1.2, 6.

وكان أوريجينوس قد تكلم عن المسيح بكونه ’الحق الذاتي‘ أو ’الحق ذاته‘ انظر:

In Jn., 6.6; cf. 1.27; 2.4; and Con. Cel. 8.12.

79 See especially Origen, In Jn. 1.25-28 with 1.8.

80 Origen, In Cant. 2; Con. Cel., 7.31, 376.

81 Origen, In Jn. 1.7; In Matt., 10.1; In Deut., 1.21; In Jer., 18.6; Con. Cel., 4.71, etc.

82 Origen, Con. Cel., 1.2, 9f, 13, 24f, 42, 71; 3.23, 39, 42, 86; 4.2; 5.45; 6.27; 7.10; De prin., 4.3.16.

83 Origen, De prin., 1.1.1f; 1.3.3; 2.2.2; 2.4.4; 2.5.2; 2.7.2; 2.11.2ff; 3.5.1; 3.12.4; 4.2.1ff, 15. Origen sometimes distinguished between three meanings – cf. 4.2.4.

84 Origen, Con. Cel., 1.48; 6.23; 7.34; De prin., 1.1.9; 4.4.10; LXX Prov. 2.5.

85 Origen, In Jn., 1.8-10; 2.6; De prin., 3.6.8; 4.2.6; 4.3.13.

86 Cf. Origen, In Matt., 1.14. See also In Jn., 10.4, 18, 22; 20.3, 10, etc.

87 Origen, De prin., 4.3.15.

88 Origen, Con. Cel., 1.2; 8.32.

89 Origen, In Jn., 13.24; 32.25-29.

90 Cf. Origen, In Luc., 14.28.

91 Origen, Con. Cel., 3.8, 34, 60, 78; 5.33; 7.40, 49; 8.13, 75.

92 Origen, De prin., 1.5.4

93 Origen, In Jn., 1.3.

94 Origen, De prin., 4.1.1f; 4.2.2.

95 Origen, Ep. ad Greg., 3; Ep. ad Afr., 2-5.

96 Origen, Con. Cel., 7.11; De prin., praef.; 4.2.4, 7-9; 4.3.5.

* حيث إن كل ما يعمله الله يكون من الآب بالابن في الروح القدس. (المترجم)

97 Origen, De prin., 4.2.3; cf. praef. 1-2; In Jer., 3.22-4.

98 Origen, Con. Cel., 1.27; 3.60, 81; 5.33; 7.46; 8.20; De prin., 4.1.2, 5;

In Jn., 28. 23.

99 Origen, In Jn., 6.5f; De prin., 4.1.2, 5; Con. Cel., 2.4; 3. 34, 81; 5.4;

 8.13, 26, 59.

100 Origen, De prin., 3.1.17.

101 Origen, De prin., 1.5.4; 2.6.2; 3.1.17, 23; 3.5.3; 4.3.14; cf. Praef. 2;

 3.3.4; 4.2.2, 4; 4.3.15.

102 Origen, Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.46; 8.13; De or., 10.2; 13.1; 15.1-4.

103 Origen, In Jn., 1.33, 35; 2.34; Con. Cel., 3.34; 5.4; 7.41, 46, 49; 8.12f, 26, 75; De prin., 1.3.4.

104 Origen, Con. Cel., 3.60; 5.4; 7.46; 8.57; 75; De or., 14-16, 20, 31; In Jn., 32.24; In Mat., 11.14. See also Origen’s Dialogue with Herakleides, SC, 67, ed. By J. Scherer, 1960, pp. 62, 64.

105 Origen, De prin., praef., 2, 3, 10; cf. 1.4.4; 4.4.5.

106 See Prosper of Aquitaine, De gratia Dei et libero voluntatis arbitrio, 8: legem credendi lex statuat supplicandi, MPL, 8, 209. Lex orandi-Lex credendi represents a telescoped form of Prosper of Aquitaine’s thought, found in the Ineffabilis Deus of Pius IX, and the Munificentissimus Deus of Pius XII, AAS, 1947, pp.540f.

107 Athanasius, De decr., 1-3; cf. Ep. Enc., 1 (ευ̉σέβεια α̉πό α̉σεβείας διώκεται)

وهنا تكلم ق. أثناسيوس عن التقوى التي تُضطهد بواسطة عدم التقوى

108 Athanasius, Ad episc. Aeg., 13; cf. 4, 9, 12.

109 Athanasius, De syn., 39.

110 Athanasius, Ad Ser., 1.17, 20; 4.4.

111 Athanasius, Ep., 11.9-11.

112 Hilary, De Trin., 5.18, 20.

113 Hilary, De Trin., 2.6f, 11.

114 Hilary, De Trin., 2.2, 5-8, 10-11.

115 Hilary, De Trin., 1.38.

116 Athanasius, Con. Ar., 4.21.

117 See the Der Balyzeh papyrus, cited by J.N.D. Kelly, Early Christian

 Creeds, 1950, p.89; or Epistola Apostolorum, ibid., p.82.

[118] ارجع إلى الحروم التي أُلحقت بقانون نيقية والتي ذُكرت باسم “الكنيسة الجامعة”.

[119] 1تي 3:6؛ 2تي 13:1؛ 3:4؛ تي 9:1، 13؛ 1:2 وما بعدها.

مجمع نيقية 325م – مكانة مجمع نيقية في الكنيسة – الإيمان والتقوى

Exit mobile version