المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الحادية عشر

“عن الكهنوت، وإن الكهنوت بحسب الناموس كان ظلاً للكهنوت بحسب المسيح”

 

كيرلس: لقد تحدثنا حديثًا كافيًا عن الخيمة وكل ما أعلنه الله بخصوصها، وكان حديثنا فعالاً وجاء مناسبًا من جهة الشرح الروحي المفصَّل. علينا أيضًا ـ بحسب رأيي ـ وأظنك توافقني، أنْ نشرح تقدمات الكهنوت، وإنه بكهنوت الظل والناموس أُشير إلى الكهنوت الحقيقي، أي إلى الكهنوت بحسب المسيح، والذي بواسطته تقدَّس الجنس المقدَّس من خلال المسيح. وأقصد بهم أولئك الذين قد استُنيروا بالإيمان، وقد حصلوا على غنى الاتحاد مع الله إذ ظلوا في حالة شركة مع الروح القدس.

بلاديوس: أوافق بالتأكيد، وكلامُك حَسِنٌ.

كيرلس: حسنًا، طالما اكتملت الخيمة المقدسة كما يليق، وتشبَّهت في الشكل بالمثال الذي ظهر لموسى على الجبل، مضى الله في اختيار الكهنة قائلاً: ” وَقَرِّبْ إِلَيْكَ هَارُونَ أَخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَكْهَنَ لِي. هَارُونَ نَادَابَ وَأَبِيهُوَ أَلِعَازَارَ وَإِيثَامَارَ بَنِي هَارُونَ ” (خر28: 1). إنَّ كل الذين اُختيروا للخدمة الكهنوتية المقدسة، دُعوا بأسمائهم. لأنه وفق المكتوب ” َلاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ هذِهِ الْوَظِيفَةَ بِنَفْسِهِ، بَلِ الْمَدْعُوُّ مِنَ اللهِ، كَمَا هَارُونُ أَيْضًا ” (عب5: 4). إذن، لا أحد يأتي من نفسه إلى كهنوت الله لكن عليه أنْ ينتظر الدعوة، لأنه إنْ شَرَعَ أحدٌ في أنْ يخطف هذه الدعوة السماوية التي ليست له، فسوف يخضع لتأديب داثان وأبيرام. ولا تتشكك في أنَّ الدعوة الذاتية (أي تلك التي يُقحِم الإنسان نفسه فيها) تكون غير لائقة، إذ يكتب بولس عن المسيح قائلاً: ” كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا لَمْ يُمَجِّدْ نَفْسَهُ لِيَصِيرَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ، بَلِ الَّذِي قَالَ لَهُ: أَنْتَ ابْنِي أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. كَمَا يَقُولُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ ” (عب5: 5 ـ 6).

 

إذن، الدعوة التي قيلت للمسيح قد أُشير إليها أيضًا فيما قيل مرارًا لموسى: “وقرِّب إليك هرون أخاك وبنيه معه من بين بني إسرائيل ليكهن لي”. ثمَّ ألا تعني كلمة “قرِّب”، “أدعوه وخذه بالقرب منك”؟ لقد دُعيَ المسيحُ ليصير رئيس كهنة بقرار الآب. كما دُعيَ أيضًا وعُيِّن معه التلاميذ القديسين المشاركين له في الخدمة المقدسة. لذلك كرزوا بتعبيرات فائقة للوصف قائلين: ” نحن عاملون مع الله ” (1كو3: 9، رو16: 3)، متجولين في كل المسكونة كارزين للأمم بإنجيل المسيح. فقد دُعوا لرسالتهم بواسطة المسيح والكلمة، وهذا صحيح، لكن هذا الأمر كان على أية حال مسرة الآب، إذ أنَّ فكر الآب وحكمته وإرادته هو الابن.

          هرون إذن، هو مثالٌ للمسيح مقدِّمًا لنا الكهنوت الروحي والحقيقي من خلال الظلال الباهتة. ولاحظ أنَّ موسى أخذ أمرًا بشأن دعوة هرون بالقرب منه، لأنَّ الناموسَ ضعيفٌ وناقصٌ إذا ابتعد عن المسيح. لأنه مكتوب ” لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا” (عب10: 4). لكن المسيح، إذ قُدِّم ذبيحة لأجل الخطايا، جعل كل الذين تقدَّسوا كاملين إلى الأبد. إذن، فليعرف محبُّو الظل ومكرِّمو الوصايا الناموسية، والذين مازالوا يُصرُّون بغيرةٍ على عبادة الظلال أنه إنْ لم يحضروا بالقرب من رئيس الكهنة ورسول إيماننا يسوع المسيح، فإنهم لن يستفيدوا شيئًا. ما فائدة مفاخر الحياة بحسب الناموس عند الله الذي يُكرِّم الفضائل؟ لذلك بسبب عظمة معرفة المسيح يقول إنه يعتبر أمور العالم نفايةً ويفضِّل الأمور الروحية (انظر في3: 8). وهذا المعنى نراه في أمر الله لموسى بأنْ يدعو هرون بالقرب منه.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله وحديثك واضح.

كيرلس: مكتوب: ” ادعُ بالقرب منك أخيك هرون ” (خر28: 1)[1]. وأعتقد أن الأمر مفيدٌ روحيًا. انتبه إذن لما أقوله. لقد أُرسِل موسى لكي يُخرِج الإسرائيليين من العبودية في مصر، وقد رأى موسى أنَّ الأمر قد تجاوز بكثير ضعفه البشرى، إذ تخطى ـ بكثير ـ قدرته وفصاحته، عندئذٍ يترجى الله ويقول: ” لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ ” (خر4: 10). عندئذٍ قال له الله: ” مَنْ صَنَعَ لِلإِنْسَانِ فَمًا؟ أَوْ مَنْ يَصْنَعُ أَخْرَسَ أَوْ أَصَمَّ أَوْ بَصِيرًا أَوْ أَعْمَى؟ أَمَا هُوَ أَنَا الرَّبُّ ” (خر4: 11). ولكن موسى وقد تملَّكه الخوف والهلع من حجم العمل المكلف به قال: ” اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَرْسِلْ بِيَدِ مَنْ تُرْسِلُ ” (خر4: 13). عندئذٍ عيَّن الله مباشرةً، هرون كمثال للمسيح الذي يستطيع أن ينجز كل شيء بسهولة، إذ ليس في الإمكان أنْ يُفدي إسرائيل إنْ لم يُعطَ له المسيح ـ الذي أُشير إليه بشخص هرون ـ معينًا في خوفه وضعفه. لقد أُكمل ضعف الناموس بشخص المسيح، إذ ربط هرون بموسى الطوباوي بعدما اختاره للكهنوت. لأنَّ الناموس لا يكفي للفداء وليس لديه القدرة لكي يقدِّس المفديِّين من الخطية. لكن الفداء طبعًا والقداسة يصيران بالعمل المشترك للقديسين مع المسيح، مثلما ـ بالضبط – فعل موسى مع هرون في مصر، وكذلك أبناء هرون مع هرون نفسه.

 

لقد عَمِل التلاميذ القديسون مع المسيح رئيس الكهنة والقائد، ذاك الذي يمكنه ـ بالتأكيد ـ أنْ يحقق كل شيء، ولكن هؤلاء التلاميذ ـ بعملهم المشترك معه ـ لا يساعدونه لضعفٍ فيه، لكن بسبب أنهم قد دُعوا ليخدموا، فقد اُختيروا كأناسٍ ممتازين، إضافةً إلى أنهم سوف يحصلون منه على القوة التي تجعلهم ينجزون كل شيء. وهذا ما يؤكده بولس الرسول قائلاً: ” أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي ” (في4: 13).

بلاديوس: إذن، فقد دُعِيَ هرون وآخرين بأسمائهم ـ كمختارين ـ إلى الواجب المقدس.

كيرلس: بالإضافة إلى هذا، فقد شرّع أنْ يصنعوا لهؤلاء ملابس بهيةً ولائقةً للقداسة قائلاً: ” وَاصْنَعْ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ لِلْمَجْدِ وَالْبَهَاءِ. وَتُكَلِّمُ جَمِيعَ حُكَمَاءِ الْقُلُوبِ الَّذِينَ مَلأْتُهُمْ رُوحَ حِكْمَةٍ، أَنْ يَصْنَعُوا ثِيَابَ هَارُونَ لِتَقْدِيسِهِ لِيَكْهَنَ لِي ” (خر28: 2 ـ 3). ولذلك ينصح بولس الحكيم، أولئك الذين خلصوا بالإيمان أنْ يلبسوا اللُباس المقدس الحقيقي والسماوي قائلاً: ” الْبَسُوا الرَّبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلاَ تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ ” (رو13: 14). هذا ما أعلنه أيضًا ـ بالتأكيد ـ النبي إشعياء نيابةً عن الكنيسة قائلاً: ” تَبْتَهِجُ نَفْسِي بِإِلهِي، لأَنَّهُ قَدْ أَلْبَسَنِي ثِيَابَ الْخَلاَصِ ” (إش61: 10). إذن، فالمسيح حقًا، هو اللُباس المجيد والبهي والمقدس للجنس الكهنوتي، إنه الزينة البهيّة والفائقة لنفوس القديسين. لأنه يقول: ” كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ ” (غلا3: 27) والقول حقٌ هو.

 

لقد زيَّن الناموس ـ بظلاله ـ هرون في اقترابه من المسيح، آخذًا المجد من زينة المسيح المتنوعة. لأنَّ صناعة الملابس تنطوي على مغزىً سريٍ يُعلِن ـ بطريقة رمزية ـ مجد المخلِّص. ولعلك تلاحظ كيف يقول إنَّ صُنَّاعَ الزينة مملوءون من الفهم الممنوح لهم من الله، أي ذلك الفهم الذي يقودهم إلى طباعة زينة زاهية متنوعة، أي مجد المسيح، فوق الملابس الكهنوتية.

 

والملابس المصنوعة تشمل الصدرة والرداء والجُبة والقميص المخرَّم والعمامة والمِنطقة، وملابس أخرى سوف نتحدث عنها بقدر استطاعتنا في المكان المناسب. لقد قال لأولئك الذين أخذوا على عاتقهم هذه الأعمال: ” فَيَصْنَعُونَ ثِيَابًا مُقَدَّسَةً لِهَارُونَ أَخِيكَ وَلِبَنِيهِ لِيَكْهَنَ لِي ” (خر28: 4 ـ 5). من فضلك، دع فكرك يتأمل فيما قلناه ولاحظ هذا الأمر.

بلاديوس: ما الذي تريد أنْ تقوله؟

كيرلس: ألم يُصنع كل ما هو موجود في الخيمة من ذهب وبوص مبروم وأسمانجوني وأرجوان وقرمز (انظر خر26: 1)، وهذا  يُرمز إلى المسيح؟

بلاديوس: بالفعل، كل شيء يرمز إلى المسيح.

كيرلس: حسنًا، لاحظ أنَّ ثياب الكهنوت صُنعت بنفس المواد لكي تشير ـ كما في صورةٍ ومثال ـ إلى مجد المسيح. لأنَّ الأقوال نفسها، تُظهر جمال المسيح. فالذهب يشير إلى إلوهيته، والأرجوان يشير إلى رتبة المسيح الملوكية، والبوص (قماش أبيض شفاف من اللينوه الرقيق) يشير إلى الكلمة قبل تجسده، والقرمز (الأحمر) يشير إلى الجسد الذي اتخذه، والأسمانجوني (الأزرق السماوي) الذي هو لون الياقوت يشير إلى أنه أتى من فوق، أي من السماء. أليس كلمة الله الآب هو إلهٌ وملكٌ معًا؟

بلاديوس: كيف لا يكون؟!

كيرلس: أليس حقًا أنَّ كلمة الآب الذي هو روح بغير جسد (الرقيق)، اتخذ جسدًا وأتى من فوق؟ (انظر يو 1: 14).

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: هكذا يتفق أمر المواد التي صُنعت منها الملابس، مع كل تلك التي توجد داخل الخيمة المقدسة من جهة هذه الرؤية الدقيقة.

 

لقد حان الوقت لكي نتحدث عن تلك الملابس المتنوعة التي صُنعت لهرون. حسنًا، يقول: ” فَيَصْنَعُونَ الرِّدَاءَ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق. يَكُونُ لَهُ كَتِفَانِ مَوْصُولاَنِ فِي طَرَفَيْهِ لِيَتَّصِلَ. وَزُنَّارُ شَدِّهِ الَّذِي عَلَيْهِ يَكُونُ مِنْهُ كَصَنْعَتِهِ. مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ ” (خر28: 6 ـ 8).

 

          وحيث إنه حدد المواد التي تكلّمنا عنها بخصوص الأقمشة أضاف قائلاً: ” وَتَأْخُذُ حَجَرَيْ جَزْعٍ وَتُنَقِّشُ عَلَيْهِمَا أَسْمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. سِتَّةً مِنْ أَسْمَائِهِمْ عَلَى الْحَجَرِ الْوَاحِدِ، وَأَسْمَاءَ السِّتَّةِ الْبَاقِينَ عَلَى الْحَجَرِ الثَّانِي حَسَبَ مَوَالِيدِهِمْ. صَنْعَةَ نَقَّاشِ الْحِجَارَةِ نَقْشَ الْخَاتِمِ تُنَقِّشُ الْحَجَرَيْنِ عَلَى حَسَبِ أَسْمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. مُحَاطَيْنِ بِطَوْقَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ تَصْنَعُهُمَا. وَتَضَعُ الْحَجَرَيْنِ عَلَى كَتِفَيِ الرِّدَاءِ حَجَرَيْ تَذْكَارٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ عَلَى كَتِفَيْهِ لِلتَّذْكَارِ ” (خر28: 9 ـ 12).

بلاديوس: شرحُك عميقٌ. لكن حاول أولاً أنْ تخبرني ماذا يعني الثوب الذي يُدعى “الرداء”؟ وما هو مغزى صناعته؟

كيرلس: لقد أمر أنْ يُصنع ملبسًا شبيهًا بالرداء ويصل حتى الصدر (عظمة القص) موضوعًا فوق الملابس التي كانت بالداخل، وتصل حتى الأرجل مُشعةٌ ببهاء الذهب والأرجوان، يستدعي هذا الرداء منظرًا تقويًا ولائقًا بالقداسة لعيون ناظريه. هذا يُسميه رداءً (صدرة) لأن اللُباس كان صغيرًا وبالكاد يغطي الكتفين. وقد حدد بوضوح أنْ يُوضع على هذا الرداء حجرين جذع زُمرد وتنقش عليهما أسماء أسباط بني إسرائيل الاثنى عشر، ستة في كل واحدة. ما هو السبب؟ هو نفسه يوضح قائلاً:  ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَهُمْ أَمَامَ الرَّبِّ عَلَى كَتِفَيْهِ لِلتَّذْكَارِ ” (خر28: 12).

بلاديوس: ما الذي تعتقده بخصوص الحجرين والنقش؟

كيرلس: اسمع إذن. حجر الجذع (الزمرد) هو حجر أزرق نرى فيه أشكال بيضاوية تسبح في العمق ويمتزج فيها النور مع الظلمة، وكأن كل واحد منهما يريد أن ينتصر على الآخر. بالتالي يا بلاديوس، فالعين الجسدية وهي تنظر إلى فوق في الأعالي، وتتفحص عمق الأثير (الغلاف الجوي) والسماء، ألا ترى مثل هذا المنظر؟ لأنَّ الأثيرَ أزرقٌ ومظلمٌ في العمق، يتخلله بصيصٌ من النور.

بلاديوس: إنه كما تقول.

كيرلس: نرى في الكتاب المقدس أنَّ حجر الجذع يشير إلى السماء وأحيانًا يشير الزفير (الياقوت الأزرق) أيضًا إلى السماء؛ لأنه شاحبٌ ويشبه كثيرًا حجر الجذع (الزمرد). مكتوب في سفر الخروج: ” ثُمَّ صَعِدَ مُوسَى وَهَارُونُ وَنَادَابُ وَأَبِيهُو وَسَبْعُونَ مِنْ شُيُوخِ إِسْرَائِيلَ، وَرَأَوْا إِلهَ إِسْرَائِيلَ، وَتَحْتَ رِجْلَيْهِ شِبْهُ صَنْعَةٍ مِنَ الْعَقِيقِ الأَزْرَقِ الشَّفَّافِ، وَكَذَاتِ السَّمَاءِ فِي النَّقَاوَةِ ” (خر24: 9 ـ 10). هكذا شاهد الإسرائيليون رب الجميع واقفًا والكل تحت رجليه، فهو ربُ السموات، وذلك لأنهم عندما ذهبوا إلى مصر كانوا قد عبدوا الخليقة ودعوا السماء إلهًا، ولأجل خيرهم ظهر لهم هكذا. أرأيت إذن أنَّ الكتاب المقدس يرى في الحجر العقيق الأزرق الشفاف الشاحب اللون الذي يتخلله بصيصٌ من النور مثالاً وصورةً للسماء؟ إذ من طبيعة هذا الحجر أنْ يلمع بلونٍ أزرقٍ!

بلاديوس: لقد عبّرت تعبيرًا حسنًا.

كيرلس: إذن، حجر الجذع هو علامةٌ وإشارةٌ إلى السماء، ومكتوب عليه كل الشعب الإسرائيلي بحسب جنسه، ومكان هذا الحجر هو الرداء، وهذا يقودنا لنتأمل فيمَن اختارهم لكي تُكتب أسماءهم في السماء، كيف أنهم سوف يستريحون على المسيح ويكونون محمولين على أكتافه كأبناءٍ محبوبين. مثل هذا الأمر قاله موسى العظيم مكِّرمًا إسرائيل الذي يحميه الله ” كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ ” (تث32: 11). أيضًا داود يرنِّم عن كل قديس يتمتع بمعونة الرب قائلاً: ” بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ ” (مز91: 4).

 

الأجزاء التي تقع أسفل العُنق هي الأجزاء التي تحمل، وبالتالي هو يقصد الأكتاف وليس الظهر. وفق ما قاله النبي (انظر هوشع 11: 3)[2] سيقفون فوق أكتافه، وسوف يأخذهم بقبضة يديه، مثل افرايم القويم، هؤلاء هم الذين اختارهم لتُكتب أسماءهم في السماء. هذا الأمر وصفه المخلِّص نفسه على أنه أمر ممجد وعجيب ويفوق المواهب الإلهية حين قال لتلاميذه: ” لاَ تَفْرَحُوا بِهذَا: أَنَّ الأَرْوَاحَ تَخْضَعُ لَكُمْ، بَلِ افْرَحُوا بِالْحَرِيِّ أَنَّ أَسْمَاءَكُمْ كُتِبَتْ فِي السَّمَاوَاتِ ” (لو10: 20). سيشاهد الرب أسماء الإسرائيليين المنقوشة فوق الأحجار الثمينة على صدر هارون فيذكر الإسرائيليين دائمًا عند الرب. بمعنى أنَّ الله الآب يقبلنا ويتذكرنا في شخص المسيح، وبواسطة المسيح نصير معروفين ومستحقين أنْ نكون تحت بصره ومكتوبين في كتاب الله (رؤ13: 8).

بلاديوس: أنت تتحدث باستقامة.

كيرلس: يأمر المشرّع أنْ يضيف الزينة الثانية ” وَتَصْنَعُ طَوْقَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِلْسِلَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ. مَجْدُولَتَيْنِ تَصْنَعُهُمَا صَنْعَةَ الضَّفْرِ، وَتَجْعَلُ سِلْسِلَتَيِ الضَّفَائِرِ فِي الطَّوْقَيْنِ. وَتَصْنَعُ صُدْرَةَ قَضَاءٍ. صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق كَصَنْعَةِ الرِّدَاءِ تَصْنَعُهَا. مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ تَصْنَعُهَا. تَكُونُ مُرَبَّعَةً مَثْنِيَّةً، طُولُهَا شِبْرٌ وَعَرْضُهَا شِبْرٌ. وَتُرَصِّعُ فِيهَا تَرْصِيعَ حَجَرٍ أَرْبَعَةَ صُفُوفِ حِجَارَةٍ. صَفُّ: عَقِيق أَحْمَرَ وَيَاقُوتٍ أَصْفَرَ وَزُمُرُّدٍ، الصَّفُّ الأَوَّلُ ” (خر 28: 13 ـ 17). ثم بعد ذلك، حيث ذكر أسماءهم أضاف قائلاً: ” وتكون الحجارة على أسماء بني إسرائيل اثنا عشر على أسماءهم. كنقش الخاتم كل واحد على اسمه تكون للاثنا عشر سبطًا ” (خر28: 21). ثم بعد قليل يقول ” فَيَحْمِلُ هَارُونُ أَسْمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي صُدْرَةِ الْقَضَاءِ عَلَى قَلْبِهِ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْقُدْسِ لِلتَّذْكَارِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا ” (خر28: 29).

بلاديوس: إنَّ الأمور المتعلّقة بالصدرة غامضة، ويبدو لي أنَّ طريقة صناعتها أيضًا صعبة الفهم جدًا.

كيرلس: إذن يجب أنْ ننتقل بحديثنا إلى هذه الأمور لكي نقترب من الحق حتى لو كانت هناك صعوبة تُعيقنا عن الوصول التام إليها. فالأشياء الغامضة جدًا، من الأفضل أنْ ننظرها كما في مرآه بدلاً من عدم رؤيتها بالمرة. وسوف أشرح هذه الأمور بقدر استطاعتي وبقدر ما يسمح لي عقلي. لقد أمر أن يُصنع طوقين من ذهب بقُطر أكبر من العُملة ولكن بنفس الشكل؛ لأنَّ العُملةَ دائريةٌ. ثم بعد ذلك تُصنع سلسلتين من الذهب النقي بضفائر من الورد. السلسلتان لهما شكلٌ مختلفٌ، وهما ملونتان بألوان وأشكال الورود. وكانت هذه الألوان قُرمزي وأرجوان وذهب مجدول وخيط أزرق وأحمر. بعد ذلك يجب أن يُصنع قماش مربع شبيه بمكعب متساوي الأوجه طوله شبر وعرضه شبر. ويجب أن يُنسج نسجًا جيدًا ويُرصِّع فيها ترصيعُ حجرٍ أربعةُ صفوفٍ حجارة، كل صفٍ ثلاثة حجارة، وتكون الحجارة على أسماء بني إسرائيل أثنى عشر على أسماءهم. وكانت تُصنع على الصدرة حلقتان من ذهب، وتكون الحلقتان على طرفي الصدرة. وضفيرتا الذهب في الحلقتين على طرفي الصدرة، أمَّا طرفا الضفيرتين الأُخريين فتكونان في الطوقين، وكانتا تبدوان موضوعتين عاليًا على الكتفين وتتدلى على الصدر. وتُربط الصدرة بحلقتي الرداء بسلاسل. وكان إعجاب أولئك الذين يرون الرداء عظيمًا، إنه عملٌ عظيمٌ مزينٌ بالأحجار والذهب والمواد الأخرى المتعددة الألوان. وكان الهدف من هذا العمل أنْ يذكر هرون الإسرائيليين أمام الله عندما يدخل إلى القدس. هل اتضحت لك الطريقة التي عُملت بها كل هذه المشغولات؟

بلاديوس: بالطبع صارت واضحة جدًا. لكن لماذا سُمِّي هذا العمل الفني الجميل بصدرة القضاء؟

كيرلس: ونحن لم نقل لماذا سُمِّيَ رداءً عندما تحدثنا سابقًا عنه – فذلك لأنه يمتد ليُغطي الكتفين؟

بلاديوس: نعم. لكن ما علاقة هذا بسؤالنا؟

[1] هكذا ورد النص عند ق كيرلس، والنص هو “وقرّب إليك هرون أخاك وبنيه معه من بين بني إسرائيل ليكهن لي.هرون ناداب وابيهو العازار وايثامار بني هرون”.

2 “وأنا درّجت افرايم ممسكا إياهم بأذرعهم فلم يعرفوا إني شفيتهم”.

 

المقالة11 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: كلُ واحدٍ أعطى ثورًا، والجميع معًا اثنا عشر. هذه الثيران تنقل الخيمة المقدسة كل اثنين في عربة، ونيرٍ واحدٍ، كما يكونان أيضًا في خدمة اللاويين. الأمر هو مثالٌ للشعبين اللذين ليسا بعد منفصلين في عدم تشابه العقائد والحياة، بل متحدين ومتفقين تحت نير المخلص الواحد بصبرٍ وإحسان. لأنه مكتوب: ” انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ، وَانْتَظِرِ الرَّبَّ ” (مز27: 14).

الثورُ حيوانٌ صبورٌ وشديد القوة. وهذا يشير إلى الذين اختاروا التقوى آخذين في أعناقهم المسيحَ كنيرٍ مثلما أشير إليه مسبقًا في الخيمة المقدسة. وبولس الرسول يسمى الكنيسةَ جسده. لقد قال الرب لحنانيا عن بولس الرسول: ” اذْهَبْ! لأَنَّ هذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ ” (أع9: 15).

 

بالإضافة إلى هذا، يعلن كلاً من الكبش وأيضًا الخروف اللذين قُدِّما، ما قدمه الشعب القديم والجديد من دخولٍ للإيمان وتكريسٍ روحيٍ لله. لأنه كما بالثيران نتحقق من الصبر والشجاعة، بنفس الطريقة تظهر بالخراف ثمار الوداعة التي لأولئك الذين تبرروا بالإيمان؛ لأن الخروفَ وديعٌ وخصيب. مثلُ هؤلاء، كل العاملين المجتهدين في التعاليم الإنجيلية والذين قال لهم المسيح نفسه: ” وَكُلُّ مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَخَذَ الَّذِي لَكَ فَلاَ تُطَالِبْهُ. ” (لو6: 30). أيضًا قال بولس الرسول: ” وَعَبْدُ الرَّبِّ لاَ يَجِبُ أَنْ يُخَاصِمَ، بَلْ يَكُونُ مُتَرَفِّقًا بِالْجَمِيعِ، صَالِحًا لِلتَّعْلِيمِ، صَبُورًا عَلَى الْمَشَقَّاتِ ” (2تيمو2: 24).

 

وأمَّا أنه يجب ـ مع كل ما قلته ـ أنْ تصير تقدمة الماعز، فهو ما لا يُظهر شيئًا آخرًا إلاَّ ذاك الذي قلته للتو، بمعنى أنَّ الكلَ لهم احتياج للتطهير بالتوبة وغفران الزلات، حتى لو كان البعضُ صالحين من طبيعتهم. وأيضًا لأن داود النبي كان يعرف هذا، فقال:  ” إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَارَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ ” (مز130: 3).

وإذا كان التيسُ ـ وفقًا للناموس القديم ـ يقدَّمُ ذبيحةً من أجل غفران الخطايا، لكن الآن، الذبيحةَ المقدسةَ لأجلنا هي التوبةُ وطلب الصفح حيث نقترب من الله روحيًا وحقيقيًا لأنه يقول: ذَكِّرْنِي فَنَتَحَاكَمَ مَعًا. حَدِّثْ لِكَيْ تَتَبَرَّرَ ” (إش43: 26). وداود يترنم قائلاً:      ” أَعْتَرِفُ لَكَ بِخَطِيَّتِي وَلاَ أَكْتُمُ إِثْمِي. قُلْتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي، وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي ” (مز32: 5) هل صار حديثي واضحًا عن تقدمات الرؤساء؟

بلاديوس: واضحٌ جدًا.

كيرلس: يجب أنْ نقول إنه عندما قُدِّمت التقدمة من كل واحدٍ وللجميع، بدأ الله يتحدَّث إلى موسى في الخيمة المقدسة عن تفسير الأقوال الإلهية. مكتوب أيضًا في سفر العدد الآتي: ” فَلَمَّا دَخَلَ مُوسَى إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ، كَانَ يَسْمَعُ الصَّوْتَ يُكَلِّمُهُ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ الَّذِي عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ، فَكَلَّمَهُ ” (عد7: 89). طالما قد انتهت الخيمة المقدسة، وطالما بزيناتٍ مختلفةٍ، ظهرت الخيمة الحقيقية المقدسة أي الكنيسة، عندئذ تحدَّث لنا الله الآب لأنه يقول: ” كَلَّمَنَا فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ ” (عب1: 2)، والذي نقول عنه ـ وفق الكتب المقدسة ـ أنه كفَّارةٌ لأجل خطايانا (انظر 1يو2: 2).

 

الصوتُ أتى من فوق الكروبيم؛ لأنَّ الله يوجد فوق، عاليًا جدًا أسمى من كل الخليقة، إذ أنه أعظم بحسب جوهره من أي خليقة. الابنُ، الكفَّارةُ الحقيقيةُ حين أخبرنا بكلام الله الآب، قال: ” تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي ” (يو7: 16). سُمِعَ الصوت فوق غطاء الكفَّارة، وسوف تندهش اندهاشًا عظيمًا وأنت تفحص مسألة مجيء رؤساء القبائل، حيث حُدِّد لكل واحدٍ يومًا بمفرده، يجب فيه أنْ يتمم كل ما أُمر به ويحُضر تقدمته آتيًا بنظام معين كما حدَّد المشرع. وهذا الترتيب لا يعتمد على العمر، وهو ليس عشوائيًا أيضًا، لكن خضع هذا الترتيب الخاص بالرؤساء لتدبير سرى.

