صراع العلم والدين في القرون الوسطى

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

 

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

 

فعليًا مكانش بين العلم والدين، لكن كان بين العلم والتعاليم اللاهوتية المبنية على أساسات غلط..

تليسكوب جاليليو كان هو اللي فنِّد نهائيًا تفسير: ” قُولُوا بَيْنَ الأُمَمِ: “الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. أَيْضًا تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ فَلاَ تَتَزَعْزَعُ” (مز96: 10) على إنه نص كتابي بيثبت ثبات الأرض وعدم دورانها، وقتها، تحقق العالم، بإن علم الفلك الجديد انقص من قدر المُفسرين وحدهم، لا الكتاب المُقدس (G. Salmon, The Infallibility of the Church, pp. 230ff).

فالاعتراضات الناتجة عن المفسرين دول مكانتش نتاج خطأ في نصوص الكتاب المُقدس، بقدر ما كانت خطأ في عقولهم اللي كان عندها قِصر نظر مُزمن وضعف شديد في الفكر والتدليل، وفوق كل ده هي مُناقضة للكلمات الحكيمة والعملية لمنهج مؤسسي المسيحية. والغريبة إن كتير من الجاهلين بينسبوا الأحداث دي لنزعة الدين نفسه!

واحد من اللاهوتيين الأنجليكان وصف المشهد ده بشكل ممتاز، لما قال: ” إنَّ هؤلاء اللاهوتيون أخفقوا في التمييز بين الفجر وبين الضوء المُنبعث عن حريقة امتدّ لهبها، فانصرفوا وهم أعداء النور”

(Balmes’s Le Protesiantisme compare an Catholicisme, Paris, 1855, vol. ii

نفس الرأي بيقول بيه رئيس أساقفة سبولدينج في كتابه:

(L’Epinois, Galilee, pp.22.)

في الحقيقة آباء الكنيسة مكانش بيهمهم أبدًا الدخول في المواضيع دي، وكانوا بيعتبروها جهد بائد ملوش قيمة بالنسبة للمُعلِم الكنسي، لإن مش دوره إنه يدرس للناس العلوم،
فبيكتب يوسابيوس القيصري:

“إننا لا يجب أن نُفكر في مثل هذه الأشياء، لا لأننا نجهلها، بل لأننا نزدري عملاً تذهب نتائجه سُدى، لذا يجب أن نوّجه أرواحنا في سبيل أتم نفعًا وأسرع انتاجًا”.
والقديس باسليوس الكبير كمان بيقول:

“إنه لمن أتفه الأشياء أن نعرف إن كانت الأرض كرة أو اسطوانة أو قرص، أو أنها مُقعرة الوسط”.
ونفس الكلام دا اتقال من يوحنا ذهبي الفم وإفرام السرياني، ولاكتانتيوس وغيرهم:

للمزيد راجع الشواهد دي من كتابات الآباء:

(For Eusebius, see; the Prcep. Ev., xv, 61. For Basil, see; the Hexameron Hom. ix. For Lactantius, see; his Inst. Div., lib. iii, cap. 3)

كمان بنلاقي نفس الفكر الآبائي دا عند لاهوتيين معاصرين، فبيكتب الأب متى المسكين:قد تكرّرت في الأصحاح الأوّل كلمة “فكان” 6 مرات كتتميم للأمر “فليكن”. ولكن لم يذكر كيف تمّ أو ما هي عملية التكوين. هذا أمر قد ترك للعلم فهو المختصّ بالأمور والظواهر الماديّة. (الأب متّى المسكين، النبوة والأنبياء في العهد القديم، ص 50).

وتلميذه الأب باسليوس المقاري:
من المستحيل عمل مقارنة بين الاكتشافات العلمية الحديثة وبين اعلان الوحي الالهي في الكتاب المقدس، كما يحاول ذلك بعض اصحاب العقليات الساذجة، متصورين ان كاتب سفر التكوين كان يكتب مقالة في علم الجيولوجيا او علم الحياة في العصور الجيولوجية القديمة.

