أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael
أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael
في القرن الأول الميلادي، نسمع عن أحد أبرز الرِّجال الذين وُجِدوا في التّاريخ. قبل ولادته، قيل لأمّه إنه لن يكون كسائر البشر، بل سيحمل طبيعة إلهيّة أي انه سيكون له صفات الهيّة تختلف عن باقي البشر. وعندما بلغ أشُدَّه، طافَ يُبَشِّر برسالته ويصنع المعجِزات: شفى المرضى، طَرَد الأرواح الشّرّيرة، وأقام الموتى.
وكان يحيط به جَمْعٌ من التّلاميذ الذين اعتبروه ابن الله. وفي نهاية المطاف، أثارت أعماله انتباه السُّلطات، فاعتُقِل، وقُدِّم للمحاكمة، وأُعدِم. غير أنّ أتباعه قالوا فيما بعد إنه حيٌّ، وجالسٌ في السماويّات. وكان اسم ذلك الرجل Apollonius of Tyana (أبولونيوس التِّياني)، نسبةً إلى مدينة (Tyana)، وهي مدينة قديمة تقع في منطقة كابادوكيا بجنوب آسيا الصغرى.
يسوع كواحدٍ من بين العديد من “الآلهة”
وكما هو متوقَّع، سارع الباحثون إلى الاستشهاد بأبولونيوس كدليل على أنَّ العالم اليوناني-الروماني القديم كان يَزْخَر بأشخاص يُنظر إليهم بوصفهم
ذوي مكانةٍ شبه إلهيّة ضمن سياقاتٍ معينة. وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أنهم كانوا يُعتَبرون بأنهم “الله” خالق الكوْن الأزلي والمتسامي، بل يُقصد أنه كان يُنظَر إليهم كشخصيّاتٍ استثنائيّة حَظِيَت بمكانةٍ شبهِ إلهيّة، كما هو حال العديد من “الآلهة” في العالم القديم.
وقد تمَّ تطبيق هذا الإطار التفسيري لاحقًا على السيد المسيح بشكل ما، إذ يُقال انّ أتباعه في مراحله الأولى، على الأقل، لم يكونوا ينظرون إليه باعتباره الإله الأعلى المتسامي للكوْن، بل رأوه إنسانًا عاديًّا رُفِع إلى نوعٍ من المكانة الإلهيّة التي لا تختلف كثيرًا عن تلك التي نُسِبَت إلى أبولونيوس.
ألوهيّة السيد المسيح وإنجيل يوحنا
يُفنِّد المسيحي التقليدي هذا الادّعاء بالإشارة إلى المواضع العديدة التي يُعلن فيها يسوع صراحةً ليس فقط عن ألوهيّته، بل كوْنِه هو ذاته إله العهد القديم.
للباحثين المعاصرين ردّ على هذا النوع من الاستدلال. فهم يقرّون بأن إنجيل يوحنّا يُقدّم يسوع بوصفه إلهًا كاملًا، لكنّه كان آخر الأناجيل تدوينًا، وقد كُتب – على الأرجح – في تسعينيّات القرن الأوّل الميلادي. وبحلول ذلك الوقت، كانت النظرة إلى مكانة يسوع الإلهيّة قد نَمَت وتوسّعت وتطوّرت. أمّا عند الرجوع إلى أقدم الأناجيل – إنجيل مرقس، الذي كُتب في سبعينيّات القرن الأوّل فإننا – بحسب رؤية هؤلاء الباحثين– نجده يقدّم يسوع بصورة تُبرِز إنسانيّته وتُركّز على جوانبه البشريّة، بحيث يبدو انساناً عاديّاً تمامًا.
وهنا، لا ينبغي أن نقلّل من شأن مدى إقناع هذا المنطق لكثيرين. ففي العام الماضي، ألقيتُ محاضرة في جامعة برينستون “Princeton University” عن “الأناجيل المفقودة”، وكان هذا من أكثر الاعتراضات التي سمعتها شيوعًا.
اليهوديّة في القرن الأوّل وإله العهد القديم
كيف يمكن الإجابة على هذا السؤال؟ هل يوجد دليل في العهد الجديد يسبق إنجيل يوحنّا يُؤكِّد أن السيّد المسيح لم يُنظَر إليه كمجرّد شخص ذو مكانة شبه إلهيّة، بل باعتباره إله العهد القديم ذاته؟
حسنًا، يعتمد الأمر على الكيفيّة التي كان اليهود الاوائل ينظرون بها إلى إله العهد القديم. ما هي السِّمات المُميّزة التي اعتبرها اليهودي المؤمن بوحدانيّة الله ضروريّة لوصْف إله العهد القديم؟ وبعبارةٍ أُخرى، ما هي الخَصائص التي يجب أن يتحلّى بها الله ليكون الإله الأسمى للكوْن؟
الإجابة واضحة ومن السَّهل العُثور عليها. تُظهِر أقدم مصادرنا أن اليهود في القرن الأول، المؤمنين بوحدانيّة الله، كانوا يَصِفُونَ إله العهد القديم بطريقتين رئيسيتين:
أوّلًا: إله العهد القديم هو الإله الوحيد المُستحقّ العبادة.
وبالتالي إله الكتاب المقدّس هو الإله الحقيقي الوحيد، ولذلك هو الوحيد الذي يجب ان تقدَّم له العبادة.
ثانيًا: إله العهد القديم هو خالق كلّ الأشياء.
بالنسبة لليهودي، هناك فئتان فقط لا غير من الكائنات: الخالق، والمخلوق. وإله الكتاب المقدّس هو الذي خَلَق كلّ الاشياء، وهو في جَوهَره غير مخلوق.
وبناءً عليه نتساءل: هل لدينا نُصوصًا مسيحيّة مُبكّرة تَسبق إنجيل يوحنّا، تَشهد وتُؤكِّد أن الرَّب يسوع كان يتّصف بهاتَين الصِّفتَين معاً، وأنّه وحده المُستحَقّ للعبادة، وأنّه خالق كلّ الاشياء؟
الجواب: نعم. وهذه المصادر ليست أقدم من إنجيل يوحنّا فَحَسْب، بل وأقدم أيضًا من إنجيل مرقس. بل إنّ لهذه المصادر جُذورًا تَمتدّ إلى ما قبل أيّ كِتاباتٍ أُخرى في العهد الجديد بحوزتنا.
بولس الرسول وألوهيّة السيد المسيح
لفهم معتقدات المسيحيّين الأوائل حوْل الوهيّة السيد المسيح، ننتقل إلى بولس الطرسوسي. ولماذا بولس؟
يشرح لاري هورتادو (Larry Hurtado) ذلك على أفضل وجه قائلاً:
“المسيحيّة البولسيّة تُعدُّ أقدم شكل من أشكال الحركة المسيحيّة التي نمْلُك وصولا مباشرا اليها من مصادر أوليّة لا جدال فيها.”(Hurtado, Lord Jesus Christ, p. 85)
وكما سنرى، لم يؤمن بولس الرسول بأن يسوع هو إله بشكل هامشيّ او مجرّد كائن شبه الهي،بل اعتبره هو ذاته إله إسرائيل، ربُّ الكون الأزليّ، خالق الكوْن، الموجود قبل كل شيء.
دعونا نتأمل في مثاليْن فقط من كتابات بولس الرسول التي كتبها في خمسينيّات القرن الأول:
في صميم هذا النص الوارد في سياق حديث بولس الرسول حول مسألة تناول الطعام المقدَّم كذبيحة للأوثان في المُجتمع الروماني الوثني، يَكْمُن حرص بولس الرسول على التأكيد بشدّة على مفهوم الوحدانية، لا سيَّما وأن هذه المسألة مرتبطة بعبادة آلهة أخرى. إذ يؤكّد بولس انّه لا يوجد سوى إله واحد، خالق كل الاشياء، يستحق أن تُقدّم له العبادة، خلافًا للآلهة الزائفة في العبادات الوثنية.
في الواقع، من المتعارَف عليه بين كثير من الباحثين وعلى نطاق واسع، أنّ بولس يستند هنا بوضوح إلى جوهر العقيدة اليهودية التي تؤمن بالوحدانية، والمتمثلّة في “الشِّماع”(shema) في (سفر التثنية 6: 4) «اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلٰهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ».
لكن الجدير بالملاحظة، أن بولس يُدْرٍج يسوع المسيح ضمن مفهوم “الشِّماع”(shema)، مستخدمًا نفس الكلمة (“رَبٌّ” أي “كيريُوس” Κύριος”) التي كانت في الاصل تُستخدم للدلالة على اسم يهوه (יהוה). بولس هنا لا يُضيف يسوع إلى جوهر الله كما لو كان هناك إلهان، بل يعتبر انّ يسوع هو نفسه يهوه في الجوْهر الإلهي.
وتأكيداً على ايمانه بألوهية السيد المسيح في هذا النص، يَنسِب بولس الرسول إلى يسوع فِعْل الخَلْق ذاته الذي ينسبه إلى إله العهد القديم فيقول:
وهكذا يخلص باوكهام (Bauckham) الباحث وعالم اللاهوت إلى القول:
“لا يمكن تصوُّر وجود كريستولوجيا أعلى من تلك التي يعرضها بولس الرسول في (1 كورنثوس 8: 6 )، وهذه الكريستولوجيا العالية (High Christology) هي الطابع المشترك لكل لاهوت العهد الجديد” (Bauckham, 2008: 30).
المثال الثاني: (فيلبي 2: 6 -11)
يُعَدّ هذا النص من أعمق وأوضح الإعلانات اللاهوتية في العهد الجديد التي تعكس ما يُعرف بالكريستولوجيا العالية (High Christology)، أي الإيمان بألوهية المسيح. فبولس لا يكتفي فيه بالتأكيد على الوجود السابق للمسيح وتجسُّده، بل يقدّمه كالمستحق للمجد الإلهي ذاته.
في هذا السياق، يستخدم بولس نصّ (إشعياء 45: 23)، الذي يَرْد في أصله ضمن سياق يتكلّم فيه يهوه عن نفسه (יהוה)، ويطبّقه مباشرةً على السيّد المسيح. الأمر الذي يُشير إلى أن المجد الذي يُنسَب حصريًا ليهوه في العهد القديم يُنسَب بالكامل إلى السيد المسيح. ولا يُعدُّ هذا مجرّد اقتباس أو إشارة عابرة، بل يعكس رؤية بولس الرسول التي تعتبر أن المجد المنسوب ليهوه في العهد القديم يعود بالكامل إلى يسوع المسيح، مما يدل على إيمانه بأن يسوع هو يهوه (יהוה) ذاته في الجوهر الإلهي.
وقد لاحظ هورتادو (Hurtado)، أنه عند النظر الى هذا النص في (فيلبي 2: 6 – 11) كوحدة واحدة، فانه يصف عمل المسيح في تسلسل سَرْدي، يبدأ بوجوده السابق، ثم تجسُّده، ثم اتضاعه، وانتهاءً بصعوده وبعودته الى مجده الالهي السابق (Hurtado, 2003:123).
الجدير بالملاحظة أن العديد من الباحثين يَروْن في هذين النصّيْن انعكاسًا لتقليد لاهوتي مسيحي سابق لزمن تدوين رسائل بولس نفسها.
فالنص الوارد في (فيلبي 2: 6–11) يُعتبر على نطاق واسع ترنيمة مسيحيّة قديمة ذات طابع كريستولوجي، وقد استخدمها بولس الرسول في سياق هذه الرسالة.
وبالمثل، يُنظر إلى النص في (1 كورنثوس 8:5 – 6 ) بوصفه أحد أقدم الصِّيَغ العقائدية الواردة ضمن مجموعة الرسائل البولسية.
بالتالي، لا تُظهر هذه النصوص فقط أن بولس الرسول نفسه تبنّى كريستولوجيا عالية (High Christology) — أي إيمانًا واضحًا بألوهية المسيح — بل تكشف أيضًا أنّ هذا التصوُّر اللاهوتي عن المسيح يعود إلى ما قبل كتابات بولس وكان حاضرًا في أقدم مراحل الإيمان المسيحي، ربما حتى في أوائل أربعينيّات القرن الأول.
يسوع باعتباره إله العهد القديم
تنسب النصوص في (1 كورنثوس 8: 5-6) و(فيلبي 2: 6-11) إلى السيد المسيح الخاصّيتين الأساسيتين اللتين كان أيّ يهودي في القرن الأول ينسبهما إلى إله العهد القديم وهما: أنه وحده المستحقّ العبادة، وأنه خالق جميع الأشياء.
ويرجع هذان النصّان إلى خمسينيات القرن الأول الميلادي، أي قبل إنجيل يوحنا، بل وحتى قبل إنجيل مرقس ، ويرجّح انهما يعودان إلى زمن أقدم من أي مصدر مسيحي آخر متوفر لدينا في العهد الجديد.
فما معنى هذا؟
هذا يعني أن الكرستولوجيا العالية لألوهية المسيح، كما يعرضها إنجيل يوحنا، لم تكن تطورًا لاحقًا أو نتيجةً لمسارٍ تدريجي في الفكر اللاهوتي. بل من الواضح أن هذا الفهم كان حاضرًا منذ البدايات الأولى لانتشار المسيحية.
ليكون للبركة
Patricia Michael
What’s the Earliest New Testament Evidence for the Divinity of Jesus?
Michael J. Kruger
أقدم دليل في العهد الجديد على ألوهية السيد المسيح – مايكل ج. كروجر Michael J. Kruger – ترجمة Patricia Michael
إنَّ هذه القضية هي الأصعب من بعض النواحي: فهل يُطلَق على يسوع في العهد الجديد أحياناً لقب “إله”، أم ينبغي لنا أن نقول “الله”؟ وإذا كان “إلهاً”، ألا يُشكِّل هذا خطوة نحو التعدديّة الإلهيّة ـ يسوع كإله ثانٍ إلى جانب الله الخالق؟ وإذا كان “إلهاً”، فكيف لنا أن نفهم الذاكرة الواضحة للمسيحيين الأوائل والتي دونوها في العهد الجديد والكتابات المبكرة بأن يسوع دعا إلى تقديم العبادة لله وحده، وأنه كان يصلي بانتظام إلى الله باعتباره إلهه وأبيه؟ إن البيانات نفسها تطرح العديد من الأسئلة بقدر ما تحلها.
هل كان المسيحيون الأوائل يعتبرون يسوع إلهًا؟ إذا كان بولس هو المتحدث الأوضح، وربما الوحيد، عن الجيل الأول من المسيحيين، والذي كتاباته مازالت متاحة لنا، فإنَّ السؤال يلفت انتباهنا إلى رومية 9: 5[2] على أسس لغوية، يمكن تقديم حجة قوية لقراءة النص باعتباره تمجيدًا للمسيح باعتباره الله:
ويعتقد عدد كبير من المعلقين على رسالة رومية أن هذا كان قصد بولس ـ أن ينطق بتمجيد ليسوع باعتباره الله. ولكن علامات الترقيم التي لم تكن مذكورة في الرسالة الأصلية يمكن ترتيبها بطريقة مختلفة:
“المسيح حسب الجسد. الذي هو فوق الجميع، الله، فليكن مباركًا إلى الأبد”.
وهناك المزيد مما يمكن قوله عن هذه القراءة الأخيرة أكثر مما يُقدَّر في كثير من الأحيان. وفوق كل شيء هناك حقيقة مفادها أن المقطع عبارة عن كتالوج لامتيازات إسرائيل، حيث من المرجح أن بولس كان يعدد البركات التي ادعى اليهود أنها لهم وباللغة التي اعترفت بها إسرائيل وأكدتها –
سيكون من المناسب تمامًا بعد هذه القائمة من صلاح الله تجاه إسرائيل أن ننطق بتمجيد في مدح هذا الإله، كما يفعل بولس في رومية 1: 25 و 11: 33-36. لذلك يبقى الأمر غير واضح في النهاية ومفتوحًا للتساؤل عما إذا كان بولس هنا، بشكل استثنائي بالنسبة له، قد تحدث عن يسوع باعتباره إلهًا / الله.
إنَّ هُناك حالة أقوى في تيطس 2: 13، التي تتحدث عن “ظهور مجد إلهنا العظيم ومخلصنا يسوع المسيح”. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ “الأبيفانيا” المقصود هُنا هو ظهور المجد الإلهي، وليس ظهور يسوع المسيح في المجد. قد تبدو هذه نقطة صغيرة، ولكنها قد تعني أيضًا أننا عدنا إلى الفكرة التي تم التعبير عنها بوضوح في خريستولوجي المسيحية الأولى:
أنه في يسوع يُرى مجد الله، ومجد الحضور الإلهي؛[3] يُرى يسوع المسيح أكثر باعتباره المظهر المرئي للإله غير المرئي، الله الذي يتجلى في يسوع ومن خلاله، وليس كإله أو الله بحد ذاته. إنَّ حقيقة أنّ الرسائل الرعويّة تبدو راضية عن إسناد لقب “المُخلِّص” بالتساوي (ويمكننا أن نقول تقريبًا، دون تمييز) إلى “إلهنا”[4] كما هو الحال بالنسبة للمسيح يسوع،[5] رُبّما تُشير إلى نفس الاتجاه: كان من المُفترض أن يُنظر إلى موت يسوع وحياته باعتبارهما عمل الله الخلاصي.
في إنجيل متى يجب أن نُلاحظ المعنى الواضح للحضور الإلهي.[6] سيُدعى يسوع “عمانوئيل، الله معنا” (متّى 1: 23)، مع أنّنا يجب أن نتذكّر أنّ المقطع المقتبس (إشعياء 7: 14) كان يبحث عن ولادة غير بعيدة لطفل غير معروف سيُعطى الاسم الرمزي عمانوئيل.
لقد أخذ متّى تطبيق هذا الاسم وملاءمته ليسوع على محمل الجد من خلال إظهار يسوع على أنّه يعد بالحضور حيث يجتمع اثنان أو ثلاثة فقط باسمه (18: 20) ويسوع القائم من بين الأموات على أنه يعد بالبقاء مع تلاميذه “كل الأوقات، إلى نهاية العالم” (28: 20). هذا ليس سوى وعد بأنّ الحضور الإلهي سيكون مع تلاميذ يسوع، حيثما يجتمعون باسمه، وإلى الأبد. وهذا يعني أيضًا أنّ يسوع نفسه يُشكِّل هذا الحضور الإلهي – كما فعل بالفعل في حياته ورسالته، وهكذا يستمر في القيامة والارتفاع.
لقد لاحظنا بالفعل إسناد لقب “الله”/”الإله God’/‘god” إلى يسوع في إنجيل يوحنا – الكلمة قبل التجسُّد، كإله (يوحنا 1: 1)، والكلمة المتجسد كإلله/إله وحيد يعرف ما هو غير منظور/لا يُمكن رؤيته (1: 18)، والمسيح القائم الذي عبده توما “ربي وإلهي” (20: 28). إنَّ حقيقة أنّه حتّى عند وصف الكلمة بأنّه الله/إله (1: 1)، قد يُميّز يوحنا بين استخدامين للقب من بعضهما البعض غالبًا ما يتمّ ملاحظتها ولكن لا يتم تقديرها بشكل كافٍ.
