العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

 

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5
 
 

لاهوتيون ورجال دين ساندوا العلم في القرون الوسطى

في المرات اللي فاتت اتكلمنا عن الإيمان وعلاقته بالعقل، واستعرضنا مع بعض عرض تاريخي مُختصر لنشأة الحرب بين العلم والدين، في البوست دا هنتكلم عن رجال الدين اللي ساندوا الأبحاث العلمية والعلماء، في فترة القرون الوسطى، وفي وقتنا الحالي.

دا لإن في فكرة غلط عن إن الكنيسة هي اللي هيجت الحرب ضد العلم والعلماء، ودا مش صحيح 100%، لإن الكنيسة كانت خصم أخير بيحتكموا إليه لما بيختلف العلماء حوالين النظريات العلمية، لإن محاكمة الموضوعات الشبيهة بدا كانت مُهمتها الرئيسية في الوقت دا، ودا طبعًا كان شيء غلط جرها لكتير من السقطات، لكن مكانتش هي شعلة البداية..

فاتنين من رجال الكنيسة هما: نيكولاس شونبرج Schonberg كاردينال كبوا، وتدمان جيزي Tiedeman Giese أسقف كولم ألحوا على كوبرنيكوس إنه ينشر اكتشافاته. حتى إن ويل ديورانت المؤرخ والفيلسوف اشهير (وهو لا أدري) بيقول:

“حقيقة أن باباوات النهضة لم يقفوا موقف العداء من العلم. فقد استمع ليو العاشر وكليمنت السابع إلى أفكار كوبرنيق بذهنين مفتوحين، وتقبل بولس الثالث في غير خوف إهداء كوبرنيق كتابه له، “كتاب الدورات” الذي زلزل العالم” (قصة الحضارة، المُجلد الرابع عشر، ص 115).

وسنة 1581 شيَّد الأسقف كرومر نصب تزكاري لكوبرنيكوس على السور الداخلي لكتدرائية فراونبورج.

الراهب اليسوعي يوسف أكوستا، كان لكتابه: “جزر الهند طبيعيًا وأدبيًا”، أثر مُهم جدًا على تصليط الضوء على الأخطاء الفلكية والجغرافية (Andrew Dickson White, A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom (Cambridge Library Collection – Religion), Vol. 1, P. 125).

البابا بولس الخامس كان على علاقة جيدة بجاليليو وكان بيدعوه بـ”أكبر فلكيِّ الأرض”، وكان بيدعوه دايمًا لزيارة روما. (Ibid, P. 134).
المُصلح الشهير جون ويسلي، وهو مؤسس منهاج كنيسة الإخوة البلاميث حاليًا، قال بفساد نظرية بطليموس وصدق تعاليم كوبرنيكوس (Ibid, 144.).

توماس بارنت، في مُقدمة كتابه: “النظرية المُقدسة في أصل الأرض- Sacred Theory of the Earth”، كتب يقول:

“إذا أمكن البرهنة بالدليل القاطع، خلال البضع سنوات التالية، على أن الأرض تتحرك، بطريقة نافية لكل شك، فإن الذين قاوموا هذا المذهب، مُتخذين من نصوص الوحي أسلحة تقدموا بها في ميدان المُناقشة، سوف يجدون من الأسباب التي تدعوهم إلى طلب التوبة والمغفرة، ما كان يجده القديس أغسطينوس للتكفير عن خطئه لو كان حيًا اليوم”.

(المقصود بخطأ القديس أغسطينوس هو قوله بمذهب الـ”أنتيبود- Antipode”، وهو المذهب الذي يقول بالجهة المُقابلة للجهة المسكونة من الأرض- Ibid, 149.).

الأبوان ريتشولي وبوسكوفيتش اليسوعيان كانت لهم محاولات في إعلاء نظرية جاليليو إلى مصاف النظريات المنطقية.
سنة 1757 راجع البابا بندكت الرابع عشر بنفسه نظريات كوبرنيكوس وجاليليو، وأمر المجمع بالسماح للكتابات دي بالتداول بين العامة فنها لا تحوي أخطاء لاهوتية، والغريب إن الدكتور الجامعي “لالاند- Lalande” هو اللي حاول يمنع تنفيذ القرار دا (Ibid, 155.).

كان لجاليليو أصدقاء كثيرون من “اليسوعيين”، وعمد كريستوفر كلافيوس اليسوعي Christopher Clavius إلى إثبات ملاحظات جاليليو بملاحظاته هو نفسه. وأطنب يسوعي آخر في مدح جاليليو على أنه أعظم الفلكيين في الوقت دا.

كمان في لجنة من الباحثين الجزويت، عينها الكاردينال بللارمين Bellarmine لفحص كشوف جاليليو. فكتبت تقرير أيدت فيه كل النقاط. ولما سافر لروما في 1611 أكرم الجزويت مجيئه على أنه “زميل روماني” لهم. وكتب جاليليو في واحدة من رسايله يقول:

“أقمت مع الآباء اليسوعيين وكانوا قد تحققوا من الوجود الفصلي للكواكب الجديدة، ظلوا يوالون أرصادها لمدة شهرين، وقارننا ملاحظاتنا وأرصادنا فوجدناها متفقة كل الاتفاق” (Fulop-Miller, Jesuits, 397.).

أمَّا في العصر الحاضر، في النقاش الدائر بين الخلقيين والتطوريين (واللي هنتكلم عنه قريب)، بيكتب ريتشارد دوكينز في كتابه “the greatest show on earth” عن الأساقفة ورجال الدين المسيحيين المؤمنين بالتطور، ومعندهمش مشكلة مع النظريات العلمية، وبيرجع مُعارضي التطور لقلة من غير المُطَّلعين –بحسب وصفه- ويقول:

“إنَّ رئيس أسقفة كانتبري Canterbury، ليس لديه مشكلة مع التطور، ولا بابا روما (متغاضين عن التردد العارض بشأن علم الوجود القديم وفكرة روح الإنسان)، ولا القساوسة المثقفين وأساتذة اللاهوت، أمثال:

الأب الموقر ريتشارد هاريس أسقف أكسفورد، سير ديفيد أتنبورو زميل بالجمعية الملكية، الأب كريستوفر هربرت أسقف سانت ألباني، لورد ماي لوكسفورد رئيس الجمعية الملكية، جون أوليفر أسقف هيرفورد، مارك سانتر أسقف برمنجهام، توماس بتلر أسقف ساوثورك، كينيث ستيفينسون أسقف بورتسموث. هذا كتاب عن الأدلة اليقينية على أن التطور حقيقة علمية.

إنه ليس يقصد إلى أن يكون كتابًا ضد الفكر الدينيّ، فلقد قمتُ بهذا من قبل، فهذا قميصٌ آخر، ليس هذا هو مكان لبسي له مجددًا. فإن كثرة من الأساقفة واللاهوتيين الذين أصغوا إلى الأدلة على التطور قد أقلعوا عن الصراع ضدها. بعضهم على مضض، وبعضهم كالأسقف Richard Harries بحماس. لكن الجميع -عدا غير المطلعين علميًا على نحو تعيس- مضطرون لقبول حقيقة التطور. ربما يعتقدون أن الله كان له يد في بدء عملية التطور”.

(Richard Dawkins, The Greatest Show on Earth_ The Evidence for Evolution-Free Press (2009), CH. 1, P. 8.).

العلم في القرون الوسطى – العلاقة بين العلم والدين ج5

نشأة وتطور الصراع بين العلم واللاهوت – العلاقة بين العلم والدين ج3

نشأة وتطور الصراع بين العلم واللاهوت – العلاقة بين العلم والدين ج3

 

نشأة وتطور الصراع بين العلم واللاهوت – العلاقة بين العلم والدين ج3
 
 
 

اتكلمنا في المقالات اللي فاتت عن الإيمان المسيحي والعقل، وإلى أي مدى الإيمان المسيحي مُتعقِل، وإلى أي مدى مُمكن يبتعد الإيمان عن العقل المحض علشان يشمل باقي الجوانب الإنسانية الأُخرى زي الحس والوجدان والمشاعر..

المرة دي هنبص بنظرة سريعة على نشأة الصراع بين العلم والدين، وإيه الأسباب اللي أدت للصراع دا في القرون الوسطى.

زمان كانت الفلسفة بتشمل النظرة للعالم المادي والروحي على السواء، بتجمع بين التفكير في الآلهة، والإنسان، والعالم المادي. فكان العلم جزء منها ومش مُتغرِب عنها، ولا عن الدين لإن الكل بيُنظر ليه نظرة ميتافيزيقية أو نظرة غير مادية بتبحث في ما وراء العالم والمادة. وكان في مجموعة من فلاسفة الشك ظهروا بعد أرسطو، واللي كانوا أقرب للوجودية المُعاصرة، لإنهم توقفوا عند المادة والعالم والشقاء الإنسان وعدمية الحياة.. لكن مش دي النظرة السائدة عامة.

وفضل الحال على ما هو عليه لحد نهايات القرن الـ 15 تقريبًا سنة 1475 مع بداية ظهور اكتشافات كوبرنيكوس القس الكاثوليكي اللي بدأ يؤسس لكروية الأرض وعدم مركزيتها. ومن هنا بدأت الحرب بين العلم والدين، أو هي كانت حرب بين المذهب الأرسطوطالي في شرح الطبيعة، والمنهجية العلمية اللي ظهرت عن طريق البحث المُباشر بالمناظير اللي قربت الرؤية للعالم علشان يقدر يدون مُلاحظات أفضل عن الفضاء. النظرة دي اللي نتج عنها كتابين موسوعيين بيوصفوا الفترة دي بالـ”الحرب”، وهما:

“The History of the Conflict Between Religion and Science” الصادر عام 1875 لمؤلفه جون داربر John w. Darper، وهو أول رئيس للجميعة الأمريكية لعلوم الكيمياء.

وبعده بعشرين سنة، في 1895، صدر كتاب “A History of the Warfare of Science with Theology in Christendom” لأول رئيس لجامعة كورنيل، أندرو وايت Andrew D. White

ويكفي اسمي الكتابين علشان نقدر نتصوَّر مدى العلاقة المُعقدة والمتوترة اللي كانت بين العلم والعلماء من جهة، ومش هنقول الدين، لكن علماء الدين أو لاهوتيي العصور الوسطى من جهة تانية.

وكان الفرسان التلاتة للمعركة دي هما: كوبرنيكوس- كبلر- جاليليو.. جه من بعدهم إسحق نيوتن وأينشتاين، لكن الأمور كانت أفضل كتير في وقتهم. وعلشان كدا هنركز حديثنا عن التلاته الأولين فقط. واللي سبق ظهورهم نظرة للعالم على إنه أرض المعركة بين الله والشيطان، وإن أي حدث طبيعي بيحصل، مطر رعد برق، وأي حتى مرض أو وباء بيصيب البشرية، هو لازم وحتمًا إما تأديب وإشارة إلهية أو حرب شيطانية، واتملت كتب التاريخ في الوقت دا بالأساطير والمُعجزات.. وتقريبًا دا اللي بنشوفه في أيامنا دي من انتشار كتب المُعجزات بشكل خرافي، من تعلق المسيحيين بالأسطورة عن تمسكهم بالواقع، من رؤيتهم للمطر والرعد كأنه غضب الله على الشر والضيقات، وبعض الكارزماتيين البروتستانت اللي بيحاربوا حتى أفلام الكارتون!

1- كوبرنيكوس: اتولد سنة 1473 في مدينة تورن بروسيا الغربية، درس الرياضيات في جامعة بولونيا، وكان من مُعلميه في الجامعة أستاذ اسمه دومينيكو دي نوفارا، ودا كان بينتقد نظرية بطليموس (فيلسوف سكندري وضع منهج فلكي مُعقد عن ثبات ومركزية الأرض، وفضل منهجه مُستخدم طوال فترة القرون الوسطى في جامعات أوروبا، وارتبط كمان بتفاسير الكتاب المُقدس). واترسم كوبرنيكوس كاهن في كاتدرائية فراونبورج ببولندا، وكرَّس مُعظم وقته للبحث العلمي.
وتلخصت نظريته زي ما وردت في كتابه تعليقات مُختصرة (Commentariolus in Rosen, Three Copernican Treatises, 58.) كالتالي:

أ‌- مفيش مركز واحد لكل الكواكب السماوية.
ب‌- الأرض مش مركز الكون.
ج- كل الكرات (الكواكب) تدور حول الشمس، فالشمس هي مركز الكون.
د- حركة السماء والسحب مش سببها تحرك السماء، إنما تحرك الأرض اللي بتلف دورة كاملة كل يوم.

وكوبرنيكوس مش أول شخص في التاريخ قال بالنظرية دي، إنما سبقه فلاسفة يونانيين كتير، منهم فيلولاوس الفيثاغورثي Philolaus the Pythagorean اللي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وقال إن الأرض والكواكب بتدور حول نار مركزية غير مرئية اسمها “هستيا”. ومن بعده جه هيكيتاس السيراكيوزي Hicetas of Syracuse اللي اتكلم عنه الفيلسوف والأديب اللاتيني الشهير شيشرون، وقال بنفس الأمر، ومن بعدهم أريستارخوس الساموسي Aristarchus of Samos (310-230 ق. م.) واللي قال إن الأرض بتدور حول الشمس، لكنه اتُهِم بالضلال والكُفر وتراجع عن نظريته، وفي القرن التاني قبل الميلاد، أعاد إحياء الفكرة سلوقس البابلي Seleucus of Babylonia وكانت نظريته هتسود، لولا مجئ بطليموس السكندري اللي وضع منهج فلكي مُعقد ومحدش قدر ينازعه أو يجادله حتى العصور الوسطى، وبداية عصر العلم.
وجود الفلاسفة القدام وتعليقاتهم دي بتنفي تمامًا أي وجود لأي إعجاز علمي من أي نوع بيدّعيه أي كتاب قديم، لا الكتاب المُقدس بيحوي إعجاز علمي، ولا أي نص آخر، لإن الأمور اللي تناولها الكتاب المُقدس، وغيره من الكتابات الدينية، هي تعاليم مُرتبطة بعصرها، ومكانش في أي كشف جديد جه بيه علشان ندعي وجود إعجاز أو توافق مع العلم، لإن النص الديني وليد عصره، وغير معصوم غير فيما يخص رسالته الدينية الجوهرية فقط، مش في الصور اللي استخدمها لإيصال الرسالة دي..

2- كبلر: تاني أهم العُلماء اللي واجهوا زمن الصراع بين العلم والدين، اتولد في قرية فيل في شتوتجارت بألمانيا، اتتلمذ كبلر على إيد عالم فلك شهير ومُعارض شرس لنظرية كوبرنيكوس، اسمه “تيكو براهي”، تيكو براهي توسم في كبلر العلم وأحبه، وعلشان كدا ترك له بعد ما مات كل الأدوات والأبحاث الخاصة بيه، واللي بدأ كبلر يشتغل عليها ويطورها. أهم عمل قدمه كبلر لعلم الفلك إنه أكتشف “القطع الناقص” أو الشكل البيضاوي للمدارات الفضائية، فبدل ما المدارات الفضائية كانوا بيعتقدوا إنها دائرية، اكتشف كبلر أنها بيضاوية الشكل، والشمس مش في المركز، لكنها في واحد من طرفي القطع الناقص دا. ودا دعَّم نظرية كوبرنيكوس في أكبر نقاط ضعفها، وساعد نيوتين اللي جه بعده بسنين في وضع قوانين أدق عن الجاذبية.

 
Exit mobile version