فالحق المُعلن في الكتاب المقدس ليس مثل الحقائق النسبية التي يدرسها العلم او يكتشفها بين الحين والآخر.. بينما العلم يدرس الظاهرات العابرة والمتناثرة، يرقي ويسمو الوحي الإلهي فوق الزمان والمكان نحو الله. (ايماننا المسيحي، الجزء الاول، للراهب باسيليوس المقاري، ص 45).

واللاهوتي الأرثوذكسي ليف جيليه يقول:
الكتاب المقدس لا يدّعي تقديم سرد علميّ للخلق، بل يعبّر برموز ولا يبغى سوى التأكيد على أنّ كلّ ما هو موجود إنما يدين بكيانه لله، فالخليقة لا تملك الكيان، إنّها تحصل عليه، في حين انّ الله هو الكيان، إنّه يمنحه. إنّ نتائج العلوم ونظرية التطور، لا تناقضان في شيء جوهر الروايات الكتابيّة.

فإلانسان الذي خلقه الله كان يشبه خالقه إلى حد ما، وكان معدًّا -وهو الذي يتمتع بالذكاء والحرّيّة- لأن يحب خالقه ويطيعه ويبقى معه. (الأرشمندريت ليف جيليه (راهب من الكنيسة الشرقيّة)، أبانا، مدخل إلى الإيمان والحياة المسيحيّة، ص 12، 13).

وبيوصف مشهد صراع القرون الوسطى دا، وإنه مش من نتاج الدين نفسه، لكن من بعض رجاله، وبيقول العلاَّمة أندور وايت (لا أدري):

“إنَّ النظريات اللاهوتية قد تحطمت وذهبت بددًا وأجزاءًا في أواخر القرن الثامن عشر، أمّا عُقلاء اللاهوتيين فقد تريثوا مُتلبثين، أمّا الحمقى منهم فقد نزعوا إلى الإنذار والتهديد ليقتلعوا جذور الإنكار والكفر، وأنكروا العلم مُعلنين أن الأناجيل صحيحة، في حين أنهم لم يعنوا بقولهم هذا سوى أن الفهم المحدود الذي فهموا به الأناجيل، والذي ورثوه عمن سبقوهم، هو الصحيح”

(Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 48.).

دا كمان رأي المُطران إيريثيئوس فلاخوس، وهو اللاهوتي الأرثوذكسي المُعاصر، وواحد من اللي لهم باع كبير في إرساء التعاليم الآبائية في عصرنا الحاضر، بيقول:

“يصبح اللاهوت دهرياً عندما يرفض جوهره الذي هو قيادة الإنسان إلى التطهر والاستنارة والتمجيد، أي عندما يخسر توجهه الأخروي، وعندما يصبح مؤرّخاً ومجرد جزء من المجتمع. إلى هذا، فاللاهوت يصبح دهرياً عندما يسوده كلياً القلق وعدم الأمان في مواجهة الحجج العلمية بينما هو يستعمل منهجية العلم في التكلم عن الله.

في هذه الحالات، يخلق اللاهوت مشاكل في البحث. بالواقع، يضيّع اللاهوت مهمته إذا لم يكن عنده معطيات وافتراضات أكيدة” (مقال عن الأرثوذكسية والعلم، ترجمه عن اليونانية الأب أنطوان ملكي).

 

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

الصراع بين العلم والتفسيرات الدينية الخاطئة – العلاقة بين العلم والدين ج6

الصراع بين العلم والتفسيرات الدينية الخاطئة – العلاقة بين العلم والدين ج6

 

الصراع بين العلم والتفسيرات الدينية الخاطئة – العلاقة بين العلم والدين ج6

 

في المرات اللي فاتت اتكلمنا عن نشأة وتطور الصراع بين العلم والدين، ودور رجال الدين المسيحي وموقفهم من الصراع دا، وإزاي إن غالبيتهم – على عكس ما يُقال – كانوا مع العلم مش ضده.. وفي البوست دا هنناقش إزاي إن الصراع فعليًا مكانش بين العلم والدين، لكن كان بين العلم والتعاليم اللاهوتية المبنية على أساسات غلط..