بلاديوس: لكني لا أستطيع أنْ أفهم هذا الذي تقوله، حدثني بوضوح.

كيرلس: إذا أردت أنْ يصير أمر هذا الترتيب واضحًا، يجب أنْ نتحدث عن ترتيب أبناء يعقوب. هل ترغب في ذلك؟

بلاديوس: نعم تمامًا.

كيرلس: حسنًا، رأوبين هو البكر، ثم شمعون ولاوى ويهوذا من الأم ليئة. وكان دان ونفتالي من بلهة الخادمة، وجاد وأشير من زلفة خادمة ليئة. أيضًا فيما عدا الأربعة الأولون، ولدت ليئة يساكر وزبولون، ومن راحيل وُلد يوسف وبنيامين.

 

          إذن، الأولون كانوا أبناء ليئة أي أربعة من الحُرّة: رأوبين وشمعون ولاوى ويهوذا. أمَّا الأربعة الآخرون من الخادمتين بلهة وزلفة هم: دان ونفتالي وجاد وأشير. فيما عدا هؤلاء، الأربعة الأولون والأربعة الآخرون كان هناك اثنين من ليئة: يساكر وزبولون، ومن راحيل يوسف وبنيامين. ونذكر أيضًا إن نصيب يوسف قُسِّم على سبطين، على افرايم ومنسى اللذان وُلدا منه (انظر من ص29 فيما بعد).

بلاديوس: طبعًا أعرف جيدًا ترتيب الأسماء، لكن ماذا تريد من ذلك؟ يجب عليك أنْ توضح لي الأمر.

كيرلس: إنَّ ترتيبهم يا بلاديوس أثناء تقدماتهم لم يكن وفق السن. فقد أتى يهوذا أولاً بالرغم من أنَّ ترتيبه الرابع من جهة الولادة. ثم التاسع يساكر ومعهم زبولون العاشر. ثم المجموعة الثانية كانت تتكون من البكر رأوبين، وبعده الثاني شمعون. ومعهم أُضيف دان من العبدة. ثم المجموعة الثالثة من الأمهات الحُرّات افرايم ومنسى وبنيامين. أخيرًا المجموعة الرابعة كل ما وُلِدَ من الجواري وكانوا ثلاثة دان وأشير ونفتالي، بالرغم ممن انضموا في الترتيب معهم أقصد افرايم ومنسى وبنيامين. ألا تعتبر إذن أنَّ الفحص التفصيلي لهذا الأمر مُهم؟

بلاديوس: بل هامٌ جدًا. حسنًا، حاول أنْ تخبرني ما هو السبب.

كيرلس: الأمر كما أعتقد له مغزى، فالأمور التي تشير إلى المسيح هي الأسبق في الترتيب عند الله عن تلك التي للناموس، كما أنَّ الآخِرين صاروا أوَّلين والعكس صار الأولون آخِرين. فالمتقدمون في السن زمنيًا، الذين هم أبكار، أي الإسرائيليون أتوا في الترتيب بعد الأمم. وكل الذين عندهم روح عبودية وهم أبناء أورشليم العبدة سوف يتركون عظمتهم في المجد لأبناء الحُرّة التي هي أمٌ لنا، نحن الذين خلُصنا بالإيمان بالمسيح ودُعينا إلى الرُتبة الحُرّة بروح الحرية.

إذن، لاحظ إذا أردت، دقةُ شرحي. الأول سبط يهوذا يقدم تقدمته، ذلك السبط الذي منه وُلِدَ المسيح بحسب الجسد. ثم بعد هذا السبط مباشرةً الأسباط أشير وزوبولون، والاثنان كانا أحرارًا من أمهات حُرّات. ثم رأوبين البكر وشمعون وجاد. إذًا دعنا نمضي في التحدث عن كل واحد مركِّزين في نبوءة يعقوب عنهم.

 

حسنًا، قال يعقوب العظيم: ” رأوبين أنت بِكري قوتي وأول قدرتي، قاسٍ في تصرفه وقاسٍ ووقح ” (تك49: 3 ـ 4س).

 

وأيضًا ” شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا. فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ ” (تك49: 5 ـ 7).

 

وعن جاد قال الآتي: ” جَادُ، يَزْحَمُهُ جَيْشٌ، وَلكِنَّهُ يَزْحَمُ مُؤَخَّرَهُ ” (تك49: 19).

 

إذن، برأوبين يشير إلى إسرائيل، الشعب البكر من ناحية الزمن، الذي كان قاسيًا ووقحًا وشتّامًا. وعن شمعون الذي يُصاحبه اللاوي الذي كان جاهزًا للقتل، وقد قتل قدِّيسين يقول: ” أَيُّ الأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدْهُ آبَاؤُكُمْ ” (أع7: 52). والثور الذي أرادوا أنْ يقتلوه هو رمز للمسيح. وهو لم يضبطهم فقط في أنهم يُقدِمون على إتيان أفعال مضادة للقديسين وله، بل تعاون الجالسون منهم بالقرب من المذبح، أي الكتبة والفريسيون مع اللاوى، أي الجنس الكهنوتي. لذلك ـ في نبوات يعقوب أبو الآباء ـ ارتبط شمعون ولاوى ومعهم جاد الذي وُلِدَ من الخادمة (العبدة) وكان مزعجًا. أضف إلى ذلك أنَّ إسرائيل كان وضيعًا في رأيه، وكان يضايق المسيح وينصب له الفخاخ لكي يُلحِقوا الضرر به، إذ اقتربوا منه وقالوا: ” أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ ” (مت22: 17).

 

سأعود بحديثي إلى بداية الكلام. إسرائيل ـ البِكر من جهة الزمن ـ القاسي، والوقح والشتّام والمتأهِّب للقتل الذي امتلأ بغضبٍ ملعون، إسرائيل الذي قتل بشرًا (الأنبياء) والثور (المسيح)، إسرائيل المبتذل والمخادع الذي نصب الفخاخ للمسيح، جاء في المرتبة الثانية بعد هؤلاء الذين آمنوا بالمسيح وهم أحرار، وبالرغم من أنه كان حُرًّا، إلاَّ أنه بالكاد يمكنه أنْ يتقابل مع الله بعدنا.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: سوف تفهم هذا لو لاحظت جيدًا الأمور الآتية: ثلاثةً أحضروا تقدماتهم الواحد بعد الآخر من راحيل الحُرّة: إفرايم ومنسى وبنيامين. وثلاثةٌ أيضًا الواحد بعد الآخر بعد السابقين مولودون من جاريات هم دان، أشير ونفتالي.

 

          هل أدركت إذن أنهم اصطفوا بكرامات عظيمة، أولاد الحُرّة أولاً، وبعد ذلك تبعهم أولاد الجواري. أليس واضحًا الكلام الذي كتبه بولس الرسول، إذ يقول ” أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُمَمِ، وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ ” (رو11: 25).

بلاديوس: حديثُك مستقيمٌ، وملاحظتُك دقيقة.

كيرلس: وكون أنَّ الأمر يتفق مع الحق، فهو ما سوف تعرفه بسهولة جدًا؛ لأن الكتاب يؤكده لنا مباشرةً. وهناك آراءٌ أخرى. لقد أمر الله أن يكون كل شيء بنظام لائقٍ سواء بالنسبة للمرتحلين والواقفين، أو المخيِّمين من الإسرائيليين. وأعتقد أنَّ هذا ما ترنَّم به داود الطوباوي ” فَأَطُوفُ بِمَذْبَحِكَ يَا رَبُّ، لأُسَمِّعَ بِصَوْتِ الْحَمْدِ، وَأُحَدِّثَ بِجَمِيعِ عَجَائِبِكَ ” (مز26: 6ـ7)، وأيضًا: ” وَالآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ ” (مز27: 6). وهنا نلاحظ أنَّ هذا مِثالٌ لنا للتعليم. بمعنى أنه لا يجب أنْ نبتعد نحن عن الله، لكن لنظهر بالقرب منه، كما يجب أن نقف دائريًا حوله دون أنْ تدخل بيننا الخطية، ودون أنْ تفصلنا اللذة العالمية، بل إن الذهن المستقيم، والاستعداد من جانب كل واحد للعمل المستحق كل ثناء، يجمعنا في وحدةٍ روحيةٍ. لأن الالتزام بتقديم العطايا، يتفق تمامًا مع هؤلاء الذين يختارون هذا الثناء. لأنه مكتوب: اُنْذُرُوا وَأَوْفُوا لِلرَّبِّ إِلهِكُمْ يَا جَمِيعَ الَّذِينَ حَوْلَهُ. لِيُقَدِّمُوا هَدِيَّةً لِلْمَهُوبِ ” (مز76: 11).

 

          لذلك أمر أنْ يتحركوا مع الخيمة، ويسيروا دائريًا، وأيضًا بنظامٍ ليس بحسب السن، لكن أن يتقدموا ـ بترتيب ـ من الأولين إلى الآخرين، ومرتبطين هكذا على مثال وضعهم في تقدمه العطايا. ومكتوب أيضًا في سفر العدد الآتي: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ َقَائِلاً: يَنْزِلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ كُلٌّ عِنْدَ رَايَتِهِ بِأَعْلاَمٍ لِبُيُوتِ آبَائِهِمْ. قُبَالَةَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ حَوْلَهَا يَنْزِلُونَ ” (عد2: 1 ـ 2). ثم أظهر لكل واحدٍ الموضعَ الذي حُدِّد له، أي كيف، ومَن هم الذين ينزلون؟ لأنه يضيف الآتي: ” (الأولون) َالنَّازِلُونَ إِلَى الشَّرْقِ، نَحْوَ الشُّرُوقِ، رَايَةُ مَحَلَّةِ يَهُوذَا حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي يَهُوذَا نَحْشُونُ بْنُ عَمِّينَادَابَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَسِتُّ مِئَةٍ. وَالنَّازِلُونَ مَعَهُ سِبْطُ يَسَّاكَرَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي يَسَّاكَرَ نَثَنَائِيلُ بْنُ صُوغَرَ ” (عد2: 3 ـ 5).

بعد ذلك يذكر المجموعة الثانية، فيقول: ” رَايَةُ مَحَلَّةِ رَأُوبَيْنَ إِلَى التَّيْمَنِ حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي رَأُوبَيْنَ أَلِيصُورُ بْنُ شَدَيْئُورَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَخَمْسُ مِئَةٍ. وَالنَّازِلُونَ مَعَهُ سِبْطُ شِمْعُونَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي شِمْعُونَ شَلُومِيئِيلُ بْنُ صُورِيشَدَّاي، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَثَلاَثُ مِئَةٍ. وَسِبْطُ جَادَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي جَادٍَ أَلِيَاسَافُ بْنُ رَعُوئِيلَ ” (عد10:2ـ14). ويلخص المجموعة الثانية قائلاً: ” ثُمَّ تَرْتَحِلُ خَيْمَةُ الاجْتِمَاعِ. مَحَلَّةُ اللاَّوِيِّينَ فِي وَسَطِ الْمَحَلاَّتِ. كَمَا يَنْزِلُونَ كَذلِكَ يَرْتَحِلُونَ. كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ بِرَايَاتِهِمْ. رَايَةُ مَحَلَّةِ أَفْرَايِمَ حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ إِلَى الْغَرْبِ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي أَفْرَايِمَ أَلِيشَمَعُ بْنُ عَمِّيهُودَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَخَمْسُ مِئَةٍ. وَمَعَهُ سِبْطُ مَنَسَّى، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي مَنَسَّى جَمْلِيئِيلُ بْنُ فَدَهْصُورَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَثَلاَثُونَ أَلْفًا وَمِئَتَانِ. وَسِبْطُ بَنْيَامِينَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي بَنْيَامِينَ أَبِيدَنُ بْنُ جِدْعُونِي ” (عد2: 17 ـ 22).

ويذكر المجموعة الرابعة مباشرةً قائلاً: ” رَايَةُ مَحَلَّةِ دَانَ إِلَى الشِّمَالِ حَسَبَ أَجْنَادِهِمْ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي دَانَ أَخِيعَزَرُ بْنُ عَمِّيشَدَّاي، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمُ اثْنَانِ وَسِتُّونَ أَلْفًا وَسَبْعُ مِئَةٍ. وَالنَّازِلُونَ مَعَهُ سِبْطُ أَشِيرَ، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي أَشِيرَ فَجْعِيئِيلُ بْنُ عُكْرَنَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَخَمْسُ مِئَةٍ. وَسِبْطُ نَفْتَالِي، وَالرَّئِيسُ لِبَنِي نَفْتَالِي أَخِيرَعُ بْنُ عِينَنَ، وَجُنْدُهُ الْمَعْدُودُونَ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَأَرْبَعُ مِئَةٍ. جَمِيعُ الْمَعْدُودِينَ لِمَحَلَّةِ دَانٍَ مِئَةُ أَلْفٍ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا وَسِتُّ مِئَةٍ. يَرْتَحِلُونَ أَخِيرًا بِرَايَاتِهِمْ ” (عد2: 25 ـ 31).

 

          هل رأيت أنَّ يهوذا ومَن له قد أُمروا ولهم موضع مختار تجاه الشرق والجنوب؟ لأن مؤمني المسيح يحيون في النور ولهم روح مشتعلة. اصطف رأوبين ومَن له في المرتبة الثانية. والترتيب الثالث كان من نصيب أولئك الذين أتوا من الحُرّة. بعد هؤلاء ثلاثة آخرون الذين انحدروا من جاريات قيل لهم: “ستنطلقون في الأخير”. أليس واضحًا دون أي تردد أنَّ الثاني دُعي وفُضِّل عن البِكر، أي أنَّ المؤمنين بالمسيح صاروا في المرتبة الأولى بدلاً من أبناء العبودية؟ هؤلاء هم المؤمنين الأحرار من جهة الإيمان أي أنَّ هؤلاء يتزعَّمون لأنَّ قائدهم المسيح القادم من سبط يهوذا، بينما يأتي الآخرون بعدهم بصعوبة، ويصطفُّون في الترتيب الثاني.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب، وأنا أمدحك لأجل فكرك الثاقب الدقيق.

 

المقالة10 ج7 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: أمَّا أنه يجب أنْ ننتج ثمارًا لمجد الله، وألا ندخل بأيدٍ فارغةٍ إلى الخيمة المقدسة، فسيوضِّحه أيضًا الكتاب المقدس في سفر العدد قائلاً: ” وَيَوْمَ فَرَغَ مُوسَى مِنْ إِقَامَةِ الْمَسْكَنِ، وَمَسَحَهُ وَقَدَّسَهُ وَجَمِيعَ أَمْتِعَتِهِ، وَالْمَذْبَحَ وَجَمِيعَ أَمْتِعَتِهِ وَمَسَحَهَا وَقَدَّسَهَا، قَرَّبَ رُؤَسَاءُ إِسْرَائِيلَ، رُؤُوسُ بُيُوتِ آبَائِهِمْ، هُمْ رُؤَسَاءُ الأَسْبَاطِ الَّذِينَ وَقَفُوا عَلَى الْمَعْدُودِينَ. أَتَوْا بِقَرَابِينِهِمْ أَمَامَ الرَّبِّ: سِتَّ عَجَلاَتٍ مُغَطَّاةً، وَاثْنَيْ عَشَرَ ثَوْرًا. لِكُلِّ رَئِيسَيْنِ عَجَلَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ ثَوْرٌ، وَقَدَّمُوهَا أَمَامَ الْمَسْكَنِ. فَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: خُذْهَا مِنْهُمْ فَتَكُونَ لِعَمَلِ خِدْمَةِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَأَعْطِهَا لِلاَّوِيِّينَ، لِكُلِّ وَاحِدٍ حَسَبَ خِدْمَتِهِ. فَأَخَذَ مُوسَى الْعَجَلاَتِ وَالثِّيرَانَ وَأَعْطَاهَا لِلاَّوِيِّينَ ” (عدد7: 1 ـ 6).

ولم يتوقف رؤساء القبائل إلى هنا بل أضافوا أشياءً أخرى لأنه مكتوب: ” وَقَرَّبَ الرُّؤَسَاءُ لِتَدْشِينِ الْمَذْبَحِ يَوْمَ مَسْحِهِ. وَقَدَّمَ الرُّؤَسَاءُ قَرَابِينَهُمْ أَمَامَ الْمَذْبَحِ. فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: رَئِيسًا رَئِيسًا فِي كُلِّ يَوْمٍ يُقَرِّبُونَ قَرَابِينَهُمْ لِتَدْشِينِ الْمَذْبَحِ.  وَالَّذِي قَرَّبَ قُرْبَانَهُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ نَحْشُونُ بْنُ عَمِّينَادَابَ، مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا. وَقُرْبَانُهُ طَبَقٌ وَاحِدٌ مِنْ فِضَّةٍ وَزْنُهُ مِئَةٌ وَثَلاَثُونَ شَاقِلاً، وَمِنْضَحَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ فِضَّةٍ سَبْعُونَ شَاقِلاً عَلَى شَاقِلِ الْقُدْسِ، كِلْتَاهُمَا مَمْلُوءَتَانِ دَقِيقًا مَلْتُوتًا بِزَيْتٍ لِتَقْدِمَةٍ، وَصَحْنٌ وَاحِدٌ عَشَرَةُ شَوَاقِلَ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٌ بَخُورًا، وَثَوْرٌ وَاحِدٌ ابْنُ بَقَرٍ وَكَبْشٌ وَاحِدٌ وَخَرُوفٌ وَاحِدٌ حَوْلِيٌّ لِمُحْرَقَةٍ، وَتَيْسٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمَعَزِ لِذَبِيحَةِ خَطِيَّةٍ، وَلِذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ ثَوْرَانِ وَخَمْسَةُ كِبَاشٍ وَخَمْسَةُ تُيُوسٍ وَخَمْسَةُ خِرَافٍ حَوْلِيَّةٍ. هذَا قُرْبَانُ نَحْشُونَ بْنِ عَمِّينَادَابَ ” (عدد7: 10ـ17).

 

أحضر الآخرون تقدماتهم، في اليوم الذي حُدِّد لكل واحد منهم، كل واحد بدوره حتى الثاني عشر، الكل قدَّم بنفس الطريقة. بكرمٍ ليس له نظير، لأنه هكذا أمر الله.

بلاديوس: وما السبب الذي من أجله قدَّموا أنواعًا كثيرةً جدًا؟

كيرلس: يا بلاديوس الأمرُ يتعلق بالأثمار، ويصاحب هذا معنىً سرّيٌ ينقل الرمز إلى عمانوئيل ولنا نحن أنفسنا. سأعرض لك الأمر بقدر المُستطاع. عندما ظهرت الخيمة المقدسة الحقيقية، أي الكنيسة في العالم، وأشرق المسيح فيها بطرقٍ كثيرةٍ، قُدِّمت فديةٌ وتعويضٌ لأجل حياة الكل كذبيحةٍ مقدسةٍ إلى الله الواحد في الجوهر مع كل البشر. أي بسبب أنَّ وحيدَ الجنسِ صار إنسانًا كواحدٍ منَّا قدَّم ذاته إلى الله كخميرةٍ واحدةٍ ممتازةٍ، وبدايةٍ للطبيعة البشرية (الجديدة)، والذي تفوح منه القداسة الموجودة فيه من طبيعته وجوهره لأنه هو الله. ورغم أن المسيح واحد، إلاَّ أنه رُمِزَ إليه بطرقٍ كثيرةٍ مثلما نرى في تقدمة الرؤساء، ويُخدم عن طريق الرؤساء، ومكرَّمٌ بألقابٍ مختلفةٍ.

 

التقدمة اليومية تشير إلى استمرارية ذبيحة المسيح كل يوم وعدم انقطاعها، والثمار تشير إلى أولئك الذين خلصوا بالإيمان. لأن السجود له لن ينقطع، ولا تقديم العطايا. سوف يظهر المسيح بواسطتنا ولأجلنا مقدِّمًا نفسه ذبيحةً بطريقةٍ سرّيةٍ في الخيمة المقدسة. وهو نفسه يكون تقدُمتنا الأولى الممتازة. لأنه يقدِّم ذاته ذبيحةً إلى أبيه، وليس بالتأكيد لأجل ذاته وفق التعليم المستقيم، لكن لأجلنا نحن الذين كُنَّا تحت نير وثقل الخطية. ونحن نتشبه حقًا بذاك ونصير نحن ذبيحةً مقدسةً ونموت عن العالم (انظر رو6: 5) لأن الخطية ماتت فينا ونحيا لله حياة القداسة. هذه الأمور أُعلنت لنا عن طريق تقدمة الرؤساء. لكن هل تريد أنْ نفحصها ونجُمِّع علامةً إلى علامةٍ بقدر استطاعتنا لنشرح هذه الأمور شرحًا أفضل؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

كيرلس: لقد قُدِّم ثورٌ واحدٌ من كل واحدٍ من الرؤساء، ووُزِّعت العربات ـ والتي كان عددها ستة ـ على أعمال الخيمة المقدسة. ثم قُدِّم من كل واحدٍ طبقٌ ومنضحةٌ من الفضة، مكتوبٌ أنَّ كلتيهما مملوئين دقيقًا ملتوتًا بزيتٍ لتقدمةٍ، وصحنٌ مملوءٌ بالبخور، وكبشٌ واحدٌ وخروفٌ واحدٌ حوليٌ لمحرقةٍ، وتيسٌ واحدٌ من المعز للتكفير عن الخطايا. أيضًا قدَّموا تقدمات للذبيحة عن الخلاص، ثوران وخمسةُ كباشٍ، وخمسةُ تيوسٍ، وخمسةُ خرِافٍ حوليةٍ (انظر عدد7: 12 ـ 17).

 

بلاديوس: اخبرني إذن ـ قبل أيةِ أمورٍ أخرى ـ ما علاقة هذه الأمور ببعضها البعض، وما هو الاختلاف بين ذبيحة المحرقة وذبيحة الخلاص (السلامة)؟

كيرلس: اسمع إذن. الحيوانات المقدَّمة لذبيحة المحرقة يجب أن تُحرق كلها بالنيران، في نارٍ مقدَّسةٍ لا تُطفئ، دون استثناء لأيةِ قطعةٍ من الذبيحة، إذ أنَّ كلَّ ذرةٍ وكل عضو منها يُشعل إلى الله تُشتم كرائحةٍ ذكيةٍ.

 

لكن ما يُذبح لذبيحة الخلاص (السلامة) يُقدَّمُ بعضه مثل الكتف الأيمن، الرأس، الأرجل أو الكُلى والكبد، أو أجزاء أخرى داخل الحيوان مع الأمعاء.

 

إذن، ذبيحةُ المحرقةِ ترمز إلى المسيح؛ لأنه هو حقًا كليُ القداسة، وكله رائحةٌ ذكيةٌ، بينما ذبيحة الخلاص (السلامة) تشير إلينا لأننا لسنا كُلّيِّ القداسة، إذ يوجد داخلنا دنسٌ ما بسبب الخطية. وهذا وفق المكتوب: ” مَنْ يُخْرِجُ الطَّاهِرَ مِنَ النَّجِسِ؟ لاَ أَحَدٌ ” (أيوب14: 4) وأيضًا: ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا ” (مز19: 12). لذلك حدَّد الناموس جيدًا ألاَّ تحُرق ذبيحةُ الخلاص (السلامة) كلها، بل فقط أجزاءٌ منها. أليس حديثي يا بلاديوس واضحًا وكافيًا لكي تفهم هذا الأمر جيدًا؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

كيرلس: إذن، هيا بنا الآن نقول شيئًا عن تلك التقدمات التي يقدمها كل واحد، ولندرك أنَّ هذا هامٌ لفائدتنا.

بلاديوس: هيا بنا.

كيرلس: ما يقدِّمه كلُ رئيسٍ كان طبقٌ من الفضة وكأس، والاثنان مملوءان من دقيقٍ ملتوتٍ بزيت. الطبقُ تحتاجه المائدة، ومفيد للطعام كما علَّم المسيح نفسه عندما سأله تلميذه يوحنا من الذي يسلمك:      ” الذي يغمس يده معي في الصحفة ” (مت26: 3، يو13: 26). ولاستخدام الكأس، ماذا أقول؟ فالأمر واضح جدًا!! الدقيقُ يُشير إلى الخبز لأن منه يُصنع الخبز، وخبزُ الحياةِ هو المسيح. إذن، هكذا بالطبق والكأس والدقيق الموجود في الاثنين (لأنهما كانا مملوئين من الدقيق) في الطعام والشراب يُعلِنُ المسيحُ الحياةَ. لأنه يقول: ” الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ ” (يو6: 53).

 

يقول أيضًا إنَّ الدقيق يجب أن يكون ملتوتًا بالزيت، وهذا الأمر نراه في المزامير: ” أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ ” (مز45: 7).

 

والصحنُ أيضًا في شكل مبخرةٍ كان مملوءًا من البخور. لأنَّ المسيحَ هو الرائحةُ الذكيةُ، والمذبحُ الذي لا يكتسب رائحته من الخارج، مثلما يحدث معنا نحن الذين نحصل عليها عن طريق ما تجلبُه علينا التقوى والفضيلة والقداسة؛ أما هو فهو إله بطبيعته، ولذلك فهو يملك في داخله غنىً وفيرًا يملأ كلَّ المسكونةِ برائحته الزكية التي يفيض بها على الخليقة.

 

ولأنه حقًا إلهٌ حقيقيٌ بطبيعته، ويملك في طبيعته رائحةَ معرفةِ أبيه الزكية، صار مُدرَكًا هكذا بسهولةٍ؛ إذ أنه (رمزيًا) الصحنُ المملوءُ بخورًا. لذلك يُقدَّمُ (المسيحُ) عن طريق الذبائح مثل الثور والكبش والخروف والتيس وكل الأشياء الأخرى المصاحبة للتقدمة.

فيُرمز إليه بالثور بسبب قوته العظيمة، وبسبب أنَّ الثورَ ـ من بين الحيوانات الطاهرة والأليفة ـ يملك عظمةً، خصوصًا من جهة حجم جسده. والمسيحُ له كل العظمة الروحية والفائق عن الكل بسبب فرادته.

 

أيضًا يُرمز للمسيح بالكبشِ بسبب كمالِه، وبالخروفِ بسبب براءته، لأنه يقول: ” وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَلَمْ أَعْلَمْ ” (إر11: 19). وبالتيسِ لأجل أنه يُذبح لأجل أولئك الذين قد فعلوا الخطية؛ إذ أنَّ التيسَ ـ وفق الناموس ـ هو ذبيحةٌ لغفران الخطايا. وقد تألَّم عمانوئيل من أجلنا وفدانا من خطايانا القديمة بفضل أنه قَدَّم ذاته ذبيحةً لأجلنا. أم أنك تُنكر أنَّ هذا هو الحق؟

بلاديوس: كيف لا يكون هذا هو الحق؟

كيرلس: لاحظ أيضًا أنَّ الثيران تُقدَّم وتُعطى لأجل أعمال الخيمة بهدف أن تنقل القائمون على الخدمة في الخيمة على عَجَلات حتى لا يُرهقون من التعب والإجهاد. بمعنى أنَّ الكنيسةَ تستريح فوق المسيح، وينقلنا هو نفسُه ولا يترك الجنسَ المقدس والكريم والشعب المختَبَر في أعمالٍ مقدسةٍ، ويضع عليهم أتعابًا فوق قدراتهم.

 

إذن، هكذا يجب أنْ نقدِّم للمسيح كل ما قلناه سابقًا. الأشياءُ المحددةُ مسبقًا (التجهيزات) لأجل ذبيحة الخلاص يُقدِّمها الرؤساءُ من ذواتهم ويخصصونها للخيمة المقدسة ويقدِّمونها إلى الله لكي يَشتم رائحتهم الذكية. وهذه التقدمات كانت ثوران وخمسةُ كباشٍ، وخمسةُ تيوسٍ، وخمسةُ خرافٍ حوليةٍ.

 

والثورُ ـ بالتأكيد ـ رمزٌ للمسيح، بينما الكباش ترمز لنا نحن. والسببُ واضحٌ وحقيقيٌ؛ لأنَّ الذَّكرَ هو دائمًا القائد ويحظى بالشرف والمجد من جانب الله، والطبيعةُ شاهدةٌ وتعترف بهذا الأمر. والنساءُ يتبعن الرجال في قوتهم ومجدهم. هكذا بالثور الذَّكر يُرمز إلى المسيح الذي هو رئيسنا. ونحن خاضعين تحت نيره بقوة ونتبعه ولنا مجد أقل مما يخصه، وبمسافةٍ كبيرةٍ فائقةٍ فيما بيننا وبينه. وبالرغم من أنه صار شبيهًا لنا (لأن الكبشَ شبيهٌ بالثور)، لكنه أسمى منَّا بكثير؛ لأنه يقول: ” مَنْ فِي السَّمَاءِ يُعَادِلُ الرَّبَّ. مَنْ يُشْبِهُ الرَّبَّ بَيْنَ أَبْنَاءِ اللهِ ” (مز89: 7). أي أنَّ المسيحَ شبيهٌ بنا، وفي نفس الوقت بعظمة إلوهيته هو أعلا منا جميعًا، بالرغم من أنه صار جسدًا.