المسيح الإله – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج4 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة
ربما يكون التمييز ناتجًا عن استخدام أداة التعريف مع theos وغياب أداة التعريف في نفس الكلمة: “في البدء كان اللوجوس وكان اللوجوس مع الله (حرفيًا، الإله، ton theon)، وكان اللوجوس إلهًا/الله (theos، بدون أداة التعريف).”[7] ربما كان هذا التمييز مقصودًا، لأن غياب أو وجود أداة التعريف مع theos كان مسألة حساسة إلى حد ما. كما نرى في تفسير فيلو لسفر التكوين 31: 13 (De Somniis 1.227–30):
إن الذي هو إله حقًا هو واحد، ولكن أولئك الذين يُدعَون على نحو غير لائق هم أكثر من واحد. وعليه فإنَّ الكلمة المُقدّسة في المثال الحاضر أشارت إلى من هو إله حقًا بواسطة أداة التعريف، قائلة “أنا هو الإله”، بينما تحذف أداة التعريف عند ذكر من يُدعَى على نحو غير لائق، قائلة “الذي ظهر لك في المكان” ليس “لله”، بل ببساطة “إله” [تكوين 31: 13]. هُنا تُعطي لقب “الله” لكلمته الرئيسية.
إنَّ التوازي المُحتمل جدير بالملاحظة، حيث كان فيلو على استعداد واضح للتحُّدث عن الكلمة باعتباره “الله”، كما نرى هُنا. لكنه فعل ذلك وهو مدرك بوضوح أنه بذلك كان يتحدث فقط عن خدمة الله للبشرية في ومن خلال الكلمة، وليس عن الله في ذاته. لا يحاول إنجيل يوحنا توضيحًا مماثلاً في استخدامه إله/الله للإشارة إلى الكلمة، قبل التجسد والمتجسد، على الرغم من أنه يستخدم لغة فيما يتعلق بالمسيح قريبة جدًا من لغة فيلو فيما يتعلق بالكلمة.[8]
ولكن في إمكانية التمييز (أو السماح بقراءته) بين الله (ho theos) والكلمة (theos)، ربما كان الإنجيلي في مكانة إلهية مماثلة لله كانت للمسيح أيضًأ. كان يسوع هو الله، لأنه جعل الله معروفًا، ولأن الله جعل نفسه معروفًا فيه ومن خلاله، ولأنه كان خدمة الله الفعالة لخلقه ولشعبه. ولكنه لم يكن الله في ذاته.[9] كان هُناك المزيد في الله عما أظهره الله في كلمته المتجسد ومن خلاله.
ربما ينطبق نفس الشيء على النص اليوحناوي المهم الآخر هنا – 1 يوحنا 5: 19-20. لأن المقطع يُعبِّر عن الامتنان للفهم الذي أعطانا إياه ابن الله “لكي نعرف الحق [ربما الله]، ونحن في الحق، في ابنه يسوع المسيح. هو الإله الحق والحياة الأبدية”.
إذا كان “هو” الأخير يُشير إلى يسوع (على الرغم من أنّ النقطة غير واضحة ومتنازع عليها)، فكما هو الحال في إنجيل يوحنا، فإنَّ ألوهية يسوع المسيح هي أنّه كابن الله يمثل الله تمامًا؛ أن تكون في المسيح يعني أن تكون في الله، أو أن تكون فيه يعني أن تعرف الله؛ لقد جعل الابن الله معروفًا وحاضرًا. وعلى هذا النحو يمكن وصفه بأنه “الإله الحق والحياة الأبدية”. ولأن عمق الله قد تم الكشف عنه بالكامل في المسيح ومن خلاله، يمكن وصف المسيح بأنه وحي الإله الحقيقي.
وبما أننا قد أولينا بعض الاهتمام لرؤيا يوحنا، فإنَّ النص الوحيد الآخر الذي يجب وضعه في الاعتبار هُنا هو رسالة العبرانيين. ففي رسالة العبرانيين 1: 8 يقتبس الكاتب المزمور 45: 6 كخطاب إلى الابن: “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور”. وبعد المدخل الخريستولوجي القوي في الآيات الافتتاحية (1: 1-4)، وتفسير تثنية 32: 43 كدعوة للملائكة لعبادة ابن الله البكر (1: 6)، يجب إعطاء النص الوزن المناسب. ولكن في الوقت نفسه، يجب أن نتذكر أنّ المزمور 45: 6-7 كان موجهًا على الأرجح إلى ملك إسرائيل، وهي حقيقة كان كاتب رسالة العبرانيين على علم بها على الأرجح لأنه يواصل الاقتباس من المزمور 45: 7، الذي يتحدث عن الملك باعتباره مُمسوحًا من “الله إلهك”.
وهكذا نجد أنفسنا مرة أخرى أمام استخدام كلمة “الله”/”الإله” بمعنى منقول، يؤكِّد المكانة الإلهية الممنوحة لشخص ما مع العلم دائمًا أنّ الله كان لا يزال إله الشخص الموصوف على هذا النحو. وفي الواقع، نعود إلى الأهمية القوية التي رآها بولس في سيادة يسوع بينما استمر في التفكير في الله باعتباره إله الرب يسوع المسيح.
[1] James D. G. Dunn, Did the First Christians Worship Jesus?: The New Testament Evidence (London; Louisville, KY: Society for Promoting Christian Knowledge; Westminster John Knox Press, 2010). 132.
[2] See Theology of Paul 255–7, with further bibliography.
[6] See particularly D. Kupp, Matthew’s Emmanuel: Divine Presence and God’s People in the First Gospel (SNTSMS 90; Cambridge: Cambridge University Press, 1996).
[7] من الناحية النحوية، قد يشير غياب أداة التعريف ببساطة إلى أن theos، على الرغم من أنها تسبق الفعل، هي المسند وليس الفاعل؛ انظر:
H. Moulton and N. Turner, A Grammar of New Testament Greek, Vol. III (Edinburgh: T&T Clark, 1963) 183–4.
ومن المؤسف أنّ القاعدة لا تُمكنِّنا من القول ما إذا كانت أداة التعريف مقصودة، وما إذا كان المقصود من السامع/القارئ أن يفترض وجودها (لا يوجد تمييز بين ho theos وtheos). في يوحنا 20: 28، تُستخدم أداة التعريف، لكن غيابها في 1: 1 قد يُعزِّز التردد بشأن تحديد هوية الكلمة قبل التجسد مع يسوع.
[8] ويتحدث فيلو عن الكلمة باعتباره “الابن البكر” لله (Agr. 51), وكذلك باعتباره “الإله الثاني” (Qu. Gen. 2.62).
[9] من المفترض أن يوحنا لم يتردد في تصوير يسوع وكأنه يدافع عن نفسه ضد التهمة الموجهة إليه بأنه يجعل نفسه إلهًا، مستشهدًا بحقيقة أن المزمور 82: 6 أطلق على البشر الآخرين لقب “آلهة” (يوحنا 10: 33-35). انظر أيضًا See also McHugh, John 1–4 10..
المسيح الإله – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج4 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة
اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي
اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي
اعتراضات والرّد عليها
59 ـ وبعد هذه البراهين الكثيرة ضدهم، والتي يخجل منها حتى الشيطان نفسه الذي هو أبوهم ويتراجع، فإنهم بسبب قلبهم المعوّج يدمدمون باعتراضات أخرى، أحيانًا بالهمس وأحيانًا أخرى بضوضاء كطنين البعوض. فهم يقولون لنا: [حتى إن فسّرتم هذه الآيات هكذا وانتصرتم في الأفكار والبراهين، لكن يجب أن تقولوا إن الابن قد أخذ وجوده بمشيئة الآب ومسرّته] لأنهم بتقديمهم لمشيئة الله ومسّرته هكذا يخدعون كثيرين. والآن لو أن أي واحد ممّن يؤمن باستقامة قال هذا ببساطة لما كان هناك سبب للشك في هذا التعبير، لأن القصد المستقيم يكون مهيمنًا على استعمال الكلمات، ولكن حيث إن هذا التعبير هو من الهراطقة، فإن كلمات الهراطقة هي موضع شك ما، كما هو مكتوب ” تدابير الأشرار غاشة وكلامهم خداع ” (أم5:12ـ6س)، حتى لو استعملوا الإشارات[1] فقط، ولأن لهم قلبًا معوجًا فدعونا نفحص قولهم هذا أيضًا. لئلا برغم توبيخهم من كل جهة لا يزالون ـ مثل نبع الوحوش[2] ـ يخترعون كلمة جديدة، وبمثل هذا الأسلوب الجذّاب والمراوغة الخادعة يبذرون أيضًا كفرهم ذلك بطريقة أخرى، لأن هذا الذي يقول: ” إن الابن جاء إلى الوجود بالإرادة الإلهية “، يقصد نفس المعنى مثل الآخر الذي يقول: ” إنه كان هناك وقت لم يكن الابن فيه موجودًا “، وأيضًا ” إن الابن خُلِق من العدم “، وأيضًا ” هو مخلوق “. ولكن حيث إنهم يخجلون الآن من هذه الأقوال، فإن هؤلاء الماكرين قد حاولوا أن يوصلوا معنى هذه الأقوال بطريقة أخرى، مقدّمين لفظ “المشيئة” مثل حبّار[3] يّخفون أفكارهم السوداء، وبذلك يخدعون البسطاء مع أن هؤلاء الهراطقة يحتفظون في أذهانهم ببدعتهم الخاصة لأنه أين وجدوا الألفاظ “بالمشيئة” و “المسّرة”، أو في أي سفر قرأوا مثل هذه التعبيرات؟
فليقل لنا هؤلاء الذين هم موضع شك كبير في كلماتهم وهم يخترعون الكفر بقوة. لأن الآب الذي كشف كلمته من السماء أعلن: ” هذا هو ابني الحبيب ” (مت17:3). وهو الذي قال بواسطة داود “نطق قلبي بكلمة صالحة ” (مز1:44س) وأوصى يوحنا أن يقول ” في البدء كان الكلمة ” (يو1:1). ويقول داود في المزمور ” عندك ينبوع الحياة، وبنورك نعاين النور ” (مز9:35س). ويكتب الرسول ” الذي وهو بهاء مجده ” (عب3:1) وأيضًا ” الذي إذ كان في صورة الله ” (في6:2) وأيضًا ” الذي هو أيضًا صورة الله غير المنظور ” (كو15:1).
60ـ الجميع في كل مكان يخبروننا عن وجود الكلمة، ولكن لا أحد يخبرنا عن وجوده بالمشيئة ولا عن خَلقِه بالمرّة، ولكني أتساءل أين وجد هؤلاء “المشيئة” أو “المسّرة” سابقة على كلمة الله، إلاّ إذا كانوا قد تركوا الكتب المقدسة، وتمثلوا بانحراف فالانتينوس[4]؟ لأن بطليموس الفالانتيني زعم أن الله غير المولود، له صفتان هما “الفكر” و “الإرادة”، فهو قد فكّر أولاً ثم أراد فيما بعد. وما فكّر فيه لم يستطع أن يقدّمه إلاّ حينما صارت له قوة الإرادة. ولقد تعلّم الآريوسيون من هذا، جاعلين الفكر والإرادة يسبقان الكلمة. فبالنسبة لهم إذًا دعهم ينافسون تعليم فالانتينوس. أما نحن فحينما نقرأ الكتب المقدسة بيقظة فإننا نجد عبارة “كان” تطلق على الابن، وعنه فقط سمعنا أنه كائن في الآب، وأنه صورة الآب. أما في حالة الملخوقات وحدها فقد عرفنا أن الفكر والإرادة سابقة عليها. حيث إنها بالطبيعة كانت غير موجودة في وقت ما ثم وجدت فيما بعد، فداود يرتل في المزمور 113 قائلاً: ” أما إلهنا فقد صنع في السماء وعلى الأرض كل ما أراده ” (مز11:113س) وفي المزمور 110 ” عظيمة هي أعمال الرب مطلوبة حسب كل إرادته ” (مز2:110س)، وأيضًا في المزمور 134 ” كل ما شاء الرب، صنع في السماوات وفي الأرض، في البحار وفي كل اللجج ” (مز6:134س). إذًا فإن كان الابن مصنوعًا أو شيئًا مخلوقًا، وواحدًا بين كثيرين، فيمكن أن يقال عنه كالآخرين إنه صار “بالإرادة”. فالكتاب يوضّح أن هذه المخلوقات، هكذا أتت إلى الوجود. وأستيريوس[5] المدافع عن هذه البدعة، يقبل هذا، إذ يكتب هكذا [لأنه إما أن يكون من غير اللائق بالنسبة للخالق أن “يشاء” ثم بعد ذلك “يفعل”، وبالتالي يجب أن يقال إنه “يشاء” فقط وحينئذٍ يجب أن ينسحب هذا على كل الخلائق حتى تُحفظ لله عظمته. أو أن يكون من اللائق به أن “يشاء” أولاً ثم “يفعل” بعد ذلك بالتالي يجب أن ينسحب هذا على أول وأفضل من ولده لأنه بالتأكيد من المستحيل أن يكون لائقًا بنفس الإله الواحد أن يصنع أشياء بإرادته، وفي نفس الوقت يصنع أشياء أخرى “بغير إرادته].
فالسفسطائي قدّم كفرًا عظيمًا بقوله إن [المولود والمخلوق هما نفس الشيء، وأن الابن هو مولود واحد بين كل المولودات الموجودة وانتهي إلى النتيجة أنه من اللائق أن يقال إن المخلوقات توجد بالفكر والإرادة.
61ـ لذلك، فإن كان الابن هو آخر يختلف عن كل الأشياء المخلوقة ـ كما قد أوضحنا أعلاه، وبالحري صارت كل الأشياء بواسطته، إذًا فلا ينبغي أن يقال تعبير “بالمشيئة” لوصف طريقة ولادته، وإلاّ فإنه يكون قد أتى إلى الوجود مثل الأشياء التي صارت بواسطته. فبولس، الذي لم يكن رسولاً من قبل، صار فيما بعد رسولاً “بمشيئة الله” (انظر 1كو1:1). ودعوتنا نحن أيضًا هذه هي نفسها لم تكن موجودة في وقت ما، ولكنها الآن قد صارت وهي مسبوقة بالمشيئة، كما يقول بولس نفسه أيضًا إنها صارت ” بحسب مسرة مشيئته ” (أف5:1). وما كتبه موسى “ليكن نور” ولتظهر اليابسة”، “لنعمل الإنسان” (انظر تك3:1، 11، 26)، أظن، بحسب ما قلناه قبلاً إنه يدّل على مشيئة الخالق، لأن الأشياء التي لم تكن موجودة قبلاً بل صارت فيما بعد من أسباب خارجة عنها، هذه يعملها الخالق بمشورته، أما كلمته الذاتي المولود منه بالطبيعة، فهو لا يفكر في ولادته لأن الآب يخلق كل الأشياء الأخرى التي يشاء أن يخلقها من خلال الابن، مثلما علّم أيضًا يعقوب الرسول قائلاً ” شاء فولدنا بكلمة الحق ” (يع18:1). لذلك فمشيئة الله بخصوص كل الأشياء ـ سواء تلك التي وُلدت مرّة أخرى أو التي أُوجدت لأول مرّة ـ هي في كلمته الذي فيه يصنع ويلد ثانية، ما يبدو صوابًا عنده، كما يكتب أيضًا الرسول إلى تسالونيكي ” لأن هذه هي مشيئة الله في المسيح يسوع من جهتكم ” (1تس18:5). فإن كانت إرادة الله هي في مَنْ بواسطته قد خُلق كل شئ (أي الكلمة)، فمن الواضح أن إرادة الله أيضًا هي في المسيح (الكلمة المتجسّد)، فكيف يكون من الممكن أن يكون قد أتى إلى الوجود (في الزمن) بمشيئة وإرادة الله مثل كل المخلوقات؟ لأنه إن كان هو أيضًا قد أتى إلى الوجود بالمشيئة كما تدّعون، فيتبع ذلك أن مشيئة الله ستكون في كلمة آخر يأتي إلى الوجود حسب مشيئة الله، لأننا أوضحنا أن مشيئة الله ليست في الأشياء التي يخلقها، بل هي في هذا (الكلمة) الذي بواسطته وفيه تأتي كل الأشياء المخلوقة إلى الوجود. وبالإضافة إلى ذلك القول، كان الكلمة هو ابن “بالمشيئة”، له نفس معنى القول إنه ” كان وقت لم يكن هو موجودًا “. إذًا فليكتفوا بقولهم عنه أنه ” كان وقت لم يكن هو موجودًا “، لكي يخجلوا عندما يدركون أن المقصود بهذا هو الأزمنة، ويفهموا أنهم عندما يقولون “بالمشيئة” إنما يضعون الأزمنة قبل الابن لأن المشيئة تسبق الأشياء التي لم تكن موجودة من قبل، كما في حالة كل المخلوقات. ولكن إن كان الكلمة هو خالق المخلوقات. وهو كائن مع الآب، كيف يمكن أن تسبق المشيئة الكائن الأزلي كما لو لم يكن موجودًا؟ لأنه لو كانت المشيئة سابقة عليه إذًا فكيف خُلقت كل الأشياء بواسطته؟ لأنه بالحري سيكون هو أيضًا كواحد بين الآخرين، مولودًا ليكون ابنًا بالمشيئة، كما صرنا نحن أيضًا أبناء بكلمة الحق. وبالتالي فكما قلنا، يلزم البحث عن كلمة آخر، وُجِد هو أيضًا بواسطته ووُلِدَ مع كل الأشياء التي صارت بحسب مسّرة الله.
