تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي
تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي
تأليه الإنسان والتأله عند القديس أثناسيوس الرسولي
القديس أثناسيوس الرسولي – حياته وجهاده – د. نصحى عبد الشهيد
القديس أثناسيوس هو أحد أكثر الشخصيات مهابة وجلالاً وتأثيرًا في كل التاريخ الكنسي وهو بلا شك أروع أساقفة (أو باباوات) الإسكندرية إطلاقًا كما يقول البروفيسور كواستن (J. Quasten). وتميز بشجاعة لا تهتز بالترويع، ولم يكن يجفل في مواجهة الخطر أو الشدة ولا يخيفه التهديد ولذلك كان هو البطل الثابت الوفى والمدافع العظيم عن إيمان مجمع نيقية المسكونى (325م) و”عمود الكنيسة” كما سماه القديس غريغوريوس النزينزى (Or 21, 26).
ويقول عنه المؤرخ المشهور شاف (P. Schaff)[ أثناسيوس هو المحور الذي كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت في العصر النيقاوى… وقد لقب بالـ “الكبير” عن جدارة تأكدت بالاضطهادات والآلام التي تحملها سنينًا طويلة في مقاومة أخطاء شنيعة تحصنت أحيانًا بسلطان الامبراطور… وما التعبير المشهور “أثناسيوس وحده صار ضد العالم وصار العالم كله ضده” إلاّ تعبير جيد عن جرأته الفريدة الحرة وأمانته التي لا تهتز من جهة ما يؤمن به…
كان أثناسيوس بمفرده في وقت من الأوقات ـ وقد حرمه مجمع أساقفة مصدقًا عليه من الإمبراطور ـ كان هو وحده الحامل للحق. ولذلك سُمّى فيما بعد “أبو الأرثوذكسية” (الكنيسة اليونانية). ودعاه الأسقف ثيئودريت المؤرخ (تنيح 460م) “المنبر الأعظم”، ودعاه يوحنا الدمشقى “حجر الزاوية في كنيسة الله”…] (History of The Christian Church Vol. III p885). أما كنيسة روما فتعده أحد الآباء الأربعة الشرقيين.
لقد اعتبره الآريوسيون عدوهم الأساسي وحاولوا أن يفعلوا كل شيء ليحطموه. وحاولوا أن يسكتوه واستعانوا بسلطة الإمبراطور كما استخدموا الأساقفة الفاسدين.
أُبعد عن كرسيه خمس مرات وقضى حوالي 20 سنة في المنفى. ولكن كل هذه المعاناة والآلام لم تستطع أن تزعزعه عن ثباته. كان مقتنعًا أنه يكافح لأجل الحق، واستخدم كل وسيلة في متناول يده ليغلب أعداء الإيمان المستقيم، الذين كانوا في أوج قوتهم.
وتميز القديس أثناسيوس بميزة نادرة في مثل ظروف هذا الكفاح المشتعل ضد الهرطقة، وهى قدرته ـ حتى في وسط نيران المعركة ـ على التسامح والاعتدال مع الذين انحرفوا عن الإيمان بحسن نية. فكثيرون من الأساقفة الشرقيين رفضوا اصطلاح هوموأوسيوس ـ أى “المساواة في الجوهر” أو “من نفس الجوهر”، الذي استعمله مجمع نيقية عن الابن، وكان رفضهم عن سوء فهم، فأظهر أثناسيوس نحوهم تعاطفًا واحتملهم لكى يربحهم ويعيدهم إلى الحق.
وُلد القديس أثناسيوس (ومعنى اسمه “خالد”) حوالي سنة 296م، على الأرجح في الإسكندرية. وحصل هناك على تعليمه المدنى واللاهوتى سواء بدراسته الخاصة أو في مدرسة الإسكندرية. فقرأ للفلاسفة والشعراء اليونانيين ودرس الكتاب المقدس بشغف شديد كما يظهر من كتاباته التي وصلتنا مثل تجسد الكلمة والرسالة ضد الوثنيين وضد الآريوسيين وغيرها.
