ويل لكم أيها الناموسيون – إنجيل لوقا 11 ج16 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ويل لكم أيها الناموسيون – إنجيل لوقا 11 ج16 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

ويل لكم أيها الناموسيون – إنجيل لوقا 11 ج16 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لوقا 11: 45ـ48) “ فأجاب وَاحِدٌ مِنَ النَّامُوسِيِّينَ وقال له: يَا مُعَلِّمُ حِينَ تَقُولُ هَذَا تَشْتِمُنَا نَحْنُ أَيْضاً. فَقَالَ: وَوَيْلٌ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ لأَنَّكُمْ تُحَمِّلُونَ النَّاسَ أَحْمَالاً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَأَنْتُمْ لاَ تَمَسُّونَ الأَحْمَالَ بِإِحْدَى أَصَابِعِكُمْ. وَيْلٌ لَكُمْ لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ. إِذًا تَشْهَدُونَ وَتَرْضَوْنَ بِأَعْمَالِ آبَائِكُمْ لأَنَّهُمْ هُمْ قَتَلُوهُمْ وَأَنْتُمْ تَبْنُونَ قُبُورَهُمْ“.

 

          إن التوبيخ هو دائمًا أمر عسير أن يحتمله أي إنسان، ولكنه ليس بغير فائدة للعاقلين، لأنه إنما يقودهم إلى التزام ممارسة تلك الأشياء التي تجعلهم مستحقين للكرامة، وتجعلهم محبين لاقتناء الفضائل، أما الذين يسرعون إلى الشرور بكل اهتمام، والذين جعلوا قلوبهم ضد قبول النصح، فإنهم ينجرفون بسرعة إلى خطايا أعظم عن طريق نفس الأسباب التي كان يجب أن تجعلهم أكثر تعقلاً، بل إنهم يتقسّون بواسطة كلمات الذين يحاولون أن ينفعوهم. وكمثل لهذه الحالة من التفكير أُنظر إلى أولئك الذين يدعون بالناموسيين عند اليهود. كان مخلِّص الجميع يوبِّخ الفريسيين كأناس منحرفين بعيدًا عن الطريق الصحيح وواقعين في ممارسات غير لائقة، إذ وبَّخهم على كونهم منتفخين، ومرائين، ومحبين للتحيات في الأسواق، وراغبين في الجلوس في المتكآت الأولى في المجامع، بل ودعاهم أكثر من ذلك قبور تظهر جميلة من الخارج، ولكن من الداخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة (مت23: 27). وعندما قال هذه الكلمات، تذمَّرت فئة الناموسيين الأغبياء، ونهض واحد منهم وعارض تصريحات المخلِّص وقال: ” يا معلم حين تقول هذا تشتمنا نحن أيضًا“.

          يا له من غباء عظيم! أي عَمَى في العقل والفهم من جهة كل شيء ضروري! إنَّ هؤلاء الناس يعرِّضون أنفسهم للتوبيخ، بل بالأحرى أن قوة الحق أظهرتهم أنهم مستحقون كذلك لنفس الاتهامات كالفريسيين، وأنهم يفكرون مثلهم ويشاركونهم في أعمالهم الشريرة ما داموا يعتبرون أن ما يقوله المسيح عن الآخرين قد قيل ضدهم هم أيضًا، وإلاَّ فأخبرني لأي سبب تغضب! لأنه حينما يوجِّه أي لوم إلى الفريسيين فأنت تقول إنك أيضًا تُشتَم، إذن فأنت تعترف بأعمالك، وأنت تدرك طبعًا في نفسك بأن سلوكك مثلهم. ولكن إن اعتبرت هذا توبيخًا واجبًا لهم على أي شيء من هذا النوع، ورغم ذلك فإنك لا تُغيِّر سلوكك، فإن سلوكك هذا هو الذي يستحق اللوم. إن كنتَ تكره التوبيخ كما لو كان شتيمة، فاظهر نفسك أنك أسمى من الأخطاء التي تُتَّهَم بها أو بالحري لا تنظر إلى كلمة التقويم على أنها شتيمة. ألا ترى أن هؤلاء الذين يشفون أجساد الناس يتحدَّثون مع المرضى عن الأسباب التي أدَّت إلى أمراضهم ويستخدمون الأدوية المؤلمة ليوقفوا ما حدث، ومع ذلك فلا يغضب منهم أحد لهذا السبب ولا يعتبر أحد أن ما يقولونه شتيمة، ولكنك أنت ضيِّق الفكر في تقبُّل النصائح ولا ترضَى أن تتعلَّم ما هي الأوجاع التي تؤذى قلبك. كان من الأفضل جدًّا أن تُحب التوبيخ وأن تطلب لأجل التخلُّص من أمراضك ولأجل شفاء قروح نفسك، وكان من الأفضل جدًّا بالحري أن تقول: ” اشفني، خلِّصني فأخلُص، لأنك أنت هو تسبيحي” (إر17: 14).

  لا شيء من هذا النوع يدخل عقل الناموسيين ولكنهم تجاسروا أن يقولوا: “ بقولك هذا تشتمنا نحن أيضًا” معتبرين بجهلهم أن اللوم الذي هو لمنفعتهم وفائدتهم، شتيمة. لماذا إذن أجابهم المسيح؟ إنه جعل توبيخه لهم أكثر شِدَّة وأوضح كبرياءهم الفارغ بقوله هكذا: ” ويل لكم أيها الناموسيين، لأنكم تُحمِّلون الناس أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل وأنتم لا تمسُّون الأحمال بأحد أصابعكم“. إنه يصوغ نقاشه ضدهم بمَثَل واضح، لأنه كان أمرًا معترَفًا به أن الناموس عسر الحمل للإسرائيليين.

          كما اعترف بذلك أيضًا التلاميذ الإلهيُّون بأنهم كانوا ينتهرون أولئك الذين سعوا لجعل الداخلين إلى الإيمان أن يعودوا إلى فرائض الناموس، لأنهم قالوا: ” فالآن لماذا تُجرِّبون الله بوضع نير على عنق التلاميذ لم نستطع نحن ولا آباؤنا أن نحمله؟” (أع 15: 10). والمخلص نفسه علَّمنا هذا مناديًا بقوله ” تعالوا إليَّ يا جميع المتعَبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم وتعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم” (مت11: 28ـ29). إذن فهو يقول إن الذين تحت الناموس هم متعَبون وثقيلو الأحمال، بينما يدعو نفسه وديعًا، كما لو كان الناموس ليس فيه شيئًا من هذه الصفة، لأنه كما يقول بولس: ” لأن من خالف ناموس موسى فعلى فم شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة” (عب10: 28). لذلك فهو يقول، ويل لكم أيها الناموسيون، لأنكم بينما تُحمِّلون الناس أحمالاً عسرة الحمل وغير ممكن رفعها، تضعونها على أولئك الذين هم تحت الناموس، وأنتم أنفسكم لا تلمسونها. لأنهم بينما يأمرون بأن تُحفظ شريعة موسى بدون انتهاك، ويحكمون بالموت على الذين يستخفون بها، فإنهم هم أنفسهم لا يُظهرون أي مبالاة لواجب تنفيذ فرائضها ـ وإذ اعتادوا أن يفعلوا هكذا، فإن بولس الحكيم يُعنِّفهم أيضًا بقوله: ” هوذا أنت تُسمَّى يهوديًّا وتتَّكل على الناموس وتفتخر بالله، وتعرف مشيئته وتميِّز الأمور المتخالفة متعلِّمًا من الناموس، وتثق أنك قائد للعميان، ومهذِّب لمن هم بلا فهم، ومعلِّم للأطفال، ولك صورة العلم والحق في الناموس، فأنت إذًا الذي تُعلِّم غيرك ألست تُعلِّم نفسك؟ الذي تكرز أن لا يُسرق أتسرق ؟ الذي تقول أن لا يُزنى أتزني؟ الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل؟ الذي تفتخر بالناموس أبِتَعَدِّي الناموس تهين الله؟” (رو2: 17ـ13). لأن المعلِّم يصير مرفوضًا ويخزى إذا كانت تصرفاته لا تتفق مع كلماته، ويَحكُم عليه المخلِّص بالعقاب الشديد، لأنه يقول: ” إن من علَّم وعمل يكون عظيمًا، أما من يعلِّم ولا يعمل فإنه يدعى صغيرًا في ملكوت السموات” (مت5: 19). ولنفس السبب يكتب لنا تلميذ المخلِّص ويقول: ” لا يكن فيكم معلِّمين كثيرين يا إخوتي عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا” (يع3: 1).

          وهكذا بعد أن أظهر المخلِّص هذه العُصبة الرديئة من الناموسيين فانه يواصل حديثه لينطق بتوبيخ عام لكل رؤساء اليهود فيقول ” الويل لكم ! لأنكم تبنون قبور الأنبياء وآباؤكم قتلوهم، فأنتم إذن تشهدون وترضون بأعمال أبائكم، لأنهم هم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم“. دعنا إذن نفحص بعناية ماذا يقصد المخلِّص، لأن ما هو العمل الشرير الذي يمكننا أن نقول إنهم أجرموا فيه ببنائهم قبور القديسين؟ ألم يصنعوا بهذا تكريمًا متميزًا لهؤلاء القديسين؟ فمن وقت لآخر كان أسلاف اليهود يسلِّمون للموت الأنبياء القديسين الذين يأتونهم بكلمة الله ويقودونهم إلى الطريق الصحيح، أما أبناؤهم فإذ اعترفوا أن الأنبياء كانوا قديسين ورجالاً مكرَّمين فإنهم يُشيِّدون قبورًا ومدافن لهم، كما لو كانوا يمنحونهم كرامة تليق بالقديسين. إذن، فآباؤهم ذبحوهم، أما هم فبإعتقادهم أنهم أنبياء ورجالاً قديسين صاروا قضاة لآبائهم الذين ذبحوهم، لأنهم بعزمهم على تقديم الكرامة لأولئك الذين قُتلوا فإنهم بهذا يتَّهمون آباءهم بخطئهم فيما عملوه. أما هم فإذ أدانوا آباءهم بسبب هذه الجرائم القاسية، فقد صاروا على وشك أن يقترفوا ذنب جرائم مساوية، ويرتكبوا نفس الأخطاء، أو بالحري أخطاء أكثر شناعة منها لأنهم ذبحوا رئيس الحياة المخلص والمنقذ للجميع، وأضافوا أيضًا لشرهم نحوه أعمال قتل أخرى، ممقوتة. فها هم قد قتلوا إستفانوس، لا كمُتَّهَم بأي شيء رديء بل بالحري بسبب نصحه لهم إذ كلمهم بما هو في الكتب الموحَى بها، وجرائم أخرى بجانب هذه ارتكبوها ضد كل قديس كان يُبشرهم برسالة الإنجيل الخلاصية.