62ـ إذًا لو كان هناك كلمة آخر لله، يكون الابن قد وجد بكلمة، ولكن إن لم يكن هناك كلمة آخر(وهذه هي الحقيقة)، ولكن كل الأشياء التي شاء الآب أن توجد قد وُجِدَت بواسطته، أفلا يكشف هذا الخبث الشديد الذي لهؤلاء الناس؟ فمع أنهم يشعرون بالخجل من القول إنه “مصنوع” وإنه “خليقة” وإن “كلمة الله لم يكن موجودًا قبل أن يولد إلاّ أنهم يؤكدون بطريقة أخرى أنه مخلوق، ويروّجون للفظة “المشيئة” ويقولون ” لو لم يكن قد أتى إلى الوجود بالمشيئة، فيكون الله قد وُلد الابن عن اضطرار وضد مسّرته. فمَن هو إذًا ذاك الذي يفرض الاضطرار على الله، أيها المملوؤن خبثًا، الذين تحرّفون كل شيء لخدمة هرطقتكم؟ لأنه كما أن الذي هو مختلف في الرأي هو ضد المشيئة، هكذا فإن من هو بحسب الطبيعة يفوق المشيئة، ويسبقها. فالإنسان يمكن أن، يبني منزلاً بواسطة المشيئة ولكنه يلد ابنًا بحسب الطبيعة. والمنزل الذي يبنيه الإنسان هو خارج عنه وهو قد بنى نتيجة الفكر، أما الابن فهو مولود من جوهر الوالد نفسه وليس خارجًا عنه. لهذا فهو لا يفكر في وجود ابنه “بالمشيئة” لئلا يبدو أنه هو نفسه موجود “بالمشيئة”. إذًا فبقدر ما يعلو الابن عن الخليقة، كذلك يعلو ما هو بالطبيعة على ما هو بالمشيئة. وينبغي على هؤلاء، حينما يسمعون عنه ألاّ يقيسوا ما هو بالطبيعة بمقياس المشيئة. وهؤلاء إذ ينسون أنهم يسمعون عن ابن الله، فهم يتجاسرون أن يطبقوا اعتراضات بشرية على الله مثل (الضرورة) و (اختلاف الرأي)، لكي يمكنهم بذلك أن ينكروا أنه يوجد ابن حقيقي لله. لكن هؤلاء يجاوبوننا ويقولون، هل كَوْن الله صالحًا ورحيمًا، هل هذا يتصل به بواسطة المشيئة أم لا؟ فإن كان بواسطة المشيئة، فينبغي أن نفكر، أنه بدأ أن يصير صالحًا وأنه كان هناك احتمال بألاّ يكون صالحًا، لأن المشيئة والاختيار يعنيان وجود ميل نحو كل من الطرفين، وهذا الميل يخص، الطبيعة العاقلة. ولكن إن كان من غير المقبول تمامًا أنه ينبغي أن يسمى صالحًا ورحيمًا بالمشيئة، إذًا فليسمعوا هذا الذي قد قالوه هم أنفسهم، لذلك فهو صالح عن الاضطرار وليس بالمشيئة. وأيضًا مَنْ هو الذي يفرض هذا الاضطرار عليه؟ ولكن إن كان من غير المقبول أن نتكلّم عن وجود الاضطرار في حالة الله، إذ هو صالح بالطبيعة، فبالأولى جدًا وبالحقيقة تمامًا يكون الآب أبًا للابن بالطبيعة وليس بالمشيئة.
63ـ ودَعهم يجيبوننا على هذا أيضًا (لأني بسبب عدم حيائهم أريد أن أطرح عليهم سؤالاً آخر، أكثر جرأة ولكن بهدف التقوى، فلتسامحني يا رب). هل الآب نفسه شاء أولاً قبل أن يوجد ثم بعد أن شاء وُجِد أم أنه كان موجودًا قبل أن يشاء؟
فحيث إنهم متجاسرون إلى هذه الدرجة في كلامهم عن الكلمة، لذلك ينبغي أن يسمعوا جوابًا مماثلاً لكي يعرفوا أن وقاحتهم هذه تصل حتى إلى الآب نفسه.
إذًا فإن كانوا سيفكرون هم أنفسهم بخصوص المشيئة ويقولون إنه حتى الآب هو من المشيئة، فماذا كان هو إذًا قبل أن يشاء، أو ما هو الذي اقتناه أكثر ـ كما تظنون ـ بعد أن شاء؟
ولكن إن كان مثل هذا السؤال غير لائق وضار ويصدم السامع بمجرد ذكره (لأنه يكفي فقط أن نسمع اسم الله لنعرف ونفهم أنه هو الكائن الذي يكون)، ألا يكون ضد العقل أيضًا أن يفكر أحد بمثل هذه الأفكار عن كلمة الله، ويقدّم ادعاءات بخصوص الإرادة والمسّرة؟ لأنه يكفي بالمثل أن نسمع فقط اسم الكلمة، لكي نعرف ونفهم أن ذاك الذي هو الله بغير المشيئة، له كلمته الذاتي بالطبيعة وليس بالمشيئة. وكيف لا يكون أمرًا يتجاوز كل جنون أن يفكر الإنسان أن الله الذي يشاء ويعتبر ويختار وله مسّرة صالحة، هو بدون كلمة وبدون حكمة، وهو الذي له كليهما؟ ذلك لأنه يبدو أنه يفكر عن نفسه، ويشاء من جهة ما هو خاص بجوهره. إذًا فلأنه يوجد تجديف كثير في مثل هذا الفكر، فيكون من التقوى أن نقول، إن الأشياء المخلوقة قد وُجدت “بالمسّرة” و “المشيئة”، أما الابن فلم يوجد بالمشيئة ولم يصر بعدها كالخليقة، بل هو بالطبيعة المولود الذاتي لجوهر الله. لأنه لكونه كلمة الآب الذاتي، فهو لا يسمح لنا أن نحسب إن المشيئة سابقة عليه هو، إذ أنه هو نفسه مشورة الآب الحيّة، وهو القوة، وهو خالق الأشياء التي استحسنها الآب. وهذا ما يقوله عن نفسه في الأمثال ” لي المشورة والأمان، لي الفهم، لي القدرة ” (أم14:8س). لأنه رغم أنه هو نفسه الفهم الذي به هيأ السماوات (انظر أم19:3) وهو نفسه القدرة والقوّة ” لأن المسيح هو قوّة وحكمة الله ” (1كو24:1)، فهو هنا قد غيّر الألفاظ وقال لي الفهم، ولي القدرة. هكذا بينما هو يقول “لي المشورة” فيجب أن يكون هو نفسه مشورة الآب الحيّة، كما قد تعلّمنا من النبي أيضًا أنه يصير “ملاك المشورة العظمى” (انظر إش6:9س)، ودُعيَ مسّرة الآب الصالحة لأنه هكذا ينبغي أن ندحضهم، طالما هم يفكرون أفكارًا بشرية عن الله.
64ـ لذلك إن كانت المصنوعات قد صارت “بالمشيئة والمسّرة” وكل الخليقة خُلِقت بالمشيئة، وبولس دُعيَ ليكون رسولاً “بمشيئة الله” (انظر 1تيمو1:1). ودعوتنا قد صارت بالمسّرة والمشيئة (انظر أف5:1)، وكل الأشياء قد أتت إلى الوجود بالكلمة. إذًا فهو خارج عن كل الموجودات التي قد وُجدت بالمشيئة بل بالأحرى هو نفسه مشورة الآب الحيّة، والتي بها قد صارت كل هذه الأشياء، والذي به أيضًا يقدَّم داود تشكّرات في المزمور الثاني والسبعين قائلاً: ” أمسكت بيدي اليمنى وبمشورتك تهديني ” (مز23:72ـ24س). كيف يمكن إذًا أن الكلمة الذي هو مشورة الآب ومسّرته يوجد هو نفسه “بالمسّرة والمشيئة” مثل كل الآخرين؟ إلاّ إذا كانوا كما قلت سابقًا، يكرّرون في جنونهم، أنه قد أتى إلى الوجود بواسطة نفسه أو بواسطة واحد آخر. فمن هو إذًا ذاك الذي بواسطته قد أتى هو إلى الوجود؟ دعهم يخترعون كلمة آخر، ودعهم يسمّون مسيحًا آخر منافسين تعليم فالانتينوس، لأن الكتاب ليس فيه هذا التعليم بتاتًا. وحتى إذا اخترعوا آخرًا، فبالتأكيد يأتي هذا الآخر أيضًا إلى الوجود بواسطة واحد آخر، وهكذا. وبينما نحن نحسب هكذا ونبحث في تتابع هؤلاء (الذين يخترعونهم)، فإن الهرطقة ذات الرؤوس المتعددة التي للكفّار تتضح أنها تؤدي إلى تعدد الآلهة وإلى جنون لا حدود له، التي فيها إذ يرغبون أن يكون الابن مخلوقًا وأنه يوجد من العدم، فإنهم يعنون نفس الشيء بكلمات أخرى، باستعمال تعبير المشيئة والمسّرة، والتي تخص بصواب الأشياء الصائرة والمخلوقة. ألا يكون إذًا من عدم التقوى أن تُنسب خصائص هذه المخلوقات إلى خالق الكل؟ أليس تجديفًا أن يقال إن المشيئة كانت في الآب قبل الكلمة؟ لأنه لو كانت المشيئة سابقة في الآب، لن تكون كلمات الابن حقيقية في قوله “أنا في الآب” (يو10:14)، أو حتى لو كان هو في الآب، فإنه مع ذلك يشغل المكان الثاني فقط، ولم يكن يحق له أن يقول ” أنا في الآب ” حيث إن المشيئة وُجِدَت قبلْه، والتي بها أتت كل الأشياء إلى الوجود، وهو نفسه وُجِدَ بها حسبما تعتقدون. لأنه رغم كونه فائقًا في المجد، إلاّ أنه ليس هو أصغر واحد من الأشياء التي وجدت بالمشيئة. وكما قد قلنا قبلاً لو كان الأمر هكذا، كيف يكون هو الرب وهم يكونون العبيد؟ ولكنه هو رب الكل لأنه واحد مع الآب في الربوبية، والخليقة كلها خاضعة له، حيث إنها خارجة عن الآب الواحد، وبينما كانت في وقت ما غير موجودة فقد أتت إلى الوجود فيما بعد.
65ـ وأيضًا إن كانوا يقولون إن الابن وُجِدَ بالمشيئة، فيجب أن يقولوا أيضًا إنه وُجد بالفهم، لأني أعتبر أن الفكر والمشيئة شئ واحد ولأن ما يشاءه أحد هو دائمًا ما يفكر فيه أيضًا. والأمر الذي يفكر فيه فهذا هو ما يشاؤه أيضًا. ولذلك فالمخلّص نفسه قد جمعهما معًا كشقيقين حينما قال ” لي المشورة والأمان، لي الفهم، لي القدرة ” (أم14:8س). فالآن القدرة والأمان هما نفس الشيء (لأنهما يعنيان صفة واحدة)، هكذا يمكن ان نقول إن الفهم والمشورة هما نفس الشئ، الذي هو الرب. لكن هؤلاء الكفّار لا يريدون أن يكون الابن هو الكلمة والمشورة الحيّة بل ينحرفون بقولهم عن الله إن الفهم والمشورة والحكمة هي حالات، أحيانًا تحدث له وأحيانًا أخرى لا تحدث بحسب الطريقة البشرية. ويعملون كل شئ عارضين “الفكر” و”المشيئة” اللذين عند فالانتينوس، لكي يفصلوا الابن عن الآب، ويدعونه مخلوقًا بدلاً من أن يكون هو ابن الآب الذاتي. وليسمعوا إذًا ما سمعه سيمون الساحر (انظر أع20:8): كفر فالانتينوس ليكن معك للهلاك. أو ليصدق كل واحد بالأحرى سليمان الذي يقول إن الكلمة هو الحكمة والفهم، لأنه يقول “الرب بالحكمة أسس الأرض وأثبت السماوات بالفهم ” (أم19:3). وهكذا بالفهم هنا، كما هو في المزامير: ” بكلمة الرب صنعت السماوات ” (مز6:33). وكما صنع السماوات بالكلمة “هكذا كل ما شاء صنع ” (انظر مز6:135). وكما يكتب الرسول إلى التسالونيكيين ” مشيئة الله في المسيح يسوع ” (أف18:5) إذًا فابن الله هو “الكلمة” و “الحكمة”، هو “الفهم” و “المشورة” الحيّة” ومسرّة الآب هي فيه وهو حق الآب ونوره وقوته.
لكن إن كانت مشيئة الآب هي الحكمة والفهم، والابن هو الحكمة إذًا فالذي يقول إن الابن وُجِدَ بالمشيئة فهو في الواقع يقول إن الحكمة قد أتت إلى الوجود بالحكمة، والابن قد أوجِدَ بابن والكلمة خلق بواسطة كلمة. وهذا يتناقض مع الله وهو عكس ما جاء عنه في الكتب المقدسة لأن الرسول يكرز بالابن انه ليس شعاع مشيئة الآب وصورتها بل شعاع جوهره ورسمه نفسه، قائلاً: ” الذي وهو شعاع مجده ورسم جوهره ” (عب3:1). ولكن إن كان ـ كما سبق أن قلنا ـ جوهر الآب وكيانه ليس من المشيئة، فمن الواضح جدًا أن ما هو خاص بكيان الآب ليس من المشيئة، لأنه كما يكون الكيان الطوباوي هكذا ينبغي أن يكون أيضًا المولود الذاتي منه. وتبعًا لذلك فالآب نفسه لم يَقل هذا هو ابني الذي وجد بمشيئتي ولا قال “الابن الذي اقتنيته بمسّرتي” لكن قال ببساطة ابني، وأضاف على ذلك “الذي به سررت” (مت17:3). ويعني بهذا، أنه هو الابن بالطبيعة، وفيه توجد مشيئتي بخصوص الأشياء التي أسر بها.
66ـ إذًا حيث إن الابن هو بالطبيعة وليس بالمشيئة، فهل هو كائن بدون مسّرة الآب وبدون مشيئة الآب؟ كلا بالتأكيد، بل الابن هو بمسّرة الآب، وكما يقول هو نفسه، ” الآب يحب الابن، ويُريه جميع ما هو يعمله” (انظر يو20:5)، لأنه لم يبتدئ أن يكون صالحًا من المشيئة، ولا هو أيضًا صالح بدون المشيئة والمسّرة. لأن ما يكون عليه بطبيعته فذلك أيضًا هو مسّرته. هكذا أيضًا ينبغي أن يكون الابن، ورغم أنه لم يوجد “من المشيئة” إلاّ أنه ليس بدون مسّرته، ولا ضد رأيه.
فلأن كيانه الذاتي هو بمسّرته، هكذا أيضًا الابن إذ هو من ذات جوهره فهو ليس بدون مسّرته. إذًا فليكن الابن هو موضوع مسرة الآب وحبه، وهكذا فليفكر كل واحد بتقوى في مسرة الله ومشيئته لأنه بتلك المسّرة التي بها الابن هو موضوع مسّرة الآب، يكون الآب هو موضوع محبة الابن ومسّرته وإكرامه. والمسّرة التي من الآب في الابن هي واحدة، حتى أننا هنا أيضًا يمكننا أن نرى الابن في الآب، والآب في الابن. إذًا فلا يُقدَّم أحد مع فالانتينوس من الآن فصاعدًا مشيئة سابقة ولا يُقحم أحد نفسه باستخدام هذه المشيئة في الوسط بين الآب الوحيد والكلمة الوحيد. لأنه من الجنون أن توضع المشيئة والرأي بين الآب والابن. فأن يقال ” أنه صار إلى الوجود من المشيئة” هذا يختلف عن أن يقال “إن الآب يحب ابنه ويُسّر به، الذي هو من ذاته بالطبيعة “.
لأن القول إنه “صار إلى الوجود بالمشيئة ” يعني أولاً أنه في وقت ما لم يكن موجودًا ثم وجد. ويعني ثانيًا أن هناك ـ كما سبق القول ـ ميلاً في اتجاهين، حتى يمكن للمرء أن يفترض أن الآب كان يستطيع حتى أن لا يريد وجود الابن. ولكن أن يقال عن الابن إنه “يمكن ألاّ يكون قد وُجِدَ” فهذا إدعاء كفري يصل حتى إلى جوهر الآب، كما لو كان أن من هو خاصته، لم يكن موجودًا. هذا هو نفس القول بأن “الآب يمكن أن لا يكون صالحًا” وبما أن الآب هو صالح دائمًا بالطبيعة، هكذا فهو دائمًا يلد بالطبيعة. والقول بأن “الابن هو مسّرة الآب” و “الكلمة هو مسّرة الآب”، لا يعني هذا وجود مشيئة سابقة، بل يعني إصالة الطبيعة، وخصوصية الجوهر وتماثله. لأنه كما يمكن أن يقول أحد في حالة الشعاع والنور، إنه ليست هناك في النور مشيئة سابقة على الشعاع، بل هو مولود النور الطبيعي بمسرة النور الذي ولده، وليس بالمشيئة والرأي بل بالطبيعة والحق، هكذا أيضًا في حالة الآب والابن، فيمكن أن نقول بصواب، إن الآب يحب الابن ويُسّر به، والابن يحب الآب ويُسّر به.
67ـ لذلك فلا تدعو الابن أنه عمل المشيئة ولا تُدخِلوا تعليم فالانتينوس إلى الكنيسة، بل أن الابن هو المشيئة الحيّة، والمولود بالحق والطبيعة، كالشعاع من النور. لأنه هكذا قد تكلّم الآب “نطق قلبي بكلمة صالحة ” (مز1:44س)، وهكذا الابن بالمثل قال “أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14). لكن إن كان الكلمة في القلب، فأين المشيئة؟ وإن كان الابن في الآب، فأين المسرّة؟ وإن كان هو نفسه المشيئة فكيف تكون المشورة في المشيئة؟ وهذا غير مقبول لئلا يأتي الكلمة إلى الوجود بكلمة، والابن بابن والحكمة بحكمة، كما سبق وقلنا مرارًا. لأن الابن هو كل ما يخص الآب، ولم يكن شئ في الآب قبل الكلمة، لكن المشيئة هي في الكلمة أيضًا وبواسطته تتحقّق كل أغراض المشيئة، كما قد أوضحت الكتب المقدسة، وأرغب في أن الجاحدين ـ إذ قد سقطوا في مثل عدم الفهم هذا، حتى أنهم يفكرون هكذا بخصوص المشيئة ـ أن لا يعودوا الآن يسألون نساءهم اللواتي كن يسألونهن من قبل هكذا قائلين: ” هل كان لكِ ابن قبل أن تلديه”؟ وأن يسألوا الآباء ” هل صرتم آباء بالمشورة أم بالقانون الطبيعي لمشيئتكم “؟ أو ” هل أولادكم هم مثلكم في الطبيعة والجوهر؟ “.