تليسكوب جاليليو كان هو اللي فنِّد نهائيًا تفسير: ” قُولُوا بَيْنَ الأُمَمِ: “الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. أَيْضًا تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ فَلاَ تَتَزَعْزَعُ” (مز96: 10) على إنه نص كتابي بيثبت ثبات الأرض وعدم دورانها، وقتها، تحقق العالم، بإن علم الفلك الجديد انقص من قدر المُفسرين وحدهم، لا الكتاب المُقدس (G. Salmon, The Infallibility of the Church, pp. 230ff).

فالاعتراضات الناتجة عن اللاهوتيين دول مكانتش خطأ في نصوص الكتاب المُقدس، بقدر ما كانت خطأ عقولهم اللي كان عندها قِصر نظر مُزمن وضعف شديد في الفكر والتدليل، وفوق كل ده هي مُناقضة للكلمات الحكيمة والأعمال المُتعقلة لمنهج مؤسسي المسيحية. والغريبة إن كتير من الجاهلين بينسبوا الأحداث دي لنزعة الدين نفسه!
واحد من الاهوتيين الأنجليكان وصف المشهد ده بشكل ممتاز، لما قال: ” إنَّ هؤلاء اللاهوتيون أخفقوا في التمييز بين الفجر وبين الضوء المُنبعث عن حريقة امتدّ لهبها، انصرفوا وهم أعداء النور”
(Balmes’s Le Protesiantisme compare an Catholicisme, Paris, 1855, vol. ii.

نفس الرأي بيقول بيه رئيس أساقفة سبولدينج في كتابه:
. L’Epinois, Galilee, pp.22.)

ففي الحقيقة آباء الكنيسة مكانش بيهمهم أبدًا الدخول في المواضيع دي، وكانوا بيعتبروها جهد بائد ملوش قيمة بالنسبة للمُعلِم الكنسي، لإن مش دوره إنه يدرس للناس العلوم، فبيكتب يوسابيوس القيصري:
“إننا لا يجب أن نُفكر في مثل هذه الأشياء، لا لأننا نجهلها، بل لأننا نزدري عملاً تذهب نتائجه سُدى، لذا يجب أن نوّجه أرواحنا في سبيل أتم نفعًا وأسرع انتاجًا”.

والقديس باسليوس الكبير كمان بيقول:
“إنه لمن أتفه الأشياء أن نعرف إن كانت الأرض كرة أو اسطوانة أو قرص، أو أنها مُقعرة الوسط”.

ونفس الكلام دا اتقال من يوحنا ذهبي الفم وإفرام السرياني، وغيرهم:
(للمزيد راجع الشواهد دي من كتابات الآباء: For Eusebius, see; the Prcep. Ev., xv, 61. For Basil, see; the Hexameron Hom. ix. For Lactantius, see; his Inst. Div., lib. iii, cap. 3; also, citationsin Whewell, Hist. Induct! Sciences, London,1857 ,vol. i, p. 194, and in St. Martin, Histoire de la GSograpkie, pp. 216,217)

بيوصف مشهد الصراع دا، وإنه مش من نتاج الدين نفسه، لكن من بعض رجاله، وبيقول العلاَّمة أندور وايت (لا أدري): “إنَّ النظريات اللاهوتية قد تحطمت وذهبت بددًا وأجزاءًا في أواخر القرن الثامن عشر، أمّا عُقلاء اللاهوتيين فقد تريثوا مُتلبثين، أمّا الحمقى منهم فقد نزعوا إلى الإنذار والتهديد ليقتلعوا جذور الإنكار والكفر، وأنكروا العلم مُعلنين أن الأناجيل صحيحة، في حين أنهم لم يعنوا بقولهم هذا سوى أن الفهم المحدود الذي فهموا به الأناجيل، والذي ورثوه عمن سبقوهم، هو الصحيح”
(Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 48.).

