شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

التاسع

ملخص: الاعتراض بأن الابن، بسبب أنه مُرسَل من الآب يصير ـ على الأقل ـ من جهة الاعتبار أقل من الآب، نجيب عليه بأنه أيضًا أُرسل من الروح القدس الذى لا يُعتبر أعظم من الابن. علاوة على ذلك، فإن الروح القدس ـ بدوره ـ قد أرسله الآب إلى الابن حتى تتضح وحدانية عملهم (أى أقانيم الثالوث). فمِن واجبنا لذلك أن نميز بحرص بين ما هو ملائم أن يُنسب للمسيح كإله، وما الذى يُنسب إليه كإنسان.

 

74 ـ لا تنتابنى أية مخاوف بخصوص الاعتراض الشائع من جهة المسيح أنه أقل من الآب ـ بسبب أنه مُرسَل منه ـ لأنه رغم كونه كان مُرسلاً، إلاّ أنه لا ينتج عن هذا أن يكون أقل فى الطبيعة؛ ومن الجهة الأخرى، فإن لقبه المساوى فى الكرامة (للآب) هو أمر ثابت حقًا. وبما أن الجميع يكرمون الابن كما يكرمون الآب (يو23:5)، فمن المؤكد أن الابن ليس أقل من الآب، بسبب كونه مُرسَل (منه).

 

75 ـ لذلك، لا ينبغى أن تلتفت إلى الحدود الضيقة للغة البشرية، بل لاحظ المعنى الواضح للكلمات، وآمن بالحقائق التى تمَّت. تذكَّر أن ربنا يسوع المسيح قال فى سفر إشعياء إن الروح قد أرسله (إش1:61). فهل لذلك يكون الابن أقل من الروح لأن الروح أرسله؟ وهكذا عندك المكتوب أن الابن يعلن نفسه أنه مُرسَل من الآب ومن روحه. إنه يقول: ” أنا الأوّل“، “وأنا الحى إلى الأبد، ويدى أسَّست الأرض ويمينى نشرت السموات ليقفن معًا” (إش13،12:48). وأيضًا: ” أنا أنا تكلمت ودعوته، أتيت به فينجَحُ طريقه، تقدموا إلىَّ واسمعوا هذا، لم أتكلم من البدء فى الخفاء، منذ وجوده أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلنى وروحه” (إش16،15:48). هنا بالحق نجد أن الذى صنع السماء والأرض هو نفسه الذى أرسله السيد الرب وروحه. فها أنت ترى إذن أنه حتى فقر اللغة لا يقلل شيئًا من كرامة إرساليته، إذن فالآب أرسله، كما أن الروح أرسله أيضًا.

 

76 ـ ولكى تعرف أنه لا يوجد فرق فاصل فى الجلالة والعظمة، فإن الابن أيضًا بدوره يرسل الروح كما قال هو نفسه: ” متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من عند أبى، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق” (يو26:15). أما عن كون المعزى نفسه مُرسل من الآب، فقد بيّنه من قبل فى قوله: ” المعزى الروح القدس الذى يُرسله الآب باسمى” (يو26:14). لاحظ وحدتهم من حيث إن الذى يُرسله الآب، فالابن أيضًا يُرسله، والذى يرسله الآب يُرسله الروح أيضًا. وإلاّ كان الآريوسيون لا يعترفون أن الابن قد أُرسل لأننا نقرأ أن الابن هو يد الآب اليمنى، فإنهم بأنفسهم يعترفون فيما يخص الآب بما ينكرونه للابن، إلاّ إذا ـ ربما ـ اخترعوا لأنفسهم أبًا آخر أو ابنًا آخر.

 

77 ـ فلنكف إذن عن الجدل العقيم حول الألفاظ، لأن ملكوت الله كما هو مكتوب ليس “ بكلام بل بقوة” (انظر 1كو20:4)، ولننتبه إلى التمييز بين الألوهية والجسد، ففى كليهما يتكلم ابن الله الواحد نفسه، لأن كلاً من الطبيعتين موجودة فيه، ورغم أنه هو نفس الشخص الذى يتكلم، فهو لا يتكلم دائمًا بنفس الطريقة. فأنت ترى فيه مجد الله أحيانًا، وفى أحيان أخرى ترى آلام الإنسان. فهو كإله يتكلم بأمور الله لأنه هو الكلمة؛ وكإنسان هو يتكلم بأمور الإنسان لأنه يتكلم بطبيعتى.

 

78 ـ ” هذا هو الخبز الحى الذى نزل من السماء” (يو58:6). هذا الخبز هو جسده كما قال هو بنفسه: ” والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى” (يو51:6). هذا هو الذى نزل من السماء، هذا هو الذى قدَّسه الآب وأرسله إلى العالم، والكتاب نفسه يعلّمنا أن اللاهوت ليس فى حاجة إلى تقديس بل الجسد، كما قال الرب نفسه: ” لأجلهم أُقدس أنا ذاتى” (يو19:17). وهذا لكى تعترف وتقرّ أنه إنما يتقدس فى الجسد لأجلنا، كما أنه هو الذى يُقدِّس (جسده) بقوة لاهوته.

 

79 ـ هذا هو نفس الابن الذى أرسله الآب، ولكنه كما يقول الرسول: ” مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس” (غلا4:4). هذا هو نفسه الذى يقول: ” روح الرب علىَّ، لأنه مسحنى لأُبشِّر المساكين” (لو18:4، إش1:61)، هذا هو الذى قال: ” تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى، إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم هل هو من الله أم أتكلم أنا من نفسى” (يو17،16:7). فالتعليم الذى من الله شئ والتعليم الذى من الإنسان شئ آخر. لذلك فإن اليهود عندما اعتبروه إنسانًا وسألوه عن تعليمه وقالوا: ” كيف هذا يعرف الكتب وهو لم يتعلم؟ أجابهم يسوع: تعليمى ليس لى بل للذى أرسلنى” (يو15:17و16). فإن كان يُعلِّم وهو لم يعرف أُبهة اللغة، يتضح أنه لا يُعلِّم كإنسان ولكن كإله، وهو لم يتعلم (من أحد) ولكنه أبدع تعليمه (بنفسه).

 

80 ـ لأنه هو الذى أوجد وأبدع كل طريق التعليم كما قرأنا من قبل، نظرًا لأنه ابن الله الذى قيل عنه: ” هذا هو إلهنا ولا يحاذيه آخر. هو أوجد طريق التعليم بكماله، وبعد ذلك تراءى على الأرض وتخاطب مع الناس” (باروخ36:3ـ38). كيف إذن وهو إله لا يستطيع أن يكون له تعليمه الخاص، وهو الذى قد أوجد كل طريق التعليم قبل أن يتراءى على الأرض؟ وكيف يكون أقل (من الآب) وهو الذى قيل عنه: ” ولا يحاذيه آخر” ؟. بالتأكيد فإنه يعلو على المقارنة، وهو إذا قورن بآخر فإن هذا الآخر لا يمكن أن يكون محاذيًا له. والآن إذا افترض أحد أن كلام النبوة هنا هو عن الآب، فإنهم سيسقطون فى تجديف سابيليوس، بأن ينسبوا للآب أنه اتخذ طبيعة بشرية.

 

81 ـ فلنأتِ الآن إلى ما يلى: ” مَن يتكلم من نفسه يطلب مجد نفسه” (يو18:7). انظر الوحدة التى يُعلن بها الآب والابن بكل وضوح. الذى يتكلم لا يمكن إلاّ أن يكون كائنًا ومع ذلك فما يتكلم به لا يمكن أن يكون من نفسه وحده، لأنه كل ما فيه هو موجود فيه طبيعيًا من الآب.

 

82 ـ والآن ما معنى تلك الكلمات: ” يطلب مجد نفسه“؟، إنها لا تعنى مجدًا لا يكون الآب مشتركًا فيه، لأنه فى الحقيقة إن كلمة الله هو مجد الله. ويقول ربنا أيضًا: ” لينظروا مجدى” (يو24:17)، ولكن مجد الكلمة هو أيضًا مجد الآب كما هو مكتوب: ” الرب يسوع المسيح فى مجد الآب” (فى11:2)، فمن جهة لاهوته، فإن ابن الله له مجده الإلهى الذاتى، ليكون مجد الآب والابن واحدًا. فمن ثمَّ لا يكون أقل فى البهاء وذلك لأن المجد واحد، ولا أقل فى الألوهة لأن ملء اللاهوت حالٌّ فيه (كو19:1، 9:2).

83 ـ أنت تسأل معى، كيف كُتب: ” أيها الآب قد أتت الساعة، مجِّد ابنك“؟ (يو1:17). أنت تقول إن الذى يتفوَّه بهذه الكلمات يحتاج إلى أن يتمجَّد، ولكن يا لقصر نظرك! ألم تقرأ بقية المكتوب الذى يكمل:   ” ليمجدك ابنك أيضًا“. هل حَدَثَ مطلقًا أن الآب قد احتاج لأى مجد، حتى يمجِّده الابن؟.

 

 

 

 

الفصل العاشر

ملخص: دحض الاعتراض الذى يستند على طاعة الابن، وتوضيح أن القوة والألوهة والعمل كلها واحدة فى الثالوث، كما يشير إلى طاعة المسيح لوالدته، التى بكل تأكيد لا يمكن أن يكون أقل منها.

 

84 ـ وأيضًا فإن خصومنا يثيرون عادة معضلة من جهة طاعة الابن (للآب) باستنادهم على ما هو مكتوب: ” وإذ وُجِدَ فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت” (فى8:2). فالكاتب لم يذكر فقط أن الابن أطاع حتى الموت، ولكنه يبيّن أولاً أنه كان إنسانًا، حتى يمكننا أن نفهم أن الطاعة حتى الموت كانت فيما يخص تجسده، وليست خاصة بألوهته، ولذلك اتخذ الوظائف وكذلك الأسماء التى تخص طبيعتنا.

 

85 ـ وهكذا تعلّمنا أن قوة الثالوث هى واحدة، وهذا تعلّمناه من آلام الرب وكذلك بعد آلامه: لأن الابن يتألم بجسده، هذه الآلام التى هى علامة هذا التجسد، والروح القدس ينسكب (من الآب) على الرسل، والمسيح يستودع روحه فى يدى الآب؛ وعلاوة على ذلك، فالله يُنادى به بصوت مقتدر أنه الآب. تعلّمنا أنه توجد صورة واحدة، شبه واحد، تقديس واحد للآب والابن، نشاطٌ واحد ومجدٌ واحد، وأخيرًا ألوهة واحدة.

 

86 ـ لذلك فإنه يوجد إله واحد كما هو مكتوب: ” للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (تث13:6)، إله واحد لا بمعنى أن الآب والابن هما نفس الشخص، كما يقول سابيليوس الهرطوقى، ولكن بمعنى أنه توجد ألوهة واحدة لكل من الآب والابن والروح القدس، وحيث توجد ألوهة واحدة، فإنه توجد مشيئة واحدة وهدف واحد.

 

87 ـ ولكى تعرف أيضًا أن الآب كائن وأن الابن كائن وأن عمل الآب وعمل الابن هو واحد، أنصت لقول بولس الرسول: ” والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يهدى طريقنا إليكم” (1تس11:3)، فمع أن اسم الآب والابن مذكوران، ولكن توجد وحدة فى اتجاه الهداية، وهذا بسبب وحدة السلطان. كما نقرأ فى موضع آخر: ” وربنا نفسه يسوع المسيح والله وأبونا، الذى أحبنا وأعطانا عزاءً أبديًا ورجاءً صالحًا بالنعمة، يُعزى ويُثبِّت قلوبكم” (2تس16:2و17). كم هى كاملة تلك الوحدة التى يضعها الرسول أمامنا، حيث إنَّ ينبوع العزاء ليس متعددًا، وإنما هو واحد. ليخرس كل شك، أو إن لم يُغلب بالبرهان العقلى، فليثنِه فكر ربنا الرحوم الشفوق (ليرجع عن غِيِّه).

 

88 ـ فلنتذكر كيف تعامل معنا ربنا بكل إشفاق، إذ أنه علّمنا ليس الإيمان فقط، بل والأخلاق أيضًا. لأنه عندما جاء فى هيئة إنسان، فإنه كان خاضعًا ليوسف ومريم (لو51:2). فهل كان هو أقل من كل البشر بسبب خضوعه؟ إن القيام بالواجب شئ أما السيادة فشيء آخر، ولكن القيام بالواجب لا يلغى السيادة.

          إذن، متى كان المسيح خاضعًا لناموس الآب؟ بالتأكيد كان ذلك بجسده، والذى به كان خاضعًا لأمه أيضًا.

 

الفصل الحادى عشر

ملخص: يتحدث هذا الفصل عن هدف التجسد وتأثيراته الشافية، ونفع الإيمان الذى به نعرف أن المسيح حَمَلَ كل الضعفات لأجلنا، المسيح الذى أعلنت ألوهيته عن نفسها فى آلامه؛ لذلك فنحن نفهم أن إرسالية ابن الله لا تستلزم أى نوع من المذلَّة، هذا الاعتقاد الذى لا نحتاج أن نخافه كشئ لا يسرّ الله، الذى يعلِن هو نفسه أنه مسرور بابنه.

 

89 ـ دعنا بالمِثل نتعامل بعطف، دعنا نُقنِع الذين يعادوننا بما هو نافع لهم، ” هلم نسجد ونجثو وننوح أمام الرب خالقنا” (مز6:95س)، لأننا لن نطرحهم بعيدًا بل بالأحرى سوف نشفى، إننا لن نضع فخًا أمامهم، ولكننا سوف نحذِّرهم كما هو الواجب. إن الشفقة كثيرًا ما تُغيِّر أولئك الذين لا ينفع فى إخضاعهم لا القوة ولا الجدال. وربنا أيضًا عالج بالزيت والخمر الرجل الذى كان نازلاً من أورشليم إلى أريحا، والذى وقع بين اللصوص ولم يعالجه بأدوية الناموس الخشنة ولا بالنبوات الجافة.

 

90 ـ لذلك، فليأتِ إليه جميع الذين يريدون أن يصيروا أصحاء. دعهم يأخذون الدواء الذى أنزله من عند أبيه والمصنوع فى السماء، والذى أعدَّه من عصائر تلك الثمار السمائية التى لا تذبل. هذا ليس من نتاج أرضى، لأن الطبيعة لا يوجد بها هذا المزيج فى أى مكان. أخذ جسدنا لأجل هدف عجيب، لكى يُبيِّن لنا أن ناموس الجسد قد أُخضِع لناموس العقل. لقد تجسَّد معلِّم البشر لكى يغلب كإنسان.

 

91 ـ ماذا كان سيفيدنى، لو أنه كإله كشف عن ذراع قوَّته وأظهر أن ألوهيته لا تُنتهك؟ فلماذا اَّتخذ لنفسه طبيعة بشرية وسمح لنفسه أن يُجرَّب تحت ظروف طبيعتى وضعفى؟ لقد كان من الصواب أن يُجرَّب وأن يتألم معى، وذلك لكى أعرِف كيف أَنتَصِر عندما أُجرَّب، وكيف أهرب عندما أُضغَط بشدة. لقد انتصر بقوة طهارته وقوة الازدراء بالغِنَى؛ وبالإيمان. فقد وطأ الطمع وهرب من الإفراط والتطرف، آمرًا الشهوانية أن تبقى بعيدة عنه.

 

92 ـ هذا الدواء شاهده بطرس، فترك شباكه، أى أدوات الصيد والرِّبح المضمون، وتخلى عن شهوة الجسد كأنها سفينة مثقوبة فى القاع تتسرب إليها شهوات متعددة كثيرة. حقًّا إنه علاج فعَّال، لا ينزع فقط ندبة الجرح القديم، بل وأيضًا يقطع أصل الألم ومصدره. أيه أيها الإيمان الأثمن مِن كل خزائن الجواهر؛ أيها الدواء الممتاز، الشافى لجراحاتنا وخطايانا!.

 

93 ـ دعنا نذكِّر أنفسنا بمنفعة الإيمان الصحيح. إنه نافع لى أن أعرف أنه مِن أجلى حَمَل المسيح ضعفاتى، أخضع نفسه لمشاعر جسدى، ولأجلى، أى لأجل كل إنسان، صار خطيَّة ولعنة[1]، ولأجلى وفىَّ تذلَّل وصار خاضعًا، ولأجلى صار حملاً وكرمة وصخرة[2] وعبدًا، وابن الأَمَة[3] (يقصد الأُمة اليهودية والعذراء)، (قاصدًا) ألاّ يعرف يوم الدينونة ، ولأجلى لا يعرف اليوم ولا الساعة[4].

 

94 ـ لأنه كيف يمكنه، وهو الذى صنع الأيام والأزمنة أن يكون غير عارف لليوم (الدينونة)؟ كيف لا يمكنه أن يعرف اليوم وهو الذى أعلن زمن الدينونة الآتية وسببها[5]؟ وهو قد صار لعنة، إذن، لا من جهة ألوهيته وإنما من جهة جسده، لأنه مكتوب: ” ملعون كل مَن عُلِّق على خشبة” (تث23:21، غل13:3)، ولذلك فإنه فى الجسد أى بعد التجسد قد عُلِّق، ولذلك فإن هذا الذى حَمَل لعناتنا صار لعنة[6]. إنه بكى، حتى لا يطول بكاؤك أيها الإنسان، واحتَمَلَ الإهانة حتى لا تحزن قِبالة الإساءة التى تصيبك[7].

 

95 ـ إنه علاج عظيم أن نتعزَّى بالمسيح! لأنه احتمل هذه الأشياء فى صبر تجاوز الحدّ لأجلنا، ونحن لا نقدر أن نحتملها بصبرٍ مماثل لأجل مجد اسمه! مَن مِنَّا لا يتعلَّم أن يصفح عندما يُهَاجم، وهو يرى المسيح حتى وهو على الصليب يُصلِّى لأجل أولئك الذين اضطهدوه؟ أما ترى أن ضعفات المسيح هذه كما يُسرِّك (أيها الهرطوقى) أن تُسمِّيها إنما هى قُوَّتك[8]؟ لماذا تسأله عن أدوية لعلاجنا؟ إن دموعه تغسلنا، وبكاءه يطهِّرنا، فلا تشكَّ أنه توجد قوة خاصة فى الضعف، لأنك إن كنت تشك (فى قوته) فسوف تيأس. وكلَّما كانت الإهانة أكبر، كلَّما كان الامتنان الذى يليق به أعظم.

 

96ـ حتى فى وقت السخرية والاستهزاء، عليك أن تعترف بألوهيته. إنه عُلِّق على الصليب، وكل العناصر أولتهُ التكريم[9]. الشمس أخفت شعاعها، ونور النهار احتجب، والظلمة أقبلت وغطَّت الأرض، والأرض اهتزت مع أن المُعلَّق هناك لم يهتز. إلى أىّ شئ تشير هذه العلامات إلاّ إلى توقير الخالق؟ إن هذا المُعلَّق على الصليب، هذا الذى تلاحظه أيها الآريوسى، هذا هو مُعطِى ملكوت الله، وأنتَ لا تُريد أن تعتبره أو تلتفت إليه. إنك تقرأ أنه ذاق الموت، ولكنه أيضًا هو الذى دعا اللص إلى الفردوس[10]، ولكن أنتَ لا تنتبه لمثل هذا العمل. إنك تُحملِق فى المرأة التى تبكى عند القبر، ولكن لا تنظر إلى الملائكة التى تظل تحرسه[11]. إنك تقرأ ما يقوله، ولكنك لا تقرأ ما يعمله. أنتَ تقول إن الرب قال للمرأة الكنعانية: ” لم أُرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرائيل الضالة” (مت24:15)، ولكنك لا تذكر إنه أتمَّ ما توسلَّت إليه أن يعمله.

97 ـ وهكذا عليك أن تفهم أن كونه: ” أُرسِل” لا يعنى أنه أُجبِر على ذلك بأمر آخرَ، ولكنه عمل هذا بإرادة حُرَّة، وبحسب فكره الخاص. وإلاّ فأنتَ سوف تتّهمهُ أنه يحتقر أباه، لأنه إن كان بحسب شرحك قد جاء المسيح إلى اليهود مثل من يُتمِّم وصايا الآب ليخلِّص شعب اليهود وليس أحد آخر معهم، ومع ذلك فإنه مِن قَبْل أن يُتمِّم هذا، فإنه أقام ابنة المرأة الكنعانية ، فهو بالتأكيد ليس فقط يُتمِّم وصايا آخر، ولكنه حُرٌّ أيضًا ليمارس حكمه ورأيه الخاص. وحيث توجد حرِّية فى أن يعمل الشخص ما يريد، فلا يمكن أن يكون هناك تعدِّى على مهام إرسالية الشخص.

 

98 ـ لا تخف أن يكون عمل الابن لا يرضى الآب، لأنك ترى الابن نفسه يقول: ” لأنى فى كل حين أفعل ما يرضيه“، وأيضًا: ” الأعمال التى أنا أعملها يعملها هو أيضًا“(يو29:8، 12:14). كيف إذن، يكون الآب غير راضٍ عما يفعله هو نفسه بواسطة الابن؟ كما هو مكتوب: ” لأن الله واحد هو الذى سيُبرِّر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30:3).

 

99 ـ اقرأ جميع الكتب المقدسة، أصغِ إليها باجتهاد، سوف تجد عندئذٍ أن المسيح قد أظهر ذاته حتى يمكن أن نرى الله فى الإنسان، وعندما تسمع الآب يُعلن رضاءه عن الابن، فلا تسئ الفهم بخبث من جهة تمجيد الابن فى الآب.

 

الفصل الثانى عشر

ملخص: هل الأرثوذكس أم الآريوسيون هم الذين يضمنون لأنفسهم فضل المسيح كديَّان لهم؟ إن الاعتراض المؤَّسس على المزمور 1:110 باطل، إذ يمكن أن نبيّن أن الابن عندما يُدعى بواسطة الآب أن يجلس عن يمينه، فإنه لا يقصد بهذا أى إخضاع، بل ولا أى أفضلية له وعلى الابن، بسبب أن الابن يجلس عن يمينه. إن الحق الخاص بالأقانيم الثلاثة فى الله ووحدة طبيعتهم يبرهن عليها بالتسبحة الملائكية ذات الثلاثة تقديسات.

 

100 ـ إن كان لا يمكن أن يتحوَّل مقاومونا باللطف، فلنستدعِهم أمام القاضى. إلى أىّ قاضٍ إذًا سنذهب؟ بالتأكيد إلى مَنْ له الدينونة. هل إلى الآب؟ كلاَّ، ” لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أعطى كل الدينونة للابن” (يو22:5). إن الابن أُعطى هذا ليس كإنعام، بل فى ولادته من الآب. انظر إذن كيف أنه، غير راضٍ عن إهانتك لابنه، ومع ذلك فإنه أعطاه أن يكون ديَّانًا لك.

 

101 ـ دعنا إذن فى موقف القضاء، مَنْ يكون له الدعوى الأفضل، أنت أم أنا؟ بالتأكيد إن اهتمام الفريق الحكيم وهو يعرض الدعوى أن ينال أولاً رضا القاضى. أنت الذى تُكرِّم الإنسان ألا تكرِّم الله؟ إننى أسألك أيهما سوف يجد قبولاً عند القاضى: الاحترام أم الازدراء؟ افترض إننى على خطأ، ومع أننى بالتأكيد لست هكذا، هل المسيح لا يُسرُّ بالكرامة التى نقدمها؟ نحن كلنا خطاة، فمن الذى سيكون جديرًا بالغفران: هل الذى يُقدِّم العبادة أم الذى يظهر العجرفة؟

 

102 ـ أمّا إذا كان العقل لا يستحثَّك، فعلى الأقل دع وجه الدينونة الواضح يحركك! ارفع عينيك إلى الديَّان وانظر مَنْ هو الجالس، ومع مَنْ هو جالس وأين. المسيح يجلس عن يمين الآب. إن كنت لا تستطيع بعينيك أن ترى هذا، فاسمع كلمات النبى: ” قال الرب لربى اجلس عن يمينى” (مز1:110). فالابن إذًا جالس عن يمين الآب. وإلاَّ، قُل لى يا مًن تتمسَّك بأن أمور الله يُحكم عليها من أشياء هذا العالم، فأخبرنى إذًا هل أنت تفكر أنه الجالس عن اليمين هو أقل؟ هل هو أمر مهين للآب أن يجلس عن يسار الابن؟ إن الآب يكرِّم الابن وأنت تجعل هذا الإكرام إهانة! إن الآب يجعل هذه الدعوة علامة حب وتقدير، وأنت تعتبرها أمرًا مِن سيد متسلط على غيره! المسيح قام من الأموات وجلس عن يمين الله.

 

103 ـ ولكنك تعترض وتقول، حسنًا، اسمع الآن عبارة لم ينطق بها الآب، ولكن الابن يتنبأ ويقول: ” مِن الآن تبصرون ابن الإنسان جالسًا عن يمين القوة” (مت64:26)، وله يقول الآب: ” اجلس عن يمينى[12]. إن كنت حقًا تسأل عن السكن الأبدى للألوهة، فإنه قال عندما سأله بيلاطس ما إذا كان هو ملك اليهود: ” لهذا وُلِدت[13]، وهكذا فإن الرسول حقًا يوضح أنه من الجيد لنا أن نؤمن أن المسيح يجلس عن يمين الآب، ليس كأمر ولا كنعمة، ولكن كابن الله الحبيب العزيز جدًا، لأنه مكتوب: ” اطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله، اهتموا بالأشياء التى هى فوق” (كو1:3و2). وأن تهتم بالأشياء التى هى فوق هو أن تؤمن أن المسيح فى جلوسه، لا يطيع كمن يتلقَّى أمرًا، بل هو مكرَّم كابن محبوب جدًا، إذًا، إنه من جهة جسد المسيح يقول الآب: ” اجلس عن يمينى حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك“.

 

104 ـ أمّا إذا كنت تسعى مرة أخرى أن تقلب معنى هذه الكلمات:   ” أضع أعداءك تحت موطئ قدميك“، فإننى أجيب أن الآب أيضًا يعطى للابن أن يقيم الأموات ويُحيى، ويقول المسيح: ” لا يقدر أحد أن يُقبِل إلىَّ إن لم يجتذبه الآب الذى أرسلنى، وأنا أقيمه فى اليوم الأخير” (يو44:6). وأنتَ تقول إن ابن الله خاضع بسبب الضعف، وهو الابن الذى يجذب الآب إليه الناس ليقيمهم فى اليوم الأخير. أتوسل إليك، هل يبدو لعينيك أن هذا خضوع، بينما الملكوت هو معدٌّ للآب والآب يعطيه للابن، ولا مجال لقلب الكلمات، لأن الابن يعطى الملكوت للآب، ولا يوجد من يُفضَّل عليه؟ وبما أن الآب يقدِّم للابن والابن أيضًا يقدِّم للآب، فإنه توجد هنا براهين واضحة على الحب والاعتبار، إذ نرى أن الواحد هكذا يقدم للآخر، فلا يكون الذى يأخذ كأنه يحصل على شئ كما لو كان يخص الآخر، ولا الذى يقدم يَفقد.

 

105 ـ وعلاوة على ذلك، فالجلوس عن اليمين ليس هو أفضلية ولا الجلوس عن اليسار يدل على الازدراء، لأنه لا توجد درجات فى الألوهة التى لا تُحدّ بمكان أو بزمان، هذه الأمور التى هى معايير وقياسات الأذهان البشرية الناقصة. إنه لا يوجد اختلاف فى الحب، ولا ما يقسم الوحدة.

 

106 ـ فلماذا إذن الجولان بعيدًا؟ وأنت قد رأيت كل شئ حولك، رأيت الديَّان، ولاحظت الملائكة وهم يسبحونه، هل هم يسبحون وأنت تسيئ إليه؟ السلاطين والقوات تنطرح أمامه وأنت تتكلم بالشر على اسمه! جميع القديسين يعبدونه وأنتَ لا تعبد ابن الله ولا الروح القدس، بينما السارافيم يقولون ” قدوس، قدوس، قدوس” (إش3:6).

 

107 ـ ماذا يعنى هذا النطق المثلث لنفس الاسم: ” قدوس“؟ فإن كان يكرر ثلاثًا، فلماذا يكرر إلاّ لأنه فعل تسبيح واحد. وإن كان فعل تسبيح واحد، فلماذا يُكرَّر إذًا ثلاث مرات، لماذا التكرار المثلث إن لم يكن الآب والابن والروح القدس واحد فى القداسة؟ إن الساروف ينطق بالاسم ليس مرَّة واحدة لئلا يستبعد الابن، ولا مرتين لئلا يتغاضى عن الروح القدس، وليس أربع مرات لئلا يضيف الكائنات المخلوقة (فى تسبيح الخالق). وعلاوة على ذلك، فلكى يبيّن أن ألوهية الثالوث واحدة، فإن بعد الثلاثة تقديسات يضيف فى عدد مفرد: “رب الصباؤوت” فالآب إذن قدوس، والابن قدوس، وروح الله قدوس بالمثل، ولهذا فإن الثالوث يُعبَد ولا يَعبُد، ويُسبَّح ولا يسبِّح. أمَّا بالنسبة لى، فإننى أومن مثل السارافيم، وأعبد بحسب طريقة كل الرئاسات والقوات السمائية.

 

الفصل الثالث عشر

ملخص: الآراء الشريرة والمخزية التى يتمسك بها الآريوسيون والسابيليون والمانويون فيما يخص الدّيان الذى يدينهم تُفَّند باختصار، كما نستعرض باختصار الاعتراضات الأخرى فيما يتعلق بباقى خصوم المسيح، ويُعبِّر القديس أمبروسيوس عن أمله فى دينونة أخف لنفسه.

 

108 ـ دعنا إذن نتقدم إلى اتهاماتكم، ولنرَ كيف أنك قد تحصل على نعمة عند ديَّانك. أقول لك تكلم الآن، تكلم وقُل: ” إننى أعتبرك، أيها المسيح، لست مثل أبيك”، وسوف يجيبك: “لاحظ، أقول لك، لاحظ وقُل لى فى أى شئ تظن أننى أختلف (عنه)”.

 

109 ـ قُل ثانية: ” إننى أعتبرك كائنًا مخلوقًا”، والمسيح سوف يجيبك: ” إن كانت شهادة رُجلين حقًا، أما كان يجب عليك أن تؤمن بى وبأبى، هذا الذى دعانى ابنه؟”.

 

110 ـ سوف تقول: ” إننى لا أظن أنك كُلِّى القدرة”، وسوف يجيب بدوره: ” وأنا إذن لن أقدر أن أغفر لك خطاياك”.

 

112 ـ أنت تقول: ” أنت كائن خاضع تحت سلطان آخر”، ومن ثمَّ سوف يجيب: ” فلماذا إذن تبحث عن الحرية والغفران مِن هذا الذى تظن أنه خاضع لغيره مثل عبد؟”.

 

113 ـ إننى أرى أن اتهامك يقف عند هذا الحد، وأنا لن أضغط عليك، نظرًا لأننى أنا نفسى أعرف خطاياى. إننى لن أضمر لك عدم الغفران، لأننى أنا نفسى فى احتياج أن أنال الغفران، ولكننى أريد أن أعرف هدف صلواتك. انظر، إذًا، بينما أنا أسرد أمام القاضى رغباتك، إننى لا أظهر خطاياك، ولكننى أتطلّع لأن أشاهد صلواتك ورغباتك مرتَّبة فى نسقها الصحيح.

 

114 ـ افصح إذن عن تلك الرغبات، والتى يريد الجميع أن تُمنح لهم. ” يا سيد، اجعلنى على صورة الله” مِن ثمَّ سوف يجيب: ” على أى صورة؟ هل على الصورة التى أنت أنكرتها؟”.

 

115ـ ” اجعلنى على غير فساد”، فإن إجابته سوف تكون بالتأكيد: “كيف يمكن أن أجعلك على غير فساد، أنا الذى تدعونى كائنًا مخلوقًا، ومن ثمَّ تستنبط أننى قابل للفساد. إن الأموات سوف يقومون متحررين من الفساد، فهل تطلق عليه أنه قابل للفساد، ذاك الذى هو إله؟”.

 

116 ـ ” كُن صالحًا”، ” لماذا تطلب لنفسك ما تنكر أننى عليه؟ كنت أتمنى أن تكون صالحًا، وأنا قلت: ” تكونون قديسين لأنى قدوس” (لا2:19)، وأنت تشرع فى نفسك بأن تنكر أننى صالح؟ هل تبحث إذن عن غفران الخطايا؟ كلا، إنه لا يقدر أحد أن يغفر الخطايا إلاّ الله وحده. فإن كنت ترى أننى بالنسبة لك لستُ الإله الحقيقى الوحيد، فإننى لن أقدر أن أغفر لك خطاياك”.

 

117 ـ ثم دع أتباع آريوس وفوتينوس يتكلمون ويقولون: ” أنا أنكر لاهوتك”، فيجيبهم الرب: ” قال الجاهل فى قلبه ليس إله” (مز1:14، 1:53). مَنْ تُرى هو المقصود بذلك، هل اليهودى أم الأممى أم الشيطان؟ أيًّا كان المقصود أيها التابع لفوتينوس، فإنه يمكن احتماله لأنه سكت (أى قال فى قلبه فقط)، أمّا أنت فمع ذلك تجرَّأت ورفعت صوتك لتنطق بهذا (القول)، حتى يثبت أنك أكثر جهلاً من الجاهل. أنت تنكر لاهوتى رغم أننى قلت: ” إنكم آلهة وبنو العلى كلكم” (مز6:82، يو34:10). وأنت تنكر أننى إله، رغم أنك ترى أعمالى الإلهية تحدث حولك”.

 

118 ـ دع أتباع سابيليوس يتكلمون بدورهم: ” إننى أعتبر أنك تكون بنفسك مرة الآب ومرة الابن أو الروح القدس”. ولهذا يقول الرب: “أنت لم تسمع لا الآب ولا الابن”. هل يوجد أى شك بخصوص هذا الأمر؟ إن الكتاب المقدس نفسه يُعلِّمك أن الآب هو الذى يُعطى الدينونة وأن الابن هو الذي يدين (انظر يو22:5). إنك لم تُعطِ أُذُنًا لكلماتى:   ” أنا لست وحدى ولكن أنا والآب الذى أرسلنى” (يو16:8، 32:16).

 

119 ـ دع الآن من يتبع مانى يعطى كلمته. ” إننى أعتقد أن الشرير هو خالق جسدنا”. ولمثل هذا سوف يجيب الرب: ” ماذا تفعل الآن فى الأماكن السمائية؟ انصرف واذهب فى طريقك إلى الذى خلقك. “أريد أن الذين أعطانى يكونون معى”. أنت أيها المانوى تنوِّه عن نفسك أنك مخلوق من الشيطان؛ فاسرع إذن إلى مسكنه، موضع النار والكبريت، حيث النار فيه لا تنطفئ، وحيث العقاب الأبدى لا نهاية له”.