          لذلك فإن الرب يبكِّت الناموسيين والفريسيين بكل طريقة، كأناس يكرهون الله، وهم دائمًا منتفخون ومحبون للذة أكثر من محبة الله، ومن كل وجه يرفضون أن يخلُصوا، لهذا أضاف المسيح تلك الكلمة: “ويل” كشيء يختص بهم، الذي به وله ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

ويل لكم أيها الناموسيون – إنجيل لوقا 11 ج16 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الحق ومحبة الله – إنجيل لوقا 11 ج15 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الحق ومحبة الله – إنجيل لوقا 11 ج15 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

 

(لو11: 42ـ44) ” وَلَكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ لأَنَّكُمْ

الحق ومحبة الله – إنجيل لوقا 11 ج15 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْلٍ وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ!. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ. وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ“.

 

          أولئك الذين يراعون الوصايا المقدسة ـ لا يجرؤون بأية طريقة أن يسيئوا إلى إله الكل، لأنهم يشعرون بصدق المكتوب: ” لأن من حفظ كل الناموس وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل لأن الذي قال لا تزنِ قال أيضًا لا تقتل، فان لم تزن ولكن قتلت فقد صرت متعديًا الناموس” (يع2: 10ـ11). لذلك فإن من يتعدَّى وصية واحدة فقد تعدَّى الناموس، أي أن هذا يبرهن أن ذلك الإنسان هو بلا ناموس. أما إن احتقر أي إنسان تلك الوصايا، وخصوصًا تلك التي هي أكثر أهمية من الباقي فأية كلمات يجدها قادرة أن تنقذه من العقاب الذي يستحقه؟ لذلك فقد استحق الفريسيون هذه الانتقادات الحادَّة التي أثبتها عليهم الرب بقوله: ” ويل لكم أيها الفريسيون! لأنكم تُعشِّرون النعناع والشذب وكل بقل وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله، كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتغاضوا عن الأخرى“، أي ألا تتركوا تلك. إنهم بينما حَذَفُوا الواجبات التي كان ينبغي بنوع خاص أن يعملوها ـ كأنها بلا أهمية ـ مثل الحق ومحبة الله ـ نجدهم يراعون باهتمام وبتدقيق أو بالحري يأمرون الناس الخاضعين لسلطاتهم أن يراعوا تلك الوصايا التي هي فقط وسيلة للحصول على إيراد كبير لأنفسهم. ولكي أُوضِّح لكم هذه الأمور بأكثر تفصيل، يا أحبائي، فإنني يلزم أن أتكلم كما يلي: أوصى ناموس موسى الإسرائيليين أن يعطوا العشور للكهنة، لأنه يقول: ” لا يكون لبني لاوي ميراث مع بنى إسرائيل، وقائد الرب هي نصيبهم” (تث18: 1). لأن كل ما يوهب من أي واحد لأجل مجد الله، أقصد من عشوره، فهذه يفرزها الله لأولئك الذين كان عملهم هو الخدمة، وكان هذا هو نصيبهم، ولكن إذ كان الفريسيون جشعين أكثر من غيرهم ومولعين بالربح القبيح، فإنهم كانوا يأمرون أن قانون العشور هذا يلزم أن يراعَى بتدقيق شديد وعناية، حتى إنهم لا يغفلون حتى الأعشاب الرديئة والتافهة؛ بينما استخفوا وأهملوا ما كان يجب أن يحفظوه، أى الوصايا  الأساسية التي أعطاها موسى، مثل الحق، والذي يقصد به العدل في القضاء، وكذلك وصية محبة الله. لأنه كان يمكن أن يُحتسب قضاء عادلاً وحكمًا مستقيمًا؛ لو أنهم اعتبروا كل ما أُوصى به أنه مستحق اهتمامًا ومراعاة بالتساوي، وألاَّ يهملوا الأشياء التي لها الأهمية الأولى، ولكننا نجدهم يعطون تدقيقًا شديدًا فقط لتلك الأمور التي تؤول لمنفعتهم. ومراعاتهم  لمحبة الله كانت ستجعلهم يتجنبون إغضابه من أية جهة، والخوف من كسر أي جزء مهما كان من الناموس.

          ولنُوضِّح (ما قلناه) بطريقة أخرى، فيمكن أن يقول قائل إنَّ هذا القضاء قد يحكم أحكامًا عادلة، ولا يقرر بشأن أي أمر مهما كان، قرارًا غير عادل. وهذا أيضًا تغاضى عنه الفريسيون، لأن الروح يُوبِّخهم بصوت داود في قوله: ” قام الله في مجمع الآلهة، وفى وسط الآلهة يقضي، حتى متى تقضون جورًا فتقبلون وجوه الأشرار؟” (مز82: 1ـ2). كما اتهمهم أيضًا بصوت إشعياء قائلاً: ” كيف صارت المدينة الأمينة صهيون، الملآنة بالحق صارت زانية؟ كان العدل يبيت فيها أما الآن فالقاتلون. فضتك صارت زغلاً، وتجارك يخلطون الخمر بالماء، ورؤساؤك متمردون شركاء اللصوص يحبون الرشوة ويجرون وراء العطايا، لا يقضون لليتيم، ويهملون دعوى الأرملة؟” (إش1: 21ـ23 س). لأن الحُكم بغير عدل ليس هو صفة أولئك الذين يمارسون محبة الإخوة، بل هو بالحري ذهن شرير، وبرهان واضح على السقوط في الخطية. لذلك يقول: “ بينما تُعشِّرون النعناع والشذب وكل بقل، وتأمرون بأن تُحفظ الوصية من جهة هذه الأمور بدقة شديدة. فإنكم لا تعطون أي اهتمام بأمور الناموس الأكثر أهمية، أعني تلك الوصايا التي هي ضرورية أكثر ونافعة للنفس، والتي من خلالها تُظهرون أنفسكم مكرَّمين ومقدَّسين ومملوئين بكل مديح كما يليق بأولئك الذين يريدون أن يحبوا الله ويرضونه “.

ثم يضيف الرب ويلاً آخر لمن تكلم عنهم سابقًا بقوله: ” ويل لكم أيها الفريسيون لأنكم تحبون المجلس الأول في المجامع والتحيات في الأسواق“. فهل هذا التوبيخ مفيد للفريسيين فقط؟ ليس هو كذلك، لأن فائدته إنما تمتد لتشملنا نحن أيضًا، لأنه حقًّا أن الكاملين في أذهانهم، والمحبين للسلوك المستقيم، يجدون في توبيخ الآخرين طريقة لسلامهم هم أيضًا، لأنهم بلا شك سوف يتجنَّبون أن يتشبهوا بهم، وألاَّ يُعرِّضوا أنفسهم أن يسقطوا في أخطاء مماثلة. لذلك فالاتهام الذي يوجِّهه المسيح ضد الفريسيين بأنهم يسعون إلى التحيات في الأسواق، والمجالس الأولى في المجامع والاجتماعات، يبين أنهم كانوا مولعين بالمديح، ويشتهون أن يمتعوا أنفسهم بتباهي فارغ وتشامخ زائف. وماذا يمكن أن يكون أسوأ من هذا؟ أو كيف لا يتحتم أن يكون مثل هذا السلوك مكروهًا من أي إنسان، باعتباره سلوكًا منتفخًا ومزعجًا، وخاليًا من ثناء الفضيلة، ويقصد به فقط أن يختلس الشهرة بالكرامة؟ وكيف لا ينبغي أن يكون أقل بكثير جدًّا من سلوك الذين هم مساكين بالروح، ودعاء، دمثين، لا يحبون الانتفاخ بل لطفاء، لا يخدعون الناس بالمظاهر الخارجية الزائفة، بل هم بالحري عابدون حقيقيون، مزيَّنون بذلك الجمال العقلي الذي يطبعه فينا الكلمة الإلهي بواسطة كل فضيلة وقداسة وبر.

          لأنه إن كان يجب أن نُبرهِن أننا أفضل من الآخرين وليس ما يمنع ذلك ـ فلندع الحكم لنا بالتفوُّق يعطَى لنا من الله، وذلك بأن نزيد عليهم من جهة السلوك والأخلاق وبمعرفة حكيمة للكتب المقدسة لا يشوبها عيب. لأنه، أن يكرمنا الآخرون بالتحية، وأن نجلس في أماكن أعلى مرتبة من أصدقائنا، فهذا لا يُثبِت على الإطلاق أننا أشخاص جديرون بذلك. لأن هذا يمتلكه كثيرون مِن الذين هم بعيدون جدًّا عن الفضيلة. بل هم محبون للذات ومحبون للخطية، وهم يغتصبون الكرامات من كل إنسان، إما بسبب امتلاكهم لثروة كبيرة أو سلطة عالمية.