ذكر المؤرخ روفينوس (Ruf 1, 14) أن ألكسندروس بابا الإسكندرية التاسع عشر كان في يوم من الأيام مطلاً من نافذة البيت الذي يقطنه على البحر، فرأى صبية يلعبون على الشاطئ، فلما تحقق من حركاتهم وجدهم يمثلون طقس العماد الذي تجريه الكنيسة؛ فأخذ يراقبهم بشغف وابتدأ يحس أن عملهم هذا أصبح له وضعه السرائري، فاستدعاهم وكان ذلك بحضرة بعض الإكليروس، ولما استجوبهم علم أن الصبي أثناسيوس كان هو الذي يقوم بدور الأسقف في العماد (والمعروف أنه في العصور الأولى للكنيسة كان الأسقف وحده هو المنوط بإجراء العماد من دون الكهنة).
وقام فعلاً بعماد بعض الأولاد رفقائه عن قصد وبكل مستلزمات الطقس، وهؤلاء لم يكونوا مسيحيين بعد؛ أما البابا ألكسندروس فلم يأخذ الموضوع ببساطة. وبعد مداولات مع الإكليروس اعتبر أن هذا العماد ساري المفعول وامتدح أثناسيوس واحتفظ به عنده، وأمر أن تُجرى لبقية الأولاد ما يلزمهم من الطقوس والتعاليم اللازمة لتكميل الطقس. وكذلك يؤكد المؤرخ سوزمين صحة هذه القصة (انظر (Soz, 11,17 عن قيام الصبى أثناسيوس بتعميد أولاد وثنيين، ورؤية الكسندروس البطريرك 19 له).
وبعد ثلاث سنوات عندما تنيح البابا الكسندروس سنة 328م أختير أثناسيوس بإجماع الأساقفة والشعب خلفًا له رغم أنه كان دون السن القانونية بحسب التقليد الكنسي (Apol. C. Arian. 6) وكان الجمهور ينادى ” إنه صالح وقديس وناسك “.
ولم تكن مهمته الجديدة سهلة فرغم أن الفكر الآريوسى حُكم عليه في مجمع نيقية إلاّ أنه كان لا يزال له مؤيدون في الإسكندرية، يضاف إلى ذلك مقاومة الميليتيين في الصعيد.
حقبة أسقفية القديس أثناسيوس حتى نياحته 373م هى 45 سنة وتنقسم إلى خمسة فترات:
واستطاعوا أن يقنعوا الإمبراطور قسطنطين أن يأمر أثناسيوس بقبول آريوس، ولما رفض أثناسيوس تمكن الآريوسيون من عقد مجمع في صور سنة 335 ضده وحكم هذا المجمع بعزله. وأمر الإمبراطور بنفيه إلى ترير (حاليًا غرب ألمانيا قرب حدود بلجيكا) وبقى هناك حتى سنة 337 (أى حوالي سنتين)، ثم عاد إلى الإسكندرية في نوفمبر سنة 337 بعد وفاة قسطنطين الكبير، بأمر قسطنطين الصغير إمبراطور الغرب. وهكذا انقضى النفي الأول.
تجدد الاضطرابات إذ قام الآريوسيون بعقد مجمع في إنطاكيا سنة 339 وحكموا بعزل أثناسيوس وعينوا مكانه غريغوريوس الكبادوكى وأدخلوه الإسكندرية بالقوة استنادًا على أمر الإمبراطور قسطنطيوس (إمبراطور الشرق) بعد والده قسطنطين الكبير.
ذهاب أثناسيوس إلى روما سنة 339 وهناك عقد مجمع برئاسة أسقف روما يوليوس برأ أثناسيوس سنة 341 ثم عقد مجمع في سرديكا (صوفيا) سنة 343 ثبت قرار مجمع روما واعترف بأثناسيوس أنه الأسقف الشرعى الوحيد للإسكندرية. ولكن أثناسيوس لم يتمكن من العودة للإسكندرية إلاّ بعد وفاة الأسقف الدخيل غريغوريوس في سنة 345. ووصل أثناسيوس إلى الإسكندرية في أكتوبر سنة 346.
فترة سلام وازدهار روحي غير عادى يسجله أثناسيوس في كتابه “تاريخ الآريوسية” (Hist. Arian., 25.27).
أولاً:
أـ بالنسبة للشابات: ” كم من عذارى نذرن أنفسهن للمسيح بعد أن كن يطلبن الزواج “.