لكي يتعلّموا الحياء ربما من الآباء، الذين منهم اتخذوا هذه الفكرة عن الولادة، والذين منهم يرجون أن يحصلوا على معرفة هذا الأمر. لأنهم سيجيبونهم “ما نلده ليس هو مثل مشيئتنا بل مثل ذواتنا ونحن لا نصير والدين بمشيئة سابقة بل أن الولادة هي أمر خاص بطبيعتنا، حيث إننا نحن أيضًا صور لآبائنا “. إذًا دعهم إما يحكمون على أنفسهم أنهم مخطئون ويكفوا عن سؤال النساء عن ابن الله، أو أن يتعلّموا منهن، أن الابن مولود ليس بالمشيئة، بل بالطبيعة والحق. إنه من اللائق بهم والمناسب لهم أن نوضح أفكارهم بأمثلة بشرية. حيث إن هؤلاء المنحرفين يجادلون في الأمور اللاهوتية بطريقة بشرية، إذًا فلماذا لا يزال أعداء المسيح في حالة جنون؟ لأن هذا الادعاء ـ وأيضًا ادعاءاتهم الأخرى ـ قد اتضّح وتبرهن أنها مجرد خيال وخرافات مصنّعة وعلى هذا الأساس ينبغي ـ رغم أنهم تأخروا ـ برؤيتهم هاوية الحماقة التي سقطوا فيها، أن يقوموا ثانية وأن يهربوا من فخ إبليس، كما ننصحهم نحن. لأن الحق هو محب للبشر وينادي الكل دائمًا: إن كنتم بسبب لباس الجسد لا تؤمنون بي، فعلى الأقل آمنوا بالأعمال لكي ” تعرفوا أني في الآب والآب فيّ ” (يو38:10) وأيضًا ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، وأيضًا “الذي رآني فقد ر أي الآب” (يو9:14). والرب هو دائمًا محّب للبشر، ويريد أن يعين الساقطين كما يسبح داود في المزمور (انظر مز8:145س). لكن الجاحدين لأنهم لا يرغبون في سماع صوت الرب، ولا يحتملون أن يروا السيد مُعتَرِفًا به من الكل أنه الله وابن الله، فهم كتعساء يتجولون مثل الخنافس باحثين عن حجج للكفر مع أبيهم الشيطان. فأية حجج إذًا سيستطيعون أن يجدوها بعد هذا؟ ومن أين يأتون بها إلاّ إذا استعاروا تجاديف اليهود وقيافا واتخذوا الكفر من اليونانيين، لأن الكتب المقدسة هي مغلقة بالنسبة لهم وقد دحضناهم كعديمي العقل وأعداء للمسيح بما جاء في كل موضع في هذه الكتب.
1 يقصد القديس أثناسيوس أنهم حتى لو لم يصرّحوا بأفكارهم بالكلام واستعملوا الإشارات فقط للتعبير.
2 انظر فقرة 58.
3 الحبّار حيوان بحري هلامي يمكن أن يأخذ لون الموضع الذي يوجد فيه. ويستخدم القديس أثناسيوس هذا التشبيه لتوضيح خداعهم.
4 فلانتينوس هو أستاذ مصري علّم أولاً في الأسكندرية ثم وسّع مجال تعليمه فذهب إلى روما حيث أسس هناك مدرسة حوالي 150م ولما حُرِمَ من الكنيسة أنشأ جماعة خاصة مستقلة. وله عدّة كتب ورسائل وأناشيد، ولكن لم يبق منها غير القليل، وهو أحد الهراطقة الغنوسيين المشهورين.
5 انظر فقرة رقم 2 في الفصل الثالث والعشرين والهامش التابع لها عن فكر استيريوس.
اعتراضات ضد لاهوت المسيح والرد عليها – القديس أثناسيوس الرسولي
لقد أثبتنا أن وثائق العهد الجديد صادقة تاريخياً. وهو ما يعني أنه يمكننا أن نصل إلى يقين كاف أن يسوع قال وفعل ما تقول تلك الوثائق إنه قاله وفعله. بما فيها القيامة من الأموات. فمن هو يسوع هذا؟ ماذا قال عن نفسه؟ هل هو الله حقاً كما يزعم المسيحيون؟
قبل أن نفحص مزاعم المسيح يجب أن نلقي نظرة على النبوات المسيانية التي أشرنا إليها في الفصول الأخيرة السابقة لهذا الفصل. وسيساعدنا ذلك على اكتشاف هوية يسوع الحقيقية. وسيزودنا أيضاً بمزيد من الأدلة المتصلة بحجية العهد الجديد. فلنبدأ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس UCLA في منتصف الستينيات من القرن العشرين.
المسيا والكتاب المقدس “الخدعة”
في مطلع سنة 1966 وصل باري لفنثال، وهو شاب يهودي، على قمة النجاح. فقد كان لاعب الهجوم في فريق كرة القدم لجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس وقاد الفريق إلى الفوز لأول مرة ببطولة روز بول Rose Bowl على عكس التوقعات التي تنبأت بهزيمته ذلك العام.
وهو يسترجع ذكرياته قائلاً: «كانت حياتي رائعة. كنت بطلاً. والناس أحبوني. وقد اختارتني رابطتي اليهودية اللاعب القومي للعام. وكم كانت نشوتي بهذه الأمجاد».
وعقب الفوز ببطولة روز بول بفترة وجيزة قال كِنْت Kent أعز أصدقاء باري إنه قبل يسوع المسيح في حياته شخصياً.
وقال باري: «لم أفهم إطلاقاً كلام كِنت. كنت أظنه مسيحياً طوال حياته. فقد ولد في بيت مسيحي، كما ولدت أنا في بيت يهودي. أليست هذه هي الطريقة التي يتخذ بها الإنسان دينه؟ فأنا أرث ديني من والدي».
ولكن باري اندهش مما حدث في حياة كِنت من تغيير، وخاصة عندما قال له كِنت: «باري أريدك أن تعرف أني أشكر الله على اليهود كل يوم».
فسأله باري: «لماذا تفعل ذلك؟»
وكم كانت دهشته من إجابة كِنت: «أشكر الله على اليهود كل يوم لسببين. أولاً، أن الله استخدمهم ليعطيني كتابي المقدس. وثانياً والأهم، أن الله استخدم اليهود ليأتي بالمسيا إلى العالم، وهو الذي مات عن خطايا العالم كله، وعن كل خطاياي».
ويتذكر باري قائلاً: «وإلى هذا اليوم، أتذكر تأثير تلك الجمل القليلة البسيطة ولكنها صحيحة. المسيحيون الحقيقيون لا يكرهوننا، بل هم في الواقع يحبوننا بصدق».
وبعد بضعة أسابيع، كِنت عرف باري على هال Hal وهو القائد التابع لهيئة الكرازة الجامعية بالمسيح Campus Crusade for Christ في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس. وذات يوم كان باري وهال جالسين في استراحة الطلاب المزدحمة وقد احتد الحوار بينهما. فبينما كان هال يشرح لباري أن نبوات العهد القديم التي تحدثت عن المسيا تحققت في يسوع. انفجر باري قائلاً: «كيف يمكنك أن تفعل ذلك؟»
سأله هال: «أفعل ماذا؟»
فقال باري بنبرة اتهام: «تستخدم كتاباً مقدساً خدعة. عندك كتاب مقدس خدعة لتخدع به اليهود».
فسأله هال: «ما معنى “كتاب مقدس خدعة”؟».
أجاب باري: «أنتم المسيحيين أخذتم تلك النبوات المسيانية المزعومة من عهدكم الجديد ثم كتبتموها في نسخة العهد القديم التي تستخدمونها لتخدعوا اليهود. ولكني أؤكد لك أن تلك النبوات المسيانية ليست في كتابنا المقدس اليهودي».
أجابه هال: «لا يا باري. الأمر ليس كذلك إطلاقاً».
فقفز باري هو يصرخ قائلاً: «لا، هذا كتاب خدعة».
فقال هال ثانية وهو مندهش من التهمة: «لا ليس خدعة. لم يحدث مطلقاً أن أحداً قال لي هذا الكلام من قبل. اجلس من فضلك».
وبدأ الناس ينظرون.
«لا يا هال. علاقتنا انتهت».
«باري، باري، انتظر لحظة. هل معك التناخ [الكتاب المقدس اليهودي]؟»
«نعم، عندي نسخة حصلت عليها في احتفالي ببلوغ سن المسؤولية Bar Mitzxah ماذا إذن؟»
«لماذا لا تدون هذه الآيات وتبحث عنها في كتابك؟»
فانفجر باري قائلاً: «لأنه مضيعة للوقت. تلك الآيات ليست في التناخ».
فأصر هال قائلاً: «من فضلك. فقد دونها وتحقق بنفسك».
ظل الشابان في هذا الشد والجدب حتى وافق باري على مراجعة الآيات حتى يتخلص من إلحاح هال. فقال وهو يكتب الشواهد دون اهتمام: «موافق. سأراجعها. ولكن لا تتصل بي، أنا سأتصل بك».
ومضى باري وهو لا يتوقع أبداً أن يرى هال ثانية. ولم يراجع الآيات لعدة أيام، ولكن مشاعر الذنب بدأت توجعه، ففكر في نفسه قائلاً: «لقد وعدت هال أن أراجعها. فأقل ما يجب أن أفعل ذلك وأنتهي من موضوع المسيحية هذا للأبد».
وفي تلك الليلة مسح باري التراب عن التناخ القديم الذي لم يفتحه منذ كان في الثالثة عشرة. وكم كانت صدمته شديدة لما وجده. كل نبوة أملاها هال عليه وجدها فعلاً في التناخ!
وكان أول رد فعل له: «إني في ورطة كبيرة. يسوع هو المسيا حقاً!»
ولكن عند هذه النقطة، كان قبول باري قبولاً عقلياً فقط. وفوراً بدأ يقلق من تداعيات إعلان اكتشافه. «إن قبلت يسوع بصفته المسيا. ماذا سيكون رأي والدي؟ ماذا سيفعل أصدقائي في الرابطة اليهودية؟ وماذا سيقول الرابي معلمي اليهودي؟».
كان لا بد من المزيد من الدراسة قبل أن يكون باري مستعداً لإعلان قراره، وكان عليه أن يدرس بوجه خاص نصاً أشار إليه هال عدة مرات: إشعياء 53. وقبل أن نكشف ما انتهى إليه بحث باري، لنلق نظرة على إشعياء 53 وبعض النبوات المسيانية التي بحثها.
العبد المتألم
في آذار/مارس 1947 كان راع عربي صغير (محمد الديب) يراقب غنمه على بعد اثني عشر كيلومتر جنوب أريحا، وعلى بعد كيلومتر ونصف غرب البحر الميت. وعندما ألقى حجراً على عنزة شاردة سمع صوت فخار ينكسر. وما نتج كان أعظم الكشوف الأثرية على مر التاريخ كله. كان مخطوطات البحر الميت.
وقد أدت أعمال التنقيب التي تمت في كهوف المنطقة حتى سنة 1956 إلى العثور على العديد من المخطوطات وآلاف الأجزاء من المخطوطات في آنية خزفية وضعتها هناك منذ نحو 2000 سنة طائفة دينية تعرف باسم الأسينيين، والأسينيون بوصفهم جماعة وُجدوا من سنة 167ق.م إلى 68م. وقد انفصلوا عن سلطات الهيكل وأسسوا جماعتهم الرهبانية في صحراء اليهودية بالقرب من قمران.
ومن مخطوطاتهم التي عثر عليها في قمران مخطوطة تعرف اليوم باسم مخطوطة إشعياء الكاملة Great Isaiah Scroll وهذه المخطوطة التي يرجع تاريخها إلى سنة 100ق.م ويبلغ طولها أكثر من سبعة أمتار هي سفر إشعياء كاملاً (الستة والستون أصحاحاً كلها) وهي أقدم مخطوطة كتابية موجودة[1]. وهي محفوظة حالياً داخل قبو في مكان ما في أورشليم، إلا أن نسخة منها معروضة في متحف محراب الكتاب Shrine of the Book في أورشليم.
ولا تقتصر أهمية هذا الاكتشاف على أن تاريخ المخطوطة يسبق زمن المسيح وأنها بحالة جيدة، ولكنها أيضاً تحوي ربما أوضح وأكمل نبوة عن المسيا الآتي. فإشعياء يسمي المسيا “عبد الرب”، ويبدأ في الإشارة إلى العبد في أصحاح 42 فيما يعرف باسم “نشيد العبد الأول”. إلا أن العبد غالباً ما يشار إليه باسم “العبد المتألم” نظراً للوصف الحي الوارد في إشعياء 53 لموته البدلي.
وبينما تقرا النص (52: 13 – 53: 12) اسأل نفسك: «إلى من يشير هذا الكلام؟»
(52: 13) هو ذا عبدي يعقل، يتعالى ويرتقي ويتسامى جداً.
(14) كما اندهش كثيرون. كان منظره كذا مفسداً أكثر من الرجل، وصورته أكثر من بين آدم.
(15) هكذا ينضح أمماً كثيرين. من أجله يسد ملوك أفواههم، لأنهم قد أبصروا ما لم يخبروا به، وما لم يسمعوه فهموه.
(53: 1) من صدق خبرنا، ولمن استعلنت ذراع الرب؟
(2) نبت كفرخ وكعرق من أرض يابسة، لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه.
(3) محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمستر عنه وجوهنا. محتقر فلم نعتد به.
(4) لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله ومذلولاً.
(5) وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا.
(6) كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا.
(7) ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه. كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه.
(8) من الضغطة ومن الدينونة أخذ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء. أنه ضُرب من أجل ذنب شعبي؟
(9) وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته. على أنه لم يعمل ظلماً، ولم يكن في فمه غش.
(10) أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن. إن جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلاً تطول أيامه، ومسرى الرب بيده تنجح.
(11) من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين، وآثامهم هو يحملها.
(12) لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أن سكب للموت نفسه وأحصي مع أثمة، وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين.
إلى من يشير هذا النص في رأيك؟ باري عرف جيداً إلى من يشير. فعندما قرأ من التناخ، دهش مما فيه من تشابهات مع يسوع، ولكنه ظل متحيراً نوعاً ما. وأراد أن يعطي المعلم اليهودي فرصة ليفسره له.
ويقول باري: «أتذكر جيداً أول مرة واجهت فيها إشعياء 53 بجدية، أو بالأحرى أول مرة واجهني بجدية. كنت متحيراً بشأن هوية العبد في إشعياء 53، فذهبت إلى المعلم اليهودي حيث أسكن وقلت له: “يا معلم، التقيت ببعض الأشخاص في الجامعة يزعمون أن العبد في إشعياء 53 لا يمكن أن يكون إلا يسوع الناصري. ولكني أود أن أعرف منك من هو العبد في إشعياء 53″».
وكم كانت دهشة باري من إجابته. فقد قال المعلم: «باري، ينبغي أن أعترف أنني عندما أقرأ إشعياء 53 يبدو لي أنه بالحقيقة يتكلم عن يسوع، ولكن بما أننا نحن اليهود لا نؤمن بيسوع، إذن يستحيل أن يكون عن يسوع».
وفي ذلك الوقت لم يكن باري يعلم الكثير عن المنطق الصوري، ولكنه عرف ما يكفيه أن يقول لنفسه: «هذه ليست أمانة بناء على تعاليمنا اليهودية! فالمعلم يعتمد في تفكيره المزعوم على المنطق الدائري، وهو أيضاً منطق مراوغ ومخيف». ويقول باري اليوم: «ليس من هو أكثر صمماً ممن لا يريد أن يسمع».
أما لمن يريد أن يسمع حقاً، يقدم لاري هليار Larry Helyer ملخصاً ممتازاً لسمات العبد في إشعياء وأعماله. فقد جمع الملاحظات التالية عن العبد بادئاً بأول نشيد من أناشيد العبد في أصحاح 42:
14 – المذهل أنه يعود إلى الحياة ويرفع فوق كل الحكام (53: 10-12؛ 52: 13-15).
ونضيف إلى ملاحظات هليار أن العبد أيضاً بلا خطية (53: 9).
إن قراءة عابرة للنص لا تترك أي مساحة للشك في أن العبد المتألم هو يسوع. والحقيقة أن التفسير اليهودي التقليدي لنصوص العبد يقول إنها تتنبأ عن المسيا الآتي[2]. أي أن اليهود لم يغيروا تفسير العبد المتألم بحيث يشير إلى أمة إسرائيل إلا بعد أن بدأ احتكاكهم بالمتخصصين في الدفاعيات المسيحية يزداد منذ حوالي ألف سنة. وأول يهودي يزعم أن العبد المتألم هو إسرائيل لا المسيا كان شلومو يسحاقي Shlomo Yitzchaki وشهرته راشيRashi (حوالي 1040-1105). واليوم رأي راشي هو السائد في اللاهوت اليهودي والرابي.
ولكن لسوء حظ راشي والكثير من اللاهوتيين اليهود المعاصرين هناك ما لا يقل عن ثلاثة أخطاء فادحة في تأكيدهم بأن إسرائيل هو العبد المتألم.
أولاً، العبد يختلف عن إسرائيل في أنه بلا خطية (53: 9). والقول بأن إسرائيل بلا خطية يتناقض مع العهد القديم كله تقريباً أو ينفيه. فالموضوع المتكرر في العهد القديم هو أن إسرائيل أخطأت بكسر وصايا الله وبالذهاب وراء آلهة أخرى بدلاً من الله الواحد الحقيقي. فإن كانت إسرائيل بلا خطية، لماذا كانوا في احتياج مستمر للأنبياء ليحذروهم من الاستمرار في الخطية ويدعوهم للعودة إلى الله؟
ثانياً، العبد المتألم يختلف عن إسرائيل في أنه حمل يستسلم دون أي مقاومة تذكر (53: 7). ولكن التاريخ يثبت لنا أن إسرائيل ليست حملاً على الإطلاق، فهي لا تضع نفسها عن أحد.
ثالثاً، العبد المتألم يختلف عن إسرائيل في أنه يموت موتاً كفارياُ نيابياً عن خطايا الآخرين (53: 4-6، 8، 10-12). إلا أن إسرائيل لم تمت، وهي لا تدفع ثمن خطايا الآخرين. ولا أحد يفتدي على ما تفعله أمة إسرائيل. ولكن الأمم والأفراد الذين يكونونها يعاقبون بخطايا أنفسهم.
إن هذا التفسير الساذج المستجد لإشعياء 53 يبدو مدفوعاُ بالرغبة في تجنب استنتاج أن يسوع هو حقاً المسيا الذي أشارت إليه النبوات قبل مجيئه بمئات السنين. إلا أن تجنب الواضح ليس له سبيل مشروع. تذكر أن مخطوطة إشعياء الكاملة كتبت قبل المسيح بحوالي 100 سنة، ونحن نعلم أن المادة التي تحويها أقدم من ذلك. والسبعينية، وهي الترجمة اليونانية للعهد القديم العبري (بما فيها إشعياء)، يرجع تاريخها إلى نحو سنة 250 ق.م. ومن ثم لا بد أن يكون الأصل العبري أقدم. فضلاً عن ذلك، مخطوطات أسفار العهد القديم كله أو أجزاء من مخطوطاتها فيما عدا سفر أستير وجدت في مخطوطات البحر الميت. إذن لا شك أن العهد القديم، بما فيه نص العبد المتألم يسبق المسيح بعدة مئات من السنين.
سهم يصيب الهدف
إن كان إشعياء 53 هو النص الوحيد في العهد القديم، فهو كاف لإظهار الطبيعة الإلهية لسفر إشعياء على الأقل. ولكن هناك عدة نصوص أخرى في العهد القديم تتنبأ بمجيء يسوع المسيح أو يكتمل تحقيقها فيه. وهي تشمل (الجدول التالي):
النص المسياني
النبوة المسيانية
تكوين 3: 15 [الله يتحدث إلى الشيطان] «وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنت تسحقين عقبه».
نسل المرأة: نسل حواء (حرفياً “زرع” حواء) سيسحق الشيطان في النهاية. ولكن هذا الإنسان يختلف عن سائر البشر في أنه سيكون من زرع امرأة لا من زرع رجل (قارن متى 1: 23).
تكوين 12: 3، 7 [الله يتحدث إلى إبراهيم] «وأبارك مباركيك، ولاعنك ألعنه. وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض… وظهر الرب لإبرام وقال: “لنسلك أعطي هذه الأرض”. فبنى هناك مذبحاً للرب الذي ظهر له».
زرع إبراهيم: زرع إبراهيم المذكور هنا يعني حرفياً “نسل” (لا “أنسال”). فهو يشير إلى شخص واحد فقط، إلى مسيا سيبارك في النهاية كل شعوب الأرض ويحكم الأرض (قارن غلاطية 3: 16).
تكوين 49: 10«لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع الشعوب».
سبط يهوذا: القضيب (صولجان الملك) لن يزول من سبط يهوذا حتى يأتي الملك الأعظم، المسيا، أي أن المسيا سيأتي من سبط يهوذا (أحد أسباط إسرائيل الاثني عشر).
إرميا 23: 5، 6«ها أيام تأتي، يقول الرب، وأقيم لداود غصن بر، فيملك ملك وينجح، ويجري حقاً وعدلاً في الأرض. في أيامه يخلص يهوذا، ويسكن إسرائيل آمناُ، وهذا هو اسمه الذي يدعونه به: الرب برنا» (انظر إرميا 23: 15، 16؛ إشعياء 11: 1).
ابن داود: المسيا سيكون ابناً لداود، ويدعى الله.
إشعياء 9: 6، 7«لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً، وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام. لنمو رياسته، وللسلام لا نهاية على كرسي داود وعلى مملكته ليثبتها ويعضدها بالحق والبر، من الآن إلى الأبد. غيرة رب الجنود تصنع هذا».
سيكون هو الله: المسيا سيولد طفلاً، ولكنه سيكون الله أيضاً. وسوف يحكم من عرش داود.
ميخا 5: 2«أما أنت يا بيت لحم أفراتة، وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا، فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطاً على إسرائيل، ومخارجه منذ القديم، منذ أيام الأزل».
يولد في بيت لحم: المسيا، الأزلي. سيولد في بيت لحم.
ملاخي 3: 1«هأنذا أرسل ملاكي فيهيئ الطريق أمامي. ويأتي بغتة إلى هيكله السيد الذي تطلبونه، وملاك العهد الذي تسرون به. وهوذا يأتي، قال رب الجنود».
سيأتي إلى الهيكل: المسيا الذي سيسبقه ملاك سيأتي بغتة إلى الهيكل.
دانيال 9: 25، 26«فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعا، يعود ويبنى سوق وخليج في ضيق الأزمنة. وبعد اثنين وستين أسبوعاً يقطع المسيح وليس له، وشعب رئيس آت يخرب المدينة المقدسة، وانتهاؤه بغمارة، وإلى النهاية حرب وخرب قضي بها».
سيموت سنة 33م: المسيا سيموت (“يقطع”9 بعد 483 سنة (69×7) من صدور الأمر بتجديد أورشليم (نتيجة الحساب هي سنة 33م. وبعدئذ تهدم المدينة والهيكل (وهو ما حدث سنة 70م)
سؤال: من في تاريخ العالم كله:
1 – من نسل امرأة عذراء.
2 – من نسل إبراهيم.
3 – من سبط يهوذا.
4 – من نسل داود الملكي.
5 – كان الله وإنساناً.
6 – وُلد في بيت لحم.
7 – سبقه رسول، وأتى إلى هيكل أورشليم قبل تدميره سنة 70م.
8 – مات سنة 33م.
9 – قام من الأموات (إشعياء 53: 11)؟
إن يسوع المسيح الناصري هو المرشح الوحيد. هو الوحيد الذي يصيب الهدف. طبعاً القضية تزداد قوة عندما تأخذ في اعتبارك الأوجه الأخرى من إشعياء 53. ويسوع يحقق كل تلك المعايير أيضاً.
إن القضية النبوية بخصوص المسيح تزداد قوة عندما تعرف أن العهد القديم تنبأ أن الله نفسه سيُطعن، كما حدث عندما صلب يسوع. فزكريا أحد أنبياء العهد القديم (كتب أيضاً قبل المسيح بزمن طويل) يسجل أن الله يقول: «وأفيض على بيت داود وعلى سكان أورشليم روح النعمة والتضرعات، فينظرون إليّ، الذي طعنوه، وينوحون عليه كنائح على وحيد له، ويكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة على بكره» (زكريا 12: 10). ثم يتنبأ زكريا أن قدمي الرب “ستقفان” على جبل الزيتون الذي قدام أورشليم من الشرق (زكريا 14: 4). هذه النبوات تشير إلى مجيء المسيح ثانية، ولكن الإشارة إلى طعن ذلك الشخص المجيد (أي صلبه) على يد “بيت داود سكان أورشليم” واضح أنها تشير إلى مجيئه الأول. والحقيقة أن الرسول يوحنا يقتبس زكريا 12: 10 باعتبارها نبوة عن الصلب (يوحنا 19: 37).
يمكنك أن ترى لماذا أدرك باري أنه “في ورطة”. فهذه النبوات المسيانية لا يمكن أن تكون صدفة. وهي أبعد ما تكون عن النبوات النفسانية التي يأتي بها أشخاص يدعون معرفة الغيب[3]. ولكنها أمر فائق للطبيعة بحق، إلا أن الكثير من إخوانه اليهود لم يدركوه. ولكن باري أدرك أنه رغم انتظار اليهود لمسيا سياسي، عجزوا عن إدراك أن المسيا يجب أن يأتي أولاً كالحمل الذي يذبح عن خطايا العالم (أشعياء 53: 7، 11، 12؛ يوحنا 1: 29).
واتصل باري بهال مرة أخرى وهو في حالة من الاندهاش. ثم راجعا النبوات المسيانية ثانية، وخاصة إشعياء 53. ثم قدم لباري كتبياً صغيراً.
وقال له هال: «هذه قصة حياة يسوع كتبها شاب كان يعرفه ويتبعه. لم لا تقرأها وتخبرني برأيك؟»
وحالما بدأ باري في القراءة، لم يتمكن من التوقف. كانت القصة تشتمل على الكثير من العناصر اليهودية، بدءًا من الكهنة وانتهاء بالفصح. ويسوع هذا كان شخصية مذهلة: صانع معجزات له أفكار عظيمة، وهو يتحدث بسلطان ولكن بلطف أيضاً.
كان باري يقرأ إنجيل يوحنا ولكنه لم يكن يدري آنذاك. وقد دهش بوجه خاص من هبة الخلاص الأبدي المجانية التي يقدمها يسوع لكل من يقبله. ويقول باري: «كل شيء أردته من الحياة كان عليّ أن أكتسبه بنفسي وأكون مستحقاً له. ولكن ها هو يسوع يقدم نفسه أفضل هباته زمنياً وأبدياً هدية مجانية. من ذا الذي يرفض هذا العرض؟»
وكان الوقت شهر نيسان/أبريل، بعد نصر بول المجيد بأكثر من ثلاثة شهور. ويقول باري: «أدركت فجأة أني لم أملك شيئاً تمكن من الصمود أمام اختبار الزمن، ناهيك عن اختبار الأبدية. وهو ما تجسد أمام عيني في فوز روز بول نفسه. فبعد بضعة شهور من أهم حدث في حياتي، ربما في حياتي كلها، فإن كل المجد، وكل ما صاحب هذا الفوز آنذاك بدأ يخبو ويتحول إلى ذكرى بعيدة باهتة».
وتساءل باري: «هل هذا كل ما في الحياة؟» ثم تذكر أن يسوع المسيا يقدم حياة أبدية. لقد عرف باري عقلياً أن يسوع هو المسيا قبل ذلك بعدة أسابيع، عندما وجد تلك النبوات المسيانية في التناخ. ولكن تصديق أن يسوع هو المسيا لا يكفي (فحتى الشياطين يعرفون أن يسوع هو المسيا كما نقرأ في يعقوب 2: 19). ولكن كان يجب على باري أن يؤمن بيسوع بصفته المسيا. وحتى يقبل هبة الخلاص الأبدي المجانية من العقاب الذي يستحقه، كان يجب عليه أن يخطو خطوة إرادية، لا خطوة عقلية فقط. فمهما كان، الله المحب لا يستطيع أن يجبره على دخول السماء ضد إرادته.
وبعد ظهر يوم 24 نيسان/أبريل 1966 كان باري مستعداً أن يتصرف وفقاً للحق الذي أكدته الدلائل. فركع بجوار سريره وصلى قائلاً: «يسوع، أؤمن أنك المسيا الموعود به للشعب اليهودي وللعالم أجمع، وبالتالي لي أيضاً، وأنك مت عن خطاياي وأنك حي من الأموات إلى الأبد، لذا أقبلك الآن في حياتي رباُ ومخلصاً شخصياً. شكراً لأنك مت عني». ويقول باري: «لم تحدث بروق ولا رعود، لم يكن هناك إلى حضوره وسلامه كما وعد، ولم يفارقاني إلى هذا اليوم».
ومنذ أن توصل باري إلى هذا الاكتشاف العظيم، وهو يوصل لليهود حقيقة أن المسيا قد أتى. وأدلة هذا الحق موجودة في كتبهم المقدسة! وفحص الأدلة التي تؤكد صحة تلك الكتب المقدسة يمثل اهتماماً أساسياً عند كلية اللاهوت الإنجيلية الجنوبية بالقرب من مدينة شارلوت في ولاية نورث كارولاينا حيث يعمل باري أستاذا ووكيلاً أكاديمياً.
سطح علبة النبوة
رأينا عدة نصوص من العهد القديم تمثل نبوات واضحة عن المسيا. وهي لم تتحقق إلا في يسوع المسيح. إلا أن الشكوكيين سرعان ما يشيرون إلى أن بعض النبوات الأخرى التي يستشهد بها على أنها مسيانية تنتزع من السياق أو لا تتنبأ فعلياً عن المستقبل. فمثلاً مزمور 22 يقول: «ثقبوا يدي ورجلي». والكثير من المسيحيين يدعون أن هذه الآية إشارة إلى صلب المسيح الذي لم يكن حتى وسيلة للعقوبة في أيام داود (كاتب المزمور). إلا أن الشكوكيين يقولون بأن داود لا يتحدث إلا عن نفسه، لا عن المسيح، ومن ثم فإن أي تطبيق مسياني هو تطبيق غير مشروع. يشتمل هذا الأمر على ثلاثة احتمالات.
أولاً، بعض الأكاديميين المسيحيين يتفقون مع الشكوكيين في آيات مثل هذه. فهم يقولون إن هدف مزمور 22 ليس هدفاً نبوياً. (بالطبع، حتى إن كانوا على صواب، هناك العديد من الآيات التي يتضح أنها نبوية، كما رأينا).
ثانياً، بعض الأكاديميين المسيحيين يشيرون إلى أن بعض النبوات الكتابية قد تنطبق على شخصين مختلفين في زمنين مختلفين. فمن المؤكد أن كلاُ من داود ويسوع كانوا يواجهون أعداء ومصاعب في حياتهم كما يعبر مزمور 22. فما المانع أن ينطبق المزمور على داود وعلى يسوع؟
ثالثاً، هذا الاحتمال هو الأكثر معقولية لنا، أن مزمور 22 هو فقط نبوة عن يسوع. فالمزمور يتضمن عدة إشارات مباشرة لخبرة الصلب التي اجتازها المسيح. فهو يبدأ بصرخته على الصليب: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟» (مزمور 22: 1، قارن متى 27: 46)، ثم يصف أحداثاً أخرى متصلة بالصلب، ومنها: احتقار صالبيه، وإهانتهم له، واستهزاؤهم به (الآيتان 6، 7)، وعطشه (الآية 15)، ويداه ورجلاه المثقوبتان (الآية 19)، وحتى تسبيحه لله وسط إخوته الإسرائيليين قد إنقاذه إياه (الآية 22). إن هذا يتجاوز الصدفة، ويقودنا إلى الاعتقاد بأن المسيح هو بالفعل المتحدث في المزمور كله. وهو ما يعني أنه رغم أن داود كتب المزمور، فالمسيح هو المتحدث. وهذا ليس النص الوحيد. ففي المزمور 110 الله الآب يتحاور مع الله الابن.
وقد يقول الشكوكي: «ولكنك تفسر مزمور 22 بهذا الشكل لأنك الآن تعلم ما حدث للمسيح. ولكن أغلب الظن أن من عاشوا في زمن العهد القديم لم يكن واضحاً لهم أن مزمور 22 عن المسيح».
وهو ما نجيب عليه بالقول: حتى إن كان ذلك صحيحاً، إذن ماذا؟ قد يكون صحيحاً أن نبوات مسيانية معينة في العهد القديم لا تتضح إلا في ضوء حياة المسيح. إلا أن ذلك لا ينفي أن هذه النبوات عجيبة بحق. فلتنظر إليها على هذا النحو: إن كنت لا تستطيع أن تفهم قطع اللغز الصغيرة التي تكون الصورة الكبيرة دون أن ترى سطح العلبة، فهل هذا يعني أنه ما من أحد صنع اللغز؟ لا.
والحقيقة أنك ما إن ترى سطح العلبة، حتى تدرك فجأة كيف تترتب القطع معاً، بل تدرك كذلك كم التفكير الذي تطلبه تصميم القطع على ذلك النحو. وبالكيفية نفسها، حياة يسوع تمثل سطح العلبة للكثير من قطع اللغز النبوي المنتشرة على صفحات العهد القديم. وفي الحقيقة أن أحد الأكاديميين المتخصصين في الكتاب المقدس حدد 71 نبوة مسيانية في العهد القديم تحققت في المسيح، وبعضها أنير بنور حياة المسيح.
وقد أوجز البعض هذه الفكرة على ذلك النحو: المسيح في العهد القديم محتجب، وفي العهد القديم محتجب، وفي العهد الجديد معلن. ورغم أن الكثير من النبوات واضحة مسبقاً، فالبعض منها لا يفهم إلا في نور حياة المسيح. وتلك التي تفهم بعد المسيح هي أيضاً نتاج تصميم فائق للطبيعة مثل النبوات التي كانت واضحة قبل المسيح.
هل يسوع هو الله؟
كما رأينا يتنبأ العهد القديم عن مجيء مسيا يولد إنساناً ولكنه الله في الوقت نفسه (إشعياء 9: 6). ويسوع هو الشخص الوحيد المعروف الذي يطابق سمات المسيا التي تحدثت عنها النبوات. ولكن هل زعم أنه الله؟
مؤكد أن كتاب العهد الجديد زعموا في مواضع عدة أن يسوع هو الله. فمثلاً يوحنا يقول في افتتاحية إنجيله “وكان الكلمة الله”، و“الكلمة صار جسداً” (يوحنا 1: 1، 14). ويقول بولس إن المسيح هو “الكائن على الكل إلهاً مباركاً” (رومية 9: 5)، ويقول “فإنه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً” (كولوسيي 2: 9). ويصرح بطرس بأن المؤمنين ينالون البر من “إلهنا والمخلص يسوع المسيح” (2بطرس 1: 1).
ومتى ينسب الألوهة ليسوع عندما يقتبس إشعياء 7: 14 “ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا” (متى 1: 22) ويقول كاتب العبرانيين عن ابن الله: “بهاء مجده، ورسم جوهره، وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عبرانيين 1: 3). وهو يقتبس أيضاً مزمور 45: 6 عندما يزعم أن الله يقول عن الابن: “كرسيك يا الله إلى دهر الدهور” (عبرانيين 1: 8). إن ما يقوله الرسل هنا يمثل مزاعم واضحة عن لاهوت المسيح. بل حتى الشياطين اعترفوا أن يسوع هو الله (متى 8: 29؛ لوقا 4: 34، 41)! ولكن هل يسوع زعم أنه الله؟
مزاعم مباشرة عن الألوهة
ربما ليس هناك زعم أوضح من رد يسوع المباشر على استجواب قيافا الصريح:
«أأنت المسيح ابن المبارك؟». فقال يسوع: «أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً في سحاب السماء». فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال: «ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف! ما رأيكم؟». فالجميع حكموا عليه أنه مستوجب الموت (مرقص 14: 61-64).
لاحظ أن يسوع أجاب عن السؤال المباشر بإجابة مباشرة: «أنا هو». وعندما أشار لنفسه بلقب “ابن الإنسان”، أضاف بذلك أنه سيأتي ثانية في سحاب السماء. وقد عرف قيافا والحاضرون مضمون هذا الكلام. فقد كان في ذلك إشارة للرؤيا التي رآها دانيال نبي العهد القديم عن نهاية الأزمنة: المسيا، ابن الإنسان، سيأتي إلى الأرض ليدين العالم بالسلطان المعطى له من الله الآب (“القديم الأيام”[4])، وكل شعوب الأرض ستتعبد له (دانيال 7: 13، 14). وبالطبع، لا أحد يعبد إلا الله نفسه. إلا أن المسيح هنا يزعم أنه هو الشخص الذي سيدين العالم ويقبل عبادة الشعوب. لقد كان يزعم أنه الله، والجميع فهموا ذلك.
وبينما يسجل متى ومرقص ولوقا جميعاً رد “أنا هو” على قيافا، يخبرنا يوحنا بواقعة أخرى حيث يزعم يسوع الألوهة برد “أنا هو”. وهو ما يحدث أثناء حوار ساخن مع بعض اليهود. فبعد الكثير من الشد والجذب حول هوية يسوع الحقيقية، ينتهي الحوار بيسوع وهو يعلن للفريسيين:
«أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأي وفرح». فقال له اليهود: «ليس لك خمسون سنة بعد، أفرأيت إبراهيم؟» قال لهم يسوع: «الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن». فرفعوا حجارة ليرجموه. أما يسوع فاختفى وخرج من الهيكل مجتازاً في وسطهم ومضى هكذا (يوحنا 8: 56-59).
وقد يقول الشكوكيون: «”قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن” عبارة ركيكة حتى على مستوى اللغة. فزمن الفعل خطأ»[5]. صحيح. إن يسوع ليس مهتماً بقواعد اللغة لأنه يقتبس نفس الاسم الذي أعطاه الله لموسى في العليقة المتقدة.
هل تتذكر فيلم “الوصايا العشر” The Ten Commandments؟ ماذا فعل موسى (الذي لعب دوره شارلتون هستون Charlton Heston) عندما رأى العليقة المشتعلة؟ سأل الله: «”ها أنا أتي إلى بين إسرائيل وأقول لهم: إله آبائكم أرسلني إليكم. فإذا قالوا لي: ما اسمه؟ فماذا أقول لهم؟” فقال الله لموسى: “أهيه الذي أهيه”. وقال “هكذا تقول لبني إسرائيل: أهيه أرسلني إليكم”»[6] (خروج 3: 13، 14).
أهيه هو الكائن ذاتي الوجود. فهو ليس عند ماض ولا مستقبل لأنه أزلي أبدي. فهو ليس داخل الزمن. ويسوع كان يزعم أنه هو ذلك الكائن الأزلي الأبدي ذاتي الوجود، وهو ما دفع اليهود أن يرفعوا حجارة ليرجموه.
ومن يستمرون في القول: «لا يسوع لم يزعم مطلقاً أنه الله»، نود أن نسألهم سؤالاً: لو لم يزعم يسوع أنه الله، فلماذا قتل إذن؟ إن صلب يسوع، الذي يعد غالباً أكثر الحقائق المؤكدة في التاريخ القديم كله، يصعب تفسيره إلا إذا كان قد زعم أنه الله.
مؤكد أن اليهود غير المؤمنين عرفوا أنه يزعم الألوهة. ففي عدة مناسبات التقطوا حجارة ليرجموه بتهمة التجديف. فلماذا كان واضحاً لأناس القرن الأول أن يسوع زعم أنه الله، ولكنه ليس واضحاً لبعض شكوكيي اليوم؟
مزاعم غير مباشرة عن الألوهة
بالإضافة إلى هذه المزاعم المباشرة التي نطق بها يسوع عن لاهوته، فقد قال عدة عبارات أخرى واضح أنها تعني ضمناً أنه الله:
† صلى يسوع: «والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم» (يوحنا 17: 5). ولكن العهد القديم يقول إنه ليس هناك إلا إله واحد (تثنية 6: 4؛ إشعياء 45: 5 إلخ)، والله يقول: «ومجدي لا أعطيه لآخر» (إشعياء 42: 8).
† أعلن: «أنا هو الأول والآخر» (رؤيا 1: 17)، وهي ذات الكلمات التي وصف الله بها نفسه في إشعياء 44: 6.
† قال: «أنا هو الراعي الصالح» (يوحنا 10: 11). ولكن العهد القديم يقول: «الرب راعيَّ» (مزمور 23: 1). والله يقول: «كما يفتقد الراعي قطيعه يومن يكون في وسط غنمه المشتتة، هكذا أفتقد غنمي» (حزقيال 34: 12).
† زعم يسوع أنه ديان كل البشر (متى 25: 31 إلخ؛ يوحنا 5: 27)، ولكن يوئيل يقول عن لسان الله: «لأني هناك أجلس لأحاكم جميع الأمم من كل ناحية» (يوئيل 3: 12).
† قال يسوع: «أنا هو نور العالم. من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة» (يوحنا 8: 12). ولكن كاتب المزمور يعلن: «الرب نوري» (مزمور 27: 1).
† أعلن يسوع: «لأنه كما أن الآب يقيم الأموات ويحيي، كذلك الابن أيضاً يحيي من يشاء» (يوحنا 5: 21). ولكن العهد القديم علم بوضوح أن الله فقط هو واهب الحياة (تثنية 32: 39؛ 1صموئيل 2: 6) ومحيي الموتى (إشعياء 26: 19؛ دانيال 12: 2؛ أيوب 19: 25، 26)، والديان الوحيد (تثنية 32: 35؛ يوئيل 3: 12).
† قال يسوع صراحة: «ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي» (يوحنا 14: 6).
الله في العهد القديم
الصفة
يسوع في العهد الجديد
مزمور 23: 1
إشعياء 44: 6
يوئيل 3: 12
إشعياء 62: 5
مزمور 27: 1
إشعياء 43: 11
إشعياء 42: 8
1صموئيل 2: 6
الراعي
الأول والآخر
الديان
العريس
النور
المخلص
مجد الله
مانح الحياة
يوحنا 10: 11
رؤيا 1: 17
متى 25: 31 إلخ
متى 25: 1
يوحنا 8: 12
يوحنا 4: 42
يوحنا 17: 5
يوحنا 5: 21
وقد أعلن يسوع أيضاً لاهوته ضمناً في الأمثال. ففي عدد من أمثاله، يصور نفسه في دور الله. مثلاً:
† في رد يسوع على شكور الفريسيين أنه يقبل خطاة ويأكل معهم (لوقا 15: 2)، يقول يسوع ثلاثة أمثال: الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال (لوقا 15: 4-32). ومضمونها أن يسوع يفعل ما يفعله الله وفقاً للعهد القديم: فهو راع يذهب ويبحث عن الضال، وهو غفور يقبل الخطاة التائبين، ويرحب بهم في البيت (حزقيال 34: 11؛ مزمور 103: 8-13). (وعلى هامش مثل الابن الضال الفريسيون ممثلون بالابن الأكبر المتذمر. فالفريسيون يظنون خطأ أنهم يستحقون هبات الآب على أعمالهم الصالحة. كالابن الأبن الأكبر. ومن ثم هذا المثل لا يؤكد لاهوت المسيح فحسب، بل يعلم كذلك أن الخلاص عطية مجانية لا يمكن أن نكتسبها باستحقاقنا، ولكننا فقط نقبلها).
† في متى 19: 28-30 يعلن يسوع أنه “ابن الإنسان”، سيملك على عرش إسرائيل المجيد في تجديد كل شيء، وأن أتباعه سيملكون معه. وبعد ذلك مباشرة يعلم مثل الفعلة والكرم (متى 20: 1-16). وهنا يمثل ملكوت الله بكرم يملكه رب بيت. ورب البيت يدفع لكل الفعلة بالتساوي، بصرف النظر عن مدة العمل، مبيناً بذلك أن نعمة الله لا تقوم على أي استحقاق مثل مدة الخدمة (“هكذا يكون الآخرون أولين والأولون أخرين“). ويسوع ممثل برب البيت الذي يملك الكرم ويوزع النعمة مجاناُ. وهو ما يعادله بالله لأن الله في العهد القديم هو مالك الكرم (إشعياء 5: 1-7). (وكما رأينا، استخدامه للقب “ابن الإنسان” يتضمن إقراره بالألوهة أيضاً).
† يسوع يصف نفسه بأنه “العريس” في عدة مناسبات (مرقص 2: 19؛ متى 9: 15؛ 25: 1؛ لوقا 5: 34) بما فيها مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات (متى 25: 1-13). وبما أن العهد القديم يصف الله بالعريس (إشعياء 62: 5؛ هوشع 2: 16)، إذن يسوع يعادل نفسه بالله.
وهناك عدة نماذج أخرى حيث يزعم يسوع ضمناً أنه الله فيما يقوله من أمثال. وإن كانت مسحة هذا الكتاب لا تسمح بتناولها جميعاً، إلى فيليب بين Philip Payne يخلص إلى أنه «من بين أمثال يسوع القصصية الاثنين والخمسين المدونة، عشرون ترسم له صوراً تشير في العهد القديم إلى الله».
أفعال إلهية
بالإضافة إلى ما قاله يسوع من عبارات تؤكد لاهوته (وبالإضافة إلى ما صنع من معجزات) فقد تصرف يسوع باعتباره الله:
† قال لمفلوج: «يا بني، مغفورة لك خطاياك» (مرقص 2: 5-11). وقد كان رد الكتبة في محله: «من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده؟»
† أعلن يسوع: «دفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض» وبعدها مباشرة أعطى وصية جديدة: فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم...» (متى 28: 18، 19).
† لقد أعطى الله موسى الوصايا العشر، ولكن يسوع قال: «وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضاً» (يوحنا 13: 34).
† طلب أن نصلي باسمه: «ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله… إن سألتم شيئاً باسمي فإن أفعله» (يوحنا 14: 13، 14). «إن ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم» (يوحنا 15: 7).
† ورغم أن كلاً من العهدين القديم والجديد يمنعان العبادة إلا لله وحده (خروج 20: 1-4؛ تثنية 5: 6-9؛ أعمال 14: 15؛ رؤيا 22: 8، 9)، فإن يسوع قبل العبادة فيما لا يقل عن تسع مناسبات وقد اشتملت على عبادة من:
1 – أبرص شفي (متى 8: 2).
2 – رئيس أقام يسوع ابنته من الأموات (متى 9: 18).
3 – التلاميذ بعد عاصفة (متى 14: 33).
4 – امرأة كنعانية (متى 15: 25).
5 – أم يعقوب ويوحنا (متى 20: 20).
6 – إنسان من كورة الجدريين به روح نجس (مرقص 5: 6).
7 – أعمى شفي (يوحنا 9: 38).
8 – كل التلاميذ (متى 28: 17).
9 – توما الذي قال: “ربي وإلهي” (يوحنا 20: 28).
كل هؤلاء الأشخاص عبدوا يسوع دون كلمة توبيخ واحدة منه. ويسوع قبل هذه العبادة، بل طوب من اعترفوا بلاهوته (يوحنا 20: 29؛ متى 16: 17). وهو أمر لا يفعله إلى شخص اعتبر نفسه الله بحق.
والآن لنضع كل هذا في نصابه الصحيح. وليس من فعل ذلك أفضل من سي. إس. لويس الذي كتب:
يظهر بغتة بين هؤلاء اليهود رجل يتكلم كأنه الله أينما ذهب. فهو يزعم أنه يغفر الخطايا. ويقول إنه موجود أزلاً. ويقول إنه سيأتي ليدين العالم في نهاية الزمان. والآن علينا أن نفهم هذا الكلام بوضوح. بين المؤمنين بوحدة الوجود، مثل الهنود، يمكن لأي شخص أن يقول إنه جزء من الله، أو إنه واحد مع الله: لن يكون في ذلك غرابة كبيرة. ولكن هذا الرجل، بما أنه كان يهودياً، لا يمكن أن يفهم الله على هذا النحو. فالله في لغتهم يعني الكائن الذي هو خارج العالم الذي خلقه وهو مختلف اختلافاً لانهائياً عن كل ما عداه. وعندما تدرك ذلك، ستفهم أن ما قاله هذا الرجل كان ببساطة أكثر الأقوال الصادمة التي نطلق بها شفاه بشرية.
تخيل جارك يزعم هذا النوع من المزاعم: “أنا الأول والآخر، الكائن ذاتي الوجود. هل تريد غفراناً لخطاياك؟ يمكنني أن أفعل ذلك. هل تريد أن تعرف كيف تعيش؟ أنا نور العالم، من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة. هل تريد أن تعرف فيمن يجب أن تثق؟ دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. هل لديك أي مخاوف أو طلبات؟ صلِّ باسمي. إن ثَبَتَّ فيَّ وثَبَتَ كلامي فيك، تطلب ما تريد فيكون لك. هل تريد أن تصل إلى الله الآب؟ ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي. أنا والآب واحد».
ماذا ستظن عن جارك لو كان جاداً فيما يقول؟ مؤكد أنك لن تقول: «مدهش، أظن أنه معلم أخلاقي عظيم!» لا، ستقول هذا الرجل مجنون، لأنه بالتأكيد يزعم أنه الله. وليس من عبر عن هذه الفكرة أيضاً أفضل من سي. إس. لويس الذي كتب:
إني أحاول هنا أن أمنع أي شخص من أن يقول هذا الكلام الشديد الحماقة الذي درج الناس على ترديده عن يسوع: «إني مستعد أن أقبل يسوع بصفته معلماً أخلاقياً عظيماً، ولكني لا أقبل زعمه بأنه الله». هذا هو الشيء الوحيد الذي يجب ألا ننطق به. إن رجلاً لا يزيد عن كونه إنساناً ويقول مثل هذه الأشياء التي قالها يسوع لن يكون معلماً أخلاقياً عظيماً. ولكنه يكون مجنوناً، مثله مثل من يقول إنه بيضة مسلوقة؛ أو يكون شيطاناً من جهنم. عليك أن تختار. فإما إن هذا الرجل كان وما زال ابن الله، أو إنه رجل مجنون أو أسوأ. يمكنك أن تخرسه بوصفه أحمق، يمكنك أن تبصق عليه وتقتله بوصفه شيطاناً، أو يمكنك أن تسقط عند قدميه وتدعوه رباً وإلهاً. ولكن دعونا من هذا الكلام الفارغ عن كونه معلماً إنسانياً عظيماً. فهو لم يترك الأمر مفتوحاً لنا. ولم ينو ذلك.
لويس محق تماماً. فبما أن يسوع زعم بوضوح أنه الله، فلا يمكن أن يكون مجرد معلم أخلاقي عظيم. وذلك لأن المعلمين الأخلاقيين العظماء لا يخدعون الناس بزعم الألوهة كذباً. وبما أن يسوع زعم أنه الله، فإن واحداً من ثلاثة احتمالات فقط يمكن أن يكون صحيحاً: إما أنه كاذب، أو مجنون، أو الرب.
كاذب لا تتسق مع الحقائق. فيسوع عاش وعلم أرقى المستويات الأخلاقية. ومن المستبعد أن يسلم حياته للموت إلا إذا كان يعتقد فعلاً أنه يقول الحق.
إن كان يسوع يعتقد أنه الله ولكنه لم يكن كذلك، إذن فهو مجنون. ولكن احتمال الجنون لا يطابق الحقائق أيضاً. فيسوع نطق بأعمق ما سجل من أقوال. والجميع، حتى أعداؤه، زعموا أن يسوع كان رجلاً صادقاً مستقيماً يعلم الحق (مرقص 12: 14).
وبذلك لا يبقى أمامنا إلى خيار الرب. ويطرح بيتر كريفت Peter Kreeft الحجة بكل بساطة:
ليس أمامنا إلى تفسيران محتملان: يسوع هو الله، أو يسوع ليس هو الله. والحجة في أبسط صورها تبدو هكذا: إما أن يسوع (1) الله، إن كان زعمه عن نفسه صحيحاً، أو (2) رجل سيء، إن لم يكن كلامه صحيحاً؛ لأن الرجال الصالحين لا يزعمون أنهم الله. ولكنه لم يكن رجلاً سيئاً. (لو وجد في التاريخ شخص غير سيء، فيسوع لم يكن رجلاً سيئاً). إذن فقد كان (ولم يزل) هو الله.
وهو ما يبدو منطقياً. ولكن هل الرب هو فعلاً الاستنتاج الصحيح؟ مهما كان، زعم الألوهة شيء – أي شخص يمكن أن يزعم ذلك – ولكن إثباته شيء آخر.
براهين لاهوت المسيح
كما رأينا زعم يسوع صراحة أنه الله وفي أغلب الأحيان كان يسلك باعتباره الله. ولكنه لم يكتف بالزعم والسلوك، بل برهن على هذا! وقد فعل ذلك بثلاثة براهين منقطعة النظير:
1 – تمم العديد من النبوات المسيانية وقام بأعمال معجزية.
2 – عاش حياة خالية من الخطية وقام بأعمال معجزية.
3 – تنبأ بقيامته من الأموات وحقق النبوة.
وقد قدمنا الأدلة بخصوص النبوات المسيانية، ومعجزات يسوع، وقيامته. ولكن ماذا عن فكرة أن يسوع بلا خطية؟ لقد قال يسوع نفسه: “من منكم يبكتني على خطية” (يوحنا 8: 46)؟ وتلاميذه الذي قضوا معه ثلاثة أعوام ليلاً ونهاراً زعموا أن يسوع بلا خطية:
† بطرس وصف يسوع بأنه حمل «بلا عيب ولا دنس»” (1بطرس 1: 19) «الذي لم يفعل خطية، ولا وجد في فمه مكر» (1بطرس 2: 22).
† يوحنا قال عن المسيح «وليس فيه خطية» (1يوحنا 3: 5).
† بولس كتب أن يسوع «لم يعرف خطية» (2كورنثوس 5: 21).
† كاتب العبرانيين ذكر النقطة نفسها بزعمه أن يسوع «بلا خطية» (عبرانيين 4: 15).
والآن جرب أن تقضي ثلاثة أيام مع أي إنسان. فكم بالأحرى ثلاث سنوات، مؤكد أنك ستجد فيه أخطاء. ولكن كُتاب العهد الجديد قالوا إن يسوع لم يكن عنده خطأ واحد.
ولكن ليس أصدقاؤه فقط هم من أكدوا سمو شخصيته، بل إن أعداء المسيح أيضاً لم يستطيعوا أن يجدوا فيه عيباً واحداً. فالفريسيون الذين كانوا يبحثون بكل نشاط عن عيب في المسيح، لم يجدوا (مرقص 14: 55)، بل إنهم اعترفوا أنه بالحق يعلم طريق الله (مرقص 12: 14). وحتى بعد كل ما بذله الفريسيون من جهود لإلصاق أي تهمة بيسوع، وجد بيلاطس أنه بريء من أي علة (لوقا 23: 22).
إلا أن برهان لاهوت المسيح لا يتوقف على خلوه من الخطية. ولكن النبوات التي تحققت فيه، ومعجزاته، وقيامته أكثر من كافية لإثبات لاهوته. ولكن هناك بضعة اعتراضات يجب أن نتناولها قبل أن نستنتج بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي أن يسوع هو الله الواحد الحقيقي.
اعتراضات على لاهوت المسيح
لماذا لم يكن يسوع أكثر صراحة؟ رغم بعض المزاعم الواضحة وضوح الشمس التي قالها يسوع عن لاهوته، فالشكوكيون يقولون كان من الممكن أن يكون يسوع أكثر صراحة في مناسبات أكثر إن كان هو الله فعلاً. مؤكد أن هذا صحيح. كان يمكنه أن يقول مزاعم كثيرة مباشرة إن رأى في ذلك ضرورة. إلا أن هناك عدة أسباب قد تفسر امتناعه عن ذلك.
أولاً، يسوع لم يرد تدخلاً من اليهود الذي كان عندهم مفهوم خاطئ أن المسيا سيأتي ويحررهم من ظلم الرومان. وهو ما مثل مشكلة رغم حرص يسوع: فذات مرة بعد أن صنع معجزات، اضطر أن يختفي عن اليهود الذين أرادوا أن يجعلون ملكاً (يوحنا 6: 15)!
ثانياً، ما كان يسوع ليستطيع أني يكون مثالنا البشري الأعظم لو استغل سلطانه كلما تعرض لمشكلة أرضية. فسلوكه يقدم لما نموذجاً مثالياً للتواضع والخدمة، وتمجيد الآب لا أنفسنا.
ثالثاً، كان على يسوع أن يكون في منتهى الحرص بخصوص وقت إعلان لاهوته ومكانه حتى يتمكن من إتمام مهمة الكفارة البدلية. فلو كان صريحاً أكثر من اللازم في مزاعمه وبرهانه المعجزي، ربما لما كانوا قتلوه. ولو كان شديد التحفظ، لما توافر دليل كاف على لاهوته، وربما ما كان ليجذب عدداً من الأتباع يكفي لنشر رسالته.
أخيراً، علينا أن نفهم الإطار الديني الذي عاش فيه يسوع وعلم. ولقد أشار إلى أنه شخصياً كمل ناموس العهد القديم كله (متى 5: 17)، الناموس الذي احترمه اليهود واتبعوه على مدى قرون وكان أساس كل ممارساتهم السياسية والدينية. فلا عجب أن يسوع استخدم الأمثال في التعليم وكانت إشاراته غير المباشرة إلى لاهوته أكثر من المباشرة. فقد قدم دلائل كافية لإقناع أصحاب العقول المنفتحة، ولكنها ليست مفرطة حتى لا تقهر حرية إرادة من يرغبون في التشبث بتقاليدهم.
