قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي
قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي
شرح نصوص (يو35:3، مت27:11)
” لأن الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيء في يده “
” كل شيء قد دفع إليّ من أبي “
(35 تكملة) ـ لأن ” الآب يحب الابن، وقد دفع كل شئ في يده ” (يو35:3). و ” كل شئ قد دفع إليّ من أبي ” (مت27:11)، ” أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئًا. كما أسمع أدين ” (يو30:5)، والآيات المشابهة، لا تُظهر أن الابن لم تكن له هذه الخاصيات من قَبلْ. لأنه كيف لا تكون هذه الخاصيات التي للآب، هي أزليًا لذاك الذي هو كلمة الآب الوحيد وحكمته حسب الجوهر، وهو الذي يقول أيضًا ” كل ما هو للآب، هو لي ” (يو15:16) ” كل ما لي هو للآب ” (يو10:17)؟ لأنه إن كان كل ما للآب هو للابن، والآب له كل هذه دائمًا، فمن الواضح أن كل ما هو للابن والذي هو نفسه للآب هذا كان دائمًا موجودًا في الابن. إذًا فهو لا يقول هذه الأقوال بسبب أن هذه الخاصيات لم تكن له في وقت ما، بل لأنها كانت له أزليًا من الآب.
36ـ ولكي لا يضّل أحد، عندما يرى أن الابن له كل ما للآبن بسبب المماثلة التامة ووحدة الذات التي له مع الآب، ويعتبر أن الابن هو الآب مثل ضلال سابيليوس[1]، لذلك فقد قال ” أُعطى لي “، “أَخَذتُ”، “دُفع إليّ”، لكي يُظهر أنه ليس هو الآب، بل كلمة الآب، الابن الأزلي، الذي بسبب مماثلته للآب، فإن ما له هو له أزليًا من الآب، وبسبب أنه الابن فإن له من الآب ما هو له أزليًا. لأن كلمات مثل: “أُعطى” و “دُفع” وما يشابها لا تقلّل من ألوهية الابن، بل بالحري تُظهره أنه الابن الحقيقي، وهذا ما يمكن أن نتعلّمه من هذه الآيات نفسها. ولأنه إن كانت كل الأشياء قد دُفعت له فهو أولاً: آخر مختلف عن كل تلك الأشياء التي أخذها وثانيًا: حيث إنه هو الوارث لكل الأشياء، فهو وحده الابن الذاتي من جوهر الآب. لأنه لو كان واحدًا من بين كل الأشياء، لما كان “ وارثًا لكل شئ ” (عب2:1). ولكن كل واحد يأخذ بحسب إرادة الآب وعطيته. ولكن الآن إذ هو الآخذ لكّل الأشياء، فهو آخر مختلف عنها كلها وهو الوحيد الذي من ذات الآب. ويمكن أن نفهم أيضًا أن تعبيرات مثل: “أُعطى” و “دُفع” لا تُظهر أن هذه الأشياء لم تكن له في وقت ما. هذا ما يمكن أن نستنتجه من آية مشابهة وبطريقة مماثلة بخصوص كل الأشياء. فالمخلّص نفسه يقول: ” لأنه كما أن الآب له حيوة في ذاته كذلك أعطى الابن أيضًا أن تكون له حياة في ذاته ” (يو26:5). والآن بقوله قد “أُعطى” هو يعني أنه ليس هو الآب. ولكن بقوله “كذلك” يظهر مماثلة الابن الطبيعية والذاتية للآب، فلو أن الآب في وقت ما لم تكن له حياة، فمن الواضح أن الابن أيضًا لم تكن له حياة في وقت ما، لأنه كما يكون للآب، كذلك يكون للابن أيضًا.
ولكن إن كان من الكُفر أن يُقال هذا، فبالحري يكون من التقوى أن يقال إن الآب له ” الحياة” دائمًا وعندئذٍ حينما يقول الابن ” كما أن الآب له، كذلك أيضًا يكون للابن “، ألا يكون غريبًا أنهم يقولون إن ” الابن ليس له كذلك ” بل هو غير ذلك؟ ولكن الكلمة بالحري هو صادق وكل الأشياء التي يقول إنه قد أخذها، هي له دائمًا، وهي له من الآب.
والآب ليس من أحد، ولكن الابن هو من الآب، لأنه كما في حالة الشعاع، إن كان الشعاع نفسه يقول: ” النور قد أعطاني أن أضيئ كل الأمكنة، وأنا لست أضيئ من نفسي، بل كما يريد النور ” ومع هذا فبقوله هذا هو لا يعني أنه في وقت ما لم يكن يضيئ، بل هو يعني أنني خاص بالنور وكل ما للنور هو لي “. هكذا، بل وأكثر من ذلك ينبغي أن نفكر عن الابن، لأن الآب إذ قد أعطى كل شئ للابن فلا يزال الآب له كل الأشياء في الابن، وطالما أن هذه الأشياء هي للابن فهي لا تزال للآب أيضًا لأن ألوهية الابن، هي ألوهية الآب، وهكذا فإن الآب يمارس أعمال عنايته بكل الأشياء في الابن.
37ـ وإذ أن هذا هو معنى هذه الأقوال التي تتحدّث بشريًا عن المخلّص، فإن لها أيضًا معاني إيمانية ولأجل هذا الغرض قد فحصنا سابقًا هذه الأقوال، حتى إذا سمعناه يسأل أين وُضِعَ لعازر؟ (انظر يو34:11)، أو حينما يسأل عند مجيئه إلى نواحي قيصرية ” مَن يقول الناس إني أنا ” (مت13:16)، أو عندما طلب أن يعرف قائلاً ” كم رغيفًا عندكم “؟ (مر38:6)، و ” ماذا تريدان أن أفعل بكما “؟ (مت32:20)؛ يمكننا عندئذٍ أن نفهم مما سبق وقلناه، المعنى المستقيم لهذه الأقوال، ولا نعثر مثل الآريوسيين أعداء المسيح. إذًا ينبغي أولاً أن نسأل الجاحدين، لماذا يظنون أنه يجهل؟ لأن مَنْ يسأل فهو لا يسأل بالضرورة بسبب أنه يجهل، بل من الممكن أن ذلك الذي يعرف يسأل بخصوص الأمور التي يعرفها. وبالتأكيد فإن يوحنا كان يعرف أن المسيح حينما سأل فيلبس عن عدد الأرغفة لم يكن يجهل ما يسأل عنه لأنه يقول ” وإنما قال هذا ليمتحنه لأنه هو عَلِمَ ما هو مزمع أن يفعل ” (يو6:6). وطالما عرف ما هو مزمع أن يفعله، لذلك فهو لا يسأل عن جهل ولكنه يسأل عن معرفة. ويمكننا من هذه الحالة أن نفهم الحالات المماثلة. إذًا فحينما يسأل الرب، أين وُضِعَ لعازر فهو لا يسأل عن جهل. ولا أيضًا يسأل عن جهل “من يقول الناس أنه هو”، وإذ هو يعرف الأمر الذي يسأل عنه، فهو يعرف ما هو مزمع أن يفعل. وهكذا بسهولة تبطل حجة أولئك. ولكن إن ظلّوا مصّرين على التمسّك بنقطة أنه يسأل، إذًا فينبغي أن نخبرهم أنه ليس هناك جهل في اللاهوت، ولكن عدم المعرفة هو من خصائص الطبيعة البشريَّة كما سبق أن قلنا. ولكي يتضّح أن هذا الأمر هو حقيقي، فلنلاحظ كيف أن الرب الذي سأل، أين وضع لعازر، هو نفسه ـ وهو لم يكن بعد حاضرًا في الموضع بل كان بعيدًا ـ قال “ لعازر قد مات ” (يو14:11). وعرف المكان الذي دفن فيه. فكيف يكون ذلك الذي يعتبرونه جاهلاً، هو نفسه الذي سبق فعرف أفكار تلاميذه، وكان يعرف ما في قلب كل واحد، ويعرف ما كان في الإنسان (يو25:2) وما هو أكثر من ذلك فهو وحده الذي يعرف الآب ويقول ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14).
38ـ إذًا فهذا واضح لكل واحد، أن الجسد هو الذي يجهل، أما الكلمة نفسه باعتباره الكلمة، فهو يعرف كل الأشياء حتى قبل أن توجد لأنه حينما صار إنسانًا. لم يكف عن أن يكون هو الله، ولا بسبب كونه الله، يتجنب ما هو خاص بالإنسان، حاشا بل بالحرى إذ هو الله فقد أخذ الجسد لنفسه، وبوجوده في الجسد فإنه يؤلّه الجسد[2]. وفي الحقيقة فإنه كما سأل أسئلة بالجسد هكذا أيضًا بالجسد أقام الموتى، وأظهر للكل أنه هو الذي يُحيي الموتى ويستدعى النفس مرّة ثانية، وأكثر من هذا جدًا فهو يعرف خفايا الكل، فهو عَرِفَ أين وُضِعَ لعازر، ومع ذلك سأل. وهو فعل هذا لأنه وهو كلمة الله الكلّي القداسة والذي احتمل كل الأشياء لأجلنا هكذا احتمل جهلنا، لكي يمنحنا المعرفة الخاصة بأبيه الوحيد الحقيقي، والخاصة به هو نفسه الذي أُرسِلَ لأجلنا ولأجل خلاص الجميع. ولا يمكن أن تكون هناك نعمة أعظم من هذه. إذًا فحينما يستعمل المخلّص الكلمات التي يتعلّلون بها مثل “دُفع إليّ كل سلطان”، و”مجّد ابنك”، وقول بطرس إنه قد أعطى له سلطان (انظر أع38:10)، فنحن نفهم كل هذه الآيات بنفس المعنى أي أنها ينبغي أن تُفهم إنسانيًا، لأنه بسبب الجسد قال كل هذا. فهو رغم أنه ليس محتاجًا، إلاّ أنه يقال عنه إن ما أخذه قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة مادام الرب نفسه قد أخذها لأن الإنسان المجرد حينما يأخذ، فهو معرّض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة “آدم” لأنه أخذ وفقد. ولكن لكي تبقى النعمة غير متغيّرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكل أكيد، لذلك فهو يمتلك العطيّة لنفسه ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمًا كإله. ويقول “مجدني”، وهو الذي يمجّد الآخرين لكي يُظهِر أن له جسدًا يحتاج لهذه الأمور. إذ أنه بإتخاذه الجسد صار إنسانًا، لذلك فحينما ينال الجسد هذه الأمور يقال إنه هو نفسه ينالها لأن الجسد هو جسده.
39ـ إذًا فكما قلت سابقًا (مرّات عديدة) لو أن الكلمة لم يكن قد صار إنسانًا، لكان يمكن عندئذٍ أن تنسبوا للكلمة ـ كما ترغبون أنتم ـ أنه يأخذ، وأنه يحتاج للمجد وأنه يجهل. ولكن إن كان الكلمة قد صار إنسانًا (وهو قد صار فعلاً)، وأن الأَخذْ والاحتياج، وعدم المعرفة هي خاصة بالإنسان، فلماذا نعتبر المُعطي كأنه يأخذ والذي يهب الآخرين لماذا نظن أنه في احتياج، ولماذا نفصل الكلمة عن الآب كأنه غير كامل ومحتاج، وننزع النعمة عن الطبيعة البشرية؟ لأنه لو كان الكلمة نفسه، باعتباره الكلمة، قد أَخَذَ وتمجّد، لأجل نفسه، ولو كان هو بحسب لاهوته، هو نفسه الذي قُدّس وأُقيم ثانية، فأي رجاء يكون للبشر عندئذٍ؟ لأنهم كانوا سيظلون، كما كانوا عرايا وتعساء، ومائتين وليس لهم أي انتفاع إطلاقًا من الأمور التي أُعطيت للابن. وأيضًا لماذا جاء الكلمة بيننا وصار جسدًا؟ إن كان قد جاء لكي يأخذ هذه الأمور، التي يقول إنه قد أخذها، وأنه كان بدونها قبل ذلك، فبالضرورة كان يجب أن يكون هو نفسه مديونًا بالشكر للجسد، لأنه حينما جاء في الجسد، أخذ عندئذٍ هذه الأمور من الآب، تلك الأمور التي لم تكن له قبل مجيئه في الجسد. وعلى هذا الأساس يظهر أنه هو بالحري الذي ارتقى بسبب الجسد وليس الجسد هو الذي ارتقى بسببه. ولكن هذه الفكرة هي فكرة يهودية. ولكن إن كان الكلمة قد جاء بيننا لكي يفدي جنس البشر، وإن كان الكلمة قد صار جسدًا لكي يقدّس البشر ويؤلههم[3]. (وهو لهذه الغاية قد جاء فعلاً). فلِمَنْ لا يكون واضحًا عندئذٍ أن ما يقول الرب إنه أخذه حينما صار جسدًا، فهو لم يأخذه لأجل نفسه، لكن لأجل الجسد، لأن العطايا المعطاة بواسطته من الآب تختص بالجسد ولقد كان متحدًا بهذا الجسد عندما نطق بهذه الأمور. إذًا دعونا نرى ما هي الأمور التي طلبها، وما هي تلك الأمور التي قال هو أنه قد أخذها، لعل أولئك أيضًا ـ بهذه الطريقة ـ يفيقون من غفلتهم. إذًا فهو طلب المجد ومع ذلك قال ” كل شئ دفع إليّ ” (لو22:10). وبعد القيامة يقول إنه ” قد نال كل سلطان ” (مت18:28). ولكن حتى قبل أن يقول، كل شئ دفع إليّ، كان هو رب كل شئ ” لأن كل شئ به كان ” (يو3:1) وأيضًا ” يوجد رب واحد، الذي به كل الأشياء ” (1كو6:8). وحينما طلب المجد، كان هو كما هو “رب المجد” كما يقول بولس ” لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد .. ” (1كو18:2)، إذ هو يملك ذلك المجد الذي طَلَبَه حينما قال ” المجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17).
40ـ وأيضًا السلطان الذي قال إنه أَخَذَه بعد القيامة، هذا كان له قبل أن يأخذه أي قبل القيامة، لأنه هو نفسه انتهر الشيطان قائلاً ” اذهب خلفي يا شيطان ” (مت10:4) كما أنه أعطى للتلاميذ سلطانًا على الشيطان (انظر لو19:10). ولذا فعند عودتهم قال ” رأيت الشيطان ساقطًا مثل البرق من السماء ” (لو18:10). ويتضح أيضًا أن ما قال إنه قد أَخَذَه، هذا كان له قبل أن يأخذه، وذلك من طرده للشياطين ومن حَلِّهِ للذين ربطهم الشيطان كما فعل في حالة ابنه إبراهيم (انظر لو16:3).
ويتضّح أيضًا من غفرانه للخطايا بقوله للمفلوج، وللمرأة التي غسلت قدميه: ” مغفورة لك خطاياك ” (مت5:9، لو48:7). كما يتضح أيضًا من إقامته للموتى، وإعادة البصر للمولود أعمى، واهبًا له أن يرى. وكل هذه قد فعلها لا منتظرًا أن يأخذ “سلطانًا” بل لأنه يملك السلطان. وقد صار واضحًا من كل هذا أن ما كان له بكونه هو الكلمة فهذا يقول عنه إنه أَخَذَه إنسانيًًا حينما صار إنسانًا وقام من الموت. وذلك لكي يصير البشر على الأرض، عن طريقة شركاء للطبيعة الإلهية[4]، ويكون لهم سلطان على الأرواح الشريرة. أما في السماوات فإنهم يملكون إلى الأبد لأنهم قد تحرّروا من الفساد. وهكذا فينبغي أن نعرف تمامًا، أنه ليس شئ مما قال إنه أَخَذَه، قد أَخَذَه كأنه لم يكن له قبلاً. لأن الكلمة لكونه هو الله كانت له هذه الأشياء دائمًا. أما في هذه الآيات فيقال إنه قد أَخَذَ إنسانيًا، ولذلك فعندما يأخذ الجسد فيه، فإن ما أخذه يبقى مضمونًا لنا لأن ما قاله بطرس إنه “أخذ من الله كرامة .. ومجدًا .. ” ” وملائكة مخضعة له ” (2بط17:1، 1بط22:3) له هذا المعنى. فإن الرب سأل بسبب كونه إنسانًا، وأقام لعازر لكونه هو الله. هكذا فإن كلمة “أخذ” تتحدّث عنه إنسانيًا، بينما خضوع الملائكة يوضّح ألوهية الكلمة.
41ـ كفوا إذًا يا أعداء الله، ولا تحقّروا الكلمة ولا تجرّدوه من الألوهية التي هي نفس ألوهية الآب أيضًا لأنه إنسانيًا احتاج أو كأنه كان يجهل، لئلا تقذفوا المسيح بمجادلاتكم كما فعل اليهود عندما رجموه لأن هذه الأمور لا تخص الكلمة لكونه هو الله الكلمة، بل هي تخص البشر. كما فعل حينما بصق، وحينما مدّ يده، وحينما دعا لعازر، فنحن لا نقول إن هذه الأعمال الباهرة كانت بشرية، ورغم أنها تمت بواسطة الجسد، بل كانت أعمالاً خاصة بالله. وهكذا أيضًا رغم أن الأمور البشرية تنسب في الإنجيل للمخلّص إلاّ أننا يجب أن ننظر إلى طبيعة الأمور التي تقال إنها غريبة عن الله، ولا ينبغي أن ننسبها إلى ألوهية الكلمة بل إلى ناسوته. لأنه رغم أن الكلمة صار جسدًا، إلاّ أن الجسد له الآلام الخاصة به. ورغم أن الجسد محمول إلهيًا في الكلمة لكن النعمة والقوة هي خاصة بالكلمة. إذًا فقد عمل أعمال الآب بالجسد، ومن الجهة المقابلة حقًا فإن آلام الجسد قد ظهرت فيه أيضًا. فمثلاً طلب أن يعرف وأقام لعازر. منع أمه قائلاً ” لم تأتِ ساعتي بعد ” (يو4:2). ثم بعد ذلك مباشرةً حوّل الماء خمرًا لأنه كان إلهًا حقيقيًا في الجسد، وكان جسدًا حقيقيًا في الكلمة. لذلك فمن أعماله أعلن نفسه أنه ابن الله كما أعلن أباه أيضًا. ومن آلام الجسد أظهر أنه اتخذ جسدًا حقيقيًا وأن الجسد كان جسده الخاص[5].
1 انظر هامش 10 ص15.
2 كثيرًا ما يكرر القديس أثناسيوس وغيره من آباء الكنيسة هذه العبارة، لكنهم لم يقصدوا بالطبع أن الناسوت (أى الجسد) قد تلاشى أو ذاب في اللاهوت، بل أن الجسد قد تمجّد بالمجد الإلهي.
3 انظر هامش رقم 27 ص50.
4 انظر 2بط4:1.
5 هنا يلخص ق. أثناسيوس ما سبق أن تحدث عنه في الفصول 32، 35.
قد دفع كل شيء في يده – كل شيء قد دفع إليّ من أبي – شرح نصوص (يو35:3، مت27:11) للقديس أثناسيوس الرسولي
مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي
مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي
26ـ انظر إنهم لا يملّون من تكرار كلمات الكفر، بل إذ قد تقّسوا مثل فرعون فإنهم حينما يستمعون إلى ما يشير إلى صفات المخلّص البشريّة ويرونه مدوّنًا في الأناجيل أن الابن هو إله كامل مثل الآب، فإنهم يتناسون تمامًا مثل بولس الساموسطى[1]، وبوقاحة لسان يجعجعون قائلين: [ كيف يمكن أن يكون الابن من الآب بالطبيعة، ويكون واحدًا معه في الجوهر؟ وهو الذي يقول “دفع إليّ كل سلطان” (مت18:28) و ” الآب لا يدين أحدًا بل قد أعطى كل الدينونة للابن ” (يو22:5)، ” الآب يحب الابن وقد دفع كل شئ في يده، الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية ” (يو35:3). وأيضًا ” كل شئ قد دفع إليّ من أبي. وليس أحد يعرف مَن هو الآب إلاّ الابن ومَن أراد الابن أن يعلن له ” (لو2:10)، وأيضًا ” كل ما يعطني الآب فإليّ يقبل ” (يو37:6) ].
إنهم يعلّقون على هذه الآيات ويقولون: [ لو كان الابن كما تقولون، ابنًا بالطبيعة، لما كان في احتياج أن يأخذ، بل كل شئ يكون له بالطبيعة كابن، أو كيف يكون هو القوّة الطبيعية والحقيقية للآب وهو في وقت الآلام قال ” الآن نفسي قد اضطربت وماذا أقول؟ أيها الآب نجني من هذه الساعة ولكن لأجل هذا أتيت إلى هذه الساعة أيها الآب مجّد اسمك فجاء صوت من السماء مجدت وأمجد أيضًا ” (يو27:12ـ28).
وأيضًا قال كلمات مشابهة في مرّة أخرى ” يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ” (مت39:26) وعندما قال يسوع هذا اضطرب بالروح وشهد وقال ” الحق الحق أقول لكم إن واحدًا منكم سيسلمني ” (يو21:13). وبالإضافة إلى كل هذا، يتساءل هؤلاء الأغبياء قائلين: لو كان هو القوّة لما كان قد ضَعُفَ، بل لكان قد أعطى قوّة لآخرين بالأحرى، ويضيفون قائلين لو كان هو حكمة الآب الحقيقية والذاتية، فلماذا كُتِب عنه: ” وكان يسوع ينمو في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس ” (لو52:2).
وبالمثل عندما جاء إلى نواحي قيصرية فيلبس سأل التلاميذ ” ماذا يقول الناس إني أنا ” (مت13:16). وأيضًا حينما جاء إلى بيت عنيا سأل عن لعازر ” أين دفن ” (انظر يو18:11). وأيضًا قال لتلاميذه ” كم رغيفًا عندكم ” (مر38:6).
ويقولون: كيف إذًا يكون هو الحكمة وهو ينمو في الحكمة، وكان يجهل الأمور التي كان يسأل عنها الآخرين؟ ويقولون أيضًا: كيف يمكن أن يكون هو كلمة الآب الذاتي الذي بدونه لم يكن الآب أبدًا والذي به يخلق الآب كل الأشياء كما تعتقدون أنتم، وهو الذي قال على الصليب ” إلهي إلهي لماذا تركتني ” (مت46:27). وقبل ذلك صلى قائلاً “ مجد اسمك ” (يو28:12) وأيضًا ” مجدني أنت أيها الآب بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو5:17). واعتاد أن يصلي في البراري وأوصى تلاميذه أن يصلوا لئلا يدخلوا في تجربة، بل وقال لهم ” الروح نشيط أما الجسد فضعيف ” (مت41:26). وأيضًا ” أما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة ولا الابن” (مر32:13).
وبالإضافة إلى هذا فإن هؤلاء التعساء يدّعون أيضًا ويقولون: [ لو كان الابن بحسب رأيكم هو موجود أزليًا مع الله لما كان قد جهل ذلك اليوم بل لكان قد عرفه باعتباره أنه هو الكلمة، ولما كان قد تركه ذلك الذي هو كائن معه، ولما كان قد سأل أن ينال المجد طالما أن له هذا المجد مع الآب، ولما كان قد سأل أين ينال المجد طالما أن له هذا المجد مع الآب، ولما كان قد صلى على الإطلاق إذ أن الكلمة ليس في احتياج إلى أي شئ، ولكن حيث إنه مخلوق وواحد من الموجودات لذلك تكلّم هكذا وكان محتاجًا إلى ما لم يكن عنده، لأنه معروف عن المخلوقات أنها تسأل الأشياء التي لا تملكها، وتحتاج إليها ].
27ـ هذه هي الأشياء التي يدّعي بها الجاحدون في أحاديثهم ويتكلّمون بها، ولكن طالما هم يفكرون هكذا فكان يمكنهم أن يسألوا بجرأة أكثر قائلين [ ” لماذا صار الكلمة جسدًا على الإطلاق “؟ ويمكن أن يضيفوا أيضًا ” كيف يمكن وهو الله، أن يصير إنسانًا “؟] أو [ كيف يمكن لمن لا جسد له أن يلبس جسدًا؟ أو يمكن أن يتكلّموا بطريقة يهودية أكثر من قيافا ويسألون عمومًا، لماذا يجعل المسيح نفسه إلهًا وهو إنسان؟ ] لأن أقوالاً مثل هذه وغيرها قد قالها اليهود وتذّمروا عليه. والآن فإن الآريوسيين حينما يقرأونها هم أيضًا لا يؤمنون، وقد سقطوا في التجاديف، والآن فمن يمتحن أقوال هؤلاء وأولئك فبالتأكيد سيجد أن كليهما يتفقان في عدم الإيمان ويتساويان في كفرهما وفي جرأتهما ضدنا ويشتركان معًا في محاربتهما لنا، لأن اليهود يقولون ” كيف يمكن وهو إنسان أن يكون إلهًا “؟ (انظر يو33:10). أما الآريوسيون فيقولون [ لو كان إلهًا حقيقيًا من إله، فكيف يمكن أن يصير إنسانًا؟ ] واليهود عثروا عندئذٍ واستهزءوا قائلين ” لو كان ابن الله، لما كان قد قبل الصليب “؟ والآريوسيون يتفقون مع اليهود ويهاجموننا ويقولون: [ كيف تتجاسرون أن تقولوا إن الذي هو الكلمة الذاتي من جوهر الآب، هو الذي أخذ جسدًا، واحتمل كل هذا ]؟ وأيضًا، فبينما حاول اليهود أن يقتلوا الرب لأنه قال إن الله أبوه، وجعل نفسه معادلاً لله، وإنه يعمل الأعمال التي يعملها الآب؛ فإن الآريوسيين أيضًا ليس فقط تعلّموا أن ينكروا أن الكلمة مساوي لله وأن الله هو الآب الطبيعي للكلمة، بل هم أيضًا يحاولون أن يقتلوا مَن يؤمنون بهذا. وبينما يقول اليهود ” أليس هذا هو يسوع ابن يوسف الذي نحن عارفون بأبيه وأمه “؟ (يو42:6) فكيف يقول إذًا ” قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن ” (يو58:8) و ” أني نزلت من السماء “؟ (يو42:6)، فالآريوسيون بدورهم يجيبون بنفس الأقوال ويقولون: [ كيف يمكن أن الذي ينام ويبكي ويطلب أن يعرف كإنسان، يكون هو الكلمة أو هو الله ]؟ ولهذا فالفريقان فقدا صوابهما وأنكرا أزلية الكلمة وألوهيته متعلّلين بتلك الصفات البشريّة التي نسبها المخلّص لنفسه بسبب الجسد الذي لبسه.
28ـ إذًا طالما أن هذا الضلال هو يهودي، ويوصف هكذا نسبة إلى يهوذا الخائن، فدعهم إذًا يعترفون صراحةً أنهم تلاميذ قيافا وهيرودس، بدلاً من أن يُلبِسوا اليهودية اسم المسيحية، ولينكروا تمامًا كما سبق أن قلنا حضور المخلّص في الجسد. لأن هذا الإنكار أقرب إلى بدعتهم. أو إن كانوا يخافون أن يختتنوا ويتهوّدوا علنًا بسبب خضوعهم للملك قسطنطيوس، ولأجل أولئك الذين خُدِعوا منهم، إذًا فدعهم لا يقولون ما يقوله اليهود، لأنهم إن تخلّوا عن الاسم فيلزمهم عن حق أن يرفضوا العقيدة المرتبطة بالاسم. لأننا نحن مسيحيون. أيها الآريوسيون ـ نعم نحن مسيحيون ونحن نتميّز بأننا نعرف جيدًا ما تقوله الأناجيل عن المخلّص ونحن لا نرجمه مع اليهود عندما نسمع عن ألوهيته وأزليته، كما أننا لا نعثر معكم، في الكلمات المتواضعة التي قالها من أجلنا كإنسان. إذًا فإن أردتم أن تصيروا مسيحيين فارفضوا جنون آريوس، وآذانكم التي تلوثت بكلمات التجديف طهّروها بكلمات التقوى، عالمين أنه بمجرد توقفكم عن أن تكونوا آريوسيين فإنكم ستكفون أيضًا عن خبث اليهود المعاصرين. وعندئذٍ سيشرق عليكم نور الحق ويخرجكم من الظلمة،ولن تعودوا عندئذٍ تعيّروننا باعتقادنا بوجود اثنين أزليين. بل ستعترفون أنتم أنفسكم أن الرب هو ابن الله، الحقيقي بالطبيعة وليس مجرد أنه أزلي، بل وتعترفون أنه كائن في الآب، ومع الآب أزليًا لأن هناك موجودات تسمى أزلية، وهو صانعها لأنه مكتوب في المزمور 7:23س ” ارفعوا أيها الرؤساء أبوابكم، وارتفعي أيتها الأبواب الدهرية “، فمن الواضح أن هذه الأبواب (الدهرية = الأزلية) قد صُنِعَت بواسطته. ولكن إن كان هو خالق حتى الأشياء الدهرية فمَن منا يمكنه عندئذٍ أن يشك في أنه هو سابق على تلك الأشياء الدهرية؟ وبالتالي يتبرهن أنه الرب، ليس من كونه أزليًا فقط بل ولكونه ابن الله. وكإبن هو غير منفصل عن الآب ولم يكن هناك زمن ما لم يكن فيه موجودًا، بل كان كائنًا على الدوام، ولأنه صورة الآب وشعاعه، فَلَهُ أزليّة الآب.
والآن فما قلناه أعلاه باختصار يكفي لكي يبرهن على سوء فهمهم للآيات التي تعلّلوا بها وأن ما يتعلّلون به الآن من الأناجيل يعطونه بالتأكيد تفسيرًا غير صحيح، ويمكننا أن نرى هذا بسهولة إذا وضعنا أمامنا كهدف ذلك الإيمان الذي نمسك به نحن المسيحيون وأن نستخدمه كقاعدة كما يعلّمنا الرسول في قراءة الكتب الموحى بها (انظر 2تيمو16:3). لأن أعداء المسيح بسبب جهلهم لهذا الهدف، قد ضّلوا عن طريق الحق، واصطدموا بحجر الصدمة (انظر رو33:9)، معتقدين في أمور لا ينبغي أن يؤمنوا بها.
29ـ والآن فإن هدف الكتاب المقدس وميزته الخاصة كما قلنا مرارًا هو أنه يحوي إعلانًا مزدوجًا عن المخلّص: أي أنه كان دائمًا إلهًا وأنه الابن إذ هو كلمة الآب وشعاعه وحكمته، ثم بعد ذلك اتخّذ من أجلنا جسدًا من العذراء مريم والدة الإله، وصار إنسانًا. وهذا الهدف نجده في كل الكتب الموحى بها، كما قال الرب نفسه ” فتشوا الكتب، وهي تشهد لي ” (يو39:5). ولكن لكي لا أُكثرْ في الكتابة بجمع كل الآيات عن هذا الموضوع فسوف أكتفي بذكْرْ عيّنة من هذه الآيات. فأولاً، يقول يوحنا ” في البدء كان الكلمة. والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله، كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان ” (يو1:1ـ3). وبعد ذلك يقول ” والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا، ورأينا مجده، مجدًا كما لوحيد من الآب ” (يو14:1). ثم يكتب بولس ” الذي إذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة أن يكون مساويًا لله، لكنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب ” (في6:2ـ8).
