الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

 

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

 

في المقال الأول اتكلمنا عن أهمية ودور العقل في الإيمان المسيحي. لكن، المرة دي عاوزين نوضح نقطة مُهمة، إن الإيمان المسيحي مش إيمان عقلاني بحت، بمعنى إنه الإيمان مش شبيه بالبحث العلمي المُجرد، الإيمان جزء أصيل من الطبيعة البشرية، ومن المُستحيل نزعه من الخبرات الإنسانية واختزاله في العقل فقط.

C. S. Lewis وهو واحد من الأدباء المسيحيين واللي كان له فلسفة ورؤية في شرح الإيمان المسيحي بمنهجية عصرية مُناسبة للإنسان الحاضر. وهو كان مُلحد وآمن بالمسيحية، بيكتب عن اختباره ده وبيقول إن إنجذابه للإيمان كان سببه إن الإنجيل (البشارة أو الإيمان المسيحي) بيقدم معنى، مش علشان بيقدم مُجرد افتراضات صح: “إن العقل هو الأداة الطبيعية للحق، ولكن الخيال هو أداة المعنى” (Rehabilitations and Other Essays (London: Oxford University Press, 1939), 158.).

فالجاذبية والقيمة الحقيقية للإيمان المسيحي، بتتمثل عند بعض الناس في إنه بيقدم نوعية عبادة راقية، أو قدرته على التلامس مع المشاعر والمفاهيم الإنسانية، أو النتائج الأخلاقية اللي بتصدر عنه، وفي أمور تانيه كتير أعمق من مُجرد الافتراضات الصحيحة اللي بيقدمها، لإن الإيمان مش مُجرد معرفة، دا بيحمل بُعد علائقي وجودي للخروج من ذاتك ووضع الثقة في آخر. ودا اللي بيوضحه C. S. Lewis في غير موضع، وبيقول: “إنك لا تواجه حجة تطالبك بأن توافق عليها، بل شخصًا يطالبك بأن تثق فيه” (“On Obstinancy in Belief,” C. S. Essay Collection).

ويل ديورانت (وهو لا أدري) بيأكد على الأمر دا في كتابه المُترجم باسم (مباهج الفلسفة)، إن المعرفة البشرية مهما كانت بتخضع للخبرة والتطور، فالمعرفة اللي بتكون عندنا واحنا أطفال، بتتغير تمامًا في سن المُراهقة عنها في منتصف العمر: “إن المعرفة، التي تنتج من خبرات الحياة، واللقاء مع الحقيقة، لهو أمر مُختلف تمامًا، وبعيد كل البعد عن تلك الدائرة الضيقة من التفكير، التي سبق ووضعت نظامًا أنيقًا في كل شئ” (الجزء الأول، ص34). فالإيمان – على العكس من العلم – بيقدم النوع دا من التفاعل مع الخبرات البشرية، وبيتطور معانا مع الوقت، وبالتأمل، والشك، والدهشة، وأحيانًا حتى الصمت. بعكس العلوم الرياضية اللي بيُفترض أنها صادقة مُباشرة بغض النظر عن الحس البشري.

ففي الواقع، الإنسان بيحتاج للحس والعقل، فالحس هو معيار الحقيقة، والعقل هو مُكتشفها. فالإنسان في احتياج للجمال والقبح والفلسفة والحكمة والأخلاق والفن، بجانب العلم، علشان يكون إنسان حقيقي كامل، عنده شعور ووجدان، مش مُجرد آلة رقمية. الحس والشعور اللي بنشعر عن طريقه بجمال الموسيقى ونتذوق آلحانها، من غير ما نقدر عقليًا نوصفها بتعبيرات نظامية مفهومة وصريحة.

الايمان والعقل ج2 – العلاقة بين العلم والدين ج2

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1
 

 

المسيحية مش بتطلب مننا إيمان أعمى، لكن إيمان مُتأصل في النفس إنه ناتج عن اختبار، وعقلاني، كتابيًا الموضوع واضح جدًا:

“فالعقل يحفظك، والفهم ينصرك” (أم2: 11)، “في ذخائر الحكمة العقل، والعبادة عن معرفة” (ابن سيراخ1: 26)، وفي العهد الجديد بيطوِّب الكتاب أهل بيريا علشان فحصوا الكتب ومقبلوش إيمانهم بمُجرد الشعور النفسي والكلام المعسول (أع17: 11) (راجع كمان: تث32: 29؛ مز94: 8؛ مز107: 43؛ يو8: 32؛ مت22: 37؛ مت13: 52؛ أع17: 11؛ 2تي1: 12؛ 1تي4: 13.. كأمثلة).

وبنلاقي الآباء كانوا بيشجعوا المؤمنين على القراءة بنهم والمعرفة، مش مُجرد التسليم الإيماني البسيط، فمثلاً كليمندس السكندري بيكتب: “إنني لست غافلاً أو جاهلاً بما يدور علي ألسنة البعض، الذين هم من فرط جهلهم يفزعون لسماعهم أي صوت غير المعتاد، ويزعمون أننا يجب أن لا نشغل أنفسنا بشئ سوي ما نحن في أمس الحاجة إليه -وهو الإيمان- وان علينا الا نلقي بالا إلي ما يتجاوز ذلك فهو غير ضروري..

ذلك القول الذي يكبلنا بالقيود ويجهدنا دون هدف ويربطنا بأشياء لا تفيدنا أو تعاوننا علي الوصول إلي النتيجة العظمي والهدف السامي (في شرح الإيمان علي أساسات التقليد بروح الفلسفة)” (storm. 1).. حتى واحد من الآباء اللي كان همهم أكتر بالجانب الرعوي، زي يوحنا فم الذهب، نلاقيه بيقول في واحده من عظاته:

“كم اشتاق أن تكونوا مُتيقنين، وليس مُتيقنين فقط، بل بفهم، لا تظنوا أني أقصد الإيمان العاري والعقيم، بل أقصد الإيمان بفهم وحب” (عظات على رسالة كولوسي، عظة 5).

فالله منحنا العقل اللي بنستخدمه في كل أمور حياتنا، من حل المسائل الرياضية في مرحلة الدراسة، لغاية تعلم العلوم والعمارة، والمُعاملات التُجارية، والمُشكلات، وباقي جوانب الحياة.

ومينفعش لما نيجي عند المستوى الإيماني ونلاقي حد بيقول لنا: “وقف هنا عندك، استخدام عقلك في النقطة دي خطر، الإيمان دا خط أحمر!!”، وكأن الإيمان دا هش جدًا وضعيف جدًا لدرجة إنه مش هيصمد قدام أبسط التساؤلات العقلانية، ودي واحده من المشاكل اللي بتقابل كتير مننا في كنيسته والاجتماعات اللي بيحضرها، لما بيكون له تساؤلات عقلانية عن عقيدته، وعن العلاقة بين المدارس اللاهوتية والفلسفية المُختلفة.

أعتقد إن استخدام العقل في التعاليم الإيمانية والمعرفة العقيدية مبقاش مُجرد فكرة تحتاج للتنفيذ، دا ضرورة وإلزام على كل مؤمن، دا اللي ممكن يقود تفكيره بشكل سليم ويحميه من الإيمان الهش الكاريزماتي، أو إيمان الفانتازيا السماوية على الصعيد الآخر، النوع دا من الإيمان اللي بياخد شكل مستيكي أو سرائري بشكل مُبالغ فيه، وكأنه أصبح الوجه الأرثوذكسي الآخر من العملة اللي وجهها الأول هو الكاريزماتية البروتستانتية.

وفي ضرورة استخدام العقل، بيقول جاليليو (هنتكلم عنه بالتفصيل في البوستات اللي جايه): “إني لا أشعر بأني مضطر إلى الإيمان بأن الله الذي أمدنا بالإحساس والعقل والفكر، قصد بنا أن نضيع فرصة استخدامهما والانتفاع بها” (Discoveries and Opinions, 183.).

فالاتساع الفكري اللي بتتميز بيه المسيحية يُعتبر من أهم نقاط قوتها، فالاهتداء لللايمان المُتعقل دا هو اللي بيخلي المؤمن يشعر إنه خرج من عالم “أليس في بلاد العجائب”

اللي بيظهر فيه كل شئ كاريكاتيري وعبثي وعدمي أو بلا أي جدوى، إلى عالم الحقيقة اللي تقدر تعيشه وتفهمه وتبحث فيه عن دورك كمُخَلِّص لناس تانيه كتير، على الأقل في دايرتك الصغيرة (عائلتك- أصحابك…) اللي هتقودهم للفهم والعبادة عن معرفة، واكتشاف العالم بنظرة حقيقية مش مُغرقة في التشاؤم، ولا هي مُتفائلة حالمة..

 

الايمان والعقل ج1 – العلاقة بين العلم والدين ج1

كتاب رجل العبادة والقيادة نحميا PDF القس بيشوي صدقي

كتاب رجل العبادة والقيادة نحميا PDF القس بيشوي صدقي

كتاب رجل العبادة والقيادة نحميا PDF القس بيشوي صدقي

كتاب رجل العبادة والقيادة نحميا PDF القس بيشوي صدقي

تحميل الكتاب PDF

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

 

إعداد

د. عصام سامي زكي

دكتوراه في اللاهوت

 

إهداء إلى روح المتنيح الزميل والصديق والأخ والأب: أبونا صموئيل وهبة، الذي لي ثقة أنه يصلي عني في السماء

 

ابنك عصام سامي

 

مقدمة:

الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة غنية بآبائها ومعلّميها والذين بذلوا حياتهم في التعليم والوعظ والكتابة ومقاومة المبتدعين والهراطقة، ومن أشهر هؤلاء هم القديسون الثلاثة باسيليوس الكبير وغريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم والذين كانوا يلقبوا بأقمار الكنيسة الثلاثة، فنجد هذا الكتاب يحكي عن حياتهم وتعليمهم وتاريخ الكنيسة من خلالهم في صورة مبسطة ودقيقة فالمعد لهذا الكتاب كان دقيقًا منظمًا يذكر الحقيقة بصورة جميلة جمع بين التاريخ لأهم آباء الكنيسة وبين الروحيات العميقة واللاهوت كما قدمه اللاهوتيين الكبار بالكنيسة كما عضد الكاتب كل أجزاء الكتاب بالمراجع، الأمر الذي جعل من هذا الكتاب مرجعًا مهمًا.

وأخيرًا أقدّم الشكر لمعد هذا الكتاب لما بذله من تعب في إعداده والحصول على معلومة مفيدة ودقيقة وتقديمها لكل مسيحي يريد أن يتعمق في تاريخ الآباء الأول والذين لهم أهمية عظمى في الكنيسة إذ لا يخلو تعليم أو عظة في الكنيسة أو كتاب لأي كاتب أرثوذكسي من أحد أقوال هؤلاء الآباء.

الرب يعوض تعبه خيرًا ويجعل هذا العمل سبب بركة لكل إنسان

 

غبريال

أسقف بني سويف

 

مدخل للآبائيات

لقد عاشت الكنيسة وتعيش وسوف تعيش بقوة الروح الذي عمل في الآباء الذين أعطوا حياتهم لها وسوف يعطوا. فالكنيسة خالدة ولن تتوقف عن إنجاب آباء وقديسين. وقبل أن نسرد موجزًا صغيرًا عن بعض الآباء سنتعرف أولاً عن:

 

معنى وأهمية دراسة آباء الكنيسة:

الكنيسة عاشت وتعيش بآبائها ومعلّميها الذين ولدوا في أحضانها متعلمين من الروح القدس. ولهذا يلزم:

أ ـ تعريف عام بآباء ومعلّمي الكنيسة وكتاباتهم.

ب ـ تقديم بعض ما كتبه آباء ومعلّمي الكنيسة بطريقة مبسطة يسهل على القارئ فهم ما كتبوه.

ومن المهم جدًا أن نشرح أولاً مَن هو الأب ومَن هو المعلّم في الكنيسة؟ وبعد ذلك نحدد بالتدقيق معنى علم الآباء، حدوده، محتوياته، طريقة بحثه ومكانة الآباء في اللاهوت.

ومن الجدير بالذكر أن نشير إلى أن الكنيسة ليست غنية فقط بأبنائها ولكن أيضًا بمعلّميها.

 

الأب والمعلّم:

الكنيسة تميّز بين الأب والمعلّم:

الأب أو الراعي هو الذي يلد المؤمنين روحيًا ويوجههم ويربطهم بالمخلّص يسوع المسيح عن طريق الروح القدس في الإنجيل والعامل في أسرار الكنيسة.

المعلّم وهو الذي له موهبة خاصة في التعليم حيث يقوم بمسئولية التعليم والتفسير للمؤمنين عن حقيقة الله، ويواجه أيضًا المشاكل الكبيرة والأزمات الشديدة اللاهوتية التي تعترض الكنيسة ويقوم بإيجاد حل لها.

ومن الأهمية أن نوضح أن كثيرًا من آباء الكنيسة كانوا آباء ومعلّمين في نفس الوقت وقد لقبتهم الكنيسة باسم الأب فقط دون أن تذكرهم باسم أب ومعلّم.

فغريغوريوس اللاهوتي على سبيل المثال يذكر في الكنيسة كمعلّم عظيم لكنيسة المسيح بينما كيرلس الأسكندري يُذكر كراعي ومعلّم حكيم في الكنيسة[1].

ومن المعروف أن الكنيسة عندما تعطي أحد أعضائها لقب الأب والمعلّم ليس من فراغ أو بالصدفة وإنما تقوم بالبحث الدقيق جدًا في كتاباته وعظاته وكيف قدم وأعطى للكنيسة.

 

الأعمال والكتب الكنسية وكيف قدّمها كتّابها ومعلّميها:

بصفة عامة قدّم اللاهوتيين لاهوتهم من منابع عديدة منها:

1 ـ الوعظ:

حيث كان من الضرورى إرشاد المؤمنين وتفسير الكلمة لهم حيث عكفوا على معايشة الكلمة وبمساعدة الروح القدس وعظوا المؤمنين عن الحقيقة التي تكلم عنها الكتاب المقدس.

 

2 ـ إظهار الحقيقة ومواجهة الهراطقة:

هنا تظهر محاولة اللاهوتيين في مواجهة الآراء والتعاليم الخاطئة التي قام بإثارتها أفراد أو أعضاء من الكنيسة أو خارجها حيث إن هذه التعاليم الغير صحيحة صارت وتصير عقبة في تقدم المؤمنين وتمثل خطورة في تعطيل خلاصهم لأن هذه التعاليم لا تعبّر عن الحقيقة، ولكنها خيال كاذب بعيد كل البُعد عن الحق الذي يؤدي إلى الخلاص وحيث أن جزءًا من عمل اللاهوتيين هو توضيح خطورة تلك الهرطقات محاولين إبعادها عن المؤمنين طالبين في ذلك أولاً الخبرة العملية للحقيقة التي عاشها آباء ومعلّمي الكنيسة محاولين في إظهار أخطاء هؤلاء الذين أصروا على أن عندهم الحقيقة وهو ليس صحيحًا، بل بأفكارهم السيئة وتعاليمهم الكاذبة زيفوا الحقيقة التي تكلم وكتب عنها الآباء والمعلّمين للكنيسة والتي تظهر أيضًا في المجاممع سواء المسكونية أو المحلية حيث إن الروح القدس كان مشاركًا وحاضرًا في بعض هذه المجامع وأضاء بوضوح، حيث قامت بإيضاح الكتب والتعاليم الفاسدة التي ضد التقليد وتعاليم الكنيسة.

ونستطيع أن نقول إن الآباء في إظهارهم للحقيقة الإلهية كانوا مفسرين للتدبير الإلهي لخلاص الإنسان أى عمل الثالوث لأجل البشرية.

وهنا يجب الإشارة إلى أن جزءًا من الكتابات المسيحية هذه كانت ردًا على أصحاب مذهب الغنوسية (مذهب الخلاص بالمعرفة) وأيضًا للعالم بصفة عامة سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن.

 

3 ـ صياغة الخبرة الإلهية:

أعضاء الكنيسة الذين لهم مع الروح القدس خبرة خاصة نتيجة الحياة التي عاشوها مع الحقيقة كاملة وعميقة قد اعتبروا أنه من الجيد صياغة هذه الخبرة العملية بصفة خاصة وكل تعاليمهم التي تعلّموها وعاشوها مع الروح القدس لاقتناء هذه الخبرة بصفة عامة.

الكنيسة منذ البدء كانت لها الرؤية الواضحة والتي بها ميزت بين الآباء الحقيقيين الذين أعطوا حياتهم للمسيح ولأولاده بلا حساب وبين مَن دعوا من الآخرين آباء. وهذا واضحًا ليس من التقدير والاحترام الذي أعطته لهم الكنيسة ولكن أيضًا بالطريقة المثلى في عطائهم للمؤمنين الذين في الحقيقة كانوا نورًا في العالم بطريقة حياتهم، في عطائهم، في سخائهم، بالإضافة إلى أنهم تركوا ثروتهم القلبية والعقلية في كتبهم التي هى كنز معطي باستمرار.

 

4 ـ العبادة والطقوس:

كان الاهتمام والعناية الأولى في تكوين الكنيسة هو ترتيب الأسرار والطقوس كسر المعمودية وسر التناول .. الخ، وغيرها من الأسرار على مضي الوقت، وهكذا تكونت النصوص الليتورجية خطو خطوة وكانت نتيجة ذلك أن المؤمنين عاشوا في المسيح متمتعين بالحياة الليتورجية مثمرين بذلك الألحان والأناشيد والتسابيح الكنسية.

نستطيع أن نفهم من العناصر السابقة أن الكتابات الآبائية التي ساعدت في خلق اللاهوت الكنسي الأصيل تساعدنا نحن أيضًا في تمييز الكتابات الصحيحة من غير الصحيحة.

 

اللاهوتي الحديث والتمييز بين الأب والمعلّم:

بعض اللاهوتيين المحدثين لم يعطوا الأهمية اللازمة لهذا التمييز بين الأب والمعلّم في الكنيسة، وذلك هروبًا من مشقة البحث، لأن هذا التمييز يستلزم من الباحث أن يفتش بالتدقيق في حياة وكتابات هؤلاء الآباء والمعلّمين ليرى الصورة بوضوح ويكشف الدور الذي قام به كل منهم وما قدمه للكنيسة في مسيرتها اللاهوتية الشاقة.

 

الآباء النساك:

وإلى جوار هذا التمييز السابق بين الأب والمعلّم هناك قديسون عظماء في الكنيسة الذين قدموا بحياتهم وسيرتهم وجهادهم في الجسد، قدوة للمؤمنين وصاروا نموذجًا يحتذى به، أمثال: القديسون الأنبا أنطونيوس، والقديس الأنبا بولا السائح، والثلاث مقارات القديسين، والقديسة مريم المصرية، وغيرهم كثيرون من الناسكون والناسكات، ومنهم من وصل إلى حالة التطهير الكامل، إذ كانت لهم شركة عميقة مع الإله الحق تبارك اسمه وكانوا مملوءين من روح المسيح القدوس. وكثير من هؤلاء القديسين لم يتركوا لنا كتابات في التعليم اللاهوتي والعقائد الكنسية ولكنهم تركوا لنا حياة معاشة تشرح اللاهوت والعقيدة عمليًا. دور هؤلاء القديسين في الكنيسة لا يقل في الأهمية عن دور الأب أو المعلّم.

 

الآباء كتبوا لاهوتهم مستضيئين بنور الروح القدس:

كتابات آباء وملعّمي الكنيسة كانت ثمرة شركة حقيقية مع الروح القدس. كما يقول القديس غريغوريوس النيسي [ الأنبياء والرسل وكذلك الرعاة (الآباء) والمعلّمون تغنوا بالروح القدس]. ولهذا فالكنيسة تعتبر كتاباتهم هذه ـ والتي تسميها الكنيسة بالتقليد ـ أنها تلي الكتاب المقدس مباشرةً في الأهمية كما أنها تعتبر العامل الأول في فهم الكتاب المقدس نفسه فهمًا مستقيمًا.

كتابات الآباء تعتبر أن الدخول إلى معرفة الحق والوصول إليه لا يمكن أن يتم إلاّ بواسطة إنارة الروح القدس المعطى مجانًا لأولئك الذين أعطوا حياتهم لله كليةً وبدون تحفظ. ونحن نتكلم هنا عن الحق الإلهي الذي يحرك الفكر وينقي المعنى الذي يظهر في الكلمة المكتوبة أو المقروءة. ومن المهم جدًا أن نذكر هنا أنه بدون قبول إشعاع الروح القدس لا نستطيع أن ندخل إلى معرفة الحق المكتوب في الكتاب المقدس.

ومن المعروف أنه في الأوقات الحرجة التي مرت بها الكنيسة استطاع الآباء والمعلّمون ـ بإنارة الروح القدس وإرشاده ـ أن يعبروا عن التعليم اللاهوتي الأصيل بقوة تفوق التفكير البشري[2]، وذلك برهان واضح على إيمان الكنيسة العظيم الذي حفظ بقوة بواسطة هؤلاء الآباء العظماء، حيث إن تعاليمهم ليست آراء شخصية بل هى تعاليم جامعة تابعة لتعاليم الرسل مكملة لها.

 

الحقيقة وكيف قدّمها الآباء في كتاباتهم:

الحق الذي يتطابق مع الوحي الإلهي يعطي للإنسان بطريقة إعلانية. الحقيقة هى الإله الحق أى الثالوث القدوس وعمله لأجل خلاص الإنسان، أعلن للإنسان بطريقة تدريجية: مرحلة الناموس ثم مرحلة الأنبياء ثم مرحلة الإنجيل (أى الاعلان الذي تم في تجسد الإلله) … ثم مرحلة يوم الخمسين. وهذه المرحلة هى مرحلة القيادة بالروح القدس في الكنيسة[3].

وفي هذا الصدد يذكر أبونا ومعلّمنا القديس كيرلس الأسكندري بكل وضوح [ أن الابن الوحيد الجنس يعلن عن نفسه بصفة مستمرة ][4]. ويذكر أن نور الروح القدس يعلن الرب نفسه. وهذا الخط في التعليم يتبعه معظم الآباء الذين جاءوا بعد كيرلس.

