ما هو اللاهوت الدفاعي؟

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

 

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

 

كلمة لاهوت “theology ” مأخوذة عن الكلمة اليونانية “ϑεολογια” وهي كلمة مكونة من مقطعين “ϑεος” ومعناها “الله”، و”λογια” وتعني “علم”. والمُصطلح ككل يعني العلم المُختص بالله، أو هو الحديث ومعرفة كل ما يختص بالله. يعرفه توما الإكويني على النحو التالي:

“هو علم جامع بمعنى أنه يتكلم عن كل الأمور من وجهة نظر الله، فالله ذاته هو الموضوع، وهذه الأمور تشير إليه”.[1] ويوضحه الأب إريثيئوس فلاخوس قائلاً: “اللاهوت بحسب ما ييفترض المصدر اليوناني للكلمة، معنيٌ بالله، ما هو الله، وكيق يصل الإنسان إلى الشركة معه”.[2]

أما كلمة دفاع فهي مأخوذة عن الكلمة اليونانية πολογία– Apologya وتعني: دفاع باسلوب قانوني، أو الحديث بشكل دفاعي للرد على بعض الاتهامات، وخاصة الدفاع الشفوي كما جاءت في (2تي4: 16) “في احتجاجي الاول لم يحضر احد معي “.

وتستخدم في المنهج الديني بمعنى الدفاع عن رسالة الإنجيل والإيمان، كما جاءت في (في1: 7) “كما يحق لي ان افتكر هذا من جهة جميعكم لاني حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الانجيل وتثبيته انتم الذين جميعكم شركائي في النعمة“.[3]

نجد أن كلمة دفاع أو πολογία جائت في كتاب العهد الجديد ثماني مرات، ترجمة في سبع منهم إلى كلمة دفاع، مُحاماة، احتجاج، إجابة كما في النصوص التالية:

 ايها الرجال الاخوة والآباء اسمعوا احتجاجي الآن لديكم. (أع22: 1).

” فاجبتهم ان ليس للرومانيين عادة ان يسلموا احدا للموت قبل ان‏ يكون المشكو عليه مواجهة مع المشتكين فيحصل على فرصة للاحتجاج عن الشكوى‎” (أع25: 16).

” هذا هو احتجاجي عند الذين يفحصونني” (1كو9: 3).

” حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الانجيل” (في1: 7).

” اني موضوع لحماية الانجيل” (في1: 17).

 ” في احتجاجي الاول لم يحضر احد” (2تي4: 16).

” مستعدين دائما لمجاوبة كل من يسألكم- always being prepared to make a defense to anyone” (1بط3: 15).

وترجمة إلى مرة واحدة إظهار أو إيضاح الأمر to make clear  كما في:

” في كل شيء اظهرتم انفسكم انكم ابرياء في هذا الامر- but also what eagerness to clear yourselves ” (2كو7: 11).

فعلم اللاهوت الدفاعي هو العلم المُختص بالحديث عن الله بشكل دفاعي أو بطريقة منطقية بهدف إزاحة العوائق التي تقف أمام العقل البشري حتى يستطيع أن يتّقبل الإيمان. هي صراع من أجل كسب عقول الرجال والنساء، الذين لم يسمع أحد منهم تقديم عقلاني للمسيحية أبدًا طوال حياتهم.[4]

[1] الخلاصة اللاهوتية 7: 1.

[2] الفكر الكنسي الأرثوذكسي، ص 218.

[3] Timothy Friberg, Barbara Friberg and Neva F. Miller, vol. 4, Analytical Lexicon of the Greek New Testament, Baker’s Greek New Testament library (Grand Rapids, Mich.: Baker Books, 2000), 69.

[4] ديانة القوة، إعداد. مايكل سكوت هورتون، ترجمة إدوارد وديع (القاهرة: دار الثقافة، 2008)، ص 54.

 

ما هو اللاهوت الدفاعي؟

ما الغرض من الدفاعيات؟

ما الغرض من الدفاعيات؟

 

ما الغرض من الدفاعيات؟

 

 

هدف الدفاعيات هو التفاعل مع ثقافاتنا المُعاصرة، بدلاً من الهروب منها، أنها تهدف إلى تحويل المؤمنين إلى مُفكرين، والمُفكرين إلى مؤمنين. الدفاعيات تحترم ما تتميز به الكرازة المسيحية من فكر صلب وخيال ثري وعمق روحي، وتعلنه بطرق قادرة على الإندماج في ثقافتنا.[1]

لا يجب النظر إلى الدفاعيات باعتبارها رد فعل دفاعيًا عدائيًا تجاه العالم. فعلى العكس تمامًا، الدفاعيات هي محاولة جعل الإيمان المسيحي مقرؤًا ومفهومًا أمام العالم، هي حركة إزالة الحواجز التي تعوق العقل من تقّبل الإيمان المسيحي.

عادة ما يُساء فهم المؤمنين على أنهم مجموعة من الجهلة البسطاء الذي يعتقدون في الخرافة والمجهول، يأتي هُنا دور الدفاعيات في إزالة تلك المفاهيم الخاطئة عن المؤمنين، فالمسيحي مُطالب أن يتفهم إيمانه ويتعقله ويستخدم ذهنه ويطّلع على الكتابات عامة لا الدينية منها فقط، المسيحي على اعتناق ما يتنافى مع العقل والمنطق –وإن كان يُمكنه أن يؤمن بما يفوق العقل وليس ما يخالفه- فالإيمان المسيحي قابل للشرح والتوصيف بأدلة من المنطق والفلسفة وليس بعيدًا عنها.

وعليه، فالمؤمن يتحرك بدافع قلبي، أو لنقل بدافع حب تجاه الآخر وتجاه العالم، ليس معارضًا للآخر، بل موجهًا مُرشدًا محاولاً توضيح الأمور كما هي عليه، أو إزالة الأفكار الخاطئة عن ما يعتقده الآخر في الإيمان، وهو ليس منه.

الدفاعيات هي دفاع عن الحق بلطف واحترام، الدفاعيات لا تهدف إلى استعداء من هم خارج الكنيسة ولا إهانتهم، بل إلى فتح عيونهم على واقعية الإيمان المسيحي، وصدقه، وملاءمته لحياتهم واحتياجاتهم. لا يجب أن يحدث تعارض أو تناقض بين الرسالة المُعلنة ونبرة اللاهوتي الذي يعلنها، فلابد أن نكون جذّابين، لطفاء، كريمي الخُلق. [2]

فغالبًا ما تتعرض المعتقدات المسيحية إما لسوء فهم أو سوء تفسير. وهذا ما جعل الدفاعيات المسيحية أمرًا ذو ضرورة مُلحة منذ فجر المسيحية وحتى اليوم.[3]

يجب أن نفهم الدفاعيات على أنها ترس في آلة الإيمان الكبيرة، لا يمكن اعتبار هذا الترس وحده هو ما نستطيع من خلاله أن نخلص، ومن الصعب أيضًا أن نعتقد أنه غير ذي أهمية. فللدفاعيات مُهمة مُحددة وهي نشر الوعي برسوخ وعظمة الإيمان المسيحي، عملها هو إزالة العوائق التي تحجب نور الله عن البشرية. فالخلاص لا يتم بالدفاعيات، بل بالحقيقة العظمى المُختصة بالله والمسيح، تلك التي إحدى طرق الوصول إليها هي الدفاعيات.

يمكن تشبيه الدفاعيات بإزاحة الستار حتى يتمكن الناس من رؤية لمحة لما يختبئ وراءها، أو برفع ماسة مقابل النور فتتلألأ وجوهها وتبرق عند سقوط أشعة الشمس عليها. فالدفاعيات تهتم بتأسيس مداخل للإيمان، سواءً تخيلنا هذه المداخل فتح أبواب، أو إزاحة ستار، أو إضاءة مصباح حتى يرى الناس بمزيد من الوضوح، أو استخدام عدسة تضع الأشياء في البؤرة.

والموضوعات الرئيسية في الدفاعيات هي تلك التي تتيح للناس رؤية الأشياء بوضوح، وربما للمرة الأولى، تساعدهم على اكتشاف الأفكار المُضللة، فيدركون فجأة سرّ ما يتمتع به الإيمان المسيحي من قدرة على الإقناع على المستوى الفكري وجاذبية على المستوى التخيلي.

فالدفاعيات تقوم بمد الجسور التي يعبر عليها الناس من العالم الذي يعرفونه إلى العالم الذي يودون اكتشافه، وتساعدهم في العثور على أبواب ربما لم يسمعوا بها من قبل، فيرَون عالماً يفوقُ كل تخيلاتهم ويدخلون فيه. والدفاعيات تفتح العيون وتفتح الأبواب بتأسيس مداخل للإيمان المسيحي.[4]

تُعتبر صورة الشمس والنافذة من أهم الصور التي استخدمها اللاهوتيون في العصور الوسطى لشرح ما تجريه نعمة الله من تغيير في النفس البشرية. وتُعَد كتابات “ألن الذي من لِيل”Alan of Lille  مثالاً جيدًا على هذا حيث يشَبه النفس البشرية بحجرة باردة مظلمة.

ولكن عندما تُفتح النافذة على مصراعيها، يندفع نور الشمس إلى الحجرة فيشيع فيها النور والدفء. إلا أن فتح النافذة لا يدفئ الغرفة ولا ينيرها، ولكنه يزيل حاجزًا من أمام القوة التي يمكنها أن تفعل ذلك، فسبب التغيير الحقيقي هو الشمس. وكل ما نفعله نحن أننا نزيل الحاجز الذي يمنع نور الشمس وحرارتها من دخول الحجرة.

وهذه الصورة تساعدنا على إدراك هذه الفكرة اللاهوتية، وهي أننا لا نتسبب في تغيير الناس وقبولهم للإيمان. ويؤكد “ألن” أننا نحن الذين لا بد أن نفتح نافذة عقولنا على مصراعيها، فتتمكن نعمة الله من العمل في حياتنا، وهكذا ينحصر دورنا في إزالة العوائق من أمام نعمة الله، أما تجديد نفوسنا فهو مهمة هذه النعمة الإلهية.

إلا أن الصورة مهمة في مجال الدفاعيات أيضًا، فهي تُذكرنا أن الله هو من يغير النفوس، وتؤكد في الوقت نفسه أننا قادرون على تيسير هذه العملية بالمساهمة في إزالة الحواجز والعوائق التي تقف أمام نعمة الله.[5]

فأفضل دفاع عن المسيحية هو شرحها. أي أنك إن أردت أن تدافع عن المسيحية أو تبرز جمالها، فأفضل السبل لذلك أن تبدأ بتعريف الناس بماهية المسيحية، لأن الكثيرين لديهم مفاهيم خاطئة عن المسيحية تعيق قبولهم للإيمان. ومن أروع الأمثلة على ذلك مثال يقدمه اللاهوتي العظيم القديس أغسطينوس الذي قبِل الإيمان بعد جولة طويلة في أراضي الفلسفة المجدبة.[6] 

كان أغسطينوس شابًا موهوبًا في الخطابة[7] من شمال أفريقيا، وقد صاحب المانويين، وهي طائفة كانت شديدة الانتقاد للمسيحية، هكذا استقى جُل معرفته بالمسيحية من نُقادها، لم تكن بالمعرفة الدقيقة. ورفض أغسطينوس المسيحية باعتبارها لا تستحق اهتمام شخص في ثقافته وذكائه.

وكان أغسطينوس طموحًا، فقرر أن يكون رجلاً ناجحًا في عاصمة الإمبراطورية، فغادر شمال أفريقيا متجهًا إلى روما. وبعد فترة وجيزة من وصوله، عُرِضَت عليه وظيفة خطيب عام في ميلانو، وهي المدينة الرئيسية في شمال إيطاليا.

ونظرًا لإدراكه بأن هذه الوظيفة يمكن أن تمثل بداية لحياة مهنية ذات شأن في العمل المدني بالإمبراطورية، رحب أغسطينوس بالعرض. إلا أنه كان يعلم أيضًا أن تقدمه في المجال السياسي يعتمد على قدراته البلاغية. فمن يستطيع أن يساعده في تطوير هذه المهارات؟

اكتشف أغسطينوس بعد وصوله إلى ميلانو أن أمبروسيوس Ambrose أسقف المدينة المسيحي مشهور ببراعته في الخطابة، فقرر أن يكتشف بنفسه ما إذا كان يستحق هذه الشهرة. فكان كل يوم أحد يتسلل إلى الكاتدرائية الكبيرة في المدينة ويستمع لعظات الأسقف. وفي البداية لم يكن اهتمامه بالعظات سوى اهتمام الشخص المتخصص الذي ينظر للعظة باعتبارها خطبة فخمة. ولكن محتوى العظات بداً يستحوذ عليه تدريجيًا. فنجده يكتب:

“اعتدت أن أسمع عظاته متحمسًا، ولكني لم أكن مدفوعاً لذلك بالدافع الصحيح، بل كنتُ أريد أن أختبر مهارته في الخطابة لأرى ما إذا كانت طلاقته أفضل مما قيل لي عنه أم أدنى… ولكني لم أكن مهتمًا بما يقول، وكانت أذناي لا تتجه سوى نحو أسلوبه في الخطابة… إلا أنه كما دخلت الكلمات التي أمتعتني إلى عقلي، هكذا دخلت المادة التي لم أكن أعبأ بها في بادئ الأمر، حتى إني لم أتمكن من الفصل بينهما. فبينما كنت أفتح قلبي لفصاحته، دخل معها أيضًا الحق الذي كان يعلنه”.[8]

وكما يتضح من رحلة أغسطينوس الطويلة إلى الإيمان، نجح أمبروسيوس (الذي أصبح أغسطينوس يعتبره واحدًا من أبطال اللاهوت) في إزالة عائق ضخم من طريق الإيمان. فقد أبطل مفعول الصورة المغلوطة التي روّجتها المانوية عن المسيحية.

وبعد أن استمع أغسطينوس لأمبروسيوس بدأ يدرك أن المسيحية أكثر جاذبية وإقناعًا مما كان يظن بكثير. وهكذا أزيل عائق يقف أمام الإيمان. وبالرغم من أن أغسطينوس لم يؤمن بالمسيحية إلا بعد فترة، فقد كان لقاؤه مع أمبروز علامة بارزة على طريق البحث.[9]

فالدفاعيات المسيحية تعني بتوصيل فرح الإيمان المسيحي واتساقه وملاءمته للحياة من ناحية، وبالتعامل مع ما يواجهه الناس من شكوك ومخاوف وتساؤلات حول الإيمان من ناحية أخرى. وهذا ما نراه منذ زمن العهد الجديد حتى الآن.[10] والدفاعيات تؤكد وجود إجابات أمينة ومقنعة للأسئلة المخلصة التي يسألها الناس عن الإيمان. وهذه الأسئلة لابد أن تُحترم وتؤخذ على محمل الجد. والأهم من هذا، أنه يجب الإجابة عليها. والأهم من هذا وذاك أن الإجابات موجودة.

وتختلف الأسئلة التي تثار حول الإيمان من ثقافة إلى أخرى. فالكُتّاب المسيحيون الأوائل، على سبيل المثال، انشغلوا بكيفية مواجهة نقد الفلسفة الأفلاطونية لمعتقداتهم من ناحية، وبكيفية تصميم أسّاليب فعّالة لتوصيل إيمانهم وإبراز جماله للأفلاطونيين من ناحية أخرى. في حين أنه في بداية العصور الوسطى ركز الكثير من اللاهوتيين في أوروبا الغربية، ومن بينهم الفيلسوف العظيم توما الأكويني، على الأسئلة الدفاعية التي أثارها الكُتَّاب المسلمون.[11]

فالنقطة المهمة هُنا أن تفهم مستمعيك وتتعرف على شكوكهم وأسئلتهم. ولا يجب أن تنظر إلى هذه الأسئلة باعتبارها تهديدات مكروهة، بل رحِّب بها على اعتبار أنها يمكن أن تمثل مداخل للإيمان. فالسؤال يعني أن صاحبه مهتم وراغب في الاستماع.

وقد يكون هدف السائل أن يسدد لك الضربة القاضية بسؤاله، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالسؤال يتيح لك فرصة ذهبية لتوصيل الإنجيل عليك أن تُقّدرها وتنتهزها، لأن هذا النوع من الأسئلة يمنحك الفرصة لتزيل الغموض عن بعض ألغاز الحياة العويصة، ومن هذه النقطة يمكنك أن تشرح الرؤية المسيحية للواقع وتبرز حُسنها. ففي دفاعك عن المسيحية، لا داعي لتكوين توجه دفاعي، وكأنك تدافع عن عقيدتك ضد هجوم يُشن ضدها.

\ولكن عليك أن تنظر لكل سؤال على أنه فرصة لإزالة سوء الفهم، وإظهار مصداقية الإيمان وجاذبيته، والحديث عن تأثيره على الحياة. ومن ثم، لابد من الترحيب بالأسئلة ولابد من تكوين إجابات جيدة وتقديمها للسائل. والإجابات متوفرة بالفعل، وليس علينا سوى أن نكتشفها ونطّوعها بما يتناسب مع مهاراتنا في الحديث ومع الجمهور الذي نتفاعل معه.

فالدفاعيات ليست مُشاجرة ولا عراكًا ثنائيًا، بين من هم في ضلال مُطلق ومن يمتلكون الحق المُطلق. فالدفاعيات ليست حرب بل هي مُحاججة، نُقدم من خلالها البراهين المنطقية والأخلاقية والتاريخية على حقيقة ما نؤمن به. وبينما نقوم بأداء هذه المُحاججة، فإننا نضع في أعمق أعماق أذهننا أننا لسنا “مُلاَّك الحقيقة المُطلقة”، فلا يُمكن تخيل مدى الفساد الذي ينحدر بمن يظنون أن لديهم تفويضًا إلهيًا.

نحن نثق في إيماننا، لكن هذا لا يعني أن أفكارنا البشرية، وتفسيراتنا لهذا الإيمان، دائمًا صحيحة ودائمًا على صواب، فربما هُناك تفسيرات أُخرى لذات الإيمان، ولكنها تعالجه بشكل أفضل كثيرًا من قناعتنا الحالية.

[1] أليستر ماجراث، الدفاعيات المُجردة، ص 13.

[2] الدفاعيات المُجردة، 18.

[3] كما سنرى في الفصول القادمة المختصة بتاريخ علم اللاهوت الدفاعي.

[4] الدفاعيات المجردة، 127.

[5] المرجع السابق، 127، 128.

[6] Peter Brown, Augustine of Hippo (London: Faber & Faber, 1967).

[7] الخطابة: هي فن الإقناع وقد ظهرت في بدايات القرن الخامس قبل الميلاد في الكتاب الثاني من الإلياذة، والذي يتحدث عن الحملة الإغريقية المُتجهة نحو طروادة، فمصيرها كان يعتمد على قدرة الخطباء على إقناع الجنود بالبقاء في صفوف الحرب وحضهم على القتال بشجاعة.

وقد استحدثت الحياة الديموقراطية في أثينا نوعين من الخطابة، وهما: 1- ويقوم بها رجل فصيح يُمثل الدولة بإقناع أعضاء المجلس على التصويتا لأجل مقترحاته. 2- الخطابة القضائية، وقد أسسها شخص يُدعى كوراكوس، وهي أشبه بما يفعله المحامون اليوم من دفاع أمام المحاكم العامة، وكانت تتكون من (مقدمة- موضوع- برهان- خاتمة). أحمد عتمان، الأدب الإغريقي تراثًا إنسانيًا وعالميًا، ص 497: 500.

[8] Augustine, Confessions V.xiii.23-xiv.25.

[9] الدفاعيات المجردة، 130 ، 131.

[10] For apologetic motifs in the New Testament, see Avery Dulles, A History of Apologetics (San Francisco: Ignatius Press, 2005), 1-25.

[11] الدفاعيات المجردة، 157.

 

ما الغرض من الدفاعيات؟

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

 

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

 

فعليًا مكانش بين العلم والدين، لكن كان بين العلم والتعاليم اللاهوتية المبنية على أساسات غلط..

تليسكوب جاليليو كان هو اللي فنِّد نهائيًا تفسير: ” قُولُوا بَيْنَ الأُمَمِ: “الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. أَيْضًا تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ فَلاَ تَتَزَعْزَعُ” (مز96: 10) على إنه نص كتابي بيثبت ثبات الأرض وعدم دورانها، وقتها، تحقق العالم، بإن علم الفلك الجديد انقص من قدر المُفسرين وحدهم، لا الكتاب المُقدس (G. Salmon, The Infallibility of the Church, pp. 230ff).

فالاعتراضات الناتجة عن المفسرين دول مكانتش نتاج خطأ في نصوص الكتاب المُقدس، بقدر ما كانت خطأ في عقولهم اللي كان عندها قِصر نظر مُزمن وضعف شديد في الفكر والتدليل، وفوق كل ده هي مُناقضة للكلمات الحكيمة والعملية لمنهج مؤسسي المسيحية. والغريبة إن كتير من الجاهلين بينسبوا الأحداث دي لنزعة الدين نفسه!

واحد من اللاهوتيين الأنجليكان وصف المشهد ده بشكل ممتاز، لما قال: ” إنَّ هؤلاء اللاهوتيون أخفقوا في التمييز بين الفجر وبين الضوء المُنبعث عن حريقة امتدّ لهبها، فانصرفوا وهم أعداء النور”

(Balmes’s Le Protesiantisme compare an Catholicisme, Paris, 1855, vol. ii

نفس الرأي بيقول بيه رئيس أساقفة سبولدينج في كتابه:

(L’Epinois, Galilee, pp.22.)