ويمكن لأي إنسان أن يبتدئ بهذه الآيات ويجتاز خلال كل الكتاب وسوف يرى كيف أن الآب قال في البدء ” ليكن نور” (تك3:1)، و ” ليكن جلد” (تك6:1) و “ لنعمل الإنسان” (تك26:1)، ولكن في ملء الأزمنة أرسل ابنه إلى العالم، ” لا لكي يدين العالم بل ليخلّص به العالم ” (يو17:3). وكما كُتب ” ها العذراء تحبل، وتلد ابنًا ويدعون اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (مت23:1).
30ـ إذًا فمَن يقرأ الكتاب المقدس، سيعرف هذه الآيات من كُتْبْ العهد القديم، ومن الأناجيل أيضًا وسيُدرِك أن الرب صار إنسانًا، لأن الكتاب يقول ” الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا ” (يو14:1). والكلمة صار إنسانًا، ولم يأت إلى داخل إنسان، لأن هذا ضروري أن نعرفه، لئلا يضل هؤلاء الناس عديمي التقوى ومن ثَمَ يخدعون الآخرين بهذا الضلال ظانين أنه كما اعتاد الكلمة أن يأتي إلى القديسين في العهد القديم، هكذا يأتي الآن أيضًا في إنسان ويقدّسه ويظهر بواسطته كما أَظهَرَ نفسه في السابقين، لأنه لو كان الأمر كذلك، وأنه ظهر فقط في إنسان، لما كان هذا أمرًا غريبًا، ولما تعجب أولئك الذين رآوه قائلين “من أين هو”؟ (انظر يو9:19) و” وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا ” (يو33:10) لأنهم قد اعتادوا على مجيء كلمة الله إلى الأنبياء من الكلمات التي تقول ” صارت كلمة الرب ” إلى هذا أو ذاك من الأنبياء. ولكن الآن، حيث إن كلمة الله، الذي به كان كل شئ، قبل أن يصير ابن الإنسان، ووضع نفسه، آخذًا صورة عبد، لذلك صار صليب المسيح لليهود عثرة أما لنا نحن، فالمسيح هو قوة الله وحكمة الله (انظر 1كو24:1).
لأنه كما قال يوحنا “الكلمة صار جسدًا”. فمن عادة الكتاب أن يدعو الإنسان بلفظة جسد، كما يقول بيوئيل النبي ” أسكب روحي على كل جسد ” (يوئيل 4:3) وكما قال دانيال إلى أستياجيس ” لست أعبد الأصنام المصنوعة بالأيدي بل الإله الحيّ الذي خلق السماء والأرض، وله سلطان على كل جسد ” (تتمة دانيال 5). فكل من دانيال ويوئيل يدعو جنس البشر جسدًا.
31ـ ومنذ القديم صار هذا مع كل واحد من القديسين لكي يقدّس أولئك الذين يقبلونه بأمانة، ولكن حينما وُلد أولئك الأنبياء، لم يَقُل عندئذٍ أنه الكلمة صار جسدًا، ولا حينما تألموا قيل أنه هو نفسه قد تألم. ولكن حينما جاء بيننا من مريم العذراء في نهاية الأزمنة لأجل إبطال الخطية، لأنه هكذا سُّر الآب أن يرسل ابنه الذاتي ” مولودًا من امرأة مولودًا تحت الناموس ” (غلا4:4)؛ عندئذٍ قيل إنه أخذ جسدًا وصار إنسانًا، وبهذا الجسد تألّم لأجلنا كما يقول بطرس ” فإذ قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4)، لكي يقبل الكّل ويؤمنوا أنه كان إلهًا على الدوام، وقد قدّس أولئك الذين أتى إليهم، ورتّب كل الأشياء حسب مشيئة الآب، وفيما بعد صار لأجلنا إنسانًا، وكما يقول الرسول ” اللاهوت حلّ في الجسد ” (كو9:2)، وهذا يساوي القول ” إنه هو الله، له جسده الخاص به، وقد صار إنسانًا لأجلنا مستخدمًا هذا الجسد كأداة.
وبناء على هذا فقد قيل عن خواص الجسد أنها خاصة به حيث إنه كان في الجسد، وذلك مثل أن يجوع، وأن يعطش، وأن يتألم، وأن يتعب، وما شابهها من الأمور المختصّة بالجسد، بينما من الناحية الأخرى فإن الأعمال الخاصة بالكلمة ذاته مثل إقامة الموتى، وإعادة البصر إلى العميان، وشفاء المرأة نازفة الدم، قد فعلها بواسطة جسده، والكلمة حمل ضعفات الجسد كما لو كانت له، لأن الجسد كان جسده، والجسد خَدَم أعمال اللاهوت، لأن اللاهوت كان في الجسد ولأن الجسد كان جسد الله. وحسنًا قال النبي “حملها” (إش4:53، مت17:8) ولم يقل إنه ” شفى ضعفاتنا ” لئلا إذ تكون هذه الضعفات خارج جسده هو، وهو يشفيها فقط ـ كما كان يفعل دائمًا فإنه يترك البشر خاضعين للموت، ولكنه حمل ضعفاتنا، وحمل هو نفسه خطايانا، لكي يتضّح أنه قد صار إنسانًا لأجلنا، وأن الجسد الذي حَمَل الضعفات، هو جسده الخاص، وبينما هو نفسه لم يصبه ضرر أبدًا ” بحمله خطايانا في جسده على الخشبة ” كما قال بطرس (1بط24:2) فإننا نحن البشر قد افتدينا من أوجاعنا وامتلأنا ببر الكلمة.
32ـ وتبعًا لذلك فعندما تألّم الجسد، لم يكن الكلمة خارجًا عنه، ولهذا السبب يقال إن الآلام خاصة بالكلمة، وعندما عمل أعمال الآب لاهوتيًا، لم يكن الجسد خارجًا عنه، لكن الرب عمل هذه الأعمال في هذا الجسد نفسه، لهذا فحينما صار إنسانًا، قال ” إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي ولكن إن كنت أعمل فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال لكي تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فيّ وانأ فيه ” (يو37:10ـ38). ولذلك فحينما كان هناك احتياج لإقامة حماة بطرس التي كانت مريضة بالحمى، فإنه مدّ يده إليها بشريًا ولكنه أوقف المرض إلهيًا (انظر مت14:8). وفي حالة الإنسان المولود أعمى فإن تَفْل البصاق كان من الجسد ولكن فتّح عين الأعمى بالطين إلهيًا. وفي حالة لعازر، فلكونه إنسانًا فقد دعاه بصوته البشري ولكونه في نفس الوقت إلهًا فقد أقامه من الأموات. وهذه الأمور حدثت هكذا وظهرت هكذا لأنه كان قد اتخّذ لنفسه جسدًا حقيقيًا وليس خياليًا[2]، ولذا كان يليق بالرب بأخذِه جسدًا بشريًا أن يكون لهذا الجسد كل الخواص التي للجسد، حتى كما نقول إن الجسد كان جسده هكذا أيضًا نقول إن آلام الجسد كانت خاصة به أي بالكلمة رغم أنها لم تمسه بحسب لاهوته. فلو كان الجسد هو جسد خاص بآخر غيره لكانت الآلام قد نُسِبَت لهذا الآخر أيضًا، ولكن إن كان الجسد هو جسد الكلمة ” لأن الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) فبالضرورة إذًا أن تُنسَب آلام الجسد أيضًا للذي له هذا الجسد[3]. والذي تنسب له هذه الآلام مثل المحاكمة، والجلد والعطش والصلب، والموت وضعفات الجسد الأخرى، فلابد أن تنسب له بالأحرى النصرة والنعمة.
لهذا السبب إذ كان ضروريًا وملائمًا أن لا تُنسب مثل هذه الآلام لآخر بل للرب، حتى تكون النعمة أيضًا منه ولا نصير نحن عابدين لآخر، بل تكون عبادتنا لله حقًا، لأننا لا ندعو مخلوقًا من المخلوقات، ولا إنسانًا عاديًا، بل ندعو الابن الحقيقي والذي هو الله حسب طبيعته، الذي صار إنسانًا وهو في نفس الوقت الرب والإله المخلّص.
33ـ فمَنْ الذي لا يُعجَب بهذا الكلام؟ أو مَن هو الذي لا يوافق أن هذا الأمر هو إلهي بالحقيقة؟[4] لأنه لو كانت أعمال ألوهية الكلمة لم تحدث بالجسد، لما كان الإنسان قد تأله[5]، وأيضًا لو أن الضعفات الخاصة بالجسد لم تنسب للكلمة، لما كان الإنسان قد تحرّر منها تمامًا. وحتى لو أنها كانت قد توقّفت لفترة قليلة كما قلت سابقًا[6] لظلّت الخطية وظلّ الفساد باقيان في الإنسان، كما كان الحال مع الجنس البشري قبل التجسد. ولهذا فهناك أمثلة لكثيرين قد تقدّسوا وتطهّروا من كل خطية مثل إرميا الذي تقدّس من الرحم (انظر إر5:1) ويوحنا الذي وهو لا يزال جنينًا في البطن ارتكض بابتهاج عند سماع صوت مريم والدة الإله (انظر يو44:1). ومع ذلك فقد ” ملك الموت من آدم إلى موسى، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم ” (رو14:5)، وهكذا ظلّ البشر مائتين وقابلين للفساد كما كانوا، ومعرّضين للأوجاع الخاصة بطبيعتهم، أما الآن فإذ صار الكلمة إنسانًا وجعل الأمور الخاصة بالجسد خاصة به، فلم تَعُد تلك الأمور تمسك بالجسد بسبب الكلمة الذي قد جاء في الجسد، فقد انهزمت الأوجاع بواسطته ومنذ ذلك الحين فصاعدًا لم يبقَ الناس بعد خطاة وأمواتًا بحسب أوجاعهم بل قد قاموا بقوة الكلمة، وصاروا غير مائتين وغير فاسدين وأقوياء دائمًا. ومن هنا أيضًا فبينما وُلِدَ الجسد من مريم والدة الإله، فإن الكلمة نفسه يقال إنه قد وُلِد، وهو الذي يعطي بداية الوجود للكائنات الأخرى، لكي ينقل بداية تكويننا إلى نفسه، ولكي لا نرجع فيما بعد كمجرد تراب إلى تراب، ولكن بارتباطنا بالكلمة الذي من السماء، فإننا نُحمَل إلى السماوات بواسطته. لذلك فإنه بطريقة مماثلة قد نقل إلى نفسه أوجاع الجسد الأخرى لكي يكون لنا شركة في الحياة الأبدية ـ ليس كبشر فيما بعد ـ بل أيضًا لأننا قد صرنا خاصين بالكلمة.
لأننا لم نَعُد نموت بحسب بدايتنا الأولى في آدم، بل بسبب أن بدايتنا وكل ضعفات الجسد قد انتقلت إلى الكلمة، فنحن نقوم من الأرض، إذ أن لعنة الخطية قد أُبطلت بسبب ذاك الذي هو كائن فينا، والذي قد صار لعنة لأجلنا. وكما أننا نحن جميعًا من الأرض وفي آدم نموت هكذا نحن إذ نُولَد من فوق من الماء والروح فإننا في المسيح نُحيا جميعًا. فلا يعود الجسد فيما بعد أرضيًا بل يكتسب قوّة بسبب كلمة الله، الذي لأجلنا صار جسدًا.
34ـ ولكي ما نصل إلى معرفة أكثر دقة بخصوص عدم قابلية طبيعة الكلمة للتألم وبخصوص الضعفات التي نُسبت له بسبب الجسد، جيد لنا أن نستمع إلى الطوباوي بطرس لأنه شاهد موثوق فيه عن المخلّص. فهو يكتب في رسالته هكذا “ فإذ قد تألّم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4)، لذلك أيضًا فحينما يُقال عنه، إنه يجوع، وإنه يعطش، وإنه يتعب، وإنه لا يعرف، وإنه ينام، وإنه يبكي، وإنه يسأل، وإنه يهرب، وإنه يُولَد، وإنه يتجنّب الكأس، وعمومًا إنه يحتمل كل ما يخص الجسد، فينبغي أن يقال في كل حالة من هذه الحالات إن (المسيح) عندما يجوع ويعطش فإنه يفعل هذا بالجسد لأجلنا، وعندما يُقال إنه لم يعرف وأنه لُطِم، وأنه تعب، فإنه فعل هذه بالجسد لأجلنا، وأيضًا عندما يُقال إنه صعد وإنه قد وُلِدَ وكان ينمو فإن هذا كان بالجسد، وكذلك عندما يقال إنه خاف واختبئ فإن هذا كان بالجسد، وكذلك عندما قال ” إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس ” (مت39:26). وعندما يقال إنه ضُرِب وإنه تحمّل فإن كل هذه كانت بالجسد لأجلنا. وعلى وجه العموم فكل مثل هذه الأمور قد تحمّلها بالجسد لأجلنا. ولهذا السبب قال الرسول نفسه إن المسيح عندما تألّم، لم يتألّم بلاهوته، بل “لأجلنا بالجسد”، لكي لا تعتبر هذه الآلام خاصة بطبيعة الكلمة ذاتها، بل هي خاصة بطبيعة الجسد ذاتها. لذلك لا ينبغي أن يَعثُر أحد بسبب الأمور الإنسانية، بل بالحرى فليعرف، أن الكلمة نفسه بالطبيعة هو غير قابل للتألّم، ومع ذلك فبسبب الجسد الذي اتخذه تقال عنه هذه الأمور، حيث إنها أمور خاصة بالجسد والجسد نفسه خاص بالمخلّص، فبينما هو نفسه غير قابل للتألم بالطبيعة، ويظّل كما هو دون أن تؤذيه هذه الآلام، بل بالحرى إذ هو يوقفها ويلاشيها، فإن آلام البشر تتغيّر وتتلاشى في ذلك الذي هو غير متألم، وحينئذٍ يصير البشر أنفسهم غير متألمين وأحرارًا من هذه الأوجاع إلى الأبد كما علّم يوحنا قائلاً ” وتعلمون أن ذاك أظهر لكي يرفع خطايانا وليس فيه خطية ” (1يو5:3). ولأن الأمر هكذا فلا يعترض أحد من الهراطقة قائلاً: [ كيف يقوم الجسد وهو بالطبيعة مائت؟ وإن قام، فلماذا لا يجوع ويعطش ويتألّم ويظّل مائتًا؟ لأنه قد صار من التراب، فكيف يمكن أن تفارقه حالته الطبيعية ]؟ عندئذٍ يستطيع الجسد الآن أن يجاوب هنا الهرطوقي المقاوم ويقول: [ أنا من التراب، وبحسب الطبيعة مائت، ولكن فيما بعد قد صرت جسد الكلمة، وهو حَمَلَ أوجاعي، مع أنه هو نفسه غير متألم، هكذا صرت أنا حرًا من هذه الأوجاع ولم أعد بعد مستعبدًا لها بسبب الرب الذي قد حرّرني منها. لأنك إن كنت تعترض على تحرّري من ذلك الفساد الذي هو من طبيعتي، فانتبه أنك بهذا تعترض على أن كلمة الله قد أخذ صورة العبد الخاصة بي. لأنه كما أن الرب بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله[7]بالكلمة باتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن سنرث الحياة الأبدية ].
35ـ لقد وجدنا أنه من الضروري أن نبحث هذه الأمور أولاً لكي حينما نراه يعمل أو يقول ما يليق بالله بواسطة جسده، فإننا نعرف أنه يعمل هكذا لأنه هو الله، وأيضًا إذ رأيناه يتكلّم أو يتألّم إنسانيًا فإننا لا نجهل أنه باتخاذه الجسد صار إنسانًا ولذلك فهو عمل هذه الأعمال وتكلّم بهذه الكلمات. لأننا عندما نعرف ما هو خاص بكل منهما (الله والإنسان)، نرى ونفهم أن هذه الأمور التي تجري من كليهما، إنما تتم بواسطة واحد[8]، فإننا نكون مستقيمين في إيماننا، ولن نضل أبدًا. أما إن كان أحد وهو ينظر إلى الأعمال التي يعملها الكلمة إلهيًا، ينكر الجسد، أو وهو ينظر إلى تلك الأمور الخاصة بالجسد، ينكر حضور الكلمة في الجسد، أو بسبب ما هو بشري يفكر أفكارًا حقيرة عن الكلمة، مثل هذا يكون كبائع خمر يخلط الخمر بالماء[9] فيحسب الصليب عثرة أو يكون مثل اليوناني، الذي يعتبر الكرازة جهالة[10]. هذا هو إذًا ما أصاب الآريوسيين أعداء الله، لأنهم بنظرهم إلى ما هو بشري في المخلّص قد اعتبروه مخلوقًا. لذلك كان يلزمهم أيضًا عندما ينظرون الأعمال الإلهية للكلمة أن ينكروا تجسده، وبذلك فإنهم يصنفون أنفسهم مع المانويين[11]. فليتهم يتعلّمون ولو متأخرًا أن الكلمة صار جسدًا، أما نحن فإذ نحتفظ بهدف الإيمان، ندرك أن ما يسيئون تفسيره، له تفسير سليم.
1 بولس الساموساطي: كان أسقفًا لأنطاكية في القرن الثالث. علّم تعاليمًا خاطئة عن شخص المسيح له المجد، وقال إن الكلمة قد حلّ على طبيعة المسيح البشرية مثل حلول شخص على شخص وبالتالي فإن المسيح لا يختلف عن أي نبي آخر سوى في الدرجة وكانت تعاليمه هذه أساس لما علّم به نسطور فيما بعد ولقد أدانت ثلاث مجامع في انطاكية تعاليم الساموساطي وعزل عن كرسيه في عام 268م.
2 هنا يرد ق. أثناسيوس أيضًا على بدعة الخياليين التي أنكرت أن التجسد كان حقيقيًا، وعلّمت بأن الكلمة في تجسّده قد اتخذ جسدًا خياليًا. ولقد حارب ق. يوحنا هذه البدعة في رسالته الأولى 3:4.
3 تضع الكنيسة هذه التعاليم العقائدية الهامة أمامنا في صلوات الساعة السادسة عندما نتضرّع لله الكلمة الابن المتجسد والرب يسوع المسيح قائلين ” … اقتل أوجاعنا بآلامك المشفية المحييّة .. “.
4 يُلّخص ق. أثناسيوس في هذا الفصل نتائج هذا الأمر الإلهي الذي هو تجسد الابن الوحيد، وقد شرح في كتابه “تجسد الكلمة” بالتفصيل ما نالته البشرية بظهور الله الكلمة في الجسد. انظر كتاب “تجسد الكلمة” ترجمة د. جوزيف موريس فلتس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، الفصول 6ـ32.
5 انظر هامش رقم 27 ص50.
6 انظر المقالة الثانية ضد الآريوسيين، ترجمة أ. صموئيل كامل، ود. نصحي عبد الشهيد، إصدار مركز دراسات الآباء 1987. فقرة 65 صفحة 89، فقرة 86 صفحة 106
7 انظر هامش ص50 رقم 27.
8 أى بواسطة شخص واحد، ومن هنا تتضّح هنا الأسس السليمة التي اعتمد عليها ق. كيرلس بخصوص تعليمه عن طبيعة السيد المسيح الواحدة والتي استقاها من ق. أثناسيوس الرسولي.
9 إش22:1.
10 1كو23:1.
11 انظر الهامش رقم 22 ص36.
مقدمة لشرح آيات من الأناجيل عن التجسُّد – للقديس أثناسيوس الرسولي
أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي
أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي
10ـ غير أنهم أيضًا يحاولون أن يشكّكوا في هذه الحقائق بواسطة الخرافات الناتجة عن خيالاتهم، فيدّعون أن الابن والآب لا يمكن أن يكونا “واحدًا” أو “متماثلين” بالكيفيّة التي تُعلّم بها الكنيسة، بل بالكيفيّة التي يريدونها هم. إذ يقولون إن ما يريده الآب يريده الابن أيضًا، وهو لا يتعارض معه في الفكر أو في القرار، ولكنه موافق له من جميع الوجوه، وهو يعلن التعاليم نفسها مثل الآب ويقول الكلام المُتّفِق والمتناسق مع تعاليم الآب، لذلك فهو ـ حسب رأيهم ـ واحد مع الآب. ولقد تجرأ البعض[1] منهم أن يكتب هذا وأن يقوله.
وهل يمكن لأحد أن يقول ما هو أكثر غرابة وعدم معقولية من هذا؟ لأنه لو كان الابن والآب هما واحدًا، بحسب رأيهم هذا، وإن كان الكلمة مثل الآب بهذه الكيفيّة، فينتج عن هذا أن الملائكة أيضًا والكائنات الأخرى الأعلى منا، الرؤساء والسلاطين والعروش والربوبيات، وما نراه نحن مثل الشمس والقمر والنجوم كل هؤلاء سيكونوا أبناء أيضًا مثل الابن، وينبغي أن يقال عنهم أيضًا عندئذٍ أنهم هم والآب واحد، وأن كلاً منهم هو صورة الله وكلمته. لأن ما يريده الله يريدونه هم أيضًا، وهم لا يخالفونه لا في الإرادة ولا في الفعل، بل هم يخضعون لخالقهم في كل شئ. لأن كل هذه الكائنات ما كانت تستطيع أن تبقى في مجدها لو لم تشأ ما شاءه الآب أيضًا. فمثلاً إن ذاك الذي لم يبقَ ” في مجده “، بل ضلّ بعيدا، سمع الكلمات: ” كيف سقطت من السماء يا يوسفوروس[2] المشرق في الصباح “؟ (إش12:14س).
وإن كان الأمر هكذا، فكيف يكون هو وحده الابن الوحيد الجنس والكلمة والحكمة؟ أو كيف، بينما يوجد كثيرون مثل الآب، يكون وحده هو الصورة؟ لأنه يوجد كثيرون مثل الآب بين البشر، فكثيرون جدًا صاروا شهداء ومن قبلهم الرسل والأنبياء وقبلهم أيضًا البطاركة، وكثيرون أيضًا، الآن يحفظون وصية المخلّص إذ هم رحماء مثل الآب الذي في السماوات (لو36:6) وحفظوا الوصية القائلة ” تمثلوا بالله كأولاد أحباء واسلكوا في المحبة، كما أحبنا المسيح أيضًا ” (أف1:5ـ2). وكثيرون أيضًا تمثلوا ببولس كما تمثل هو أيضًا بالمسيح (1كو1:11)، ولكن ولا واحد من هؤلاء هو الكلمة، أو الحكمة، أو الابن الوحيد الجنس، أو الصورة. ولم يتجزأ أي واحد منهم أن يقول ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، أو ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14)، بل قد قيل عنهم جميعًا ” من مثلك بين الآلهة يا ربي “؟ (مز8:85) و ” من يشبه الرب بين أبناء الله “؟ (مز6:89)، ولكن قيل عن الابن وحده إنه الصورة الحقيقية للآب ومن جوهره، ورغم أننا قد خلقنا حسب الصورة ودعينا صورة الله ومجده[3] فذلك ليس من ذواتنا، بل بسبب صورة الله ومجده الحقيقي الساكن فينا، الذي هو كلمته، والذي صار جسدًا لأجلنا فيما بعد، لكي ننال نحن نعمة هذه الدعوة.
11ـ وحيث إن فكر الآريوسيين هذا يظهر غير لائق وغير معقول، لذلك فمن الضروري أن يرجع هذا التماثل وهذه الوحدة بين الآب والابن إلى جوهر الابن نفسه، لأنه إن لم يكن سبب التماثل هو وحده الجوهر، فلن يظهر أن الابن يملك شيئًا أكثر من المخلوقات كما سبق القول ولا حتى أنه هو مثل الآب، لكنه سيكون كالآب في التزامه بتعاليم الآب وهو يختلف عن الآب في أن الآب هو آب، أما التعاليم والوصايا فهي للآب. وإن كان الابن هو مثل الآب من جهة التعاليم والوصايا فحينئذٍ ـ بحسب رأيهم ـ يكون الآب أبًا بالاسم فقط، والابن لن يكون صورة الآب التي لا تتبدّل أو بالحري لن يظهر أن له صفات الآب الذاتية وأنه يماثله. لأنه أية مماثلة أو صفات ذاتية يمكن أن يكون لمن هو مختلف تمامًا عن الآب؟ فبولس رغم أنه علّم بنفس تعاليم المخلّص، إلاّ أنه لم يكن مثله في الجوهر.
فهؤلاء لأن عندهم مثل هذه الأفكار، يتكلّمون بافتراءات كاذبة. لكن الابن والآب هما واحد، كما قلنا سابقًا. وبنفس الطريقة فالابن هو مثل الآب ومن ذات الآب كما يمكن أن يرى وأن يفهم المرء أن أي ابن هو من أبيه، وكما يمكن أن يرى أن الشعاع هو من الشمس. إذًا لأن علاقة الابن بالآب هي هكذا، فحينما يعمل الابن يكون الآب هو العامل، وعندما يأتي الابن إلى القديسين فالآب هو الذي يأتي في الابن، كما وعد حينما قال ” نأتي أنا والآب ونصنع عنده منزلاً ” (يو23:14). لأنه في الصورة يُرى الآب كما أنه في الشعاع يكون النور. لذلك أيضًا وكما قلنا قبل ذلك بقليل، فحينما يُعطى الآب النعمة والسلام، فالابن أيضًا يعطيهما، كما يكتب بولس في كل رسالة له قائلاً ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح ” (رو7:1، 1كو3:1، أف1، 2). لأنه توجد نعمة واحدة وهي نفس النعمة التي من الآب في الابن، كما أن نور الشمس وشعاعها هما واحد، وكما أن إنارة الشمس تحدث بواسطة الشعاع. وهكذا أيضًا حينما يدعو الرسول لأهل تسالونيكي فهو يقول لهم ” والله نفسه أبونا وربنا يسوع المسيح يُهدي طريقنا إليكم ” (1تس11:3) فهو بهذا يحفظ وحدة الآب والابن معًا. فهو لم يقل يهديان، كما لو كانت هناك نعمة مزدوجة تعطى من مصدرين: هذا وذاك، بل قال “يهدي” لكي يبيّن أن الآب يُهدي بواسطة الابن، كل هذا كان ينبغي أن يخجل منه هؤلاء عديمو التقوى، ولكنهم لا يخجلون.
12ـ لأنه لو لم تكن هناك وحدة (في الجوهر) ولو لم يكن الكلمة هو وليد جوهر الآب كالشعاع من النور، وكان الابن مختلفًا في الطبيعة عن الآب، لكان يكفي أن الآب وحده هو الذي يُعطي، طالما أن أي واحد من المخلوقات لا يشترك مع خالقه في العطاء. ولكن الآن كما هي حقيقة الأمر، فإن مثل هذا العطاء يُظهر وحدة الآب والابن. فلا أحد يصلي إلى الله والملائكة أو إلى أي مخلوق آخر، لكي ينال منهم شيئًا وليس هناك من يدعو قائلاً ” ليت الله والملاك يعطيك ” ولكنه يُطلَب من الآب والابن، بسبب وحدتهما (في الجوهر) ووحدة عطائهما. لأن ما يُعطىَ إنما يُعطىَ بواسطة الابن. وليس هناك شئ إلاّ ويعمله الآب بالابن. لأن مَن يطلب هكذا ينال بالتأكيد نعمة. فإن كان رئيس الآباء يعقوب وبينما هو يبارك حفيديه افرايم ومنسى قال “.. الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم. الملاك الذي خلّصني من كل شر يبارك الغلامين .. ” (تك15:48ـ16)، فهو لم يُقرِن أي من أولئك الذين خُلقوا بالطبيعة ملائكة، مع الله خالقهم. كما أنه لم يُهمِل ذكْر الله الذي رعاه، ولكنه طَلَبَ البركة لحفيديه من الملاك. لأنه بقوله ” الذي خلّصني من كل شر، لم يشر إلى ملاك مخلوق، بل إلى كلمة الله، الذي قَرَنَه مع الآب في طلبته، الذي بواسطته يخلّص الله أولئك الذين يريدهم لأنه إذ يعرف أنه يُدعى أيضًا ملاك المشورة العظمى للآب ” (إش6:9س)، قال إنه ليس هناك سواه هو الذي يُعطى البركة ويخلّص من الشر. ومع أنه استحق أن ينال البركة من الله إلاّ أنه عندما رغب في مباركة حفيديه، فإنه طلب ذلك من الملاك الذي كان قد سبق وأن طلب منه البركة لنفسه قائلاً: ” لن أتركك إن لم تباركني ” (تك26:32). إذ أن هذا الملاك كان هو الله بحسب ما ذَكَرَ يعقوب نفسه قائلاً: ” قد رأيت الله وجهًا لوجه ” (تك30:32). وهذا هو الذي صلّى إليه أن يبارك أيضًا ابني يوسف. فما يناسب عمل الملاك إذًا هو أن يخدم أوامر الله، وكثيرًا ما كان يذهب أمامهم لكي يطرد الأموريين، وكان يُرسِل ليحرس الشعب في الطريق[4]. لكن ليست هذه هي أعماله بل هي أعمال الله الذي أمره وأرسله، وهو أيضًا الذي يخلّص الذين يريد أن يخلّصهم. لهذا فملاك المشورة لم يكن سوى الرب الإله نفسه الذي قد رآه يعقوب وهو الذي قال له ” وها أنا معك وأحفظك حيثما تذهب ” (تك15:28).
ولم يكن آخر بل أيضًا كان هو الله الذي لم يسمح للابان أن يخدع يعقوب وأَمَرَه ألاّ يتكلّم بالشر معه، ولم يكن أيضًا سوى الله الذي توسّل هو إليه قائلاً ” نجني من يد أخي عيسو. لأني خائف منه ” (تك11:32س)، ولأنه أيضًا حينما تحدّث مع زوجاته عن لابان قال ” الله لم يسمح له أن يصنع بي شرًا ” (تك7:31).
13ـ وداود أيضًا لم يدع إلهًا آخر سوى الله نفسه لكي ينجيه عندما صرخ إليه قائلاً ” إلى الرب في ضيقي صرخت فاستجاب لي يا رب نج نفسي من شفاه الكذب من لسان غش ” (مز1:120ـ2). وأيضًا في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من يد جميع أعدائه ومن يد شاول رنّم بكلمات الفرح شاكرًا الله هكذا ” أحبك يا رب يا قوتي. الرب صخرتي وحصني ومنقذي ” (مز1:18ـ2). وبولس بعد أن احتمل اضطهادات كثيرة. لم يقدّم الشكر إلى أحد سوى إلى الله وحده إذ قال ” ومن الجميع أنقذني الرب الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي ” (2تيمو11:3، 2كو10:1).