إذن هناك أسباب وجيهة تفسر عدم إعلان يسوع عن لاهوته بأسلوب مباشر في مناسبات أكثر. إلا أننا يجب ألا ننسى أن عدد المرات التي فعل فيها ذلك كان كافياً. فأمام اليهود (يوحنا 8: 58) وعندما كان تحت قسم أمام رئيس الكهنة وقد علم أن مهمة الكفارة البدلية ستكتمل (متى 26: 64؛ مرقص 14: 62؛ لوقا 22: 70) صرح يسوع أنه الله.
إنكار غير مباشر للألوهة: غالباً ما يستشهد النقاد بثلاث مناسبات محددة في العهد الجديد حيث يمكن التشكيك في لاهوت المسيح. الأولى مسجلة في متى 19: 17. حيث الرئيس الشاب الغني يدعو يسوع “صالحاً”. ويبدو أن يسوع ينكر لاهوته عندما يجيب: «ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله».
ولكن النقاد مخطئون. فالمسيح لا ينكر لاهوته، بل يؤكد لاهوته باستفزاز الرجل ليتدبر مضامين عبارته. وهو ما يعني أن يسوع يسأل: «هل تدرك ما تقوله عندما تدعوني صالحاً؟ هل تقصد أني الله؟» وهو ما يتضح من السياق لأنه بعد بضع آيات يشير إلى نفسه بلقب “ابن الإنسان” الذي سيجلس “على كرسي مجده” وسيمكن التلاميذ أن يحكموا معه (متى 19: 28).
أما الاعتراضان الثاني والثالث على لاهوت المسيح يرتبطان بأن منزلة يسوع أقل من الآب وبأنه محدود المعرفة. ففي يوحنا 14: 28 واضح أن يسوع يضع نفسه في مكانة أقل من الآب عندما يعترف قائلاً «أبي أعظم مني» وفي متى 24: 36 يزعم يسوع أنه لا يعرف موعد مجيئه عندما يصرح قائلاً: «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد، ولا ملائكة السماوات، إلا أبي وحده». فكيف يمكن أن يكون يسوع هو الله إن كان أقل من الآب وإن كان محدود المعرفة.
إن الرد على هذه الاعتراضين يكمن في فهم الثالوث فهماً صحيحاً. أولاً يجب أن نوضح صراحة المعاني الخاطئة للثالوث: الثالوث ليس ثلاثة آلهة، ولا ثلاثة أشكال modes لإله واحد، ولا جوهراً إلهياً ثلاثياً Three divine Essences. الثالوث ثلاثة أقانيم[7] في جوهر إلهي واحد. وهو ما يعني أن هناك ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والروح القدس يشتركون في طبيعة إلهية واحدة. فالثالوث يشبه المثلث: المثلث له ثلاث زوايا ولكنه يظل مثلث واحداً (كما في الشكل التالي).
ويسوع يشارك في الطبيعة الإلهية الواحدة، ولكن أيضاً له طبيعة إنسانية متمايزة. فالابن أقنوم في اللاهوت، وبالتجسد صار له “طبيعتان” (طبيعة إلهية وطبيعة بشرية)، والله ثلاثة “أقانيم” (“أقنوم” الآب، “أقنوم” الابن”، “أقنوم” الروح القدس) في “جوهر” واحد، أي ثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد. وقد قال أثناسيوس، أحد آباء الكنيسة الأوائل، إن التجسد ليس حذف اللاهوت، بل إضافة الناسوت. فبالطبع عندما حبل بيسوع لم يكف عن كونه الله. ولكنه أضاف طبيعة إنسانية.
كيف يساعدنا ذلك على التعامل مع الاعتراضين الثاني والثالث؟ بما أن يسوع له طبيعتان. فكلما سألت سؤالاً عنه، عليك فعلياً أن تسأل سؤالين. فمثلاُ، هل يسوع عرف وقت مجيئه الثاني؟ بصفته الله، نعم. بصفته إنساناً، لا. هل كان يسوع يعرف كل شيء؟ بصفته الله نعم. بصفته إنساناً، لا. (في الواقع لوقا 2: 52 يعترف أن يسوع كان يتقدم في الحكمة). هل جاع يسوع؟ بصفته الله، لا. بصفته إنساناً، نعم. هل تعب يسوع؟ بصفته الله، لا. بصفته إنساناً، نعم.
يساعدنا الثالوث أيضاً أن نفهم المعنى الذي قصده يسوع عندما أعلن «أبي أعظم مني». الآب والابن واحد في الجوهر ولكنهما مختلفان في الوظيفة. وهو ما يشبه العلاقات البشرية. فمثلاً، الأب البشري يتساوى في بشريته مع ابنه، ولكن الأب له وضع أعلى. وهكذا يسوع والآب مختلفان في الوضع ولكنهما واحد في اللاهوت (يوحنا 1: 1؛ 8: 58؛ 10: 3). وعندما أضاف يسوع الناسوت، نزل بمكانته طوعاً عن مكانة الآب، وقبل المحدوديات الأصيلة في البشرية (وهذا هو بالضبط ما يشرحه بولس في رسالته إلى أهل فيلبي 2: 5-11)، إلا أن يسوع لم يفقد أبداً طبيعته الإلهية ولم يكف عن أن يكون الله. والجدول التالي يلخص الاختلافات بين يسوع والآب:
يسوع والآب
يسوع مساو للآب
يسوع أقل من الآب
في طبيعته الإلهية
في جوهره الإلهي
في صفاته الإلهية
في شخصيته الإلهية
في طبيعته البشرية
في وظيفته البشرية
في وضعه البشري
في وضعه البشري
اعتراضات على الثالوث: إن الثالوث ليس منافياً للمنطق ولا ضد العقل، رغم ما قد يقوله بعض الشكوكيين. فما ينافي المنطق هو القول بوجد إله واحد وثلاثة آلهة. ولكن القول بوجود إله واحد مثلث الأقانيم لا ينافي المنطق. قد يكون فوق العقل، ولكنه ليس ضد العقل.
وهو ما لا يعني أن الثالوث يمكن فهمه فهماً تاماً. فما من كائن محدود، مهما كان، يستطيع أن يستوعب إلهاً غير محدود استيعاباً كاملاً. إننا نستطيع أن نفهم الثالوث كما نفهم المحيط، ولكننا لا نستطيع أن نستوعبه. فعندما نقف على الشاطئ يمكننا أن نفهم أن محيطاً يمتد أمامنا، رغم أننا لا نستطيع أن نستوعب مدى اتساعه استيعاباً تاماً.
البعض يطعنون بأن الثالوث شديد التعقيد. ولكن من قال إن الحق يجب أن يكون دائماً بسيطاً؟ وهو ما عبر عنه سي. إس. لويس بكفاءة عندما قال: «لو كانت المسيحية شيئاً من اختراعنا، كان بإمكاننا طبعاً أن نبسطها. ولكنها ليست كذلك. لذا، لا يمكننا أن ننافس على البساطة مع مخترعي الأديان. وكيف لنا أن نفعل هذا؟ إننا نتعامل مع حقائق. وبالطبع من لا يملك حقائق يتعب رأسه بها يمكنه أن يكون بسيطاً».
وبعض النقاد وقادة الجماعات الدينية قالوا بأن الثالوث عقيدة متأخرة من اختراع الكنيسة. ولكن هذا غير صحيح. فالآب والابن والروح القدس[8] يشار إليهم جميعاً باسم الله في أسفار الكتاب المقدس. بالإضافة إلى ذلك، حتى لو لم يكن الثالوث مقبولاً عند كل آباء الكنيسة الأوائل، هذا لا يعني أنه خطأ. فالحق لا يتحدد بأغلبية الأصوات. ولكن عقيدة الثالوث سليمة كتابياً وفلسفياً.
فالثالوث في الحقيقة لا ينشر مشكلات لاهوتية بل يحلها. مثلاً يساعدنا أن نفهم وجود المحبة منذ الأزل. فالعهد الجديد يقول إن الله محبة (1يوحنا 4: 16). ولكن كيف يمكن أن توجد المحبة في كائن واحد وحدانية جامدة؟ ليس من شخص آخر يحبه! إلا أن وحدانية الثالوث في الجوهر الإلهي تحل المشكلة. فحتى توجد المحبة، لا بد أن يكون هناك محب (الآب)، ومحبوب (الابن)، وروح محبة (الروح القدس). ونظراً لهذه الطبيعة الثالوثية. الله موجود منذ الأزل في علاقة محبة كاملة. إنه الكائن الكامل الذي لا ينقصه شيء، ولا حتى المحبة. وبما أن الله لا ينقصه شيء، فهو لم يكن محتاجاً أن يخلق البشر لأي سبب (لم يكن وحيداً، كما يقول بعض الوعاظ). ولكن الأم ببساطة أنه اختار أن يخلقنا، وهو يحبنا وفق طبيعته المحبة. والحقيقة أن هذه المحبة هي التي تفسر إرساله لابنه، وهو أقنوم في الثالوث، ليأخذ عقوبة خطايانا. فعدالته غير المحدودة تديننا، ولكن محبته غير المحدودة تخلص من يريد الخلاص.
الملخص والخلاصة
زعم يسوع الناصري، وأثبت، أنه الله المسيا الذي تنبأ عنه العهد القديم. وتأتي مزاعمه في أشكال كثيرة: بدءًا من تصريحات “أنا هو” المباشرة وانتهاء بتلك العبارات القوية التي تنطق بلاهوته ضمناً. وأفعاله التي تشمل على غفران الخطايا، وإعطاء الوصايا بسلطان إلهي، وقبول العبادة التي لا تحق إلا لله، وتكشف أيضاً أن يسوع صدق فعلاً أنه الله، ثم أثبت أنه الله:
1 – بتحقيق العديد من النبوات المسيانية المحددة المكتوبة قبل مجيئه بمئات السنين (يسوع هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي تحقق فيه كل هذه النبوات).
2 – بحياته الخالية من الخطية وبأعماله المعجزية.
3 – بالتنبؤ بقيامته من الأموات وإتمامه للنبوة.
إننا نعتقد أن هذه الحقائق تبرهنت بما لا يدع مجالاً للشك المنطقي. ومن ثم، نستنتج أن يسوع هو الله.
وبما أننا برهنا أن الله كائن كامل أخلاقياً (بناءً على الحجة الأخلاقية في الفصل السابع)، إذن أي شيء يعلم به يسوع (الذي هو الله) حق. فماذا علم يسوع؟ وتحديداً، ماذا علم عن الكتاب المقدس؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.
[1] عند مقارنتها بثاني أقدم مخطوطة لإشعياء، وهي النص الماسوري الذي يرجع تاريخه لسنة 1000م. وجد أن النصين متطابقان بنسبة 95٪ والتنوعات التي تمثل 5٪ معظمها عبارة عن زلات قلم واختلافات في الهجاء (ولا يؤثر أي من هذه التنوعات على أي مسألة عقائدية). وهو ما يعد مثالاً على مدى دقة كتبة اليهود في نسخ الأسفار المقدسة على مر العصور. انظر Norman Geisler and William Nix. General Instruction to the Bible (Chicago: Moody, 1986), 357-382.
[2] الكثير من المعلمين اليهود على مر العصور، حتى قبل زمن المسيح، فهموا إشعياء 53 على أنه إشارة للمسيا الآتي. انظر S. R. Driver and A.D. Neubawer. The Fifty-third Chapter of Isaiah According to Jewish Interpreters (Oxford and London. Parker, 1877) فهذا الكتاب مثلاُ يقتبس آراء المعلمين اليهود التي تقول إن الآيات التالية تشير إلى المسيا “فرخ” من الأية 2 (صفحة 22)، “رجل أوجاع” من الآية 3 (صفحة 11). “أحزاننا حملها” من الآية 4 (صفحة 23)، “مجروح لأجل معاصينا ” من الآية 5 (صفحة 24).
[3] ما يطلق عليه نبوات نفسانية لا يمت بصلة لنبوات الكتاب المقدس. فمثلاً سلسلة كتب “أخبار الناس السنوية” People’s Almanac (1976) أجرت دراسة على أبرز خمسة وعشرين شخصاً يقولون إنهم يعرفون الغيب. وقد أظهرت الدراسة أن 66 من 72 (أو 92٪) كانت خاطئة تماما. أما النبوات التي كانت صحيحة إلى حد ما، اتسمت بالغموض أو كان يمكن تفسيرها على أنها صدفة أو ناتجة عن معرفة عامة بظروف العالم. فإحدى النبوات مثلاً كانت تقول إن الولايات المتحدة وروسيا ستظلان القوتين العظميين ولن تقوم حروب عالمية. شيء مذهل! على العكس من ذلك. بعض نبوات الكتاب المقدس تقال مئات السنين مقدماً. بحيث يستحيل التنبؤ بالظروف المستقبلية دون معونة إلهية، وقد أثبتت كل نبوات الكتاب المقدس دقتها بنسبة 100٪. انظر Norman L. Geisler, Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids. Mich.: Baker, 1999), See Pager 544 for Problems with the alleged Nostradamus Predictions.
[4] في نبوة دانيال 7 يتضح أن ابن الإنسان هو شخص بخلاف القديم الأيام. ولكن من رؤيا 1 يتضح أن ابن الإنسان هو بنفسه القديم الأيام، إذ قد استعلن سر التقوى: الله ظهر في الجسد (1تي 3: 16). (الناشر).
[5] العبارة الإنجليزية “Before Abraham was born. I am” وترجمتها الحرفية “قبل أن يكون إبراهيم. أنا أكون”. (المترجم).
[6] “أهيه” كلمة عبرية تعني “أكون” (Strong’s Hebrew Dictionary) to be. (المترجمة)
[7] جمع “أقنوم” وهي كلمة سريانية، تدل على من له تمييز (distinction) عن سواه بغير انفصال عنه. وهكذا أقانيم اللاهوت؛ فكر أقنوم، مع أن له تمييز عن الأقنومين الآخرين، لكنه غير منفصل عنهما. انظر يوسف رياض، 3 حقائق أساسية في الإيمان المسيحي، مطبوعات الإخوة، القاهرة. (الناشر).
[8] انظر Geisler, Baker Encyclopedia of Christion Apologetics. الاقتباس التالي من صفحة 730: الروح القدس يدعى “الله” (أعمال 5: 3، 4). وهو يحوز صفات اللاهوت، ومنها أنه كلي الحضور (قارن مزمور 139: 7-12) وكلي العلم (1كورنثوس 2: 10، 11). وهو مرتبط بالله الآب في الخلق (تكوين 1: 2). وهو مشارك في عمل الفداء مع الأقنومين الآخرين في الجوهر الإلهي (يوحنا 3: 5، 6؛ رومية 8: 9-17، 23-27؛ تيطس 3: 5-7). وهو أيضاً مرتبط بالأقنومين الآخرين في الثالوث تحت “اسم” الله (متى 28: 18-20). وأخيراً يظهر الروح القدس مع الآب والابن في صلوات البركة الرسولية في العهد الجديد (مثلاً 2كورنثوس 13: 14). فالروح القدس يحوز اللاهوت، وله أيضاً شخصية متمايزة. فهو أقنوم متمايز ويتضح ذلك في أن الكتاب المقدس يشير إليه بضمائر شخصية (يوحنا 14: 26؛ 16: 13). ثانياً، إنه يفعل أشياء لا يفعلها إلا الأشخاص. فهو يعلم (يوحنا 14: 26؛ 1يوحنا 2: 27)، ويبكت على الخطية (يوحنا 16: 7، 8). ويحزن من الخطية (أفسس 4: 30). أخيراً، الروح القدس له عقل (1كورنثوس 2: 10، 11)، ومشيئة (1كرونثوس 12: 11)، ومشاعر (أفسس 4: 30).
يوميات إرهابي هارب 37 : [القدوس المولود منك يدعى ابن الله] هل يثبت هذا النص لاهوت المسيح أم لا؟
يوميات إرهابي هارب 37 : [القدوس المولود منك يدعى ابن الله] هل يثبت هذا النص لاهوت المسيح أم لا؟
فأجاب الملاك: «الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. (لوقا 1: 35)
يقول ميمو أن المسيحي يأتي ويقول أن الله هو القدوس، والمسيح قيل عنه هنا أنه هو القدوس، إذن، المسيح هو الله. ثم سيبدأ ميمو بمحاولة رده على هذا الإستشهاد:
المحاولة الأولى له كانت عن طريق نقد النص من داخل النص نفسه، وتتلخص فكرته في أن يجعل المسيحي يتبرأ من الإعتقاد الصحيح _حسب ما يعرف_ كيف؟ يتلخص نقده هنا في أنه يقول لو إفترضنا أن القدوس تعني الله، والنص يقول “القدوس المولود منكِ” إذن هذا “القدوس” قد وُلِدَ من مريم، فبناءً عليه يكون المسيحي يعبد إنسان نزل من “مجرى البول” وسط “الدماء” لأن مريم ولدت إنسان، فهل تعبد يا مسيحي إنسان نزل من مجرى البول؟!!، هذه هي فكرة ميمو بإختصار! وبغض النظر عن النظرة المتدنية لعملية الولادة وبغض النظر عن جهله العلمي الطبي، كما هو واضح، نقول: لأكثر من عشرين قرناً والكنيسة في كل العالم تُعَلِم وتُبشِّر بأن المسيح هو إله وإنسان، لاهوت وناسوت متحدين، فاللاهوت يحوي ولا يحوى يُطَهِر ولا يتنَجس ولا يتطهر، فللتأكيد على الإتحاد بين طبيعتي المسيح منذ اللحظة الأولى للحبل المقدس يقول النص أن المسيح وهو من بطن أمه “القدوس” للتأكيد على هذا الإتحاد، ولا نقصد ولا يقصد النص أن السيدة العذراء مريم هي والدة للاهوت بمعنى أنها أصله الذي أوجده، فهذا ما لا نقوله أبداً، فالنص المقدس يُثبت ألوهية المسيح منذ اللحظة الأولى للحبل ولا يقول بأن مريم ولدت اللاهوت، فكلمة “القدوس” هي صفة للكائن المولود منها، وهذا الكائن هو لاهوت وناسوت، الله الكلمة المتجسد، وكما قلنا سابقاً أنه على الرغم من الإتحاد فصفات اللاهوت باقية وصفات الناسوت باقية ولم يمتزجا بحيث يتلاشى أحدهما في الآخر، هذا كله أولاً، أما ثانياً، فلدى ميمو وعموم المسلمين، فكرة مفادها أن الله لا يمكن أن يتجسد لأنه لا يليق به هذا، وكأن الله سينقص شيء أو سيتغير منه شيء بتجسده، ألا يرون أن الشمس وهي مخلوقة تُطهر بأشعتها وحرارتها ولا تتنجس إن سقطت على مكان للنفايات؟ فما بالك بخالق هذه الشمس؟ إن الله، القدوس، عندما سيولد بحسب الجسد من العذراء مريم لن يعيبه شيء ولن ينجسه شيء، فهو الذي يظهرنا جميعاً فكيف يتنجس؟!