          أما كوننا نستحوذ على إعجاب الآخرين دونما فحص أو تروى، وبدون أن يعرفوا حالتنا الحقيقية، فهذا لا يزكينا أمام الله الذي يعرف كل الأشياء، هذا ما يوضحه المخلِّص على التو بقوله: ” ويل لكم! لأنكم مثل القبور المخفية والذين يمشون عليها لا يعملون“. إنني أرجوكم أن تلاحظوا قوَّة المَثَل بوضوح شديد، فأولئك الذين يعتبرونه شيئًا عظيمًا وبشغف أن تكون لهم المتكآت الأولى في المجامع، هؤلاء لا يختلفون في شيء عن القبور المختفية المزينة حسنًا من الخارج ولكنها ممتلئة من كل نجاسة. إنني أرجوكم أن تلاحظوا هنا أن الرياء يُلام بالتمام، فهو مرض ممقوت أمام الله وأمام الناس. لأن كل ما يظهر به المرائي ويُفكِّر أنه يكون عليه فهو ليس هكذا، بل هو يستعير شهرة الصلاح. وبهذا فهو يحكم على دناءته. لأن نفس الشيء الذي يمدحه ويعجب به، هو نفسه لا يمارسه. ولكن ليس ممكنًا أن تخفى رياءك لمدة طويلة، لأنه كما أن الأشكال التي تُرسَم في الصور تبهت لأن الوقت يُجفِّف الألوان، هكذا أيضًا المراؤون، فإنهم يوبخون في داخلهم حالاً أنهم ليسوا شيئًا في الحقيقة.

          يجب علينا إذن أن نكون عابدين حقيقيين، وليس كمن يرغبون في أن يرضوا الناس لئلا نخيب عن أن نكون خدامًا للمسيح، وهكذا يقول بولس المبارك في مكان ما: ” أفأستعطف الآن الناس أم الله؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح” (غلا1: 10). لأن الافتراضات في أمور السمو الأخلاقي هي سخيفة، وغير جديرة بالاعتبار أو الثناء، لأنه كما يُرفض ما هو مزيَّف ومغشوش في العملات الذهبية، هكذا المرائي يُنظر إليه باحتقار من الله ومن الناس. أما الإنسان الصادق فيلاقي إعجابًا، مثل نثنائيل الذي قال عنه المسيح: ” هوذا إسرائيلي حقًّا لا غش فيه” (يو1: 47). مَنْ هو هكذا فله تقديره أمام الله، ويُحسب جديرًا بالأكاليل والكرامات، وله رجاء مجيد معطَى له منه، وهو ” رعيَّة مع القديسين وأهل بيت الله” (أف2: 19).

          فلنهرب إذن من مرض الرياء، وليسكن فينا بالحري ذهن نقي وغير فاسد، ومتألِّق بالفضائل المجيدة، لأن هذا سوف يوحِّدنا بالمسيح الذي به ومعه لله التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى أبد الآبدين آمين.

الحق ومحبة الله – إنجيل لوقا 11 ج15 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

طهارة الداخل – إنجيل لوقا 11 ج14 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

طهارة الداخل – إنجيل لوقا 11 ج14 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

طهارة الداخل – إنجيل لوقا 11 ج14 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 37ـ41) ” وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ. وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ. فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا. يَا أَغْبِيَاءُ أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضاً؟. بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ“.

 

          يخبرنا الحكيم جدًّا بولس بحق، ” إن المسيح جاء إلى العالم ليخلِّص الخطاة” (1تى1: 5) فهذا كان هدفه، ولأجل هذا الغرض، أوضع ذاته لدرجة أنه أفرغ نفسه من مجده، وظهر على الأرض في الجسد، وتحدث مع الناس لأنه كان لائقًا به، لكونه الخالق ورب الكل أن يعطى يدًا منقذة لأولئك الذين سقطوا في الخطية، ويظهر لأولئك الذين كانوا تائهين في الضلال، طريقًا يقودهم مباشرة نحو كل عمل صالح وإلى إمتياز أفعال الفضيلة.

          وقد قال واحد من الأنبياء القديسين بخصوص الذين دُعوا بالإيمان إلى معرفة مجده: ” ويكون الجميع متعلِّمين من الله” (إش54: 13س). إذن كيف يقودنا إلى كل أمر نافع؟ ذلك بأنه ينزل بنفسه ليصير مع الخطاة، بل وأيضًا بارتضائه أحيانًا أن يهبط إلى مستوى تلك الأمور التي لا تناسبه، حتى يمكنه بذلك أن يُخلِّص كثيرين، وهذا ما يمكن أن نتعلَّمه من فصل الإنجيل الموضوع أمامنا الآن: إذ يقول إن أحد الفريسيين سأله أن يتغذى في بيته فدخل واتكأ ليأكل، كيف لا يكون واضحًا لكل أحد أن زمرة الفريسيين كانت دائمًا طبقة شريرة ودنسة، وهم مكروهون، وحاسدون، ومتحفِّزون للغضب، وعندهم كبرياء فطري، ويتجاسرون دائمًا بالكلام ضد المسيح مخلِّصنا جميعًا؟ لأنهم اعترضوا على معجزاته الإلهية، وحشدوا فِرق مشيرين أشرار ليخطِّطوا لموته. كيف يكون المسيح إذن ضيفهم؟ أما كان يعلم خبثهم؟ ولكن كيف يمكننا تأكيد هذا ؟ لأنه كإله، هو يعلم كل الأشياء فما هو التفسير إذن؟ التفسير هو أنه كان مهتمًّا بنوع خاص أن يحذِّرهم، وفى هذا فهو يشبه أمهر الأطباء. لأن الأطباء المهرة يستخدمون علاجاتهم مع المرضى بأخطر الأمراض ـ الذين يصارعون ضد المرض الذي يعانون منه ـ حتى يُسكِّنوا هجماته الضارية، أما الفريسيون وإذ هم قد استسلموا بلا رادع إلى ذهن مخدوع، فكان من الضروري أن يُحدِّثهم المسيح بما هو لازم ونافع لخلاصهم، فقد قال هو نفسه في مكان ما: ” إنه لم يأتِ ليدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة ” (مت9: 13)، كما قال أيضًا: ” لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (مت 9: 12).

          لذلك فالفريسي لغرض ما في نفسه يدعو (المسيح) إلى وليمة، ومخلص الجميع يقبل هذا، كما قلت، من أجل التدبير، ولكنه جعل هذا الأمر فرصة لإعطاء تعليم، وهو لا يُضيِّع وقت اجتماعهما للتلذذ بالطعام والمشهيات، بل لكي يجعل المجتمعين هناك يزدادون فضيلة. أما الفريسي الأحمق، فقد أوجد لنفسه فرصة للحديث، لأنه تعجَّب أن (يسوع) لم يغتسل قبل الغذاء، إذن هل تعجب الفريسي كأنه فعل شيئًا هو يستحسنه كأنه لائق بالقديسين؟ لم تكن هذه هي نظرته، فكيف يمكن أن تكون هكذا؟ وحدث العكس فقد كان ممتعضًا بسبب أنه كانت للمسيح شهرة بينهم كإنسان بار ونبي، إلاَّ أنه لم يكن يماثلهم في عاداتهم غير المعقولة لأنهم يغتسلون قبل الأكل كما كانوا يُطهِّرون أنفسهم من كل نجاسة. ولكن كان هذا أمرًا في غاية السخف، لأن الاغتسال بالماء نافع جدًّا لإزالة وسخ الجسد، ولكن كيف يستطيع أن يُطهِّر الناس من دنس الفكر والقلب؟

          أيها الفريسي الأحمق، احتجاجنا هو هذا: أنت تتفاخر كثيرًا بمعرفتك للكتب المقدسة وتقتبس دائمًا من ناموس موسى، لذلك فأخبرنا في أي موضع كتب لك موسى عن هذه الفريضة؟ أيّ وصية أمر بها الله تطالِب الناس بأن يغتسلوا قبل الأكل؟ إنَّ مياه الرش قد أُعطِيَت فعلاً بأمر موسى لتُطهِّر من القذارة الجسدية، كمثال للمعمودية التي هي بالحق مقدسة ومطهرة، وهذا يتم بالمسيح. وأيضًا أولئك الذين كانوا يُدعون إلى الكهنوت، كانوا يغتسلون بالماء، لأنه هكذا فعل موسى الإلهي مع هارون واللاويين معه، فالناموس يُعلِن بواسطة الاغتسال الذي تمَّ في مثال وظل، أنه حتى كهنوت الناموس ليس فيه ما يكفي للتقديس، ولكن على العكس ـ يحتاج إلى معمودية إلهية ومقدسة للتطهير الحقيقي، وأكثر من ذلك يرينا ببراعة أن مخلِّص الجميع هو كاف أن يقدسنا بحق، نحن جيل المكَّرسين لله ومختاريه بواسطة المعمودية المقدسة والثمينة، وفضلاً عن ذلك، من الواضح أنه لم يأمر في أي موضع بالاغتسال قبل الأكل كأمر واجب. إذن فلماذا تتعجب ولماذا تمتعض أيها الفريسي؟ إنه هو نفسه الذي أمر بالفريضة في القديم، لم يخالف ما قاله موسى. وكما قلتُ فإن الناموس الذي تجعله وسيلة للحصول على الكرامة، لم يعطك مثل هذه الوصية في أي موضع.

          ولكن ماذا يقول المخلِّص؟ لقد وجد الفرصة ليوبِّخهم قائلاً: ” أنتم الآن أيها الفريسيون، تنقُّون خارج الكأس والقصعة؛ وأما باطنكم فمملوء اختطافًا وخبثًا“، لأنه كان من السهل على الرب أن يستخدم كلمات أخرى بقصد تهذيب الفريسي الأحمق، ولكنه انتهز الفرصة لأن يمزج تعاليمه بالأشياء الموجودة أمام أعينهم. وحيث أنه كان وقت الغذاء، والجلوس حول المائدة، فإنه استخدم الكأس والقصعة كوسيلة مقارنة واضحة، وبيَّن أن أولئك الذين يخدمون الله بإخلاص يجب أن يكونوا أنقياء وأطهارًا، ليس فقط من النجاسة الجسدية، ولكن أيضًا مما هو خفي في داخل العقل. وبالمثل أيضًا، فإن الأواني التي تُستخدم على المائدة يجب أن تكون نقية ليس من الأقذار الخارجية فقط، بل من الداخلية أيضًا. لأنه يقول: ” أليس الذي صنع الخارج صنع الداخل أيضًا“، وهو يقصد بهذا أن الذي خلق الجسد خلق النفس أيضًا، وبما أن كليهما هما صنعة إله واحد محب للفضيلة، فلهذا يلزم أن يكون نقاؤهما واحدًا.