كما أن إبراهيم واسحق لم يباركا أحدًا سوى الله. فاسحق طلب لأجل يعقوب قائلاً: ” والله القدير يباركك ويجعلك مثمرًا ويكثرك فتكون جمهورًا من الشعوب ويعطيك بركة أبي إبراهيم ” (تك3:28ـ4). ولكن إن كان الله وحده وليس سواه هو الذي يبارك وينجي وليس سوى الرب نفسه هو الذي أنقذ يعقوب، وهو الذي أعطى لرئيس الآباء البركة التي طلبها لأحفاده، فمن الواضح أن يعقوب لم يُقرن مع الله ـ في صلاته ـ أحد سوى كلمة الله، لأنه هو وحده الذي يعلن الآب، ومن أجل هذا دعى كلمة الله بـ “الملاك”[5]. وهذا هو ما فعله الرسول أيضًا حينما قال ” نعمة لكم وسلام من الله والرب يسوع المسيح ” (رو7:1). فإنه بهذا صارت البركة مؤكّدة بسبب وحدة الآب والابن، ولأجل ذلك فالنعمة التي تعطى منهما هي واحدة وهي هي نفسها. فرغم أن الآب يعطي النعمة، إلاّ أنها تُوهب بالابن، ورغم أن الابن هو الذي يَهِبُ النعمة، فالآب هو الذي يعطيها بالابن وفي الابن. لأن الرسول يقول وهو يكتب إلى أهل كورنثوس ” أشكر إلهي في كل حين من جهتكم على نعمة الله المعطاة لكم في يسوع المسيح ” (1كو4:1).
وهذا يمكن أن نراه في مثال النور والشعاع، لأن ما ينيره النور إنما ينيره بشعاعه، وما يشعه الشعاع فهو يأخذه من النور، هكذا أيضًا حينما يُرى الابن يُرى الآب، لأنه هو شعاع الآب، ولذلك فالآب والابن هما واحد (في الجوهر).
14ـ ولا يستطيع أحد أن يقول هذا بالنسبة للأشياء الصائرة والمخلوقة لأن ما يعمله الآب، لا يعمله أي ملاك أو أي مخلوق آخر، لأن ولا واحد من هؤلاء هو علّة فاعلة بل هو من الأشياء المخلوقة، وفضلاً عن ذلك فلأنها بعيدة ومنفصلة عن الإله الوحيد ومختلفة في الطبيعة وهي أيضًا مخلوقة، فإنها لا تستطيع أن تعمل ما يعمله الله، كما أنها ـ كما قلت سابقًا ـ لا تستطيع أن تشترك مع الله في إعطاء النعمة.
ولا يستطيع أحد عندما يرى ملاكًا أن يقول إنه قد ر أي الآب لأن الملائكة كما هو مكتوب ـ هي أرواح خادمة، مرسلة للخدمة (عب14:1)، وهم يبشرون بالعطايا التي تُوهَب من الآب بواسطة الكلمة إلى أولئك الذين ينالونها.
كما أن الملاك نفسه عند ظهوره، يعترف أنه قد أُرسِل من سيّده كما اعترف جبرائيل عندما ظهر لزكريا وأيضًا عندما ظهر لمريم والدة الإله. ومن يرى منظر ملائكة يعرف أنه ر أي ملاكًا ولم ير الله. فزكريا ر أي ملاكًا، وإشعياء ر أي الرب ومنوح ابو شمشون ر أي ملاكًا، أما موسى فر أي الله وجدعون ر أي ملاكًا، أما إبراهيم فقد ظهر له الله. فالذين رأوا الله لم يقولوا إنهم رأوا ملاكًا، كما أن الذين رأوا ملاكًا اعتبروا أنهم قد رأوا الله لأن الأشياء المخلوقة هي بالطبيعة تختلف اختلافًا عظيمًا بل بالحري اختلافًا كاملاً عن الله الخالق، ولكن يحدث أحيانًا أن يُرى ملاك، والذي يراه يسمع صوت الله، كما حدث في العليقة ” لأن ملاك الرب ظهر في لهيب نار من العليقة ” (خر2:3)، وكلّم الله موسى من العلّيقة قائلاً: ” أنا إله أبيك، إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب ” (خر6:3)، ولكن الملاك لم يكن هو إله إبراهيم، بل الذي تكلّم في الملاك هو الله فالذي ظهر هو ملاك، ولكن الله تكلم فيه. لأنه كما تكلّم الله مع موسى في الخيمة من خلال عمود السحاب هكذا أيضًا يظهر الله ويتكلّم من خلال الملائكة، مثلما تكلّم إلى يشوع بن نون بواسطة ملاك (يش2:1 الخ).
فإن ما يتكلّم به الله من الواضح أنه يتكلّم به بواسطة الكلمة وليس بواسطة آخر. فالكلمة ليس منفصلاً عن الآب، وليس له جوهر غير جوهر الآب ولا هو غريب عنه. فالأعمال التي يعملها، هي أعمال الآب وهو الخالق مع الآب، فالعطايا التي يعطيها الابن، هي عطايا الآب. والذي قد ر أي الابن، يعرف أنه برؤيته له، لم ير ملاكًا ولا شخصًا أعظم من الملائكة، ولا أي مخلوق على وجه العموم، بل قد ر أي الآب نفسه والذي يسمع الكلمة يعرف أنه يسمع الآب نفسه. مثل ذلك الذي يستنير بواسطة الشعاع، يعرف أنه يستنير بواسطة الشمس.
15ـ ولأن الكتاب المقدّس يريدنا أن نفهم هذا الأمر هكذا، فقد أعطانا مثل هذه الإيضاحات، التي تكلّمنا عنها أعلاه، والتي بها يمكننا أن نُخجِل اليهود الخائنين من جهة وأن ندحض ادعاءات الوثنيين[6] من الجهة الأخرى، الذي يفكرون ويظنون أننا حينما نتحدّث عن الثالوث، فنحن نعترف بآلهة متعدّدة. لأنه كما يتضّح من المثال، نحن لا نقدم ثلاثة بدايات أو ثلاثة آباء كما يفعل أتباع ماركيون[7] وماني[8] حيث إننا لن نعرض صورة ثلاثة شموس بل شمس واحدة وشعاع واحد. وهناك نور واحد من الشمس في الشعاع، وهكذا فنحن لا نعرف سوى بداية واحدة ونعترف أن الكلمة خالق الكلّ ليس له مصدر آخر للاهوته سوى لاهوت الإله الوحيد، لأنه مولود منه. وعندئذٍ يكون الآسيويون بالحري هم المتهمين بتعدّد الآلهة أو الإلحاد، لأنهم يهذون بالقول عن الابن إنه مخلوق وغريب عن جوهر الآب وإن الروح القدس أيضًا جاء من العدم. لأنهم إما أن يقولوا إن الكلمة ليس هو الله، أو يقولوا ـ بسبب ما قد كتب عنه ـ إنه هو الله. لكنه ليس من ذات جوهر الآب وهكذا يقدمون لنا آلهة متعدّدة بسبب اختلاف الآلهة في الجوهر. إلاّ إذا تجاسروا أن يقولوا إن الابن يدعى إلهًا بالمشاركة فقط (في الجوهر) مثل كل المخلوقات الأخرى.
وحتى إن كان هذا هو تصوّرهم فهم مازالوا على كفرهم. حيث إنهم يعتبرون الكلمة كواحد من بين المخلوقات. ولكن لا ندع هذا الفكر يأتي إلى أذهاننا إطلاقًا. لأن الألوهة هي واحدة، وهي كائنة أيضًا في الكلمة. وإله واحد هو الآب، كائن بذاته، إذ هو ضابط الكل وظاهر في الابن حيث إنه يتخلّل كل الأشياء بواسطته، وظاهر في الروح القدس حيث إنه يعمل كل شيء بالكلمة في الروح القدس. لأننا بهذا نعترف أن الله واحد في ثالوث، ونقول إن هذا الإيمان بالإله الواحد في ثالوث هو أكثر تقوى جدًا من التعليم بإله الهراطقة بأنواعه الكثيرة وأجزائه العديدة.
16ـ لأنه إن لم يكن الأمر كذلك، وكان الكلمة مخلوقًا ومصنوعًا من العدم، فهو إما أنه ليس إلهًا حقيقيًا، بسبب أنه هو نفسه واحد من المخلوقات، أو إن كانوا يدعونه إلهًا خجلاً من الكتاب المقدّس، فينبغي بالضرورة أن يقولوا بوجود إلهين، واحد خالق، والآخر مخلوق ووجب أن يعبدوا ربين، واحد غير مخلوق والآخر مخلوق ومصنوع، وينبغي أن يكون لهم إيمانان إيمان بالإله الحقيقي وإيمان بواحد آخر صنعوه وصاغوه بأنفسهم ودعوه إلهًا. ويتبع بالضرورة عن هذا عمى عظيم جدًا حتى أنهم حينما يسجدون لغير المخلوق فَهُم يرفضون المخلوق وحينما ينشغلون بالإله المخلوق، فإنهم يتحوّلون عن الإله الخالق، لأنهم لا يستطيعون أن يروا الواحد كائنًا في الآخر، لأن طبيعتهما وأفعالهما هي غريبة ومختلفة عن بعضها. وحيث إنهم يفكرون بهذه الطريقة، فحتمًا ستقودهم خيالاتهم إلى الاعتقاد بوجود عدد أكثر من الآلهة، لأن هذه هي محاولات أولئك الذين قد ابتعدوا عن الله الواحد. ولماذا إذًا إن كان للأريوسيين هذه التصّورات والآراء، لا يحسبون أنفسهم مع الوثنيين؟ لأنهم مثل هؤلاء تمامًا يعبدون المخلوق بدلاً من الله خالق الكّل. وبينما يتحاشون تسميتهم بالوثنيين لكي يخدعوا غير المحنكين، إلاّ أنهم يضمرون في باطنهم فكرًا مشابهًا لفكر الوثنيين، بل ودائمًا ما يرددون قائلين ” نحن لا نعتقد في اثنين غير مخلوقين ” معتبرين أن قولهم هذا مليء بكل حكمة مع أنه من الواضح أنهم يقولونه لكي يخدعوا البسطاء. لأنه باعترافهم وقولهم ” نحن لا نقول باثنين غير مخلوقين ” فهم يقرون بوجود إلهين مختلفين في طبيعتهما واحد مخلوق، والآخر غير مخلوق، ورغم أن الوثنيين يعبدون إلهًا غير مخلوق وآلهة أخرى كثيرة مخلوقة، فهؤلاء الآسيويون يعبدون واحدًا غير مخلوق وواحدًا مخلوقًا، وهم في هذا لا يختلفون عن الوثنيين. لأن الإله الذي يدعونه مخلوقًا هو واحد بين كثيرين، وأيضًا الآلهة الكثيرة عند الوثنيين لها نفس طبيعة هذا الواحد، لأن الواحد والكثيرين هم مخلوقات.
إنهم تعساء وتعاستهم هي بالأكثر ناتجة عن معتقداتهم التي هي ضد المسيح لأنهم قد سقطوا من الحق وقد فاقوا اليهود في حياتهم بإنكار المسيح وهم منغمسين مع الوثنيين، ومبغضين له مثلهم، عابدين الخليقة والآلهة المتعدّدة، لأنه يوجد إله واحد وليس كثيرون. وواحد هو كلمته وليسوا كثيرين لأن الكلمة هو الله[9]، وهو وحده صورة الآب. ولأنه هو المخلّص فإنه جعل اليهود يضطربون من هذه الكلمات: ” الآب نفسه، الذي أرسلني، هو يشهد لي، لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته وليست لكم كلمة ثابتة فيكم، لأن الذي أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به ” (يو37:5ـ38). لذلك جمع بين “الكلمة” و “الهيئة” لكي يوضّح أن كلمة الله هو نفسه صورة ورسم وهيئة أبيه، وأن اليهود الذين لم يقبلوا الذي تكلّم إليهم لم يقبلوا الكلمة الذي هو صورة الله. وهذا أيضًا هو ما قد رآه يعقوب رئيس الآباء الذي نال البركة من الله وأعطى اسم إسرائيل بدلاً من يعقوب كما يشهد الكتاب الإلهي، قائلاً: ” وأشرقت له الشمس إذ عبر فنوئيل (وجه الله)” (تك31:32) وهذا هو نفسه الذي قال: ” من رآني فقد ر أي الآب ” و ” أنا في الآب والآب في ” و ” أنا والآب واحد ” (يو9:14ـ10، يو30:10).
وهكذا فإن الله واحد والإيمان بالآب والابن هو واحد. لأنه رغم أن الكلمة هو إله، فالرب إلهنا رب واحد. لأن الابن هو خاص بذاك الواحد وغير منفصل عنه بحسب ذاته وخصوصية جوهره.
17ـ ومع ذلك فالآريوسيون إذ لا يخجلون من هذا فإنهم يجيبون: [ ليس كما تقولون أنتم، بل كما نريد نحن لأنه طالما قد رفضتم آراءنا السابقة، فإننا قد أوجدنا رأيًا جديدًا، نقول فيه: كما أن الابن والآب واحد، وكما أن الآب هو في الابن والابن في الآب، هكذا أيضًا نكون نحن واحدًا فيه ].
لأن هذا هو ما كُتِبَ في الإنجيل بحسب يوحنا، وهو ما طَلَبَه المسيح لأجلنا في هذه الكلمات ” أيها الآب القدوس إحفظهم في اسمك الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما نحن ” (يو11:17). وبعدها بقليل يقول ” ولست أسأل من أجل هؤلاء فقط بل أيضًا من أجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدًا كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فيّ ليكونوا مكملين إلى واحد وليعلم العالم أنك أرسلتني ” (يو20:17ـ23). وبعد ذلك فهؤلاء الرجال الخادعون، كأنهم قد وجدوا حجة يستندون عليها يضيفون ويقولون [ إن كنا نصير نحن واحدًا في الآب، هكذا أيضًا يكون الابن واحدًا مع الآب، وهكذا أيضًا يكون هو في الآب، فكيف تستنتجون أنتم من قوله ” أنا والآب واحد”، و” أنا في الآب والآب فيّ ” أن الابن هو من ذات جوهر الآب ومساوٍ له؟ وهذا يتطلّب إما أن نكون نحن أيضًا من ذات جوهر الآب أو أن يكون هو غريب عن هذا الجوهر مثلما نحن غرباء عنه].
هكذا يثرثر هؤلاء الناس، ولكني لا أرى في كلامهم الباطل هذا سوى وقاحة غير معقولة وجنون شيطاني، حيث إنهم يقولون مثلما قال الشيطان ” نصعد إلى السماوات ونصير مثل العلّي “[10] لأن ما يُعطَى للإنسان بالنعمة هذا يجعلونه مساويًا لألوهية المُعطي لأنهم إذ سمعوا أن البشر سيصيرون أبناء لله، ظنوا أنفسهم مساويين للابن الحقيقي بالطبيعة والآن أيضًا إذ يسمعون من المخلّص قوله: ” لكي يكونوا واحدًا، كما نحن “، يخدعون أنفسهم وتصل بهم الوقاحة لدرجة أنهم يظنون أنهم سيوجدون مثلما الابن هو كائن في الآب والآب في الابن، غير معتبرين بسقوط أبيهم الشيطان، الذي سقط نتيجة لمثل هذا التخيّل والخداع.
18ـ فإن كان كلمة الله ـ كما قلنا مرات عديدة ـ هو مثلنا ولا يختلف عنا في شئ سوى في الزمن، فهو يكون مساويًا لنا وله نفس الوضع الذي لنا عند الآب ولا ينبغي عندئذٍ أن يدعى الابن الوحيد ولا الكلمة الوحيد ولا كلمة الآب الوحيد، بل يطلق علينا جميعًا نفس الاسم بصورة مشتركة نحن الذين نماثله، لأنه من الصواب أن الذين لهم طبيعة واحدة، يكون لهم نفس الاسم، حتى لو اختلفوا الواحد عن الآخر من جهة الزمن لأن آدم كان إنسانًا وبولس كان إنسانًا وكل من يولد اليوم هو إنسان، فالزمن ليس هو الذي يغيّر طبيعة الجنس البشري. إذًا فإن كان الكلمة يختلف عنا فقط من جهة الزمن، فعندئذٍ يجب أن نكون مثله هو. ولكن حقيقة الأمر أننا لسنا الكلمة ولا الحكمة، كما أنه هو ليس مخلوقًا ولا مصنوعًا، وبالتأكيد سيتساءلون: لماذا هو فقط من دوننا يكون هو الكلمة مع أننا جميعًا قد خُلقنا بواسطة الله الواحد؟ لكن إن كانت هذه الأمور تناسبهم لكي يتكلّموا بها، فهي لا تناسبنا لأنه لا يجب أن نفكر في تجاديفهم هذه. ومع ذلك رغم أن هذه الآيات لا تحتاج إلى توضيح إذ أن معناها واضح جدًا في إيماننا المستقيم فإننا لكي نوضّح ضلالهم هنا أيضًا في فهم هذه الآيات وعدم أرثوذكسيتهم سوف نشرحها بعد قليل وبحسب ما استلمناه من الآباء.
لقد اعتاد الكتاب المقدّس أن يستخدم ظواهر الطبيعة كصور وإيضاحات لأجل البشر وهو يفعل هذا لكي يشرح أفعال البشر الإختيارية مما يحدث في الطبيعة، وهكذا يُظهر سلوكهم إما شريرًا أو بارًا. ففي حالة ما هو شرير مثلاً يأمر قائلاً: ” لا تكونوا كفرس أو بغل بلا فهم .. ” (مز9:32)، وعندما يلوم أولئك الذين تشبهوا بهذه الحيوانات يقول ” إنسان في كرامة ولا يفهم يشبه البهائم التي تباد ” (مز20:49) وأيضًا يقول ” صاروا أحصنة معلوفة سائبة ” (إر8:5). والمخلّص لكي يكشف فكر هيرودس قال ” قولوا لهذا الثعلب ” (مت32:13). ومن الجهة الأخرى حذّر تلاميذه ” ها أنا أرسلكم كحملان في وسط ذئاب فكونوا حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام ” (مت16:10). وهو قال هذا لا لكي نصير بالطبيعة حيوانات، أو حيّات، أو حمام لأنه هو نفسه لم يخلقنا هكذا، والطبيعة نفسها لا تسمح بذلك، ولكن لكي نتجنّب الانفعالات الحيوانية الخاصة بأحدها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى نكون واعين لمكر الحيوان الآخر لكي لا نُخدع به، ولكي نكتسب أيضًا وداعة الحمام.
19ـ وأيضًا فإن المخلّص إذ يتخّذ من الأمور الإلهية نماذج يقدّمها للإنسان فإنه يقول ” كونوا رحماء كما أن أباكم الذي في السماوات هو رحيم “، ” كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل ” (لو36:6، مت48:5). وهو قد قال هذا ليس بالطبع لكي نصير مثل الآب، لأنه مستحيل علينا نحن المخلوقين الذين قد خُلقنا من العدم أن نصير مثل الآب. ولكن كما أنه أمرنا ” لا تصيروا كالحصان ” لا لئلا نكون كالحيوانات غير الناطقة، بل لكي لا نتمثل بها في نقص العقل، هكذا فقد قال ” كونوا رحماء مثل الآب ” لا لكي نصير مثل الله، بل لكي عندما نتطلّع إلى أعماله الصالحة فإن ما نفعله من أعمال حسنة إنما نفعله ليس لأجل الناس بل لأجله هو، حتى نأخذ مكافأتنا منه وليس من الناس.
لأنه كما أنه يوجد ابن واحد حسب الطبيعة وهو الابن الحقيقي الوحيد الجنس، هكذا نصير نحن أيضًا أبناء، لكن ليس مثله هو بالطبيعة وبالحق، بل بحسب نعمة ذاك الذي دعانا، ورغم أننا بشر من الأرض، ومع ذلك نصير آلهة ليس مثل الإله الحقيقي أو كلمته، بل كما قد سرّ الله الذي قد وهبنا هذه النعمة؛ هكذا أيضًا نصير رحماء مثل الله، لا بأن نصير مساويين لله ولا بأن نصير صانعي خيرات بالطبيعة وبالحقيقة، لأن صُنع الخير في ذاته ليس من أنفسنا بل هو من الله ـ بل لكي نوزع على الآخرين الخيرات الموهوبة لنا من الله بالنعمة، دون أن نفرّق بين الناس، بل مقدّمين خدمتنا الرحيمة باتساع للجميع. لأننا بهذه الطريقة وحدها وليس بأي طريقة أخرى نصير متشبّهين به، حينما نقدّم للآخرين العطايا التي ننالها منه. وكما أننا نقدم معنى واضحًا ومستقيمًا لهذه الآيات، هكذا يكون الأمر أيضًا بالنسبة للآيات التي ذَكَرتُ من يوحنا، فهو لا يقول إننا ينبغي أن نصير مثلما أن الابن هو في الآب: فمن أين يمكن أن يكون هكذا طالما الابن هو كلمة الله وحكمته، وبينما نحن قد جُبلنا من الأرض، فإن الابن هو بالطبيعة وبالجوهر هو الكلمة والإله الحقيقي. لأنه هكذا يتكلّم يوحنا: ” ونعلم أن ابن الله قد جاء وأعطانا بصيرة لنعرف الحق. ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5).
ونحن به نصير أبناء بالتبني وبالنعمة، مشتركين في روحه، لأنه مكتوب ” وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه ” (يو12:1). لذلك فهو أيضًا الحق لأنه يقول: ” أنا هو الحق ” (يو6:14). وفي مخاطبته لأبيه قال: ” قدّسهم في حقلك كلامك هو حق ” (يو17:17). أما نحن فبالتمثل به نصير فاضلين وأبناء.
20ـ لذلك فهو لم يَقُل ” لكي يكونوا واحدًا كما نحن لكي نصير كما هو بل كما أنه هو، وهو الكلمة، هو في أبيه، هكذا نحن أيضًا ونحن متخّذين أباه مثالاً لنا ونحن ناظرون إليه، نصير واحدًا فيما بيننا في الوفاق ووحدة الروح. ولا نكون في اختلاف مثل الكورنثيين[11]، بل يكون لنا قلب واحد ونفس واحدة مثل أولئك الخمسة آلاف الذين ذُكِروا في سفر الأعمال (انظر أع4:4، 32) والذين كانوا كواحدٍ. فنحن طبعًا لسنا أبناء كالابن، ولسنا آلهة مثله هو نفسه، ونحن لسنا مثل الآب، بل نصير “رحماء كالآب”. وكما سبق أن قلنا، فإننا عندما نصير واحدًا، كما أن الآب والابن هما واحد، فنحن لن نصير واحدًا مثلما أن الآب هو في الابن بالطبيعة وكذلك الابن في الآب، بل بحسب ما يتّفق مع طبيعتنا الخاصة ومن هذا يمكننا أن نتشكّل وأن نتعلّم كيف يجب أن نصير واحدًا، مثلما تعلّمنا أيضًا أن نكون رحماء. لأن الأشياء المتماثلة هي بالطبيعة واحدة بعضها مع بعض، لأن كل ذي جسد يُولَد منه جسد من نوعه، أما الكلمة فهو مختلف عنا، ولكنه مثل الآب، ولذلك فهو واحد مع أبيه بالطبيعة والحق. وأما نحن فلأننا من جنس واحد (لأن كل البشر قد جاءوا من واحد، وطبيعة البشر جميعهم هي واحدة)، فإننا نصير واحدًا بعضنا مع بعض بالنيّة الصالحة، واضعين أمامنا مثال الوحدة الطبيعية للابن مع الآب. ولأنه كما علّمنا الوداعة بنفسه قائلاً ” تعلّموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب ” (مت29:11) لا لكي نصير مساويين له، لأن هذا غير ممكن ـ بل بنظرنا إليه نظل دائمًا ودعاء. هكذا هنا أيضًا، فهو إذ يريد أن تكون لنا نيّة صالحة بعضنا نحو بعض وتكون أُلفتنا حقيقية وثابتة وغير مضمحلّة، فإنه يجعل لنا من نفسه مثالاً ويقول: ” لكي يكونوا واحدًا، كما نحن ” تلك الوحدة التي لا انفصال فيها، أي بتعلّمهم منّا تلك الطبيعة غير المنقسمة، فإنهم بنفس الطريقة يحفظون الوفاق فيما بينهم، وكما سبق أن قلنا، فإن التمثّل بالأمور الطبيعية يمكن أن يتحقّق بين الناس بصورة مأمونة، حيث إنهم يظلّون بطبيعتهم غير متغيّرين، بينما سلوك الناس هو قابل للتغيّر، فيمكن للإنسان بنظره نحو غير المتغيّر بالطبيعة، أن يتجنّب ما هو رديء، وأن يعيد تشكيل نفسه على حسب الصورة الأفضل، ولهذا السبب أيضًا يكون للكلمات: ” ليكونوا هم أيضًا واحد فينا ” معنى مستقيم.
21ـ فلو أنه كان من الممكن عندئذٍ أن نصير مثل الابن في الآب، لكان ينبغي أن تكون الكلمات هكذا ” لكي يكونوا هم واحدًا فيك ” مثلما أن الابن هو في الآب، ولكنه لم يَقُل الكلمات هكذا. بل بقوله “فينا”، أظهر المسافة والاختلاف بيننا وبين الابن إذ أنه هو وحده كائن في الآب كالكلمة الوحيد والحكمة الوحيد، ولكننا نحن موجودون في الابن وبواسطته موجودين في الآب. وبكلامه هكذا قصد هذا فقط: هكذا يمكن أن يصيروا واحدًا فيما بينهم بتمثلهم بوحدتنا، كما أننا واحد بالطبيعة وبالحق، وإلاّ فإنهم لن يستطيعوا أن يصيروا واحدًا إلاّ إذ تعلّموا من الوحدة الموجودة فينا. ويمكن أن نتعلّم أيضًا من بولس الرسول هذا المعنى الذي تعطيه كلمة “فينا” عندما نسمعه يقول ” فهذا أيها الأخوة حوّلته تشبيهًا إلى نفسي وإلى أبلوس من أجلكم لكي تتعلّموا “فينا” أن لا تفتكروا فوق ما هو مكتوب ” (1كو6:4). وبالتالي فإن كلمة “فينا” لم تذكر عن كينونة الابن في الآب، بل تقدم مثلاً وصورة بدلاً من أن يقول ” فليتعلّموا منا “. لأنه كما أن بولس يقدّم مثالاً للوحدة إلى أهل كورنثوس، هكذا تكون وحدة الابن والآب هي مثال تعليم ودرس للجميع، يمكن أن يتعلّموا بواسطته عن طريق تطلّعهم إلى الوحدة الطبيعية للآب والابن ـ كيف يجب أن يصيروا فيما بينهم واحدًا في الفكر. ولكن إن كانت كلمة “فينا” تحتاج أن تفسر بمعنى آخر فيمكن عندئذٍ أن تعني أنه: بواسطة قوة الآب والابن يصيروا واحدًا ويقولون “قولاً واحدًا ” (1كو10:1)، لأن هذا غير ممكن بدون معونة الله. وهذا المعنى يمكننا أن نجده أيضًا في الكتاب المقدس مثل ” بالله نصنع ببأس ” (مز12:60س) و ” بك ندوس أعداءنا ” (مز5:44س). فواضح إذًا أننا باسم الآب والابن نصير أشداء، ونصير واحدًا ممسكين برباط المحبة بقوة. وفي نفس المعنى يقول الرب ” وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد ” (يو22:17). فهنا أيضًا لم يَقُل ” لكي يكونوا فيك مثلما أنا فيك “. بل قال ” كما نحن ” والآن هو الذي يقول “كما” لا يقصد أن يتحدّث عن وحدة الطبيعة بل يتحدّث عن صورة ومثال لما ينبغي أن يكونوا عليه.
22ـ إذًا فالكلمة هو في الواقع وبالحقيقة واحد مع الآب في الجوهر. أما نحن فقد أُعطِيَ لنا أن نتشبّه بهذه الطبيعة كما سبق أن قيل لأنه أضاف مباشرةً ” أنا فيهم وأنت فيّ، ليكونوا مكملّين إلى واحد ” (يو23:17). ولذا فالرب هنا يطلب لأجلنا شيئًا أعظم وأكمل. لأنه واضح أن الكلمة قد جاء لكي يكون فينا لأنه قد لبس جسدنا. وبقوله ” وأنت أيها الآب فيّ ” فهو يعني ” لأني أنا كَلِمَتك، وحيث إنك أنت فيّ، بسبب كوني كَلِمَتك، وأنا فيهم بسبب الجسد، ومنك يتحقق خلاص البشر فيّ، لذلك أسأل أن يصيروا هم واحدًا، بسبب الجسد الذي فيّ وبحسب كماله لكي يصيروا هم أيضًا كاملين إذ يكون لهم وحدة مع الجسد، ولأنهم قد صاروا واحدًا في هذا الجسد، فإنهم كما لو كانوا محمولين فيّ، يصيرون جميعًا جسدًا واحدًا وروحًا واحدًا (أف13:4) لأننا جميعًا، باشتراكنا فيه، نصير جسدًا واحدًا، لأننا نحصل على الرب الواحد في أنفسنا.
وطالما أن هذه الفقرة لها هذا المعنى فإننا بذلك ندحض هرطقة أعداء المسيح بوضوح أكثر. وإني أكرر القول، إنه لو كان قد قال ببساطة وبصورة مطلقة ” لكي يكونوا واحدًا فيك ” أو ” لكي يصيروا هم وأنا واحدًا فيك ” لكان أعداء الله قد وجدوا بعض العذر رغم أنه عذر قبيح، ولكن حقيقة الأمر أنه لم يتكلّم هكذا بالمرّة بل قال ” كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ” (يو21:17). وبالإضافة إلى ذلك فإنه باستعماله لفظة “كما” فهو يشير إلى أولئك الذين يصيرون مثله كما هو في الآب ولكن عن بعد، عن بعد ليس من جهة المكان ولكن من جهة الطبيعة لأنه من جهة المكان ليس هناك شئ بعيد عن الله، لكن من جهة الطبيعة وحدها فإن كل الأشياء هي بعيدة عن الله. وكما قلت سابقًا فإن استعمال الأداة “كما” لا يعني التطابق، ولا المساواة ولكن يعني التشّبه بمثال يُنظر إليه من جهة معيّنة.
32ـ وهذا ما يمكننا أن نتعلّمه أيضًا من المخلّص نفسه، حينما يقول ” لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ” (مت40:12). فإن يونان طبعًا لم يكن مثل المخلّص، ويونان لم ينزل إلى الجحيم، ولا الحوت كان هو الجحيم كما أن يونان حينما ابتلعه الحوت لم يُخرج أولئك الذين كان الحوت قد سبق وابتلعهم قَبْلَه، بل هو وحده الذي خرج من الحوت حينما قذفه. لذلك فليس في لفظة “كما” هنا أي تطابق أو مساواة، بل شيئان مختلفان، فهي توضح نوعًا من التشابه في حالة يونان من جهة الأيام الثلاثة، وبنفس الطريقة فحينما يقول الرب “كما” فإننا نحن أيضًا لا نصير كالابن في الآب ولا كالآب في الابن، لأننا نحن البشر جميعًا نصير واحدًا في الفكر واتفاق الروح مثلما أن الآب والابن واحد.