 

كان عددُ الكباشِ اثنين، ويرمزان إلى الشعبين اللذين اتحدا إلى واحدٍ، ووحَّدهم ذاك الذي تشبَّه بنا وصار إنسانًا لأجلنا، في وحدةٍ روحيةٍ بالإيمان. كما يُشير العدد المتساوي للكباش والخراف والتيوس إلى جَمْع الذين يؤمنون، وهو ما سوف يحدث في الوقت الخامس[1] عندما يتحقق مجيء ذاك إلى الأرض، إذ يقول: ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32).

 

الكباشُ تُشير إلى الكمال في تصرُّف أولئك الذين آمنوا، وإلى نضوج عمرهم الروحي داخل مجال نعمة المسيح، بينما الخرافُ تشير إلى كمال البساطة والبراءة. إذ يقول:” أَيُّهَا الإِخْوَةُ، لاَ تَكُونُوا أَوْلاَدًا فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاَدًا فِي الشَّرِّ، وَأَمَّا فِي الأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ ” (1كو14: 20). لذلك تعلَّمنا أنْ نقول في صلواتنا: ” َاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ” (مت6: 12). لأنه لا توجد ساعةٌ حيث لا يكون هناك ضرورةٌ للذين لديهم عقولٌ سليمةٌ، ويدركون ضعف الطبيعة البشرية أنْ يصرخوا: ” اَلسَّهَوَاتُ مَنْ يَشْعُرُ بِهَا، مِنَ الْخَطَايَا الْمُسْتَتِرَةِ أَبْرِئْنِي ” (مز19: 12). هذه هي الذبيحة الروحية المرسلة إلى الله كرائحة زكية لخلاص نفوسنا.

بلاديوس: هذا حقٌ.

كيرلس: حسنًا، لقد قلت إنَّ الثورَ، والكباش والخراف، كذلك التيوس، والأشياء الأخرى تُشير إلى المسيح. وهذا الرأي لا أعتقد أنه خطأ. لكن لو أراد أحدٌ أنْ يأتي إلينا بتفسيرٍ آخر لهذه الأفكار، فلا مانع لدينا.

بلاديوس: أيُ تفسير تقصد؟

كيرلس: يقدِّم الإسرائيليون الذبائح بحسب الناموس، ويسكبون الدم على المذبح، وهذا العمل ـ كأنه في ظلالٍ ـ يعلن أنه يجب أنْ نكرس نفوسنا إلى الله.

بلاديوس: ما قلته صحيح.

كيرلس: إذن، تُقدَّم الذبائح لأجلنا، ونحن نقدِّم أنفسنا كذبيحةٍ وفق مثال ذبائح الناموس.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: إذن، تعالَ نفحص بالتفصيل وباستقامةٍ، الترتيبات التي كانت تُقدَّم من الجميع بيد رؤسائهم لنرى جمال الرؤية الروحية.

حسنًا، الأشياءُ التي كانت تُقدَّم هي آنيةُ فضة، أقصد الطبق والكأس، ودقيقٌ ملتوتٌ بزيت. الفضةُ رمز اللَّمعان والبهاء، والدقيقُ هو رمز الحياة؛ لأنَّ منه يصير الخبز الذي يجعل الحياةَ تستمر، والزيتُ يرمز للابتهاج. إذًا دعنا نقدِّم ذات هذه الأمور من جانبنا إلى الله بابتهاجٍ نابعٍ من بهاءِ حياتنا برجائنا في المسيح؛ لأنه مكتوب:    ” فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ ” (رو12: 12). كيف لا يكون هؤلاء ـ الذين حافظوا على وصايا مخلصنا ـ مملوءين من الفرح العظيم، وقد مارسوا بامتيازٍ، البهاءَ في الحياة والتعليم، إذ حفظوا الوصايا التي بدونها لا نصير مشاركين في غنى مجد الله؟ لأنه مكتوب: ” لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ ” (كو3: 3 ـ 4).

 

حسنًا، الدقيقُ ملتوتٌ بزيت، أي يحمل حياة القديسين والبهجة برجاء المجد، أي ببهاء القداسة والبر. الصحنُ الذهبي المملوء بالبخور يصوِّر جمال القديسين ورائحة القداسة الذكية التي توجد داخل الآنية المختارة كتقدمة حقيقية إلى الله. ألا نعتبر ـ يا بلاديوس ـ أنَّ القديسين هم آنيةٌ بهيةٌ ومختارةٌ؟

بلاديوس: بالتأكيد هم آنية بهية ومختارة.

15 راجع ما قلناه سابقًا عن الوقت الخامس في الهامش الوارد في ص 14 من هذا الجزء.

 

المقالة10 ج6 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: كان المشرع والقاضي محقًا حين أمر بضرورة تتميم الذبائح في الخيمة المقدسة، محاولاً بذلك أن يبعدهم عن العبادة الزائفة التي لا أساس لها، أقصد العبادة المصرية القديمة، حيث كان يوجد هزلٌ كثيرٌ في عبادة الأصنام، وحشدٌ متناقضٌ من الآلهة الكاذبة، كان مِن المستحيل على مَن كانوا يعبدونهم أنْ يعرفوهم. وكان هناك أيضًا فوضى في الذبائح بحسب ما يريد كل واحدٍ، وذلك طبقًا لحديث مرتجل لأحد حكماء اليونان الذي يقول: “إنَّ كل واحد يذبح لإله آخر”.

 

إذًا، فقد أراد أنْ يبعدهم عن مثل هذه الوقاحة والسخافة والانشغال الدنس بعبادة غبية تمامًا، ولذلك قال أيضًا في سفر اللاويين: ” كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ وَجَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: هذَا هُوَ الأَمْرُ الَّذِي يُوصِي بِهِ الرَّبُّ قَائِلاً: كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ يَذْبَحُ بَقَرًا أَوْ غَنَمًا أَوْ مِعْزًى فِي الْمَحَلَّةِ، أَوْ يَذْبَحُ خَارِجَ الْمَحَلَّةِ، وَإِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ لاَ يَأْتِي بِهِ لِيُقَرِّبَ قُرْبَانًا لِلرَّبِّ أَمَامَ مَسْكَنِ الرَّبِّ، يُحْسَبُ عَلَى ذلِكَ الإِنْسَانِ دَمٌ. قَدْ سَفَكَ دَمًا. فَيُقْطَعُ ذلِكَ الإِنْسَانُ مِنْ شَعْبِهِ ” (لا17: 2 ـ 4).

 

وكونُه يسكبُ دمًا؛ فلأنه عُدَّ مذنبًا بجريمة القتل، ذلك الإنسان الذي ذبح خارج الخيمة. فمن يحاول ألاَّ يقدِّم الذبيحة للإله بطبيعته، بل يقدِّمها إلى أحجارٍ وتماثيلَ من خشبٍ، وإلى ضلالاتٍ شيطانية، يصير قاتلاً لذاته ويُهلك نفسه.

 

أمَّا أنه لم يأمر بأن تُساق الذبيحة عامةً إلى أبواب الخيمة، بل تُقدَّم تحديدًا إلى الله، فهو ما يظهره بوضوح قائلاً: ” وَلاَ يَذْبَحُوا بَعْدُ ذَبَائِحَهُمْ لِلتُّيُوسِ الَّتِي هُمْ يَزْنُونَ وَرَاءَهَا ” (لا17: 7). إذًا، فهو يحرَّم تمامًا الذبائح التي يقدمها كل واحد إلى ما يريد دون تمييز، ويوصي ـ بوضوح ـ أن تُتمم العبادة للإله بطبيعته فقط.

بلاديوس: عرضك لهذا الأمر واضحٌ جدًا وممتاز.

كيرلس: سيكون مفيد لنا لو فكرنا ـ بطريقةٍ أخرى ـ في أن تصير الذبائح وتُقدم الضحايا المقدسة داخل الخيمة المقدسة.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: ألم نقُل إنَّ الثَّورَ هو مثال لعمانوئيل الذي ذُبح بالقرب من الخيمة المقدسة من أجل الكاهن وخطايا الشعب عن جهل؟

بلاديوس: نعم قلنا هذا.

كيرلس: إذًا، هكذا نقول إنَّ سر المسيح يجب أن يتُمم داخل كنائس الله كما لو كانت خيمة مقدسةً، وهو ما نراه ـ رمزيًا ـ في علامةٍ أخرى، حيث شرَّع سلفًا ـ حين ارتحل الإسرائيليون من أرض مصر ـ الطريقة التي يجب أن يُذبح بها الخروف كمثال للمسيح، فقال: ” فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ يُؤْكَلُ. لاَ تُخْرِجْ مِنَ اللَّحْمِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى خَارِجٍ” (خر12: 46). إذًا، فبالرغم من أنه توجد خيمةٌ حقيقيةٌ مقدسة، يخالف الهراطقةُ إرادة الله عندما يقيم هؤلاء لأنفسهم خيامًا أخرى ويذبحون الخروف وينقلونه بعيدًا جدًا عن المسكن، مجزِّئين بذلك مَن لا يقبل التجزئة. لأنَّ المسيحَ واحدٌ وكاملٌ في كل شيءٍ.

أيضًا ينصح الشارح الحكيم لمقدسات موسى في سفر التثنية قائلاً: ” اِحْتَرِزْ مِنْ أَنْ تُصْعِدَ مُحْرَقَاتِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ تَرَاهُ. بَلْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْتَارُهُ الرَّبُّ فِي أَحَدِ أَسْبَاطِكَ. هُنَاكَ تُصْعِدُ مُحْرَقَاتِكَ، وَهُنَاكَ تَعْمَلُ كُلَّ مَا أَنَا أُوصِيكَ بِهِ. وَلكِنْ مِنْ كُلِّ مَا تَشْتَهِي نَفْسُكَ تَذْبَحُ وَتَأْكُلُ لَحْمًا فِي جَمِيعِ أَبْوَابِكَ، حَسَبَ بَرَكَةِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّتِي أَعْطَاكَ. النَّجِسُ وَالطَّاهِرُ يَأْكُلاَنِهِ كَالظَّبْيِ وَالإِيَّلِ. وَأَمَّا الدَّمُ فَلاَ تَأْكُلْهُ. عَلَى الأَرْضِ تَسْفِكُهُ كَالْمَاءِ” (تث12: 13 ـ 16). إذًا، خطيةً وجرمًا لذهنٍ دنسٍ إذا ما أصعد ذبيحةً في كل مكان، ولم يُتمم سر المسيح في بيت الله.

بلاديوس: أنت تقول الصواب. ولكن دعنا ـ إذا أردت ـ نعرض لكل ما شُرع بخصوص هذا الموضوع في سفر اللاويين.

كيرلس: مكتوب الآتي: ” وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَأْكُلُ دَمًا، أَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّ النَّفْسِ الآكِلَةِ الدَّمَِ وَأَقْطَعُهَا مِنْ شَعْبِهَا، لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ، فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ، لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. لِذلِكَ قُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلْ نَفْسٌ مِنْكُمْ دَمًا، وَلاَ يَأْكُلِ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ دَمًا. وَكُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنَ الْغُرَبَاءِ النَّازِلِينَ فِي وَسَطِكُمْ يَصْطَادُ صَيْدًا، وَحْشًا أَوْ طَائِرًا يُؤْكَلُ، يَسْفِكُ دَمَهُ وَيُغَطِّيهِ بِالتُّرَابِ. لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ دَمُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ، فَقُلْتُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: لاَ تَأْكُلُوا دَمَ جَسَدٍ مَا، لأَنَّ نَفْسَ كُلِّ جَسَدٍ هِيَ دَمُهُ. كُلُّ مَنْ أَكَلَهُ يُقْطَعُ ” (لا 17: 10 ـ 14). إذًا لاحظ كيف أنَّ الدم ـ بوضوحٍ ـ يعتبر كمثالٍ للنفس.

بلاديوس: إنني أفهم ما تقوله.

كيرلس: إذن، يفصلُ الناموس وينـزعُ الدمَ عن جسد الذبائح الحيوانية مُعلِّمًا إيانا الحقيقةَ الحكيمةَ المقبولةَ في إيماننا والتي تكرِّمها كنائسنا، وهي أنَّ نفس الإنسان العاقلة خُلِقَتْ على غير فساد، وهي تتصرف باعتبارها خالدة لا يصيبها الموتُ بالفساد، مثلما تفسد الأجساد الأرضية. بل بالحري يحررها الخالق من الأرضيات ويُصعدها إلى السماء نازعًا عنها الآلام ومانحًا لها الحياة. لأنَّ الإنسانَ منذ البداية خُلِقَ كنفسٍ حيةٍ، ووضع الله فيها نسمةَ الحياة، هكذا مكتوب (انظر تك2: 7).

 

وإذا قلنا إنَّ النفسَ التي صارت لكي تحيا، دُمِّرَتْ مثلها مثل الأجساد الوقتية (الفانية)، فلا بُد أن ننتهي ـ كما أعتقد ـ إلى أنَّ هناك ضعفًا يكمن في الحياة التي تحيي كلَّ شيءٍ. وفي المقابل، عندما نؤمن بخلودها بسبب أنَّ الله الخالق يريد ذلك (وإنه هو الذي يعطيها الحياة)، فإننا سوف نتوَّج بالفهم الجميل إذ ” بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ ” (أع17: 28).

 

هذا هو الحديث الخاص بالتشريع. لكن دعنا نمضي في الحديث عن الترتيبات الأخرى المتعلقة بالخيمة. قال الله في سفر الخروج:   ” لاَ تَذْبَحْ عَلَى خَمِيرٍ دَمَ ذَبِيحَتِي ” (خر34: 25). الدمُ غير المسكوب يجب أنْ يكون بدون خُبزٍ مختمِرٍ، لذا على مَن يقدِّم الذبيحةَ إلى الله ألاَّ يضيف إليها الخبز المختمر. بمعنى أنه يجب علينا أنْ نكون أطهارًا وبدون خمير، أي دون أنْ يكون في ذهننا أي دناءة أو خبث. لكن نكرس نفوسنا ـ والتي يرمز لها هنا بالدم ـ لله. وبولس يدعو أولئك الذين يحفظون نفوسهم نقية وطاهرة من الدناءة ـ وذلك بالإيمان بالمسيح والمحبة الكاملة ـ يدعوهم بالعجين الجديد والفطير (المنـزوعة منه الخميرة العتيقة) (انظر 1كو5: 7).

 

أيضا يقول: ” وَلاَ يَبِتْ شَحْمُ عِيدِي إِلَى الْغَدِ ” (خر23: 18) أي لا تقدِّم شحمًا باقيًا من الأمس وتعتبره تقدمةً زكيةً. على الجانب الآخر نرى في سفر اللاويين هذا الأمر واضحًا جدًا إذ يقول لمَن يقدِّم الذبيحة: ” وَإِنْ كَانَتْ ذَبِيحَةُ قُرْبَانِهِ نَذْرًا أَوْ نَافِلَةً، فَفِي يَوْمِ تَقْرِيبِهِ ذَبِيحَتَهُ تُؤْكَلُ. وَفِي الْغَدِ يُؤْكَلُ مَا فَضَلَ مِنْهَا. وَأَمَّا الْفَاضِلُ مِنْ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَيُحْرَقُ بِالنَّارِ. وَإِنْ أُكِلَ مِنْ لَحْمِ ذَبِيحَةِ سَلاَمَتِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ لاَ تُقْبَلُ. الَّذِي يُقَرِّبُهَا لاَ تُحْسَبُ لَهُ، تَكُونُ نَجَاسَةً، وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا ” (لا7: 16 ـ 18). إذن، فهو يرفض ـ للذبيحة ـ الضحيةَ التي من أول أمس، ويوضِّح هذا قائلاً: ” وَمَتَى ذَبَحْتُمْ ذَبِيحَةَ شُكْرٍ لِلرَّبِّ، فَلِلرِّضَا عَنْكُمْ تَذْبَحُونَهَا. فِي ذلِكَ الْيَوْمِ تُؤْكَلُ. لاَ تُبْقُوا مِنْهَا إِلَى الْغَدِ. أَنَا الرَّبُّ ” (لا22: 29 ـ 30). ” وَالنَّفْسُ الَّتِي تَأْكُلُ مِنْهَا تَحْمِلُ ذَنْبَهَا ” (لا7: 18).

بلاديوس: وما هو القصد من هذه الأمور ؟

كيرلس: لقد أظهر لنا الناموس ـ مراتٍ كثيرةٍ ـ أنَّ الكتاب المقدس أعتاد أنْ يعطي الزمن بُعدين: الزمن الذي كان يسرى فيه الناموس، والزمن الذي أشرق فيه المسيح علينا. وأحيانا يدعوه البُعد الثالث؛ لأن الفترة البينية التي أشرق فيها خورس الأنبياء كانت فترة البُعد الثاني.

 

ونلاحظ أنه في زمن موسى والأنبياء، كانت طريقة العبادة واحدة إذ كانت ظلالُ الناموس سائدةً. لكن، عندما يصير الغد، أي عندما يبدأ الوقت الثالث، وينير المسكونةَ النورُ غير المادي، أي المسيح، ينحل الضباب القديم، لذا لا تعود مقبولةٌ طريقة العبادة القديمة، ولا يُقبل شحمُ ذبيحةِ أمس أو أول أمس أمام الرب، بل يكون دنسًا بالنسبة لأولئك الذين يقدِّمون شحم هذه الذبيحة المرفوضة من قِبل الله إذًا قُدِّمت في وقتٍ مخالفٍ.

 

ألا تعتقد أن هذا يتفق مع الحق، وذلك عندما أنار المسيح ـ بتعاليمه الإنجيلية ـ نفوس القديسين، وقادهم بامتياز إلى العبادة الروحية، وصارت الأوامر الناموسية الطقسية نافلةً بلا فائدة؟

بلاديوس: هذا حقٌ. وسوف أذكر بولس الرسول الذي دعا مفاخر الناموس نفايةً وخسارةً بسبب عظمة معرفة المسيح (انظر فيلبي3: 8). وأعرف أنه كتب لبعض الأشخاص قائلا: ” أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا ” (غلا5: 2).

كيرلس: أنت تقول الصواب. إنه من الخطيئة والدنس ـ بعد ظهور المسيح وانقضاء وقت الناموس والأنبياء ـ أنْ نظل في عبادة الظِّل ونرغب في تقديم خرافٍ أو شحمٍ إلى الله، بينما الابن يقول بكل وضوح إلى الله الآب: ” بذبيحةٍ وتقدمةٍ لم تُسرَّ. لكن هيأت لي جسدًا. محرقةً وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قلت هاأنذا جئت. بدرج الكتاب مكتوب عنى أنْ أفعل مشيئتك يا إلهي سررت. وشريعتك في وسط أحشائي ” (مز40: 6ـ8 س).

 

          بما أنَّ الابن قدَّم ذاته لأجلنا كذبيحةٍ مقدسةٍ كاملةٍ، فقد وضع نهايةً للعبادة الناموسية التي لم تستطع أنْ تزيل الخطايا؛ لأن غاية الناموس والأنبياء هو المسيح.

بلاديوس: تتحدث الصواب.

كيرلس: إذن، كان الآبُ لا يدني منه بالعبادة الناموسية، بينما بعد التكميل الذي صار بواسطة المسيح أصبح يُقتَرَبُ إليه ـ فقط ـ بواسطة الابن. لذلك يقول: ” لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ” (يو14: 6). وكون أنَّ الشيء الذي لا يصير بواسطة المسيح يكون غير مناسبٍ وليس كاملاً، بينما الشيء الذي يصير بواسطة المسيح ومن خلاله يكون مقبولاً ومقدسًا، فهذا ما يوضحه الناموس في سفر الخروج فقد كُتِب: ” لاَ تَطْبُخْ جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ ” (خر34: 26). وفي سفر اللاويين: ” مَتَى وُلِدَ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ أَوْ مِعْزًى يَكُونُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ تَحْتَ أُمِّهِ، ثُمَّ مِنَ الْيَوْمِ الثَّامِنِ فَصَاعِدًا يُرْضَى بِهِ قُرْبَانَ وَقُودٍ لِلرَّبِّ. وَأَمَّا الْبَقَرَةُ أَوِ الشَّاةُ فَلاَ تَذْبَحُوهَا وَابْنَهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ” (لا22: 27 ـ 28).

 

لا يَسمح بذبح الخروف حديث الولادة، والذي مازال يرضع؛ لأنه لم يكتمل ولم ينضج، ولم يكن بعدُ مقدسًا، ولذلك فهو غير مقبول من الله. أمثال هذا هم بعض الأغبياء وقليلي المعرفة الذين كتب إليهم بولس الرسول قائلاً: ” لأَنَّكُمْ ­إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ­ تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ ” (عب5: 12). إذن، من لا يزال يشربُ لبنًا ويرضع فهو ليس كاملاً، أقصد من جهة الفهم والقوة الروحية، لكن ليت حديثنا ينتقل من الأمثلة والأمور المحسوسة والمصنوعة بالأيدي إلى الأمور الفوق حسية والأمور الذهنية، وسوف تفهم جيدًا أنَّ الكل قد صار بواسطة المسيح كاملاً ومقبولاً. بمعنى أنَّ الحيوانات التي تُجمَع وتقدَّم إلى الله ـ مكتوبٌ ـ يجب أنْ تكون سبعة أيام مع أمهاتها، بينما في اليوم الثامن، وبعد ذلك اليوم يمكن أنْ تقدَّم وتصير ذبائح إلى الله.

بلاديوس: ليس السببُ واضحًا بعد.

كيرلس: ألا تعتقد أنَّ اليوم الثامن هو يوم قيامة المخلص؟ وهو بدايةُ زمنٍ جديدٍ حيث انقضى زمن الناموس مثلما انقضت الأيام السبعة الأولى للمولود؟

بلاديوس :أعتقد بالطبع أنه يوم قيامة المخلص.

كيرلس: بناء على ذلك، الذي ما يزال في زمن الناموس لم يتقدَّس بعد، ولم يُقدَّم بعد. بينما يمكن تقديم أي شيء ينتمي إلى زمن المسيح (أي من اليوم الثامن فصاعدًا)، ويصير مقبولاً من الله. لأنَّ دعوة المسيح لم تنتهِ لأنها قد بدأت بالقيامة. وهذا ما قاله الابنُ مرةً: ” وَأَنَا إِنِ ارْتَفَعْتُ عَنِ الأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ الْجَمِيعَ ” (يو12: 32) وأيضا قال:  ” اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَقَعْ حَبَّةُ الْحِنْطَةِ فِي الأَرْضِ وَتَمُتْ فَهِيَ تَبْقَى وَحْدَهَا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَتْ تَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ ” (يو12: 24).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب. ولكن ماذا يعني أيضا أنه لا يجب أنْ تُذبح الأم (البقرة أو الشاة) وابنها في بطنها؟

كيرلس: حين شرَّعَ ما يتعلق بالمسيح، وأعلن ـ بطريقةٍ حسنةٍ جدًا ـ الكمالَ بواسطة المسيح، لم يجهل ـ كإله ـ عصيان اليهود وعناد أورشليم، ولأجل هذا السبب، سيَهلك الإسرائيليون باعتبارهم قاتلي المسيحيين، وبسبب سلوكهم الوحشي والمخالف ضد الابن. غير أنَّ أورشليم لن تُنقض من أساساتها مرةً واحدةً وإلى الأبد، ولكنها ستظل خربةً من الأولاد منتظرةً خلاصها في الأزمنة الأخيرة، وهى مسرعة خلف الأمم؛ لأنها ستمتد ناحية الجنوب، أي إلى الخلف وفق كلام المرنم: ” سيضعهم على الأكتاف ” (مز 21: 13 س). أي سيخلص جميع بني إسرائيل (انظر رو11: 26)، لأن كل الجمع من الأمم سيسكن أولاً في المساكن الإلهية.

إذن، لا يسمح ناموس الطبيعة[1] بحدوث فساد ودمار شامل وعام، ولكنه يعلن إنَّ الغضب على العاصين، إنما هو ممزوجٌ بالوداعة، وفي نفس الوقت يستخدم الحرف للمعرفة عن طريق الأمثلة والنماذج. فالكائنات لا تُساق تمامًا نحو العدم، يسودها فسادٌ طائشٌ، لكنها تبقى بتعاقب الواحد من خلال الآخر، والواحد سيخلُصُ من خلال الآخر قياسًا بالقرابة والجنس اللذان ينتسبان إليهما. هكذا أبعد الله الهلاك الشامل عن مخلوقاته إذ مكتوب الآتي: ” فإنه خلق كل شيءٍ لكي يكون، وإنَّ خلائق العالم مفيدة وليس فيها سُمٌ مُهلكٌ، ولا مُلك لمثوى الأموات على الأرض؛ لأنَّ البِرَ خالدٌ ” (حكمة سليمان1: 14).

 

إذن، الحاجةُ هي إلى إعلانٍ إلهيٍ، وطبعًا إلى النبوات عن المسيح الذي منه وبه يخلُص كل ما هو موجودٌ في (حالة) الفساد، ومَن ساد عليه الموت يزدهر مرةً أخرى وينال الحياة؛ لأنَّ جذر الجنس البشرى قد هلك لأنه أتى من أُمٍ مثلما صار في حالة آدم، لكن كل الذين أتوا منها، أي نحن، ازدهرنا بموت المسيح وصرنا موجودين ومحفوظين آخذين المسيح الحياة والجذر الثاني للجنس البشرى.

بلاديوس: حديثك جميل ولطيف ومبدع!!

كيرلس: جديرٌ بنا أيضًا يا بلاديوس أنْ نضيف إلى ما قلناه الآتي:    ” لاَ تَنْصُبْ لِنَفْسِكَ سَارِيَةً مِنْ شَجَرَةٍ مَّا بِجَانِبِ مَذْبَحِ الرَّبِّ إِلهِكَ الَّذِي تَصْنَعُهُ لَكَ، وَلاَ تُقِمْ لَكَ نَصَبًا. الشَّيْءَ الَّذِي يُبْغِضُهُ الرَّبُّ إِلهُكَ ” (تث16: 21 ـ 22).

 

لاحظ إذن، كيف أنَّ السجود للحق يبتعد تمامًا عن ضلال عبادة الأوثان، فلا يسمح إطلاقًا باستخدام عادات اليونانيين، ويأمرهم أنْ يُلقوا عن كاهلهم هذه العادات حتى لو كان حفظها لا يجلب تعاسةً.

بلاديوس: ماذا تريد أنْ تقول؟

كيرلس: يختار اليونانيون الأشجار التي تحمل فروعًا جيدة، وكل غابةٍ كثيفةُ الظلالِ يبنون فيها هياكل لتقدَّم فيها ذبائح إلى الشياطين. ثم يرتِّبون بعض المتع العالمية التي تشغل الذهن. لأن الضعف هو المرض الطبيعي للمزيِّفين. وفي مراتٍ كثيرةٍ يتجمَّلون بزينةٍ خارجيةٍ مثل النساء غير الفاضلات. لكن ما الذي يحتاجه المرء من زينةٍ خارجيةٍ إذا كان المذبح الإلهي يلمع بالجمال الحقيقي ولا يحتاج إلى زيناتٍ باطلة؟ لأن المذبح الإلهي لا يُقترب إليه بمسراتٍ عالمية، ولا بذهنٍ فاسدٍ ينشغل ـ فقط ـ بالجسديات، بل بذهنٍ يقظ يُحدِّق ـ فقط ـ ناحية الأمور العالية، أي إلى السماء.

 

ويمكنني أنْ أقول إنه لو حدث أنْ أُقيم مذبحًا إلهيًا على قطعةٍ من جذع شجرة، فإنَّ ذلك لا يُلحِق ضررًا بالسجود المستقيم والحقيقي للمخلص. لكن، ولأنَّ ذلك العُرف يونانيٌ تمامًا، فيجب أن يُهجر التشبُّه به، كما ـ بالضبط ـ لا يوجد بالنسبة لذهن المؤمن الثابت في معرفة الحق أيُ صنمٍ في العالم، وكما لا يرغب أيضًا في أنْ يأكل ما ذُبح للأوثان، وذلك لأجل ضمير الضعفاء من جهة الإيمان؛ لأنه يقول: ” أَقُولُ «الضَّمِيرُ»، لَيْسَ ضَمِيرَكَ أَنْتَ، بَلْ ضَمِيرُ الآخَرِ. لأَنَّهُ لِمَاذَا يُحْكَمُ فِي حُرِّيَّتِي مِنْ ضَمِيرِ آخَرَ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَتَنَاوَلُ بِشُكْرٍ، فَلِمَاذَا يُفْتَرَى عَلَيَّ لأَجْلِ مَا أَشْكُرُ عَلَيْهِ ” (1كو10: 29 ـ 30).