في الحقيقة آباء الكنيسة مكانش بيهمهم أبدًا الدخول في المواضيع دي، وكانوا بيعتبروها جهد بائد ملوش قيمة بالنسبة للمُعلِم الكنسي، لإن مش دوره إنه يدرس للناس العلوم،
فبيكتب يوسابيوس القيصري:

“إننا لا يجب أن نُفكر في مثل هذه الأشياء، لا لأننا نجهلها، بل لأننا نزدري عملاً تذهب نتائجه سُدى، لذا يجب أن نوّجه أرواحنا في سبيل أتم نفعًا وأسرع انتاجًا”.
والقديس باسليوس الكبير كمان بيقول:

“إنه لمن أتفه الأشياء أن نعرف إن كانت الأرض كرة أو اسطوانة أو قرص، أو أنها مُقعرة الوسط”.
ونفس الكلام دا اتقال من يوحنا ذهبي الفم وإفرام السرياني، ولاكتانتيوس وغيرهم:

للمزيد راجع الشواهد دي من كتابات الآباء:

(For Eusebius, see; the Prcep. Ev., xv, 61. For Basil, see; the Hexameron Hom. ix. For Lactantius, see; his Inst. Div., lib. iii, cap. 3)

كمان بنلاقي نفس الفكر الآبائي دا عند لاهوتيين معاصرين، فبيكتب الأب متى المسكين:قد تكرّرت في الأصحاح الأوّل كلمة “فكان” 6 مرات كتتميم للأمر “فليكن”. ولكن لم يذكر كيف تمّ أو ما هي عملية التكوين. هذا أمر قد ترك للعلم فهو المختصّ بالأمور والظواهر الماديّة. (الأب متّى المسكين، النبوة والأنبياء في العهد القديم، ص 50).

وتلميذه الأب باسليوس المقاري:
من المستحيل عمل مقارنة بين الاكتشافات العلمية الحديثة وبين اعلان الوحي الالهي في الكتاب المقدس، كما يحاول ذلك بعض اصحاب العقليات الساذجة، متصورين ان كاتب سفر التكوين كان يكتب مقالة في علم الجيولوجيا او علم الحياة في العصور الجيولوجية القديمة.

فالحق المُعلن في الكتاب المقدس ليس مثل الحقائق النسبية التي يدرسها العلم او يكتشفها بين الحين والآخر.. بينما العلم يدرس الظاهرات العابرة والمتناثرة، يرقي ويسمو الوحي الإلهي فوق الزمان والمكان نحو الله. (ايماننا المسيحي، الجزء الاول، للراهب باسيليوس المقاري، ص 45).

واللاهوتي الأرثوذكسي ليف جيليه يقول:
الكتاب المقدس لا يدّعي تقديم سرد علميّ للخلق، بل يعبّر برموز ولا يبغى سوى التأكيد على أنّ كلّ ما هو موجود إنما يدين بكيانه لله، فالخليقة لا تملك الكيان، إنّها تحصل عليه، في حين انّ الله هو الكيان، إنّه يمنحه. إنّ نتائج العلوم ونظرية التطور، لا تناقضان في شيء جوهر الروايات الكتابيّة.

فإلانسان الذي خلقه الله كان يشبه خالقه إلى حد ما، وكان معدًّا -وهو الذي يتمتع بالذكاء والحرّيّة- لأن يحب خالقه ويطيعه ويبقى معه. (الأرشمندريت ليف جيليه (راهب من الكنيسة الشرقيّة)، أبانا، مدخل إلى الإيمان والحياة المسيحيّة، ص 12، 13).

وبيوصف مشهد صراع القرون الوسطى دا، وإنه مش من نتاج الدين نفسه، لكن من بعض رجاله، وبيقول العلاَّمة أندور وايت (لا أدري):

“إنَّ النظريات اللاهوتية قد تحطمت وذهبت بددًا وأجزاءًا في أواخر القرن الثامن عشر، أمّا عُقلاء اللاهوتيين فقد تريثوا مُتلبثين، أمّا الحمقى منهم فقد نزعوا إلى الإنذار والتهديد ليقتلعوا جذور الإنكار والكفر، وأنكروا العلم مُعلنين أن الأناجيل صحيحة، في حين أنهم لم يعنوا بقولهم هذا سوى أن الفهم المحدود الذي فهموا به الأناجيل، والذي ورثوه عمن سبقوهم، هو الصحيح”

(Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 48.).

دا كمان رأي المُطران إيريثيئوس فلاخوس، وهو اللاهوتي الأرثوذكسي المُعاصر، وواحد من اللي لهم باع كبير في إرساء التعاليم الآبائية في عصرنا الحاضر، بيقول:

“يصبح اللاهوت دهرياً عندما يرفض جوهره الذي هو قيادة الإنسان إلى التطهر والاستنارة والتمجيد، أي عندما يخسر توجهه الأخروي، وعندما يصبح مؤرّخاً ومجرد جزء من المجتمع. إلى هذا، فاللاهوت يصبح دهرياً عندما يسوده كلياً القلق وعدم الأمان في مواجهة الحجج العلمية بينما هو يستعمل منهجية العلم في التكلم عن الله.

في هذه الحالات، يخلق اللاهوت مشاكل في البحث. بالواقع، يضيّع اللاهوت مهمته إذا لم يكن عنده معطيات وافتراضات أكيدة” (مقال عن الأرثوذكسية والعلم، ترجمه عن اليونانية الأب أنطوان ملكي).

 

صراع العلم والدين في القرون الوسطى

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

 

 

الفصل السادس

ما معني اتحاد اللاهوت بالناسوت وكيف تم؟

 

 س 1: إذا كان المسيح واحداً هو كلمة الله الذي صار جسدا أو هو الله الذي ظهر في الجسد ؛ فما معني تعبيرات : ” تجسد ” و ” اتحاد اللاهوت بالناسوت ” و” طبيعة واحدة متجسدة ” و ” طبيعتين ” و ” في طبيعتين ” و ” من طبيعتين ” و ” أقنوم ” و ” إله تام وإنسان تام ” و كامل في لاهوته وكامل في ناسوته ” ؟

& أوضحنا أن الكتاب المقدس لم يتكلم سوي عن مسيح واحد هو كلمة الله الذي هو الله والذي صار جسدا في ملء الزمان ، الله الذي ظهر في الجسد ، صورة الله المساوي لله الذي أتخذ صورة العبد ، وهو نفسه يتكلم عن نفسه باعتباره شخص واحد ، مسيح واحد ، وان كان قد تكلم عن نفسه تارة كإله وتارة كإنسان . ومن تأملنا في شخصه الإلهي نري بمنظار الكتاب المقدس انه الإله القدير الذي ظهر في الجسد وصار الإله المتجسد ، أي الذي أتخذ جسدا ، والذي أصبح يحوي في ذاته اللاهوت والناسوت .

  فهو الله الأبدي الأزلي ، الذي لا بداية له ولا نهاية ، الإله الواحد ، الإله العظيم ، الإله الحكيم ، الإله القدير ، الإله المبارك ، وهو أيضا كلمة الله وحكمة وقوة الله وصوره الله وبهاء مجده ورسم جوهره . هو الله بجوهره وكيانه أي بطبيعته(1) . وبعد أن صار جسدا ، في ملء الزمان ، وحل بيننا ، ظهر في الجسد ورأته الخليقة في صورة العبد وفي شبه الناس وهيئة الإنسان ، اصبح إنساناً وابن إنساناً ، فقد ولد من العذراء حقا ومن ثمرة بطنها من لحم ودم وعظام وروح ونفس ، ومن ثم فهو أيضا إنسان بجوهره وكيانه أي بطبيعته ، فهو كامل (تام) في لاهوته وكامل (تام) في ناسوته (إنسانيته) . 

  ونظرا لأن جوهر الله غير مدرك ولا محسوس ، أو كما قال السيد نفسه ” الله روح ” والروح بسيط وغير مركب ، وجوهر الإنسان مدرك بالحواس ومركب وهو عكس الروح ” لأن الروح ليس له لحم ولا عظام ” (لو39:24) ، وان الله لما تجسد لم يتحول إلى جسد إنما اتخذ جسدا وحل فيه وظهر فيه وبه بين الناس ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو18:1) ، وكما قلنا انه كامل في لاهوته وكامل في ناسوته بدون تغيير أو تحول ، ومن ثم فقد اضطر آباء الكنيسة وعلماؤها (كما بينّا في الفصول الأولى) لوضع مصطلحات وصيغ لاهوتية مبنية ومستخرجة ومأخوذة من نصوص الكتاب المقدس ذاته واستخدموها سواء في المجامع المسكونية المقدسة أو في كتاباتهم سواء الدفاعية أو التفسيرية وذلك لتحديد الإيمان السليم المبني علي المسيح نفسه وكتابه المقدس . ومع ذلك نؤكد أن هذه المصطلحات والصيغ لا تعبر عن حقيقة التجسد الذي هو سر يفوق العقل ولا يعلمه إلا الله وحده ، إنما تقربه من عقولنا فقط .

† فقد استخدموا كلمة ” أقنوم – Hypostasis  – όηποστασις ” بمعنى الكيان ، فعندما نقول أقنوم واحد نعني كيان واحد ، فالإنسان المكون من روح وجسد هو أقنوم واحد ، كيان واحد ، وشخص واحد . والرب يسوع المسيح بلاهوته وناسوته هو أقنوم واحد ، هيبوستاس واحد ، وشخص واحد .

† وكلمة طبيعة (φύσις – physis – فيزيس) والتي تعبر عن جوهر الكائن ؛ فالطبيعة إذا هي ما يجعل الكائن علي ما هو عليه(2). لشرح كيف أن شخص المسيح يضم في ذاته ، بعد التجسد ، طبيعة اللاهوت (طبيعة الله) وطبيعة الناسوت (طبيعة الإنسان) في أقنوم واحد هو شخص المسيح أو ” طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ” ، ” واحدة هي طبيعة الكلمة المتجسد ” .

: واستخدموا كلمة ” اتحاد –   Unity /Union- ενοςιν) ” للتعبير عن الوحدة بين اللاهوت والناسوت أو الاتحاد الكائن بين لاهوت الرب يسوع المسيح وناسوته . وأيضا ” الاتحاد الأقنومي – Hypostatic Union ” الذي وصفه القديس كيرلس بكونه ” اتحاداً طبيعياً ” ، ” اتحاداً شخصياً ” ، ” وحدة حقة ” اتحد ابن الله بطبيعتنا وجعلها خاصة به(3)، فتحقق فيه اتحاد حق بين اللاهوت والناسوت برغم اختلاف الطبيعتين ، في طبيعة واحدة متجسدة ” طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ” و ” أقنوم وحد متجسد لله الكلمة ” . فكيف تم هذا الاتحاد بين اللاهوت والناسوت ؟

E س 2 : إذا كيف تم الاتحاد بين اللاهوت والناسوت ومتي تم ؟ وهل أوجد الله الناسوت أولا ثم حل فيه وأتحد به أم ماذا ؟

& أولا : لم يستخدم الكتاب تعبير الاتحاد بين اللاهوت والناسوت وإنما استخدام نصوص اقوي وأبلغ دلاله من الاتحاد وذلك للتعبير عن تجسد كلمة الله :

† ” والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجدا ” (يو14:1) .

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

† ” الذي فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9:2) .

 †” الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاسا لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت ” (في5:2-7) .

† ” هوذا العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا ” (اش14:7؛ مت23:1) .

† ” لأنه يولد لنا ولد ونعطي ابنا وتكون الرياسة علي كتفه ويدعي اسمه عجيبا مشيرا إلها قديرا أبا أبديا رئيس السلام ” (اش6:9) .

† ” وأنت يا بيت لحم ارض يهوذا 000 سيخرج منك مدبرا 000 ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل ” (مي2:5) . 

† ” إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما 000 من ثم كان ينبغي أن يشبه اخوته في كل شئ ” (عب14:2) .

  هذه الآيات ، وغيرها ، هي التي استخدمها الكتاب المقدس للتعبير عن تجسد الله الكلمة .

  فقد قال الكتاب انه ، المسيح ، قد حبل به من العذراء وولد ولدا من بني إسرائيل بحسب الجسد ؛ ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلها مباركا إلى الأبد آمين ” (رو5:9) ، انه ولد من العذراء ، بالجسد ، وفي بيت لحم ، بالجسد ، ومن نسل إبراهيم وداود بحسب الجسد وكان تجسده حقيقيا إذ اخذ جسدا حقيقيا من لحم ودم وعظام كما كان له روح ونفس .

  ولكن كيف اتخذ هذا الجسد ؟ فقد ” صار جسدا ” ، ” ظهر في الجسد ” ، ” حل اللاهوت في الناسوت ” ، ” أخلى نفسه ” ، وضع نفسه وصار جسدا ، أخذا صورة العبد وصائرا في هيئة الإنسان بل وشابه الإنسان في كل شئ ما عد الخطية ” مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ” (عب15:4) ، لأنه جاء ” في شبة جسد الخطية ” (رو3:8) .

   وهذه التعبيرات ؛ ظهر في الجسد ، حل اللاهوت في الناسوت ، صار الكلمة جسدا ، أخلى صورة الله ذاته ووضع نفسه وأخذ صورة الإنسان ، ولد من العذراء من نسل إبراهيم وداود ، وفي بيت لحم ، اخذ كل ما للبشرية وشابهنا في كل شئ  وهو الله ذاته ، بكل ملء لاهوته ، صورة الله المساوي لله ، الله معنا ، الإله القدير ، الأزلي الأبدي ، الكائن علي الكل ، الله المبارك ؛ وضع لها الآباء تعبير ؛ الاتحاد ، اتحاد اللاهوت والناسوت ، اتحاد اللاهوت بالناسوت للتعبير عن تجسد الكلمة

الذي تم في ملء الزمان .

   أما كيف تجسد الكلمة وكيف صار جسدا وكيف اتخذ صورة الله صورة العبد ، كيف ظهر الله في الجسد وكيف حل اللاهوت في الناسوت وكيف حبلت به العذراء وولدته فهذا مالا يدركه عقل ، لا عقل البشر ولا حتى اسمي وأرفع الملائكة رتبه . انه سر يفوق أدراك جميع المخلوقات ولا يعلمه سوي الله وحده لأنه يختص به وحده ، فهو الذي تجسد وهو وحده الذي يعرف كيف تجسد ، وقد أعلن الرب يسوع المسيح أن اليهود وان كانوا قد عرفوه انه ” النجار ابن مريم ” (مت55:13؛ مر6:3) ، لكنهم لم يعرفوا حقيقة شخصه وحقيقة تجسده ، كما أن التلاميذ وإن كانوا قد عرفوا ، بالروح ، انه ” المسيح ابن الله الحي ” (مت16:16) لكنهم ، قبل أن يحل الروح القدس عليهم ، لم يعرفوا حقيقة شخصه كما يجب ولا عرفوا سر تجسده . وان كان الملائكة قد عرفوا حقيقة شخصه إذ بشر الملاك جبرائيل العذراء بالحبل به وولادته وهتفت الملائكة يوم مولده قائلين :

† ” انه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص هو المسيح الرب ” (لو11:2) .

† ” المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة ” (لو14:2) .

  وكانوا خداما له في أيام تجسده علي الأرض ” وصارت الملائكة تخدمه ” (مت11:4؛ مر13:1) ، إلا انهم لم يعرفوا كيفية تجسده فهذا سر يختص به وحده ولا يعلمه سوي هو وحده ، فهو الغير محدود في الزمان أو المكان أو العلم أو القدرة ولا تدركه عقول المخلوقات المحدودة ، وقد قال عن نفسه :

† ” ليس أحد يعرف من هو الابن إلا الآب ولا من هو الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له ” (مت27:11؛ لو22:10) ، انه وحده الذي يعرف ذاته وحقيقة تجسده ، ولذا كرر لمستمعيه :

† ” لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبى أيضا ” (يو19:8) .

  لماذا ؟ يقول ؛ ” انتم من أسفل . أما أنا فمن فوق انتم من هذا العالم أما أنا فلست من هذا العالم  ” (يو23:8) .

 

† ” لو كنتم عرفتموني لعرفتم أبى أيضا ” (يو17:4) .

† ” انهم لم يعرفوا الأب ولا عرفوني ” (يو3:16) .

  وقال عنه يوحنا المعمدان بالروح :

† ” في وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه ” (يو26:1) .

  وقال عنه يوحنا الإنجيلي واللاهوتي بالروح:  

† ” كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم ” (يو10:1) .

  وقال القديس بولس الرسول بالروح :

† ” لا يقدر أحد أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس ” (1كو3:12) .

  لماذا ؟ لأن الروح القدس هو ” روح المسيح ” (رو9:8) ، كما انه روح الآب (يو26:15) ، وطبعا روح الله الذي هو الله يعرف حقيقة ذات الله ؛ ” الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله ” (1كو10:2) ، ” لأن من من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه . هكذا أيضا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله ” (1كو11:2،12) . انه وحده الذي يعرف حقيقة ذاته وحقيقة تجسده أما نحن ، البشر ، فلا نعرف شيئاً عن الله سوي الأشياء الموهوبة لنا من الله (1كو12:2) ، كما يقول القديس بولس الرسول بالروح .

  وقد دعا الكتاب المقدس تجسد الكلمة بالسر العظيم :

† ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد ” (1تي16:3) .

  انه سر لا يعلمه سوي صاحبه وصاحبه هو الله :

† ” السر الذي كان مكتوما في الأزمنة الأزلية ” (رو16 : 25) .

† ” سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا ” (1كو7:2) .

† ” السر المكتوم منذ الدهور في الله خالق الجميع بيسوع المسيح ” (أف9:3) .

† ” السر المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال لكنه الآن قد اظهر لقديسيه ” (كو26:1).

  وإذا كان آباء الكنيسة وعلماؤها قد عرفوا هذا السر ، سر التجسد ، انه اتحاد اللاهوت بالناسوت في شخص السيد المسيح ، انه اتحاد الطبيعة الإلهية بالطبيعة

الإنسانية ، وان السيد المسيح بتجسده وبحلول لاهوته في الناسوت وصيرورته بشر قد جمع في ذاته اللاهوت والناسوت ، وانه بطبيعة واحدة متحدة ” طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة ” من طبيعتين (اللاهوت والناسوت) تجتمع فيها جميع خواص وصفات اللاهوت وجميع خواص وصفات الناسوت بدون اختلاط وامتزاج أو تغيير أو استحالة ، وبأقنوم واحد ” أقنوم واحد متجسد لله الكلمة ” ، إلا انهم وقفوا أمام كيفية حدوث هذا الاتحاد ، هذا التجسد ، هذا الظهور الإلهي ، هذا الحلول الإلهي في الناسوت ، هذه الصيرورة إلى بشر واتخاذ الجسد ومشاركة الإله للبشرية في كل شئ ، في اللحم والدم والعظام والروح والنفس ، هذه المشابهة مع البشرية في كل شئ ما عدا الخطية ، هذا التنازل والتواضع والفقر ، الاختياري ، ، الذي اختاره رب المجد ” أفتقر وهو غني ” (2كو2:8) ، ” أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان ” (في6:2) ، وقفوا مشدوهين ومبهورين أمام عظمته ، وعاجزين عن وصفه أو إدراكه أو فهمه وقالوا عنه انه : 

† السر الذي لا تدركه افهام .

† السر الذي لا ينطق به .

† انه سري بصفة مطلقة .

† السر الذي يفوق العقل .

† انه سري وفائق للعقل .

† الاتحاد الذي يفوق العقل ولا يوصف .

† قال القديس كيرلس الإسكندري وهو اشهر من درس وعلم في اتحاد اللاهوت بالناسوت :

  ” عندما نقول أن كلمة الله اتحد بطبيعتنا فان كيفية هذا الاتحاد هي فوق فهم البشر 000 فهو اتحاد لا يوصف وغير معروف لأي من الناس سوي الله وحده الذي يعرف كل شئ . وأي غرابه في أن يفوق (اتحاد اللاهوت بالناسوت) إدراك

 

العقل ؟!! 000إذا طُلب إن نحدد كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت وهو أمر يفوق كل فهم بل صعب جدا “(3) .

  وقال أيضا ؛ ” الكلمة تجسد وصار إنسانا كاملا 000 بطريقة يعرفها هو وحده(4) . وأيضا ” وأنا لا أنكر أن كل ما ذكرناه يفوق كل التعبيرات البشرية الممكنة ، لكن لا يجب أن نتوقف عن التأمل والإيمان بسر المسيح بسبب وجود صعوبة مثل هذه بل ليظل هذا السر باستحقاق موضع إكرامنا ، لأنه كلما كان السر فوق أدراك العقول وبعيدا عن إمكانية التعبير عنه بكلمات ، ازداد إيماننا بعظمته وروعته “(5)

† وقال القديس اغريغوريوس النيزنزي :

  ” ولد من العذراء بلا عيب وبطريقة تفوق الوصف(6) .

† وقال القديس ثاؤدوطس أسقف انكوريا في خطبه له علي التجسد تليت في مجمع افسس : ” أن الواحد نفسه هو اله أزلي وإنسان له ابتداء من الزمان فأحد هذين الأمرين كان في الوجود سابقا والأخر صار من بعد . فان قلت كيف صار الوحيد عبدا باقيا ما كان وصائرا ما لم يكن أجبتك إن كنت تريد أن تعلم هذا فاعلم انه صار ولكن كيف صار فلا يعلم ذلك إلا صانع العجائب وحده(7)

† وقال القديس يعقوب البرادعي اشهر من دافع عن عقيدة الطبيعة الواحدة المتحدة في القرن السادس :

  ” وكان اتحاد اللاهوت بالناسوت اتحادا سريا لا تدركه الأفهام ولا تتصوره (تصوره) الأوهام فلا لاهوته صار لحما ولا ناسوته (ولحمه ) صار لاهوتا “(8) .

س 3 : كيف شرح الآباء اتحاد اللاهوت بالناسوت ؟ وما هي الأمثلة التي استخدموها في ذلك ؟

  شبه آباء الكنيسة وعلى رأسهم القديس كيرلس عمود الدين اتحاد اللاهوت بالناسوت بالروح والجسد في الإنسان وبالنار المشتعلة في العليقة والعليقة لم تحترق وجمرة اشعياء النبي واتحاد الحديد بالنار .