دا كمان رأي المُطران إيريثيئوس فلاخوس، وهو اللاهوتي الأرثوذكسي المُعاصر، وواحد من اللي لهم باع كبير في إرساء التعاليم الآبائية في عصرنا الحاضر، بيقول:

“يصبح اللاهوت دهرياً عندما يرفض جوهره الذي هو قيادة الإنسان إلى التطهر والاستنارة والتمجيد، أي عندما يخسر توجهه الأخروي، وعندما يصبح مؤرّخاً ومجرد جزء من المجتمع.

إلى هذا، فاللاهوت يصبح دهرياً عندما يسوده كلياً القلق وعدم الأمان في مواجهة الحجج العلمية بينما هو يستعمل منهجية العلم في التكلم عن الله. في هذه الحالات، يخلق اللاهوت مشاكل في البحث. بالواقع، يضيّع اللاهوت مهمته إذا لم يكن عنده معطيات وافتراضات أكيدة” (مقال عن الأرثوذكسية والعلم، ترجمه عن اليونانية الأب أنطوان ملكي).

 

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

 

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5
 
 

لاهوتيون ورجال دين ساندوا العلم في القرون الوسطى

في المرات اللي فاتت اتكلمنا عن الإيمان وعلاقته بالعقل، واستعرضنا مع بعض عرض تاريخي مُختصر لنشأة الحرب بين العلم والدين، في البوست دا هنتكلم عن رجال الدين اللي ساندوا الأبحاث العلمية والعلماء، في فترة القرون الوسطى، وفي وقتنا الحالي.

دا لإن في فكرة غلط عن إن الكنيسة هي اللي هيجت الحرب ضد العلم والعلماء، ودا مش صحيح 100%، لإن الكنيسة كانت خصم أخير بيحتكموا إليه لما بيختلف العلماء حوالين النظريات العلمية، لإن محاكمة الموضوعات الشبيهة بدا كانت مُهمتها الرئيسية في الوقت دا، ودا طبعًا كان شيء غلط جرها لكتير من السقطات، لكن مكانتش هي شعلة البداية..

فاتنين من رجال الكنيسة هما: نيكولاس شونبرج Schonberg كاردينال كبوا، وتدمان جيزي Tiedeman Giese أسقف كولم ألحوا على كوبرنيكوس إنه ينشر اكتشافاته. حتى إن ويل ديورانت المؤرخ والفيلسوف اشهير (وهو لا أدري) بيقول:

“حقيقة أن باباوات النهضة لم يقفوا موقف العداء من العلم. فقد استمع ليو العاشر وكليمنت السابع إلى أفكار كوبرنيق بذهنين مفتوحين، وتقبل بولس الثالث في غير خوف إهداء كوبرنيق كتابه له، “كتاب الدورات” الذي زلزل العالم” (قصة الحضارة، المُجلد الرابع عشر، ص 115).

وسنة 1581 شيَّد الأسقف كرومر نصب تزكاري لكوبرنيكوس على السور الداخلي لكتدرائية فراونبورج.

الراهب اليسوعي يوسف أكوستا، كان لكتابه: “جزر الهند طبيعيًا وأدبيًا”، أثر مُهم جدًا على تصليط الضوء على الأخطاء الفلكية والجغرافية (Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 125).

البابا بولس الخامس كان على علاقة جيدة بجاليليو وكان بيدعوه بـ”أكبر فلكيِّ الأرض”، وكان بيدعوه دايمًا لزيارة روما. (Ibid, P. 134).
المُصلح الشهير جون ويسلي، وهو مؤسس منهاج كنيسة الإخوة البلاميث حاليًا، قال بفساد نظرية بطليموس وصدق تعاليم كوبرنيكوس (Ibid, 144.).

توماس بارنت، في مُقدمة كتابه: “النظرية المُقدسة في أصل الأرض- Sacred Theory of the Earth”، كتب يقول:

“إذا أمكن البرهنة بالدليل القاطع، خلال البضع سنوات التالية، على أن الأرض تتحرك، بطريقة نافية لكل شك، فإن الذين قاوموا هذا المذهب، مُتخذين من نصوص الوحي أسلحة تقدموا بها في ميدان المُناقشة، سوف يجدون من الأسباب التي تدعوهم إلى طلب التوبة والمغفرة، ما كان يجده القديس أغسطينوس للتكفير عن خطئه لو كان حيًا اليوم”.