 

120 ـ إننى أترك جانبًا أصحاب الهرطقات الآخرين، لا أشخاصهم ولكن ما سينالونه من توعُّد مريع. أىّ نوع من القضاء ينتظرهم، وما هو شكل الحُكم عليهم؟ إنه فى الواقع سوف يقول لكل هؤلاء؛ فى أسفٍ أكثر منه فى غضبٍ: ” يا شعبى، ماذا صنعتُ بك وبماذا أضجرتك؟ ألم أُصعدك من مصر وأخرجتك من بيت العبودية إلى الحرية” (ميخا3:6و4، خر2:20).

 

121 ـ ولكن ليس كافيًا أنه أخرجنا من مصر إلى الحرية، وأنه أنقذنا من بيت العبودية، ولكن (هناك) نعمة أعظم من هذه، أنت قد أعطيتَ ذاتك لنا، وعندئذٍ سوف يقول: أما ” حملتُ أحزانكم“؟ (إش4:53)، أما أعطيت جسدى لكم؟ أما ذقتُ الموت الذى ليس له مكان فى لاهوتى ولكنه كان ضروريًا لفدائكم؟ هل هذه هى التشكرات التى آخذها (منكم)؟ أهذا هو ما يتحصَّل عليه دمى، مع أنى تكلَّمت فى الأزمنة الماضية بفم النبى: ” ما الفائدة من دمى إذا نزلتُ إلى الجحيم” (مز9:30). هل هذه هى المجازاة أنكم تنكرونى بخبث، أنتم الذين لأجلكم احتملت تلك الأشياء”؟

 

122 ـ أمَّا من جهتى يا ربى يسوع، فمع أننى عارف فى داخلى بخطيئة عظيمة، إلاّ أننى سوف أقول: ” أنا لم أنكرك وأنت تغفر لى ضعف جسدى، أعترف لك بخطيتى ولا أكتم إثمى” (مز5:32، مز3:51). إن أردت تقدر أن تطهرنى (انظر مت2:8)، والأبرص بقوله هذا نال غاية رجائه. أتوسل إليك ألاّ تدخل فى محاكمة مع عبدك (مز2:143)، أسألك ألاّ تحكم علىَّ ولكن أن تغفر لى”.

 

الفصل الرابع عشر

ملخص: يُعرض حكم القاضى، واعتراضات المعترضين توضع فى الاعتبار، ويبرهن على أن الحكم نهائى وليس له استئناف.

 

123ـ أىُّ حكم نتوَّقعه من المسيح؟ هذا أنا أعرفه. هل أقول أىّ حكم سوف يُعطِى؟ كلا، لأنه إنما نطق الحكم مسبقًا، وهو بين أيدينا إذ يقول: ” لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يكرم الآب الذى أرسله” (يو23:5).

 

124ـ إذا كان الحُكم لا يروق لك، استأنفه لدى الآب، وألغِ الحكم الذى أعطاه الآب، وقُل إن له ابنًا ليس مثله، وعندئذٍ سوف يجيب: “هل قد كذبتُ وأنا الذى قلتُ للابن: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا” (تك26:1).

 

125ـ قُل للآب إنه خلق الابن وسوف يجيبك: ” لماذا إذن تعبد من تظن أنه كائن مخلوق؟”.

 

126ـ قل له إنه وَلَد ابنًا أدنى منه، وهو سوف يجيب: ” قارن بيننا ولننظر”.

 

127ـ قُل له إنه ليس لك إيمان بالابن، وسوف يجيبك: ألم أقل لك: “هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررتُ. له اسمعوا” (مت5:17). ماذا تعنى هذه الكلمات: ” له اسمعوا” سوى أن تسمعه وهو يقول: ” كل ما هو للآب هو لى” (يو15:16، 10:17)؟. إن هذا ما سمعه الرسل كما هو مكتوب: ” ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا” (مت6:17). فإن كان الذين اعترفوا به سقطوا على الأرض، فماذا يعمل للذين ينكرونه؟ أماّ يسوع فوضع يده على الرسل وأقامهم، أما أنت فسوف يتركك منبطحًا على وجهك حتى لا ترى المجد الذى أنكرته.

 

128 ـ فلنهتم إذن لهذا، لأن من يدينه الابن فالآب يدينه أيضًا، لذلك يجب علينا أن نكرم الابن كما نكرم الآب، حتى يمكننا أن نأتى إلى الآب بواسطة الابن.

 

 

 

الفصل الخامس عشر

ملخص: يرفض القديس أمبروسيوس أىّ مديح (يوّجه له) بسبب الشرح الذى يقدمه للإمبراطور، فالإيمان يُدافع عنه بكفاية عن طريق سلطان الكتب المقدسة وشهادتها، هذه التى إذ يقاومها الآريوسيون كاليهود فإنهم يصمون آذانهم عنها. وهو يصلى لأجل أن يرجعوا عن عنادهم ويتحولوا إلى محبة الحق. وفى نفس الوقت يجب أن نتحاشاهم لأنهم هراطقة وأعداء للمسيح.

 

129ـ يا صاحب الجلالة، إن هذه الحجج والبراهين قد نسَّقتُها باختصار وبتلخيص وبشكل تقريبى وليس كشرح كامل ونظام دقيق. وإن كان الآريوسيون يعتبرونها غير كاملة وغير تامة، فأنا اعتبر أنها تكاد تكون بداءة، وإن كانوا يظنون أنه يوجد ما يجب تقديمه، فأنا أُسلِّم بهذا. فبينما غير المؤمنين فى احتياج شديد للبراهين، فإن المؤمنين عندهم ما يكفى ويزيد. إن اعتراف بطرس كان فى الواقع كافيًا ليكفل لنا الإيمان بالمسيح: ” أنت هو المسيح ابن الله الحي” (مت16:16، مر29:8)، لأنه يكفى أن تعرف ميلاده الإلهى بدون تقسيم أو إنقاص، وهو ليس نتيجة اشتقاق أو خلق[14].

 

130ـ وهذا فى الواقع قد أُعلِن فى كل الكتب المقدسة، ومع ذلك فإن غير المؤمنين لا يزالون يَشُكُّون: ” لأنه كما هو مكتوب: قلب هذا الشعب غلظ، وبآذانهم سمعوا ثقيلاً، وأعينهم أغمضوها، لئلا يبصروا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم” (إش10:6، أع27:28و28). فالآريوسيون مثل اليهود اعتادوا أن يصدُّوا آذانهم (عن أن تسمع)، وأن يصنعوا ضجيجًا كثيرًا للتشويش على كلمة الخلاص.

 

131ـ وما العجب (فى هذا) إن كان غير المؤمنين يُشُكُّون فى كلمة الإنسان، عندما يرفضون أن يؤمنوا بكلمة الله؟ سوف تجد مكتوبًا فى الإنجيل إن ابن الله قال: ” أيها الآب مجد اسمك“، وسُمع صوت من السماء يقول: ” مجَّدتُ وأُمجِّد أيضًا” (يو28:12)، وهذه الكلمات سمعها غير المؤمنين ولكن لم يؤمنوا. الابن تكلّم والآب أجاب واليهود قالوا:” دَوِىّ رعد قد كلَّّمه، وآخرون قالوا قد كلمه ملاك” (يو29:12).

 

132ـ وعلاوة على ذلك، فإن القديس بولس عندما تسلَّم من صوت المسيح دعوة النعمة، كما هو مكتوب فى سفر الأعمال (أع9:22)، فإنه رغم أن عددًا من رفقائه كانوا مسافرين معه فى نفس الوقت، فقد قيل إنه بمفرده سمع صوت المسيح، لذلك يا صاحب الجلالة المُبجّل، فإن الذى يؤمن يسمع، وهو يسمع لكى يؤمن، بينما الذى لا يؤمن فإنه لا يسمع، وهو لن يسمع بل لا يمكنه أن يسمع إن لم يؤمن!.

 

133 ـ أمّا بالنسبة لى، ففى الواقع أريد أن تكون لهم رغبة فى الاستماع لعلهم يؤمنون، أن يسمعوا بمحبة حقيقية ووداعة، مثل أُناس يبحثون عما هو حق، ولا يهاجمون كل ما هو حق؛ لأنه مكتوب (علينا) ألاّ نصغى إلى ” خرافات وأنساب لا حدّ لها، والتى بالأحرى تسّبب مباحثات دون أن تؤدى إلى التعليم الإلهى الذى فى الإيمان. أمّا غاية الوصية فهى المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وإيمان بلا رياء، الأمور التى إذا زاغ قوم عنها انحرفوا إلى كلام باطل، يريدون أن يكونوا معلِّمى الناموس وهم لا يفهمون الكلمات التى يقولوها ولا الأشياء التى يتكلمون عنها بتأكيد (ولا ما يقرِّرونه)” (1تى4:1ـ7). وفى موضع آخر يقول أيضًا نفس الرسول: ” أما المباحثات الغبيَّة والسخيفة اجتنبها” (2تى23:2).

 

134ـ مثل هؤلاء الناس الذين يزرعون خصومات، أقصد الهراطقة، فإن الرسول يأمرنا أن نتركهم ونبتعد عنهم. إذ يقول عنهم فى موضع آخر: ” يرتد قوم عن الإيمان تابعين أرواحًا مُضِلَّة وتعاليم شياطين” (1تى1:4).

 

135 ـ والقديس يوحنا بالمِثل يقول إن الهراطقة هم أضداد للمسيح (1يو18:2) مشيرًا بوضوح إلى الآريوسيين، لأن هذه الهرطقة قد بدأت أن توجد بعد جميع الهرطقات الأخرى، وقد جمعت سموم الكل، كما هو مكتوب عن ضد المسيح أنه: ” فتح فمه بالتجديف على الله، ليجدِّف على اسمهوأن يصنع حربًا مع قديسيه” (رؤ6:13و7). وهكذا هم لا يكرمون ابن الله، كما لم يشفقوا على شهدائه، وربما (عملوا) ما لم يعمله ضد المسيح، فإنهم زوَّروا الكتب المقدسة، وهكذا من يقول إن يسوع ليس هو المسيح؛ ومن ينكر الابن ينكر الآب أيضًا كما هو مكتوب: ” كل من ينكر الابن ينكر الآب أيضًا” (1يو23:2).

 

الفصل السادس عشر

ملخص: يؤكد القديس أمبروسيوس للإمبراطور جراتيان، أنه سينتصر، ويعلن أن هذه النصرة قد سبق وأنبأ عنها حزقيال فى نبواته، وهذا الرجاء تدعمه تقوى الإمبراطور، كما يبيّن القديس أن الكوارث السابقة كانت عقابًا على الهرطقة الموجودة فى الشرق[15]، ويختم القديس هذا الفصل بصلاة إلى الله يطلب منه فيها أن يُظهِر رحمته وأن يُنقذ الجيش والأرض والمملكة التى يعيش فيها المؤمنون.

 

136ـ لا ينبغى أن أُعوِّق جلالتك أيها الإمبراطور، أكثر من هذا وأنت تستعد لهذه الحرب ليتم انتصارك على البرابرة. اذهب وأنتَ فى حماية درع الإيمان، وتمنطق بسيف الروح. اذهب إلى النصرة التى تم الوعد بها منذ قديم الزمن، والتى أُنبئ عنها فى الوحى الذى أعطاه الله.

 

137 ـ لقد تنبأ حزقيال فى الأيام القديمة جدًا عما سيحط من قدر شعبنا وعن الحروب مع الغوط البرابرة بقوله: ” لذلك تنبأ يا ابن الإنسان وقُل يا جوج هكذا يقول الرب: أفلاَ تعلم فى ذلك اليوم عند سُكنى شعبى إسرائيل آمنين، وتأتى من موضعك من أقصى الشمال، أنتَ وشعوب كثيرون معك كلهم راكبون معك، كلهم راكبون خيلاً جماعة عظيمة وجيش كثير؟ وتصعد على شعبى إسرائيل كسحابة تُغشِّى الأرض فى الأيام الأخيرة” (حز14:38ـ16س).

138ـ إن الغوط Goth هم جوج Gog، وإن مجيئهم قد سبق وذكرناه، أمَّا عن الانتصار الذى وُعد به عليهم فى الأيام الآتية بحسب كلمة الرب فهو: ” وينهبون الذين نهبوهم، ويسلبون الذين سلبوهم يقول السيد الرب، ويكون فى ذلك اليوم أنى أُعطى جوجًا ـ أى الغوط ـ موضعًا شهيرًا، لأن إسرائيل تكون مثل كومة عالية لأناس كثيرين[16]، أناس قد جعلوا طريقهم إلى البحر… ويسدُّون فم الوادى، وهناك يخرِّب بيت إسرائيل جوجًا وجمهوره ويسمونه وادى جمهور جوج، ويحدق[17] بهم بيت إسرائيل ليُطهِّروا الأرض” (حز 10:39ـ12س).

 

139ـ وعلاوة على ذلك، فلن نشك يا صاحب الجلالة المقدس، أننا نحن الذين أخذنا على عاتقنا أن نناضل ضد الكفر المخالف سوف نتمتع بمساعدة الإيمان الجامع Catholic Faith الذى هو قوىٌّ فيك. وحقًا وبوضوح فإن سبب غضب الله قد صار ظاهرًا، لدرجة أن تقدير الإمبراطورية الرومانية واحترامها قد هُدِمَ عندما انهار الإيمان بالله.

 

140ـ لا توجد لدىَّ رغبة فى أن أحصى الذين ماتوا والذين عُذبوا والمعترفين الذين نُفوا، كما أن وظائف المؤمنين ومراكزهم أُعطِيَتْ هدايا للخائنين[18]. ألم تسمع مِن وراء كل التخوم والحدود، مِن تراسا وراكيا التى على النهر وميسيا وكل فاليريا ضوضاء مشوبة بتعاليم المجدفين وغزو البرابرة؟ أى فائدة يمكن للجيران المتعطشين للدماء أن يجلبوها لنا، أو كيف يمكن للدولة الرومانية أن تكون فى أمان مع مثل هؤلاء المدافعين؟

 

141ـ نعم، هذا يكفى بل وأكثر من الكفاية أيها الإله القادر على كل شئ، ما ضحَّينا به وقدَّمناه من موت المعترفين ونفى الكهنة واحتمال الأشرار المتعجرفين، كل ما قدمناه بدمنا وبنفينا. إنه من الواضح بصورة كافية أن هؤلاء الذين حطموا الإيمان لم يكونوا فى أمان. التفِت مرة أخرى أيها الرب وارفع رايات الإيمان بك.

 

142ـ إنها ليست النسور الحربية ولا طيران الطيور هى التى تقود طلائع جيشنا، ولكن اسمك وعبادتك أيها الرب يسوع. إنها ليست أرض غير المؤمنين ولكنها الأرض التى من عادتها أن تُرسل المعترفين؛ إيطاليا. إيطاليا هذه التى كثيرًا ما جُرِّبت وأُغوِيَت ولكنها لم تنسحب أبدًا. إيطاليا هذه التى دافعتَ عنها طويلاً يا صاحب الجلالة والآن أيضًا قد أُنقِذَت من البرابرة. لا يوجد فى إمبراطورنا عقل متردد أو متذبذب، بل يوجد الإيمان الثابت الراسخ بقوة.

 

143ـ أُظهِر لنا الآن علامة واضحة على عظمة جلالك، حتى أن كل مَن يؤمِن بك أنك رب القوات الحقيقى وقائد جيوش السماء؛ ويؤمِن أنك أنت قوة الله وحكمته الحقيقية[19]، ليس كائنًا ناشئًا فى الزمن، ليس كائنًا مخلوقًا، بل كما هو مكتوب، القوة الأزلية، وألوهية الله، أنت أيها الرب تسند بقوتك الفائقة لتجعله ينال جائزة النصر لإيمانك.

[1] 2كو21:5، غل13:3.

[2] يو29:1و36، يو1:15، 1كو4:10.

[3] مر45:10، يو4:13و5، مز16:86 ” أعطِ عبدك قُوَّتك، وخلِّص ابن أَمَتَك“.

[4] مت36:24.

[5] مت 22:24و29، مز13:96 ” لأنه جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالأمانة“، مز9:98 ” جاء ليدين الأرض، يدين المسكونة بالعدل والشعوب بالاستقامة“.

[6] هذا هو ما شكل عثرة ” الصليب “، انظر غل11:5، 1كو22:1.

[7] المقصود هنا الأحزان التى نجوزها خلال وجودنا فى العالم بسبب قسوة البشر.

[8] 2كو9:12، 4:13، 1بط24:2، 13:4.

[9] مت51:27.

[10] لو43:23.

[11] يو11:20و12.

[12] قال هذا للمسيح المُقام أف20:1: ” إذ أقامه من الأموات وأجلسه عن يمينه فى السماويات“.

[13] يفهم القديس أمبروسيوس من هذه الآية أن المسيح يجلس عن يمين الآب.

[14] ميلاد الابن الأزلى لا يستلزم انقسامًا أو تجزئة للألوهة، ولا تقليلاً. فالآب لن يكون إلهًا أقل، وألوهيته لن تفقد شيئًا بولادته للابن الأزلى.

[15] الكوارث المُلَّمح عنها فى هذه المقدمة هى انكسار الجيش الرومانى 378م فى هادريانوبل Hadrianople والموت المُفجع للإمبراطور فالنس، الذى بعدما هرب والتجأ إلى كوخ (ليختبئ فيه) أدركه الغوط وأحاطوا بالكوخ وأضرموا فيه النيران حيث هلك الإمبراطور وسطها. وكان الأرثوذكس (المستقيمى الرأى من غير الآريوسيين) ينظرون إلى هذه النكسة على أنها دينونة (من الله) بسبب اعتقاد فالنس والذين يشاركونه فى المراكز السامية، بالهرطقة الآريوسية.

[16] ” أُعطى جوجًا موضعًا هناك للقبر فى إسرائيل” بحسب الترجمة العبرية.

[17] يُقبرهم (بحسب الترجمة العبرية).

[18] أُبعِد الأساقفة والكهنة الأرثوذكس عن كراسيهم ووظائفهم ليفسحوا مجالاً لأولئك المدعوين “الخائنين للإيمان” أى أولئك الذين كفروا واعتنقوا الآريوسية.

[19] 1كو24:1 ” وأمّا للمدعُوِّين… فبالمسيح قوة الله وحكمة الله“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج4 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكتاب الثانى

مقدمة

 

1 ـ كما أظن يا جلالة الإمبراطور، فقد قلت ما يكفي في الكتاب السابق لأوضح أن ابن الله كائن أزلي وغير مختلف عن الآب، مولود غير مخلوق: كما برهنّا من خلال الاقتباسات من الكتب المقدسة أن ابن الله الحقيقي هو الله، وهذا قد أُعِلن أنه هكذا بواسطة العلامات الواضحة الخاصة بجلاله.

 

2 ـ ورغم أن ما سبق تقديمه هو كثير بل ويزيد، وذلك لأجل الحفاظ على الإيمان، إذ نرى أن عظمة النهر يُحكم عليها غالبًا من الطريقة التي ترتفع وتفيض بها ينابيعه. ومع ذلك، فلكي يكون إيماننا  أكثر وضوحًا، فإن مياه ينبوعنا يجب ـ كما أظن ـ أن تُقسَّم إلى ثلاث قنوات، ولذلك فإنه يوجد:

أولاً: علامات واضحة تبيّن التلازم الجوهري  في الألوهة؛

ثانيًا: التعبيرات الدالة على التماثل بين الآب والابن،

وأخيرًا: تلك التعبيرات الدالة على وحدة الجلال الإلهي التي لا يُشك فيها.

          بخصوص النوع الأول لدينا الأسماء: “ولادة”، “الله”، “ابن”، “الكلمة”[1]؛

          وبخصوص النوع الثاني لدينا: “بهاء”، “رسم”، “مرآة”، “صورة”[2]؛

          وبخصوص النوع الثالث لدينا: “حكمة”، “قوة”، “حق”، “حياة”[3].

 

3 ـ هذه الدلائل تعلن هكذا طبيعة الابن، حتى من خلالها يمكنك أن تعرف أن الآب أزلي وأن الابن غير مختلف عنه؛ لأن مصدر الولادة هو الكائن الذي يكون[4]؛ وكمولود من الأزلي فإنه إله؛ وكصادر من الآب، فهو الابن[5]؛ ولأنه من الله فهو الكلمة؛ هو شعاع مجد الآب، رسم جوهره[6]، مثيل الله، صورة عظمته؛ جود الذي هو الجوّاد، حكمة الذي هو الحكيم، قوة القدير، حق الذي هو الحقيقي[7]، حياة الذي هو الحي[8]. لذلك فالصفات المميزة للآب والابن ترتبط معًا باتفاق، حتى لا يفترض أحد وجود أي اختلاف، أو أن يشك في أن لهما عظمة واحدة. ولكل من هذه الأسماء ولجميعها سوف نعطي أمثلة لاستخدامها، حتى نجعل حديثنا مؤكدًا بدلائل.

 

4 ـ ومن الاثني عشر هذه، التي هي كاثني عشر جوهرًا كريمًا يُبني عمود إيماننا، لأن هذه الأحجار الكريمة ـ الجزع العقيقي، اليشب، الزمرد، الزبرجد، والبقية منسوجة في رداء هارون المقدس[9]، الذي هو مثال للمسيح[10] الكاهن الحقيقي؛ حجارة ممتزجة بالذهب، ومنقوشة بأسماء أبناء إسرائيل، اثنى عشر حجرًا متصلة معًا موضوعة الواحد داخل الآخر، حتى إن شَطَرَها أو فَصَلَها أحد، فإن نسيح الإيمان كله يتهاوى محطمًا.

 

5 ـ هذا إذن هو أساس إيماننا، أن نعرف أن ابن الله مولود؛ لأنه إن لم يكن مولودًا فلا يكون ابنًا. ولا يكفي أن ندعوه ابنًا إن لم تميّزه باعتباره الابن الوحيد الجنس. فلو كان مخلوقًا فلا يكون إلهًا، ولو لم يكن إلهًا، لما كان هو الحياة، وإن لم يكن هو الحياة فلا يكون هو الحق.

 

6 ـ فالعلامات الثلاث الأولى، أعني الأسماء: “الولادة”، “ابن”، “الابن الوحيد الجنس”، تُظهر أن الابن هو أصلاً من الله، بسبب أنه من نفس طبيعته.

 

7 ـ أمّا الثلاثة التي تليها أي الأسماء: “إله”، “حياة”، “حق”، فهي تُعلن قوته التي بها وضع أساسات العالم المخلوق وهو ضابطه. وكما يقول القديس بولس: ” الذي به نحيا ونتحرك ونوجد” (أع28:17)؛ ولذلك فالثلاثة الأولى تُعبِّر عن “حق الابن الطبيعي”، وفي الثلاثة الثانية الأخرى، فإن وحدة العمل القائمة بين الآب والابن تصير ظاهرة.

 

8 ـ ابن الله يُسمّى أيضًا: “صورة” و”بهاء” و”تعبير” (التي تُعبِّر عن الله)، لأن هذه الأسماء قد كشفت عن عظمة الآب التي لا تُدرك ولا تُستقصى، التي في الابن، وكشفت عن التعبير عن مثاله في الابن. هذه الأسماء الثلاثة كما رأينا تشير إلى مماثلة الابن للآب[11].

 

9 ـ كما يوجد لدينا أيضًا أفعال القوة والحكمة والحق التي يمكن بها البرهنة على أزلية الابن.

 

10 ـ هذا إذن هو الرداء المُزين بالحجارة الكريمة؛ هذا الذي يُعبِّر عن حب الكاهن الحقيقي؛ هذا هو رداء العُرس، هنا النسَّاج المُلهم الذي عرف جيدًا كيف ينسج هذا العمل. إنه ليس عمل نسيح عادي، والذي عنه تكلم الرب بواسطة نبيه: ” من ذا الذي أعطى النساء مهارة في النسيج[12]. أقول مرة أخرى، تلك الحجارة الموجودة ليست حجارة عادية، والتي نجدها تُسمّى “للترصيع”[13] لأن كل الكمال يعتمد على شرط عدم وجود شئ ناقص. إنها حجارة مرتبطة معًا ومُحاطة بالذهب، أي أنها من نوعٍ روحاني، ربطها يكون بواسطة أذهاننا، وهي مُحاطة بالبرهان المُقنع. وفي الختام (أقول) إن الكتاب المقدس يُعلّمنا أن هذه الحجارة هي غير عادية، نظرًا لأن البعض يُحضرون صنفًا، وآخرون صنفًا آخر أقل قيمة، هذه التي أحضرها الأمراء الورعون، مرتدين إياها على أكتافهم، وصنعوا منها “درع الحق”، أي جزءً من العمل المنسوج. فالآن يصير لدينا عمل منسوج، عندما يسير الإيمان والعمل معًا.

 

11 ـ أرجو ألاّ يفترض أحد أنني أخطأت عندما رَّتبتُ في الأول تقسيمًا ذا ثلاث جوانب، وكل جزء يحوي أربعة، ثم بعد ذلك تقسيمًا رباعيًا، كل واحد له ثلاثة تعبيرات. إن جمال الشيء الصالح يصير أكثر إبهاجًا عندما يُعرض بأوجه مختلفة. إن تلك الأشياء التي نُسج الرداء الكهنوتي كعلامة لها هي أشياء حسنة، أي الناموس أو الكنيسة، التي صنعت فيما بعد ثوبين لعريسها ـ كما هو مكتوب[14] ـ الواحد ثوب العمل والثاني ثوب الروح، وهي تنسج خيوط الإيمان والعمل معًا، لذلك، فكما تقرأ[15]، فإنها تصنع في مكان واحد قاعدة من ذهب، وبعد ذلك تنسج عليها أزرق وأرجوانًا مع قرمزي وأبيض. وأيضًا ـ كما تقرأ في موضع آخر ـ فإنها تصنع أولاً أزهارًا صغيرة من أزرق وألوان أخرى، وتضم فيها الذهب، وهناك تنسج ثوبًا كهنوتيًا واحدًا بهدف أن الحلية المتنوعة من النعمة والجمال، والمصنوعة من نفس الألوان الزاهية تضفي جمالاً جديدًا بتنوع الترتيب.

 

12 ـ وعلاوة على ذلك (لكي نكمل تفسيرنا لهذه الأمثلة)، فمن المؤكد أن الذهب المصفي والفضة يدلان على أقوال الرب التي منها يستمد إيماننا ثباته: ” كلام الرب كلام نقي، فضة محمّاة مجربة في الأرض، قد صُفيت سبعة أضعاف” (مز6:12و7س). اللون الأزرق مثل الهواء الذي نتنفسه ونستنشقه داخلنا؛ والأرجواني يمثل أيضًا ظهور المياه، والقرمزي يشير إلى النار، والكتان الأبيض يشير إلى الأرض لأن أصله من الأرض[16]، ومن هذه العناصر الأربعة يتكون الجسم الإنساني[17].

 

13 ـ وسواء إذا كنت تربط الإيمان الموجود أصلاً في الروح بالأعمال الجسدية التي تنسجم معها، أو أن تأتي الأعمال أولاً والإيمان يتصل بها كرفيق يُقدمها إلى الله ـ هنا يكون رداء خادم الدين، هنا الثوب الكهنوتي.

 

ألوهية المسيح هي أساس الإيمان:

14 ـ لذلك فإن الإيمان ينفع إن كانت حافته لامعة بتاج جميل من الأعمال الصالحة[18]. هذا الإيمان ـ لأقتضب في الأمر ـ هو موجود في الأساسات التالية، والتي لا يمكن إغفالها. إن كان أصل الابن من لا شئ فهو ليس ابنًا؛ وإن كان مخلوقًا فهو ليس الخالق؛ وإن كان مصنوعًا فهو لم يصنع كل الأشياء، وإن كان في احتياج إلى أن يتعلّم فليس له سبق المعرفة، وإن كان يحتاج أن ينال فهو ليس كاملاً؛ وإن كان يرتقى (إلى العلا) فهو ليس إلهًا. إن لم يكن مثل الآب فهو ليس صورته؛ وإن كان ابنًا بالنعمة فهو ليس ابنًا بالطبيعة[19]؛ وإن لم يكن له الألوهة بالطبيعة، فسوف يوجد فيه الاحتمال أن يخطئ، لأنه ” ليس أحد صالحًا إلاّ الله[20].

 

 

الفصل الأول

 

     شرح الآية:

ليس أحد صالحًا إلاَّ واحد وهو الله” (مر18:10).

 

15 ـ الاعتراض الذي ينبغي أن أواجهه الآن يا جلالة الإمبراطور ـ يملأني بالذهول، حتى إن روحي وجسدي يقشعران عند التفكير بأنه يوجد بشر، بل بالأحرى ليسوا بشرًا، وإنما كائنات لها المظهر الخارجي للبشر، ولكن ممتلئة داخليًا بغباء وحشي، حتى، بعد أن تنال من يدي الرب إحسانات هذا عددها وهذه عظمتها، فإنها تقول إن خالق كل الأشياء الصالحة، هو نفسه ليس صالحًا.

 

16 ـ هم يقولون إنه مكتوب: ” ليس أحد صالحًا إلاّ واحد وهو الله”. إنني أقر بما يقوله الكتاب المقدس ولكن لا يوجد خطأ في المكتوب، بل الخطأ هو في شرح الآريوسيين. إن الحروف المكتوبة لا لوم فيها، ولكن ما يُلام هو المعنى الذي يعطيه لها الآريوسيون. إنني أعترف بأن هذه الكلمات هي كلمات ربنا ومخلصنا ولكن علينا أن نفكر جيدًا متى قيلت، ولمن قيلت، وما هو قصده من هذا الكلام.

 

17 ـ إن ابن الله يتكلم هنا بالتأكيد كإنسان، وهو يتكلم مع أحد الكتبة، وهو الذي يخاطب ابن الله بقوله ” أيها المعلم الصالح“، ولكنه لا يعترف به أنه إله، لذلك فما لا يؤمن به هذا الكاتب، يعطيه المسيح أن يفهمه، وقصده من هذا أن يقوده ليؤمن بابن الله ليس “كمعلم صالح”، ولكن “كالإله الصالح”. وإن كان عندما يسمّى ” الإله الواحد” في أي مكان، فإن ابن الله لا ينفصل أبدًا عن ملء هذه الوحدانية، فكيف حينما يُقال إن الله وحده صالح يمكن أن يُستبعد الابن الوحيد عن ملء الصلاح الإلهي؟ على الآريوسيين إذًا إمًا أن يعترفوا أن ابن الله هو إله، أو أن ينكروا بأن الله صالح.

 

18 ـ لذلك، فإن ربنا ـ بفهم إلهي مُلهم ـ لا يقول: ” ليس أحد صالحًا إلاّ الآب وحده“، وإنما يقول: ” ليس أحد صالح إلاّ واحد وهو الله “. إن “الآب” هو الاسم الحقيقي لمن يلد. ولكن وحدانية الله لا تستبعد بأي حال ألوهة الثلاثة أشخاص، ولذلك فإن طبيعة الله هي التي تُمجد. فالصلاح إذن هو خاص بطبيعة الله. ومرة أخرى، فإن ابن الله موجود في طبيعة الله، والآية التي يستند إليها الآريوسيون ويسيئون تفسيرها، تخص ليس أحد الأقانيم، بل تخص الوحدة الكاملة للألوهة[21].

 

19 ـ فالرب إذن لا ينكر أنه صالح، ولكنه يوبخ مثل هذا النوع من السائلين، لأن الكاتب عندما قال: ” أيها المعلم الصالح“، فإن الرب أجابه:    ” لماذا تدعوني صالحًا؟” أي أنه يعنى بذلك: ” إنه ليس كافيًا أن يدعوه صالحًا إن كان لا يؤمن به أنه إله “. إنني لا أريد أن يكون تلاميذي من مثل هذا النوع، أشخاصًا يفكرون ـ فقط ـ في طبيعتي البشرية، ويحسبونني مجرد معلم صالح، دون أن ينظروا إلى ألوهيتي ويؤمنوا بي إنني الإله الصالح.

 

الفصل الثاني

ملخص:

يُبرهَن على صلاح ابن الله من خلال أعماله، وبالتحديد، إحساناته التي أظهرها نحو شعب إسرائيل في العهد القديم، وللمسيحيين في العهد الجديد. إنه لفائدة الإنسان أن يثق في صلاح ذاك الذي هو الرب والديان. شهادة الآب للابن. عدد ليس بقليل من الشعب اليهودي يشهد للابن؛ لذلك فإنه يتضح أن الآريوسيين أردأ من اليهود. وأيضًا فإن كلمات  العروس (في سفر نشيد الأنشاد) تُعلِن عن المسيح نفسه.

 

20 ـ ومهما كان، فإنني سوف لا أعتمد على موضوع (ألوهة) الابن من مجرد امتياز طبيعته واستحقاقاته الخاصة بجلاله. دعنا لا نسميه صالحًا إن كان هو غير جدير بهذا اللقب، وإن كان لا يستحق ذلك بسبب الأعمال وأفعال المحبة والرحمة، فليتنازل عن الحق الذي يتمتع به  بسبب طبيعته، وليُسلَّم إلى حكمنا عليه. إن الذي يديننا لا يستنكف من أن ندينه كالمكتوب: ” حتى يتبرر في أقواله ويغلب إذا حوكم” (مز4:51).

 

21 ـ أليس صالحًا ذاك الذي أعطاني أشياء حسنة؟ أليس صالحًا ذاك الذي عندما هرب ستمائة ألف من شعب اليهود من أمام الذين يطاردونهم، فتح فجأة تيارات البحر الأحمر، كميات من الماء غير المنقطع؟ حتى إن الأمواج فاضت حول المؤمنين وصارت سورًا لهم ولكنها دفعت غير المؤمنين إلى الخلف وأغرقتهم[22].

 

22 ـ أليس صالحًا الذي بأمره صارت البحار أرضًا يابسًا تحت أقدام الهاربين، وأخرجت الصخور ماء للعطاش[23]؟ حتى تُعرف أعمال الخالق الحقيقي عندما صار السائل المنحلّ صلبًا، وتدفَّق الماء من الصخرة؟ حتى نعترف بأن هذا هو عمل المسيح كما قال الرسول: ” والصخرة كانت المسيح” (1كو4:10).