 

إذن، يوصي الله أنْ نتجنب محاكاة اليونانيين من جهة موضع الذبيحة ومن جهة سلوكيات إتمام الطقس الديني.

بلاديوس: أوافقك.

14 لا يقصد القديس كيرلس هنا الناموس بمعنى شريعة موسى، ولكنه يتكلم عن الناموس الذي وضعه الله للخلق واستمرار الحياة، ولذلك فهو يستشهد بعملية تعاقب الكائنات من خلال التناسل، فالفساد لم يطوح بالخليقة إلى العدم بغير رجعة، ولكن صلاح الله حال بين الخليقة وبين العدم؛ “لأن الخليقة أيضًا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله” (رو 8: 21). (المترجم)

 

المقالة10 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

كيرلس: إذًا، طالما أنَّ الحديث عن هذه الأمور كان كافيًا ومرضيًا، دعنا نضيف ـ إذا أردت ـ ما قاله بولس الرسول حيث أعلن ـ بطريقةٍ مناسبةٍ ـ الشهادةَ عن المسكن الأول والثاني. فقد كتب الآتي: ” ثُمَّ إِذْ صَارَتْ هذِهِ مُهَيَّأَةً هكَذَا، يَدْخُلُ الْكَهَنَةُ إِلَى الْمَسْكَنِ الأَوَّلِ كُلَّ حِينٍ، صَانِعِينَ الْخِدْمَةَ. وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي فَرَئِيسُ الْكَهَنَةِ فَقَطْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ الشَّعْبِ، مُعْلِنًا الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهذَا أَنَّ طَرِيقَ الأَقْدَاسِ لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ، مَا دَامَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ لَهُ إِقَامَةٌ، الَّذِي هُوَ رَمْزٌ لِلْوَقْتِ الْحَاضِرِ، الَّذِي فِيهِ تُقَدَّمُ قَرَابِينُ وَذَبَائِحُ، لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ، وَهِيَ قَائِمَةٌ بِأَطْعِمَةٍ وَأَشْرِبَةٍ وَغَسَلاَتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَفَرَائِضَ جَسَدِيَّةٍ فَقَطْ، مَوْضُوعَةٍ إِلَى وَقْتِ الإِصْلاَحِ.  وَأَمَّا الْمَسِيحُ، وَهُوَ قَدْ جَاءَ رَئِيسَ كَهَنَةٍ لِلْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ، فَبِالْمَسْكَنِ الأَعْظَمِ وَالأَكْمَلِ، غَيْرِ الْمَصْنُوعِ بِيَدٍ، أَيِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ هذِهِ الْخَلِيقَةِ، وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُول، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيًّا ” (عب9: 6 ـ 12).

أرأيت إذًا أنَّ الطقوس في المسكن الأول كان يتممها الكهنةُ الذين ليس لهم حق الدخول إلى قدس الأقداس. هكذا تكون العبادة بحسب الناموس؛ لأنها حُصِرت في الظلال.

وهذه الطقوس أيضًا لا فائدة لها من جهة التطهير والاغتسال من الخطايا. فقد سمعت منذ قليل بولس يصرخ قائلاً: ” لاَ يُمْكِنُ مِنْ جِهَةِ الضَّمِيرِ أَنْ تُكَمِّلَ الَّذِي يَخْدِمُ ” (عب9: 9). ولقد حفظوا هذا الطقس إلى أنْ أتى وقت الإصلاح (التقويم) أي تأنُّس وحيد الجنس، حين تركت الظلال مكانها للحقيقة: ” وَأَمَّا إِلَى الثَّانِي فَرَئِيسُ الْكَهَنَةِ فَقَطْ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، لَيْسَ بِلاَ دَمٍ يُقَدِّمُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ جَهَالاَتِ الشَّعْبِ ” (عب9: 7). وسوف يوضح بولس الرسول هذا الأمر قائلاً عن المسيح: ” إِذْ يَقُولُ آنِفًا:إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا. الَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ النَّامُوسِ. ثُمَّ قَالَ: هنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ. يَنْزِعُ الأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ. فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ. وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ، مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ. لأَنَّهُ بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ ” (عب10: 8 ـ 14). لأنه مات مرةً واحدةً بحسب الكتب (انظر رو6: 9). وحيث أنه حمل خطايا كثيرين، ” لأَنَّ الْمَسِيحَ لَمْ يَدْخُلْ إِلَى أَقْدَاسٍ مَصْنُوعَةٍ بِيَدٍ أَشْبَاهِ الْحَقِيقِيَّةِ، بَلْ إِلَى السَّمَاءِ عَيْنِهَا، لِيَظْهَرَ الآنَ أَمَامَ وَجْهِ اللهِ لأَجْلِنَا” (عب9: 24).

بلاديوس: كل ما تقوله واضحٌ. لكن الآن حوِّل اجتهادك إلى أمرٍ آخر. فماذا يعنى أيضًا ذلك الدم الذي كان عادةً ما يقدِّمه عن نفسه وعن جهالات الشعب؟ أريدك أنْ تجيب على هذا السؤال؟

كيرلس: لأنَّ بولس كان عارفًا بالناموس، وكان قد درس بدقة وصايا موسى، تكلم إلى اليهود مقتبسًا دائمًا شواهد كثيرة من الكتاب ليذكِّرهم بأمورٍ معروفةٍ عندهم، لذا تجنَّب السرد الموسَّع المتعلِّق بالأمور التقوية والسرية. وهذا شيءٌ طبيعيٌ باعتبار أنَّ اليهود أيضًا كانوا عارفين بالناموس.

 

سوف أتحدث ـ إذا أردت ـ عن الناموس لمن يتوق إلى معرفة الأمور المفيدة ويبتغي الدقة والمرونة في توضيح الشروحات. مكتوب في سفر اللاويين: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلاً: إِذَا أَخْطَأَتْ نَفْسٌ سَهْوًا فِي شَيْءٍ مِنْ جَمِيعِ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا، وَعَمِلَتْ وَاحِدَةً مِنْهَا: إِنْ كَانَ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ يُخْطِئُ لإِثْمِ الشَّعْبِ، يُقَرِّبُ عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ ثَوْرًا ابْنَ بَقَرٍ صَحِيحًا لِلرَّبِّ، ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ. يُقَدِّمُ الثَّوْرَ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الثَّوْرِ، وَيَذْبَحُ الثَّوْرَ أَمَامَ الرَّبِّ. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ الْمَمْسُوحُ مِنْ دَمِ الثَّوْرِ وَيَدْخُلُ بِهِ إِلَى خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، وَيَغْمِسُ الْكَاهِنُ إِصْبَعَهُ فِي الدَّمِ وَيَنْضِحُ مِنَ الدَّمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَمَامَ الرَّبِّ لَدَى حِجَابِ الْقُدْسِ. وَيَجْعَلُ الْكَاهِنُ مِنَ الدَّمِ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْبَخُورِ الْعَطِرِ الَّذِي فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الرَّبِّ، وَسَائِرُ دَمِ الثَّوْرِ يَصُبُّهُ إِلَى أَسْفَلِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ الَّذِي لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ. وَجَمِيعُ شَحْمِ ثَوْرِ الْخَطِيَّةِ يَنْزِعُهُ عَنْهُ. الشَّحْمَ الَّذِي يُغَشِّي الأَحْشَاءَ، وَسَائِرَ الشَّحْمِ الَّذِي عَلَى الأَحْشَاءِ، وَالْكُلْيَتَيْنِ وَالشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِمَا الَّذِي عَلَى الْخَاصِرَتَيْنِ، وَزِيَادَةَ الْكَبِدِ مَعَ الْكُلْيَتَيْنِ يَنْزِعُهَا، كَمَا تُنْزَعُ مِنْ ثَوْرِ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. وَيُوقِدُهُنَّ الْكَاهِنُ عَلَى مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ. وَأَمَّا جِلْدُ الثَّوْرِ وَكُلُّ لَحْمِهِ مَعَ رَأْسِهِ وَأَكَارِعِهِ وَأَحْشَائِهِ وَفَرْثِهِ فَيُخْرِجُ سَائِرَ الثَّوْرِ إِلَى خَارِجِ الْمَحَلَّةِ إِلَى مَكَانٍ طَاهِرٍ، إِلَى مَرْمَى الرَّمَادِ، وَيُحْرِقُهَا عَلَى حَطَبٍ بِالنَّارِ. عَلَى مَرْمَى الرَّمَادِ تُحْرَقُ ” (لا4: 1 ـ 12).

 

هذا هو ما أمر به الناموس إذا أخطأ الكاهن عن جهل. أيضًا تصير ذبيحة ثور عن خطايا الشعب عن جهل، ويُذبح الثور عند باب خيمة الشهادة أمام الرب حيث يضع كهنة الخدمة أيديهم فوقه، ويُنقل دمه داخل قدس الأقداس. ولكي أُبسِّط الأمر أقول إنَّ كل ما كان يتمم (سواء بالنسبة للكهنة أو للشعب)، إنما كان يتم بوضع الأيدي فوق الذبيحة كمثل الذبيحة المقدمة عن هارون. أمَّا (معطي) الطهارة بالنسبة للكهنة وللشعب، فهو المسيح؛ “لأنه خلّصنا، وصرنا طاهرين من دنس الخطية بواسطته”. وهذا ما سوف يصير واضحًا لكل واحدٍ منَّا من خلال ما سيجيء من شروحات. لأننا سنتعرَّض بالشرح لكل أمر من الأمور التي كُتبت بالتفصيل. ولسوف يمضي حديثي بوضوح وتوسُّع بقدر المستطاع، ليجيب على ما كان خفيًا في هذه الأمور.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: إذًا يأخذون الثور الذي بلا لوم، وهو يرمز إلى المسيح، الذي هو حقًا بلا لوم لأنه لم يعانِ من جُرح الخطية، لأنه مكتوب:   ” رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ ” (يو14: 30) وهو ” لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ ” كما هو مكتوب (1بط2: 22).

حسنًا، يُساق الثور بالقرب من أبواب الخيمة أمام الرب دون أنْ يعترض على التألمُّ من أجل الخيمة المقدسة، أي الكنيسة التي كرَّس المسيح نفسه لأجلها كرائحةٍ زكيةٍ أمام الله الآب. لذلك قال: ” وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي ” (يو17: 19)، وهو يستخدم “أقدِّس” بدلاً من “أُقدِّم وأُكرِّس تقدمةً بلا لوم لله الآب”. لأنَّ ما يُكرَّس لله مكتوبٌ عنه “يُقدِّس”: ” هُوَ شَرَكٌ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَلْغُوَ قَائِلاً: «مُقَدَّسٌ»، وَبَعْدَ النَّذْرِ أَنْ يَسْأَلَ ” (أم20: 25). وأمَّا أنْ تكون التقدمة مقبولة وحسنة عند الله، فهو ما تعلنه عبارة “أمام الرب”. هل أدركت الآن ما سبق أنْ كُتِبَ عن الأخوين، أقصد قايين وهابيل؛ لأنه مكتوب: ” فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، 5 وَلكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ ” (تك4: 4 ـ 5). فمن الواضح أنه نظر إلى ما يسُرَّه، ولكنه يكره ولا يلتفت إلى العكس. فعندما تستند أيدي ذاك الذي فعل الخطية فوق الثور، عندئذٍ يصير الذبح، وحسنًا “أمام الرب”؛ لأنَّ ” عَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا ” (إش53: 11) وهو مذبوحٌ. اليد هنا هي مثال للعمل والأعمال. هكذا ذبحه يصير أمام الرب، معطيًا بذلك إشارة إلى موافقة الآب في أنه يجب أنْ يموت الابن، ولم يرفع نظره بينما كان يُذبح. لكن على أى حال هو لا يستعذب الألم الذي تعانى منه الذبيحة ويثنى عليه، إلاّ أنه يعرف أنَّ ألم عمانوئيل هو لأجل خلاص العالم.

 

          إذًا، فقد حمل المسيح خطايانا، وتألمَّ لأجلنا مُحتملاً الذبح فوق الصليب الكريم.

 

وبعد ذلك يأخذ الكاهنُ الدمَ بأُصبعه ويرُش سبعُ مراتٍ حجابَ القُدسِ الذي كان يغطي التابوت الذي كان يدعى كفَّارةً. ويمسح قرون مذبح البخور، أي صار المسيحُ كفَّارةً لأجلنا، وذبيحة تكفير. وبدم العهد الأبدي منحنا كمال التطهير. لأنَّ هذا هو ما يقصده برش الدم سبعُ مراتٍ لدى حجاب القُدس؛ لأنَّ العدد سبعة هو رمز الكمال. فقد أفاح موته رائحةَ خلاص العالم الزكية، والإيمان بالاقتراب منه. لأنه طبقًا للكتب المقدسة ” إِنْ كَانَ وَاحِدٌ قَدْ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ، فَالْجَمِيعُ إِذًا مَاتُوا. وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ ” (2كو5: 14 ـ 15). بالتالي فإنَّ مسح مذبح البخور بالدم يعلن رائحة الموت الزكية. والدم الباقي يُرشُّ أسفل مذبح المحرقة (أي على قاعدته) الذي يوجد في المسكن الأول. ويُشير الدم طبعًا إلى النفس، وعمانوئيل لم يبذل نفسه لأجل كنيسة الأمم فقط، بل لأولئك الذين عاشوا بالناموس، أي للإسرائيليين. لأن الجميع قد تحرروا بدم المسيح: يونانيون ويهود ويؤكد هذا بولس الرسول حين قال: ” أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ” (رو3: 29 ـ 30).

 

وبعد نزع الشحم من الأحشاء ووضعها على المذبح، يتم حرق بقية جسد الثور خارج الخيمة. هكذا تكون الذبيحة المقدسة التي تفوح بالفضائل التي رُمز إليها بالأحشاء، لأن الفضائل تكون مختفيةً في داخلنا وساكنةً في ذهننا. هذا هو المسيح الذي عانى خارج الباب، وبموت جسده يطهِّر الأدناس لأنه يقول: ” إن كان دم ثيران وتيوس ورماد عجله مرشوش على المنجسين يقدِّس إلى طهارة الجسد “. بالتالي، تفوح رائحة عمانوئيل الذي هو واحدٌ في الخيام المقدسة، أي الكنائس. لقد تألمَّ أيضًا خارج الباب حيث يجب علينا أن نخرج ونحمل عاره كما قال بولس الرسول (انظر عب13: 13).

 

وكان الثور أيضًا يُقدم من أجل خطايا الشعب عن جهل في درجة مساوية (لما يُقدَّم من أجل الكهنة)، وهكذا كان سبب تقديم الذبيحة واحدٌ للجميع (أي للشعب والكهنة). بنفس الطريقة إذن قدَّم عمانوئيل نفسه للصغار والكبار، للشعب والكهنة. أليس ما أقوله صحيح؟

بلاديوس: كيف لا ؟!!

كيرلس: حسنًا، هل تريد أنْ نرجع بحديثنا إلى الكلام المتعلق بالخيمة؟

بلاديوس: نعم أريد جدًا.

كيرلس: عندما انتهوا من إتمام كل الأعمال بوضع كل آنية من الأواني في مكانها اللائق، أمر الرب أنْ تتقدس هذه الآنية والخيمة قائلاً لموسى: ” وَتَصْنَعُهُ دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ. عِطْرَ عِطَارَةٍ صَنْعَةَ الْعَطَّارِ. دُهْنًا مُقَدَّسًا لِلْمَسْحَةِ يَكُونُ. وَتَمْسَحُ بِهِ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، وَتَابُوتَ الشَّهَادَةِ، وَالْمَائِدَةَ وَكُلَّ آنِيَتِهَا، وَالْمَنَارَةَ وَآنِيَتَهَا، وَمَذْبَحَ الْبَخُورِ، وَمَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ وَكُلَّ آنِيَتِهِ، وَالْمِرْحَضَةَ وَقَاعِدَتَهَا. وَتُقَدِّسُهَا فَتَكُونُ قُدْسَ أَقْدَاسٍ. كُلُّ مَا مَسَّهَا يَكُونُ مُقَدَّسًا ” (خر30: 25 ـ 29).

 

أرأيت إذًا التابوت ممسوحًا بالزيت المقدس، وطبعًا المائدة والمصباح فوقها، وأيضًا المذبح الذهبي. بالطبع، سبق لنا أنْ أوضحنا ـ بعرضٍ مطوَّلٍ ـ أنها ترمز لعمانوئيل بالفعل.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: حسنًا تأمل ما يترنم به داود عنه: ” أَحْبَبْتَ الْبِرَّ وَأَبْغَضْتَ الإِثْمَ، مِنْ أَجْلِ ذلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلهُكَ بِدُهْنِ الابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ ” (مز7:45). أيضًا بولس الرسول يكتب: ” لأَنَّ الْمُقَدِّسَ وَالْمُقَدَّسِينَ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَاحِدٍ ” (عب11:2).

 

ويجب أن نعرف ـ طبقًا لهذا القول الذي بلا عيب ـ أنَّ المسيح الذي يمنح القداسة ويعطيها للجميع لأنه إله، مع الله الآب، إنما يتقدَّس معنا كإنسان، وهذا هو الإخلاء (انظر فيلبى 6: 2 ـ 7). فقد قِيل عَمَنْ هو بطبيعته قدوس لأنه الإله: إنه احتاج إلى الله ليقدسه. وهذا ما يقوله بطرس الطوباوي ” يَسُوعُ الَّذِي مِنَ النَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ ” (أع38:10). إذًا، المسحةُ وتقديس الجسد يخصان بشريته، أي (ناسوت) المسيح الذي هو قدوس لأنه من جهة لاهوته هو واحد مع الله الآب، أمَّا التقديس بالنسبة للمخلوقات، فيأتي من الخارج بقبول النعمة الغنية من الله.

 

إذن، يُمسح مذبح العبادة الناموسية مع كل الأشياء؛ لأنَّ الناموسَ مقدسٌ أيضًا، إذ يدعو إلى معرفة الله، ويمنح مستمعيه معرفة البر، ويرشد أولئك الذين يقودهم إلى بداية الصلاح؛ لأنه يقول: ” بداية الحياة الفاضلة هي أن يفعل المرء البر ” (أم16: 5 س). كما قال بولس الرسول أيضًا: ” إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ ” (رو7: 12). والناموسُ مقدسٌ، ليس طبعًا بكونه ظلاً للخيرات العتيدة، بل بالمفهوم الروحي لتلك الظلال. لأن هذه النماذج والظلال تصرخ عندئذٍ بأنها تشير إلى المسيح قدُّوسُ القدِّيسين حقًا؛ إذ أنه يُقدِّس كالله ماسحًا ـ بالروح نفسه ـ هؤلاء الذين يشاركونه بالإيمان.

 

هكذا أُقيمت الخيمة المقدسة، ومُسحت بالكامل بالزيت المقدس، علينا إذن أنْ نتحدث ـ إذا أردت ـ عما صار بعد هذه الأمور.

بلاديوس: أريد طبعًا.

كيرلس: مكتوب الآتي: ” ثُمَّ غَطَّتِ السَّحَابَةُ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ وَمَلأَ بَهَاءُ الرَّبِّ الْمَسْكَنَ. فَلَمْ يَقْدِرْ مُوسَى أَنْ يَدْخُلَ خَيْمَةَ الاجْتِمَاعِ، لأَنَّ السَّحَابَةَ حَلَّتْ عَلَيْهَا وَبَهَاءُ الرَّبِّ مَلأَ الْمَسْكَنَ. وَعِنْدَ ارْتِفَاعِ السَّحَابَةِ عَنِ الْمَسْكَنِ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَرْتَحِلُونَ فِي جَمِيعِ رِحْلاَتِهِمْ. وَإِنْ لَمْ تَرْتَفِعِ السَّحَابَةُ لاَ يَرْتَحِلُونَ إِلَى يَوْمِ ارْتِفَاعِهَا، لأَنَّ سَحَابَةَ الرَّبِّ كَانَتْ عَلَى الْمَسْكَنِ نَهَارًا. وَكَانَتْ فِيهَا نَارٌ لَيْلاً أَمَامَ عُِيُونِ كُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فِي جَمِيعِ رِحْلاَتِهِمْ ” (خر40: 34 ـ 38).

 

عندما جاءت الخيمة المقدسة والحقيقيةـ أي الكنيسة التي من الأمم ـ إلى العالم، واستنارت بنور المسيح، والسحابة كظل روحي من السماء، أغدقت علينا بفرح غني غمر هيكل الله. وعندما يقول إنَّ موسى لم يستطع أنْ يدخل، فهذا يعني أنَّ بني إسرائيل لم يدخلوا لأنهم لم يستطيعوا أنْ يحتملوا النور الإلهي. على الجانب الآخر، لم يفهموا سر المسيح، ولا قَبِلوا الاستنارة الروحية، ولا رأوا ـ بأعين الذهن ـ مجد الرب الذي ظهر في مثال السحابة.

عندما ارتحل الرب من العالم ومضى إلى فوق، نرتحل نحن معه تابعين آثاره الربانية، لأنه دشَّنَ لأجلنا طريقًا جديدًا وحيًَّا، أقصد الطريق الذي يقود إلى فوق، أي إلى السماء. وعندما استراح، استرحنا نحن معه، وظللنا بالقرب منه. هكذا عندما ارتحلت السحابة ارتحل معها الشعب، بينما عندما ظلت في مكانها بقي الشعب لأنه يقول: ” لأَنَّ سَحَابَةَ الرَّبِّ كَانَتْ عَلَى الْمَسْكَنِ نَهَارًا. وَكَانَتْ فِيهَا نَارٌ لَيْلاً أَمَامَ عُِيُونِ كُلِّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ فِي جَمِيعِ رِحْلاَتِهِمْ ” (خر40: 38). وهو ما يعني أنَّ المسيحَ يملأ مَن هم أحياءٌ بغنى المواهب الروحية كأنهم في نور النهار لأنهم اختاروا أنْ يعرفوه بتدقيقٍ واجتهاد، وصار ذهنهم مستنيرًا. كما يعني أيضًا أولئك الذين مازالوا في ظلام الجهل؛ لأن ظلمة الضلال العالمي لا توجد في الكنائس؛ لأنَّ المسيح ينيرها كلها ويُشرق دائمًا بالنور غير المحسوس على الكون، لأننا لسنا أبناء الليل والظلمة لكن أبناء النور والنهار كما هو مكتوب (1تس 5: 5).

بلاديوس: إن ما تقوله صحيحٌ جدًا.

كيرلس: بما أننا تكلمنا عن النواميس الخاصة بالخيمة والتقدمات المقدَّمة من الشعب، وكذلك ارتحال الشعب وسكناه، دعنا إذن نمضي في حديثنا لأنه يسير هكذا في الطريق الصحيح.

بلاديوس: أوافقك.

 

المقالة10 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

بلاديوس: تملأُني الرغبةُ في هذا الحديث.

كيرلس: كان قورح وأبيرام ومعهم داثان ينحدرون من سبط لاوي. وبالرغم من أنه أُوكِل إليهم العمل الليتورجي القانوني في الخيمة المقدسة بقرار من السماء، إلاَّ أنهم غاروا من مجد موسى وهرون، وأرادوا أنْ يسرقوا الكرامة لذواتهم، دون أن يدعوهم الله لهذا العمل[1]. هكذا، وبينما هم تحت تأثير سيطرة وقاحةٍ شنيعة، وغيرةٍ شديدةٍ اشتكوا ضد الأخوين (موسى وهرون) بطريقة غير مقبولة أبعدوهما كأنهما ثيرانٍ منعزلة ملقين عن كاهلهما خدمة الله، وأقنعوا فُجارًا آخرين لكي يتمردوا عليهما. لكن هؤلاء بالتأكيد نالوا عقابهم على كل ما أقدموا عليه. إذ ابتلعتهم الأرض ـ فاتحةً فاها مع أهلهم وخيمتهم وثرواتهم ـ هذا الجمع الحسود ـ إلى الهاوية.

وبقرار من السماء، وليس بإرادة موسى، أخذ هرون المكان الأول في الكهنوت. وحين أراد الله المشرِّع أنْ يعلن هذا الأمر قال لموسى العظيم: ” كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخُذْ مِنْهُمْ عَصًا عَصًا لِكُلِّ بَيْتِ أَبٍ مِنْ جَمِيعِ رُؤَسَائِهِمْ حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمِ. اثْنَتَيْ عَشَرَةَ عَصًا. وَاسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ تَكْتُبُهُ عَلَى عَصَاهُ. وَاسْمُ هَارُونَ تَكْتُبُهُ عَلَى عَصَا لاَوِي، لأَنَّ لِرَأْسِ بَيْتِ آبَائِهِمْ عَصًا وَاحِدَةً. وَضَعْهَا فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ أَمَامَ الشَّهَادَةِ حَيْثُ أَجْتَمِعُ بِكُمْ. فَالرَّجُلُ الَّذِي أَخْتَارُهُ تُفْرِخُ عَصَاهُ، فَأُسَكِّنُ عَنِّي تَذَمُّرَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي يَتَذَمَّرُونَهَا عَلَيْكُمَا. فَكَلَّمَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَعْطَاهُ جَمِيعُ رُؤَسَائِهِمْ عَصًا عَصًا لِكُلِّ رَئِيسٍ حَسَبَ بُيُوتِ آبَائِهِمِ. اثْنَتَيْ عَشَرَةَ عَصًا. وَعَصَا هَارُونَ بَيْنَ عِصِيِّهِمْ. فَوَضَعَ مُوسَى الْعِصِيَّ أَمَامَ الرَّبِّ فِي خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ. وَفِي الْغَدِ دَخَلَ مُوسَى إِلَى خَيْمَةِ الشَّهَادَةِ، وَإِذَا عَصَا هَارُونَ لِبَيْتِ لاَوِي قَدْ أَفْرَخَتْ. أَخْرَجَتْ فُرُوخًا وَأَزْهَرَتْ زَهْرًا وَأَنْضَجَتْ لَوْزًا. فَأَخْرَجَ مُوسَى جَمِيعَ الْعِصِيِّ مِنْ أَمَامِ الرَّبِّ إِلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَظَرُوا وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ عَصَاهُ. وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: رُدَّ عَصَا هَارُونَ إِلَى أَمَامِ الشَّهَادَةِ لأَجْلِ الْحِفْظِ، عَلاَمَةً لِبَنِي التَّمَرُّدِ، فَتَكُفَّ تَذَمُّرَاتُهُمْ عَنِّي لِكَيْ لاَ يَمُوتُوا ” (عد17: 2 ـ 10).

 

          إذن، كان النْبتُ لعصا هرون علامةً واضحةً، واختيارًا ـ بطريقةٍ باهرةٍ وممتازة ـ للقيام بالعمل المقدس؛ لأنَّ هرون العظيم كان من نسل لاوي (انظر عب 7: 5). لكن لو نظرنا لهذا الحدث من منظارٍ روحيٍ، لأشرق لنا سرُ المسيح في هذه الأمثلة الغنية.

بلاديوس: كيف ذلك؟

كيرلس: لقد عُيِّن عمانوئيل حقًا كمشرِّعٍ، ورئيسَ كهنةٍ لأجلنا بواسطة الله الآب مقدِّمًا ذاته ذبيحةً لأجلنا (انظر عب9: 14)؛ لأنَّ الناموس، كما يقول بولس الطوباوى: ” يُقِيمُ أُنَاسًا بِهِمْ ضَعْفٌ رُؤَسَاءَ كَهَنَةٍ. وَأَمَّا كَلِمَةُ الْقَسَمِ الَّتِي بَعْدَ النَّامُوسِ فَتُقِيمُ ابْنًا مُكَمَّلاً إِلَى الأَبَدِ ” (عب7: 28). إذن، فقد نزل الكلمةُ من السماء وصار مشابهًا لنا، خادمًا للأقداس والخيمة الحقيقية التي أقامها الرب، وليس أيُ إنسان. لكن الذين انحدروا من دم إسرائيل لم يقبلوا تدبير تجسده، وعدّوه عدوًا لهم، فضربوه بشتى الطرق، بسهام الحسد والغيرة، ولم يتورَّعوا عن استخدام اللسان والوقاحة والمبررات السخيفة ضده، بينما التعساءُ منهم انجرّوا إلى هلاك ذواتهم وحكموا عليه بالصلب.

 

لكن العصا التي خرجت من جذر يسى، نبتت مرةً أخرى[2]، أي قام المسيحُ ودبَّتْ فيه الحياةُ مرةً ثانيةً ” ناقضًا أوجاعَ الموت ” ـ كما هو مكتوبٌ ـ (انظر أع2: 24). لقد كان حقًا هو الحياةُ بطبيعته، أى بلاهوته، فكيف يمكنُ أنْ يُمسكَ من الموت ولا ينتصر على الفساد؟!