ومن الجدير بالذكر أن الآباء اعتمادًا على قول المسيح مخلّصنا له المجد أن هناك حقائق أخرى غير التي قالها المسيح لتلاميذه، سوف يعلّمهم إياها الروح القدس كاملة: ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون الآن أن تحتملوا. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق ” (يو12:6ـ13). وكلمات المسيح هذه تقودنا إلى الطريقة التي تكشف لنا الحق الإلهي (أى عن نفسه).

وطالما أن المسيح لم يخبرنا عن الحقيقة كلها وأن الحقيقة الكاملة موجودة في شخصه، فهذا معناه أن الحقيقة الكاملة في عمقها واتساعها لا يمكن أن تعلن بسهولة. ورغم أن التجسد الإلهي هو الحقيقة ـ إذ أن الكلمة ظهر في الجسد ـ ولكن هذا الاعلان لا يعني أن الكلمة المتجسد أظهر الحقيقة وأعلنها كاملة بكل أعماقها وأبعادها. وحينما نتكلم عن الاعلان الإلهي أو اعلان الحق فنحن نعني أن الله يظهر الحقيقة للإنسان في شكلها العام. والإنسان الذي يجاهد ويطلب الاستمرار في الصلاة بالروح ينال الاعلان الإلهي ويشترك في الحقيقة ويعرف الحق والحق يحرره.

إن معرفة الحق ضرورية للإنسان الذي يبحث عن خلاصه فمعرفة الحق إتحاد بالله الذي هو حياة جديدة للإنسان. وحيث إن الكنيسة تعلم أن خلاص الإنسان هى حياته وبدون الخلاص فهناك الموت، لذلك أصبحت معرفة الحق أى الشركة في الحق هى مسألة حياة أو موت. وأصبحت هناك ضرورة أن يتعلم أعضاء الكنيسة الشركة مع الحق والتمييز بين الحق الأصيل وبين التعاليم المزيفة التي هى ليست حقًا بل كذبًا.

 

ملء الاعلان الإلهي:

اعلان الله للبشرية قبل المسيح كان ناقصًا. لذلك أعلن الله عن نفسه في الكلمة المتجسد حيث كانت الحقيقة، وبالتالي فإن اعلان الحقيقة في شخص المسيح كان كاملاً وفي ملء أصالته والتي يعلنها كاملة الروح القدس.

 

وهنا يُطرح التساؤل: هل المسيح الذي هو الحقيقة صار تاريخًا ماضيًا اندثر؟

بالطبع لا نستطيع أن نقول ذلك لأن مسيح التاريخ مسيح حيّ حاضر بدوره في الكنيسة الواحدة المقدسة وتدبيره في الجسد هو لأجل خلاصنا وخلاص كل البشرية في كل الأزمان ” الذي نجانا من موت مثل هذا وهو ينجي الذي لنا رجاء فيه أنه سينجي أيضًا فيما بعد ” (2كو10:1).

ونحن عندما نبحث ونفتش عن الحقيقة لا يقلل ذلك من الاعلان بل يكمله ويتممه وينقيه من أى تعاليم فاسدة أو دخيلة.

عندنا في ذلك أعظم مثل آباء الكنيسة حيث استطاعوا أن يتعمقوا بأبعاد مختلفة في فهم الحقيقة بمساعدة الروح القدس وواجهوا هؤلاء الذين بجهلهم رفضوا الإله الحقيقي وتبعوا الإله المزيف الذي صنعوه بفكرهم الخالي من الحقيقة. نجد في ذلك أمثلة كثيرة ففي مطلع القرن الرابع تقريبًا ظهر آريوس بتعاليمه الفاسدة والتي تشوه كل الحقيقة ولكن كما ذكرنا أن آباء الكنيسة كانوا قديسين وعظماء حيث كانوا عمالقة في البحث والتنقيب عن الحقائق الإلهية، فيظهر العظيم أثناسيوس في نفس العصر ليؤكد لآريوس أن تعاليمه فاسدة وليست حسب المكتوب وليست حسب تعاليم التقليد الكنسي بأدلة لاهوتية وفلسفية قوية.

لابد من أن تقتنع أنه بالرغم من أننا في شركة مع المسيح (الكلمة) لا نعرف الكثير عنه ونحتاج إلى الجهد والكفاح الدائم المستمر لنعرف هذه الحقيقة التي تعلن عن طريق الروح القدس الحيّ الحاضر بيننا. التاريخ يؤكد أن الحقيقة لم تعطَ وسوف لا تُعطى لأناس مظلمي الفكر، ولا لأناس يتكلمون عن الله نظريًا بدون حياة وشركة معه ولا لمن أغلقوا الأبواب في طريق الفكر المفتوح، بل لهؤلاء الآباء العظماء الذين فتحوا نوافذ عقولهم وقلوبهم لكل فكر ممتحنين كل شئ بالتدقيق فاحصين كل شئ بالروح.

هنا يتضح كيف يقود الروح القدس هؤلاء الأمناء المخلصين إلى اكتشاف وفهم الحقيقة، حيث إنه لا يوجد لاهوت بدون اعلان عن الحقيقة “كل الحقيقة”[5]. وعلى هذا الضوء فإن مشكلة طبيعة المسيح، على سبيل المثال، في القرون الأولى كانت مشكلة لم يشار إليها[6] من قبل لا في نصوص الكتاب المقدس ولا في التقليد مع أن المسيح تكلم عن نفسه وجاء الرسل وتلاميذه متكلمين عنه إلاّ أن هذا الموضوع أعلن عن طريق الروح القدس بواسطة آباء الكنيسة أمثال كيرلس الأسكندري وغيره.

سنتكلم في هذا الموضوع بإيجاز فيما بعد.

نحن نؤكد أنه في حقل اللاهوت الآبائي توجد طريقة حية قوية يتم عن طريقها النجاح والتقدم في فهم ومعرفة الحقيقة التي كانت بداياتها وأساسها وجوهرها الكتاب المقدس والتي أيضًا ستظل غير معلنة بالكامل. إن التقدم في معرفة هذه الحقيقة يتحقق عن طريق الروح القدس مستخدمًا بعض أعضاء الكنيسة والذين صاروا آباء ومعلّمين فيها.

غريغوريوس اللاهوتي ويوحنا ذهبي الفم في توضيحهما وتفسيرها لكيفية إعلان الله عن النفس البشرية ويذكرون أن مسيرة الإعلان كانت في تطور، فيقولون إنه كان مستحيلاً وغير منطقي إطلاقًا أن يبدأ المسيح رسالته بالإعلان عن نفسه أنه مساو للآب، كيف يكون ذلك وهم لا يستطيعون أن يدركوا أو يفهموا [ مَن هو الآب ومَن هو الابن ][7].

في حديث غريغوريوس اللاهوتي عن الاعلان يقول[8]: إنه من الخطأ أن نظن أن الله سوف يعلن عن نفسه للإنسان ما لم يطلب الإنسان ذلك بصبر طويل باحثًا ومفتشًا عن ذلك وبالتالي على الإنسان أن يطلب فهم الاعلان في سعي مستمر وبدون ملل وذلك واضح تمامًا في أعمال الآباء وكيف كان لجهادهم المستمر مع الحقيقة أن عرفوا بعضها وستعلن لكل مَن يطلبها كما طلبها هؤلاء.

 

الحقيقة عند الآباء:

الحقيقة التي تكلم عنها الآباء كإجلاء وتوضيح للإعلان الإلهي:

بعد كل ما ذكرناه هذا نطرح السؤال التالي:

ما هو اللاهوت الذي قدمه الآباء؟ أو ما هى الحقيقة التي عبر عنها الآباء وقدموها كنتيجة للفهم الأصيل للحقيقة التي جاء بها الإنجيل والتقليد؟

في البداية نريد أن نوضح أنه طالما هو فهم للحقيقة فما قدمه الآباء ليس هو حقيقة جديدة. فالقديس إيريناؤس يذكر مؤكدًا أن الأب اللاهوتي لم يأت بمسيح جديد ولا بإله آخر ولكنه يدخل بعمق إلى هذه الحقائق الإلهية الموجودة، والعمق هنا بكل أبعاده سواء النظري في البحث والتعمق أو بحياته فيعيش العمق. فكل مَن عاش العمق بدموع وأنين ومعاناة مرة صنع طرقًا جديدة لم تكن جديدة لم تكن مسلوكة من قبل وهذا بالفعل ما حققه الآباء في تعمقهم. معطين إجابات وحلولاً للمشاكل التي كانت، وهذه الإجابات هى توضيح وتفسير للحقائق الموجودة، كما قلنا.

والحقيقة التي نحن بصددها الآن لا يتم الاعلان عنها ومعرفتها بمحاولات الإنسان الفردية فقط بل بمساعدة التدخل الإلهي. فالحقيقة التي نحن بصددها الآن يتم الاعلان عنها في كثير من الأحيان عن طريق مساعدة الروح القدس العامل في الآباء والمعلّمين والمشترك معهم في الاعلان عن هذه الحقيقة.

وعندما لا يتدخل الروح القدس في الاعلان عن الحقيقة الغير واضحة يكون التوضيح غير مقنع، والتفسير يكون خطرًا.

بل بالعكس بدلاً من أن يكون تفسيرًا وتوضيحًا لشئ غير واضح فإنه يزيده تعقيدًا ويؤدي إلى هرطقات حيث يكون منبعها الخيال عند هؤلاء الذين ظنوا ويظنون إلى يومنا هذا أنهم آباء ومعلّمين أن الروح القدس يقودهم في أمور ومواضيع ومشاكل الإنسان العصري، فيضعون رؤيتهم ويجدون حلولاً ليست لها علاقة إطلاقًا بالحق وبدلاً من أن يقودوا الإنسان إلى معرفة الحق، يضللوه بضلالهم البعيد كل البعد عن روح الله، هذا ينطبق سواء على مشاكل الإنسان أو تعاليم الكنيسة العقائدية.

فعلى سبيل المثال نجد موضوع العلاقة بين الآب والابن والذي كان مشكلة خطيرة وضخمة في القرن الرابع وتعبت منه الكنيسة تقريبًا قرنين من الزمان وهى تبحث في ذلك الموضوع الذي لم يكن واضحًا تمامًا لا في الكتاب المقدس ولا في التقليد ولكن بعمل الروح القدس مع آباء الكنيسة ومعلّميها وجدت الكنيسة حلاً لتلك المشكلة التي أضرتها كثيرًا وأرهقتها.

وبواسطة التعبير الآبائي اليوناني “أوموسيوس” الذي يعني “الواحد في الجوهر” أو المساوي في الجوهر” خرجت الكنيسة من هذه المشكلة.

إن ما قدمه الآباء للمؤمنين وللبشرية شئ عظيم له لمعانه ونوره كنتيجة للشركة مع نور الروح القدس[9].

وحسب تعبير القديس أثناسيوس الكبير[10] أن الله أعلن عن نفسه لبعض المؤمنين اللاهوتيين الذين عندهم، أو أعطيت لهم موهبة فهم الاعلان، حيث إنهم أمناء من كل جهة.

 

العطاء الذي قدمه الأب والمعلّم هو تفسير وتوضيح وليس تعديل أو معرفة عقلية إجتهادية:

في كل مسيرة الكنيسة فإن الأب والمعلّم دائمًا ـ بواسطة استنارة الروح القدس ـ يقدم شئ أكثر مما هو موجود لتوضيح الحقيقة، حيث إن أساسهم في ذلك ومرجعهم هو الكتاب المقدس وبالتالي مع الوقت تكونت النواة اللاهوتية الآبائية والتي كان التاريخ والفلسفة أيضًا من مراجعها.

هذه النواة اللاهوتية التي كونها الآباء والمعلّمون والتي توضح الحقيقة في اتساعها. هل تعني يا ترى تعديلاً للإعلان الإلهي؟ أم هى شئ آخر؟

وبتوضيح أكثر: هل الآباء قاموا بتعديل ما أخذوه من المسيح رب المجد ومن الآباء الرسل؟ بالطبع لا!

كل ما هو موجود في الكنيسة كحقيقة هو أصيل وحقيقي ولا يقبل تعديلا أو تصحيحًا لآنه صحيح في أصالته. إن كل تعليم معلن هو عمل الله لأجل خلاص الإنسان، والذي هو أصيل في كل العصور من القرن الأول الميلادي حينما أعلن، وحتى يومنا هذا. لأنه إذا كانت التقدمة اللاهوتية التي قدمها الآباء هي تعديل لمسيرة الإعلان الإلهي، لكان هذا دليًلا واضحًا على أن عمل الآباء هو رفض وإنكار للكنيسة وليس مكمًلا لها. إن تعاليم الآباء في الكنيسة هي إضافة خبرتهم الإلهية للحقيقة التي هي حصيلة استنارتهم بالروح القدس[11]، إلى الحقيقة.

إن الروح القدس هو الذي يعطي الكلمة التي تكلم بها الآباء وهو الروح القدس نفسه الذي انسكب على تلاميذ يوم تكوين الكنيسة “يوم الخمسين” والذي كان وسيكون،وينسكب ويعلن لكل إنسان ينسكب بإيمان وإخلاص وبروح التواضع والانتباه لعمل الروح القدس الذي لا يحجز نفسه عن الأمناء.

إن الكنيسة بواسطة آبائها ومعلّميها الموهوبين من الروح القدس لمعرفة[12]وتمييز الحقيقة التي يعيشونها كخبرة حية، تنمو وتتقدم، وهذا في حد ذاته ربح عظيم للكنيسة. إن الحقيقة ليست هى في زيادة ولا نقصان ولكن هى متطابقة مع الحقيقة الإلهية[13] أى أن الإنسان تتسع خبرته في فهمها.

في كثير من الأحيان يحدث ليس في موضوع الحقيقة وكيف قدمها الآباء في كتاباتهم، وهل هى حقائق أخرى بخلاف الحقيقة الإلهية أم هى نفسها؟ وإن كانت هى نفسها فماذا قدم الآباء؟

كل هذه التساؤلات تعطى للقارئ فرصة للبحث ونحن قد أجبنا على بعضها. ويأتي القديس باسيليوس الكبير يقول[14].

” لا تضع في الكنيسة قوانين تؤهلنا إلى مزيد من الحقائق ولا عقائد جديدة، وإنما هو مزيد من التمثل بالآباء الرسل الذين شرحوا الحقيقة.

 

الآباء والكتاب المقدس:

إن التعاليم التي قدمها آباء الكنيسة ومعلّميها الذين كانت لهم خبرة ومعرفة بالحقيقة لم يكن لها طابع الإنفصالية أو الآراء البعيدة عن الواقع، بل كانت حياة معاشة وتعاليم وفقًا لتعاليم الكتاب المقدس ولهذا فإن كل ما قدمه هؤلاء للمؤمنين، والذي صار فيما بعد تقليدًا لها، له نفس الخط والتعاليم الواردة في الكتاب المقدس. إن فكر الآباء وتعاليمهم نابع ومؤسس على تعاليم الكتاب المقدس وذلك لأن عندهم الاقتناع التام بأن الكتاب هو موحى به من الله ويعبر عن الحقيقة ” الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهبًا لكل عمل صالح ” (2تيمو16:3).

لقد وجدوا في الكتاب المقدس أنه يعبر عن الحق وليس هو الحق لأن الحق الإلهي لا يستطيع كتاب أو كتب أن تحتويه لأن الحق هو الله.

إن الآباء أدركوا بوعي هذه الحقيقة وهى أن نصوص الكتاب هى نور من الرموز المستخدمة للتعبير عن الحقيقة الإلهية. أو بمعنى آخر: فقد رأى الآباء أن العناية الإلهية قد استخدمت كلمات وتعبيرات كرموز بواسطة الإنسان لتعبّر عن الخلاص الذي أعده الله للبشرية. إن آباء الكنيسة ومعلّميها أكدوا في كتاباتهم العديدة أن كلمات الكتاب المقدس سواء في ذاتها أو في معناها تخفي ورائها معاني كثيرة جدًا تحتاج إلى الكثير في فهمها.

الآباء في كتاباتهم عن الحقيقة قد قاموا بتوضيح الكثير من كلمات وتعبيرات الكتاب والتي كانت صعبة في فهمها، فالحقائق التي كتبوا عنها وتكلموا وعاشوها هى مرتبطة تمامًا بالكتاب، هذا إذًا لم تقل إنها هى نفسها وأن الجديد الذي جاءوا به هو تفسير ما هو مخفي وراء الكلمات والتعبيرات ورموز الكتاب المقدس.

والآباء في مجموعهم قد وضعوا معيارًا للكلمات التي تكلموا بها ومدى أصالة ما كتبوه وما سيكتب فيما بعد ومطابقته لما كتب في الكتاب المقدس وأن المعيار الذي وضعوه هو الفاصل بين الردئ والأصيل فيما كتب، وهل كل جديد يكتب هو أصيل مستضيئ بالنور الإلهي؟!

وعلى العكس من ذلك كان الهراطقة الذين لهم خطهم البعيد عن الحقيقة الأصلية. فقد استخدموا خيالهم في تفسير وتوضيح المكتوب بعيدًا كل البعد عن نور الروح القدس[15]. بنوا وصنعوا آراءهم بأفكار مظلمة بعيدة عن الحقيقة.

وعندما يتكلم الآباء ع عمل الروح القدس في توضيح ما هو صعب أو إضافة ما هو جديد بالطبع هذا لا يلغي إطلاقًا الفكر الإنساني أو بتعبير أدق لا يلغي العمل الإنساني في الشرح والتفسير فالروح[16] فقط يرشد ويقود. فمن أعمال الروح القدس أن يوضح ويساعد الإنسان أن يقبل الحقائق التي لم يكن يعرف عنها شئ أو يعرف عنها القليل جدًا.

إن كل تعاليم سواء عقائدية أو غيرها لا تقدم للإنسان شئ يجعله يتقدم في طريق المعرفة الأصيلة للحقيقة، تعد تعاليم فاسدة ضد الكنيسة ومن الضرورى أن نوضح أنه على الرغم من أن تعاليم الآباء والقديسين والمعلّمين في الكنيسة الأولى والتي لها مكانتها التي لا تقل إطلاقًا في قيمتها عن قيمة الكتاب المقدس، وفي نفس الوقت ليست هى تكملة له، وإنما هى مواضيع قد تكون مؤقتة أو مستمرة، لبعض احتياجات المؤمنين والتي لم تكن واضحة في الكتاب المقدس وأيضًا بعض المشكلات التي أُثيرت سواء من المؤمنين أو من الهراطقة الذين أرادوا أن يضروا الكنيسة بأفكارهم المضللة وإصرارهم عليها. ومن بين هذه المواضيع:

  • بتولية مريم والدة الإله.
  • طبيعة المسيح.
  • ألوهية الابن.
  • ألوهية الروح القدس.
  • انبثاق الروح القدس.
  • احترام وتكريم القديسين.
  • تكريم الأيقونات المقدسة.

ومن خلال هذه المواضيع والمشكلات وغيرها استطاع آباء الكنيسة ومعلّميها مع عمل الروح القدس فيهم أن يقوموا بالشرح والتوضيح لها حيث عاشوا هذه الحقائق في أصالة تامة فكان التعبير والشرح أصيل خالي من السلبيات.

 

الكنيسة الأرثوذكسية وأصالة أبنائها:

الكنيسة قبلت حضور الآباء في أحضانها وعاشت بهم حيث كان لهم الطريق الأرثوذكسي الأصيل. كان في وعى الكنيسة أن آبائها ومعلّميها كانوا استمرارًا وامتدادًا للرسل.

إن الروح القدس الذي أنار[17] الرسل وأرشدهم في طريق خلاص المؤمنين. أرشد[18] أيضًا الآباء في طريقهم.

طالما أن الآباء هم امتداد واستمرار الرسل فبالتالي فإن أعمالهم أصيلة لها كل الاحترام والتقدير من الكنيسة لأنهم في الحقيقة حجارة أساسية ملتصقين وملتحمين بحجر الزاوية المسيح.

إن الثقة الكاملة من الكنيسة في الآباء أدى إلى التقدير والاحترام للاهوتهم المعبر عن أصالة الكنيسة.

إن الدعامتين الأساسيتين اللتين اعتمد عليهما الآباءء في كل أعمالهم التي يعتمد عليها اليوم كل لاهوتي أصيل يطلب خلاص المؤمنين ويشرح لهم اللاهوت سواء النظري أو العملي هما الكتاب المقدس[19] والتقليد[20] لأن في الحقيقة بدون هذين لا تستطيع الكنيسة أن تحيا.

هل كل ما يكتبه الأب أو المعلّم سواء في شرحه لبعض المواضيع اللاهوتية أو الآراء التي يقمها للكنيسة تعد صحيحة خالية من الأخطاء والعيوب والانحرافات؟ هل يا ترى كل ما يكتبه الأب أيًا كان يدخل تحت التقليد الكنسي؟ هل يا ترى الآباء لم يخطئوا؟

والمشكلة تزداد تعقيدًا حينما يطرح سؤال آخر، نحن نعرف أن الآباء أكملوا ما بدأ به المسيح والرسل فهل أكملوا بأخطاء أم هم أيضًا كانت لهم العصمة من الخطأ؟

 

هل الآباء كانت لهم العصمة من الخطأ أم أخطأوا؟

نحن نذكر أو نصيغ هنا عنصرين من خلالهم تدور الإجابة أو بعض الإجابة:

1 ـ أن الآباء صاغوا لاهوتهم بواسطة استنارة الروح القدس.

2 ـ أن الآباء نعم أخطأوا وكانت لهم أخطاؤهم الخاصةوليست العقيدية.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف نطابق العنصرين معًا؟

إن حقيقة استنارة الروح القدس للآباء هو شئ لا يقبل النقاش، فبالحقيقة تكلم الآباء بالروح القدس وكان من نتيجة ذلك أن الكنيسة أخذت تعاليمهم الصحيحة وأدخلتها على التقليد كمكمل له لأن هذه التعاليم كانت متفقة تمامًا مع الكتاب المقدس والتقليد حيث كانت المجامع المسكونية التي أفرزته ونقحته وتأكدت من أنه خال من كل انحراف أو خطأ.

وكان حرص الكنيسة على فحص أعمال الآباء لأنها كانت تعلم تمامًا أنه توجد بعض الأخطاء التي سقط فيها بعض منهم. والكنيسة تدرك أن هذه الأخطاء ترجع إلى ضعف الطبيعة الإنسانية في شرح وتفسير الحقائق الإلهية.

الآباء في أخطائهم التي وقعوا فيها لم تكن في مواضيع كانت الكنيسة في حاجة ملحة إليها ولا في موضوعات خاصة بخلاص الإنسان، لأن هذه المواضيع لم يعد للرأي الشخصي مجالاً للحوار فيها بل قاد[21]. فالكنيسة دائمًا يقظة في كل خطواتها ونظرتها الشاملة للأمور فلا تقلل من قيمة الأب الذي في طريقه (يخطئ) ولا تزيد قداسة الأب الذي (لا يخطئ) وإنما هى تعلم تمامًا ما هو الإنسان، والذي يهم الكنيسة في هذا المجال هو ألا يستمر الأب في خطاه أو بمعنى آخر ألا يستمر في توسيع الخطأ. نحن ننظر إلى نهاية سيرتهم ونتمثل بهم، ولاسيما في حالة القداسة التي وصلوا لها بفعل عمل النعمة الإلهية وجهادهم المستمر.

 

الدقة والتدقيق والتنوع والتميز التي كانت عند الآباء:

وهنا أيضًا نشير إلى آباء الكنيسة التالين لا يأخذون ما كتبه الآباء السابقين على ما هو عليه بدون نقاش وبحث بل فاحصين كل شئ بالتدقيق. إن كل أب من آباء الكنيسة يمثل ينبوع يعطي في كل اتجاه. فهم قد شربوا وتغذوا من أمهم الكنيسة وعاشوا الإنجيل وتعلموا وعرفوا التقليد فكانت خلاصتهم الروحية واحدة وجوهر الحياة الروحية واحد عندهم، ولكن سنجد أن كل أب منهم له مميزات محددة ورأي قد لا نراه عند غيره وهناك أمورًا كثيرة لعبت دورًا في ذلك.

وليس مجالنا هنا أن نحصرها، مركزين فقط على أن العصر الذي عاش فيه كل أب يختلف عن الآخر والمشاكل التي واجهت الكنيسة وقتها تختلف عن غيرها. فنرى أنه كل واحد منهم قد انفرد بشئ مختلف، فعلى سبيل المثال لا الحصر نجد أثناسيوس وموضوع “مساواة الابن للآب في الجوهر” (أوموسيوس) وكيرلس وموضوع طبيعة المسيح، غريغوريوس وموضوع انبثاق الروح القدس من الآب.

حيث إن انفراد الأب وتخصصه وتركيزه على هذا الموضوع بالذات جاء نتيجة أزمة ومشكلة كبيرة كانت في عصره ولم يوجد وقتها حل، ولم يأت الحل سريعًا لهؤلاء بل كان صراعهم المستمر مع الحقيققة وانسكابهم بدموع حقيقية أمام الله أعطيت لهم الحقيقة التي استطاعوا بها أن يخلصوا الكنيسة من الأزمات التي مرت بها وتقديم الطريق السليم للخلاص للمؤمنين.

وقد كانت الكنيسة مضطربة وقت إثارة هذه المشاكل والتي لم يكن أمامها حلاً واضحًا. واهتمامها كان كامنًا في ألا يضيع خلاص بعض المؤمنين وبالطبع كان هذا يتوقف على مدى حدة المشكلة. فنجد أن موضوع الأزمة الذي ظهر في القرن الرابع بعد المسح تقريبًا والخاص بالثالوث كان موضوعًا خطيرًا فقد أراد المؤمنين أن يتأكدوا من ألوهية الروح القدس لأنه إن لم تكن هناك ألوهية للكلمة فلا خلاص للإنسان مع المسيح وبالتالي فلا خلاص للبشرية وهنا يصير واضحًا كم كانت الحاجة ضرورية في كل مرة تنشأ مشكلة في الكنيسة أن يجد آباءها ومعلميها لها حًلا[22].

 

الآباء والخبرة:

1ـ المرحلة الأولى:

مما لا شك فيه أن الآباء في بحثهم عن الحقيقة الإلهية بكل أبعادها وأعماقها كان الهدف هو أن يعيشوا هذه الحقيقة لأنفسهم أو بمعنى آخر أنهم أرادوا أن يكونوا على يقين تام أنهم يتبعون الحقيقة وليست خرافات[23]، فهم لم يأخذوا الأمور على ما هي علية بل فتشوا عن الحقيقة التي هي حقيقة أصلية ووجدوا في النهاية أنهم بالفعل لم يعبدوا خيالات أو خرافات وإنما يعبدون الإله الحقيقي.

 

2ـ المرحلة الثانية:

وهي أن هذه الخبرة الإلهية التي عاشوها مع الحقيقة تصير رصيدًا للكنيسة وللمؤمنين فبالرغم من أن الخبرة كانت شخصية إلا أن الآباء عرفوا حقيقة أهمية ما عرفوه حتى ولو كان على المستوى الشخصي فبعضهم (بعض الآباء والمعلمين) صاغوا خبرتهم الشخصية في كتابتهم وهم يعلمون أنها ستكون ينبوعًا ورصيدًا سوف تستخدمها الكنيسة على مر العصور.

 

3ـ المرحلة الثالثة:

وهي قيام الآباء والمعلمين بصياغة هذه الخبرة بطريقة يستطيع عن طريقها القارئ أن يستوعب هذه الخبرة. وهنا تظهر خطوط الآباء في التعليم ومكانة كل منهم في اللاهوت وعلى الرغم من أنهم يلتقون ويتفقون في المواضيع الكبيرة إلا أننا نجد أن لكل منهم خطه الواضح والمتميز عن الآخر وذلك نتيجة للاختلاف في خبراتهم وثقافتهم واستيعابهم لبعض هذه الحقائق.

 

الآباء والتعبيرات اللاهوتية الجديدة:

تظهر نقطة أخرى وهى أهمية إدخال الآباء الإصطلاحات الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل. فخبرتهم أعطتهم قوة التعبير التي ولدت لنا كلمات لاهوتية لم تكن موجودة من قبل في القاموس أو في عالم اللغة، وعلى الرغم من أنهم استخدموا كل اللغات سواء الفلسفية، السياسية، المدنية، الفنية، الاقتصادية إلاّ أنهم أنتجوا تعبيرات لاهوتية جديدة، هذا بالطبع لأنهم لم يتركوا مجالاً لم يعرفوه فقد عرفوا كل لغات عصرهم وكل التيارات المحيطة بهم وكان ذلك نتيجة وعيهم بأن المسيحي الحقيقي يجب أن يعلم بكل ما يحيط به في كل اتجاه وعرفوا أنه من الخطورة أن يعلم بدون أن يعرف ما يجري بجانبه لئلا تصير تعاليمه غير نافعة لأنها ستكون بعيدة عن عصره ومشاكله.

ونحن نعلم أن بعض الآباء وصلوا في ثقافاتهم إلى حد بعيد جدًا فقد درس بعضهم كل أنواع الفلسفة التي كانت موجودة في عصرهم وتأثروا بها تأثيرًا إيجابيًا ولم ينحرفوا إطلاقًا في فكرهم بل سعدهم ذلك بالإضافة إلى دراسة الأدب والقانون والشعر والتاريخ ساعدهم على الارتفاع بمستوى الإنسان الذي أرادوا أن يقدموا له يسوعًا مكتملاً وليس ناقصًا، المسيح الكلمة الإله المتجسد فقد اهتم الآباء بكل شئ ولم يحتقروا شئ على الإطلاق بل قدسوا كل شئ أو بالأحرى وجدوا أن كل شئ مقدسًا بعيدًا عن أى انحراف نحن نظنه.

بالتالي فقد وجدنا في الآباء من هو أديب ومن هو شاعر ومن هو فنان ومن هو كاتب ومن هو فيلسوف[24].

وهنا نطرح السؤال:

نحن نعلم تمامًا أن معظم[25] الآباء درسوا باستفاضة الأدباء والفلاسفة اليونانيين وتأثروا بهم إما بقليل أو بكثير، فما الفرق إذًا بين أعمال الأدباء وأعمال هؤلاء الفلاسفة ..؟ فإذا قلنا وهذا صحيح تمامًا أن هؤلاء الفلاسفة وفلسفتهم قد خدمت الإنسان قديمًا وتخدمه وستخدمه غدًا لأن الفلسفة كما تعلم هى أيضًا غذاء نافع للإنسان.

 

الفرق بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة:

ويمكن هنا في كلمات بسيطة على سبيل المثال وليس الحصر أن نذكر بعض الفروق بينهم تاركين للقارئ فرصة البحث والدراسة مع التفكير في بقية الاختلافات بين عمل الآباء وعمل الفلاسفة.

 

+ إن الآباء يقومون بتفسير وتوضيح التقليد:

هذا بناء على أسس وقواعد محددة ومعينة بواسطة الاعلان المعلن عنه في الكتاب المقدس، حيث إن عندهم “الحقيقة” ـ كلمة الله ـ المعلن عنها والتي تشكل عندهم مادة موجودة. أما الفلاسفة فليس عندهم حقيقة معلن عنها بل هم بنفسهم يبحثون عن الحقيقة وقد يدونها وقد لا يجدونها.

ومما لا شك فيه أن الآباء حاملين ومعبرين عن الحقيقة الواردة في الكتاب المقدس كما في التقليد. ولم يكن هذا عمملاً سهلاً بل أن اكتشاف الاعلان الإلهي هذا كلف الآباء والمعلّمين دموع وجهاد كما صارع يعقوب مع الله حتى طلوع الفجر.

وهذا يظهر عمل الآباء في هذا المجال على النحو التالي:

 

التعبير عن الحقيقة الإلهية وكشفها للإنسان المعاصر:

الذي يعاني من بعض المشاكل التي في كثير من الأحيان تكون مدمرة وخطيرة مؤكدين لإنسان العصر أن يسوع المسيح هو المنتصر على كل روح مدمر وهو المحتضن لخائفيه ومنجيهم مسيجًا حولهم بسياج حبه وإذا قمنا بدراسة موضوع محدد عند بعض الآباء تجدهم قد أعطوا اعتبارًا لكل ظروف عصرهم مؤكدين على ما يجب أن يعمله ويتبعه الإنسان ليخوض بسلام معركته مع الزمن.

الدخول نحو عمق الحقيقة:

والدخول نحو العمق ليس من السهل بل يحتاج إلى إنسان عرف كيف يضع كل شئ جانبًا مُضحيًا (بكل شئ) لأجل معرفة الله والشركة العميقة معه، إذ نجد أن معظم آباء الكنيسة ومعلّميها عاشوا ودخلوا الأعماق فكانت حياتهم وكتاباتهم معبرة عن ذلك.

وإذ نجد أيضًا أن الفلاسفة يطلبون الحقيقة بكل أعماقها وأبعادها مفتشين عنها في كل مكان ولكن الطريقة في البحث وما يقدم للإنسان هو من نوع آخر يختلف كثيرًا مع ما يقدمه الآباء والمعلّمين حتى ولو التقوا في بعض الأحيان في بعض الموضوعات.

فالفلاسفة يقدمون الحقيقة ويوضحونها بناء على مقاييس عقلية بحتة فكل ما لا يخضع للعقل فليس من الحقيقة مؤكدين على أن العقل هو الأساس والحاكم في كل شئ وهنا تختلف الطريقة والمعيار وبالتالي تختلف النتيجة.

الفلسفة لا تحتاج أن يعيش صاحبها الحقيقة ليخرجها وإنما عليه فقط أن يدركها بعقله، مختلفين مع الآباء والمعلّمين الذين عاشوا الحقيقة في أعماقهم وفي قلوبهم وعقولهم وأرواحهم فخرجت الحقيقة لأناس مكتملين ناضجين من كل النواحي عقليًا، نفسيًا وروحيًا.

الفيلسوف ليس عنده تقليد ولا ماضي فهو لا يعتمد على أحد قبله في الاكتشاف والبحث وراء الحقيقة بل يقوم بنفسه بإظهارها وقد يكون مختلف تمامًا من سبقوه وبأدلة وبراهين أخرى.

أما الأب والمعلّم فهو يعتمد اعتمادًا كليًا على الكتاب المقدس والتقليد، اللذان بدونهما لا يمكن أن يقدم لاهوت وقد يختلف أحد الآباء مع الآخر في بعض النقاط ولكن الانطلاقة واحدة والأساس وحجر الزاوية واحد.

 

+ الآباء والمجامع الكنسية:

هل يا ترى آباء الكنيسة ومعلميها لعبوا دورًا مهمًا في المجامع المقدسة وساهموا فيها بقوة؟ مما لا شك فيه أن عمل الآباء والمعلّمين وجد سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في المجامع سواء مسكونية أو محلية، ولكن غير واضح تمامًا فقد يكون أحد الآباء عضوا في المجمع أو قد لا يكون عضوًا. فنجد أنه في المجمع المسكوني الأول قد لعب القديس أثناسيوس الكبير دورًا أساسيًا ومهمًا بل كان له أهمية قصوى وذلك دون أن يكون عضوًا في المجلس المكون للمجمع. كما نجد في المجمع المسكوني الثاني أن أثناسيوس الكبير كان أن انتقل في حين قد تغيب القديس غريغوريوس اللاهوتي ورغم ذلك نجد أن قرارات المجمع[26] وتوصياته كانت معتمدة أساسًا بل كليًا على تعاليم هذين الرجلين.

كما أنه في المجمع المسكوني الثالث نجد القديس العظيم كيرلس الأسكندري كان عضوًا ورئيسًا له وهو معروف بدوره اللاهوتي البارز فيه.

إذًا فتعليم المجامع لا يمككن أن يعتبر بأى حال من الأحوال أنه تعليم منفصل عن تعاليم الآباء وسوف لا نبالغ إذا قلنا إنه هو نفسه تعاليم الآباء ومعلّمي الكنيسة.

 

+ كيفية فهم وتفسير كتابات الآباء:

عند الدخول إلى ينابيع كتابات آبائنا نجد أننا بصدد أمور صعبة في تذوقها من ناحية وصعبة في التعبير عنها والاقتراب منها من ناحية أخرى وهذا يرجع في البداية إلى أننا بصدد أمور إلهية وخبرات شخصية عاشت الحقيقة. ولكن بالنسبة للإنسان الذي له خبرة مع الروح القدس وحياة أمينة جادة في جهاده لمعرفة الحقيقة فإن تعاليم الآباء لا تكون صعبة عليه.

وعلى الرغم من أن الآباء عاشوا في العالم وتعاملوا بكل ما فيه واستخدموه على أكمل وجه إلاّ أن تعاليمهم وكتاباتهم كانت شئ مختلف عن مما في العالم أو له طابعه الخاص يصعب التعبير عنه لأنه يعبر عن الحقيقة الإلهية التي شاركوها وتعاملوا معها وعاشوها وعاشوا لها.

ومما لا شك فيه أن المؤمنين الذين لهم شركة وذاقوا الحقيقة يعرفون ويشعرون بمدى ما يتمتع به الآباء من جاذبية وملء وكيف أن بعضهم قد وصل إلى القداسة الكاملة والعشرة الحية مع الله حتى ولو أنهم في بعض اللحظات في حياتهم رأوا الله الكلمة في داخلهم وتكلموا معه.

ولكي يستطيع الإنسان أن يفهم ويفسر ما كتبه الآباء ليس من واجبه فقط أن يعرف كل ما دار وكان في عصرهم من فلسفة واجتماع وتاريخ وحضارة وغيرها لأننا إذا توقفنا عند هذا الحد لكانت شخصية الأب والمعلّم شخصية لا تختلف عن مجرد شاعر أو مؤرخ أو فيلسوف أو رجل اجتماع فقط وإنما لكي يستطيع الدارس أو المهتم بالأمر (الباحث) أن يعرف ما كتبه الآباء ويفهمه ويفسره فعليه بالإضافة لكل ما سبق والذي يمثل فقط جانب المعرفة النظرية لابد وأن تكون له شركة حقيقية مع الأب والمعلّم والتي هى بالضرورة شركة حقيقية مع الروح القدس.

وبالتالي فعلى الباحث أن يحيا شركة حقيقية مع الأب والمعلّم وبالتالي يستطيع أن يفهم ويفسر كل ما كتبه وبدون هذه الشركة فلا فهم حقيقي وتفسير للآباء.

 

+ الهدف من دراسة الآباء:

وهنا يطرح السؤال نفسه:

ما هى القيمة الحقيقية لدراسة الآباء (آبائنا ومعلّمينا)؟

ـ وتأتي في المقدمة أهمية معرفة كيف كان فكر وروح الآباء الذي هو فكرنا وروحنا أو ماذا يجب أن نكون عليه.

ـ معرفة كيف استطاعوا أن يحموا الكنيسة من كل تعليم خارج التعاليم الصحيحة.

ـ معرفة كيف عاش الآباء الحقيقة بكل أبعادها، عاشوها في عصرهم ولم ينسوا أو يتناسوا شيئًا فيها.

ـ وبالرغم من أهمية كل ذلك لكن يأتي الأهم والهدف الأساسي من دراسة الآباء وهو ليس فقط أن نتعلم ونعرف ما عمله الآباء والمعلّمون وعرفوه ولكن لندخل بهم ومعهم إلى الأعماق بالروح القدس الذي دخلوه من الباب الضيق بالصلاة، الذي أدخلهم إلى حظيرة أولاد الله القديسين بالحقيقة، لنعرف بهم ومعهم كيف كانت الحقيقة صعبة ليعرفوها بكل أبعادها. فقد عرفوها وعاشوها بآلام كثيرة وجهاد مرير وكيف كانت قلوبهم تدق بقوة كأجراس الكنائس في البرية عندما كانوا يتقدمون ويتكلمون عن الرب يسوع في كنيسته المقدسة.

ـ ونتعرف عليهم لنعيش معهم في جهادهم وآلامهم وأحزانهم وأفراحهم وكيف كان إيمانهم المطلق في الروح القدس الذي عرفوه عاملاً بقوة فيهم.

ـ لنعرف معنى اللاهوت الحقيقي ونستمد منهم قوة العمل والسر والبحث المستمر في كل ما يقدم إلينا من تعاليم حتى ولو كانت من كبار اللاهوتيين بكل أشكالهم لئلا تكون تعاليم ليس لها أساس من الحقيقة بل غريبة[27].

فنطلب من كل آبائنا القديسين والآباء الذين غادروا الجسد، نطلب منهم أن يساعدونا بصلواتهم وتشفعاتهم أن نكمل خلاصنا نحن أيضًا ونلتقي معهم عند الآب.

القديس باسيليوس الكبير – حياته، رهبنته، قوانينه – د. عصام سامي زكي

القديس غريغوريوس اللاهوتي (النزينزي) – حياته وأعماله وعصره

القديس يوحنا ذهبي الفم – حياته وعظاته وأعماله وعصره – د. عصام سامي زكي

 

 

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

 

 

 

[1] الكنيسة أخذت هذه التسميات أو الألقاب لبعض الأشخاص من المعلّم بولس الرسول حيث اقتدت به لأنه كان أبًا روحيًا أنجب لها أولادًا في المسيح وكمعلّم هذبهم فيه (1كو14:4ـ16).

[2] القديس يوحنا ذهبي الفم في مجموعة مني Migne للآباء باليونانية مجلد 50 صفحة 154.

[3] القديس غريغوريوس الناطق بالإلهيات مجموعة ميني مجلد 36.

[4] القديس كيرلس الأسكندري مجموعة ميني مجلد 74 صفحة 176.

[5] “كل الحقيقة” هنا معناها أنه في كل عصر نحتاج إلى طريقة تفكير مقتادة بالروح القدس لنجد حلول لمشاكل الإنسان المتطورة وكيفية قيادته إلى الخلاص المعلن عنه في الإنجيل. وأيضًا “كل الحقيقة” المقصود بها التفتيش والتنقيب مع عمل الروح القدس عن بعض الصعوبات والتي لم يكن لها حل لولا تدخل الروح المعزي الذي قال عنه المسيح لتلاميذه أنه سيخبركم بكل شئ.

[6] توجد عقائد هامة في الكنيسة بالرغم من أنه لم يشار إليها بنص صريح واضح في نصوص كتب العهد الجديد مثل “طبيعة المسيح” أو “أوموسيوس” = المساواة في الجوهر أو “الوحدة في الجوهر” وغيرها إلاّ أنها تفهم من المحتووى اللاهوتي من معنى نصوص الكتاب المقدس ومن تفسير الآباء الذين قادهم الروح لحل مثل هذه الصعوبات.

[7] انظر ذهبي الفم في تفسيره عن أعمال الرسل الاصحاح الأول: 2.

[8] انظر القديس غريغوريوس، المقال 31 الباترولوجيا 36ـ161.

[9] انظر القديس غريغوريوس اللاهوتي، باترولوجيا 36؟

[10] انظر “القديس أثناسيوس الكبير والمجامع” تحت بند 40.

[11] يذكر غريغوريوس النزينزي في كتابه ، عن الروح الذي ينير الآباء والمعلمين في خبرتهم الإلهية في البحث عن الحقيقة فيقول في إحدى مقالاته “فليأت الروح القدس إليّ لأستطيع أن أعطي كلمة”. أو ترجمة أخرى “إن لم يعمل الروح القدس فيّ لا أستطيع أن أعطي كلمة”.

[12] يقول أستاذ العقيدة والدفاع بابا بترو Papa Petro بجامعة أثينا: إن ” فهم آباء الكنيسة للإله كان نتاج شركة حية مع عمل الله في تاريخ الاعلان الإلهي، وأن تفسيرهم لبعض المواضيع هو بالضبط شرح لهذه الشركة ” اعلان الله ومعرفته، ص41.

[13] هذا ليس معناه أن الحقيقة الإلهية معلنة وسهلة الفهم بدون مشاكل لاهوتية ولكن على مر العصور في القرون الأولى وجدت مشاكل كانت صعبة الحل وضاع للأسف ضحيتها الكثيرون، واحتاجت إلى الفهم الجيد للاعلان لاكتشاف معنى الحقيقة لبعض الأمور التي لم تكن واضحة. ولكن لأن آباء الكنيسة كانت لهم خبرة معها أى حياة القداسة التي عاشوها مع الحق، سمحت لهم في توسيع خبرتهم لفهم الحقيقة فاستطاعوا أن يجدوا حلولاً لهذه الصعوببات.

[14] انظر القديس باسيليوس الكبير في رسالته 223ـ225 إلى أستايوس.

[15] في هذا الصدد يقول ق. غريغوريوس الثيؤلوغوس” إن كل ما يكتب بواسطة الروح القدس محتوى وشامل الحقيقة وأن ما يكتب بدون الروح القدس فلا حقيقة فيه لأنه خالي من الأداة السليمة في التعبير، أى الروح القدس. (الباترولوجيا الجزء رقم 21 )

[16] يؤكد مكسيموس المعترف في بعض مقالاته أن مركز الإنسان هو قلبه الذي يعلن له فيه الروح القدس عن الحقيقة.

[17] انظر القديس أثناسيوس الكبير باترولوجيا الفصل الرابع تحت رقم 18.

[18] انظر الأستاذ: كرميريس أستاذ العقيدة في كتابه اعترافات رقم 12 صفحة 75. فيقول ” .. في سنوات الرسل كان المعلّم والقائد هو الروح القدس فجاء بعدهم الآباء الذي تعامل معهم الروح القدس بنفس القوة .. الخ “.

[19] الكتاب المقدس: هو كلمات الوحي الإلأهي والتي تكون العمود الفقري وحجر الزاوية والذي بدونه لا يمكن أن نتكلم عن أرثوذكسية ولا عن مسيحية.

[20] التقليد: نعني به كتابات الآباء، والذي لم يبدأ بها الآباء وإنما بدأه السيد المسيح والرسل ومن الجدير بالذكر هنا أن الكنيسة لم تخلق من عدم وإنما وجدت في مناخ يؤكد وجود التقليد الذي عاشه بالأخص الرسل مستوحينه من المسيح ثم حدث أن الآباء فسروه ووضحوه.

[21] إن اللاهوتي الأصيل لا يتكلم عن اللاهوتيات من نفسه ولأجل نفسه وإنما يتكلم من النعمة التي أعطيت له من الكنيسة ولأجل الكنيسة، يتكلم ويكتب اللاهوتيات طالما أن الكنيسة تعيش في شركة مع الإله المعلن عن نفسه. وبالتالي فإن التقدمة التي يقدمها الأب أو المعلم أو اللاهوتي الأصيل سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هى تفسير وتوضيح للكتاب المقدس الموحى به من الله. (انظر الأستاذ/ بابا بترو في كتاب الاعلان الإلهي ـ طبعة أثينا 1969 ص10).

[22] والمقصود بالحل هنا الحقيقة الأصلية في كل أبعادها ، والتي تحتاج إلى خبرة حية مع الروح القدس.

[23] لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفنا كم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه بل قد كنا معاينين عظمته” (2بط16:1).

[24] يجب على كل معلّم في الكنيسة اليوم أن يحرص على معرفة كل ما يدور في العلوم الأخرى مثل الأدب والفن والقانون والتاريخ والسياسة وإلاّ أعددنا إنسانًا ناقصًا.

[25] هناك بعض الآباء رفضوا تمامًا كل نوع من أنواع العلوم الأخرى والتي لها علاقة بالفكر مثل علوم الفلسفة وذلك خوفًا من الفلسفة وغيرها التي تضر المؤمن والتي تخفي ورائها الكثير من الأمور التي لها علاقة بالروح والنفس الإنسانية ولذلك اعتبروا أن أى إشارة إلى مثل هذه العلوم مما لا شك فيه سيؤثر على خلاص المؤمن، وفي الحقيقة أن هؤلاء الآباء والمعلّمون الذين رفضوا العلوم الأخرى هم قليلون، وهذا ليس معناه أن هؤلاء الآباء لم يقوموا بدراسة هذه الأنواع من العلوم بل درسوها وعرفوها ولكنهم رفضوها تمامًا وكان خوفهم الأكبر أن تشد هذه الفلسفات المؤمنين واضعين أمامهم أمثال من قرءوا بعض الفلسفات بطريقة خاطئة حيث قادتهم إلى القيام بالهرطقات التي حرمتهم من الخلاص.

[26] وهذا معناه أن الحلول والإجابات على المشاكل التي طرحت في بعض المجامع لم تكن مقتادة بالروح القدس في نفس لحظة انعقاد المجمع وفي نفس المكان كما يقول بعض الباحثين بل هى إجابات وحلول كان بعضها موجود من قبل في كتابات وتعاليم الآباء وكان عمل الروح القدس وقتها (في المجمع) هو اختيار التعاليم الصحيحة والتي تخص المشكلة المحددة ليعتمدها المجمع ويصدق عليها لتصير عقيدة الكنيسة كلها.

[27] من الصعب جدًا ومن المحزن على الإنسان أن يقبل ما يقدم إليه بدون أن يعرف جذوره، فبدراسة آبائنا ومعلمينا وبجانبهم ستعرف كنيستنا الواحدة الجامعة الرسولية الأرثوذكسية.

 

الأقمار الثلاثة (باسيليوس الكبير ـ غريغوريوس اللاهوتي ـ يوحنا ذهبي الفم) مقدمة عن حياتهم وتعاليمهم والأوضاع التاريخية والكنسية – د. عصام سامي زكي

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

 

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

يقول لنا الكتاب المقدس أن نكون مثل الله، ثم يصف لنا صفحةً بعد الأخرى الله كقاتلٍ شامل.

روبرت ويلسون(1)

أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَإِلهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، طَوِيلُ الرُّوحِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَالْحَقِّ.

الملك داود(2)

بينما كنت أسيرُ بين المحققين وأمرُّ بالحراس المنتظمين، استطعتُ أن أشعر باتجاهٍ خفي من التوجس في البيت الأبيض. فرغم جهود إظهار ملامح عمل الحياة اليومية، إلا إنه كان من الواضح أن شيئاً كبيراً يدور خلف الستار. كانت فضيحة مونيكا لوينسكي تتصاعد، وكان الضغط يتزايد على الرئيس كلينتون للظهور بريئاً قبل أن يُصدر المدعي الخاص كينيث ستار تقريره الذي طال انتظاره.

وصل كلينتون متأخراً عن الإفطار بنصف الساعة، وجلس أمامي تماماً. كان وجهه شاحباً، وعيناه متعبتان منتفختان. وفيما كنتُ مهتماً بصحته سألته عما كان يشعر.

فأجابني في همسٍ أجش: لقد كنتُ مستيقظاً حتى الثالثة صباحاً.

تزاحم الطاقم الصحفي في ضوضاء لشغل أماكنهم عند مؤخرة الغرفة، وإذ بالكاميرات تئز بالأفلام والمذكرات قد تجهزت. وقف كلينتون، وخطا خطوات قليلة نحو منضدة. ساد الغرفة سكون. لقد انتهت عفويته المعتادة.

قال للجمع الصغير من القادة الدينيين: ربما لا أكونُ سلساً في كلماتي اليوم كما كنتُ في سنواتي الماضية. لقد بقيتُ لوقتٍ متأخر تماماً الليلة الماضية وأنا افكر وأصلي عما يجب أن أقوله اليوم.

سحبَ نظارته حتى يمكنه قراءة ما كتبه على ورقة. وكانت كلماته هي أكثر تصريحاته عاطفية ودرامية منذ كشفت وسائل الإعلام عن علاقته.

قال وعيناه دامعتان ووجهه متألم: لا أعتقد أن هناك طريقة ساحرة لقول إنني قد أخطأت. من المهم لي ان كل من جُرح يعرف أن الأسى الذي أشعر به هو أسى حقيقي – أولاً والأهم أسرتي، وأصدقائي، وطاقم عملي، ومجلس وزرائي، ومونيكا لوينسكي وأسرتها، والشعب الأمريكي كله. لقد طلبتُ من الجميع الغفران. لقد تبتُ … فلا بدَّ أن تكون لديَّ معونة الله كي أكون ذاك الإنسان الذي أريده أن يكون.

ها هو أقوى إنسان في العالم يقول إنه كان يملك قلباً منسحقاً إزاء تصرفه الاأخلاقي الجسيم مع المتدربة السابقة مونيكا لوينسكي. لقد تلاشت تدريجياً كل مبادراته الاقتصادية، وكل جهود سياسته الدولية وبرامجه الاجتماعية. وكان اتخاذ المرحلة الوسطى هو الشرارة والموضوع الذي يدين الشخصية.

من المتوقع أن يُشكٍل السياسيون صورة عامة إيجابية، ويلمعونها حتى يظهر لمعاناً متألقاً من خلال الإصدارات الصحفية المأجورة، والدعاية الزائفة البارعة، لكن شخصيتهم الحقيقية غالباً ما تنكشف من خلال اختياراتهم الشخصية البعيدة عن الأضواء. إن قرارات إنسان الأخلاقية فيما وراء الستار – ومصداقيته الزوجية وأمانته الرئيسية في علاقته – لهي بالتأكيد ذات علاقة بكيف سيدير عمل الشعب. واخيراً تكشف عن جوهر الإنسان الحقيقي.

عندما كنتُ ملحداً، اعتقدتُ أن المسيحيين بإمكانهم تعليم السياسيين بعض خطط خلق صورة عامة إيجابية. فالمسيحيون يركزون بقوة على ملامح بديعة معينة من شخصية الله – محبته، ونعمته، وغفرانه، وعطفه، ورحمته – لكنهم يُقللون من شأن أو يتجاهلون الفقرات الكتابية التي يبدو أنها تكشف ملامح أكثر إزعاجاً من شخصيته.

عندما يتركز الاهتمام على القصص نادرة الذكر حول مذابح ومجازر العهد القديم، يُرى الله فجأة في شكل مختلف. ومثل كلينتون – الذي سقطت شخصيته العامة البارعة بحرص حالما أُعلنت قصص موثقة حول عبثه خارج الزواج فإن صورة الله كإلهٍ محب متعاطف تناقش بقصص السلوك الانتقامي والقاسي على ما يبدو. هل هذه التقارير الوحشية تكشف شخصية الله الحقيقية؟ ولو كانت كذلك، فهل الله يستحق العبادة؟

تشارلز تمبلتون له رأيه الخاص: إن إله العهد القديم يختلف تماماً عن الإله الذي يؤمن به معظم المسيحيين الممارسين. فعدالته – طبقاً للمقاييس الحديثة – لا تتُطاق … فهو متحيز، وكثير الشكوى، ومنتقم، وغيور على مختاريه.(3)

ويوافقه الرأي الملحد جورج سميث قائلاً: لقد جمع إله العهد القديم قائمةً مؤثرة من الأفعال الوحشية. فلقد كان يهوه نفسه مُغرماً بإفناء أعداد كبيرة من البشر تماماً، عادةً من خلال الوبأ أو المجاعة، وغالباً بسبب أخطاء غير عادية.(4) ويحب سميث أن يقتبس كلمات الرئيس الأسبق توماس جيفرسون وهو يقول إن سجلات العهد القديم تكشف الله قاسياً، منتقماً، متقلباً، وظالماً.(5)

هذا الموضوع مُحير تماماً، ولكن بالإضافة إلى ذلك، هناك أمرٌ إضافي يتطلب استكشافه. ففي تقييم شخصية الله، يستشهد كلٌ من النقاد والمسيحيين بالكتاب المقدس كمصدر معلوماتهم. ولكن هل هو حقاً كتاباً جديراً بالثقة؟ أليس الكتاب المقدس مليئاً بالتناقضات وعدم الإتفاقات التي تُقوِّض مصداقته؟ ألم يناقش علم الآثار الحديث إشاراته التاريخية؟ أليس هو أكثر من مجرد مجموعة من الأساطير الخيالية عن كونه وصفاً دقيقاً لخالق الكون؟

هذان الموضوعان – شخصية الله ومصداقية الكتاب الذي يُوهمنا أنه يكلمنا عنه – كانا عقبتان رئيسيتان حينما كنتُ باحثاً روحياً. ففي ذلك الوقت، أغرقتُ نفسي في الكتب والمقالات لمحاولة الوصول لبعض الاستنتاجات المعقولة. وأتمنى أن أكون قد قمتُ حينها بما سأفعله الآن: أن أجلس لمحاورة دارس يُعدُّ من أشهر المدافعين عن المسيحية ومن أكثرهم تأثيراً في أنحاء العالم.

اللقاء الرابع: نورمان جيسلر، – دكتوراه في الفلسفة

نورمان جيسلر يمكنه أن يكون مُناظراً عنيداً متماسكاً عندما ينظم الشواهد الكتابية، والاستنتاجات الأثرية، والاستكشافات العلمية، والأحداث التاريخية لدحض من يميل للتشكيك في المسيحية. فذاكرته الموسوعية وأداؤه سريع القلق قد أسر في الكثير من النقاد عبر السنين.

بيد ان جيسلر كان الحديث والمتصرف كالجد هو الذي دعاني لمكتبه المتواضع المريح في المعهد الإنجيلي الجنوبي في شارلوت، كارولينا الشمالية، حيث يشغل منصب رئيس المعهد. بينما كان يرتدي سويتر متعدد الألوان فوق قميص أزرق بالأزرار، كان يتمتع بابتسامة سلسة وروح دعابة صريحة.

وسرعان ما وجدته يركز بحدة شديدة في التحديات التي جئتُ بها عبر البلاد لمناقشتها معه. قام جيسلر – وهو مؤلف مذهل حاصل على جوائز – بكتابة والمشاركة في كتابة، وتحرير أكثر من 25 كتاباً منها مقدمة عامة للكتاب المقدس General Introduction to the bible، العصمة Inerrancy، مقدمة للفلسفة Introduction to Philosofy، فلسفة الدين Philosofy ot Religion، عندما يسأل المتشككون When SkepticsAsk، عندما يسأل النقاد When Critics Ask،عندما يسأل الطائفيين.When Cultist Ask وأحد أحدث إصداراته موسوعة بيكر لعلم الدفاعيات المسيحي Baker Encylopedia of Christian Apologetics – وهي الموسوعة الطموحة المكونة من 841 صفحة، وتناقش بانتظام موضوعات تتدرج من الحق المطلق إلى البوذية الزينية Zen .Buddhism

تعلم جيسلر في كلية ويتون؛ وجامعة ديترويت Detroit؛ وجامعة وين ستيت ؛ Wayne State وكلية ويليام تيندال William Tyndale؛ وجامعة نورث ويسترن، وحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لويولا Loyola في شيكاغو. كان يشغل منصب الرئيس السابق لفلسفة الدين في مدرسة ترينتي اللاهوتية الانجيلية في ديرفيلد، إلينوي، وأستاذ اللاهوت النظامي في معهد دالاس اللاهوتي. وتشمل عضوياته للجمعية الفلسفية الأمريكية، والجمعية العلمية الأمريكية، والأكاديمية الأمريكية للدين.

كانت رحلات جيسلر على نطاق واسع – عبر الولايات الخمسين كلها، و55 دولة في ست قارات – يُحاضر مُقدِّماً البراهين المؤيدة للمسيحية، ويُناظر متشككين مشهورين من أمثال الإنساني بول كيرتز. وهكذا عرفتُ أن هناك فرصة ضئيلة لمحاورته. ومع ذلك فقد جئتُ مُسلحاً ببعض أصعب الموضوعات على الإطلاق. فيما جلسنا مواجهةً على كراسي جلدية حمراء داكنة، سحبتُ ورقة سجلتُ فيها الكلمات الساخرة لوطني أمريكي مشهور يعد نقده للمسيحية أسطوري.

بدأتُ قائلاً: في العام 1794 كتب توماس باين في عصر العقلانية The Age of Reason: بينما نقرأ القصص الفاحشة والرجاسات الشهوانية، وأحكام الإعدام الوحشية التعذيبية والإنتقامات الرهيبة التي يمتلئ بها أكثر من نصف الكتاب المقدس، يكون من التناغم أن ندعوه عمل شيطان أكثر من أن يكون كلمة الله.(6) تطلَّعتُ إلى جيسلر كي أرى ما إذا كان قد ارتعب بلدغة كلمات باين، وقلتُ: هذا تحد ساخر، كيف تجيبه لو كان جالساً هنا اليوم؟

ضبط جيسلر نظارته الذهبية الإطار، ثم أشار ضاحكاً: أولاً يؤسفني أن أقول إنه لم يكن لديه كتاب مقدس. فعندما كتب توماس الجزء الأول من عصر العقل، لم يكن لديه كتاب مقدس. ولكن بغض النظر عن ذلك، أعتقد أنه يُثير أمرين: ما يسجله الكتاب المقدس، وما يوافق عليه الكتاب المقدس. فقلتُ له: أعطني بعض الأمثلة للاختلاف.

فشرح: مثلاً، يُسجل الكتاب المقدس أكاذيب الشيطان، وخطية داود، لكنه لا يوافق عليهما. حقيقي أن هناك الكثير من القصص الرخيصة في الكتاب المقدس. فسفر القضاة يقرر اغتصاب امرأة ثم قطعها إلى 12 قطعة وإرسال كل قطعة إلى كل سبط من أسباط اسرائيل.(7) لكن الكتاب المقدس لا يوافق بالطبع على ذلك. ثانياً، أعتقد أن باين مخطئاً حقاً. فالكتاب المقدس لا يسجل أية أحكام إعدام تعذيبية أو وحشية أمر بها الله.

فرفعتُ يدي للاعتراض مشيراً: لقد دُعي داود رجلاً حسب قلب الله، ومع ذلك يقول الكتاب المقدس إنه عذَّب أعداءه. ويقول إنه وَأَخْرَجَ الشَّعْبَ الَّذِي فِيهَا وَوَضَعَهُمْ تَحْتَ مَنَاشِيرَ وَنَوَارِجِ حَدِيدٍ وَفُؤُوسِ حَدِيدٍ وَأَمَرَّهُمْ فِي أَتُونِ الآجُرِّ، وَهكَذَا صَنَعَ بِجَمِيعِ مُدُنِ بَنِي عَمُّونَ.(8). وهذا يبدو وحشياً وتعذيبياً بالنسبة لي!

فحذر جيسلر قائلاً: ليس بهذه السرعة، فأنت تقتبس من ترجمة KJV، وهي مُعرَّضة لسوء التفسير في هذه الفقرة. فترجمة NIV توّضح اللغة العبرية الأصلية وتقول إن داود أخرج الشعب الذي فيها وعين لهم العمل بمناشير ونوارج حديد فؤوس حديد، ودعاهم لصناعة الطوب. وهذا عمل – وليس تعذيب – وهو أمرُ إنساني تماماً مقارنةً بالمجازر التي ارتكبها أعداؤه. وبالإضافة إلى ذلك، هناك حالة أخرى يسجل فيها الكتاب المقدس شيئاً وليس بالضرورة يصفح عنها.

قلتُ لنفسي حسناً. وفيما استجمعتُ أفكاري بسرعة، واصلتُ قائلاً: بوضع هذه الفقرة جانباً، لا تزال هنا الكثير من المذابح في العهد القديم. أليس هناك اختلافاً كبيراً بين إله العهد القديم القاسي وإله العهد الجديد المحب؟

فابتسم جيسلر مجيباً: من المثير أن تسأل هذا، لأنني قمتُ للتو بعمل دراسة عن كل مرة يستخدم فيها الكتاب المقدس تلك الكلمة التي تترجمها ترجمة KJV إلى كلمة رحمة. وقد وجدتها تتواتر 261 مرة في الكتاب المقدس – 72% منها موجدودٌ في العهد القديم. وهذه نسبة 3 إلى 1. ثم درستُ كلمة محبة، ووجدتها تتواتر 322 مرة في الكتاب المقدس مناصفةً تقريباً بين العهدين. ولذلك يكون لديك نفس التأكيد على المحبة في العهدين.

وأضاف: من المثير للسخرية، يمكنك برهنة أن الله دياناً بالأكثر في العهد القديم القليل جداً عن العذاب الأبدي، أما العهد الجديد فيتكلم عنه بالكثير. أليس هناك تطوراً في شخصية الله إذا؟ هذا صحيح. ففي الحقيقة يقول الكتاب المقدس: أنا الرب لا أتغير(9) في كلا العهدين يكون لديك الله المتطابق غير المتغير – الله كُلِّي القداسة لدرجة أنه لا يمكنه النظر إلى الخطية، ومع ذلك فهو الله الذي يريد قلبه المحب الرحيم الرؤوف العطوف أن يسكب الغفران على كل من يتوبون.

فكرتُ في نفسي قائلاً: عطوف؟ رحوم؟ لقد آن أوان التطرّق لموضوع الشخصية.

أوامر الله بالقتل

تمعنتُ في عيني جيسلر. وقد كشف صوتي عن السخرية فيما أطرح أقسى اعتراض لشخصية الله. قلتُ: أنت تتكلم عن العطف والرحمة، لكن هاتان الصفتان يصعب فهمهما عندما نرى الله يأمر بالإبادة الجماعية بإخبار الاسرائيليين في تثنية7 أن يحرم تماماً الكنعانيين مع ست أمم أخرى و لا يُشفق عليهم.

وقد جعلني هذا أبدأ من جديد، فواصلتُ كلامي مُستطرداً بسرعة: لم يكن هذا حادثاً منفرداً، فقد أمر الله بإعدام كل بكر مصري، وجاء بالطوفان على العالم وقتل آلاف لا تُحصى من البشر، وقال للاسرائيليين: فَالآنَ اذْهَبْ وَاضْرِبْ عَمَالِيقَ، وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ وَلاَ تَعْفُ عَنْهُمْ بَلِ اقْتُلْ رَجُلاً وَامْرَأَةً، طِفْلاً وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلاً وَحِمَارًا.»(10) وهذا يبدو إلهاً وحشياً عنيفاً أكثر من كونه إلهاً محباً. كيف يُتوقع من الناس أن يعبدوه طالما أنه يأمر بقتل الأطفال الأبرياء؟

رغم قوة السؤال احتفظ جيسلر بنغمة هادئة عقلانية وقال: هذا يوَّضح أن شخصية الله كلية القداسة، وأنه كان عليه عقاب الخطية والتمرد. إنه قاض بار، وهذا جزء لا يمكن إنكاره من شخصيته. ولكن شخصيته رحيمة أيضاً. اسمع، لو أراد أي إنسان النجاة، فسوف يُسمح له.

توقف جيسلر، فقد كانت اسئلتي تتطلَّب بوضوح تفسيراً موسعاً أكثر من هذا، وقال: لي Lee، لقد اثرت مجموعة متكاملة من الموضوعات الجيدة، وهي تستحق إجابة عميقة. هل تمانع في التمعن في هذه الفقرات بحرص أكثر؟ لأننا لو فعلنا ذلك، فأعتقد أننا سنفهم الموضوعات بقدرٍ أكبر.

تمعنتُ فيه ليستطرد قائلاً: أرجو أن تتمعن فيها. فأنا أريد أن أفهم حقاً.

فبدأ قائلاً: لنبدأ بعماليق. اسمع يا لي Lee، لقد كانوا أبعد من أن يكونوا أبرياء. أبعد من ذلك. لم يكن شعباً رقيقاً. في الواقع كانوا فاسدين تماماً بشكلٍ مطلق.

كانت مهمتهم ان يدمروا اسرائيل. وباسلوب آخر، أن يرتكبوا إبادة جماعية. وكما لو كان ذلك ليس شريراً بما فيه الكفاية، ففكرْ فيما كان يكمن خلف الستار. كان الاسرائيليون شعب الله المختار الذي سيأتي منه الله بالخلاص للعالم كله عبر يسوع المسيح. فتساءلتُ: هل تقول إنهم كانوا يستحقون أن يُدّمروا؟

فقال جيسلر: لقد كان تدمير أمتهم مستلزماً بثقل خطيتهم. فلو كانت قد بقيت بقية، لكانت قد تمكنتْ من مواصلة عدوانها ضد الاسرائيليين وضد خطة الله. لقد كان شعب متحارب قاسي متشبث ولكي أوضح لك كم كان يستحق الرفض، كان يتبع الاسرائيليين، ويذبح في جبنٍ الأقل مناعة بينهم – الضعفاء، وكبار السن، والمعاقين الذين كانوا يتأخرون في الوراء.

لقد أراد عماليق أن يمسح كل إنسان أخير من الاسرائيليين من على وجه الأرض. كان الله يمكنه أن يتعامل معهم بكارثةٍ طبيعية كالطوفان، لكنه بدلاً من ذلك استخدم اسرائيل كأداته للحكم. ولم يفعل ذلك من أجل اسرائيل لوحدها، بل أخيراً من أجل كل إنسان عبر التاريخ سيُمنح خلاصه من خلال المسيا الذي كان سيولد من بينهم. فاعترضتُ قائلاً: ولكن الأطفال؛ لماذا كان قتل الأطفال الأبرياء؟

فقال: لنتذكر أنه لا يوجد إنسان برئ بشكلٍ خاص. فالكتاب المقدس يقول في مزمور 51 إننا جميعاً مولودين بالخطية، وهذا معناه إننا جميعاً مولودين بالنزعة للتمرد وارتكاب الخطأ. وأيضاً نحن بحاجة أن نتذكر سلطان الله على الحياة. فذات مرة أثار ملحدٌ هذا الموضوع في مناظرة، وأجبتُ عليه قائلاً: لقد خلق الله الحياة، وله الحق أن يردها. ولكن إن لم يمكنك خلقها، فلا يكون لك هذا الحق. فصفق الجمهور إثر ذلك.

يفترض الناس أن ما هو خطأ لنا، خطأ بالنسبة لله. ومع ذلك من الخطأ بالنسبة لي أن آخذ حياتك، لأنني لم أصنعها ولا أملكها. مثلاً من الخطأ بالنسبة لي أن اقتحم أرضك وأقتلع نباتاتك، وأقطعها، وأميتها، وأزرعها في مكان آخر، وأنقلها. يمكنني أن أفعل ذلك في أرضي، لأني أمتلك النباتات الموجودة في أرضي.

حسناً، الله له السلطان على كل الحياة، وله حق ردها لو أراد. في الواقع، نحن نميلُ أن ننسى أن الله يأخذ حياة كل إنسان. وهذا اسمه الموت. والسؤال الوحيد الذي علينا أن نتركه له هو متى وكيف؟ معرفياً، استطعتُ أن أفهم إجابة جيسلر حتى هذه النقطة. ومع ذلك لم أقتنع بها تماماً شعورياً. كنتُ لا أزال غير مستقرّ. فصممتُ قائلاً: ولكن الأطفال. أما جيسلر – الذي كان بنفسه أب لستة أطفال، وجَدْ لأحفاد – فكان متعاطفاً وأشار قائلاً: اجتماعياً وجسدياً، كان مصير الأطفال عبر التاريخ على الدوام مع آبائهم، سواء للخير أو للشر.

ولكن، يا لي Lee، أنت بحاجة لفهم الموقف مع عماليق. ففي ذاك الشر المستشري، وتلك الثقافة الفاسدة العنيفة، لم يكن هناك رجاء لهؤلاء الأطفال الأبرياء. فهذه الأمة كانت ملوثة تماماً لدرجة أنها كانت بمثابة الغنغرينا التي تُداهم ساق الإنسان، وكان على الله أن يبتر الساق أو الغنغرينا حتى لا يتبقى منها شئ. بمعنى ما كان عمل الله هذا عمل رحمة. فتساءلتُ: رحمة؟ كيف؟

فأجابني: طبقاً للكتاب المقدس، كل طفل يموت قبل سن الحساب يذهب للسماء لقضاءالأبدية في حضور الله. والآن لو كانوا قد استمروا في الحياة في ذاك المجتمع المرعب، واجتازوا سن الحساب، فبلا شك أنهم كانوا سيعتبرون فاسدين ومن ثم يضيعوا إلى الأبد. فتساءلتُ: وماذا يجعلك تعتقد أن الأطفال يذهبون إلى السماء عندما يموتون؟

إشعياء 16:7 يتحدث عن سن معين قبل أن يصبح الطفل مسؤولاً أخلاقياً: لأَنَّهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ الصَّبِيُّ أَنْ يَرْفُضَ الشَّرَّ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ تُخْلَى الأَرْضُ الَّتِي أَنْتَ خَاشٍ مِنْ مَلِكَيْهَا. وتحدث الملك داود عن الذهاب ليكون مع ابنه الذي مات عند ولادته. وقال يسوع: «دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. »(11) هذا يشير إلى أنهم سيذهبون للسماء. وهناك قدرٌ معقول من البراهين الكتابية الأخرى التي تؤيد ذلك أيضاً.

قفزتُ على إثر اختلاف ظاهر. وتساءلتُ: لو كان من الأفضل أخيراً بالنسبة لهؤلاء الأطفال أن يموتوا قبل سن الحساب لأنهم سيذهبون للسماء؛ فلماذا لا ينطبق نفس الأمر على الأطفال الذين يتم إجهاضهم اليوم؟ فبما أنهم مُجهضين، فسوف يذهبون حتماً للسماء، أما إن ولدوا ونموا، فربما سيتمردون على الله وينهون حياتهم في الجحيم. أليست هذه حجة قوية في صالح الإجهاض؟

فجاءتني إجابة جيسلر بسرعة، إذ قال مصمماً: لا، فهذا تماثلٌ زائف. أولاً، الله لا يأمر أي إنسان اليوم أن يقوم بإجهاض. فالإجهاض في الحقيقة مناقض لتعاليم الكتاب المقدس. تذكر أن الله هو الوحيد الذي يمكنه أن يقرر أن يأخذ الحياة، لأنه الخالق النهائي للحياة. ثانياً، اليوم ليست لدينا ثقافة فاسدة تماماً كما كانت في مجتمع عماليق. ففي تلك الثقافة لم يكن هناك رجاء، أما اليوم فهناك رجاء.

فقلتُ: لذلك لا تعتقد أن الله قد كان مبالغاً حين أمر بدمار عماليق؟ فقال: عليك أن تتذكر هؤلاء الناس قد مُنحوا الكثير من الفرص لتغيير طرقهم وتجنب كل ذلك. ففي الحقيقة، لو أخذت كل الكنعانيين معاً مع عماليق، لكانت أمامهم 400 سنة للتوبة. وهذه فترة طويلة جداً. وأخيراً، بعد انتظار قرون لمنحهم فرصة لترك طريقهم المؤدي لتدمير النفس، تطلّبتْ طبيعة الله أن يتعامل مع شرهم العنيد، لكنه بالطبع لم يتصرف معهم باندفاع.

والآن علينا أن نذكر ان هؤلاء الذين أرادوا التخلص من هذا الموقف قد فعلوا ذلك بالفعل، فلقد كانت أمامهم فرصة مواتية عبر السنين. وبالطبع فإن الذين أرادوا أن يتحرروا من الدمار قد هربوا ونجوا بحياتهم.

في يشوع 6، حيث يتحدث الكتاب المقدس عن خراب أريحا والكنعانيين، يكون لديك نفس النموذج. كانت هذه ثقافة في منتهى الشر لدرجة أن الكتاب المقدس يقول إنها أزعجت الله. لقد انخرطوا في الوحشية، والقسوة، وزنا المحارم، والعلاقات الجنسية مع الحيوانات، ودعارة المعابد، وحتى تقديم ذبائح الأطفال. كانوا يمثلون ثقافة عدوانية أرادت إبادة الاسرائيليين.

مرةً أخرى يواجهك أناسٌ أشرار يتعرضون للدمار، لكن الأتقياء من وسطهم يخلصون. فمثلاً راحاب التي خبأتْ الجاسوسين الاسرائيليين لم تُدن مع الآخرين. وأنظر لما حدث لسكان مدينة نينوى الفاسدين. كان الله سيدينهم لأنهم كانوا يستحقون ذلك، لكنهم تابوا فخلَّص الله الشعب كله. ومن هنا تكون النتيجة: من آمن كان الله مستعداً لخلاصه. وهذا مهم لتذكره.

لقد كان قصد الله في تلك الحالات أن يدمر الأمة الفاسدة لأن التركيب العام كان شريراً أصلاً، وليس أن يدمر الناس لو كانوا مستعدين للتوبة. هناك آيات كثيرة تشير إلى أن رغبة الله الأساسية كانت طرد هؤلاء الأشرار من الأرض التي عرفوا بالفعل انها كانت موعودة منذ زمان طويل لإسرائيل. وبذلك استطاع اسرائيل أن يدخل ويتحرر نسبياً من الفساد الخارجي الذي كان من الممكن أن يدمره كالسرطان. أراد أن يخلق بيئة يأتي منها المسيا لمصلحة الملايين من البشر عبر التاريخ.

فتساءلتُ: إذا النموذج هو أن الناس كانت امامهم الكثير من التحذيرات؟ فقال: بالطبع، واعتبر هذا: معظم النساء والأطفال هربوا مقدماً قبل بدء القتال الفعلي، تاركين وراءهم المحاربين لمواجهة الاسرائيليين. وقد كان المحاربون الذين بقوا هم الأكثر قسوة، أولئك الذين رفضوا بعناد أن يرحلوا، وناقلي الثقافة الفاسدة. ولذلك فمن المشكوك فيه حقاً كم عدد النساء والأطفال الذين ربما يكونوا قد تورطوا على أي حال.

وبالإضافة إلى ذلك، وفقاً لقواعد السلوك التي أعطاها الله للاسرائيليين، كانوا كلما دخلوا مدينة عدو، كان عليهم أولاً أن يعرضوا على الشعب عرضاً بالسلام. وكان على الشعب الاختيار: إما قبول العرض، ومن ثم لا يقتلوا، أو رفض العرض ومن ثم يلقون حتفهم. وهذا مناسب وعادل. كان عليّ الاعتراف أن هذه الأفكار قد ألقت ضوءاً جديداً على الموقف، ولا سيما تعليقاته حول التحذير التفصيلي الذي قُدم، وأرجحة أن النساء والأطفال كانوا من المحتمل انهم يخلون المنطقة قبل بدء أي قتال. وكما ان هذه الفقرات مزعجة، فقد ساعدتني أن أعرف أن اسرائيل كانت تعرض السلام قبل التورط في قتال، وأن النموذج الكتابي هو ان التائبين يُمنحون الفرص لتجنب الدينونة. إذاً الله لم يكن متقلباً؟

الله ليس متقلباً، أو استبدادياً، أو قاسياً. ولكن، يا لي Lee، عليّ أن أقول لك شيئاً: الله عادل بلا شك. فطبيعته تتطلّب أن يتعامل مع الفاسدين الذين يُصرون على شرهم في عنادٍ وتصلف. أليس هذا ما يجب ان يفعله؟ وأليس هذا ما نريد أن نفعله حتى تتم العدالة؟ إن أحد الأشياء الرئيسية التي يجب تذكرها هو أنه بالنسبة لمن يتوبون ويرجعون إليه عبر التاريخ، فإنه عطوف، رحيم، حنان، وشفوق. وفي النهاية سنرى كلنا لطفه.

كانت لا تزال هناك حلقةُ مزعجة أخرى بخصوص الأطفال بدا انها تتحدى راي جيسلر أن الله لا يتصرف بتقلب. فهي تتضمن أحد أغرب الحلقات في الكتاب المقدس بأكمله.

إبادة كونية؟

كان النبي إليشع ماشياً في طريق بيت إيل حين قابله بعض الصبيان الصغار أغاظوه ساخرين من صلعته. وبخوه قائلين: اصعد يا أقرع! اصعد يا أقرع!. فكان رد فعله هو أنه لعنهم جميعاً باسم الله ثم، في فعل مفاجئ من العقاب، خرجت دبتان فجأة من الغابة وافترستا منهم 42 ولداً. (12)

فقلتُ: والآن، د. جيسلر، لقد صمَّمت أن الله ليس متقلباً، لكن هذه تبدو كاستجابةٍ لا تُطاق لإهانة بسيطة حمقاء. فقتل 42 صبياً بريئاً لأنهم سخروا فقط من شخص أصلع أمر قاسي بشكلٍ مرعب. كان جيسلر على درايةٍ جيدة بهذا الموضوع، فأجاب: إن الافتراض المُسبَق لسؤالك افتراض خاطئ. فهؤلاء لم يكونوا صبياناً أبرياء صغاراً. وفيما توقعتُ إجابته، كتبتُ نسخةً مصورة من النص ووجهتها ناحيته، مجيباً بنفس الحجة. لا، لقد كانوا كذلك. أنظر إلى هذا. قلتُ ذلك مشيراً للكلمات القائلة صبيان صغار.

فنظر جيسلر في الصفحة في عجالة، وعلى الفور عرف مصدرها. فقال: لسوء الحظ، فإن ترجمة KJV بها كلمة مختلفة ههنا. فالدارسون توّصلوا إلى أن النسخة العبرية الأصلية تتضمن كلمة شباباً، وترجمة NIV تورد كلمة شباب youths. على أحسن تقدير، كانت هذه جماعة عنيفة من المراهقين الخطرين الذين يُشبهون عصابات الشوارع الحديثة. كانت حياة النبي مُعرّضة للخطر لعددهم الكبير – فلو كان اثنان وأربعون منهم قد افترسوا؛ فمن يعلم كم كان العدد الكلي الذي يهدده؟

فسألته: يهدده؟ مهلاً عليَّ! لقد كانوا يسخرون فحسب من صلعه. فأجاب جيسلر: عندما تفهم سياق النص، سترى أن الأمر كان أكثر خطورةً من ذلك. فقد لاحظ المُعلقون أن توبيخاتهم كان المقصود منها تحدي إعلان إليشع بأنه نبي. وقد كانوا يقولون أساسً: لو كنت رجل الله، فلماذا لا تصعد للسماء كما فعل إيليا النبي؟ الأمر الواضح هو أنهم كانوا يسخرون من عمل الله المبكر بأخذ إيليا إلى السماء. وقد كانوا محتقرين في عدم إيمانهم بما فعله الله من خلال النبيين.

من المحتمل جداً ان ملاحظاتهم الصريحة حول إليشع قد كانت إشارة ان البُرص في تلك الايام كانوا يحلقون رؤوسهم، وهكذا كانوا يهاجمون إليشع – رجل الكرامة والسلطان كنبي الله – بأنه منبوذ ومحتقر ومرذول. لم يكونوا يلقون بالافتراء على شخصيته فحسب، بل على شخصية الله، لأنه كان يمثل مندوب الله. فقلتُ: ومع ذلك، اليست هذه إساءة صغيرة؟

فقال: ليس في سياق تلك الأيام. فلقد شعر إليشع مُبرراً انه مُهدَّداً من قبل العصابة. وكانت حياته في خطر. فقد كانوا في الواقع يهددونه هو والله. وكان ذلك نوعاً من ضربة وقائية لبث الخوف في قلب أي إنسان آخر يفكر في ذلك، لأن هذا كان يمكنه أن يكون حادثة سابقة خطيرة ولو كانت عصابة متهددة من المراهقين قد أفلتت بهذه الإساءة، ولم يتدخل الله دفاعاً عن نبيه، فما عليك إلا أن تفكر في التأثير السلبي الذي سيؤثر على المجتمع. فقد كان يمكن لذلك أن يفتح الباب لمزيدٍ من الهجومات على الأنبياء، ومن ثم الاستخفاف بالرسالة العاجلة التي كانوا يحاولون تقديمها لهم من الله.

في الواقع، كما قال أحد المعلّقين: بدلاً من استعراض وحشية غاضبة، فإن هجوم الدبتان يُبيّن أن الله يحاول بالتكرار أن يجعل شعبه يعود إليه من خلال دينونات أبسط حتى تتعاظم خطية الشعب جداً، ومن ثم لا بدَّ أن تصير الدينونة رهيبة جداً … فالسقوط المُدوي للسامرة كان من الممكن تجنبه لو كان الشعب قد تاب بعد هجوم الدببة ذلك.(13) فأضاف جيسلر: آخر الأمر، ساقولُ مرةً أخرى إنه علينا التفكير في سلطان الله. فلم يكن إليشع هو الذي أخذ حياتهم، بل الله الذي خلقهم وأطلق الدبتين.

وبما أن الله قد خلق الحياة، فله كل الحق لردها ثانية. لقد كشف هجوم تلك العصابة على النبي عن اتجاهاتهم الحقيقية تجاه الله، وهذا دائماً طريق محفوف بالمخاطر يؤدي للدمار عندما تسبّ وتعارض الله في عنادٍ وتحدٍ. طويتُ النسخة المصورة من تلك الفقرة وقلتُ: إذاً يكون من سوء فهم قراءة النص الأصلي أن نعتبر هؤلاء مجرد أطفال.

فقال: هذا صحيح. فالعبرية التي كانت مستخدمة لوصفهم تشير إلى أنهم كانوا على الأرجح بين الثانية عشر والثلاثين. في الحقيقة أجد نفس الكلمات العبرية مستخدمة هناك مراراً لوصف الرجال في الجيش.(14) وكما ترى، عندما يوضع كل شئ في مكانه الصحيح، فسوف تحصل على صورة مختلفة تماماً عما كان مفترضاً أصلاً.حتى الآن، كانت إجابات جيسلر قد أفرغتْ كثيراً من الهجوم ضد شخصيية الله بتقديم بعض سياقات النصوص وتوضح قصدها الواضح في تلك المراحل الخلافية. وبينما كانت تلك الفقرات لا تزال نقاطاً مُربكة، فإن رؤية الجانب الآخر قد جعل من الأسهل منح الله المتشككين، خاصة في ضوء أرجحية الأدلة المؤيدة لعطفه ومحبته.

ومع ذلك فقد كان هناك أيضاً موضوعٌ متعلق بشخصية الله يهم الكثير من الناس هذه الأيام: كيف تعامل الله مع الحيوانات؟ لماذا خلق عالماً تطارد فيه الحيوانات المفترسة الفريسة باستمرار، وحيث الموت العنيف جزءً أساسيً من الحياة؟ والأكثر أهمية، ألا يكشف هذا عن شئ مربك بخصوص اتجاهه؟

ألم الحيوانات

أثار تشارلز تمبلتون موضوع المعاناة في المملكة الحيوانية عندما كتب في كتابه وداعاً الله:

إن الحقيقة المروعة التي لا يمكن الهروب منها هي أن الحياة بأكملها مستندة على الموت. فكل المخلوقات آكلة اللحوم لا بدَّ أن تقتل وتبتلع المخلوقات الأخرى … كيف يمكن لإله محب كُلِّي القدرة أن يخلق مثل هذه الأهوال؟ … بالطبع لن يكون أبعد من قدرة إله كُلِّي المعرفة أن يخلق عالماً حيوانياً يمكنه ان يبقى ويدوم دون المعاناة والموت. (15) سألتُ جيسلر بعد قراءتي له اقتباس تمبلتون: ماذا عن ذلك؟ فأجابني: لقد تضمن الكثير من الحق هنا. لم تكن هذه الإجابة هي التي كنتُ أتوقعها. فسألته هل تعتقد ذلك؟ فقال: نعم، ولكن، لسوء الحظ، فإن الأمر بمثابة كوب من الماء الجيد وفيه قطرة من الزرنيخ. هناك ماءٌ جيد، لكنه مسمم.

الماء الجيد هو: نعم، الله يمكنه أن يخلق تلك الأنواع من الحيوانات. والحقيقة هي أنه قام بذلك. فالفردوس الأصلي كان فيه تلك الأنواع من الحيوانات، والفردوس الاتي – أي الفردوس المستعد – ستكون فيه تلك الأنواع من الحيوانات. في الواقع، نحن نعلم أن الله خلق الحيوانات والبشر أصلاً كي يكونوا آكلي بقول.

في تلك اللحظة مد جيسلر يده وسحب الكتاب المقدس، وفتح الكتاب على بدايته. فحصتْ عيناه الصفحة حتى توقف بالقرب من نهاية الاصحاح الأول الذي يقول: وَقَالَ اللهُ: «إِنِّي قَدْ أَعْطَيْتُكُمْ كُلَّ بَقْل يُبْزِرُ بِزْرًا عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ، وَكُلَّ شَجَرٍ فِيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبْزِرُ بِزْرًا لَكُمْ يَكُونُ طَعَامًا. وَلِكُلِّ حَيَوَانِ الأَرْضِ وَكُلِّ طَيْرِ السَّمَاءِ وَكُلِّ دَبَّابَةٍ عَلَى الأَرْضِ فِيهَا نَفْسٌ حَيَّةٌ، أَعْطَيْتُ كُلَّ عُشْبٍ أَخْضَرَ طَعَامًا». وَكَانَ كَذلِكَ. وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدًّا. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا سَادِسًا. »(16)

وبعدما أغلق الكتاب، استطرد جيسلر: لم يقصد الله أن تؤكل الحيوانات في الفردوس، والحيوانات لم تكن تأكل بعضها. فقد قال النبي إشعياء يوماً ما إن الله سوف يخلق سَمَاوَاتٍ جَديدةً وَأرْضاً جَديدةً حيث الذِّئْبُ وَالْحَمَلُ يَرْعَيَانِ مَعًا، وَالأَسَدُ يَأْكُلُ التِّبْنَ كَالْبَقَرِ. (17) وبأسلوب آخر، لن تكون هناك مثل هذا النوع من القتل الحادث الآن.

على العموم، كل شيء خلقه الله كان حسناً. لكن الذي غيَّر الأمور هو السقوط. ففي الواقع عندما قيل لله أن ينطلق، فقد فعل ذلك جزئياً. تخبرنا رومية 8 بأن كل الخليقة تأثرت – وهذا يتضمن الحياة النباتية، والبشر، والحيوانات، وكل شيء. كانت هناك تغيرات جينية رئيسية. فنحن نرى مثلاً كيف أن فترات الحياة قد انخفضت بسرعة بعد السقوط. فلم تكن خطة الله مصممة على هذا الأساس، لكن الأمر صار هكذا بسبب الخطية وحدها. وأخيراً، سوف يتم علاج الموضوع.

ولكن ألم يكن الله قاسياً على الحيوانات بتخصيص نظام الذبائح الحيوانية في العهد القديم؟ لقد كان الأسلوب المتبع لقتل هذه الحيوانات أسلوب إنسانيِّ تماماً. كان الأسلوب الأقل ألماً للموت. ولم يكن هناك تبديد. فقد كانوا يأكلون اللحم، ويستخدمون الجلد للكساء، ولذلك كانوا يربون ويرعون الحيوانات بشكلٍ اساسي. ولم تكن هذه محاولة لإبادة فصيلة معينة. وبالطبع، كان هناك سببٌ مهم لذبائح الحيوانات – فلقد كانت تُشير رأساً للذبيحة النهائية ليسوع المسيح، حمل الله، على الصليب كثمن خطايانا.

تساءلتُ: ماذا عن كل الألم الموجود في العالم نتيجة صيد الحيوانات وقتل الحيوانات الأخرى. فمجموع المعاناة الكلي الذي يسمح به الله في العالم هائل بشكلٍ مطلق.

فأجابني: اعتقد أن الافتراض المُسبَق خاطئ بأكمله. فكما قال سي إس لويس إنه لا يوجد مجموع كلي للألم. إنه خطأ تسمية. فلا إنسان أو حيوان يختبر المجموع الكلي للألم. في الواقع، لا إنسان يختبر في وقتٍ واحد المجموع الكلي للألم لفترة حياته كلها. فلو كانت لديك 30 أوقية (كيلو جراماً) من الألم موزعة على 30 عاماً، تكون لديك أوقية واحدة (30 جراماً) كل عام. وجزء من الأوقية كل يوم.

وبقدر الاهتمام بالحيوانات، علينا ان نتذكر ان الكتاب المقدس يمنع سوء استخدامها بوضوح. فالمسيحيون يجب أن يعارضوا اية سوء معاملة للحيوانات. ومع ذلك، فأنا أتحدى المقدمة المنطقية لحركة حقوق الحيوانات أن الحيوانات لها حقوق أخلاقية، فالحيوانات ليس مخلوقات أخلاقية. والآن فإن الناس الأخلاقيين يمكنهم أن يقوموا بأمورٍ لا اخلاقية تجاه الحيوانات، لكن الكتاب المقدس يقول: الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ. (18). فالحيوانات تخدمنا وتساعدنا، ومن الخطأ أخلاقياً أن نقسو عليها.

هل يمكن الوثوق بالكتاب المقدس؟

كان جيسلر يعتمد على الكتاب المقدس في تحديد شخصية الله. وبما أنه ألف كتاباً حول عصمة الأسفار المقدسة، فقد كان رأي جيسلر عن ذلك معروفاً جيداً: أنه يؤمن أن الكتاب المقدس موحى به تماماً من الله، وهو واقعي في كل ما يعلمه ويقاربه. فهل هناك أي سبب عقلاني للإيمان أن الكتاب المقدس يكشف حقاً وبدقة عن حول الله؟

جورج سميث، الفيلسوف الملحد، لا يعتقد ذلك. فقد قال: الكتاب المقدس لا يبين أية آثار لأي تأثيرٍ فوق الطبيعة. بل العكس تماماً، فمن الواضح أنه نتاج أناس خرافيين كانوا في بعض الأحيان مستعدين لخداع الآخرين لو كان ذلك في سبيل نشر تعاليمهم.(19) ويرفض تمبلتون بكبرياء معظم الكتاب المقدس باعتباره حكايات شعبية مزينة مضيفاً أنه لم يعد من الممكن لإنسانٍ متعلم أن يؤمن ان … الكتاب المقدس وثيقة موثوق بها … أو، كما تصمم الكنائس المسيحية، كلمة الله المعصومة.(20)

خلال سنواتي كملحد، سخرتُ من الحكايات الخيالية والأساطير الصارخة التي آمنتُ أنها لا تؤهل الكتاب المقدس كي يكون كتاباً إلهياً موحى به – وقد أراحني هذا الرأي تماماً من أية حاجة لاتباع أوامره. فرغم أنني لم أدرس تماماً محتوياته، فقد كنتُ سرعان ما أرفض الكتاب المقدس لأطلق لنفسي العنان كي أعيش ذاك النوع من أسلوب الحياة الفاسد الذي كان يتعارض بشدة مع عقائده.

كان وقتي مع جيسلر فرصة نادرة كي اسمع مباشرة لماذا يستنتج الاستنتاج المضاد، ثم يدافع بغيرة عن الكتاب المقدس كونه موثوقاً به. وقفتُ لأمد رجلي، ماشياً للأمام نحو رفٍ من الكتب، ومتفحصاً العناوين مصادفةً. ثم التفتُ قائلاً: كل شئ يتوقف على ما إذا كان الكتاب المقدس صحيح. فما هي قاعدتك للإيمان بذلك؟ فاجاب جيسلر بثقة مميزة: هناك اكثر من برهان أن الكتاب المقدس مصدراً موثوقاً به أكثر من أي كتاب آخر من العالم القديم.

ومع ذلك، فقد بدا هذا الأمر بالنسبة لي استنتاجاً أكثر منه برهاناً. فقلتُ وأنا جالس على حافة مقعدي متوقعاً إجابة جيسلر: سيكون عليك ان تعطيني بعض الحقائق لتدعيم ذلك. فبدأ: هناك الكثير من البراهين التي يمكنني تقديمها. يمكنني ان أتحدث عن وحدة الكتاب المقدس – 66 سفراً مكتوبة بأساليبٍ أدبية مختلفة بواسطة 40 كاتباً مختلفاً مع الأرجح لهم خلفيات متنوعة عبر 1500 عاماً ومع ذلك فالكتاب المقدس يكشف بشكل مدهش دراما مستمرة واحدة برسالة مركزية واحدة. وهذا يشير إلى وجود العقل الإلهي الذي أكد الكتاب أنه أوحى له.

وهناك قوة الكتاب المقدس للتحويل – فمنذ البداية – جدَّد الناس، ومنحهم الرجاء، والشجاعة، والهدف، والحكمة، والإرشاد، والقوة، وهيأ مرساة لحياتهم. وبينما انتشر الإسلام المبكر بالسيف، انتشرت المسيحية المبكرة بالروح حتى حينما كان المسيحيون يُقتلون بواسطة السيوف الرومانية. أؤمن أن أكثر البراهين إقناعاً تندرج في تصنيفين. الأول: التاكيد الأثري لمصداقيته، والثاني: التأكيد الإعجازي لسلطانه الإلهي.

 

السبب الأول: تأكيد علم الأثار

بدأ جيسلر مناقشته عن البراهين الأثرية باقتباس كلمات يسوع: إِنْ كُنْتُ قُلْتُ لَكُمُ الأَرْضِيَّاتِ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ، فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ إِنْ قُلْتُ لَكُمُ السَّمَاوِيَّاتِ؟(21)

وقال جيسلر: بالعكس، لو استطعنا ان نثق بالكتاب المقدس عندما يخبرنا عن الأشياء الأرضية المباشرة التي يمكن إثباتها، يمكننا إذاً أن نثق به في المواقف التي لا يمكننا إثباتها مباشرةً بطريقة تجريبية.

فتساءلتُ: كيف تأيد الكتاب المقدس إذاً؟ ففيما تحريتُ بعض التاكيدات الأثرية للعهد الجديد في كتابي السابق القضية … المسيح، كنتُ مهتماً بشكلٍ خاص بعلم الآثار والعهد القديم، ومن هنا طلبتُ من جيسلر أن يبدأ.

لقد كانت هناك الآلاف – لا المئات – من الاكتشافات الأثرية في الشرق الوسط تُدَّعم الصورة المُقدّمة في السجل الكتابي. كان هناك اكتشافً حديثً يؤكد وجود الملك داود. كان الآباء – رواة القصص حول إبراهيم، واسحق، ويعقوب – قد اُعتبروا ذات مرة اسطوريين ولكن فيما صار الكثير معروفاً، فإن هذه القصص تتأيد بشكلٍ متصاعد. لقد كان يُظن ان خراب سدوم وعمورة أمراً أسطورياً حتى انكشفت البراهين أن المدن الخمس المذكورة في سفر التكوين قد كانت قائمة كما ذكر العهد القديم تماماً. وبخصوص خرابها، قال عالم الآثار كليفورد ويلسون إن هناك برهاناً دائماً لذاك الحريق الهائل الذي حدث في الماضي السحيق.(22)

وأضاف جيسلر: والأهم من هذا، أن ملامح متعددة من السبي اليهودي قد تم برهانها. وأيضاً كل إشارة في العهد القديم لملك أشوري تم إثبات صحتها؛ فقد أكدت أحد عمليات الحفر خلال الستينات أن الاسرائيليين كان يمكنهم حقاً دخول أورشليم عن طريق نفق خلال حكم داود. وهناك برهان أن العالم كانت فيه لغة واحدة في وقتٍ من الأوقات كما يقول الكتاب المقدس، وأن موقع هيكل سليمان يتم حفره الآن، والكثير الكثير. في أوقاتٍ عديدة، كان علماء الآثار متشككين بالعهد الجديد حتى تؤيد الاستكشافات الجديدة الوصف الكتابي.

فقلتُ: مثلاً …

فقال: مثلاً، يقول صموئيل إنه بعد موت شاول وُضعتْ عدته الحربية في معبد عشتاروت التي كانت إلهة الخصوبة لدى الكنعانيين، في بيت شان Bethshan، بينما يقرر سفر الأخبار ان رأسه وضعت في معبد داجون – إله القمح لدى الفلسطينيين. والآن اعتقد علماء الآثار أن هذا لا بدَّ أنه كان خطأ، ومن ثم يكون الكتاب المقدس غير جدير بالتصديق. لم يعتقدوا أن الأعداء كان يمكنهم أن تكون لديهم معابد بنفس الاسم في نفس الوقت.

فسألته: وماذا وجد علماء الآثار؟ لقد أكدوا من خلال عمليات الحفر أنه كان هناك معبدان في ذلك الموقع أحدهما لكلٍ من داجون وعشتاروت. وكان يفصلهما مدخل. وفيما اتضح، تبنى الفلسطينيون عشتاروت بشكلٍ واضح لتكون واحدة من إلهتهم. وكان الكتاب المقدس صحيحاً في النهاية.

وقد حدثت مثل تلك الظاهرة مراراً وتكراراً. فالكتاب المقدس يقدم حوالي 36 إشارة إلى الحيثيين، لكن النقاد اعتادوا على الإتهام بعدم وجود برهان بوجود هذا الشعب أبداً. والآن اكتشف علماء الآثار الذين يحفرون في تركيا الحديثة سجلات الحيثيين. فلا يمكن أن يكون هناك أي شكٍ أن علم الآثار قد أكد على التاريخية الجوهرية لتقليد العهد القديم.(23) طلبتُ من جيسلر أن يواصل ملخصاً لماذا يؤمن أن علم الآثار يؤيد العهد الجديد.

فقال: يوضح المؤرخ الروماني الشهير كولين هيمر Colin J. Hemer في كتابه History The Book of Acts in the Setting of Hellenistic كيف أن علم الآثار لم يؤكد على عشرات، بل مئات من التفاصيل من التقرير الكتابي عن الكنيسة الأولى. لقد تأيدتْ حتى التفاصيل الصغيرة، مثل أي إتجاه تهب منه الريح، كم ان عمق المياه مسافة معينة من الشاطئ، أي نوع من الأمراض أصيبت به جزيرة معينة، أسماء الموظفين المحليين، إلخ.

لقد كتب المؤرخ لوقا سفرأعمال الرسل. ويقدم هيمر أكثر من 12 سبباً لماذا كان يلزم كتابة سفر الأعمال قبل العام 62م، أو في خلال حوالي 30 عاماً بعد صلب يسوع. فحتى في فترة مبكرة أكثر، كتب لوقا إنجيله الذي يعتبر أساساً كنفس التقارير الكتابية الأخرة عن حياة يسوع.

ولذلك لديك هنا مؤرخ معصوم برهنت صحته في مئات التفاصيل ولم يُبرهن أبداً على خطأه، كاتباً تاريخ يسوع وتاريخ الكنيسة الأولى بأكمله. وهو مكتوب خلال جيل واحد بينما كان شهود العيان ما زالوا على قيد الحياة كان من الممكن أن يفندوه لو كان مبالغ فيه أو خاطئ وليس لديك أي شئ مثل ذلك من أي كتابٍ ديني آخر من العالم القديم. فتساءلتُ: هل يمثل هيمر صوتاً منفرداً بشان ذلك؟

فأجابني يكاد يكون ذلك. فالمؤرخ البارز سير ويليام رامزي انطلق كمتشكك، ولكن بعد دراسة سفر الأعمال استنتج أن بتفاصيل متنوعة أوضح الراوي الحق المدهش. (25) وقال مؤرخ جامعة أكسفورد الكلاسيكي العظيم شيروين وايت A.N.Sherwin-Whit: بالنسبة لسفر الأعمال، فأن تأكيد التاريخية تأكيد ساحق. وأن أية محاولة لرفض تاريخيته الأساسية لا بدَّ أن تكون الآن سخيفة. (26)

في وقت سابق، ذكرتُ عالم الاثار ويليام أولبرايت William.F.Albright الذي كان قائداً في المدرسة الأمريكي للبحث الشرقي لمدة 40 عاماً. انطلق كمتحرر، لكنه أصبح أكثر وأكثر محافظة فيما درس السجل الأثري. واستنتج ان نقاد العهد الجديد الجذريين هم ما قبل أثريين pre-archeological، وأن رؤاهم متعارف عليها تماماً. (27)

رجعتُ للوراء على مقعدي الجلدي فيما تأملتُ وابل جيسلر من الحقائق والاقتباسات. كانت الحُجة قوية: لو كان علم الاثار يُبين أن الكتاب المقدس كان دقيقاً فيما يمكن أن يُفحص، فلماذا يكون أقل دقة في نقاطه الأخرى؟ فهذا يبرهن الكثير جداً.

قلتُ: حتى لو كان علم الاثار يؤكد أن الكتاب المقدس دقيق تاريخياً، فهذا لا يعني أنه ذو سلطان إلهي.

فقال جيسلر بوضوح: هذا صحيح، فالسبب الوحيد الذي يدعو إنسان لقبول الكتاب المقدس كصاحب سلطان إلهي هو التأكيد المعجزي.

 

السبب الثاني: برهان الأصل الإلهي

تصفح جيسلر كتابه المقدس العتيق متجهاً نحو جملته الافتتاحية ثم وازن الكتاب المفتوح على ركبتيه.

الأمر كله يعود إلى ما إذا كانت الآية الأولى في الكتاب المقدس صحيحة حينما يقولك فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. أؤمن أن هناك برهاناً عملياً طاغياً يبرهن صحتها – فكل شيء له بداية له مبتدئ، فالكون كانت له بداية، ومن ثم كان له مبتدئ. والكون كان منسجماً منذ لحظة الخلق لبزوغ الحياة الإنسانية، وهكذا.

فقاطعته لأخبره أنني قد حاورتُ بالفعل ويليام لين كريج حول البراهين التي تشير للأصل الإلهي للكون.

فقال لي: آه، حسناً، ما ينساه الناس عادةً هو أنه إن كانت هذه الآية الأولى صادقة، فليست المعجزات ممكنة فحسب، بل فعلية أيضاً، لأن أعظم معجزة قد حدثت فعلاً – خلق شيء من العدم. ما الأصعب: أن يأخذ يسوع الماء ويحوله إلى خمر أم أن يأخذ حفنة من لا شيء ويحولها إلى ماء؟ أن تصنع ماء من العدم أصعب بكثير من أن تصنع خمراً من الماء.

فقلتُ: ذات مرة قال لي متشكك: لا أؤمن بالكتاب المقدس لأن فيه معجزات. فقلتُ له: أذكر واحدة، فقال تحويل الماء إلى خمر. هل تؤمن بها؟ فقلتُ: نعم فهي تحدث طوال الوقت، فقال، ماذا تقصد؟ فقلتُ: حسناً، المطر يتغلغل في كرم العنب، ثم إلى العنب، ثم يتحول العنب إلى خمر. كل ما فعله يسوع هو انه أسرع بالأمر قليلاً.

إن فكرتي هو أن كان لديك إله يمكنه عمل شيء من العدم، فيمكنه إذاً أن يُجري المعجزات. وحينئذ يكون الشيء الوحيد الذي علينا ان ننظر إليه هو أي كتابٍ في العالم تم التأكيد عليه بصورةٍ إعجازية. هناك كتابٌ واحد، وهو الكتاب المقدس. فقلتُ: حسناً، أخبرني كيف. فقال رافعاً إصبعين: طريقتان: الأولى، الكتاب المقدس مؤكد بصورة اعجازية بتحقيق النبوات التنبؤية، والثانية، الكتاب المقدس مؤكد بالمعجزات التي اجراها من قالوا إنهم يتحدثون عن الله.

 

تأكيد النبوات

بدأ جيسلر بجملةٍ مؤثرة: الكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد في العالم الذي يحوي تنبؤات محددة دقيقة قيلت قبل حدوثها بمئات السنين وتحققت حرفياً.

نظر جيسلر إلى أحد الكتب المعلقة في أرفقه، وواصل كلامه قائلاً: بالنسبة لموسوعة بارتون باين للنبوة الكتابية Barton Payne’s Encyclopedia of Biblical Prophecy، هناك 191 تنبؤاً في العهد القديم حول مجئ المسيح تتضمن نسبه، والمدينة التي سيولد فيها، وولادته من عذراء، ووقت موته بالتدقيق، وهكذا.

في الحقيقة، يقول مزمور 22: 16 ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. وتقول آية 14 انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. وتقول آية 18 يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ. وزكريا 12: 10 تقول: فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ. هذه صورة واضحة عن صلبه – ومع ذلك فقد كُتبتْ حتى قبل تنفيذ الصلب كطريقة للإعدام بواسطة الرومان. في ذلك الوقت كان اليهود يرجمون المجرمين حتى الموت.

وبالطبع إشعياء 53: 2-12 ربما تحتوي على أكثر التنبؤات دهشةً عن المسيح في العهد القديم بأكمله. فهي تتنبأ ب 12 ملمح من ملامح آلامه التي تحققت تماماً – فسوف يُرفض، وسيكون رجل أوجاع، وسيعيش حياة معاناة، وسيُحتقر من الآخرين، وسيحمل الحزن، وسيُسحق، وسيُضرب من الله، وسيُطعن عن آثامنا وسيُجرح عن خطايانا، وسيموت مع الأشرار، وسيكون بلا خطية، وسيصلي من أجل الآخرين

فرفعت صوتي قائلاً: مهلاً، فإن تكلمت مع حاخام يهودي، سيقول لك إن هذه الفقرة تشير رمزياً إلى اسرائيل، لا إلى المسيا. فهز جيسلر رأسه قائلاً: في أزمنة العهد القديم، كان الحاخامات اليهود يعتبرون تلك نبوة عن المسيا. فهذا هو الرأي المتصل حقاً.

وفيما بعد، بعد ما أشار المسيحيون إلى أن هذا كان يشير بوضوح إلى يسوع، بدأ اليهود يقولون إنها كانت حقاً عن معاناة الأمة اليهودية. لكن هذا خطأ بوضوح. فإشعياء معتاد على الإشارة للشعب اليهودي بصيغة جمع المتكلم مثل نا، أو نحن، لكنه دائماً ما يشير للمسيا بصيغة مفرد الغائب مثل هو، أو . هـ – وهذا ما فعله في إشعياء 53. وبالإضافة إلى ذلك، كل من يقرأ ذلك بنفسه سيفهم تماماً أنه يشير إلى يسوع. وربما يكون سبب ذلك هو أنهم عادةً ما يتغاضون عنها في المجامع هذه الأيام.

ولذلك تكون لديك ههنا تنبؤات مذهلة تحققت حرفياً في حياة إنسان واحد، رغم إنه لم يكن لديه تحكم على معظمها. فمثلاً، لم يمكنه أن يرتب موضوع نسبه، أو توقيت ميلاده، إلخ. لقد كتبت هذه النبوات مبكراً بـ 200 عاماً إلى 400 عاماً. ولا يوجد كتاب آخر في العالم يحوي هذا. فالكتاب المقدس هو الكتاب الوحيد المؤيد هكذا بصورة فوق طبيعية.

تأملتُ في ذلك وقلتُ: لكن أنبياء العهد القديم لم يكونوا وحدهم في التاريخ من تنبأ تنبؤات تحققت بصورةٍ مدهشة. فمثلاً نوستر اداموس الطبيب والمنجم الذي عاش في القرن السادس عشر مشهور بتنبؤات حول المستقبل. ألم يتنبأ بصعود هتلر وألمانيا النازية؟ قلتها كجملة أكثر منها كسؤال. إن كان واحد يمكنه ذلك، فما الذي يميز نبوات الكتاب المقدس؟

فأجاب جيسلر: المشكلة مع نوستر اداموس وكثير جدا من الوسطاء المزعومين هي أن تنبؤاتهم كثيراً ما تكون مبهمة غامضة وغير دقيقة. فصممتُ قائلاً: ولكن ماذا عن النبوة حول هتلر؛ فهي دقيقة تماماً. فأجابني: في الواقع لم تكن دقيقة على الإطلاق. وقف جيسلر وتقدم نحو رف الكتب، وسحب أحد كتبه، وفحصه حتى وصل لما كان يريده. ثم قرأ كلمات نبوة نوستر اداموس:

يا تابعي المذاهب، ضيقاتٌ عظيمة تنتظر الرسول. وحشٌ فوق المسرح يتهيأ للمسرحية التصويرية. مخترع ذاك الفعل الشرير سيكون مشهوراً. العالم سيرتبك وسينقسم بالمذاهب … الوحوش المجنونة بالجوع ستعوم عبر الأنهار. معظم الجيش سيكون ضد الدانوب الأصغر the lower Danube [Hister sera]. العظيم سيُسحب في قفص حديدي عندما لا يلاحظ أخ الطفل [de Germain] شيئاً. (28)

استمر جيسلر: من الواضح أن هذه ليست إشارة إلى أدولف هتلر. فالكلمة الواردة ليست Hitler بل Hister، ومن الواضح أنها ليست إنسان بل مكان. فالجملة اللاتينية de Germain يجب تفسيرها ألى اخ أو قريب، وليس ألمانيا Germany. وهو لا يذكر أية تواريخ أو حتى إطار زمني عام. وبالإضافة إلى ذلك، ماذا يقصد بـ وحوش، وقفص حديدي؟ من المربك جداً أن النبوة بكامله ليس لها معنى.

إن العينة هي أن تنبؤات نوستر اداموس غامضة للغاية، ويمكن أن تتناسب مع قدر هائل من الحداث. فتابعوه ليسوا متناغمين في تفسير ما قاله. وبعض نبواته ظهر أنها خاطئة. ففي الحقيقة، لم تتبرهن أصالة نبوة واحدة من نبوات نوستر اداموس على الاطلاق. فقلت: سأفترض أن كثيراً من الوسطاء مثل نوستر اداموس غامضون في تنبؤاتهم. ولكن عليك الاعتراف أن نفس الشيء ينطبق على بعض النبوات الكتابية.

فأجابني جيسلر: موافق، ولكن ليست كل النبوات الكتابية حادة. ومع ذلك، فكثير منها دقيق جداً. فكيف يمكنك أن تحصل على ما هو أكثر تفصيلاً من التنبؤ الدقيق حول موت يسوع كما في دانيال 9: 24-26؟ فعندما تحل المسألة، فسوف تجد أن هذه الفقرة تشير لموعد دخول يسوع التاريخ البشري. وماذا عن نبوات مكان ميلاده، وكيف سيعاني وسيموت؟ إن التحديد مدهش، وقد تبرهنت حقيقتها بشكل ثابت.

فقابلته بمثالٍ معاصر حول وسيطة كانت تنبؤاتها مفصلة تماماً في الغالب. في العام 1956 تنبأت جين ديكسون1 بفوز رئيس ديمقراطي بالانتخابات الرئاسية للعام 1960 ثم اغتياله في المكتب. وقد تحقق ذلك في جون كينيدي – وهذه نبوة دقيقة تماماً.

فلم يتأثر جيسلر وقال: لقد تنبأتْ أيضاً أن انتخابات 1960 سيكسبها العمال، وهذا ما لم يحدث. وبعدها راهنت بفوز ريتشارد نيكسون، وهكذا كانت هناك فرصة 100% أن تتحقق واحدة من هذه التنبؤات. وفيما يخص الاغتيالات، فقد مات ثلاثة من الرؤساء العشرة في القرن العشرين في المكتب، وكان اثنان آخران مريضان جداً في نهاية خدمتهما. لم تفلح محاولاتها.

وبالإضافة إلى ذلك، على خلاف الأنبياء الكتابيين، فقد قالت تنبؤات كثيرة جداً اتضح خطأها – أن الصين الحمراء ستدفع العالم إلى الحرب ضد كوموي Quemoy وماتسو Matsu في العام 1958؛ وأن الحرب العالمية الثالثة ستبدأ في العام 1954؛ وأن كاسترو سيُنفى من كوبا في العام 1970. وأفضل تنبؤاتها المحببة لي هي أنها تنبأت بأن جاكلين كيندي لن تتزوج ثانية – وفي اليوم التالي مباشرةً تزوجت أرسطو أوناسيس! قالها بضحكة خافتة.

أوضحت دراسة قام بها الوسطاء عن النبوات في العام 1979 بما فيها نبوات ديكسون أنها كانت دقيقة بنسبة 6% فقط. يا للشفقة! من المحتمل أن تخمن وتحصل على نسبة أعلى من هذه. وبالإضافة إلى ذلك، فسوف تجد أن ديكسون، ونوستر اداموس، والوسطاء الآخرين يتعاملون بشكل عام مع الممارسات السحرية – فمثلاً كانت ديكسون تستخدم كرة كريستالية، وكان من الممكن أن يفسر ذلك بعضاً من تنبؤاتهم.

وبما أنني متشكك من الوسطاء، لم أرد الاندفاع أكثر لوضع محاولة الدفاع عنهم. فقد قدم جيسلر فكرته: أنهم كانوا مختلفون تماماً عن أنبياء الكتاب المقدس. قررت أن أتقدم إلى نقد أكثر فعالية للنبوة الكتابية، وهو ادعاء أن المسيحيين يخرجونها خارج السياق ويدعون أنهم تنبأوا بمجيء يسوع بينما كانوا يتعاملون بالفعل مع موضوع آخر. وقد جال مثال في ذهني.

بسطتُ يدي وأخذتُ كتابه المقدس بعد استئذانه. إلى متى 2: 14-15 التي تقول: «فَقَامَ] يوسف [وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني».

هذه إشارة إلى هوشع 11: 1. رجعتُ لتلك الآية وقرأتها لجيسلر: «لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَماً أَحْبَبْتُهُ وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي. »

أغلقتُ الكتاب وأعدته إلى جيسلر وقلتُ: من الواضح الآن أن هذه الفقرة تتحدث عن بني اسرائيل وهم خارجون من مصر وقت الخروج. إنها ليست عن المسيا. ألا يسحب هذا نبوة خارج إطار النص؟

فأشار جيسلر: هذا سؤالٌ جيد. ومع ذلك عليك أن تفهم أنه ليست كل النبوات تنبؤية.

فسألته: ما معنى ذلك؟

من الحقيقي أن العهد الجديد قد طبق فقرات معينة من العهد القديم على يسوع لم تتنبأ عنه مباشرةً. يرى كثير من الدارسين أن هذه الإشارات محققة، رمزياً، في المسيح، دون ان تكون قد تنبأت عنه مباشرة.

بمعنى؟

بمعنى أن بعض الحق في الفقرة يمكنه أن يُطبق على المسيح بشكلٍ مناسب حتى لو لم يكن متنبأ عنه. دارسون آخرون يقولون إن هناك معنى عام في بعض فقرات العهد القديم تنطبق على كل من اسرائيل والمسيح، فكل منهما أطلق عليه ابن الله. وهذا ما يسمى أحياناً بـ الرؤية مزدوجة الإشارة، للنبوة.

يمكنني أن أفهم ميزة كلا الرؤيتين. ولكن هذه الفقرات لم تكن تنبؤية بصورة مباشرة. وأنا لا أستخدمها بهذا الأسلوب. ومع ذلك هناك بالطبع عدد كاف من الأمثلة لنبوات تنبؤية بوضوح لتأسيس السلطان الإلهي للكتاب المقدس. لقد أوضح علم الرياضيات أنه من المستحيل أن تكون قد تحققت بمجرد الصدفة على الإطلاق.

تأكيد المعجزات.

متقدماً إلى السبب الاخر للسلطان الإلهي للكتاب المقدس، قال جيسلر إن هناك طريقاً أكيداً إذا كان نبي هو المتحدث عن الله، أو إنه دجالاً يحاول خداع الجماهير: هل يمكنه إجراء معجزات قاطعة؟ إن الديانات التوحيدية الكبرى – المسيحية، واليهودية، والإسلام – تدرك صلاحية المعجزات كوسيلة تأكيد رسالة من الله. وحتى المتشكك الشهير برتراند راسل افترض أن المعجزات تثبت أصالة التأكيد الحق. (29)

فقال جيسلر: في الكتاب المقدس – الذي رأينا كما تذكر مصداقيته تاريخياً – لدينا أنبياء واجهوا التحدي، لكنهم أجروا المعجزات لإثبات أحقيتهم.

فمثلاً، قال موسى في خروج 4: 1: «وَلكِنْ هَا هُمْ لاَ يُصَدِّقُونَنِي وَلاَ يَسْمَعُونَ لِقَوْلِي، بَلْ يَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ لَكَ الرَّبُّ.» فكيف يستجيب الله؟ يأمر الله موسى بإلقاء عصاه على الأرض وفي الحال ستتحول إلى حية. ثم قال لموسى أن يلتقطها من ذنبها، فتتحول إلى عصاة من جديد. ثم قال الله في آية 5: «لِكَيْ يُصَدِّقُوا أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لَكَ الرَّبُّ إِلهُ آبَائِهِمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ.»

نفس الشئ ينطبق على إيليا على جبل الكرمل – فلقد واجه التحدي، فأرسل الله ناراً من السماء لإثبات أنه كان نبي حقيقي. بالنسبة ليسوع، فقد جاء حقاً وقال: «إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فَلاَ تُؤْمِنُوا بِي.» (30) وبعد ذلك فعلها. وحتى نيقوديموس افترض ذلك حينما قال ليسوع: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّمًا، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَعْمَلَ هذِهِ الآيَاتِ الَّتِي أَنْتَ تَعْمَلُ إِنْ لَمْ يَكُنِ اللهُ مَعَهُ.» (31)

وهذا لم يحدث أبداً مع محمد. ففي الواقع، آمن محمد حقاً أن يسوع كان نبياً أجرى المعجزات بما فيها إقامة الموتى. والمسلمون يؤمنون أيضاً أن موسى وإيليا أجريا المعجزات. وهذا ممتع للغاية؛ لأنه في القرآن حينما تحدى غير المؤمنين محمداً لإجراء معجزة رفض. وقال فحسب إنه يجب عليهم أن يقرأوا سورة في القرآن.(32)

فتعجبتُ قائلاً: هل فعل هذا؟

بالطبع. لقد قال محمد بنفسه: الله قادر أن يأتي بعجزة.(33)وقال أيضاً: سيقولون: لماذا لا تأتيه معجزة من ربه؟(34)وعلى خلاف يسوع، لم تكن المعجزات علامةً لإرسالية محمد. ولم يمر على موته إلا حوالي 150-200 عاماً حتى ادعى أتباعه معجزات ونسبوها له.

ولكن حين أثار يوحنا المعمدان سؤال ما إذا كان يسوع هو المسيا، كان بإمكان يسوع ان يجيب تلميذا يوحنا بثقة: «اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا رَأَيْتُمَا وَسَمِعْتُمَا: إِنَّ الْعُمْيَ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجَ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصَ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمَّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينَ يُبَشَّرُونَ. »(35)

توقف جيسلر للحظات بينما كنتُ أتأمل فيما كان يقوله. وبعدها لخص حججه: عندما تُجمع هذه الأمور معاً: مصداقية الكتاب المقدس تاريخياً بتأكيد علم الآثار، والتحقيق الإعجازي للنبوات التنبؤية الواضحة، وإجراء المعجزات المذكورة، فسوف تحصل على كتاب مبرهن بصورة فائقة للطبيعة على خلاف أي كتاب آخر في التاريخ.

أردت أن أوضح شيئاً: ما لست تقوله هو أؤمن أن الكتاب المقدس موحى به سماوياً لأنه يقول هذا.

هذا صحيح. فهذه حجة دائرية. لا، فالحجة توضع هكذا: الكتاب المقدس يؤكد أنه كلمة الله والكتاب المقدس يبرهن على أنه كلمة الله.

سيبدو أن هذه حالة جيدة تماماً – لو أن الكتاب المقدس لم يكن فيه الكثير جداً من التناقضات الظاهرة في ثناياه. ولكن كيف يمكن الوثوق بالكتاب المقدس حقاً بينما لا يستطيع الحفاظ على روايته الشخصية حتى النهاية؟ كيف يمكن اعتباره موحى به سماوياً بينما يقدم عبارات لا يمكنها ببساطة أن تتوافق بين بعضها البعض؟

التلاؤم مع التناقضات

عندما سألت عن التناقضات المزعومة في الكتاب المقدس، ضبط جيسلر جلسته في مقعده وابتسم، فقد كان موضوع قضى في دراسته حياته بأكملها.

قال: لقد كانت لدي هواية جمع التناقضات والأخطاء المزعومة والعبارات المتصارعة في الكتاب المقدس. ولدي قائمة بما يقرب من 800 بند منها. منذ سنوات قليلة اشتركتُ في تأليف كتاب عنوانه عندما يتساءل النقاد يخصص حوالي 600 صفحة لتوضيح صحة الأمور. (36) وكل ما على أن أقوله لك هو إنه في اختباري عندما يثير النقاد تلك الاعتراضات، فهم يخترقون بصورة ثابتة واحداً من 17 مبدأ لتفسير الكتاب المقدس.

فسألته: وما هي؟

مثلاً، افتراض أن ما ليس له تفسير لا يمكن تفسيره. فأنا متأكد أن ناقداً حاداً يمكنه أن يسألني: ماذا عن هذا الموضوع؟ ورغم إنني قمتُ بدراسة هذه الأمور لمدة 40 عاماً، إلا إنني لن أكون قادراً على إجابته. ماذا يبرهن ذلك: أن الكتاب المقدس مخطئ أم أن جيسلر جاهل؟ سأرجح صحة الكتاب المقدس، لأنه من بين الـ 800 ادعاء التي درستها، لم أجدُ خطأ واحداً في الكتاب المقدس، لكني وجدتُ الكثير من الأخطاء من جانب النقاد.

فرفعتُ رأسي متسائلاً: هل هذا معقول حقاً، أن ترجح صحة الكتاب المقدس؟

فأصر قائلاً: نعم، فعندما يفاجأ عالم بأمر شاذ في الطبيعة، فهل ينقطع عن العلم؟ عندما اكتشف مسبارنا الفضائي حلقات مضفورة حول المشتري، كان ذلك معارضاً لكل التفسيرات العلمية. فهل كنتَ تتوقع إذاً أن يستقيل كل علماء ناسا لأنهم لم يمكنهم تفسير ذلك؟

فضحكت قائلاً: بالطبع لا.

تماماً. إنهم لم يستسلموا، بل قالوا: لا بدَّ أن يكون هناك تفسير، واستمروا في الدراسة. أنا أدرس الكتاب المقدس بنفس الأسلوب. فلقد أثبت مراراً وتكراراً أنه دقيق، حتى حينما كنتُ أعتقدُ مبدئياً عكس ذلك. فلماذا لا أرجح صحته الآن؟ نحن بحاجة لدراسة الكتاب المقدس بالطريقة التي يُحاكم بها الأمريكي في المحكمة: المتهم برئ حتى تثبت إدانته.

النقاد يفعلون العكس. فقد أنكروا وجود الحثيين الذين ورد ذكرهم في العهد القديم أساساً. بينما اكتشف علماء الآثار المكتبة الحثية. يقول النا: حسناً، أعتقد أن الكتاب المقدس كان صادقاً في تلك الآية، لكني لا أقبل البقية. مهلاً، فيما تبرهنت دقة الكتاب مراراً وتكراراً في مئات التفاصيل، فإن ثقل البرهان يقع على الناقد، لا على الكتاب المقدس.

طلبتُ من جيسلر أن يصف باختصار بعض المبادئ الأخرى لحل التناقضات الظاهرة في الكتاب المقدس.

فقال: مثلاً الإخفاق في فهم سياق الفقرة. هذا هو أكثر خطأ شائع لدى النقاد. فبأخذ الكلمات خارج سياق النص، يمكنك حتى أن تجعل الكتاب المقدس يبرهن بعدم وجود الله. ومع ذلك فمزمور 14: 1 يعلنها ويقولها: ليس إله. ولكن بالطبع في السياق يقول: قَالَ الْجَاهِلُ فِي قَلْبِهِ: «لَيْسَ إِلهٌ». ومن هنا فإن السياق مهم نقدياً، ومعظم النقاد مذنبون بإخراج الآيات خارج إطار السياق لخلق تعارض مزعوم بينما لا يوجد تعارض.

خطأ آخر هو افتراض أن تقريراً جزئياً تقرير خاطئ. فمتى يقرر أن بطرس قال ليسوع: أنت المسيح ابن الله الحي. ومرقس يقول: أنت المسيح. ولوقا يقول: مسيح الله. (37)

يقول النقاد: هل رأيت؟ خطأ! وأنا أقول: أين الخطأ؟ فمتى لم يقل أنت لست المسيح، بينما قال مرقس أنت المسيح! بل أن متى أسهب الأمر. وهذا ليس خطأ بل أمور تكميلية.

الأخطاء الأخرى تتضمن تجاهل تفسير الفقرات الصعبة في ضوء الفقرات الواضحة؛ وضع تعليم متعلق بفقرة غامضة؛ نسيان أن الكتاب المقدس يستخدم لغة الحياة اليومية الغير متكلفة؛ الإخفاق في تذكر أن الكتاب المقدس يستخدم وسائل أدبية مختلفة؛ نسيان أن الكتاب المقدس هو كتاب إنساني بخصائص إنسانية.

فقلت: البشر يخطئون. فلو كان كتاباً إنسانياً، فهل الأخطاء يمكن تجنبها؟

فأجابني: فيما عدا الوصايا العشر، لم يُملي الكتاب المقدس. فالكُتّاب لم يكونوا سكرتارية للروح القدس. فأحياناً ما استخدموا وسائل بشرية أو أساليب أدبية مختلفة أو كتبوا من مناظير مختلفة، أو أكدوا على اهتمامات مختلفة، أو أعلنوا عن مشاعر ونماذج تفكير بشرية. ليست هناك مشكلة مع ذلك، ولكن كالمسيح، فالكتاب المقدس إنساني تماماً، ولكن بلا خطأ.

فقاطعته: ومع ذلك فالناس تطلع باعتراضات مزعومة طوال الوقت.

فأجاب مثل ماذا على سبيل المثال؟ ما هي الاعتراضات الأكثر شيوعاً التي تسمعها؟

فكرتُ للحظات وقلتُ: متى يقول إنه كان هناك ملاك واحد عند قبر يسوع. ويوحنا يقول اثنان. الأناجيل تقول إن يهوذا خنق نفسه، وسفر الأعمال يقول إن أحشائه قد خرجت.

فأجابني: أنت على حق، فهذه أمور متكررة، لكنها سهلة الحل. فبخصوص الملائكة، هل سبق لك أن لاحظت أنه كلما كان لديك اثنان من شيء ما، يكون لديك واحداً أيضاً؟ الأمر بسيط. متى لم يقل إنه كان هناك مجرد ملاك واحد. ويوحنا كان يقدم تفصيلاً أكثر قائلاً بوجود اثنين.

بالنسبة لانتحار يهوذا، فأنت تخنق نفسك على شجرة أو فوق حافة منحدر. كان مخالفاً للناموس أن تلمس جسداً ميتاً في تلك الأيام. ولذلك يكون هناك من مرّ لاحقاً، ووجد الجثة، وقطع الحبل، فسقط الجسد المنتفخ على الصخور. ماذا يحدث؟ تخرج الأحشاء تماماً كما يقول الكتاب المقدس. هذه ليست معارضة، بل تكملة.

على العموم، كان علي أن أعترف أن جيسلر كان مستقيم الفكر. فأنا أتذكر كملحد أمطر المسيحيين غير المستعدين بوابل من الاعتراضات والاختلافات الكتابية الظاهرية، فكانوا يصابون بالارتباك والحيرة لأنهم لم يقدروا على الإجابة، فكنتُ أنطلق وأنا أشعر بالفخر والرضا.

ولكن ليس معنى ذلك أنهم لم يقدروا على إجابتها أنه لم تكن هناك إجابات. فكما هو الحال مع الفقرات المُربكة الخاصة بالكنعانيين وإليشع، كلما تعمقت في البراهين التاريخية وأخضعت الموضوعات للفحص، كلما كانت تميل أن تخبو كاعتراضات.

لماذا يصعب الإيمان

آن أوان الغذاء تقريباً وكنتُ أشعر بالجوع، فسألتُ جيسلر: هل تريد أن تستريح قليلاً للغذاء فقال: بالطبع. هناك مطعم صغير بالأسفل. تفحصتُ مذكراتي. كنتُ أعتقد أنني قمتُ بتغطية كل شيء أردتُ مناقشته. ثم لاحظتُ اقتباساً كنتُ قد جئتُ به. كان عبارة عن وجدان عكسي أحبط الكثير من الناس: لماذا يجعل الله من الصعب جداً أن نؤمن به؟ لم أرد إنهاء اللقاء دون سؤال جيسلر حول ذلك.

قلتُ له: هناك شيء أخير قبل أن نرحل بينما قرأتُ له الكلمات الحيوية التي كتبها باحث روحي محبط: لو كنتُ أريد أن أتجنب الجحيم، فعليَّ افتراضاً أن أؤمن أن حيةً قد تكلمتْ إلى حواء، وأن عذراء قد أصبحت حبلى من قَبل الله، وأن حوتاً قد ابتلع نبياً، وأن البحر الأحمر قد انشق، وكل الأمور المجنونة الأخرى. حسناً، لو كان الله يريدني أن أكون مجنوناً جداً … فماذا يجعل الإيمان به …

مستحيلاً جداً؟ … يبدو الأمر بالنسبة لي أن إلهاً كُلَّي القدرة كان يمكنه عمل شئ أفضل لإقناع الناس بوجوده أكثر مما يفعله أي مبشر … أن يكتب فقط على السحب بخط لطيف وكبير: ها هو برهانكم، Ed. آمنوا بي أو إذهبوا إلى الجحيم! المخلص، القادر(38) تطلعتُ إلى جيسلر، وقلت له: ماذا تقول له؟ انذهل جيسلر قليلاً وأجابني: إجابتي ستكون أن الله قد فعل شيئاً مثل هذا فالمزمور 19: 1 يقول اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ، وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. (39) في الحقيقة، هذا مكتوب عبر السماوات بوضوح شديد لدرجة أن الكثير والكثير من العلماء الذين يبحثون النجوم يصيرون مسيحيين.

العالم الكوني العظيم آلان سانداج الذي حصل على جائزة نوبل للفلك، استنتج أن الله هو تفسير معجزة الوجود (40) والسير فريد هويل الذي صمم نظرية الحالة الثابتة للكون لتجنب وجود الله صار مؤمناً أخيراً بوجود مصمم ذكي للكون.

عالم الفيزياء الفلكية هيو روس الذي حصل على شهادة الدكتوراه في الفلك من جامعة تورنتو وقام بأبحاثه عن أشباه النجوم والمجرات، قال إن الدليل التاريخي والعلمي قد أصل بعمق ثقتي بصحة الكتاب المقدس. (41) روبرت جاسترو – لا أدري معترف، ومدير مرصد مونت ويلسون، ومؤسس معهد Goddard Space، استنتج أن نظرية الانفجار العظيم تشير إلى الله. وأحبُ ما قاله الفيزيائي الرياضي روبرت جريفث: إن أردنا ملحداً من أجل مناظرة، لذهبنا لقسم الفلسفة. فقسم الفيزياء لا يفيد كثيراً. (42) إن البرهان، يا لي Lee، واضح جداً.

فأشرتُ: ليس لمتشكك مثل برتراند راسل. وذكرته قائلاً: لقد قال إنه لو وقف يوماً أمام الله وسُئل لماذا لم يؤمن به، لأجاب أنه لم يُعط له البرهان الكافي. وبما أن جيسلر كان مغرماً بجمع الاقتباسات من الملحدين واللاأدريين، فقد ذكر شيئاً آخر قاله راسل: سُئل راسل في أحد لقاءات مجلة لوك Look: تحت أي شرط ستؤمن بالله، فأجاب بشكل أساسي: حسناً، لو سمعتُ صوتاً من السماء يتنبأ بسلسلة من الأمور، ثم تحققت، فأعتقد أنه سيكون علي أؤمن بوجود ذاك النوع من الكيان الفائق للطبيعة. (43)

في ضوء مناقشتنا عن التحقق الإعجازي للنبوات التنبؤية في الكتاب المقدس، كانت السخرية في عبارة راسل واضحة. فصرح جيسلر: يمكنني أن أقول: سير راسل، كان هناك صوت من السماء، وقد تنبأ بأمور كثيرة، شهدناها تتحقق دون إنكار. لذلك لا تعتقد أن الله يجعل الأمر صعباً على الناس أن يؤمنوا؟ على العكس، فالدليل موجود لو تهيأ الناس لرؤيته. فالناس لا يتحولون عن الله بسبب انعدام الدليل، بل بسبب كبريائهم أو مشيئتهم. فالله لا يجبر أي إنسان لدخول جماعة المؤمنين. المحبة لا تعمل أبداً بإجبار. لكنها تعمل فقط بإقناع. وهناك الكثير من الأدلة المقنعة ههنا.

شعرتُ بواجبي لكشف شخصية الإنسان الذي اقتبستُ له قطعة لماذا يجعل الله من الصعب جداً ان يؤمن الناس. فقلت لجيسلر إن اسمه هو ادوارد بويد، وقد قدم هذه الملحوظة لابنه الفيلسوف المسيحي جريجوري بويد فيما كانا يتبادلان سلسلة من الخطابات يتجادلان فيها عن براهين المسيحية. في العام 1992، بعد تأمل البراهين شخصياً، قرر المتشكك السابق ادوارد بويد أن يكون تابعاً ليسوع. (44)

ابتسم جيسلر لسماع القصة، ثم إتجه إتجاهاً شخصياً شعرياً فيما اختتم الحوار بمناقشة إيمانه الشخصي. بالنسبة لي، أقول نفس الشئ الذي قاله الرسول بطرس: «يَا رَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ» (45). فهو الوحيد الذي لم يعلن فقط أنه هو الله، بل أثبت أيضاً أنه هو الله. عندما اقارن هذا بكل أصحاب الديانات الأخرى، يكون الأمر كالشاعر الذي قال:

الليل له ألف عين

والنهار له عين واحدة

فنور العالم كله يموت

مع شروق الشمس

رق صوت جيسلر لكنه احتفظ بشدته. وقال: في منتصف ليل الجهل البشري، هناك الكثير من الأنوار في السماء. وفي وقت الظهيرة هناك نورٌ واحد. وهو يسوع المسيح نور العالم. فطبقاً لبراهين من يكون، لا يوجد حقاً أي منافس.

لذلك جعلتُ معه نصيبي – لا مع من زعم الحكمة – كونفوشيوس، أو مع من زعم الاستنارة – بوذا، أو مع من زعم النبوة – محمد، بل مع من أعلن أنه الله المتجسد، الواحد الذي أعلن قائلاً قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن (46)، وأثبت ذلك

مشاورات

أسئلة للتأمل ومجموعات الدراسة

  • قيم كيف تؤمن أن جيسلر قد نجح في التعامل مع الموضوعات المُربكة لكيف تعامل الله مع عماليق، الكنعانيين، والغوغاء التي هددت إليشع النبي. ماذا كان أقوى جزء من تفسيره؟ هل موضوع شخصية الله نقطة محيرة في رحلتك الروحية؟ لماذا؟ لماذا لا؟
  • هل تفهم إرشادات جيسلر لتفسير الكتاب المقدس؟ اي منها رأيتَ أن النقاد قد اخترقوها؟ هل تتفق أن ترجيح صدق الكتاب المقدس على أساس أنه برهن مصداقيته في حالات كثيرة؟ لماذا؟ لماذا لا؟
  • ما هو رد فعلك لاقتباس المتشكك السابق ادوارد بويد؟ هل تؤمن أن الله قد جعل الإيمان به صعباً؟ ما هي عقبتك الكبرى للإيمان؟ ما هي الخطوات المحددة التي كان يمكنك اتخاذها لقهر تلك العقبة؟
  • هل تعطلت بوجود تناقض أو تعارض ظاهر في الكتاب المقدس؟ لو كان الأمر هكذا، فكيف تصرفت لإيجاد إجابة؟ حاول وضع سؤالك بقدر الإحكام، ثم استفد من مصادر المكتبة والانترنيت، بما فيها الكتب المذكورة بالأسفل، وإبحث هل هناك تفسير يرضيك.

لمزيد من الأدلة

مصادر أخرى حول هذا الموضوع

 

Norman Geisler. Baker Encyclopedia of Christian Apologetics. Grand Rapid، Mich.: Baker، 1999.

Norman Geisler and Thomas Howe. When Critics Ask. Grand Rapids، Mich.: Baker، 1992.

Norman Geisler and Ronald Brooks. When Skeptics Ask. Wheaton، III. Victor، 1990.

Gleason L. Archer. Encyclopedia of Bible Difficulties. Grand Rapids، Mich.: Zondervan، 1992.

Walter C. Kaiser Jr.، Peter H. Davids، F.F. Bruce، and Manfred T. Brauch. Hard Sayings of the Bible. Downers Grove، III. Inter Varsity Press، 1996.

 

1 وسيطة أمريكية وُلدت في العام 1918 وتوفت في العام 1997 إثر أزمة قلبية – المترجم

(1) Quoted in: Carry Poole and Judson Poling، Tough Questions 4 (Grand Rapids، Mich.: Zondervan، 1998)، 12.

(2) Paslam 86:15.

(3) Charles Templeton، Farewell to God، 71.

(4) George H. Smith، Atheism: The Case against God، 77.

(5) Ibid.، 76.

(6) Thomas Paine، Age of Reason، Part I (First printed 1794; reprinted by The Freethought Press Association، New York، 1954)، 18-19، quoted in George H. Smith، Atheism: The Case against God، 78.

(7) قضاة ١٩: ٢٥، ٢٩.

(8) 2 صموئيل 12: 31

(9) ملاخي ٣: ١٦.

(10) 1 صموئيل ١٥: ٣.(10)

(11) مرقس ١٠: ١٤. (11)

(12) 12 ملوك ٢: ٢٣ -٢٥.

(13) Walter C. Kaiser Jr.، Peter H. Davids، F. F. Bruce، and Manfred T. Brauch، Hard Saying of the Bible (Downers Grove، 111.: InterVarsity Press، 1996)، 233، 234.

(14) Ibid. See also: I Kings 20:14-15.

(15) Charles Templeton، Farewell to God، 197 (emphasis removed)، 198،199.

(16) Genesis 1:29-30. After the Flood، God told Noah and his sons in Genesis 9:3 «Everything that lives and moves will be food for you. Just as I gave you the green plants، I now give you everything. »

(17) Isaiah 65:17، 25.

(18) Proverbs 12:10.

(19) George H. Smith، Atheism: The Case against God، 210-11.

(20) Charles Templeton، Farewell to God، 38.

(21) John 3:12.

(22) See: Clifford A. Wilson، Rocks، Relics and Biblical Reliability (Grand Rapids، Mich.: Zondervan، 1977)، 42.

(23) William F. Albright، Archaeology and the Religion of Israel (Baltimore، Md.: Johns Hopkins Press، 1953)، 176.

(24) See: Colin J. Hemer، the Book of Acts in the Setting of Hellenistic History (Winona Lake، Ind.: Eisenbrauns، 1990).

(25) William M. Ramsay، St. Paul the Traveler and the Roman Citizen (Grand Rapids، Mich.: Baker، 1982)، 8.

(26) A. N. Sherwin-white، Roman Society and Roman law in the New Testament (Oxford: Clarendon Press، 1963)، 189.

(27) See: William F. Albright، «Retrospect and Prospect in New Testament Archaeology، » in The Teacher’s Yoke، E. Jerry Wardama’n، ed. (Waco، TX.: Bay-lor University، 1964)، 288ff.

(28) Norman L. Geisler، Baker Encyclopedia of Christian Apologetics (Grand Rapids، Mich.: Baker، 1999)، 544.

(29) See: Bertrand Russell، «What Is an Agnostic? »، Look magazine، 1953، quoted in Norman L. Geisler، Baker Encyclopedia of Christian Apologetics، and 455-56.

(30) John 10:37.

(31) John 3:2.

(32) See surah 2:118; 3:181-84; 4:153; 6:8، 9، 37 in the Koran.

(33) Surah 6:37.

(34) Ibid.

(35) Luke 7:22.

(36) Norman Geisler and Thomas Howe، When Critics Ask (Grand Rapids، Mich.: Baker، 1992).

(37) Matthew 16:16، Mark 8:29، Luke 9:20.

(38) Gregory A. Boyd and Edward K. Boyd، Letters from a Skeptic (Wheaton، 111.: Victor، 1994)، 120.

(39) Revised Standard Version.

(40) John Noble Wilford، «Sizing up the Cosmos: An Astronomer’s Quest، » New York Times، March 12، 1991، quoted in: Hugh Ross، Creator and the Cosmos (Colorado Springs: Nav. Press، 1993)، 116.

(41) Hugh Ross، Creator and the Cosmos، 17.

(42) Robert Jastrow، «The Secret of the Stars، » New York Times Magazine، June 25، 1978، quoted in: Hugh Ross، Creator and the Cosmos، 116.

(43) See: Bertrand Russell، «What Is an Agnostic? » Look magazine، 1953، quoted in Norman L. Geisler، Baker Encyclopedia of Christian Apologetics، and 455-56.

(44) Gregory A. Boyd and Edward K. Boyd، Letters from a Skeptic، 189.

(45) John 6:68.

(46) John 8:58.

قتل الأطفال الأبرياء في العهد القديم – لي ستروبل

رسالة خاصة شخصية لكل مسلم ومسلمة وكل من هو مختلف في العبادة والعقيدة.

أخي وأختي المسلمة وكل من هو مختلف في العقيدة والفكر، زوار موقعنا الأعزاء الذي يرحب بكما أشد الترحيب، ويعتز بمشاركتكم معنا فيه، أولاً أُحييكم باسم الموقع مُرحباً بكم مع كل من هو معنا هنا، متعشماً من الله القدير أن تكونوا في تمام الصحة والعافية وفرح دائم من الله الحي

  • أولاً أحب أن أنوه أن هذه الرسالة لا علاقة لها بمشرفي الموقع أو المسئولين عنه لا من بعيد ولا من قريب، بل هي رسالة محبة شخصية مني أنا لكل من هم مشتركين معنا، ولكن روح الرسالة هي من روح المنتدى نفسه وروح المحبة الساكنة في أعضاؤه.

أخوتي الأعزاء هيا معاً نرسم طريقاً جديداً هو أن نبدأ بداية معطرة بالمحبة الصادقة لندخل في وحدة المحبة بلا معوقات الجدل المبني دائماً على روح الخصومة الذي يُفرق الأخ عن أخيه، فنبدأ أن لا ندخل في عملية الانتقاد لبعضنا البعض أو نثبت لكل منا من هو على خطأ أو على صواب، لأن كل منا لن يقنع إلا بما هو فيه من منهج وطريق رآه منذ الطفولة وسار فيه، لأن من يدخل في حوار الجدل لكي يقنع الآخر بالقوة لأنه يراه أنه على خطأ فادح وأنه حتماً كافر وليس له أي اقتراب من الله إلا عن طريق العقيدة الذي يؤمن فقط بها كل واحد من وجهة نظره وهو وما يراه مناسباً له، فهو نفسه يطغي عليه روح التعالي – دون ان يدري – هذا الذي يجعل قلبه يتحرك بالبغضة نحو أخيه ويود أن يحطمه لأنه لا يُريد أن يؤمن بما يؤمن به أو يُصدق بما يصدقه هو…

  • فيا إخوتي، صدقوني أن روح النقض الذي أبتلينا به في هذه الأيام، وجيلنا هذا، أضاعت علينا روح التقوى وحب الله من كلا الجانبين، وأهدرنا وقتنا كله في مجادلات عقيمة لا طائل منها إلا البُعد والفرقة وعداوة لا تنتهي، أقامت حرب شنعاء بيننا وتركنا عبادة الله الحي وسيرة التقوى وتفرغنا للانتقاد واتهام بعضنا البعض بالكفر والخطأ والضلال والتضليل، فأصبح المجتمع كله مهدد بالتفتت والانقسام الذي أنهى على روح المحبة التي كانت بيننا سابقاً !!!

وقد فقدنا محبتنا نحو بعض ونقضنا السلام الذي بيننا، فدخل مجتمعنا في حالة انقسام وفُرقة ومهاترات الكلام الذي أصبح يطغى على كل تصرفاتنا وحركاتنا حتى عادينا بعضنا البعض وصرنا ننتقد كل شيء بل وصلنا لحد السخرية ( التريقة ) كل واحد فينا على معتقد الآخر بل وتسخيف فكره، ولجأنا لرشق بعضنا البعض بكل اتهام والتقليل من احترامنا لبعض !!!

  • ولكن دعونا ننسى هذا كله ونحترم بعضنا البعض بشدة، وأيضاً ننسى كل نقد وانتقاص الآخر، ونلتقي بالحب في عبادتنا بالله الحي، فنعبد الله بإخلاص حسب منهج كل شخص فينا ونترك الله وحده هو الذي يشهد لنفسه في قلوبنا، فنلتقي في سرّ عبادة الله بكل تقوى ونحب بعضنا بعضاً ونتقابل ونتلامس في جو الصلوات والطلبات التي نرفعها لله الحي القدوس…

فإن أردنا أن نتلاقى حقاً، فلنلتقي في روح التقوى بعبادة صادقة بكل وحده القلب، إذ كيف نسجد أمام الله خالق الجميع ونحمل العداوة في قلوبنا لأي إنسان على وجه الأرض، وعلى ما أعتقد أن أي عبادة تخرج من قلب حانق على أخيه الإنسان لا تُقبل أمام الله خالق الجميع، ومحباً للكل بلا تفريق، ومن منا أهلاً أن يُحاكم عبد غيره، فهو لمولاه يسقط أو يثبت، لكن الله قادر أن يثبته، لذلك على كل واحد فينا أن يعرف نفسه، بغوصه فيها فاحصاً قلبه، لماذا يغضب على أخيه الإنسان، هل لأنه يراه ضالاً، ولا يعرف الله الحي، أم أن الكبرياء والتعالي هو الذي يحركه بغضب حتى أنه يدوس على الآخر ويود أن يسحقه، وبقوة يدخله في عقيدته ليفتخر أنه صاحب الهداية، بدون أن ينظر أن الله هو وحده المسئول عن كل إنسان، وكل واحد مسئول عن حياته الشخصية واختياراته أمام الله الحي، وان كل واحد فينا سيعطي حساباً عن نفسه وليس عن الآخر قط، إلا لو هو الذي عرقل طريقه !!!

  • فيا إخوتي اعبدوا الله بمنهجكم بكل أمانة وأطيعوا القرآن وقدموا لله عبادة بالقلب وليس بالفم، على أساس الاشتياق الشديد للحياة معه ولمسه من جهة القوة التي يمنحها لعبيدة الذين يحبونه، ونحن أيضاً نعبد الله بكل إخلاص وطاعة الإنجيل ونقدم عبادة لله بالقلب وليس بالفم، ولنترك الله هو الذي يحكم على قلوبنا كلينا، لأنه هو الذي يفحص أعماق القلوب ويعرف مداخل ومخارج الإنسان ونياته ومقاصده …

أما نحن معاً فلنشترك معاً بالحب في مجتمع واحد ونبنيه سوياً ونربي أولادنا على الحب وتقبل الآخر المختلف عنا، وهذه هي العبادة الحق التي تشهد لله بقلب طاهر يحبه ويريد أن يمجد أسمه العظيم وسط إخوته البشر، فالله سمح أن نسكن معاً ونحن مختلفين عن بعضنا في المنهج والفكر والعقيدة، لا لكي نتحارب وننتقص من بعضنا، إنما نشهد لصلاحه المتسع الذي به يشرق شمسه على الجميع، على الصالح والطالح، على الجميع دون أن يمنع شمسه عن أحد مهما كان !!!

  • ولنكف يا أحبائي الغاليين جميعنا عن روح النقد والمواجهة الغير مثمرة أو المجدية التي دائماً ما تجلب خصومة عانيناها منذ ما ابتدأنا نقوم بروح النقد التي لم تكن من نفس الإنسان السوية، والتي عملت على تفتيت المجتمع كله – كما ترى في هذه الأيام الصعبة – والتي أصابت وطالت الجميع وفقدت روح السلام وسطنا في كل الاتجاهات، حتى بين العقيدة الواحدة والمنهج الواحد وأصبح الجميع ضد الجميع؛ وعلى ما أظن أن هذا لا يرضي الله أبداً ولا يجعلنا مقبولين عنده لأننا نزرع خصومة دون أن ندري أو ندرك، بل باندفاع العواطف ننطلق في دفاعنا المستميت لا عن ديننا على قدر أنفسنا وكبريائها وتعاليها المستتر وراء شكل الدين، ففقدنا روح العبادة الأصيلة، ونسينا من نعبد وأصبح محركنا الأساسي هو أننا نثبت لبعضنا البعض أن كل واحد فينا على صواب والآخر على خطأ بل وصلنا لحد أهانه الآخر وتصغيره في نظرنا والحكم عليه بالإدانة !!!

وطبعاً كلامي هنا للجميع سواء مسلمين أو مسيحيين أو من أي طائفة أو فئة أو عقيدة أو فكر، فكلامي غير محصور على فئة أو عقيدة بعينها بل هي للجميع بلا استثناء !!!

  • فتعالوا بروح الحب وروح السلام والقلب الواحد أن نشجع بعضنا بعضاً على عبادة الله بروح التقوى والحب الصادق، ونترك النقد والاتهامات التي لا تنتهي ونفحص حياتنا ونقيسها على الإيمان الذي نتكلم به …

وأنا على يقين أن كل طرف يحب الله ويريد أن يقدم خدمة حسنة مقبولة أمام الله بغيرة صادقة، لذلك دعوا كلماتنا تتغير من روح النقد ومواجهة بعضنا البعض بلا طائل إلى حث بعضنا البعض على عبادة الله والحب والسلام ونترك الله وحده يشهد لنفسه لنا، ولا مانع أن كل واحد يعلن إيمانه أمام الجميع ويتساءل، دون أن يمس الآخر بشيء أو يتفوه ضده بكلمات جارحة بأي نوع أو شكل أو صورة أو تلميح، ولو من بعيد، ونشهد لإيماننا بتقوانا وحياتنا مع الله بكل أمانه وإخلاص، وأن يكون هدفنا الأوحد هو تمجيد اسم الله العظيم وليس من أجل أية غاية أخرى حتى ولو بدت سليمة …

تعالوا نكون شهادة حية بالحب والسلام أمام العالم كله، فنظهر محبتنا وحثنا بعضنا البعض على الفضيلة والصلاة والتمسك بكل أمانه بالمنهج الذي نسلكه، ولابد من أن نحيا بكل تدقيق وإخلاص لأجل الله وحده لا الناس، ولنترك الحكم لله وحده على قلبينا وعلى قلوب الناس دون أن ندخل في مهاترات الكلام الذي يسبب الفرقة ويُنشئ العداوة …

أقبلوا مني كل احترام وتقدير يا أجمل إخوة أحباء 
وأشكركم على غيرة محبتكم الحلوة وإخلاصكم لمنهجكم 
السلام لنفوسكم جميعاً يا آبائي وإخوتي وأصدقائي وأبنائي

Exit mobile version