 

23 ـ أليس هو صالحًا ذاك الذي عال في البرية بخبز من السماء، هذه الآلاف غير المحصاة من الناس، لئلا تقتحمهم أي مجاعة، فكانوا بلا حاجة إلى أي جهد بل وصاروا متمتعين بالراحة؟ حتى أنه لمدة أربعين سنة لم تبلَ ثيابهم عليهم وسيورهم لم تُقطع[24]، وهذا أمر يرمز للمؤمنين في القيامة الآتية، ليبيِّن أنه لا مجد الأعمال العظيمة ولا جمال القوة التي وشَّحنا الله بها، ولا مجرى الحياة البشرية، يصنعها هو بدون هدف؟

 

24 ـ أليس صالحًا الذي رفع الأرض إلى السماء، حتى إنه كما أن مجموعات النجوم تعكس مجده في السماء كما في مرآة، هكذا جوقات الرسل والشهداء والكهنة إذ يضيئون كالنجوم المجيدة يمكن أن ينيروا لكل العالم[25].

 

25 ـ إذن هو ليس صالحًا فقط، بل وأكثر من هذا، إنه راعٍ صالح لقطيعه لأن ” الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف“، نعم! إنه وضع نفسه ليرفعنا ـ ولكن بسلطان لاهوته وضع نفسه وأخذها: ” لي سلطان أن أضع نفسي وأن آخذها أيضًا، ليس أحد يأخذها منى بل أضعها أنا من ذاتي” (يو11:10و17و18).

 

26 ـ ها أنت ترى صلاحه، إذ يضع نفسه من ذاته، وها أنت ترى قوته إذ أنه أخذها أيضًا ـ هل تنكر صلاحه بينما هو يقول عن نفسه في الإنجيل: ” أم أن عينيك شريرة لأني أنا صالح” (مت15:20)؟ أيها الشقي غير الشاكر، ماذا تفعل؟ هل تنكر صلاحه وهو الذي يكمن فيه رجاؤك بخصوص الصالحات؟ هذا إن كنت تؤمن حقًا بهذا. هل تنكر صلاحه وهو الذي أعطانا: ” ما لم ترَ عين وما لم تسمع به أذن“؟ (1كو9:2وإش4:64).

 

27 ـ إنه أمر هام أن نؤمن أنه صالح، لأنه ” صالح هو الاتكال على الرب” (مز8:118)، إن هذا يبهجني أن أعترف للرب، لأنه مكتوب:       ” اعترفوا للرب فإنه صالح[26].

 

28 ـ إن أمر نافع لي أن أعتبر أن ديّاني صالح، لأن الرب قاضي عادل لبيت إسرائيل. فإن كان ابن الله هو قاضي (فينتج عن ذلك) أن الذي هو قاضي وابن الله هو الإله العادل[27].

 

29 ـ ولكن ربما لا تصدق الآخرين ولا تصدق الابن. اسمع إذن الآب يقول: ” فاض قلبي بالكلمة الصالحة” (مز1:45) فالابن إذن هو صالح، والابن هو المكتوب عنه: ” والكلمة كان مع الله وكان الكلمة الله” (انظر يو1:1)، فإن كان الكلمة صالحًا والابن هو كلمة الله، فبالتأكيد ـ رغم أن هذا لا يرضى الآريوسيين ـ يكون ابن الله هو الله. فلتحمّر وجوههم من الخجل.

 

30 ـ اعتاد اليهود أن يقولوا: ” إنه صالح “، مع أن البعض قالوا: ” إنه ليس كذلك”، مع أن آخرين قالوا: ” إنه صالح” ولكن أنتم ـ معشر الآريوسيين ـ جميعكم تنكرون صلاحه[28].

 

31 ـ إن كان صالحًا، ذاك الذي يصفح عن خطية إنسان واحد، ألا يكون صالحًا الذي حمل خطية العالم؟ فهو الذي قيل عنه: ” هوذا حمل الله، هوذا الذي يحمل خطية العالم” (يو29:1).

 

32 ـ ولكن لماذا نشك؟ لقد آَمَنَتْ الكنيسة بصلاحه طوال هذه الأجيال، وقد عبّرت عن اعترافها بالإيمان بالمكتوب: ” ليقبَّلني بقبلات فمه، لأن حبك أطيب من الخمر” (نش1:1)، وأيضًا: ” حنكك كأجود الخمر” (نش9:7). لذلك فمن صلاحه هو يغذينا بينابيع الناموس والنعمة، ويخفف أحزان البشر بأن يخبرهم عن الأمور السماوية، فهل ننكر بعد ذلك صلاحه، بينما وهو نفسه هو الإعلان عن الصلاح، فإنه يُعبِّر في شخصه عن صورة الجود الأزلى، كما أوضحنا أعلاه أنه مكتوب أنه الانعكاس الذي بلا لوم والصورة المطابقة لذلك الجود.

 

الفصل الثالث

 

ملخص: نظرًا لأن الله واحد، من ثمّ يكون ابن الله هو الإله الصالح والحقيقي.

 

33 ـ ماذا تظن إذن، يا من تُنكر صلاح ابن الله وألوهيته الحقيقية، مع أنه مكتوب إنه ليس إله آخر إلاّ واحدًا؟[29] لأنه وإن وُجِدَ ما يُسمى آلهة، فهل ستحسب المسيح ضمن تلك التى تُسمى آلهة، وهي ليست كذلك، بينما ترى أن المسيح جوهره أزلى، وأنه لا يوجد سواه من هو صالح وإله حقيقي، بسبب أن الآب فيه[30]. إذ أن من طبيعة الآب ذاتها، إنه لا يوجد إله حقيقي آخر سواه، لأن الله واحد، كما أننا لا نخلط أقنومَي الآب والابن كما يفعل السابيليون، ولا نفصل الآب عن الابن كما يفعل الآريوسيون، لأن الآب والابن، كأب وابن هما أقنومان مميزان، دون أى انقسام لألوهيتهما.

 

 

 

الفصل الرابع

ملخص: يوضح هذا الفصل أن ابن الله كُلِّى القدرة، وذلك بشهادة العهدين القديم والجديد

 

34 ـ بما أننا نرى أن ابن الله هو (إله) حقيقي وصالح، فبالضرورة يكون هو الإله القادر على كل شئ. هل يمكن أن يوجد أي شك فى هذه النقطة؟ لقد استشهدنا سابقًا بالآية التى تقول عنه: ” اسمه الرب القادر على كل شئ[31]، إذن، فلأن الابن هو الرب، والرب قادر على كل شئ، من ثمّ يكون ابن الله هو القادر على كل شئ.

 

35 ـ واسمع أيضًا العبارة التالية، والتى لا يمكن استخراج أي شكوك فيها[32]، حيث يقول الكتاب: “هوذا يأتى مع السحاب، وستنظره كل عين والذين طعنوه، وينوح عليه جميع قبائل الأرض. نعم آمين. أنا هو الألف والياء البداية والنهاية يقول الرب الكائن والذي كان والذي يأتى، القادر على كل شئ” (رؤ7:1و8). وأنا أسأل، من الذي طعنوه؟ لأن من هو الذى نترجى مجيئه سوى الابن؟ فالمسيح إذن هو الرب القادر على كل شئ وهو الله.

 

36 ـ اسمع عبارة أخرى يا صاحب الجلالة، اسمع صوت المسيح: ” لأنه هكذا قال الرب القادر على كل شئ: بعد مجده أرسلنى ضد الأمم الذي سلبوكم، لأنه من يمسكم يمس حدقة عينه، لأنى هأنذا أُحرك يدي على الذين سلبوكم وأُنقذكم، فيكونون سلبًا لكم، فيعلمون أن الرب القادر على كل شئ أرسلنى” (زك8:2و9س). من الواضح أن الذي يتكلم هو الرب القادر على كل شئ، والذي أُرسل هو الرب القادر على كل شئ، وتبعًا لذلك إذن، فإن القوة القادرة على كل شئ تخص الآب والابن كليهما، ومع ذلك فهو إله واحد قادر على كل شئ، لأنه توجد وحدانية في العظمة والجلالة.

 

37 ـ وعلاوة على ذلك، ولكى تعلم يا صاحب الجلالة أن المسيح الذي تكلم في الأناجيل هو نفسه تكلم في الأنبياء، فإنه يقول بفم إشعياء كما لو كان يسبق ويتكلم عن الإنجيل: ” أنا نفسى الذي تكلمت، أنا آتي[33]،، أي إننى أنا الذي تكلم في الناموس حاضر في الإنجيل.

 

38 ـ وفي موضع آخر يقول أيضًا: ” كل ما للآب هو لي” (يو15:16)، ماذا يقصد بـ “كل ما”؟ واضح أنه لا يقصد الأشياء المخلوقة، لأن هذه كلها قد خُلِقت بالابن، بل يقصد الأشياء التى للآب، أى، الأزلية، الهيمنة، الألوهية، هذه الأشياء التى يملكها كمولود من الآب. ومن ثمّ لا يمكن أن نشك أن الابن قادر على كل شئ، إذ أن له كل ما للآب، بحسب المكتوب: ” كل ما للآب هو لى“.

 

الفصل الخامس

ملخص: بعض العبارات في الكتاب المقدس التى قد تدفعنا للاعتقاد بما هو ضد قدرة المسيح على كل شئ، يوجد لها حلٌّ، والكاتب يبذل جُهدًا خاصًا ليبيِّن أن المسيح ـ كثيرًا ما كان يتكلم بحسب مشاعر الطبيعة البشرية.

 

39 ـ مع أنه مكتوب بخصوص الله: ” المبارك القادر الوحيد” (1تى15:6)، إلاّ أنه لا يساورنى أدنى شك بأن ابن الله منفصل عن الآب، إذ أرى أن الكتاب المقدس يستخدم لقب ” القادر الوحيد” ليس للآب وحده، فالآب نفسه ايضًا يُصرِّح بخصوص المسيح بفم النبى: ” جعلتُ عونًا على مَنْ هو قَوِى” (مز19:89). فمن ثمَّ ليس هو الآب فقط القادر الوحيد، بل والله الابن أيضًا قادر، لأنه عندما يُمدح الآب يُمدح الابن أيضًا.

 

40 ـ حقًا، فليبيِّن أى شخصٌ، ما هو الذي لا يقدر ابن الله أن يفعله. مَنْ كان معينه عندما صنع السموات؟ مَنْ كان معينه عندما وضع أُسس العالم[34]؟ وهل كان محتاجًا لأىّ معين ليحرِّر الإنسان، وهو الذي لم يكن محتاجًا إلى أحد في خلق الملائكة والرئاسات[35]؟

 

41 ـ يقولون: ” إنه مكتوب: ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عنىِّ هذه الكأس” (مت39:26، مر35:14، لو42:22)، فإن كان قادرًا على كل شئ، فكيف يشكُ هو إذن في هذه الإمكانية؟”، بمعنى أنه حيث إنى برهنتُ على قدرته، فقد برهنتُ إنه لم يشكُ في قدرته على كل شئ.

 

42 ـ أنت تقول إن الكلمات هي كلمات المسيح، هذا حق، ولكن يجب أن نفكر في المناسبة التى قالها فيها، وبأى صفة كان يتكلم. لقد أخذ لنفسه طبيعة الإنسان[36] ومِن ثمَّ فقد أخذ معها أحاسيسها. كما تجد أيضًا في الموضع المذكور أعلاه أنه: ” تقدَّم قليلاً وخرَّ على وجهه وكان يُصلِّى قائلاً: يا أبتاه، إن أمكن” (مت39:26، مر35:14)، فهو يتكلم إذن ليس كإله ولكن كإنسان، لأنه هل يمكن أن يكون الله جاهلاً بإمكانية حدوث أو عدم حدوث شئ ما ؟ وهل يوجد أىّ شئ غير ممكن لدى الله، والكتاب يقول: ” لا يعسر عليك أمر” (أى2:42).

 

43 ـ مَن هو الذى يشك فيه، في نفسه أم في الآب؟ بالتأكيد في نفسه، هذا الذي يقول: ” لتعبُر عنىِّ“، مِن حيث إنه يشعر كإنسان. إن النبي لا يُدوِّن شيئًا يحسب أنه مستحيل لدى الله. فإن كان النبى لا يشك، فهل تظن أن الابن يشك؟ هل تضع الله أقلّ مِن الإنسان؟ ماذا؟ هل ابن الله لديه شكوك من جهة أبيه، وهو يخاف في مواجهة الموت؟ هل المسيح يخاف؟ بينما بطرس لا يخاف شيئًا. يقول بطرس: ” إنىِّ أضع نفسى عنك” (يو37:13)، بينما يقول المسيح:     ” نفسى قد اضطربت” (يو27:12).

 

44 ـ إن كلا النصّين صواب، ومِن الطبيعى أن يكون بالتساوى أن الإنسان الذي هو أقل لا يخاف، بينما الأعظم يتحمل هذا الشعور؛ لأن الأول له كل ما للإنسان مِن جهل بقوة الموت، بينما الآخر، إذ هو الله ساكنًا في جسدٍ يُصِّور ضعف الجسد، حتى لا يكون لشرِّ أولئك الذين ينكرون سر التجسد أىّ عذر. إذن هو قال هذا، بينما لا يؤمن المانويون[37] بذلك، وينكره فالنتيونوس، بينما يقول عنه ماركيون إنه خيال.

 

45 ـ وفي الواقع، فإن المسيح هنا يضع نفسه فى مستوى الإنسان، حتى يُظهر نفسه ليكون في حقيقة شكله البشرى، فيقول: ” ولكن ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت” (مت39:26)، مع أنه حقًا أن قوة المسيح الخاصة هي أن يريد ما يريد الآب، كما أنه يفعل ما يفعله الآب.

 

46 ـ ليت الاعتراض ينتهى عند هذا الحد، هذا الذي اعتدتم أن تعارضونا فيه بسبب قول السيد: ” ليس كما أريد أنا بل كما تريد أنت“، وأيضًا: ” لأنى قد نزلت مِن السماء ليس لأعمل مشيئتى بل مشيئة الذي أرسلنى” (يو38:6).

 

الفصل السادس

ملخص: عبارات الكتاب المقدس التى استُشِهد بها مِن قبل تُؤخذ كذريعة للإقلال من شأن الابن، بينما الرب يسوع يملك حرية العمل نفسها التى تُنسب للروح القدس وفي مواضع أخرى تُنسب للابن.

 

47 ـ دعنا الآن ـ في الوقت الحاضر ـ نشرح بأكثر استفاضة لماذا قال ربنا: “إن أمكن”، ولنفسح وقتًا لنوضح أنه يملُك حرية الإرادة. أنتم تنكرون ـ بل حتى الآن تمضون في طريق شرّكم ـ وتنكرون أن لابن الله مشيئة حُرَّة، وعلاوة على ذلك، فإنكم تميلون إلى أن تحطُّوا مِن قدر الروح القدس، مع أنه لا يمكنكم أن تنكروا ما هو مكتوب: ” الروح يهب حيث يشاء” (يو8:3)[38]. يقول الكتاب: ” حيث يشاء“، ولم يقُل: “حيث يُؤمر”. فإن كان الروح إذن يهب حيث يشاء، أفما يُمكن للابن أن يفعل ما يشاء؟ لماذا؟ إنه ابن الله نفسه الذي يقول في إنجيله إن الروح له القوة أن يهبَّ حيث يشاء. فهل الابن بذلك يعترف أن الروح أعظم منه، بكون الروح له القوة أن يفعل ما لم يُسمح به للابن؟

 

48 ـ يقول الرسول أيضًا: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12). لاحظ القول: ” كما يشاء“، أى بحسب حكم مشيئة حُرَّة وليس طاعة لِما هو قهرى. وعلاوة على ذلك، فإن المواهب التى تُوزَّع (تُقسَّم) بواسطة الروح ليست هى مجرد مواهب بسيطة أو عادية، بل مِن مثل تلك الأفعال التى اعتاد الله أن يعملها في موهبة شفاء وأعمال قُوَّات. وبينما الروح إذن يُقسِّم كما يشاء، ألا يمكن لابن الله أن يُحرِّر مَن يشاء!. اسمعه يتكلم عندما يفعل ما يشاء:   ” أشاء أن أفعل مشيئتك يا إلهي” (مز8:40)، وأيضًا: ” أُقدِّم لك ذبيحة طوعية” (مز6:54).

 

49 ـ لقد عرف الرسول القديس فيما بعد أن يسوع له القدرة أن يفعل ما يشاء، ولذلك فإذ رآه يمشى على البحر قال: ” يا سيد إن كنتَ أنتَ هو، فمُرنى أن آتى إليك على الماء” (مت28:14). لقد آمن بطرس أنه إِنْ أَمَرَ المسيح، فإن الأحوال الطبيعية سوف تتغيَّر، والمياه سوف تُدعِّم خطوات الإنسان، والأشياء المناقضة سوف تُقهَر وتنقص لتؤول إلى انسجام واتّفاق. إن بطرس يطلب مِن المسيح أن يأمُر، وتمَّ ما أَمَرَ به، وهذا ينكره آريوس!

 

50 ـ ما هو الذي يكون للآب ولا يكون للابن؟، وما هو الذى للابن وليس هو للآب؟ وكما هو مكتوب، فإن: ” الآب يُحيى مَن يشاء، والابن أيضًا يُحيى من يشاء” (يو21:5).  قل لى، مَنْ أحياه الابن والآب لم يُحيه، وإن كان الابن يُحيى من يشاء، وفِعل الآب والابن واحد، فأنت ترى أنه ليس الابن فقط يصنع مشيئة الآب، ولكن الآب أيضًا يفعل مشيئة الابن، لأن عملية الإحياء لا تتم إلاّ مِن خلال رغبة المسيح في الإحياء. ولكن فِعل المسيح هو مشيئة الآب، لذلك فمن يحييه الابن، فإنما يحييه بمشيئة الآب، لذلك فإن مشيئتهما هي واحدة.

 

51 ـ ومرة أخرى، ماذا كانت مشيئة الآب إلاّ أن يأتى المسيح إلى العالم وأن يُطهِّرنا من خطايانا؟ اسمع كلمات الأبرص: ” إن شئت تقدر أن تطهرنى” (مت2:8)، وأجابه المسيح: ” أريد“، وللوقت تبعت الصحة الإرادة. ألا ترى أن الابن هو سيد مشيئته الخاصة، وأن مشيئة المسيح هي نفسها مشيئة الآب. وإن كنتَ ترى حقًا أنه قال: ” كل ما للآب هو لى“، فبالضرورة لم يستثنٍ شيئًا، ومِن ثمّ تكون للابن نفس المشيئة التى للآب.

 

 

الفصل السابع

 

52 ـ لذلك، فإنه توجد وحدة فى المشيئة حيث توجد وحدة فى العمل، لأنه فى الله، فإن مشيئته يصدر عنها مباشرة فعل حقيقى، ولكن مشيئة الله شئ، والمشيئة البشرية شئ آخر. وعلاوة على ذلك، فإن الحياة هى هدف المشيئة البشرية، فنحن نخاف الموت، بينما آلام المسيح كانت تعتمد على المشيئة الإلهية بأن يتألم لأجلنا، ولكى يوضح الرب ذلك، فعندما حاول بطرس أن يثنيه عن الآلام، قال له: ” أنت لا تهتم بما لله. بل بما للناس” (مت23:16).

 

53 ـ ولذلك، أخذ مشيئتى لنفسه، أخذ أحزانى وبثقة أدعوها أحزانى، لأننى أكرز بصليبه. إن ما هو خاص بى هو المشيئة التى سمّاها مشيئته، لأنه كإنسان هو حمل أحزانى، وكإنسان تكلَّم ولذلك قال: ” لا مشيئتى بل مشيئتك“. الأحزان هى أحزانى، وما هو خاص بى والحِمل الثقيل الذى حمله بسبب حزنى هو حملى أنا، لأنه لا يوجد مًن يتهلّل عندما يكون على حافة الموت. هو يتألم معى ويتألم لأجلى، فهو حزن لأجلى. وتثقل لأجلى. لذلك فهو حزن بدلاً منى وحزن فىّ، هو الذى لم يكن هناك سبب يجعله يحزن لأجل نفسه.

 

54 ـ ليست جروحك هى التى آلمتك أيها الرب يسوع، بل جروحى؛ ليس هو موتك بل هو ضعفنا الذى تسبب فى آلامك، كما يقول النبى: “ ضُرِبَ لأجلنا” (إش4:53س)، ونحن يارب، حسبناك مضروبًا عندما تألمت ليس لأجل نفسك بل لأجلى.

 

55 ـ وما الغرابة إن كان الذى بكى لأجل واحد، يحزن لأجل الجميع؟، وما الغرابة إن كان قد تثقل لأجل الجميع ساعة الموت هذا الذى بكى وهو مزمع أن يُقيم لعازر من الموت؟ حقًا لقد تحرَّكت مشاعره بتأثير دموع أخت لعازر المُحِبَّة، لأن هذه الدموع مسَّت قلبه الإنسانى، وهنا وبحزن سِرِّى سمح للمشاعر الإنسانية أن تُعبِّر عن نفسها، حيث كما أن موته وضع نهاية للموت، وجلداته شفت جروحنا، هكذا أيضًا فإن حزنه أزال أحزاننا[39].

 

56 ـ لذلك، فهو كإنسان، كان يشكّ، وكإنسان كان يندهش، ولكن لا قوَّته ولا ألوهيته تُدهش، ولكن نفسه. لقد دُهِشَ نتيجة أنه أخذ ضعفنا البشرى على عاتقه، وإذ ترى أنه اتخذ نفسًا، فقد اتخذ أيضًا مشاعر النفس الإنسانية[40]، لأنه لا يمكن لله أن يتألم أو يموت من جهة كونه الله. وأخيرًا، فإنه صرخ: ” إلهى إلهى لماذا تركتنى“؟ (مز1:22، مت46:27، مر34:15). فهو يتكلَّم هكذا كإنسان حاملاً معه مخاوفى، لأننا عندما نكون وسط المخاطر، فإننا ربما نظن فى أنفسنا أن الله قد تركنا. فهو قد تألم كإنسان، وبكى كإنسان وصُلِبَ كإنسان.

 

57 ـ وهكذا فإن الرسول بولس يقول: ” لأنهم صلبوا جسد المسيح” (غلا24:5)[41]، ويقول القديس بطرس أيضًا: ” إذ قد تألم المسيح.. بالجسد” (1بط1:4). لذلك فالجسد هو الذى تألم، بينما اللاهوت هو فوق فى أمان مِن الموت، وقد خضع جسده للألم بحسب طبيعة البشر. هل يمكن للاهوت أن يموت بينما النفس لا تموت؟ يقول ربنا: ” لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها” (مت28:10). فإن كانت النفس لا يمكن أن تُقتل، فكيف يمكن أن يموت اللاهوت؟

 

58 ـ إذن، فعندما نقرأ أن رب المجد قد صُلِبَ، فعلينا ألاّ نفترض أنه قد صُلِبَ كما فى مجده[42]، ولكن لأن الذى هو الله هو أيضًا إنسان، إله بحسب لاهوته، وباتخاذه الجسد لنفسه هو: الإنسان يسوع المسيح؛ لذلك يُقال إن رب المجد قد صُلِبَ، لأنه بامتلاكه الطبيعتين البشرية والإلهية، فإنه احتمل الآلام فى بشريته، حتى يمكننا القول إن الذى تألم يُدعى رب المجد وابن الإنسان معًا فى نفس الوقت بغير تمييز بينهما، كما هو مكتوب: ” الذى نزل من السماء” (يو13:3).

 

الفصل الثامن

ملخص: فى هذا الفصل يشرح القديس قول المسيح: ” أبى أعظم منى” بناءً على المبدأ الذى تقرَّر من قَبْل. والأقوال الأخرى المشابهة تُفسَّر بنفس الطريقة، ولا يمكن فيما يتعلق بألوهية ربنا ـ أن يُقال عنه إنه أقل من الآب.

 

59 ـ لذلك، فيما يليق ببشرَّيته، فإن ربَّنا قيل عنه إنه شكَّ وإنه اغتم بحزن شديد وإنه قام من الموت، لأن من يموت هو أيضًا يقوم ثانية. وأيضًا بسبب بشرَّيته فإنه قال تلك الأقوال: ” أبى اعظم منى” (يو28:14)، والتى يُحوِّلها مخاصمونا بخبث ضده.

 

 

60 ـ ولكن عندما نقرأ فى مقطع آخر: ” خرجتُ مِن عند الآب وقد أتيتُ إلى العالم، وأيضًا أتركُ العالمَ وأذهب إلى الآب” (يو28:16)، فكيف يمكنه أن يذهب (إلى الآب) إلاّ عن طريق الموت، وكيف يمضى إلاّ بقيامته؟ وعلاوة على ذلك، فإنه يضيف ـ ليوضِّح أنه يتكلم فيما يختص بصعوده:   ” وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون” (يو29:14). لقد كان يتكلم عن الآلام والقيامة التى لجسده، وعن طريق هذه القيامة يؤمن أولئك الذين سبق أن شكُّوا، لأن الله ـ فى الحقيقة ـ الموجود فى كل مكان لا يَعبُر مِن مكان إلى مكان، ولكن كما أن الإنسان يذهب، فإنه هو نفسه الذى يأتى. وأيضًا، فإنه يقول فى موضعٍ آخر: ” قوموا ننطلق من ههنا” (يو31:14)، إذن، فهو يذهب ويأتى، الذى هو أمر مشترك بينه وبيننا.

 

61 ـ فكيف يمكن ـ أن يكون إلهًا أصغر بينما هو إله كامل وحقيقى؟ ولكن من جهة إنسانيته فهو أقلَّ. وأنت لا تزال تتعجَّب أنه عندما يتكلم كشخص إنسانى فإنه يدعو الآب أعظم منه، بينما هو كإنسان دعا نفسه دودة لا إنسان، وهذا فى قوله: ” أمّا أنا فدودة لا إنسان” (مز6:22)، وأيضًا ” كشاة تُساق إلى الذبح” (إش7:53).

 

62 ـ أمَّا إن كنت تعترف أنه أقلّ من الآب من هذه الجهة فأنا لا أستطيع أن أنكر ذلك، ورغم ذلك فإننا عندما نتكلم بكلمات الكتاب المقدس، فإنه لم يُولد أقلّ، ولكن ” وُضِع أقلّ” (عب9:2)، أى أنه “جُعِل أدنى”. ولكن كيف   ” وُضِع أقلّ” إلاّ لأنه: ” إذ كان فى صورة الله، لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه” (فى6:2و7)، وفى الواقع ـ هو لم ينفصل عن ما كان عليه، ولكنه اتخذ لنفسه ما لم يكن له، لأنه ” أخذ صورة عبد” (فى7:2).

 

63 ـ وعلاوة على ذلك، فلكى نعرف أنه ” وُضِع قليلاً” باتخاذه جسدًا لنفسه، فإن داود يُبيِّن لنا أنه كان يتنبأ عن إنسان بقوله: ” مَنْ هو الإنسان حتى تذكره، أو ابن الإنسان حتى تفتقده؟ وضعته قليلاً عن الملائكة” (مز4:8و5)، وفى تفسيره لنفس العبارة، فإن الرسول بولس يقول: ” لأننا نرى يسوع الذى وُضِع قليلاً عن الملائكة مُكلَّلاً بالمجد والكرامة من أجل ألم الموت” (عب9:2).

 

64 ـ ومِن ثمَّ، فإن ابن الله، قد جُعِل أقلّ، ليس من الآب، بل من الملائكة أيضًا. وإن كنتَ تُحوِّل هذا لتحط من كرامته؛ فأنا أتساءل ما إذا كان الابن ـ من جهة ألوهيته ـ أقلّ من ملائكته الذين يخدمونه ويعبدونه؟ فهكذا وأنت تقصد أن تُقلِّل من كرامته، فإنك تنزلق إلى التجديف برفع طبيعة الملائكة فوق ابن الله، ولكن ” العبد ليس أفضل من سيده” (مت24:10). وأيضًا، فإن الملائكة خدموه حتى بعد تجسده، وذلك لكى تعترف به أنه لم يتعرض لفقدان جلاله بسبب (اتخاذ) طبيعته الجسدية، لأن الله لا يمكن أن يخضع لأى تناقص فى ذاته[43]، وما أخذه من العذراء لا يُضيف أو يُنقص من قوته الإلهية.

 

65 ـ فإذ له ملء اللاهوت والمجد[44]، فهو إذن من جهة ألوهيته ليس أقلّ (من الآب)، فالأعظم والأقلّ هما من الصفات التى تليق بالموجودات المادية، حيث الأعظم يكون هكذا من جهة الرتبة أو الصفات أو العمر، ولكن هذه المصطلحات تفقد معناها عندما نأتى إلى معالجة أمور الله. فمن الشائع أن من يُسمّى الأعظم هو ذلك الذى يرشد أو يُعلِّم آخر، ولكن ليست الحالة هكذا مع حكمة الله (يقصد المسيح الابن) كأنها بُنِيَت بالتعليم الذى يحصل عليه واحد من آخر، إذ أن الحكمة هى نفسها التى وَضَعت أساس كل تعليم. لذا كتب الرسول: ” لكى يذوق بنعمة الله ـ الموت لأجل كل واحد“، وذلك حتى لا نفترض أن اللاهوت وليس الجسد هو الذى كابد الآلام[45]!.

 

66 ـ فإن كان معارضونا لم يجدوا وسيلة ليبرهنوا على أن الآب أعظم من الابن، فدعهم لا يقلبون الكلمات إلى أقوال كاذبة. بل فليبحثوا عن معناها. لذلك فأنا أسألهم، من أى ناحية يعتبرون الآب أنه أعظم؟ فإن كان بسبب أنه هو الآب، فأنا أجيبهم، نحن هنا لسنا نسأل عن العمر أو الزمن، فالآب لا يتميز بشعر أبيض ولا الابن بالشباب، هذه الأمور التى على أساسها تقوم الكرامة الأعظم لأى أب. وكلمتا “أب” و”ابن” هما مجرد اسمين، الواحد للوالد والآخر للولد، أسماء يتضح أنها تربط ولا تفصل، لأن الطاعة والقيام بالواجب لا توحِى بأى فقدان للجدارة الشخصية، باعتبار أن القرابة تربط الناس ببعض، ولا تُمزقهم.

 

67 ـ فإن كانوا لا يقدرون أن يجعلوا من نظام الطبيعة سندًا لأى سؤال عندهم، فليؤمنوا الآن بشهادة الكتب، فالبشير يشهد بأن الابن ليس أقلّ من الآب بسبب أنه ابن، حاشا، بل هو يُوضِّح أنه بكونه الابن، فهو مساوٍ للآب بقوله: ” فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه، لأنه لم ينقض السبت فقط، بل قال أيضًا إن الله أبوه معادلاً نفسه بالله” (يو18:5).

 

68 ـ ليس هذا ما قاله اليهود، ولكن البشير هو الذى شهد بذلك، أى أن المسيح بقوله عن نفسه إنه ابن الله، فهو يجعل نفسه مساويًا لله، لأن اليهود لم يُظهروا أنفسهم أنهم يقولون: ” لهذا السبب نحن نطلب أن نقتله”؛ ولكن البشير هو الذى يشهد بنفسه ويقول: ” من أجل هذا كان اليهود يطلبون أن يقتلوه“. علاوة على ذلك، فإن البشير قد اكتشف السبب (بقوله) إن اليهود تحركوا بالرغبة فى قتله، لأنه إن كان كإله قد كَسرَ السبت، وأيضًا قال إن الله أبوه، فإنه يكون قد نسب إلى نفسه ليس فقط جلال السلطان الإلهى فى كسر السبت، بل أيضًا فى كلامه عن أبيه نسب إلى نفسه الحق فى المساواة الأزلية معه.

 

69 ـ وقد كانت الإجابة التى أعطاها ابن الله لهؤلاء اليهود مناسبة جدًا، بأن أثبت نفسه أنه الابن وأنه مساوى لله؛ إذ قال: ” لأن مهما عمل الآب فهذا يعمله الابن كذلك” (يو19:5)، لذلك فإن الابن قد عُرِفَ وبُرِهنَ على أنه المساوى للآب ـ وهى مساواة حقيقية، وهذه المساواة تستبعد أى اختلاف فى الألوهية، كما أنها تكشف ليس الابن فقط بل الآب أيضًا، الذى الابن مساوى له؛ لأنه لن تكون هناك مساواة حيث يوجد اختلاف، وأيضًا لن تكون هناك مساواة، لو كان يوجد أقنوم واحد فقط، نظرًا لأن الشخص الواحد لا يكون بنفسه مساويًا لنفسه. وهذا ما بيّنه البشير، أنه من اللائق أن يُسمِّى المسيح نفسه ابن الله، أى أنه مساوي لله.

 

70 ـ ومن ثمّ فإن بولس الرسول، وهو يتبع هذا الإعلان يقول: ” لم يحسب خُلسة أن يكون معادلاً لله“، لأن ما لا يمتلكه الإنسان، فإنه يسعى ليتحصل عليه كغنيمة. لذلك فإن مساواته للآب، كإله ورب، يمتلكها فى جوهره الذاتى، وليس كغنيمة استولى عليها لنفسه بطريقة خاطئة. ومن هنا فإن الرسول أضاف الكلمات: ” آخذًا صورة عبد“. وبالتأكيد، فإن العبد هو عكس المساوى، ومن ثمَّ، فإن الابن مساوى إذ هو فى صورة الله، ولكنه أقلّ باتخاذه لنفسه جسدًا، وأيضًا فى آلامه كإنسان. لأنه كيف يمكن لنفس الطبيعة أن تكون أقل ومتساوية معًا فى نفس الوقت؟ وكيف يمكن للابن ـ إن كان أقل ـ أن يعمل نفس الأعمال، بنفس الطريقة، كما يعمل الآب؟ كيف يمكن فى الواقع أن يكون العمل واحدًا مع وجود اختلاف فى القوة؟ هل يستطيع الأقل أن يعمل نفس المفاعيل مثل الأعظم؟ أو هل يمكن أن توجد وحدة فى العمل حيث يوجد اختلاف فى الجوهر؟

 

71 ـ لذلك، عليك أن تَقْبَل بأن المسيح ـ فيما يمس ألوهيته ـ لا يمكن أن يُسَّمى أقل من الآب. يتكلم المسيح مع إبراهيم ويقول: ” أقسمت بذاتى” (تك16:22)، والرسول يُبيّن أن من يُقسم بذاته لا يمكن أن يكون أقل من أىٍّ (آخر)، ولذلك يقول: ” فإنه لمَّا وعد الله إبراهيم، إذ لم يكن له أعظم يُقسم به، أقسم بنفسه قائلاً: إنى لأباركنك بركة وأكثرنك تكثيرًا” (عب13:6 و14). فالمسيح إذن لا يوجد له آخر أعظم منه ليقسم به، ولهذا السبب فإنه أقسم بذاته. وعلاوة على ذلك، فإن الرسول قد أضاف عن صواب: ” فإن الناس يقسمون بالأعظم منهم” (عب16:6)، من حيث إن الناس لهم مَنْ هو أعظم، أمّا الله فليس له أعظم.