ب ـ بالنسبة للشبان: ” كم من شباب تسلحوا بالغيرة الحسنة بسبب رؤيتهم لنماذج الآخرين، فخرجوا من العالم للحياة الرهبانية “.
ثانيًا: إقبال الأُسر على أعمال النسك والتدقيق في الحياة، من صوم وصلاة وصدقة وحضور الاجتماعات الكنسية: ” كم من آباء أقنعوا أولادهم وكم من أولاد أقنعوا آباءهم لمزيد من النسك المسيحي “.
ثالثًا: دخول المتزوجين في تنافس مع النساك والرهبان، للقداسة بروح إنجيلية: ” كم من زوجات أقنعن أزواجهن وأزواج أقنعوا زوجاتهم وتفرغوا للدخول في عهد الصلاة “.
رابعًا: تكوين منظمات شعبية بسبب انفعال المحبة الروحية العملية، لخدمة الأرامل والأيتام من جهة الأعواز الجسدية: ” كم من أرامل وكم من يتامى كانوا جياعًا عرايا، وبحماس الشعب امتلأوا شيعًا واكتسوا “.
خامسًا: ” تكوين اجتماعات روحية في البيوت للصلاة والتسبيح والشكر، حتى صار كل بيت كأنه كنيسة: ” كانت غيرة الشعب ومنافسته في الفضيلة شديدة حتى يكاد يُظن أن كل عائلة وكل بيت قد صار كنيسة، بسبب صلاح الساكنين فيه والصلوات التي يرفعونها أمام الله “. ” سرور وسط الشعب في كل اجتماعاتهم “.
سادسًا: نشاط الخدمات داخل الكنائس والصلوات وعلاقات الأساقفة والكهنة كان يسودها السلام العميق: ” أما في الكنائس فكانت هناك موجة من السلام العجيب والعميق، والأساقفة كتبوا من كل ناحية واستلموا من أثناسيوس الرسائل السلامية كالمعتاد ” ” والسلام هكذا كان يرفرف على الكنائس “. ” أُلفة بين الأساقفة واتفاقهم في كل مكان “.
سابعًا: نشاط ملحوظ في الوعظ والنشرات الدورية لإقناع الآريوسيين والميليتيين بالعودة إلى الكنيسة، وإظهار روح الصفح والقبول: ” كم من أعداء تابوا “، ” كم من أشخاص اعتذروا له عما بدر منهم نحوه من ظلم أو اتهام بالزور “. ” كم من أشخاص كانوا معه في عداوة فصاروا في تعاطف وحب “، ” كم من أشخاص انحازوا تحت الضغط والإرهاب جاءوا ليلاً وقدموا توبتهم “.
هرب إلى الرهبان في الصحراء. وقضى بينهم سنوات. وفي هذه الفترة كتب ” دفاعه إلى الإمبراطور قسطنطيوس ” و”الدفاع عن هروبه “، و” الرسالة إلى الرهبان ” و” تاريخ الآريوسيين “.
بدأت هذه الفترة بهجوم الوالي على كنيسة ثيؤناس أثناء وجود أثناسيوس مع المؤمنين للتسبيح والصلاة فيها. وفرض الأسقف الدخيل جورج الكبادوكى.
موت قسطنطيوس في 361، والأسقف الدخيل قُتل في ديسمبر من سنة 361م. وفي فبراير 362 عاد أثناسيوس إلى كرسيه هو وغيره من الأساقفة المنفيين بأمر الإمبراطور يوليانوس.
أ ـ مجمع الإسكندرية: (سنة 362 ـ النفيان الرابع والخامس)
بعد عودته من المنفى عقد القديس أثناسيوس مجمعًا بالإسكندرية لمعالجة المسائل التي تعطل عودة السلام إلى الكنيسة، وأهم ما اتفق عليه المجمع:
1 ـ قبول كل الأساقفة الذين سقطوا من شركة الكنيسة، عن طريق الاعتراف بإيمان نيقية، وبأن يعترفوا بأن الروح القدس غير مخلوق وأنه من جوهر واحد مع الآب والابن ضمن الثالوث.