 

ومثلما أُحييت العصا، ونَبَتَ مرةً أخرى ـ بالفعل ـ السِّبط الميِّت، وكان هذا الأمر بالنسبة للأقدمين علامةً على أنَّ هرون قد عُيِّن رئيسُ كهنةٍ بقرار السماء، هكذا نستند على إنَّ البرهان الساطع والحي والكافي على أنَّ عمانوئيل هو الإلهُ بطبيعته، هو أنه داس الموت، وأنه قام من الأموات كما يليق بإلهٍ. وأنه هو نفسه المسيح الذي، بالرغم من أنه كان يمكنه ـ دون أي تعب – أنْ يستجيب لأولئك الذين طلبوا منه علامةً، إلاَّ أنه قال: ” هذَا الْجِيلُ شِرِّيرٌ. يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةُ يُونَانَ النَّبِيِّ. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ آيَةً لأَهْلِ نِينَوَى، كَذلِكَ يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا لِهذَا الْجِيلِ ” (لو11: 29ـ30).

 

إذن، فقد صار من المعروف أنَّ علامةً حقيقيةً وساطعةً قد أُعطيت لكي يؤمن البشر الصُرحاء حقًا أنه هو الله بطبيعته، وإنه قد أتى من الله الآب، وأنَّ الابنَ قد أبطل الموت والفساد ونَبَتَ مرةً أخرى في الحياة. لأنَّ المسيحَ قام الآن ” مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ ” (1كو15: 20). وأعطى علامةً لأبناء المعصية؛ لكي يعرفوا أنه ـ بقرارٍ من الله الآب ـ صار المسيحُ لأجلنا رئيسَ كهنةٍ        ” قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ ” كما هو مكتوب (عب7: 26).

بلاديوس: بالفعل، لقد أزهرت عصا هرون لأجلنا. هذا ما قالته لنا الكلمة المقدسة منذ قليل: هذه العصا أثمرت لوزًا. لكني لا أفهم ماذا يعنى هذا الرمز؟

كيرلس: ليس غريبًا إطلاقًا يا بلاديوس أنْ نُشير إلى أنَّ العصا قد جاءت من شجرة اللوز. إذ اعتاد الأقدمون على استخدام مثل هذه العُصي. ولكي يجيء الحديثُ منسجمًا مع التفسيرات، سأشير أيضًا إلى الأمر الذي صار تقليدًا، إذ يرى البعضُ أنَّ عصا اللوز لها قوة تجلب يقظة وسهرًا إذا ما وضعها الشخص بالقرب من رأسه، الأمر الذي يمكن أنْ يصير بقدراتٍ طبيعيةٍ بسماح من الله. وهذا الأمر يؤكده لنا كلّي المعرفة وخالق الجميع عندما تحدث مع إرميا قائلاً:   ” مَاذَا أَنْتَ رَاءٍ يَا إِرْمِيَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا رَاءٍ قَضِيبَ لَوْزٍ. فَقَالَ الرَّبُّ لِي: أَحْسَنْتَ الرُّؤْيَةَ، لأَنِّي أَنَا سَاهِرٌ عَلَى كَلِمَتِي لأُجْرِيَهَا ” (إر1: 11 ـ 12). إذًا عصا اللوز يمكن أنْ تعتبر حقًا رمزًا لليقظة والسهر. اليقظة من النوم إذن هي قيامة المسيح من بين الأموات. لذلك يقول المرنم على الربابة: ” أَنَا اضْطَجَعْتُ وَنِمْتُ. اسْتَيْقَظْتُ لأَنَّ الرَّبَّ يَعْضُدُنِي ” (مز3: 5).

بلاديوس: حديثُك صادقٌ.

 

المنارة والمائدة:

كيرلس: أمَّا المنارةُ والمائدةُ اللتان كانتا موجودتين في المسكن الأول، فمكتوبٌ عنهما الآتي: ” وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلاً: أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِيقَادِ السُّرُجِ دَائِمًا. خَارِجَ حِجَابِ الشَّهَادَةِ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُرَتِّبُهَا هَارُونُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ. عَلَى الْمَنَارَةِ الطَّاهِرَةِ يُرَتِّبُ السُّرُجَ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا. وَتَأْخُذُ دَقِيقًا وَتَخْبِزُهُ اثْنَيْ عَشَرَ قُرْصًا. عُشْرَيْنِ يَكُونُ الْقُرْصُ الْوَاحِدُ. وَتَجْعَلُهَا صَفَّيْنِ، كُلَّ صَفّ سِتَّةً عَلَى الْمَائِدَةِ الطَّاهِرَةِ أَمَامَ الرَّبِّ. وَتَجْعَلُ عَلَى كُلِّ صَفّ لُبَانًا نَقِيًّا فَيَكُونُ لِلْخُبْزِ تَذْكَارًا وَقُودًا لِلرَّبِّ. فِي كُلِّ يَوْمِ سَبْتٍ يُرَتِّبُهُ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا، مِنْ عِنْدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِيثَاقًا دَهْرِيًّا. فَيَكُونُ لِهَارُونَ وَبَنِيهِ، فَيَأْكُلُونَهُ فِي مَكَانٍ مُقَدَّسٍ، لأَنَّهُ قُدْسُ أَقْدَاسٍ لَهُ مِنْ وَقَائِدِ الرَّبِّ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً ” (لا24: 1 ـ 9).

 

حسنًا. يكون الزيتُ نقيًا، ويكون من الزيتون، وليس من بذورٍ أخرى أرضية، والتي يخرجون منها ـ بالعصر، زيتًا ليس نقيًا تمامًا، بل ـ زيتًا مُخلَّقًا. فالنور داخل الكنائس دائمًا ما يكون نقيًا وأصيلاً. ونورُ المسيح بواسطة الروح القدس يظل ظاهرًا ومنيرًا حتى وإنْ كان يُخدم بواسطة القديسين الذين قال لهم المسيح: ” أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ ” (مت5: 14). وليس ذلك غريبًا على الإطلاق؛ لأنَّ أولئك دعاهم إخوةً، وجعلهم مشاركين ذاته، ومنح لهم مجده.

 

هكذا، أنار المصباح في المسكن الأول. ولهذا الأمر معنىً مزدوجًا. ففي المسكن الداخلي سبعةُ مصابيح تنير في الصباح وتُرسل نورًا عظيمًا لأولئك الذين يدخلون إلى المسكن. المصباحُ كان هو المسيحُ الذي أشرق على الذين أرادوا أنْ يدخلوا إلى قدس الأقداس بنورٍ وفيرٍ ” نَظَرُوا إِلَيْهِ وَاسْتَنَارُواْ ” (مز34: 5).

 

أيضًا إنارة المصابيح حتى الصباح تعنى موعد التأنُّس. لأنه أشرق كالنهار، ولمع بنورٍ ذهنيٍ طاردًا ظلام الجهل القديم، ومبددًا مثل الليل الضباب الذي انقضَّ على قلوب الجميع. هكذا ترجَّى النبي من أجل قدوم الرب قائلاً: ” يَا رَبُّ، بِالْغَدَاةِ تَسْمَعُ صَوْتِي. بِالْغَدَاةِ أُوَجِّهُ صَلاَتِي نَحْوَكَ وَأَنْتَظِرُ ” (مز5: 3). أي منذ أنْ صارت صلواتنا مقبولة، إذ كنا قديمًا ضالين، أما الآن فإننا نتقدم إلى الله في تضرعٍ وروحانية وطاعة وإيمان، حيث أشرق علينا نورٌ من السماء، أي المسيح.

 

          إذن، في الخيمة الداخلية يوجد نورٌ نقيٌ وغني. ففي المسكن الأول أنار المصباح مُظهرًا أنَّ أولئك الذين يسلكون بحسب الناموس، لا يحيون بدون النور الإلهي، هذا يعلن الأمر كله. لأنَّ الناموس الموسوي دعا الشعب من عبادة الآلهة إلى معرفة الله الحقيقي بطبيعته، وبذلك منع الأقدمين من أنْ يعبدوا المخلوق دون الخالق، وهذا ما لم تستطع تلك الأنفس (أى الذين عبدوا المخلوقات) ـ التي كانت تحيا بدون النور الذهني ـ أنْ تحققه.

 

ويمكنني أنْ أقول أيضًا إنَّ إنارة المسيح لهؤلاء الموجودين في قدس الأقداس، غنيةٌ ووفيرةٌ، لكنها أقل بالنسبة لأولئك الذين يحيون بالناموس. وهذا القول صادقٌ، لأنه لا يتساوى ـ بأي شكلٍ ـ ظِلُ الناموس مع التعاليم الإنجيلية من جهة البهاء الروحي؛ لأنَّ هذه التعاليم تشرق على كل المسكونة، بينما الناموس كان مقتصرًا فقط على الإسرائيليين.

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: لكن يبدو يا بلاديوس إنَّ المائدة والمصباح اللذان كانا في المسكن الأول يشيران إلى أمور أخرى.

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: يرمز المصباح إلى يوحنا المعمدان، بينما يشير الاثنا عشر رغيفًا الموضوعين فوق المائدة إلى الاثنى عشر رسولاً.

بلاديوس: كيف؟

كيرلس: ألا تعرف أنَّ يوحنا المعمدان الذي سبق المسيح، كان لأولئك الذين يحيون بحسب الناموس كمثل المصباح، وعنه أعلن الله الآب ” رَتَّبْتُ سِرَاجًا لِمَسِيحِي ” (مز32: 17)؟ والمخلِّص نفسه أعطى تأكيدًا قائلاً لقادة اليهود ” كَانَ هُوَ السِّرَاجَ الْمُوقَدَ الْمُنِيرَ، وَأَنْتُمْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْتَهِجُوا بِنُورِهِ سَاعَةً ” (يو5: 35).

 

إذًا لاحظ كيف جعلنا بولس الطوباوي ـ الذي كان عارفًا بالناموس ـ نتذكر مصباح المسكن الأول. فقد أمر المشرِّع أنْ يكون المصباح منيرًا قائلاً: ” أَوْصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُقَدِّمُوا إِلَيْكَ زَيْتَ زَيْتُونٍ مَرْضُوضٍ نَقِيًّا لِلضَّوْءِ لإِيقَادِ السُّرُجِ دَائِمًا. خَارِجَ حِجَابِ الشَّهَادَةِ فِي خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ يُرَتِّبُهَا هَارُونُ مِنَ الْمَسَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ أَمَامَ الرَّبِّ دَائِمًا فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً فِي أَجْيَالِكُمْ ” (لا24: 2 ـ 3).

 

          لقد استمتع اليهود ـ في وقت وجيز سريع ـ بنوره، إذ أسرعوا إلى المعمودية التي منحها إياهم، وبينما كانوا معجبين به كثيرًا، سلَّموه إلى الموت وأطفئوا المصباح الذي كان دائمًا منيرًا. وإنْ قالوا إنَّ هيرودس كان متهورًا في مسألة قتله، أقول إنَّ هيرودس أيضًا كان له أصل مشترك مع اليهود، لذلك قال المسيح مشتكيًا وقاحة اليهود ضد أي نبي: ” لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَهْلِكَ نَبِيٌّ خَارِجًا عَنْ أُورُشَلِيمَ ” (لو13: 33).

بلاديوس: بالتالي، كان المصباح ـ قياسًا على التشبُّه بالمسيح ـ بالنسبة لأولئك الذين عاشوا بالناموس في إسرائيل يشير إلى يوحنا المعمدان.

كيرلس: هكذا أقول. وعلى ذات القياس، نقول إنه يجب أنْ ندرك أنَّ الأثنى عشر رغيفًا يشيرون للرسل القديسين؛ لأنَّ واحدًا هو الخبز الحقيقي السماوي والحي، أمَّا الأرغفة، فهي تشير إلى المعلِّمين الإلهيين اللذين يمنحون التقوى بالتشبُّه بالمسيح الخبز الحقيقي والطبيعي والمتحد بهم، إذ يضعون في نفوسنا كلام الحياة، ويسدِّون جوع نفوس المؤمنين إلى المعرفة. وتتساوى الأرغفة في العدد مع التلاميذ؛ لأنَّ الأرغفة كانت اثنتا عشر موضوعة في مجموعتين: ستةٌ على جانب واحد، وستةٌ أخرى على الجانب الآخر بطريقة دائرية، وفي المنتصف لدينا رغيف من السماء[3]، أي المسيح. وكل رغيف كان من عُشرين (انظر لا24: 5)، أي من قياسين كاملين. لأنَّ التلاميذ الرسل كانوا كاملين في الأمرين[4]، وكانوا أرغفةً من جهة كل صلاحٍ، بارعين في عملهم وفي حديثهم.

 

أيضًا كان اللُبان والملح يُرشَّان فوق الخبز. واللُبان كان يُشير إلى عطر نقاوة ورائحة المسيح الذكية، ويُشير الملح إلى رجاحة العقل. إذ كان حديثُ القديسين مملوءًا بالفرح والاتزان، ومصلَّحًا بملح كما هو مكتوب (انظر كو4: 6)، ويعطي نعمة لهؤلاء الذين يسمعونه (انظر أف4: 29). أيضًا قال لهم المسيح ” أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ ” (مت5: 13).

وكان وضع الأرغفة فوق المائدة يصير في يوم السبت؛ لأنَّ تكليف الرسل كان وقت السبت العقلي، أي وقت حضور المسيح، والذي بسبب عدم فهم اليهود له، قال لهم بولس الرسول: ” لأنه لو كان يشوع قد أراحهم كما تكلم بعد ذلك عن يوم آخر إذًا بقيت راحةٌ لشعب الله ” (عب4: 8 ـ 9). لأنهم لم يأتوا إلى راحته طالما أنهم لم يؤمنوا به. إذًا يوم الراحة العقلي والحقيقي هو وقت قدوم المخلّص.

 

كما إنَّ وضع الأرغفة سوف يصير أمام الله وأمام الإسرائيليين؛ لأنه يقول: ” في كل يوم سبت يُرتِّبه أمام الرب دائمًا من عند بني إسرائيل ميثاقًا دهريًا ” (لا24: 8)، لأنَّ الربَ سوف يرى هؤلاء القديسين ويعلن استحقاقهم وهم تحت بصره دائمًا. لأنه يقول: ” عيون الرب حالة حول الأبرار ” (مز34: 7س). وهكذا يكون على الإسرائيليين أنْ يلاحظوا هؤلاء، وأنْ تتجه عيون ذهنهم إليهم، وذلك على مثال العين الجسدية.

 

ويقول أيضًا: ” فيكون لهرون وبنيه فيأكلونه في مكان مقدِّسٍ. لأنه قدسُ أقداسٍ له من وقائد الربِ فريضةً دهريةً ” (لا24: 9). أي أنَّ كتابات الرسل القديسين التي كتبوها لأجلنا وُضِعَت أمامنا لغذائنا نحن الذين خلُصنا بالإيمان، وصرنا جنسًا مقدسًا وشعبًا خاصًا له يرعانا بعنايته، ومختارين ومختومين بنعمة الروح القدس (انظر 1بط2: 9).

بلاديوس: إنَّ حديثَك جيدٌ، لذا أوافقك على ما تقول. لكن ما هو السبب في عدم وجود نماذج أو أمثلة تشير إلى يوحنا المعمدان والرسل القديسين في قدس الأقداس، بل ولا حتى في المسكن الأول؟

كيرلس: لأنَّ كثيرًا من هذه النماذج كانت تُشير بشكل مشترَك للقديسين وللمسيح، لكن حيث يكون المسيح، يجيء القديسون في مرتبةٍ ثانيةٍ؛ لأنَّ كل ما يخص الله هو بعيد ومنفصل تمامًا عن الأمور البشرية، والحديثُ يُظهر أنَّ طبيعة ومجد المسيح يختلفان تمامًا عما هو للقديسين. ولما كانت هذه النماذج قد جاءت من العبادة الناموسية، لذا فإنَّ مكان هذه الأمثلة هو المسكن الأول حيث يوجد مذبح المحرقة كمثالٍ ونموذج. ألم تَصِر دعوة التلاميذ القديسين من بين جنس الإسرائيليين، وبالتالي تبدو وكأنها من المسكن الأول؟

بلاديوس: حسنًا جدًا.

10 المقصود بالعمل هنا هو عمل الكهنوت “وقال موسى لقورح اسمعوا يا بني لاوي. أقليلٌ عليكم أن إله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل ليقربكم إليه لكي تعملوا خدمة مسكن الرب وتقفوا قدام الجماعة لخدمتها. فقربك وجميع اخوتك بني لاوي معك وتطلبون كهنوتًا. إذن أنت وكل جماعتك متفقون على الرب. وأما هرون فما هو حتى تتذمروا عليه” (عدد 16: 8 ـ 11).

11 “ويخرج قضيب من جذع يسى وينبت غصن من أصوله” إش11: 1

12 لا يتكلم نص سفر اللاويين بالطبع عن رغيف في الوسط، ولكن القديس كيرلس إذ يرى في الخبز الموضوع على المذبح رمزًا مسبقًا للإفخارستيا، يتجاوز هذا النص بخصوص رؤيته للخبز الحي الحقيقي؛ فلا يرى التلاميذ إلاَّ وهم محيطون بالمسيح، والمسيح منهم في مركز الوسط، فيستوحي منظر العشاء الإفخارستي الذي كان فيه المسيح الخبز الحي الحقيقي ـ باعتباره رغيفًا من السماء ـ في الوسط، ومن حوله تلاميذه في منظر يصف فيه الكنيسة التي تجتمع مع رأسها؛ لأن الأرغفة الاثنا عشر لا قيمة لها بدون الرغيف الواحد، فمنه تستمد قوتها وفاعليتها. (المترجم)

[4] أي في العمل والكلام كما يوضح هو فورًا.

 

المقالة10 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

بلاديوس: حديثك دقيقٌ وعميق.

كيرلس: لكن لم يبتعد هذا الحديث عن الهدف.

بلاديوس: أوافقك على هذا.

كيرلس: بعد ذلك يقول: ” وَأَمَّا الْمَسْكَنُ فَتَصْنَعُهُ مِنْ عَشَرِ شُقَقِ بُوصٍ مَبْرُومٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ. بِكَرُوبِيمَ صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق تَصْنَعُهَا. طُولُ الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُ الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ أَرْبَعُ أَذْرُعٍ. قِيَاسًا وَاحِدًا لِجَمِيعِ الشُّقَقِ. تَكُونُ خَمْسٌ مِنَ الشُّقَقِ بَعْضُهَا مَوْصُولٌ بِبَعْضٍ، وَخَمْسُ شُقَق بَعْضُهَا مَوْصُولٌ بِبَعْضٍ. وَتَصْنَعُ عُرًى مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ عَلَى حَاشِيَةِ الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي الطَّرَفِ مِنَ الْمُوَصَّلِ الْوَاحِدِ. وَكَذلِكَ تَصْنَعُ فِي حَاشِيَةِ الشُّقَّةِ الطَّرَفِيَّةِ مِنَ الْمُوَصَّلِ الثَّانِي. خَمْسِينَ عُرْوَةً تَصْنَعُ فِي الشُّقَّةِ الْوَاحِدَةِ، وَخَمْسِينَ عُرْوَةً تَصْنَعُ فِي طَرَفِ الشُّقَّةِ الَّذِي فِي الْمُوَصَّلِ الثَّانِي. تَكُونُ الْعُرَى بَعْضُهَا مُقَابِلٌ لِبَعْضٍ. وَتَصْنَعُ خَمْسِينَ شِظَاظًا مِنْ ذَهَبٍ، وَتَصِلُ الشُّقَّتَيْنِ بَعْضَهُمَا بِبَعْضٍ بِالأَشِظَّةِ. فَيَصِيرُ الْمَسْكَنُ وَاحِدًا” (خر30: 1 ـ 6).

 

إنَّ مذبح البخور الذهبي هو المسيح، وقد سبق أن قُلت هذا مرارًا[1]. وقد وُضع هذا المذبح أمام التابوت خلف الحجاب. وكان السيرافيم على شكل دائري، ومن أعلا كان الله (يتحدَّث) مُظهرًا رائحة عمانوئيل الفائقة؛ لأنه لم يفعل خطية ولا وُجد في فمه غشٌ كما هو مكتوب (انظر إش9:53، 1بط22:2)، لذلك قال هو نفسه: ” اَلآبُ يُحِبُّ الابْنَ ” (يو3: 35).

 

كذلك نحن، فقد صِرنا مقبولين من الله إذ تفوح مِنّا مسحة المسيح. وهذا ما يؤكده بولس الرسول قائلاً: ” شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ، وَيُظْهِرُ بِنَا رَائِحَةَ مَعْرِفَتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ. لأَنَّنَا رَائِحَةُ الْمَسِيحِ الذَّكِيَّةِ ِللهِ، فِي الَّذِينَ يَخْلُصُونَ وَفِي الَّذِينَ يَهْلِكُونَ” (2كو2: 14 ـ 15).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: دعنا نتعمق في الأمر بأكثر دقة، ونحن متنبهون لما هو مكتوب.

 

لقد وُضع التابوت داخل خيمة الاجتماع تجاه الغرب، وأمامه المذبح النُحاسي ناحية الشرق. وذلك لأنَّ الشرق والغرب والشمال والجنوب قد امتلئوا من المؤمنين الذين آمنوا بالمسيح.

 

وهكذا كان مكان المنارة جنوب الخيمة، بينما المائدة كانت تجاه الشمال، وبكلتيهما أُعلن المسيح، وقد سبق لنا أنْ برهنّا على ذلك في حديثنا السابق[2]. أمَّا كونُ المسيحِ نورًا، فقد أعلنته المنارة، وكونه الحياةَ والخبز الذي يعطي حياةً، فقد أظهرته المائدة وكل ما وُضع فوقها.

 

لكن عليك أنْ تتأمل أمرًا آخرًا، وتلاحظ ما ينطوي عليه من سرٍّ: يقع موطن اليهود في الجنوب، بينما موطن الأمم في الشمال. فإذا أخذنا في الاعتبار مكان كلٍ من المنارة والمائدة، فسوف يُدرك مَن يريد، أنَّ المسيحَ قد أشرق كنورٍ على اليهود وكرز لهم ” أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ ” (يو8: 12). لأنه قد أُرسل إلى خراف بيت إسرائيل الضالة (مت15: 24)، وبحسب الكتب المقدسة ” لأنَّ لهم المواعيد ” (رو9: 4). لكن بما أنهم لم يقبلوا نور الحق، صار المسيحُ للأمم هو الحياةَ والخبزَ النازل من السماء، وهكذا لم يبقَ الأممُ بدون نور. وهذا ما تراه من جهة أنَّ النورَ يُشرق على شمال الخيمة؛ لأنَّ المنارةَ قد وُضعت فوق المائدة التي كانت جنوبًا. وما ساعد على إظهار ذلك، أنَّ الخيمةَ كانت محدودة القياس.

 

هذا المثال يُظهر لنا أنه حيث يُشرق النور الإلهي، فهناك إمكانية للمستحقين، أن يصيروا شركاء المسيح الخبز الحيّ الحقيقي. هكذا انضم الأمم لجسد المسيح، وصاروا شركاء في المسيح. لذا يقول بولس الرسول: ” أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ ” (أف3: 6). وأيضًا قال تلميذٌ آخرٌ للمسيح: ” إِلَى أَنْ يَنْفَجِرَ النَّهَارُ، وَيَطْلَعَ كَوْكَبُ الصُّبْحِ فِي قُلُوبِكُمْ ” (2بط1: 19).

 

          وبعد أنْ أمر الله بوضع كل الآنية الموجودة هكذا في قدس الأقداس، أمر أيضًا أنْ يُصنع سجفٌ من أسمانجونى وأرجوان وقرمز وبوص مبروم (انظر خر26: 36). وهذا ـ كما قال ـ يكون معلقًا على امتداد مدخل الخيمة وذلك على خمسة أعمدة مغشَّاة بالذهب يكون لها خمس قواعد من النحاس. ويستخدم هذا “السجف” ـ بالتأكيد ـ كستار للباب؛ وعن طريق الحلقات الرفيعة المتصلة بها تُسحب الستارة، فينكشف المدخل، ثم يُسحب من الجهة المقابلة ويمتد بالعرض كله، فيغطي على المقدَّسات الموجودة داخل الخيمة.

وتُشير الأعمدة الخمسة المغشَّاة بالذهب والفضة إلى معلّمي الكنائس وقادتها في الوقت الخامس[3] الذي أتى فيه المسيح. وهم الذين يكرزون بكلمة الحق باستقامة، وقيمة هؤلاء ثمينة مثل الذهب، ولهم صدىً ورنينًا مفرحًا مثل النحاس. لأنه يقول: ” فِي كُلِّ الأَرْضِ خَرَجَ مَنْطِقُهُمْ، وَإِلَى أَقْصَى الْمَسْكُونَةِ كَلِمَاتُهُمْ ” (مز19: 4). هؤلاء فتحوا ـ بتعليمهم الروحي والسرائري ـ البابَ لأولئك الذين يريدون الدخول إلى قدس الأقداس، أي إلى داخل الخيمة المغطاة بالحجاب، وكذلك الجزء الثاني من الخيمة الذي يُلحق به، والذي يوجد به مذبح المحرقة حيث تقدَّم كل الذبائح الدموية (انظر خر29: 1 – 18)، كما يوجد به أيضًا المرحضة النحاسية. كان مذبح المحرقة يبدو ظاهرًا بالقرب من أبواب الخيمة في الدار الخارجية، أمَّا المرحضة فكانت في الداخل[4].

بلاديوس: لكن ما هو المعنى الذي تخفيه هذه الملاحظة؟

كيرلس: يا بلاديوس، يتميز الكتاب المقدس بالدقة، ولا يوجد فيه شيءٌ بلا فائدة. بل لعلك تلاحظ كيف أنَّ الرمزَ يُظهر لنا أنَّ الناموسَ إنما يعمل كمربي يقودنا إلى المسيح. ويتضح لنا هذا من أنَّ مذبحَ العبادة الناموسية قد وُضع بالقرب من المداخل التي تؤدى إلى قدس الأقداس. أي أنَّ الناموس يقودنا إلى بداية أسرار المسيح، وإلى مبادئ الدخول لمعرفته الدقيقة. لكن لا يقودنا أبدًا إلى قدس الأقداس، أي إلى الخيمة الداخلية حيث يوجد المسيحُ الفائق الجمال، كلمة الله، والنور، والخبز الحي، والرائحة الذكية لله الآب.

ألا ترى معي إنَّ بداءة أقوال الله هي دراسة العبادة الناموسية؟

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: وكون أنَّ الناموس لا يُكمِّل شيئًا (انظر عب 7: 19)؛ فلأنه: ” لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا ” (عب10: 4)، وهو ما سوف تعرفه مباشرةً دون أدنى تعب عندما تتأمَّل في استخدام المرحضة. فقد كانت المرحضة موجودة بشكل بارز في المسكن الأول من الخيمة، حيث يغتسل فيها بالماء أولئك الذين يأتون إلى قدس الأقداس. وكان هذا الاغتسال قد فُرض ـ كقانون ـ على الكهنة. وهو ما يُظهر نقص ما كان يبدو في الناموس من كمال، معلنًا أنَّ التطهيرَ، إنما يكون بواسطة المعمودية التي تميِّز الجنس المقدس، أقصد هؤلاء الذين تبرروا بالإيمان، وهم الذين توجَّه إليهم التلميذ العظيم بقوله: ” وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ ” (1بط2: 9).

 

ويجب أنْ تعرف أنَّ ستارةً كانت قد امتدت حول الباب الخارجي للخيمة حتى لا يكون القدسُ عاريًا وظاهرًا للذين هم في الخارج، أي في القسم الأول من الخيمة حيث يوجد مذبح الناموس. وأعتقد أنَّ هذا المثال يُعلن أيضًا أنه ليس من قبيل الصدفة ألاَّ يكون الناموسُ واضحًا؛ لأنَّ الحرف قد غشَّاه بُرقعٌ كثيف، وقد لبس غموض الظل.

بلاديوس: هكذا هو بالفعل.

كيرلس: في القسم الأول من الخيمة يوجد كلٌ من المرحضة والمذبح. أمَّا في القسم الثاني العميق من الخيمة، فيوجد التابوت والمنارة، وطبعًا مذبح البخور الذهبي حيث البخور زكي الرائحة، والمائدةُ والخبز عليها. ويذكر بولس الرسول أيضًا القسط الذهبي الذي به المَنْ. كما يذكر أيضًا عصا هارون التي وُضِعت في قدس الأقداس؛ لأنَّ بولس دَرَسَ الكتب المقدسة وامتلأ بالمعرفة لكل ما كان قد شُرِّع في تلك الأوقات، وأُعلن لموسى الطوباوي بواسطة الكلمة.

 

وكان بولس يعرف أنَّ كلاً من المائدة والمنارة توجدان في المسكن الأول. وعن العهدين يكتب الآتي: ” فَإِذْ قَالَ «جَدِيدًا» عَتَّقَ الأَوَّلَ. وَأَمَّا مَا عَتَقَ وَشَاخَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الاضْمِحْلاَلِ ثُمَّ الْعَهْدُ الأَوَّلُ كَانَ لَهُ أَيْضًا فَرَائِضُ خِدْمَةٍ وَالْقُدْسُ الْعَالَمِيُّ، لأَنَّهُ نُصِبَ الْمَسْكَنُ الأَوَّلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْقُدْسُ» الَّذِي كَانَ فِيهِ الْمَنَارَةُ، وَالْمَائِدَةُ، وَخُبْزُ التَّقْدِمَةِ. وَوَرَاءَ الْحِجَابِ الثَّانِي الْمَسْكَنُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «قُدْسُ الأَقْدَاسِ» فِيهِ مِبْخَرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَتَابُوتُ الْعَهْدِ مُغَشًّى مِنْ كُلِّ جِهَةٍ بِالذَّهَبِ، الَّذِي فِيهِ قِسْطٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ الْمَنُّ، وَعَصَا هَارُونَ الَّتِي أَفْرَخَتْ، وَلَوْحَا الْعَهْدِ. وَفَوْقَهُ كَرُوبَا الْمَجْدِ مُظَلِّلَيْنِ الْغِطَاءَ. أَشْيَاءُ لَيْسَ لَنَا الآنَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْهَا بِالتَّفْصِيلِ ” (عب8: 13، 9: 1 ـ 5).

بلاديوس: ما الذي سوف نقوله إذا أراد أحدٌ أنْ يعرف أسباب وضع وصناعة كل هذه الأشياء؟

كيرلس: يا بلاديوس، لقد أمر أنْ تصيرَ أشياءٌ قبل أنْ تُصنع الخيمة المقدسة، وأشياء أخرى بعد التصنيع.

 

ففي سفر الخروج، قبلما تظهر الأمثلة عن الخيمة المقدسة، وقبلما تُعطى الأوامر عنها، أعلن الحديث عن القسط الذهبي (خر16: 33)، عارفًا ما سوف يصير.

 

وفي سفر العدد، وبعد إقامة الخيمة، نجد عصا هرون وقد وُضعت في قدس الأقداس (عد17: 3 ـ 5).

 

وفي سفر اللاويين أيضًا شرَّع الله الشرائع الخاصة بالمنارة وبمائدة مسكن الخيمة الأول (لا24: 4).

 

لقد كان بولس الحكيم يعرف الناموسَ معرفةً عميقةً حقًا، ولم يكن ليغيب عنه أي شيء من الأحداث، لكن يذكرها كلها. وهو لا يذكر فقط كل الأمور الأولى والأخيرة، بل وأيضًا ما بين هذه وتلك.

بلاديوس: حديثُك جيدٌ، لذا اخبرني الآن عن كل شيء بوضوحٍ وتأنٍّ؛ لأنَّ الحديثَ عن هذه الأمور لا شك عميق.

كيرلس: نعم، رأيك صائبٌ، فالحديثُ عميقٌ فعلاً.

 

قسط المن:

سوف أبدأ حديثي عن القسط. وحقيقة الأمر هي كالآتي: لقد أعطى الله المَنْ ـ مثل المطر ـ للإسرائيليين في الصحراء. لذا كان المَنُ بالنسبة لهم طعامًا وخبزًا من فوق، أي من السماء. لكن هذا الأمر (نزول المَنْ) ـ الذي صار وقتذاك ـ لا يتوقف عند الرؤية المادية والمحسوسة، بل يقودنا ـ من خلال المثال والظل ـ إلى الإشارة “للكلمة” الآتي من فوق، من الآب أى الخبزٍ الذي من السماء. وكانت هذه الرؤية هي التي قصدها داود العظيم قائلاً: ” أَكَلَ الإِنْسَانُ خُبْزَ الْمَلاَئِكَةِ. أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ زَادًا لِلشِّبَعِ ” (مز78: 25).

 

وطبعًا، نحن لا نقول إنَّ المَنْ المادي هو خبزٌ من السماء، أو هو خبز الملائكة؛ لأنَّ الروح تغتذي على طعامٍ روحي، كما يتغذى الجسد بطبيعته بالطعام المادي. لكن طعام الملائكة والخبز الذي يتناسب مع السموات والأرواح السماوية هو كلمة الله الآب. إذن، فالمَنْ يشير إلى المسيح. وإنْ لم تصر هذه الحقيقة مقبولة فالظل لا يعلن شيئًا مفيدًا. إذ أن الظل لم يَصِر ظلاً لعِلةٍ في ذاته، بل لكي يرمز إلى أمرٍ من الأمور الحسنة. لذلك وبَّخ المسيحُ جمعَ اليهود توبيخًا واضحًا لأنهم لم يكرِّموه بالرغم من أنه كان هو الحق، بينما كان موسى خادمًا للظلال. لذلك قال لهم المسيح: ” الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ. فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا ” (يو6: 32 ـ 35).

 

          هكذا تنبَّأ اللهُ بواسطة موسى عن قسط المَنْ موضحًا إنَّ المَنْ هو صورة ترمز إلى الكلمة الذي نزل من فوق، من السماء، فقد كُتِبَ الآتي: ” وَقَالَ مُوسَى: هذَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي أَمَرَ بِهِ الرَّبُّ. مِلْءُ الْعُمِرِ مِنْهُ يَكُونُ لِلْحِفْظِ فِي أَجْيَالِكُمْ. لِكَيْ يَرَوْا الْخُبْزَ الَّذِي أَطْعَمْتُكُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ حِينَ أَخْرَجْتُكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. وَقَالَ مُوسَى لِهَارُونَ: خُذْ قِسْطًا وَاحِدًا وَاجْعَلْ فِيهِ مِلْءَ الْعُمِرِ مَنًّا، وَضَعْهُ أَمَامَ الرَّبِّ لِلْحِفْظِ فِي أَجْيَالِكُمْ. كَمَا أَمَرَ الرَّبُّ مُوسَى وَضَعَهُ هَارُونُ أَمَامَ الشَّهَادَةِ لِلْحِفْظِ ” (خر16: 32 ـ 34).

 

وكما قلنا إنَّ التابوت الإلهي الذي يحتوى على الكلمة الإلهية، يُعلِنُ عن عمانوئيل؛ لأنَّ كلمةَ الله أتى إلى داخل الهيكل المقدس، أي الهيكل الذي قدَّمته العذراء. إذن، بنفس الطريقة، يُظهر القسط الذهبي ـ الذي يحتوى في باطنه المَنْ المادي ـ الكلمةَ السماوي والحي، أي الذي أتى من الآب متحدًا بجسدٍ مقدسٍ طاهرٍ.

 

وطبقًا لكلام بولس الطوباوي (انظر عب1:9ـ5)، كان القسطُ مملوءًا من المَنْ: ” لأَنَّ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلاَمِ اللهِ. لأَنَّهُ لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي اللهُ الرُّوحَ ” (يو3: 34)، لأنَّ المسيحَ كُلّيُ الكمالِ.

          إذن، كان القسطُ هناك لكي يُحفظ لأجيال بني إسرائيل؛ لأنَّ المسيحَ غيرُ فاسدٍ، بل هو باقٍ إلى الأبد، وهو حاضرٌ في كل وقت، وفي كل زمانٍ ماثلٌ أمام الرب، أي أمام أعين الآب. لأنَّ وحيدَ الجنسِ عندما صار إنسانًا دخل بعد ذلك إلى قُدس الأقداس في الخيمة الأعظم والأكمل، أي في السماء لكي يظهر الآن أمام الله لأجلنا، كما هو مكتوب (انظر عب9: 24). لأنه لا يقدِّم ذاته أمام الآب لأجل نفسه، بل يقدِّمنا في ذاته إلى الآب، بالرغم من أننا ضللنا من أمام وجه الآب بسبب مخالفة آدم، وبسبب الخطية التي مَلكَت وسادت على الكل. إذن، فقد اقتادنا المسيحُ، وبواسطته تمكنَّا من الحضور إلى مدخل الأقداس كما قال لنا بولس الرسول[9]. لأنه مثلما قُمنا مع المسيح، وجلسنا معه في السماويات، هكذا أيضًا نُوجد معه أمام الآب.

نكتفي إذن، بهذا الحديث عن القسط المقدس، ودعنا ننتقل ـ إذا أردت ـ إلى الحديث عن عصا هرون التي تشير إلى المسيح.

 

5 يؤكد القديس كيرلس أن مذبح الذهب صار رمزًا للمسيح، ولذلك فالبخور يوقد باستمرار، وهذا يعني أنه لا توجد لحظة لا يفوح المسيح فيها برائحته الذكية، كما أنه ممنوع تمامًا أن يوجد سكيبٌ فوق هذا المذبح أو ذبيحة؛ لأن فرائض الناموس أُبطلت بالمسيح، المرجع السابق ص 86 وما بعدها. قارن ذلك مع مذبح النحاس: ذات المرجع ص 78 وما بعدها

6 المرجع السابق ص 103 وما بعدها.

7 يقسِّم القديس كيرلس تاريخ علاقة الله مع الإنسان إلى خمسة أقسام، ويستند في ذلك إلى رمزية الأيام الخمسة التي يتم فيها حفظ خروف الفصح من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه، وإلى مثل أصحاب الساعة الحادية عشر، فيقول: “نلاحظ أنَّ الخروف يوضع تحت الحفظ من اليوم العاشر للشهر حتى اليوم الرابع عشر منه لكي يُذبَح في المساء. وإذا تساءلنا عن سبب ذلك، وجدنا أن هناك دلالةً هامة لتلك الأمور. ما المشكلة لو أُخِذَ الخروف في اليوم الأول من الشهر؟ وما هو الهدف الذي شَرَّع الله لأجله أن يُحفظ الخروف لمدة خمسة أيام، ومن ثم يُذبَحُ في المساء؟ ولماذا بدأنا العدُّ من اليوم العاشر حتى الرابع عشر، حتى يكون الناتج خمسة؟ أمَّا من جهة أنَّه لا يجب أن يُؤخذ الخروف للحفظ من اليوم الأول للشهر، فهذا يدُل – رمزيًا – على أنَّ زمننا هذا، قد أتى بعد أن كانت قد مرَّت قبلنا أزمنةٌ كثيرة وأجيالٌ طويلة، لم تكن خالية أبدًا من وجود الله. لأن فترة الخمسة أيام التي سبق أن أُشير إليها قُسِّمت إلى خمسِ فترات زمنية. وهذا هو الأمر الذي اتضح من المثل الذي قاله المخلِّص: “فإن ملكوت الله يشبه رجلاً ربَ بيتٍ خرج مع الصبح ليستأجر فعلةً لكرمه. فاتفق مع الفعلة على دينار في اليوم وأرسلهم إلى كرمه. ثم خرج نحو الساعة الثالثة ورأى آخرين قيامًا في السوق بطالين. فقال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فأعطيكم ما يحق لكم. فمضوا. وخرج أيضًا نحو الساعة السادسة والتاسعة وفعل كذلك. ثم نحو الساعة الحادية عشرة خرج ووجد آخرين قيامًا بطالين. فقال لهم لماذا وقفتم ههنا كل النهار بطالين. قالوا له لأنه لم يستأجرنا أحدٌ. قال لهم اذهبوا أنتم أيضًا إلى الكرم فتأخذوا ما يحق لكم” (مت 20: 1 ـ 7). هل اتضح لك من هذه الأقوال أن زمننا هذا قد قُسِّم إلى خمس فترات؟ الفترة الأولى هي التي عاش فيها آدم، الأب الأول في الفردوس. والفترة الثانية كمثل “الساعة الثالثة”، ويقصد بها الزمن الذي عاش فيه نوح والذين كانوا معه. والفترة الثالثة هي مثل “الساعة السادسة” في المثَل وهي تُشير إلى الفترة الزمنية التي تبدأ بدعوة إبراهيم لكي يعرف الإله الحقيقي. كذلك الفترة الرابعة هي أيضًا مثل “الساعة التاسعة”، ويُقصد بها الفترة التي عاش فيها موسى والأنبياء. أمَّا الفترة الخامسة أي “نحو الساعة الحادية عشر”، أي التي فيها ينتهي اليوم، ويصل الزمن الحاضر إلى نهايته، في هذا الزمن استأجر السيد المسيح الأمم الذين لم يكونوا قد دُعوا بعد من أي أحد آخر أثناء الفترات السابقة. لذلك أجاب هؤلاء الآخرون قائلين: “لم يستأجرنا أحد”. راجع في ذلك: المسيح فصحنا الجديد – ترجمة د. جورج عوض إبراهيم، مراجعة د. نصحي عبد الشهيد – ص 12 وما بعدها ـ سلسلة نصوص آبائية رقم 88 – مايو 2005 – المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية.

ويستعيد القديس كيرلس نفس الرؤية عندما يشرح معنى الشقة الحادية عشر من الشقق التي تغطي الخيمة في المقالة التاسعة من السجود والعبادة بالروح والحق، يقول: “والعدد يظهر بالضبط أنه في الأزمنة الأخيرة وفي الساعة الحادية عشر يظهر المسيح والخيمة التي فيها المسيح، أي الكنيسة” راجع السجود والعبادة ج5 سلسلة نصوص آبائية رقم 97 – ص 102.

8 يقصد القديس كيرلس أن المرحضة كانت تقع داخل خيمة الاجتماع، وذلك بحسب ما ورد في سفر الخروج: “وتصنع مرحضةً من نحاس وقاعدتها من نحاس للاغتسال. وتجعلها بين خيمة الاجتماع والمذبح وتجعل فيها ماءً. فيغسل هرون وبنوه أيديهم وأرجلهم منها” (خر 30: 18 ـ 19).

9 “لأن به لنا كلينا قُدُومًا في روحٍ واحدٍ إلى الآب” (انظر أف 2: 18).

 

المقالة10 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة العاشرة

استكمالاً للحديث السابق “عن الخيمة المقدسة، وعن الأشياء الموجودة فيها”

 

كيرلس: أعتقد يا بلاديوس، إنَّ العرضَ الذي بسطناه سابقًا عن الخيمة المقدسة، وعن كل محتوياتها، واضحٌا وكافي.

بلاديوس: بالتأكيد واضحٌ جدًا، ولكنه ليس كافيًا.

كيرلس: إذن، تعال نستكمل ما غاب من أمورٍ في حديثنا السابق عن الخيمة، طالما أنك تريد أنْ تستوضح الأمر عن الطريقة التي أُقيمت بها، ومتى وكيف اكتملت فيها متطلبات البر والناموس، وأيضًا عن تدشينها وتقديسها، وكذلك صدرة القضاء[1].

بلاديوس: تحدَّث إذن عن كل أمرٍ على حدة؛ لأنك تفكر بطريقة صحيحة.

كيرلس: سوف أفعل، لكن أرجو أنْ تغفر لي ـ وأن تضع في حسبانك الصعوبة البالغة في شرح هذه الأمور ـ إنْ بدا في حديثي ما هو غير دقيق، وأتركُ لك إعادة الصياغة والتصحيح؛ لأني أعتبرك شريكًا معي، ومعاونًا لي في كل ما سوف أقوله.

بلاديوس: ثق في الله وامضِ في حديثك.

كيرلس: حسنًا. عندما أُنجزت أعمال الخيمة المقدسة على ما يُرام، وأُتقن صنع كل آنيةٍ من أوانيها بحكمةٍ وفن، بحسب المثال الجميل الذي كان على الجبل، تحدَّث الرب إلى موسى وقال: ” فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ، فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الشَّهْرِ، تُقِيمُ مَسْكَنَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ ” (خر40: 2)، وبعد ذلك بقليل يُضيف قائلاً: ” فَفَعَلَ مُوسَى بِحَسَبِ كُلِّ مَا أَمَرَهُ الرَّبُّ. هكَذَا فَعَلَ. وَكَانَ فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ الْمَسْكَنَ أُقِيمَ ” (خر40: 16 ـ 17).

 

          هكذا أُقيمت ـ بحسب إرادة الله ـ الخيمة القديمة، والتي قدَّمت لنا بوضوحٍ، مثالاً لكنيسة المسيح.

 

دعنا نفحص بالتفصيل ـ إذا أردت ـ الحديث المتعلق بإقامتها بواسطة موسى، مرجئين ـ مؤقتًا ـ الحديث الخاص بيشوع بن نون بالرغم من أنه كان موجودًا دائمًا بالقرب من موسى، وصعد معه على جبل سيناء، وحارب عماليق كما أمره موسى، عندما قال له     ” انْتَخِبْ لَنَا رِجَالاً وَاخْرُجْ حَارِبْ عَمَالِيقَ. وَغَدًا أَقِفُ أَنَا عَلَى رَأْسِ التَّلَّةِ وَعَصَا اللهِ فِي يَدِي” (خر17: 9). وامتثل يشوع للحق ونال النصر (راجع خر17: 13).

حسنًا. ما الذي حدث؟ ألا يستحق أنْ نفحصه؟

بلاديوس: لا شك أنَّ الأمرَ جديرٌ بالفحص.

كيرلس: حسنًا. لو أمكن للمرء أنْ يدقِّق ـ بقدر ما يستطيع ـ في الكلام المختص بكل سر، فسوف تتملكه الدهشة صارخًا ” يَا لَعُمْقِ غِنَى اللهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ ” (رو11: 33). ولذلك عليك أنْ تلاحظ ما كانت عليه أشياء الخيمة من دقة. ولاحظ أيضًا أنه عندما يصعد موسى العظيم إلى الجبل يصعد معه يشوع أيضًا. وهذا يرمز إلى أنَّ الآب لا يمكن أنْ يُقتَرب منه إلاَّ بهذه الطريقة، أقصد أنه لا يمكن الاقتراب منه إلاّ بواسطة الابن[2]. لأنه حقًا صادقةٌ هى الكلمة ” لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي ” (يو14: 6).

 

          ويمكننا أنْ نؤكِّد أنه حتى القديسون، إنما يقتربون إليه بواسطة المسيح. لأنه لا يمكن لأحدٍ أنْ يرتقي إلى معاينة سامية وفائقةٍ للطبيعة، وكأنه يصعد إلى جبلٍ، وبالأحرى لا يمكنه أن يوجد بالقرب من الله إنْ لم يكن متحدًا مع عمانوئيل، وهكذا لا يكون هناك ما يعوق مسيرة البشر للاقتراب إلى الآب. وهذا هو ما قيل بصوت إشعياء    ” كُلُّ وَطَاءٍ يَرْتَفِعُ، وَكُلُّ جَبَل وَأَكَمَةٍ يَنْخَفِضُ، وَيَصِيرُ الْمُعْوَجُّ مُسْتَقِيمًا، وَالْعَرَاقِيبُ سَهْلاً ” (إش40: 4)، أي بالمسيح تستقيم المعوجات، وكل وطاءٍ يرتفع، وتصير العراقيب طريقًا سهلةً. لأنه كما يقول أيضًا النبي نفسه في موضع آخر: ” طَرِيقُ الصِّدِّيقِ اسْتِقَامَةٌ. تُمَهِّدُ أَيُّهَا الْمُسْتَقِيمُ سَبِيلَ الصِّدِّيقِ ” (إش26: 7). إذن، فقد صعد يشوع (الذي يرمز إلى المسيح) مع موسى الحكيم؛ لأنه ـ كما قلت ـ لأن الاقتراب من الآب لا يكون إلاَّ بواسطة الابن، فهو الوسيط الذي يربطنا بالآب بواسطة ذاته، ويُصعِدُنا إلى المرتفعات التي تفوق الطبيعة.

 

لقد واجه يشوعُ عماليقَ برجالٍ مختارين، وانتصر عليهم مثلما انتصر المسيح على رئيس هذا العالم بقديسين مختارين، هم تلاميذه المُلهَمين.

 

وكان موسى يعطى الأوامر وكان يشوع يخضع لها، مثلما خضع الابن تحت الناموس، بالرغم من أنه بالتأكيد كان هو الله المُشرَّع.

 

وكما كانت المعركة في اليوم التالي لليوم الذي دار فيه هذا الحوار بين موسى ويشوع بن نون، هكذا بشَّر الناموس ـ بشكل كاف ـ بما هو عتيد أنْ يحدث، وقدّم سردًا مجيدًا لمنجزات المخلِّص، هذا إذا نظرنا إلى هذا السرد نظرةً روحيةً.

 

إذن، فقد أقام موسى الخيمة المقدسة، لما لها من فائدة تربوية ـ من جهة الناموس ـ في تأسيس الكنيسة. لأنَّ الناموس يقود إلى المسيح الذي هو رأس الكنيسة ومؤسسها، عمود الحق وقاعدته بحسب المكتوب (انظر 1تيمو 3: 15). والمسيح نفسه قال لليهود ” لأَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ مُوسَى لَكُنْتُمْ تُصَدِّقُونَنِي، لأَنَّهُ هُوَ كَتَبَ عَنِّي ” (يو5: 46). وهو ما يعنى أنَّ تربية الناموس من خلال بناء الخيمة، ومن خلال ما يقوله موسى، تُنبئ ـ رمزيًا ـ عن كنيسة المسيح، وعن السر المتعلق بها؛ لأنَّ شخص موسى كان ممثلاً للناموس الذي أُعطى بواسطته بحسب المكتوب في الأمثال الإنجيلية: ” عِنْدَهُمْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءُ، لِيَسْمَعُوا مِنْهُمْ ” (لو16: 29).

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

كيرلس: فما الذي كان يقصده بقوله “ينبغي اليوم”[3]، وأيضًا “في اليوم الأول من الشهر الأول”؟ وماذا يقصد كذلك بقوله: ” فِي الشَّهْرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَنَّ الْمَسْكَنَ أُقِيمَ ” (خر40: 17)؟ دعنا نجيب باحثين عن الحق الذي يفيد قرائنا.

 

“اليوم”: يُقصد به زمن الخلاص المُنتظَر، الذي فيه صار وحيدُ الجنس إنسانًا، وملكًا على البشر الذين على الأرض بموته بالجسد، وقادهم إلى الله الآب. هذا الوقتُ واحدٌ للجميع؛ لأنه طالما قد مات مرةً واحدةً، فإنه لن يموت مرة أخرى، والموت لن يسود عليه بعد بحسب الكتب (انظر رو6: 9). لن يموت الابنُ ثانيةً من أجلنا، ومن أجل الأرواح التي هي في الجحيم، لن يكون الابنُ بدايةً ثانيةً للأموات. إنَّ هذا الوقتَ، واحدٌ بالنسبة له كما قلت من قبل، وقد ذكر النبي إشعياء ـ كممثل لله ـ هذا اليوم ” هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: فِي وَقْتِ الْقُبُولِ اسْتَجَبْتُكَ، وَفِي يَوْمِ الْخَلاَصِ أَعَنْتُكَ ” (إش49: 8). أيضًا بولس الحكيم يقول هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ ” (2كو6: 2). فالمسيح قد قام في هذا اليوم من الأموات مُبدِّدًا ظلام مملكة الموت، وجعل الرسل القديسين مثل البنائين، وجعلهم أرواحًا خادمةً لكنيسة الأمم قائلاً: ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ” (مت28: 19 ـ 20).

ألا ترى أنَّ هذا يعتبر بمثابة تأسيسٍ للكنيسة؟

بلاديوس: ماذا تقصد؟

كيرلس: أقصد الإيمان الذي استلمناه من المعلِّمين القديسين، والتعليم الذي كرزوا به: أي الإيمان بالمسيح، والإتحاد بالله بواسطة المعمودية وشركة الروح القدس. لأنَّ هذا هو ما قاله لنا بولس الرسول: ” الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ ” (أف2: 21 ـ 22).

 

فقد رُمِزَ للمسيح في الماضي بعدة أشياء في الخيمة المقدسة مثل: مذبح البخور الذهبي، والتابوت، والمنارة، وأيضًا المائدة وكل ما هو موضوع عليها.

 

ولذلك، فأنا أعتقد أنَّ كل واحدٍ من الذين آمنوا في الوقت الحاضر يعتبر مسكنًا وهيكلاً لله، وهؤلاء يُقيم فيهم المسيح؛ لأنه يسكن داخل قلوبنا بالإيمان كما هو مكتوب (انظر أف3: 17). وبالرغم من أنه واحدٌ بطبيعته، لأنه يقول ” لكِنْ لَنَا إِلهٌ وَاحِدٌ: الآبُ الَّذِي مِنْهُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ لَهُ. وَرَبٌّ وَاحِدٌ: يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي بِهِ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ، وَنَحْنُ بِهِ ” (1كو8: 6) إلاَّ أننا نحن الذين في الجسد نُدركُ وجوده؛ فنحن نُدرك ـ بطرق مختلفة ـ جمال ألوهيته ذات الخصائص المتنوعة، حيث ندرك داخليًا أنه كلمة الله، وكذلك هو الحكمة والنور والحياة، والخبز الحيّ الذي نزل من السماء.

بلاديوس: أنا أُدرك ما تقوله.

كيرلس: إذن، فقد رُمِزَ ـ في الماضي ـ لكلٍ من وقت التجسد، وكذلك ليوم القيامة من الأموات، بالكلمات الإلهية هكذا: “في ذلك اليوم تقيم الخيمة”.

 

كما أنَّ عبارة “في أول الشهر” يا بلاديوس، عبارةٌ مفيدةٌ أيضًا. أعنى كما أنَّ بداية الشهر هو اليوم الأول من عدد أيامه، هكذا فإنَّ بداية الزمن الجديد، وبداية ظهور الأزمنة الجديدة هو وقت مجيء المسيح على الأرض. لأنه يقول ” إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا ” (2كو5: 17). إذن، فقد بزغ هذا الزمن الذي نراه الآن (أي في العهد القديم)، بالرجاء، بينما نحن نحيا فيه بفضل الإله الذي قادنا بنوره مع الملائكة القديسين إلى مجد الآب، آخذًا معه أولئك الذين اختاروا أنْ يحيوا حياةً جديدةً واكتسبوا في نفوسهم بصبرهم غنى التعليم الإنجيلي بجماله الفائق، وهكذا قادهم إلى المجد والملكوت المُنتَظر منذ القديم.

 

          إنَّ رمزية الشهر الأول تشير إلى الخليقة الجديدة والأوقات الجديدة التي أزهرت فيها تعاليم المسيح مثلما يزدهر النبتُ الجميل في أول الشهر، وتزدهر النباتات في المراعى، ويُشتَّم شذى ألوفٍ من الورود الجميلة برائحة الربيع الزكية. لأنَّ المسيحَ في مثل هذا الوقت، دعا كنيسة الأمم قائلاً: ” قُومِي يَا حَبِيبَتِي، يَا جَمِيلَتِي وَتَعَالَيْ. لأَنَّ الشِّتَاءَ قَدْ مَضَى، وَالْمَطَرَ مَرَّ وَزَالَ ” (نش2: 10 ـ 11).

 

هكذا ازدهرت طبيعة الإنسان مرةً أخرى مثل النبات، بعدما أصابها الذبول من جرَّاء الموت بسبب مخالفة آدم والخطية التي تملَّكت علينا. اسمع ما يقوله المسيح بفم واحد من الأنبياء القديسين:  ” أنا هو الذي أتحدث إليك مثل الربيع على الجبال ” (إش52: 6س). فكما أنَّ الربيع يتوِّجُ الجبال والغابات بنباتات وزروع جديدة، هكذا فإن حضور المسيح يحقق لنا نفس الأمر، لذا يقول “في السنة الثانية”، وليس “الأولى” التي فيها كان يسرى الناموس وزمن الأنبياء، وفيها كان الموت يملك على الجميع. لأنه قد مَلك الموت من آدم حتى موسى (انظر رو5: 14). “في السنة الثانية”، أي في الزمن الذي فيه وصل إلينا اسم المسيح الذي هو غاية الناموس والأنبياء.

هل تعتقد أنَّ حديثنا يسير باستقامة وحق؟

بلاديوس: نعم.

كيرلس: أنا أعتقد إنَّ صوت إشعياء قد أعلن لنا مسبقًا الخيمة الحقيقية التي كانت محط أنظار كل واحدٍ من الذين قد دُعُوا ليتبرروا بالإيمان، إذ يقول: ” اُنْظُرْ صِهْيَوْنَ مَدِينَةَ أَعْيَادِنَا. عَيْنَاكَ تَرَيَانِ أُورُشَلِيمَ مَسْكِنًا مُطْمَئِنًّا، خَيْمَةً لاَ تَنْتَقِلُ، لاَ تُقْلَعُ أَوْتَادُهَا إِلَى الأَبَدِ، وَشَيْءٌ مِنْ أَطْنَابِهَا لاَ يَنْقَطِعُ ” (إش33: 20). لأنَّ الكنيسة هي مدينة الله، وهي التي قال عنها داود العظيم ” قَدْ قِيلَ بِكِ أَمْجَادٌ يَا مَدِينَةَ اللهِ ” (مز87: 3). بمعنى أنها غنية بعطايا سماوية ومزينة بمواهب سماوية، وأساساتها غير مزعزعة وثابتة بحسب كلام المخلّص ” وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا ” (مت16: 18).

بلاديوس: كل ما تفكر فيه صحيح ومنطقي.

كيرلس: عندما نُصبت الخيمة كان ينبغي أنْ يكون كل ما فيها من أشياء وأوانِ، مُرتَّبًا غير مبعثرٍ. ويعلِّمنا هذا إله الجميع قائلا:        ” وَتَضَعُ فِيهِ تَابُوتَ الشَّهَادَةِ. وَتَسْتُرُ التَّابُوتَ بِالْحِجَابِ. وَتُدْخِلُ الْمَائِدَةَ وَتُرَتِّبُ تَرْتِيبَهَا. وَتُدْخِلُ الْمَنَارَةَ وَتُصْعِدُ سُرُجَهَا. وَتَجْعَلُ مَذْبَحَ الذَّهَبِ لِلْبَخُورِ أَمَامَ تَابُوتِ الشَّهَادَةِ. وَتَضَعُ سَجْفَ الْبَابِ لِلْمَسْكَنِ. وَتَجْعَلُ مَذْبَحَ الْمُحْرَقَةِ قُدَّامَ بَابِ مَسْكَنِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ ” (خر40: 3 ـ 6).

 

          يمكنك طبعًا أنْ ترى الآنية المقدسة بين هذه الأشياء التي نُقلت ووُضعت في الخيمة المقدسة، ويمكنك أيضًا أنْ ترى ـ بوضوح ـ المكان الذي يحتويها، ويليق بكل واحدة من هذه الأواني. هل تريد الآن أنْ نُفصِّل بدقة ما يجب أنْ تعرفه عن التعليمات الخاصة بالخيمة؟

بلاديوس: بكل سرور.

كيرلس: حسنًا. قال الله لموسى: ” وَتَصْنَعُ حِجَابًا مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ. صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِق يَصْنَعُهُ بِكَرُوبِيمَ. وَتَجْعَلُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَعْمِدَةٍ مِنْ سَنْطٍ مُغَشَّاةٍ بِذَهَبٍ. رُزَزُهَا مِنْ ذَهَبٍ. عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ مِنْ فِضَّةٍ. وَتَجْعَلُ الْحِجَابَ تَحْتَ الأَشِظَّةِ. وَتُدْخِلُ إِلَى هُنَاكَ دَاخِلَ الْحِجَابِ تَابُوتَ الشَّهَادَةِ، فَيَفْصِلُ لَكُمُ الْحِجَابُ بَيْنَ الْقُدْسِ وَقُدْسِ الأَقْدَاسِ. وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ. وَتَضَعُ الْمَائِدَةَ خَارِجَ الْحِجَابِ، وَالْمَنَارَةَ مُقَابِلَ الْمَائِدَةِ عَلَى جَانِبِ الْمَسْكَنِ نَحْوَ التَّيْمَنِ، وَتَجْعَلُ الْمَائِدَةَ عَلَى جَانِبِ الشِّمَالِ. وَتَصْنَعُ سَجْفًا لِمَدْخَلِ الْخَيْمَةِ مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ صَنْعَةَ الطَّرَّازِ. وَتَصْنَعُ لِلسَّجْفِ خَمْسَةَ أَعْمِدَةٍ مِنْ سَنْطٍ وَتُغَشِّيهَا بِذَهَبٍ. رُزَزُهَا مِنْ ذَهَبٍ، وَتَسْبِكُ لَهَا خَمْسَ قَوَاعِدَ مِنْ نُحَاسٍ” (خر 26: 31 ـ 37).

 

وعن المرحضة يقول الآتي: ” وَتَصْنَعُ مِرْحَضَةً مِنْ نُحَاسٍ، وَقَاعِدَتَهَا مِنْ نُحَاسٍ، لِلاغْتِسَالِ. وَتَجْعَلُهَا بَيْنَ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ وَالْمَذْبَحِ، وَتَجْعَلُ فِيهَا مَاءً. 19 فَيَغْسِلُ هَارُونُ وَبَنُوهُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْهَا ” (خر30: 18 ـ 19). هل كل ما يقوله عن كل واحدة من هذه الآنية واضح؟

بلاديوس: غير واضح طبعًا؛ لأني لا أعرف. لذلك فأنا في حيرة لعدم معرفة ما تعنيه هذه الأقوال.

كيرلس: سوف أجعل حديثي واضحًا وسهلاً بقدر المستطاع، مستفيدًا من الشرح السابق الذي قلناه عن كل ما في الخيمة من أشياء.

حسنًا يا بلاديوس. لقد أُقيمت الخيمة المقدسة في الصحراء، وجاء تقسيم المكان، إلى جزئين تقسيمًا رائعًا. فقد كان هناك مكان بالداخل يُسمى قدس الأقداس، أمَّا المكان الآخر، فكان قبل المدخل ويُدعى القدس. وقد وُضع تابوت العهد في داخل الخيمة (قدس الأقداس) فوق أربعة أعمدة من السنط المغشَّى بالذهب، وغطى الأعمدة بحجابٍ من اسمانجونى وأرجوان وقرمز وبوص مبروم. وبما أنه قد سبق لنا أنْ تحدثنا بما فيه الكفاية ـ كما أعتقد ـ عن البوص المبروم والأرجوان والقُرمز، لذا سوف نتجنب تكرار الكلام[4].

 

أمَّا الآن، فسوف أتحدث عن الحجاب الذي يستند على أربعة أعمدة من السنط المغشَّى بالذهب، وأربع قواعد من الفضة. إنَّ كل هذه الأشياء تعلن سر المسيح، فما المقصود؟ ألم يدعُ بولس الحكيمُ الحجابَ جسد المسيح قائلاً: ” طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ ” (عب10: 20)؟

بلاديوس: أنت تتحدث بالصواب.

 

كيرلس: حسنًا. لاحظ إذن، أنَّ الكلمة، بالرغم من أنه هو الله بطبيعته، وأنه أتى من الله الآب، إلاَّ أنه – في إطار الظلال والرموز – وُجِدَ في تابوت الذهب الذي لم يعترِه فسادٌ، أي في الهيكل الذي قدَّمته العذراء؛ لأنَّ جسد المسيح لم يفسد، بل هو ثمينٌ ، وقد احتجب الكلمة خلف الستار آخذًا جسدًا.

وعندما نقول إنَّ الكلمةَ احتجب، فإننا لا نعني أنه انحصر في جسد صغير؛ لأنَّ الابنَ موجودٌ دائمًا في الكل، لكنه احتجب بحسب التدبير وانتظر وقتًا حتى يُعلن عن نفسه للكل، وكانت قيامته من بين الأموات هي ميعاد ظهوره للكل. فقد أوصى تلاميذه قبل الصليب المقدس ألاَّ يُظهروه وفق ما هو مكتوب (انظر مت 16: 16)، بينما بعد قيامته من بين الأموات قال لهم: ” فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ ” (مت28: 19 ـ 20).

 

إذن، كان الحجابُ معلقًا على الأعمدة، مغطيًا التابوت الذي كان في الداخل، الأمر الذي يمكن أنْ يكون مثالاً المسيح الذي رُفِعَ عاليًا بكرازة الإنجيليين. كما يبدو (المسيح) ظاهرًا في مجد الإلوهية لأولئك الذين هم داخل الخيمة، أي الكنيسة.

 

هكذا أيضًا يتساوي عدد كل من الأعمدة المغشَّاة بالذهب، وقواعد الفضة الأربع، مع عدد الإنجيليين الأربعة المُمجَّدين.

 

          إذن، كان التابوتُ في الخيمة، وكان الحجابُ معلَّقًا من فوق إلى أسفل، وكان الحجابُ مصنوعًا من أسمانجوني وأرجوان وقرمز بحيث لا يُظهر التابوت الذي كان في الداخل. وفوق الحجاب كان الشاروبيم على الجانب الأيسر والأيمن. وكان الله يظهر ويعطى الوصايا يبيّن أنه فوق كل الخليقة. والسيرافيم الذين يمتازون عن كل المخلوقات الملائكية يوجدون أسفل المجد الإلهي الذي لا يُوصف، ويلتفون حول الابن نفسه بالرغم من أنه صار جسدًا وهو في حالة إخلاء من جهة أنه مساوٍ للآب في الجوهر (المجد الذي كان له عند الآب) حيث صار إنسانًا. لذلك قال: ” أَبِي أَعْظَمُ مِنِّي ” (يو14: 28)، وبينما هو مساوٍ للآب بطبيعته، يقول إنه أقل منه ـ فقط ـ بسبب طبيعته البشرية. لذلك نجد الشاروبيم موجودين في الخيمة المقدسة دائريًا على الحجاب محيطين بالابن الذي هو إله. لكن فوق الحجاب نفسه يقول “وسوف أظهر من هناك، وسوف أتحدث إليك”، أي الآب الذي هو فوق كل الخليقة، وهو هنا يبدو كما لو كان فوق عمانوئيل نفسه، لكن ليس من جهة لاهوته إذ هو مساوٍ للآب في كل شيء، بل من جهة أنه أخلى نفسه آخذًا شكل العبد، ونزل إلى مقاييس البشرية.

 

[1] سيتعرض القديس كيرلس لهذا الأمر في بداية المقالة الحادية عشر.

2 يؤكد القديس كيرلس على ذلك في المقالة التاسعة، راجع سلسلة نصوص آبائية رقم 97 ـ السجود والعبادة بالروح والحق – الجزء الخامس – ص 60 وما بعدها.

3 يقصد القديس كيرلس أن الرب كلم موسى قائلاً: في الشهر الأول تقيم مسكن .ز.” خر1:40ـ2.

4 انظر الجزء الخامس ص97 وما بعدها.

 

المقالة10 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج6 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

كيرلس: أقمشة الشقق ستكون من البوُص المبروم الأسمانجوني وأرجوان وقرمز. أي أن زينة الكنيسة متنوعة، وهذا بالضبط ما أنشَدَه داود العظيم قائلاً: ” جُعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير” (مز 9:45). والمسيح هو الجوهرة والزينة المتعددة الأشكال، الذي هو واحد في طبيعته، لكنه يُفهم أو يُدرك بأمثلة كثيرة ومتنوعة، كما على سبيل المثال خيط شجرة الكرز المغزول. فالكلمة حقًا هو رقيق، وبلا جسدٍ بطبيعته، لكنه منسوجٌ آخذًا شكلاً باتخاذه جسدًا. إذن هو منسوج بخيط شجرة الكرز، وفي الوقت نفسه أيضًا مثل الياقوت، لأنه لم يأت من الأرض، لكن من فوق، أي من السماء.

          كالأرجوان؛ لأنه باعتباره مولودٌ، هو عبد، وباعتباره آتٍ من الله، هو ملك ورب الكل. وكمنسوجٍ بنسيجٍ أحمر؛ لأنه ـ كما قلت – إنه اتخذ جسدًا، وهو أيضًا في الوقت نفسه الكلمة، وقد بذل دمه لأجلنا. لأن علامة الدم هي اللون الأحمر.

الشاروبيم مرسومون فوق الجلود، وهذا الأمر يشير جيدًا إلى أن ما هو تحت متحدٌ بما هو فوق، وأن الكنيسة الأرضية هي متحدة بالقوات السماوية. وينبغي أن نعرف أن سليمان الحكيم رسم الشاروبيم على حوائط الهيكل. وبنفس الطريقة تمت الزينة للمسكن الذي رآه حزقيال (انظر حز41).

وأغطية الشقق كانت من الجلود الملتف حولها الشرائط والحلقات. وبالتأكيد أيضا الأغطية كانت من جلودٍ بلون الياقوت الأزرق، وجلود من الشاة مصبوغة بالأحمر والتي تشير إلى غطاء كنيسة المسيح. فالياقوت يشير إلى أنه أتى من السماء ومن فوق، بينما اللون الأحمر يشير إلى أنه لبس الجسد. لأنه بمثل هذا اللون كان لون الجسد.

بلاديوس: لا شك أن هذه التفاسير منطقية تمامًا.

كيرلس: أمَّا الألواح (الأعمدة) التي للمسكن فكان عرض الواحد منها ذراع ونصف بينما الطول عشرة أذرع مذهبة عند الرؤوس والجسم، وتستند على قواعد فضية مزدوجة. واللوح (العمود) يقصد به المسيح، معضِّد الكنيسة ومؤسِّس الحق وفقًا لقول بولس (انظر 1تي15:3). لأنه هو الذي يعضد ويحفظ كل شيء.

وعرض اللوح (العمود) ذراعٌ ونصف، وهو يشير إلى أن (المسيح) كاملٌ بحسب طبيعته، وصغيرٌ بحسب المقاييس البشرية. وليس من السذاجة في شيء إذا قلنا أن المسيح هو كلي الكمال كمثل الذراع الواحد، لأنه هو الله بحسب الطبيعة، لكنه صغير مثل نصف الذراع بسبب طبيعته البشرية، ووحيد الجنس كان غنيًا، لكنه صار فقيرًا لأجلنا (2كو9:8)، ووضع ذاته بالإخلاء من عظمته الإلهية.

بلاديوس: هذا صحيح حقًا.

كيرلس: بالتالي لن تقف الطبيعة البشرية على قدم المساواة أمام الألوهية الفائقة، فهي أقل منها بكثير. لذلك قال – بحسب مشابهته لنا: “ أبي أعظم مني” (يو28:14)، بالرغم من أنه بالتأكيد ـ من جهة طبيعته الإلهية ـ مساو للآب، فإن كونه ابنًا لا يجعله أقل من الآب. لأن المسيح هو كلي الكمال من جهة ألوهيته. إن العدد عشرة في الكتاب المقدس يُفهم كعلامة للكمال. ورأس اللوح سيكون من الذهب، والجسد أيضًا من الذهب. الهيكل الذي أتى من العذراء له امتياز سكنى الطبيعة الفائقة. الذهب رمزٌ للألوهية، لأنه عظيم ويفوق كل المعادن الأخرى. القاعدة كانت من الفضة ومزدوجة. المسيح لامعٌ ومنيرٌ على الأرض وفقًا للمزمور ” الرب هو الله وقد أنار لنا” (مز 27:118)، ويُعرف بلاهوته وناسوته، لأنه هو إله وإنسان معًا. وهذا ـ على ما أعتقد ـ ما يعنيه أن القاعدة مزدوجة ومصنوعة من الفضة.

بلاديوس: إن حدسك صحيح.

كيرلس: لاحظ أيضًا يا صديقي ما هو آت.

بلاديوس: ماذا لديك؟

كيرلس: بعدما نظَّم كل الخيمة واتسعت إلى عشرة شقق، أضاف ” وتصنع شققًا من شعر معزى خيمة على المسكن إحدى عشرة شقة تصنعها. طول الشقة الواحدة ثلاثون ذراعًا وعرض الشقة الواحدة أربع اذرع قياسًا واحدًا للإحدى عشرة شقة. وتصل خمسًا من الشقق وحدها، وستًا من الشقق وحدها وتثني الشقة السادسة في وجه الخيمة. وتصنع خمسين عروة على حاشية الشقة الواحدة الطرفية من الموصل الواحد وخمسين عروة على حاشية الشقة من الموصل الثاني” (خر26: 7ـ10).

          ما الذي أراد أن يعلنه يا بلاديوس بهذا الأمر؟ لأنه إذ صنع عشرة شقق للمسكن، يقول: ” وتصل خمسًا من الشقق وحدها وستًا من الشقق وحدها“، فلماذا لم يتساوَ عدد الشقق المصنوعة من شعر المعزي، بل زاد واحدة، أي الحادية عشر؟

بلاديوس: لا أعرف ماذا أقول لك.

 

كيرلس: إن عرض رأيي سيزيد موضوعنا وضوحًا.

بلاديوس: هات ما عندك.

كيرلس: قال أنه يجب أن تخيط بشدة خمسُ شققٍ فيما بينها، وخمسٌ آخرين بالتماثل، بنفس الترتيب وبنفس الطريقة. بينما يتصلون فيما بينهم بالتماثل باتجاه الشمال نحو الجنوب أو من الشرق نحو الغرب بواسطة الشقة الحادية عشر التي صارت كمفصلة في وسط العشرة الشقق، ماسكةٌ بهما بسيور وحلقات من الجانبين. لقد كانت الألواح مثل هذه الشقق، إلاَّ أنها قليلةٌ في العدد. إذن العشرة الشقق ـ كما قلت سابقًا ـ تمتد بطول ثمانية وعشرين ذراعًا بينما الحادية عشرة لها نفس الطول ولكن عرضها خمس أذرع، أما الأخرى فكان عرضها أربع أذرع. لذلك يقول وتثني الشقة السادسة في وجه الخيمة” حتى لا تفسد هذه الشقة الزائدة جمال الخيمة. عند هذه الشقة التي هي بين الشقق الأخرى تُوضع الأواني المقدسة، وهي تشير بطرق متنوعة إلى عمانوئيل. والعدد يُظهر هذا بالضبط، إنه في الأزمنة الأخيرة وفي الساعة الحادية عشر يظهر المسيح والخيمة التي فيها المسيح، أي الكنيسة.

بلاديوس: يبدو لي أن تفكيرنا بهذه الطريقة صحيح وشرحك لهذا الأمر صواب.

كيرلس: بعد هذه الأقوال والنماذج الخاصة بالخيمة يقول: “ وتصنع دار المسكن. إلى جهة الجنوب نحو التيمن للدار أستار من بوص مبروم. مئة ذراع طولا إلى الجهة الواحدة. وأعمدتها عشرون وقواعدها عشرون من نحاس رُززُ الأعمدة وقضبانها من فضة. وكذلك إلى جهة الشمال في الطول أستارٌ مئة ذراع طولا وأعمدتها عشرون وقواعدها عشرون من نحاس رُززُ الأعمدة وقضبانها من فضة. وفي عرض الدار إلى جهة الغرب أستارٌ خمسون ذراعا أعمدتها عشرة وقواعدها عشر” (خر27: 9ـ12). لاحظ إذن أن الأبعاد الأولى كانت قليلة تصل إلى ثلاثين ذراعًا والعرض أربعة أذرع، والطول ثمانية وعشرون. لكن بعد ذلك، كانت الأبعاد أكثر اتساعًا في العرض والطول، كانت مائة في مائة، وخمسون في خمسين، والواحدة كانت تطل على الشرق والأخرى على الغرب والجنوب.

بلاديوس: إذن ما هو القصد من هذا؟

كيرلس: ألا يوضحُ ذلك بجلاء ما سبق وتنبأ به إشعياء عن الكنيسة التي سوف تظهر في الأيام الأخيرة؟ ” أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك لا تمسكي أطيلي إطنابك وشددي أوتادك” (إش2:54). لقد كانت كنيسةُ المسيح محدودة في البداية وبعد ذلك امتدت نحو الشرق والغرب، نحو الشمال والجنوب وتوجد في كل مكان.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: وعليك أن تلاحظ أيضًا أنه أمر أن تكون كل الألواح الأخرى التي للشقق العشرة والعُرى التي بينهما، مذهبةٌ وتستند على قواعد مزدوجة مصنوعة من الفضة. فما هو السبب؟ أعتقد أنني قُلت هذا. وهناك أيضًا سبب آخر لاختلاف الألواح بحسب طول الشقق وعرضها. فيقول عن الألواح إنه يجب أن تكون من الفضة من القمة حتى القاعدة وتستند على قواعد نحاسية مفضضة. ويمكننا أن نرى في هذا مثالاً للمسيح، لأنه أشرق كالنور أي أبرق بلمعان عقلي لأنه إله، كما تعلن الفضة ذلك. وكنوره، كذلك كانت كلمته لامعة وحلوة السمع على الأرض، أي كرازة الإنجيل، يُعلنها النحاس المزين بالفضة. لأن النحاس رنان بينما الفضة أكثر لمعانا ونورًا. ويمكننا أن نرى هذه الأمور في كرازة الإنجيل، وسوف يتحقق المرء من أن كلمة المخلص لها نقاء ونورُ التقوى الشديد، وأنها ترن في كل المسكونة.

ويمكن للمرء ـ إذا أراد ـ أن يقول إن هذه الألواح تعتبر مثالاً للرسل والإنجيليين القديسين، وهذا تفكير منطقي جدًا. لأنهم حقًا كأنهم من فضة، لأنهم اتحدوا بالمسيح الذي ينير. لذلك يقول “ أنر بوجهك فنخلص” (مز19:80)، وقد دُعُوا أيضًا ” نور العالم” (مت14:4)، كأنهم حقًا داخل نحاس مزين بالفضة. وسندهم الكلمة المنيرة والرنانة التي يستخدمونها. لأنه يقول:” الرب يعطي كلمة. المبشرات بها جند كثير” (مز12:68). أيضًا مكتوب ” ما أجمل على الجبال قدمي المبشر المخبر بالسلام المبشر بالخير” (إش7:52).

بلاديوس: لا شك أن كلامك عميق ويوضح الحقيقة.

كيرلس: وإذ اكتملت الأوامر بخصوص الأبعاد، يمضي إلى تجهيز الزيت والمسحة والبخور قائلا الآتي: ” وأنت تأمر بني إسرائيل أن يقدموا إليك زيت زيتون مرضوض نقيًا للضوء لإصعاد السُرُج دائما. في خيمة الاجتماع خارج الحجاب الذي أمام الشهادة يرتبها هارون وبنوه من المساء إلى الصباح أمام الرب فريضة دهرية في أجيالهم من بني إسرائيل” (خر27:20ـ21).

بلاديوس: وماذا يعني هذا؟

كيرلس: هامٌ جدًا ما يعلنه هذا القول، وينطوي أيضًا على حكمة على ما أعتقد. فالمنارات السبع تضيء دائمًا وتنير في الخيمة المقدسة، لذلك يجب أن نتشبه جيدًا بنور المسيح الذي يلمع دائمًا بقوة ويُنير ذاتيًا، أي يملأ بالنور ذهن أولئك الذين يؤمنون به؛ وكل الذين يحتاجون أن يكون لهم اكتفاء ينيرون أيضًا. لأن العدد سبعة يعبِّر دائمًا عن الكمال. وعلى سبيل المثال الحالة التي يقول فيها  “ العاقر ولدت سبعة” (1صم 5:2)، أي كثير جدًا.

فهارون ينير المنارات، وكذلك الآخرون، وبعد ذلك الكهنة. هكذا أيضًا نور المسيح في الكنائس يحفظ دون أن يُطفأ بالعناية اليقظة لأولئك الذين نالوا نصيب الكهنوت، لأنهم ـ باستقامة سرائرهم ـ ينيرون أذهان المؤمنين. لأن هذا على ـ ما اعتقد – هو ما يعنيه بجعله المنارات تنير دائمًا من المساء حتى الصباح. فالظلام هو ضلال الشيطان والظلمة المعنوية التي تغطي عقول البشر. إذن فلسوف يظل نور المخلص ظاهرًا في الكنائس طالما أن المعلمين فيها يفسرون التعاليم الإلهية والإنجيلية باستقامة.

وأمَّا الزيت فيكون نقيًا لأنه نقيٌ تمامًا من أي شائبة ومن أي دنسٍ. أقول هذا عن العقائد الإلهية المستقيمة والكلمة الحقيقية النقية من أي انحراف والتي تحتوي دائمًا على نور المخلص الدائم. هذه الاستنارة – بالتأكيد ـ لا تضيف شيئًا من ذاتها على بهاء المسيح (لأنه من الغباء المفرط أن نعتقد أنه يحتاج للإنسان)، فعن طريق النور الحقيقي للمسيح، وإشعاع الآب يبدو ـ بكلمات التعاليم المستقيمة ـ في ذهن أولئك الذين يؤمنون به، أن هذا بالضبط هو الحق.

بلاديوس: ولماذا يقول إن الزيت من الزيتون؟ لأن هذه التسمية الدقيقة، لا بد وأن تحمل مفهومًا روحيًا.

كيرلس: أنت تفكر بطريقةٍ حسنة، وسوف أقول لك ما خطر على ذهني.

من المعتاد يا بلاديوس، أن لا يتم تجهيز أو إعداد الزيت من أشجار الزيتون فقط، لكن من بذور أخرى قد تكون مغشوشة أو بذور أخرى. أما زيت الزيتون النقي فهو المستخرج من الزيتون الأكثر جودة، وهو يحتاج إلى طرق فنية وجهد مضنٍ لتنقيته. بعكس الزيتون الذي من الدرجة الثانية، فهو ليس حقيقيًا، أقصد الزيتون الذي يخرج من بذور مغشوشة. بالتالي يجب أن يتشابه زيت الزيتون الحقيقي بالكلمة الحقيقية والأصيلة، بينما ذاك الذي ابتُدع من الفكر البشري والإلهام الشيطاني، إنما يشبه الخمر المغشوشة المصنعة والموجودة بكثرة في الحانة.

فالكلام المغشوش غير مفيد، بل ومرفوض؛ لأنه لا يسهم في إنارتنا لمعرفة المسيح. لذلك فهو مرفوض في الكنائس لأن رائحة الروح القدس الذكية ليست فيه؛ لأنه يقول: ” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (1كو3:12).

ولعلك تلاحظ أيضًا أن الناموس يقول إن الزيت المستخرج من الزيتون هذا يجب أن يقدمه الإسرائيليون. أي كما قلت منذ قليل، إن الكلمة الحقيقية هي ثمرة وتقدمة روحية للتقدمات التي تُقدم إلى الله من جانبنا، والتي لا تسمح بأن يضعف نور المسيح في هؤلاء الذين يحيون في الحق.

لاحظ أيضًا مكان المنارات حيث تقع خارج المسكن، وكذلك الحرارة المنبعثة منها. بمعنى أن المسيح حقًا هو نورٌ بحسب طبيعته، فهو لا يحتاج إلى النور، لكن لأجلنا نحن الذين لسنا من طبيعته الإلهية ـ حيث أننا مخلوقون – يُشرق بنوره داخلنا. والتابوت كان بالداخل إذ كان يشير إلى المسيح.

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: ثم يقول: ” وكلم الرب موسى قائلاً: وأنت تأخذ لك أفخر الأطياب مُرًا قاطرًا خمس مئة شاقل وقرفة عطرة نصف ذلك مئتين وخمسين وقصب الذريرة مئتين وخمسين. وسليخة خمس مئة بشاقل القدس ومن زيت الزيتون هينًا. وتصنعه دُهنًا مقدسًا للمسحة عطر عطارة صنعة العطار دهنًا مقدسًا للمسحة يكون. وتمسح به خيمة الاجتماع وتابوت الشهادة. والمائدة وكل آنيتها والمنارة وآنيتها ومذبح البخور. ومذبح المحرقة وكل آنيته والمرحضة وقاعدتها. وتقدسها فتكون قدس أقداس كل ما مسها يكون مقدسا. وتمسح هارون وبنيه وتقدسهم ليكهنوا لي. وتكلم بني إسرائيل قائلاً يكون هذا لي دهنًا مقدسًا للمسحة في أجيالكم. على جسد إنسان لا يسكب وعلى مقاديره لا تصنعوا مثله مقدسٌ هو ويكون مقدسًا عندكم. كل من ركَّب مثله ومن جعل منه على أجنبي يقطع من شعبه” (خر30:22ـ33).

          أمَّا بخصوص النوعية والتكوين واختلاف الأوزان، أقصد الأنواع التي ذُكرت، فليس لي أن أقول شيئًا، لأن المتعقلون عادةً يحبون قول الحق. لكن الزيت المختلط بالطيب يعلن – على ما أعتقد ـ تقديس المسيح الذي يُعطى بواسطة الروح إلى الرحماء بحسب المزمور: “مسحت بالدهن رأسي” (مز5:23). لقد مُسحت كل الخيمة وكل ما هو بداخلها، هكذا يشترك المكان الآن في التقديس بواسطة ذاك الذي يسكن فيه. والأواني تتقدس أيضًا بالطريقة التي تليق بها، لأنها مفيدة وتستخدم لعبادة الله، وتقدَّس كل من يلمسها. لكن يجب أن تكون هذه المقدسات بعيدة عن متناول غير المؤمنين. لأنه بحسب المكتوب “ أي شركة للنور مع الظلمة” (2كو14:6).

ممنوعٌ منعًا باتًا أن يصنعوا مثل هذا الزيت لأنفسهم. لأن التقديس هو لله وحده، وهذا الأمر حقًا مقصور عليه فقط، فكيف إذن يمكن للطبيعة المخلوقة أن تقدِّس الآخرين؟ إن الطبيعة المخلوقة لا تهب القداسة لذاتها ولكن باشتراكها بالطبيعة السماوية، فمن اللائق إذن أن يتجه المرء إلى هذه الطبيعة إذ يقول لنا الرسول: ” لأنه من يُميزك وأي شيء لك لم تأخذه” (1كو7:4).

وبما أن يوحنا يقول عن الابن الوحيد ” ومن ملئه نحن جميعا أخذنا” (يو16:1)، و” لأنه ليس بكيل يعطي الله الروح” (يو34:3)، وبما أنه هو نفسه حقًا مصدر القداسة، فإنه يمنح الروح بأيدي ممدودة إلى المستحقين ويقدس الخليقة العقلية.

ومع أنه يقول: “على جسد إنسان لا يسكب” إلاَّ أنه أمر بأنه يجب أن يُمسح الكل بواسطة هارون والعاملين معه.

وبالتالي فالجنس المقدس هو فوق الإنسان (الطبيعي) لأنه يشارك المسيح الذي يتفوق على الخليقة. لذلك يقودنا إلى امتياز أسمى من الطبيعة (المخلوقة) ويفصلنا عن الأرضيات، ويكتبنا في السماوات. لأنه يقول “وأما انتم فلا تُدعَوا سيدي لان معلمكم واحد المسيح وانتم جميعا أخوة. ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض لان أباكم واحد الذي في السماوات” (مت23: 8 ـ 9).

إن التساهل في عرض أسرار الإيمان التي تتناسب فقط مع القديسين لأولئك الذين هم غير مؤمنين، أمرٌ لا يخلو من المخاطر؛ لأنه لن يتقدس أولئك الدنسين الذين يبقون في قذارتهم، بل فقط أولئك الذين قد تطهروا فعلاً بواسطة المعمودية المقدسة.

بلاديوس: هذا حقيقي.

كيرلس: بنفس الطريقة والقول، حدَّدَ أن يُصنع البخور قائلا: ” وقال الرب لموسى خذ لك أعطارًا ميعةً وأظفارًا وقنةً عطرةً ولبانًا نقيًا تكون أجزاء متساوية. فتصنعها بخورًا عطرًا صنعة العطار مملحًا نقيًا مقدسًا. وتسحق منه ناعمًا وتجعل منه قدام الشهادة في خيمة الاجتماع حيث اجتمع بك قدس أقداس يكون عندكم. والبخور الذي تصنعه على مقاديره لا تصنعوا لأنفسكم يكون عندك مقدسًا للرب. كل من صنع مثله ليشمه يقطع من شعبه“(خر30: 34ـ38). فهنا أيضًا يعلن لنا الكلام عن البخور، أن كل ما ينتمي إلى الطبيعة التي هي أسمى من كل الطبائع لا يشترك في جوهره أيٌ من المخلوقات. فالخليقة ليس لديها شيء مشترك مع الخالق والرب، وذلك من جهة عظمة الكرامة.

دعنا نتذكر الآن أننا قد أشرنا إلى أن المذبح الذهبي وهذا المزيج من البخور يشيران إلى المسيح، فالاثنان (المذبح والبخور) يعلنان لنا عمانوئيل نفسه. إذن طالما أن البخور يشير إلى المسيح (لأن رائحته ليس لها مثيل)، فلن نصنع لذواتنا بخورًا مثل هذا البخور. بمعنى أننا لن نقبل إطلاقًا أحدًا في مكان المسيح أيًا كان، مثل اليهود التعساء الذين إذ قبلوا ابن المعصية، سيدركون أنهم صنعوا لذواتهم بخورًا مثل تلك الرائحة التي للإله الحقيقي الذي أظهر لنا رائحة معرفته في ابنه[1]، والذي به نفوح نحن، لا كأن هذا البخور من ذواتنا، لكن باعتبارنا مشاركين للبخور الحقيقي وممسوحين كلنا بنعمة الروح القدس، مرتفعين بالتعليم الحسن في المسيح.

بلاديوس: إذن لقد صُوَّر لنا سر المخلص.بكل شيء موجود في الخيمة المقدسة.

 

كيرلس: بل وأكثر من هذا، فلسوف تمتلئ بالدهشة، إذا علمت أن هؤلاء الفنيين الذين صنعوا الخيمة المقدسة يرمزون أيضًا إلى المسيح.

بلاديوس: كيف ذلك؟ إنني لا أستطيع أن أدرك هذا الأمر.

كيرلس: مكتوب: ” وكلم الرب موسى قائلاً: انظر قد دعوت بصلئيل بن أوُري بن حور من سبط يهوذا باسمه وملأته من روح الله بالحكمة والفهم والمعرفة وكل صنعة. لاختراع مخترعات ليعمل في الذهب والفضة والنحاس. ونقش حجارة للترصيع ونجارة الخشب ليعمل في كل صنعة. وها أنا قد جعلت معه أهوليآب بن أخيساماك من سبط دان وفي قلب كل حكيم القلب جعلت حكمة ليصنعوا كل ما أمرتك” (خر31: 1ـ6). لاحظ كيف يشرف بصلئيل على الأعمال وكيف ينفذ أهوليآب الأعمال.

بلاديوس: ماذا يعني هذا؟

كيرلس: سوف تعرف. يهوذا ودان كانا ابنان ليعقوب، لكن الواحد من الحرة ليئة والآخر من العبدة بِلهَة (انظر تك3:30)، إن بصلئيل هو مثال واضح للمسيح الذي ظهر لنا بالجسد من سبط يهوذا وبطبيعته الحرة حقًا، أي الطبيعة الإلهية الفائقة. أما أهوليآب فيشير إلى الرسل العاملين مع المسيح والإنجيليين والذين ينحدرون من أورشليم والذين هم عبيد. لأنه كان يوجد عاملون مع المسيح الذين كابدوا وتمموا كل ما هو مطلوب لتأسيس الكنائس المقدسة. لقد ساهم كل الفاهمين بدراساتهم وفنهم في أعمال الخيمة معطين صورة للمعلمين الذين كانت عنايتهم واهتمامهم أن يعملوا أعمال الله وكل ما يسهم في فائدة كنيسة المسيح.

[1] إن البخور الذي طلب الله من موسى أن يصنعه، هو قدس أقداسٍ للرب، ولذلك أمر الرب ألاَّ يصنعوا منه لأنفسهم بنفس المقادير؛ لأنه مخصص لعبادة الرب في الخيمة. فإذا صنع أحد لنفسه بخورًا بنفس المقادير يكون قد رفض عمل الرب وارتضى لنفسه بخورًا آخرًا أي عبادةً أخرى. وهنا لا يقصد القديس كيرلس أن رائحة هذا البخور هي مثل رائحة البخور الغريبة، ولكن يقصد أنهم اتخذوا لهم بخورًا آخر على غرار بخور العبادة الحقيقية وهو ليس كذلك. ولذلك إذا فاحت رائحة البخور من المؤمنين، فهي ليست من ذواتهم، ولكنها رائحة الإله الحقيقي.

 

المقالة9 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

بلاديوس: إذن يُستنتج من ذلك أن المذبح الذهبي هو أيضًا صورة للمسيح.

كيرلس: ليس ذلك فقط، ولكن أيضًا نستطيع أن نفهمه هو نفسه كبخورٍ عَطرٍ. لأن رئيس الكهنة نفسه يقول: ” يوقد عليه هارون بخورا عطرا كل صباح” (خر30: 7). والبخورُ عَطِرٌ، أي مكونٌ من بخورٍ وعِطرٍ؛ لأن الله الكلمة صار جسدًا، واتحد اللاهوت بالناسوت بطريقة سرية في شخص عمانوئيل. وكان البخور رقيقًَا أي لم يكن على غلاظة (مادية) العبادة الناموسية. لأنه يقول: ” بذبيحة وتقدمة لم تُسَر. أذني فتحت. محرقة وذبيحة خطية لم تطلب. حينئذ قُلت هاأنذا جئت. بدرج الكتاب مكتوب عني. أن افعل مشيئتك يا إلهي سررت” (مز40: 6ـ8). وما هي إرادة الآب؟ هو نفسه (أي المسيح) يعلمنا إياها سريًا في الأناجيل قائلاً: ” لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني. وهذه مشيئة الآب الذي أرسلني أن كل ما أعطاني لا أُتلف منه شيئا بل أقيمه في اليوم الأخير. لان هذه مشيئة الذي أرسلني أن كل من يرى الابن ويؤمن به تكون له حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير” (يو6: 38–40). أما وقد قدم المسيح ذاته لأجلنا تقدمةً ذكيةً حقًا، لذلك كان هو رئيسُ الكهنة.

وهكذا فإن، هذا هو رئيس الكهنة، هذا هو البخور العَطِرُ والرفيع. وسوف يؤكد ذلك بولس قائلاً:” ولكن شكرا لله الذي يقودنا في موكب نصرته في المسيح كل حين ويُظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان. لأننا رائحة المسيح الذكية لله في الذين يخلصون وفي الذين يهلكون. لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة” (2كو2: 14ـ16)، ولذلك قال أيضًا: ” فكونوا متمثلين بالله كأولاد أحباء. واسلكوا في المحبة كما أحبنا المسيح أيضًا وأسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة” (أف5: 1ـ2).

والناموس يحدد أيضًا بوضوح وقت رفع البخور، مشرِّعًا أن يصير كل شيء بنظام ولياقة. لأنه يقول: ” كل صباح ومساء حين يصلح السُرُج يوقده” (خر7:30س). “المساء والصباح”، أي الاستمرارية بدون انقطاع، بينما “حين يصلح السُرُج” يقدمون بخورًا يشير بوضوح أنه عندما ينير لنا النور الإلهي عندئذ بالضبط نفيض بالغنى من رائحة المسيح الذكية، عندئذ نشعر بأن الخيرات الموجودة في داخل الخيمة، تشير إلى خيرات نوال المواهب الإلهية التي يمنحها المسيح للمستحقين.

وهكذا، مَن لم يوجد بعد داخل النور بواسطة الإيمان، هو على أية حال غير مشارك للرائحة العقلية الذكية، طالما لم يعرف بعد سر المسيح. لأنه يقول ” إن لم تؤمنوا فلا تفهموا” (إش9:7س). لأن الإيمان هو وسيلة مناسبة تقود إلى الفهم، وهو يفتح العقل إلى قبول النور الإلهي.

وعندما يصف عملية إيقاد البخور بكلمة “دائمًا”: ” بخورًا دائمًا أمام الرب” (خر30: 8)، فهو يعني أنه لا توجد لحظة لا يفوح المسيح فيها برائحته الذكية في الخيمة المقدسة، أي في الكنيسة.

ممنوعٌ تمامًا أن يوجد فوقه، أي فوق مذبح المسيح (في العهد الجديد)، سكيبٌ أو تقدمة ذبيحة. لأنه بالمسيح أُبطلت فرائض الناموس، والظلال وصلت إلى نهايتها. هذا ما يشير إليه عدم إصعاد محرقة أو تقدمةً أو سكيبًا فوق مذبح البخور. وهو ما يؤكده النبي قائلاً: ” انقطعت التقدمة والسكيب عن بيت الرب. ناحت الكهنة خدام الرب” (يؤ1: 9). أي أنه طالما ظهر السجود والعبادة بالروح والحق، صارت الظلال نافلة، وعبادة النماذج صارت بلا فائدة تمامًا. لأنه بالمسيح صارت هناك خليقة جديدة.

بعد مجيء الحق، كل الذين يطلبون برّهم في الناموس يفقدون النعمة. لأنه يقول: ” لا تصعدوا عليه بخورًا غريبًا” (خر30: 9).

وبالتالي، فإننا لن نقبل بجانب المسيح آخرًا مطلقًا. لن نقول لآخر يا معلم. لأن واحدًا فقط هو معلمٌ لنا، وواحدًا فقط هو من ندعوه قائلين ” اسمك دهن مهراق. لذلك أحبتك العذارى. أجذبني وراءك فنجري. أدخلني الملك إلى حجاله. نبتهج ونفرح بك. نذكر حبك أكثر من الخمر. بالحق يحبونك” (نش1: 3ـ4).

ربما لا يعني بكل هذا قوله ” لا تصعدوا عليه بخورًا غريبًا” (خر 30: 9). ولكن داخل الكنيسة، فإن رائحة المسيح الذكية كافية لأولئك الذين يتصرفون باستقامة ولا يشتهون أية رائحة غريبة. وبالعكس من ذلك، فإن اليهود التعساء الذين أساءوا بغبائهم إلى البخور العطر أي المسيح، ظلوا غير مشاركين للرائحة المقدسة والإلهية، وسيقبلون واحدًا آخرًا، ابن الهلاك ” المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى إلهًا أو معبودًا حتى أنه يجلس في هيكل الله مظهرًا نفسه أنه إله” (2تس2: 4)، الذي يلوث الخيمة الإلهية؛ لأنه دخان غريب ورائحة شيطانية. لأنه مكتوب “ الذي مجيئه بعمل الشيطان” (2تس2: 9).

بلاديوس: أدرك ما تقوله لأن حديثك واضح جدًا.

كيرلس: لقد أمر هارون أن تصير الكفارة فوق مذبح البخور مرةً واحدةً في السنة ماسحًا بدم الكفارة قرون المذبح لأنه يقول:” هو قدس أقداس” (خر30: 10). وهذا ما سوف يوضحه بولس العظيم قائلاً: “وأما المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيد أي الذي ليس من هذه الخليقة. وليس بدم تيوس وعجول بل بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبديًا” (عب9: 11ـ12) لأنه كما قال أيضًا هو نفسه:” عالمين أن المسيح بعدما أقيم من الأموات لا يموت أيضًا، لا يسود عليه الموت بعد. لان الموت الذي ماته قد ماته للخطية مرة واحدة والحياة التي يحياها فيحياها لله” (رو6: 9ـ10). حسنًا. إذن، كان هارون يدخل مرة واحدة في السنة إلى قدس الأقداس بدم الكفارة. ويجب أن نلاحظ أيضا أن المسيح رش دم صليبه الذي هو صليب الخلاص والحياة للجميع. لأن القرون هي مثال الصليب والتي كانت تمتد هنا وهناك مثل الأيدي، ودخول هارون مرة واحدة في السنة يشير إلى موت المسيح مرة واحدة، الذي هو قدوس القديسين كإله بطبيعته. لأن يوحنا كان صادقًا بالتأكيد حين قال: “ومن مِلئه نحن جميعًا أخذنا” (يو16:1). حيث إن كل الخليقة غير المنظورة والمنظورة تشترك في المسيح. لأن الملائكة أيضًا ورؤساء الملائكة وكل المخلوقات الروحية التي هي فائقة عن الملائكة ـ مثل الساروفيم أنفسهم ـ ليس لها قداسةٌ من آخرٍ، سوى المسيح فقط بنعمة الروح القدس.

إذن، هذا هو المذبح، هذا هو البخور ورئيس الكهنة، أيضًا هذا هو دم تطهير الخطايا.

بلاديوس: أوافقك إذ تتحدث بالصواب. لكن ماذا يعني بالضبط دم تطهير الخطايا، لا أستطيع أن أفهم ذلك بوضوح.

كيرلس: لقد صوَّر الناموس التطهير بواسطة دم المسيح الذبيح القدوس، الذي بواسطته قد خلُصنا هاربين من الدنس المسكوب داخلنا بسبب الخطية، صور هذا التطهير قائلاً الآتي في سفر اللاويين: “وإن سها كل جماعة إسرائيل وأُخفي أمر عن أعين المجمع وعملوا واحدة من جميع مناهي الرب التي لا ينبغي عملها وأثموا. ثم عرفت الخطية التي أخطأوا بها يقرب المجمع ثورًا ابن بقر ذبيحة خطية يأتون به إلى قدام خيمة الاجتماع. ويضع شيوخ الجماعة أيديهم على رأس الثور أمام الرب ويذبح الثور أمام الرب. ويدخل الكاهن الممسوح من دم الثور إلى خيمة الاجتماع. ويغمس الكاهن إصبعه في الدم وينضح سبع مرات أمام الرب لدى الحجاب. ويجعل من الدم على قرون المذبح الذي أمام الرب في خيمة الاجتماع” (لا 4: 13 ـ 18).

سوف نتحدث عن هذه الأمور بالتفصيل في الوقت المناسب. لكن لاحظ أن عمانوئيل ذُبح أيضًا لأجلنا مثلما ذُبِحَ الثور، خلَّصنا من العقاب داخلاً إلى الخيمة العظيمة والكاملة، ليس بدم تيوس وعجول، لكن بدم نفسه حيث ذاق الموت مرةً واحدة، لأنه فوق خشبة الصليب من فتحة جنبه خرج دم وماء. وكما قلنا سابقًا القرون هي مثال للصليب.

بلاديوس: تتحدث جيدًا.

كيرلس: ولكن الناموس يأمر ـ بطريقة رمزية ـ أن يصير التطهير ليس فقط بالدم، لكن بالماء المقدس. لأن هذه الطريقة هي الأكمل وفق سر المسيح.

بلاديوس: كيف أظهر لنا ذلك وبأية طريقة؟

 

كيرلس: مكتوب الآتي: “وكلم الرب موسى قائلاً: وتصنع مرحضةً من نحاس وقاعدتها من نحاس للاغتسال وتجعلها بين خيمة الاجتماع والمذبح وتجعل فيها ماء. فيغسل هارون وبنوه أيديهم وأرجلهم منها. عند دخولهم إلى خيمة الاجتماع يغسلون بماء لئلا يموتوا أو عند اقترابهم إلى المذبح للخدمة ليوقدوا وقودا للرب. يغسلون أيدهم وأرجلهم لئلا يموتوا ويكون لهم فريضة أبدية له ولنسله في أجيالهم” (خر 30: 18 ـ 21).

واضحٌ جدًا أن هذه الأقوال تشير إلى نعمة المعمودية. أي أننا نعتمد ليس لإزالة الأوساخ الجسدية، لكن لنتخلص من أدناس الذهن والقلب، ولكي نغتسل من أوساخ خطايانا بنعمة ومحبة ذاك الذي دعانا إلى الخلاص. لأننا قد تبررنا ليس بأعمال الناموس ـ وفق الكتب المقدسة ـ لكن بالإيمان بيسوع المسيح.

ولعلك تلاحظ كيف أن هارون بالرغم من أنه كان مقدسًا وفقًا للناموس، وكذلك أيضًا الذين كانوا معينين ليخدموا معه، إلاَّ أنه يجب عليهم أن يغسلوا أيديهم وأرجلهم بالماء، وهكذا يتممون أعمالهم المقدسة، ويدخلون إلى قدس الأقداس وهم أحرارٌ من المخاوف، معلنًا الناموس بذلك إن مَن يقف أمام الله ما يزال دنسًا حتى ولو كان معتبرًا أنه مقدس وفقًا للناموس، وذلك إن لم يغتسل بالماء. والطاهر لا يحتاج إلى تطهير ولكن بالحري غير الطاهر والمملوء بالأدناس. هو الذي يحتاج للتطهير، والمسيح قال مثل هذا الأمر: ” الذي قد أغتسل ليس له حاجة إلاَّ إلى غسل رجليه بل هو طاهر كله” (يو10:13). لكن بولس الحكيم يقول: ” إنه لا يمكن أن دم ثيران وتيوس يرفع الخطايا” (عب4:10).

إذن الناموس هو غير كامل من جهة التقديس، إن لم ينل المتعطشون للاتحاد بالله نعمة المعمودية الخلاصية، لذلك فإن يوحنا العظيم (أي المعمدان) بالرغم من أنه تزين بمفاخر عظيمة وعرف جيدًا السلوك في طريق الفضيلة، حتى أنه وصل إلى قمتها ـ توسل ليعتمد من المخلص قائلاً: ” أنا محتاج أن أعتمد منك” (مت14:3).

بلاديوس: هذا حقيقي

كيرلس: الآن، الأيدي والأرجل المغسولة، تشير إلى الطهارة، كما تعلن أصالة العمل والمسيرة تجاه هذه الأمور كلٍ على حدة. وعندما نفعل هذا، يُسمح لنا بأن ندخل إلى الخيمة الداخلية ونقدم إلى الله ذبائح روحية، ونقدم ـ كنوع من البخور ـ رائحة حياتنا الإنجيلية. وهذا كله يعطى بالتأكيد إعلانًا مفيدًا عن أن الذين يريدون أن يدخلوا إلى قدس الأقداس ويقوموا بالأعمال المقدسة يجب أن يغتسلوا حتى لا يموتوا. فإنه لأمر خطير للغاية أن يتقدم المرء أمام الله دون تطهير. لذلك ينصحنا بولس الحكيم، إذا أردنا أن ننال البركة السرية[1]، علينا أن نفحص ذواتنا وهكذا ندخل. لأن اللامبالاة من جهة هذا الأمر (التطهير) يجعل الوقوف أمام الله أمرًا مملوءًا بالخطر، وهو ما يعلنه لنا قائلا: “ من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون. لأننا لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حكم علينا. ولكن إذ قد حكم علينا نؤدب من الرب لكي لا ندان مع العالم” (1كو11: 30ـ32).

بلاديوس: يمكننا إذن أن نستنتج أن المرحضة المقدسة تصوّر لنا نعمة المعمودية المقدسة.

كيرلس: بالفعل هي هكذا، ولا ينبغي أن تشك في هذا الأمر على الإطلاق. وعليك الآن أن تلاحظ طريقة صنع المرحضة، ولسوف يدهشك هذا كثيرًا. لأنه مكتوب عن بصلئيل الذي صنع كل ما تحتويه الخيمة الآتي: “ووضع المرحضة بين خيمة الاجتماع والمذبح وجعل فيها ماء للاغتسال. ليغسل منها موسى وهارون وبنوه أيديهم وأرجلهم. عند دخولهم إلى خيمة الاجتماع وعند اقترابهم إلى المذبح يغسلون كما أمر الرب موسى” (خر 40: 30ـ32).

بلاديوس: إذن ماذا عن المرايات، ومن هن النساء اللواتي صُمن[2]؟

كيرلس: هناك حوادث كثيرة يرويها لنا الكتاب المقدس بغموض، إذ يعلنها هكذا باقتضاب مثل هذا الحدث. حسنًا، أين أو مَن هن اللاتي قد صمن؟ لم يقل لنا موسى. لكن كون أن هذا الأمر قد حدث، فهذا لا يشكك فيه أحدٌ. لأن الكتاب قد ذكره بالرغم من أنه ذكره بغير وضوح. فلنترك إذن هذا الأمر ونأتي إلى أمر آخر.

بلاديوس: أي أمر تقصد؟

كيرلس: ما هو النموذج أو المثال الذي تقدمه هؤلاء النساء اللواتي صُمن؟ وماذا يعني صنع المرحاض النحاس من المرايا؟

بلاديوس: عليك أن تخبرني عن هذا الأمر، فهو من واجباتك.

كيرلس: اسمع إذن. لقد عبد الإسرائيليون الأصنام عندما كانوا تحت نير المصريين، وقد مرَّت سنين عديدة وهم يحيون بتلك النواميس وكانت توجد عادة للمصريين، وللنساء أن يأتوا إلى المقدسات وهم لابسين ملبس كتان ماسكين بوقار مرآه في اليد اليُسرى وجرس في اليد اليمنى. هكذا فالنساء من الجنس الإسرائيلي اللاتي وجدن بقايا العبادة المصرية من ضمن أوانيهُن، أحضرن هذه المرايات لكي يقدمنها، وهذه المرايات أُعيد تصنيعها واستخدمت في المرحضة. وهكذا، عندما أُقيمت الخيمة المقدسة أقام البعض منهن أمام أبواب الخيمة، وكن صائمات وعشن كل حياتهن نقيات.

هذا الأمر يشير إلى ما يحدث الآن، حيث ظهرت الخيمة الحقيقية، أي الكنيسة التي بناها الرب وليس إنسان كما كتب بولس العظيم. لقد آن الأوان لأولئك الذين كانوا مكرسين لتمجيد حشد الشياطين أن يتغيروا إلى أوانٍ مقدسةٍ مناسبة لقبول المعمودية المقدسة حتى يستطيعوا أن يتزينوا بفضائلهم التي تفوق تلك التي للناموس. لأن هذا ما تعنيه صناعة المرحضة النحاسية من المرايا اليونانية أي من جوهرة شيطانية، تلك المرحضة التي كان يوجد فيها الماء الذي غَسل به موسى نفسه، وكانت مفيدة لكهنوت الناموس للاغتسال، وواضح أنه يشير للاغتسال الذهني. ألا تتفق معي يا بلاديوس على أن الذين قد ضلّوا وعبدوا الشياطين هم أواني شيطانية؟

بلاديوس: لا أستطيع أن أقول غير ذلك.

كيرلس: إذن صامت النساء عند أبواب الخيمة المقدسة، وهن بذلك يمثلن إشارة جميلة وحكيمة، فالذين خلصوا بقوة المسيح عليهم أن لا يسرعوا بتقدمات مادية إلى الكنائس، لكن عليهم بالحري أن يهتموا بالإمساك أو الانضباط الذي هو إماتة الجسد كتقدمة روحية لله، لأنه مكتوب “ فأطلب إليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدسّة مرضيّة عند الله عبادتكم العقلية” (رو1:12)، وأيضا يقول: “مجدوا الله في أجسادكم” (1كو20:6).

إذن، فهؤلاء اللواتي صمن أثناء إقامة الخيمة المقدسة يمثلن صورة النفوس التي لا تسلك بالوصايا الموسوية، بل تلك التي تقدم بالفعل الحياة الروحية والإنجيلية، ويدوسون اللذات الأرضية بلا تردد مصوبين وجوههم نحو الجمال الإلهي الخالد، لأنهم لا يطيقون تحمل سهام محبة الجسد المكروهة والدنسة. أليست هذه طريقة الحياة بالنسبة لنا نحن الذين قد دُعينا إلى قداسة المسيح والنقاوة الروحية؟

بلاديوس: هذه هي بالتأكيد.

كيرلس: فلنكتفِ الآن بما قلناه عن الأواني المقدسة. لكن دعنا ـ إذا أردت ـ أن نفحص الخيمة نفسها، ما هو وضعها وصناعتها؟

إن الشروع في هذا العمل هو فوق إمكانياتنا، لكن ـ بحسب رأييّ ـ لا يوجد أي ضرر إذا استعرضنا كل الآراء والشواهد وبحثناها من كل جانب للاستفادة، وبقدر ما نستطيع، نحاول أن نفهم كل ما هو فوق إدراكنا.

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: لو أراد المرء أن يشرح هذه الأمور بالتفصيل، لطال الحديث عن كل أمر وتعددت جوانبه. ولكن علينا أن نعرف أن بعض الأواني تقترب في فهمها الروحي من المعاني والأقوال السرية، والبعض الآخر قد صُنعت لمجرد الزينة وخدمة الخيمة. لذلك سوف أتحدث بكلام قليل مختصر.

حسنًا. يقول الكتاب: “وأما المسكن فتصنعه من عشر شقق بوص مبروم واسمانجوني وأرجوان وقرمز بكروبيم صنعة حائك حاذق تصنعها طول الشقة الواحدة ثمان وعشرون ذراعا وعرض الشقة الواحدة أربع اذرع قياسا واحدا لجميع الشقق تكون خمس من الشقق بعضها موصول ببعض وخمس شقق بعضها موصول ببعض” (خر 26: 1 ـ 3).

إذن، عشرةٌ هي الشقق ومتصلة بعضها ببعض بشدة. لأنه في بيت الآب توجد منازل كثيرة، وهدف كل الذين يسكنون فيها هو هدف واحدٌ مقدس، وواحدةٌ هي معرفة الله. لأنه وفق المكتوب “ الله قد دعانا في السلام” (1كو15:7).

ويمكنك أن تقبل ـ إذا أردت ـ وتعتقد أن العشر شقق هي جميع الكنائس ـ المنتشرة في كل العالم – رُبطت معًا بشدة في واحد، وذلك من خلال وحدة الإيمان بالمسيح. لأنه يوجد للكل ” رب واحد وإيمان واحد ومعمودية واحدة” (أف5:4).

عرض الشُقة الواحدة هو أربعة أذرع، بينما طولها ثمان وعشرون ذراعًا. الرمزُ دقيقٌ وعجيب، لكني أعتقد أنه يُظهر أن العيش بالناموس بالنسبة للكنيسة، صعبٌ جدًا لأن الحرفَ مظلمٌ. إذ أن تربية الناموس ـ بمرور الزمن ـ وصلت إلى نهايتها في سر المسيح، أي في اليوم الثامن الذي حدثت فيه قيامة المسيح. لأن غاية الناموس والأنبياء هو المسيح الذي إليه صرخ داود العظيم ” أمَّا وصيتك فواسعة جدًا” (مز119: 96). وبولس العظيم يكتب لأولئك الذين فضَّلوا العبادة الناموسية عن الإيمان بالمسيح قائلاً: ” فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون قلبنا متسع. لستم متضيقين فينا بل متضيقين في أحشائكم. فجزاء لذلك أقول كما لأولادي كونوا أنتم أيضا متسعين. لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين لأنه أية خلطة للبر والإثم وأية شركة للنور مع الظلمة” (2كو6: 11ـ14).

هل أدركت أن المرء الذي يريد أن يرتبط باليهود الذين أظهروا عدم إيمان، ومازالوا يتحدثون عن ضرورة التزام حرف الناموس بعد الإيمان بالمسيح يجعل القلوب تتنافر؟

بلاديوس: نعم أدركت هذا.

 

[1] على الأرجح يقصد القديس كيرلس “بالبركة السرية” نوال الجسد والدم من الإفخارستيا، كما يتضح من الاقتباس الذي يستشهد به بعد ذلك من رسالة كورنثوس الأولى11.

[2] إشارة إلى خروج 38: 8 ” وصنع المرحضة من نحاس وقاعدتها من نحاس. من مراءي (مرايات) وفي السبعينية ” مرايا النساء اللواتي صمن عند أبواب خيمة الشهادة “. المتجندات اللواتي تجندن عند باب خيمة الاجتماع”. وتفسير هذا أن النساء المتجندات المذكورات في النص المترجم عن العبرية، كن يقضين عند باب خيمة الاجتماع وهن صائمات، وهذا ما يذكره النص في النسخة السبعينية التي يستعملها القديس كيرلس في هذا الشرح (انظر خر26:38س).

 

المقالة9 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version