1 – الروح والجسد في الإنسان : فالإنسان مكون أساساً من روح عاقلة وجسد أي من مادتين مختلفين وجوهرين مختلفتين ،  وبرغم اختلاف طبيعة الجسد عن الروح إلا أنهما يكونان الإنسان الواحد ، كله كوحدة واحدة ، ولذا فنحن لا نتكلم عن الروح على حده ولا نتكلم عن الجسد على حده ، بل نتكلم عن الإنسان الواحد ، كوحدة واحدة ، لا نفصل بين روحه وجسده ، ونميز بينهما في ذهننا فقط ، فلا نقول أن جسد فلان يتألم أو أن روحه سعيدة ، إنما نقول فلان يتألم وأيضا فلان سعيد ، ونميز ذهنيُاً فقط بين آلامه بالجسد وسعادته بالروح . يقول القديس كيرلس ”  عندما نقول إن كلمة الله اتحد بطبيعتنا فإن كيفية هذا الاتحاد هي فوق فهم البشر . وهذا الاتحاد مختلف تماماً 000 فهو اتحاد لا يويصف وغير معروف لأي من الناس سوى الله وحده الذي يعرف كل شئ 000 فما هي كيفية اتحاد نفس الإنسان بجسده ؟ من يمكنه أن يخبرنا ؟!! ونحن بصعوبة نفهم وبقليل نتحدث عن اتحاد النفس بالجسد . ولكن إذا طلب منا أن نحدد كيفية اتحاد اللاهوت بالناسوت وهو أمر يفوق كل فهم بل صعب جداً ، نقول أنه من اللائق أن نعتقد أن اتحاد اللاهوت بالناسوت في عمانوئيل هو مثل اتحاد نفس الإنسان بجسده – وهذا ليس خطأ لأن الحق الذي نتحدث عنه هنا تعجز عن وصفه كلماتنا . والنفس تجعل الأشياء التي للجسد هي لها رغم أنها (النفس) بطبيعتها لا تشارك الجسد آلامه المادية 000 لكنها لا تشارك الجسد رغباته ، ومع ذلك تعتبر أن تحقيق الرغبة هو تحقيق لرغبتها هي (النفس) . فإذا ضرب الجسد أو جرح بالحديد مثلا فأن النفس تحزن مع جسدها ،

ولكن بطبيعتها لا تتألم بالآلام المادية التي تقع على الجسد .

  ومع هذا يلزم أن نقول أن الاتحاد في عمانوئيل هو أسمى من أن يشبه باتحاد النفس بالجسد ، لأن النفس المتحدة بجسدها تحزن مع جسدها وهذا حتمي حتى أنها عندما تقبل الهوان تتعلم كيف تخضع لطاعة الله . أما بخصوص الله الكلمة فأنه من الحماقة أن نقول أنه كان يشعر – بلاهوته – بالإهانات ، لأن اللاهوت لا يشعر بما نشعر به نحن البشر . وعندما اتحد بجسد له نفس عاقلة وتألم لم ينفعل – اللاهوت – بما تألم به ، لكنه كان يعرف ما يحدث له . وأباد كإله كل ضعفات الجسد ، رغم أنه جعلها ضعفاته هو فهي تخص جسده . لذلك (بسبب الاتحاد) قيل عنه أنه عطش وتعب وتألم لأجلنا .

  ولذلك فأن اتحاد الكلمة بطبيعتنا البشرية يمكن على وجه ما أن يقارن باتحاد النفس بالجسد ، لأنه كما أن الجسد من طبيعة مختلفة عن النفس ، لكن الإنسان واحد من أثنين (النفس والجسد) ، هكذا المسيح واحد من الأقنوم الكامل لله الكلمة ومن الناسوت الكامل ، واللاهوت نفسه والناسوت نفسه في الواحد بعينه الأقنوم الواحد . وكما قلت أن الكلمة يجعل آلام جسده آلامه هو ، لأن الجسد هو جسده وليس جسد أحد آخر سواه . هكذا يمنح الكلمة جسده كل ما يخص لاهوته من قوة ، حتى أن جسده قادر على أن يقيم الموتى ويبرئ المرضى “(9).

2 – العليقة المشتعلة بالنار : كما شبه آباء الكنيسة اتحاد اللاهوت بالناسوت  بظهور الله في هيئة نار في العليقة ومع هذا لم تحترق العليقة بالنار يقول الكتاب ؛ ” وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط عليقة فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار والعليقة لم تكن تحترق ، فقال موسى أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم لماذا لا تحترق ، فلما رأى الرب انه مال لينظر ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى فقال هانذا ” (خر2:3-5) .

  يقول القديس كيرلس ” باطل هو إدعاء من يقول أننا باعترافنا بطبيعة واحدة للابن المتجسد والمتأنس نحدث اختلاط أو امتزاجا ” بين اللاهوت والناسوت ” 000 فإنهم إذا اعتبروا أن طبيعة الإنسان لكونها ضئيلة جدا أمام الطبيعة الإلهية الفائقة فلا بد أن تتلاشى إذا ما اتحدت بها ، فإننا نجيبهم ” تضلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله ” (مت29:22) فإنه لم يكن مستحيلا على الله محب الصلاح أن يخضع نفسه لحدود البشرية ، وهذا هو ما سبق موسى وأعلنه لنا في سر مبينا لنا في مثال كيفية التجسد . فأن الله قد نزل في العليقة في البرية بمنظر النار وكان يضيء العوسج (العليقة) ولا يحرقه . وكان موسى يتعجب من هذا المنظر . لأن الخشب ” بطبعه ” لا يحتمل النار . فكيف استطاعت هذه المادة القابلة للاحتراق أن تحتمل اشتعال النار فيها ” بدون أن تحترق ” ؟ لقد كان هذا كما قلت مثالا للسر الذي به استطاعت طبيعة اللوغوس الإلهية أن تخضع نفسها لحدود البشرية ، لأنه أراد ذلك ولا يستحيل عليه شيء قط 000 وكما أن النار كانت تضيء العليقة دون أن تحرقها هكذا أيضا اللوغوس لما تجسد لم يحرق الجسد الذي اتحد به بل على العكس جعله جسدا محيياً “(10).

  وأيضا : ” إن النار لم تستطع أن تلتهم العليقة ، بل كانت تداعبها وتتآنس مع طبيعتها الخشبية 000 بهذه الطريقة كان اللاهوت يتلاطف مع الناسوت “(11).

  ” فكما أن النار كانت تنير العليقة دون أن تلتهمها ، هكذا أيضا اللوغوس في تجسده لم يحرق الجسد الذي اتحد به ، بل جعله على العكس جسدا محييا . كان الكلمة نوراً وناراً في الجسد ، في الناسوت ولم يحترق ولم يتلاشى هذا الناسوت بالنار الآكلة ، بل أصبح الجسد مناراً ومنيراً لأته فيه حل ملء اللاهوت جسدياً “(12)

3 – جمرة اشعياء : وشبه اتحاد اللاهوت بالناسوت أيضا باتحاد النار مع الخشب ، الفحم ، في جمرة اشعياء ، والنار المتحدة مع الفحم تكوّن معه وحدة واحدة لا نستطيع فيها أن نميز بين النار والفحم ، ومع ذلك يظل الفحم فحماً وتظل النار ناراً . ” يقول اشعياء النبي : ” وجاء الي واحد من السرافيم وبيده جمرة متقدة أخذها بملقط من على المذبح وقال لي هذه ستلمس شفتيك لكي تنزع إثمك وتطهرك من خطاياك ” (اش6:6،7) . ونحن نقول أن الجمرة المتقدة هي مثال وصورة الكلمة المتجسد 000 مثالا لكلمة الله المتحد بالطبيعة البشرية دون أن يفقد خواصه ، بل حول ما أخذه (الطبيعة البشرية) وجعله متحداً به ، بل بمجده وبعمله . لأن النار عندما تتصل بالخشب (الفحم) تستحوذ عليه ، لكن الخشب يظل خشباً 00 فقط يتغير إلى شكل النار وقوتها ، بل يصبح له كل صفات النار وطاقتها ويعتبر واحدا معها . هكذا أيضا يجب أن يكون اعتقادنا في المسيح ، لأن الله الكلمة اتحد بالإنسانية بطريقة لا ينطق بها ، ولكنه أبقى على خواص الناسوت على النحو الذي نعرفه ، وهو نفسه لم يفقد خواص اللاهوت عندما اتحد به (بالناسوت) بل جعله واحدا معه ، وجعل خواص (الناسوت) خواصه . بل هو نفسه قام بكل أعمال اللاهوت فيه (في الناسوت)(13).

  ويقول أيضا ” والمسيح يشبه بالجمرة لأنه مثلها يعتبر من شيئين مختلفين ولكنهما باجتماعهما معا قد أقترنا معا في وحدة واحدة ، لأن النار حينما تدخل في الخشب “الفحم” تحوله بنوع ما إلى مجدها الخاص ومع ذلك فهو يبقى على ما كان عليه ” أي خشباً ” (14)

4 – اتحاد الحديد بالنار : ويشبه القديس كيرلس ، أيضاً ، اتحاد اللاهوت بالناسوت ، مثل جمرة النار ، بمثل الحديد والنار ، فكما يتحد الحديد مع النار ويصيران قطعة ملتهبة ، إلا أن النار تبقى ناراً والحديد يظل كما هو ، وعندما نطرق الحديد المتحد بالنار لا تتأثر النار بذلك ؛ ” كما أن الحديد إذا قربناه من نار شديدة يكتسب للوقت مظهر النار ويشترك في صفات ذلك العنصر الغالب ، هكذا أيضا طبيعة الجسد التي اتخذها لنفسه اللوغوس غير الفاسد والمحيي لم تبقى على حالها الأول بل قد أنعتقت من الفساد ومن الفناء وسادت عليهما ” .

  ” إذا وضعتم حديداً في النار ، فأنه يمتلئ كذلك بقوة النار 000 وهكذا الكلمة المحيي لما وحُد بذاته جسده الخاص – بالكيفية التي هو وحده يعلمها – جعل هذا الجسد محيياً “(15).

(1) كتاب ” قانون الإيمان جـ 2 التجسد ” للأنبا يوحنا نوير ص 71 .

(2) المرجع السابق ص 71 .

(3) كتاب”  الاصطلاحان طبيعة أو أقنوم ” للقمص تادرس يعقوب ملطي ص 15 .

(3) شرح تجسد الابن الوحيد ص 18 .

(4) المرجع السابق ص 50 .

(5) السابق

(6) On The Holy Baptism 45 .

(7) الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة جـ 1 : 469 .

(8) كتاب ” أمانة القديس يعقوب البرادعي ” مخطوط بدير السريان (لاهوت) .

(9) شرح تجسد الابن الوحيد 18و19.

(10) التجسد الإلهي للقديس كيرلس الكبير للأب متى المسكين ص 22 و 23 . أنظر المسيح واحد ص 52 و 53 .

(11) تاريخ الفكر جـ3 : 107 .

(12) السابق 108 .

(13) شرح تجسد ص 20 و21 .

(14) التجسد الإلهي ص 24و25 .

(15) التجسد الإلهي ص 25 .

 

معني اتحاد اللاهوت بالناسوت – سر التجسد

اللاهوت الليبرالي ف3 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

اللاهوت الليبرالي ف3 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

اللاهوت الليبرالي ف3 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

 

الفصل الثالث:  اللاهوت الليبرالي

          يُعد مذهب اللاهوت الليبرالي وليد مدرسة النقد الأعلى ، وهو لاهوت التحرُّر الذي يتحرَّر من كل العقائد والثوابت والحقائق الإيمانية ، ويطعن في كل شئ ، ويحطم كل شئ ، فلاهوت التحرُّر في جوهره هدم للكتاب المقدس كلمة الحياة ، ولاهوت التحرُّر له خطورته ، ولاسيما أنه بدأ ينتشر في بلادنا المصرية على أيدي بعض القسوس البروتستانت ، والكاثوليك ، حتى أنه بدأ يصل إلى البسطاء في قرى مصر 00 حكى لي أحد الأباء الكهنة بالمنيا أن أحد الشباب جاء إليه منزعجاً عندما سمع عظة لأحد الأباء الكاثوليك يقول فيها لم يكن هناك آدم ولا حواء ، لكنها مجرد قصة رمزية تعبر عن سعادة الإنسان في قربه من الله ، وشقاءه في بُعده عنه 00 إنه لاهوت التحرُّر 00 وعكس الليبراليين ( المتحررين ) المحافظين أو الأصوليين0

ويقول الشيخ رأفت زكي ” وُلِد علم اللاهوت الليبرالي وأصبح الطراز أو النمط الحديث لكنائس أوربا وأمريكا والكنيسة في مصر أيضاً 0 تسرب العالم اليوم داخل الكنيسة بطرق متنوعة 00 إن الشيطان يتمشى بين صفوف الكنيسة الإنجيلية يبحث عن مجندين جدد لينضموا إلى جيشه ” (1)

كما يقول أيضاً ” يجب أن نفتح أعيننا جيداً لأخطار الليبرالية التـــي تخترق العديد من الكنائس الإنجيلية في مصر ” ( مقال عن لجنة الكرازة المشتركة )0

وكان من المفروض أن تعقد ندوة في الأسكندرية يوم الجمعة 12 نوفمبر 2004م تحت إشراف الدكتور القس عاطف مهني مدير كلية اللاهوت الإنجيلية ، ويتحدث فيها :

د0 ق أندريه زكي عن مفهوم الليبرالية والفكر العلمي0

د0 ق إكرام لمعي عن الوحي المقدس0

د0 ق فايز فارس عن المعجزات والمواهب

          ولكن أحد الأشخاص الغيورين الذي يعرف اتجاهات المتكلمين إتصل برئيس الطائفة د0 القس صفوت البياضي يبلغه بالمعارضـة الشديدة لهذه الندوة 00 إتصل القس صفوت بالقس أندريه الذي رد عليه : إطمئن ياجناب القس أنا مش حطعن في الكتاب المقدس 00 وعندما ذهبنا إلى مكان المحاضرة فُوجئنا بأنها أُلغيت0

               دعونا ياأبائي وإخوتي نتعرف على نظرة لاهوت التحرر لله 1– للسيد المسيح 2– للمعجزات 3- للكتاب المقدَّس 5– للإنسان :        

1- نظرة لاهوت التحرُّر لله :

أ –  يهاجمون الإهتمام بمعرفة الله : يقولون ” إن معرفة الله أمر ليس له أهمية 00 ليس من المهم أن يكون عندك فكرة واضحة عن الله ، وليس من المهم أن تصل إلى حقيقة قاطعة من جهـة من هو الله0 لا تضيع جهدك في محاولة أن تعرف من هو الله 0 إذ أن في هذا قتل لحياتك الروحية 0 إن المهم هو أن تشعر بحضوره 0 أنتم بعقولكم المحدودة تتصوَّرون أنكم تعرفون الله غير المحدود ! ” (1) وبذلك يتحوَّل الله بالنسبة للإنسان من إله كائن إلى فكرة مجردة 0 ويتغافلون كلام الكتاب المقدس :

  • ” لا يفتخرن الحكيم بحكمته 0 ولا يفتخر الجبار بجبروته 0 ولا يفتخر الغني بغناه0 بل بهذا ليفتخرن المفتخر بأنه يفهم ويعرفني إني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض لأني بهذه أسر يقول الرب ” ( أر 9 : 23 ، 24 )0
  • ” رأس الحكمة مخافة الرب 0 ومعرفة القدوس فهم ” ( أم 9 : 10 )0

ب – وحدة الوجود : يخلطون بين الله والوجود ، فيقولون ” إسم الله يُطلق على هذه العملية العظمى والجبارة التي وجدنا أنفسنا جزءاً منها 0 هذه العملية العظمى التي تُظهر نفسها في أصغر الأشياء كالخلية ، وفي أعظم الأشياء كالنجوم الجبارة 0 الله ليس شخصاً مُتميّزاً عنا بل حياتنا جزء منه 00 إن الإنسان والله واحد ، فحتى خطية الإنسان هي جزء من حياة الله ” (1) 00 الله القدوس الخطية جزء منه !!!

” هل تظن أن الله جاء في شخص إسمه يسوع المسيح ؟ وهل تظن في مكان ما شخص إسمه الله 00 الله لا يُحد ولا يُحيَّز 00 دي كانت أفكار مبدئية يقدمها الناس لبعضهم أيام ما كتبوا الكتاب المقدس وتتناسب في طفولتهم وسذاجتهم الفكرية 00 لكن نحن في عصر ما بعد الحداثة الآن 0 كيف نقبل هذه الأفكار الآن إن الله فرد شخص علم قائم بذاته 0 الله هو هذه العملية الجبارة التي أسمها الحياة 00 الحياة تجعل الزهرة تشق الصخور ، وتجعل الخلية تتكاثر وتطبع نفسها ، وتجعل النجوم تدور في أفلاكها ” (1)0

2- نظرة اللاهوت الليبرالي للسيد المسيح :

يقولون عن السيد المسيح ” هو تجلي عظيم للحياة الإلهية 0 أنت تجلي للحياة الإلهيـة ، وأنا تجلي ، والدودة تجلي ، والزهرة تجلي 0 لكن ما أعظم تجلي زهرة المسيح “0

وقد أنكروا الميلاد العذراوي للسيد المسيح ، وقالوا أن القيامة حدثت في التاريخ المقدس ، أي أنها لم تحدث على أرض الواقع ، ولكن الإنجيليين هم الذين تصوَّروا هذا0

ودعى الدكتور القس إكرام لمعي بدعة أريوس بأنها اجتهاد منه يستحق عليـه أجراً ، واعتبر قانون الإيمان أنه يمثل مشكلة في قبول الآخر ، فقال في جريدة المصالحة عدد فبراير 2003 ” اجتهاد أريوس الذي سُمي ببدعة أريوس مما أدى إلى كتابـة قانون الإيمان 0 طالما تحوَّل الإيمان إلى قوانين مكتوبة هناك المشكلة مع الآخر 00 وتصبح الصياغة هي إدارة لتحريم ورفض وتكفير الآخر “0

وعندما إعترض عليه أحد الأشخاص ( مارتن جرجس ) في عدد أبريل 2003 ، وقال له : وما رأيك في اجتهاد ” إلن هوايت ” التي قالت عن السيد المسيح الملاك ميخائيل ؟ واجتهاد هارناك الذي أعتبر المسيح مجرد معلم ورائد ، واجتهاد ” ماري بيكر ” مؤسسة مذهب العلم المسيحي التي أعتبرت المسيح فكرة وليس إنساناً 00 إلخ وتوجه للقس إكرام بسؤالين :

س1 : هل تؤمن بقانون الإيمان ؟ أم لا تؤمن به لتتفادى المشكلة مع الآخر ؟

س2 : ما هو موقفكــم مــن بدعــة أريــوس التـــــــــــي أسميتموها ( اجتهاد ) ؟ هل المسيح هو الله أم مخلوق ؟

ورد القس أكرام وقال عن مجمع نيقية الذي وضع قانون الإيمان ” كما تعلمون تاريخياً أنه عُقد بأمر الإمبراطور قسطنطين عام 325م وكان عدد الحضور 2048 من الأباء الروحيين ، وكانت أهم قراراته ” القول بالوهية المسيح ونزوله ليصلب تكفيراً عن خطيئة البشـر ” 00 ثم تم فض الاجتماع واستبعاد 1730 أسقفاً 0 ثم أُعيد بحضور الأمبراطور قسطنطين والأعضاء القائلين بالتثليث ولاهوت المسيح وعددهم 318 ” 0

وهذا كلام خطير ، لأن معناه أن 318 أسقف هم الذين آمنوا بالتثليث والوهة المسيح ، بينما أُستبعد 1730 أسقفاً لأنهم لم يؤمنوا بهذا !!! والكل يعرف أن الذين حضروا مجمع نيقية كان عددهم 318 أسقفاً فحسب فمن أين أتى بالعدد 2048 ؟!! وإن كان المؤرخون قد ذكروا كل تفاصيل المجمع الكبيرة والصغيرة ، فهل يخطئون في عدد الحاضرين إلى هذا الحد ؟!! لماذا التشكيك في الثوابت ؟!!

وقال عن الإجتهاد ” الإجتهاد كما عرفه مجمع اللغة العربية { بذل غاية ما في الوسع ليحصل على ظن بحكم شرعي } وكلمة ” ظن ” هنا توضح أن المجتهد يمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب 0 فإن أصاب له أجران ، أجر الإجتهاد وأجر الإصابة 0 وإن أخطأ له أجر واحد هو أجر الإجتهاد 0 لذلك فكلنا نتفق على أن هناك من يجتهدون ويخطئـون ” يعني أن أريوس يستحق أجر الإجتهاد !!

ثم يقول في نهاية المقال عن الكنيسة ” وقفت ترفض هذا وتحرم ذاك ، لذلك بقيت وحدها ، وفي النهاية أهمس في أذنك قائلاً لو أن الكنيسة ياصديقي العزيز إستوعبت أريوس ، وقالت له أن اجتهادك خاطئ ، وتعال لنعلمك كأباء وأحباء لك ، وتوجهت الكنيسة إلى شعبها وفتحت الكتاب المقدَّس وعلمتهم تُرى هل كان يمكن لأريوس أن يكون له كل هذا السلطان اليوم ؟! وليتنا تعلمنا من الدرس ، فنحن في كل يوم نصنع أريوساً جديداً ، ونقوم بتحريمه وإرساله إلى الجحيم وباسم من ؟ باسم يسوع المصلوب لأجله وباسم قانون الإيمان المكتوب لتعليمه0 ألست معي أن هذا حق يراد به باطل ” ( المصالحة أبريل 2003 )0 وتغافل القس إكرام لمعي أن بداية إنحراف أريوس كانت أيام البابا بطرس خاتم الشهداء الذي علمه وأرشده فرفض ، فاضطر إلى قطعه ، وعندما أراد أريوس بمكر أن يعود إلى شركة الكنيسة وهو لم يرجع عن أفكاره في إنكار الوهية السيد المسيح رفض البابا بطرس قبوله ، لأنه وهو في السجن يستعد للإستشهاد ، رأى السيد المسيح وثيابه مشقوقة ، فقال له : من شق ثيابك ياسيدي 0 فقال له السيد المسيـح : أريوس ، لأنه فصلني عن أبي 0 فلا تقبله في شركة الكنيسة 00 عجباً السيد المسيح يرفض أريوس الهرطوقي الذي يصر على هرطقته والقس إكرام يمدح أريوس ويعتبره إنساناً مجتهداً 00 هل إلى هذا الحد إنقلبت المعاييـر ؟!! 00 نعم إنه لاهوت التحرُّر 0 ثم هل يقل لنا القس إكرام : أين هو سلطان أريوس اليوم ؟!