2 ـ حل الخلاف في فهم معنى الهيبوستاسيس Hypostasis فأشباه الآريوسيين تعودوا أن يقولوا أن هناك 3 “هيبوستاسيس” في الله ولكن الأغلبية كانت لا تزال تفهم بالمعنى القديم أن في الله “هيبوستايس” واحد. فهؤلاء الأخيرين يتهمون أصحاب الـ 3 هيبوستاسيس بالآريوسية وهؤلاء يتهمون أصحاب “الهيبوستاسيس الواحد” بالسابيلية. وحل المجمع هذه المشكلة بقيادة أثناسيوس الحكيمة ـ بأن التعليم واحد والاختلاف في التعبير عن المعنى أى بسبب سوء الفهم للألفاظ وهكذا يمكن أن يستعمل كلا من التعبيرين رغم أنه كان يفضل تعبير الهيبوستاسيس بمعنى الجوهر الواحد.
وبفضل قيادة أثناسيوس في هذا المجمع أمكن عودة كثيرين من الأساقفة إلى الكنيسة. ولذلك قال القديس إيرونيموس عن هذا المجمع انه ” بمنهجه التصالحى الحكيم انتزع العالم كله من بين فكى الشيطان” (Jerome adv. Lucif,20).
ب ـ الإمبراطور يوليانوس يأمر بطرد أثناسيوس من الإسكندرية (النفي الرابع) فتركها في أكتوبر 362م. وبعد وفاة يوليانوس سنة 363م عاد أثناسيوس في فبراير سنة 364 بأمر الإمبراطور جوفيان المسيحي، مدة نفيه الرابع 15 شهرًا.
ج ـ نفى أثناسيوس للمرة الخامسة بأمر الإمبراطور فالنز الآريوسى إمبراطور الشرق فخرج أثناسيوس من كنيسة ديونيسيوس في نفس الليلة التي حاول الوالي فيها أن يقبض عليه (5 أكتوبر 365) واختبأ في بيت ريفي كما يقول سوزومين. أما سقراط المؤرخ فيقول إنه اختبأ 4 أشهر في مقبرة أبيه.
د ـ ثار الشعب في الإسكندرية ثورة شديدة مما جعل الإمبراطور يأمر بعودة أثناسيوس في فبراير سنة 366. فذهب الوالي ومعه وفد من المدينة وأحضروا أثناسيوس بإكرام كبير من ضواحي المدينة حتى كنيسة ديونيسيوس. وكان يوم فرح عظيم لكل الشعب.
في ذلك الوقت كان أثناسيوس في عقد السبعينيات من عمره، فقضى فترة سلام ورعاية أمينة لشعبه.
وأيضًا في هذه الفترة حدث تبادل الرسائل بين القديس أثناسيوس والقديس باسيليوس (الذي صار أسقفًا في سنة 370 لقيصرية كبادوكية). وحصل باسيليوس على مؤازرة أثناسيوس له في محاربة الآريوسيين في أسيا الصغرى.
وقد عبر باسيليوس في رسائله إلى أثناسيوس عن شعوره باحترام ومديح بلا حدود نحو أثناسيوس. كما دافع أثناسيوس عن أرثوذكسية باسيليوس في مواجهة المشككين فيها إذ قال عنه إنه “أسقف تتمنى أى كنيسة أن يكون هو أسقفها” (رسالة 63 إلى القس بالاديوس N.P.N. Vol 4. p.570).
وفي هذه الفترة ـ كما يفترض بعض العلماء ـ كتب أثناسيوس كتابين ضد أخطاء أبوليناريوس ـ دون أن يذكر فيهما اسم أبوليناريوس الذي كان مشتركًا معه في مجمع الإسكندرية سنة 362، وأكد فيهما وجود نفس أو عقل بشرى في جسد المسيح غير اللوغوس الذي هو اللاهوت المتحد بالجسد.
وظل أثناسيوس يكتب ويشرح ويرد على رسائل الذين يستشيرونه من كل كنائس المسكونة في أمور الإيمان ويحل المشاكل العملية المرتبطة بتثبيت الكنائس في مواجهة الآريوسيين، ويؤازر كل أسقف مضطهد وكانت رسائله ومشوراته ذات تقدير كبير عند كل أساقفة المسكونة.
وتنيح القديس أثناسيوس يوم 7 بشنس سنة 19 للشهداء (2 مايو 373م) وله من العمر 77 عامًا.