(المقصود بخطأ القديس أغسطينوس هو قوله بمذهب الـ”أنتيبود- Antipode”، وهو المذهب الذي يقول بالجهة المُقابلة للجهة المسكونة من الأرض- Ibid, 149.).

الأبوان ريتشولي وبوسكوفيتش اليسوعيان كانت لهم محاولات في إعلاء نظرية جاليليو إلى مصاف النظريات المنطقية.
سنة 1757 راجع البابا بندكت الرابع عشر بنفسه نظريات كوبرنيكوس وجاليليو، وأمر المجمع بالسماح للكتابات دي بالتداول بين العامة فنها لا تحوي أخطاء لاهوتية، والغريب إن الدكتور الجامعي “لالاند- Lalande” هو اللي حاول يمنع تنفيذ القرار دا (Ibid, 155.).

كان لجاليليو أصدقاء كثيرون من “اليسوعيين”، وعمد كريستوفر كلافيوس اليسوعي Christopher Clavius إلى إثبات ملاحظات جاليليو بملاحظاته هو نفسه. وأطنب يسوعي آخر في مدح جاليليو على أنه أعظم الفلكيين في الوقت دا.

كمان في لجنة من الباحثين الجزويت، عينها الكاردينال بللارمين Bellarmine لفحص كشوف جاليليو. فكتبت تقرير أيدت فيه كل النقاط. ولما سافر لروما في 1611 أكرم الجزويت مجيئه على أنه “زميل روماني” لهم. وكتب جاليليو في واحدة من رسايله يقول:

“أقمت مع الآباء اليسوعيين وكانوا قد تحققوا من الوجود الفصلي للكواكب الجديدة، ظلوا يوالون أرصادها لمدة شهرين، وقارننا ملاحظاتنا وأرصادنا فوجدناها متفقة كل الاتفاق” (Fulop-Miller, Jesuits, 397.).

أمَّا في العصر الحاضر، في النقاش الدائر بين الخلقيين والتطوريين (واللي هنتكلم عنه قريب)، بيكتب ريتشارد دوكينز في كتابه “the greatest show on earth” عن الأساقفة ورجال الدين المسيحيين المؤمنين بالتطور، ومعندهمش مشكلة مع النظريات العلمية، وبيرجع مُعارضي التطور لقلة من غير المُطَّلعين –بحسب وصفه- ويقول:

“إنَّ رئيس أسقفة كانتبري Canterbury، ليس لديه مشكلة مع التطور، ولا بابا روما (متغاضين عن التردد العارض بشأن علم الوجود القديم وفكرة روح الإنسان)، ولا القساوسة المثقفين وأساتذة اللاهوت، أمثال:

الأب الموقر ريتشارد هاريس أسقف أكسفورد، سير ديفيد أتنبورو زميل بالجمعية الملكية، الأب كريستوفر هربرت أسقف سانت ألباني، لورد ماي لوكسفورد رئيس الجمعية الملكية، جون أوليفر أسقف هيرفورد، مارك سانتر أسقف برمنجهام، توماس بتلر أسقف ساوثورك، كينيث ستيفينسون أسقف بورتسموث. هذا كتاب عن الأدلة اليقينية على أن التطور حقيقة علمية.

إنه ليس يقصد إلى أن يكون كتابًا ضد الفكر الدينيّ، فلقد قمتُ بهذا من قبل، فهذا قميصٌ آخر، ليس هذا هو مكان لبسي له مجددًا. فإن كثرة من الأساقفة واللاهوتيين الذين أصغوا إلى الأدلة على التطور قد أقلعوا عن الصراع ضدها. بعضهم على مضض، وبعضهم كالأسقف Richard Harries بحماس. لكن الجميع -عدا غير المطلعين علميًا على نحو تعيس- مضطرون لقبول حقيقة التطور. ربما يعتقدون أن الله كان له يد في بدء عملية التطور”.

(Richard Dawkins, The Greatest Show on Earth_ The Evidence for Evolution-Free Press (2009), CH. 1, P. 8.).