          ولكن لم تكن هذه عادة الكتبة والفريسيين، لأنه ما أن ذاع صيتهم أنهم أطهار، حتى صاروا شغوفين أن يعملوا كل شيء، فإنهم مضوا بوجوه معبَّسة شاحبة اللون من الصوم، وكما يقول المخلِّص: ” يُعرِّضون عصائبهم ويُعظِّمون أهداب ثيابهم” (مت23: 5)، و” يُصلُّون قائمين في الشوارع لكي يظهروا للناس” (مت6: 5)، راغبين أن ينالوا المدح من الناس لا من الله، وأن يستجدوا استحسان الناظرين. وباختصار فبينما هم يُبيِّنون للناظرين أنهم يمارسون بالضبط نمط حياة الفضيلة التي بحسب الناموس، نجدهم قد ابتعدوا بكل طريقة ممكنة عن أن يكونوا محبِّين لله. لقد كانوا ” قبورًا مبيضة من الخارج ” كما قال المخلص عنهم التي: “من الخارج تظهر جميلة وهى من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة” (مت23: 27).

أما المسيح فلا يريدنا أن نكون مثلهم، ولكن أن نكون عابدين بالروح وقديسين وبلا لوم في النفس والجسد كليهما. لأن واحد من شركتنا يقول أيضًا: ” نقُّوا أيديكم أيها الخطاة وطهِّروا قلوبكم يا ذوى الرأيين” (يع4: 8)، ويرنِّم داود النبي في موضع ما ويقول: ” قلبًا نقيًا اخلق فيَّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدد في داخلي” (مز51: 10). ويتكلم أيضًا إشعياء النبي كما لو كان في شخص الله ويقول: ” اغتسلوا، تطهروا، اعزلوا شر أفعالكم من أنفسكم من أمام عيني، كفُّوا عن فعل الشر” (إش1: 16س). لاحظوا دقة التعبير لأن كلماته هي: ” من أمام عيني، اعزلوا شر أفعالكم من أنفسكم“. لأنه يحدث أحيانًا أن يهرب الأشرار من أعين الناس، ولكنهم لا يقدرون أن يهربوا من عيني الله. علينا إذن ما دام الله يرى الخفيات، أن نعزل الشر من أمام عينيه.

          أما الفريسيون، فلم تكن لديهم أية معرفة عن حياة القداسة هذه، فأي دواء يقدمه لهم المخلِّص بعد توبيخاته؟ بأية طريقة يشفيهم من ضربتهم، إنه يقول: ” أعطوا ما عندكم صدقة، فهوذا كل شيء يكون نقيًا لكم” إننا نؤكد أنه توجد طرق كثيرة للسلوك الفاضل كالوداعة والاتضاع وما إليها من فضائل، فلماذا لم يذكر هذه، وأوصى الفريسيين أن يكونوا رحماء؟ أيَّة إجابة نقدمها؟ إن الفريسيين كانوا بخلاء جدًّا، وعبيدًا للربح القبيح، ويجمعون بطمع كنوزًا من المال. وها رب الكل يقول في موضع عنهم: ” كيف أن صهيون المدينة الآمنة الملآنة بالحق صارت زانية! كان العدل يبيت فيها، وأما الآن فالقاتلون! فضتك صارت زغلاً، وتجارك يخلطون الخمر بالماء، ورؤساءك متمردون ولغفاء لصوص، يحبون الرشوة ويسعون وراء العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم ” (إش1: 21ـ23). لذلك فهو يكشف عن قصد هذا الداء المتملِّك عليهم ويُمزِّق طمعهم من جذوره، حتى إذا ما شفوا من شرِّه وبلغوا نقاء الفكر والقلب يصيرون عابدين حقيقيين.

          لذلك فقد تصرَّف المخلِّص في كل هذه الأمور بحسب خطة الخلاص، فإذ دُعي إلى وليمة، فإنه منح طعامًا روحيًّا، ليس فقط لمن دعاه، بل ولجميع الذين كانوا في الوليمة معه. ليتنا نصلِّي إليه من أجل هذا الطعام الروحي، لأنه هو ” الخبز الحي النازل من السماء والواهب حياة للعالم” (يو6: 51)، هذا الذي به ومعه، لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

طهارة الداخل – إنجيل لوقا 11 ج14 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

آية يونان النبي – إنجيل لوقا 11 ج13 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

آية يونان النبي – إنجيل لوقا 11 ج13 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

آية يونان النبي – إنجيل لوقا 11 ج13 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو 11: 29ـ36) “ وَفِيمَا كَانَ الْجُمُوعُ مُزْدَحِمِينَ ابْتَدَأَ يَقُولُ: هَذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى كَذَلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا لِهَذَا الْجِيلِ. مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ رِجَالِ هَذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُمْ لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَهُنَا. رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هَهُنَا!“.

          ليس أحدًا يوقد سراجًا ويضعه في خفية ولا تحت مكيال، بل على المنارة لكي ينظر الداخلون النور. سراج الجسد هو العين، فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون مملوءًا نورًا.. ومتى كانت عينك شريرة فجسدك يكون مملوءًا ظلامًا. فإن كان جسدك كله مملوءًا نورًا ليس فيه جزء مظلم، يكون كله مملوءًا بالنور كما حينما يضيء لك السراج بنوره “.

          نتج الطلب من خبثهم، لذلك لم يمنح لهم كما هو مكتوب: “ الأشرار سيطلبونني ولا يجدونني” (هو5: 6 س)[1]… دعونا نرى الأقوال التي قالها الله لموسى وما هي الحقيقة التي تشير إليها؟ وهذا ما يلزم أن نفحصه بالتأكيد، لأني أقول إنه لا يوجد شيء من كل ما تحويه الكتب المقدسة، غير نافع للبنيان. فعندما أقام إسرائيل مدة طويلة في مصر ونشأ على عوائد سكانها (في ذلك الوقت)، فإنه ضلَّ بعيدًا عن الله، وصار كمن سقط من يد الله، وأصبح حيَّة. والحيَّة تشير إلى الشخص ذو النزعة الخبيثة جدًّا بطبعه، ولكن لما أمسك الله به ثانية فقد أعاده إلى حالته الأولى وأصبح عصا أي غرس الفردوس، لأنه دُعي إلى معرفة الله الحقيقية واغتنَى بالناموس كوسيلة لحياة فاضلة.

          وصنع الله أيضًا أمرًا آخرًا له صفة معجزية مساوية. لأنه قال لموسى: ” ادخل يدك في عبِّك. فأدخل يده في عبِّه ثم أخرجها من عبه، وإذا يده صارت برصاء مثل الثلج؟ ثم قال له: رُد يدك إلى عبك فرد يده إلى عبه ثم أخرجها من عبه وإذا هي قد عادت مثل لون جسده” (خر4: 6ـ7س).

          لأنه طالما كان إسرائيل متمسكًا بعادات آبائه، وكان يُظهِر في أخلاقه نموذج الحياة الفاضلة التي كانت له في إبراهيم وإسحق ويعقوب، فإنه كان كأنه في حضن الله، أي تحت رعايته وحمايته، ولكن بتخلِّيه عن فضيلة أجداده، فإنه صار كأنه أبرص، وسقط في النجاسة لأن الأبرص هو نجس بحسب ناموس موسى، ولكن عندما قبله الله ثانية، ووضعه تحت حمايته، فانه تخلَّص من برصه، وخلع عنه نجاسة الحياة المصرية (الوثنية). ولما حدثت هذه المعجزات أمامهم، فإنهم صدَّقوا موسى عندما قال: ” الرب إله آبائكم أرسلني إليكم” (خر3: 15).

          لذلك لاحظوا، إنهم لم يتخذوا من إظهار المعجزات سببًا لتصيُّد الخطأ. فلم يشتموا موسى الإلهي، ولم يجمحوا بلسان متسيَّب ويقولوا إنه صنع المعجزات التي صنعها أمامهم بواسطة بعلزبول، ولم يطلبوا آية من السماء محتقِرِين أعماله المقتدرة. ولكن ها أنت تنسب إلى بعلزبول أعمالاً مكرَّمة ومعجزية، ولم تخجل من أن تأتى بآخرين وبنفسك أيضًا إلى الهلاك عن طريق تلك الأمور نفسها (المعجزات) التي كان ينبغي أن تجعلك تحصل على إيمان ثابت بالمسيح. ولكنه لن يعطيك آية آخرى لكي لا يعطي القدسات للكلاب ولا يطرح الدُرر أمام الخنازير. لأنه كيف يمكن لهؤلاء المفترين بشدة على المعجزات التي صنعها (المسيح) أمامهم للتو، أن يستحقوا معجزات أكثر؟ بل على العكس فنحن نلاحظ الكرَّامين المهرة حينما يجدون أن الأرض بطيئة في إعطاء الثمر، فإنهم يرفعون يدهم عنها، ويرفضون أن يحرثوها مرة أخرى، حتى لا يتكبدوا خسارتين معًا: خسارة تعبهم، وخسارة البذار.