والمخلّص سيكون مثل يونان في بطن الأرض ولكن بما أن المخلّص ليس هو يونان، وليس كما أُبتلع يونان هكذا نزل المخلّص إلى الجحيم لأن الابن مختلف عن يونان، هكذا بنفس الطريقة فإن صرنا نحن أيضًا واحدًا، مثلما أن الابن هو في الآب، فسوف لا نصير مثل الابن ولن نكون مساويين له، لأن الحديث عن الابن شئ، والحديث عنا شئ آخر. ولهذا السبب فإن لفظة “كما” تنطبق علينا، حيث إن الأشياء التي تختلف عن بعضها في الطبيعة، يمكن أن تصير مشابهة لبعضها البعض حينما ينظر إليها من جهة علاقة معينة تربط بينها. ولذلك فالابن ذاته هو في الآب لأن لهما طبيعة بسيطة[12]، والابن هو ابن الآب حسب الطبيعة، أما نحن فلسنا أبناء للآب حسب الطبيعة. ولهذا فالأمر قد احتاج أن يكون أمامنا نحن البشر مثال كي نكون واحدًا ولهذا قال عنا ” كما أنك أنت فيّ وأنا فيك “. وكأنه يقول “وحينما يصيرون كاملين هكذا حينئذٍ يَعرِفُ العالم أنك أنت أرسلتني” لأنني لو لم أكن قد جئت ولبست جسدهم، لما استطاع أحد منهم أن يصير كاملاً، بل لَظَلَ الجميع في الفساد. أيها الآب اعمل إذًا فيهم، وكما أعطيتني أن ألبس هذا الجسد إعط روحك لهم، لكي يصيروا هم أيضًا بالروح، واحدًا وأن يصيروا مكمّلين فيّ. لأن تكميلهم يدّل على أن كلمتك قد سَكَنَ بينهم، وعندما يراهم العالم كاملين وحاملين لله، فسوف يؤمن أنك أنت أرسلتني وأني أنا قد جئت هنا ـ لأنه من أين يأتيهم الكمال لو لم أكن أنا كلمتك قد أخذت جسدهم، وصرت إنسانًا، وقد أكملت الذي أعطيتني إياه أيها الآب إلى النهاية؟ قد اكتمل العمل، لأن البشر، وقد اُفتُدوا من الخطية لا يبقون أمواتًا بعد. بل إذ يتألهون[13] فإنهم بنظرهم إلىّ يصير لهم رباط المحبة فيما بينهم.
24ـ ونحن إذ قد تكلّمنا كثيرًا محاولين شرح كلمات هذه الفقرة، فإن يوحنا المبارك في رسالته أظهر معنى هذه الفقرة بكلمات قليلة وأكثر كمالاً من كلماتنا، فهو يُظهر خطأ فهم أولئك الجاحدين، ويعلّمنا كيف أن الابن يختلف عنا في الطبيعة، وبذلك يوقف الآريوسيين عن التفكير في أنهم سيصيرون كالابن، لئلا يسمعوا القول ” أنت إنسان لا إله ” (حز2:28)، ” لا تقس نفسك بإنسان غني وأنت فقير ” (أم4:23س). فيوحنا يكتب هكذا ” بهذا نعرف أننا نثبت فيه وهو فينا أنه قد أعطانا من روحه ” (1يو13:4). لذلك، فبسبب نعمة الروح الذي أُعطيَ لنا نصير نحن فيه وهو فينا. وحيث إن روح الله فينا لذلك فبواسطة سكناه فينا وبسبب حصولنا على الروح نُحسب أننا في الله وهكذا يكون الله فينا.
إذًا نحن لا نصير في الآب مثلما أن الابن كائن في الآب، لأن الابن ليس كائنًا في الآب بمجرد اشتراكه في الروح ولا هو ينال الروح بل بالحري هو نفسه الذي يَهِبُ الروح للجميع وليس الروح هو الذي يوّحد الكلمة مع الآب بل بالحري فإن الروح يأخذ من الكلمة. والابن كائن في الآب، ككلمته الذاتي وشعاعه، أما نحن فبدون الروح القدس فإننا نكون غرباء عن الله، وعن طريق اشتراكنا في الروح نصير أقرباء لله حتى أن وجودنا في الآب هو ليس منّا، بل هو خاص بالروح الموجود فينا والذي يسكن فينا، ونحن نحتفظ به في داخلنا عن طريق الإقرار كما يقول يوحنا ” مَنْ اعترف أن يسوع هو ابن الله فالله يسكن فيه وهو في الله ” (1يو15:4).
إذًا فما هي المشابهة وما هي المساواة التي لنا مع الابن؟ بل إن آراء الآريوسيين تُدحض من كل ناحية وخاصةً بكلمات يوحنا، أن الابن هو في الآب بطريقة، أما نحن فنصير في الآب بطريقة أخرى. وأننا لن نصير مثل الكلمة أبدًا، ولا الكلمة سيصير مثلنا، إلاّ إذا تجاسروا كما يفعلون عادة ـ فقالوا إن الابن باشتراكه في الروح وبتقدّمه في الفضيلة صار هو نفسه في الآب. ولكن حتى مجرد قبول هذا الفكر هو كُفر شديد لأن الكلمة ـ كما سبق أن قيل ـ هو الذي يُعطي الروح، وكل ما هو للروح قد أخذه من الكلمة.
25ـ إذًا فعندما يقول المخلّص ” كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك ليكونوا هم أيضًا واحدًا فينا ” فهو لا يعني بهذا أنه سوف يصير لنا تطابق معه. لأن هذا قد أوضحه في مثال يونان، ولكن كلامه هذا هو طلب إلى الآب لكي يَهِبُ الروح بواسطته للذين يؤمنون به، والذي به نصير في الله، كما كتب يوحنا وبهذا نكون متحدين فيه. وحيث إن الكلمة هو في الآب، والروح يُعطى من الكلمة فهو يريد أن ننال نحن الروح، لكي عندما نناله يصير لنا روح الكلمة الذي هو في الآب، وبسبب الروح سوف نتمجد نحن أيضًا ونصير واحدًا في الكلمة، ومن خلاله في الآب. وعندما يقول ” كما نحن” فهو لا يعني شيئًا آخر سوى أن يسأل أن تصير نعمة الروح المعطاة للتلاميذ ثابتة بلا تزعزع، لأن ما هو للكلمة بالطبيعة في الآب ـ كما قلت سابقًا ـ يريد أن يعطيه لنا بواسطة الروح بلا رجعة. وهذا ما عرفه الرسول، فقال ” مَن سيفصلنا عن محبة المسيح ” (رو35:8). لأن “هبات الله ونعمة دعوته هي بلا ندامة ” (رو29:11). إذًا فالروح هو الكائن في الله ولسنا نحن بذواتنا، ولكن حيث إننا نصير أبناء وآلهة بسبب الكلمة الذي فينا هكذا أيضًا سنصير في الابن وفي الآب، وسوف نحسب أننا صرنا واحدًا في الابن وفي الآب، بسبب وجود ذلك الروح فينا نحن وهو الروح الذي يكون في الكلمة الكائن في الآب، إذًا حينما يسقط إنسان من الروح بسبب شر ما فإنه عندما يتوب ويرجع عن سقطته فالنعمة تظّل مستمرة بلا ندامة في أولئك الذين يريدونها. وإلاّ فإن مَن سقط لا يعود الله ساكنًا فيه (بسبب أن الروح القدس الباراقليط الذي هو في الله قد هجر هذا الإنسان)، ولكن ذلك الخاطئ يصير في ذلك (الروح الشرير) الذي أخضع نفسه له كما حدث في حالة شاول لأن روح الله فارقه، وبغته روح رديء (1صم14:16). وعندما يسمع أعداء الله هذا الكلام فيجب عليهم أن يخجلوا ولا يعودوا يساوون أنفسهم بالله، ولكنهم لا يفهمون لأن ” الشرير لا يفهم معرفة ” (أم7:29)، ولا يحتملون كلمات التقوى بل يجدونها ثقيلة على مسامعهم.
1 يشير هنا إلى استيريوس الآريوسي.
2 هذه الكلمة وردت هكذا في الترجمة السبعينية للعهد القديم باليونانية وتعني نجم الصباح.
3 انظر 1كو7:11.
4 انظر سفر العدد 24:21، عاموس 9:2.
5 ἄγγελος باليونانية والفعل اليوناني ἀγγέλω معناه “يُعلِن” أو “يُبشر”
6 لم يفهم الوثنيين التعاليم المسيحية بخصوص الله الواحد مثلث الأقانيم، لهذا فقد اتهموا المسيحيين بأنهم يعبدون آلهة متعدّدة.
7 ماركيون: عاش في القرن الثاني وعلّم تعاليمًا خاطئة عن أن المسيحيين يؤمنون بإلهين: إله العهد القديم وهو إله متشدّد وقاسٍ وإله آخر حنون ومحب البشر وهو إله العهد الجديد.
8 ماني: هرطوقي من بلاد فارس علّم نفس تعاليم ماركيون تقريبًا. وُلد في عام 215 وخلط في تعاليمه ما بين العبادات الفارسية والمسيحية والديانات الشرقية وكان يؤمن بوجود بدايتين هما النور وهو مبدأ الصلاح والظلمة وهى مبدأ الشر.
9 انظر يو1:1.
10 انظر إش13:14ـ14.
11 انظر 1كو10:1، 21:2.
12 تعبير أن الطبيعة الإلهية هى طبيعة بسيطة تعني أنها طبيعة واحدة غير منقسمة، أى أنه ليس للآب نصف الطبيعة الإلهية وللابن النصف الآخر، بل أن لهما نفس الطبيعة الإلهية الواحدة أو كما يقول القداس الإلهي عندما يتحدّث عن الروح القدس مشدّدًا على طبيعته الإلهية وعمله فينا بكونه هو أحد أقانيم الثالوث القدوس ذو الطبيعة الإلهية الواحدة فيقول ” البسيط في طبيعته ….. “.
13 هذا التعبير عند الآباء لا يعني أن الإنسان يصير بطبيعته إلهًا، بل يعني أنه يشترك في الحياة الإلهية، حياة البر والقداسة.
أنا والآب واحد، ليكونوا واحد كما نحن – شرح نصوص (يو30:10، يو11:17) – للقديس أثناسيوس الرسولي
أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي
أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي
7ـ ولكن بسبب أن عديمي الإيمان يستخدمون هذه الآيات أيضًا ويجدّفون على الرب، ويَسخَرون منا قائلين: [طالما أن الله يدعى الواحد والوحيد والأول، فكيف تقولون إن الابن هو الله؟ لأنه لو كان هو الله لما كان الله قد قال ” ليس إله معي ” (تث32، 39) ولا ” إلهنا واحد ” (تث6، 4). لذلك فمن الضروري أن نوضح معنى هذه الآيات، بقدر الإمكان، لكي يعرف الجميع من شرحِنا لهذه الآيات أيضًا أن الآريوسيين هم في الحقيقة محاربون لله.
لأنه لو كان الابن منافسًا للآب إذًا لكانت هذه الكلمات قد قيلت ضده، ولو أن الآب ينظر إلى الابن مثلما حدث لداود حينما سمع عن أدونيا وأبشالوم[1]، إذًا لكان قد نطق بهذه الآيات عن نفسه، لئلا عندما يقول الابن عن نفسه إنه إله، يجعل البعض يتمردون على الآب، أما إن كان مَن يعرف الابن، يعرف الآب بالحرى، والابن هو الذي يكشف له الآب، فإنه يرى بالحري الآب في الكلمة، كما هو مكتوب، وإن كان الابن في مجيئه لم يمجّد نفسه بل مجّد الآب، إذ قال لواحد قد جاء إليه، ” لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالح، إلاّ واحد وهو الله ” (لو19:18)، وردًا على سؤال من سأله ما هي الوصيّة العظمى في الناموس قال ” اسمع يا إسرائيل الرب إلهك رب واحد هو ” (مر29:12). وقال للجموع ” قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني ” (يو38:6)، وعلّم التلاميذ قائلاً ” أبي أعظم مني ” (يو28:14) وأيضًا ” الذي يكرمني يكرم الذي أرسلني ” (يو23:5، 20:13) فإن كان موقف الابن تجاه أبيه هو هكذا، فما هو التناقض الذي يمنع أي واحد من أن يتخّذ مثل ذلك المعنى السليم عن هذه الآيات؟
ومن الناحية الأخرى إن كان الابن هو كلمة الآب فمَن يكون بهذه الدرجة من الحماقة ـ عدا أولئك الذين يحاربون المسيح ـ حتى يظن أن الله قد تكلّم هكذا لكي يطعن في كلمته وينكره؟ فحاشا أن يكون تفكير المسيحيين هكذا! لأن هذه الآيات لم تُكتب ضد الابن، بل لكي تستبعد الآلهة الكاذبة التي اخترعتها البشر. والدليل على ذلك يكمُن في معنى هذه الآيات.
8ـ وبسبب أن أولئك الذين يعبدون الآلهة الكاذبة، يبتعدون عن الإله الحقيقي، لذلك فلأن الله صالح ومعتني بالبشر فهو ينادي الضالين مرة أخرى، ويقول: ” أنا هو الإله وحدي ” و “أنا هو” و “ليس إله معي”، ومثل كل هذه الآيات، وذلك لكي يحكم على الأشياء التي لا كيان لها، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى يحوّل البشر إلى نفسه. وكما لو افترضنا أن شخصًا ما أثناء النهار وبينما الشمس ساطعة يرسم رسمًا بدائيًا للشمس على قطعة من الخشب، ثم يقول عن ذلك الرسم أنه سبب النور الساطع، فإن كانت الشمس عندما ترى هذا الرسم يمكنها أن تقول ” أنا هي نور النهار وحدي وليس هناك نور آخر للنهار سواي “، بينما يقول الرسّام هذا ليس عن شعاعها، بل عن رسمه الرديء على الخشب وعن خياله الباطل الذي زيّف الحقيقة.
هكذا الأمر أيضًا بخصوص الآيات: “أنا هو”، “أنا هو الإله وحدي” و “ليس إله معي”، فالله يقول هذا لكي يجعل الناس يتركون الآلهة الكاذبة ولكي يعرفوا بالحري أنه هو الإله الحقيقي، وحينما قال الله هذا، فبلا شك أنه قاله بواسطة كلمته الذاتي، هذا إن لم يضف اليهود المعاصرون[2] قائلين إنه لم يقل هذا بواسطة كلمته. ولكني بالرغم مما يهذي به أتباع الشيطان هؤلاء، فإن الله قد تكلّم بواسطة كلمته لأن كلمة الرب قد صارت إلى النبي، وهذا هو ما سمعه النبي من (الكلمة). فإذا كان هذا قد قيل بواسطة الكلمة إذًا فلا يقول الله شيئًا أو يفعله إلاّ ويقوله ويفعله بالكلمة. لذلك فيا محاربي الله إن هذه الآيات ليست موجّهة ضد الابن، بل ضد الأشياء الغريبة عن الله، والتي ليست منه. لأنه بحسب الرسم الذي سبق وأشرنا إليه، إن كانت الشمس قد تكلّمت بتلك الكلمات فإنها لم تقلها كأن شعاعها غريب عنها إذ أن شعاعها يُظهر نورها ولكنها تكون قد قالتها لكي تكشف الخطأ وتصححه. لذلك فمثل تلك الآيات ليست لأجل إنكار الابن ولا هي قيلت عنه، بل هي قيلت لطرح الضلال بعيدًا.
وبناءً على ذلك فإن الله لم يكلّم آدم بمثل هذه الأقوال في البداية، رغم أن الكلمة الذي بواسطته خُلقت كل الأشياء كان معه، إذ لم تكن هناك حاجة إلى ذلك لأن الأوثان لم تكن قد وُجدت بعد. لكن حينما قام الناس ضد الحق ودعوا لأنفسهم آلهة مثلما أرادوا، حينئذٍ صارت الحاجة لمثل هذه الأقوال، أي لأجل إنكار الآلهة التي لا كيان لها. بل أود أن أضيف أنها قد قيلت مسبقًا عن حماقة محاربي المسيح هؤلاء، ولكي يعرفوا أن أي إله يفكرون فيه ويكون غريبًا عن جوهر الآب، لا يكون إلهًا حقيقيًا، ولا هو صورة الآب وابنه، الإله الوحيد.
9ـ إذًا فإن كان الآب قد دُعيَ الإله الحقيقي الوحيد فهذا لا يعني إنكار هذا الذي قال ” أنا هو الحق ” (يو6:14) بل يعني إنكار أولئك الذين ليسوا بطبيعتهم حقيقيين، مثل الآب وكلمته، ولهذا فقد أضاف الرب مباشرةً: ” ويسوع المسيح الذي أرسلته ” (يو3:17). وعلى هذا فلو أنه كان مخلوقًا لما كان قد أضاف هذه الكلمة ولما كان قد أحصى نفسه مع الخالق، فأية شركة توجد بين الحقيقي وغير الحقيقي؟!
ولكن الابن إذ أحصى نفسه مع الآب، فقد أظهر أنه من طبيعة الآب نفسها، وأعطانا أن نعرف أنه المولود الحقيقي من الآب الحقيقي. وهكذا أيضًا تعلّم يوحنا وعلّم هذا كاتبًا في رسالته “ ونحن في الحق في ابنه يسوع المسيح. هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية ” (1يو20:5).
وحينما يقول النبي عن الخليقة ” الذي بسط السماء وحده ” (أيوب8:9) وأيضًا حينما يقول الله ” أنا وحدي باسط السماء ” (إش24:44) يصير واضحًا للجميع أن لفظة (وحده) تشير أيضًا إلى الكلمة الخاص بالوحيد، الذي به خُلقت كل الأشياء وبغيره لم يُخلق شئ. لذلك إن كانت كل الأشياء قد خُلقت بالكلمة، ومع ذلك يقول ” أنا وحدي ” فإنه يعني أن الابن الذي به خُلقت السماوات، هو مع ذلك الوحيد.
هكذا إن قيل “إله واحد”، ” أنا وحدي”، “أنا الأول” فهذا يعني أن الكلمة كائن في نفس الوقت في ذلك الواحد والوحيد والأول مثل وجود الشعاع في النور. وهذا لا يمكن أن يُفهم عن أي كائن آخر سوى الكلمة وحده. لأن كل الأشياء الأخرى خُلِقت من العدم بواسطة الابن، وهي تختلف اختلافًا كبيرًا جدًا فيما بينها من جهة الطبيعة، أما الابن نفسه فهو مولود حقيقي وطبيعي من الآب.
ولهذا فهذه العبارة: “أنا الأول” التي اقتبسها هؤلاء الأغبياء لكي يدعموا بها هرطقتهم، هي بالحري تفضح نيتهم الشريرة لأن الله يقول ” أنا الأول وأنا الآخر” (إش6:44) إذًا فإن قلتم إنه الأول بالنسبة للأشياء التي أتت بعده كما لو كان محصى معها، لكي تأتي تلك الأشياء تالية له إذًا فأنتم تظهرون أنه هو نفسه يسبق الأعمال المخلوقة زمنيًا فقط، وهذا يفوق كل كفر. ولكنه لكي يبرهن أنه لم يأخذ بدايته من أي شئ، ولا يوجد شئ قبله ولكي يدحض الأساطير الوثنية، ولكي يبيّن أنه هو البداية والعلّة لكل الأشياء، قال “أنا الأول” أنه واضح أيضًا أن تسمية الابن “بالبكر” هذه لم تُعط فقط له لأجل إحصائه مع المخلوقات، بل لكي تبرهن أن خلق كل الأشياء وتبنيها إنما تم بواسطة الابن. لأنه كما أن الآب هو الأول، هكذا أيضًا “الابن أيضًا هو الأول كصورة الأول تمامًا، وبسبب أن الأول كائن فيه، وهو أيضًا وليد الآب، الذي به تمّ خلق كل الخليقة وتبنّيها.
1 انظر 2صم1:15ـ19، 41، 1مل5:1 للآخر.
يشير القديس أثناسيوس هنا إلى تمرّد أبشالوم وأدونيا، أولاد داود الاثنين، على أبيهما لاغتصاب المُلك منه، وهو يذكر هذا المثل من العهد القديم، لكي يبيّن أن الابن ليس منافسًا للآب كما ينافس الابنان المتمردان أباهم في المُلك، ويحاولان أن يبعدا الشعب عنه.
2 يستعمل القديس أثناسيوس عبارة “اليهود المعاصرون ” ليعبر بها عن الآريوسيين (انظر المقالة الأولى فصل 8 ص21، فصل 10 ص24 والمقالة الثانية فصل 1ص10.
أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته – شرح نص يو3:17 للقديس أثناسيوس الرسولي
أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي
أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي
1ـ يبدو أن الآريوسيين[1] المهووسين إذ قد قرروا أن يقبلوا آراء آريوس ويحتضنوها وأن يصيروا مقاومين للحق ومخالفين له فإنهم يسعون بإصرار لكي يجعلوا كلمات الكتاب: ” عندما يصل الشرير إلى عمق الشر يسلك باحتقار ” (أم3:18س) تنطبق عليهم. فهم لا يتوقفون عندما ندحض ضلالهم، ولا يخجلون من جراء شكوكهم، فإنهم في كفرهم، لا يخجلون أمام جميع الناس (انظر إر3:3).
لأنهم في كل مرة يستشهدون بالنصوص الآتية ” الرب خلقني” (أم22:8)[2]، “ صائرًا أعظم من الملائكة ” (عب4:1)[3]، “والبكر” (رو29:8، كو15:1)[4] و ” كونه أمينًا للذي أقامه ” (عب2:3)[5] على أنها تبرر تعاليمهم مع أن لها تفسيرًا مستقيمًا وتثبت تقوانا من جهة المسيح، فأنا لا أفهم كيف لا يزال هؤلاء الناس ـ بتأثير سم الحيّة ـ لا يبصرون ما ينبغي أن يبصروه ولا يفهمون ما يقرأونه وكأنهم إذ يتقيأون من عمق قلبهم عديم التقوى، فإنهم بدأوا يحرّفون معنى كلمات الرب: ” أنا في الآب والآب فيّ ” (يو10:14)، قائلين ” كيف يمكن أن يَحتَوى الواحد الآخر والآخر يُحتَوى في الأول “؟ أو كيف يمكن أن يُحتَوى الآب الذي هو أعظم، في الابن الذي هو أصغر منه”؟ أو أي غرابة أن يكون الابن في الآب، طالما أنه مكتوب عنا نحن أيضًا ” به نحيا ونتحرك ونوجد ” (أع17، 28).
هذه الضلالة في التفكير ناتجة عن إنحراف ذهنهم، فهم يظنون أن الله مادي، ولا يعرفون من هو ” الآب الحقيقي ” ولا من هو الابن الحقيقي “، ولا ما هو ” النور غير المنظور والأزلي “، وشعاعه غير المنظور، ولا يفهمون ما هو الكيان غير المنظور والرسم غير المادي، و الصورة غير المادية “[6].
لأنهم لو عرفوا، لما جدّفوا على رب المجد ولا سخروا منه، ولما فسروا الأمور غير المادية بطريقة مادية، ولما حرّفوا الكلمات المستقيمة.
فقد كان يكفي عند سماعهم كلمات الرب أن يؤمنوا بها حيث إن الإيمان البسيط هو أفضل من الاحتمالات[7] التي يفترضونها هم بفضولهم.
ولكن حيث إنهم قد حاولوا تشويه هذه الآيات لخدمة هرطقتهم فقد أصبح من الضروري أن نفند ضلالهم، من ناحية، وأن نوضّح المعنى الحقيقي للآيات من ناحية أخرى، وذلك لأجل سلام المؤمنين وحفظهم. لأنه عندما يقول ” أنا في الآب والآب فيّ ” فهذا لا يعني كما يظن هؤلاء أن الواحد يفرّغ ذاته في الآخر ليملأ الواحد منهما الآخر، كما يحدث في الأواني الفارغة، حتى أن الابن يملأ فراغ الآب، والآب فراغ الابن، وكأن كلا منهما ليس تامًا ولا كاملاً في ذاته، فهذه هي خاصية الأجساد. لأن مجرد ذكر مثل هذا القول، هو أكثر من الكفر لأن الآب هو تام وكامل، والابن كذلك هو ملء اللاهوت. وما يحدث مع القديسين عندما يحلّ الله فيهم، ويقويهم، هذا لا يحدث في حالة الابن، إذ هو قوة الآب وحكمته. فالمخلوقات باشتراكها في الابن، تتقدّس في الروح، أما الابن نفسه فهو ليس ابنًا بالمشاركة، بل هو المولود الذاتي للآب.
لأنه هو الحياة التي تأتي من الآب كما من نبع، وكل الأشياء تحيا وتقوم على هذه الحياة. لأن الحياة لا تحيا من حياة أخرى وإلاّ فهي لا تكون عندئذٍ حياة، لكن الابن بالحرى هو الذي يعطي حياة لكل الأشياء.
2ـ دعونا نفحص إذًا ما يقوله السفسطائي أستيريوس[8]، المدافع عن الهرطقة فهو إذ يتمّثل باليهود يكتب ما يلي: [ إنه واضح جدًا أنه قد قال: أنا في الآب والآب أيضًا فيّ، لهذا السبب فلا الكلمة التي كان يقولها هي كلمته بل كلمة الآب، ولا الأعمال هي خاصة به بل خاصة بالآب، الذي أعطاه القوة ]. فلو كان (استيريوس) الذي قال هذا القول هو طفل صغير لالتمسنا له العذر بسبب صِغر سنه، ولكن لأن مَنْ كتب هذا يسمى حكيمًا ويزعم أن له معرفة كبيرة فكم يكون مقدار اللوم الذي يستحقه؟ ألا يثبت استيريوس نفسه أنه غريبٌ تمامًا عن الرسول طالما هو ينتفخ بكلام الحكمة الإنسانية المقنع (1كو4:2)، ويظن بهذا أنه يستطيع أن ينجح في خداعه، بينما هو لا يفهم ما يقوله. ولا ما يقرّره؟ (انظر 1تيمو7:1). لأن ما قد قاله الابن هو خاص فقط بمن هو ابن ولائق به، فهو كلمة جوهر الآب وحكمته وصورته. وهذا الذي قاله الابن، يجعله استيريوس خاصًا أيضًا بكل المخلوقات ومشتركًا بين الابن والمخلوقات. ويقول هذا المخالف إن الذي هو قوّة الآب، ينال قوّة، ويواصل كُفرَه فيقول إن الابن صار ابنًا[9]. فيقول إن الابن صار ابنًا في الابن وأن الكلمة أخذ سلطان الكلمة. وأيضًا إن الابن لم يكن يريد أن يتكلّم بما تكلّم به عن نفسه على أنه ابن، بل يكون هو الآخر قد تعلّمه، ويكون استريوس بهذا قد وضع الابن مع بقية المخلوقات من جهة التعلّم. لأنه لو أن الابن قد قال هذه الكلمات: “ أنا في الآب والآب فيّ ” كي يبيّن أن الكلمات التي يقولها والأعمال التي يعملها لم تكن له بل للآب، سيكون كداود الذي قال ” إني سأسمع ما يتكلّم به الرب الإله ” (مز8:84س) وكسليمان الذي قال ” كلماتي قد قيلت من الله ” (انظر 1مل24:10س) وأيضًا كموسى الذي كان خادمًا لأقوال الله. لأن كل واحد من هؤلاء الأنبياء لم يتكلّم مما له بل مما أخذه من الله قائلين: ” هكذا يقول الرب “. وحيث إن الأعمال التي عملها القديسون كما اعترفوا هم أنفسهم لم تكن أعمالهم الخاصة بل أعمال الله الذي أعطاهم القوة، فإيليا وإليشع مثلاً يطلبان إلى الله أن يقيم هو الأموات. وعندما طهّر إليشع نعمان من البرص قال له ” لكي تعرف أنه يوجد إله في إسرائيل ” (انظر 2مل15:5)، وصموئيل أيضًا صلّى في أيام الحصاد لكي يُرسِل الله المطر. والرسل قالوا إنهم يصنعون العجائب لا بقوتهم الخاصة بل بنعمة الرب.
فمن الواضح إذًا أنه بحسب استيريوس أن هذه الآية عامةً للكّل حيث يستطيع أي واحد من الكّل أن يقول ” أنا في الآب والآب فيّ “، وتبعًا لذلك فلا يكون بعد ابن واحد لله وهو الكلمة وهو الحكمة بل يكون مثل الآخرين واحدًا بين كثيرين.
3ـ لكن لو كان الرب كذلك لما كانت كلماته هي ” أنا في الآب والآب فيّ، بل بالأحرى كان قد قال ” أنا أيضًا في الآب والآب فيّ “، لكي لا يكون له أي شئ خاص به أو مميز به كابن عن الآب، بل يكون له نفس النعمة المشتركة مع جميع المخلوقات. ولكن الأمر ليس كذلك، كما يظن هؤلاء. وإذ هم لا يفهمون أنه ابن حقيقي من الآب فإنهم يفترون عليه، الذي هو الابن الحقيقي والذي يليق به وحده أن يقول ” أنا في الآب والآب فيّ “. لأن الابن هو في الآب ـ بحسب ما يُسمَح لنا أن نعرف ـ لأن كل كيان الابن هو من جوهر الآب ذاته. كمثل الشعاع من النور، والنهر من الينبوع. حتى أن مَن يرى الابن يرى ما هو خاص بالآب، ويعرف أنه بسبب أن كيان الابن هو من الآب لذلك فهو في الآب. لأن الآب هو في الابن حيث إن الابن هو من الآب وخاص به مثلما أن الشعاع هو من الشمس، والكلمة هي من العقل والنهر من الينبوع. ولذلك فإن مَن يرى الابن، ويرى ما هو خاص بجوهر الآب، يدرك أن الآب هو في الابن. وحيث إن ذات الآب وألوهيته هي كيان الابن، لذلك فإن الابن هو في الآب والآب في الابن. لهذا السبب كان من الصواب أن يقول أولاً: ” أنا والآب واحد ” (يو30:10)، وبعد ذلك يضيف ” أنا في الآب والآب فيّ” (يو30:14) لكي يوضّح وحدانية الألوهية من ناحية ووحدة الجوهر من الناحية الأخرى.
4ـ إذًا فهما واحد، ولكن ليس مثل الواحد الذي يمكن أن ينقسم إلى جزئين، كما أنهما ليسا مثل الواحد الذي يسمى باسمين، فمرّة يسمى الآب ومرة أخرى يسمى هو نفسه ابنه الذاتي، فهذا ما قال به سابيليوس[10] وبسببه حُكِمَ عليه كهرطوقي.
لكن هما اثنان لأن الآب هو الآب ولا يكون هو نفسه ابنًا أيضًا، والابن هو ابن ولا يكون هو نفسه آبًا أيضًا. لكن الطبيعة هي واحدة، لأن المولود لا يكون غير مشابه لوالده لأنه هو صورته[11]، وكل ما هو للآب هو للابن (انظر يو15:16). ولهذا فالابن ليس إلهًا آخرًا، لأنه لم ينشأ من خارج (الآب) وإلاّ فسيكون هناك آلهة كثيرون لو أن إلهًا نشأ غريبًا عن ألوهية الآب. لأنه رغم أن الابن كمولود هو متمايز عن الآب إلاّ أنه بكونه إلهًا هو كالآب تمامًا. فهو والآب كلاهما واحد من جهة الذات الواحدة والطبيعة الواحدة والألوهية الواحدة. وكما سبق أن قلنا حيث إن الشعاع هو النور وليس في المرتبة الثانية بعد الشمس، ولا هو نور آخر، ولا هو ناتج من المشاركة مع النور، بل هو مولود كلّي وذاتي من النور ومثل هذا المولود هو بالضرورة نور واحد ولا يستطيع أحد أن يقول إنه يوجد نوران، فرغم أن الشمس والشعاع هما اثنان إلاّ أن نور الشمس الذي ينير بشعاعه كل الأشياء، هو واحد.