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

الصراع مع جاليليو – العلاقة بين العلم والدين ج4

الصراع مع جاليليو – العلاقة بين العلم والدين ج4

 

 

الصراع مع جاليليو – العلاقة بين العلم والدين ج4

 

 

بدأنا في المرة اللي فاتت نتكلم عن بدايات نشأة الصراع بين العلم والدين، وإزاي علم الفلك كان المحور الأول في الصدام دا، وناقشنا بدايته الأولى من عصر الفلاسفة اليونانيين، وفي مطلع العصور الوسطى في أوروبا.. وهنكمل مع بعض في البوست دا، وهنتكلم عن الصراع الملحمي بين جاليليو والكنيسة، وعن الأسباب اللي دعت لاهوتيي القرون الوُسطى لمعارضة علم الفلك الحديث..

اتولد جاليليو جاليلي Galileo Galilei في بيزا في إيطاليا، وكان أستاذ في جامعة بيزا، وخلال مُحاضراته أعلن أكتر من مرة عن إيمانه بنظرية كوبرنيكوس اللي اتكلمنا عنها في البوست اللي فات.

وفي سنة 1609صنع تليسكوب خاص بيه، وعدِّل فيه كتير وحسن من أداءه، لحد ما قدر يخليه يقرب الأجسام ألف مرة ضعف حجمها الطبيعي، ودا كان إنجاز تكنولوجي كبير في عصره مكِّنه من رؤية نجوم ومجرات أُخرى خارج مجرتنا اللي بنسكن فيها، زي مجرة Milky Way، وقدر يشوف إن القمر مش مُجرد سطح أملس مُضيء، لكنه زاخر بجبال وأودية وتضاريس جُغرافية مُختلفة.

المُهم إن محكمة التفتيش (واحدة من المحاكم اللي ظهرت واضمحَّلِت في فترة العصور الوسطى، وكان هدفها الأساسي مُحاربة السحرة والهراطقة وكل الخارجين عن الدين)، أصدرت قرارها ضده بالهرطقة والتمرد على إيمان الكنيسة والعصيان، وعرضت عليه الغُفران مُقابل تأدية قسم يلعن فيه نظرية كوبرنيكوس ويتخلى فيه عن كل آراؤه، ويتلو المزامير لمدة ثلاث سنوات. ووقع على الحكم دا سبعة كرادلة، ورفض البابا إنه يوقع عليه.

اتنفذ عليه الحكم وبعد ثلاث سنين من السجن أمر البابا إنه يعيش في قصر الدوق الأكبر في ترنيتا مونتي وتُحدد إقامته هناك، بعدها بأسبوع اتنقل لمكان أكثر راحة، في قصر تلميذه السابق رئيس الأساقفة أسكانيو بتشولوميني Ascanio Piccolomini في سيِّينّا.

أمَّا عن إن الكنيسة أعدمته، أو إنه بعد المُحاكمة خبط برجله على الأرض وقال: “ولكنها تدور”، كل دا أساطير ملهاش أي أساس من الصحة..
وبعد حوالي 200 سنة من وفاته، سنة 1835، انتصر العلم، وحذفت الكنيسة أسماء كتبه من قائمة الكتب المحظورة..

– إيه هي الأسباب اللي أدت باللاهوتيين إنهم يدخلوا في صراع مع العلم؟

1- نصوص الكتاب المُقدس:

مكانش في استطاعة البروتستانتية الصاعدة في الوقت دا إنها تنصر العلم، وكان موقفها هو هو موقف الكنيسة الكاثوليكية، لإن تعاليمهم تأسست على كتاب مُقدس معصوم حرفيًا وعلميًا، وزي ما قلنا في البوست اللي فات إن دا كلام ملوش أي قيمة وبيجر المسيحية لأمور كتير هي بعيده تمامًا عن هدفها الأساسي، وهو الاتحاد بالله.
فبنلاقي مارتن لوثر رفض اكتشافات كوبرنيكوس الفلكية لإن التوراة ذكرت إن يشوع بن نون أمر الشمس توقف، مش الأرض، وبيقول في كتابه (حديث المائدة)، وهو واحد من أهم الكتب اللي بتوضح فكره اللاهوتي:

“إن الناس يستمعون إلى مُنَجِم مُحدث حاول التدليل على أن الأرض تدور، لا السموات ولا القبة الزرقاء، ولا الشمس ولا القمر… فهذا الأحمق يريد أن يقلب نظام الفلك كله رأساً على عقب. ولكن الكتاب المقدس ينبئنا بأن يشوع أمر الشمس لا الأرض أن تقف” (Table Talk, 69)

واحدة من النصوص الكتابية اللي على أساسها رفض لاهوتيو العصور الوُسطى علم الفلك الجديد، بيعرضها كالفن لما بيقول: “أيضاً تثبتت المسكونة، لا تتزعزع” (مز93) “فمن يجرؤ على ترجيح شهادة كوبرنيق على شهادة الروح القدس؟” (ورد النص في كتاب راسل: Russell, History of Western Philosophy, 528.).

والغريب إن النظرة دي للكتاب المُقدس، بإنه معصوم علميًا، لسه سائدة في عصرنا حتى الآن، وهي نظرة غريبة حتى عن مفهوم الوحي في المسيحية، اللي من خلاله بيوحي الله بفكرة للإنسان، والإنسان بيصيغها بإسلوبه وبثقافته وبطريقة مفهومه لقُرَّاءه المُعاصرين ليه، مش بمعلومات علمية هتيجي بعديه بآلاف السنين، ومفيش أي معنى من وجودها في النص الكتابي! اللي هو في الأصل رسالة روحية مش رسالة ماجستير!

دا غير إن كل المعلومات العلمية المُعاصرة، كان لها شكل بدائي عند الفلاسفة اليونان، لكن اللي ساد في الساحة هو نظرة أرسطو في الطبيعة وفلك بطليموس (ممكن ترجع للبوست اللي فات لمعلومات أكتر في النقطة دي).

2- التعليم بإن كل الأشياء خُلِقت للبشر:

كانت النظرية القديمة عن مركزية الأرض معقولة جدًا بالنسبة للاهوت اللي بيأسس إن كل شيء خُلِق من أجل الإنسان، وإن الإنسان هو مركز الكون كله، عايش في الأرض اللي هي مركز الفضاء، وكل الكواكب والنجوم بتدور حواليها.

فإيه معنى كلمة “السما” إن كان فوق وتحت فقدوا معانيهم لإن الأرض كروية؟! وعلشان كدا نلاقي في واحدة من خطابات جيمس وولف لعالم الفلك المُعارض لكوبرنيكوس تيكو براهي، بيقول فيها: ” ما من هجوم على المسيحية أشد خطراً من القول بضخامة السماوات وعمقها اللانهائيين”.

وبدا أن كل شيء جميل في المسيحية، بـ”يتصاعد دخاناً” (زي ما قال جوته فيما بعد) تحت لمسة علم الفلك الحديث.

وفي الحقيقة النقطة دي غريبة جدًا، برغم إنها واحدة من النقط اللي حارب لأجلها لاهوتيو العصور الوُسطى بشراسة علم الفلك الجديد، لكنها في مُنتهى السخافة، لإن الإنسان مركز الكون لإنه كائن خُلِق علشان يرعى الكون ويسود عليه كإله، طبعًا بمعنى السيادة الإلهية اللي بتعني الأبوة والرعاية، مش السيادة بالمفهوم البشري اللي بتحتم وجود عبد نسود عليه ونمتص خيره.

فالله خلق الإنسان علشان يستمتع بالكون، ويرعاه ويحفظه (يفلحها ويحفظها)، ويكون رأس كل الخليقة، زي ما المسيح صار رأس طبيعنا البشرية، سيد بخدمته في العالم وحفظه ليه وتمتعه بجماله.. حتى لو انحرف المفهوم دا عند كتير من البشر.. واللي جايز العصور الوُسطى لسيادة نظامي الملكية والإقطاع فيها، فمقدرش اللاهوتيين وقتها، أو مُعظمهم، يوصلوا للمفهوم دا..

Exit mobile version