 

72 ـ وإلاّ، فإن كان الذين يعترضون علينا سوف يفهمون الآية السابقة على أنها تُنسب إلى الآب، فإن باقى المكتوب لا يتفق مع هذا، لأن الآب لم يظهر لإبراهيم، ولا أن إبراهيم غسل قدمى الله الآب، ولكنه غسل قدمى ذاك الذى  فيه سوف تكون صورة الإنسان[46]. وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله قال: ” إبراهيم … رأى يومى وفَرِح” (انظر يو56:8)، لذلك فإن الذى أقسم بذاته هو بعينه الذى رآه إبراهيم.

 

73 ـ فكيف يكون له مَنْ هو أعظم منه، هذا الذى هو واحد مع الآب فى الألوهية[47]. وحيث توجد وحدة، لا يوجد أى اختلاف، بينما يوجد اختلاف بين الأعظم والأقل. إذًا فإن التعليم فى الاقتباس الموجود أمامنا من البشائر فيما يتعلق بالآب والابن، هو أن الآب ليس أعظم، وأن الابن ليس له مَنْ هو أعلا منه، نظرًا لأنه لا يوجد بين الآب والابن فرق فى الألوهة يفصل بينهما، وإنما جلالٌ واحد.

 

[1] يو14:1و18، عب5:1، رو5:9، 3:1ـ4، يو1:1ـ3، 14.

[2] عب3:1، انظر يو9:14، كو15:1.

[3] 1كو24:1، انظر يو6:14، 25:11.

[4] انظر خر14:3 ” أهيه الذي أهيه ” أي أكون الذي أكون.

[5] انظر يو42:8، 27:16ـ28.

[6]  انظر عب3:1.

[7] انظر يو6:14، 3:17، 1يو20:5.

[8] انظر تث26:5 ” مَنْ.. سمع صوت الله الحي يتكلم.. وعاش“. انظر يو25:11.

[9] انظر خر15:28ـ21.

[10] انظر عب15:4، 1:5ـ5، 28:7، 7:8.

[11] انظر عب3:1.

[12] يُرجع القديس أمبروسيوس الشاهد إلى أيوب36:38، بحسب الترجمة السبعينية.

[13] خر27:35.

[14] يتبع القديس أمبروسيوس النسخة السبعينية (أم21:31(22).

[15] انظر سفر الخروج34،33:28، وأيضًا 6،5:28.

[16] هذه الألوان استُخدمت في صُنع إفود الكاهن الأعظم (خر5:28و6) وصُنع حجاب الهيكل.

[17] هذه هي نظرية بعض الفلاسفة الأيونيين.

[18] انظر يع14:2ـ26.

[19] أي ابنًا “بالتبني” كواحد منّا.

[20] انظر مر18:10.

[21] الابن موجود ” في طبيعة الله ” بسبب أن صفة أبوة الله الأزلية تتضمن وجود ابن أزلي  وحبه الأزلي هو الغاية الأزلية لهذا الحب.

[22] مز6:13 “ لأنه أحسن إلىَّ” ، خر14.

[23] خر6:17، عد8:20و11.

[24] خر12:16، تث3:8و4، تث5:29، مز24:78و25، مز40:105، يو31:6، 1كو3:10.

[25] قارن مت43:13، دا 3:12، إن تألق هذه الجوقات السماوية هو إنعكاس لذاك الذي هو نور العالم، النور الحقيقي، انظر يو9:1، 12:8، 46:12، رؤ23:21، 5:22.

[26] مز1:118، 1:136، 1:106، 1:107.

[27] القياس المنطقي للقديس أمبروسيوس يظهر كالتالي: ” إن القاضي هو الإله العادل، وابن الله هو القاضي، إذن يكون ابن الله هو الإله العادل”.

[28] يو12:7.

[29] انظر 1كو4:8.

[30] انظر يو22:17و23.

[31]  راجع الكتاب الأول الفصل الأول.

[32] لا يستخرج أي شك من المقطع التالى بسبب أن :

1 ـ معنى العبارات واضح وبسيط                  2 ـ والآيات المقتبسة هي من الكتاب الموحى به.

[33] إش6:52س، والقراءة في ترجمة دار الكتاب المقدس: ” لذلك يعرف شعبي اسمى، لذلك في ذلك اليوم يعرفون أنِّي أنا هو المتكلم هأنذا “.

[34] أى4:38ـ6 ” أين كنتَ حين أسستُ الأرض.. مَن وضع قياسها.. على أى شئ قرَّت قواعدها..“.

[35] كو15:1و16.

[36] أى الطبيعة البشرية.

[37] انظر الكتاب الأول فقرة 57.

[38] إن نفس الكلمة ـ في اللغة اليونانية على الأقل ـ تُعطِى نفس معنى (ريح) و(روح). فالهواء غير المرئي ومع ذلك فهو محسوس وحقيقي، والريح، والنَفَس يمكن أن تكون أفضل رمز للروح، الذي يُعرف ويُحقق حضوره فقط من خلال آثاره. والروح في معناه الأوَّلى هو “نسمة”.

[39] إنه تعليم جميل جدًا للآباء أن المسيح أخضع ذاته لظروف وتجارب حياتنا كى يعيدها ويقدِّسها ويمدها بفاعلية استحقاقاته، وكان الآباء حريصون أن ينسبوا لكلمة الله المتجسد ليس فقط الأجزاء الطبيعية فى الجسد والنفس، بل وحتى أصغر الأشياء والخاصة جدًا مثل: الحزن، الخوف، الدموع؛ وكذلك جميع المشاعر البشرية: الحَمْل، الميلاد، الطفولة؛ وجميع مراحل الحياة والنمو: الجوع والعطش، التعب والحزن ـ كى يجد علاجًا لكل ما زحفت إليه الخطية. وكما أفسد الموت الكل، هكذا يلزم أن يُرش ماء الحياة. ويقول القديس غريغوريوس النزينزى بطريقة مُلفتة للنظر: ” لقد نام حقًا ليبارك نومنا، وتعب ليقدِّس تعبنا، وبكى ليكرِّم الدموع”. ويقول القديس كيرلس الكبير فى شرح (يو27:12): ” سوف تجد كل أنواع الاختبارات البشرية ممثلة كما يجب فى المسيح، وأن المشاعر الجسدية قد تسربلت بالقوة، ولكن ليس مثلنا، لكى تحصل على السلطة والسيادة والاستعلاء. ولكن بقوة الكلمة الساكن فى الجسد يمكن لهذه المشاعر أن تُذلَّل وتُضبَط، وتتحوَّل طبيعتنا إلى حالة أفضل.

[40] يعدد ذلك أريستوتل فى الأخلاقيات Aristotle, Ethics II. Ch. 4 (5).

[41] يستخدم القديس أمبروسيوس هنا معنى للنص الأصلى مُلفت للنظر حيث يقول النص: ” ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد“.

[42] انظر 1كو8:2.

[43] لأنه إن كان الأمر هكذا، فإن الله يتوقف عن أن يكون إلهًا.

[44] كو9:2: فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت.

[45] يريد القديس أمبروسيوس أن يقول إن المسيح تألم ومات بالجسد وإنه نال معونة كإنسان وقت آلامه، كما ذكر الإنجيل أن ملاكًا من السماء ظهر له ليقويه وهو فى بستان جسثيمانى (انظر لو43:22).

[46] 1يو2:3و3، تك4:18: ” ليؤخذ قليل ماء واغسلوا أرجلكم واتكئوا تحت الشجرة“.

[47] انظر يو30:10 ” أنا والآب واحد“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج3 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

 

الفصل السادس

ملخص:

القديس أمبروسيوس وهو يبرهن على أن المسيح لا يختلف عن الآب، يذكر أسماء القادة الآريوسيين الأكثر شهرة، ويشرح كيف أن شهادتهم لا تتفق كثيرًا، ويبين أن الدليل الذى تقدمه الكتب المقدسة ضدهم.

 

          43 ـ يقول الآريوسيون إن المسيح ليس مثل الآب، أما نحن فننكر هذا القول، بل بالحرى حقًا، نحن نجزع هلعًا عند سماع هذه العبارة. ومع ذلك فأنا أريد من جلالتك أن تثق فى مناظراتنا ومحاوراتنا. دعنا نسأل الكتب المقدسة، الرسل، الأنبياء، المسيح، بل دعنا فى كلمة (واحدة) نسأل عن الآب الذى يقول هؤلاء القوم إنهم يُرفِّعون من قدره عندما يدّعون أن الابن أدنى منه. علمًا بأن إهانة الابن لن تؤول إلى كرامة للآب الصالح. ولا يمكن أن يُسرّ الآب الصالح إذا قيل إن الابن أقل من الآب، وليس مساويًا له .

 

          44 ـ إننى أتوسل إلى جلالتك أن تحتملنى إن كنت ـ لفترة وجيزة ـ أوجه كلامى لهؤلاء الناس بنوعٍ خاص. ولكن من منهم أختاره لأقتبس منه؟ أونوميوس[1] Eunomius، أم آريوس وإتيوس Aetïus[2] معلميه، لأن أسماءهم كثيرة، ولكنهم مشتركون فى كفر واحد، ثابت فى الشر، ولكن فى المناقشات، فإنهم ينقسمون على أنفسهم بغير اختلاف فيما يخص المخادعة والمكر؛ ولكن فى مجموعهم يشتركون فى الإقدام على بث الخلافات، ولكن لماذا لا يتفقون معًا فيما بينهم فهذا ما لا أفهمه؟!

 

          45 ـ الآريوسيون ينبذون شخص أونوميوس، ولكنهم يتمسكون بكفره ويسيرون فى طرقه الشريرة. هم يقولون إنه بحماس كبير نشر كتابات آريوس. حقًا يا لها وفرة مسرفة فى الضلال! إنهم يمدحون من أعطى الأمر ويرفضون من ينفذه! ولذلك فقد انقسموا إلى شيع متعددة. فالبعض يتبع أونوميوس أو إتيوس، والبعض يتبع بلاديوس أو ديموفيلوس Demophilus وأكسينتيوس Auxentius أو الوارثين لهذا النمط من الكفر[3]، وآخرون أيضًا يتبعون معلمين مختلفين، فهل انقسم المسيح[4]؟ حاشا، ولكن أولئك الذين يفصلون المسيح عن الآب فإنهم يقطعون أنفسهم بأيديهم إلى أجزاء متباعدة .

 

          46 ـ لذلك إذ أرى أن الرجال الذين لا يتوافقون بين أنفسهم وكلهم يتماثلون فى التآمر على كنيسة الله، فسوف أطلق على أولئك الذين أرد عليهم، اللقب المشترك، “الهراطقة”. إن الهرطقة هى مثل نوع من الطحالب المذكورة فى الأساطير، والتى عندما تخرج، فإنها تغطى نفسها بطبقة سميكة من الشمع، كما أنه يحدث فى أكثر الأحيان إنه عندما يقصر طولها بسبب ما ينالها من قَطْع أجزاء منها فإنها تنمو من جديد. هذا النوع من الطحالب لا يمكن ملاشاته إلاّ بلهيب النار[5]، أو مثل نوع من الـ”سكيللا” Scylla الهائلة والمريعة ـ ينقسمون إلى أشكال كثيرة من الكفر ـ فإنها تتخفى كما بقناع لتخفى غدرها، هكذا هم يتظاهرون بأنهم شيعة مسيحية. إن هؤلاء القوم البائسين والتعساء الذين يندفعون ذهابا وإيابًا ـ يشبهون ذاك الوحش الذى يندفع وسط أمواج عنفه الشرير ـ هكذا هم أيضًا يندفعون وسط حطام مذهبهم، يتمرغون بتورطهم الشديد فى تعاليمهم الكفرية متمنطقين بحيوانات متوحشة.

 

          47 ـ إن كهف هذا الوحش الفظ، يا جلالة الإمبراطور محفوظ كما يقول الملاحون فى مرابض مختفية، ولذلك فإن جميع الجيران فى المناطق المجاورة، يتعرفون عليه بواسطة نباح الكلاب، لذا فيجب علينا نحن أيضًا أن نرهف آذاننا جيدًا إلى نباح كفرهم، لأنه مكتوب: ” انظر، سيِّج أذنيك بالشوك” (يشوع بن سيراخ28:28) وأيضًا: ” احذروا الكلاب، احذروا فعلة الشر” (فى2:3)، بل وأيضًا: ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرتين أعرض عنه، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه” (تى10:3ـ11). إذن فمثل بحارة حكماء، دعنا نقلع رافعين شراع إيماننا فى الطريق الذى نعبره بأمان شديد، وأيضًا نتبع شواطئ الكتب المقدسة.

 

 

 

الفصل السابع

ملخص:

إن مماثلة Likeness المسيح للآب تُؤكَّد بالاستناد إلى القديس بولس، والأنبياء، والأناجيل، وخاصة بالاعتماد على خلقة الإنسان على صورة الله.

 

          48 ـ يقول الرسول إن المسيح هو صورة الآب، لأنه يدعوه: ” صورة الله غير المنظور، بِكر كل خليقة “. انتبه من فضلك، فهو يقول بِكر وليس أول الخليقة، حتى نؤمن به أنه مولود حسب طبيعته[6]، وأنه الأول بسبب أزليته. وفى مكان آخر أيضًا، فإن الرسول قد أعلن أن الله جعل الابن:     “ وارثًا لكل شئ، الذى به أيضًا عمل العالمين، الذى هو بهاء مجده وصورة جوهره” (عب2:1و3). فالرسول يدعو المسيح صورة الآب، بينما يقول آريوس إنه ليس مثل الآب، فلماذا إذن يُسمَّى صورة إن لم يكن مماثلاً (للآب)؟ إن البشر لن يقبلوا أن تكون الصور التى تُعمل لهم غير مماثلة لهم، وآريوس يقول إن الآب ليس مثل الابن، وأن الآب قد وَلَد شخصًا ليس مماثلاً له، وكأنه غير قادر أن يَلِد المماثل لنفسه.

 

          49 ـ يقول الأنبياء: ” بنورك نرى نورًا” (مز9:36)، وأيضًا ” الحكمة هى شعاع النور الأزلى ومرآة جلال (بهاء) الله التى لا عيب فيها وصورة صلاحه” (حكمة26:7). انظر أيَّة أسماء يعلنونها! ” شعاع ” لأنه فى الابن يُشرق مجد الآب بوضوح، و”المرآة التى لا عيب فيها” لأن الآب يُرى فى الابن[7]، و”صورة صلاحه” لأن الذى يُرى منعكسًا فى آخر ليس جسم ما، بل كل القوة التى للاهوت، تُرى فى الابن. إن كلمة ” صورة ” تُعلِّمنا أنه لا يوجد اختلاف، بل تعنى “التعبير” أو “نسخة طبق الأصل لهيئة الآب”، و”البهاء” يُعبِّر عن أزليته[8]. إن ” الصورة ” فى الحقيقة ليست هى لملامح أو تقاطيع جسدية، كما أنها ليست مصنوعة بالألوان، ولا شُكِّلت فى (قالب) شمع، وإنما هى مستمدة ببساطة من الله، صادرة من الآب، رُسمت من الينبوع الأصلى.

 

          50 ـ وبواسطة هذه الصورة فإن الرب قد أظهر الآب لفيلبس بقوله:  “ الذى رآنى فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرِنا الآب؟ ألست تؤمن إنى أنا فى الآب والآب فىَّ؟[9]. حقًا إن من ينظر إلى الابن، يرى الآب فى صورة شخصية[10]. لاحظ أى نوع من الصورة نتكلم عنه. إنه الحق، البر، قوة الله[11]، وهى ليست صماء، لأنها هى “الكلمة”، وليست عديمة الحس لأنها “الحكمة”، وليست باطلة وغبية، لأنها هى القوة، وليست بلا روح، لأنها هى الحياة، وليست ميتة لأنها هى القيامة[12]. فأنت ترى إذن بينما الكلام هو عن صورة، فإنما المعنى المقصود هو الابن الذى هو صورة الآب، حيث إنه لا يمكن لأى كائن أن يكون هو صورة نفسه.

 

          51 ـ ربما أكون قد وضعتُ ودوَّنتُ كثيرًا من شهادات الابن، ولئلا نظهره ربما كأنه يشهد لنفسه أكثر، لهذا دعنا نتوجه إلى الآب لنتعلم منه، لأنه يقول: ” نعمل الإنسان على صورتنا ومثالنا” (تك26:1). إن الآب يقول للابن: “ على صورتنا ومثالنا“، بينما أنت أيها الهرطوقى تقول إن الابن ليس مثل الآب.

 

          52 ـ يقول القديس يوحنا: ” أيها الأحباء الآن نحن أولاد الله ولم يُظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله لأننا سنراه كما هو” (1يو2:3). يا للجنون الأعمى! يا للعناد الذى لا يخجل! نحن بشر، ورغم ما نحن عليه فإننا سوف نكون مثل الله، فهل نجرؤ نحن وننكر أن الابن هو مثل الله؟

 

          53 ـ لذلك يقول الآب: ” نعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا“. عند بدء العالم نفسه، وكما قرأت، كان الآب والابن موجودين. وأنا أرى خليقة واحدة، وأنا أسمع ذاك الذى يتكلم[13]، وأنا أعترف بذاك الذى يعمل[14]، ولكننى أقرأ عن صورة واحدة، مثال واحد. إن هذا المثال Likeness (الشبه) لا يخص التعدد والاختلاف ولكن يخص الوحدة. فما تدَّعيه إذًا أنت لنفسك، إنما قد أخذته من ابن الله، إذ أنك ترى فى الواقع أنه لا يمكنك أن تكون ” على صورة الله” إلاَّ بفضل ” صورة الله” (يقصد الابن).

 

الفصل الثامن

ملخص:

هنا يثبت القديس أمبروسيوس مماثلة Likeness الابن للآب. إنه ليس من الصعب إثبات أزلية الابن، مع أنه ـ في الواقع ـ يمكن أن يُبنى هذا بالاستناد على شهادات النبى إشعياء والقديس يوحنا البشير، هذه التى بالرجوع إليها يُمكن أن تُدحَض تعاليم الهراطقة.

 

54 ـ لذلك فمن الواضح أن الابن ليس غير مماثل للآب، وهكذا فإنه يمكننا أن نعترف بأكثر سهولة أنه أيضًا أزلى، لأن الذي هو مِثل الأزلى لابد أن يكون أزليًا. ولكن إن كنا نقول إن الآب أزلى ثم ننكر أزلية الابن، فنحن بهذا نقول إن الابن ليس مماثلاً للآب، لأن الزمنى يختلف عن الأزلى. والنبى يُعلن أنه أزلى، وكذلك فإن الرسول يُعلن أنه أزلى؛ وكلا العهدين القديم والجديد هما على قدم المساواة مملوءان بالشهادة لأزلية الابن.

 

55 ـ دعنا الآن نتناولهما بحسب ترتيبهما. ففي العهد القديم دعنا نستشهد بإحدى الشهادات العديدة، فإنه مكتوب: “.. قبلى لم يوجد إله وبعدى لا يكون” (إش10:43). إننى لن أُعلَّق على هذا الشاهد ولكننى أسألك مباشرةً: ” مَن الذي يتكلَّم هذه الكلمات، الآب أم الابن؟”. سواء قلت إنه الآب أو الابن، فسوف تجد نفسك مقتنعًا، وإن كنت مؤمنًا فسوف تتعلّم. مَن إذن هو الذي ينطق بهذه الكلمات: الآب أم الابن؟ إن كان الابن فإنه يقول: “ قبلى لم يوجد إله“، وإن كان الآب، فإنه يقول: ” وبعدى لا يكون“. فالواحد لا يوجد أحد قبله، والآخر لا يوجد أحد بعده. وكما أن الآب يُعرف في الابن، هكذا أيضًا فإن الابن يُعرف في الآب، لأنه في أى وقت تتكلَّم عن الآب، فأنت تتكلم أيضًا ضمنيًا عن ابنه، إذ ترى أنه لا يوجد آخر سواه هو أبوه own father الخاص (الذاتى)؛ وعندما تذكر الابن، فأنت تعترف أيضًا بأبيه، نظرًا لأنه لا يمكن أن يكون هناك آخر غير ابنه الخاص (الذاتى). وهكذا فإنه لا يمكن أن يوجد الابن بدون الآب ولا أن يوجد الآب بدون الابن. لذلك فالآب أزلى والابن أيضًا أزلى.

 

56 ـ ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع with الله، وكان الكلمة الله، هذا نفسه the same كان في البدء مع الله” (يو1:1). لاحظ كلمة “كان مع الله”. انتبه! إن لدينا كلمة “كان” مكرَّرة 4 مرات، أين يجد المجدَّف أنه مكتوب: “لم يكن”. ومرة ثانية، فإن يوحنا في عبارة أخرى في رسالته يتكلم عن: ” الذي كان من البدء” (1يو1:1). إن امتداد الـ “كان” لا نهائى. تصور أى طول للزمن تريده، ومع ذلك فإن الابن يظل كما هو: “كان”.

 

57 ـ والآن، فإنه في هذه الفقرة القصيرة، قد سدَّ صيَّادنا[15] الطريق على كل هرطقة، لأن الذي “كان في البدء” لا يُفهم أنه كان في الزمن، وهو لا يسبقه أى بدء. لذلك دع آريوس يكف عن الكلام. وإضافة إلى ذلك، فإن هذا الذي كان “مع الله” ليس مختلطًا أو ممتزجًا معه، ولكنه مُميَّز (يقصد التميُّز الأقنومى ـ المترجم)، بسبب الكمال التام الذي له، باعتباره الكلمة الموجود مع الله. لهذا، فدع السابليين أيضًا يصمتون[16]. و” الكلمة كان الله“، فلذلك فإن هذه الكلمة ليس هو كلام منطوق، بل هو لقب مميَّز ذو رفعة سماوية، وهكذا يدحض تعليم “فوتينوس”. بل والأكثر من هذا، فمن حقيقة أنه “في البدء كان مع الله”، تتبرهن الوحدة غير المنقسمة للاهوت الأزلى للآب والابن، ودع أونوميوس[17] يخزى ويخجل. وأخيرًا وإذ نرى أنه مكتوب عنه أن جميع الأشياء خُلِقت به، فإنه يظهر جليًا أنه هو مصدر العهدين القديم والجديد كليهما، حتى لا يجد أصحاب مانى أى سبب أو أساس لهجومهم. وهكذا فإن الصياد الماهر قد اصطادهم جميعًا في شبكة واحدة، ليجعلهم غير قادرين على الخداع، ولو أنه سمك غير نافع بالمرة.

 

 

 

الفصل التاسع

ملخص:

في هذا الفصل يسأل القديس أمبروسيوس الهراطقة ويفند إجاباتهم، التي هى أن الابن موجود حقيقة قبل كل الأزمنة ومع ذلك فهو ليس مساوِِ للآب في الأزلية، ولأجل ذلك فهو يُبيَّن أنهم يُظهرون الألوهة كما لو كانت متغيرة، وعلاوة على ذلك، أن كل أقنوم يجب أن يؤمَن به أنه أزلى.

 

58 ـ أخبرنى أيها الهرطوقى ـ إذ أن سماحة الإمبراطور الفائقة تُخوَّل إلىَّ هذا التسامح لمخاطبتك لفترة وجيزة، ليس لأننى أريد أن أتباحث معك، أو لأننى أطمع أن أسمع حججك، ولكن لأنى أريد أن أفندها. أريد أن تخبرنى هل كان يوجد مطلقًا زمن لم يكن فيه الله الكلِّى القدرة آبًا، ومع ذلك فقد كان هو الله؟ إنك سوف ترد علىَّ وتقول: “إننى لم أتكلم شيئًا بخصوص الزمن”. حسنًا! ولكن أنت تعترض بطريقة خبيثة، لأنك إن أدخلت الزمن في الجدال، فأنت سوف تدين نفسك، إذ (بحسب رأيك) يجب أن تعترف أنه كان يوجد زمن لم يكن فيه الابن، بينما الابن هو الضابط الكل وهو خالق الزمن، لأنه لا يمكن أن يبدأ (الابن) في الوجود بعد شئ ما صنعه هو، لذلك فإنك ترى أنك تحتاج أن تعترف به سيدًا وخالقًا لصنعته.

 

          59 ـ قد تجيب: ” إننى لم أقل إن الابن لم يوجد قبل الزمن، ولكننى عندما أدعوه “ابنًا”، فإننى أُظهر وأُوضح أن أباه موجود قبلاً منه، كما يُقال: ” إن الآب موجود قبل الابن”. ولكن ماذا يعنى هذا؟ أنت تنكر أن الزمن كان موجود قبل الابن، ومع ذلك فأنت تريد أن تقول إنه يوجد شئ يسبق وجود الابن، أى مخلوق زمنى: أنت تُبيَّن مراحل نشوء متوسطة متداخلة، وتريدنا بذلك أن نفهم أن الولادة من الآب قد حدثت في الزمن. إن قلت إنه ابتدأ أن يكون أبًا، فيظهر لأول وهلة أنه كان إلهًا في الأول وبعد ذلك أصبح أبًا. كيف يكون هذا بخصوص الله بينما هو غير متغيّر[18]، لأنه إن كان أولاً إلهًا ثم بعد ذلك صار أبًا، فلابد بالتأكيد أنه قد حدث له تغير بسبب عملية الولادة المضافة والحادثة متأخرًا.

 

          60 ـ ليت الله يحفظنا من هذا الجنون، فإننا لم نكتب إلاّ لندحض ونفنَّد عدم تقوى الهراطقة. إن الروح التقية المتخشعة تؤكد ميلادًا ليس في الزمن، وهكذا تعلن أن الآب والابن متساويان في الأزلية، كما لا تعترف بأن الله قد خضع لأى تغيير.

 

61 ـ لذلك دعنا نقدم العبادة للآب والابن معًا ما داما متشاركان في الألوهة. لا تسمح للتجديف أن يشطر هذين اللذين قد ربطتهما الولادة معًا بقوة. دعنا نكرَّم الابن فبهذا نكرَّم الآب أيضًا كما هو مكتوب في الإنجيل[19]. إن أزلية الابن هى بهاء جلال الآب وعظمته. إن لم يكن الابن منذ البدء، فسوف يكون الآب نفسه قد لحقه التغيير؛ ولكن الابن هو منذ الأزل، لذلك فالآب لم يعتره أى تغيير، لأنه دائمًا غير متغير، لذلك فنحن نرى أن الذين ينكرون أزلية الابن سوف يعلِّمون أن الآب متغيّر.

 

الفصل العاشر

ملخص:

إن أزلية المسيح يُبرهَن عليها من تعليم الرسول. والقديس أمبروسيوس يحضنا على الاعتقاد بأن الميلاد الإلهى لا يجب أن يُفكَّر فيه بأنه على نمط التناسل البشرى، ولا يجب أن يُنظر إليه فى فضول. من ثمَّ وبسبب الصعوبات الناجمة، فإنه يرفض أن يبحث فى هذا الموضوع، ويقول إنه مهما كانت العبارات والاصطلاحات (التى يُعبَّر بها) والتى نستمدها من معرفتنا البشرية الشخصية، فهذه عندما تُستخدم فى الميلاد الإلهى، فإنه يجب علينا أن نفهمها بمعنى روحى.

 

62 ـ لدينا هنا برهان آخر يبّين بوضوح أزلية الابن. فالرسول يقول إن قوة الله والألوهة هما أزليان، وإن المسيح هو قوة الله، لأنه مكتوب أن المسيح هو: ” قوة الله وحكمة الله” (1كو23:1و24)، فإن كان المسيح هو قوة الله، فمن ثمَّ نظرًا لأن قوة الله هى أزلية فيكون المسيح أيضًا أزليًا.

 

63 ـ فأنت لا تقدر إذن أيها الهرطوقى أن تبنى عقيدة مزيفة من خلال عُرف التناسل البشرى، ولا أن تجمع مدلولات من خلال حديثنا هذا، إذ أنه لا يمكننا أن نحيط بعظمة الألوهة غير المحدودة من خلال لغتنا المحدودة، لأنه: ” ليس لعظمته استقصاء” (مز3:145). إن كنت تبحث فى أن تُعطى حسابًا عن ميلاد إنسان، فإنه يلزمك أن نحدد زمنًا، أمّا الميلاد الإلهى فهو فوق كل الأشياء، إنه يبلغ أقصى بُعده واتساعه، ويرتفع فوق كل فكر وإحساس، لأنه مكتوب: ” ليس أحد يأتى إلى الآب إلاّ بى” (يو6:14). لذلك فمهما تخيلت فيما يتعلق بالآب، حتى ولو كان أزليته، فلن تستطيع أن تدرك شيئًا عنه إلاّ بمعونة الابن، ولا يمكن لأى فهم أو إدراك أن يرتفع إلى الآب إلاّ بالابن. إن الآب يقول: ” هذا هو ابنى الحبيب” (مت5:17، مر7:9، لو35:9). عليك أن تلاحظ وتنتبه إلى أن لفظة: “هو”، أى هو كائن كما هو إلى الأبد، ومن ثمَّ فإن داود تحرك ليقول: ” يارب إن كلمتك مثبتة فى السموات إلى الأبد” (مز89:119). إن ما يثبت لا يكف عن أن يكون موجودًا وأزليًا.

 

64 ـ ولكنك قد تسألنى كيف يكون المسيح ابنًا إن لم يكن له أبٌ موجود قبله؟ وأنا بدورى أسألك كيف ومتى تظن أنت أن الابن قد وُلِدَ؟ أما بالنسبة لى فإن معرفة سر ميلاده تفوق ما يمكننى إدراكه[20]، والفكر يعجز واللسان يبكم، ودائمًا، ولست أنا فقط، ولكن الملائكة أيضًا. إنه سر أسمى من قدرة القوات (الملائكة)، وفوق الملائكة وفوق الشاروبيم والساروفيم، وفوق كل الموجودات التى لها حسٌّ وإدراكٌ، لأنه مكتوب: ” سلام المسيح الذى يفوق كل فهم” (فى7:4)، فإن كان سلام المسيح يفوق كل فهم، فكيف لا يكون هذا الميلاد العجيب فوق كل إدراك؟

 

65 ـ فعليك إذن (مثل الملائكة) أن تُغطِّى وجهك بيدك[21]، إذ لم يُعطَ لك أن تتطلَّع إلى الأسرار العجيبة! إنه من الجائز والمسموح به لنا أن نعرف أن الابن مولود، لا أن نجادل فى طريقة ميلاده. إننى لا يمكننى أن أنكر الأمر الأول، أما الثانى فإننى أخشى أن أبحث فيه، لأنه إن كان بولس يقول إن الكلمات التى سمعها عندما اختُطِف إلى السماء الثالثة لا يُنطق بها[22]، فكيف يمكننا نحن أن نشرح سر هذا الميلاد من الآب، الشيء الذى لا يمكننا أن نسمعه ولا أن نبلغه بعقلنا؟

 

66 ـ ولكنك إن كنت تجبرنى على قبول قاعدة الولادة البشرية، حتى تدعنى أسمح لك أن تقول إن الآب كان موجودًا قبل الابن، فعليك أن تفكر، هل الأمثلة التى تُستمد من المخلوقات الأرضية، تكون مناسبة لتُبيّن وتُوضح الميلاد الإلهى. فإن كنا نتكلم بحسب ما هو معتاد أن يحدث بين الناس، فإنه لا يمكنك أن تنكر أنه ـ فى الإنسان ـ فإن التغيُّرات التى تحدث فى كيان الأب (الوالد) تحدث قبل تلك التى تحدث فى أبنائه. فالأب هو الأول فى النمو، وفى الدخول فى الشيخوخة، وفى أن يحزن، وفى أن يبكى. إذن فإن كان الابن يأتى بعده فى الزمن، فالأب يكون أقدم فى الخبرة عن الابن. وإن كان الابن يُولد، فإن الوالد يفلت من عار الولادة.

 

67 ـ لماذا تجد لذة فى هذا العذاب بالأسئلة. أنت تسمع اسم ابن الله، فإمّا أن تلغيه وتبطله، أو أن تقرّ وتعترف بطبيعته الحقيقية. أنت تسمعه يتكلم عن الرحِم، فعليك أن تعترف بحقيقة الميلاد الذى لا شك فيه[23]، وتسمع عن قلبه ـ فعليك أن تعترف أنه يوجد هنا كلمة الله[24]. وعن يده اليمنى ـ فعليك أن تعترف بقوته[25]. وعن وجهه ـ فاعترف بحكمته[26]. فعندما نتكلم عن الله، فلا يجب أن نفهم هذه الكلمات، كما نفهمها حينما نتكلم عن الأجساد. إن ميلاد الابن يفوق الفهم، والآب يلد الابن بدون ألم[27]، ومع ذلك فإن الإله الحق قد وَلَدَ  الإله الحق من ذاته وولده قبل كل الدهور. الآب يحب الابن[28]، بينما أنت تفحص بقلق عن شخصه. إن الآب قد سُرَّ به[29]، أمَّا أنت فإنك تشترك مع اليهود إذ تنظر إليه بعين شريرة؛ الآب يعرف الابن[30]، وأنت تشترك مع الوثنيين بسبّك وإهانتك وشتيمتك له[31].

 

 

 

 الفصل الحادى عشر

ملخص:

      لا يمكن للكتب المقدسة إثبات أن الآب موجود قبل الابن، كما أنه لا يمكن أن تكون المجادلات المتخذة من التناسل البشرى تفيد في هذا الصدد، لأنها تُوصَّل إلى سخافات منافية للعقل ولا نهاية لها. أمَّا مَن يتجاسر ليعلّم بأن المسيح بدأ وجوده في الزمن، فهذا هو قمة التجديف.

 

68 ـ أنت تسألنى هل من الممكن أن يكون الآب سابقًا في وجوده (على الابن). وأنا أسألك أن تخبرنى متى كان الآب موجودًا دون أن يكون الابن (معه). فأى برهان يمكن أن تقدمه أو ما هى الحجج والأدلة التي تؤيد ذلك من الكتاب المقدس. فإن كنت تعتمد على أدلة (من الكتاب)، فإنك بلا شك قد تعلمت أن قوة الله أزلية. فلابد أنك قرأت الكتاب القائل: “ يا إسرائيل إن سمعت لى، فلن يكون فيك إله غريب ولا تسجد لإله أجنبى” (مز8:81و9). أول هذه الوصايا يدل على أزلية (الابن)، والثانى منها يدل على امتلاكه لنفس الطبيعة، حتى إننا لا نستطيع أن نؤمن أنه جاء إلى الوجود بعد الآب، كما لا يمكننا أن نفترض أنه ابن لإله آخر. لأنه لو لم يكن موجودًا دائمًا مع الآب، فإنه يكون إلهًا ” غريبًا ” (جديدًا)، وإن لم يكن من نفس الألوهة مع الآب، فهو يكون إلهًا ” أجنبيًا “. فالابن لم يوجد بعد الآب، لأنه ليس “إلهًا جديدًا”، ولا هو ” إله أجنبى “، لأنه مولود من الآب، ولأنه هو: ” الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد” (رو5:9) كما هو مكتوب.