هكذا أيضًا ألوهية الابن هي ألوهية الآب، ولهذا أيضًا فهي غير قابلة للتجزئة، ولذا فإنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. وهكذا حيث إنهما واحد، والألوهية نفسها واحدة، فكل ما يقال عن الآب يقال أيضًا عن الابن ما عدا أن يُلقّب بالآب. فمثلاً يقال عن الابن ـ كما يقال عن الآب ـ إنه هو الله، وكما جاء في (يو1:1) ” وكان الكلمة الله “، وإنه ضابط الكل. وهذا ما توضّحه الآيات فهو ” الذي كان والكائن والذي يأتي الضابط الكل ” (رؤ8:1). وهو “الرب”، كما أن هناك ” رب واحد، يسوع واحد ” (1كو6:8). وأنه هو النور كما قال عن نفسه ” أنا هو النور ” (يو12:8). وأنه يمحو الخطايا كما خاطب اليهود ” لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا ” (لو24:5)، ويمكنك أن تجد أقوال أخرى كثيرة. لأن الابن نفسه يقول ” كل ما للآب هو لي ” (يو15:16). وأيضًا يقول ” وكل مالي فهو لك ” (يو10:17).
5ـ إن مَنْ يسمع تلك الأقوال التي تقال عن الآب سيرى أنها تقال أيضًا عن الابن. كما أنه سيدرك أن الابن في الآب عندما يكون ما يقال عن الابن، يقال هو نفسه عن الآب. ولماذا يكون ما يقال عن الآب هو نفسه ما يقال عن الابن إلاّ لأن الابن هو مولود من جوهر الآب؟ ولأن الابن مولود من جوهر الآب، لهذا يحق له أن يقول إن خصائص الآب هي خصائصه أيضًا، لذلك فبطريقة مناسبة ومتوافقة مع قوله ” أنا والآب واحد ” (يو35:10)، يضيف قائلاً: ” لكي تعلموا أني أنا في الآب والآب فيّ ” (يو38:10).
وأكثر من ذلك فقد أضاف مرّة أخرى ” مَن رآني فقد ر أي الآب ” (يو9:14). وفي هذه الأقوال الثلاثة يوجد نفس هذا المعنى الواحد. فالذي يدرك هذا المعنى أي أن الابن والآب هما واحد يعرف جيدًا أن الابن هو في الآب والآب في الابن، لأن ألوهية الابن هي ألوهية الآب، وهذه الألوهية هي في الابن، ومن يدرك هذا، فإنه يقتنع أن ” من ر أي الابن فقد ر أي الآب “، لأن ألوهية الآب تُرى في الابن.
وهذا ما يمكن أن نفهمه من مثال صورة الملك[12]، حيث يوجد شكل الملك وهيئته في الصورة، والهيئة التي في الصورة هي التي للملك، لأن ملامح الملك في الصورة، هي مثله تمامًا حتى أن من ينظر إلى الصورة يرى الملك فيها، وأيضًا مَن يرى الملك، يدرك أنه هو نفسه الذي في الصورة. وبسبب عدم اختلاف الملامح، فإن مَن يريد أن يرى الملك بعد أن يكون قد ر أي الصورة،فكأن الصورة يمكن أن تقول له: ” أنا والملك واحد “، لأني أنا في المُلك والمٌلك فيّ، وما تراه أنت فيَّ هذا تراه فيه، وما قد رأيته فيه تراه فيَّ. وتبعًا لذلك فمن يسجد للصورة فهو يسجد للمك أيضًا من خلالها، لأن الصورة لها شكله وهيئته. إذًا بما أن الابن أيضًا هو صورة الآب فينبغي أن يكون مفهومًا بالضرورة أن ألوهية الآب هي كينونة الابن وهذا هو ما قيل عنه ” الذي إذ كان في صورة الله ” (في6:2)، و ” الآب فيَّ ” (يو10:14).
6ـ وصورة الألوهية ليست جزءً من كلٍ، بل إن ملء ألوهية الآب هو كيان الابن، فالابن هو إله كامل. لذلك أيضًا إذ هو مساوٍ لله، فإنه ” لم يحسب المساواة بالله اختطافا ” (انظر في6:2). وأيضًا حيث إن ألوهية الابن وصورته ليست شيئًا آخر غير ألوهية الآب لذا يقول “أنا في الآب”. لذلك ” كان الله في المسيح مصالحًا العالم لنفسه ” (2كو19:5). لأن الابن هو من ذات جوهر الآب، وبواسطة الابن تصالحت الخليقة مع الله. وهكذا فالأعمال التي عملها الابن هي أعمال الآب لأن الابن هو صورة ألوهية الآب الذي به عُملت الأعمال. ولذا فمن ينظر إلى الابن يرى الآب لأن الابن يوجد ويرى داخل ألوهية الآب. وصورة الآب التي في الابن تُظهر الآب الكائن فيه. ولذلك فالآب هو في الابن. وهكذا فإن ألوهية الآب والخاصية الذاتية لأبوّة الآب للابن، تُرينا أن الابن هو في الآب، وتوضح أنه أزليًا غير منفصل عنه. وأيضًا فمن يسمع ويرى أن ما يقال عن الآب يقال أيضًا عن الابن ويدرك أن هذه الخصائص لم تتراكم لاحقًا مضافة إلى جوهر الابن بالنعمة أو بالمشاركة، بل لأن كيان الابن هو مولود من ذات جوهر الآب، عندئذٍ سوف يفهم حسنًا الآيات ” أنا في الآب والآب فيّ ” وأيضًا ” أنا والآب واحد “.
إذًا فالابن هو كالآب تمامًا لأن له كل ما هو للآب. لذلك فعندما يُذكر الآب يشار ضمنًا أيضًا إلى الابن معه. لأنه إن لم يكن هناك ابن فلا يستطيع أحد أن يقول إن هناك آب. بينما حينما ندعو الله صانعًا فهذا ليس بالضرورة إعلانًا منا أن مصنوعاته قد أتت إلى الوجود، لأن الصانع موجود قبل وجود مصنوعاته ولكن حينما ندعو الله أبًا فنحن نعني في الحال وجود الابن. لذلك فمَن يؤمن بالابن يؤمن بالآب أيضًا. لأنه يؤمن بمَن هو من جوهر الآب ذاته. وهكذا يكون إيمان واحد بإله واحد. ومن يسجد للابن ويكّرمه، فهو ـ في الابن ـ يسجد للآب ويكّرمه. إذ أن الألوهية هي واحدة، ولذلك فالإكرام والسجود اللذان يقدمان إلى الآب في الابن وبه، هما واحد. ولهذا فالذي يسجد إنما يسجد لإله واحد، لأنه يوجد إله واحد وليس آخر سواه. ولذلك فحينما يسمّى الآب بأنه الإله الوحيد، كما هو مكتوب ” ويوجد إله واحد ” (مر29:12)، ” وأنا هو ـ أنا أكون ” (خر14:3)، وأيضًا ” ليس إله معي ” (تث39:32)، ” أنا الأول وأنا الآخر” (إش6:44)، يكون كل هذا بالصواب قد كُتب. لأن الله واحد وهو الوحيد وهو الأول، ولكن هذا لا يقال بقصد إنكار وجود الابن، حاشا، لأن الابن هو في ذلك الواحد والوحيد والأول، لكونه الكلمة الوحيد والحكمة والشعاع الذي من ذاك الواحد والوحيد والأول.
فالابن أيضًا هو الأول إذ هو ملء لاهوت الأول والوحيد. إذ هو إله كامل وتام. فهذه الأقوال التي أشرنا إليها عن ” الإله الواحد والوحيد والأول ” لم تُقَل لاستبعاد الابن، بل لكي تستبعد أنه يوجد إله آخر غير الآب وكلمته. هذا هو إذًا معنى كلام النبي وهو واضح وظاهر للكل.
1 الآريوسيين: هم أتباع آريوس الذين كانوا يؤمنون وينادون بتعاليمه. وكثيرًا ما استخدم آباء الكنيسة هذا اللقب لوصف هؤلاء الأتباع فبخلاف القديس أثناسيوس نجد أن القديس ابيفانيوس أسقف قبرص على سبيل المثال قد أطلق عليهم هذه الصفة (المهووسين) (انظر ضد الهرطقات 2:2، ضد الآريوسيين المهووسين 13، 3 PG 42.201,220,401
2 انظر المقالة الثانية فصل 19. الترجمة العربية ص72.
3 انظر المقالة الأولى فصل 13 الترجمة العربية ص98.
4 انظر المقالة الثانية فصل 21 الترجمة العربية ص99.
5 انظر المقالة الثانية فصل 4 الترجمة العربية ص9.
6 انظر عب3:1 الذي يصف الابن قائلاً: ” الذي وهو بهاء مجده ورسم جوهره … “.
7 أى استخدام أدلة محتملة الحدوث بدلاً من الإثباتات.
8 أحد أتباع آريوس وتلاميذه.
9 خلاصة فكر استيريوس أن الابن ليس من جوهر الآب ولذلك فهو يقول عن الابن إنه ينال القوة من الله مثل باقي المخلوقات وليس هو قوة الله ذاتها كذلك أن الابن ليس ابنًا لله بالطبيعة بل هو يصير ابنًا بالتبني مثل باقي المخلوقات ـ وهذا هو معنى كلمة “في ابن” أى لم يكن هو ابنًا لله أصلاً وكذلك لا يكون الابن هو كلمة الله بالطبيعة بل يأخذ سلطان الكلمة مثل الأنبياء الذين أتت إليهم كلمة الله وهم مخلوقين.
10 سابيليوس: ظهر في روما في أوائل القرن الثالث وعلّم بأن الآب والابن والروح القدس هم أقنوم واحد وليسوا ثلاثة متحدين جوهريًا. وقال إن الآب أعطى الناموس في العهد القديم ثم تجسد هذا الأقنوم وظهر باسم المسيح ثم ظهر هو نفسه باسم الروح القدس، أى أن الثالوث هو ثلاث ظهورات متوالية في التاريخ لشخص واحد، وليس ثلاثة أقانيم متمايزة لهم جوهر واحد.
11 الابن فقط هو صورة الله الآب بسبب وحدة الجوهر الإلهي.
12 يستخدم ق. أثناسيوس هذا المثال نظرًا لما اعتاد عليه الوثنيون من السجود لصورة الإمبراطور باعتباره شخصية إلهية يجب أن يقدّم لها التكريم والذبائح.
أنا في الآب والآب فيّ – شرح نص يو10:14 للقديس أثناسيوس الرسولي
هذه هى “المقالة الثالثة ضد الآريوسيين” التي كتبها القديس أثناسيوس دفاعًا عن ألوهية المسيح من خلال شرحه الدقيق لنصوص الكتاب المقدس التي حاول الآريوسيون أن يحرّفوا معناها للطعن في ألوهية المسيح، وهو بذلك يكمّل دفاعه وشهادته لألوهية المسيح في المقالتين الأولى والثانية ضد الآريوسيين اللتين صدرتا في 1984، 1987 على التوالي.
ونذكّر القارئ مرّة أخرى أن القديس أثناسيوس يستخدم الترجمة السبعينية اليونانية للعهد القديم في الآيات التي يستشهد بها من العهد القديم وقد وضعنا حرف (س) بعد الشاهد للدلالة على أن الآية المقتبسة هى من الترجمة السبعينية.
أما الكلمات التي بين قوسين، فهى ليست موجودة في الأصل اليوناني ولكنها أُضيفت لتوضيح المعنى.
مصادر الترجمة:
النص اليوناني “للمقالة الثالثة ضد الآريوسيين” ظهر في المجلد 26 من مجموعة الآباء ميني باليونانية (M, PG 26:421-468)
ونفس النص اليوناني الذي تمّت عنه هذه الترجمة منشور في “سلسلة آباء الكنيسة ΕΠΕ أعمال أثناسيوس الأسكندري الكبير مجلد 3، إصدار مكتبة “غريغوريوس بالاماس” تسالونيكي اليونان 1975.
وقد تمت مقارنة الترجمة بالترجمة الإنجليزية التي أنجزها العالم الكاردينال نيومان المنشورة بالمجلد 4 من سلسلة “آباء نيقية وما بعد نيقية” المجموعة الثانية N.P.N. 2nd Series
ولإلهنا الحيّ القدير يسوع المسيح المجد والسجود مع أبيه الصالح والروح القدس الثالوث القدوس الواحد، الآن وإلى الأبد آمين.
التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى
التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى
مقدمة
منذ العصور الأولى للمسيحية، وجدت الكنيسة نفسها مضطرة لاستخدم المصطلحات والأفكار اليونانية بكثرة لشرح مضمون ومفاهيم الإيمان، إلاّ أن الفكر اللاهوتي المسيحي قام بإعادة صياغة وتشكيل هذه المصطلحات والأفكار من أساسها، فصارت للمصطلحات اليونانية معانٍ مختلفة تماماً عما كانت تعنيه هذه التعبيرات في فكر الفلاسفة اليونانيين، أي أنه قد تم في الحقيقة ’إلغاء يونانية‘ تلك المصطلحات بصورة جذرية.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن الفكر اللاهوتي المسيحي لم ينشأ من تحول مسيحية الكتاب المقدس إلى الهللّينية، بل على العكس فهو يمثل إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهللّيني الشائعة لتصير أداة جديرة بالكرازة، تُمكِّن الكنيسة من شرح ـ وإعطاء تعبيرات راسخة عن ـ عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد وبقية العقائد الأساسية الأخرى.
وعلى الرغم من أن تلك المصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس، إلا أن الآباء وجدوا أنفسهم مضطرين لاستخدامها من أجل التعبير بأقصى دقة ممكنة عن معنى النصوص الكتابية نفسها.
وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجاً عن الكتب المقدسة، أكد الآباء أنهم أُجبروا ـ بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة ـ أن يصيغوا ويستخدموا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا بها على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم. وكما أوضح ق. أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات محددة وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات.
وكانت هناك مصطلحات بعينها لعبت دوراً بارزاً في الجدال الأريوسي في القرن الرابع وفي الجدال الخريستولوجي في القرنين الخامس والسادس. وهذه المصطلحات هي: ’أوسيا‘ (ου̉σία)، و’هيبوستاسيس‘ (υ̉πόστασις)، و’فيزيس‘ (φύσις)، و’بروسوبون‘ (πρόσωπον).
وفي الحقيقة كان الغموض الذي صاحب المعاني التي قصدت تلك المصطلحات أن توضحها، والتغير في مدلول هذه المعاني على مر العصور، هما السببان الهامان وراء الكثير من الجدال اللاهوتي داخل الكنيسة.
ولذلك فإن محاولة فهم أبعاد ذلك الجدال بمعزل عن معرفة المعاني المقصودة من تلك المصطلحات لدى كل تقليد وفي كل عصر، تعتبر عملية مستحيلة المنال. ومن هذا المنطلق سنحاول في السطور التالية أن نقدِّم عرضاً مختصراً لتطور مدلول تلك المصطلحات عند الآباء واللاهوتيين في الكنيسة الأولى.
البابا أثناسيوس الرسولي ومجمع نيقية (325م):
كان مصطلح ’أوسيا‘ (ου̉σία) هو مصطلح يوناني يعني ’الوجود‘ أو ’الكينونة‘ (Being) أو ’الحقيقة الداخلية‘ (الجوهر) للشيء، وهو يقابل في المعنى المصطلح اللاتيني (Substantia). وكانت القاعدة الذهبية عند ق. أثناسيوس أن الكلمات والمصطلحات تختلف عند الحديث عن الله، أي عندما تحكمها طبيعة الله الفريدة، عنها عند الحديث عن المخلوقات بطبيعتها الزائلة.[1]
لذلك ميَّز ق. أثناسيوس بين الأوسيا الإلهي والأوسيا عند المخلوقات، فتحدث عن الأوسيا الإلهي بأنه يعني “الكائن” كما جاء في (خر 3: 14)، أو “الجوهر غير المدرك، والذي فوق كل إدراك”،[2] وأنه هو الكائن بمعناه الحقيقي لأنه هو الكائن بذاته أما أي كائن آخر فهو كائن عرضي أو اعتمادي. ومن هنا نفهم أن الأوسيا الإلهي عند ق. أثناسيوس كان يعني “الكيان الداخلي الحقيقي الفائق لكل إدراك”. وكان ق. أثناسيوس ينظر إلى الأوسيا الإلهي بكونه يحوي ضمناً العلاقات الأقنومية في داخله، أي أن له مدلول شخصي، ولذلك استخدم ق. أثناسيوس مصطلح (ενούσιος λόγος) أي اللوغوس الذي في الأوسيا. والله له أوسيا واحد، وطبيعة (فيزيس) واحدة وهي الطبيعة الخاصة بهذا الأوسيا.
وكان ق. أثناسيوس يقول إن اللاهوت بكامله هو في الابن وفي الروح القدس كما هو في الآب، ولذلك فالثلاثة هم ربوبية واحدة ومبدأ واحد ورئاسة واحدة، لأنهم واحد في ذات الأوسيا ’هوموأووسيوس‘. وكان مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأووسيوس‘ عند ق. أثناسيوس وآباء نيقية هو مفتاح الوحدانية في الثالوث وكان هذا المفهوم يحمل في طياته أيضاً مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد.[3]
أما عند الحديث عن المخلوقات فإن ’الأوسيا‘ يعني “الحقيقة الداخلية الجوهرية العامة” لنوع ما من المخلوقات، وقد استخدم ق. أثناسيوس مصطلح أوسيا في رسالته إلى أبكتيتوس للدلالة على الحقيقة العامة المجردة للجنس البشري حيث قال: “لو كان الكلمة من نفس ’أوسيا‘ الجسد،… فإن الآب نفسه أيضاً يكون من نفس ’أوسيا‘ الجسد الصائر من الأرض. فلماذا إذاً تلومون الأريوسيين الذين يقولون أن الابن مخلوق، وأنتم أنفسكم تزعمون أيضاً أن الآب من نفس ’أوسيا‘ المخلوقات”.[4]
أما مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (υ̉πόστασις) فينقسم في تحليله اللغوي إلى هيبو (υ̉πό) أي تحت، وستاسيس (στασις) أي قائم، فيعني بذلك الذي ’يقوم تحت‘ الشيء أو ’الأساس الذي يتوقف عليه‘ الشيء، وبهذا المدلول يقترب مفهوم الهيبوستاسيس من مفهوم الأوسيا في معناه اللغوي. وقد يكون هذا التشابه هو السبب في استخدام المصطلحين بالتبادل في الفلسفة اليونانية.
وقد بدأ التمييز بين المصطلحين منذ مجمع الإسكندرية عام 362م حيث أصبح ’الأوسيا‘ يفيد المعنى الذي ذكرناه سابقاً، أما ’الهيبوستاسيس‘ فأصبح يعني “كيان شخصي أساسي متمايز في داخل جوهر الله” (ε̉νυπόστατος)، أي أن الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية لها وجود شخصي حقيقى، وأنها في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل في جوهر الله الواحد. وحيث إن الأقانيم هي ’هوموأووسيوس‘ (أي لها ذات الأوسيا الواحد) مع بعضها البعض فهي بالتالي ’هوموفيس‘ (ο̉μοφυής) أي لها ذات الطبيعة الواحدة الخاصة بالأوسيا.
وكان الفكر اللاهوتي السكندري هو أول من بدأ في التمييز في المعنى بين الأوسيا والهيبوستاسيس ابتداءً من أوريجانوس،[5] ثم ديونيسيوس السكندري (في رسائله إلى ديونيسيوس الروماني)،[6] كما نجد ذلك أيضاً عند ديديموس الضرير.[7]
ولكن هذا النضج في التفريق بين مدلولي المصطلحين لم يكن قد وصل إلى نفس المستوى خارج الإسكندرية، إذ بقي مفهوم الهيبوستاسيس لا يخرج عن مفهوم الأوسيا في أبسط معانيه، ولذلك أصر مجمع نيقية في قراراته على ذكر المصطلحين معاً كمترادفين دون أي تفريق بينهما وقد اضطر السكندريون للتغاضي عن ذلك على مضض.[8]
وظل الحال على ما هو عليه إلى أن جاء مجمع الإسكندرية عام 362م حيث أعلن ق. أثناسيوس للعالم إمكانية التفريق بين مصطلحي أوسيا وهيبوستاسيس، وأنه يصح أخذ مصطلح هيبوستاسيس بمعنى “الكيان الشخصي المتمايز في جوهر الله”. ومع مرور الوقت اتفق العالم شرقاً وغرباً على الأخذ بلاهوت الإسكندرية الرصين.[9]
أما بالنسبة لمصطلح ’فيزيس‘ (φύσις) أو ’طبيعة‘ فيدل على الخصائص الجوهرية التي تميِّز (أو تشكِّل) شيء ما ليكون هذا الشيء وليس أي شيء آخر. وقد استخدم الآباء مصطلح طبيعة بمدلول الأوسيا، كما استخدموه أيضاً بمدلول الهيبوستاسيس.
وحين كان الآباء يتكلمون عن الطبيعة بمدلول الأوسيا فقد كانوا يعنون الطبيعة التي يتضمنها الأوسيا أو الخاصة بهذا الأوسيا، وحين كانوا يتكلمون عن الطبيعة بمدلول الهيبوستاسيس فقد كانوا يعنون الطبيعة التي يتضمنها الهيبوستاسيس أو الخاصة بهذا الهيبوستاسيس. وسيتضح هذا المعنى أكثر حين نأتي إلى ق. كيرلس والبطريرك ساويروس.
وإذا نظرنا إلى مصطلح ’بروسوبون‘ (πρόσωπον) فسنجد أنه في أصله اللغوي يعني ’ينظر نحو‘، وقد استُخدم هذا المصطلح قبل المسيحية ليشير إلى “القناع” الذي يلبسه الممثل ليمثل ’شخصية‘ ما، ثم أصبح يشير إلى الدور الذي يقوم به الممثل (المشخصاتي) ليعبر عن الشخصية التي يمثلها.
ويأتي هذا المصطلح في الكتاب المقدس بمعاني متعددة ولكنها كلها بمدلول ’الوجه‘ أو ’الحضور‘، وحينما جاء بمعنى ’الشخص‘ (2 كو 11:1) فكان لا يعني مجرد الفرد ولكن ’الذي ينظر إلى الآخر‘ أو الذي ’يتجه للآخر‘.
وقبل هرطقة سابليوس كان الآباء يستخدمون هذا المصطلح للتعبير عن أقانيم الثالوث، وعندما استخدم سابليوس هذا المصطلح بمعنى ’الحالة‘ واعتبر أن الثالوث هو ثلاث حالات (بروسوبا) لأقنوم واحد، اضطر الآباء إلى الابتعاد عن استخدام هذا المصطلح للتعبير عن الأقانيم واستخدموا مصطلح ’هيبوستاسيس‘ بدلاً منه،[10] ومع ذلك ظل لمصطلح ’بروسوبون‘ شأن كبير في الجدل الخريستولوجي في القرن الخامس والسادس كما سنرى فيما بعد.
الإباء الكبادوك ومجمع القسطنطينية (381م):
لم يفرِّق الآباء الكبادوك بين استخدام ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ في الحديث عن الله وبين استخدامهما في الحديث عن المخلوقات، وطبقوا المعنى الذي يستخدم مع المخلوقات على الأوسيا والهيبوستاسيس الإلهي. فلم ينظروا إلى الأوسيا الإلهي بمدلوله الشخصي بكونه الجوهر الذي يتضمَّن العلاقات الأقنومية، ولكنهم أخذوه فقط بمعنى الحقيقة العمومية التي في الثلاثة هيبوستاسيس واعتبروا أن علاقة ’الأوسيا‘ بـ ’الهيبوستاسيس‘ هي مثل علاقة العمومي (أو المشترك) بالخصوصي (أو المميَّز).
وتبعاً لهذا الشرح اقترب مدلول الأوسيا الإلهي عند الآباء الكبادوك من مدلول الأوسيا في المخلوقات، ولم يعد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأووسيوس‘ بما يتضمنه من الوجود (الاحتواء) المتبادل للأقانيم هو المدخل لفهم الوحدانية في الله، ولكن صار التركيز على الأقانيم المتمايزة والموحدة من خلال أقنوم الآب حيث سعى هؤلاء الآباء إلى تأكيد وحدانية الله من خلال ربطها بالآب بكونه هو المبدأ الواحد (الرأس) أو ’العلة‘ أو ’المصدر‘ للابن والروح القدس.[11]
ورغم أنهم أكدوا أنه لا يوجد أي فاصل بين ’العلة‘ و’المعلول‘، وأن صدور الابن والروح القدس من الآب هو بلا بداية، إلاّ أن ذلك المدخل أدى إلى تفريق بين ألوهة الآب ’غير المستمدة‘ وألوهة الابن والروح القدس ’المستمدة‘. ورغم أن أسلوب الآباء الكبادوك قد ساعد الكنيسة على فهمٍ أغني وأعمق لأقانيم الثالوث القدوس إلاّ أن هذا كان على حساب استبعاد المعنى الحقيقي للأوسيا بكونه ’الجوهر في علاقاته الداخلية‘، وعلى حساب إفراغ مفهوم الأوسيا من مدلوله الشخصي العميق الذي برز بشدة في مجمع نيقية.[12]
ورغم أن فكر ق. غريغوريوس النزينزي حول الثالوث القدوس، كان يتفق في شكله العام مع ما قدمه ق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيصي، إلا أنه عاد وتبنى مفهوماً أكثر قرباً للقديس أثناسيوس[13] واتخذ مفهوم ’هوموأووسيوس‘ مدخلاً لشرح وحدانية الله، ونظر إلى الثلاثة هيبوستاسيس بكونها تشير إلى علاقات كائنة أزلياً وجوهرياً داخل الله وفقـــــــاً لما هـم في ذواتهم ووفقاً لما هم في علاقاتهم المتبادلة مع بعضهم البعض.
وهذه العلاقات بين الأقانيم هي جوهرية أو كيانية، بحيث إنهم يكونون ’في ما بينهم‘ بالضبط تماماً نفس ما هم ’في ذواتهم وبذواتهم‘، ولذا فالآب هو ’آب‘: بالتحديد في علاقته الكيانية غير المنفصلة مع الابن والروح القدس، والابن والروح القدس هما ابن وروح قدس: بالتحديد في علاقتيهما الكيانية غير المنفصلة مع الآب ومع بعضهما البعض. ويمكننا القول إن فهم ق. غريغوريوس لعقيدة الثالوث، كان يعتبر تعمقاً ملحوظاً في مفهوم ق. أثناسيوس للـ ’أوسيا‘ بكونه الجوهر الإلهي في علاقاته الداخلية (أي المتضمِّن العلاقات الإقنومية في داخله).[14]
وقد أكد ق. غريغوريوس النزينزي مثل ق. أثناسيوس أن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليست محدودة بأقنوم واحد: لأن الوحدة قائمة في الثالوث وبالثالوث.[15]
ومن الجدير بالذكر أنه كان هناك دور كبير للآباء الكبادوك في مجمع القسطنطينية وبالأخص ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الاجتماعات الأولى للمجمع. وقد حرص مجمع القسطنطينية على عدم إدخال إلا أقل تعديل ممكن في قانون الإيمان (الذي وُضع في نيقية)، كما التزم المجمع كذلك في العبارات التي أُضيفت عن الروح القدس أن يسير في نفس الخط اللاهوتي ومدلول المصطلحات الذي تبناه مجمع نيقية بدون أن يتأثر بما قد حدث في الفترة ما بين نيقية والقسطنطينية.
وكان التعليم الذي قدَّمه ق. أثناسيوس بعد مجمع نيقية عن الروح القدس ـ والذي أخذه عنه بعد ذلك ق. إبيفانيوس وامتد به ـ هو الأساس الذي حسم الأمر في مجمع عام 381م.
البابا كيرلس السكندري ومجمع أفسس (431م):
كان ق. كيرلس السكندري بالحقيقة هو ختم الآباء[16] لأنه جمع في تعليمه كل غنى التراث الآبائي السابق له، بل أفضل ما قدَّمه الآباء الذين أتوا قبله، وقد وصل الفكر اللاهوتي على يديه إلى كمال نضجه.
وبالنسبة لمعاني المصطلحات اللاهوتية، كان ق. كيرلس حذقاً في استخدام مدلول تلك المصطلحات حيث تحدث عن الفرق بين الأوسيا والهيبوستاسيس بكونه مثل الفرق بين العام والخاص،[17] إلا أن هذا كان فقط لشرح مبدأ الاختلاف الأساسي بين مدلول المصطلحين، ولم يكن ذلك أبداً على حساب مفهوم الأوسيا الإلهي الذي يحوي العلاقات الهيبوستاسية.
وقد تبنى ق. كيرلس مفهوم ’هوموأووسيوس‘ (وليس أقنوم الآب) كأساس لشرح وحدانية الثالوث، فنجده يقول في الحوار الأول حول الثالوث: “فالجوهر هو حقيقة مشتركة بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المشتركة في هذا الجوهر،…. والوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأوسيوس‘ تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتقدمهما بشكل موحد غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به”.[18]
أي أنه من حيث التفريق الأساسي أظهر أن الأوسيا هو الحقيقة الجوهرية (بما له من وجود وطبيعة) والتي تميّز نوع ما عن أي نوع آخر والهيبوستاسيس هو الواقع الخاص المتمايز الذي لهذا النوع (بما له من وجود وطبيعة)، ولكن عند الحديث عن الله أخذ ق. كيرلس السكندري تعليم ق. غريغوريوس النزينزي عن الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية بكونها علاقات ديناميكية كائنة على الدوام في أوسيا الله الواحد.[19]
وضمَّه مع تعليم ق. أثناسيوس عن السكنى المتبادلة للأقانيم الثلاثة، ليقدَّم مفهومه العميق عن التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة هيبوستاسيس في داخل الأوسيا الإلهي.[20] كما تبنى ق. كيرلس مفهوم ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس عن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليس بكونها في أقنوم الآب وحده ولكن بكونها وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة.[21]
وكان مصطلح ’بروسوبون‘ يُستخدم في بعض الأحيان كمرادف للهيبوستاسيس ويُقصد به ’الشخص المتمايز‘، ولكن ’البروسوبون‘ لا يعني في الحقيقة الشخص بالمعنى الكامل للمصطلح، وإنما يدل على الناحية الخارجية للكائن التي تميِّز الواحد عن الآخر. أي أن ’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص من جهة حقيقته الداخلية، أما ’البروسوبون‘ فيمثل الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي) فقط. وكان لهذا التفريق الدقيق أهمية قصوى في الجدال الخريستولوجي بين التقليد السكندري والتقليد الأنطاكي كما سنرى.
