الصراع بين العلم والتفسيرات الدينية الخاطئة – العلاقة بين العلم والدين ج6

الصراع بين العلم والتفسيرات الدينية الخاطئة – العلاقة بين العلم والدين ج6

 

الصراع بين العلم والتفسيرات الدينية الخاطئة – العلاقة بين العلم والدين ج6

 

في المرات اللي فاتت اتكلمنا عن نشأة وتطور الصراع بين العلم والدين، ودور رجال الدين المسيحي وموقفهم من الصراع دا، وإزاي إن غالبيتهم – على عكس ما يُقال – كانوا مع العلم مش ضده.. وفي البوست دا هنناقش إزاي إن الصراع فعليًا مكانش بين العلم والدين، لكن كان بين العلم والتعاليم اللاهوتية المبنية على أساسات غلط..

تليسكوب جاليليو كان هو اللي فنِّد نهائيًا تفسير: ” قُولُوا بَيْنَ الأُمَمِ: “الرَّبُّ قَدْ مَلَكَ. أَيْضًا تَثَبَّتَتِ الْمَسْكُونَةُ فَلاَ تَتَزَعْزَعُ” (مز96: 10) على إنه نص كتابي بيثبت ثبات الأرض وعدم دورانها، وقتها، تحقق العالم، بإن علم الفلك الجديد انقص من قدر المُفسرين وحدهم، لا الكتاب المُقدس (G. Salmon, The Infallibility of the Church, pp. 230ff).

فالاعتراضات الناتجة عن اللاهوتيين دول مكانتش خطأ في نصوص الكتاب المُقدس، بقدر ما كانت خطأ عقولهم اللي كان عندها قِصر نظر مُزمن وضعف شديد في الفكر والتدليل، وفوق كل ده هي مُناقضة للكلمات الحكيمة والأعمال المُتعقلة لمنهج مؤسسي المسيحية. والغريبة إن كتير من الجاهلين بينسبوا الأحداث دي لنزعة الدين نفسه!
واحد من الاهوتيين الأنجليكان وصف المشهد ده بشكل ممتاز، لما قال: ” إنَّ هؤلاء اللاهوتيون أخفقوا في التمييز بين الفجر وبين الضوء المُنبعث عن حريقة امتدّ لهبها، انصرفوا وهم أعداء النور”
(Balmes’s Le Protesiantisme compare an Catholicisme, Paris, 1855, vol. ii.

نفس الرأي بيقول بيه رئيس أساقفة سبولدينج في كتابه:
. L’Epinois, Galilee, pp.22.)

ففي الحقيقة آباء الكنيسة مكانش بيهمهم أبدًا الدخول في المواضيع دي، وكانوا بيعتبروها جهد بائد ملوش قيمة بالنسبة للمُعلِم الكنسي، لإن مش دوره إنه يدرس للناس العلوم، فبيكتب يوسابيوس القيصري:
“إننا لا يجب أن نُفكر في مثل هذه الأشياء، لا لأننا نجهلها، بل لأننا نزدري عملاً تذهب نتائجه سُدى، لذا يجب أن نوّجه أرواحنا في سبيل أتم نفعًا وأسرع انتاجًا”.

والقديس باسليوس الكبير كمان بيقول:
“إنه لمن أتفه الأشياء أن نعرف إن كانت الأرض كرة أو اسطوانة أو قرص، أو أنها مُقعرة الوسط”.

ونفس الكلام دا اتقال من يوحنا ذهبي الفم وإفرام السرياني، وغيرهم:
(للمزيد راجع الشواهد دي من كتابات الآباء: For Eusebius, see; the Prcep. Ev., xv, 61. For Basil, see; the Hexameron Hom. ix. For Lactantius, see; his Inst. Div., lib. iii, cap. 3; also, citationsin Whewell, Hist. Induct! Sciences, London,1857 ,vol. i, p. 194, and in St. Martin, Histoire de la GSograpkie, pp. 216,217)

بيوصف مشهد الصراع دا، وإنه مش من نتاج الدين نفسه، لكن من بعض رجاله، وبيقول العلاَّمة أندور وايت (لا أدري): “إنَّ النظريات اللاهوتية قد تحطمت وذهبت بددًا وأجزاءًا في أواخر القرن الثامن عشر، أمّا عُقلاء اللاهوتيين فقد تريثوا مُتلبثين، أمّا الحمقى منهم فقد نزعوا إلى الإنذار والتهديد ليقتلعوا جذور الإنكار والكفر، وأنكروا العلم مُعلنين أن الأناجيل صحيحة، في حين أنهم لم يعنوا بقولهم هذا سوى أن الفهم المحدود الذي فهموا به الأناجيل، والذي ورثوه عمن سبقوهم، هو الصحيح”
(Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 48.).

دا كمان رأي المُطران إيريثيئوس فلاخوس، وهو اللاهوتي الأرثوذكسي المُعاصر، وواحد من اللي لهم باع كبير في إرساء التعاليم الآبائية في عصرنا الحاضر، بيقول:

“يصبح اللاهوت دهرياً عندما يرفض جوهره الذي هو قيادة الإنسان إلى التطهر والاستنارة والتمجيد، أي عندما يخسر توجهه الأخروي، وعندما يصبح مؤرّخاً ومجرد جزء من المجتمع.

إلى هذا، فاللاهوت يصبح دهرياً عندما يسوده كلياً القلق وعدم الأمان في مواجهة الحجج العلمية بينما هو يستعمل منهجية العلم في التكلم عن الله. في هذه الحالات، يخلق اللاهوت مشاكل في البحث. بالواقع، يضيّع اللاهوت مهمته إذا لم يكن عنده معطيات وافتراضات أكيدة” (مقال عن الأرثوذكسية والعلم، ترجمه عن اليونانية الأب أنطوان ملكي).

 

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

 

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5
 
 

لاهوتيون ورجال دين ساندوا العلم في القرون الوسطى

في المرات اللي فاتت اتكلمنا عن الإيمان وعلاقته بالعقل، واستعرضنا مع بعض عرض تاريخي مُختصر لنشأة الحرب بين العلم والدين، في البوست دا هنتكلم عن رجال الدين اللي ساندوا الأبحاث العلمية والعلماء، في فترة القرون الوسطى، وفي وقتنا الحالي.

دا لإن في فكرة غلط عن إن الكنيسة هي اللي هيجت الحرب ضد العلم والعلماء، ودا مش صحيح 100%، لإن الكنيسة كانت خصم أخير بيحتكموا إليه لما بيختلف العلماء حوالين النظريات العلمية، لإن محاكمة الموضوعات الشبيهة بدا كانت مُهمتها الرئيسية في الوقت دا، ودا طبعًا كان شيء غلط جرها لكتير من السقطات، لكن مكانتش هي شعلة البداية..

فاتنين من رجال الكنيسة هما: نيكولاس شونبرج Schonberg كاردينال كبوا، وتدمان جيزي Tiedeman Giese أسقف كولم ألحوا على كوبرنيكوس إنه ينشر اكتشافاته. حتى إن ويل ديورانت المؤرخ والفيلسوف اشهير (وهو لا أدري) بيقول:

“حقيقة أن باباوات النهضة لم يقفوا موقف العداء من العلم. فقد استمع ليو العاشر وكليمنت السابع إلى أفكار كوبرنيق بذهنين مفتوحين، وتقبل بولس الثالث في غير خوف إهداء كوبرنيق كتابه له، “كتاب الدورات” الذي زلزل العالم” (قصة الحضارة، المُجلد الرابع عشر، ص 115).

وسنة 1581 شيَّد الأسقف كرومر نصب تزكاري لكوبرنيكوس على السور الداخلي لكتدرائية فراونبورج.

الراهب اليسوعي يوسف أكوستا، كان لكتابه: “جزر الهند طبيعيًا وأدبيًا”، أثر مُهم جدًا على تصليط الضوء على الأخطاء الفلكية والجغرافية (Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 125).

البابا بولس الخامس كان على علاقة جيدة بجاليليو وكان بيدعوه بـ”أكبر فلكيِّ الأرض”، وكان بيدعوه دايمًا لزيارة روما. (Ibid, P. 134).
المُصلح الشهير جون ويسلي، وهو مؤسس منهاج كنيسة الإخوة البلاميث حاليًا، قال بفساد نظرية بطليموس وصدق تعاليم كوبرنيكوس (Ibid, 144.).

توماس بارنت، في مُقدمة كتابه: “النظرية المُقدسة في أصل الأرض- Sacred Theory of the Earth”، كتب يقول:

“إذا أمكن البرهنة بالدليل القاطع، خلال البضع سنوات التالية، على أن الأرض تتحرك، بطريقة نافية لكل شك، فإن الذين قاوموا هذا المذهب، مُتخذين من نصوص الوحي أسلحة تقدموا بها في ميدان المُناقشة، سوف يجدون من الأسباب التي تدعوهم إلى طلب التوبة والمغفرة، ما كان يجده القديس أغسطينوس للتكفير عن خطئه لو كان حيًا اليوم”.

(المقصود بخطأ القديس أغسطينوس هو قوله بمذهب الـ”أنتيبود- Antipode”، وهو المذهب الذي يقول بالجهة المُقابلة للجهة المسكونة من الأرض- Ibid, 149.).

الأبوان ريتشولي وبوسكوفيتش اليسوعيان كانت لهم محاولات في إعلاء نظرية جاليليو إلى مصاف النظريات المنطقية.
سنة 1757 راجع البابا بندكت الرابع عشر بنفسه نظريات كوبرنيكوس وجاليليو، وأمر المجمع بالسماح للكتابات دي بالتداول بين العامة فنها لا تحوي أخطاء لاهوتية، والغريب إن الدكتور الجامعي “لالاند- Lalande” هو اللي حاول يمنع تنفيذ القرار دا (Ibid, 155.).

كان لجاليليو أصدقاء كثيرون من “اليسوعيين”، وعمد كريستوفر كلافيوس اليسوعي Christopher Clavius إلى إثبات ملاحظات جاليليو بملاحظاته هو نفسه. وأطنب يسوعي آخر في مدح جاليليو على أنه أعظم الفلكيين في الوقت دا.

كمان في لجنة من الباحثين الجزويت، عينها الكاردينال بللارمين Bellarmine لفحص كشوف جاليليو. فكتبت تقرير أيدت فيه كل النقاط. ولما سافر لروما في 1611 أكرم الجزويت مجيئه على أنه “زميل روماني” لهم. وكتب جاليليو في واحدة من رسايله يقول:

“أقمت مع الآباء اليسوعيين وكانوا قد تحققوا من الوجود الفصلي للكواكب الجديدة، ظلوا يوالون أرصادها لمدة شهرين، وقارننا ملاحظاتنا وأرصادنا فوجدناها متفقة كل الاتفاق” (Fulop-Miller, Jesuits, 397.).

أمَّا في العصر الحاضر، في النقاش الدائر بين الخلقيين والتطوريين (واللي هنتكلم عنه قريب)، بيكتب ريتشارد دوكينز في كتابه “the greatest show on earth” عن الأساقفة ورجال الدين المسيحيين المؤمنين بالتطور، ومعندهمش مشكلة مع النظريات العلمية، وبيرجع مُعارضي التطور لقلة من غير المُطَّلعين –بحسب وصفه- ويقول:

“إنَّ رئيس أسقفة كانتبري Canterbury، ليس لديه مشكلة مع التطور، ولا بابا روما (متغاضين عن التردد العارض بشأن علم الوجود القديم وفكرة روح الإنسان)، ولا القساوسة المثقفين وأساتذة اللاهوت، أمثال:

الأب الموقر ريتشارد هاريس أسقف أكسفورد، سير ديفيد أتنبورو زميل بالجمعية الملكية، الأب كريستوفر هربرت أسقف سانت ألباني، لورد ماي لوكسفورد رئيس الجمعية الملكية، جون أوليفر أسقف هيرفورد، مارك سانتر أسقف برمنجهام، توماس بتلر أسقف ساوثورك، كينيث ستيفينسون أسقف بورتسموث. هذا كتاب عن الأدلة اليقينية على أن التطور حقيقة علمية.

إنه ليس يقصد إلى أن يكون كتابًا ضد الفكر الدينيّ، فلقد قمتُ بهذا من قبل، فهذا قميصٌ آخر، ليس هذا هو مكان لبسي له مجددًا. فإن كثرة من الأساقفة واللاهوتيين الذين أصغوا إلى الأدلة على التطور قد أقلعوا عن الصراع ضدها. بعضهم على مضض، وبعضهم كالأسقف Richard Harries بحماس. لكن الجميع -عدا غير المطلعين علميًا على نحو تعيس- مضطرون لقبول حقيقة التطور. ربما يعتقدون أن الله كان له يد في بدء عملية التطور”.

(Richard Dawkins, The Greatest Show on Earth_ The Evidence for Evolution-Free Press (2009), CH. 1, P. 8.).

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

الصراع مع جاليليو – العلاقة بين العلم والدين ج4

الصراع مع جاليليو – العلاقة بين العلم والدين ج4

 

 

الصراع مع جاليليو – العلاقة بين العلم والدين ج4

 

 

بدأنا في المرة اللي فاتت نتكلم عن بدايات نشأة الصراع بين العلم والدين، وإزاي علم الفلك كان المحور الأول في الصدام دا، وناقشنا بدايته الأولى من عصر الفلاسفة اليونانيين، وفي مطلع العصور الوسطى في أوروبا.. وهنكمل مع بعض في البوست دا، وهنتكلم عن الصراع الملحمي بين جاليليو والكنيسة، وعن الأسباب اللي دعت لاهوتيي القرون الوُسطى لمعارضة علم الفلك الحديث..

اتولد جاليليو جاليلي Galileo Galilei في بيزا في إيطاليا، وكان أستاذ في جامعة بيزا، وخلال مُحاضراته أعلن أكتر من مرة عن إيمانه بنظرية كوبرنيكوس اللي اتكلمنا عنها في البوست اللي فات.

وفي سنة 1609صنع تليسكوب خاص بيه، وعدِّل فيه كتير وحسن من أداءه، لحد ما قدر يخليه يقرب الأجسام ألف مرة ضعف حجمها الطبيعي، ودا كان إنجاز تكنولوجي كبير في عصره مكِّنه من رؤية نجوم ومجرات أُخرى خارج مجرتنا اللي بنسكن فيها، زي مجرة Milky Way، وقدر يشوف إن القمر مش مُجرد سطح أملس مُضيء، لكنه زاخر بجبال وأودية وتضاريس جُغرافية مُختلفة.

المُهم إن محكمة التفتيش (واحدة من المحاكم اللي ظهرت واضمحَّلِت في فترة العصور الوسطى، وكان هدفها الأساسي مُحاربة السحرة والهراطقة وكل الخارجين عن الدين)، أصدرت قرارها ضده بالهرطقة والتمرد على إيمان الكنيسة والعصيان، وعرضت عليه الغُفران مُقابل تأدية قسم يلعن فيه نظرية كوبرنيكوس ويتخلى فيه عن كل آراؤه، ويتلو المزامير لمدة ثلاث سنوات. ووقع على الحكم دا سبعة كرادلة، ورفض البابا إنه يوقع عليه.

اتنفذ عليه الحكم وبعد ثلاث سنين من السجن أمر البابا إنه يعيش في قصر الدوق الأكبر في ترنيتا مونتي وتُحدد إقامته هناك، بعدها بأسبوع اتنقل لمكان أكثر راحة، في قصر تلميذه السابق رئيس الأساقفة أسكانيو بتشولوميني Ascanio Piccolomini في سيِّينّا.

أمَّا عن إن الكنيسة أعدمته، أو إنه بعد المُحاكمة خبط برجله على الأرض وقال: “ولكنها تدور”، كل دا أساطير ملهاش أي أساس من الصحة..
وبعد حوالي 200 سنة من وفاته، سنة 1835، انتصر العلم، وحذفت الكنيسة أسماء كتبه من قائمة الكتب المحظورة..

– إيه هي الأسباب اللي أدت باللاهوتيين إنهم يدخلوا في صراع مع العلم؟

1- نصوص الكتاب المُقدس:

مكانش في استطاعة البروتستانتية الصاعدة في الوقت دا إنها تنصر العلم، وكان موقفها هو هو موقف الكنيسة الكاثوليكية، لإن تعاليمهم تأسست على كتاب مُقدس معصوم حرفيًا وعلميًا، وزي ما قلنا في البوست اللي فات إن دا كلام ملوش أي قيمة وبيجر المسيحية لأمور كتير هي بعيده تمامًا عن هدفها الأساسي، وهو الاتحاد بالله.
فبنلاقي مارتن لوثر رفض اكتشافات كوبرنيكوس الفلكية لإن التوراة ذكرت إن يشوع بن نون أمر الشمس توقف، مش الأرض، وبيقول في كتابه (حديث المائدة)، وهو واحد من أهم الكتب اللي بتوضح فكره اللاهوتي:

“إن الناس يستمعون إلى مُنَجِم مُحدث حاول التدليل على أن الأرض تدور، لا السموات ولا القبة الزرقاء، ولا الشمس ولا القمر… فهذا الأحمق يريد أن يقلب نظام الفلك كله رأساً على عقب. ولكن الكتاب المقدس ينبئنا بأن يشوع أمر الشمس لا الأرض أن تقف” (Table Talk, 69)

واحدة من النصوص الكتابية اللي على أساسها رفض لاهوتيو العصور الوُسطى علم الفلك الجديد، بيعرضها كالفن لما بيقول: “أيضاً تثبتت المسكونة، لا تتزعزع” (مز93) “فمن يجرؤ على ترجيح شهادة كوبرنيق على شهادة الروح القدس؟” (ورد النص في كتاب راسل: Russell, History of Western Philosophy, 528.).

والغريب إن النظرة دي للكتاب المُقدس، بإنه معصوم علميًا، لسه سائدة في عصرنا حتى الآن، وهي نظرة غريبة حتى عن مفهوم الوحي في المسيحية، اللي من خلاله بيوحي الله بفكرة للإنسان، والإنسان بيصيغها بإسلوبه وبثقافته وبطريقة مفهومه لقُرَّاءه المُعاصرين ليه، مش بمعلومات علمية هتيجي بعديه بآلاف السنين، ومفيش أي معنى من وجودها في النص الكتابي! اللي هو في الأصل رسالة روحية مش رسالة ماجستير!

دا غير إن كل المعلومات العلمية المُعاصرة، كان لها شكل بدائي عند الفلاسفة اليونان، لكن اللي ساد في الساحة هو نظرة أرسطو في الطبيعة وفلك بطليموس (ممكن ترجع للبوست اللي فات لمعلومات أكتر في النقطة دي).

2- التعليم بإن كل الأشياء خُلِقت للبشر:

كانت النظرية القديمة عن مركزية الأرض معقولة جدًا بالنسبة للاهوت اللي بيأسس إن كل شيء خُلِق من أجل الإنسان، وإن الإنسان هو مركز الكون كله، عايش في الأرض اللي هي مركز الفضاء، وكل الكواكب والنجوم بتدور حواليها.

فإيه معنى كلمة “السما” إن كان فوق وتحت فقدوا معانيهم لإن الأرض كروية؟! وعلشان كدا نلاقي في واحدة من خطابات جيمس وولف لعالم الفلك المُعارض لكوبرنيكوس تيكو براهي، بيقول فيها: ” ما من هجوم على المسيحية أشد خطراً من القول بضخامة السماوات وعمقها اللانهائيين”.

وبدا أن كل شيء جميل في المسيحية، بـ”يتصاعد دخاناً” (زي ما قال جوته فيما بعد) تحت لمسة علم الفلك الحديث.

وفي الحقيقة النقطة دي غريبة جدًا، برغم إنها واحدة من النقط اللي حارب لأجلها لاهوتيو العصور الوُسطى بشراسة علم الفلك الجديد، لكنها في مُنتهى السخافة، لإن الإنسان مركز الكون لإنه كائن خُلِق علشان يرعى الكون ويسود عليه كإله، طبعًا بمعنى السيادة الإلهية اللي بتعني الأبوة والرعاية، مش السيادة بالمفهوم البشري اللي بتحتم وجود عبد نسود عليه ونمتص خيره.

فالله خلق الإنسان علشان يستمتع بالكون، ويرعاه ويحفظه (يفلحها ويحفظها)، ويكون رأس كل الخليقة، زي ما المسيح صار رأس طبيعنا البشرية، سيد بخدمته في العالم وحفظه ليه وتمتعه بجماله.. حتى لو انحرف المفهوم دا عند كتير من البشر.. واللي جايز العصور الوُسطى لسيادة نظامي الملكية والإقطاع فيها، فمقدرش اللاهوتيين وقتها، أو مُعظمهم، يوصلوا للمفهوم دا..

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

 

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

 

في المقال الأول اتكلمنا عن أهمية ودور العقل في الإيمان المسيحي. لكن، المرة دي عاوزين نوضح نقطة مُهمة، إن الإيمان المسيحي مش إيمان عقلاني بحت، بمعنى إنه الإيمان مش شبيه بالبحث العلمي المُجرد، الإيمان جزء أصيل من الطبيعة البشرية، ومن المُستحيل نزعه من الخبرات الإنسانية واختزاله في العقل فقط.

C. S. Lewis وهو واحد من الأدباء المسيحيين واللي كان له فلسفة ورؤية في شرح الإيمان المسيحي بمنهجية عصرية مُناسبة للإنسان الحاضر. وهو كان مُلحد وآمن بالمسيحية، بيكتب عن اختباره ده وبيقول إن إنجذابه للإيمان كان سببه إن الإنجيل (البشارة أو الإيمان المسيحي) بيقدم معنى، مش علشان بيقدم مُجرد افتراضات صح: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى” (Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.).

فالجاذبية والقيمة الحقيقية للإيمان المسيحي، بتتمثل عند بعض الناس في إنه بيقدم نوعية عبادة راقية، أو قدرته على التلامس مع المشاعر والمفاهيم الإنسانية، أو النتائج الأخلاقية اللي بتصدر عنه، وفي أمور تانيه كتير أعمق من مُجرد الافتراضات الصحيحة اللي بيقدمها، لإن الإيمان مش مُجرد معرفة، دا بيحمل بُعد علائقي وجودي للخروج من ذاتك ووضع الثقة في آخر. ودا اللي بيوضحه C. S. Lewis في غير موضع، وبيقول: “إنك لا تواجه حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه” (“On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection).

ويل ديورانت (وهو لا أدري) بيأكد على الأمر دا في كتابه المُترجم باسم (مباهج الفلسفة)، إن المعرفة البشرية مهما كانت بتخضع للخبرة والتطور، فالمعرفة اللي بتكون عندنا واحنا أطفال، بتتغير تمامًا في سن المُراهقة عنها في منتصف العمر: “إن المعرفة، التي تنتج من خبرات الحياة، واللقاء مع الحقيقة، لهو أمر مُختلف تمامًا، وبعيد كل البعد عن تلك الدائرة الضيقة من التفكير، التي سبق ووضعت نظامًا أنيقًا في كل شئ” (الجزء الأول، ص34). فالإيمان – على العكس من العلم – بيقدم النوع دا من التفاعل مع الخبرات البشرية، وبيتطور معانا مع الوقت، وبالتأمل، والشك، والدهشة، وأحيانًا حتى الصمت. بعكس العلوم الرياضية اللي بيُفترض أنها صادقة مُباشرة بغض النظر عن الحس البشري.

ففي الواقع، الإنسان بيحتاج للحس والعقل، فالحس هو معيار الحقيقة، والعقل هو مُكتشفها. فالإنسان في احتياج للجمال والقبح والفلسفة والحكمة والأخلاق والفن، بجانب العلم، علشان يكون إنسان حقيقي كامل، عنده شعور ووجدان، مش مُجرد آلة رقمية. الحس والشعور اللي بنشعر عن طريقه بجمال الموسيقى ونتذوق آلحانها، من غير ما نقدر عقليًا نوصفها بتعبيرات نظامية مفهومة وصريحة.

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1
 

 

المسيحية مش بتطلب مننا إيمان أعمى، لكن إيمان مُتأصل في النفس إنه ناتج عن اختبار، وعقلاني، كتابيًا الموضوع واضح جدًا:

“فالعقل يحفظك، والفهم ينصرك” (أم2: 11)، “في ذخائر الحكمة العقل، والعبادة عن معرفة” (ابن سيراخ1: 26)، وفي العهد الجديد بيطوِّب الكتاب أهل بيريا علشان فحصوا الكتب ومقبلوش إيمانهم بمُجرد الشعور النفسي والكلام المعسول (أع17: 11) (راجع كمان: تث32: 29؛ مز94: 8؛ مز107: 43؛ يو8: 32؛ مت22: 37؛ مت13: 52؛ أع17: 11؛ 2تي1: 12؛ 1تي4: 13.. كأمثلة).

وبنلاقي الآباء كانوا بيشجعوا المؤمنين على القراءة بنهم والمعرفة، مش مُجرد التسليم الإيماني البسيط، فمثلاً كليمندس السكندري بيكتب: “إنني لست غافلاً أو جاهلاً بما يدور علي ألسنة البعض، الذين هم من فرط جهلهم يفزعون لسماعهم أي صوت غير المعتاد، ويزعمون أننا يجب أن لا نشغل أنفسنا بشئ سوي ما نحن في أمس الحاجة إليه -وهو الإيمان- وان علينا الا نلقي بالا إلي ما يتجاوز ذلك فهو غير ضروري..

ذلك القول الذي يكبلنا بالقيود ويجهدنا دون هدف ويربطنا بأشياء لا تفيدنا أو تعاوننا علي الوصول إلي النتيجة العظمي والهدف السامي (في شرح الإيمان علي أساسات التقليد بروح الفلسفة)” (storm. 1).. حتى واحد من الآباء اللي كان همهم أكتر بالجانب الرعوي، زي يوحنا فم الذهب، نلاقيه بيقول في واحده من عظاته:

“كم اشتاق أن تكونوا مُتيقنين، وليس مُتيقنين فقط، بل بفهم، لا تظنوا أني أقصد الإيمان العاري والعقيم، بل أقصد الإيمان بفهم وحب” (عظات على رسالة كولوسي، عظة 5).

فالله منحنا العقل اللي بنستخدمه في كل أمور حياتنا، من حل المسائل الرياضية في مرحلة الدراسة، لغاية تعلم العلوم والعمارة، والمُعاملات التُجارية، والمُشكلات، وباقي جوانب الحياة.

ومينفعش لما نيجي عند المستوى الإيماني ونلاقي حد بيقول لنا: “وقف هنا عندك، استخدام عقلك في النقطة دي خطر، الإيمان دا خط أحمر!!”، وكأن الإيمان دا هش جدًا وضعيف جدًا لدرجة إنه مش هيصمد قدام أبسط التساؤلات العقلانية، ودي واحده من المشاكل اللي بتقابل كتير مننا في كنيسته والاجتماعات اللي بيحضرها، لما بيكون له تساؤلات عقلانية عن عقيدته، وعن العلاقة بين المدارس اللاهوتية والفلسفية المُختلفة.

أعتقد إن استخدام العقل في التعاليم الإيمانية والمعرفة العقيدية مبقاش مُجرد فكرة تحتاج للتنفيذ، دا ضرورة وإلزام على كل مؤمن، دا اللي ممكن يقود تفكيره بشكل سليم ويحميه من الإيمان الهش الكاريزماتي، أو إيمان الفانتازيا السماوية على الصعيد الآخر، النوع دا من الإيمان اللي بياخد شكل مستيكي أو سرائري بشكل مُبالغ فيه، وكأنه أصبح الوجه الأرثوذكسي الآخر من العملة اللي وجهها الأول هو الكاريزماتية البروتستانتية.

وفي ضرورة استخدام العقل، بيقول جاليليو (هنتكلم عنه بالتفصيل في البوستات اللي جايه): “إني لا أشعر بأني مضطر إلى الإيمان بأن الله الذي أمدنا بالإحساس والعقل والفكر، قصد بنا أن نضيع فرصة استخدامهما والانتفاع بها” (Discoveries and Opinions, 183.).

فالاتساع الفكري اللي بتتميز بيه المسيحية يُعتبر من أهم نقاط قوتها، فالاهتداء لللايمان المُتعقل دا هو اللي بيخلي المؤمن يشعر إنه خرج من عالم “أليس في بلاد العجائب”

اللي بيظهر فيه كل شئ كاريكاتيري وعبثي وعدمي أو بلا أي جدوى، إلى عالم الحقيقة اللي تقدر تعيشه وتفهمه وتبحث فيه عن دورك كمُخَلِّص لناس تانيه كتير، على الأقل في دايرتك الصغيرة (عائلتك- أصحابك…) اللي هتقودهم للفهم والعبادة عن معرفة، واكتشاف العالم بنظرة حقيقية مش مُغرقة في التشاؤم، ولا هي مُتفائلة حالمة..

 

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1

Exit mobile version