 

69 ـ ولكن إن كان الآريوسيين يعتقدون فيه أنه إله أجنبى، فلماذا إذن يعبدونه بينما الكتاب يقول: ” لا تسجد لإله غريب؟ “، وإلاّ فإن كانوا لا يسجدون للابن، فليتهم إذًا يعترفون بذلك وبهذا ينتهى الموضوع، فلا يخدعون أحدًا باعترافات ديانتهم. هذه هى إذن شهادات الكتب المقدسة. أمَّا إن كان عندك شهادات أخرى، فهذا هو عملك الذي عليك أن تقوم به.

 

70 ـ دعنا الآن نتقدم أكثر لنستخلص الحقيقة من خلال البراهين والحجج. فمع أن البراهين تكون كافية عادةً للمنطق البشرى، إلاّ أن الهرطوقى لا يزال يجادل كما تفعل أنت، فأنت تقول: ” إن الاختبار يُعلّمنا أن الكائن الذي يلد هو سابق على ” الكائن المولود “، وأنا أجيب: دعنا نتتبع اختبارنا المعتاد في كل جوانبه، فإن كانت باقى الجوانب تتفق مع ما تقوله هنا، فإننى لن أعارض ادعاءك وسوف أُسلّم بما تقول، ولكن إن لم يوجد مثل هذا الاتفاق، فكيف تطالب بالموافقة على هذه النقطة الواحدة، بينما يعوزك السند في باقى الجوانب؟ فأنت باستنادك على ما هو معتاد تقول إن الابن عندما وُلِدَ من الآب كان طفلاً صغيرًا. أنت تراه طفلاً يصرخ في المهد، وبمرور السنين أخذ ينمو من قوة إلى قوة ـ لأنه لو كان ضعيفًا بخضوعه لضعف الأشياء المولودة، فلابد أيضًا (الابن) أن يكون قد سقط تحت نفس الضعف فقط، ليس من جهة الولادة فقط بل من جهة الحياة أيضًا.

 

71 ـ ولكنك ربما بهذا تجرى نحو هوة من الغباء حتى تجعلك لا تحجم عن أن تؤكد على حدوث هذه الأمور مع ابن الله، وتقيسه كما تفعل الآن، بحسب مقياس الضعف البشرى. إذن فبينما أنت لا يمكنك أن ترفض أن تعطيه اسم إله، إلاّ أنك تنزع إلى إثبات أنه إنسان بسبب الضعف؟ وماذا إن كنت وأنت تفحص شخص الابن، فإنك تتشكك في الآب، وبينما أنت تحكم بتسرع على الأول (الابن)، فإنك تضم الآخر (الآب) تحت نفس الحكم!

 

72 ـ لو كانت الولادة الإلهية خاضعة لحدود الزمن إن افترضنا هذا، باقتباس ما هو معتاد في الولادة البشرية، فإنه يتبع ذلك أن يكون الآب قد حبل بالابن في رحم جسدى، وتمخض تحت نير الحمل إلى أن انقضت عشرة أشهر. ولكن كيف يمكن أن يتم التوالد كما يحدث عادةً بدون اشتراك الجنس الآخر؟ إنك ترى أن النظام المعتاد للتوالد لم يكن هو ما حدث في البداية، وأنت تظن أن طرق التوالد العادى الذي تحكمه ضرورات معينة تخضع لها الأجساد، كانت سائدة دائمًا فيما سبق. أنت تفترض الطريق المعتاد، وأنا أسأل عن اختلاف الجنس: أنت تتمسك بوجود الزمن، وأنا أتمسك بالطريقة (طريقة الولادة)، أنت تبحث في النهاية، وأنا أبحث في البداية.

          والآن، بالتأكيد فإن النهاية تعتمد على البداية، وليست البداية هى التي تعتمد على النهاية.

 

73 ـ أنت تقول: ” إن كل ما يولد له بداية، ولأن الابن هو ابن، فلابد أن تكون له بداية، وقد أتى إلى الوجود أولاً ضمن حدود الزمن. إن هذا هو ما ينطق به فم الهراطقة. أما بالنسبة لى، فإننى أعترف أن الابن مولود، ولكن بقية كلامهم تجعلنى أرتعد. أيها الإنسان، هل تعترف بالله، وبعد ذلك تحط من كرامته بمثل هذا الافتراء؟ ليت الله ينقذنا من هذا الجنون. 

 
 
 

 

 

 

الفصل الثانى عشر

ملخص:

إن اعتراضات إضافية بخصوص ألوهة الابن تُقابَل بنفس الإجابة، وهى توضح للذهن الذكى أن هذه الاعتراضات تكون ضد الآب أيضًا بالتساوى. فإن كان الآب لا يُحد إطلاقًا، لا بزمن أو بمكان أو بأى شئ آخر مخلوق، فمثل هذه التحديدات ينبغى ألا تُفرض على الابن أيضًا، الذي ميلاده العجيب ليس هو من الآب فقط، بل ومن العذراء أيضًا. ولذلك فحيث إنه في ميلاده من الآب لم يكن هناك تمييز في الجنس (ذكر وأنثى) وما شابه ذلك، فإن هذا التمييز ليس له وجود في حالة ولادته من العذراء.

 

74 ـ إن الاعتراض التالى هو هذا: ” إن لم يكن للابن تلك الصفات التي لجميع الأبناء، فلن يكون ابنًا”. ليت الآب والابن والروح القدس يسامحونى، لأننى أعرض الاعتراض بكل خشوع وورع. بالتأكيد، فإن الآب كائن وهو دائم إلى الأبد: والأشياء المخلوقة موجودة كما رسم لها الله أن توجد. هل يوجد أىّ من هذه المخلوقات غير خاضع لحدود الزمن أو المكان أو لحقيقة أنه مخلوق، أو لعلة ما أو أصل خالق؟ بالتأكيد، لا يوجد. فماذا إذن؟ هل الله يحتاج إلى أى واحد من هذه المخلوقات؟ إن قلت هذا، فهذا هو التجديف بعينه. كفّ إذًا عن أن تنسب للألوهة ما هو خاص ومناسب فقط للموجودات المخلوقة. أما إن كنت تُصّمم على إتمام المقارنة (في الموضوع)، فتفكر مليًا إلى أين يقودك شرّك هذا. لا سمح الله لنا، حتى أن ترى نهاية هذه الأمور.

 

75 ـ نحن نؤكد على الجواب الذي تعطيه التقوى. الله كُلَّى القدرة، ولذلك فإن الله الآب لا يحتاج لأى من تلك الأشياء، إذ لا يوجد في الله أى تغيير أو احتياج إلى مثل هذه المعونة التي نحتاجها نحن. فإن ضعفنا يتم مساندته بأشياء من هذا القبيل. أمَّا الذي هو كلّى القدرة، فمن الواضح أنه غير مخلوق، وغير منحصر في مكان بعينه، وهو يتجاوز الزمن. قبل الله لم يكن شئ. حاشا، فحتى أن تتكلم عن وجود شئ قبل الله فهذا خطية فظيعة مُهلكة. إذن، فإن كنت تُسلَّم أنه لا يوجد شئ في طبيعة الله الآب يلمح إلى أنه يحتاج إلى مساندة، بسبب كونه الله، فيتبع ذلك أنه لا شئ من هذا النوع يمكن أن يُفترض أنه يوجد في ابن الله، لا شئ يدل على بداءة أو ازدياد، من حيث إنه ” إله حق من إله حق[32].

 

76 ـ وإذ نرى إذن، أننا لا نجد النظام المعتاد، سائدًا هنا، فإننا نقتنع أيها الآريوسى، بأن نؤمن بميلاد عجائبى للابن. أقول لك: كن مقتنعًا، وإن كنت لا تُصَّدقنى، فاحترم على الأقل صوت الله الذي يقول: ” بمن تشبهوننى لنتشابه؟” (إش5:46س)، وأيضًا: ” الله ليس إنسانًا فيكذب” (عد19:23). فإن كان الله حقًا يعمل بطريقة سرَّية، إذ نراه لا يعمل أى عمل، أو يصنع أى شئ، أو يُحضِره إلى كماله، بواسطة عمل اليدين أو من خلال سير الزمن، لأنه: ” أَمَرَ فَخُلِقت” (مز5:148)، فلماذا لا نصدّق أن هذا الذي نعترف به كخالق يعمل بطريقة سرية ـ مميزين طريقته هذه في مخلوقاته ـ لماذا لا نصدق أنه قد ولد ابنه أيضًا بطريقة سرية؟ إنه من المناسب، بالتأكيد أن يُعتبر أنه قد ولد ابنه بطريقة خاصة وسرَّية. فهذا الذي له الجلال المنقطع النظير، يليق به أيضًا المجد الخاص بالولادة السرَّية.

 

77 ـ وليس فقط ميلاد المسيح من الآب، بل أيضًا ميلاده من العذراء يدعو إلى تعجبنا. إنك تقول إن الميلاد الأول يكون بحسب الطريقة التي نولد بها نحن البشر. ولكننى سوف أُريك بل وسوف أضطرك أنت نفسك أن تعترف، بأن الميلاد من العذراء أيضًا لا يشبه طريقة ميلادنا نحن. أخبرنى كيف وُلد من مريم، وأى قانون يتفق مع الحمل به في رحم عذراء، كيف تكون هناك أية ولادة بدون زرع رجل، كيف يمكن لعذراء أن تحمل بطفل، وكيف صارت أمًا قبل أن تختبر مثل هذا الاتصال الذي يتم بين الزوجات وأزواجهن. إنه لا يوجد سبب منظور ـ ومع ذلك فإن ولدًا قد وُلد. كيف تم إذن هذا الميلاد تحت قانون جديد؟.

 

78 ـ فإن لم يكن هذا النظام البشرى المعروف قائمًا في حالة العذراء مريم، فكيف تطلب أنت أن تكون ولادة الله الآب لابنه بمثل الطريقة التي وُلِدتَ أنت بها؟ وبالتأكيد فإن النظام المعروف يتحقق بواسطة اختلاف الجنس، إذ أن هذا قد غُرس في طبيعة جسدنا، ولكن حيث لا يوجد جسد، فكيف يمكن أن تتوقع أن تجد ضعف الجسد. لا يستطيع أحد أن يحاكم مَن هو أفضل منه. فإن تؤمن فهذا ما أُمرتَ به دون أن يُؤذَن لك بأن تسأل أو تحاكِم، لأنه مكتوب: ” آمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا” (تك6:15). إن اللغة تقصر عن أن توضح ليس فقط ميلاد الابن بل حتى أعمال الله أيضًا، كما هو مكتوب: ” كل أعماله تنجز بالأمانة” (مز4:33س). فأعماله إذن تُصنع بأمانة، ولكن ليس ميلاده. نحن دُعينا وأُمرنا أن نؤمن، وبدلاً من أن نسأل عن ما نراه بعيوننا، نجد أنفسنا أننا نفحص ونفتش ونرتاب في ما لا نراه؟

 

الفصل الثالث عشر

ملخص:

لا يزال الحديث عن الولادة الإلهية مستمرًا فى هذا الفصل. والقديس أمبروسيوس يوضح طريقة هذا الميلاد بنفس المثال الذى استخدمه كاتب الرسالة إلى العبرانيين. ويُبيِّن وجوب الإيمان بما أُعلن باستخدام مثال نبوخذنصر والقديس بطرس. ومن خلال الرؤيا التى وُهِبت للقديس بطرس تُظهر أزلية الابن وألوهيته، وينبغى أن نصدق بطرس الرسول أكثر من معلمى الفلسفة، الذين تهاوت سلطتهم فى كل مكان ولم يعد أحد يصدقهم. ومن الجهة الأخرى، يوضح أن الآريوسيين هم كالوثنيين.

 

79 ـ سوف يُطرح السؤال: ” بأى طريقة وُلِدَ الابن؟ (فنجيب) لقد وُلِدَ كائنًا له دوام أبدى، وُلِدَ كلمة، وُلِدَ كبهاء النور الأزلى[33]. فالبهاء يكون فاعلاً فى لحظة مجيئه إلى الوجود. هذا المثل ليس من عندى ولكنه من عند الرسول (بولس). فلا تفكر إذن أنه كانت هناك لحظة من الزمان على الإطلاق كان الله فيها بدون حكمة، مثلما لم يكن هناك زمن على الإطلاق كان النور فيه بلا إشعاع. لا تحكم أيها الآريوسى على الأمور الإلهية بمقاييس بشرية، ولكن آمن بالأمور الإلهية عندما لا تجد (ما يماثلها فى) الأمور البشرية.

 

80 ـ لقد أبصر الملك الوثنى فى النار التى أُلقى فيها الثلاثة فتية اليهود ـ رابعًا معهم شبيهًا بملاك[34]، ولأنه ظن أن هذا الملاك يفوق جميع الملائكة، فإنه حكم بأنه ابن الله، وهو الذى لم يكن قد سمع عنه، ولكنه آمن به، وإبراهيم أيضًا أبصر ثلاثة وسجد لواحد[35].

 

81 ـ بطرس لما رأى موسى وإيليا على الجبل مع ابن الله، لم ينخدع بسبب طبيعتهما ومجدهما. وهو لم يسأل أحدًا منهما، إنما سأل المسيح عما يجب أن يعمله، فمع كونه قدَّم الاحترام والوقار للثلاثة، ولكنه انتظر الأمر من واحد. ولكن بسبب أنه بجهالة فكر بأن يصنع ثلاث مظال، إلاَّ أن الصوت الإلهى المهيمن الذى لله الآب قد صحح وتدارك هذا بقوله: ” هذا هو ابنى الحبيب، له اسمعوا” (مت5:17)، أى: ” لماذا تضع إخوتك العبيد على قدم المساواة مع سيدك؟”، إن ” هذا (وحده) هو ابنى”، ” موسى ليس ابنى”، ” وإيليا ليس ابنى” بل ” هذا هو ابنى“. ولم يكن الرسول غبيًا بل فهم التوبيخ، لذلك فإنه سقط على وجهه وانحنى متضعًا لصوت الآب وللجمال المُمجد الذى للابن، ولكن الابن أقامه، الذى يُسرّ بأن يقيم الساقطين[36]. وبعد هذا فإنه رأى واحدًا فقط[37]، ابن الله فقط، لأن العبيد انسحبوا، ليظهر أنه هو الرب وحده، وهو وحده الذى سُمِّى ” الابن”.

 

82 ـ ماذا إذن كان الغرض من هذه الرؤيا والتى بيّنت أن المسيح وعبيده هم غير متساوين، بل وتدل على سر، إذ ينبغى أن يصير جليًا لنا أن الناموس والأنبياء متفقون مع الإنجيل، ويعلنون أن المسيح هو ابن الله الأزلى، الذى سبق أن بُشروا به. لذلك فعندما نسمع أن الابن يخرج من الرحم، كما أن الكلمة يخرج من القلب، فليتنا نؤمن أن الابن المبارك ليس مخلوقًا بل هو مولود من الآب، ليس هو عمل صانع ماهر، ولكنه مولود الآب.

 

83 ـ فذاك الذى قال: ” هذا هو ابنى” لم يقل: ” هذا مخلوق فى الزمن” ولم يقل: ” هذا الكائن هو خليقتى، ولا هو من من صنعى، ولا هو خادمى”، ولكنه قال: ” هذا هو ابنى الذى ترونه مُمجدًا”. هذا هو إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب الذى ظهر لموسى فى العليقة[38]، والذى قال عنه موسى: “ الذى هو الكائن قد أرسلنى“. لم يكن الآب هو الذى تكلم مع موسى فى العليقة أو البرية، بل الابن. وعن موسى هذا تكلم اسطفانوس قائلاً: ” هذا هو الذى كان فى الكنيسة فى البرية مع الملاك[39]. إذن، فهذا هو الذى أعطى الناموس، والذى تكلم مع موسى قائلاً: ” أنا إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب“. هذا هو، إذن، إله الآباء البطاركة، هذا هو إله الأنبياء.

 

84 ـ لذلك، فعن الابن نحن نقرأ، فليفهم عقلك القراءة، ودع لسانك يعترف ابتعد عن المجادلات حيث يكون الإيمان مطلوبًا. دع المنطق الجدلى يهدأ حتى فى وسط مدارسه الخاصة. أنا لا أسأل ما الذى يقوله الفلاسفة، ولكننى أريد أن أعرف ماذا يعملون. إنهم يقفون مهجورين فى مدارسهم. انظر إلى نصرة الإيمان على المجادلات. إن هؤلاء الذين يجادلون بدقة، إنما يهجرهم زملاؤهم كل يوم، وأولئك الذين يؤمنون ببساطة يزدادون كل يوم. إن الذين يُصدقهم الناس الآن ليسوا هم الفلاسفة بل صيادى السمك، ليس المتمرسون فى المنطق ولكن جباة الضرائب. إن أولئك بالملذات والترف قد وضعوا ثقل العالم على أنفسهم، والآخرون بالصوم وإماتة الشهوات قد طرحوا هذا الحمل عنهم، وهكذا يبدو أن الحزن قد أخذ يربح أتباعًا أكثر من أتباع اللذة.

 

85 ـ دعنا الآن نرى إلى أى مدى يختلف الآريوسيون عن الوثنيين. إن الوثنيين يتخذون لأنفسهم آلهة مختلفة فى الجنس وغير متساوية فى القوة، بينما يؤكد الآريوسيون ويقرون (إيمانهم) بثالوث ولكن بدون تساوى فى القوة، وتنُّوع فى الألوهية. يؤكد الوثنيون أن آلهتهم قد بدأت وجودها فى زمن ما، والآريوسيون يجاهرون كاذبين أن المسيح بدأ فى الوجود فى زمن ما. ألم يصبغ الجميع عقوقهم وعدم تقواهم فى أوعية الفلسفة؟ ولكن فى الحقيقة، فإن الوثنيين يمجدون ويُرفِّعون ما يعبدونه[40]، بينما يقول الآريوسيون إن ابن الله، الذى هو إله، إنما هو مخلوق.

 

الفصل الرابع عشر

ملخص:

ابن الله ليس كائنًا مخلوقًا، هذا ما يمكن أن يُبَرهنُ عليه بالحجج التالية:

1 ـ أنه أمر تلاميذه أن يكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها وليس لنفسه.

2 ـ أن الكائن المخلوق مُستعبد للبُطل.

3 ـ أن الابن قد خلق كل الأشياء.

4 ـ أننا نقرأ عنه أنه مولود.   

5 ـ أن الفرق بين الميلاد والتبنى، كان دائمًا مفهومًا فى تلك الشواهد، التى يتضح منها أن كلا الطبيعتين ـ الإلهية والبشرية ـ متواجدتان معًا فيه.

كل الشواهد الخاصة بهذه الأمور تُثبت بواسطة تفسيرات الرسول.

 

86 ـ أعتقد أنه قد صار واضحًا الآن، لجلالتك المقدسة، أن الرب يسوع ليس مختلفًا عن الآب، كما أنه لم يبدأ وجوده أثناء الزمن. ومع ذلك، فلا يزال علينا أن ندحض تجديفًا آخر، وأن نوضح أن ابن الله ليس كائنًا مخلوقًا. نجد هنا الكلمة الحية التى نقرأها كمعين لنا، لأننا قد سمعنا العبارة التى يقول فيها الرب: ” اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر15:16). إن الذى يقول ” للخليقة كلها” لا يستثنى شيئًا، فكيف يتأتى لهم أن يدّعوا على المسيح أنه “مخلوق”؟، لأنه لو كان مخلوقًا، فهل كان يمكنه أن يأمر أن يُكرز بالإنجيل له هو نفسه؟، لذلك، فالذى يسلّم لتلاميذه عمل الكرازة للمخلوقات، ليس مخلوقًا بل خالقًا.

 

87 ـ فالمسيح، إذن، ليس كائنًا مخلوقًا، لأن الأشياء المخلوقة كما يقول الرسول: ” قد أُخضِعت للبُطل” (رو20:8)، فهل المسيح أُخضِع للبُطل؟ وأيضًا، “ فإن الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن” (رو22:8) كما يقول نفس الرسول، ماذا إذن؟ هل المسيح له نصيب فى هذا الأنين والمخاض، وهو الذى حرّرنا نحن الباكين البؤساء من الموت؟ يقول الرسول: ” الخليقة سوف تُعتق من عبودية الفساد” (رو21:8). نحن نرى إذن أنه بين الخليقة وخالقها يوجد اختلاف شاسع، لأن الخليقة مستعبدة، ” أما الرب فهو الروح، وحيث روح الرب فهناك حرية” (2كو17:3).

 

88 ـ مَن هو ذاك الذى قاد أولاً إلى هذا الضلال بإعلانه أن الذى خلق الأشياء وصنعها، يكون مخلوقًا؟ إننى أتساءل: هل الرب يخلق نفسه؟ إننا نقرأ: ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان” (انظر يو3:1). وإن كان هو هكذا، فهل هو خلق نفسه؟ نحن نقرأ : ” الله بالحكمة صنع كل شئ” (مز24:104)، ومن يستطيع أن ينكر المكتوب؟ فإن كان الأمر هكذا فكيف يمكننا أن نفترض أن الحكمة قد خُلِقت بنفسها؟

 

89 ـ إننا نقرأ أن الابن مولود، بحسب ما يقول الآب: ” مِن الرحم قبل كوكب الصبح ولدتك” (مز3:109س). ونقرأ عن ” الابن البكر”[41] وعن “الابن الوحيد”[42] فهو البكر لأنه لا يوجد أحد قبله، وهو “الابن الوحيد”، لأنه لا يوجد بعده أحد. ونقرأ أيضًا: “ وميلاده generation  من يُخبِر به” (إش8:53س). لاحظ أنه مكتوب: “ميلاده” وليس “خلقته”. وأى مجادلات يمكن أن تقف أمام شهادات عظيمة وقوية جدًا مثل هذه.

 

90 ـ وعلاوة على ذلك، فإن ابن الله يكشف الفرق بين الميلاد والنعمة عندما يقول: ” إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم” (يو17:20)[43]. فهو لم يقل: “إنى أصعد إلى أبينا”، وإنما قال: ” إنى أصعد إلى أبى وأبيكم“. هذا التمييز إنما هو برهان على الفرق، فالذى هو أب المسيح هو خالقنا نحن.

 

91 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه يقول: ” وإلهى وإلهكم“، لأنه رغم أنه هو والآب واحد، والآب هو أبوه إذ له نفس طبيعة أبيه ـ بينما قد بدأ الله أن يصير أبًا لنا بواسطة عمل الابن، ليس بفضل الطبيعة بل بالنعمة، إلاّ أنه ينبهنا هنا إلى وجود طبيعتين معًا فى المسيح، اللاهوت والناسوت، اللاهوت من أبيه، والناسوت من أمه. الأولى كائنة قبل الأشياء، والثانية مأخوذة من العذراء. بسبب الأولى ـ إذ هو يتكلم على أنه الابن، فهو يدعو الله أباه، وبعد ذلك، إذ يتكلم كإنسان، فإنه يدعوه إلهًا له.

 

92 ـ ففى الحقيقة نجد فى مواضع كثيرة، شهادات فى الكتب المقدسة تبين أن المسيح، عندما يدعو الله إلهه، فإنه يفعل هذا كإنسان، مثل: ” إلهى إلهى لماذا تركتنى” (مز1:22)[44]، وأيضًا: ” من بطن أمى أنت إلهى” (مز10:22). ففى الشاهد الأول، فإنه يتألم كإنسان، وفى الثانى، فإن إنسانًا هو الذى خرج من رحِم أمه. وهكذا، فإنه عندما يقول: ” من بطن أمى أنت إلهى“، فهو يعنى أن هذا الذى كان أبوه على الدوام، هو أيضًا إلهه من لحظة خروجه من بطن أمه.

93 ـ وهكذا نرى أننا عندما نقرأ فى الأناجيل وفى الرسائل وفى الأنبياء، فإننا نجد انه مكتوب عن المسيح أنه “مولود”، فكيف يجرؤ الآريوسيون أن يقولوا إنه مخلوق أو مصنوع؟ كان يجب عليهم فى الحقيقة أن يفكروا ويتأملوا مليًا فى هذه الشهادات، وأين يقرأوا فيها عنه أنه مخلوق أو مصنوع؟ وإذ قد بيّنا بوضوح أن ابن الله، مولود من الله، دعهم إذن يفكرون ويفحصون فيما هو مكتوب، أين قرأوا أنه مصنوع، وسوف يرون أنه لم يصر إلهًا ولكنه وُلِدَ إلهًا، وهو ابن الله، وبعد ذلك، صار إنسانًا من مريم، حسب الجسد.

 

94 ـ ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس” (غل4:4). لاحظ جيدًا القول، فإنه يقول ابنه، فهو ليس واحدًا من كثيرين، ولا هو شريك مع آخر، ولكنه ابنه الخاص. وكذلك، فإنه فى القول “ابنه”، فإن الرسول هنا يوضِّح أنه من جهة طبيعة الابن فإن ميلاده كان أزليًا، ويؤكد عنه الرسول أنه بعد ذلك صار من امرأة، حتى لا يُفهم أن الصيرورة خاصة بالألوهة، ولكن بسبب لبسه جسدًا “مصنوعًا من امرأة” بأخذه جسدًا “مصنوعًا تحت الناموس” أى بواسطة حفظ الناموس. وهكذا فإنه بينما الأولى، أى الولادة الروحية هى قبل وجود الناموس، فإن الأخرى هى بعده.

 

 

الفصل الخامس عشر

ملخص:

فى هذا الفصل شرح للآية (أع36:2) و(أمثال22:8). وأن هذه الآيات تتحدث عن إنسانية (ناسوت) المسيح فقط.

 

95 ـ إن اقتباس الهراطقة المعتاد من الكتاب المقدس للآية: ” الله جعله ربًا ومسيحًا” لن يؤدى إلى غرض أو غاية. ليت هؤلاء الجهلاء يقرأون العبارة كلها ويفهمونها، لأنه هكذا هو مكتوب: ” الله جعل يسوع هذا الذى صلبتموه أنتم ربًا ومسيحًا[45]. إنه ليس اللاهوت ولكن الجسد هو الذى صُلِب، وهذا فى الواقع ممكن لأن الجسد الذى أخذه هو قابل للصلب، ولهذا فإنه لا ينتج عن ذلك أن يكون ابن الله كائنًا مخلوقًا.

 

96 ـ دعنا نوضح بعد ذلك بسرعة تلك الآية الأخرى التى يسيئون تفسيرها ـ لكى يتعلموا ما هو معنى الكلمات: ” الله خلقنى“. إنه لم يُكتب:    ” الآب خلقنى[46]. الذى يتحدث هنا هو الجسد الذى يعترف بربه، والتسبيح يُعلِن عن الآب: إن طبيعتنا المخلوقة تعترف بالأول، وتحب الآخر وتعرفه. من إذن لا يمكنه أن يلاحظ أن هذه الكلمات تُعِلن التجسد؟ فالابن يتكلم عن نفسه كمخلوق، أى الجسد الذى يشهد به لنفسه، إنه إنسان، حينما يقول:     ” لماذا تطلبون أن تقتلونى وأنا إنسان قد كلمكم بالحق؟” (يو40:8). إنه يتكلم عن بشريته، والتى صُلِب بها ومات ودُفن.

 

97 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه لا يوجد شك أن الكاتب يتكلم عما هو آتٍ (مستقبلاً) وكأنه تمَّ فى الماضى، وهذا هو العُرف فى النبوة أن الأشياء الآتية يُذكَر كما لو كانت فى الحاضر أو قد تمت فى الماضي. ونعطى مثلاً على ذلك، ففى المزمور 22 قد قرأت : ” أقوياء باشان اكتنفتنى[47] وأيضًا: ” اقتسموا ثيابي بينهم[48]. هذا يوضحه الإنجيلي أنه إنما كُتب نبويًا عن زمن الآلام، لأنه بالنسبة لله، فإن الأشياء الآتية فى المستقبل تكون حاضرة أمامه، ولذا فإن الذى يعرف كل الأشياء قبل حدوثها تظهر له كما لو أنها تمت وانقضت، كما هو مكتوب: ” الذى صنع الأشياء التى ستكون[49].

 

98 ـ فليس من العجب إذن أن يُعلن عن مكانه أنه قد تعيّن ونُصِبَ قبل كل العوالم، إذ نرى أن الكتب المقدسة تخبرنا أنه قد تعين من قبل، أى قبل الأزمنة والدهور. إن العبارة التالية تكشف كيف أن الكلمات التى هى مضمون التساؤل تعلن عن نفسها كنبوة حقيقية عن التجسد: ” الحكمة بنت لها بيتًا، أقامت سبعة أعمدة لتُدعِّمها، وذبحت ذبحها، ومزجت خمرها فى الطاس، وأيضًا رتبت مائدتها، وأرسلت خدامها وهم ينادون بصوتٍ عالٍ، يدعون الرجال معًا وهى تقول: من هو بسيط فليمل إلىَّ” (أم1:9ـ4س). أما نرى فى الإنجيل أن جميع هذه الأشياء قد تحققت بعد التجسد، إذ أن المسيح كشف أسرار العشاء المقدس، وأرسل تلاميذه وصرخ بصوتٍ عالٍ، قائلاً: ” إن عطش أحد فليُقبل إلىّ ويشرب” (يو37:7). إذن، فما يأتى بعد ذلك إنما يجيب عما جاء قبله. ونحن نرى بأنفسنا قصة التجسد كلها مبينة وموضحة باختصار بواسطة النبوة.

 

99 ـ وتوجد مقاطع كثيرة يمكن أن نرى فيها أنها نبوات من هذا النوع بخصوص التجسد، ولكن لن أتعوّق (فى البحث) فى الكتب، لئلا يبدو البحث طويلاً جدًا.

 

 

 

 

الفصل السادس عشر

ملخص:

يُجدف الآريوسيون على المسيح إذ يفهمون كلمتَي “مخلوق” و”مولود” بنفس المعنى. ولكن لو كانوا يعتبرون الكلمات مختلفة عن بعضها فى المعنى، فعندئذ يجب ألاّ يتكلموا عن المسيح المولود كما لو كان كائنًا مخلوقًا. إن هذه القاعدة تستند على شهادة القديس بولس الذي بينما يُصرح عن نفسه أنه عبد للمسيح، فهو ينهي عن عبادة أى مخلوق. إن الله إذ هو جوهر خالص وغير مُركَّب، فلا توجد فيه طبيعة مخلوقة؛ وبالإضافة إلى ذلك، يجب ألاَّ يُحط بالابن إلى مستوى المخلوقات، فنحن نرى أن الآب قد سُرَّ به.

 

100 ـ والآن أود أن أسأل الآريوسيين بالذات إن كانوا يعتقدون أن مولود ومخلوق لهما نفس المعنى. إذا كانوا يعتبرونهما بنفس المعنى الواحد، فلا يكون هناك إذن فرق بين الولادة والخلقة. وعليه لأننا نحن أيضًا مخلوقون، فلا يكون بيننا وبين المسيح أى فرق. ومهما كان جنون الآريوسيين عظيمًا، إلاّ أنهم لن يتجاسروا أن يقولوا هذا.

 

101 ـ وبالإضافة إلى ذلك، إذا ما وافقنا على ما هو ليس حقيقيًا وأخذنا بغبائهم، أود أن أسألهم إن كان لا يوجد فرق فى الألفاظ كما يظنون، فلماذا لا ينادون الذي يعبدونه باللقب الأفضل؟ لماذا لا ينتفعون من ” كلمة الآب”؟ ولماذا يرفضون لقب الكرامة ويستعملون اسمًا مهينًا؟

 

102 ـ وإن كان يوجد مع ذلك تمييز ـ كما أظن ـ بين كلمة “مخلوق” وكلمة “مولود”، فإننا عندما نقرأ عنه أنه “مولود” ، فبالتأكيد سوف لا نفهم نفس الشيء من كلمتَي: “مولود” و”مخلوق”. دعهم إذن يعترفون به بأنه مولود begotten من الآب ومولود born من العذراء، أو فليقولوا لنا كيف أن ابن الله يمكن أن يكون مولودًا ومخلوقًا معًا؟ إن الطبيعة الواحدة التى هي فوق الكل، أى الكائن الإلهي، لا تقبل أى صراع أو تناقض (فى داخلها).

 

103 ـ على أى حال، فلندع جانبًا رأينا الخاص، ولنسأل بولس هذا الإنسان المملوء بروح الله، والذى إذ قد سبق فرأي هذه التساؤلات فإنه حكم ضد الوثنيين عامة وعلى الآريوسيين خاصة قائلاً إن الذين يعبدون المخلوق دون الخالق هم مُدانون بحسب قضاء الله. ويمكنك فى الواقع أن تقرأ: ” لذلك أسلمهم الله أيضا فى شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم الواحد مع الآخر، هؤلاء الذين استبدلوا حق الله بالكذب، وعبدوا وخدموا المخلوق دون الخالق، الذي هو الله المبارك إلى الأبد” (انظر رو25،24:1).

 

104 ـ إن بولس يمنعني أن أعبد مخلوقًا، ويحثني على عمل واجبي، بأن أعبد المسيح. يتبع ذلك أن المسيح ليس كائنًا مخلوقًا. إن الرسول يدعو نفسه: ” بولس عبد ليسوع المسيح” (رو1:1)، وهذا العبد الصالح الذي يعترف بإلهه، يريدنا بالمثل ألاّ نعبد ما هو مخلوق. كيف إذن يتأتَّى أن يكون الرسول نفسه عبدًا للمسيح لو كان بولس يعتقد أن المسيح شخص مخلوق؟ دع هؤلاء الهراطقة يكفُّون عن أن يعبدوه، هذا الذى يدعونه “كائنًا مخلوقًا” أو يسمونه مخلوقًا هذا الذي يتظاهرون أنهم يعبدونه، لئلا تحت شكل أنهم عابدون فإنهم يسقطون في عبادة رديئة، لأن ما يظهر للعيان أنه قريب هو أردأ من العدو الغريب. وكون هؤلاء القوم يستخدمون اسم المسيح لإهانة المسيح، فإن هذا يزيد إثمهم.