وبالنسبة لمصطلح ’فيزيس أو طبيعة‘، استخدم ق. كيرلس المصطلح بمدلول ’الأوسيا‘، كما استخدمه أيضاً بمدلول ’الهيبوستاسيس‘ سواء في الحديث عن الله أو عن الإنسان. ففي خطابه الرابع ضد نسطوريوس قال ق. كيرلس: “إن طبيعة اللاهوت الواحدة تُعرف في الثالوث القدوس والواحد في ذات الجوهر”، ونجد هنا أنه استخدم مصطلح ’طبيعة‘ بمدلول ’الأوسيا‘، ولكن في خطابه إلى الأميرة استخدم ق. كيرلس نفس المصطلح كمرادف للهيبوستاسيس حيث كتب: “نحن نؤكد أن الكلمة، خالق العالمين، الذي فيه وبه يكون كل شيء، النور الحقيقي، ’الطبيعة‘ التي تعطي حياة للجميع، الذي هو ابنه الوحيد، قد ولد من جوهر الآب بطريقة لا توصف”.
وعند الحديث عن الإنسان كتب ق. كيرلس في خطابه الثالث ضد نسطوريوس: “إنه بسبب خطية آدم، سقطت طبيعة الإنسان إلى اللعنة والموت”، وهنا يشير المصطلح إلى مدلول الأوسيا، ولكن في كتابه ضد أندراوس السموساطي استخدم ق. كيرلس مصطلح ’طبيعة‘ كبديل للهيبوستاسيس حيث قال: “وبالنظر إلى البروسوبون الواحد والطبيعة الواحدة، أي الهيبوستاسيس (الواحد)، فإننا حينما نفكر في هاتين (الطبيعتين) اللتين يتركب منهما طبيعياً، فإن العقل يجعلهما معاً ويميزه كواحد مركب، وليس كمنقسم إلى إثنين”.
وكان مصطلح ’طبيعة‘ ـ والذي يعني الخصائص الداخلية التي تميِّز الشيء ـ حين يُستخدم بمدلول الأوسيا فيُقصد به الطبيعة في معناها العام أي طبيعة هذا الأوسيا التي تميزه عن غيره، وحين يُستخدم بمدلول الهيبوستاسيس فيُقصد به الطبيعة في واقعها المتفرد المخصخص (أو الهيبوستاسي).
وكان التقليد الأنطاكي (الذي مهد للهرطقة النسطورية) يستخدم مصطلح ’طبيعة‘ بمدلول ’الشخص المحدد‘، ويتبنى مفهوم أن المسيح هو ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ بمعنى ’شخصين محددين‘ لذلك فإن الاتحاد بينهما لا يمكن أن يكون غير مجرد اقتران (سينافيا) لهذين الشخصين، وبالتالي فإن ’الله الكلمة‘ و’الإنسان المُتَخَذ‘ كانا بالنسبة للفكــر الأنطاكي هما مركزين للوجــود والفعل (two centers of being and activity). وكان اتحاد الطبيعتين من وجهة نظرهم هو في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط، لذلك فإن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.[22]
وأمام هذا التفسير أصر السكندريون على أن اتحاد الطبيعتين كان اتحاداً داخلياً حميماً بحسب ’الهيبوستاسيس‘ (أي اتحاد هيبوستاسي) وليس مجرد اتحاداً خارجياً في نطاق البروسوبون. لذلك فإن المسيح هو هيبوستاسيس واحد مركب (أي مركز واحد للوجود والفعل)، وطبيعة واحدة مركبة، وبروسوبون واحد.
فالطبيعتين الإلهية والإنسانية ظلتا محتفظتين بخواصهما دون أي نقصان أو تغير وقد اتحدتا بصورة داخلية حميمة بدون اختلاط أو انفصال لدرجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ فهو “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م.
كان الأساس اللاهوتي لمجمع خلقيدونية يتركز في طومس ليو واعتراف الإيمان الذي قام المجمع بصياغته.
(1) طومس ليو:
كانت الفقرة المحورية في طومس ليو هي التي تقول: إن الله الابن الأزلي قد اتخذ ناسوتاً، بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. وأن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.
وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.
فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.
ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.
ومن الفقرة السابقة نرى أن طومس ليو قد تحدث عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا ليو بهذا التعبير خاصة أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين بما يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين؟ فهل كان البابا ليو يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم أنه ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.
وقد رأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن بأن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.
وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وحينما قارن السكندريون الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة (الثالثة) التي احتوت على الحروم، وجدوا تناقضاً حقيقياً بين تعليم ق. كيرلس السكندري وطومس البابا ليو.
لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس الواحد المتجسد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان، فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المنسجم مع سياق النص ـ فسيكون من العسير قبول هذا الموقف بالتحديد.
(2) إعتراف الإيمان الخلقيدوني:
تحدث إعتراف الإيمان الخلقيدوني عن أن “ربنا يسوع المسيح هو بالنسبة لنا نفس الابن الواحد، الكامل في اللاهوت، والكامل في الناسوت؛ إله حقيقي وإنسان حقيقي…؛ هو نفس المسيح الواحد، والابن الواحد، والرب الواحد، والمولود الوحيد؛ يُعترف به في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال؛ ولم يلغي الاتحاد اختلاف الطبيعتين أبداً بل بالأحرى حُفظت خواص كل طبيعة، و(كلاهما) يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد؛ وليس كما لو كان قد تجزأ أو انقسم إلى بروسوبونين، ولكنه الابن الواحد نفسه والمولود الوحيد، الله الكلمة الرب يسوع المسيح …”
ومن هنا نرى أن تعريف الإيمان الخلقيدوني كان يحوي عناصراً مأخوذة من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي، ومع ذلك ذهب إلى أبعد من حدود التقليد الأنطاكي في تأكيده أن “الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”، كما ذهب أبعد من حدود التقليد السكندري في إصراره أن المسيح ينبغي “أن يُعترف به في طبيعتين”.
البطريرك ساويروس الأنطاكي والجانب غير الخلقيدوني:
كان البطريرك ساويروس تلميذاً مخلصاً للقديس كيرلس السكندري وكان بالفعل هو اللاهوتي الأبرز والمدافع الأعظم عن التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني في القرن السادس. وقد قام البطريرك ساويروس بشرح معنى المصطلحات اللاهوتية في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘ وفي العديد من رسائله العقائدية وكتاباته الأخرى.
وكان البطريرك ساويروس يأخذ ’الأوسيا‘ الإلهي مثل ق. أثناسيوس بمعنى الكائن (بذاته)، وقد شرح الإختلاف الأساسي بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ بأن “’الأوسيا‘ يدل على ما هو عام، بينما يدل ’الهيبوستاسيس‘ على ما هو خاص”.[24] وقام البطريرك ساويروس بتوضيح وجهة نظره من خلال قوله إن “مصطلح ’إنسان‘ يدل على الجنس وعلى الانتماء العمومي لكل الجنس البشري”،[25] وأشار إلى دليل كتابي في سفر التكوين، حين تكلم الله إلى نوح وبنيه قائلاً: “سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 6: 9)، وأكد البطريرك ساويروس أنه في تلك الآية لم تكن الإشارة إلى إنسان محدد، ولكن إلى أي إنسان ينتمي إلى كل الجنس البشري.
ولكن من الناحية الأخرى حينما نطلق على شخص محدد ـ مثل يعقوب أو ألقانه ـ أنه إنسان، فنحن نقصد أنه ينتمي إلى الأوسيا (إلى الجنس البشري)،[26] وكل من يعقوب وألقانه هو هيبوستاسيس، لأن كل منهما استقبل وجوده المحدد (concrete existence) بصورة منفصلة وخاصة.
وكان البطريرك ساويروس ينظر إلى ’الأوسيا‘ بمعنى الحقيقة الديناميكية العامة المجردة، وبالتالي فإن ’الأوسيا‘ إذا لم يصبح ’محدداً‘ فلا يكون له وجود فعلي في عالم الزمان والمكان، أي أن ’الأوسيا‘ هو الحقيقة (العامة) التي عندما تتخصخص أو تتفرد (individuated) ينشأ واقع خاص (particular) محدد (أو حقيقة خاصة) الذي هو ’الهيبوستاسيس‘.
وإذا انتقلنا إلى مصطلحي ’هيباركسيس‘ و’فيزيس‘ فسنجد أن مصطلح ’هيباركسيس‘ يشير إلى ’الوجود‘ ومصطلح ’فيزيس‘ يشير إلى ’الطبيعة‘. ووفقاً لذلك فإن كلا المصطلحين يمكن أن يُستخدم إما بالمعنى العمومي أو بالمعنى الخاص. وعلى سبيل المثال، فإن أي ’أوسيا‘ يكون له وجوده من ناحية، كما أن له أيضاً طبيعته الخاصة من الناحية الأخرى. و’الهيبوستاسيس‘ كذلك بكونه ’الأوسيا‘ الذي تخصخص أو تفرد فإن له أيضاً ’الهيباركسيس‘ و’الفيزيس‘ الخاصين به.
وكان البطريرك ساويروس قد تعامل مع معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘ في أكثر من عمل من كتاباته، وفي كل مرة كان يقر بأن هذا المصطلح يعني في بعض الأحيان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر ’الهيبوستاسيس‘،[27] وكان يستدل على ذلك من أقوال ق. كيرلس السكندري التي سبق أن أشرنا إليها.
وبالنسبة للبابا ساويروس أيضاً كان مصطلح طبيعة حين يُُستخدم بمدلول الأوسيا فيُقصد بها الطبيعة في معناها العام أي طبيعة هذا الأوسيا التي تميزه عن غيره، وحين يُستخدم بمدلول الهيبوستاسيس فيُقصد بها الطبيعة في واقعها المتفرد المخصخص (أو الهيبوستاسي). وفي كل المرات التي استخدم فيها البطريرك ساويروس مصطلح ’طبيعة‘ وهو يتحدث عن أي كيان مخصخص ومتفرد سواء كان بسيطاً أم مركباً فكان يقصد به مدلول ’الهيبوستاسيس‘.
وتتضح هذه النقطة عند الإشارة إلى الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، فحين نقول عن الإنسان (وهو كيان متفرد) أنه “من طبيعتين” فإننا نقصد أنه “من هيبوستاسيسين”، لأن الجسد والروح لا يوجدان في الإنسان كـ ’إثنين أوسيا‘ (أي كحقيقتين عامتين مجردتين) ولكن كـ ’هيبوستاسيسين‘ (أي كواقعين متفردين)، ولكن حيث إن ’الإثنين أوسيا‘ (أي أوسيا الجسد وأوسيا الروح) قد أصبحا متفردين ومتخصخصين وهما في الاتحاد معاً، لذلك لا يوجد الإنسان في ’هيبوستاسيسين‘ أو ’طبيعتين‘.
ولو كان يمكن للجسد في أي وقت ما، أن يأتي إلى الوجود بدون الروح أو الروح بدون الجسد، لأمكن أن يكون كل منهما ’هيبوستاسيس بسيط‘ مستقل أو’طبيعة بسيطة‘ وأن يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به، ولكن ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘ ـ كحقيقتين ديناميكيتين ـ تخصخصا وتفردا معاً في الاتحاد، وكل منهما ظل بكماله الذي حسب أصل مبدأه (جوهره)، والتقيا ’الاثنان أوسيا‘ معاً في تكوين ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ له بروسوبون (واحد).
أما الفرق بين مدلول مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘ عند البطريرك ساويروس فهو أمر دقيق للغاية، حيث كتب: “إن آباء الكنيسة وصفوا ’الهيبوستاسيس‘ بأنه ’البروسوبون‘”،ومع ذلك فإن هناك فرق في المدلول بينهما لأنه “حينما يصبح الهيبوستاسيس وجوداً محدداً خاصاً ـ سواء كان بسيطاً أم مركباً ـ فإنه يُعبِّر عن بروسوبون متمايز”.[28] وستتضح هذه النقطة أكثر من شرح البطريرك ساويروس للفرق بين الهيبوستاسيس ’البسيط‘ و ’المركب‘.
فبالنسبة للنوع ’البسيط‘ أشار البطريرك ساويروس إلى الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية، فكل من الآب والابن والروح القدس هو هيبوستاسيس بسيط (simple hypostasis)، أما الإنسان فهو هيبوستاسيس مركب (composite hypostasis) لأنه يتكون من جسد وروح. وفي حالة الإنسان، فمنذ أول لحظة من تزامن وجود ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘، يأخذ الإنسان وجوده ككيان جسدي روحي، ويستلم ’بروسوبون‘.
ولا يلتقي ’الاثنان أوسيا‘ معاً في صورة ’الأوسيا‘ ـ لأن الأوسيا بكونه هو الحقيقة العامة إذا لم يصبح محدداً فلا يكون له وجود فعلي في عالم الزمان والمكان ـ ولكنهما منذ بداية وجودهما معاً يصبحان واقعين هيبوستاسيين (hypostatic realities). ويقول البطريرك ساويروس:
“ويحافظ كل من الجسد والروح ـ اللذان يتركب منهما الإنسان ـ على الهيبوستاسيس الخاص به، دون أن يختلطا أو يتحول أي منهما إلى الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فبما أنهما اتخذا وجودهما المحدد في الوضع المركب وليس بشكل منفصل مستقل، فلا يمكن أن يُخصص ’بروسوبون‘ متمايز لأي منهما (على انفراد) “.[29]
ويمكننا أن نُفسر كلام البطريرك ساويروس في هذه النقطة كما يلي: ’الهيبوستاسيس‘ هو الكيان المحدد (concrete being) الناتج من تخصخص أو تفرد (individuation) ’الأوسيا‘. وفي هذا التخصخص والتفرد يأخذ ’الأوسيا‘ بكماله وجوداً محدداً (concrete existence)، وعندما يحدث هذا يكون للهيبوستاسيس ذلك ’البروسوبون‘ الخاص به.
ومن هنا نستطيع أن نقول أن ’الهيبوستاسيس‘ ـ بكونه ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص ـ فإنه يمثل الحقيقة الداخلية الخاصة للشيء، و’البروسوبون‘ هو الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي). وعلى سبيل المثال، كل عضو من أعضاء نوع (class) معين هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص بكامله، ومن ثم لا يمكن تمييزه كهيبوستاسيس عن أي عضو آخر من نفس النوع، ولكن أعضاء النوع (الواحد) تتمايز عن بعضها البعض بواسطة البروسوبون.[30]
ويمكننا أن نتبين مفهوم البطريرك ساويروس عن ’البروسوبون‘ بطريقة أوضح إذا رجعنا إلى إجابته عن السؤال: لماذا لا يمكن أن نعترف أن المسيح هو “من بروسوبونين” (from two prosopa)؟. وكان البطريرك ساويروس يصر أن المخلص “من هيبوستاسيسين” أو “من طبيعتين” ولكنه ليس “من بروسوبونين”، حيث كتب: “عندما تتخذ مجموعة من ’الهيبوستاسيس‘ وجودها المحدد الخاص، وتكون منفصلة الواحد عن الآخر، فإن كل واحد منها يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به.
ولكن حينما يلتقي ’هيبوستاسيسان‘ في إتحاد طبيعي ويكملان إتحاداً للطبيعتين والهيبوستاسيسين بدون أي اختلاط ـ كما نرى في الإنسان ـ فلا يمكن أن يُنظر إلى هذين الإثنين اللذين حدث منهما الاتحاد، بكونهما (وجودين) محددين مستقلين، أو أن يُعتبرا كبروسوبونين، وإنما ينبغي أن يُؤخذا كـ (بروسوبون) واحد”.[31]
وفي تطبيق هذا المفهوم على المسيح، يشرح البطريرك ساويروس وجهة نظره كما يلي: إن الله الكلمة الذي هو قبل العالمين، حينما وحَّد بنفسه (to himself) ناسوتاً بدون تغيير، لم يكن من الممكن أن يُنسب بروسوبون خاص (مستقل) لا إلى لاهوت المولود الوحيد[32] ولا إلى الناسوت الذي اتحد به، لأنهما أُدركا (معاً في المسيح) وهما في الوضع المركب وليس كما لو كانا قد اخذا وجودهما المحدد (في المسيح) بصورة منفصلة. وباتحاد اللاهوت والناسوت معاً، تكوَّن هيبوستاسيس واحد (مركب) من الإثنين ومعه أخذ الكلمة المتجسد البروسوبون الخاص به.[33]
وقد استمر اللاهوت والناسوت اللذين تركب منهما عمانوئيل كل في حالته الهيبوستاسية التي له بدون تغيير.[34] ولا ينبغي هنا أن يُساء فهم موقف البطريرك ساويروس، لأنه في تأكيده على الحقيقة الأقنومية لناسوت المسيح لم يكن يقر أن هناك مركزين للوجود والفعل في المسيح الواحد كما يفعل الأنطاكيون، حيث أصر على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، كما أكد كذلك على أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد ’مركب‘ (composite).[35]
وكان ’الهيبوستاسيس‘ بالنسبة للبطريرك ساويروس هو الأوسيا المخصخص وهو الشخص المعني بالأفعال، لذلك كان يتمسك بأن المسيح له ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘،[36] لأن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني كانا هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) الموجودتين في كل طبيعة (volitional and conative faculties)، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.
ففي المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان (ويمكن التمييز بينهما على مستوى الذهن) وكان أقنومه المركب الواحد هو الذي يقوم بالتعبير عنهما، ولم يكن التقليد السكندري يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ مثل الخلقيدونيين، لأن ذلك من وجهة نظر التقليد السكندري كان يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.
فالإرادة في المسيح على سبيل المثال، هي التعبير المتحد(united) للقدرات الإرادية التي للاهوت والناسوت معاً، وكذلك ’الفعل‘ هو التعبير المتحد لقدراتهما العزمية ـ وكل من ’الإرادة‘ و’الفعل‘ يعبر عنهما (أو يُظهرهما) الشخص الواحد المركب.
ونستطيع أن نلخص تعليم البطريرك ساويروس عن مدلول المصطلحات اللاهوتية على النحو التالي: يدل مصطلح ’أوسيا‘ على الحقيقة العامة الديناميكية التحتية (underlying) للشيء، وبهذا يتضمن ’الأوسيا‘ كل من ’الكينونة‘ أو الوجود من ناحية، و’الخصائص‘ (properties) التي تعطي الأوسيا طابعها وهويتها من الناحية الأخرى، وهذان الإثنان هما ’الهيباركسيس‘ و ’الفيزيس‘ على الترتيب.
و’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص المتفرد، والمعني بالأفعال (subject of actions) الذي فيه يأخذ الأوسيا ـ بما يتضمنه من ’هيباركسيس‘ و ’فيزيس‘ ـ وجوده المحدد. وعندما يتفرد ويتخصخص الأوسيا مُوجداً هيبوستاسيس، فإن الهيبوستاسيس يستلم سمته المميزة والتي بها يختلف (يتمايز) عضو (member) من أعضاء نوع (class) معين عن عضو آخر من نفس النوع، وهذا هو ’البروسوبون‘.[37]
يوحنا النحوي والجانب الخلقيدوني في القرن السادس:
كان يوحنا النحوي هو أحد أهم القادة الخلقيدونيين في القرن السادس الذين تولوا الدفاع عن مجمع خلقيدونية ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني الجديد في الشرق. وهذا التعليم هو الذي أسماه شارلز موللر ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism)، وقد كُتب لهذا التعليم الانتصار في مجمع القسطنطينية عام 553م. وكان الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ يقترب من الموقف الذي يتمسك به الجانب غير الخلقيدوني.
وبالنسبة لتعريفه للمصطلحات اللاهوتية، يقول النحوي:[38] “يدل ’الأوسيا‘ على العمومي مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة.
أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.
ونلاحظ من الفهم المبدئي لتلك الفقرة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي، ولكن عند استخدام تلك المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح نجد أن البطريرك ساويروس يختلف فعلياً معه. فيوحنا النحوي يفسر مصطلح ’طبيعة‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمدلول ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة)، وهذا يتعارض مع مفهوم البطريرك ساويروس الذي يقول أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمدلول ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[39]
وقد أكد البطريرك ساويروس في رده على النحوي أن مصطلح ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن يؤخذ في جميع العبارات التي تشير إلى المسيح بمدلول الواقع المخصخص أو الحقيقة المحددة (concrete reality) وليس بمدلول الحقيقة العامة المجردة. كما أصر البطريرك ساويروس على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood).
وبالنسبة لمفهومه عن الأوسيا تساءل النحوي:
“كيف يمكننا ونحن نعترف أنه (أي المسيح) إنسان تام كامل، ألا نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[40]
وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ إصرار النحوي على أن الأوسيا الذي في كل البشر هو ’الحقيقة العمومية‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه في الحالة المخصخصة المتفردة ’الهيبوستاسية‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.
وكان النحوي قد مهد لنظرية التــأقنم التي تبناها الخلقيدونيون ـ والتي سيأتي ذكرها فيما بعد ـ حينما فرَّق بين ’الهيبوستاسيس‘ وبين الواقع الخــــاص المحدد (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر ولكنه مع ذلك لم يعترف به كواقع هيبوستاسي.
ويبدو أن النحوي كان يفهم الهيبوستاسيس بكونه فقط الشخص المعني بالأفعال ولم يكن هذا المفهوم يرتبط عنده بأي مدلول للواقع الخاص المحدد. فالأوسيا بالنسبة له هو الحقيقة العمومية، والطبيعة كان لها أيضاً نفس المدلول،[41] والهيبوستاسيس ليس هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص (أي ليس هو الحقيقة العامة التي أخذت واقعاً خاصاً محدداً) ولكنه الشخص (مركز الفعل) الذي يملك الطبيعة.
أما البطريرك ساويروس على الجانب الآخر فكان لا يفصل بين مدلول الهيبوستاسيس بكونه الأوسيا المتفرد المخصخص (بما له من طبيعة في واقعها المحدد) وبين كونه الشخص المعني بالأفعال. ومن الواضح أن النحوي كان يحاول الدفاع عن صحة عبارة “في طبيعتين” مع تجنب وجود هيبوستاسيسين في المسيح، لذلك فسَّر مصطلح ’طبيعة‘ الوارد فيها أنه يعني ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة.
كما جمع بين كون المسيح ’هيبوستاسيس واحد‘ وكونه ’في طبيعتين‘ من خلال تفسيره للهيبوستاسيس ـ كما ذكرنا ـ بأنه الشخص المعني بالأفعال الذي يملك الطبيعة بمعناها العام والذي يمكنه أن يملك أكثر من طبيعة في نفس الوقت. لذلك أكد أن هيبوستاسيس المسيح الواحد هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.[42]
أما البطريرك ساويروس فكان يصر على أنه هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة ولذلك هو هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘. وكان لهذا الاختلاف في تفسير مدلول المصطلحات بين الجانبين تداعيات خطيرة سنتناولها في السطور القادمة.
يوحنا الدمشقي والجانب الخلقيدوني في القرن الثامن:
كان يوحنا الدمشقي واحداً من أشهر اللاهوتيين في الجانب الخلقيدوني في القرن الثامن الميلادي، وهو أحد الذين شاركوا في رسم ملامح التقليد الخلقيدوني المعاصر.
وكان هدف الدمشقي هو تقديم فكر لاهوتي يتفق مع تعليم خلقيدونية بوجود شخص واحد ’في طبيعتين‘، لذلك حاول أن يقدم شرحاً لمدلول المصطلحات اللاهوتية يستطيع من خلاله أن يدافع عن المفهوم الخلقيدوني ويفند آراء المعارضين له. وقد تغاضى في سبيل تحقيق هدفه هذا عن كل الصعوبات اللاهوتية التي نجمت عن ذلك الشرح.
وقد أكد الدمشقي أن الآباء لم يفرقوا بين مدلول ’الأوسيا‘ ومدلول ’الطبيعة‘،[43] لكنه أضاف أن بعض الفلاسفة الوثنيين قد ميَّز بين المصطلحين بكون ’الأوسيا‘ هو الجوهر (العام) البسيط و’الطبيعة‘ هي الجوهر الذي له خصائص مميزة (أو اختلافات جوهرية) تفرقه عن بقية الأنواع، أي أن ’الطبيعة‘ هي التي تشير إلى الأجناس أو النوعيات المختلفة مثل الملائكة والبشر والحيوانات.[44]
ومن هذا المنطلق زعم الدمشقي أنه من غير الممكن أن تتواجد خصائص مميزة ما مع خصائص أخرى تتضاد معها في نفس النوع أو الجنس، فمثلاً لا يمكن أن تتكون طبيعة الإنسان من العاقل وغير العاقل معاً، ولذلك فلا يمكن أن توجد طبيعة واحدة من طبيعتين مختلفتين.[45]
وقد عارض الدمشقي المفهوم غير الخلقيدوني ـ الذي يرجع إلى ق. كيرلس السكندري ـ عن الطبيعة الواحدة المركبة انطلاقاً من نظرته لمصطلح الطبيعة كمرادف للأوسيا في الإشارة إلى المسيح، كذلك لأنه تصور أن تلك الطبيعة الواحدة لابد أن تكون طبيعة ’جديدة‘ ناتجة عن اختلاط الطبيعتين، لذلك نجده يقول:
“إنه من المستحيل وجود طبيعة واحدة مركبة تتكون من ’إثنين من الأوسيا‘ أي من ’طبيعتين‘، لأنه من المستحيل أن تتواجد اختلافات متضادة منطقياً كمكونات في شيء واحد، ولكن من الممكن على الرغم من ذلك أن يتكون هيبوستاسيس مركب من طبيعتين مختلفتين.”[46]
وعندما أحس الدمشقي أنه لو طَّبق هذا الكلام على الإنسان فسيقول عن الإنسان أنه هيبوستاسيس واحد ولكنه سيضطر للقول أن الإنسان هو الأخر’طبيعتين‘ لأنه يتكون من الجسد والروح، استدرك كلامه بأنه يمكن أن نعتبر الإنسان طبيعة واحدة (رغم أنه يتكون من الجسد والروح) لأن الإنسان هو جنس واحد، وحيث إنه بالنسبة للمسيح لا يوجد له جنس يشبهه أو نوعية ينتمي إليها لذلك لا يمكن أن نقول عنه أنه طبيعة واحدة بنفس المعنى الذي نستخدمه مع الإنسان!.[47]
وبالنسبة للدمشقي لا تتواجد الطبيعة بذاتها لأن الوجود المستقل ينتمي فقط للأفراد (الأشخاص).
أما الهيبوستاسيس فقد شرحه الدمشقي بأنه هو الذي يملك ’أوسيا‘ (أو طبيعة) وله عوارض خاصة به تجعله يختلف عن غيره من الأفراد وهو كائن في ذاته (مستقل) ويمكن إدراكه. وهكذا أشار الدمشقي إلى الطبيعة بكونها الشيء العمومي الذي يأخذ وجوده في الهيبوستاسيس، ولا يمكن للطبيعة أن توجد بذاتها بدون هيبوستاسيس.
أما الهيبوستاسيس فهو شيء خاص بالمعنى العددي أو هو فرد من نوع معين، وله عوارض (accidents) تفرقه عن بقية الهيبوستاسيس، وهو الذي يملك العمومي (أي الأوسيا أو الطبيعة) كما أنه يتواجد بذاته مستقلاً. وقد زعم الدمشقي أنه ليس من الضروري أن يكون لكل طبيعة من الطبيعتين المتحدتين الهيبوستاسيس الأصلي الخاص بها،[48] بل ذهب إلى القول بأنه إذا كان الهيبوستاسيس يملك الوجود المستقل، فيمكن أن يكون هو مركزاً أو مبدأ (principle) للوجود لإثنتين من الطبائع المتحدة، كما يظهر في الإنسان أن الهيبوستاسيس يحتوي على طبيعتين.[49]
وقبل أن نشرح نظرية التأقنم عند الدمشقي ينبغي أن نتوقف قليلاً لكي ندقق في الفرق بين مدلول المصطلحات عنده وعند البطريرك ساويروس الأنطاكي. فقد اعتبر البطريرك ساويروس الأوسيا هو الحقيقة الجوهرية بما تتضمنه من ’الخصائص‘ التي تعطي الأوسيا طابعه وهويته أي الطبيعة التي تميزه عن غيره.
وبالنسبة للهيبوستاسيس اعتبره البطريرك ساويروس أنه هو الأوسيا بكل ما له عندما يتفرد ويتخصخص وهو الشخص المعني بالأفعال. أي أن الهيبوستاسيس عنده كان هو الأوسيا بما يتضمنه من طبيعة عندما يأخذ وجوداً محدداً، وبالتالي فلا يمكن النظر إلى الهيبوستاسيس والطبيعة (الخصائص) الخاصة به كشيئين منفصلين أو يمكن أن ينفصلا، ومن هنا استطاع كل من البابا كيرلس السكندري والبطريرك ساويروس أن يستخدما المصطلحين كمترادفين. أما الدمشقي فقد نظر إلى الهيبوستاسيس والطبيعة بنوع من الثنائية أو الفصل حيث رأى أن الطبيعة هي مكون من مكونات الهيبوستاسيس ويمكن أن توجد منفصلة عن الهيبوستاسيس الخاص بها.
ولم ينظر البطريرك ساويروس إلى الهيبوستاسيس مثل الدمشقي بكونه مركزاً للوجود في ذاته كشيء منفصل عن الطبيعة أو أنه هو الذي يملك الأوسيا (أو الطبيعة)، ولكن بكونه هو ذاته الوجود الخاص المحدد للأوسيا بكل ما يميزه من خصائص (أو طبيعة). أي أن الأوسيا كحقيقة عامة مجردة بما يميزها من خصائص أو طبيعة ليس لها وجود حقيقي في عالم الزمان والمكان إلا إذا تواجدت كواقع خاص محدد وهذا هو الهيبوستاسيس.
لذلك لا يقول البطريرك ساويروس (مثل الدمشقي) أن الطبيعة لا يمكن أن توجد إلا داخل هيبوستاسيس، ولكنه يقول أن الطبيعة لا يمكن أن توجد إلا كـواقع هيبوستاسي. ورغم أن الدمشقي ذكر في بعض الأحيان أن الهيبوستاسيس هو الأوسيا الخاص، إلا أن المعنى الذي يمكن أن يُفهم من السياق هو أنه كان ينظر إلى الهيبوستاسيس بكونه الشخص (أو الفرد) المعني بالأفعال الذي يملك ’العمومي‘ (أي الأوسيا أو الطبيعة) ويمكنه أن يملك أكثر من طبيعة. وسيتضح الفكر اللاهوتي للدمشقي بصورة أكثر عندما يشرح نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia).
وتقدم نظرية التأقنم محاولة لتفسير الفكر اللاهوتي الخلقيدوني بالنسبة لوجود طبيعتين في هيبوستاسيس واحد. ويقول الدمشقي أنه في حالة اتحاد الطبائع في هيبوستاسيس واحد، فإن مكونات الهيبوستاسيس يُدعى كل منها ’إينهيبوستاتون‘ (enhypostaton)، وهذه المكونات (أو إينهيبوستاتا) [50] لا توجد مستقلة بذاتها ولكنها توجد محتواه في الهيبوستاسيس.