ويجب أن نلاحظ أن أصحاب لاهوت التحرر دائمـاً يركزون على قبول الآخر ، يقول د0ق صموئيل رزفي عن الفكر المسكوني :

” الفكر المسكوني يساعدنا أن ندرك كبشر أننا خليقة الله ، والله لا يفرق بين البشر نتيجة الجنس أو الدين أو العرق 0 فالله أكبر من أن تمتلكه طائفة أو دين ، فالله يمتلك الكل ، ولا يُمتلك من أحد 0 إن الدين عند الله هو حب الآخر 00 هو التسامح 00 هو فعل الخير لمن يحتاجه 00 هو أن لا تكفر غيرك وتبرر نفسك 00 هو أن لا تدين أحد فتترك الدينونة لله 00 هو أن ترى الحق في الأديان الأخرى كما تراه في دينك 00 هو أن لا تنظر إلى نفسك على أنك تمتلك الحق وغيرك يمتلك الباطل المطلق ” (1)0

كما يقول د0 ق صموئيل رزفي أيضاً ” إننا نحتاج أن ندرك وندرس الحق في الديانات الأخرة ، ليس فقط في الأديان الموجودة في العصر الحديث بل وأيضاً في العصر القديم في بداية نشأة الديانات في العالم ” (2) 00 ” إن فتحنا عيوننا سنرى قيمَّاً في الأديان الأخرى تستحق الدراسة ” (3) ” التعددية الدينية ليست شراً ، بل هي سبب من أسباب إزدهار وانتشار الدين ( أي دين كان ) فمن يرى أن الدين الحق هو دينه هو ، وباقي الأديان باطلة يحتاج أن يراجع فكره الديني 0 ومن يرى أن طائفته هي الحق وباقي الطوائف باطلة يحتاج إلى أن يراجع فكره مع الآخرين ، لأن الله قبل الآخرين وسمح لهم بالوجود في هذا العالم 0 بل هو الذي خلقهم وهو الذي يرعاهم ” (1) 00 وتغافل القس صموئيل رزقي الله الديان العادل الذي سيفصل بين الحنطة والزوان 00 الذي سيكافئ الأبرار بالملكوت ويعاقب الأشرار بالعذاب الأبدي0

” قبل يسوع المذاهب الدينية التي كانت موجودة في وقته رغم الاختلافات اللاهوتية التي كانت بينهم ” (2) 00 إذاً لماذا قال للصدوقيين : تضلون إذ لا تعرفون الكتب ؟ 00

ويقول د0ق اكرام لمعي ” لـو كان المسيح بيننا اليـوم لاعتبروه لاهوتياً ليبرالياً ” ( مجلة المصالحة أبريل 2003 )0

3- نظرة اللاهوت الليبرالي للمعجزات :

          يعرض القس أندريه زكي في كتابه ” المسيح والنقد التاريخي ” فكر أصحاب لاهوت التحرر فـي معجزات السيد المسيح :

الصنف الأول : استطاع يسوع إجراءها عن طريق بصيرته الروحية الدينية القوية وعمقه الروحي 00 رأى المشكلة وأعطى العلاج بنفس طريقة أطباء العصر الحديث0

الصنف الثاني : مثل سير يسوع فوق المياه ، وهذه يمكن تفسيرها لى أنها خطأ في الإدراك الحسي للتلاميذ 0

الصنف الثالث : معجزات جاءت من الخيال الديني للمسيحيين الأوائل حيث كان لديهم رغبة قوية في جعل يسوع المحقق لبعض النبؤات الواردة في العهد القديم0

أما الصنف الرابع : فهي تلك التي تُركت دون تفسير ، لأنها كانت غير معجزية بالمعنى المفهوم 0 ( راجع ق0 أندريه زكي – المسيح والنقد التاريخي ص 13 )0

معجزة الخمس خبزات والسمكتين : يقول رأفت زكي في مقاله ” حتى متى أيها الليبراليون المتحررون ” 00

          ” يقف قس ( هكذا يُطلق عليه ) على المنبر في إحدى المؤتمرات ليطعن الكتاب المقدَّس في مصداقيته ، فمثلاً يقول { أن معجزة السمكة والخبز مجرد خرافة من خيال التلاميذ ، فمعروف أن الجموع ستتوجه إلى الجبل لسماع يسوع ، وأعدَّت كل زوجة لزوجها غذاءه في منديل ، ولما فرغ المعلم من خطابه أمر التلاميذ أن يجلسوهم ليأكلوا ، ففتح كل منديله وأخذ يأكل الطعام الذي سبق وصرته له زوجته !!

          يقف آخر ليعلن أنه لا يوجد شيطان أو شيطانة ؟ فقد قصَّ المسيح للتلاميذ إنطباعاته وأفكاره أثناء وحدته في البرية ، وبعد مرور بعض الوقت سطرها التلاميذ على أنها حقيقة صحيحة لتجسد الشيطان0

          قسيس ثالث يقف ليطعن في صدق معجزة مجنون كورة الجدريين ، وأنه لا يوجد مس شيطاني ، ويتباكى على قطيع الخنازير ما ذنبه ؟ ثم يعلي شأن العقل ( عقله هو ) بقوله الرجل كان مريضاً تنتابه حالة من العصاب والصراع والتشنج أفزعت الشياطين فسقطوا إلى أسفل0

          ويقف رابع ليقول لا يوجد شيطان ، وما كُتب في الإنجيل كان ترديد لفكر خرافات ، كانت تنتشر في فلسطين في ذلك الوقت ، ولكنها أمراض نفسية وهو بذلك يطعن الكتاب المقدَّس فيما كتبه عن ذلك في العهدين القديم والجديد !!

معجزة مجنون كورة الجدريين : يقص الحكاية القس سامي حنين في كتابه : سكنى الشيطان للإنسان 00 حقيقة أم خرافة ؟ “

  • هذا الرجل تعرض للتعذيب من قبل كتيبة عسكرية رومانية تقدر بـ 6000 جندي ” لجيئون ” فأصيب بمرض نفسي هو العته الهستيري { لو كل واحــد ضربه قلم كانت حياته إنتهت }0
  • ظن الناس حينذاك بأن الشياطين سكنت فيه ، وأشاعوا ذلك ، وهو صدق بالإيحاء ، فبدأ يتصرف على هذا الأساس0

الشياطين تسكن القبور 00 سكن هو القبور

الشياطين تجعل الإنسان يصرخ ويصيح ويقطّع جسده بالأحجار ويقطع القيود والسلاسل 00 هكذا فعل هذا الإنسان0

  • من الخطأ محاولة إقناع هذا المريض بغير ما يقتنع به 0

المسيح الطبيب الأعظم أخذه على هواه 00 إسمك إيه ؟ 00 لجيئون 00 لأننا كثيرون 00 تظاهر أنه صدقه وقال : أخرج من الإنسان أيها الروح النجس0

المريض تكلم : أرسلنا إلى الخنازير لندخل فيها 0

كان المريض يحتاج إلى دليل مادي ، والسيد المسيح وفر له هذا الدليل فهيج المسيح الخنازير ، والرجل صدق أن الشياطين خرجت منه فعاد إلى هدوئه ، ولاسيما أن اليهود كانوا يعتقدون أن الشياطين تغرق فـي المياه العميقة ، وحول الدفة إلى بركة حسدا 0 الذي يغطس في البركة يُشفى 00 لماذا ؟ لأنه يعتقد أن الأرواح الشريرة تغرق في المياه0

  • كيما يقنع القارئ قال لو هناك مريضاً نفسياً ذهب للطبيب يشكو من آلام في المعـدة لأن ثعباناً دخل إلى جوفه 00 ماذا يفعل الطبيب ؟ يجري له عملية جراحية ، ويكون محضَّر تعبان 00

وتغافل القس سامي حنين :

  • من أين جاءت القوة للرجل ليقطع القيود والسلاسل ؟
  • كيف عرف المجنون يسوع من بيـن ثلاثة عشر رجلاً على الأقل ؟
  • ولماذا سجد له ؟
  • ومن أين علم أن يسوع هو إبن العلي :

               ودعونا يأأحبائي ننصت لقليل من الفقرات التي دونها الشيخ رأفت زكي في مجال حديثه عن تأثر الوسط البروتستانتي المصري بمذهب اللاهوت الليبرالي :

            ” لقد خدعوا أنفسهم ( أصحاب مذهب لاهوت التحرُّر ) بتصوُّرهم أن مذهبهم الليبرالي هذا نوع من التطور الطبيعي للعصر في الكنيسة ، بينما حاول هؤلاء تصوير فكر المحافظين على حرفية وقدسية فكر الكتاب ، أنهم أصوليون ( مقفولون ) غير مواكبين للحضارة المتطورة وخاصة نحن على مشارف القرن الواحد والعشرين 00 ولكنهم بذلك قد نبذوا الإيمان القويم وسقط عن وجهم قناع الحياء حتى على منابر المؤتمرات وفي بعض كليات اللاهوت ، وهكذا كان تطورهم موجة عارمة ضد الكنيسة وفكرها 0 إذ ردّد – بدءاً من الثمانينات – بعض الخدام كالببغاء هذه الأفكار  ” لا توجد أرواح شريرة أو شياطين ، وما تم في عصر المسيح – له المجد – إنما هو معالجة سيكولوجية للمرضى المصابين بالأمراض العصبية 00 “

خلاصة معتقدات الليبراليين :

  • أن الكتاب المقدَّس غير معصوم – وحي من أساطير0
  • الإنسان صالح في أساسه ، ليس بخاطئ – لم يرث الخطية الأصلية0
  • ليست هناك معجزات فوق الطبيعة – فإن كل شئ يحدث طبقاً لقوانين الطبيعة التي لا يمكن أن تُكسر ولا أن يحدث ما يخالفها ، لذلك فميلاد المسيح العذراوي ثم قيامته لا يمكن أن نحكم عليهما كأحداث تاريخية تمت ، بل أن كل شئ يجب أن يخضع للعقل والمنطق والتحليل0

ومن ثم يجب أن نفتح أعيننا جيداً لأخطار الليبرالية التي تخترق العديد من الكنائس الإنجيلية في مصر “0

( وقد تم مناقشة الفكر الليبرالي بخصوص المعجزات بشئ من التفصيل في كتابنا : مدارس النقد والتشكيك والرد عليها جـ 2 ص 10 – 99 )0

4- نظرة اللاهوت الليبرالي للكتاب المقدَّس :

1- أنكروا عصمة الكتب المقدسة الكاملة والوحي المطلق ، وقالوا أن العصمة تشمل الأمور ( اللاهوتية والعقائدية والروحية والتعليمية ) الإيمانية والعملية ، دون الأمور التاريخية والجغرافية والعلمية0

ويقـول القس فايز فارس ” فالعبرة إذاً ليست في المعلومات التاريخية أو العلمية ، إنما في مضمون الرسالة الروحية في الكتاب المقدَّس 00 لا يزعجنا إذا وجدنا اختلافات أو شبه تناقضات في هذه النصوص ، ولا يضعف من إيماننا اختلاف روايات أسفار الكتاب المقدَّس في بعض الحقائق التاريخية ، أو تشابهها مع ما ورد في ثقافات أخرى مثل أساطير بعض الديانات أو كتابات بعض الحضارات الأخرى كبابل أو مصر0

ولا يضيرنا إذا كان موسى قد استفاد من حكمة المصريين التي تعلمها في بعض ما كتبه 0 أو إذا كانـت نصوص كاملة في المزامير موجودة في كتابات وصلوات أخناتون ، أو كانت بعض الأمثال موجـودة بالنص في حكم وكتابات بعض الحكماء في مختلف الحضارات ” (1) 0

2-  قالوا أن الكتاب المقدَّس أخذ من أساطير الأولين ، وأن الكاتب إبن عصره ، فهو ينقل فكر وخبرة عصره ، فيقول الشيخ رأفت زكي :

          ” يقف قس ( بروتستانتي ) ليُدّرس لتلاميـذه أن الكتاب المقدَّس به وحي من أساطير ، وأنه يربط ما بين الفكر الكلداني والبابلي ومحلمة جلجامش ، كما يربط أقاويل لبعض الفراعنة وبعض المزامير 0

يُردّد الليبراليون أنهم يُقرّون تقدم العلوم والاستنارة وإعلاء شأن العقل !!

أي عقل هذا الذي يتحدثون عنه ؟ يصل في مستواه أن يناقش ويفحص كتاب الدهور ؟ وأي استنارة تلك ؟! 00

               عندما يقول الكتـاب { قـال الرب }  فلتصمت كـل الشفاه لأن الله هو الذي يتكلم وقد كتب كلامه إناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس ” (1) 00 برافو شيخ رأفت زكي0

3- قالوا أن كلمــات الكتــاب المقدَّس مجرد كلمات بشرية ، تتحوَّل إلى كلمات إلهية فقط عندما يستخدمها الروح القدس في تغيير النفوس 00

خلطوا بين عمل الروح القدس في الوحــي ، وعمله في الاستنارة 00

جعلوا القارئ شريك في الوحي ، فهو الذي يُحدّد ما هو معصوم وما هو غير معصوم؟0

4-  قالوا أن تكرار بعض الفقرات في الكتاب المقدَّس يسقط عنها العصمة ( أش 37 مع 2 مل 19 )

5-  قالوا أن أخطاء بعض الأنبيـاء جعلـت بعض كتاباتهـم بعيدة عن العصمة ، ويقول ” هيرمان صموئيل ريماروس ” يقول ” كيف يصل الوحي الإلهي إلى رجل قاتل مثل موسى ، أو رجل زاني مثل داود ، أو رجل مضطهد الكنيسة بإفراط مثل بولس الرسول ؟ “

وقال آخر ” القائلين بعصمة الكتَّاب إما يقولون أو يفترضون أن فريقاً كبيراً من الناس أعني كاتبي الأسفار في الكتاب كانوا معصومين عندما دوَّنوا كلماتهم 0 من الأسهل أن يؤمن الإنسان بعصمة فرد واحد ( بابا روما ) عن أن يؤمن بعصمة فريق كبير من الناس عاشوا على مدار عدة قرون “0

6-  نادوا بفكرة التاريخ المقدس ، أي أن الكاتب عبّر عما بداخله مـن خلال قصص تخيَّلها ، فقصة آدم وحواء ، ونوح والطوفان ، وأيوب 00 ليست حقيقية ، ولكنها تُعبّر عن فكر الكاتب فالمقصود بالفكر المقدَّس ” قصص توصف فيها الأحداث في العالم الروحي في لغة الوقائع الأرضية ” فهي أحداث روحيَّة في صورة قصص واقعية ، فمثلاً عندما أراد الكاتب أن يوضح لقاء الدينونة بين الله والإنسان صوَّر لنا قصة الطوفان ؟ لكن في أرض الواقع لم يحـدث طوفــان ، ولا بُني فلك ، ولا تجمعت حيوانات ، ولا أحد غرق ، ولا أحد تبلَّلت قدمه 00 قس على ذلك قصة آدم وحواء وجنة عدن والسقوط ودانيال في جب الأسود والثلاث فتية في أتون النار ، فلم يهتم الكتَّاب بأن تكون القصص حقيقية أم لا ؟ 00 لكنهم إهتموا بالهدف الروحي من هذه القصص ، وتعتبر فكرة التاريخ المقدَّس وليدة فلسفة ” إيمانويل كانط ” الذي قال ” أن حقائق التاريخ هي مجرد رموز للحق الإلهي ” (1)

7-  قالوا المهـــم أن الكتاب المقدَّس حوى الحق الإلهي ، ولا نهتم إذا كان مُوحى به ومعصوم أم لا00 كتب الحساب فيها الحق 00 هل هي مُوحى بها ؟!

          وعندما أعلن المحفل العام للكنيسة المشيخية في أمريكا ” أن الروح القدس أوحى وأرشد وحرك كتَّاب الكتاب المقدَّس وصانهم من الخطـأ ” إحتج عليه المتحررون ، وأصدروا ” تصريح أوبرن ” وجاء فيه :

          ” ليس هناك تأكيداً من الكتب المقدسة أن كتَّابها قد حُفظوا من الخطأ ” (2) 0

8-  قالوا أن لوثر أحلَّ عصمة وسلطان الكتاب المقدَّس بدلاً من عصمة وسلطان كنيسة روما 00 والآن حان الوقت لإحلال سلطان المسيح بدلاً من سلطان الكتاب المقدَّس 00 يقولون أنتم أهل الكتاب أما نحن فأهل المسيح 00 أنتم تعبدون الكتاب وتُسيّدون الكتاب 0 أما نحن فنعبد ونُسيّد المسيح ، ويقول وليم نبيل ” عندما أطلق الإصلاح القط بين الحمام الكنسي ، كان من المحتوم ألا ينقضي وقت طويل حتى يأخذ الكتاب نفس المكان الزائف الذي كان للكنيسة من قبل ( إعادة إكتشاف الكتاب طبعة 1954 ) (1)0

يقول القس فايز فارس ” فكثيرون من المسيحيين متأثرين بأفكار غريبة عن المسيحية عن الوحي والنصوص الكتابية ، وبعض الناس أصبحـوا يعبدون الكتاب المقدَّس أكثر من عبادتهم لله ” (2) 0

9-  يقولون عن وحدة الكتاب ” العصر الديني في الكتاب المقدَّس يتجلى في نظرة الكتاب الشاملة للحياة أن ميزاته الفريدة كأدب وكشهادة للوحي تنبع من كليته ، بما في ذلك من شعره الإباحي والكلام البذئ الذي يحتويه “0

( وقد تم مناقشة هذا الموضوع الخاص بمفهوم عصمة الكتاب المقدَّس فـي كتابنا : مدارس النقد والتشكيك جـ 2 ص 100 – 165 )0

 

 

5-  نظرة لاهوت التحرر للإنسان :

ينادون بصلاح الإنسان ، ولا يعترفون بموضوع الخطية ، بل يدعونها عدم تكيف مع الظروف ، ويسخرون من فكرة الخطية الجدية 00 يدَّعون أن فكرة الخطية من صياغة رجال الدين ، فطالما الإنسان يشعر أنه خاطئ يلجأ إليهم0

ويقولون أن الإنسان ليس جانياً يُؤمر من الله بالتوبة 00 لا مكان للتوبة في لاهوت التحرر 00 التركيز كل التركيز على :

قبول النفس 00 حب النفس 00 إكتشاف الذات 00 تحقيق الذات 00 التكيف مع الظروف 00 قبول الآخر 0

ولذلك تجدهم يركزون على آية مثل ” لا تدينوا لكي لا تدانوا “ ويقولون أن الأمور نسبية ، بمعنى ما هو خطأ في نظرك في نظر الآخر هو صواب والعكس0

وكل التعاليم صحيحة لأنها عبارة عن اجتهادات ووجهات نظر 00 أثناسيوس صح وأريـوس صـح 0 0 أثناسيـوس لـه أجرين أجر الاجتهاد وأجر الصواب ، وأريوس ( ياخسارة ) له أجر واحد هو أجر الاجتهاد 00 يالخطورة اللاهوت الليبرالي !!!