المحاولة الثانية لميمو هي بالقول أن المسيح هو قدوس لأنه بكر أمه، وطبقاً للعهد القديم فكل بكر، كل فاتح رحم هو قدوس للرب، وللرد على هذه الحجة المضحكة الساذجة نقول:
أولاً: منطقياً، طالما أن يسوع هو إبن مريم، اليهودية، وهو يهودي، وهو البكر لأمه، فتلقائياً هو “قدوس للرب” فما الداعي ليقول الملاك لها “القدوس المولود منك”، فهذا مما هو معلوم بالضرورة لأن يسوع المسيح يهودي!
ثانياً: كلام الملاك للعذراء مريم يوضح الفارق بين القدوس بالطبيعة وبين المقدسين للرب كأبكار. لأن الملاك نفسه ذكر الثالوث في هذا النص فقد قال [الروح القدس يحل عليك وقوة العليتظللك فلذلك ايضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله] وبأكثر تدقيق [الروح القدس … وقوة العلي… فلذلك ايضا القدوس … ابن الله]، فنجد أنه ذكر أقنوم الروح القدس، ثم ذكر أقنوم الآب، ثم ذكر أقنوم الإبن، فهذا في حد ذاته ينفي فكرة ميمو، بالإضافة إلى نقطة هامة جداً وهي أن الملاك قال “لذلك” وفي اليونانية διὸ، ففي حالة تقدير الأبكار في العهد القديم كان البكر يتم تقديسه، أي تخصيصه لله وفقاً لأنه بكر، أي بسبب أنه بكر فهو سيتم تقديسه عندما يولَد، لكن مع المسيح له كل المجد لم يقل الملاك هذا، بل أن الملاك قال “لذلك” عطفا على المقدمة المذكورة في النص “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك”، فلم يقل لها مثلاً “لأنه البكر فستقومين بتقديسه”.
ثالثاً: العامل الزمني هام جداً هنا، فالذي كان يتم تقديسه في العهد القديم كان يتم تقديسه بعدما يولد عن طريق تخصيصه للرب، لكن مع المسيح له كل المجد، فهو “القدوس المولود” أي أنه “القدوس منذ أنه مولود” γεννώμενον ἅγιον فالكلمة اليونانية γεννώμενον هي فعل في الة ما نسميها مضارع، على الرغم من أن الرب يسوع المسيح لم يكن قد وُلِدَ حسب الجسد من العذراء مريم آن ذاك، فهو القدوس من قبل أن يولد، بالطبع لا يُفهم من كلامي هذا أن المسيح لم يتقدس كإنسان حسب شريعة اليهود، فهذا مما لم أتكلم فيه في السطور القليلة الماضية، ونحن نعلم أن المسيح أتم كل بر حسب الناموس، فنقرأ في بشارة القديس لوقا (2: 22) أنهما صعدا إلى أورشليم ليقدموه للرب، وهذا هو معنى التقديس حسب الناموس، إلا أنه يجب عدم الخلط بين القدوس والتقديس حسب الناموس بتقديم البكر للرب، فالملاك لم يقل للقديسة مريم أنه لأنه بكر فقدميه للرب كما يقول الناموس، بل أنه ذكر أن الروح القدس يحل عليها وقوة العلي (الآب) تظللها، ولذلك القدوس المولود منها، ..إلخ، فنجد أن المولود منها هو قدوس قبل أن يولد منها بحسب الجسد وقبل أن يقدموه للرب بحسب الناموس، فيجب عدم الخلط.
رابعاً: إذا كان المسيح كأي مولود يهودي بكر، أي بحسب فكر ميمو: مقدس كأي يهودي مقدس بلا فارق بينه وبينهم، فلماذا قال الملاك للعذراء مريم “مباركة أنت في النساء” و “لانك قد وجدت نعمة عند الله” بل أكثر، فقد قال لها عن هذا المولود “هذا يكون عظيما وابن العلي يدعى ويعطيه الرب الاله كرسي داود ابيه، ويملك على بيت يعقوب الى الابد ولا يكون لملكه نهاية” وكيف قالت لها أليصبات بالروح القدس (كما يذكر النص) “فمن اين لي هذا ان تأتي ام ربي اليّ”، ولن أشير هنا لكلام اليصبات نفسه التي كانت تتكلم الآرامية ودعتها “أم ربي” بالآرامية، ولا لمعنى الكلمة اليونانية “كيريوس” التي قيلت من يهودية إلى يهودية عن الجنين الذي مازال لم يولد بعد وليس له أي سلطان أرضي بعد بحسب الظاهر، ولكني سأشير إلى أنه على الرغم من أن أليصبات ستكون أم ليوحنا، وهو بكرها، وهو وهي يهوديان، إلا أن العذراء مريم لم تقل لها هذا الكلام، ولا قال الملاك لزكريا زوج أليصبات ولا لأليصبات نفسها عن إبنها “القدوس المولود منك”، فهو _بحسب فكر ميمو_ يهودي كالمسيح بحسب الجسد، وهو بكر كالمسيح بحسب الجسد، فلماذا لم يقل الملاك لأبويه هذا الكلام؟ بل أننا لو رجعنا لما قاله الملاك لزكريا الكاهن عندما كان يكهن في نوبة فرقته، لوجدنا أن الملاك قال له عن يوحنا [16 ويرد كثيرين من بني اسرائيل الى الرب الههم. 17 ويتقدم امامه بروح ايليا وقوته ليرد قلوب الآباء الى الابناء والعصاة الى فكر الابرار لكي يهيئ للرب شعبا مستعدا] (لوقا 1: 16-17) وفي ذات الأصحاح تكلم زكريا أبو يوحنا بالروح القدس (67) وتنبأ قائلاً لإبنه [وانت ايها الصبي نبي العلي تدعى لانك تتقدم امام وجه الرب لتعدّ طرقه] (76)، إذن من هذا الكلام الصريح نعلم أن يوحنا جاء أمام وجه الرب، فمن هو الرب المقصود هنا؟ هل هو إله العهد القديم وليس المسيح؟ هل هو المسيح وليس هو إله العهد القديم؟ أم أنه هو إله العهد القديم، المسيح؟ لنقرأ الإجابة من فم يوحنا نفسه، فقد قال يوحنا “انتم انفسكم تشهدون لي اني قلت لست انا المسيح بل اني مرسل امامه” (يوحنا 3: 28)، من هنا نعرف أن يوحنا شهد انه مرسل أمام المسيح حرفياً، فربما يقول قائل أن الرب هنا مقصود بها المسيح وليس إله العهد القديم، فنقول له، لنقرأ الرد من الكتاب المقدس حرفياً، فنقرأ في سفر ملاخي النبي (3: 1) ما قاله رب الجنود نفسه (يهوه) “هانذا ارسل ملاكي فيهيء الطريق امامي ويأتي بغتة الى هيكله السيد الذي تطلبونه وملاك العهد الذي تسرّون به هوذا يأتي قال رب الجنود” ونلاحظ هنا الضمير “يهيء الطريق أمامي” וּפִנָּה־דֶ֖רֶךְ לְפָנָ֑י أي أن هذا الرسول (يوحنا) سيهيء الطريق أمام يهوه، وقد أثبتنا أنه سيهيء الطريق أمام المسيح، إذن، فالنتيجة الحرفية المنطقية الواضحة، أن المسيح هو يهوه! ويعضد هذا ما جاء في سفر أعمال الرسل 19: 4 [فقال بولس ان يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلا للشعب ان يؤمنوا بالذي يأتي بعده اي بالمسيح يسوع] وأيضاً راجع (لوقا 7: 27) و(مرقس 1: 2-3 ) و(متى 11: 10)، فها هو المسيح رأينا كيف أن الكتاب المقدس يعلن حرفياً أنه يهوه، فهل يهوه ليس القدوس؟
المحاولة الثالثة لميمو كانت للأسف محاولى بسيطة وساذجة جداً، وهذا متوقع ممن في مثل مستواه المعرفي، وتتلخص هذه المحاولة في أنه يحاول أن يأتي بنصوص من الكتاب المقدس تنفي (كما يتوهم) أن وصف المسيح بأنه “القدوس” لا يمكن أن يُفهَم منه أنه وفقاً لهذا هو “الله”.، فعلى سبيل المثال، أتى بالآتي:
Act 4:27 لأنه بالحقيقة اجتمع على فتاك القدوس يسوع الذي مسحته هيرودس وبيلاطس البنطي مع أمم وشعوب إسرائيل
وحجته هي أن كيف يكون القدوس هو الله، وفي نفس الوقت هو “عبد”!!، والحقيقة لا أعرف ماذا يحدث لعقل ميمو، فهو خلال كلامه تجده وكأنه شخص آخر لا يعرف ما كان يعرفه منذ قليل! فنا مثلا قد نسى أن المسيح هو “الله” وهو “إنسان”، هو “لاهوت” و”ناسوت”، طبيعة واحدة من طبيعتين، بغير إنفصال ولا إمتزاج ولا إستحالة ولا تغيير! فالمسيح هو الله نعم، وهو إنسان نعم، وهذا الإنسان شابهنا في كل شيء وقد أخلى مجده كما قلنا سابقاً، فالنصوص أعلاه قالت عنه أنه “القدوس” لأنه بالحقيقة الله، وذات النصوص أيضاً قالت عنه “عبد” لأنه بالحقيقة في إخلاء مجده كان عبداً متحدا بجسد إنسان إتحادا حقيقياً، فنحن المسيحيون نؤمن أن المسيح هو الله من حيث الجوهر، وهو إبن الله من حيث الأقنوم، وهو إنسان من حيث ناسوته، وهو إبن الإنسان من حيث كونه الله-الإنسان، وهو إبن إنسانة (العذراء مريم) بحسب الجسد، وهو رسول لأنه مرسل من الآب لإتمام عمل الفداء، وهو نبي لأنه تنبأ بما سيحدث مستقبلاً، وهو عبد بحسب ناسوته أي ظاهراً (بالتجسد) في صورة عبد، فهل أصاب عقل ميمو نوع من النسيان المفاجيء لما يعرفه ليستشهد بهذه الآيات لنفي النصوص؟ هل يظن انه أتى لما لم يأت به أحد من الأولين والآخرين؟ ألا يقول الكتاب المقدس عن المسيح أنه هو الله وأنه هو إنسان في آن؟ فما الجديد إذن!
المحاولة الرابعة لميمو، والنص الذي أتى به دعاه أنه سينهي الموضوع بالكامل وأنه النص الفاصل!! فما هو هذا النص الفاصل الذي سينهي الموضوع بالكامل؟ هو النص الوارد في سفر حبقوق 3: 3
Hab 3:3 الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران. سلاه. جلاله غطى السماوات والأرض امتلأت من تسبيحه.
وفِهم ميمو السقيم للأسف، بعد جهد، عرفت أنه يقصد أن طالما النص قال “الله جاء من تيمان” ثم قال “القدوس من جبال فاران”، فيكون “الله” غير “القدوس”! لأن هذا جاء من تيمان، بينما ذاك من جبال فاران! هذا هو الفهم الميماوي! وقبل أن أرد بالطريقة التي يفهم بها ميمو وهي النصوص، أقول له، هل لا يمكن حسب مستواك في القراءة واللغة والفهم أن يكون الله جاء من تيمان، وأن يكون جاء أيضا قبل أو بعد هذا من جبال فاران؟ لا أعرف كيف يتصدر هذا الشخص لإلقاء الشبهات والتشغيب وهو بهذا المستوى الضحل من الفهم والقراءة!، لقد قال ميمو عن نصه أنه النص الفاصل وأنه سينهي الموضوع بالكامل، وأنا أقول له، بل أني الذي سأنهي الموضوع بالكامل بنص فاصل، فكما العادة، نستخدم حجج ميمو في إثبات ما أراد بإستخدامها نفي ما سنثبته! فهو أراد أن يبعد مصطلحي “الله” و “القدوس” ليقول بأن الله، غير القدوس، وبالتالي فالمسيح القدوس هو غير الله وفقا لهذا النص، لكن لا يعرف هذا الشخص أن هذا النص له نص مواز في الكتاب المقدس وهو النص المشهور (تثنية 33: 2):
Deu 33:2 فقال: «جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من سعير وتلألأ من جبل فاران وأتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم.
فها هو النص يفسر النص الأول، على الرغم من أن النص الأول واضح جداً حتى لمن يجيد القراءة فقط! ولكن قدرنا أن نرد على مَن دون ذلك!، فها هو الرب (يهوه) جاء من سيناء وتلألأ من جبل فاران! والنص الأول يتكلم في شقيه أيضاً عن الإله الواحد!، فهل عرفتم حقا مستوى جهل ميمو؟!
تكريم السيد المسيح هو تكريمُ لله، فمن يكون غير الله؟
تكريم السيد المسيح هو تكريمُ لله، فمن يكون غير الله؟
تكريم السيد المسيح هو تكريمُ لله، فمن يكون غير الله؟
تكريم الرب يسوع المسيح : لا يُكرم شهود يهوه الرب يسوع المسيح الذي اشترانا بدمه، كما يكرمون الرب يهوه، فهم لا يؤمنون أنه الرب يهـوه، وبذلك يذخرون لنفسهم غضباً في يوم الغضب (روميه 5:2) . لانه مكتوب : ” لكي يُكرم الجميع الابن كما يكرمون الاب. من لا يُكرم الابن لا يُكرم الاب الذي أرسلهُ”! (يوحنا 23:5)
فالابن يُحيي، ويُميت، ويعطي الحياة الأبجدية، فيجب علي كل الخليقة أن تُكرم الابن، كما يُكريم الاب. فالإيمان بأحد الأقنومين يستلزم الإمان بالأخر، فهما جوهر واحد، كذلك إكرام أحدهما يستلزم إكرام الأخر.
كيف نُكرم الاب؟ نُكرم الاب بعبادته والسجود له. وبتمجيد اسمه القدوس، و التَسبيح له، وبالسلوك بحسب وصاياه وطلب رضاه…الخ. أي أننا نُكرم الاب عندما نعمل بوصاياه المقدسة.
ونلاحظ أن الرب يسوع المسيح قال: “لكي يكرم الجميع الابن كما يُكرمون الاب ” (يوحنا 5: 23) فالطريقة التي نكرم بها الابن، هي ذاتها التي نكرم بها الاب، فالرباستخدم كلمة”كما”. لماذا؟ لأن “من لا يكرم الابن لا يكرم الاب الذي ارسله”(يوحنا 23:5)
نحن نكرم الله المثلث الاقانيم الأله الواحد، ونعبده: ذكر إنجيل القديس مار يوحنا، إعلاناً أخر عن وحدة الاب و الابن في جوهر، وتمايز عمل الأقانيم، يقول الرب يسوع المسيح: “أنا والاب واحد“(يوحنا 30:10). والنص الاصلي لهذه الاية في اللغة اليونانية لغة العهد الجديد، هو: ἐγὼ καὶ ὁ πατὴρ ἕν ἐσμεν (GNT) والترجمة الحرفية لها هي: أنا والأب نكون واحداَ”. لقد استعمل الرب يسوع فعل الكينونة “نكون” ليُعبر عن وحدة الأب والابن في الجوهر، أما عندما يتكلم السيد المسيح عن وحدة المؤمنون فإنه يستعمل فعل الطلب أو التمني(ليكونوا) “ليكونوا واحداَ (يوحنا 21:17). فوحدة أقانيم الثالوث المقدس، الأب والابن و الروح القدوس وحدة عميقة وازلية، وحدة بذات الجوهر الواحد، وحدة تفوق تصور العقل، فهي وحدة أقانيم الله الواحد.
ادرك التلاميذ تلك الوحدة ذات الجوهر الواحد بين الاب والابنو الروح القدس: قال القديس مار استفانوس أول الشمامسة الشهداْ، في ساعة موته، عندما رأىمجد الله ويسوع المسيح قائماَ عن يمين الله: ” أيها الرب يسوع اقبل روحي” (أعمال الرسل 59:7). فالقديس استفانوس يطلب من الرب يسوع المسيح قبول روحه! لماذا لم يطلب هذا الطلب من الله الاب؟ لأن مار استفانوس كان عالماَ بأن يسوع المسيح هو الابن المساوي للاب في الجوهر. وكان عالماَ بأن يسوع المسيح هو أبو الأرواح وخالقها . لذلك استودع روحه بين يدي خالقها الأمين يسوع المسيح له كل المجد.
وقال الرب يسوع المسيح لتلاميذه أثناء حوارهم معه: “لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاَ. ومن الان تعرفونه وقد رأيتموه. قال له فيلبسُ: يا سيد ، أرنا الاب وكفانا. قال له يسوع: أنا معكم زماناَ هذه مدته ولم تعرفوني يا فيلبس! الذي رأني فقد رأى الاب، فكيف تقول انت: ارنا الاب؟” (يوحنا 14 : 7 – 9).
يكشف الرب يسوع المسيح في الحوار، عن العلاقة التي بينه وبين الاب، اذ يقول لتلاميذه” ومن الان تعرفونه وقد رأيتموه”! مشيراَ بذلك الي نفسه ” وقد رأيتموه“. لذلك وبخ الرب يسوع المسيح تلميذه فيلبس الذي طلب ان يرى الاب. فالسيد المسيح هو الله الابن وهو “صورة الله“! (2كورنثوس 4:4) “وهو بهاء مجده، ورسم جوهره“! (عبرانيين 3:1).
ختاماَ :
تكلمنا بمعونة الرب، عن لاهوت السيد المسيح له كل المجد. وأثبتنا بالألة الكتابية بصورة واضحة، حقيقة:
أن الرب يسوع المسيح له كل المجد، هو الأقنوم الثاني (الابن) من الثالوث المقدس، وهو مساو للاب في الجوهر، وهو يهوه الرب،
وهو الله الظاهر بالجسد، وظهوره هذا ليس خيالاَ أو أو أسطورة قديمة تبناها المسيحية! فنحن حتى هذه اللحظة ما زلنا نقدم الكثير من الالشهدا ْ من أجل هذا الأمان الحق.
وما يؤمن به شهود يهوه، أو ما يحاول أن يعمله كل من يُنكر لاهوت السيد المسيح من الأديان الأخرى، من تصوير وإعطاء صفة الأسطورة لأماننا المسيحي الواضح و الحقيقي، ما هو إلا عمل باطل من أعمال إبليس الذي ما زال يضل العالم، كيف لا واسمه المضل، واتباعه هم من الضالين حتماً!
نسأل الرب يسوع المسيح أن يوافقنا وإياكم في محاربة إبليس وأعوانه الضالين و المضلين، ويعطينا الثبات علي الإمان الحق، في هذه الحياة الفانية. أمين.