          ومع ذلك، فقد قال، إنه ستُعطَى لهم آية يونان فقط والتي يقصد بها الآلام على الصليب والقيامة من الأموات. لأنه يقول: ” كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة ليال” (مت12: 40). ولكن لو أنه كان ممكنًا أن المسيح لا يريد أن يقاسي الموت بالجسد على الصليب لما كانت قد أُعطِيَت هذه الآية لليهود، ولكن حيث إن الآلام التي احتملها لأجل خلاص العالم كانت لابد منها، فقد أُعطِيَت هذه الآية لأولئك العديمي الإيمان لأجل دينونتهم. وأيضًا عندما كان يكلِّم اليهود في مرَّة أخرى قال لهم: ” انقضوا هذا الهيكل وأنا في ثلاثة أيام أقيمه” (يو2: 19). وكما أتصوره، فان إبطال الموت وملاشاة الفساد بالقيامة من الموت ـ التي هي آية عظيمة جدًّا تدل على قوة الكلمة المتجسد وسلطانه الإلهي ـ يتم البرهنة عليها بشكل كافٍ بالنسبة للناس الجادين، بواسطة جنود بيلاطس الذين عُيِّنوا لحراسة القبر، وقد رشوهم بأموال كثيرة ليقولوا إن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه (مت28: 13). فهي إذن آية ليست بدون منفعة، بل هي كافية لإقناع كل سكان الأرض أن المسيح هو الله، وأنه قاسى الموت في الجسد بإرادته وحده. إذ أنه أمر رباطات الموت أن ترحل وأباد الفساد. أما اليهود فلم يؤمنوا أيضًا بالقيامة، ولهذا السبب قيل عنهم بحق، إن ” ملكة التيمن ستقوم في يوم الدين ضد هذا الجيل“.

          وهذه المرأة رغم أنها بربرية، فقد بحثت بشغف لتسمع سليمان، ولهذا الغرض سافرت مسافة طويلة جدًّا لتصغي إلى حكمته في طبيعة الأمور المنظورة والحيوانات والنباتات. أما أنتم فرغم أنكم حاضرون الآن وتستمعون إلى الحكمة ذاته، الذي أتى إليكم متحدثًا عن أمور غير منظورة وسماوية. وهو يؤكد ما يقوله بالأعمال والمعجزات، فإنكم تتحولون بعيدًا عن كلامه ولا تبالون بطبيعة كلامه العجيبة. فكيف إذن لا يكون هنا أعظم من سليمان، أي في شخصي أنا؟ وأرجوا أن تلاحظوا ثانية مهارة لغة الرب: فلماذا يقول “هنا” ولا يقول “فيَّ أنا” ؟ هو يقول ذلك لكي يحثنا أن نكون متضعين حتى لو كانت قد وُهِبت لنا مواهب روحية. وإلى جانب ذلك فإنه من المحتمل أن لو سمعه اليهود يقول:    ” يوجد أعظم من سليمان في شخصي أنا”، لكانوا قد تجرّأوا أن يتكلموا عليه بطريقتهم المعتادة ويقولون: ” انظروا إنه يقول إنه أعظم من الملوك الذين تملكوا علينا بمجد”. لذلك، فالمخلِّص ـ لأجل التدبير ـ يستخدم لغة مناسبة ويقول “ها هنا” بدلاً من “فيَّ أنا”.

          ويضيف الرب على ذلك قائلاً: إن رجال نينوى سيقومون يوم الدين ويدينون اليهود. لأنهم كانوا شرسين وأمميين ولا يعرفون الرب الذي هو الله بالطبيعة وبالحق، ولم يسمعوا قط أية نبوات من موسى، وكانوا يجهلون عظمة أخبار النبوة، ومع أن هذه كانت هي حالتهم الذهنية إلاَّ أنهم تابوا بمناداة يونان، كما يقول الرب. إذن فقد كان هؤلاء الرجال أفضل جدًّا من الإسرائيليين، وسوف يدينهم. ولكن انصتوا إلى الكلمات نفسها: ” رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان، وهوذا أعظم من يونان ههنا“.

          ” ليس أحدًا يوقد سراجًا ويضعه في خفية ولا تحت المكيال، بل على المنارة، لكي ينظر الداخلون النور” (لو11: 33).

          ماذا كان القصد بالنسبة لهذه الكلمات؟ إنه يقاوم اليهود باعتراض مأخوذ من غبائهم وجهلهم، لأنهم قالوا إنه يعمل معجزات لا ليؤمن به الناس أكثر، ولكن لكي يصير له أتباع كثيرون، ويحصل على ثناء وتصفيق أولئك الذين ينظرون أعماله الخارقة. والرب يدحض هذا الافتراض باستخدام السراج كمَثَل، فهو يقول إن السراج يكون دائمًا مرفوعًا وموضوعًا على المنارة، فيكون نافعًا لمن يبصرونه. ولنتأمل الآن النتيجة التي يشير إليها هذا الكلام. فقبل مجيء مخلصنا، كان الشيطان ـ أب الظلمة ـ قد أظلم العالم، وجعل كل الأشياء سوداء بقتام عقلي، ولكن وبينما العالم في هذه الحالة، فإن الآب أعطى ابنه ليكون نورًا للعالم، ليسطع علينا بنور إلهي، ولينقذنا من الظلمة الشيطانية. ولكن أيها اليهودي، إن كنت تلوم السراج لأنه غير مخفي، ولكن على العكس هو موضوع على منارة، وهو يعطى نوره لمن ينظرون؛ عندئذ يمكن أن تلوم المسيح لأنه لا يريد أن يكون مختفيًا، بل على العكس أن يراه الجميع، منيرًا أولئك الذين في الظلمة، وليفيض عليهم بنور معرفة الله الحقيقية. فهو يصنع معجزاته لا لكي يعجب به الناس، ولا يسعى بواسطتها إلى الشهرة، بل بالحري لكي نؤمن أنه بينما هو الله بالطبيعة، إلاَّ أنه صار إنسانًا لأجلنا، دون أن يكُف عن أن يكون كما كان (أي إلها)، ومن فوق الكنيسة المقدسة كمنارة تُشع بالتعاليم التي ينادي بها هو، فإنه يعطى نورًا لأذهان الجميع بأن يملأهم بالمعرفة الإلهية.

 

[1] أجزاء مفقودة فى المخطوط.

آية يونان النبي – إنجيل لوقا 11 ج13 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إخراج الشياطين بروح الله – إنجيل لوقا 11 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إخراج الشياطين بروح الله – إنجيل لوقا 11 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

إخراج الشياطين بروح الله – إنجيل لوقا 11 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 19ـ26) ” فَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذَلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ بِإِصْبِعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ. حِينَمَا يَحْفَظُ الْقَوِيُّ دَارَهُ مُتَسَلِّحًا تَكُونُ أَمْوَالُهُ فِي أَمَانٍ. وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنْهُ فَإِنَّهُ يَغْلِبُه وَيَنْزِعُ سِلاَحَهُ الْكَامِلَ الَّذِي اتَّكَلَ عَلَيْهِ وَيُوَزِّعُ غَنَائِمَهُ. مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ. مَتَى خَرَجَ الرُّوحُ النَّجِسُ مِنَ الإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ يَطْلُبُ رَاحَةً، وَإِذْ لاَ يَجِدُ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي الَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ. فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ مَكْنُوسًا مُزَيَّناً. ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذَلِكَ الإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ!“.

 

          إن إله الكل في توبيخه لكبرياء اليهود، وأيضًا لجنوحهم المستمر واندفاعهم إلى العصيان، يتكلم بصوت إشعياء: ” اسمعي أيتها السماوات، وأصغي أيتها الأرض، لأن الرب تكلم، ولدتُ بنين ونشَّأتهم، أما هم فرفضوني” (إش1: 2س). لأنهم رفضوا الله الآب باستخفافهم بالابن بطرق متعددة، الذي رغم أنه وُلِدَ منه بالطبيعة، إلاّ أنه فيما بعد صار مثلنا لأجلنا، ودعاهم إلى النعمة التي بالإيمان، لعلهم يُكمِّلون الوعد الذي أُعطيَ لآبائهم، حتى تُمجِّد الأمم الله من أجل الرحمة (انظر رو8:15). إن كلمة الله الوحيد الجنس صار إنسانًا حتى يكمل وعد البركة المعطى لهم، ولكي يعرفوا أنه هو الذي سبق الناموس فصوَّره، وهو الذي تنبأ عنه جماعة الأنبياء القديسين مسبقاً، وقد أجرى هذه الأعمال الإلهيَّة وانتهر الأرواح الشريرة.

          ومع أنه كان من الواجب عليهم أن يُمجِّدوه كصانع معجزات، كواحد له القوة والسلطان الفائقين للطبيعة، وبدرجة لا تقارَن، إلاّ أنهم على العكس احتقروا مجده قائلين: ” هذا لا يُخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين“. وبماذا أجاب المسيح عن هذا؟ ” إن كنتُ أنا ببعلزبول أُخرج الشياطين، فأبناؤكم بمَنْ يخرجونهم“.

          وهذا الموضوع قد شرحته لكم باستفاضة في اجتماعنا الماضي[1].

          أما بخصوص شر اليهود الذين يثرثرون عبثًا ” ضده ” والذين يلزم توبيخهم أكثر ببراهين عديدة ومقنِعة، فانه يضيف إلى ما سبق أن قاله، اعتبارًا آخر لا يمكن الرد عليه وما هو؟ فهذا ما سأذكره لكم الآن كما لأولادي: كان التلاميذ يهودًا، وأولادًا لليهود بحسب الجسد، ولكنهم حصلوا من المسيح على السلطان لإخراج الأرواح النجسة، فكانوا يحرِّرون أولئك الذين تسلَّطت عليهم الأرواح، وذلك بدعائهم عليهم بهذه الكلمات: ” باسم يسوع المسيح“، وبولس أيضًا بسلطان رسولي، أمر ذات مرة روحًا “نجسًا” قائلاً: ” أنا آمرك باسم يسوع المسيح أن تخرج منه” (أع16: 18). لهذا فهو عندما يقول إن أولادكم يدوسون بعلزبول باسمي، وذلك بأن ينتهروا أتباعه ويطردونهم من هؤلاء الذين (يسكنون) فيهم، فماذا يكون القول إنني أستمد هذه القوة من بعلزبول إلاَّ تجديف واضح مقترن بجهل عظيم؟ لذلك فهو يقول إنكم ستُدانون وتُوبَّخون بواسطة إيمان أبنائكم، لأنهم قد أخذوا مني سلطانًا وقوة على الشيطان، وإنهم ضد إرادته يخرجونه من الذين كان يسكنهم، بينما أنتم تقولون إنني أستخدم قوَّته في صنع المعجزات الإلهية. أمَّا وقد ثبت أن ما تقولونه ليس صحيحًا، ولكن بالعكس هو فارغ وهراء ومجرد إفتراء، فقد أصبح من الواضح أنني أخرج الشياطين بأصبع الله (مت12: 18)، وهو يقصد بأصبع الله، الروح القدس. لأن الابن يُسمَّى يد الله الآب وذراعه، فالآب يعمل كل الأشياء بالابن، وبالمثل فإن الابن يعمل بالروح. فكما أن الأصبع يمتد إلى اليد، كشيء ليس غريبًا عنها ولكن يختص بها بالطبيعة، هكذا أيضًا “الروح القدس”، لكونه مساوٍ في الجوهر فهو مرتبط في وحدانية مع الابن رغم أنه ينبثق من الله الآب لأن الابن يعمل كل شيء بالروح المساوي. وهنا المسيح يقول عن قصد إنه يُخرِج الشياطين بأصبع الله متكلمًا كإنسان، لأن اليهود بسبب ضعف وغباء ذهنهم لن يحتملوه إذا قال: ” إني بروحي الخاص أُخرِج الشياطين”.

          فلكي يُهدئ من استعدادهم الشديد للغضب، وميل ذهنهم للعجرفة والجنون، فإنه يتكلم كإنسان، مع أنه هو الله بالطبيعة، وهو نفسه الذي يعطيِ الروح من الله الآب لأولئك الذين يستحقُّونه، ويستخدم كمِلك خاص له، تلك القوة الخارجة منه، لأن الروح مساو له في الجوهر، ومهما قيل إن الله الآب يعمله، فبالضرورة يعمله الابن في الروح. لذلك فإذا قال إنني وقد صرتُ إنسانًا، وأصبحتُ مثلكم، أُخرج الشياطين بروح الله، فإن الطبيعة البشرية قد بلغت فيَّ أنا أولاً إلى ملكوت الله. وقد صارت مجيدة بتحطيمها قوة الشيطان، وبانتهارها الأرواح النجسة والفاسدة. فهذا هو معنى الكلمات: ” قد أقبل عليكم ملكوت الله“. أما اليهود فلم يفهموا سرَّ تدبير الابن الوحيد في الجسد، رغم أنهم كان ينبغي أن يتأمَّلوا أنه بواسطة كلمة الله الوحيد الجنس الذي تجسد دون أن يتوقف عن أن يكون كما كان دائمًا ـ فقد مجَّد طبيعة الإنسان، بأنه لم يستنكف من أن يأخذ وضاعتها على نفسه لكي يسكب عليها غناه الخاص.

          وكما كان ضروريًّا، كما بينتُ لكم، أن الجدال في هذا الموضوع سوف يقودنا إلى اعتبارات أخرى متعدِّدة، فإن المسيح يستخدم مقارنة بسيطة وواضحة، وبواسطتها سيرى من يريد أن يرى، أنه قد قهر رئيس هذا العالم، وكما يُقال ـ قطع أوتار رجليه ـ ونزع عنه القوة التي يمتلكها، وقدَّمه فريسة لتابعيه (أي التلاميذ). لهذا يقول: “حينما يحفظ القوي داره متسلِّحًا، تكون أمواله في أمان، ولكن متى جاء من هو أقوى منه وغلبه، فانه ينزع منه سلاحه الكامل الذي اتَّكل عليه ويوزِّع غنائمه“. وهذا كما قلت توضيح بسيط، ومثال للأمر مشروحًا بحسب ما يحدث في الأمور البشرية. فإنه طالما يحصل الإنسان القوي على التفوُّق، ويحرُس ممتلكاته الخاصة، فلن يكون في خطر من النهب، ولكن متى جاء من هو أقوى وأشد منه وهزمه، فإنه يسلبه. وهذا هو ما صار إليه مصير عدونا المشترك، الشيطان الأثيم، الحيَّة المتعددة الرؤوس، مخترع الخطية. لأنه كان قبل مجيء المخلِّص، في قوة عظيمة، وكان يوقع ويقود إلى حظيرته قطعانًا ليست له، ولكنها تخص الله الذي فوق الكل، (ويأخذها) كلص مغتصب ووقح جدًّا. ولكن حيث إن كلمة الله الذي فوق الكل، والمانح لكل قوة، ورب القوات، اقتحمه، بأن صار إنسانًا، فإن كل ممتلكاته اندحرت، وغنيمته وُزِّعَت، لأن القدماء[2] الذين كانوا قد وقعوا بواسطة شراكه في عدم التقوى وفي الضلال، قد دعاهم الرسل القديسين إلى معرفة الحق، وأتوا بهم إلى الله الآب وذلك بالإيمان بابنه.

      هل تريد أن تسمع وتتعلم أنت أيضًا أمرًا مقنعًا آخر بجانب هذه الأمور؟ فهو يقول: ” من ليس معي فهو عليَّ، ومن لا يجمع معي فهو يُفرِّق“. إنه يقول: أنا قد أتيتُ لأنقذ كل إنسان من أيدي الشرِّير، لأخلِّص من مَُكرِه أولئك الذين اقتنصهم، لأُطلِق المسجونين أحرارًا، لأضئ للذين في الظلمة، لأقيم الساقطين، لأشفي منكسري القلوب، ولأجمع معًا أبناء الله الذين تشتَّتوا خارجًا. هذا هو مجيئي. أما الشيطان فهو ليس معي بل بالعكس هو ضدِّي، والذي يُنظِّم شروره ضد أهدافي، كيف يمكنه أن يمنحني قوة ضد نفسه؟ كيف لا يكون غباء مجرد تصور احتمالاً كهذا؟

          أما السبب الذي جعل جمهور اليهود يسقطون في مثل هذه الأفكار عن المسيح، فإنه هو نفسه أوضحها بقوله: ” متى خرج الروح النجس من الإنسان، فيذهب ويُحضِر سبعة أرواح أخر أشرَّ منه، فتصير حالة ذلك الإنسان الأخيرة أشر من أوائله“. فطالما كانوا تحت العبودية في مصر، وكانوا يعيشون بحسب عادات وقوانين المصريين التي كانت ممتلئة نجاسة، فإنهم عاشوا حياة دنسة، وكان يسكن فيهم روح شرير، لأنه يقيم في قلوب الأشرار. ولكن حينما خلصوا برحمة الله بواسطة موسى وأخذوا الناموس كمعلِّم، ودعاهم إلى نور معرفة الله الحقيقية، فإن الروح النجس والفاسد طُرد منهم عندما ذبحوا الحمل الذي كان رمزًا للمسيح ودهنوا دمه على الأبواب فهرب المُهلك. ولكن لأنهم لم يؤمنوا بالمسيح بل رفضوا المخلِّص، فإن الروح النجس هاجمهم ثانية، لأنه وجد قلوبهم خاوية وخالية من أي مخافة لله، ومكنوسة كما كانت، فأخذ مسكنه فيهم. لأنه كما أن الروح القدس عندما يبصر قلب أي إنسان خاليًا من أي نجاسة ونقيًّا، فانه يسكن فيه ويستريح، هكذا أيضًا الروح النجس اعتاد أن يسكن في نفوس الأشرار، لأنهم كما قلت يكونون خالين من كل فضيلة ولا توجد فيهم مخافة الله، ولذلك صارت أواخر الإسرائيليين أشر من أوائلهم، كما قال تلميذ المخلِّص: ” لأنه كان خيرًا لهم لو لم يعرفوا طريق الحق من أنهم بعدما عرفوا يرتدُّون عن الوصيَّة المقدَّسة المسلَّمة لهم، قد أصابهم ما في المَثَل الصادق، كلب قد عاد إلى قيئه وخنزيرة مغتسلة إلى مراغة الحمأة” (2بط21:2ـ22).

فلنهرب إذًا من أن نكون مثل اليهود، وليتمجد المسيح الذي يعمل المعجزات، مِنَّا نحن، ذاك الذي به ومعه لله الآب التسبيح والمُلك، مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

5 يقصد الأمم الوثنية.

إخراج الشياطين بروح الله – إنجيل لوقا 11 ج12 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يخرج شيطانًا أخرس – إنجيل لوقا 11 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يخرج شيطانًا أخرس – إنجيل لوقا 11 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

يسوع يخرج شيطانًا أخرس – إنجيل لوقا 11 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11: 14ـ18) ” وَكَانَ يُخْرِجُ شَيْطَانًا وَكَانَ ذَلِكَ أَخْرَس، َفلما أخرج الشَّيْطَانُ تَكَلَّمَ الأَخْرَسُ فَتَعَجَّبَ الْجُمُوعُ. وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ. وَآخَرُونَ طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ يُجَرِّبُونَهُ. فَعَلِمَ أَفْكَارَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تَخْرَبُ وَبَيْتٌ مُنْقَسِمٌ عَلَى بَيْتٍ يَسْقُطُ. فَإِنْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَنْقَسِمُ عَلَى ذَاتِهِ فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟ لأَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنِّي بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ“.

 

          يقول الكتاب المقدس ” غرتُ غَيرة للرب” (1مل19: 10)، وأنا أيضًا أقول هكذا، مركِّزًا انتباهي بدقَّة على دروس الإنجيل المطروحة أمامنا، ليتَّضح أن لسان إسرائيل المجنون هو وقِح ومُسيَّب بالشتائم، مطغي بغضب شديد غير منضبِط، ومقهور بحسدٍ لا يمكن إخماده. انظر كيف كانوا يُصرُّون بأسنانهم على المسيح مخلِّص الكل لأنه جعل الجموع يتعجبون من معجزاته الإلهية الخارقة العديدة، ولأن الشياطين كانت تصرخ من قوَّته وسلطانه الفائقين الإلهيين، وأظن أن هذا هو ما رنَّم به داود مخاطبًا له: ” مِن عِظَم قوَّتك سيوجد أعداؤك كاذبون” (مز65: 3 سبعينية).

          أما عن السبب الذي جعل هؤلاء الناس يقاومون المجد الذي يظهر به، فإن هذا الفصل سيعلِّمنا إياه بوضوح، فيقول: ” أحضَروا إليه إنسانًا به شيطان أخرس“. والشياطين الخرساء يصعب على القديسين أن ينتهروها، كما أنها أكثر عنادًا من الأنواع الأخرى، وهى وقحة جدًّا، ولكن لا يصعب شيء على إرادة المسيح الكلية القدرة، والذي هو مخلِّصنا كلنا. فللحال أطلق الرجل الذي أحضروه إليه حُرًّا من الروح النجس الشرير، ومَن كان لسانه من قبل مغلقًا بواسطة باب ومزلاج، اندفع مرة أخرى إلى الكلام المعتاد. لأن الإنجيل قال عنه إنه أخرس، كما لو كان بدون لسان، أي بلا نطق، ولم يكن سبب الخرس نقص طبيعي ولكن بسبب عمل الشيطان. ولما لم يكن المجنون يستطيع الكلام طبعًا فإن المسيح لم يطلب منه أن يُقِر بالإيمان كعادته. ولما أجرى المسيح هذا العمل المعجزي فإن الجموع مجَّدته بتسابيح، وأسرعت لتُتوِّج صانع المعجزة بكرامة إلهية.

          يقول الكتاب إن بعضًا من الكتبة والفريسين الذين امتلأت قلوبهم بسم الكبرياء والحسد، وجدوا في المعجزة وقودًا لمرضهم، فلم يُمجِّدوا الرب، بل عكفوا على العكس تمامًا. لأنهم جرَّدوه من الأعمال الإلهية التي عملها، وعزَوْا هذه القوة الفائقة إلى الشيطان، وجعلوا بعلزبول هو مصدر قوة المسيح، فقالوا: ” ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين“، وآخرون إذ أصيبوا بشرٍ مقارب لهذا، اندفعوا بدون تمييز إلى جرأة الكلام الوقح، وإذ كانوا ملدوغين بمنخاس الحسد، طلبوا منه أن يريهم آية من السماء، كما لو كانوا يريدون أن يقولوا له: ” إن كنتَ قد طردتَ روحًا خبيثًا ووقحًا فهذا أمر غير جدير بالإعجاب، إن ما فعلته لا يدل على قدرة إلهية، إننا لم نرَ بعد شيئًا يشبه المعجزات القديمة، أرنا بعض الأفعال التي تدل ـ بدون أي شك ـ إنها معمولة بقوة من فوق. إن موسى جعل الناس يَعبُرون البحر بعد أن انفلقت المياه وصارت كسد، وضرب الصخرة بعصاه فصارت منبعًا للأنهار حتى تدفَّقت الينابيع من حجر صوان. وبالمثل فإن خليفته يشوع جعل الشمس تقف في جبعون، والقمر في وادي أرنون، ووضع قيودًا على مجارى الأردن، ولكن أنت لم ترنا أفعالاً مثل تلك. إنك أخرجت شيطانًا للناس. ولكن هذا السلطان يمنحه بعلزبول رئيس الشياطين للناس، إنكَ قد استعرتَ منه قوة صُنع هذه الأشياء التي تتسبَّب في إعجاب الناس الجهلاء الأُميِّين. بهذا الشكل تظهر جرأة القوم الذين يتصيَّدون الأخطاء، واتَّضح الآن من رغبتهم في أن يعمل آية من السماء أنهم يضمرون مثل هذه الأفكار عنه.

          بماذا أجاب المسيح على هذه الأمور؟ أولاً، هو في الواقع يبرهِن على أنه إله بمعرفته بما تهامسوا به خفية في داخلهم، لأنه مكتوب أنه ” عَلِم أفكارهم“، وهذا العمل يخص الله تمامًا، أي معرفة ما في الفكر وما في القلب وما يتكلم به الناس في الخفاء. ولكي يبعدهم الرب عن هذه الجريمة الفظَّة، فإنه يقول لهم: ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل بيت منقسم على ذاته يسقط، فإن كان الشيطان ينقسم على نفسه فكيف تثبت مملكته؟”. ولعله كان يقول لهؤلاء المثرثرين الأغبياء: ” إنكم قد جانبتم الصواب، ابتعدتم عنه جدًّا، وأنتم بلا شك تجهلون طبيعتي. إنكم لا تلتفتون إلى عظمة قوَّتي وجلال قدرتي، موسى كان خادم الناموس ولكن أنا المُشرِّع له، لأنني الله بالطبيعة، كان هو خادم الآيات، ولكن أنا الصانع والمُجري لها، أنا الذي فلقتُ المياه فعبر الشعب. أنا الذي أظهرتُ الحجر الصوان كينبوع للأنهار. أنا الذي جعلتُ الشمس تقف في جعبون، وقوَّة أوامري هي التي أوقفت القمر في وادي أرنون. أنا الذي وضعتُ قيودًا على مجاري الأردن.

والآن أنا أسألكم، فلو أن المسيح قال لهم مثل هذه الكلمات، لكان من غير المُستبعَد أن نتصوَّر أنهم كانوا سيَتَّقِدُون بالأكثر بنيران الحسد، وكانوا سيقولون: ” إنه يعطي نفسه العظمة فوق مجد القديسين، إنه يفتخر بنفسه أعلى من الآباء البطاركة المشهورين، الذين يقول عنهم إنهم ليسوا شيئًا. وينتحل لنفسه مجدهم”. وكانوا سيضيفون كلمات أخرى تعطي الفرصة للجهال للاندفاع الشرير ضده.

          لذلك وبحكمة فائقة، فإنه لا يتكلم عن تلك الأحداث، ولكن يتقدَّم لمحاجاتهم آخذًا مادة للكلام من الأمور المعتادة، ولكنها تحمل قوة الحق فيها، فيقول: ” كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل بيت ينقسم على ذاته يسقط، وإذا انقسم الشيطان على ذاته كيف تثبت مملكته؟”، إن ما يثبِّت الممالك هو ولاء الأشخاص وطاعة أولئك الذين تحت الصولجان الملكي، والبيوت تثبت إن لم يناقض سكانها الواحد الآخر، بل بالعكس يتوافقون في الإرادة والفعل. وهكذا أظن أنا، إن الذي يُثبِّت مملكة بعلزبول أيضًا هو أن يمتنع عن عمل ما يضاد نفسه، فكيف يمكن إذن لشيطان أن يخرج شيطانًا؟ إذن نستنتج من ذلك أن الأرواح الشريرة لا تخرج من الناس باتفاقها مع بعض، ولكن ضد رغبتها، فالرب يقول: إن الشيطان لا يحارب نفسه ولا يهين أتباعه ولا يسمح لنفسه أن يؤذى حامل سلاحه الأخصَّاء، بل على العكس هو يساعد مملكته. بقى عليكم أيها اليهود أن تفهموا أنني أسحق الشيطان بقوة إلهية.

          هذا ما يجب علينا أن نقتنع به نحن الذين نؤمن بالمسيح وقد ابتعدنا عن شر اليهود، لأنه ماذا يستحيل على اليد اليمنى القادرة على كل شيء؟ وأي شيء يكون عظيمًا أو صعبًا عليه هو الذي يستطيع أن يفعل كل شيء بإرادته وحده؟ هو الذي يُثبِّت السموات وأساسات الأرض، خالق الكل، كلّي القدرة، كيف يمكنه أن يحتاج إلى بعلزبول؟ إنها أفكار لا يسوغ النطق بها! هذا شر لا يطاق! شعب أحمق لا يفهم! ومن العدل أن يقال عن الإسرائيليين: ” لهم عيون ولا يبصرون ولهم آذان ولا يسمعون“. (مر8: 18)، لأنهم مع أنهم يبصرون الأعمال المعجزية التي يقوم بها المسيح، والتي تمَّت على يد الأنبياء القديسين، الذين سمعوا عنهم، وعرفوهم من قبل، إلاّ أنهم استمروا في عنادهم وجموحهم، لذلك كما يقول الكتاب: “هم يأكلون من ثمر طُرُقهم ” (أم1: 31). يجب علينا أن نجتهد في تعظيم المسيح بتمجيدات لا تنتهي، وهكذا نرث مملكة السماء، بنعمة المسيح نفسه، الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

يسوع يخرج شيطانًا أخرس – إنجيل لوقا 11 ج11 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الآب يهبنا العطايا الروحية – إنجيل لوقا 11 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الآب يهبنا العطايا الروحية – إنجيل لوقا 11 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

الآب يهبنا العطايا الروحية – إنجيل لوقا 11 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

(لو11:11ـ13) ” فَمَنْ مِنْكُمْ وَهُوَ أَبٌ يَسْأَلُهُ ابْنُهُ خُبْزًا أَفَيُعْطِيهِ حَجَرًا؟ أَوْ سَمَكًَة أَفَيُعْطِيهِ حَيَّةً بَدَلَ السَّمَكَةِ؟. أَوْ إِذَا سَأَلَهُ بَيْضَةً أَفَيُعْطِيهِ عَقْرَباً؟. فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً فَكَمْ بِالْحَرِيِّ الآبُ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ يُعْطِي الرُّوحَ الْقُدُسَ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ“.

 

          حب التعلم والشوق إلى الاستماع أمر يليق بالقديسين، ولكن ينبغي على أولئك الذين لهم هذا الفكر أن يتذكَّروا ويختزنوا في مخازن قلبهم ما يقوله أولئك المحنَّكون في تعليم العقيدة المستقيمة، والذين تُمكِّنهم دراستهم من إدخال الناس في الحق. وهذا نافع لنفوسهم لأجل تقدُّمهم الروحي إلى جانب أنه يُفرِّح المعلِّم نفسه، كالبذرة التي تبهج الفلاح عندما تبزغ بعد أن تُدفن جيدًا في التربة وتفلت من أن تكون طعامًا للطيور.