 

 

موسوعة اقرأ وافهم

وتشمل الآتي :

أولاً : سلسلة إيمان كنيستنا

تهتم بتوضيح الإيمان المسيحي لسن إعدادي وثانوي ، وتجيب على تساؤلات وهجوم الآخرين وتشمل :

  • الكتاب المقدس 00 هل يُعقل تحريفــــــــه ؟
  • إنجيل برنابا 00 هل يُعقــــل تصديقـــــه ؟
  • التثليب والتوحيد 00 هــل ضــد العقـــــل ؟
  • التجسد الإلهي 00 هــل لـــه بديــــــل ؟
  • ألوهية المسيح 00 من يخفــي الشمـــــس ؟
  • الصليب 00 هــل ننجـــو بدونـــــــه ؟
  • الخـروف الضــال 00 وكيــف يضـــــل ؟
  • أوان الحقيقة 00 من يخفــــي النـــــور ؟
  • الدرهم المفقود 00 مـــن يجــــــــده ؟

جـ 1 الإدمان 00 أسبابــــه وآثــــــــاره

جـ 2 الإدمان 00 الوقايــــــة والعـــــلاج

  • بين الحركة الكارزماتيكية 00 واللاهوت الليبرالي

ثانياً :  سلسلة دراسات إيمانية

تهدف لرفع المستوى العقيدي للشباب والخدام وتشمل :

الكتاب الأول :     1- أسئلة حول صحة الكتاب المقدس

                    2- أسئلة حول إنجيل برنابـــــا

الكتاب الثاني :    3- أسئلة حول التثليث والتوحيـــد

                    4- أسئلة حول التجسد الإلهــــي

الكتاب الثالث :    جـ 1 5- أسئلة حول الوهية المسيح

                    جـ2 6- أسئلة حــول الصليــب

ثالثاً  :  سلسلة روايات إيمانية

تناسب المرحلة الثانوية والشباب ، وتناقش مواضيع إيمانية من خلال الرواية وتشمل :

1- غـــــــروب                     5- كنز قمـــــــــران

2- في النم نـــــام                 6- البحار المغامر (تح التجهيز)

3- هزيمة ملك الأهـوال           7- جبال طرسوس (تحت التجهيـز)

4- أيام في نجــــران               8- هناك كنــت معـــــه

رابعاً : سلسلة كتابنا المقدس

تهدف لشرح وتوضيح الأسفار المقدسة آية آية من الناحية الروحية والعقائدية ، وصدر منها :

عهد قديم

1- عزرا 2- نحميا          3- ملاخي

عهد جديد

1- أفسس         2- فيلبي          3- كولوسي       4- فليمون

5- تسالونيكي الأولى

خامساً  :  سلسلة إستقامة كنيستنا

وتهدف لتوضيح البدع والهرطقات التي واجهتها وتواجهها الكنيسة خلال العشرين قرن الماضية وتشمل :

  • البدع والهرطقات في الخمس قرون الأولى ( تحت التجهيز )
  • ياإخوتنا الكاثوليك 00 متى يكون اللقاء ؟

جـ 1 : في الماضي

جـ 2 : أضواء على آراء

  • يا أخوتنا البروتستانت 00 هلموا نتحاور

جـ 1 :  في الماضي

جـ 2 : طوائف شتى محتجة

جـ 3 : إحتجاجات وردود ( تحت التجهيز )

  • الأدفنتست 00 ظلمة الموت
  • شهود يهوه 00 هوة الهلاك
  • المذاهب الحديثة المنحرفة

سادساً :  سلسة مدارس النقد والتشكيك والرد عليها

وتهتم بالرد على النقد الكتابي المنبثق عن مدرسة النقد الأعلى والذي يستغله الآخرون عبر شبكة الإنترنت ، وقد صدر منها :

  • مدارس النقد والتشكيك جـ 1
  • مدارس النقد والتشكيك جـ 2

والجزءان عبارة عن مقدمة للنقد الكتابي ، يتبعها الرد على المشكلات المثارة في الكتاب المقدس ، وسيتم إن شاء الله تناول هذا الموضوع سفراً سفراً0

(1)   المذاهب المنحرفة جـ 3 ص 47 – 50

(1)  شريط كاسيـــت – إلى الشريعة وإلى الشهادة – يوسف رياض – ماهر صموئيل ( يفضح لاهوت التحرُّر )

(1) شريط كاسيــــت – إلى الشريعة وإلى الشهادة – يوسف رياض – ماهر صموئيل ( يفضح لاهوت التحرُّر )

 

(1)  شريط كاسيـــت – إلى الشريعة وإلى الشهادة – يوسف رياض – ماهر صموئيل ( يفضح لاهوت التحرُّر )

 

(1)   تجديد الفكر الديني في المسيحية ص 180 ، 181

(2)  المرجع السابق ص 30

(3)  المرجع السابق ص 29

(1)  تجديد الفكر الديني في المسيحية ص 27

(2)  المرجع السابق ص 34

(1) حول أزمة الدين والأخلاق في المجتمع المعاصر ص 78

(1)  حتى متى أيها الليبراليون المتحررون ؟ عن الشهادة الخمسينية عدد مايو 2002 ص 16 – 19

 

(1)   صموئيل كريج – ترجمة باقي صدقة جرجس – المسيحية الحقيقية ص 55

(2)  أصالة الكتاب المقدَّس – ترجمة القس الياس مقار ص 62

(1)  أورده القس الياس مقار في ترجمته لكتاب أصالة الكتاب المقدس ص 123 0

(2)  حول أزمة الدين والأخلاق في المجتمع ص 78

اللاهوت الليبرالي ف3 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

الحركة الكارزماتيكية في التاريخ البروتستانتي ف1 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

الحركة الكارزماتيكية في التاريخ البروتستانتي ف1 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

الحركة الكارزماتيكية في التاريخ البروتستانتي ف1 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

 

بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

 مقدمة

          لابد أن نلتفت ياصديقي إلى هذا الموضوع الهام والخطير الذي بدأ يطرق أبوابنا بشدة عبر شبكة الأنترنت والقنوات الفضائية والمؤتمرات الطائفية ، حتى صرخ أحد قادة البروتستانت قائلاً :

” بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي تتمزَّق البروتستانتية “

          حقاً إن ” الحركة الكارزماتيكية ” تمثل ضربة يمينية ، تلهث وراء الأمور الخارقة والمعجزات الخادعة ، أما ” اللاهوت الليبرالي ” فهو يمثل ضربة يسارية حيث ينكر الوحي الإلهي ، والمعجزات الكتابية ، والشخصيات التاريخية ، وهذه الضربات لا توجه للوسط البروتستانتي فحسب ، بل توجه أيضاً لنا نحن الأرثوذكس ، الذين نعاني من التغلغل البروتستانتي بطوائفه الشتى وفق خطط موضوعة ، وتمويل غزير من الخارج ، فمثلاً في صيف 2004 م وُضعت خطة لإجتذاب الشباب الأرثوذكسي عبر النشاط الرياضي ، وتم التركيز على بعض المحافظات ، مع رصد التمويل اللازم ، وشهد عام 2005م قيام مؤتمرين كارزماتيكيين في شهر مارس في شاطئ أبي يوسف بالأسكندرية ، والذي تعدت تكاليفة المليون جنيه ، ويوم الصلاة العالمي ذو الصبغة الكارزماتيكية والذي عُقد في شهر مايو بكنيستنا القبطية الأرثوذكسية بجبل المقطم ، وفي عام 2006م رصدت الكنيسة المعمدانية بالخارج 150 مليون دولاراً لنشر الإيمان المسيحي في مصر ، والمستهدفين بالطبع هم الأرثوذكس لا غير ، ونحن لسنا بحاجة قط للدفاع عن كتابنا المقدَّس ضد اللاهوت الليبرالي ، لأننا نثق أن الكتاب يدافع عن نفسه ، والسماء والأرض تزولان ولا يزول حرف واحد منه ، ولسنا بحاجة أن ندافع عن أرثوذكسيتنا ضد الحركة الكارزماتيكية ، لأنها راسخة 00 كل ما يحركنا هو الخوف على البسطاء من صغار النفوس لئلا تختلط عليهم الأمور ، فيتوهون في خضام الشكوك الليبرالية والأوهام الكارزماتيكية0

          لقد انشغلتُ بهذا الموضوع المتضارب ، فألقيت محاضرة فـي سبتمبـر سنـة 2005م في ” مؤتمر العقيدة ” بالفيـوم عن ” اللاهوت الليبرالي ” ، ومحاضرة أخرى في يونيو 2006م في مؤتمر ” الأرثوذكسية والتحديات الطائفية ” بالفيوم عن الحركة الكارزماتيكية ، ولأن هاتين المحاضرتين لم تكفيا لطرح الموضوع بأبعاده المختلفة ، وتلبية لرغبة بعض الأباء في إصدار كتاب بهذا الموضوع ، لأن الكتاب أسهل تداولاً وأسرع انتشاراً ، لذلك أعود وأطرح هذا الموضوع للحوار عبر كتابي هذا ، والذي يشمل الفصول الآتية :

الفصل الأول: الحركة الكارزماتيكية في التاريخ البروتستانتي

الفصل الثاني: سمات الحركة الكارزماتيكية

الفصل الثالث: اللاهوت الليبرالي

 

 

 

الفصل الأول

موقع الحركة الكارزماتيكية في التاريخ البروتستانتي

الحقيقة أن هناك عدة موجات رئيسية ظهرت في تاريخ البروتستانتية من أهمها اربع موجات :

الموجة الأولى : ودُعيت بالكنائس المصلحة ، ويرجع تاريخها إلى القرن السادس عشـر ، ويمثلها ” مارتـن لوثر ” ( 1483 – 1546م ) الألماني الذي حاول إصلاح الكنيسة الكاثوليكية من داخل الكنيسة ( كما يقولون ) ويعتبر البروتستانت يوم 31 أكتوبر 1517م بداية الإصلاح الإنجيلي ، وهو يناسب اليوم الذي علَّق فيه لوثر احتجاجاته الخمسة والتسعين على باب كاتدرائية فيتمبرج 0

كما يمثل هذه الموجة أيضاً ” الريخ زونكلي ” السويسري الذي رفض الكنيسة الكاثوليكية ككل ، واحتج عليها بقسـوة ، وحطم كل شئ ، وأيضاً يمثل موجة الكنـائس المصلحة ” جون كلفن ” الفرنسـي الذي أراد أن يكون وسطاً بين لوثر وزونكلي ، وأن يمسك العصا مـن المنتصف ، ولذلك دُعي بالمرحب ، وتمخضت هذه الموجة عن ولادة الجماعات اللوثرية ، والزونكلية ، والمشيخية 0 ولا يوجد في مصر تواجد للجماعة اللوثرية ( وبها حالياً رهباناً متبتلين ) ولا تواجد أيضاً للجماعة الزونكلية ، وإنما توجد الكنيسة البروتستانتية المشيخية التي تنتمي لجون كلفن ، وقد دُعيت ” مشيخية ” لأنها تعترف بنظام الشيوخ ، وأول كنيسة بروتستانتية نشأت في درب الجنينة بالقاهرة 1860م ( راجع كتابنا : ياأخوتنا البروتستانت 00 هلموا نتحاور جـ 1 )0

كما ظهر في ركاب الموجة الأولى في القرن السادس عشر ” الكنيسة الإنجليكانية ” التي أنشقت عن الكنيسة الكاثوليكيـة سنـة 1528م لأن ملك إنجلتــرا ” هنـري الثامن ” ( 1509 – 1547 م ) أراد أن يُطلق زوجته كاترين ، فرفض بابا روما ، ولاسيما أن إبن شقيقة كاترين هو تشارلز الخامس ملك أسبانيا وإمبراطور ألمانيا ، فانفصل هنري الثامن عن الكنيسة الكاثوليكية وتزوج بآن بولين ثم سيمور ثم أوف كليفز ثم كاترين هوارد ثم كاترين بار ، فبسبب ملك مزواج نشأت الكنيسة الإنجليكانية التي تنادي اليوم برسامة المرأة في الكهنوت ، وزواج الشواذ ، وحقهم في الكهنوت 00 إلخ وهذه الكنيسة لها تواجد في مصر متمثلاً في الكنيسة الإنجليكانية ( الأسقفية ) ، وعقيدتها خليط بين الكاثوليكية والبروتستانتية ، فتجد فيها رتبة الأسقفية ولكن الأسقف الإنجليكاني متزوج 00 إلخ0

وأيضاً واكب الموجة الأولى ” الكنيسة المعمدانية ” التي ظهرت في القرن السادس عشر كجماعة منشقة عن الكنيسة الكاثوليكية ، فأطلقوا عليها ” أنا بابتست ” Ana-Baptists أي المعارضون لمعمودية الأطفال ، وقد أضطهدتهم الكنيسة الكاثوليكية لذلك توهموا أنهم سيجدون آمالهم في حمى البروتستانت ، فحاربوا بجانبهم ضد الكاثوليك ، ولكن البروتستانت أيضاً أنقلبوا عليهم ونظـروا لهم أنهـم أصحـاب بدعـة يجـب مقاومتها ، حتى أن ” زونكلي ” أصدر أوامره بإغراق كل من يحاول إعادة المعمودية في النهر ، فرُبط في فيينا الكثيرين منهم بسلاسل معاً وأُغرقوا في النهر ، وحكم على أحد قادتهم ” بلثاصر هابماير ” بالإعدام حرقاً سنة 1528م وأُغرقت زوجته في نهر الدانوب ، وتزوج أحد قادتهم ” جان مائيس ” الـذي كـان يعمـل خبازاً من راهبة جميلة تدعى ” ديفارا ” وادعى أنه أخنوخ الذي نُقل إلى السماء من قبل ، وعندما قُتل جان بائيس في أحد المعارك خلَّفه ” يوحنا ” الذي تزوج بديفارا أرملة مائيس ، ونادى بتعدد الزوجات حتى أنه تزوج هو بخمسة عشر زوجة ( ايريل كيرنز – المسيحية عبر العصور ص 351 – 355 ) وتدَّعى هذه الجماعة أنها قدمت خمسين مليون شهيداً0

وقد تأسَّست أول كنيسة معمدانيـة في إنجلترا سنة 1612م ، عندما قام ” جون مورتون ” و ” توماس هيلويز ” بإعادة تعميد بعضهما البعض ، وهاجر بعض المعمدانيين إلى أمريكا ونشروا مذهبهم هناك رغم الإضطهاد الذي عانوه على يد البروتستانت ، وقد هاجمت الكنيسة المعمدانية بابا روما وأطلقوا عليه ” ضد المسيح ” كما هاجموا قسطنطين البار وقالوا أن الكنيسة الزانية قد إقترنت بالحكومة سنة 313م في أيام الإمبراطور قسطنطين ، ونشأت أول كنيسة معمدانية في الفيوم سنة 1955م على يد القس ” صديق واسيلي جرجس ” وتُسمى الآن بكنيسة الأقباط المعمدانيين ، ومعترف بها من قِبل المجلس الملي الإنجيلي ، كما توجد في الأسكندرية ” الكنيسة المعمدانية الكتابية الأولى ” وهي تتبع الخارج ، ولم يعترف بها المجلس الملي الإنجيلي الذي يشترط عدداً معيناً من الكنائس لكي يعترف بطائفة جديدة0

الموجة الثانية : ودُعيت بكنائس الإصلاح أو الميثودست أي المنهجيين ، وقُصد بها إصلاح ما آلت إليه الموجة الأولى من فساد ، ويرجع تاريخهـا إلـى القرن الثامن عشر عندما إنشقت من الكنيسة الإنجليكانية ، لأن رجال الدين الإنجليكان الذين شغلوا مناصب عالية كانوا يحصلون على رواتب ضخمة ، بينما عانى بقية الخدام الإنجليكان من الفقر ، مما جعلهم يسيرون في ركاب الإقطاعيين ، يسهرون ويلعبون القمار ويسكرون معهم ، حتى تقسَّت القلوب ، فأصبح خروج الأسرة لمشاهدة مناظر الإعدام الجماعي النزهة المفضلة0

          وفي هذه الأجواء وُلِد ” جون ويسلي ” ( 1703 – 1791م ) الإبن رقم (15) للقس الإنجليكاني ” صموئيل ويسلي ” وزوجته ” سوزانة ويسلي ” ، وقد تربى تربية دينية ملتزمة ، وفي السادسة من عمره شبَّ حريق في منزله ، وأُنقذ من الموت ، لذلك كان يلذ له أن يدعو نفسه ” الجمرة المنتشلة من النار ” كما قيل عن يهوشع الكاهن العظيم في سفر زكريا 0 حصل ويسلي على ليسانس آداب سنة 1723م ، وقام بالتدريس في جامعة أكسفورد ، وحصل على الماجستير سنة 1727م ، ورسم قساً إنجليكانياً سنة 1728م ، وأقام مع مجموعة من الدارسين إجتماعاً مسائياً درسوا فيه العهد الجديد باللغة اليونانية ، وكانوا يدققون في الدراسة فدعـوا بالمنهجيين ( الميثودست ) كما عُرفوا باسم ” النادي المقدس ” ومارسوا صوم الأربعاء والجمعة ، والمواظبة على العشـاء الرباني ، وزيارة المرضى ، وكان من الأعضاء البارزين ” تشارلز ويسلي ” ( 1707 – 1788 ) وهو الشقيق رقم (18) لجون ويسلي ، وكانت له موهبة نظم الترانيم ، فقام بتأليف نحو 5500 ترنيمة حتى دُعي بشاعر الحركة ، بينما أُعتبر جون ويسلي الذي ألقى 42000 عظة واعظ الحركة ، بالإضافة إلى تأليف نحو مائتي كتاب0

          وقد سافر ” جون ويسلي ” مع شقيقه تشارلز إلى أمريكا لنشر الإيمان المسيحي بين الهنود الأصليين ، ولكن السلطات لم تسمح لهما بهذا ، فخدما في المجتمع الإنجليزي في جورجيا ، ولكن حدث نزاع بين ” جون ويسلي ” والآنسة ” صوفيا هوركي ” ، فعاد مع شقيقه إلى إنجلترا في أواخر 1737م 0 وفي يوم الأحد 21 مايو 1938م تحوَّل ” تشالز ” للإيمان الإنجيلي وقَبِل المسيح مخلصنا شخصياً ، وتبعه جون يوم 24 مايو ، ومع ” جون ويسلي ” تظهر بوادر ظاهرة السقوط على الأرض ، فعندما كان يصلي مع أتباعه في الثالثة صباحاً من أحد الأيام يقول ” حلَّت علينا قوة الله 00 فصـرخ الكثيرون مـن فرط الفرح وسقط آخرون على وجوههم ” (1) ونلاحظ هنا أن الذين سقطوا سقطوا على وجوههم ، بينما الذين يسقطون اليوم فإنهم يستلقون على ظهورهم في تؤدة وهدوء معتمدين على من يسندوهم من الخلف ، ويمثل كنائس الميثودست في مصر ” كنيســـة نهضة القداســــة ” ( الإصلاح ) ، و ” كنيســـة المثـــال المسيحـــي ” ، و ” كنيســـة الإيمـــــان ” ، و ” كنيسة الله ” 0

الموجة الثالثة : ويمثل هذه الموجة الثالثة كنيسة ” الأخوة البلاميت ” الذين ظهروا في النصف الأول من القـرن التاسع عشر ، على يد القس ” يوحنا نلسون داربي ” ( 1800 – 1882م ) الذي وُلِد في لندن من أسرة بروتستانتية ، وتلقى تعليمه في مدرسة وستمنستر بلندن ، ثم التحق بكلية ترينتي ( الثالوث القدوس ) بمدينة ” دبلن ” بأيرلندا ، وفي سنة 1819م حصل على الميدالية الذهبية للكلية ثم عمل محامياً ، وعُيَّن شماساً فقساً في كنيسة أيرلندا الوطنية0

          وفي سنة 1827م أعلن القس يوحنا داربي إنشقاقه عن الكنيسة البروتستانتية ، وبدأ يعقـد إجتماعاته مع ” د0 كرونن وستر ” ، ومستر ” بللت ” ، ومستر ” هتشنسون ” في أحد المنازل بدبلن ، وفي سنة 1834م عندما ضاق بهم المنزل أستأجروا قاعة واسعة ، وتم تقديم أول مائدة للعشاء الرباني سنة 1838م 0 ثم أنتشرت حركتهم في دول أوربا وأمريكا وكندا ، وجاءت تسميتهم بالأخوةالبلاميث نسبة إلى بلدة ” بلميئوس ” التي ظهرت فيها هذه الطائفة ( الأخوة في أوربا طبعة سنة 1935م ص 10 )0

          وقام يوحنا داربي بترجمة الكتاب المقدَّس من العبرية واليونانية إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية ، وكتب ملخصاً لأسفار موسى الخمسة في خمس مجلدات ، وخمسة وثلاثين مجلداً في الوعظ والتعليم ، واهتم الأخوة البلاميث بالمعرفة حتى قالت عنهم دائرة المعارف البريطانية أنه ” بلغ مجموع ما نُشر من مطبوعاتهم ما يساوي مجموع كل ما نُشر من مطبوعات ومن كتب وجرائد يوميـة ومؤلفـات علمية فـي القارة الأوربية في نفس هذه المدة ” (1)0

          ودخلت هذه الطائفة مصر سنة 1860م على يد المُرسَل الأمريكي ” بنيامين بنكرتون ” الذي كان يقيم في بيروت ، ويأتي متجولاً في مصر لمدة أربعة شهور ، وقد ترجم مؤلفات داربي ، وبللت ، وشروحات وليم كلي ، وجميع هذه المؤلفات تنادي بحرية العبادة تحت قيادة الروح القدس ، وسلَّم بنيامين بنكرتون مبادئه لعدد من المصريين وفي مقدمتهم القس الإنجيلي جرجس روفائيل بملوي ، ثم أعلن القس جرجس إنفصاله عن الكنيسة المشيخية ، وأسَّس طائفة الأخوة البلاميث ، وتم كسر الخبز لأول مرة على الطريقة البلموثية في أواخر سنة 1883م بملوي حيث تقدم الشاب ” موسى صالح ” لكسر الخبز في وجود القس جرجس 0 ثم انتشرت مبادئ الأخوة في أخميم والنخيلة والأقصر ، كما انفصل القس بطرس دينسيوس عن الكنيسة الإنجيلية بالأقصر وانضم لجماعة الأخوة ، ولأن مبادئ الأخوة تحض علـى الخدمة بلا مقابل فقد قام ( القس ) جرجس روفائيل بخدمة الأخوة بلا مقابل حتى باع أثاث منزله من الفاقة ، فالتف حوله الإنجيليون وأقنعوه أنهم يقبلون جميع مبادئه ماعدا كسر الخبز الذي يجب أن يقوم به هو ، وعادوا يصرفون له راتبه ، ولكن الأخوة البلاميث أثروا عليه ثانية فترك الكنيسة الإنجيلية بلا رجعة ، وقد إعترف المجلس الملي الإنجيلي بهذه الطائفة0

          وتنطوي عقيدة البلاميث علىالإنفصال التام عن أي مذهب أو طائفة ، ورفض أي قيادة بشرية ، فلا يعترفون بنظام الشيوخ أو القسوس 0 لكنهم يعتبرون أن الروح القدس هو وحده المُدبّر والقائد والمرشد في وجود الملك المسيح ، والكل سواسية فلا مكان لشماس ولا قسيس 0 والروح القدس هو الذي يدير الاجتماع ، فمن يحركه روح الله فيبدأ بترنيمة ، أو صلاة ، أو عظة ، أو تقديم العشاء الرباني ، فالقيادة البشرية مُلغاة أو قل أنها تنتقل من شخص إلى آخر ، ومع ذلك فإن البعض يدرس ويُحضّر موضوعاً معيناً وكأنه قد علم أن الروح سيحركه لإلقاء الكلمة ، وأن الروح سيختار له هذا الموضوع بالذات الذي سبق تحضيره ، وقد ينعقد الاجتماع وينفض دون كلمة تعزية لأن الروح لم يحرك أحداً لإلقاء كلمة0

          ويُعرف الأخوة البلاميث بالتدقيق الشديد ، فلا يقبلون أي إنسان عضواً إلاَّ بعد أن يخضع للإختبار لمدة قد تصل إلى عدة سنوات ، وغير مسموح للعضو بمشاهدة التليفزيون ، وأيضاً لا يتزوج العضو من خارج الطائفة ، ويصل بهم التدقيق إلى مرحلة الفريسية الشديدة ، فعندما أعطي أخ منهم بعض البلح لآخر قائلاً : خذ البلحتين دول ( وهذا أسلوب مُتعارف عليه ) فعدَّهم الآخر ووجدهم نحو ست بلحات فقال له ” أو ألاَّ تخاف الله ؟!! 00 تقول على ست بلحات أنهم بلحتان !! ” ولا يسمحون لغير الأعضاء بالإشتراك في مائدة الرب0