 

105 ـ أيُّ شارح للكتب المقدسة سنجده أفضل من رسول الأمم، ذاك الإناء المختار، والمختار من ضمن كثير من المضطهدين؟ إن ذاك الذي كان يضطهد المسيح صار يعترف به، إنه على أي حال قرأ سليمان أكثر مما فعل آريوس، وكان متعلمًا حسنًا في الناموس، ولذلك فهو لم يقل إن المسيح كان مخلوقًا، بل إنه كان مولودًا. إنه قرأ: ” لأنه قال فكان ، وأمر فخُلِقت[50]. وأنا أسأل: ” هل المسيح صُنِع بكلمة؟ خُلِق بأمر؟”.

 

106 ـ وبالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن أن توجد طبيعة مخلوقة داخل الله؟ وفى الحقيقة فإن طبيعة الله ليست مُركَّبة، ولا يمكن أن يُضاف إليه شئ، وهو لا يحوي فى طبيعته سوى ما هو إلهي فقط، يملأ كل الأشياء[51]، دون أن يختلط بأي شئ. هو يتخلل كل الأشياء، ولكن لا يتخلله شئ أبدًا. موجود بكل ملئه فى نفس اللحظة، فى السماء وعلى الأرض وفى عمق أعماق البحر[52]. هو غير مرئي للعيون ولا يُعبَّر عنه بالنطق، ولا يُقاس بالإحساس، ولكن يُقتفى أثره بالإيمان، ويُعبد بالورع، حتى إنه مهما كان هناك من ألقاب تفوق فى عمقها كل ما عُرف فى الإدراك الروحي، من حيث المجد والكرامة وعظمة القوة، فهذا عليك أن تعرف أنه يخص الله بحق.

 

107 ـ حيث إن الآب قد سُرَّ بالابن، فآمن أن الابن جدير بالآب، وأنه خرج من الآب كما يشهد هو لنفسه قائلاً: ” لأنى خرجت من قِبل الله وأتيت” (يو42:8)، وأيضًا ” من عند الله خرجت” (يو27:16). فالذي خرج من الله، أيمكن أن تكون له صفات سوى صفات الله ؟!

 

 

 

الفصل السابع عشر

 

108 ـ فمن ثمَّ فإن المسيح لا يكون إلهًا فقط، ولكن هو الله نفسه حقيقة، هو إله حق من إله حق، إذ أنه هو الحق[53]. وإن سألنا عن اسمه، فإن “الحق” هو اسمه. وإن بحثنا لنعرف مرتبته الطبيعية ومنزلته، فهو بالحق تمامًا ابن الله الحقيقي، لأنه في الحقيقة ابن الله الخاص كما هو مكتوب:    ” الذي لم يُشفق على ابنه (الخاص) بل بذلك لأجلنا أجمعين” (رو32:8). وعندما يقول “بذله” فإنه يتحدث عن الجسد، أما أن يكون ابن الله الخاص، فهذا يُعلن ألوهيته؛ وإذ هو إله حقيقي فهذا يُبيّن أنه ابن الله الذاتي؛ أما مذلته فهي بسبب خضوعه وهو في الجسد، وبسبب ذبيحته، وهي بداية طريق خلاصنا.

 

109 ـ ومع ذلك، فلئلا يُحرِّف البعض الكتب المقدسة بسبب العبارة: ” الله بذله “، فإن الرسول نفسه يقول في مكان آخر: ” سلام من الله الآب ومن ربنا يسوع المسيح الذي بذل نفسه لأجل خطايانا” (غلا3:1و4)، وأيضًا:    ” كما أحبنا المسيح أيضًا وبذل نفسه لأجلنا” (أف2:5). فإن كان الآب قد بذله، وأيضًا هو بذل نفسه من تلقاء نفسه، فمن البيِّن إذن أن إرادة وعمل الآب والابن هما واحد.

 

110 ـ فإن كنا نسأل عن تفوقه الطبيعي، فإننا نجد أن سبب ذلك هو كونه مولود، أمّا إن كنت تفكر أن ابن الله مولود (من الله) فهذا معناه أنك تفكر أنه ابن الله الذاتي؛ وكذلك أن تُنكر أن المسيح هو ابن الله الذاتي، فهذا معناه أنك تُصنِّفه مع سائر البشر ولا يكون بعد ابنًا مختلفًا عن الآخرين. أمَّا إن كنا نسأل عن خاصية ميلاده المُتميزة فهي هكذا: إنه خرج من الله. لأنه بينما نعرف من خبرتنا أن كلمة يخرج تتضمن أيضًا شيئًا موجودًا من قبل، والشيء الذي يُقال عنه إنه يخرج يظهر لنا أنه ينتقل من أماكن داخلية ومستترة، فنحن مع أننا قدَّمنا الموضوع في عبارات موجزة، إلاّ أنه علينا أن نلاحظ الخاصية المميزة للميلاد الإلهي، كون الابن لا يظهر أنه يخرج من مكان، ولكنه يخرج كإله من إله، أي كابن من أبيه، كما أنه ليست له بداية زمنية، ولكنه خرج من الآب بالميلاد. أمّا عن كونه هو نفسه مولودًا، فإنه يقول: ”  إني خرجت من فم العلي” (يشوع بن سيراخ3:24).

 

111 ـ ولكن إن كان الآريوسيون لا يعترفون بطبيعة الابن، وإن كانوا لا يؤمنون بالكتب المقدسة، دعهم على الأقل يؤمنون بالأعمال المقتدرة. ونحن نسأل لمن يقول الآب: ” نعمل الإنسان” (تك26:1) إلاّ لمن يعرف أنه ابنه الحقيقي؟ وهل يمكن للآب أن يرى صورته إّلا في هذا الواحد الحقيقي؟ إن الابن المتبنَّي ليس مثل الابن الحقيقي، وإلاّ ما كان يمكن للابن أن يقول: ” أنا والآب واحد[54] إن كان يقيس نفسه بمن هو حقيقي بينما هو نفسه غير حقيقي. لذلك فإن الآب يقول: ” نعمل الإنسان“. إن الذي يتكلم هو صادق، فهل يمكن أن الذي يعمل (معه) لا يكون صادقًا؟ هل يمكن للكرامة التي تُقدم لذاك الذي يتكلم أن تُحجز عن الذي يعمل؟

 

          112 ـ كيف يمكن للآب إن لم يكن يعرف أنه ابنه الحقيقي أن يستودعه إرادته للتعاون الكامل. وأن يستودعه أعماله ليخلق الأشياء بالفعل؟ وإذ نرى أن الابن يعمل الأعمال التي يعملها الآب، وأن الابن يُحيى من يشاء[55] كما هو مكتوب، فمن ثمَّ فهو مساوٍ في القوة وحر في إرادته، وهكذا تتأكد الوحدانية بينهما، نظرًا لأن قوة الله تكمن في أن جوهر الألوهة هو خاص بكل أقنوم، والحرية لا تعني أي اختلاف، ولكنها تكمن في وحدة المشيئة.

 

113 ـ والرسل عندما تقاذفتهم العواصف وهم في البحر، حالما رأوا المياه تقفز حول أقدام سيدهم وهم ينظرون خطواته الشجاعة غير الخائفة على الماء وهو يسير وسط أمواج البحر الثائرة، وعندما رأوا السفينة التي كانت تضربها الأمواج، وقد هدأت حالما دخلها المسيح، وأيضًا لما رأوا الأمواج والريح يطيعانه، فمع أنهم لم يكونوا قد آمنوا بعد، فقد آمنوا أنه هو ابن الله الحقيقي وقالوا: ” حقًا أنت ابن الله[56].

 

114 ـ وبالمثل فإن نفس الأمر نجده عندما اعترف قائد المائة والآخرون الذين كانوا معه لمّا عاينوا اهتزاز أساسات المسكونة وقت آلام الرب، وهذا تنكره أنت أيها الهرطوقي! قال قائد المائة: ” حقًا كان هذا ابن الله” (مت 54:27)، إنه قال: “كان” والآريوسيون يقولون: “لم يكن!”، لذلك فإن قائد المائة وبأيدي مصبوغة بالدم، ولكن بذهن ورع مخلص يفصح عن حقيقة وأزلية ميلاد المسيح كليهما، وأنت أيها الهرطوقي تُنكر حقيقة هذا الميلاد وتجعله زمنيًا! هل لطخت يداك أكثر من نفسك! ولكنك أنت غير الطاهر حتى في يديك، والقاتل عمدًا، تطلب موت المسيح الذي تترصده إذ أراك تفكر فيه كوضيع وضعيف، كلاَّ، فهذه خطية رديئة، لأنه ولو أن جوهر الألوهة غير متألم، إلاّ أنك تعمل باجتهاد لتذبح المسيح، ليس جسده ولكن مجده.

 

115 ـ لا يمكننا إذن أن نشك بأن الابن هو إله حق حيث إن ألوهته الحقة يؤمن بها حتى القتلة، والأرواح الشريرة كذلك تعترف بها. إننا لا نحتاج الآن إلى شهادتهم، ولكنها مع ذلك هي أعظم من تجاديفك. إننا استدعيناهم للشهادة لنجعلك تستحي، هذا بالإضافة إلى أننا نقتبس مما هو مكتوب في الوحي الإلهي بقصد أن نقودك إلى الإيمان.

 

116 ـ يُعلن الرب بفم إشعياء: ” وأطلب في فم الذين يخدمونني اسمًا جديدًا، الذي يبارك في كل الأرض، وسوف يباركون الإله الحق، والذين يحلفون بالإله الحق” (إش16:65س). إنني أقول إن إشعياء نطق بهذه الكلمات عندما رأي مجد الرب، وقد قيل بوضوح في الإنجيل إنه رأي مجد المسيح وتكلم عنه[57].

          اسمع أيضًا ما كتبه يوحنا البشير في رسالته قائلاً: ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق، ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح، هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية” (1يو20:5). يوحنا يسميه ابن الله الحقيقي والإله الحق، فإن كان هو الإله الحق، فبالتأكيد يكون غير مخلوق، بلا وصمة كذب أو خداع، وليس فيه اختلاط ولا عدم تماثل مع أبيه.

 

الفصل الثامن عشر

ملخص:

إن أخطاء الآريوسيين مذكورة في النصّ المحدّد لقانون الإيمان النيقاوي، حتى لا تكون لهم فرصة أن يخدعوا أي شخص. وهذه الأخطاء تُسرد بالإضافة إلى الحرم الصريح ضدهم، والذي يُقال إن النطق بهذا الحرم ضدهم لم يكن في مجمع نيقية فقط، وإنما كُرِّر مرتين أيضًا في مجمع أرمينيوم.

 

118 ـ إذن، فالمسيح هو: ” إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق؛ مولود من الآب غير مخلوق؛ له جوهر واحد مع الآب”.

 

119 ـ لذلك حقًا، إذ قد اتبع آباؤنا إرشاد الكتب المقدسة، فإنهم أعلنوا ـ بل أكثر من ذلك ـ تمسكوا، بأن مِن واجبهم أن يذكروا تلك التعاليم المُضادة للتقوى (التي للآريوسيين) في سجل قوانينهم، حتى يُكشف كفر آريوس، ولا يظهر متنكرًاـ كما لو أنه ـ يتستر بصبغة أو دهان للوجه[58]، لأن الآريوسيين يعطون لونًا مزيفًا لأفكارهم التي لا يجرؤون أن يظهروها صراحة. وبحسب ما هو متّبع في سجلات المكتوبات، فإن الهرطقة الآريوسية لا يُكشف عنها بالاسم[59]، ولكن الإدانات الصريحة الموجهة لها تجعلها ظاهرة، حتى يمكن لمن هو مدقق ومتلهف على أن يسمع عنها، أن يُحفظ من السقوط، عندما يعرف أنه قد تمَّ مسبقًا الحكم عليها وإدانتها، من قبل أن يسمع عنها، وتكون نتيجة ذلك هي أن يؤمن (بالإيمان المستقيم).

 

120 ـ ويستطرد القانون قائلاً: ” أولئك الذين يدَّعون إنه يوجد زمن لم يكن فيه ابن الله موجودًا، وإنه لم يكن موجودًا من قبل ميلاده، أو إنه خُلق من العدم، أو إنه من جوهر أو طبيعة أخرى، أو إنه قابل للتغيير، أو إنه يوجد فيه أي ظلّ دوران، فأولئك تُعلن الكنيسة الجامعة الرسولية أنهم محرومون.

 

121 ـ لقد وافقتَ يا صاحب الجلالة على أن من ينطق بمثل هذه التعاليم المنحرفة يُدان عن صواب. إنه لم يكن قرارًا بشريًا أو من مشورة بشرية أن يتقابل في مجمع مسكوني ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفًا كما بيَّنت بالتفصيل والاستفاضة من قبل[60]، كما أن عددهم هذا يبرهن على أن الرب يسوع بواسطة علامة اسمه وآلامه كان في وسط خاصته، الذين اجتمعوا باسمه[61]، لأن من خلال الرقم ثلاثمائة تتضح علامة الصليب، ومن خلال الرقم ثمانية عشر كانت علامة اسم يسوع[62].

 

122 ـ كان هذا أيضًا هو الإقرار الأول للإيمان، في مجمع أرمينيوم وكذلك في التعديل الثاني بعد هذا المجمع. وبخصوص الإقرار، فإن الخطاب المُرسل إلى الإمبراطور قنسطانطين يشهد بذلك، والمجمع الذي تلاه يوضح التصحيح[63].

 

 

 

 

 

الفصل التاسع عشر

ملخص:

اتُهِمَ آريوس بالخطأ الأول من الأخطاء المذكورة سابقًا، وقد دُحِضَ هذا الخطأ  بشهادة القديس يوحنا. إن الموت الشنيع التعيس للزعيم الهرطوقي موصوف هنا، وكذلك تُفَحص هنا باقي الأخطاء التجديفية واحدة بواحدة ويُردُّ عليها.

 

123 ـ يقول آريوس: ” كان هناك زمن لم يكن فيه ابن الله موجودًا”، ولكن الكُتب المقدسة تقول: “كان”، ولا تقول: ” لم يكن”. وعلاوة على ذلك. فإن القديس يوحنا كَتَب: ” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان مع الله، وكان الكلمة الله، هذا كان في البدء مع الله” (يو1:1ـ2). لاحظ كم مرة يظهر الفعل “كان”، بينا لم يوجد أي مكان يُذكر فيه “لم يكن”. مَن مِنْ الاثنين إذن يجب علينا أن نصدِّقه؟ القديس يوحنا الذي كان يتكئ في حضن المسيح، أم آريوس الذي غاص متمرغًا وسط أحشائه المنسكبة؟ إن تمرُّغه يجعلنا نفهم كيف أظهر آريوس نفسه ـ بتعاليمه ـ أنه كان مشابهًا ليهوذا، إذ عاقبه الله بعقاب مشابه.

 

124 ـ إن أحشاء آريوس انسكبت أيضًا خارجًا، والحياء يمنعنا أن نذكر أين حدث هذا، وهكذا فإنه انفجر مشطورًا في الوسط، وسقط منطرحًا على وجهه، وتلوثت تلك الشفاه الشريرة التي أنكر بها المسيح. لقد انشق تمامًا كما قال القديس بطرس عن يهوذا، ” لأنه اقتني حقلاً من أجرة الظلم وفِعل الشر، وإذ سقط على وجهه انشق من الوسط فانسكبت أحشاؤه كلها[64]. لم يحدث هذا الموت مصادفة، لأنه قد عوقب مثل هذا الشر بعقاب مُشابه، بهدف أن أولئك الذين ينكرون ويخونون نفس الرب سوف ينالون نفس العذاب.

 

125 ـ دعنا الآن ننتقل إلى نقاط أخرى. يقول آريوس: ” إن ابن الله لم يكن موجودًا قبل أن يُولد”، ولكن الكتب المقدسة تقول إن كل الأشياء إنما تقوم في الوجود[65] (أي خُلِقَت) عن طريق الابن، فكيف يمكن إذن لهذا الذي لم يكن موجودًا أن يمنح الوجود لغيره؟ ومرة أخرى نقول إن المجدِّف عندما يستخدم الكلمات: “عندما” و “قبل”، فهو بالتأكيد يستخدم كلمات تشير إلى الزمن. كيف يقول الآريوسيون إن الزمن كان موجودًا قبل الابن، وهناك أشياء مخلوقة في الزمن أي أنها بذلك تكون موجودة قبل الابن، بينما نعرف من الكتب المقدسة أن كل الأشياء قد خُلِقت عن طريق الابن؟

 

126 ـ يقول آريوس إن ابن الله جاء للوجود من لا شئ، فكيف يكون إذن هو ابن الله، كيف وُلد من داخل الآب، كيف نقرأ عنه أنه الكلمة الذي خرج من عند الآب كفيض[66] صادر من صميم طبيعته، إلاّ إذا أقررنا بأنه يجب أن نؤمن أنه خرج ـ كما هو مكتوب ـ من عمق أعماق أقداس الآب الذي لا يُدنى منه؟ أن يُدعى شخص ما ابنًا، فهذا يكون إما بسبب التبنى أو بسبب الطبيعة. فنحن نُسمَّى أبناء (لله) بالتبنى[67]. أما المسيح فهو ابن الله بمقتضى طبيعته الحقيقية الأزلية والدائمة. فكيف يمكن إذن لهذا الذي خلق كل الأشياء من العدم أن يكون هو نفسه مخلوقًا من العدم؟

 

127 ـ إن مَن لا يعرف ما هو مصدر الابن ليس له الابن، لذلك فإن اليهود ليس لهم الابن؛ لأنهم لم يعرفوا من أين هو، لذلك فإن الرب قال لهم: ” أنتم لا تعلمون من أين آتى[68]، وأيضًا قال: ” لستم تعرفوننى أنا ولا أبى” (يو19:8)، لأن الذي ينكر أن الابن من الآب لا يعرف الآب الذي منه (جاء) الابن، وأيضًا لا يعرف الابن لأنه لا يعرف الآب[69].

 

128 ـ يقول آريوس: [ إن الابن من طبيعة أخرى ]، ولكن أى طبيعة أخرى يمكن أن تُرفع إلى درجة المساواة مع ابن الله ـ والتي بمقتضاها يصير هو ابن الله؟! وبأى حق يلومنا الآريوسيون عندما نتكلم باليونانية عن جوهر الله بكلمة oÙs…a أو عندما نُعبِّر باللاتينية بكلمة substantia عن جوهره، إن كانوا هم أنفسهم بقولهم إن ابن الله هو من “جوهر” آخر إنما يؤكدون وجود “جوهر” إلهي.

 

129 ـ ومع أنهم يرغبون في المجادلة بخصوص استخدام الكلمات: “جوهر إلهي” أو “طبيعة إلهية”، فإنهم سوف يُدحَضون بسهولة، لأن الكتابات المقدسة القديمة إنما قد تكلَّمت عن الجوهر oÙs…a باليونانية وعن الطبيعة substantia باللاتينية. فنحن نقرأ أن القديس بطرس يقول إننا شركاء في الطبيعة الإلهية. أما إن قالوا إن الابن هو من طبيعة أخرى، فإنهم بشفاههم يردُّون على أنفسهم، لأنهم بينما يعترفون بالتعبير “طبيعة”، إلاّ أنهم يخافون منه، وهم يضعون الابن في مستوى الخلائق التي يدّعون بأنهم يرفعون الابن إلى مستوى أعلى منها.

 

130 ـ إن آريوس يدعو الابن مخلوقًا، ولكن [ليس مثل باقى المخلوقات]، ولكن في اى شئ لا تختلف المخلوقات عن بعضها؟ فالإنسان ليس ملاكًا، ولا الأرض سماء، والشمس ليست مثل الماء، ولا النور مثل الظلام (ولكنها كلها مخلوقة) ومن ثم فإن تمييز آريوس للابن إنما هو عقيم، لأنه إنما يكون كمَن أخفى ـ بصبغة حقيرة كئيبة ـ تجاديفه الغاشة والخادعة ليصطاد البسطاء.

 

131 ـ يُصَّرح آريوس بأن ابن الله يمكنه أن يتغير وينحرف، فكيف يمكن له أن يكون إلهًا إن كان هو متغيرًا، ونحن نراه يقول: “ أنا الكائن، أنا الكائن، لا أتغير[70]؟.

 

 

الفصل العشرون

 

132 ـ إنني أحتاج أن أعترف باعتراف النبي إشعياء الذي قاله قبل أن يجاهر بكلمة الرب: ” ويل لي، قد ضُرِب قلبي، لأنه وبينما أنا إنسان نجس الشفتين وساكن بين شعب نجس الشفتين، فإنني قد رأيت الملك رب الصباؤوت” (إش5:6). فإن كان إشعياء قال ” ويلٌ لي” عندما رأى رب الصباؤوت، فماذا أقول أنا عن نفسي، وأنا: ” إنسان نجس الشفتين، كُلِّفت لأبحث موضوع الميلاد الإلهي؟ كيف يحلُّ لي أن أتكلم عن أشياء أنا متخوف منها، في حين أن داود يُصلّي ليضع الله حارسًا على فمه بخصوص أمور هو يعرفها[71]. ليت واحدًا من السيرافيم يأتيني بالجمرة المشتعلة من على المذبح السماوي ويضعها في مِلقطي العهدين (القديم والجديد). ومن النار الخارجة منها يطهر شفتيّ النجستين!

 

133 ـ ولكن بينما هبط أحد السيرافيم آنئذ إلى النبي في رؤية، فإنك أيها الرب، في إعلان السر أتيت إلينا في الجسد[72]، فأنت بلا وسيط ولا عن طريق أي رسول، أنت بذاتك طهِّر ضميري من خطاياي الخفية، حتى أنا أيضًا الذي كنت قبلاً نجسًا، أصير برحمتك طاهرًا بالإيمان، وأرنم بكلمات داود: ” أرنم لك بالعود يا قدوس إسرائيل، تبتهج شفتاي إذ أرنم لك ونفسي التي فديتها” (مز22:71و23).

 

134 ـ وهكذا أيها الرب فلتترك أولئك الذين يفترون عليك ويكرهونك، ولتأتِ إلينا، مُطهرًا أذني حاكمنا الملك جراتيان وجميع من معه، الذين سوف يصل هذا الكتاب إليهم ليكون بين أيديهم، وطهّر أذنيَّ حتى لا تبقى فيها أي وصمة من وصمات الكفر التي سمعتها أذناي. طهر إذن بالتمام آذاننا، لا بماء الينبوع أو البحر أو بواسطة جداول تخر وتتموج (مياهها)، وإنما بالكلمات المطهرة كالماء، والتي هي أكثر صفاءً من أي مياه، وأنقى من أي ثلج، كما تقول الكلمات التي نطقتَ بها: ” إن كانت خطاياكم كالقرمز أجعلها تبيض كالثلج” (إش18:1).

 

135 ـ وعلاوة على ذلك، فإنه يوجد كأس مملوء من خمر عجيب، ذاك الذي تستخدمه لتطهير مخادع النفس الداخلية، كأس ليس هو من النظام العتيق[73]، ولا هو ممتلئ من عصير كرم عادي، وإنما كأس هبط إلينا من السماء إلى الأرض[74]، وهو ممتلئ من خمر عصير العنقود المُعلق بشكل بشري على خشبة الصليب، مثل العنب المُعلّق في الكرمة. من هذا العنقود يكون الخمر الذي يفرّح قلب الإنسان[75]، والذي يرفع الحزين، والذي أريجه يسكب فينا نشوة الإيمان، والعبادة والتقوى الحقيقية والنقاء.

 

136 ـ ولذلك، فبهذا الخمر أيها الرب إلهي، طهّر تمامًا الآذان الروحية لملكنا الإمبراطور، وكما أن الإنسان عندما ينتشي بالخمر العادي، فإنه يحب الراحة والهدوء، ويلقي عنه خوف الموت ولا يشعر بالأذي، ولا يبحث فيما يخص الآخرين بل ينسى ما لهم، هكذا هو أيضًا أعطِه أن يسكر بخمرك؛ فيحب السلام، وإذ هو مؤتمن على رفعة الإيمان، لا يناله موت الكفرة غير المؤمنين، ولينشر الصبر المملوء محبة، ولا يشترك في تجاديف الناس الآخرين، بل يتمسك بالإيمان أكثر من تمسكه بالأسرة والأشقاء والأولاد، كما هو مكتوب: ” اترك كل ما لك واتبعني[76].

 

137 ـ بهذا الخمر، أيها الرب يسوع، طهر أيضًا حواسنا، لكي نمجدك ونعبدك أنت خالق كل الأشياء المنظورة وغير المنظورة. أنت دائمًا بالحق غير منظور وأنت دائمًا صالح، أنت الذي أعطيت خلائقك أن تكون غير منظورة وصالحة[77].

 

[1]  كان أونوميوس فى وقت ما أسقفًا على سيزيكوس Cyzicus، واشتهر عام 355م، وعلّم ـ مثل آريوس أن الابن مخلوق، مع أنه أول وأكمل مخلوقات الله، وعمله هو أن يرشد الخلائق الأخرى إلى معرفة مصدر وجودهم. فالدين إذن من وجهة نظره يتكون من فهم عقلى كامل لمبدأ فائق للطبيعة وليس أكثر من هذا، واعتبر أن ميلاد الابن حدث فى الزمن وليس قبل الزمن. أمّا النقطة التى ذهب بها أونوميوس أبعد من آريوس فكانت هى إثبات إمكانية إدراك العقل البشرى للجوهر الإلهى، وقال إن أولئك الذين يُصرِّحون بأن الله فى جوهره لا يُدرَك بالعقل، والذين يُعلِّمون أنه إنما يُعرف جزئيًا وبعلامات ودلائل، إنما هم يُعلِّمون (الناس) إلهًا غير معروف، وينكرون كل معرفة ممكنة لله، ولذلك حيث إنه بدون معرفة الله لا يمكن أن توجد مسيحية، فهؤلاء لا يستخدمون أيضًا اسم مسيحيين.

[2] كان إتيوس هو معلم أونوميوس وأصبح أسقفًا على إنطاكية، الكرسى الذى ضُمن له بواسطة الآريوسي أودوكسيوس Eudoxius والذى تمكن من الحصول على (كرسى) سيزيكوس لأونوميوس. وعلى أى حال فإن كلاً من إتيوس وأونوميوس قد عُزلا حوالى عام 360م.

[3] كان ديموفيلوس أسقفًا على القسطنطينية أيام الإمبراطور فالنس (378م)، ولكن عند تبوّأ الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير، فإنه اضطر إلى ترك كرسيه، الذى أُعطى إلى غريغوريوس النزينزى.

[4] 1كو13:1.

[5] يرى هيراكلس Hercules أنه من المستحيل قتل الطحلب الهدرا (نوع من أنواع ثعابين البحر الغريبة والضخمة) الموجود فى المستنقعات الليرنية Lernean marshes بمجرد ضربها فقط على الرأس، من حيث إنه حتى إذا قُطع جزء منها، فإن اثنين ينميان مكانه للتو، لذلك يصبح من اللازم تجفيف الجرح بالنار، كما أنه يوجد واحد من رؤوسها دون أن يموت، ويقول هيراكلس إنه يمكن التخلص منه فقط بسحقه تحت صخرة كبيرة.

[6] المقصود بنوته للآب، وهنا يشير القديس أمبروسيوس إلى كولوسى15:1.

[7] قارن يوحنا45:12 ” والذى يرانى يرى الذى أرسلنى“.

[8] إن بهاء أو ضياء أىّ جسم يظل موجودًا طالما أن هذا الجسم موجود؛ ولأن الآب أزلى فالابن الذى هو بهاؤه يجب أن يكون هو أزليًا أيضًا.

[9] انظر يو9:14ـ10.

[10] أو من يرى الآب فى الابن يراه كما فى صورة شخصية Portrait.

[11]  المسيح هو : الحق : يو6:14؛ البر: إر16،33، إر6:23، 1كو30:1؛ قوة الله: 1كو24:1.

[12] المسيح هو: الكلمة: انظر يو1:1ـ18؛ الحكمة: 1كو24:1، 1كو30:1؛ القيامة والحياة: يو25:11.

[13] يقصد الآب .

[14]  يقصد الابن .

[15] يقصد القديس يوحنا الرسول لأنه كان صيادًا للسمك.

[16] السابيلية تضعف التمييز بين الأقانيم الثلاثة في اللاهوت، وتجعله مجرد تمييز أشكال متعددة لنفس الشخص. إنهم لا يقسمون الجوهر ولكنهم خلطوا الأقانيم.

[17] كان أونوميوس معلِّمًا وقائدًا آريوسيًا، والبرهان والحُجَّة المبسوطتان ضده هنا مِن المناسب أن توجه أيضًا ضد آريوس نفسه.

[18] فكيف تتعامل مع مثل هذه الشواهد: ” أنت أنت وسنوك لن تفنى“، ” أنا هو الرب، أنا لا أتغير، فأنتم يا أبناء يعقوب لن تهلكوا“، ” أبى الأنوار الذي ليس عنده تغيير ولا ظل دوران“.

[19] يو23:5 ” لكى يكرم الجميع الابن كما يكرمون الآب، مَن لا يكرم الابن لا يُكرم الآب الذي أرسله“.

[20] مز6:139: ” عجيبة هذه المعرفة فوقى، ارتَفَعَتْ لا أستطيعها“.

[21] قارن إشعياء5:6.

[22] 2كو2:12ـ5.

[23] قد يكون الشاهد هنا هو إش5:49س ” والآن قال الرب جابلى من الرحم (البطن)“.

[24] 1صم14:13 ” .. قد انتخب الرب لنفسه رجلاً حسب قلبه ..” .

[25] مز2:97 ” أحيَت (خلَّصت) له يمينه وذراعه القدوسة .. “.

[26] مز9:27 ” لا تحجب وجهك عنى ..” .

[27] أى دون أن يعتريه أى تغيير فى نفسه.

[28] يو20:5 ” لأن الآب يحب الابن “.

[29] انظر مت17:3، مر11:1، لو22:3.

[30] انظر يو22:5و23، يو35:3، يو1:17و2و5.

[31] انظر لو36:23و37.

[32] انظر قانون الإيمان النيقاوى.

[33] انظر عب3:1

[34] انظر دا25:3.

[35] تك1:18ـ3.

[36] مت6:17ـ8.

[37] مت7:17.

[38] خر14:3.

[39] أع38:7.

[40] المقصود بهذا الكلام أن الوثنيين يعبدون آلهة غير حقيقية، ولكنهم على الأقل لديهم الاحتشام والتوقير ليعتبروها فى درجة أعلى من المخلوقات البشرية، ولا ينقصون بعناد من قدرها.

[41] كو15:1.

[42] يو14:1.

[43] النعمة التى يتكلم عنها القديس أمبروسيوس هى نعمة التبنى. إن يسوع المسيح هو ابن الله “بالطبيعة” (fÚsi) أمّا نحن فأبناء الله “بالتبنى” (uƒoqes…v).

[44] وانظر مت46:27، مر24:15.

[45] أع36:2، وقارن 1يو3:4

[46] أم22:8س وفى العبرية: ” الله قنانى“.

[47] مز12:22، قارن مت36:27، لو35:23.

[48] مز18:22، قارن مت35:37، مر24:15، لو34:23، يو23:19، 24.

[49] إش11:45س، أما بحسب الترجمة العبرية فإن النص هو: ” اسألوني عن الآتيات“.

[50] مز9:33، مز5:148.

[51] عد21:14 ” ولكن حيٌّ أنا فتُملأ كل الأرض من مجد الرب“.

[52] مز19:72 ” ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتلئ الأرض كلها من مجده“؛ إش3:6 “ وهذا نادي ذاك وقال: قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض“؛ زك9:14 ” ويكون الرب ملكًا على كل الأرض، في ذلك اليوم يكون الرب وحده واسمه وحده“.

[53]  يو6:14.

[54] انظر يو30:10.

[55] انظر يو19:5و21.

[56] انظر مت33:14.

[57] انظر يو41:12.

[58] يقصد القديس أمبروسيوس أن كُفر الآريوسيين يحاولون أن يخفوا حقيقته، تمامًا كما تحاول النسوة إخفاء حقيقة وجوههن باستخدام الأصباغ والدهانات للوجه، هذه الأمور التي كانت منتشرة في الشرق وانتقلت إلى اليونان (اقرأ عن إيزابل عندما كحلت بالأُثمد عينيها 2مل30:9 وأيضًا حز40:23).

[59] يتبع القديس هنا ما هو جارٍ في سجلات مجلس الشيوخ في القديم، عندما كان يُصمت عن ذكر شخص ما، وتُسقط الكتابة عنه، ويُفهم أن سبب الإبعاد غالبًا ما يكون تدنيًا أخلاقيًا خطيرًا. هكذا بالمثل لا يُذكر آريوس أو الآريوسية صراحة بالاسم، حتى لا تُدان بشكل صريح.

[60] انظر الفصلين الثالث والخامس.

[61] انظر مت20:18.

[62] انظر الفصلين الثالث والخامس.

[63] عُقد مجمع أرمينيوم عام 359م إبان حكم الإمبراطور قنسطنطيوس، وحضره أكثر من أربعمائة أسقف، وهؤلاء أعلموا الإمبراطور أنهم مصمِّمون على ألاّ يسمحوا بأي تغيير بخصوص ما قُرِّر في مجمع نيقية، وهذا هو المعروف بـ ” الإقرار الأول “. ولكن مع ذلك فإن هذا الإقرار لم يُحافظ عليه طويلاً، لأن الأساقفة، إلى حدٍّ ما، بسبب إرهاب الإمبراطور، وجزئيًا بسبب أنهم خُدعوا من الآريوسيين، فإنهم وافقوا على أن يحذفوا الكلمات: ” طبيعة Substance” و” من نفس الجوهر Consubstantial”، ولكن بعد هذا كان “التصحيح” والذي يسميه القديس أمبروسيوس “الثاني”، والذي تمَّ إما بأولئك الأساقفة الذين إذ عرفوا خطأهم سحبوا قرارات المجمع الذي عُقد في أرمينيوم، أو بواسطة المجامع التي تلته، وبالتحديد مجامع الأسكندرية (الذي ترأسه القديس أثناسيوس) وباريس   (362م) وروما (الذي ترأسه داماسوس عام 369م).

[64] أع18:1. يبدو أن آريوس انتابته إصابة مرعبة بالكوليرا أو بميكروب من نفس النوع. انظر:

Newman, Arians of the Fourth century chII:2 & Robertson, History of The Christian Church: vol. I, pp 301-2, ed. 1875.

[65] كو17:1 ” فيه يقوم الكل “.

[66] مز1:45س “فاض قلبى بكلام صالح”

[67] غل4:4ـ5 “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه: مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لننال التبنى“.

[68] انظر يو14:8

[69] انظر 1يو23:2

[70] قارن خر14:3 ” أهيه الذي أهيه” أى “أكون الذي أكون” مع ملا6:3 “ أنا الرب لا أتغيَّر“، حيث يجمعهما القديس أمبروسيوس في تعبير واحد.