ويمكن لكل ’إينهيبوستاتون‘ من نوع معين ألا يوجد في الهيبوستاسيس الخاص به ولكن في هيبوستاسيس مشترك ينتمي للجنس ككل، ومثال ذلك في الإنسان فالروح والجسد ليسا هيبوستاسيسين بذاتيهما ولكنهما ’إينهيبوستاتا‘، والهيبوستاسيس البشري الذي يتكون منهما يكون هو الهيبوستاسيس الخاص بهما. ومن هنا فإن الإينهيبوستاتون هو طبيعة يتخذها هيبوستاسيس آخر وفيه تأخذ وجودها، وهذا هو ما حدث بالنسبة للطبيعة البشرية التي اتخذها هيبوستاسيس الله الكلمة.[51]
فبحسب نظرية ’التأقنم‘ لم يكن لناسوت المسيح هيبوستاسيس خاص به، ولكنه لم يكن بغير هيبوستاسيس، لأن الله الكلمة أعطاه الهيبوستاسيس الخاص به. ويقول الدمشقي: “جسد الله الكلمة لم يكن كائناً بشكل مستقل، ولا كان هناك شخص آخر بجانب شخص كلمة الله. وإنما على العكس ففي شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية (تأقنم)، ولم يصبح (الجسد) شخصاً كائناً في استقلالية بذاته. ولهذا السبب لم يكن (الجسد) تنقصه الشخصية ولا أدخل شخصاً آخر في داخل الثالوث.”[52]
وكانت نظرية ’التأقنم‘ تتضمن اهتمامين أساسيين: أولاً، كانت تسعى لاستبعاد عقيدة وجود أربعة أقانيم (بعد التجسد) محل الثالوث، وثانياً، كانت تهدف إلى تأكيد وحدة هيبوستاسيس المسيح مع الحفاظ في نفس الوقت على حقيقة الطبيعتين. ورغم أن الجانب غير الخلقيدوني كان له نفس الاهتمام، إلا أنه لم يعبر عن ذلك من خلال نظرية ’التأقنم‘، ولكن من خلال مفهوم ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و’الهيبوستاسيس المركب‘.
فالهيبوستاسيس المركب في الإنسان عند البطريرك ساويروس لم يكن هو الهيبوستاسيس الواحد الذي يملك الطبيعتين ولكنه هو الكيان المتفرد المخصخص، الذي تكوَّن نتيجة الوجود المتزامن لاثنين من الأوسيا معاً أي أوسيا الجسد وأوسيا الروح، وفي تواجدهما المتزامن يكون لكل واحد منهما حقيقته الهيبوستاسية في ’الهيبوستاسيس المركب‘.
وكذلك في يسوع المسيح، وحَّد هيبوستاسيس الكلمة ـ الذي هو هيبوستاسيس أزلي ـ بنفسه ناسوتاً أصبح واقعاً هيبوستاسياً في اتحاده مع هيبوستاسيس الله الكلمة. وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب ساويروس في كتابه “ضد النحوي”: “إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين اللذين تركب منهما (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية.
لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما،[53] وبروسوبون واحد على نحو موحد[54] (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.[55]
فهيبوستاسيس المسيح، بالرغم من أنه الهيبوستاسيس الإلهي لله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار هيبوستاسياً في الاتحاد معه (أي في الحالة الهيبوستاسية)؛ وبنفس الطريقة فإن بروسوبون المسيح، بالرغم من أنه بروسوبون الله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار بروسوبي فيه. ونستطيع أن نقدِّر مفهوم البطريرك ساويروس إذا نظرنا إلى حقيقة أن يسوع المسيح هو شخص تاريخي، وبكونه كذلك فإن له الهيبوستاسيس الخاص به مع البروسوبون.[56]
وتبقى نقطتان هامتان نتجتا من مفهوم الدمشقي عن الهيبوستاسيس وعن نظرية التأقنم. النقطة الأولى تختص بتأكيد الدمشقي أنه تطابقاً مع وجود الطبيعتين في الهيبوستاسيس الواحد، فإن يسوع المسيح له “مجموعة مزدوجة من الخواص الطبيعية تنتمي إلى الطبيعتين: أي إرادتين طبيعيتين الإلهية والبشرية، فعلين طبيعيين إلهي وبشري، حكمة ومعرفة إلهية وأخرى بشرية”. ومع ذلك يصر الدمشقي أنه في كلتا الطبيعتين يكون نفس الشخص هو الذي يعمل ويريد.
وهنا تبرز نقطة في غاية الأهمية، لأن الناسوت المتكون من جسد بشري له روح عاقل ـ بما أنه ليس إلا طبيعة في معناها العمومي المجرد ـ فإنه يحتاج إلى فاعل (subject) يعبِّر عن خواصه وملكاته. ولو قيل أن هذا الفاعل كان هو الله الكلمة (تمشياً مع نظرية التأقنم)، فسيعني ذلك أن كل شيء بشري في المسيح كان يُعبَّر عنه إلهياً، أما الأشياء الإلهية فلم يُعبر عنها إنسانياً!.[57]
والحقيقة أن تفسير الدمشقي للطبيعة البشرية في المسيح كان يعتريه كثير من الصعوبات، فعلى سبيل المثال كان الدمشقي يقول إن الطبيعة البشرية في المسيح كانت تستطيع أن ’تفعل‘ وأن ’تريد‘،فكيف يمكن أن نقول أن الطبيعة البشرية تفعل وتريد بحق والفاعل والمريد فيها هو الهيبوستاسيس الإلهي وحسب. وكذلك يقول عن تلك الطبيعة البشرية أنها هي الأوسيا كحقيقة عامة مجردة، فكيف يمكن للبشرية التي يؤكد أنها عامة ومجردة أن تصبح مرئية ومحددة من خلال اتحادها في هيبوستاسيس الله غير المرئي؟.
ويتعين علينا هنا أن نسترجع تعليم البطريرك ساويروس الذي كان يرى أن هيبوستاسيس المسيح، هو هيبوستاسيس الله الكلمة في حالته المتجسدة الذي تكوَّن من اتحاد اللاهوت والناسوت. وبهذه الطريقة حافظ البطريرك ساويروس على الحالة الأقنومية للناسوت، وكذلك أصبح من الممكن لنا أن ندرك ذهنياً (في المسيح) إمكانية التعبير عن القدرات والخصائص الإلهية بشرياً بجانب التعبير عن القدرات والخصائص البشرية إلهياً.
وكان التقليد السكندري دائم الإصرار على أن الله الكلمة المتجسد هو شخص (أو الفاعل في) التجسد،[58] ولم يقل أبداً أن الله الكلمة في حالته غير المتجسدة (unincarnate) أو حــــالته قبل المتجـسدة (pre-incarnate) هو شخص (أو الفاعل في) التجسد. وحيث إن الله الكلمة المتجسد هو شخص التجسد، فإن العنصر البشري كان هناك متحداً مع الله الكلمة في شخص المسيح الواحد.[59]
أما النقطة الثانية فتختص بمفهوم الدمشقي عن تأله ناسوت المسيح، فحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي، وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح.
ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن أي جسده الخاص، ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله كنتيجة للإتحاد الهيبوستاسي وتبادل الخواص بين اللاهوت والناسوت.[60]
وقد حاول بعض الدارسين[61] تتبع المصادر التي استقى منها يوحنا الدمشقي تعريفه لمدلول المصطلحات اللاهوتية التي بنى عليها تعليمه الخريستولوجي، وتوصلوا إلى حقيقة أنه على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الدمشقي اعتمد على المؤلفين الخلقيدونيين الذين سبقوه أمثال ليونتيوس،[62] إلا أنه أستحدث بعض المفاهيم المستقاة من الفلسفة الرواقية والأفلاطونية الجديدة، لذلك أكدت بعض الدراسات أن جذور تعليم الدمشقي ترجع في الحقيقة إلى الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى أكثر من التقليد الآبائي الشرقي.[63]
كلمة ختامية:
ويتبين لنا من العرض السابق مقدار التباين والتطور في مدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى. وفي الحقيقة كان الغموض والالتباس الذي صاحب مدلول تلك المصطلحات هو السبب وراء التداخل والتبادل في استخدامها على مدى التاريخ. فقد استخدم مصطلحي ’أوسيا‘ و’هيبوستاسيس‘ كمترادفين، وكذلك الحال بالنسبة لمصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘. كما استخدم مصطلحي ’فيزيس‘ و’هيبوستاسيس‘ ومصطلحي ’فيزيس‘ و’أوسيا‘ بطريقة تبادلية.
ولا يفوتنا هنا أن ننتبه إلى أنه كان هناك خروج من قبل بعض اللاهوتيين عن الخط العام الذي بدأ عند ق. أثناسيوس وكمل عند ق. كيرلس، فلم يكن إسهام أولئك اللاهوتيين المتأخرين هو شرح التقليد الآبائي ولكن كان استحداث مفاهيم غريبة عن ذلك التقليد.
لذلك يتعين ليس فقط أن تكون هناك معرفة واضحة بالمعاني المقصودة من تلك المصطلحات لدى كل تقليد وفي كل عصر، ولكن بالأحرى العودة من جديد لينابيع الفكر الآبائي الأرثوذكسي، حتى نستطيع أن نتحاور معاً على أساس مشترك صحيح من أجل الوصول إلى هدف الوحدة المنشود.
ورغم أن ق. أثناسيوس لم يكن هو الذي استخدم المصطلح اللفظي (coinherence) والذي يعني التواجد (الاحتواء) المتبادل، إلاّ إنه هو الذي أرسى هذا المفهوم. ارجع كذلك إلى ق. هيلاري (De Trin., 3.1) حيث إن له عبارة بليغة عن مفهوم أن الثلاثة أقانيم الإلهية “يحتوي كل منهم الآخر بالتبادل، وبالتالي فكل واحد منهم هو على الدوام يحتوي (envelopes) الآخر وأيضاً يُحتوى (enveloped) من الآخر الذي لا يزال هو يحتويه”.
[24]Patrologia Orientalis, op. cit., vol. XII, p. 195.
[25] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 56.
[26] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 57-59.
[27] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 68E.
[28] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 74, 76.
[29] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 77.
[30] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 432.
[31] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 181.
[32] بالطبع كان للابن الوحيد، البروسوبون الخاص به قبل التجسد، ولكن المقصود هنا هو أنه من غير الممكن أن يكون للاهوته البروسوبون الخاص المستقل وهو في حالة الاتحاد مع الناسوت.
[34] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 77f.
[35] كان البطريرك ساويروس يتبع في هذا، نفس تعليم القديس كيرلس السكندري الذي قال في الرسالة (17: 14) “لذلك ينبغي أن تُنسب كل الأقوال التي في الأناجيل إلى شخص واحد، إلى هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد“.
[36] كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان.
ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً). فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه.
[37] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 435.
[38] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.
[39] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.
[40] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 154.
[41] لذلك كان يرى أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير فيهما إلى ’العمومي‘.
[42] ولهذا كان النحوي يفسِّر الاتحاد الهيبوستاسي أنه اتحاد للطبيعتين (بالمعنى العام) في الهيبوستاسيس الواحد، أما البطريرك ساويروس فكان يفسره بأنه اتحاد لواقعين هيبوستاسيين اتحدا معاً في هيبوستاسيس مركب.
[53] يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).
[54] أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً.
[55] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 187.
[56] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1/2009 ، صفحة 544.
[61] Kotter, ed., Schriften Des Johannes Von Damaskos; Gerard Richter, Die Dialektik Des Johannes Von Damaskos.
[62] ظهرت بعض الدراسات التي تؤكد أن ليونتيوس ـ الذي كان أول من استخدم مصطلح ’إينهيبوستاتون‘ ـ لم يذكر على الإطلاق أنه يعني بهذا المصطلح الطبيعة التي بلا هيبوستاسيس والتي توجد في هيبوستاسيس آخر. وكان ليونتيوس قد قدَّم هذا المصطلح في كتابه (Contra Nestorianos et Eutychianos, PG 86, 1277C-1280B)
حيث أظهر الفرق بين الهيبوستاسيس و’الإينهيبوستاتون‘، فقال أن الهيبوستاسيس هو الوجود (Subsistence) المحدد وهو يشير إلى الفرد الخاص أو الشخص، أما ’إينهيبوستاتون‘ فهو الشيء الذي يوجد (That which subsists) أي الطبيعة.
ولكنه عبّر عن هذا بنوع من الفصل الذي أُسيء فهمه فيما بعد وأدى إلى نشوء نظرية ’التأقنم‘، حيث ذكر أن الطبيعة تأخذ وجودها في الهيبوستاسيس ولا تُرى في ذاتها، كما فسر هيبوستاسيس واحد في طبيعتين، بأن الطبيعتين المختلفتين اشتركتا في كينونة مشتركة أي أنهما لم توجدا مستقلتين ولكن وجدتا مع بعضهما البعض. وهذه الكينونة المشتركة هي الهيبوستاسيس الواحد، مثلما يحدث في الإنسان فالروح والجسد طبيعتان لهما هيبوستاسيس مشترك. انظر:
(F. LeRon Shults, A dubious Christological formula: from Leontius of Byzantium to Karl Barth. Theological Studies, Sep 1996; Aloys Grillmeier, S.J., “Die anthropologisch-christologische Sprache des Leontius von Byzanz und ihre Beziehung zu den Symmikta Zetemata des Neuplatonikers Porphyrius,” in Hermeneumata: Festschrift fur Hadwig Homer, ed. Herbert Eisenberger (Heidelberg: Carl Winter, 1990) 61-72; Brian E. Daley, S.J., “A Richer Union: Leontius of Byzantium and the Relationship of Human and Divine in Christ,” in Studia Patristica 24 (1993) 239-65).
[63] Anna Zhyrkova, A Philosophical Explanation of Hypostatical Union in John Damascene’s Fount of Knowledge.
التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
كتابات الآباء في العلوم اللاهوتية حتى القرن الرابع
الآباء المدافعون Apologists (القرن الثاني) الذين كتبوا دفاعًا عن المسيحيين، وقدموها للولاة الوثنيين الذين كانوا يتهمّون المسيحيين بقضايا أخلاقية، وبأنهم من آكلي لحوم البشر، وعدم ولائهم للحكام.
ومن أشهر الآباء المدافعين:
يوستينوس الشهيد (استشهد عام 165 م):
كرَّس يوستينوس ذاته لنشر الديانة المسيحيّة والدفاع عنها، فذهب إلى روما حيث فتح هناك مدرسة، وكان يتخذ الفلسفة وسيلة للتبشير بالمسيحيّة والدفاع عنها، وكان يعقد مقابلات متكرّرة مع اليهود والوثنيين حيثما التقى بهم وكذلك مع الهراطقة، وفي هذه المناقشات أظهر صبرًا وثباتًا عجيبين.
أهم أعماله التي قدَّمها للمسيحية في ذلك الوقت هو دفاعه عام 152 م، فدفاعه الأول (68 فصلاً) والثاني (25 فصلاً) قدمهما إلى الإمبراطور أنطونيوس بيوس وابنه الإمبراطور مرقس أوريليوس، وحواره مع تريفو Trypho اليهودي.
وكان دفاعه مليئًا بالشجاعة والكرامة والإنسانية، فقد كان اتجاهه في دفاعه هو عدم التوّسل أو الخوف من القوة الغاشمة، وحواره مع تريفو اليهوديّ (142 فصلاً) هو عبارة عن مناظرة مع يهوديّ معتدل طالب للمعرفة، التقى به في مدينة أفسس، وقد استغرقتْ هذه المناظرة يومين، ويلاحظ أن يوستينوس في دفاعه الذي قدَّمه يبدو كفيلسوف يحدث فلاسفة، أما في حواره مع تريفو فكمؤمن بالعهد القديم إلى ابن من أبناء إبراهيم.
أثيناغوراس الفيلسوف (القرن الثاني):
كان فيلسوفًا يرأس إحدى كراسيّ الأكاديمية “الموزيم Museum” بالإسكندرية، أكبر مدرسة فلسفية علّمية في الشرق في ذلك الحين، تنافس مدرسة أثينا، وكان يعتبر من أساطين الديانة الوثنية، بعد دخوله المسيحيّة صار مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة من رجال القرن الثاني الميلاديّ (177م)، كتب دفاعه أو التماسه أو شفاعته (إبريسفيا) عن المسيحيّة، وقدَّمه إلى الإمبراطور مرقس أوريليوس، تلمس في كتابَاته العقل الفلسفيّ الذي هذبته الثقافة اليونانية مع مَلَكَة رائعة في الكتابة[1].
القديس إيريناؤس أسقف ليون (140-202م):
أحد رجال الكنيسة العظام في القرن الثاني، وضع أساس علم اللاهوت المسيحيّ الغربيّ، فهو أول لاهوتي يُؤكّد على الدور اللاهوتيّ للكنيسة، وعلى دور قانون الكتاب المقدس، وعلى التقليد العقائديّ واللاهوتيّ، لذا دُعي “أب اللاهوت المسيحيّ”، “أب التقليد الكنسيّ”.
أظهر غيرة صادقة على الحفاظ على الإيمان المستقيم، مقاومًا الهرطقات خاصة الغنوسية والمونتانية، للأسف فُقدتْ أغلب كتاباته اليونانية، لكن عثر على الترجمة اللاتينية لخمسة كتب له باسم “ضد الهرطقات”، كما عثر أخيرًا على ترجمة أرمنية لكتابه “برهان الكرازة الرسوليّة”، يشرح فيه العقيدة المسيحية ثم يثبت صحتها من خلال العهد القديم هذان العملان نجد فيهما وحدهما عناصر النظام اللاهوتيّ المسيحيّ الكامل.
القديس هيبوليتوس الرومانيّ (170-235م):
وهو كاتب ماهر يستخدم اللغة اليونانية، صار لاهوتيًّا متميزًا في كنيسة روما، يرى البعض أن القديس هيبوليتس يماثل القديس إيريناؤس في العلوم اللاهوتية، والعلاَّمة أُوريجانوس كدارسٍ، وترتليان في رؤيته للأمور، لكنه أقلّهم جميعًا من جهة الأصالة وتقديم ما هو جديد، أهم عمل يُنسَب للقديس هيبوليتس هو “تفنيد كل الهرطقات Refutation of all heresies“ أي تلك التي وُجدتْ أصولها في المدارس الفلسفية اليونانية. كذلك كتب “ضد كل الهرطقات” يقاوم فيه 32 هرطقة.
القديس كبريانوس أسقف قرطاجنة (200-258م):
كان كبريانوس رجل رعاية أكثر منه رجل علوم لاهوتية، فلم يكتب لأجل البحث في الأمور اللاهوتية، وإنما ليعالج مشاكل رعويّة وكنسيّة عمليّة تسد احتياجات الشعب حسب الظروف التي عاشت فيها الكنيسة في قرطاجنة، من أشهر مؤلفاته “وَحْدَة الكنيسة De ccelediae untate“، وله أيضًا مجموعة رسائل متنوعة، من بينها رسالة عنوانها “الرد على ديمتريانوس” يؤكد فيها أن المسيحييّن ليسوا مسئولين عما حلّ بالعالم من ويلات الحروب والأوبئة، فالعالم شاخ وانحطّ فقلّ خصبه ونتاجه..
والذنب في ذلك ليس ذنب المسيحييّن بل هو ذنب الوثنيين الذين أخطأوا وارتكبوا المُوبِقَات (كبائر المعاصي) واضطهدوا المسيحييّن، فأثاروا بذلك غضب الله واستحقوا القصاص، كما كتب مقالة عنوانها “حثَّ على الاستشهاد” موجّهة إلى فورتوناتوس Fortunatus من ثلاثة عشر فصلاً.
العلاّمة ترتليانوس (160-240م):
كاهن قرطاجنة، أب علم اللاهوت في الكنيسة اللاتينية، قدَّم مخزنًا غنيًّا من الكتابات الفلسفيّة والتاريخيّة والجدليّة الدفاعية والعمليّة، وكان في كتاباته معادًّا للفلسفة على خلاف أغلب آباء مدرسة الإسكندرية في عصره، الذين رأوا في الفلسفة وسيلة لكسب الفلاسفة واليونانيين للإيمان..
كما قدَّم مصطلحات لاهوتيه، ويُعتبَر أحد المدافعين المسيحييّن الأوائل، فيما يخص كتاباته الدفاعية كتب “رسالة إلى الأممين الوثنيين”، و”رسالة الدفاع أو الاحتجاج”، “والرَّد على اليهود”، وبه في الدفاع عن الاستشهاد رسالة دعاها “ترياق العقرب”، وحضّ على الاستشهاد والصبر على الاضطهاد في رسالة دعاها “إلى الشهداء”، يُعتبر من الهراطقة لانضمامه إلى المونتانيين للأسف، حيث سقط في بدعة المونتانيين Montanism ما بين سنتي 202، 205م..
إذ ادَّعى مونتانيوس أنه البارقليط الموعود به في الإنجيل، حيث يقول عنه جيروم “لا استطيع أن أقول عن ترتليانوس إلاَّ أنه لا ينتمي إلى الكنيسة”.
من آباء ومعلمين مدرسة الإسكندرية في القرنين الثاني والثالث:
أكلِمَنْضُس السكندريّ (150-215م):
أهم كتاباته ثلاثة كتب دُعيتْ “ثالوث أكْلِمَنْضُس” تمثل منهج مدرسة إسكندرية، وهي:
نصائح لليونانيين Perotrepticus: وهو دعوة لترك الوثنية وقبول الإيمان المسيحيّ بواسطة المسيح.
المعلِّم Paedagogas: وهو دعوة لتحويل الإيمان إلى عمل لنكون مشابهين لابن الله، وتحت قيادته إذ هو المعلِّم الوحيد.
المتفرقات Stromata: كتابات غايته التمتع بالمعرفة الروحيّة الفائقة، وهو غاية المسيحيّ؛ وذلك خلال اتحاده بالمسيح كعريس للنفس.
له كتب أخرى مثل: مَن هو الغني الذي يخلص؟ والمجمل، ورسالة عيد الفصح.
العلاّمة أوريجانوس (185-254م):
وضع مؤلفات كثيرة وكان لها شهرة جبارة، إذ يُقدِّر جيروم كتابات أوريجانوس بألفي (2000) مُجَلَّد، ويُعلِّق جيروم بقوله مَن منا يقدر أن يقرأ كل ما كتبه، بينما يذكر إبيفانيوس ستة آلاف مجلد، كتب أيضًا كتاب “عن المباديء De Prircipiis” الذي يعتبر أول منهج لاهوتيّ مسيحيّ، مناقشة مع هيراقليدس “ضد كالسس”…
البابا ديونيسيوس الرابع عشر (180-261م):
تتلمذ على يدي العلاَّمة أوريجانوس، وصار أحد كواكب مدرسة الإسكندرية اللاهوتيّة اللامعين، لقبه القديس أثناسيوس “معلِّم الكنيسة الجامعة”، تُعتَبر كتابات البابا ديونيسيوس حجة في اللاهوتيّات، له كتابات كثيرة لكن للأسف لم يبقَ منهت إلاَّ شذرات حُفظت خلال كتابات يوسابيوس وأثناسيوس وغيرهما، وكما يقول Neale: “فقدان كتابات ديونيسيوس هي إحدى الخسائر العظمى التي لحقت بالتاريخ الكنسيّ”، فله كتابات عن الطبيعة وعن المواعيد، تفنيدًا ودفاعًا كذلك له رسائل دفاعية، كما ساهم في الرد على سابيليوس.
ومن آباء القرن الرابع:
البابا أثناسيوس الرسوليّ (328-373م):
كتب القديس أثناسيوس الرسوليّ عن “تجسّد الكلّمة”، كما كتب “شرح الإيمان” كما وضع كتابات دفاعية منها “ضد الوثنيين” دفاع عن الإيمان المسيحيّ ودحض للوثنية، كذلك له مؤلفات لمقاومة الأريوسية، فكتب “الرّد على الأريوسيين”، كما أن له ثلاث رسائل في الرد على الآريوسيين (356-358)، دفاع عن مجمع نيقية 325م، الدفاع المقدم للإمبراطور قسطنتيوس، تاريخ الآريوسية، ضد الآريوسية..
كما أن له كتاب دافع فيه عن هروبه من مضطهديه، كما كتب وعن ألوهة الروح القدس، وأرسل خطابات إلى أساقفة مصر وليبيا ولوسيفر أسقف كالاريس (كاجلياري بجزيرة سردينيا غرب إيطاليا) وإلى الرهبان المصرييّن، وخمس رسائل عقائدية للقديس سيرابيون أسقف طمويه (تمي)، وهي خطابات في ألوهية الروح القدس، من أهمية أقوال وكتابات القديس أثناسيوس كان هناك قولاً شائعًا “أنه إذا وجدت عبارة من أقوال القديس أثناسيوس ولم تجد ورقة لتكتبها، فأكتبها على قميصك في الحال”.
القديس هيلاري أسقف بواتيه (315-367م):
يُدعَى القديس هيلاري “أثناسيوس الغرب”، فقد كرز وكتب واحتمل النفي دفاعًا عن ألوهية السيد المسيح، كتب مؤلفه المشهور “عن الثالوث القدوس On the Trinity“، غالبًا ما كتب الفصول الثلاثة الأولى قبل عام 356م في منفاه، ويتضمن 12 كتابًا، تناول فيها التفسير السليم للآيات التي اعتمد عليها الأريوسيين، لدرجة أنه خصص الكتاب الثاني عشر كله عن آية واحدة وهي “الرب قناني أول طريقه من قبل أعماله منذ القدم” (أم22:8).
وفي منفاه كتب أيضًا “عن المجامع” حيث أوضح شروحات قوانين الإيمان، كذلك من أهم أعماله كتاب “عن الإيمان De fide“، لقد أوضح أن وجود الله يمكن التعرّف عليه بالعقل، وأما طبيعة الله فلا يمكن إدراكها، كما أن معرفة الثالوث تتحقق بواسطة إعلان الابن، يقول الابن: “أنا فيك وأنت فيّ” (يو4:14)، ويعلّم هيلاري أن للروح القدس سمات الآب والابن ذاتها.
القديس مارِ أفرام السريانيّ (303-373م):
أغنى القديس مارِ أفرام السريانيّ المكتبة المسيحيّة بكتاباته المنظومة شعرًا وأيضًا المنثورة، وهي لا تقل عن ثلاثة ملايين من الأسطر، ضمتْ شرحًا للأسفار المقدسة كلها، كذلك موضوعات الجدل الدينيّ، وبعض مقالات ورسائل مع ميامر وتسابيح.
له كتابات في اللاهوت المقارن، كما كتب 56 مدراشًا (نشيدًا) ضد هرطقات برديصان[2] وماركيون وماني. كذلك كتب 87 نشيدًا في الإيمان ضد الآريوسيين، وهاجم في أربعة منها يوليانوس الجاحد.
كما كتب خطبة عن “سيدنا” تناول فيها ألوهية السيد المسيح وفدائه للبشر، وكتب أشعارًا كثيرة عن العذراء يتغنى ببتوليتها، وحقيقة كونها والدة الإله[3].
القديس باسيليوس الكبير (329-379م):
كتب كتابًا “ضد افنوميوس” تناول فيه 15 آية من التي يعتمد عليها الأريوسيون، كذلك كتب عن “ألوهة الروح القدس” في 30 فصلاً، وعن أيام الخليقة الستة.
القديس كيرلس أسقف أورشليم (315-386م):
تُعتَبر أهم كتابات القديس كيرلس الأورشليميّ “مقالات للموعوظين”، وهي 24 مقالاً، الأولى مقدمة و23 أخرى، ومن هذه المقالات 18 أُلقيت في فترة الصوم على المستعدين للعماد، ربما عام 350م في كنيسة القبر المقدس، أُلقيت شفاهًا وسجّلها أحد السامعين…
هذه المقالات لها أهميتها العظمى كشاهد لطقس المعمودية ومفهومها اللاهوتيّ في القرن الرابع، كذلك خمسة مقالات عن الأسرار، فقد أُلقيت على المعمّدين حديثًا خلال الأسبوع الأول من عيد القيامة، تشرح ليتورجية الأسرار الثلاثة التي تمتّعوا بها في ليلة العيد وهي: العماد والميرون والتناول[4].
القديس إغريغوريوس الناطق بالإلهيات (329-390م):
كتب مقالات ضد افنونيوس، وضد يوليانوس الجاحد، كذلك له خمس مقالات لاهوتية، في الأولى يتحدث عن أصول التعاليم اللاهوتية بطريقة سليمة، فيشدّد على الإيمان والطهارة وعجز المنهج الجدلي (dialctique)، وفي الثانية يشدد على أن في العالم نشاهد عظائم الله فقط، وفي الثالثة والرابعة يحارب تعاليم آريوس التي تنادي بأن الابن مخلوق، وفي المقالة الأخيرة يؤكد أن ألوهية الروح القدس، إذ هو سرمديّ مع الآب والابن.
القديس إغريغوريوس أسقف نيصص (330-395م):
كتب كتابًا “ضد افنوميوس” يشمل 12 فصلاً، كذلك كتب ردًا على الكتاب الثاني لأفنوميوس، كما كتب أيضًا ضد البيلاجيين، كما كتب مقال يوضح فيه هرطقة الابولينارية كطلب بابا الإسكندرية تاوفيلس 23، كما كتب “ضد الأبوليناريين”، وله كتابات عن الروح القدس، عن الأرواح، وعن الأسرار.
القديس أمبروسيوس (339-397م):
للقديس أمبروسيوس كتابات عقائدية، وتفسيرية، ونسكية وأخلاقية، وعظات، ورسائل. من كتاباته العقيدية كتاب عن الثالوث القدوس يشرح فيه عقيدة التثليث، ويؤكد ألوهية السيد للرد على الأريوسيين، وآخر عن الروح القدس، وعن سر التجسد الإلهيّ ضد الأريوسيين والأبوليناريين، وعن الأسرار، وعن التوبة ضد أتباع نوفاتيان ليؤكد سلطان الكنيسة في حل الخطايا وضرورة الاعتراف وأهمية الأعمال الصالحة، وكتاب يرثي فيه أخاه يحوي حديثًا عن عقيدة القيامة.
العلاَّمة القديس ديديموس الضرير (313-398م):
نالت كتابات القديس ديديموس مدير المدرسة مدير المدرسة اللاهوتيَّة في عهد البابا أثناسيوس شهرة واسعة، كتب عن الروح القدس ومن شهرته أنه عندما طلب الأنبا داماساس أسقف روما من جيروم أن يضع له كتابًا عن الروح القدس، لم يجد جيروم أفضل من أن يترجم له كتاب القديس ديديموس فترجمه إلى اللغة اللاتينية، كما استخدم القديس أمبروسيوس النص اليوناني كمصدر لكتابه عن الروح القدس[5]..
ويعد كتابه عن الروح القدس أفضل ما كُتب في القرن الرابع الميلاديّ عن الروح القدس وسُمِّيَ القديس ديديموس ب“لاهوتيّ الروح القدس”؛ كتب عن الثالوث: يقع هذا العمل في ثلاثة كتب، وضعها ما بين عام 381 و392، لا تزال موجودة، كتب أيضًا ضد أتباع ماني: يتكون هذا العمل من 18 فصلاً صغيرًا، وهو موجود باليونانية، كما كتب أيضًا “عن الفلسفة” وعن “التجسد”.