          وبسبب هذا التدقيق الذي مارسه الأخوة البلاميث نشأت طائفة أخرى منهم أكثر تساهلاً ، فتقبل الكل بلا إختبار ، وتسمح لأي إنسان أن يشترك في مائدة الرب على مسئوليته ، ودعوا أنفسهم بكنيسة ” الأخوة المرحبين ” ، وقد أعترف بهم المجلس الملي الإنجيلي من ضمن الطوائف البروتستانتية0

الموجة الرابعة : ويرجع تاريخها إلـى منتصف القرن التاســع عشر ، وتدعى بكنائس الكارزماتيك Charismatic Churchs من ” كاريزمـــــا ” Charisma أي ” موهبة إلهية روحية ” حيث يركز الخمسينيون على مواهب التكلم بألسنة ومعجزات الشفاء ، وطرد الأرواح النجسة ( راجع د0ق سامي حنا غبريال – نمو الكنائس الإنجيلية بمصر وعلاقته بالقيادة ص 117 ، 118 ) وجاء في تقرير الحالة الدينية سنة 1995م ” أن الكنائس الرسولية هي مجموعة تؤمن بمواهب الروح القدس كمواهب فردية تُعطى لكل شخص على حدة ” ( ص 388 ) 0

         تعالوا يا أحبائي نغوص في أعماق التاريخ الكتابي ، لنوضح خلط الخمسينيين بين الحقائق الكتابية وبين وضعهم وواقعهم ، فراحوا يبحثون عن مرجعية وجذور لهم في كنيسة الرسل ، وحلول الروح القدس يوم الخمسين ، ومواهب الروح القدس مثل التكلم بألسنة ومعجزات الشفاء 000 إلخ0

          إذا عدنا للخلف نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة عام فأننا نلتقي مع عيد الأسابيع الذي هو يوم الخمسين ، وهو أحد الأعياد الثلاث الرئيسية في العهد القديم :

1- عيد الفطير 2- عيد الأسابيع (يوم الخمسين) 3- عيد المظال0

وكان عيد الأسابيع يقع في اليوم الخمسين من بدء حصاد الشعير ، وتقديم الحزمة الأولى للكاهن لترديدها أمام الرب للرضى ( لا 23 : 10 ، 11 ) وهذا الوقت يناسب بدء حصاد الحنطة ( خر 34 : 22 ) ولذلك كان من أهم طقوس يوم الخمسين تقديم رغيفين من دقيق الحنطة الجديد ، مع الذبائح المختلفة ، وهذان الرغيفان يرمزان إلى قبول اليهود والأمم في الإيمان ( لا 23 : 28 ) كما كان اليهود يذكرون في ذلك اليوم عبوديتهم المرة في أرض مصر ، ويجددون العهود مع الله ” وتذكر أنك كنت عبداً في مصر وتحفظ وتعمل هذه الفرائض “ ( تث 16 : 12 )0

          وإذا عدنا للخلف نحو ألفي عام نقف أمام يوم الخمسين الذي حلَّ فيه الروح القدس على الرسل الأطهار ، كوعد مخلصنا الصالح لهم ، وما أجمل المقارنة التي عقدها القديس جيروم بين ولادة كنيسة العهد القديم على جبل سيناء ، وبين ولادة كنيسة العهد الجديد في علية صهيون حيث يقول :

” هناك سيناء وهنا صهيون 00

هناك الجبل المُتزلزل وهنا البيت المُهتز 00

هناك الجبل المُتقد بالنار وهنا الألسنة من نار 00

هناك الرعد الصاخب وهنا أصوات ألسنة كثيرة 00

هناك رنين الأبواق وهنا نغمات بوق الإنجيل ” 0 (1)

          هذه حقائق كتابية 0 أما إذا عدنا للخلف نحو مائة وسبعين عاماً فإننا نلتقي بولادة الحركة التي دُعيت بالحركة الرسولية ( والتي إنشقت منها الحركة الخمسينية ) ففي بداية الأربعينات من القرن التاسع عشر تجمَّع عدد من الزنوج البروتستانت في لوس أنجلوس ، وأعربوا عن عدم إرتياحهم للحياة الروحية الفاترة التي كانت تسود المجتمع الأمريكي حينذاك ، واجتمعوا للصلاة بحرارة من أجل يوم خمسيني جديد ، وطفقوا ينطقون بكلمات مُبهمة ، مدَّعين أن الروح القدس قد حلَّ عليهم ، ومنحهم موهبة التكلم بألسنة ، وأرتبطت هذه الحركة الخمسينية في نشأتها بثلاث شخصيات :

1-  إدوارد أرفينج 2- تشارلز0 ف0 برهام 3- ويليامز سيمور

1- إدوارد أرفينج ( 1792 – 1834م ) : وُلِد في دامفراس ، ودرس في جامعة أدنبرة ، ثم عمل ناظر مدرسة ، وفي سنة 1822م صار قساً بالكنيسة المشيخية في لندن ، وجذب الأنظار بعظاته الرنانة ، وتأثر أرفينج بالحركة الخمسينية التي أشعلها هؤلاء الزنوج ، وتبنى حركتهم ، وصار له الباع الأكبر في نشر هذه الحركة ، حتى أن الصحف الإنجليزية دعت هذه الحركة الخمسينية بـ ” الحركة الأرفنجية “0

          وفي سنة 1827م بنى أدوارد أرفينج كنيسة أوسع لكي تتسع للأعضاء الجدد الذين إنضموا إليه ، وأثارت عظاته وخدمته جدلاً كبيراً ، وعُقِدت له عدَّة محاكمات كنسيَّة إنتهت بعزله من الكنيسة المشيخية ، أي أن الذي أسَّس الحركة الخمسينية كان محكوماً عليه ومرفوضاً من كنيسته المشيخية بسبب إنحرافاته الفكرية ، ويقول هـ0ل0 هايكوب ” وفي النصف الأول من القرن التاسع عشـر قامت في غرب اسكتلندا بدعة ” الألسنة غير المفهومة ” ولما نما خبر هذه البدعة إلى إدوارد ايرفينج أنضم إليها وأصبح فيما بعد علماً من أعلمها 0 ومنه أنفلتت العدوى إلى أعضاء كنيسته في لندن ، حتى كانت تلك الكنيسة مشهداً للتكلم بألسنة ، وانتهى به الحال إلى عزله بواسطة كنيسته المشيخية بلندن عزلاً شائناً مزرياً ” (1)

          وقام ادوارد أرفينج بتأسيس طائفة جديدة بإسم ” الكنيسة الرسولية الكاثوليكية التي تؤمن بالتكلم بألسنة وعمـــل المعجزات ” وسريعاً ما أنتشرت هذه الطائفة الجديدة في إنجلترا وألمانيا وأمريكا ، وبموت أدوارد أرفينج وبقية قادة الحركة تشتَّتت هذه الجماعة 0 ثم عادت للظهور سنة 1914م في أركانساس0

2- تشالرز ف0 برهام : كان خادماً ميثودستياً وأفتتح ” كلية بيت إيل ” للدراسات الكتابية فـي ولاية كانسس في أكتوبر سنة 1900م ، وبدأ يدرس مع الطلبة سفر أعمال الرسل ، مركزاً على قبول الروح القدس ، وفي رأس السنة بدأ أحد الطلبة ينطق بلغة مبهمة فادَّعوا أنه يتكلم بألسنة ، وفي 3 يناير سنة 1901م تبعه برهام في التكلم بلغة غير مفهومة ، وخلال شهر يناير طلبت الطالبة ” اجنس أوزمان ” أن يضعوا أيديهم عليها لكيما تتكلم بألسنة ، فكان لها ما أرادت ، ونطقت بكلمات لم يفهم منها أحد شيئاً ، وابتهجت بهذا لأنها أعتقدت أن الروح القدس يتكلم بلسانها0

3- ويليامز سيمور : أفتتح تشارلز 0 ف0 برهام كلية أخرى لبيت إيل في مدينة هوستون بولاية تكساس سنة 1905م ، وكان ويليامز سيمور أحد طلبة هذه المدرسة ، وتشبع بالفكر الخمسيني وقاد الإجتماع التبشيري في لوس أنجيلوس ، حيث أصبح التكلم بألسنة ظاهرة واضحة في إجتماعات الخمسينيين00

          وانتشرت الحركة الخمسينية في دول عديدة ، حتى بلغت نسبة الخمسينيين في شيلي 80 % من إجمالي السكان ، وأقام الخمسينيون أول مؤتمر لهـم في مدينة زيورخ بألمانيا سنة 1947م ، بينما وقف البروتستانت يراقبون هذه الحركة ، ولم يشاءوا أن يتصدوا لها لئلا يهتـز القــارب ، ويقول دون باشام ” كان بعض البروتستانت ينظرون إلى حركة الروح القدس على أنها ظاهرة مؤقتة ، وسرعان ما تتلاشى ، لذلك فهي لا تستحق منه إلتفاتة أو ذكراً ” (1)0

          وقد بدأت الحركة الخمسينية في مصر سنة 1908م على يد ” القس براسفور ” الذي بدأ نشاطه في بيت النحال بأسيوط ، وانقلب الإجتماع إلى صياح وصراخ وكلمات مبهمة ، مدَّعين أن الروح القدس قد حلَّ عليهم وأنهم ينطقون بألسنة ، وفي سنة 1914م تكونت ” الطائفة الرسولية ” ، واعترف بها المجلس الملي العام الإنجيلي ، وتولى رئاستها القس صليب بولس مع القس بطرس لبيب ، غير أن الجماعة أنحازت للقس صليب بولس ، مما دفع القس بطرس لبيب للتقوقع في بلدته دير الجرنوس مركز مغاغة0

          وفي سنة 1932م إنشقت عن المجموعة الرسولية مجموعة إنحازت إلى القس بطرس لبيب ، وكوَّنوا طائفة جديدة بأسم ” كنيسة الله الخمسينية ” وكان مقرها دير الجرنوس ، وامتدت إلى عدة بلاد أخرى مثل الفشن وسمالوط والمنيا وأسيوط والقاهرة والإسكندرية ، واعترف بها المجلس الملي العام الإنجيلي سنة 1946م ، غير أن هذه الطائفةالتي دُعيت بكنيسة المشاكل دخلت في صراعات طويلة مع رئيس الطوائف الإنجيلية ، والمجلس الملي العام الإنجيلي ، ووصلت هـذه المشاكل إلى الشرطة والقضاء ، واستمر هذا الصراع رغم صدور القرار الجمهوري 1133 في 17/7/1973 م بإنشاء مبنى كنيسة الله الخمسينية ، وفي سنة 1982م أضطرت بعض الكنائس الخمسينية للإنضمام إلى كنائس أخرى كارزماتيكية مثل الكنيسة الرسولية ، وكنيسة النعمة ، وكنيسة المسيح ، وقد شرح القس صموئيل مشرقي رئيس المجمع الخمسيني هذه الصراعات بالتفصيل في كتابه ” تاريخ المذهب الخمسيني في مصر ” ( راجع كتابنا : يا أخوتنا البروتستانت 00 هلموا نتحاور ج 2 ص 52 – 58 )0

          ونستطيع أن نقول أنه خلال أربعة وثلاثين سنة أنشق عن الجماعة الرسولية التي نشأت سنة 1914م فـي مصر عدة جماعات ، ففي سنة 1932م خرجت منها الجماعة الخمسينية ، وفـي سنة 1940م خرجت منها جماعة النعمة ، وفي سنة 1948م خرجت منهـا جماعة المسيح 0 بالإضافة إلى نشأة جماعة النعمة الرسوليـة سنـة 1935م على أيدي مرسلين كنديين ، وهذا يذكرنا دائماً بأن البروتستانتية والإنشقاق صنوان لا يفترقان 00

         فيا أيها الأرثوذكسي المعجب بجماعة بروتستانتية هذا العام ، لا تتعجب إن عدت إليها بعد عام فوجدتها جماعتين مختلفتين ، وأنت لا تدرك عظمة كنيستك الثابتة المستقرة على صخر الدهور منذ عشرين قرناً وإلى المجئ الثاني0

          والجدول الآتي يوضح حركة هذه الجماعات الكارزماتيكية وعدد الكنائس التي تتبعها ، وكذلك الخدام ، وعدد الأعضاء التابعين لكل منها خلال الفترة من سنة 1960 م – 1996م :

 

عدد الكنائس

عدد

الخدام

العضوية

1960

1985

1996

1960

1985

1996

الرسولية

50

150

140

49

5286

13300

14000

الخمسينية

30

27

45

18

1608

1260

1900

النعمة الرسولية

6

12

17

9

316

605

550

النعمة

5

8

15

10

150

240

700

المسيح

12

15

19

19

1200

1500

1200

                       (1)

ويتبع الجماعة الرسولية ” كلية اللاهوت الرسولية ” التي تُسمى بكلية اللاهوت للشرق الأوسط ، وقد تأسست سنة 1953م في مدينة بور سعيد 0 ثم نقلت إلى لبنان عقب نكسة 1967م ، وأُعيدت إلى أسيوط سنة 1977م عقب إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ، فأستقرت في ملجأ لليان راشر ، ثم أنشأ ثلاثة فروع لها في القاهرة والمنيا وسوهاج ( راجــع د0ق0 سامي حنا غبريال – نمو الكنائس الإنجيلية بمصـر وعلاقتـه بالقيادة ص 201 )0

(1)   رسالة جون ويسلي لعصرنا الحاضر ص 14

(1)   فارس فهمي – الأخوة في مصر ص 8

(1)  دائرة المعارف الكتابية جـ 3 ص 356 0

(1)  تعريب د0 فخري حنا – المواهب المعجزية في ضوء كلمة الله ص 92 0

(1)  معمودية الروح القدس – ترجمة غ 0 فرج ص 20 0

 

(1)  هذا الجدول مقتطع من جدول يشمل كل الطوائف الإنجيلية أورده د0ق0 سالي غبريال في كتابه نمو الكنائس الإنجيلية بمصر وعلاقته بالقيادة ص 138

 

الحركة الكارزماتيكية في التاريخ البروتستانتي ف1 – بين الحركة الكارزماتيكية واللاهوت الليبرالي

كتاب الايمان الأرثوذكسي كحياة وتسليم ولاهوت PDF – الأب جورج عطية

كتاب الايمان الأرثوذكسي كحياة وتسليم ولاهوت PDF – الأب جورج عطية

كتاب الايمان الأرثوذكسي كحياة وتسليم ولاهوت PDF – الأب جورج عطية

كتاب الايمان الأرثوذكسي كحياة وتسليم ولاهوت PDF – الأب جورج عطية

تحميل الكتاب

كتاب التحول الروحي – مكاملة علم اللاهوت وعلم النفس PDF – أف. ليرون شولتز، ستيفن جي. سانداج

كتاب التحول الروحي – مكاملة علم اللاهوت وعلم النفس PDF – أف. ليرون شولتز، ستيفن جي. سانداج

كتاب التحول الروحي – مكاملة علم اللاهوت وعلم النفس PDF – أف. ليرون شولتز، ستيفن جي. سانداج

كتاب التحول الروحي – مكاملة علم اللاهوت وعلم النفس PDF – أف. ليرون شولتز، ستيفن جي. سانداج

تحميل الكتاب PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

كتاب من صنع الله؟ وإجابات عن أكثر من مئة من الأسئلة الصعبة عن الإيمان – دكتور رافي زكارايوس PDF

تحميل الكتاب PDF

  • اسئلة عن الايمان المسيحي
  • اسئلة صعبة عن الله
  • لماذا لا يمكن للكون ان يكون ازلي الوجود؟
  • كيف يمكن لله ان يصنع شيئا من العدم؟
  • الله ماذا كان يصنع قبل خلقة العالم؟
  • كيف يمكن لثلاثة ان يكونوا ثلاثة اقانيم ضمن الله الواحد؟
  • كيف يمكن اله صالح ان يرسل اناسا الي جهنم؟
  • كيف يمكن لله ان سكون عادل ومحبا في ان واحد؟
  • اسئلة صعبة عن الشر
  • ما هو اصل الشر؟
  • ما هو قصد الله النهائي من السماح بوجود الشر؟
  • أليس من المستحسن ان يقضي الله على الشر حالا؟
  • هل وجود الشر هو برهان على ان الله محدود؟
  • هل الشر مجرد وهم؟
  • هل تستطيع حركة العصر الجديد التي تؤمن بعقيدة الكل هو الله ان تقدم تفسيرا للشر؟
  • هل نحن من صنع واقعنا؟
  • هل يقدم التقمص تفسيرا لوجود الشر؟
  • اسئلة صعبة عن العلم؟
  • هل العلم والمسيحية ( الدين ) حليفان ام خصمان؟
  • كيف ينبغي ان تكون علاقة اللاهوت بالعلوم؟
  • كيف تصف العلوم الحديثة الكون؟
  • من اين اتى الكون؟
  • ماذا نقصد بقولنا ان الكون مضبط بشكل دقيق جدا؟
  • ماذا تعني فرضية وجود عوالم متعدده؟
  • كيف نفسر ما هو الاصل الفعلي للحياة؟
  • كم استغرقت ايام الخلق بحسب سفر التكوين؟
  • هل النظرية الداروينية الحديثة صحيحة؟
  • اسئلة صعبة عن المسيح
  • هل يمكن الوثوق بالمصادر المتعلقة بحياة يسوع؟
  • هل ادعى يسوع المسيح يوما ما انه الله ؟
  • هل حقا اجترح يسوع المعجزات؟
  • هل اتم يسوع النبوات المسيانية؟
  • هل قام يسوع من بين الاموات؟
  • اسئلة صعبة عن الكتاب المقدس
  • من اين اتى الكتاب المقدس؟
  • هل كان كتاب الكتاب المقدس مجرد موظفي سكرتاريا يعملون لحساب الروح القدس؟
  • هل كان بامكان الانبياء ان يضيفوا اراءهم الخاصة الي رسالة الله؟
  • كيف كان الانبياء يتقلون رساءلهم من الله؟
  • هل كان مسموحا للانبياء ان يغيروا الكلام الذي اعطاه الله؟
  • ماذا تعني بقولك ان الكتاب المقدس هو كلمة الله؟
  • كيف يدعي الكتاب المقدس انه كلمة الله؟
  • هل يدعي الكتاب المقدس انه ذو سلطة الهية ؟
  • الي اي حد يمتد سلطانه الالهي هذا؟
  • ماذا تعني بقولك ان الكتاب المقدس موحى به؟
  • هل الفاظ الكتاب المقدس بالذات موحى بها من الله ام الافكار فقط؟
  • هل يدعي الكتاب المقدس الوحي في جميع مواضيعه، ام يقتصر على المواضيع الروحية فقط؟
  • كيف يسئ بعض الاشخاص فهم ما هو المقصود بالوحي الالهي للكتاب المقدس؟
  • كيف لنا ان نتاكد من ان هذه المسائل التي يساء فهمها لا تشكل جزءا مما يشمله الوحي؟
  • أليس الكتاب المقدس كتابا بشريا ايضا؟
  • هل في الكتاب المقدس اخطاء؟
  • هل تحتوي مخطوطات الكتاب المقدس على اخطاء؟
  • كيف يمكن للكتاب المقدس ان يكون كلام الله وكلام الانسان في ان واحد؟
  • هل كان بالامكان الوثوق بشهود الكتاب المقدس؟
  • لماذا يرفض جماعة سمينار يسوع الوثوق بشهود الهعد الجديد؟
  • هل كان من الممكن لشهود العهد الجديد ان يصمدوا في شهاداتهم امام محكمة للقانون؟
  • هل يمكن الوثوق بنسخ الكتاب المقدس؟
  • اسئلة صعبة عن الكتاب المقدس، الانبياء الكذبه والكتب المقدسة لدى الديانات الاخرى
  • ما هي الادلة المتوافرة والتي تثبت ما يدعيه الكتاب المقدس بانه موحي به من الله؟
  • هل من ادله اخرى تثبت ان الكتاب المقدس هو كلمه الله؟
  • الم تتحقق العديد من نبوات الوسطاء الروحيين مثل انبياء الكتاب المقدس؟
  • الم يتنبا نوستراداموسفي اجتياز اختبار النبي الحقيقي؟
  • ما هي الامتحانات لكشف النبي الحقيقي؟
  • هل نجح كتاب الكتاب المقدس في اجتياز هذه المعاير؟
  • لماذا لا يمكن لكتب الديانات الاخرى ان تكون هي ايضا من الله؟
  • اليس من التعصب الادعاءبان ديانة واحدة فقط هي التي تملك الحق؟
  • هل العهد القديم مكتمل؟
  • ما هي شهادة الديانة اليهودية على اكتمال العهد القديم؟
  • ماذا قال يسوع المسيح عن اكتمال العهد القديم؟
  • ماذا قال المسيحيون الاوائل عن اكتمال العهد القديم؟
  • كيف نعرف ان العهد الجديد قد اكتمل؟
  • ما هو الوعد الذي قطعه يسوع المسيح بخصوص جميع اسفار العهد الجديد؟
  • ماذا قال تلاميذ يسوع بخصوص العهد الجديد؟
  • ما هي الادلة التي اظهرها الرسل لاثبات سلطانهم؟
  • هل حفظت جميع الكتابات الرسولية والنبوية في العهد الجديد؟
  • كيف يمكن لشخص الله ان يضمن ويؤكد حقيقة اكتمال العهد الجديد؟
  • هل حافظت الكنيسة بكل حرص على العهد الجديد باكمله؟
  • هل الكتاب المقدس باكمله مكتمل؟
  • هل يؤمن المورمون بان الكتاب المقدس موحى به من الله؟
  • اسئلة صعبة عن الهندوسية والتأمل التجاوزي
  • ما هي العقائد الاساسية للهندوسية؟
  • ماذا تعني اليوجا (اليوغا) والتامل وراءها؟
  • ما هي عقائد البوذيه؟

الثالوث القدوس والمنطق – مينا كيرلس

الثالوث القدوس والمنطق – مينا كيرلس

الثالوث القدوس والمنطق – مينا كيرلس

الكثير ممن لا يؤمنون بالثالوث يهاجمون عقيدة الثالوث لأسباب متعددة:

١- ايمانهم بأن عقيدة الثالوث ليست صحيحة.

٢- ايمانهم بأن هناك عقائد اخرى أفضل واصح من الايمان بعقيدة الثالوث.

٣- حب الخير للغير ولذلك يريدون من الاخرين اتباع نفس العقائد التي يعتقدون بصحتها.

٤- الثالوث غير منطقي.

 

وربما هناك اسباب اخري مهمه للبعض وغير مهمة للبعض الاخر.

 

لنناقش السبب الرابع وهو ان الثالوث غير منطقي، لكن قبل ذلك يجب ان نوضح بعض الامور.

 

ما المقصود بالمنطق؟

يكتب لويس كارول “إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون كذلك؛ وإذا كان الأمر كذلك، فسيكون كذلك؛ ولكن لأن الأمور ليست كذلك، فهي ليست كذلك. هذا منطق.”[١]

 

عُرف المنطق بتعاريف مختلفة منها أنه:

(۱) هو علم قوانين الفكر.

(۲) هو علم القوانين السورية أو الضرورية للفكر.

(۳) هو قانون تعصم مراعاته الذهن من الخطأ في الفكر (4) هو علم الاستدلال.

(٥) فن توجيه الفكر الى الصراط المستقيم في اكتساب العلم بالأشياء.

(6) علم يبحث فيه عن القوانين العامة للتفكير، وغايته البحث في الأحوال والشروط التي يتوافرها يستطيع المرء الانتقال من قضايا مسلم بصحتها إلى قضايا أخرى جديدة، فهو خاص ببيان الطرق الصحيحة التي بها يحصل التفكير الصحيح من غير نظر الى المواد الواقع عليها التفكير ويراد بقانون الفكر الاطراد الحاصل والذي يجب أن يحصل في الكيفية التي بها يفكر كل ذي عقل سليم والقوانين الفكرية قوانين طبيعية لا يستطيع أن يؤثر فيها أي امرئ أو يغير فيها بخلاف القوانين الاجتماعية أو الادارية فإنها من وضع الانسان فهي قابلة التعديل والتغيير. [٢]

 

المنطق هو دراسة الأساليب والمبادئ المستخدمة للتمييز بين التفكير الجيد (الصحيح) والسئ (غير الصحيح). [٣]

 

ما المقصود بالثالوث؟

لم ترد كلمة «الثالوث» في الكتاب المقدس، حيث لا يذكر الكتاب المقدس هذا اللفظ بالذات تعبيرا عن مفهوم أنه ليس هناك سوى الله الواحد الحقيقي، وأن في وحدانية الله ثلاثة أقانيم هم واحد في الجوهر ومتساوون في الأزلية والقدرة والمجد، لكنهم متمايزون في الشخصية. وعقيدة الثالوث عقيدة كتابية، ليس باعتبار ورودها نصا في الكتاب المقدس، لكن باعتبارها روح الكتاب المقدس.

والتعبير عن عقيدة كتابية بعبارات كتابية أفضل لحفظ الحق الكتابي وتظهر عقيدة الثالوث في نسيج الأسفار المقدسة، لا في صيغة محددة وإنما في إشارات متفرقة. وعندما نتحدث عن عقيدة الثالوث فإننا لا نخرج عن دائرة الكتاب ولكننا نجمع شتات هذه الاشارات في مفهوم عقائدي واضح. وقد نعبر عن هذه العقيدة بأسلوب فلسفي وبعبارات فنية لكنها لا تخرج بذلك عن كونها عقيدة كتابية.

 

إن أساس عقيدة الثالوث هو الاعلان الإلهي، فهي تجسد الحق الذي لم يقدر العقل البشري الطبيعي أن يكتشفه، ولن يقدر من ذاته، لأن الانسان بكل ثاقب عقله، ليس في مقدوره أن يكتشف أمور الله العويصة. [٤]

الثالوث القدوس والمنطق – مينا كيرلس

فيكون الاستنتاج كالاتي:

إذا كانت القوانين الفكرية قوانين طبيعية لا يستطيع ان يؤثر فيها الانسان بخلاف القوانين الاجتماعية والادارية وبما ان علم المنطق قائم على قوانين الفكر، النتيجة تصبح انه لا يمكن وضع حدود معينه او قوانين لماهية طبيعة الله، ولا اعتقد ان هناك قانونا طبيعيا يمكن ان يصف طبيعة الله، لان الله هو خالق الطبيعة وواضع القوانين.

 

وبالتالي:

يحاول الإنسان أنْ يضع الثالوث الأقدس، سرّ الله كلّه، في ميزان عقله. وقد يكون هذا طموحًا، إنْ لم يكن غرورًا وكبرياءً، إذ كيف يستطيع الإنسان المحدود، بعقله المحدود، أنْ يقيِّم ويضع في ميزان عقله سرّ الثالوث الأقدس، الذي هو سرّ الله؟ [٥]

 

صحيح انه لا يمكننا الحكم على طبيعة الله من خلال المنطق البشري الا انه احيانا نقوم بارتكاب مغالطات منطقية عندما نفعل ذلك.

 

مغالطة الإحراج الزائف (القسمة الثنائية الزائفة):

يقع المرءُ في هذه المغالطة عندما يبنى حجته على افتراضِ أن هناك خيارين فقط او نتيجتين ممكنتين لا أكثر، بينما هناك خيارات أو نتائج أخرى. إنه يغلق عالم البدائل الممكنة أو الاحتمالات الخاصة بموقف ما، مبقياً على خيارين اثنين لا ثالث لهما أحدهما واضحُ البطلان والثاني هو رأيه دام فضلهُ. [٦]

 

مثل السؤال الاتي…. هل الثالوث غير منطقي؟ فتكون الإجابة نعم او لا بينما الإجابة هي ثالثة (الثالوث) فوق المنطق بينما يفترض السائل ان الاجابة الاصح هي لا… الثالوث غير منطقي.

 

ما هي تعاليم اباء الكنيسة عن الله واسراره (سر الثالوث على وجه الخصوص)؟

 

يقول القديس ثاوفيلس الأنطاكي:

فكما أن النفس في الإنسان لا تُرى، فهي غير مرئية للناس، بل تُدرك من خلال

حركة الجسد، لذلك لا يمكن رؤية الله بالعين البشرية، ولكن يمكن رؤيته وإدراكه

من خلال عنايته وأعماله. [٧]

 

يقول القديس ارينيئوس في وصف الله:

ولكن لو كانوا قد عرفوا الكتب المقدسة، ولو كانوا قد تعلموا من الحق، لكانوا قد عرفوا – بلا شك – أن الله ليس مثل البشر، وأن أفكاره ليس مثل أفكار البشر. لأن أب الكل هو على مسافة شاسعة عن تلك العواطف والأهواء التي تعمل بين الناس. هو كائن بسيط غير مركب، بدون أعضاء متعددة، وهو متماثل ومساو لنفسه تماما، حيث إنه كله فهم، وكله روح، وكله فكر، وكله ذكاء، وكله عقل، كله سمع، وكله نظر، وكله نور، والينبوع الكلي لكل ما هو صالح – بقدر ما يرغب المتدينون والأنبياء أن يتكلموا عن الله.

وهو فوق لكل هذه الخصائص، ولذلك، فهو غير قابل للوصف، لأنه يمكن حسنا وبصواب أن يدعى ” فهم ” الذي يدرك كل الأشياء؛ ولكنه ليس على هذا الأساس مثل فهم البشر، وبصواب تام يمكن أن يدعي ” نور ” ولكنه ليس مثل ذلك النور الذي نعرفه. [٨]

 

كما يقول العلامة أوريجانوس عن سر التجسد (الذي هو أحد اسرار الله)

 

يجب التأمل في هذا السر بكل مخافة وورع حتى يتم الكشف عن حقيقة كل من الطبائع في كائن وحيد، لئلا يفتكر أحد بشيء ما مهين وشائن بشأن هذا الكائن ذي الجوهر الإلهي الذي لا يوصف، أو يعتقد بنقيض ذلك أن ما جاء به وهم تخيل خاطئ. إن بسط هذا على مسامع البشر وشرحه عبر كلمات يتخطى أشواطاً طاقات قدرتنا وموهبتنا وحديثنا. بل أجزم بأنه يفوق حتى قياس الرسل القديسين. ولعل شرح هذا السر أعسر مثالاً على قوات المعمورة السماوية قاطبة. فلا عن تهور، وإنما من أجل تتمة التبسط، نعرض في وجيز الكلام ما يشتمل عليه إيماننا بدلاً من طروحات العقل البشري، مقدمين ما يتهيأ لنا أكثر مما هو ثابت طرحه. [٩]

الثالوث القدوس والمنطق – مينا كيرلس

وكانت معرفه الله مرتبطة بمعرفه عقيدة الثالوث فيقول أرستيدس عن اليهود:

 

“هم يعبدون الأن ايضاً الله الواحد والضابط الكل، لكن من دون أن يعرفوه، لأنهم ينكرون المسيح ابن الله”.

 

ثم يُكمل:

“يرجع المسيحيون في أصلهم إلى الرب الذي جاء من السماء بالروح القدس لخلاص البشرية وتعترف بأنه ابن العلي، ووُلد من العذراء بدون زرع بشر وأتخذ جسدا بغير فساد، وظهر بين الناس ليدعوهم من خطأ الوثنية، وعندما أتم مهمته العجائبية، ذاق الموت بإراته الحرة على الصليب لهدف سام، ثم عاد إلى الحياة ثانية بعد ثلاثة أيام وصعد إلى السماء.

 

ومن الممكن لك أيها الملك أن تتعلم لتعرف خبر مجيئه في الإنجيل المقدس المكتوب كما ننادي به، ويمكن لنا أن نقدم لك نسخة منه. وكان له اثنا عشر تلميذا الذين ذهبوا بعد صعوده إلى السموات إلى بلاد العالم ليعلموا بعظمته، وبهذه الطريقة جاء واحدا منهم إلى الأماكن التي حولنا يعلن عن عقيدة الحق. ومنذ ذلك الوقت فالذين استمروا يدركون الحق الذي بشر به تلاميذه يدعون مسيحيين.

 

وهؤلاء هم الذين فوق جميع شعوب الأرض، وجدوا الحق. لأنهم يعترفون بالله خالق وصانع كل شيء في الابن المولود الوحيد وفي الروح القدس. “[١٠]

 

وكما يقول اللاهوتي ويليام چي. تي. (Willam G. T Shedd): عقيدة الوحدة الالهية هو حقيقة الدين الطبيعي، اما عقيدة الثالوث هي حقيقة الدين المُعلن. [١١]

 

هل يكون ايماننا بسر الثالوث اعمى بدون فهم او منطق بشري؟

“سر” في المسيحية لا يعني أن يتقبل المؤمن عقائد غامضة دون فهم، أو أن هذه العقائد غير مقبولة عقليا؛ فعندما نتحدث عن الأسرار الإلهية الخاصة بجوهر الله وطبيعته وأعماله، إنما نعني أن الله يعلن لنا عن هذه الأمور بكوننا كائنات عاقله، واهبا إيانا الاستنارة الإلهية التي تكشف لنا عن المعرفة الإلهية التي هي بحق فائقة السمو. تبقى عقولنا عاجزة عن استيعاب هذه الأسرار طبيعيا دون تدخل نعمة الله وإعلانه. فالسر لا يضاد العقل الإنساني، لكنه بدون معونة الله يبقى فائقا بعيد الإدراك.

 

خلقنا الله كائنات عاقلة لا كائنات بهيمية. وهو يعلن لنا عن ذاته وعن أعماله لا ليلغي عقولنا، ولكن ليسمو بها، فتقبله طبيعتنا البشرية وتتعرف على أسراره. أعطي لكم أن تعرفوا سر ملكوت الله ” (مر 11: 4). ” إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه (أف 9: 1). الله الذي يحب البشر ككائنات عاقلة، تحدث مع موسى كما يكلم الرجل صاحبه (خر ۱۱:۳۳) وهو يشتاق أن يدخل في حوار مع كل مؤمن. [١٢]

 

ويعلم القديس باسيليوس الكبير

لننتبه إلى حكمة الرب: «لنصنع الإنسان على صورتنا … وليتسلط …..» هناك ترابط محكم العروة بين صنع الإنسان على صورة الله وبين السلطان على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض وكل الدبابات الدابة على الأرض. ومن الطبيعي ان هذا التسلط لا يكون إلا بواسطة العقل. فجسد الإنسان هو أضعف من جسد الحيوان، ولا يقدر على الحيوان بواسطة الجسد، بل بواسطة العقل. [١٣]

 

لماذا لا يمكن ان نفهم الثالوث بالمنطق البشري؟

 

ربما يجيب على هذا السؤال الفيلسوف المسيحي سي أس لويس (C.S Lewis) فيقول:

تعلمون أنكم في الفضاء (أو الفراغ) تستطيعون أن تتحركوا في ثلاثة اتجاهات: إلى اليسار أو اليمين، إلى الوراء أو الأمام، إلى فوق أو إلى تحت. وكل اتجاه فهو إما واحدُ من هذا الثلاثة، وإما منزلة وسط بينها. وتُدعى هذه الاتجاهات “الأبعاد الثلاثة”. فلاحظ ما يلي الآن.

 

إذا كنت تستخدم بُعداً واحداً فقط، يمكنك أن ترسم فقط خطاً مستقيماً. وإذا كنت تستخدم بُعدين، يمكنك أن ترسم شكلاً مُسطّحاً، كالمربع مثلاً. والمربع يتكون من أربعة خطوط مستقيمة. ولنخط الآن خطوة أخرى إلى الأمام. إذا كان لديك ثلاثة أبعاد، ففي وسعك عندئذ أن تبني ما ندعوه شكلاً مجسّماً، كالمكعب مثلاً: شيئاً يُشبه النرد (زهر الطاولة) أو مكعب السُكر. ومعلوم أن المكعب يتكون من ستة مربعات.

 

هل فهمت المقصود؟ إن عالماً ذا بعد واحد من شأنه أن يكون خطاً مستقيماً. وفي عالم ذي بُعدين، ما تزال تحصل على خطوط مستقيمة، ولكن بضعة خطوط تكون شكلاً ما. أما في عالم ثلاثي الأبعاد، فإنك ما تزال تحصل على أشكال، ولكن بضعة أشكال تكوّن مجسّماً واحداً. وبكلمة أخرى: إذا تقدمت إلى مستويات أكثر واقعية وأكثر تعقيداً، فأنت لا تتخلى عن الأشياء التي وجدتها على المستويات الأبسط، بل ما تزال تلك لديك إنما متشكلة بطرق جديدة… بطرق ما كنت لتتصورها لو لم تعرف سوى المستويات الأبسط.

والآن، فالفكرة المسيحية عن الله تنطوي على المبدأ عينه تماماً. ذلك أن المستوى البشري مستوى بسيط وفارغ بالأحرى. فعلى المستوى البشري، الشخص الواحد كائن واحد، وأي شخصين هما كائنان منفصلان، تماماً كما أنه في بُعدين (على ورقة مُسطحة مثلاً) يكون المربع الواحد شكلاً واحداً، وأي مُربعين اثنين يكونان شكلين منفصلين.

 

أما على المستوى الإلهي، فما تزال تجد شخصيات، غير أنك هنالك تجدها متحدة بطرق جديدة لا يمكننا، نحن الذين لا نعيش على ذلك المستوى، أن نتصورها. ففي البعد الإلهي، إذا جاز التعبير، تجد كائناً ذا ثلاث شخصيات (أقانيم) فيما يبقى كائناً واحداً، كما أن المكعب هو ستة مربعات فيما يبقى مكعباً واحداً. طبعاً ليس في وسعنا أن نتصور تماماً كائناً كهذا: تماما لما لو أننا كنا مخلوقين على نحو لا يمكننا من إدراك سوى بُعدين فقط في الفضاء، أو الفراغ، لما كان في وسعنا أبداً أن نتخيل مُكعباً بالطريقة الصحيحة. [١٤]

 

لكن اذا كان سر الثالوث يفوق قدراتنا العقلية البشرية، لماذا نستعمل التشبيهات؟

 

يرد على هذا السؤال القديس هيلاري أسقف بواتيه…

لو أننا في نقاشنا عن طبيعة وميلاد الله نقدم تشبيهات جزئية محدده، فلا يجب أن يفترض أحد أن مثل هذه المقارنات مضبوطة وكاملة. لا يمكن أن يكون هناك مقارنة بين الله والأمور الأرضية، ومع ذلك فإن ضعف فهمنا يدفعنا للبحث عن صور إيضاحية من عالم أقل لأجل شرح قصدنا بخصوص أفكار أكبر. إن طريقة الحياة اليومية تظهر كيف أن خبرتنا بالأمور الاعتيادية تُمكننا من تكوين استنتاجات بخصوص موضوعات غير مألوفة.

 

لذا يجب أن نعتبر أية مقارنة كأنها مساعدة للإنسان أكثر من كونها تصويرا الله، بما أنها توحي بالمعنى الذي نريده، أكثر من كونها تعالجه. لكن لا يجب اعتبار تلك المقارنة أمرا شديد الوقاحة، حينما تضع الطبائع الجسدية مع الروحية جنبا إلى جنب، والأمور غير المرئية مع الملموسة، لأنها تجاهر بنفسها كمعونة ضرورية لضعف العقل البشري، وتستنكر الإدانة الناتجة عن تشبيه جزئي ناقص. [١٥]

 

والبعض قد يقول ان استخدام التشبيهات في المنطق هنا هي مغالطة منطقية تسمى (التفكير التشبيهي) او (الأنالوجي الزائف) والتي يقع فيها الضعيف عندما يعقد مقارنة بين أمرين ليس بينهما وجه للمقارنة، أو أمرين بينهما مجرد تشابه سطحي وليس بينهما وجه شبه يتصل بالشأن المعني الذي تريد الحجة أن تُثبته.

ويتألف “الأنالوجي الزائف” من افتراض أن الأشياء المتشابهة في وجه من الوجوه لابد من أن تكون متشابهة في وجوه أخرى. وعليه فمادام شيئان، أ وب، متماثلين في جانب من الجوانب فإنهما، إذن، متماثلان في جوانب أخرى، أو في جميع الجوانب.

أما اهميتها:

من الحق أن قدراً كبيراً من معرفتنا يقوم على إدراك التشابه بين الأشياء، ومن ثم تصنيفها في فئات، ويقوم على التعميم من أمثلة محددة إلى صور عامة أو مبادئ مجرده، وعلى التعلم من سابقات الوقائع من اجل تعزيز الفائدة وتجنب الضرر، وعلى تطبيق معرفتنا بشئٍ ما – في تناولنا لشئٍ آخر مشابه.

 

وليس من قبيل المبالغة أو الغلو أن نقول إن كل صور الاستدلال وإعمال العقل، وكل ضروب الإدراك الحسي والذهني، إنما تستند إلى قدرتنا على تمييز أوجه التشابه ذات الصلة ومعاينة القواسم المشتركة من خلال هذا التدفق الكاليدوسكوبي لأشياء العالم وأحداثه ومرائيه.

 

أما حدود الأنالوجي ومخاطره:

غير أن الأشياء (وكذلك المواقف والاحداث والتصورات) لا يمكن أن تتماثل تماماً، وإلا لكانت العلاقة بينها علاقة “هوية” identity لا مجرد “تماثل” analogy. فهناك دائما نقطة ينهار عندها التماثل ويبدأ تدفق الاختلافات. ثمة دائماً نقطة فراق مادام أعضاء كل فئة إنما يجمعهم التماثل لا الهوية.

 

كما ان الأنالوجي المجازي (البيانى/التصويرى) Figurative analogy:

هو الصور البيانية، من تشبيه وإستعارة…إلخ، وسائط ضرورية لنقل الأفكار وتوصيل المعلومات وتقريبها إلى الاذهان. تتيح لنا الصور البيانية أن نتحدث عن مفاهيم جديدة غير مألوفة للمستمعين في حدود قديمة مألوفة لديهم، استناداً إلى وجه شبه معين بين الفكرة المجهولة التي نريد إيضاحها لهم والفكرة المألوفة التي يعرفونها من الأصل، امتدادا بخصائص أخرى للمألوف لكي توازى خصائص أخرى للمجهول. تضطلع هذه الملكةُ التصويرية البيانية بدور كبير في التفكير والتواصل، وتمثل عنصراً حيوياً من عناصر الفهم والإفهام.

 

غير أن الصور البيانية لا يمكن أن تستخدم استخداماً مأموناً إلا كوسيلة إيضاح لمعنى معين يرمى إليه المتحدث. إنها أدوات للتعبير وليست مصادر للمعرفة؛ إنها وسائل لتقريب الأفكار لا للبرهنة عليها، وسائط للتوصيل لا للتدليل، للإفهام لا للإفحام. [١٦]

 

وهذا بالضبط ما نقوم به منطقياً كما وضح القديس هيلاري.

 

الحقيقة ان الاغلبية من المشككين والمهاجمين يهاجمون فكره مشوهه عن الله المثلث الأقانيم وليس ايمان الكنيسة القويم في الثالوث، وهذه مغالطة منطقية اخرى تُسمى بمهاجمة رجل من القش.

هي تلك المغالطة العتيدة التي يعمد فيها المرءُ إلى مهاجمة نظرية اخرى غير حصينة بدلاً من نظرية الخصم الحقيقة. وذلك تحت تعميةٍ من تشابه الأسماء أو عن طريق إفقار دم النظرية الأصلية وتغيير خصائصها ببترها عن سياقها الحقيقي أو بإزاحتها إلى ركن قَصِىَّ متطرف. ويشبه هذا الجهد العقلي العقيم، سواء حسنت النية أو ساءت، أن يكون رمياً لخصم من القش بدلاً من الخصم الحقيقي….. إنه لأيسرُ كثيراً أن تنازل رجلاً دُميةً من أن تُنازل رجلاً حقيقياً. [١٧]

 

والان لنتحدث عن بعض المجادلات السخيفة التي يستخدمها البعض لنقد عقيدة الثالوث:

 

الفرضية الاولى:

المسيحية تقوم على ٣ آلهة.

وهذا منطق غريب، المسيحية المولودة في حضارة وبيئة يهودية اساسها “«اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ.” (تث 6: 4). مروراً بكل النصوص والعبارات في الكتاب المقدس حتى قانون الايمان المسيحي الذي يبدأ بـ(بالحقيقة نؤمن بإله واحد) المكتوب في مجمع نيقية عام ٣٢٥م.

 

ولأننا في عصر غريب قد انتشر فيه الجهل والخرافات رغم التطور التكنولوجي، فقد نادى البعض بأن أباء الكنيسة كانوا يُعلِمون بعقائد لا تمس الكتاب المقدس ولا تعاليم المسيح بصله، فربما يقضي الشخص الغير مؤمن أكثر من ٢٠ عاماً في دراسة المسيحية وينتهي به الامر جاهلاً بالعقائد المسيحية والتاريخ المسيحي.

 

نادى البعض بأن اريوس كان موحد اما أثناسيوس فقد كان ينادى ب ٣ آلهة وهو شيء لم نسمعه من قبل، بل وان المجمع كله كان مع اريوس ولكن الملك قسطنطين اجبرهم على الاعتقاد بنفس عقيدة أثناسيوس ونشر هذا المذهب في الإمبراطورية.

 

اولا: يكتب نيافة الانبا بيشوي عن مجمع نيقية:

انعقد المجمع المسكوني بأمر الملك قسطنطين خوفا من الانقسام الحاد الحادث في الامبراطورية بسبب بدعة أريوس، وكان انعقاده سنة ٣٢٥ م في نيقية بعدد 318 أسقفا، كما ذكر القديس أثناسيوس الذي كان شاهد عيان وأحد أعضاء المجمع في خطاب له. في البداية كان 16 أسقفا مؤيدين لأريوس، و۲۲ أسقفا مؤيدين للبابا ألكسندروس، والباقي لم يكن موقفهم قد تحدد بعد.

 

أما بنهاية المجمع فقد ظل أسقفين فقط مؤيدين لأريوس وهما سيكوندوس وثينوناس اللذين رفضا التوقيع على إيمان المجمع مع الكهنة الملتصقين بهما، وفي أيام القديس إبيفانيوس كانت توقيعات الـ 318 الحاضرين في نيقية لازالت موجودة. هذا كان بفضل شرح القديس أثناسيوس للإيمان ورده على إفتراءات أريوس، وفي هذا نرى مدى عظمة الدفاع السكندري في المجمع. ولم يكن الوصول لقرار المجمع بالأمر الهين بل استدعى الأمر مجهودا رهيباً. [١٨]

 

ويقول هرنك إن تعاليم أريوس انتشرت بسرعة في العهد القسطنطيني بين الوثنيين المتعلمين وأنصاف المتعلمين الذين انضموا الى الكنيسة في ذلك الوقت. لأنها كانت تتفق الى حد كبير مع بعض الأفكار الوثنية التي تنادى بأن الله واحد سام ولا يمكن مقارنته بأحد، والذي منه خرجت عدة آلهة. [١٩]

 

ويقول القديس البابا أثاناسيوس:

فالثالوث ليس مخلوقا، بل هو أزلي، بل يوجد لاهوت واحد في ثالوث، وهناك مجد واحد للثالوث القدوس. وأنتم تتجاسرون على تمزيقه إلى طبائع مختلفة. [٢٠]

 

ومن هذه الاقتباسات الثلاثة يتضح ان بعض الافكار المُتسللة الى عقولنا هي بلا سند او اساس صحيح. فالاريوسية تنادي ان الثالوث الذي نقدم اليه العبادة والاكرام هو مخلوق بسبب اختلاف الجواهر والطبائع، فطبيعة الاب ليست طبيعة الابن وطبيعة الاب والابن ليست هي طبيعة الروح القدس وهذا هو المعنى الحقيقي ل ٣ آلهة والذي رفضه القديس البابا أثناسيوس.

 

لا يمكننا ان نجد في كتابات الاباء والتي تعكس ايمان الرسل المُدون في الكتب المقدسة، أي شيء عن ٣ آلهة، بل بالأحرى، نجد إله واحد له طبيعة ثالوثية، وسأعرض بعض الامثلة.

 

يقول القديس ارينيئوس:

إذ نحن متأكدون بصواب إن الكتب المقدسة هي كاملة حقا، لأن الذي نطق بها هو كلمة الله وروحه، أما نحن فطالما نحن أقل من كلمة الله وروحه، وجئنا إلى الوجود بعده، فإننا لهذا السبب معدمون من معرفة أسراره. [٢١]

 

يكتب القديس اغناطيوس الانطاكي:

توقوا إذن أن تثبتوا في وصايا الرب والرسل، حتى في كل ما تعملون تنجحون جسديا وروحيا، في الإيمان والمحبة، في الابن والآب وفي الروح، في البداية وفي النهاية، مع أسقفكم الكثير الورع وذلك الإكليل المزدان بجمال روحي الذي هو مجمع القساوسة والشمامسة الروحيين. [٢٢]

 

يكتب القديس كليمندس الروماني:

أليس لنا إله واحد، مسيح واحد، روح نعمة واحد ينسكب علينا؟ [٢٣]

 

يصلي القديس بوليكاربوس اثناء استشهاده:

لأجل كل شيء، أُسبحك وأُباركك وأُمجدك برئيس الكهنة الأبدي السماوي، بيسوع المسيح ابنك الحبيب الذي له المجد معك ومع الروح القدس الآن وفي الدهر الآتي. آمين. [٢٤]

 

والكثير من أباء الكنيسة في القرون اللاحقة. لكني اختم باقتباس أخير، ومن يقول بغير ذلك وُجب عليه إبراز الدليل.

 

يكتب القديس كيرلس السكندري:

لأننا قد تعمدنا باسم الأب والابن والروح القدس، وبالطبع لا نقول إننا نؤمن بثلاثة آلهة، لكن بألوهة واحدة ممجدة في الثالوث القدوس. “[٢٥]

 

لذلك فمن الواضح ان المسيحية لا تعترف بتعدد الآلهة بل وايضاً لا تقبل الاعتقاد بتعدد الآلهة. فمصطلح الثالوث في الانجليزية يعنى Trinity أصله Tri-unity يعنى ثلاثة أقانيم متحدين وليس Tritheism والذي معناه ثلاثة آلهة.

 

الفرضية الثانية:

في المسيحية ١+١+١=١

وفي الحقيقة لم أجد هذه الفرضية في أي من مصادر التعليم في الكنيسة، ولا اعتقد ان من اخترع هذه الفرضية كان مسيحياً، صحيح ان سر الثالوث هو فوق العقل، لكن الله يتعامل مع الإنسان بعقلانية، مع ان المنطق البشري له حدود، فالله ليس لو حدود وليس لديه مستحيلات، لكن الله ليس ضد العقل وليس ضد المنطق بل يسمو عن العقل والمنطق البشري.

 

اما الذي وضع هذه الفرضية وألصقها بالمسيحية، فقد اراد فقط ان يشوه العقيدة الثالوثية وترك انطباع انها غير منطقية، وبهذا وقع هذا الشخص في مغالطة منطقية تُسمى (سرير بروكُرست): يشير إلى نزعة إلى “فرض القوالب” على الاشياء (او الأشخاص، أو النصوص…) أو لَىِّ الحقائق وتشويه المعطيات وتلفيق البيانات لكي تنسجم قسراً مع مخطط ذهني مسبق. [٢٦]

 

يكتب الكاردينال فالتر كاسبر (Walter Kasper):

من الواضح أن عقيدة الثالوث الكنسية لم تؤيد قط القول غير المعقول تماماً، والذي ما برح اتهاماً يتردد: أن ١ يساوي ٣. وهذا لن يكون واقعاً إلا أذا قيل: شخص واحد يساوي ثلاثة أشخاص، أو جوهر إلهي واحد يساوي ثلاثة جواهر إلهية، وإذا قيل بالتالي إن في الله الوحدة والثالوث هما من حيثية واحدة. فذلك يكون ضد مبدأ عدم التناقض الذي يقول باستحالة أن يكون نفس الشيء الوحيد، في الوقت عينه، واحداً وثلاثة من الحيثية ذاتها.

 

والواقع أن المقبول في الاعتراف الثالوثي هو وحده الجوهر وثلاثية الأقانيم (الاشخاص)، أو وحدة الجوهر في ثلاثية الأقانيم، فالكلام إذن يتناول الوحدة والثلاثية من جهتي نظر مختلفتين، وعليه ينتفي التناقض الداخلي.

 

ويُكمل ان الوحدة هي التحديد الأول والأساسي للكائن، فالوحدة كتحديد متعالٍ للكائن ليست إذن العدد، بل هي بالأحرى إمكانية الترقيم وقياس الأعداد. والوحدة الكمية القابلة للعد ليست سوى شكل سُفلي، متفرع، يفترض من قبل أشكالاً أسمى للوحدة. إذ لا يمكن التفكير في عدد كبير من الكائنات إلا بفضل وحدة النوع والجنس المتعالية.

 

والكلام على ثلاثة أو أربعة رجال لا معنى له إلا إذا كان هؤلاء الثلاثة أو الأربعة يشتركون في ذات إنسانية وحيدة، وبالتالي إذا افترضنا من قبل الوحدة النوعية ومفهوم الإنسان العام القائم عليها. وبالتالي فالوحدة العددية تفترض من قبل وحدة النوع والجنس. إذ بدون وحدة كهذه تشمل الكل، على تعدد مجالات الواقع، لا يكون العالم سوى كومة من الكُناسات مرمية بلا تبصر، ولا نظام لها ولا سبب.

 

ألا يكون الله بدون مثل هذا التعدد في الوحدة، كائناً منفرداً جدا، يحتاج بالضرورة إلى العالم كشريك، فينقذ هكذا ألوهيته؟ أفكار كهذه تؤدي إلى هذا الاستنتاج: أن تأكيد الوحدة الإلهية يتضمن مسألة الثالوث، وليس فقط لا يستبعدها.

 

كما انه لا يمكن التفكير في “أنا” بدون “أنت”، فهل يكون الإنسان أو البشرية أو الشعب هو المقابل حيال الله؟ فلو لم يكن حيال الله سوى الإنسان لكان هذا شريكاً حتمياً له. وحينئذ لن يكون الإنسان محبوباً في المحبة التي يُسبر غورها، الحرة، المجانية، ولن تكون محبة الله للإنسان نعمة، بل حاجه الله شخصية، واكتماله الخاص.

 

يعطينا العهد الجديد جواباً واضحاً عن السؤال المطروح في العهد القديم في شأن من هو حيال الله: يسوع المسيح، ابن الله، هو ال “انت” السرمدي للآب. نحن في الروح القدس مقبولين في شركة محبة الآب والابن.

 

ويعنى التقابل بين سر الإنسان وسر الله أولا أنه بإمكان العقل أن يبين أن السر الثالوثي ليس فيه تناقض وليس فيه حمق بحد ذاته. وهو لا يؤدي إلى القول اللامعقول بأن الواحد يساوي ثلاثة أو حماقات أخرى. [٢٧]

 

للتبسيط:

عندما نتعامل مع كائنات محدودة نشير اليها بوحدات تحددها الجنس او النوع ومن ثم العدد ….

يمكننا ان نجمع اشياء من نفس النوع بمعنى

برتقالة واحدة مع برتقالة واحدة اخرى تساوى برتقالتين اثنتين.

لكن

برتقالة واحده مع تفاحه واحده مع موزة واحدة لا تساوي ثلاث برتقالات، بسبب اختلاف الوحدات.

 

أما عندما نُشير الى الله بمعادلة حسابية فتكون المعادلة كالآتي

١×١×١=١

وذلك لأن الابن في الأب والأب في الابن (أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ. إنجيل يوحنا 14: 10)

مما يعنى ان الأقانيم ليست منفصلة عن الأخرى كما يؤكد الأسقف كاليستوس وير (Kallistos Ware) الآتي:

الأب والابن والروح واحد في الجوهر، لا بمعنى فقط أن الثلاثة هم أمثله لنفس المجموعة أو الجنس العام، بل بمفهوم أنهم يشكلون معا حقيقة واحدة فريدة وخاصة. وفي هذا الصدد هناك فارق هام بين معنى أن أشخاص الله الثلاثة هم واحد، ومعنى أن يدعى ثلاثة أشخاص من البشر واحدا. فالأشخاص الثلاثة من البشر بطرس ويعقوب ويوحنا، ينتمون إلى نفس الجنس العام، جنس ” الإنسان “.

 

وبرغم أنهم متقاربون معا متعاونون معا، فإن لكل واحد منهم إرادته الخاصة وقدرته الخاصة، يعمل كل واحد بمقتضى قوته الخاصة المنفصلة في اتخاذ القرار أو المبادرة. باختصار، هم ثلاثة رجال وليس رجلا واحدا. لكن في حالة أشخاص الثالوث الثلاثة ليس الأمر هكذا.

 

هناك تمايز، لكن ليس هناك انفصال على الإطلاق. فالأب والابن والروح كما يؤكد القديسون – تابعین شهادة الكتاب المقدس ـ لهم إرادة واحدة فقط وليست ثلاث إرادات. لهم طاقة واحدة وليست ثلاثا. لا أحد من الثلاثة يعمل منفردا، بمعزل عن الاثنين الآخرين. هم ليسوا ثلاثة آلهة، بل إله واحد.

 

وأيضا أن إله المسيحيين ليس مجرد وحدة Unit من الوحدات بل هو اتحاد، ليس مجرد وحدة بل شركة. هناك في الله شيء ما مماثل لل “المجتمع”. هو ليس شخصاً فردياً يحب ذاته وحده، وليس جوهراً فردياً monad او “الواحد”. بل هو ثالوث أو وحدة ثالوثية Triunity: ثلاثة اشخاص متساوون. كل شخص يوجد في الإثنين الآخرين بفضل حركة محبة متبادلة لا تتوقف.

 

كما يوضح إن الغاية الأخيرة من الطريق الروحي أننا نحن البشر يجب أن نكون أيضاً جزء من الوجود الحي المتبادل في الثالوث، إذ تجذبنا بالكامل دائرة الحب القائمة في داخل الله. هكذا صلى المسيح لأبيه ليلة صلبه “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا” (يو 17: 21).

كما أن التشبيه الافضل الذي يساعدنا ليس ذلك الذي نجده في العالم الطبيعي خارجنا، بل في القلب البشري، إن التشبيه الأفضل هو ذلك الذي بدأناه ألا وهو خبرتنا بالاهتمام الشديد بشخص آخر ومعرفتنا أن محبتنا تُرد لنا بمحبة مثلها. [٢٨]

 

و اذا كان المعترض من محبي علم الرياضيات فيمكن ان يستعمل المعادلة الآتية

لا نهائي × لا نهائي × لا نهائي = لا نهائي

لأن الأقانيم ليست فردية او مُفصله

وإن كان يعشق عمليات الجمع فله ما يريد

لا نهائي + لا نهائي + لا نهائي=لا نهائي.

 

الفرضية الثالثة:

أنه بسماع او قراءه ما يعتقده الآخرون أياً كان معتقداتهم فهذا يدل على صحة المعتقد الآخر وفساد صحة الاعتقاد بالثالوث.

وهذه هي المغالطة المنطقية الأخرى التي يقع فيها الكثير من الناس وهي (مغالطة المنشأ) وهكذا عرفها

 

چيروم ستولينتز:

“وبالاختصار فإن منشأ س شيء وس ذاتها شيء آخر، وما إن تبدأ س في الوجود حتى تصبح لها حياة خاصة بها، إن جاز التعبير، وسوف يصبح لها – شأنها شأن النظرية أو الكائن البشري – تركيب وقيمة، وتدخل في علاقات مع الأشياء الأخرى، لا يمكن فـهـمـهـا تماما من خلال أصلها الأول، فلا بد لنا من دراسة هذه السمات لكي نعرف كنهها”[٢٩]

 

قوة الفكرة لا تكمن في الأصل الذي ينميها بل في المنطق الذي يُزكيها. وصواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذي اتت بل الدليلُ الذي إليه تستند. [٣٠]

 

لذلك فمن المنطقي الاستدلال بنصوص مقدسة (حسب ايمان بعض الاشخاص) لتوضيح وشرح إيمان الشخص لكن هذا لا يعنى ان يكون هذا الايمان صحيح، وبالتالي توجد طُرق أُخرى لإثبات الايمان او المعتقدات.

 

أما عن استخدام هذه الفرضية على مواقع التواصل الاجتماعي فإنها تُفهم من وجهه نظر مسيحية يُمكن ان تستخلص في كلمات نيافة الانبا بيشوي:

“مشكلة البعض هو أنهم يريدون أن يحوّلوا الله إلى حالة صنمية لا يكون فيها إمكانية أن يكون الآب ينبوع تفيض منه الحكمة وتفيض منه الحياة.”[٣١]

 

[١] Lewis Carroll: Through the Looking Glass CHAPTER 4: TWEEDLEDUM AND TWEEDLEDEE p. 28

[٢] علم المنطق تأليف احمد عبده خير الدين، الطبعة الاولى ص١١

[٣] Introduction to Logic by Irving Copi and Carl Cohen (Prentice Hall, 2004), eighth edition p.3

[٤] دائرة المعارف الكتابية، المجلد الثاني، ص ٤٢٨

[٥] منطق الثالوث بقلم الاب هنري بولاد اليسوعي، الطبعة الرابعة، العقل والحقائق الايمانية: ص ٨

[٦] المغالطات المنطقية تأليف عادل مصطفى، الفصل الرابع عشر ص ١٢٩

[٧] Ante-Nicene Fathers, Volume 2 by Philip Schaff, Theophilus to Autolycus, Chapter V.—The Invisible God Perceived Through His Works. p. 180

[٨] ضد الهرطقات للقديس ارينيؤس، الكتاب الثاني، الفصل الثالث عشر ص١٧٩

[٩] في المبادئ للعلامه اوريجانوس، المقاله الثانية: تجسد المخلص ٢-٦-٢، ص١٩٦

[١٠] الثالوث القدوس قبل نيقية ل أ/ امجد بشارة،الثالوث القدوس وفقاً لأرستيدس، ص١٥٦-١٥٧

[١١]NPNF1-03. On the Holy Trinity; Doctrinal Treatises; Moral Treatises by Philip Schaff, Introductory Essay By William G. T. Shedd, D.D. 6

[١٢] كاتيكيزم الكنيسه القبطيه الارثوذكسيه، الجزء الثاني: العقائد المسيحية، القمص تادرس يعقوب والشماس بيشوي، ص ٤٠

[١٣] سلسلة الفكر المسيحي بين الامس واليوم، القديس باسيليوس الكبير:حياته- ابحاث عنه – مواعِظه، ص٣٢٤ (عظه على اصل الانسان ١: ٦ و٧)

[١٤] C.S. Lewis and Mere Christianity: The Trinity (The Three-Personal God)

[١٥] “عن الثالوث” للقديس هيلاري، الكتاب الاول ص ٢١٠-٢١١

[١٦] المغالطات المنطقية تأليف عادل مصطفى، الفصل السابع عشر ص ١٥٣-١٥٥

[١٧] المغالطات المنطقية تأليف عادل مصطفى، الفصل الثامن عشر ص ١٦٣

[١٨] مذكرة المجامع: المجامع المسكونية (الجزء الاول، الطبعه الخامسة)، ص ٨

[١٩] تاريخ الفكر المسيحي للقس حنا الخضري، الجزء الرابع، الفصل الثالث عشر، ص ٦٣٧

[٢٠] ضد الأريوسين للبابا أثناسيوس الرسولي، ترجمه د. نصحي عبد الشهيد واخرون، المقاله الاولى، الفصل السادس، ص ٦٧

[٢١] ضد الهرطقات للقديس ايرينيؤس، الكتاب الثاني،الفصل الثامن والعشرون، ص٢٥٠

[٢٢] الاباء الرسوليين (رسائل أغناطيوس الانطاكي)، ترجمه د. جرجس كامل يوسف، الرسالة الى مغنيسيا ١٣:١، ص ٤٦

[٢٣] Ante-Nicene Fathers, Volume 1 by Philip Schaff, Clement of Rome, Chapter XLVI.—Let us cleave to the righteous: your strife is pernicious. p.57

[٢٤] Ante-Nicene Fathers, Volume 1 by Philip Schaff, Polycarp, Chapter XIV.—The prayer of Polycarp. p.122

[٢٥] حوار حول الثالوث، ترجمة د. چوزيف موريس فلتس، الحوار الثالث، ص ٩٨-٩٩

[٢٦] المغالطات المنطقية تأليف عادل مصطفى، الفصل الثامن والعشرون ص ٢٤٩-٢٥٠

[٢٧] اله المسيحيين تأليف ڤالتر كاسبر، القسم الثالث (سر الله الثالوثي) ص ٢٤٦ – ٢٩١

[٢٨] الطريق الأرثوذكسي ل كاليستوس وير، ترجمه د. نصحى عبد الشهيد، الفصل الثاني (الله ثالوث) ص ٣٧-٤٤

[٢٩] جيروم ستولنيتز “النقد الفنى – دراسة جمالية وفلسفية” ترجمة د. فؤاد زكرياء الطبعة الثانية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ۱۹۸۱، ص ٢٤

[٣٠] المغالطات المنطقية تأليف عادل مصطفى، الفصل الثاني (مغالطة المنشأ) ص ٤١

[٣١] الرد على بعض الأسئلة التشكيكية الموجهة ضد العقيدة المسيحية لنيافة الأنبا بيشوي، ص ١٠

 

الثالوث القدوس والمنطق – مينا كيرلس

Exit mobile version