* المراجع:
1ـ القديس أثناسيوس الرسولي ـ للأب متى المسكين
2- Patrology vol.III by J. Quasten.
3- History of the Christian Church. Vol.III by Ph. Schaff.
للقديس أثناسيوس الرسولى
الآب يُدعى ينبوعًا ونورًا لأنه يقول: ” تركونى أنا ينبوع المياه الحية” (إر13:2). وأيضًا فى باروخ: ” لماذا أنت يا إسرائيل فى أرض أعدائك؟ لقد تركت ينبوع الحكمة” (باروخ10:3ـ12)، وأيضًا حسب يوحنا ” إلهنا نور” (1يو5:1).
وأما الابن فمن جهة علاقته بالينبوع يُدعى نهرًا: ” نهر الله ملآن ماء” (مز9:64)، ومن جهة علاقته بالنور يُدعى إشعاعًا[2] ـ إذ يقول بولس: ” هو شعاع مجده ورسم جوهره”(عب3:1). ومن ثمَّ حيث إن الآب نور والابن هو شعاعه، فلا ينبغى أن نتحاشى تكرار نفس الأشياء عنهما مرات كثيرة. ويمكننا أن نرى فى الابن، ”الروح” الذى بواسطته نستنير[3]: ” لكى يعطيكم روح الحكمة والإعلان فى معرفته مستنيرة عيون قلوبكم” (أف18،17:1).
ولكن حينما نستنير بالروح، فالمسيح هو الذى ينير فيه (أى فى الروح) لأنه يقول: ” كان النور الحقيقي الذى ينير كل إنسان، آتيًا إلى العالم” (يو9:1) وأيضًا، حيث إن الآب ينبوع، والابن يسمى نهرًا، لذلك نقول إننا نشرب الروح. لأنه مكتوب: ”جميعنا سقينا روحًا واحدًا” (1كو13:12) ولكن حينما نشرب الروح، فإننا نشرب المسيح. ” لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح” (1كو4:10). وبالإضافة إلى ذلك، كما أن المسيح ابن حقيقي، فإننا عندما نأخذ الروح، ”نصير أبناء” [4].
لأن الكتاب يقول: ” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبنى” (رو15:8). وإن كنا بالروح قد صرنا أبناء فواضح أننا فى المسيح نُدعى أولاد الله لأن: ” كل الذين قبلوه أعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله” (يو12:1). وعلى ذلك، فكما أن الآب هو ”الحكيم الوحيد”، كما قال الرسول بولس، فإن الابن هو ”حكمته”: ” المسيح قوة الله وحكمة الله” (1كو24:1). وحيث إن ابن الله هو الحكمة وابن الحكمة، فإننا إذ نأخذ روح الحكمة، نملك الابن، وبه نصير حكماء.
لأنه هكذا هو مكتوب فى المزمور المئة والخامس والأربعون: ” الرب يحل المأسورين، الرب يفتح أعين العميان” (مز8،7:145س). وحينما يعطى لنا الروح القدس، (قال المخلص: ” اقبلوا الروح القدس”)، يقيم الله فينا، لأنه هكذا كتب يوحنا: ” إن أحب بعضنا بعضًا فالله يقيم فينا، بهذا نعرف أننا نقيم فيه وهو فينا، لأنه قد أعطانا من روحه” (1يو13،12:4). وحيث إن الله يوجد فينا، يكون الابن أيضًا فينا.
لأن الابن نفسه قال: ” الآب وأنا نأتى ونصنع عنده منزلاً” (يو23:14). وأيضًا، حيث إن الابن هو الحياة ـ لأنه يقول: ” أنا هو الحياة” (يو6:14). فإننا نحن أيضًا سنحيا بالروح، لأنه يقول: ” الذى أقام المسيح من بين الأموات سيُحي أجسادكم المائتة بروحه الساكن فيكم” (رو11:8). وحيث إننا محيون بالروح، فالمسيح نفسه يحيا فينا، لأنه يقول: ” مع المسيح صُلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىَّ ” (غلا20:2).