[71] مز1:39و2، 3:141و4.

[72] يقابل القديس أمبروسيوس ظهور السيرافيم لإشعياء بظهور الرب للناس في الجسد في حياتهم اليومية، انظر إش6:6و7، 1تي16:3.

[73] يقصد بهذا، أنه غير متوفر في الطقس الموسوي، وأيضًا لا يختص بالخليقة القديمة، وإنما هو عربون وسبق للجديد (رؤ5:21) ” وقال الجالس على العرش، ها أنا أصنع كل شئ جديدًا“.

[74] انظر يو32:6 و 50ـ51.

[75] قض13:9 ” فقالت لها الكرمة أ أترك مسطاري (خمرى) الذي يُفرِّح الله والناس“.

[76] انظر مت21:19 ” اذهب وبع أملاكك … وتعال اتبعني“.

[77] انظر كو15:1و16.

 

شرح الإيمان المسيحى ج2 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

 

الكتاب الأول

مقدمة

 

         1 ـ نقرأ فى كتاب الملوك أن ملكة الجنوب قد أتت لتسمع حكمة سليمان[1] ونقرأ أن الملك حيرام أرسل إلى الملك سليمان ليختبره[2]، وهكذا فإن جلالتك المقدس إذ قد تتبَّعت هذه الأمثلة القديمة، فقد قررت أن تسمع مني الاعتراف بالإيمان. ولكنى لست سليمان حتى تتعجب من حكمتي، كما أن جلالتكم أوغسطس وحاكم العالم كله، والذى طلب مني القيام بوضع (بنود) الإيمان فى كتاب، وهذا ليس بقصد تعليم فخامتكم ، ولكن لكى ينال الكتاب موافقتكم.

 

         2 ـ فلأي سبب أيها الإمبراطور أوغسطس تتوجه جلالتكم لتتعلم الإيمان، هذا الذي منذ طفولتكم المبكرة قد حفظتموه بتقوى وبمحبة؟ كما يقول الكتاب: ” قبلما صوَّرتك فى البطن عرفتك، وقبلما خرجت من الرحم قدَّستك” (إر5:1). فالتقديس إذن لا يأتى من التقليد ولكن من عمل الروح، لذلك اسهر على مواهب الله وحافظ عليها، هذه التى وإن لم يُعلِّمك إياها أحد من الناس، ولكن بالتأكيد فإن الله هو الذى منحك وألهمك إياها..

 

          3 ـ إن جلالتك المقدس، وأنتم قاصدون الذهاب إلى الحرب تطلبون منى كتابًا لأفسّر وأشرح فيه الإيمان، وأنتم تعلمون أن إحراز الانتصارات إنما يكون بالإيمان بالقائد، أكثر من شجاعة الجنود. إن إبراهيم دخل المعركة ومعه 318 رجلاً[3]، واسترد الغنائم من الأعداء الكثيرين، وبقوة تلك التى هى كانت إشارة إلى صليب مخلصنا واسمه[4]، قَهَر قوة خمسة ملوك مع جيوشهم، فإنه انتقم لجيرانه ونال النصرة وفدى ابن أخيه (أى لوط).

          وبالمثل فإن يشوع بن نون عندما لم يستطع أن يتغلب على العدو بقوة كل جيشه[5]، فإنه انتصر بصوت سبعة أبواق مقدسة فى المكان الذى أبصر فيه وتعرَّف على رئيس جند السماء[6]. فجلالتكم الآن تُعدُّون للانتصار إذ أنك أنت خادم المسيح المخلص، والمدافع عن الإيمان الذى تطلب منى جلالتكم أن أقدمه لكم مكتوبًا فى كتاب.

 

         4 ـ وحقيقةً سوف آخذ على عاتقى واجب الوعظ للمحافظة على الإيمان أكثر من أسلوب الجدل حول الإيمان.. لأن الأسلوب الأول (الوعظ) يعنى الاعتراف بالإيمان بتقوى وورع، بينا الأسلوب الثانى (الجدل) يكون عرضة إلى افتراضات طائشة متهورة. ونظرًا لأن جلالتكم لستم فى حاجة إلى وعظ، فإنى لا أطلب الاعتذار عن واجب الولاء لكم (بالكتابة)، بل سوف آخذ على عاتقى القيام بعمل جرئ، ولكنه فى نفس الوقت معتدل وبسيط، لا يعتمد كثيرًا على العقل والجدال بخصوص الإيمان، بقدر ما يعتمد على جمع عددًا كبيرًا من الشواهد معًا[7].

 

          5 ـ وكذلك من خلال أعمال المجامع المسكونية، فسوف أجعل أحدها هو دليلى الأساسى، وهو الذى قرَّره الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا[8]، الذين هم على مثال الذين خرجوا مع إبراهيم (للحرب)، ليكون قرارهم (إن جاز القول) نصب يُقام لإعلان انتصارهم على الكفر[9] فى كل العالم، هذا الانتصار الذى ساد بسبب قوة الإيمان الذى اتفق عليه الجميع، وحقًا كما يبدو لى، فإنه يمكن للمرء أن يرى يد الله فى هذا، نظرًا لأن العدد الذى كان له سلطة القرار فى مجمعنا بخصوص الإيمان، هو نفسه كان مثالاً للولاء فى السجلات القديمة (يقصد سفر التكوين بخصوص إبراهيم).

 

 

 الفصل الأول

ملخص:

      يُميِّز الكاتب بين الإيمان وبين أخطاء الوثنيين واليهود، وبعد أن يشرح مغزى الأسماء: الله فى الآب، فإنه يبين بوضوح الفرق بين الأقانيم Persons فى وحدة الجوهر. إن الآريوسيين بتقسيمهم للجوهر، لا يدخلون فقط الاعتقاد بثلاثة آلهة ، بل يُسقطون أيضًا ربوبية الثالوث.

 

          6 ـ وهذا هو بيان وإقرار إيماننا، نحن نقول إن الله واحد، ونحن لا نفصل ابنه عنه كما يفعل الوثنيون[10]؛ ولا ننكر ـ كما يفعل اليهود، أن الابن مولود من الآب قبل كل الدهور، وبعد ذلك وُلد من العذراء، كما أننا لسنا مثل سابيليوس[11] الذى خلط الآب مع الكلمة وبهذا يؤكد ويدافع عن أن الآب والابن هما ذات ونفس الشخص. وأيضًا ليس كما فعل فوتينوس[12] Photinus الذى يتمسك بأن الابن بدأ وجوده فى بطن العذراء. ولا نعتقد مع آريوس[13] فى وجود سلطات متعددة، وبهذا فهو مثل الوثنيين ـ الذين يعيشون فى الجهل والظلام ـ وهكذا يكون عند آريوس أكثر من إله واحد. أما الوحى فيقول: ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك إله واحد“.

 

          7 ـ إن إله ورب هما اسم للجلالة (الإلهية)، اسم للقوة، كما يقول الله نفسه: ” يهوه…، هذا اسمي” (خر15:3)، وكما يعلن النبى فى موضع آخر: ” أنا الرب، هذا اسمي” (إش8:42). لذلك فالله يكون “هو”، كما أنه الرب، وهذا إما بسبب أن سلطانه هو على الكل، أو لأن هو ضابط كل الأشياء، والجميع يخشونه بلا استثناء.

 

          8 ـ إذن ، إن كان الله واحدًا، فواحد هو الاسم، وواحدة هى القوة التى للثالوث. والمسيح نفسه قال بحق: ” اذهبوا عمّدوا الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28). لاحظ أنه يقول باسم وليس بأسماء .

 

          9 ـ وأكثر من هذا ، فإن المسيح نفسه يقول: ” أنا والآب (نحن معًا) واحد“، وهو يقول واحد حتى لا يكون هناك انفصال فى القوة والطبيعة، ولكن لاحظ مرة أخرى انه يقول: “نحن” (يقصد الآب والابن)، حتى يمكنك أن تتعرف على وجود الآب والابن نظرًا لأننا نؤمن أن الآب الكامل قد ولد الابن الكامل، وأن الآب والابن هما واحد، وليس باختلاط الأشخاص ولكن بوحدانية الطبيعة.

 

          10 ـ لذلك نحن نقول إنه يوجد إله واحد وليس إلهان أو ثلاثة. لأنه من الخطأ القول بوجود ثلاثة آلهة لأن هذا ما وقعت فيه هرطقة الآريوسيين الكفرة، عديمة التقوى، بما فيها من تجاديف، وبهذا فإنها تقسّم ألوهية الثالوث، بينما فى قول الرب: ” اذهبوا عمّدوا جميع الأمم باسم الآب والابن والروح القدس” يُوضِّح أن الثالوث هو قوة واحدة. نحن نعترف بالآب والابن والروح، وبذلك نفهم كمال ملء الألوهية وكمال وحدة القوة، فى ثالوث كامل.

 

          11 ـ يقول الرب: ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب سريعًا“. إن مملكة الثالوث لا تنقسم، فإن كانت غير منقسمة فهى واحدة، لأن ما ليس هو واحد فهو منقسم، أما الآريوسيون فيريدون أن تكون مملكة الثالوث من النوع الذى يخرب بسهولة، بأن يجعلوها تنقسم على نفسها. ولكن إذ نحن نرى بالحق أنها لا يمكن أن تخرب ، فمن الواضح أنها غير منقسمة. لأنه لا توجد وحدانية تنقسم أو تنشطر إلى نصفين، لذلك فلا الزمن ولا الفناء يقوى عليها.

 

 

الفصل الثانى

ملخَّص:

      يحضّ الإمبراطور ليظهر غيرة على الإيمان، إن ألوهية المسيح الكاملة تتضح من خلال وحدة الإرادة والعمل اللذين له مع الآب. إن صفات الألوهية يُبيَّن أنها خاصة بالمسيح ولائقة به، وهو الذى تبرهن ألقابه المختلفة على وحدته الجوهرية (مع الآب) مع تمايز الأشخاص  ولا يمكن أن يحافظ على وحدانية الله بأية طريقة أخرى.

 

12ـ يقول الكتاب: ” ليس كل مَن يقول لى يارب يارب يدخل ملكوت السموات” (مت21:7). فالإيمان إذن أيها الإمبراطور الجليل لا يجب أن يكون مجرد عمل نؤديه، لأنه مكتوب: ” غيرة بيتك أكلتنى[14]. دعنا إذن بروح مؤمنة مخلصة، نصلى ليسوع الرب، دعنا نؤمن أنه إله، وغايتنا من هذا هى أن كل ما نسأله من الآب باسمه يعطينا[15]، لأن هذه هى مشيئة الآب أن التوسل إليه يكون عن طريق الابن، الابن الذى به نتوسل إلى الآب[16].

 

13ـ إن نعمة طاعته تناسب وتوافق تعليمنا، وأعمال قوته تتوافق أيضًا مع هذا التعليم. لأن مهما كانت الأشياء التى يعملها الآب، فهى نفسها التى يعملها الابن كذلك[17]. إن الابن يعمل نفس الأشياء، ويعمل بطريقة مماثلة، ولكن الابن يعمل بحسب مشيئة الآب في الشئ الذى يريد أن يفعله حتى يمكنك أن تفهم، ليس أنه لا يمكنه أن يعمل بطريقة أخرى، بل يمكنك أن تفهم أن هناك قوة واحدة تظهر للعيان. إذن فينبغى أن يكرّم ابن الله ويُعبد حقيقة، الذى بقوة لاهوته قد وضع أساسات العالم وبطاعته هذب مشاعرنا[18].

 

14ـ لذلك يجب أن نؤمن أن الله صالح، أبدى، كامل، كُلَّى القدرة، وحق مثلما يظهر لنا من خلال الناموس والأنبياء وبقية الكتب المقدسة، وبخلاف ذلك لا يوجد إله[19]. لأن الذى هو إله لا يمكن أن يكون إلاّ صالحًا، لأننا نرى أن كمال الصلاح هو من طبيعة الله[20]. كما أنه لا يمكن لله الذى خلق الزمن أن يكون زمنيًا (خاضعًا للزمن) ، وأيضًا لا يمكن أن يكون الله غير كامل، فواضح أن أى كائن أدنى هو غير كامل، إذ نرى أنه ينقصه شئ يمكنه به أن يصير مساويًا لمن هو أعظم منه. هذا إذن هو تعليم إيماننا، وهو أن الله صالح، وأنه لا يوجد شئ مستحيل عند الله، وأن الله لم يوجد في الزمن، وأن الله أعلا من كل الكائنات. وإن كنت على خطأ، فدع خصومى يبرهنون على خطأى.

 

15ـ إذن، فإذ نرى أن المسيح هو الله، فتبعًا لذلك فهو صالح وكُلِّى القدرة وأبدى وكامل وحق ، لأن هذه الخاصيات تخص الطبيعة الجوهرية للألوهية. دع خصومنا ينكرون الطبيعة الإلهية التى في المسيح، وإلاّ فإنه لا يمكنهم أن يرفضوا بالنسبة لله، ما هو خاص بالطبيعة الإلهية ولائق بها.

 

16ـ علاوة على ذلك، وحتى لا يقع أحد في خطأ، ليت الإنسان يصغى لتلك العلامات التى أعطتها لنا الكتب المقدسة، والتى يمكننا بها أن نعرف الابن. إنه يُسّمى الكلمة والابن وقوة الله وحكمة الله[21]. فهو الكلمة لأنه بلا لوم، وهو القوة لأنه كامل، وهو الابن لأنه مولود من الآب، وهو الحكمة لأنه واحد مع الآب، واحد في الأبدية، واحد في الألوهية. ليس أن الآب شخص واحد مع الابن، فبين الآب والابن يوجد تمايز واضح، ناتج عن الولادة[22]. هكذا المسيح هو إله من إله، أبدى دائم من أبدى دائم، الملء من الملء[23].

 

17ـ والآن فإن هذه ليست هى مجرد أسماء، إنما علامات قوة تُعلن نفسها من خلال الأعمال، لأنه بينما يوجد ملء الألوهية في الآب، فإنه يوجد أيضًا ملء الألوهية في الابن، ليسا مختلفين، بل هما واحد. إن اللاهوت ليس شيئًا به اختلاط، إذ أنه وحدة، وليس متعددًا (في الجوهر)، لأنه لا اختلاف في الجوهر.

 

18ـ وعلاوة على ذلك، إن كان قد كُتب بخصوص جميع الذين آمنوا أنه كان لهم نفس واحدة وقلب واحد[24]، “وإن كان كل واحد يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا” (1كو17:6) كما يقول الرسول، وإن كان الرجل وزوجته يكونان جسدًا واحدًا[25]، وإن كنا نحن جميعنا البشر المائتين بحسب طبيعتنا المشتركة نكون من جوهر واحد. وإن كان هذا هو ما يقوله الكتاب المقدس بخصوص الإنسان المخلوق، إنه وإن كان متعددًا لكنه واحد[26]، وهو الذى لا يمكن أن يُقارن بالأقانيم الإلهية، فكم بالحرى يكون الآب والابن واحدًا في الألوهية، وهما اللذان لا يوجد بينهما أى اختلاف في الجوهر أو المشيئة !

 

19ـ لأنه بأى كيفية أخرى يمكننا أن نقول إن الله واحد؟ إن الألوهية تحوى التعدد، ولكن وحدة القدرة تمنع وتُعارض كمية العدد، إذ أننا نرى أن الوحدة ليست عددًا؛ ولكن هى نفسها أصل ومبدأ جميع الأعداد.

 

 

 

الفصل الثالث

       ملخَّص:

من الشواهد التى تُجمع من الكتب المقدسة، يمكن البرهنة على وحدانية الآب والابن. وأولاً فإنه تؤخذ آية من كتاب إشعياء وتُقارن مع آيات أخرى وتُفَّسر بطريقة لتبين أنه لا يوجد اختلاف في طبيعة الابن عن طبيعة الآب، إلاّ فيما ما يتعلق بالجسد، ويتبع هذا أن اللاهوت في الأقنومين واحد، وهذا الاستنتاج يُصَّدق عليه بالرجوع إلى سفر باروخ.

 

20ـ والآن فإن أقوال الأنبياء تشهد أيّة وحدة قوية توضح الكتب المقدسة أنها تقوم بين الآب والابن فيما يخص ألوهيتهما. لأنه هكذا يقول رب الصباؤوت[27]: ” تعب مصر وتجارة الأثيوبيون والسبئيون الرجال الأقوياء يعبرون إليك، ويصيرون عبيدك، وخلفك يتبعون، وهم مربوطون بالقيود ويسجدون أمامك، وإليك يتضرعون لأن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك لأنك أنت الله، ولا نعرف آخر يا إله إسرائيل” (إش14:45).

 

21ـ اسمع صوت النبى:” إن الله فيك، ولا يوجد إله آخر معك“. كيف يتفق هذا مع تعليم الآريوسيين؟ يجب عليهم أن ينكروا إما ألوهية الآب أو الابن إن لم يؤمنوا ـ مرة واحدة ـ بوحدة نفس الألوهية.

 

22ـ يقول: ” لأن الله فيك“، لأن الآب في الابن، لأنه مكتوب:” الآب الحال فىَّ هو نفسه يتكلم“، وأيضًا:” الأعمال التى أعملها هو نفسه أيضًا يعملها” (يو10:14)، وأيضًا نقرأ ثانية أن الابن في الآب:” إنى أنا في الآب والآب فىَّ” (يو10:14). دع الآريوسيين إن استطاعوا أن يزعزعوا هذه الوحدة التى في الطبيعة وفي العمل.

 

23ـ لذلك فإنه يوجد إله، وليس إلهان، لأنه مكتوب أنه يوجد إله واحد[28]، ورب في رب[29]، ولكن ليس ربَّان، لأنه بخصوص هذا قد كتب:  “ لا تخدم سّيدين (رّبين)” (مت24:6)، ويقول الناموس ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد” (تث4:6)، وكذلك في نفس العهد مكتوب: ” فأمطر الرب من عند الرب” (تك24:19)، وبالمثل يمكنك أن تقرأ في سفر التكوين: “ وقال الله… فعمل الله” (تك6:1و7)، وفي مكان آخر قبل ذلك يقول: ” فخلق الله الإنسان على صورة الله” (تك26:1و27)، إذن ليس هناك إلهان ولكن إله واحد الذى خلق الإنسان. ففى أى وضع كما في الآخر، فإن وحدة العمل والاسم تظل مؤكدة، لأنه بالضرورة عندما نقرأ: ” إله من إله”[30]، فنحن لا نتكلم عن إلهين.

 

24ـ مرة أخرى، فإنك تقرأ في المزمور الرابع والأربعين[31] كيف أن النبى يدعو ليس فقط الآب إلهًا بل يدعو أيضًا الابن إلهًا، حيث يقول:       ” كرسيك يا الله إلى دهر الدهور” [مز44(45):6]، وعلاوة على ذلك:     “ الله (الذى هو) إلهك قد مسحك بزيت البهجة أفضل من رفقائك” [مز44(45):7]. الله هذا هو الذى يَمسَح، والله الذى هو في الجسد والذى يُمسَح هو ابن الله، لأنه أى رفقاء للمسيح في مسحته سوى أولئك الذين صاروا له وهو في الجسد؟ فأنت ترى إذن أن الله يُمسَح بواسطة الله، ولكنه إذ يُمسَح وهو متخذ الطبيعة البشرية فإنه يُكرز به أنه “ابن الله”، إذن أساس الناموس لم ينكسر.

 

25ـ لذلك أيضًا عندما تقرأ: ” الرب أمطر من عند الرب“، فإنك تُقِرُّ وتعترف بوحدانية الألوهة، لأن الوحدانية في العمل لا تسمح بأكثر من إله واحد قائم بذاته، كما أوضح ذلك الرب نفسه بقوله: ” صدَّقونى أنى أنا في الآب والآب فىَّ، وإلاّ فصدقونى بسبب الأعمال نفسها” (يو38:10، 11:14). هنا نرى أيضًا وحدانية الألوهة مُعبَّرًا عنها بوحدانية العمل.

 

26ـ والرسول وهو يثبت بعناية أنه يوجد لاهوت واحد  للآب والابن معًا، وربوبية واحدة ـ حتى لا نندفع نحو أى خطأ، سواء نحو الوثنيين أو عدم تقوى اليهود ـ فإنه يوضِّح لنا القاعدة التى يجب علينا أن نتبعها، فيقول: “ إله واحد الآب الذى منه جميع الأشياء ونحن له، ورب واحد يسوع المسيح الذى به جميع الأشياء ونحن به” (1كو6:8)، فكما أنه في تسميته يسوع المسيح أنه “رب” فإنه لم ينكر أن الآب أيضًا “رب”، هكذا أيضًا في قوله: ” إله واحد الآب” فإنه لا ينكر ألوهية الابن الحقيقية، وهكذا فإنه يُعلّم ليس أنه يوجد أكثر من إله واحد، بل هو (يُعلَّم أن) مصدر القوة هو واحد، نظرًا لأن الألوهة تتضمن الربوبية، والربوبية تتضمن الألوهة، كما هو مكتوب: ” اعلموا (بتأكيد) أن الرب هو الله، هو صنعنا وليس نحن” (مو3:99س).

 

27ـ لذلك ” فيك” “الله” بحسب وحدانية الطبيعة، ” ولا يوجد معك آخر” بسبب الملكية الشخصية للجوهر بدون أى تحفظ أو اختلاف[32].

 

28ـ وأيضًا فإن الكتاب المقدس يتكلم في سفر إرميا عن إله واحد ومع ذلك فهو يعترف بكلا الآب والابن، فنقرأ: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه، لا يعادله آخر، إنه كشف جميع طرق المعرفة وأعطاها ليعقوب عبده وإسرائيل محبوبه. بعد ذلك ظهر على الأرض وتكلم مع الناس[33].

 

29ـ النبى يتكلم عن الابن، لأنه هو نفسه الذى تحَّدث مع الناس، وهذا ما يقوله: ” هو إلهنا، وبالمقارنة معه لا يعادله آخر “. لماذا نشك فيه هذا الذى يقول عنه نبى عظيم مثل هذا إنه لا يوجد من يُقَارن به؟ أى مقارنة مع آخر يُمكن أن تعمل عندما يكون الله واحدًا؟ هذا هو اعتراف أناس محفوفين بالمخاطر وهم يحترمون ويُوقِّرون الأمور الدينية، ولذلك فهم غير متمرسين في صراع المجادلات.

 

30   ـ تعالَ أيها الروح القدس وساعد أنبياءك الذين أردت أن تسكن فيهم، الذين نؤمن بهم. هل نؤمن بحكمة هذا العالم إن كنا لا نؤمن بالأنبياء؟ ولكن أين الحكيم، أين الكاتب؟ بينما هذا القروى[34] الذى يزرع التين، قد وجد ما لم يعرفه الفلاسفة، لأن الله قد اختار جُهَّال العالم ليخزى الأقوياء[35]. هل نصّدق اليهود؟ لأن الله عُرف مرة من قبل في اليهودية. لا، إنهم ينكرون نفس الشئ الذى هو أساس إيماننا، فهم كما نرى لا يعرفون الآب إذ هم ينكرون الابن[36].

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

ملخص:

      وحدانية الله يُستدلُّ عليها بالضرورة في نظام الطبيعة، وفي الإيمان وفي المعمودية. إن هدايا المجوس توضح وحدانية الألوهة كما توضح ألوهية المسيح وإنسانيته. إن حقيقة عقيدة الثالوث في الوحدانية تظهر في الملاك الماشى في وسط الأتون في شدرخ وميشخ وعبدنغو.

 

          31ـ إن الطبيعة كلها تشهد على وحدانية الله من حيث إن العالم كله واحد. الإيمان يعلن أنه يوجد إله واحد، إذ أننا نرى اعتقادًا واحدًا في كلا العهدين القديم والجديد، أما عن وجود روح واحد[37] كُلِّى القداسة، فهذا ما تشهد له النعمة، لأنه توجد معمودية واحدة باسم الثالوث. إن الأنبياء يُعلنون، والرسل يسمعون صوت إله واحد. إن المجوس يؤمنون بإله واحد، وقد أحضروا معهم ـ تعبدًا وإكرامًا ـ ذهبًا ولبانًا ومرًا، وهم ذاهبون إلى مزود المسيح معترفين من خلال الذهب بملوكيته، ومن خلال البخور كانوا يعبدونه كإله، لأن الذهب هو علامة الملوكية، والبخور علامة الألوهة، والمُرّ علامة الدفن.

 

          32ـ ماذا إذًا كان معنى الهدايا السَّرية التي قُدَّمت، في إسطبل البهائم الوضيع، سوى أنه يجب أن نميِّز في المسيح الفرق بين الألوهة والجسد؟ إنه يُنظر إليه كإنسان[38] ولكنه يُعبد كرب. إنه راقد وسط الأقمطة ولكنه يشرق وسط النجوم. إن المهد يكشف ميلاده ولكن الكواكب تبرهن على سلطانه[39]. إنه الجسد هو المُقمّط في الملابس ولكن الألوهة تتقبّل خدمة الملائكة، وبهذا فإن كرامة عظمته الطبيعية لم تُفقد وبهذا يتبرهن اتخاذه للجسد حقًا.

 

          33ـ هذا هو إيماننا، ولقد أراد الله، أنه ينبغى أن يكون معروفًا هكذا من الجميع، وهكذا آمن الثلاثة فتية[40] ولم يشعروا بالنار التي أُلقوا في وسطها، النار التي أهلكت وأحرقت غير المؤمنين[41]، بينما صارت بلا ضرر وكَنَدَى على المؤمنين[42]، الذين صارت النيران التي أشعلت بواسطة الآخرين باردة بالنسبة لهم، لأن الأتون قد فقد قوته تمامًا في المعركة ضد الإيمان فقد كان في وسطهم واحد في شكل ملاك[43] يُعزيهم[44] وذلك بهدف أنه في عدد الثالوث يُقدم التسبيح والتمجيد لقوة واحدة فائقة السمو. لقد تمجد الله، ورأوا ابن الله في ملاك الله، والنعمة المقدسة الروحانية تكلَّمت في الفتية[45].

الفصل الخامس

ملخص:

      يذكر التجاديف المختلفة التى نطق بها الآريوسيين ضد المسيح، وقَبل الإجابة عنها، فإنه يحث المستقيمى الرأى (الأرثوذكس) لكى يحترسوا من حجج الفلاسفة المضللة نظرًا لأنهم (أى الفلاسفة) يضعون أملهم في هذه الحجج.

 

          34ـ دعنا نتمعن في معارك الآريوسيين بخصوص ابن الله.

 

          35ـ إنهم يقولون إن ابن الله ليس مثل أبيه، وأن يُقال هذا عن إنسان فهذا يكون إهانة[46] له.

 

          36ـ يقولون إن ابن الله له بداءة في الزمن، بينما هو نفسه مصدر الزمن ومنظمه بكل ما (يوجد) فيه. نحن بشر ولا نريد أن نكون محدودين بالزمن لقد بدأ وجودنا مرة (في الزمن) ونحن نؤمن أنه سوف يكون لنا وجود (بعد ذلك) غير محدد بزمن. نحن نشتاق إلى الخلود فكيف يمكن إذن أن ننكر أزلية ابن الله، الذي أُعلِنَ أنه أزلى بالطبيعة، وليس بالنعمة؟

 

          37ـ إنهم يقولون إنه مخلوق، ولكن هل يُحصَى الصانع مع مصنوعاته وكيف نجعله يبدو وكأنه أحد المصنوعات التي صنعها هو نفسه؟

 

          38ـ إنهم ينكرون صلاحه وتجديفهم هذا هو نفسه الذي يدينهم، لذلك فلا يوجد رجاء لهم للغفران.

          39ـ إنهم ينكرون أنه بالحقيقة ابن الله، وينكرون أنه كُلِّى القدرة إذ بينما هم يزعمون أن كل الأشياء قد صُنِعَت عن طريق خدمة الابن، فإنهم ينسبون المصدر الأصلي لوجود هذه الأشياء إلى قوة الله. ولكن ماذا تكون القوة سوى اكتمال الطبيعة[47]؟

 

          40ـ وأكثر من هذا، فإن الآريوسيين ينكرون أن الابن واحد مع الآب في الألوهة[48]. دعهم إذن يلغون الإنجيل، ويُسكتون صوت المسيح. لأن المسيح نفسه قال: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، لستُ أنا الذي أقول هذا، المسيح هو الذي قال. فهل المسيح مخادع حتى يكذب[49]؟ وهل هو آثم حتى يَّدعى لنفسه ما لم يكنه بالمرة. وبخصوص هذه الأمور فنحن سوف نتناولها مرات عديدة، وبإسهاب أكبر في مكانها المناسب.

 

          41ـ وإذ نرى أن الهرطوقى يقول إن المسيح ليس مثل أبيه، ويسعى لتأكيد هذا بقوة الاحتيال والمراوغة، فيجب علينا أن نستشهد بقول الكتاب: ” انظروا أن لا يكون أحد يسبيكم بالفلسفة وبغرور باطل حسب تقليد الناس حسب أركان العالم وليس حسب المسيح، فإنه فيه يحلُّ كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو8:2و9).

 

          42ـ لأنهم إنما قد ادخروا كل قوة سمومهم في منازعاتهم الجدلية، والتي بحسب حكم الفلاسفة، ليست لها أى قوة لتقيم أو تؤسس أى شئ كما ينبغى، بل تهدف فقط إلى الهدم، ولكن ليس بالجدال قد سُرّ الله أن يُخلِّص شعبه لأن ” ملكوت الله إنما هو ببساطة الإيمان وليس بإقناع الكلام” (1كو20:4)[50].

[1] 1مل1:10 ” وسمعت ملكة سَبَا بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل “.

[2] 1مل1:5 ” وأرسل حيرام ملك صور عبيده إلى سليمان .. ” .

[3] تك14:14 ” فلما سمع أبرام أن أخاه سُبى، جرَّ غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مائة وثمانية عشر وتبعهم..” .

[4] إن شكل علامة الصليب هى مثل حرفt ، والرقم العددى لهذا الحرف (تاو tau) فى الحساب اليونانى هو رقم 300، أما الثمانية عشر فيُرمز له بالحرفين I , h  وهما الحرفان الأوَّلان للاسم يسوع باليونانى IhsoÚj، لهذا فإنه يُعزى للقديس أمبروسيوس نسبة القوة السرية للرقم 318، المرموز له بعلامة الصليب والحرفان الأولان لاسم المخلص، فيكون الرقم 318 هو التعبير عن   T I H صليب يسوع المسيح.

[5] يش6:6 ” فدعا يشوع بن نون الكهنة وقال لهم: احملوا تابوت العهد، وليحمل سبعة كهنة سبعة أبواق هتاف أمام تابوت الرب“.

[6] يش14،13:5 ” وحدث لما كان يشوع عند أريحا أنه رفع عينيه ونظر وإذا برجل واقف قبالته وسيفه مسلول بيده، فسار يشوع إليه وقال له هل لنا أنت أو لأعدائنا، فقال كلاَّ بل أنا رئيس جند الرب” .

[7] يقصد شواهد من الكتب المقدسة.

[8] يتكلم القديس أمبروسيوس هنا عن المجمع المسكونى المنعقد فى نيقية فى بيثينية عام 325م.

[9] إن النصرة على الكفر يُقصد بها طبعًا نصر الكنيسة الأرثوذكسية على الآريوسية، وأصبح القانون النيقاوى يُنظر إليه مثل ” نصب ” لتذكار النصرة، والتى تمثلت حقيقتها فى البلوغ إلى العبارة : (من نفس جوهر الآب

Of one substance with the Father.  ÐmooÚsiou tù Patr…)

والتى أقرها المجمع.

[10] حرفيًا: الأمم ” The Nations ـ t¦ œqnh ـ Gentes ” . إن الرومان فى الجمهورية تعوَّدوا أن يتكلموا عن الشعوب الغريبة خصوصًا إذا كانوا يخضعون لملوك ” أمم خارجيةGentes – exterae ” للتمييز عن ” شعب الجمهورية Populus Romanus “. القديس أمبروسيوس يقصد هنا بلا شك أولئك الذين لا يزالون يتمسكون بالديانات القديمة، الذين هم غرباء عن جمهور الكنيسة.

[11] كان سابيليوس قسًا فى برقة فى الخمس مدن الغربية فى ليبيا، ومنها أتى إلى روما حيث جاهر بتعاليمه الكفرية فى أوائل القرن الثالث الميلادى (حوالى210م). كان سابيليوس يعتقد أنه لا يوجد تمييز حقيقى بين أقانيم اللاهوت، ويقول إن الله هو أقنوم (شخص) واحد، وعندما يكون الكلام عن أقانيم إلهية متميزة عن بعضها، فهذا لا يعنى عنده أكثر من أوجه أو ظهورات مختلفة، أى أن نفس الأقنوم يقوم بأدوار مختلفة. فالآب يقوم بدور الابن عند التجسد، وهو نفسه يظهر بعد ذلك باسم الروح القدس.

[12] كان فوتينوس من أهل غلاطية على سيرميم Sirmium (فى سلافونيا Slavonia) فى القرن الرابع، وهو يعلّم أن يسوع المسيح لم يوجد قبل أمه مريم، ولكنه وُلد منها ومن يوسف النجار، وهذا الإنسان يسوع الذى عاش بروح عاقلة وجسد بشرى استنار وأُرشد واقتيد بتأثير اللوغوس أو العقل الإلهى، وبذلك فإنه صار ابن الله الفائق على جميع الأنبياء والمعلمين.

[13] كان آريوس كاهنًا بالأسكندرية، وبدأ فى عام 319م فى جذب الانتباه بتعليمه الهرطوقى المخالف، والذى أودى به ـ نتيجة لذلك ـ إلى حرمه، إلاّ أنه وجد استحسانًا وقبولاً لدى أشخاص لهم حيثيات فى الكنيسة مثل يوسابيوس القيصرى فى فلسطين، ويوسابيوس أسقف نيقوميدية، وآخرين. وقد نوقشت هرطقته فى النهاية فى مجمع نيقيا المسكونى بناءً على دعوة من الإمبراطور قسطنطين. أدان المجمع البدعة الآريوسية وشجبها، ومع ذلك فقد تفشت الهرطقة فى الشرق حتى حكم ثيئودوسيوس الكبير (379ـ395م).

            كان آريوس ينادى بما يلى: ” إما أن الابن له جوهر أصلى إلهى؛ وإن كان هكذا فإنه يجب علينا أن نعترف بإلهين، أو أنه يكون مخلوقًا، وإن كان هكذا فإنه ليس إلهًا بنفس المعنى الذى به يكون الآب إلهًا. وقد اختار آريوس البديل الأخير، هذا الذى اعتبره القديس أمبروسيوس سقوطًا فى الوثنية بـ” آلهتها المتعددة وأربابها المتعددة ” والآلهة المولود من الآلهة والإلاهات .

            إن أخطاء آريوس قد لُخصت فى الحرومات التى أُلحقت بالقانون النيقاوى الأصلى: إن أولئك الذين يقولون إنه كان يوجد زمان لم يكن فيه ابن الله موجودًا، أو انه تكوّن من أشياء غير موجودة، أو أن الذى يزعم أن ابن الله من جوهر مختلف أو أنه مخلوق، أو متغير، فإن جميع هؤلاء تشجبهم وتحرمهم كنيسة الله الرسولية الجامعة” .

[14] مز 9:69  قارن  يو17:2

[15] انظر يو16:15

[16] انظر يو23:16، 24

[17] انظر يو30:5

[18] يو3:1، عب7:5ـ10.

[19] انظر على سبيل المثال مز8:25 ، إر10:10، دا10،9:9، يع18،17:1، لو37:11.

[20] انظر دا 7:9، خر6:34

[21]  انظر يو1:1، يو14:1، رو4:1، مت18:28، 1كو24:1، كو3:2

[22] الوالد والمولود يلزم أن يتميزا كل واحد منهما بشخصه.

[23] كو19:1، كو9:2

[24] أع 32:4

[25] تك24:2، مت 5:19

[26] أع26:17

[27] أو رب الجنود كما في إش3:6

[28] إش18:45

[29] أو يهوه في يهوه

[30] قانون إيمان نيقية: إله حق من إله حق

[31] وهو المزمور 45  ترجمة دار الكتاب المقدس

[32] يلزم أن نتذكر أن القديس أمبروسيوس كان حاكمًا مدنيًا من قبل توليه منصب الأسقفية، لذلك فإن فكره يميل إلى أن ينظر إلى الأمور من وجهة نظر قانونية شرعية.

[33] سفر باروخ 36:3ـ38، الأصل الإنجليزي متروك بدون شاهد، لأنه بينما الشاهد هو سفر باروخ، إلاّ أنه فى الحديث يقول: “يتكلم فى سفر إرميا”، ولكن فى حاشية أخرى للفقرة 30 يذكر الشاهد باروخ36:3ـ38.

[34] المقصود بهذا القروى إرميا النبى (انظر إرميا 24)

[35] 1كو 27:1

[36] الله معروف في اليهودية: انظر مزمور 1:76 ولكنهم ينكرون الابن، ولذلك فإنهم لا يعرفون الآب (انظر متى27:16، يو18:1).

[37]  راجع: يو24:4 ، 2كو 17:3

[38] فيلبى 7:2

[39] رؤ16:1 ، 16:22 ـ  عدد 17:24.

[40] دا 17:3.

[41] دا 22:3.

[42] هوشع5:14.

[43] دا 28:3.

[44] لو43:22.

[45] دا 25:3.

[46] يكون إهانة من حيث افتراض أن الإنسان نغل، أى ليس ابنًا شرعيًا بل ابن زنا.

[47] إن تعليم آريوس بخصوص هذا الموضوع قد بيَّنه القديس أثناسيوس بما فيه الكفاية، فيقول آريوس: ” عندما قصد الله أن يوجِد طبيعة مخلوقة، ورأى عدم قدرتها على أن تحتمل لمسة يد الآب المباشرة وعمله، لذلك “خلق وصنع كائنًا واحدًا مفردًا وسماه “ابن” و”كلمة” لكى عن طريقه كوسيط، فإن كل الأشياء يؤتي بها إلى الوجود” (ضد الآريوسيين 24:2)

[48] بحسب ما يقول الآريوسيون فإن المسيح ليس إلهًا حقًا حتى لو كان قد دُعِى إلهًا. إنه يُدعى هكذا فقط بسبب انتقال النعمة إليه من الآب، وهكذا فإنه حصل على هذا اللقب والكرامة، باستخدام اسم الله (له) عند التكلم عنه بنوع من التحويل، كما نجد ذلك في مز 6:82 :” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلى كّلكم“، رغم أن ادعاء المسيح وحقه في هذا اللقب إنما يفوق أى كائن آخر.

[49]  عدد 19:23

[50] قارن 1كو 20:20 مع 1كو4:2و5:” وكلامى وكرازتى لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المُقنع بل ببرهان الروح والقوة، لكى لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله“.

 

شرح الإيمان المسيحى ج1 – ق. أمبروسيوس – د. نصحى عبد الشهيد

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

مقدمة:

لعل من أكثر كتابات الآباء تعبيرًا عن الوحدة بين الروح والواقع هي كتابات الآباء شيوخ البرية الأقباط وذلك يعود لعمق خبراتهم الروحية والتي من خلالها تعاملوا مع كل الظروف المحيطة وأيضًا يعود إلى أنهم لا يدخلون الفلسفة في روحياتهم كاليونانيين.

مرة جاء افاغريوس البنطي إلى شيخ في البرية وسأله: ” لماذا يمارس المصريون النسك والتمييز أكثر من اليونانيين ؟

” فأجابه الشيخ ” لأن اليونانيين قد أهدروا وقتهم في حب الكلام والعجب ” وهذا يعكس لنا أن آباء البرية عاشوا التأمل Qewria والتاريخ istoria بعمق باطني يميز الروحانية القبطية. وسنتعرض الآن إلى هذا الجانب من خلال القديس مقاريوس المصري وسنلجأ في هذه الدراسة إلى عظات القديس مقاريوس التي صدرت في ترجمات عربية مختلفة.

 

الروح القدس والإنسان والكنيسة والتاريخ

في عظات القديس مقاريوس المصري

رؤية قبطية للعلاقة بين التأمل Qewria والتاريخ Istoria

 القديس مقاريوس المصري (300 ـ 390م) وأسماه إخوته في البرية ” الشاب الشيخ ” هو مؤسس منطقة الاسقيط الرهبانية وهو تلميذ العظيم الأنبا أنطونيوس وكلاهما يعبران وبصدق عن خصوصية الروحانية القبطية بل والشرقية والتي تتميز بالتفاعل العفوي والاندفاع القلبي نحو الشركة مع الله الآب في وجه يسوع الحبيب بالروح القدس. والروح القدس عند مقاريوس هو (فلاح النفس البشرية ومخصبها) ويقول العالم الفرنسي A.Guillaumont بأن عظات مقاريوس إنما تعبر عن الروحانية المسيحية في أنقى صورها ويذهب آخر إلى أن الشرق المسيحي لم يفصل أبدًا بين العقيدة كلاهوت والعقيدة كخبرة كنسية وروحية وأن العقائد الأساسية كالثالوث والتجسد وعمل الروح القدس والتي صاغها الآباء في القرون الأولى ما هي إلا صور الاختبارات النسكية وضعت في صيغ عقائدية. فالروحانية (النسك والسلوك) لا تنفصل عن العقيدة (اللاهوت). وبأسلوب آخر المخدع لا ينفصل عن المكتب.[1]

الروح لا ينفصل عن التاريخ والأحداث. وليس من قبيل المصادفة أن تزامن جهاد مقاريوس لإعلاء شأن الروح القدس وعمله في داخل النفس اختباريًا (هذا الروح الذي فيه وحده تستطيع النفس المؤمنة أن تجد راحة (7:5) عظات القديس مقاريوس الكبير مركز دراسات الآباء 1991 وسوف نقتبس دائمًا من هذه الترجمة مع الرجوع إلى النص اليوناني من حين إلى آخر). نقول تزامن جهاد مقاريوس مع جهاد الكنيسة لإعلاء شأن الروح القدس لاهوتيًا وصياغة ذلك عقائديًا في مجمع القسطنطينية 381م.

 

فخبرة الآباء الشيوخ هي ثيؤريا=تأمل Qewria والمجمع هو التعبير التاريخي عن هذه الخبرة، تاريخ Istoria  فهناك إذًا في ضمير الكنيسة وحدة بين الجهاد الروحي الاختباري والجهاد العلمي واللاهوتي [لأن تلك النار السماوية، ونار اللاهوت، التي يقبلها المسيحيون في قلوبهم الآن وهم في هذا العالم الحاضر، هذه النار نفسها التي تعمل في قلوبهم من الداخل سوف تصير ظاهرة من الخارج] (عظة 1:11) فاللاهوت كعلم كنسي هو امتداد لعاصفة يوم الخمسيين في الكون.

[كما أن الثلاث فتية كان لهم أفكار البر، فقبلوا نار الله في داخلهم ” وسجدوا للرب بالروح والحق ” كذلك الآن فإن النفوس المؤمنة تنال النار الإلهية السماوية في إنسانها الداخلى وهم في هذا العالم وتلك النار نفسها تطبع صورة سماوية في طبيعتهم البشرية] (عظة 2:11) الترجمة الحرفية (يُشكل أو يرسم أيقونة سماوية) وفعل يُشكل morfie هو الذي استخدم الرسول الاسم منه في (فيلبى 2:5) “آخذًا صورة morfie العبد”.

في (عظة 30:4) يؤكد القديس مقاريوس أن السيد المسيح يرسم في النفوس صورة الإنسان السماوي على صورته. ويمثل لاهوت استدعاء الروح القدس Epiclesis في الليتورجيات الشرقية القاعدة لفهم فكر وممارسات آباء البرية وما يمثلونه من تيار نسكي ترك بصماته على الكنيسة أثناء الحقبة الآبائية، فالحياة النسكية هي استدعاء دائم للروح القدس لكي يحول جسدنا المائت إلى هيكل الحياة الأبدية أي يحول شهادة المسيح إلى واقع حي مقروء من جميع الناس أي يحول Istoria  إلى Qewria[2].

 

1ـ الروح القدس والسر المكتوم منذ الدهور:

يعتبر القديس مقاريوس أن الهدف الأساسي وراء ظهور السر المكتوم منذ الدهور في السيد المسيح هو أن [يتمتع الإنسان بالاشتراك في روح ونور الله] (عظة 2:1) وهذا النور يجعل الإنسان ناظرًا دائمًا إلى الأمام أي يصير شخصًا حيًا Prospon.

المختبرون شركة الروح القدس عند مقاريوس لا ينظرون إلى الوراء بل هم مستقبليون [لا يكون لها جزء خلفي بل في كل اتجاه يكون وجهها إلى الأمام] (عظة 2:1)، والسبب وراء القدرة على النظر إلى الأمام هو [الجمال الذي يفوق الوصف الذي لمجد نور السيد المسيح] ولعل أكثر ما يثلج قلب الآب أن نتمعن في وجه النور، وجه ابنه الوحيد الذي به سُر وأكثر ما يبهج الروح القدس أيضًا هو أن يشهد في قلوبنا للسيد المسيح ويأخذ مما له ويهمس به في أورشليمنا الداخلية حتى ننال نحن الموهبة غير المائتة. نحن إلهيون من جهة وتاريخيون من جهة البشرية.

إننا نسير لكننا نثبت فيما نسير. نحن زمان وروح في آنٍ واحد. يحملنا زمان لا يخلو من روح. وروح ليست مستقلة عن الزمان[3]. نـــكرز بــالـــنور في اليهودية والسامرة وأقصى الأرض فالروح القدس يعطى للشهادة بُعدًا تاريخيًا وبُعدًا كونيًا وبُعدًا شخصيًا.

 

 

2ـ الروح القدس والتدبير الإلهى والحس التاريخى للخلاص:

[هذا السر المكتوم أُعلن تديجيًا للبشر وربنا يسوع المسيح إذ اهتم بخلاص الإنسان نفذ منذ البدء كل تدبير وعناية من خلال الآباء والبطاركة والناموس والأنبياء وفي النهاية جاء هو بنفسه واستهان بعار الصليب واحتمل الموت من أجل أن يلد من ذاته ومن طبيعته أولادًا من الروح لأنه سُرَ أن يُولدوا من الروح من فوق أي من نفس لاهوته] (عظة 2:30).

 

 الروح القدس روح الـQewria  يعطى للإنسان والكنيسة حسًا تاريخيًا. والآباء وبينهم القديس مقاريوس تكلموا بإسهاب عن التدبير الإلهي منذ السقوط وحتى مجيء المسيح ونجد تعبير ” تاريخ الخلاص ” كثيرًا في المؤلفات اللاهوتية المعاصرة. فالروح يعمل منذ السقوط وفي تاريخ البشرية الساقطة بالأنبياء.

ويعمل في العالم الحاضر في قلوب المسيحيين التائبين وسيعمل في المستقبل (عظة1:11-6:30-30،7-1:35،2) وعن استمرارية عمل روح الله في التاريخ البشرى نقرأ هذا القول المملوء بنبض الروح العامل في التاريخ بكل ظروفه [لقد كانت قوة الله حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع وكانت تعمل عجائب منظورة وكانت النعمة الإلهية ساكنة فيهم وكان الروح يعمل في نفوسهم للتنبؤ، التكلم حينما كانت تدعو الحاجة أن يُخبروا العالم بأحداث عظيمة] (عظة3:50).

 وهنا نلاحظ التناسق بين عمل الروح القدس وأحداث العالم العظيمة. فتاريخ العالم في اللاهوت الآبائي هو تاريخ عمل الله بالروح في العالم. والله في كلامه مع العالم استخدم ” أنواع وطرق كثيرة ” (عب 1:1) [ولما كلمنا في الأيام الأخيرة في ابنه أرسل الروح القدس ليعمل أعمال متنوعة في جميع الأعضاء] (عظة4:12). أي أن الله مازال يعمل بروحه في الكنيسة والعالم بطرق ومواهب متعددة. فمواهب الروح هي التي تميز بين المؤمنين في الجسد الواحد وهي تحقق حضور الكنيسة في العالم وحضور التأمل في التاريخ.

 

3ـ الروح القدس والصليب والقيامة ويوم الخمسين:

 الروح القدس هو الذي يتسلم الفداء ويوزعه ويلغى الهوة القائمة بين ما مضى وما يحصل الآن لأن الزمان يستعلن كله في أبدية هي اللحظة الحاضرة التي أنجو فيها.

ويمثل الصليب والقيامة عند القديس مقاريوس الأساس اللاهوتي والتاريخي لانسكاب الروح. وهو كعادته لا يستفيض في شرح ما حدث في الصلب من أحداث والقيامة من مواقف بل يذهب رأسًا إلى أثر هذه الأحداث في الرسل وفي المسيحيين وفي الكنيسة وفي العالم [إن الرسل أنفسهم قبل الصليب بملازمتهم للرب رأوا آيات عظيمة، كيف كان البرص يتطهرون والموتى يقومون ولكنهم لم يكونوا يعرفون كيف تدخل القوة الإلهية وتتمم خدمتها في القلب، وكيف يُولدون ثانية بالروح ويشتركون مع النفس السماوية ويصيرون خليقة جديدة (2كو17:5) ولكنهم أحبوا الرب بسبب ما لمسوه في شخصه. والرب قال عنهم، لماذا تتعجبون من الآيات إني أعطيكم ميراثًا عظيمًا لا يملك العالم كله مثله] (عظة17:12).

 

4ـ من حب الاندهاش إلى الحب بالروح:

من الغموض إلى الوعي بالذات ومن الرؤية الإلهية إلى التاريخية. القديس مقاريوس يصف لنا مشاعر الرسل قبل يوم الخمسين فإذ هي خليط من الانبهار والإعجاب ولعل هذا يتفق مع وصف العهد الجديد لجماعة المؤمنين بعد الصليب، انبهار غير قادر على اتخاذ قرار! وأكثر من ذلك [فإن كلمات المخلص كانت تبدو غريبة لهم إلى أن قام من يبن الأموات وصعد بالجسد إلى أعلى السموات من أجلنا وبعد ذلك انسكب الروح المعزى ودخل في نفوسهم واختلط بهم والحق ذاته يظهر نفسه في النفوس الصادقة والمؤمنة، يأتى الرب الذي هو الإنسان السماوي ويصير في شركة مع كل إنسان وفي شركة معك] (عظة17:12)، [ونحن من خلال جسد الابن الوحيد الذي هو متحد باللاهوت وهو دائمًا مع الروح القدس نصير دائمًا مع الرب] (عظة 4:17).

فالروح القدس في اليوم الأول للخليقة “يرف على وجه المياه ” لكي يعطى الحياة للخليقة، وحل على السيدة العذراء ممثلة البشرية جميعًا لكي ينفخ في أحشائها الحياة البشرية لكي يتجسد اللوغوس الإلهي، وهب يوم (الخمسين) على التلاميذ لكي يجعل منهم الجسد الحي للبشرية الجديدة التي هي حياة الشركة الكنسية.[4] وهنا الروح ينشئ الكنيسة ويقيمها في المسيح في التاريخ.

 

5ـ الروح والعروس:

 الروح القدس هو روح الشركة وروح الكنيسة، والقديس مقاريوس يركز دائمًا على القاعدة الرسولية للكنيسة (أي البعد التاريخي للرؤية السماوية) وأن [تعليم الرسل قد دشن عالمًا جديدًا مختارًا من الله] (عظة 6 :6). وحينما يفسر الآية الخاصة بيوحنا المعمدان (مت 11 :11)

 

يقول [حقًا من بين المولودين من النساء ليس أعظم من يوحنا….. فإنه هو تكميل الأنبياء وخاتمتهم، كل الأنبياء تنبأوا عن الرب واشاروا إليه من بعيد أما يوحنا فتنبأ عن المخلص وأظهره أمام عيون الجميع صارخًا بصوت عالٍ “هوذا حمل الله ” (يو29:1) أنه لايوجد أعظم من يوحنا في مواليد النساء ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه (مت11:11) أي المولودين من الله من فوق، أي الرسل، الذين نالوا باكورة الروح المعزى، لأنهم حسبوا أهلاً لأن يكونوا شركاء معه في الدينونة…وهم قد جعلوا محررين ومنقذين للناس… وتجدهم فلاحين في كرم النفوس وتجدهم أصدقاء العريس…] (عظة6:28،7).

وفي قراءة خريستولوجية typology للعهد القديم والتي ميزت كل اللاهوت الآبائى. يتكلم القديس مقاريوس عن الآباء الرسل قائلاً: [وكان رئيس الكهنة له على صدره حجران كريمان، وعليهما أسماء أسباط إسرائيل الأثنى عشر (خر10:28) وكان هذا ليكون رمزًا ومثلاًtypos لأن الرب أيضًا بنفس الطريقة وضع على صدره الرسل وأرسلهم مبشرين وكارزين للعالم اجمع وها أنت ترى كيف أن الظل يشير إلى الحقيقة] (عظة5:32) وهذا مثال رائع للوحدة بين الحس الروحي والحس التاريخي عند الآباء.

 

6ـ الكنيسة واقتناء الروح القدس:

إن اللاهوت هو امتداد لشهادة marteria،marturia المسيح في الكنيسة وتحقيق لها في العالم والتاريخ. ولهذا فاللاهوت يعبر عن يوم الخمسين الدائم الحضور في الكنيسة من خلال وحدتها وتمايز مواهب أعضائها وهذا التمايز في المواهب تحكمه احتياجات الإنسان. وهنا يحدث وعى بعمل الروح التجديدي لكل أعضاء جسد الكنيسة ومنهم إلى جسد البشرية جمعاء وهكذا فإن نعمة الشركة الإفخارستيا تتحول في أعضاء الكنيسة إلى مواهب وإلى لاهوت يسند هذه المواهب ويؤسسها ويحفظها في شركة الكنيسة.

والقديس مقاريوس مثل غيره من الآباء يدرك أهمية الكنيسة وأسرارها في “نقل” النار السماوية إلى البشرية وهنا نحن أمام أعمق تجسد للرؤية في التاريخ البشرى، بالأسرار تتحول الكنيسة إلى خليقة جديدة ويندفع أولادها المستنيرون بالمعمودية وإضرام بذرة الحياة الجديدة بالتوبة واقتناء المواهب في شركة الإفخارستيا والخدمة، إلى الشهادة الحية.

والقديس مقاريوس يشرح لنا أسرار الكنيسة على أنها هي الأمور التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن (1كو2:9) والتي أعلنها الله لكنيسته بالروح [في ذلك الزمان كان الأبرار والعظماء والملوك والأنبياء يعرفون أن المخلص لابد أن يأتي ولكنهم لم يكونوا يعرفون ولا كانوا قد سمعوا أنه سيتألم ويصلب ويسفك دمه على الصليب ولم يخطر على بالهم أنه ستكون هناك معمودية بالنار والروح القدس] وأن في الكنيسة ستُقدم تقدمة الخبز والخمر تحقيقًا لجسده ودمه، الإفخارستيا هي أعمق مثال على الاتحاد الكامل بين الثيؤريا والتاريخ عند الآباء وفي الكنيسة فكما تقول الديداكية ” الكنيسة تجمع الحنطة من على الجبال أي ثمرة عمل الإنسان وتقدمها للرب على المذبح لكى يتحول الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه…”.

ويقول عالم الآباء ألكسندر شميمن في كتابه عن الأسرار[5] (إننا نقدم إلى الله العالم كله وتاريخ البشر في هيئة الخبز والخمر لكى ما يقدسها ويعيدها إلينا متحدة بروحه وجسده ودمه، إن أولئك الذين يتناولون الخبز المنظور سيأكلون جسد الرب روحيًا)، [لأن الرسل والمسيحيين سينالون المعزى “ويتأيدون بالقوة من الأعالي “(لو49:24) ويمتلئون إلى كل ملء الله(أف) وأن نفوسهم تمتزج بالروح القدس وتتشبع به، هذا لم يعرفه الأنبياء والملوك ولا خطر على قلبهم، والآن فإن المسيحيين يتمتعون بغنى عظيم يختلف عن غيره وقلوبهم تشتاق إلى الله] (عظة 17:27).

وفي العظة الثالثة عشر يتكلم عن ضرورة تكريس القلب والتغصب للاستعداد لنوال الأسرار السماوية ويعطيه الرب الطعام السماوي والشراب الروحاني (1كو4:10) والجسد والدم هو طعام البنين (يو35:8) [وإذ يذهب الأولاد مع يسوع والدهم في كل مكان فإنه يعطيهم ذاته] ” من يأكل جسدي ويشرب دمى يثبت في وأنا فيه ” (يو56:6) وأيضًا ” لايرى الموت ” (يو51:8) المعمودية كممارسة في الزمن وعطية الروح القدس أي الزمن الجديد.

 

واكن ما يعنينا هنا أن في النصوص الأخرى هناك تعاليم أخرى للقديس مقاريوس سبق وأشرنا إلى بعضها في العظات الخمسين ولكن هنــــاك تأكيـــد عليها يهمنا أن نعرضه لعلاقته الوطيدة بعمل الروح القدس في الكنيسة ذكرها العالم الفرنسي الأرثوذكسي Placide Deseille في المقدمة الرائعة التي سبقت ترجمته لعظات مقاريوس إلى الفرنسية ووضعها تحت عنوان ” اقتناء الخلاص ” وبعدها وضع عنوانًا جانبيًا ” المعمودية أساس الحياة الروحية ” وفي هذا النص الهام يجيب القديس مقاريوس على السؤال الآتي: إذا كانت المعمودية ممارسة حقيقية وأساس الإيمان فلا يجب أن ننتظر شيئًا آخر من السماء (يقصد الامتلاء وشركة الروح التي يذكرها دائمًا القديس مقاريوس) إذًا من الواضح أنه لا جدوى من انتظار شيئًا آخر بعد المعمودية!

ويجيب القديس مقاريوس: [إننا في المعمودية نأخذ أساس عمل الروح القدس] وهنا تجد عظات مقاريوس في وضعها اللاهوتي الصحيح وهو احترام لموهبة الله التي حلت في المسيحيين وذلك بالتوبة والصلاة والشركة: وفي ” الرسالة الكبرى ” يشرح القديس مقاريوس هذا الأساس الكنسي لعمل الروح القدس وفي الفقرة الثانية من الرسالة يُسهب القديس مقاريوس في شرح ضرورة أن يقدموا أجسادهم ذبيحة مقدسة عبادتهم العقلية (رو2:12) ليختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية، ويربط بين سر الثالوث والإيمان الأرثوذكسي والاعتراف بالإيمان في المعمودية، [الإيمان الأرثوذكسي يسجد للثالوث ذي الجوهر الواحد والمجد الواحد كما نعترف في السر المقدس الذي للمعمودية].

وفي موضع آخر يقول [إن المؤمنين يقبلون عربون الروح في المعمودية باسم الثالوث وذلك من أجل أن ننمو في الكمال، كمال الميراث ومن أجل مضاعفة الوزنة في (مت 15:25) التي للسر العظيم]. وفي نفس الرسالة يتكلم عن الكنيسة بشكل أوضح [إن الروح الإلهى المعزى الذي أُعطى الرسل ومنهم لكنيسة الله في ساعة المعمودية، هذا الروح يتحد بكل من يتقدم للمعمودية بإيمان صادق]… أي أنكار للأسرار أو تقليل من شأنها هو تقليل من شأن الكنيسة وبالتالي الحضور التاريخي الفعلي للروح في العالم والكنيسة ليست مؤسسة دنياوية بل هي امتداد ملكوت الله (الثيؤريا)على الأرض (الأستوريا).

” إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نحسب كالقيام في السماء يا والدة الإله أنت هي باب السماء افتحي لنا باب الرحمة ” (من صلوات الأجبية المقدسة).

روح الشركة: أنا أتكون من حرارة الآخر الروحية:

يسمى القديس مقاريوس حياة الشركة:

(أ) بالشركة الأخوية (عظة 3). (ب) والمدينة السماوية (عظة 2:12).

(جـ) والعائلة السماوية (عظة 23).

[والكنيسة السماوية هي واحدة ولكن بها أعداد لا تحصى وكل شخص فيها يتزين بمجد الروح بطريقة فريدة خاصة لأنه كما أن الطيور تخرج من أجسادها غطاء لها هو ريشها إلا أنه توجد اختلافات كبيرة بين الطيور نفسها…هكذا القديسون فأنهم متأصلون في سماء واحدة هي سماء اللاهوت ولكن بطرق متنوعة…. فإن الروح إذ يأتي إلى القلب فإنه يصنع فكرًا واحدًا، فإن الذين هم فوق والذين أسفل هم تحت تدبير وقيادة روح واحد] (عظة 3:32).

 

التوازن بين المؤسسة والخاريسما (موهبة) بين الروح والتاريخ:

القضية الكبرى التي واجهتها الكنيسة الأولى منذ البدء والواضحة في رسائل بولس والآباء الرسوليين ولاهوت أغناطيوس الأنطاكي هي ضرورة أن تجتمع كل المواهب حول سر الإفخارستيا والأسقف. وهنا تأسس الانسجام والتوازن بين المواهب والتنظيم الكنسي والإدارة والتي انطلقت من روح الإفخارستيا. فلأفخارستيا هي مركز كل حركة الكنيسة في التاريخ. قد كتب الباحث الأمريكي Peter Brown عن أن الخطورة تكمن في أن يحدث (روتنة المواهب) وهنا يحدث الفصام بين الإدارة الكنسية والمواهب وقديمًا قال أفلاطون ” ليت الفلاسفة يحكمون والحكام يتفلسفون “.

وأباء الكنيسة طبقوا ذلك في الكنيسة فأدار الكنيسة اللاهوتيون فصارت الإدارة نفسها خاريسما أي الموهبة الروحية فلا يوجد عند الآباء تناقض بين ” خادم النادي ” و ” خادم الكلمة ” أو ” خادم أخوة الرب ” أي أن كل عمل في الكنيسة تحول إلى عمل خريسماتيكى نابع من روح التوبة والشركة وحين يتكلم عن مريم ومرثا يؤكد مقاريوس على هذه الوحدة (عظة 16:12)

وفي تعبير رائع عن هذا الاتزان بين المواهب ” فمهما كان انشغال الأخوة فينبغي أن يقوموا به في محبة وبشاشة نحو بعضهم البعض، فالذي يشتغل منهم فليقل عن الذي يصلى ” أن الكنز الذي يجده أخي هو كنز مشترك فلذلك فهو كنزى ” والذى يصلى يقول عن الذي يقرأ ” أن كل ما استفادة أخي من القراءة هو لمنفعتى ” والذى يعمل فليقل ” أن ما أعمله من الخدمة diakonia هو لمنفعة الجميع “…..

وهناك أمر لازم للجميع، هو أن يحصل الإنسان في داخل نفسه على كنز، وعلى الحياة في عقله هذه الحياة التي هي الرب نفسه ـ حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلى أو يقرأ فلا يزال حاصلاً على ذلك النصيب الذي لا يزول الذي هو الروح القدس (عظة 3:3). الوحدة بين المواهب والكنيسة وأباءها لدليل على الوحدة بين عمل الروح والواقع التاريخي بين الثيؤريا والإستوريا.

 

إن العداء بين الأنبياء كحاملين للروح والكهنة كخدام للطقس أي بين النعمة وتجسيدها التاريخي في الأسرار والكهنوت لا يمت بصلة للتراث الآبائي بل هو نتاج قراءة بروتستانتية للكتاب المقدس أثناء عصر الإصلاح والهجوم على الكنيسة الكاثوليكية وخاصة العهد القديم فالنبي في العهد القديم هو ابن بيئته الطقسية ونقد الأنبياء كان ضد الممارسة الشكلية للطقس وليس ضد الطقس ومحاولة تأسيس الصراع بين المواهب والمؤسسة، بين النبي والكاهن نشأ في ظروف عصر الإصلاح البروتستانتي (5)، ولا نجد أثر له عند الآباء فالكنيسة تحفظ المواهب وتجد بينها الاتزان اللازم. (راجع 1كو12).

 

الجهاد الروحي والواقعية الآبائية:

في وسط هذه الأجواء الروحية المقاريوسية أي الطوباوية يجد الجهاد الروحي معناه وهدفه وفي معظم العظات يتكلم قديسينا عن الجهاد وضرورة اشتراك الإنسان في العمل مع الروح: ” فليغصب كل واحد منا نفسه ليطلب من الرب أن يحسب أيضًا أن ينال وأن يجد كنز الروح السماوي لكيما يستطيع بدون صعوبة أن يتهيأ أن يعمل كل وصايا الرب بنقاوة وبلا لوم ـ تلك الوصايا التي لم ينجح قبل ذلك مهما غصب نفسه…. أما النفس التي وجدت الرب الذي هو الكنز الحقيقي فإنها بواسطة طلب الروح وبالإيمان والثقة وبصبر كثير تثمر ثمار الروح بسهولة وراحة ” (عظة 3:18، 19).

وفي العظة 25 يؤكد الحاجة إلى قوة الصليب ويعتبر أن الحياة على الأرض باطلة وبلا هدف بدون قوة الله أي أن التاريخ بلا معنى بدون رؤية الله. (عظة 2:25)

ويميز القديس مقاريوس بين الجهاد الذاتي والجهاد بالروح (عظة 21:26) ” الأشياء التي تعملها بنفسك هي حسنة مقبولة أمام الله ولكنها ليست نقية تمامًا فمثلاً: أنت تحب الله، ولكنك لا تحبه محبة كاملة فحينما يأتي الرب إلى داخلك فإنه يعطيك محبة سماوية غير متغيرة… منذ سقوط الإنسان صارت تربة القلب البشرى تنبت شوكًا وحسكًا والإنسان يعمل فيها ويتعب ومع ذلك تنبت فيها أشواك الخطية (تك 18:3) إلى أن يأتي الروح نفسه ” ويعين ضعفات الإنسان ” (رو26:8) ويزرع الرب الزرع السماوي في تربة القلب ويفلحها ولكن برغم ذلك لايزال الحسك والشوك ينبتان ثانية ثم يعمل الرب والإنسان معًا في أرض النفس ولايزال أشواك “.

 

تظهر الواقعية الآبائية أيضًا في أن حصول الإنسان على النعمة لا يغير طبيعته فالذي كان شديدًا يبقى على شدته والرقيق على رقته (عظة 5:26) وسيظل احتفاظ كل إنسان بطبيعته حتى في قيامة الأجساد (عظة 10:15). سر الخلاص عند الأباء هو في إطلاق طاقة الإنسان لتصير أعمالاً خلاقة وإبداعات شاهدة للمسيح وأخيرًا فإن الحياة في الروح عند القديس مقاريوس هي مسيرة لا تنتهي ويعتبر أن سبب الخطية يكون في أن كثيرين ظنوا أنهم قد حصلوا على الكمال وقالوا هذا يكفي ولكن الرب ليس له نهاية ولا يمكن إدراكه بصورة كاملة ولا يجرؤ المسيحيون أن يقولوا ” لقد أدركنا ” (في 13:3) ولكنهم يظلون يطلبون بتواضع.

ويعلمنا القديس مقاريوس أن أمور الحياة نسبية لأنه ” إذا ذهب إنسان له بعض العلم إلى قرية حيث الناس غير متعلمين فإنهم يعجبون به ويمدحونه كأحد العلماء لأنهم جهلاء تمامًا ولكن إذا ذهب نفس هذا الشخص بعمله القليل إلى مدينة حيث العلماء والخطباء فإنه لا يجسر أن يظهر بينهم أو يتكلم لآن العلماء الحقيقيون يحسبونه جاهلاً (عظة 17:26).

فالمعرفة البشرية مهما كان مستواها فهي لا ترقى إلى معرفة كل شيء. والأباء أحبوا رؤية الرسول بولس للأمور الآن في مراه (1كو 10:13). والتاريخ والأحداث ستأخذ معناها من قصدها النهائي أي من الاسخاتولوجيا وذلك واضح من قول الرسول في بقية الآية: [فإننا ننظر الآن في مراه في لغز لكن حينئذ وجهًا لوجه الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت] (1كو 12:13). المعرفة عند الأباء اسخاتولوجية المدى. وهناك يأخذ تأمل الأباء الشيوخ في الموت كل قوته في الإسخاتولوجيا.

 

 

[1] Andrew Louth, the origins of the Christian Mystical Tradition Oxford, 1991, P.v

[2] الرؤية الآبائية لحضور الروح القدس وعمله في الكنيسة والعالم ـ خرستوس ياناراس ـ ترجمة أ. ناجى أسحق. وقد ظهر هذا المقال في كتاب أعمال المؤتمر السنوي الثاني للدراسات الآبائية ـ سبتمبر 1994م.

[3] الخولاجي المقدس والثلاث قداسات إصدار دير السيدة العذراء ـ المحرق (صلاة الصلح القداس الباسيلي). انظر أيضًا كتاب (وجه النور) للأب ليف جيلليه.

[4] ملحوظة: انظر خرستوس ياناراس ص1، انظر أيضًا عظة 6:6،7.

[5] من أجل حياة العالم For the life of the world.

الروح القدس في عظات القديس مقاريوس – أ. ناجى أسحق

Exit mobile version