القديس إبيفانيوس أسقف قبرص (315-403م):
من أهم كتاباته: كتابَ “المرساة”، كما كتب “ضد جميع الهرطقات” وهو ما يُعرف “خزانة الأدوية” ذكر فيه 80 هرطقة، كما كتب “الرجل الثابت” ردًا على أسئلة بعض الكهنة بخصوص الثالوث والروح القدس[6].
القديس يوحنا ذهبيّ الفم (344-407م):
للقديس يوحنا ذهبيّ القم العديد من الكتابات، معظمها عظات ومقالات منها “في طبيعة الله التي لا يمكن إدراكها”، كذلك كتب في المعمودية للموعوظين، عظات ضد التهود، ضد الوثنيين، ضد يوليانوس، ضد يوليانوس والأمم، في عدم تكرار الزواج، في عناية الله، كما كتب عن الكهنوت، وعن الأسرار.
القديس أغسطينوس (354-430م):
كتب القديس أغسطينوس “في الثالوث” كتبه في 15 جزءًا، كما كتب “في البدع”، “والروح القدس”، كذلك وضع طتبًا في الرد على المانيين (3 كُتب)، والدونايين (17 كتاب)، والبيلاجيين (4 أجزاء)، ضد يوليانوس (6 أجزاء)، وتعرّض في كتاباته لموضوعات عن الله وطبيعته، الخير والشر، كذلك الطبيعة البشريّة وخصائصها، الخطيئة الأصلية، النعمة وعملها، المعمودية، النسك، الزواج.
بلغت كتاباته حوالي 232 كتابًا، كما أن له مقالات فلسفية مثل “الرد على الأكاديميين”، و”الحَيَاة السعيدة”، و”خلود النفس”، وأيضًا أعماله الجدلية ضد اليهود والوثنيين، وضد البيلاجيين وضد الأوريجانيين، كما كتب في النسكيات والأخلاقيّات والموسيقى. كتب أيضًا “مدينة الله” الذي يُعد من أهم كتب القديس أُغسطينوس الدفاعية ضد الوثنية.
القديس كيرلس عمود الدين (475-444م):
تُعتبَر كتابات القديس كيرلس من أعظم ما ورد في الأدب المسيحيّ المبكر، فهي تكشف عن عمق في الفكر، وغنى في الآراء، وتحمل براهين ثمينة وواضحة تؤكد ما للكاتب من قدرة على البصيرة والجدل، تجعل كتاباته من المصادر الأولى لتاريخ العقيدة والتعليم الكنسيّ.
كتب في شرح عقيدة الثالوث القدوس كتابين هما “الكنز في الثالوث القدوس المساوي في الجوهر”، والثاني يتكون من مجموعة كتب باسم “على الثالوث القدوس المساوي في الجوهر” وهو المعروف بـ”حوار حول الثالوث”، كما كتب القديس كيرلس عمود الدين ضد نسطور، فكتب “الحرومات الاثنى عشر ضد نسطور”، وكتب أيضًا “شرح تجسد الابن الوحيد”، “على الإيمان الحقيقيّ”، وكتب ضد سابليوس..
كما كتب ضد يوليانوس الجاحد الذي وضع ثلاثة كتب ضد المسيحيّة “ضد الجليليين”، طعن يوليانوس فيها في ألوهية السيد المسيح وشكّك في أقواله وتعاليمه ومعجزاته، فقام البابا كيرلس بالرّد على هذه الأقوال وفنّدها كلها، وذلك في ثلاثين كتابًا، ولم يكتفِ بذلك بل كتب للإمبراطور ثيؤدوسيوس الصغير يطلب منه جمع كل نسخ كتب يوليانوس وحرقها فكان له ما أراد.
[1] Schmid, Manual of Patrology, P. 97.
[2] غنوسيًّا اشتهر في نهاية القرن الثاني، ونشر عقائد خرافية في 150 مزمورًا.
[3] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 175.
[4] القمص تادرس يعقوب ملطي – قاموس آباء الكنيسة وقديسيها (ض-م) – 2001 – ص 290.
[5] فهرس كتابات آباء كنيسة الإسكندرية – الكتابات اليونانية – راهب من الكنيسة القبطية – الطبعة الأولى يناير 2003 – ص 308.
[6] نظرة شاملة لعلم الباترولوجي في الستة قرون الأولى – للقمص تادرس يعقوب ملطي – مرجع سابق – ص 232.
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، مقدمة عن الرسائل وأهميتها
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الأولى عن: الصوم والأعياد
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الثانية بمناسبة عيد القيامة
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الثالثة بمناسبة عيد القيامة
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي، الرسالة الفصحية الرابعة بمناسبة عيد القيامة
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية الخامسة بمناسبة عيد القيامة
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السادسة بمناسبة عيد القيامة
الرسائل الفصحية للقديس أثناسيوس الرسولي الرسالة الفصحية السابعة بمناسبة عيد القيامة
(1)
لنحمل سمات المصلوب:
كتب الطوباوى بولس لأهل كورنثوس[1] أنه كان يحمل دائمًا إماتة الرب يسوع فى جسده، ليس كأنه هو وحده الذى كان يفتخر بهذا، بل أهل كورنثوس يشاركونه هذا الافتخار، ونحن أيضًا معهم. وليتنا نقتدى به فى هذا المضمار يا إخوتى. وليكن هذا هو افتخارنا جميعًا كل حين. وقد اشترك داوود النبى فى هذا قائلاً فى المزامير: “ لأننا من أجلك نُمات اليوم كله. قد حُسبنا كغنم للذبح“[2].
وهذا هو ما يليق بنا، خاصة فى أيام عيد الفصح، عندما يحين تذكار موت مخلصنا. لأن من يتمثل بمخلصنا فى موته يكون مجاهدًا أيضًا فى الأعمال الفاضلة، إذ يكون قد أمات أعضاءه التى على الأرض[3]، وبصلبه الجسد مع الأهواء والشهوات، فإنه يحيا فى الروح، ويسلك خاضعًا للروح[4]. وهو دائم التفكير فى الله، ولا ينساه، ولا يتمم أعمال الموت على الإطلاق.
ولكى نحمل الآن فى جسدنا إماتة الرب يسوع، فقد أضاف الرسول بعد ذلك، مبينًا طريقة مثل هذه الشركة قائلاً: “ فإذ لنا روح الإيمان عينه، حسب المكتوب، آمنت لذلك تكلمت، نحن أيضًا نؤمن ولذلك نتكلم أيضًا“[5]. وقد أردف الرسول أيضًا، متحدثًا عن النعمة التى تنبع من المعرفة: “ عالمين أن الذى أقام الرب يسوع، سيُقيمنا نحن أيضًا بيسوع ويُحضرنا معكم“[6].
(2)
بالإيمان والمعرفة نقبل الفرح السماوى:
وعندما احتضن القديسون مثل هذه الحياة الحقيقية بالإيمان والمعرفة، فإنهم نالوا الفرح السماوى، ذلك الفرح الذى لا يهتم به الأشرار، ولذلك يستحقون الحرمان من البركة الناشئة منه. لأنه قيل: ” ليُؤخذ الشرير بعيدًا لكى لا يرى مجد الرب“[7].
ومع أنهم عندما يسمعون النداء العام الموعود به “ استيقظ أيها النائم، وقم من الأموات“[8]، سوف يقومون، ويأتون حتى إلى السماء، قارعين (الباب) قائلين: “ يا سيد افتح لنا“[9]، لكن الرب سوف يوبخهم، كمن أبعدوا عنهم معرفته، قائلاً: ” لا أعرفكم“[10]. ويصيح الروح القدس ضدهم قائلاً: “ الأشرار يرجعون إلى الهاوية، كل الأمم الناسين الله“[11].
والآن، نحن نقول إن الأشرار مائتون، لكن موتهم ليس موت الحياة النسكية المضادة للخطية، ولا هم مثل القديسين، الذين يحملون الإماتة فى أجسادهم. لكنهم يدفنون النفس فى الخطايا والجهالات، ويصيرون مع الأموات، ويشبعون النفس بالغذاء المُميت، مثل فراخ النسور، التى تحوم فوق جثث الموتى، الأمر الذى نهت عنه الشريعة، وأمرت رمزيًا: ” لا تأكل النسر، ولا أى طير يتغذى على الجثث الميتة“[12]. واعتبرت كل من يأكل الجيف نجسًا.
أما هؤلاء فإنهم يقتلون النفس بالشهوات، ولا يقولون شيئًا سوى: ” لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت“[13]. وبعد ذلك مباشرة يصف النبى نوع الثمر الذى يحمله أولئك الذين يحبون الملذات، إذ يضيف قائلاً: “ فأعلن فى أذنى رب الجنود، لا يغفرن لكم هذا الإثم حتى تموتوا“[14].
نعم، بل إنهم حتى فى حياتهم يكونون فى عارٍ، لأنهم يعتبرون إلههم هو بطنهم، وعندما يموتون يُعذبون لأنهم افتخروا بموتٍ كهذا. ويشهد القديس بولس لهذه النتيجة قائلاً: “ الأطعمة للجوف، والجوف للأطعمة، والله سيبيد هذا وتلك“[15]. وقد سبق أن أعلنت الكلمة الإلهية عن هؤلاء قائلة: ” موت الخطاة شر، ومبغضو الصديق يخطئون“[16]. لذلك يرث الأشرار الدود المر، والظلمة المحزنة.
(3)
كيف يعيش الأبرار؟
أما القديسون وأولئك الذين يمارسون الفضيلة بحق، فإنهم: “ يمُيتون أعضاءهم التى على الأرض: الزنا، النجاسة، الأهواء، والشهوة الرديئة“[17]. ونتيجة لهذا يكونون أنقياءً وبلا عيب، واثقين فى وعد مخلصنا، الذى قال: ” طوبى لأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله“[18].
هؤلاء قد ماتوا عن العالم، وازدروا بتجارة العالم، لذا فإنهم يربحون موتًا مُشرِّفًا، لأنه “ عزيز فى عينى الرب موت أتقيائه“[19]. وهم يقدرون أيضًا على الاقتداء بالرسول القائل: “مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فىَّ“[20]. لأن هذه هى الحياة الحقيقية التى يحياها الإنسان فى المسيح. فإنهم وإن ماتوا عن العالم، لكنهم يعيشون كأنهم فى السماء، مهتمين بتلك الأشياء التى هى فوق، كما قال ذاك الإنسان محب مثل هذه المساكن السماوية: “بينما نحن نسير على الأرض، فإن مسكننا هو فى السماء[21].
كيف يعيد القديسون ؟
والآن، فإن أولئك الذين يحيون هكذا، مشتركين فى فضيلة كهذه، فإنهم وحدهم الذين يستطيعون أن يقدموا المجد لله. وهذا هو ما يعنيه أساسًا العيد والعطلة الرسمية[22]. فالعيد لا يكمن فى الأطعمة الشهية، أو الملابس الفاخرة، أو أيام الراحة، بل تكمل بهجته فى الاعتراف بالله، وتقديم الشكر والتمجيد له[23]. وهذا هو سلوك القديسين وحدهم، الذين يعيشون فى المسيح، لأنه مكتوب: ” ليس الأموات يسبحونك يا رب، ولا من ينحدرون إلى أرض السكوت. لكن نحن الأحياء الذين يباركون الرب من الآن وإلى الدهر“[24].
هكذا كان الأمر مع حزقيا، الذى نجا من الموت[25]، فسبح الله قائلاً: “ أولئك الذين فى الهاوية لا يستطيعون أن يحمدوك، الموتى لا يباركونك. لكن الحى هو الذى يباركك، كما أفعل أنا أيضا (اليوم)“[26]. فالذين يعيشون فى المسيح هم وحدهم الذين يمجدون الله ويباركونه، وبهذا يصعدون إلى العيد، لأن عيد الفصح ليس للأمم (الوثنيين)، ولا لليهود بحسب الجسد، بل لمن يعترفون بالحق الذى فى المسيح، كما صرح ذاك الذى أرُسل لينادى بعيدٍ كهذا قائلاً: “ لأن فصحنا أيضًا المسيح، قد ذبح لأجلنا“[27].
(4)
المسيح إله الأحياء يحيى الجميع
لذلك وإن كان الأشرار يتزاحمون ليُعيدوا، ويسبحون الله كأنهم فى عيد، ويتطفلون على كنيسة القديسين، فإن الله يعنفهم، قائلاً للخاطئ: “ مالك تُحدث بفرائضى؟”[28] والروح القدس الوديع يوبخهم قائلاً: ” ليس حسنًا التسبيح فى فم الخاطئ“[29]. وليس للخطية أى مكان فى تمجيد الله. لأن فم الخاطئ يتحدث فى أمور غير مستقيمة، كما يقول سفر الأمثال: “ فم الأشرار ينبع شرورًا“[30]. لأنه كيف نسبح الله بفم دنس؟ طالما أن الأشياء المتناقضة لا يمكن أن تجتمع معًا؟ ” لأنه أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة؟”[31]، هذا ما يعلنه بقوة بولس خادم الإنجيل.
ولذلك فطالما أن الخطاة، وكل الغرباء عن الكنيسة الجامعة، والهراطقة، والمنشقين، مُستبعدين عن تمجيد الله مع القديسين، فإنهم لا يستطيعون أن يستمروا فى حفظ العيد. أما البار، فإنه وإن كان يبدو ميتًا عن العالم، لكنه يتجاسر على الكلام، قائلاً: ” أنا لا أموت، بل أحيا، وأُحِدث بأعمالك العجيبة“[32].
فإن الله نفسه لا يخجل أن يُدعى إلهًا[33] لأولئك الذين بالحق يُميتون أعضاءهم التى على الأرض[34]، لكنهم يحيون فى المسيح، لأنه هو إله الأحياء، لا إله الأموات. وهو الذى يُحيى جميع البشر بكلمته الحية، ويُعطى المسيح غذاءً، وحياة للقديسين، كما يعلن الرب: “ أنا هو خبز الحياة“[35].
ولما كان اليهود ضعفاء الإدراك، ولم تكن حواسهم مدربة على الفضيلة، لهذا لم يفهموا هذا الحديث عن الخبز، وتذمروا على الرب، لأنه قال: ” أنا هو الخبز (الحى) النازل من السماء، الواهب حياة للبشر“[36].
(5)
الخبز الحى يُحيى من يأكله:
لأن الخطية لها خبزها الخاص المؤدى إلى الموت، وهى تدعو محبى الملذات، وناقصى الفهم قائلة: ” لتسرق خبز الخِفية اللذيذ، والمياه المسروقة حلوة“[37]، لأن من يلمس فقط هذا الخبز لا يُدرك أن المولود من الأرض سوف يهلك معها. لأنه حتى لو ظنَّ الخاطئ أنه سوف يجد لذة، فإن عاقبة ذلك الطعام غير سارة، كما تقول أيضًا حكمة الله: ” خبز الكذب لذيذ للإنسان، لكن فمه بعد ذلك يمتلئ حصى“[38]. و” شفتا المرأة الزانية تقطران عسلاً، يكون حلوًا لحلقك إلى حين، لكنك تجده أخيرًا أكثر مرارة من الافسنتين، وأكثر حدة من سيف ذى حدين“[39].
إذن فهو هكذا يأكل ويفرح لوقت قصير، ولكنه بعد ذلك يرفض بازدراء هذا العسل عندما يذهب بنفسه بعيدًا. لأن الأغبياء لا يدركون أن أولئك الذين يبتعدون عن الله يهلكون. وعلاوة على ذلك، فهناك التحذير النبوى الرادع الذى يقول: “مالك وطريق مصر لشرب مياه جيحون؟ ومالك وطريق أشور لشرب مياه الأنهار“[40]؟ وتُنهى حكمة الله التى تحب البشر عن هذه الأمور، صارخة: ” اهرب سريعًا، لا تلبث فى ذلك المكان، ولا تُثبت عينك عليه، لأنك هكذا تتجاوز(عن) مياه غريبة، وتهجر سريعًا النهر الغريب“[41].
وتدعوهم الحكمة إليها قائلة: ” الحكمة بنت بيتها، ودعمته على سبعة أعمدة، ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها فى الكؤوس، ورتبت مائدتها. أرسلت جواريها، داعية إلى الكأس، منادية بصوت عال، قائلة: ” من هو جاهل فليمل إلىَّ (هنا)، ولناقصى الفهم قالت: هلموا كلوا من طعامى، واشربوا من الخمر التى مزجتها لكم“[42].
فماذا نرجو بدلاً من هذه الأمور؟ “ اتركوا الجهالة فتحيوا، واطلبوا الفهم فتثبتوا“[43]، لأن خبز الحكمة ثمر حى، كما قال الرب: “ أنا هو الخبز الحى، الذى نزل من السماء. إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد“[44]. لأنه رغم أن إسرائيل أكل المن، الذى كان حقًا لذيذًا وجميلاً، إلاّ أنه مات، وبالتالى فمن أكل المن لم يحيا إلى الأبد، بل ماتت كل تلك الجماهير فى البرية. ويعلّمنا الرب قائلاً: ” أنا هو خبز الحياة. آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا. هذا هو الخبز النازل من السماء لكى يأكل منه الإنسان ولا يموت“[45].
(6)
الأبرار يشبعون، والخطاة يشتهون:
الأشرار يشتهون خبزًا كهذا، لأن النفوس المنهمكة فى الملذات تجوع. أما الأبرار فيشبعون لكونهم مستعدين، قائلين: ” أما أنا فبالبر أنظر وجهك. أشبع عندما أرى مجدك“[46]. لأن من يتناول من الخبز الإلهى يجوع دائمًا مشتاقًا، ومن يجوع هكذا ينال موهبة لا تضعف، كوعد الحكمة (الإلهية) القائلة: ” الرب لا يُميت نفس الصديق جوعًا“[47]. وهو يعد أيضًا فى المزامير: ” طعامها أُبارك بركة، مساكينها أُشبع خبزًا“[48].
ونحن أيضًا نسمع مخلصنا يقول: ” طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يُشبعون“[49]. حسنًا إذن ما يفعله القديسون ومحبو الحياة التى فى المسيح، إذ يشتاقون إلى هذا الطعام.
وإن الإنسان ليتضرع بلهفة قائلاً: ” كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسى إليك يا الله! عطشت نفسى إلى الإله الحى. متى أجئ وأتراءى قدام الله؟”[50]، ويتوسل آخر قائلاً: ” إلهى إلهى، إليك أبكر. عطشت إليك نفسى. يشتاق إليك جسدى، فى أرض ناشفة ويابسة، وبلا ماء. هكذا أظهر أمامك فى قداسة لكى أُبصر قوتك ومجدك“[51].
(7)
الخبز الحى والإيمان ومحبة الله:
ولما كانت هذه الأمور هكذا، يا أخوتى، فليتنا نُميت أعضاءنا التى على الأرض[52]، ونتغذى بالخبز الحى، بالإيمان وبمحبة الله، عالمين أننا بدون إيمان يستحيل أن نشترك فى خبز كهذا. لأن مخلصنا، عندما دعا كل الناس إليه، وقال: ” إن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب“[53]، وللحال تحدث عن الإيمان الذى بدونه لا يستطيع إنسان أن ينال خبزًا مثل هذا، وقال: ” من آمن بى، كما قال الكتاب، تجرى من بطنه أنهار ماء حى“[54].
من أجل هذا الهدف كان الرب يغذى تلاميذه المؤمنين بكلماته بصفة مستمرة، ويعطيهم حياة بلاهوته باقترابه منهم. أما المرأة الكنعانية، فلأنها لم تكن قد آمنت بعد، لم يتعطف عليها حتى بالرد، رغم أنها كانت فى أمس الحاجة إلى طعام منه. وهو لم يفعل هذا ازدراءً بها.
حاشا (لأن الرب مُحب البشر، وطيب، ولهذا ذهب إلى ساحل صور وصيدا)، بل لعدم إيمانها، ولأنها لم تكن ممن نالوا الكلمة. وقد فعل الرب هذا بعدل، يا إخوتى، لأنها لم يكن ممكنًا أن تنال شيئًا بمجرد توسلها قبل أن تؤمن. ” لأنه يجب أن الذى يأتى إلى الله يؤمن (أولاً) بأنه موجود، وأنه يجازى الذين يطلبونه. وأنه بدون إيمان لا يمكن إرضاؤه“[55]. هذا ما يعلم به القديس بولس.
ولكى يوضح الرب أن تلك المرأة الكنعانية لم تكن إلى تلك اللحظة قد آمنت بعد، قال: ” ليس حسنًا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب“[56]. وبعد ذلك، إذ اقتنعت بقوة الكلمة، وغيرت طرقها، نالت أيضًا الإيمان، لأن الرب لم يعد يتحدث معها كأنها كلبة، بل تكلم معها باعتبارها مخلوق بشرى قائلاً: ” يا امرأة عظيم إيمانك“[57]. ولأنها آمنت منحها الرب فى الحال ثمر إيمانها قائلاً لها: ” ليكن لك كما تريدين. فشفيت ابنتها من تلك الساعة“.
(8)
لأنه إذ يتغذى الرجل البار بالإيمان والمعرفة، وحفظ الوصايا الإلهية، تكون نفسه دائمًا فى صحة. من أجل هذا كانت الوصية: ” ومن هو ضعيف فى الإيمان فاقبلوه“[58]، وغذوه حتى إن كان لا يقدر أن يأكل خبزًا، بل عشبًا (بقولاً): ” لأن الضعيف يأكل بقولاً“[59]. لأنه حتى الكورنثيون أنفسهم كانوا لا يقدرون أن يأكلوا خبزًا كهذا، إذ كانوا لا يزالون أطفالاً، وكأطفال كانوا يشربون لبنًا. ” لأن كل من يتناول اللبن وهو عديم الخبرة فى كلام البر“[60]، كما قال الرجل الإلهى.
وقد قدم الرسول النصيحة لابنه المحبوب تيموثيئوس، فى رسالته الأولى، ليكون ” متغذيًا بكلمة الإيمان والتعليم الحسن الذى ناله“[61]. وفى رسالته الثانية قال له: ” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذى سمعته منى، فى الإيمان والمحبة التى فى المسيح يسوع“[62].
الرب طعامنا وفرحنا هنا وفى السماء:
وهذا الخبز ليس هو طعام الأبرار فى هذا العالم فقط، يا إخوتى، وليس القديسون على الأرض فقط هم الذين يتغذون بهذا الخبز أى الجسد والدم، لكننا نأكلهما أيضًا فى السماء، لأن الرب هو طعام الأرواح العلوية، والملائكة أيضًا، وهو فرح كل الطغمات السماوية[63].
وهو للكل كل شيء، ويشفق على الجميع كحنان محبته. لقد سبق أن أعطانا الله خبز الملائكة[64]، وهو يعطى الوعد لمن يثبتون معه فى تجاربه قائلاً: ” وأنا أجعل لكم ملكوتًا، كما جعل لى أبى ملكوتًا، لتأكلوا وتشربوا على مائدتى فى ملكوتى، وتجلسوا على أثنى عشر عرشًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر“[65].
آه، يا لهذه الوليمة، يا إخوتى، ويا لانسجام وفرح الذين يأكلون على هذه المائدة السماوية ! لأنهم لا يمتعون أنفسهم بالطعام البائد، بل بالطعام الذى يهب حياة أبدية. إذن من ذا الذى يحسب مستحقًا لذلك الاجتماع؟ من هو المبارك هكذا، حتى يدعى ويحسب مستحقًا لذلك العيد السماوى؟ حقًا ” طوبى لمن يأكل خبزًا فى ملكوتك“[66].
(9)
إن من حسب مستحقًا للدعوة السماوية، وبهذه الدعوة قد تقدس، فإنه، إن تمادى فى إهمالها، يتدنس حتى وإن كان قد اغتسل، لأنه “حسب دم العهد الذى قدس به دنسًا وازدرى بروح النعمة”[67]، ويسمع هذه الكلمات: ” يا صاحب كيف دخلت إلى هنا وليس عليك لباس العرس؟“[68]، ولأن وليمة القديسين طاهرة وبلا لوم، ” لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون“[69].
وأنا أعنى هذا أنه رغم أن يهوذا جاء إلى العشاء، فقد خرج من حضرة الرب، لأنه ازدرى بالعشاء. وإذ تخلى عن حياته شنق نفسه. أما التلاميذ، الذين استمروا مع الفادى، فقد اشتركوا فى سعادة العيد.
اعترف الشاب، فاستحق أكثر مما يطلب
وذلك الشاب الذى ذهب إلى كورة بعيدة، وهناك بذر ماله، وعاش فى الخطية، إذ اشتهى هذه الوليمة الإلهية، عندما رجع إلى نفسه، وقال: ” كم من أجير لأبى يفضل عنه الخبز وأنا هنا أهلك جوعًا!“، ثم قام ورجع لأبيه، واعترف له قائلاً:
” أخطأت إلى السماء وقدامك، ولست مستحقًا أن أدعى لك ابنًا، اجعلنى كأحد أجراك“[70]، فإنه عندما يعترف هكذا، يحسب مستحقًا لأكثر مما يطلب. لأن الأب لا يقبله كأجير، ولا ينظر إليه كأنه غريب، بل يقبله كابن، ويعيده إلى الحياة، كما من الموت، ويحسبه مستحقًا للوليمة الإلهية، ويعطيه ثوبه السابق النفيس، وهكذا يكون تهليل وفرح فى بيت أبيه.
(10)
الله لا يحييه من الموت فقط:
وهذا هو عمل محبة الله الشفوقة وصلاحه: إنه لا يحييه من الموت فقط، بل يظهر محبته بالروح القدس. ولذلك فبدلاً من الفساد يلبسه ثوبًا لا يفسد، وبدل الجوع يذبح العجل المسمن، وبدل السفر البعيد يترقب الأب عودته، ويهيئ حذاء لرجليه. والأعجب جدًا أنه يضع خاتمًا إلهيًا فى يده. وبهذا كله يلده الله من جديد فى صورة مجد المسيح.
عطايا الله لأحبائه
هذه هى عطايا الله الآب، التى بها يكرم الرب ويغذى الذين يثبتون فيه، وأيضًا الذين يرجعون إليه ويتوبون. لأنه يعد قائلاً: ” أنا هو خبز الحياة من يقبل إلى لا يجوع، ومن يؤمن بى فلا يعطش أبدًا“[71].
نحن أيضًا سوف نحسب مستحقين لهذه، إن كنا دوامًا نتمسك بمخلصنا فى كل الأوقات، وإن كنا طاهرين، ليس فقد فى ستة أيام عيد الفصح[72]، بل نحسب حياتنا كلها عيدًا، ونستمر قريبين منه، دون أن نبتعد عنه، قائلين له: ” يارب إلى من نذهب؟ كلام الحياة الأبدية عندك“[73].
ليت البعيدين من بيننا يرجعون معترفين بآثامهم، ولا يكون لنا على أحد شيء، بل بالروح نميت أعمال الجسد[74]. فإننا إذا ما غذينا الروح أولاً هنا سوف نشترك مع الملائكة فى تلك المائدة السماوية الروحية. ولا نقرع الباب ونطرد كالعذارى الجاهلات[75]، بل ندخل مع الرب، كالعذارى الحكيمات اللاتى أحببن العريس، ونظهر إماتة يسوع فى أجسادنا[76]، وننال منه الحياة والملكوت.
(11)
العيد يوم الرب المقدس فى كل شئ:
يبدأ صوم الأربعين يومًا المقدسة فى الثالث والعشرين من أمشير (17 فبراير)، والصوم المقدس الذى للعيد المبارك فى الثامن والعشرين من برمهات (24مارس)، وإذ نضم إلى هذه ستة أيام بعدها فى الصوم والسهر، حسبما يقدر كل واحد، فإننا نستريح فى الثالث من برمودة (29مارس)، فى مساء اليوم السابع.
وأيضًا ذلك اليوم الذى هو مقدس، ومبارك فى كل شئ الذى يحمل اسم المسيح، أى يوم الرب[77]، إذ يهل علينا فى الرابع من برمودة (30مارس). بعد هذا فلنعيد عيد الخمسين. لنعبد الآب كل حين فى المسيح، الذى به وله يليق المجد والسلطان بالروح القدس إلى الأبد. آمين.
يسلم عليكم كل الأخوة الذين معى. سلموا بعضكم على بعض بقبلة مقدسة.
(هنا تنتهى الرسالة الفصحية السابعة
للقديس أثناسيوس البطريرك)
[1] 2كو4: 10.
[2] مز44: 22.
[3] كو3: 5.
[4] غل 5: 24ـ25.
[5] 2كو 4: 1.
[6] 2كو4: 14.
[7] إش26: 10 سبعينية.
[8] أف5: 14.
[9] مت25: 11.
[10] لو13: 25.
[11] مز9: 17.
[12] لا13:11
[13] إش22: 13.
[14] إش22: 14.
[15] 1كو6: 13.
[16] مز34: 21(س).
[17] كو3: 5.
[18] مت5: 8.
[19] مز116: 15.
[20] غل2: 20 .
[21] لا نعرف مصدر هذا القول، لكن انظر الرسالة إلى ديوجنيتس، القطعة9 وكذلك انظر (فى20:3).
[22] انظر الرسالة الثالثة: “ماذا يعنى العيد أيضاً، إلا خدمة الرب؟”.
[23] انظر الرسالة السادسة ، القطعة 3.
[24] مز 115: 17 – 18 .
[25] معروف أن حزقيا نجا من الموت نتيجة صلاته ودموعه، حتى أن الرب أضاف إلى أيامه 15 سنة، انظر إش38: 3–8.
[26] أش 38: 18 – 19.
[27] 1كو 5: 7.
[28] مز 50: 16.
[29] مز 1: 16 ، ابن سيراخ 15: 9.
[30] أم 15: 28.
[31] 2كو 6: 14.
[32] مز 118: 17.
[33] انظر عب 11: 16.
[34] انظر كو3: 5.
[35] يو6: 48 .
[36] انظر يو6: 33.
[37] أم 9: 17.
[38] أم 20: 17.
[39] أم 5: 3 – 4.
[40] أر 2: 18.
[41] أم 9: 18 سبعينية.
[42] أم9: 1ـ5س.
[43] أم9: 6س.
[44] يو6: 51.
[45] يو6: 48ـ50.
[46] مز17: 15 النسخة السبعينية.
[47] أم10: 3.
[48] مز132: 15.
[49] مت5: 6.
[50] مز42: 1.
[51] مز63: 1ـ2 س.
[52] كو3: 5 .
[53] يو7: 37.
[54] يو7: 38.
[55] عب11: 6 .
[56] مت15: 26 .
[57] مت15: 28 .
[58] رو14: 1 .
[59] رو14: 2 .
[60] 1كو3: 1 ، عب5: 13 .
[61] 1تى4: 6.
[62] 2تى1: 13 .
[63] انظر الرسالة الأولى القطعة السادسة .
[64] مز 78: 25 .
[65] لو22: 29ـ30 .
[66] انظر لو14: 15 .
[67] عب10: 29 .
[68] مت 22: 12 .
[69] مت 22: 14 .
[70] لو 15: 17 .
[71] يو6: 35 .
[72] أسبوع الفصح، أى البصخة يعنى الستة أيام السابقة على أحد الفصح .