          لعلكم تذكرون حديثنا الماضي، الذي كلَّمناكم فيه عن فائدة الصلاة بلا انقطاع، وعن التوسُّل المستمر في تقديم طلباتنا إلى الله، وأنه ينبغي ألا نستسلم لصغر النفس، وألاَ نضجر لو تأخر في منح عطيته معتبرين أنه يعرف ما هو لفائدتنا، وأنه لا يمكن أن ينسى الوقت المناسب لمنح عطاياه السخية.

          وفي درس هذا اليوم، يعلِّم المخلص نقطة أخرى نافعة جدًا لبنياننا. فما هي؟ لنكشفها لكم كبنين. يحدث أحيانًا أن نقترب من إلهنا السخي، متوسلين إليه لأجل أمور متنوعة بحسب رغبة كل واحد ولكن هذا يحدث أحيانًا بدون تمييز، وبدون فحص جيِّد لما هو لنفعنا، وما إذا كان ما سيمنحنا الله إياه هو حقًّا بركة، أو أن ما سنناله سيكون لضررنا؟ وهكذا بسبب قِلَّة تبصُّرنا وسوء تصورنا نقع في شهوات مشحونة بالدمار، وهى تلقي بروح هؤلاء الذين يفكرون فيها فى شرك الموت وشباك الهاوية، لذلك، فحينما نسأل الله أي شيء من هذا النوع، فإننا لن نناله بل بالعكس فإننا نُقدِّم طلبة لا تستحق سوى السخرية. ولماذا لا يمنحنا الله طلبتنا؟ هل يضجر إله الكل من منح العطايا لنا؟ حاشا.

          وقد يقول أحدهم، لماذا إذن لا يعطي حيث أنه سخي في العطاء ؟! بالأحرى ها أنت قد سمعته يقول: ” أم أي إنسان منكم إذا سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا“(مت7: 9)[1]. أنظره وهو يصوِّر لنا هذا التشبيه مما يجرى وسطنا، إنَّ المعنى هو هكذا: أنت أب ولك أولاد، وتشدُّك العاطفة الطبيعية نحوهم، وتريد أن تفيدهم بكل الطرق، لذلك، متى رأيت ابنك يطلب خبزًا فللتو تعطيه إياه وبكل مسرة، إذ تعلم منك طعامًا صحيًا، ولكن إن حدث بسبب قصور الفهم والإدراك أن يأتي طفل صغير وهو لا يقدر أن يميز جيدًا ما يبصره، أو لا يعرف فائدة الأشياء المختلفة التي تقابله أو طريقة استخدامها، ثم يسأل حجرًا ليأكل، فالرب يقول، هل تعطيه؟ أم تجعله يكف عن مثل هذه الرغبة التي تؤدي إلى أذيته؟

          ونفس التفكير والاستنتاج يطرحه الرب عن مَثَل الحيَّة والسمكة والبيضة والعقرب. إن سأل الابن أباه فإنه سيعطيه إياها، ولكن إن رأى حيَّة وأراد أن يمسك بها، فإنه للتو سيبعد يد الطفل عنها. وهكذا إذا ما أراد بيضة، فإنك ستمنحه إياها في الحال، بل وستُشجعه على طلب مثل هذه الأشياء، حتى يتقدَّم الطفل وينمو في القامة، ولكن إن رأى عقربًا زاحفًا نحوه وجرى الطفل إليه ظانًّا أنه شيء جميل وهو يجهل الضرر الذي سيلحق به، فإنك بطبيعة الحال توقفه ولا تدع الأذى يلحقه من هذا الحيوان المهلِك. وعندما يقول الرب: ” وأنتم أشرار“، فهو إنما يقصد أن أذهان البشر تتأثر بالشر، وليست باستمرار منحازة مثل إله الكل، تجاه الصلاح. وعندما يقول: ” تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السموات يهب الروح الصالح للذين يسألونه“، فإنه يقصد ” بالروح الصالح: النعمة الروحية لأنها من جميع الجوانب، صالحة، وإذا ما نالها الإنسان، فانه يصير مغبوطًا جدًّا ويستحق الإعجاب به.

          لذلك، فإن أبانا السماوي، مستعد تمامًا أن يسكب عطاياه علينا، حتى أن كل من لم ينل ما طلبه، يكون هو نفسه السبب في ذلك، لأنه يسأله ما لن يعطيه الله له. فإن الله يريد أن نكون قديسين وبلا لوم، وأن نمضي بإقدام واستقامة في كل عمل صالح، وأن نبتعد عن كل ما يُدنِّس، وعن محبة اللذة الجسدية، وأن نرفض الاهتمامات العالمية، وألا ننهمك في مشغوليات عالمية، وألا نحيا في الخلاعة وفى الإهمال وألاَّ نبتهج بالملذات الجامحة، ولا نمارس حياة متسيِّبة، بل هو يريدنا أن نحيا حسنًا وفى تعقُّل بحسب وصاياه، واضعين الناموس الذي أعطانا، كضابط لسلوكنا، صائرين حارِّين في السعي نحو كل ما يؤدِّي رأسًا إلى بنياننا، فإن أردت أن تنال شيئًا من هذه الأنواع، فتقدم إليه بفرح، فان أبانا الذي في السماء، سيميل بسمعه إليك، لأنه يحب الفضيلة.

          امتحن إذن صلاتك لأنك إن طلبت شيئًا تصير بنوالك إياه محبًّا لله، فكما قلت، سيهبك الله إياه، ولكن إن كان أمرًا غير معقول أومضرًّا لك، فإنه سيسحب يده عنك، ولن يمنحك ما ترغب، أولاً لأنه لا يمنح شيئًا ذا طبيعة ضارة ـ فهذا أمر غريب عنه تمامًا ـ وثانيًا حتى لا يصيبك ضرر بنوال هذا الأمر. ودعني الآن أشرح لك كيف يكون هذا؟ ولهذا الغرض سأُقدِّم الأمثلة الآتية: إنك إذا ما سألت ثروة، فلن تنالها من الله، لماذا؟ لأن الثروة تفصل قلب الإنسان عن الله، فالمال يُولِّد الكبرياء والفجور وحب اللذة، ويأتي بالناس إلى مهاوي الشهوات العالمية، وعن هذا علَّمنا واحد من تلاميذ ربنا قائلاً: ” مِن أين الحروب والخصومات بينكم، أليست من هنا من لذَّاتكم المحارِبة في أعضائكم ـ تشتهون ولستم تمتلكون،  تطلبون ولستم تأخذون لأنكم تطلبون رديًا لكي تنفقوا في لذَّاتكم” (يع4: 1ـ3). كذلك إن سألت قوة عالمية، فالله سوف يدير وجهه عن سؤالك، إذ يعرف أن هذه الطلبة ضارة جدًا لمن يحوزها. إذ التعسف والاضطهاد يصاحبان دائمًا ذوى القوة العالمية، هؤلاء الذين يكونون في الغالب متكبرين متسيِّبين منتفخين وكراماتهم دائمًا وقتية. كذلك إن طلبتَ هلاك شخص ما، أو طلبتَ أن يتعرض لعذابات شديدة، لأنه ضايقك أو أزعجك في شيء ما،  فالله لن يمنحك هذه الطلبة. لأنه يريد أن نكون طويلي الأناة، لا نجازي عن شرٍ بشرٍ، بل نصلي لأجل الذين يضايقوننا، وأن نفعل الصلاح لمن يؤذينا، وأن نحاكيه في شفقته. لأجل هذا مدح سليمان لأنه لما صلَّى لله فإنه قال: ” فأعط عبدك قلبًا فهيمًا لأحكُم على شعبك وأُميِّز بين الخير والشر” (1مل3: 6). وقد سُرَّ الله بطلب سليمان، وماذا عمل الله الذي يحب الفضيلة له؟ ماذا قال له؟: ” مِن أجل أنك قد سألت هذا الأمر ولم تسأل لنفسك أيامًا كثيرة ولا سألت لنفسك غِنَى ولا سألت أنفس أعدائك بل سألت لنفسك تمييزًا لتفهم الحكم، هوذا قد فعلتُ حسب كلامك، هوذا أعطيتك قلبًا حكيمًا، ومميزًا“.

          فاسأل من الله عطايا روحية هذه التي يمنحها بلا حصر، اسأل القوة حتى تقدر بشجاعة أن تقاوم كل شهوة جسدانية. اسأل الله مزاجًا غير شهوانيًّا، أطلب احتمالاً، وداعة، واطلب أُم كل صلاح أي الصبر، أطلب طبعًا هادئًا وقناعة وقلبًا نقيًّا، واطلب بالأكثر الحكمة التي تأتى منه. هذه الأشياء سيمنحها لك سريعًا، هذه التي تخلِّص النفس، وتجعل فيها ذلك الجمال الأفضل، وتطبع فيها صورة الله. هذا هو الغِنَى الروحاني، هذه هي الثروة التي لا ينبغي أن نتخلى عنها، هذه التي تُعِد لنا نصيب القديسين، وتجعلنا أعضاء في شركة الملائكة القديسين، هذه تُكمِّلنا في التقوى، وسريعًا ما تقودنا إلى رجاء الحياة الأبدية، وتجعلنا وارثين لله لملكوت السموات، بمعونة المسيح مخلِّصنا جميعًا، هذا الذي به ومعه لله الآب التسبيح والسلطان مع الروح القدس إلى دهر الدهور آمين.

 

[1] لاحظ هنا أن القديس كيرلس الكبير يتلو من الذاكرة اقتباسًا من إنجيل متى ويستخدمه أحيانًا بدلاً من نص إنجيل لوقا.

 

الآب يهبنا العطايا الروحية – إنجيل لوقا 11 ج10 – ق. كيرلس الإسكندري – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version