وأيضًا، قال الابن إن الأعمال التى عملها هو، عملها الآب ـ لأنه يقول: ” الآب الحال فىَّ هو يعمل أعماله. صدقونى إنى فى الآب والآب فىَّ وإلاّ فصدقونى بسبب أعماله” (يو10:14ـ12). وهكذا أيضًا قال بولس إن الأعمال التى عملها بقوة الروح هى أعمال المسيح: ” لأنى لا أجسر أن أتكلم عن شئ مما لم يفعله المسيح بواسطتى لإطاعة الأمم بالقول والفعل بقوة آيات وعجائب، بقوة الروح القدس” (رو19،18:5).
1 عن كتاب “الرسائل عن الروح القدس” إلى الأسقف سرابيون للقديس أثناسيوس الرسولى، ترجمة د. موريس تاوضروس، د. نصحى عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء مايو 1994، ص65ـ67.
2 “يُدعى (الابن) إشعاعًا”، أى نور يشع نورًا، أى أن الابن نور مُشع من الآب، وهكذا نفهم نص قانون الإيمان “نور من نور”. بعكس فهم “إشعاع” بمعنى نور مقتبس من نور آخر مثلما يأخذ السراج نور من سراج آخر فيكون تعبيرًا عن الانقسام والتجزئة فى عالم المخلوقات، والتى لا وجود لها فى طبيعة الله الثالوث.
3 “نرى فى الابن، الروح الذى به نستنير”. يوضح القديس أثناسيوس هنا أننا يمكن أن نرى الروح فى الابن، وهذا ما يذكره صراحة فى الرسالة الأولى عندما يقول: [ وكما أن الابن، الكلمة الحى، هو واحد، هكذا فإن القوة الحيوية والعطية التى بها يقدس ويضيء ينبغى أن تكون واحدة كاملة وتامة ] (رسالة20:1). ويقول أيضًا: [ لأنه حيث يكون النور فهناك الشعاع أيضًا، وحيث يكون الشعاع فهناك أيضًا فاعليته ونعمته المضيئة] (رسالة30:1).
ومع تأكيد القديس أثناسيوس على وحدة الروح والابن، فإنه يهتم أن يؤكد أيضًا تميز الأقانيم كما يبدو فى كلماته فى الفصل 28 من هذه الرسالة إذ يقول: [ الآب بالكلمة فى الروح القدس يعمل كل الأشياء.. وهكذا يُكرز بإله واحد فى الكنيسة “ الذى على الكل وبالكل وفى الكل “ (أف6:4). “ على الكل” كآب وكبدء وكينبوع، و” بالكل” أى بالكلمة، “وفى الكل” أى فى الروح القدس.
هو ثالوث ليس فقط بالاسم وصيغة الكلام، بل بالحق والوجود الفعلى. لأنه كما أن الآب هو الكائن الذى يكون، هكذا أيضًا الكلمة هو الكائن والإله على الكل. والروح القدس ليس بدون وجود حقيقي، بل هو يوجد وله كيان فعلى. وليس بأقل من هؤلاء الثلاثة، تعتقد الكنيسة الجامعة لئلا تنزلق إلى أفكار اليهود المعاصرين الرديئة وإلى أفكار سابيليوس، كما أنها لا تعتقد بأكثر من ثلاثة، لئلا تتدحرج إلى تعدد الآلهة عند اليونانيين] (رسالة28:1).
4 “نصير أبناء” أنظر Contr. Ar. III 19 المقالة الثالثة ضد الآريوسيين للقديس أثناسيوس، وديديموس على الثالوث Didymus, de Trin. II 748C.، حيث “نصير أبناء”، “نصير آلهة” يُقال أنهما عمل الروح. وهذان التعبيران يعبران عن فكرة واحدة، والقديس أثناسيوس عمومًا يُفضل تعبير “ نصير آلهة “.
أخذ جسداً من جنسنا، وليس ذلك فحسب، بل أخذه من عذراء طاهرة نقية لم تعرف رجلاً، جسداً طاهرًا وبدون زرع بشر. لأنه وهو الكائن الكلّى القدرة وبارئ كل شئ، أعد الجسد في العذراء ليكون هيكلاً له وجعله جسده الخاص متخذًا إياه أداة ليسكن فيه ويُظهر ذاته به. وهكذا إذ اتخذ جسداً مماثلاً لطبيعة أجسادنا وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر.