المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

كيرلس: وحين رأي النبي أن المنارة لها فروع زيتون، ولم يكن ذلك شيئًا معتادًا، سأل عنها، ” فأجبت وقلت له ما هاتان الزيتونتان عن يمين المنارة وعن يسارها؟ وأجبت ثانيةً وقلت له ما فرعا الزيتون اللذان بجانب الأنابيب من ذهب المفرغان من أنفسهما الذهبي؟ فأجابني قائلا أما تعلم ما هاتان؟ فقلت لا يا سيدي. فقال هاتان هما ابنا الزيت الواقفان عند سيد الأرض كلها” (زك4: 11ـ14).

بلاديوس: إذن، ما الضرورة التي ألجئت النبي الطوباوي لأن يسأل مرة أخرى، عندما يقول: ” وأجبت ثانيةً لأقول له“؟

كيرلس: ألم أقل يا بلاديوس أنه برهانٌ للحكمة، إذ يجب على من يريدون أن يتصرفوا دائمًا باستقامة، أن يسألوا عن معلومات دقيقة وصحيحة لهذه الأشياء الهامة؟

بلاديوس: بالتأكيد كُنت تقول هذا؟

كيرلس: إذن، بالرغم من أن النبي رأي فروع الزيتون وهي مملوءة بالأوراق الجديدة والناعمة، فقد سأل عن الزيتون، وليس عن فروع الزيتون. ولكن الملاك صمت منتظرًا السؤال الأكثر أهمية وحقًا. ولأن الفضول قد استولى على النبي فتكلم عن فرعين من الزيتون وترجى أن يعرف إلى أي شيء يرمزان، عرف مباشرةً بإجابة الملاك: ” هاتان هما ابنا الزيت الواقفان عند سيد الأرض كلها“، إنهما يتابعان شعب إسرائيل وشعب الوثنيين الذين، يقول عنهما، واقفين أمام سيد الأرض كلها، شارحًا بوضوح وبطريقة نقية أن الفن المرسوم على المنارة والذي به فرعا الزيتون يمينًا ويسارًا، هو مثالٌ للمسيح. وإنه بوضعهما الدائري هذا ينسكب الزيت فيهما، وهذا الزيت يشير إلى الروح القدس، وهو الذي يروي عقول المؤمنين وفق المكتوب “ مسحت بالدهن رأسي” (مز23: 5).

بلاديوس: ولماذا لم يقل زيتون، بل فضَّل أن يدعوها فروع الزيتون؟

كيرلس: لأنه ـ يا عزيزي ـ كما نقتلع من الزيتونة النبتات الصغيرة والفروع الجافة، هكذا كل الذين يؤمنون، يُعاد تطعيمهم بالإيمان في التقوى، فالبعض آتون من مجمع اليهود، وآخرون آتون من الأمم. لأنه ليس كل الإسرائيليين آمنوا، ولا بالتأكيد أتى إلى الإيمان كل جمع الأمم. إذن، فروع الزيتون هي كل الذين اقتطعوا من جمع اليهود كما من شجرة، وأيضا من الوثنيين، وصاروا داخل النور الإلهي، وينالون الآن ـ بغنى ـ فيض الروح القدس الذي أُعطى لهم. هذا ما أعلن عنه ” فرعا الزيتون اللذان بجانب الأنابيب من ذهب المفرغان من أنفسهما الذهبي” (زك12:4).

لقد تذكَّر هذه الفروع ـ مرةً ـ المُرنم الطوباوى تجاه مخلص الجميع المسيح، قائلاً عن العروس التي أتحد بها، أي الكنيسة وأبنائها اللذين هم ثمار الإيمان ” امرأتك مثل كرمة مثمرة في جوانب بيتك. بنوك مثل غروس الزيتون حول مائدتك” (مز128: 3). ونحن نحيا مشتركين في الروح، آخذين الحياة من مائدة المسيح المقدسة، معلنين إيماننا بالمسيح.

بلاديوس: نعم، إنك تتحدث بالصواب. لأنه يقول:” أنا هو خبز الحياة. من يقبل إليّ فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش أبدًا” (يو35:6).

كيرلس: دعنا الآن نحصر تفكيرنا في هذه الأمور السابقة المتعلقة بالمنارة وكل ما نراه فيها.

حسنا، فلنتحدث الآن عن المذبح النحاس، الذي هو أساسى في عبادة الناموس. لأنه مكتوب:” وتصنع المذبح من خشب السنط. طوله خمس أذرع وعرضه خمس أذرع مربعًا يكون المذبح وارتفاعه ثلاث أذرع. وتصنع قرونه على زواياه الأربع منه تكون قرونه وتغشيه بنحاس. وتصنع قدوره لرفع رماده ورفوشه ومراكنه ومناشله ومجامره. جميع آنيته تصنعها من نحاس. وتصنع له شباكه صنعة الشبكة من نحاس. وتصنع على الشبكة أربع حلقات من نحاس على أربعة أطرافه” (خر27: 1ـ4). إذن سيكون طول المذبح وعرضه خمسة أذرع. وهو ما يعني أن هناك احتياج لقياس ومكان متسع. لأن فوقه تُقطَّع وتُقدم قطعًا من العجول ومحرقة من الخراف والثيران التي سوف تقدم إلى الله. لذلك وُجدت فوقه شبكة من النحاس وقدور ومجامر، وجميع هذه الآنية من النحاس، حتى يستطيعوا أن يقدموا الذبائح وفقًا للناموس، ولا يستهينوا بالنار الآكلة. فلنُضِف أيضًا التاج والقرون إلى جمال التصنيع. لأنه لا شيء يكون بدون فائدة عند الله كُلي الحكمة. والآن دعنا نستعيد حديثنا ثانية عن تلك الأوصاف، على أن يكون حديثنا بدقةٍ شديدة عن كل واحد منها.

لقد أمر أن يصير المذبح متمشيا ومناسبًا للذبائح بحسب الناموس، مع ملاحظة أنه لن يكون هناك أي شيءٌ مصنوعٌ من الذهب كما نرى في التابوت، أو في المنارة، أو في المائدة وما حولها.

بلاديوس: وما معنى هذا؟

كيرلس: ألم نقل يا بلاديوس، إن الذهب يُظهر العظمة بامتياز أمام الكل، وأقصد هنا العظمة والبهاء الذهني، أي البهاء الفائق للطبيعة الإلهية؟

بلاديوس: نعم هذا ما قُلناه.

كيرلس: انتبه إذن، إن مذبح العبادة الناموسية لم يصنع من الذهب، وهذا رمزٌ وضعه لنا الله، وهو رمزٌ واضحٌ جدًا، بمعنى أن الناموس لا يعطي الروح القدس، وإن قوة العبادة الرمزية لم تُكرَّم بهذه النعمة. لأن روح العبودية سادت على الإسرائيليين، بينما العطية (عطية الروح) مُنحت لنا بالمسيح بعد قيامته من بين الأموات. لأنه مكتوبٌ: ” نفخ وقال أقبلوا الروح القدس” (يو20: 22). لذلك، فإن بولس يتوجه إلى الذين آمنوا قائلاً: ” لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف بل أخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا أبَّا الآب” (رو15:8).

وأمَّا أن العبادة الناموسية لم تكن فيها عطية الروح القدس، لكن أُعطي هذا بالحري لأولئك الذين قد تبرروا بالإيمان، فقد أخبرنا عنها يوحنا الحكيم قائلاً: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطي بعد. لأن يسوع لم يكن قد مُجِّد بعد” (يو7: 39)، أي لأن المسيح لم يكن قد قام بعد. ولكن بعد ذلك تزيَّنت الطبيعة البشرية بالروح وبشركتها مع المسيح. لذلك أمر أن يُصنع المذبح بدون ذهب. ولكن علينا أن نسرع إلى بيان السبب الذي من أجله صار المذبح نحاسًا، وستكون هناك استفادة من ذلك لمحبي التعلم؛ لأن البحث يمكن أن يُخرج إلى النور شيئا مفيدًا كما يقول الحكيم ” في كل تعب منفعة” (أم23:14).

بلاديوس: ماذا عندك أيضًا لتقوله عن هذا الأمر؟

كيرلس: اسمع إذن. يقول الكتاب المقدس إنه بقرار سماوي رُسم هارون كاهنًا ورئيسًا. ولكن قورح وداثان والجمع الشرس الذي تبعهما، أهانوا ـ بغباءٍ ـ القرار السماوي وتمردوا ضد النواميس الإلهية. فقد أحضروا مجامر دون أن يدعوهم أحدٌ، بل اندفعوا ناحية هذا العمل سارقين الكرامة التي لم تُعط لهم. وبغباءٍ شديد ووقاحة، ثاروا على الكاهن الذي أُختير رئيسًا وأُفرز من بين كل الآخرين (عد1:16).

لا شك أن هذه الأمور تعتبر ظلالاً للغباء الذي سيظهره اليهود ضد المسيح. لأن هذا هو رئيس كهنتنا الذي رُسم في هذه الرتبة بقرار من الآب. وإذا كان أولئك (قورح وداثان) قد نالوا جزاءهما من أجل وقاحتهما، فإن اليهود أيضًا ـ الذين صاروا مذنبين ـ من بعد هؤلاء، سينالون جزائهم كمجرمين. فلقد قال الله لموسى النبي: ” قل لألعازار بن هارون الكاهن أن يرفع المجامر من الحريق واذر النار هناك فأنهن قد تقدسن. مجامر هؤلاء المخطئين ضد نفوسهم فليعملوها صفائح مطروقة غشاء للمذبح لأنهم قد قدموها أمام الرب فتقدست فتكون علامةً لبني إسرائيل” (عد 16: 37، 38).

وكتب أيضًا في سفر الخروج عن بصلئيل بن أوري الذي كان من سبط دان (خر1:31)، وهو الذي أشرف على كل الأعمال الفنية لخيمة الاجتماع وما فيها.

بلاديوس: ماذا يعني هذا؟

كيرلس: سوف يفيدنا كثيرًا أن نعرف أن التابوت صُنع كمثال للمسيح، وبالمثل أيضًا الأشياء الأخرى، أقصد المنارة والغطاء والمائدة الذهبية. فطالما أن كل واحد من أفراد الشعب قدَّم وخصص ما تمتلكه يداه، فهم مقبولون عند الله الآب، وبالمثل الذين يثمرون الأعمال الصالحة عند المسيح ويقدمون العطايا الروحية هذه التي كانت تشير إليها تقدمات الإسرائيليين.

إن مذبح العبادة الناموسية كان مذبح الغضب والتمرد ـ وأقول – بل والعصيان الذي أُعلن ضد الكاهن العظيم. لقد كانت عملية تصنيع هذا المذبح تذكيرًا وإعلانًا مسبقًا يُفهم بطريقة سرية وتدبيرية. هل صار واضحًا لك هذا الرمز؟

إن هارون هو مثال للمسيح. وقد قام اليهود ضد مجد المسيح، وهذا ما أشار إليه تمرد اليهود ضد هارون والمذبح الناموسي. ولأن عبادة الظلال توقفت، أصبحنا ـ بالإيمان بالمسيح ـ نرسل إلى الآب طيب الرائحة العقلي. وهذا أيضًا قد أشار إليه بظلال قائلاً: ” وتصنع مذبحا لإيقاد البخور من خشب السنط تصنعه. طوله ذراع وعرضه ذراع مربعا يكون وارتفاعه ذراعان منه تكون قرونه. وتغشيه بذهب نقي سطحه وحيطانه حواليه وقرونه وتصنع له إكليلاً من ذهب حواليه” (خر30: 1ـ3). وعندما أضاف إلى هذا عصوين وحلقتين لتسند المذبح، قال: ” وتجعله قدام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة. قدام الغطاء الذي على الشهادة حيث أجتمع بك. فيوقد عليه هارون بخورًا عطرًا كل صباح حين يصلح السُرُج يوقده. وحين يصعد هارون السُرُج في العشية يوقده بخورا دائما أمام الرب في أجيالكم. لا تصعدوا عليه بخورا غريبًا ولا محرقةً أو تقدمةً ولا تسكبوا عليه سكيبًا. ويصنع هارون كفارةً على قرونه مرة في السنة من دم ذبيحة الخطية التي للكفارة مرة في السنة يصنع كفارة عليه في أجيالكم قدس أقداس هو للرب” (خر30: 6ـ10).

بلاديوس: إذن فهذا هو مثال للمسيح؟

كيرلس: بالتأكيد يا بلاديوس. إنه سرٌ حقيقي بالتأكيد، وسوف يُظهر هذا السر الكريم والعميق، وبسهولة جدا، للذين يريدون أن يفحصوا هذه المسائل بالتفصيل.

لقد صار المذبح من الخشب الذي لا يعتريه الفساد وكان كله مُغَشىّ بالذهب. لأن جسد المسيح هو غير فاسد ويحوي في داخله غنى الطبيعة الإلهية، ” الكلمة صار جسدًا وحل بيننًا” (يو14:1). إذن المسيح هو بدايتنا وأصل جنسنا، جنسنا هذا الذي أعيد خلقه لعدم الفساد وبالإتحاد بالله، وعدم الفساد يمكن أن يُفهم باعتباره استثناءً من جهة الله.

وقرون المذبح هي ـ بطريقة ما ـ أيدٍ مفرودةٍ، ترمز مسبقًا لشكل الصليب المكرم. وإذا قال أحدٌ إن القرون هي أربعة، فلن يعطل ذلك محب التعلم عن أن يفكر باستقامة. لأن المذبح مربعٌ ومتساوِ الأوجه، ومنظر القرون واحد من كل الجهات. وما هو السبب في ذلك؟ إن المسيح المصلوب يُعترف به في كل مكان، وهذا هو فخرٌ مجيدٌ للذين يؤمنون به. فحسنًا يقول بولس العظيم “ وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذي به قد صُلب العالم لي وأنا للعالم” (غلا 14:6).

ولقد أضافوا التاج المشغول على هذه المشغولات ـ والذي يمثل زينةً للمذبح ـ تأكيدًا على أن عمانوئيل هو بالحقيقة ” أبرع جمالا من بني البشر” (مز3:45).

وقد أضافوا أيضًا كل الأمور الأخرى الضرورية مثل العصوين وبعض الأشياء الأخرى لأنه كان يجب أن يُنقل المذبح في حالات التنقل أينما ذهبوا. وهذا ما فعله التلاميذ ناقلين المسيح بكرازتهم بلياقة ونظام، كخدام الله ومدبري أسرار المسيح (انظر 1كو1:4). لأنه يقول: “وتجعله قدام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة. قدام الغطاء الذي على الشهادة حيث أجتمع بك” (خر6:30).

بلاديوس: لكننا نتساءل، ما هي ضرورة تعيين أماكن محددة لهذه الأشياء؟

كيرلس: لا شك أن السبب عميقٌ جدًا وغامضٌ جدًا، لكن سوف أوضِّح رأيي بقدر الإمكان، وأنا أثق في الله الذي يعطي المعرفة للعميان.

يقول، يجب أن يصنع التابوت من خشب السنط الذي لا يعتريه فساد، ومن الذهب الخالص، وداخله كان الناموس، أي الكلمة الإلهية، والشهادة. هذا كان بالتأكيد مثالاً للكلمة المولود من الله والذي سكن بيننا آخذًا شبه الجسد كما في الكتب المقدسة. كما يجب أن يكون هناك ستارٌ يمتد على أربعة قوائم، قال عنه أنه يجب أن يهتز فوق التابوت، واسم الستار “الغطاء” (الكفَّارة)، وهذا يعني المسيح، لأنه مكتوب “ الذي قدَّمه الله كفَّارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله” (رو25:3)، لأنه هكذا يدعوه بولس. وكان الكاروبان مرسومين بطريقةٍ دائرية على الغطاء، حتى ما يُظهر خدمة القوات السماوية لله (لأن الكلمة هو الله)، وبذلك أعلنوا ـ بطريقةٍ حسنةٍ جدًا ـ حضورهم القريب جدًا، وأنهم موجودون بجواره لكي يخدموه. ثم قال الله لموسى: “وأنا اجتمع بك هناك وأتكلم معك من على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بني إسرائيل” (خر22:25). لكن ـ كما قُلت ـ كان التابوت هو المسيح، الله اللوغوس في جسد غير فاسد، وكان التابوت ـ بالتأكيد ـ فوق الأرض، لكن وحيد الجنس نزل إلى حقارتنا ووضاعتنا. لأنه أخذ الشكل الذي يليق بالعبد ووضع ذاته (في2: 7). هذا أيضًا هو الغطاء الموضوع عاليًا، والقوات السماوية عون له.

ولكن الابن لم يُعرف بالنسبة لنا من طريقة تواضعه فقط، لكن أيضًا من كونه إلهًا وسيدًا للكل. لأنه بالرغم من أنه وضع ذاته بسبب شكله البشري الذي أخذه نازلا بحسب التدبير إلينا، لكن “ رفَّعَهُ اللهُ وأعطاه اسمًا فوق كل أسم” (في2: 9). ولذلك فإن وضع الغطاء عاليًا ومرسومًا عليه الكاروبيم يمينًا ويسارًا يمكن أن يكون مثالاً. لأنه حيث تُعلن الخدمة التي تليق بالله، فهناك ـ فقط بالتأكيد ـ يوجد على أية حال مجد الأُلوهية وعظمة المكانة التي تفوق الكلام. لأن رب الكل يقول: ” وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك من على الغطاء من بين الكاروبين” (خر25: 22)، آمرًا بذلك ألا يُفتَّشُ بين المخلوقات عن الطبيعة التي لا تُوصف، إذ هي أسمى من هذه المخلوقات التي خلقت من العدم. لأن الكلام عن طبيعة الله ومكانته يجب أن يكون لائقًا تمامًا بالله، فهما يشكلان مجالاً أسمى وفوق كل مخلوق. وبالتالي، المكان الذي هو فوق الكاروبيم والموصوف بطريقة محسوسة في الخيمة المقدسة، يجعل الطبيعة الإلهية واضحة لنا كل الوضوح لنا نحن البشر.

وهكذا، أمر أن يُوضع أمام مذبح الذهب، الذي صار نموذجًا للمسيح، وهو الذي يتحدث من فوق الكاروبيم، الأمر الذي يشير إلى أن المسيح سوف يقودنا أمام أعين الله الآب. ولأن الإنسان قد ابتعد واصطدم بالله بسبب المخالفة والخطية الكثيرة، أحضره المسيحُ مرةً أخرى أمام الله كما فعل هو نفسه أولا بذاته. لأنه كما قال بولس الرسول: ” لأن المسيح لم يدخل إلى أقداس مصنوعة بيد أشباه الحقيقية، بل إلى السماء عينها ليظهر الآن أمام وجه الله لأجلنا” (عب9: 24). فالذي هو دائمًا مع أبيه، قيل عنه أنه سوف يظهر أمام أبيه مقدمًا أمامه ما حصل للطبيعة البشرية من تغيير بحسب ما فعل هو لذاته أولاً، مبطلاً ذلك الابتعاد القديم، “لأنه هو سلامنا” وفقًا الكتب المقدسة (عب2: 14).

 

المقالة9 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

بلاديوس: وماذا تقول عما يعنيه الغطاء؟

كيرلس: فيما يخص الحرف والظلال، فقد صُنع الغطاء من ذهب نقي وكان موضوعًا فوق التابوت لذلك سُمي “لفافة” وعندما يلتف المكرَّمون برتبة الكهنوت حوله لينظروه، يؤمنون كيف أنهم ينظرون الله.

أمَّا غطاء التابوت ـ بالمعنى الروحي ـ فنقول عنه إنه يشير إلى ذاك الذي صار إنسانًا لأجلنا ” الذي قدَّمه الله كفَّارةً بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله” (رو3: 25) كما يقول بولس. وأيضا يكتب لنا يوحنا التلميذ الحكيم في رسالته ” يا أولادي أكتب إليكم هذا لكي لا تخطئوا. وإن أخطأ أحدُ فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا. ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضًا” (1يو1:1ـ2). حقًا بواسطة المسيح تتحقق كفارتنا، في كل توسلٍ وطلبٍ للصلاح؛ لأنه يقول: ” أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا لينظروا مجدي الذي أعطيتني لأنك أحببتني قبل إنشاء العالم” (يو17: 24). بالتالي هذا هو الكفارة والغطاء بالنسبة لنا. لأن الآبَ صار لنا رحومًا بواسطته، فيه وجدنا غاية لتوسلاتنا، وبواسطته نستطيع أن تقترب إلى الله، وبخلاف ذلك لن نصير مقبولين. لذلك يقول: ” أنا هو الطريق” (يو14: 6) و” أنا هو الباب” (يو10: 7)، و” ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي” (يو14: 6). ومع أنه صار مثلنا ونزل اللوغوس وحيد الجنس ذاته إلى مستوى الإنسان في إخلائه، لكن علينا أن ندركه بالمجد اللائق بألوهيته وبسموه الذي يتجاوز الخليقة، كما ـ بالضبط ـ قبل أن يأخذ جسدًا. لذلك، الكروبان يقفان فوق الغطاء، باسطين أجنحتهما مظللين الغطاء ماثلين أمامه كل واحد وجهه للآخر، ووضعهما على اليمين واليسار هو برهان عدم الاعتراض. والنظر المستمر للكاروبين نحو الغطاء يشير إلى الرغبة الشديدة للتطلع نحو رؤية القوات السماوية.

وبنفس الشكل يصف النبي إشعياء الابنَ قائلاً: ” رأيت السيد جالسًا على كرسي عال ومرتفع وأذياله تملأ الهيكل. السيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة. باثنين يغطي وجهه وباثنين يغطي رجليه وباثنين يطير” (إش6: 1ـ2). ويمكننا أن نؤكد أنه ليس شيئًا غريبًا على الإطلاق إذا ما تخيَّل أحدٌ أن السيرافيم يغطون وجه الله كذلك رجليه[1]؛ لأنه إذا نقلنا إلى اللغة اليونانية مفهوم كلمة “السيرافيم”، فسنجد أنها تعني كلمة”المعرفة” في صيغة الجمع، أي تدفق الحكمة. وبالتالي، فإن القوات السامية وكلية الحكمة تعلن أنه غير مسموح أن يرى أحد وجه الله؛ لأن الطبيعة التي تفوق العقل غير منظورة تمامًا، فهو بحسب كلام بولس، ” يسكن في نور لا يدنى منه” (1تي16:6). أيضًا “ لأن الإنسان لا يراني ويعيش” (خر20: 36) وفق ما قاله هو نفسه لموسى. وأيضًا سوف لا يعرف آثاره وطُرقه، لأنه مكتوب “ يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه. ما أبعد أحكامه عن الفحص وطرقه عن الاستقصاء”(رو33:11). كذلك يرنم داود الطوباوي وهو يعزف على ربابته لحنًا عذبًا: ” في البحر طريقك وسبلك في المياه الكثيرة وآثارك لم تُعرف” (مز77: 19). وكما لا يستطيع المرء أن يرى أثرًا على المياه لإنسان أو لمركب لأولئك الذين يسبحون فيها، هكذا لا يستطيع أن يفهم المرء الطرق الإلهية فائقة الوصف.

والمِثال المؤكَّد لهذه الأمور هي الأرجل. فإذا افترض أحدٌ الآن أن الساروفيم يغطون وجوههم بأجنحتهم يجب أن ندرك أنه لا يُسمح أن نرى بداية أو نهاية الحكمة، أي لمعرفة الله. لأنه غير مدرك ويفوق العقل البشري. فبدايةُ أي جسدٍ هو الرأس ونهايته الأرجل. إذن كفارتنا هو المسيح الذي وهو في الجسد عندما ظهر لم يكن أبدًا أقل من إله ورب من جهة الطبيعة، وحقًا كانت له القوات الفائقة حوله تخدمه. فقد قالت لنا الكلمة المقدسة (مت11:4)، إنه بعد أن ترك الشيطان المسيح بعد التجربة حين صام لأجلنا، ذهبت الملائكة لتخدمه. لأنه مكتوب “ أليس جميعهم أروحًا خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب14: 1).

فوق الغطاء سوف أظهر“، يقول: “وسوف أتحدث إليك”. وبهذا القول ـ على ما أعتقد ـ يعلن أمرين. فبالرغم من أن المسيحَ إنسانٌ، إلاَّ أنه سوف يعلن ما يفوق الطبيعة البشرية، ولن ينحصر فقط داخل مقاييس الإخلاء، وذلك بسبب أنه الله ومولود من الله بالطبيعة. لأنه يقول ” أنا والآب واحد” (يو10: 30)، ” ومَنْ رآني فقد رأي الآب“(يو15:9). وسوف يعلن ذلك بشكلٍ يفوق مجد الغطاء ويفوق مجد الكاروبين، أي بعظمةٍ ومجدٍ، بل وأسمى من الكائنات المخلوقة، حتى الساروفيم التي هي أكثر سموًا، وذلك بالرغم من أنه صار جسدًا، وبرغم أن الغطاء والسيرافيم هما أيضًا من ذهب. أي أن الطبيعة الممجدة والفائقة الجمال هي الله، بينما هذه المخلوقات (السيرافيم) تتشبه به بالوجود بالقرب منه. هكذا يضفي شركة مجده على هذه المخلوقات الموجودة بالقرب منه، والتي تعكس نوره إذ يشرق بهاؤه على كل ما يوجد أمامه.

بلاديوس: حديثك صحيح، والعرض ممتاز، حتى أن الحقيقة بدت واضحة.

كيرلس: بعد صناعة الغطاء، رَسَم لنا بطريقةٍ أخرى سرَ المسيح قائلا: ” وتصنع المائدة من ذهبٍ صافٍ” خر25: 23س). أمر أيضًا أن تُصنع لها حلقات وتضع عصوين من ذهبٍ، محدِّدًا بوضوحٍ، المقاييسَ وطرق العمل التقني لتكون ذات شكل جمالي رائع. وتضع ” على المائدة خبز الوجوه أمامي دائمًا” (خر30:25). وقد أمر أيضا أن تكون أوانيها من الذهب: صحافها وكؤوسها ومباخرها وكذلك الجامات للسكيب. ألم يظهر لنا ـ بوضوح ـ الخبز الذي نزل من السماء، والذي سوف يوضع على الموائد المقدسة للكنائس معطيًا الحياة للعالم؟

بلاديوس: بالتأكيد

كيرلس: الصحاف والمباخر والكؤوس والجامات وكل تلك التي بواسطتها تتم الأمور المقدسة والسرائرية للمائدة المقدسة، أليست هي مثال يا صديقي للكنوز الإلهية؟

بلاديوس: بالتأكيد

كيرلس: هكذا هي بالتأكيد في سفر الخروج. لكن بالنسبة للمائدة ولإضافة الخبز أعطى المشرع أوامره في اللاويين.

ففي اللاويين يشرح الوصية ويعلِّم بوضوح بأية طريقة سوف تصير الإضافة قائلا الآتي: “وتأخذ دقيقًا وتخبزه أثنى عشر قرصًا. عُشرَين يكون القرص الواحد. وتجعلها صفين كل صف ستة على المائدة الطاهرة أمام الرب. وتجعل على كل صف لبانًا نقيًا فيكون للخبز تذكارًا وقودًا للرب. في كل يوم سبت يرتبه أمام الرب دائمًا من عند بني إسرائيل ميثاقًا دهريًا. فيكون لهارون وبنيه فيأكلونه في مكان مقدس. لأنه قدس أقداس له من وقائد الرب فريضة دهرية” (لا24: 5 ـ 9).

وفي سفر العدد أيضًا يتحدث عن الخبز الواحد الذي أتى من السماء وتجسد. لأن اللوغوس بينما كان إلهًا بطبيعته، صار مثلنا وسكن داخلنا (يو1: 14). حسنًا قال لموسى النبي: “وكلم الرب موسى قائلا: كلِّم بني إسرائيل وقل لهم متى دخلتم الأرض التي أنا آتِ بكم إليها. فعندما تأكلون من خبز الأرض ترفعون رفيعةً للرب. أول عجينكم ترفعون قرصًا رفيعةً كرفيعة البيدر هكذا ترفعونه. من أول عجينكم تعطون للرب رفيعة في أجيالكم” (عد15: 17ـ21).

إذن، يستطيع المرء ـ بدون مشقة ـ أن يدرك من كل هذا سر الحق. وإن كنا سوف نتحدث مرةً أخرى بالتفصيل وبدقة عندما ننقل حديثنا إلى نصٍ صعبٍ آخر. هكذا في هذا النص سيستطيع المرء ـ يا بلاديوس ـ أن ينظر بإعجاب إلى ذاك.

بلاديوس: إلى مَن تشير بهذا القول؟

كيرلس: أقصد عمانوئيل، بينما بطرقٍ كثيرة أشار لنا بوضوح إليه، هكذا أعطانا صورةً واضحةً عنه في حديث آخر. لأنه يقول لموسى: “و تجعل على المائدة خبز الوجوه أمامي دائما. وتصنع منارةً من ذهب نقي، عمل الخراطة تصنع المنارة قاعدتها وساقها تكون كاساتها وعُجرها وأزهارها منها. وست شعب خارجة من جانبيها من جانبها الواحد ثلاث شعب منارة ومن جانبها الثاني ثلاث شعب منارة” (خر25: 30ـ32). ويضيف بعد هذا ويقول: ” تكون عُجرها وشُعبها منها جميعها خراطةً واحدةً من ذهب نقي وتصنع سرجها سبعةً فتصعد سرجها لتضيء إلى مقابلها. وملاقطها ومنافضها من ذهب نقي. من وزنة ذهب نقي تصنع مع جميع هذه الاواني. وانظر فاصنعها على مثالها الذي اظهر لك في الجبل” (خر25: 36ـ40).

إذن، المنارة هي من ذهب، وبذلك تعطي مثالاً للمسيح؛ لأنه إله حقيقي بطبيعته، ويجب أن نشبهه بالذهب مثلما أشرنا سابقًا إلى البهاء الإلهي وعظمته بالذهب.

أيضًا تكون المنارة مخروطة لأن عمانوئيل هو فائق الجمال ـ بطريقة أبلغ من أي تعبير ـ من جهة الجمال الذهني بالتأكيد. لأنه مكتوب عنه ” أنت أبرع جمالاً من بني البشر” (مز45: 2). إذن هذه الخراطة الواحدة للمنارة، بالمنظر المدهش، أي الذي يليق الله، أظهرت لنا عمانوئيل بشكل ممتاز. وعلى اليمين واليسار كفروع تنبت من شجرة وترتفع بعامود في المنتصف، وهذا الارتفاع ـ كما يقول ـ متساوٍ في الدرجة؛ لأنه المونوجينيس. (الابن الوحيد) الذي هو واحد بطبيعته وبسيط في جوهره كإله، ويظهر أيضًا أنه متعدد من جهة أفعاله.

لكن لا يوجد فيه شيءٌ مضاف من الخارج أو غريبٌ. فهو من جهة مكانته الإلهية ليس عاديًا، لأننا نعتبره نورًا وحياةً وقوةً وعدم فسادٍ.

ولأنه أراد أن يعلِّمنا أنه لا يوجد فيه شيء من الخارج أضاف قائلاً: ” تكون عُجُرها وشُعَبها منها جميعها خراطةً واحدةً من ذهب نقي” (خر25: 36). أي أنه كله بالكامل إله، وليس مجرد قديس مساوي للموجودات المخلوقة، ولا هو مثل الملائكة التي لها طبيعة روحانية، إذ هم مضيئون بنعمته هو وبهائه، وممسوحين كمثل الذهب النقي بعطية الروح. أما هو فله نفس طبيعة الله، الطبيعة كلية النقاء والفائقة السمو.

المنارات هي سبعة، لأن استنارتنا من المسيح تصير بطرق كثيرة، وكما يقول: ” فإنه لواحد يُعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد” (1كو 12: 8… الخ).

العدد سبعة هو أيضًا علامة للكمال. وعمانوئيل هو كلي الكمال فهو إله بطبيعته، وبمنحه المواهب ـ هو كامل ـ في أولئك الذين هم جديرون بنوالها. لأنه ” ليس بكيل يعطي الله الروح” (يو3: 34). كما يقول يوحنا: “ومن مِلئه نحن جميعًا أخذنا ونعمة فوق نعمة“(يو1: 16).

ومكتوب بعد ذلك: ” فتُصعد سرجها لتضيء إلى مقابلها” (خر25: 37). وقد أشار إلى هذا الوضع بوضوح في سفر العدد قائلاً: ” وكلَّم الرب موسى قائلاً: كلِّم هارون وقل له متى رفعت السُّرُج فإلى قدام المنارة تضيء السُّرج السبعة. ففعل هارون هكذا إلى قدام المنارة رفع سُّرجها كما أمر الرب موسى” (عد8: 1ـ3).

لاحظ إذن، أن السُّرج السبعة التي كانت قدام المنارة تلقي نورها نحو أولئك الذين ينظرون إليها. بمعنى أن النور الإلهي والعقلي لا ينير أولئك الذين أداروا وجوههم بعيدًا عن الله، لكن للذين ـ بالتقديس ـ يلتفتون نحو الله ويشاهدونه ويرونه وجهًا لوجه بيقين الإيمان وبحياتهم المستقيمة والفاضلة.

ولأن الدناءة والعصيان هما أمران مكروهان ومرفوضان، لذلك يكرم الله أولئك الذين يطيعون، ويعتني بمن يقبلون التأديب. وهو يقول لليهود ـ الذين فضَّلوا أن يتصرفوا تجاهه بغير لياقة – بفم إشعياء النبي: ” فحين تبسطون أيديكم أستر عيني عنكم وأن كثرتم الصلاة لا أسمع. أيديكم ملآنة دمًا” (إش1: 15). وبحسب نشيد المزامير “عينا الرب نحو الصديقين وأذناه إلى صراخهم” (مز34: 15).

بلاديوس: لا شك أن ما قلته حق.

كيرلس: ويشير زكريا النبي إلى هذه المنارة المقدسة أيضًا؛ لأنه يقول: ” قد نظرت وإذا بمنارة كلها ذهب وكوزها على رأسها وسبعة سُرج عليها وسبع أنابيب للسرج التي على رأسها. وعندها زيتونتان أحداهما عن يمين الكوز والأخرى عن يساره. فأجبت وقلت للملاك الذي كلمني قائلا ما هذه يا سيدي؟ فأجاب الملاك الذي كلمني وقال لي أما تعلم ما هذه فقلت لا يا سيدي” (زك4: 1ـ5). حسنا يتساءل النبي الطوباوى: ” ما هذه يا سيدي؟“. والملاك يشرح الرؤية ويشير ـ بصناعة المنارة ـ إلى المسيح قائلاً عن السبع منارات: ” إنما هي أعين الرب الجائلة في الأرض كلها” (زك4: 11).

وإن كان يجب أن أقول ـ بشكلٍ مادي ـ ما هو أكثر: فإن الألوهية ترانا بآلاف الأعين، وتُشرف على الأمور البشرية مميزةً كل ما هو موجود في الظلام وفق ذاك الذي كُتب “وعنده يسكن النور” (دا2: 22). لأنه إذ أرسل الله لنا نوره نحن البشر، فإن هذا كائن في طبيعته قبل أن يعطيه الآخرين. فإذا كان البعض يرون أن الأمر ليس هكذا، فقد حان الوقت أن نصرخ نحوهم قائلين ” افهموا أيها البلداء في الشعب، ويا جهلاء متى تعقلون؟ الغارس الأذن ألا يسمع؟ الصانع العين ألا يبصر؟” (مز94: 8ـ9). ” لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين ومميزة أفكار القلب ونياته. وليس خليقة غير ظاهرة قدامه، بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا” (عب4: 12ـ13).

إذن فالمسيح ينير كل شيء، ويرى كل شيء. لذلك قال بفم النبي: ” ألعلي إله من قريب يقول الرب ولست إلهًا من بعيد. إذا اختبأ إنسان في أماكن مستترة أفما أراه أنا يقول الرب” (إر23: 23ـ24). إذن لا شيء يستطيع أن يهرب من الكلمة الذي يعرف كل شيء. ألا تعتقد أنني أفكر بطريقةٍ صحيحة؟

بلاديوس: صحيح.

[1] علينا أن نلاحظ هنا أن القديس كيرلس لا يتكلم عن نص اشعياء6: 2 بشكل مجرد، فالنص لا يقول إن السيرافيم يغطون وجه الله أو رجليه، وإنما يغطي أحد السيرافيم وجهه هو ورجليه هو. إن القديس كيرلس في هذا المقطع يدمج بعض العناصر معًا ويستخرج منها رؤية خاصة به على درجة غاية في الجمال والذكاء. فهو أولاً يستفيد من نص سفر الخروج21: 17ـ25 والذي سبق الإشارة إليه، وبالتحديد ” ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء“. وهو ثانيًا يؤكد على ما يرمز إليه الغطاء أو الكفارة أي الابن المتجسد. وهو ثالثًا يستدعي المعنى اليوناني لكلمة سيرافيم أي المعرفة في صيغة الجمع، (أي المعرفة الكاملة)، ذلك لأن المعنى العبري لكلمة ساراف وهي الأصل الاشتقاقي لكلمة سيرافيم تعني “المشتعل أو المحترق”، ربما للدلالة على نقاوتهم كخدام لله. وهو رابعًا يرى الله كيانًا كاملاً يعبر عنه بالوجه الذي يمثل البداية والأرجل التي تمثل النهاية، فإذا ما أُدمجت هذه العناصر معًا، ومع الأخذ في الاعتبار أنه يعي اللغزية المختبئة وراء الكلمات في دلالتها على السيد المسيح له المجد، كان من السهل أن ندرك أن معرفة الله هي= =بلا حدود، وإن وجود الكاروبين على التابوت يظللان (أو يحجبان) الغطاء أو الكفارة، إنما هو رمز وظل لعدم إدراك الله أو خضوعه لحدود المعرفة الإنسانية. وبالتالي، فإذا ما وضعت كل هذه العناصر معًا، فإنه لا يعد شيئًا غريبًا على الإطلاق أن يتخيل أحد إن السيرافيم يغطون وجه الله وأيضًا رجليه.

            وبهذه المناسبة علينا أن نلاحظ أن القديس كيرلس لم يقتصر في تفسيره على الرموز التي تخص السيد له المجد في تدبير الخلاص، ولكنه توسع حتى شملت رؤيته ما كان ظلاً أو رمزًا للكنيسة والرسل والكرازة… إلخ، بل وحتى لليهود الذين عاشوا أيام السيد المسيح حسبما سيجيء.

 

المقالة9 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة التاسعة

“الخيمة المقدسة”

“كانت مثالاً لكنيسة المسيح”

 

تتألق مفاخر المحبة لله والمحبة للإخوة، وبهما يكتمل الناموس. وكل شخص يصل إلى مثل هذه الدرجة من البهاء والتألق يكون جديرًا بالإعجاب ويُعد ضمن الأُصلاء في رفعتهم، الأمر الذي كرز به المسيح قائلاً: ” نعمًا أيها العبد الصالح والأمين. كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيدك” (مت21:25). ومثل هذا سيأتي إلى أورشليم السماوية ويخلد في المساكن الفوقانية مستمتعًا بالخيرات السماوية التي تفوق العقل والنطق.

لقد قال إشعياء النبي مثل هذا الأمر:” انظر صهيون مدينة أعيادنا. عيناك تريان أورشليم مسكنًا مطمئنًا خيمة لا تنتقل لا تُقلع أوتادها إلى الأبد، وشيء من أطنابها لا ينقطع” (إش33: 20)، لأنه وفقًا للكُتب المقدسة: ” هيئة هذا العالم تزول” (1كو7: 31). فإن كان الرجاء في الأمور الأخروية مؤسَّسٌ وغير متزعزعٍ على أية حال، وكانت كل هذه (أي هيئة هذا العالم) تنحل كما يؤكد على ذلك تلميذ مخلصنا، فأي موقف علينا أن نتخذه نحن (راجع 2بط3: 11)؟

أمامنا قديسون وأبرار يكرمونه بذبائح روحية كمخلصٍ وفادٍ، عائشين حياة القداسة وفق النواميس الإنجيلية.

وقد رسم الناموس ـ بالتأكيد ـ للأقدمين الحياة الفاضلة والجديرة بالإعجاب آمرًا بتقديم ذبائح الحملان الدموية، وتقديم عشور من كل نوع من الباكورات لتُخصص لله، هذا إلى جوار الشكر. لكن لم يشِّرع لهم أن يفعلوا كل هذا خارج الخيمة. وقد خُصص سبط اللاويين لله واُختير من بين الأسباط الأخرى، واضعًا هذا الأمر كمثالٍ لنا؛ لأن الكتب المقدسة تدعونا ” جنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء” (1بط2: 9).

نحن نأتي إلى الخيمة الحقيقية التي أقامها الرب وليس إنسان (انظر عب8: 2) أي الكنيسة، لا لكي نستعطف خالق الكل بعجول وثيران، لكن بإيماننا المستقيم الذي بلا لوم، وبثمار روحية مقدِّمين ـ عقليًا ـ رائحة بخور ذكية. لأن ” بمثل هذه الذبائح يُسر الله” (عب8: 16)، ولأن ” الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يو4: 24) وفق كلام المخلص.

بلاديوس: لقد تكلمت بالصواب.. يجب أن نتطلع إلى الذبائح التي هي أسمى من ذبائح الناموس. طبعًا أوافقك، ولكن دعني استوضحك شيئًا آخر: لقد أُقيمت الخيمة القديمة في الصحراء لكي تمثل بالنسبة لنا نموذج الكنيسة التي من الأمم، ألا يُظهر ذلك ـ ولو قليلاً ـ جمال الخيمة الحقيقية؟

كيرلس: بالتأكيد. لقد قُلت هذا منذ قليل، وبالإضافةً إلى ذلك، يجب أن ندرك جيدًا أن تلك الطقوس المقدسة التي انحدرت من السبط اللاوى، يمكن أن تُعتبر أيضا نموذجًا لأولئك الذين دُعُوا إلى الحياة المقدسة والتي بلا لوم، أقصد الحياة بحسب تعاليم المسيح.

بلاديوس: إذن هل تريد أن نتحدث عن الخيمة المقدسة والكهنوت وفق الناموس ونفحص التشريعات الإلهية الخاصة بهما؟

كيرلس: الأمر بالتأكيد ليس خاليًا من الصعوبة، لأن فهم هذه الأمور وتحليلها يحتاج إلى جُهدٍ مضنٍ يا بلاديوس. لأنه مكتوب بوضوح وأنت تعرف ذلك: ” فقال له الرب من صنع للإنسان فمًا، أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرًا أو أعمى. أما هو أنا الرب. فالآن أذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به” (خر4: 11ـ12).

بلاديوس: إذن أمض وخُذ مانح الحكمة معينًا لك.

كيرلس: حسنًا سوف أمضي وأقدم لك بدقة شهادات الكتب المقدسة.

إن الله خالق الجميع نزل بشكل نارٍ على جبل سيناء، وحدّد نواميسًا تنظِّم كل عملٍ ليصير عملاً مستقيمًا وصالحًا. وبعدما حرّرهم من الضلال القديم وأبعدهم عن عبادة الأوثان في مصر، كلَّم موسى ـ الذي كان حينذاك الوسيط ـ وقال له: ” هكذا تقول لبني إسرائيل. أنتم رأيتم أنني من السماء تكلمت معكم. لا تصنعوا معي آلهة فضة ولا تصنعوا لكم آلهة ذهب” (خر20: 22ـ23). أي أنه لم يسمح لهم بأن يعبدوا آلهةً كاذبةً، بل بالعكس أمرهم بأنه ينبغي عليهم أن يبقوا بالقرب من الذي أتى من السماء، والذي بالحق يفرض سلطانه على الكل، الذي لا يظهر بهاؤه في ألوان المادة الجميلة فقط، لكن في إظهاره أن السماءَ ملكٌ له. لذا كان من الحتمي على الذين أُمروا بأن يهجروا العبادة القديمة الدنسة، أن ينتقلوا مباشرة إلى طريق أخرى للحياة، وأن يقبلوا ـ كَنِيرٍ ـ عبادة الإله الحقيقي. لأن العقل المنفلت لا يعوقه شيءٌ، وهو مهيأٌ جدًا أن يُغوَّى بأي شيء من الأمور غير العاقلة، بينما عندما يهدده الخوف والهموم يُسرع بدون تباطؤٍ نحو الطريق المستقيم ويلتفت تجاه ما هو نافع.

فنحن لا نقترب إلى الآب إلاَّ بواسطة الابن، حسب قوله: “ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي” (يو6:14). وإذا كان الإتيان إلى الآب بواسطة الابن بمثابة قانون حتمي، فقد وضع لهم شريعة الأمثلة الحاملة للثمار بواسطته قائلاً: “مذبحًا من تراب تصنع لي وتذبح عليه محرقاتك وذبائح سلامتك غنمك وبقرك في كل الأماكن التي فيها اصنع لاسمي ذكرًا آتي إليك وأباركك. وإن صنعت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه منها منحوتةً، إذا رفعت عليها أزميلك تدنسها” (خر20: 24ـ25).

وتأكيدًا لذلك، يُشير المذبح التُرابي إلى عمانوئيل؛ لأنه يقول:  ” الكلمةُ صار جسدًا” (يو1: 14). وإذا كانت طبيعة الجسد هي تراب من تراب، إذن فكلُ ثمرةٍ وكلُ اقترابٍ، يصير بالمسيح؛ لأنه هو نفسه الذي قال: ” بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو15: 5). وكما أننا نحقق اقترابنا إلى الآب بواسطته، هكذا كل ذبيحة لأولئك الذين قبلوا الإيمان، تصير مقبولةً بواسطته؛ لأنه يَعد أولئك الذين أقاموا مذبحًا من ترابٍ أنه سوف يأتي إليهم ويباركهم؛ لأنه يقول: “أتى إليكم وأبارككم”.

وإذا كنا قد قبلنا نماذج أو أمثلة الحق من موسى الحكيم، فقد ظهر لنا ـ نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور ـ لمعان الحق نفسه، أي المسيح الذي بواسطته قبلنا ـ بغنىً ـ بركة الآب من السماء وختم الروح القدس للتبني بيسوع المسيح (راجع5:1).

وعندما يقول: ” وإن صنعت لي مذبحًا من حجارة فلا تبنه منها منحوتةً“، فهو يعني أنه من غير المسموح أن يضرب الحديدُ الحجارةَ المخصصة لله. لأن الحجر المختار وحجر الزاوية والحجر الكريم – بالتأكيد ـ هو المسيح، الطاهر من الخطايا، والذي لا تجد جروح الشيطان أي طريق فيه، ولا هو منقسم بين الله والعالم، فبالرغم من أنه صار جسدًا إلا أنه كله قدوس، بدون أن يُقسّم إلى إله وإنسان من بعد الاتحاد الذي لا يُوصف، أي بعد اتحاده بالجسد، لكن هو إلهٌ واحد وفي الوقت نفسه هو إنسان, أي غير منفصل بأي طريقة كما كتب بولس الحكيم (راجع 1كو11: 4).

بلاديوس: إذن هل المذبح الترابي والحجارة غير المنقوشة يشيران إلى المسيح بالطرق التي ذكرناها؟

كيرلس: هذا هو ما أقول. ولأن الناموسَ روحيٌ وفق الكتب المقدسة، ولأنه صوَّر سر المسيح والإتيان إلى الله بواسطته بطريقة سرية، هكذا أيضًا فَكَّر الله أن يُعلِن شكل الكنيسة. فقد كان حسنًا أنْ دعا موسى ومعه يشوع إلى جبل سيناء. ولعلك تلاحظ من هذا أن الآب صار قريبًا من هؤلاء الأنبياء القديسين بواسطة الابن، فقد صعد موسى ويشوع معًا، لأنه مكتوب: ” وكلم الرب موسى قائلا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه تأخذون تقدمتي. وهذه هي التقدمة التي تأخذونها منهم ذهب وفضة ونحاس. واسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى. وجلود كباش محمرة وجلود تخس وخشب سنط. وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر. وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة. فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم” (خر25: 1–8).

أرأيت كيف وهو يستعرض كل ما هو ضروري لإقامة الكنيسة – يحثُ العالم أن يقدِّموا ـ باستعداد مفرح ـ أشياءً تتماثل مع قوتهم وإرادتهم؟ لأنه لم يطلب ذهبًا فقط، أو ما كان صعبًا أن يجده الأقدمون، لكنه طلب أيضًا شعر معزي وجلود كباش مُظهرًا هكذا أن الأشياء قليلة القيمة تُقبل من الله، فالذي يقدم شيئًا ليس بثمين لا يُرفض من الله. وربما تتساوى هذه التقدمة مع الأشياء الثمينة أو تُمدح بالأكثر، مثلما لم يترك المسيح الأرملة في أورشليم دون أن يمدحها، تلك المرأة التي قدمت شيئًا قليلاً ورخيصًا جدًا، لكنه عظيم ربما لأولئك الذين هم في فقر مدقع حيث يعانون من الحرمان الشديد.

وعندما تؤخذ التقدمات، يقول: “فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم”. أي أن المسيح يظهر في الكنيسة ويتمجد في كل أعضائها كما تقول المزامير: “ الرب هو الله وقد أنار لنا” (مز118: 27). لاحظ هذا أيضا، أنه بالرغم من أنه نزل إلى الجبل على شكل نار ورآه كل الشعب، فقد كُتب هكذا مع أنه لم يظهر بعد؛ لأنه يقول: ” فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم“. يمكننا إذن أن نرى بوضوح كيف أن تلك الرؤى إنما هي فقط ظلالٌ للرؤية الإلهية الحقيقية.

إن الظهور الحقيقي لله هو المسيح الذي في شخصه رأينا الآب نفسه. لذلك وبخ الرب اليهود كأغبياء، قائلاً: ” لم تسمعوا صوته قط ولا أبصرتم هيئته. وليست لكم كلمته ثابتة فيكم لأن الذي أرسله هو لستم أنتم تؤمنون به” (يو5: 37ـ38)، بينما هم ظنوا أنهم رأوا إله الجميع حقًا على جبل سيناء.

إذن، يقول سأظهر لكم عندما يُبنى مقدسي. هذا بالطبع كان مثالاً للكنيسة التي صارت لكي تكون مطابقة السماويات. لأنه حقًا يقول “بحسب جميع ما أنا أريك من مثال المسكن ومثال جميع آنيته هكذا تصنعون” (خر25: 9). إذن ظهر لموسى الطوباوى ـ كما قُلت ـ مثالٌ للكنائس المقدسة وبطرق كثيرة. ظهر في ظلال ذاك الذي صار إنسانًا لأجلنا. وبالتأكيد، كل النماذج تحتاج إلى حديث طويل ومملوء بالتفصيلات. لكن هناك أمثلة متعددة لها خصوصيتها وتناسبها مع صناعة الأشياء التي تمت، بينما هناك أمثلةٌ أخرى تقتصر على الالتزام بالأمور التي أُظهرت، فلنمضِ إذن في الحديث عن الأمور المفيدة في هذا ودعنا نترك الأمور الأخرى.

بلاديوس: لا أفهم مقصدك من هذا القول.

كيرلس: أنتبه إذن لما أقوله لك لأنك سوف تفهم بدون أية مشقة. لقد أمَّر أن يصنع التابوت من الخشب الغير القابل للتسوس، ويكون مغطىً من الداخل ومن الخارج بذهبٍ نقي (انظر خر25: 10ـ11)، ويحمل في داخله الشهادة، أي الناموس المكتوب على اللوحين. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ لأنه أمّر أيضًا أن تُصنع عصوين من خشب غير قابل للتسوس وتغطيان بذهب، وحلقات مذهبة حول العصوين. ولصناعة التابوت حدّد الطول والعرض والارتفاع. لكن إذا أراد أحدٌ أن يفحص بالتفصيل مفهوم وسر كل هذه الأمور، عليه أن يكتشف ماذا يعني التابوت والشهادة داخله؟ ولماذا كانت الحاجة إلى أخشابٍ غير قابلةٍ للتسوس؟ أيضًا ما الذي أراد أن يعلنه بالذهب في التابوت وكل الأشياء المستخدمة للتزيين بحسب ترتيبها، أقصد الأشكال المموجة، والحلقات الذهبية والعصوين؟ تلك الأشياء التي إذا أراد المرء أن يفحص عنها بالتفصيل، فإنه سوف يجد صعوبة شديدة، ولن يستطيع أن يصل إلى المفهوم السري للتابوت. ربما ينتهي إلى كلام لا معنى له، بعد أن يكون قد صب آلاف الكلمات ـ التي لا هدف لها ـ في آذان محبي التعلم.

على أن حديثنا لن يقتصر – حقيقةً ـ على التابوت فقط، لأني سأحاول أن يكون هذا الحديث عن الأمور الأخرى التي أمر أن يتم الالتزام بها.

بلاديوس: لا يبدو ما ذكرته لي صعبًا. لذلك، بينما وأنت تتجنب الحديث عما ذكرته من تماثلٍ وقياس، أرجو أن تُسرع لكي تصل إلى ما هو ضروري في التقييم الروحي للأمر، أي لتوضح ـ بدون تأخير ـ بأية طريقة يُظهر لنا المسيح نفسه بالأمثلة التي استُخدِمت، أو بالمصنوعات التي صُنعت.

كيرلس: سوف أحاول أن أتأمل وأُعبِّر على قدر استطاعتي. لكن أرجو المعذرة إذا ما اقتربت قليلاً جدًا من السمو اللائق للمفاهيم، وإن أخفقت في إظهار الحق. فرغم اليقظة والحكمة فإن العقل قد يخطئ إذا كان المرء يشاهد شيئًا في مرآة أو لغز.

بلاديوس: بالصواب تحدثت.

كيرلس: التابوت، يا بلاديوس، يمكن أن يكون مثالاً وأيقونةً للمسيح. لأنه في تفسيرنا لطريقة تأنس الوحيد الجنس روحيًا، سوف نرى أن اللوغوس ساكن في هيكل العذراء كما لو كان داخل التابوت. لأنه وفق الكتب المقدسة “ فإنه يحل فيه كل ملء اللاهوت جسديًا” (كو9:2). إذن، اللوغوس ـ بالتأكيد ـ هو ما يشير إليه لوحا الشهادة بالتابوت. والخشب أيضا كان من النوع الذي لا يصاب بالفساد، وكان مغطىً بذهب نقي وخالص من الداخل والخارج. لأن جسد المسيح غير فاسد محفوظٌ في عدم الفساد بقوة وبهاء اللوغوس الذي يسكن داخله بطبيعته والفعل المحيي للروح القدس. لأجل هذا بالتأكيد يُقال أن المسيح يُحيي. فلأن اللوغوس ـ باعتباره كلمة الله الآب ـ حي بحسب طبيعته، فإنه بقوة الروح يُعيد إحياء هيكله جاعلا إياه أسمى من الفساد. لأن “جسده لم يرَ فسادًا” وفقًا لكلام بطرس القديس([1]).

وقد وجَّه الرب أيضًا حديثه مرةً إلى اليهود وقال لهم عن جسده “ انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه” (يو2: 19). وبطرس يقول “مماتًا في الجسد ولكن مُحيىً في الروح” (1بط 3: 18).

إذن، الذهبُ هو رمزٌ للألوهية فائقة البهاء التي اتحدت بالجسد المقدس، وانسكبت داخله بالمجد وعدم الفساد بطريقة فائقة بقدر ما تعتبر معرفة الطبيعة الإلهية في حد ذاتها، أعلى من العقل. لأنه إذا كان الأبرار يضيئون كالشمس في ملكوت أبيهم (راجع مت13: 43)، فماذا يكون عندئذ مجد المسيح نفسه؟ وإشعاعاته أيضًا كيف لا تكون أعلى من أي عقل أو منطق؟

العصوان الذهبيتان ترفعان أيضا التابوت. كما أن الحلقات مذهبةٌ أيضًا، وكذلك كل ما هو موجود في التابوت، أي أن المحيطين به (بالمسيح) يشتركون في مجد محبته والملتصقون به هم مقدسون. مثل هؤلاء كان التلاميذ الطوباويون الذين قبلوا قوته الإلهية واكتسبوا ـ بالشركة ـ غنى بهاء العظمة السماوية، لذلك استطاعوا أن يحققوا المعجزات.

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: وبخصوص تابوت العهد، يقول: ” وتصنع غطاءً من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراعٌ ونصف. وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تصنعهما على طرفي الغطاء. فاصنع كروبًا واحدًا على الطرف من هنا، وكروبًا آخرًا على الطرف من هناك من الغطاء، تصنعون الكروبين على طرفيه. ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهيهما كل واحد إلى الآخر نحو الغطاء يكون وجها الكروبين. وتجعل الغطاء على التابوت من فوق وفي التابوت تضع الشهادة التي أعطيك” (خر21: 17ـ25).

[1] انظر أع2: 31.

 

المقالة9 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

بلاديوس: نعم، لكن كيف يشير هذا العام السابع إلى حضور مخلّصنا والذي فيه يكون الصفح للكل، وينال الجميع البر الكامل؟

كيرلس: ألا تذكر ما قلناه قبل ذلك، أن الكتاب المقدس اعتاد أن يشبه زماننا الحاضر كله بأسبوع ونهاية هذا الأسبوع هو السبت واليوم التالي له مباشرةً هو الثامن، وهو الذي يحمل لنا بداية عصر جديد بقيامة المسيح.

بلاديوس: نعم أتذكر هذا.

كيرلس: لقد جاء المسيح في نهاية هذا العصر حسب الكتب، أي أنه جاء في السبت، وهو قد منح الغفران لكل الذين كانوا مقيدين بسلاسل خطاياهم، وكانوا مديونين بسبب تعدياتهم، لهذا فالإنجيل يشبههم بالمديونين بقوله: ” كان لمُداين مديونان على الواحد خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان سامحهما جميعًا. فقل. أيهما يكون أكثر حُبًا له” (لو41:7ـ42). وأكثر من هذا أعطانا مثالاً بقوله: ” فصلوا أنتم هكذا. أبانا الذي في السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا” (مت9:6ـ12). فالناموس قد أعلن لنا السر الإلهي بطريقة غير مباشرة وخفية، إذ أمرنا أن نمنح العفو كل سبعة سنين، وهكذا وضعنا في طريق الصلاح إذ يعلّمنا أن محبتنا لإخوتنا هي أفضل من المال، ويحثنا أن نغدق بسخاء على اخوتنا، وأن نكون محسنين وهو بطريقة ما يحدد الإحسان إلى أخينا وجارنا كنموذج للمحبة العظيمة التي تتسع لجميع الناس.

بلاديوس: هذا صحيح وأنت تهتم بذِكر الأمور الحسنة.

كيرلس: وأنت سوف تدهش يا بلاديوس إذا عرفت ما هو أعظم.

بلاديوس: وما هو هذا؟

كيرلس: الناموس يريدنا أن نتقدم إلى مستوى الصلاح ومحبة الآخر لدرجة أن نعتبر أنه لا شيء يعادل المحبة لإخوتنا. وأن نشاركهم بإخلاص في آلامهم، إلى الدرجة التي فيها ننتصر على غضبنا في حالة عدم سلوكهم كما يجب من نحونا، أو في حالة إحزانهم لنا بسبب نقص محبتهم لنا. وأعطيك المثال لهذا الأمر من سفر العدد، إذ يقول: ” وأرسل موسى رسلاً من قادش إلى ملك أدوم. هكذا يقول أخوك إسرائيل قد عرفت كل المشقة التي أصابتنا. إن آباءنا انحدروا إلى مصر وأقمنا في مصر أيامًا كثيرة وأساء المصريون إلينا وإلى آباءنا فصرخنا إلى الرب فسمع صوتنا وأرسل ملاكًا وأخرجنا من مصر وها نحن في قادش مدينة في طرف تخومك. دعنا نمر في أرضك. لا نمر في حقل ولا في كرم ولا نشرب ماء بئر. في طريق الملك نمشي لا نميل يمينًا ولا يسارًا حتى نتجاوز تخومك. فقال له أدوم لا تمر بي لئلا أخرج للقائك بالسيف. فقال له بنو إسرائيل. في السكة نصعد وإذا شربنا أنا ومواشيَّ من مائك أدفع ثمنه. لا شيء. أمر برجلي فقط. فقال لا تمر. وخرج أدوم للقائه بشعب غفير وبيد شديدة. وأبي أدوم أن يسمح لإسرائيل بالمرور في تخومه فتحول إسرائيل عنه” (عد14:20ـ21), أترى أنه كيف أن المنحدرين من نسل إسرائيل وهم كثيرون جدًا، وهم يصفون المشقات التي قابلوها في مصر ومضايقة الطغاة لهم، وهم يطلبون خدمة بريئة من أناس من نفس جنسهم؟ لأن الأدوميين كانوا من نسل عيسو أخو يعقوب لكن الأدوميين بدلاً من أن يظهروا شفقة للإسرائيليين، ويسمحون لهم بما هو ضروري ونافع لهم، فإنهم أظهروا مما حدث منهم أنهم كانوا فاسدين وقساة ولا يشاركون في آلام اخوتهم، وهكذا أغلقوا الطريق عليهم رغم أن الشعب لن يضر أي شيء من كرومهم أو حقولهم بل حتى الماء الذي يأخذونه سوف يدفعون ثمنه. وهكذا رفض الأدوميون ما طلبه الإسرائيليون وأخذوا في الحال يتسلحون، واصطفوا أمامهم بكل جيشهم. وماذا فعل الإسرائيليون أمام هذه الموقف؟ لقد ظهر أنهم أرقى من أولئك الأشرار القساة إذ يقول الكتاب “فتحول إسرائيل عنه” أي غيّروا الطريق، متجنبين المشاجرة مع الاخوة محترمين بذلك ناموس القرابة بتسامح كبير. أم تظن أن الأمر ليس هكذا؟

بلاديوس: أظن أنه هكذا.

كيرلس: إذًا فإننا نعتبر أن المحبة نحو اخوتنا تجعلنا نوقف السخط وأن يضبط الواحد منا غضبه وأن يقيس العقوبة بما يناسب العصيان، بل ويجب أن تصير أحكامنا مستقيمة وطاهرة تمامًا من نحو كل واحد. هذا كله ثمرة المحبة بحق.

بلاديوس: هذا الأمر صحيح تمامًا.

كيرلس: أيضًا من السهل أن تقتنع ـ إذا أردت ـ بكل ما قاله سابقًا: ” لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك بل تحب قريبك كنفسك. أنا الرب” (لا18:19) وأيضًا ” إذا كانت خصومة بين أناس وتقدموا إلى القضاء ليقضي القضاة بينهم فليبرروا البار ويحكموا على المذنب. فإن كان المذنب مستوجب الضرب يطرحه القاضي ويجلدونه أمامه على قدر ذنبه بالعدد. أربعين يجلده لا يزد لئلا إذا زاد في جلده على هذه ضربات كثيرة يُحتقر أخوك في عينيك” (تث1:25ـ3).

بلاديوس: وكيف نستطيع أن نفهم الوصية بأن نحكم على المذنبين بأربعين جلدة فقط؟ وكيف أن أكثر من هذا العدد يسبب بالأكثر أمورًا مؤسفة؟

كيرلس: سر المسيح نجد له تصويرًا حسنًا بواسطة الوصية القديمة، ونجد فيها إشارة إلى الآلام الخلاصية التي بها تحررنا من الشيطان الذي كان يستطيع أن يفعل بنا الشر، ويُلقينا في مصائب كثيرة. وكما قلت من قبل إن العتق من الديون بعد سبعة سنين يشير إلى زمن الصفح عن كل شيء لأننا قد تبررنا بنعمة المسيح وتعلمنا أن نقول في صلواتنا إلى إلهنا وأبينا السماوي: ” واغفر لنا ذنوبنا” (مت12:6). هكذا هنا أيضًا فإن الضربات الأربعين التي يُجلد بها المذنبون تشير إلى الزمن الذي كنا ننتظره بشوق، أي زمن حضور الوحيد الجنس بالجسد الذي فيه شُفينا بآلامه. وهذا (الوحيد الجنس) ظهر بالجسد من أجل ضعف خطايانا. فعندما اندفع الإسرائيليون ضده كسكارى بعد ذلك جلده بيلاطس على ظهره، أما نحن فقد نجونا من العقاب. لأنه قديمًا كانت الضربات التي يُضرب بها الخاطئ كثيرة كما يقول الكتاب ” كثيرة هي نكبات الشرير” (مز10:32). ولكن المسيح قَبِل الجلد لأجلنا كما أنه مات من أجل الجميع. وعندما جُلد المسيح بسياط وقد كان نائبًا عن الكل فيما احتمله. أما عدد أربعين فإذا قسمته على خمسة يكون الناتج ثمانية، وهنا تجد إشارة إلى الزمن الخامس والزمن الثامن. فالوحيد الجنس ظهر في العالم في الزمن الخامس، وذلك بحسب ما يشير إليه المثل الإنجيلي الذي فيه أجر صاحب الكرم فعلة ليعملوا في كرمه خمس مرات؛ إذ خرج في الساعة الأولى، وفي الثالثة، وفي السادسة، وفي التاسعة، وفي الحادية عشر (انظر مت1:20ـ16). أما الزمن الثامن فهذا يشير إلى قيامة الرب في اليوم الثامن مُبطلاً سلطان الموت، وأيضًا أبطل الخطية التي هي سبب الفساد الذي دخل إلينا. وإذا أُبطلت الخطية فيكون من الحتمي أن تُلغى الجلدات والعقوبات المترتبة عليها. إذًا فالناموس لا يسمح أن تتعدى الجلدات أربعين واحدة، أي إلى وقت مجيء المسيح، وهو الذي أوقف الضربات وأعلن زمن الفصح (أي العبور إلى الحياة). أي أن أمثلة الحقيقة تختص بأمور جيدة. ويجب أن تعرف أنه بسبب اصطدام الإسرائيليين بإرادة الله، فإنهم ضلوا في البرية أربعين سنة، لأن الله قال إنه سوف يدعهم يدخلون أرض الميعاد. وقد حدث هذا بسبب غضب الله عليهم، لكن غضب الله زال بعد ذلك، وعبر أولادهم الأردن، ودخلوا إلى الأرض قبل أن يصل الغضب إلى نهاية الأربعين سنة. وهذه كانت إشارة واضحة عن أن الضربات لا تتجاوز الأربعين.

          فالوقت الحاضر هو وقت الصفح والذي أشار إليه الكتاب قديمًا بعبور الأردن، وبالسكاكين الحجرية التي ختن بها يشوع الشعب والتي تشير إلى الختان الروحي الذي أتمه المسيح والذي صار قائدًا لنا ورئيسًا بدلاً من موسى والناموس.

بلاديوس: الآن قد أقنعتني.

كيرلس: ولكي تتلاشى الاختلافات باستقامة ونزاهة ولكي تختفي طرق التسلط القهرى يقول الناموس: ” قضاة وعرفاء تجعل لك في جميع أبوابك التي يعطيك الرب إلهك حسب أسباطك فيقضون للشعب قضاء عادلاً… ولا تأخذ رشوة لأن الرشوة تعمى أعين الحكماء وتعوج كلام الصديقين” (تث18:16ـ19). أي أن الناموس رأي أنه يجب على الذين يُعينون للقضاء أن يكونوا أسمى من الأموال، كما أنهم لا يجب أن يُحرجوا من أي شخص، ويمنحوا العفو مخالفين للناموس على حساب الاستقامة والنزاهة أي أن يرفضوا المحاباة لأنها أمر ردئ وأن يقيسوا كل شيء بحسب الناموس وأن يتمثلوا بديان الجميع الذي أشار إليه الناموس مسبقًا بوضوح أي المسيح الإله وديان الجميع.

          وبعد ذلك يقول ما يلي: “متى أتيت إلى الأرض التي يعطيك الرب إلهك وامتلكتها وسكنت فيها فإن قلت أجعل علىّ ملكًا كجميع الأمم الذين حولي. فإنك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك. من وسط إخوتك تجعل عليك ملكًا. لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبيًا ليس هو أخاك” (تث14:17ـ15). يجب علينا ـ إذًا ـ طالما قد رفضنا أن نعبد المخلوقات بدلاً من الله خالقنا، أن نحني رؤوسنا لكلمات الحق، وكما في أرض مقدسة أي أرض الله، أن ندعو في داخلنا بالمسيح والإيمان به وهو الابن وُلد من الله، وأن نقيمه في داخلنا رئيسًا وديانًا رغم تنازله ليصير إنسانًا مثلنا. وهو الذي تنبأ عنه المزمور قائلاً: ” أما أنا فقد مسحت ملكي على صهيون جبل قدسي” (مز6:2ـ7). وسوف لا نقبل أحدًا آخر سواه، وسوف لا نُحني أعناقنا لنير الأمم، لأن رئيسنا واحد هو المسيح. فاليهود التعساء ظلوا خارجًا بسبب عدم إيمانهم به ولم يقبلوا المسيح كرئيس وديان، أو بالرغم أنه نزل من السماء بإرادة الله الآب، إلاّ أنه أقاموا إنسانًا غريبًا كرئيس عليهم. أي ضد المسيح، وهو ليس فقط من سبط آخر ومن جنس آخر بل أنه حتى ليس من دم إسرائيل رغم أن ناموسهم قد حرّم ذلك بوضوح بقوله ” لا يحل لك أن تجعل رجلاً أجنبيًا ليس هو آخاك” (تث15:17). وقد سمعوا المسيح نفسه يقول ” أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوني..” (يو43:5). إذًا المسيح ظهر في العالم لمجد الله الآب. أما “ابن الهلاك” فسوف يأتي في وقته ليس لمجد الآب فهذا ما أعتقد أنه معنى “باسم الآب” بل سوف يصنع ذلك الشقي “اسم الألوهية” خاتمًا به على رأسه كما يقول الرسول: ” سوف يجلس في هيكل الله كإله مظهرًا نفسه أنه إله” (2تس4:2). واليهود تجاهلوا المكتوب قديمًا في الناموس وقبلوا شخصًا ما أجنبيًا عن إسرائيل،وهكذا رفضوا أن يسجدوا للمسيح، ولم يقبلوه على أنه المسيا الذي من اخوتهم، إذ أن الناموس أعلن مسبقًا وبوضح أن المسيح سوف يأتي من دم إسرائيل.

بلاديوس: لذلك سوف ينالون من ثمر طريقهم الذي اتبعوه (انظر أم31:1). وسينالون العقوبة المناسبة لعدم تبصرهم الردئ.

كيرلس: هذا صحيح، لأن الله الذي يدين الكل سوف يجازي كل واحد بحسب أعماله. وهذه الأمور التي قلناها تجعل حديثنا في هذا الأمر كافيًا. والناموس يقول لهؤلاء الذين يجلسون على منصة القضاء ” لا تقبل خبرًا كاذبًا” (خر1:23). ويُكمل قائلاً: ” لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر..” (خر2:23). وهذا معناه أنه لا يجوز قبول أي كذب أو وشاية ثم يقول أيضًا ” لا تُحرّف حق فقيرك في دعواه. ابتعد عن كلام الكذب. ولا تقتل البريء والبار. لأني لا أبرر المذنب” (خر6:23ـ7). لأنه يجب أن تكون الأسباب واضحة بالنسبة للذين يعملون في القضاء، كما أنه من الضروري جدًا أن من يحكم برأي في أي تهمة ينبغي أن يتكلم باستقامة حسب إرادة المشرّع. كما يضيف أيضًا للمنفعة ” لا تحابِ مع المسكين في دعواه” (خر3:23). لأنه من السهل جدًا أن القضاة حينما يرون الجانبين الظالم والمظلوم، فإذا كان المظلوم فقيرًا، فإن القضاة يميلون عادةً إلى ظلم الإنسان الذي ظلمه. وأحيانًا يحدث أن الإنسان الفقير لا يقول الحق لكنه يريد أن يستثير الشفقة عند القضاة. لهذا يمنع الناموس القضاة من أن يظلموا، ومن أن يُشفقوا على الفقراء بدون حكمة. وبذلك فإن الناموس يحفظ الحق دون أن يتشوه إذ يعين في كل مكان قاضيًا يقضي بالعدل، إذ يقول ” العدل العدل تتبع لكي تحيا وتمتلك الأرض التي يعطيك الرب إلهك” (تث20:16). ووفقًا لكل ما سبق فمن يخالف الناموس حتى لو كانت مخالفته تبدو له أمرًا حسنًا، فإنه يوصف بأنه مخطئ وذلك بحسب المكتوب: ” قد يكون بار يبيد في بره وقد يكون شرير يطول في شره” (جا15:7). إذًا فالصلاح يحتاج إلى تمييز، لأن الشفقة في غير وقتها تجلب على الإنسان تهمة التعدي على الناموس.

          وهكذا أيضًا فإن اللذين يُضبطون بسبب ارتكابهم خطايا عادية فإن الناموس يُصلحهم بضربات الجلد. ولاحظ كيف أن هذه العقوبة تعبر عن إذلال، ولا تتعجب لأن هؤلاء جميعًا كانوا تحت العبودية. أما ناموس المسيح فلا يُقر بالضربات مثل الناموس القديم. ففي العهد الجديد توجد قوانين تتناسب مع الأحرار وهي عطايا مبهجة ومستحبة وتعطي خيرات روحية عن طريق وعود وتطويبات تناسب الأعمال الروحية الباهرة. وتوجد نصائح وإرشادات تقود إلى الفضيلة، لأن موسى أُرسل كخادم مثل أولئك الخدام القُدماء (الأنبياء)، بينما المسيح فهو ابن حقيقي وقد أُرسل وأتى من الله الآب كابن إلى أبناء وإلى اخوة بحسب نعمة التبني.

بلاديوس: هذا صحيح تمامًا.

 

المقالة8 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

كيرلس: أما بالنسبة للقاتل، فإن الناموس يعاقبه بالموت أي بنفس الفعل الذي فعله لكي يُلجم الوقاحة غير المنضبطة والغضب الشديد بعقوبة شديدة. والذين يسيرون في الشر بتطرف يعاقبهم حسب نية الجاني. فإن كان هناك تعدي على الناموس عن إرادة وقصد فلا يجوز ممارسة الرحمة في هذه الحالة، لأنه لا ينبغي أن يسمح للشفقة على الآخر أن تقوده إلى أعمال سيئة. كما لا يجوز إبداء أي رقة وحنان في أوقات غير ملائمة، فلا ينبغي أن تكون محبتنا للغير هي مجرد عواطف أو مشاعر مشابهة لعواطف امرأة سريعة التأثر. إذ يقول الناموس ” وإذا بغى إنسان على صاحبه ليقتله بغدر فمن عند مذبحي تأخذه للموت” (خر14:21). لكن إذا كان الأمر أن إنسانًا ضرب إنسانًا آخر وألحق به ضررًا فإن الناموس يفرض عقوبة تتناسب مع حجم الضرر. إذ يأمر أن تنحصر العقوبة في التعويض المالي. لأنه قال ما يلي: ” وإذا تخاصم رجلان فضرب أحدهما الآخر بحجر أو بلكمة ولم يُقتل بل سقط في الفراش فإن قام وتمشى خارجًا على عكازه يكون الضارب بريئًا. إلاّ أنه يعوض عطلته وينفق على شفائه” (خر18:21ـ19). هذا هو تعليم الناموس، أما المخلّص الذي منحنا الصلاح الكامل فهو يقول ” من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر أيضًا” (مت39:5) والناموس يُشرّع أيضًا ما يلي: ” وإذا ضرب إنسان عبده أو أمته بالعصا فمات تحت يده ينتقم منه. لكن إن بقى يومًا أو يومين لا يُنتقم منه لأنه ماله” (خر20:21ـ21).

          إذًا، فإن من يغضب إلى حد الإفراط في غضبه يُنتقم منه، وحتى إذا كنا قد صرنا سادة بحسب الإمكانيات التي لنا، فهذا لا يعني أن يسمح الله لنا أن ننزع الحياة من اللذين هم تحت أيدينا وسلطتنا. لكنه يأمرنا أن نستعمل الرحمة مع الجاني إذا كان المجني عليه لم يمت، إذ يقول ” لكن إذا بقى يومًا أو يومين لا يُنتقم منه لأنه ماله ” أي كأنه يقول بطريقة أخرى: إن ما حدث لم يكن عن عمد من السيد الذي غضب وذلك إذا حدث تحسّن بدرجة ما في صحة العبد. لأن أي شخص عاقل لا يريد أن يفقد العبد الذي يملكه، والذي كان قد اشتراه بأمواله. فإذا حدث منه قتل عن غير قصد فإن الناموس يحاكمه بعقوبة الهروب المستمر، إذ يمزج هنا العقوبة بمحبته للبشر حيث لا يجعل عقوبة الجريمة التي هي عن غير قصد في نفس مستوى الجرائم التي عن عمد. لذلك أمر الناموس أن تحدد ثلاث مدن أسماها مدن الملجأ لكي يلجأ إليها كل الذين يرتكبون أخطاء غير مقصودة. بل ويحدد أيضًا زمن الصفح لهؤلاء الذين يعيشون في هذه المدن في حالة بؤس، وهو الزمن الذي يموت فيه الكاهن العظيم، إذ يكتب في سفر العدد ما يلي: ” ولكن إن دفعه بغتة بلا عداوة أو ألقى عليه أداة ما بلا تعمد أو حجرًا ما مما يُقتل به بلا رؤية أسقطه عليه فمات وهو ليس عدوًا له ولا طالبًا أذيته تقضي الجماعة بين القاتل وبين ولي الدم حسب هذه الأحكام. وتنقذ الجماعة القاتل من يد ولي الدم وترده الجماعة إلى مدينة ملجئه التي هرب إليها فيُقيم هناك إلى موت الكاهن العظيم الذي مُسح بالدهن المقدس” (عد22:35ـ25).

          وبعد ذلك بقليل يقول: ” لأنه في مدينة ملجئه يقيم إلى موت الكاهن العظيم. وأما بعد موت الكاهن العظيم فيرجع القاتل إلى أرض مُلكه” (عد28:35).

بلاديوس: إذًا فإن نفيهم ينتهي بموت رئيس الكهنة الذي ذكرناه الآن.

كيرلس: هذا هو المثال والرمز الخارجي، إذ أن الظلال تخفي في داخلها سر المسيح.

بلاديوس: كيف؟

كيرلس: إنه ليس أمرًا غير متوقع أن كل الذين أُسروا بخطاياهم يُحسبون كأنهم قاتلون لنفوسهم، وأنهم انجرفوا إلى هذا الوضع السيئ بدون ارداتهم، وصاروا مخالفين لله كما يقول الكتاب ” لأن تصور قلب الإنسان شرير منذ حداثته” (تك21:8). فكما أن ناموس الشهوة الجسدية غير المُلجمة قد ساد على أعضاء الجسد، هكذا فإن نفس الإنسان التعيسة، تُعاقب بالهرب من العالم ومن الجسد في منفي، كما لو كان في مدينة بعيدة. وهذا يشير إلى أقسام الأرض السُفلى أي الهاوية التي تنزل إليها النفس بالموت، كما حدث قديمًا وقضت النفوس أزمنة هناك، وعندما جاء رئيس الكهنة المسيح ومات من أجل الجميع، ونزل إلى الجحيم فإنه فتح أبوابه وحرّر النفوس من القيود، قائلاً للأسرى ” أخرجوا وللذين في الظلام اظهروا” (إش9:49).

بلاديوس: حديثك هذا واضح جدًا.

كيرلس: ولم يحاول الناموس أن يحث الأقدمين على النمو والتقدم بطريقة واضحة، بل جعلهم ينتفعون من كل الطرق بقدر الإمكان لكي يكون إنسان الله كاملاً وتامًا متأهبًا لكل عمل صالح. وهكذا فإن الناموس ينظم أيضًا العلاقات الزوجية، لتكون في وقار تام ويوضح لهم ما ينبغي أن يفعلوه لكي يعيشوا بطريقة غير ملومة أمام الله والناس، فهو طبعًا يُنهي عن النجاسة والدعارة تمامًا، كذلك يُحرّم تمامًا الفسق ومضاجعة الذكور ” ولا تجعل مع امرأة صاحبك مضجعك لزرع فتتنجس بها. ولا تعط من زرعك للإجازة لمولك لئلا تُدنس اسم اهلك. أنا الرب. ولا تُضاجع ذكرًا مضاجعة امرأة. إنه رجس” (لاو20:18ـ22). هذه الأمور من السهل جدًا لأي أحد أن يميزها ويتحقق من بشاعة الرائحة النتنة الموجودة فيها، وسوف لا يحتاج إلى جهد مضني لكي يتيقن من أن هؤلاء الذين يفعلون هكذا قد وصلوا إلى درجة بشعة من الفحشاء حتى أن الطبيعة نفسها تدينهم، لذلك فإن الناموس في سفر التثنية ” أنتم أولاد للرب إلهكم. لا تخمشوا أجسامكم ولا تجعلوا قرعة بين أعينكم لأجل ميت. لأنك شعب مقدس للرب إلهك وقد اختارك الرب لكي تكون له شعبًا خاصًا فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. لا تأكل رجسًا ما. هذه هي البهائم التي تأكلونها. البقر والضأن والمعز” (تث1:24ـ4). فهذه التي انفصلت عن الرجل لأسباب منطقية وقبلت أن تتدنس مع شخص آخر (بالإقامة معه)، فهي ليست جديرة بالثقة لتكون زوجة حقيقية لأحد، فإن هذه هي حماقة واضحة كما يقول الكتاب ” الذي يعيش مع زانية هو قليل الفهم” (أم22:18س).

          فالناموس يُحرّم العيش مع امرأة زانية، كما أنه لا يسمح بالإساءة إلى سمعة الزواج الشرعي الموقر، فلا ينبغي إضفاء أي تبرير على علاقة خاطئة وكأنها علاقة شرعية لأن الكتاب يقول: ” ويل للقائلين للشر خيرًا وللخير شرًا الجاعلين الظلام نورًا والنور ظلامًا الجاعلين المر حلو والحلو مرًا” (إش20:5).

          إذًا فلا يُسمح للتي طُردت من البيت أن تصير مقبولة مرة أخرى، كما لا يجوز أن تُحسب عقوبة على من لم يُدانوا بأي ذنب. وأيضًا يقول الناموس ” إذا اتخذ رجل امرأة وحين دخل عليها أبغضها ونسب إليها أسباب كلام وأشاع عنها اسمًا رديًا وقال هذه المرأة اتخذتها ولما دنوت منها لم أجد لها عذرة. يأخذ الفتاة أبوها وأمها ويخرجان علامة عُذريتها إلى شيوخ المدينة إلى الباب ويقول أبو الفتاة للشيوخ أعطيت هذا الرجل ابنتى زوجة فأبغضها. وها هو قد جعل أسباب كلام قائلاً لم أجد لبنتك عُذرة وهذه علامة عُذرة ابنتى ويبسطان الثوب أمام شيوخ المدينة. فيأخذ شيوخ تلك المدينة الرجل ويؤدبونه ويغرمونه بمئة من الفضة ويعطوها لأبي الفتاة لأنه أشاع اسمًا رديًا عن عذراء من إسرائيل. فتكون له زوجة. لا يقدر أن يُطلقها كل أيامه” (تث13:22ـ19).

          وهكذا ترى أن مَن ظلم زوجته التي لم تخطئ فإن المجمع لا يتركه بدون عقاب.

          يجب أن نكون غيورين لأجل الصلاح، ولا نتردد في منع الإساءة إلى الأمور الموقرة كأنها غير موقرة، بل بالحري يجب أن نهتم بكل ما هو صالح، وأن نسلك بما يليق بالاسم الحسن، لأن مَن يكون حريصًا ويقظًا يصل في النهاية إلى الهدف الذي وضعه بطريقة حسنة. وهذا ما يشير إليه الناموس عندما يصرخ: ” إذا بنيت بيتًا جديدًا فاعمل حائطًا لسطحك لئلا تجلب دمًا على بيتك إذا سقط عنه ساقط” (تث8:22). أي كما أن البيت الذي ليس له سور ولم تُضف له زوايا ثلاثة على السطح هو أمر يُسبب ضررًا، هكذا أيضًا فإن كل عمل صالح نعمله إذا لم تكمله فإنه يكون غير مقبول. والأمر لا يتوقف عند هذا الحد فقط. لأن الذين يتكاسلون سوف يتعرضون لذلك الخطر. فهذا ما أعتقد أنه معنى سقوط شخص من البيت. إذ يقول: “ملعون من يعمل عمل الرب برخاوة” (إر10:48). إذًا فإن الناموس يرشدنا إلى ما هو نافع لنا بآلاف الطرق. لكن رغم هذه الآلاف الكثيرة من الطرق فهي كلها تُعتبر بدائية جدًا بالمقارنة بسر المسيح. نحن نعلم طبعًا أن الناموس روحي، فكل ما يتصل بالظلال والأمثلة ليس مناسبًا أن يؤخذ كغذاء كما هو إجباريًا، لكنه سيصير غذاء حقًا إذا تحول إلى التعليم الإنجيلي وإدراك سر المسيح. وهذا ستفهمه حسنًا جدًا من موسى الحكيم، إذ يكتب في سفر اللاويين ما يلي “ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غرلتها ثلاث سنين تكون لكم غلفاء. لا يؤكل منها. وفي السنة الرابعة يكون كل ثمرها قُدسًا لتمجيد الرب. وفي السنة الخامسة تأكلون ثمرها. لتزيد لكم غلتها. أنا الرب إلهكم” (لا23:19ـ25).

          أي يبدو لي أن الناموس يشير بواسطة الأشجار الكثيرة لكل أنواع التشريع أي يعطي ناموسًا لكل مسألة. أي في كل شجرة أو كل مسألة من مسائل الناموس سوف تقطع الجزء الخشبي للحرف لكي تصل إلى قلب النبات أي تصل إلى الثمر الداخلي للناموس. وهذا الثمر الداخلي سيكون غذاءً لك. وعندما يقول ” ثلاث سنين تكون لكم غلفاء لا يؤكل منها” فإنه بالثلاث سنين يشير إلى الأزمنة الثلاث الأولى التي كان فيها الناموس غير واضح. وكان محملاً بأثقال التاريخ ومحاطًا بالظلال بطريقة ما. والأزمنة الثلاثة التي أقصدها هي: زمن موسى، زمن يشوع بن نون، زمن القضاة، أما الزمن الرابع الذي بعد هذه الأزمنة فقد ظهر فيه خورس الأنبياء القديسين. وعندئذٍ بدأ يظهر ثمر مقدس من الناموس جدير بالتمجيد. فقد بدأت منذ هؤلاء الأنبياء القديسين أن تختفي أوامر الناموس وما يقال إنها ظلال وبدأوا يكرزون بوضوح عن الحقيقة التي كانت مختفية، إذ أنبأوا عن سر حضور المسيح، والسابق له مباشرةً الذي كرز قائلاً: “ توبوا لأنه اقترب ملكوت الله” (مت2:3). إذًا فالزمن الرابع كان هو بداية الارتقاء بالناموس بواسطة الأنبياء وكان ثمر هذا الزمن مقدسًا. أما ما هو مناسب للأكل فقد ظهر في الزمن الخامس الذي فيه تحقق حضور المسيح الذي شُهد له من الناموس والأنبياء. لهذا يقول: “ولتزيد لكم مملكتها” (لا25:19) أي بواسطة العظات الإنجيلية والدراسة في الناموس لأنه إذ يُفسر بطريقة روحية فإنه ينفع المحبين للمعرفة كما قال المخلص ” كل كاتب متعلم في ملكوت السموات يشبه رجلاً رب بيت يُخرج من كنزه جددًا وعتقاء” (مت52:13). فالأمور المتعلقة بالناموس توصف بالقديمة، أما الأناجيل فتوصف بالجديدة وهي التي تقدم لنا معرفة المسيح بسخاء.

 

المقالة8 ج5 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

بلاديوس: إذًا نقول إن ثمر المحبة هو أنه يجب علينا أن نطلب ما ينفع الآخرين وليس ما ينفعنا نحن فقط.

كيرلس: نعم يا عزيزي بلاديوس فإنه يليق أن نتمم واجب المحبة تجاه اخوتنا لأن هذا الأمر يسر الله. وهذا هو ما يأمر به الناموس أيضًا حتى لا يدع المحبة تتعوق بسبب ما ذُكِر أعلاه وبالأكثر بسبب سوء استخدامها من جانبنا. فالإنسان حتى إذا كان لديه فضيلة عظيمة ولكنه لا يمارسها باعتدال بل يندفع في ممارستها بغير انضباط فهذا يسبب اضطرابًا وحياة متزعزعة.

بلاديوس: ماذا تعني بهذا القول؟ إني لا أفهم جيدًا.

كيرلس: هل توافق على أن الوداعة والتسامح كل منهما فضيلة.

بلاديوس: طبعًا أوافق.

كيرلس: حسنًا، فإذا حدث أن أحدهم وجه كمية كبيرة من الإساءات والشتائم لشخص وديع ومتسامح، وأيضًا وجه له استفزازات تقود إلى الغضب، فإن كانت هذه الإساءات تقف عند مستوى معتدل، فإن هذا الشخص الوديع سيُظهر الشخص اللائق، وسوف يقبل هذه الأمور بشجاعة ويكون الأمر بالنسبة له تدريب على الوداعة وعدم الغضب، لكن إذا تمادى الشخص المسيء إلى أكثر من الحد المعتدل بما يفوق حدود التسامح، فإن هذا يكون أمرًا غير طبيعي. ففي هذه الحالة سوف يُضغط على الفضيلة إلى الحد الذي يجعلها وتضعف وتذبل.

بلاديوس: تتكلم بالصواب. فإن الصلاح يخمد أحيانًا داخل البشر بمجرد أن يبدأ.

كيرلس: ولنبدأ الآن إذا أردت الحديث عن المحبة ذاتها. لأن هذه الفضيلة لها أهمية كبيرة وهي أسمى من كل الفضائل، ولكنها لا تحتمل أن يُساء استخدامها. وهذا ما يقوله الناموس أيضًا في مثال واضح: ” إذا دخلت زرع صاحبك فاقطف سنابل بيدك ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك” (تث25:23ـ26). فلا يوجد ضرر أن تجمع قليلاً من سنابل القمح بيدك، أن تقطع عنقود عنب اشتهيته لتأكله. هذه الأمور يقبلها ناموس المحبة بنية طيبة، إذ أن الأمر لا يتجاوز الحد المعتدل. لكن إذا استخدم أحد المنجل لكي يحصد في حقل قريبه وأنه بذلك يتجاوز الحد ويتعدى حدود المحبة للغير ويندفع أو يدخل في منطقة الطمع. وهذا بلا شك نموذج واضح جدًا في أنه لا يجب أن يكون هناك إساءة لمعنى محبة الآخرين لك، بل ينبغي أن تحترم محبة الآخرين بدرجة كافية. وهذا النص الكتابي يمكن أن نطبقه روحيًا على كثيرين. فيمكن أن يُطبق على أولئك الذين يستمدون التعليم ـ كغذاء عقلي ـ من الذين يعملون داخل الكنيسة ولكنهم لا يكتفون بهذا فقط، بل يتقدمون بما يتجاوز الحد المعقول، وكأنهم يجمعون التعاليم في وعاء ويخزنوها داخل كُتب مدعين أنهم يفعلون ذلك بسبب محبتهم الكبيرة لمعرفة الأمور النافعة، لكنهم بهذا يجورون على حقوق الاخوة. والأمور التي خزنوها في الكتب يقولون عنها أنهم هم أنفسهم قد أعدَّوها من قبل. لذا فإني أقول لهؤلاء، إن الناموس يأمر صراحة أن لا تخزن شيئًا في إناء.

بلاديوس: معنى ذلك فإنه من الخطأ أن نسمح للمبالغة في الفضيلة إلى الحد الذي يجعلنا نسيء استخدام محبة الآخرين.

كيرلس: هذا صحيح لأن إله الكل حدّد بوضوح أن لا نتآمر على الفضيلة بل بالأحرى أن نشارك في الصالحات والأمور الفاضلة. فالناموس يستخدم أمورًا صغيرة وإن كانت غير واضحة لكي يشير بها إلى الأمور الفاضلة. إذ نجده في سفر التثنية ” إذا اتفق قدامك عش طائر في الطريق في شجرة ما أو على الأرض فيه فراخ أو بيض والأم حاضنة الفراخ أو البيض فلا تأخذ الأم مع الأولاد. أطلق الأم وخذ لنفسك الأولاد لكي يكون لك خير وتطيل الأيام” (تث6:22ـ7).

بلاديوس: ما الذي يريد أن يقوله بهذا الكلام، فإنه غير واضح لي.

كيرلس: معنى الكلام أنه إذا أمسك شخص ما طائرًا لديه صغار أو لديه بيض يحتضنه فإذا أخذ البيض يستفيد منه وترك الطائر نفسه فإنه بذلك لا يفعل شرًا.

بلاديوس: نعم قد فهمت الآن.

كيرلس: وانتبه أيضًا للمعنى المخفي وتأمل في الحقيقة ذهنيًا لتعرف معنى هذا الكلام الرمزى. فكل فضيلة هي كالأم تعتبر مصدرًا للخيرات التي تصدر عنها فمثلاً محبة الفقراء، الوداعة، الصبر، طيبة القلب. فالشخص المحب للفقراء يجعل الآخرين يشتركون في الانتفاع من فضيلة محبة الفقراء، فهؤلاء الفقراء هم الذين يحتاجون إلى هذه المحبة. ونفس الشيء يمكن أن يقال بخصوص الوداعة والصبر. إذًا فكل فضيلة يجب أن تعتبر بطريقة ما هي الأم، وهي بداية لخيرات أخرى، إذ أنها تتضمن كل ما ينتج عنها من ثمار. والمخزن الذي يحوي هذه الفضائل هو النفس التي تتمخض بها وتختزنها في داخلها إذًا فبحسب كلام الناموس، يجب على الذين يقابلون أُناسًا توجد فيهم هذه الثمار الطيبة أي الفضائل في مخازن نفوسهم أن يعتبروا كل ما يأخذونه منهم ربحًا لهم. ولكن ينبغي عليهم أن لا يسببوا ضررًا للفضيلة التي هي أم الخيرات.

          ويحدث ضرر للفضيلة عندما يُزعزعها أي شخص بالطرق التي أشرنا إليها سابقًا.

بلاديوس: معنى الكلام عميق جدًا.

كيرلس: إن ملاحظتك صحيحة فعلاً لكن لنلتفت إلى ما يقوله الرسول بولس: ألعل الله تهمه الثيران إنه من أجلنا مكتوب (1كو9:9ـ10). فالوصية المعطاة بواسطة موسى تعرض أمثلة للأمور ولا تشرح الأمور نفسها بوضوح، ويمكنك أن ترى كيف أن الناموس يرفعنا قليلاً قليلاً في طُرق أفضل لمحبة الآخرين، إذ أنه يحاول أن يقنعنا أن نحب أولئك الذين أهانونا وأن ننتصر على غضبنا تجاه الأعداء وألا ندع الشر يهزمنا، بل بالحري نغلب الشر بالخير، لأنه يقول أيضًا في سفر الخروج ” إذا صادفت ثور عدوك أو حماره شاردًا ترده إليه. إذا رأيت حمار مبغضك واقعًا تحت حمله وعدلت عن حله فلابد أن تحل معه. لا تُحرّف حق فقيرك في دعواه” (خر4:23ـ6). وفي سفر التثنية أيضًا ” لا تنظر ثور أخيك أو شاته شاردًا وتتغاضى عنه بل ترده إلى أخيك لا محالة. وإن لم يكن أخوك قريبًا منك أو لم تعرفه فضمه إلى داخل بيتك ويكون عندك حتى يطلبه أخوك حينئذٍ ترده إليه. وهكذا تفعل بحماره وهكذا تفعل بثيابه. وهكذا تفعل بكل مفقود لأخيك يُفقد منه وتجده. لا يحل لك أن تتغاضى. لا تنظر حمار أخيك أو ثوره واقعًا في الطريق وتتغافل عنه بل تقيمه معه لا محالة” (تث1:22ـ4). أترى كيف يهذبنا الناموس ويدربنا على الصلاح الفائق والكامل إذ يأمر بطريقة ما أن ننسى الإساءة وذلك بالاهتمام بحيوانات الشخص الذي أحزننا، وهو يشير باستمرار إلى ما يخص الأخ وبذلك يمنعنا من الغضب والجُبن إذ يعتبر هذه الأمور الطبيعية كعلامة للمحبة. لأنه يقول إذا وجدت حيوانًا شاردًا أو ثوبًا مفقودًا، أن تحفظها لأخيك وإذا تثقل حيوان من الحيوانات التي تنقل الأحمال وانزلق وكاد يتحطم بسقوطه على الأرض، فينبغي أن تساعد صاحبه في إقامته. وهذا لا يعني شيئًا آخر إلاّ أن تمارس عمل الرحمة وأن تتدرب على محبة الآخر. وأن تُقصى وأن تتجنب النزاعات حتى لا تصطدم بناموس محبة الاخوة. وهذا طبعًا يشير إلى أمر آخر. فإذا كان المشرع قد أظهر اهتمامًا كبيرًا مثل هذا، حتى أنه في حالة معاناة أحد الحيوانات غير الناطقة من شيء ما علينا أن نمد يد المساعدة، فكم بالأحرى ستكون مسرته باهتمامنا بالبشر ومحبة الآخرين التي هي واجب علينا نحو الذين هم من جنسنا. وهكذا أيضًا فحتى عدونا إذا حدث أن ضلّ الطريق فينبغي أن نُرشده إلى الطريق المستقيم. فبينما كان المسيح يقول لليهود ” النور معكم لئلا يدرككم الظلام” (يو35:12) بينما كانوا هم يبغضونه. وإذا عانى شخص ما من آلام وتجارب وصار كمن هو ملقى على الأرض تحت ضغط احتياجات لا يستطيع أن يفلت منها، فعلينا نحن أن نساعده لكي ينتصر على الغضب والحزن اللذين يعاني منهما. أم ليس هذا هو مفهوم وصية المسيح التي تقول: ” احسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم” (مت44:5).

بلاديوس: ما قلته جميل جدًا.

كيرلس: وهكذا يليق بالقديسين أن يشاركوا المتألمين في آلامهم ولا يتسببوا في إحزانهم بأمور تكون عبئًا ثقيلاً عليهم لأنه في هذه الحالة فإن المتألمين يغضبون وربما ينقضون على الذين ظلموهم. وإذا حدث أن شخصًا ما أراد أن يهيمن على غيره سرًا يُحدد الناموس بطريقة مناسبة جدًا أنه يجب على الإنسان أن يبتعد عن مثل هذه الأخطاء، لأنه يقول: ” لا تشتم الأصم وقدام الأعمى لا تجعل معثرة. بل اخش إلهك. أنا الرب” (لا14:19).

          وواضح جدًا أن الأفضل واللائق جدًا بالناس الكاملين أن يضعوا لجامًا على لسانهم وأن يتجنبوا ذمَّ أي إنسان إذ يقول تلميذ المخلّص “ لا يذَّم بعضكم بعضًا أيها الاخوة” (يع11:4). وها هو الناموس يقول لنا لا تشتم الأصم وأظن أنه يريد أن يشير بهذا أنه يجب على أهل الفضيلة تجنب الإساءة خاصةً لو كان الذين سيُساء إليهم ضُعفاء ويعجزون عن مقاومة الإساءة. فالأصم والأعمى هما مقيدان بالمرض من ناحية الجسد وعاجزين من ناحية الحواس، أي أن الأصم لا يسمع من يشتمه كما أن الأعمى لا يرى ذاك الذي يصنع له فخًا. ولذلك فهو أمر سهل إن أراد شخص ما أن يسئ إليهما. لكن الذين كان يجب أن يُشفقوا عليهم بسبب الإعاقة التي ابتلوا بها، فبدلاً من ذلك يعتدون عليهم ويظلمونهم إذ ينهكون الأعمى بوضع عوائق أمامه دون أن يدري وأحيانًا يقنعون الأصم أن يبتسم عندما يهينوه وكأن الإهانات الموجهة إليه كلمات ثناء عليه ويمكن أن يفعل أحد هذا الفعل الشرير مع الأصم والأعمى دون أن يعرفا بذلك ولكن هذا الشخص يستحق أن يتهمه الآخرون بالقساوة الشديدة والكراهية العظيمة للغير وخاصةً للضعفاء.

بلاديوس: هذا حق.

كيرلس: الناموس القديم يجعلنا محبين وشفوقين ونعرف هذا بسهولة عندما نسمعه يقول ” إن كان فيك فقير أحد من اخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير بل افتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه” (تث7:15ـ8) ومرة أخرى ” ولا تضطهد الغريب ولا تضايقه. لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر. لا تُسئ إلى أرملة ما ولا يتيم. إن أسأت إليه فإني إن صرخ إليّ أسمع صراخه. فيحمي غضبي وأقتلكم بالسيف. فتصير نساؤكم أرامل وأولادكم يتامى. إن أقرضت فضة لشعبي الفقير الذي عندك فلا تكن له كالمرابي. لا تضعوا عليه ربا. إن ارتهنت ثوب صاحبك فإلى غروب الشمس ترده له. لأنه وحده غطاؤه. هو ثوبه لجلده في ماذا ينام. فيكون إذا صرخ إليّ أني أسمع. لأني رؤوف” (خر21:22ـ27). هل سمعت كيف يقدم تعليمًا حسنًا عن محبة الآخرين؟ وكيف يهدد بغضبه أولئك الذين أنعم عليهم بإحسانه إذا لم يظهروا الرحمة نحو الاخوة، إذ يقول ” إنني رؤوف” أي أنا صالح بطبيعتي وإله رؤوف. لهذا سوف أقبل صراخ الشخص الذي وقع عليه الظلم، وسأرحم دموع الذين قهرهم الفقر الشديد، لذلك لا يجب أن تتسبب تصرفاتنا مع الفقير في أن يصرخ ضدنا إلى الله. ولكي يؤكد أننا يجب أن نكون شفوقين وأن نُظهر اهتمامًا شديدًا بمحبة الفقراء نصحنا أيضًا في سفر التثنية قائلاً: ” لا تظلم أجيرًا مسكينًا وفقيرًا من اخوتك أو من الغرباء الذين في أرضك في أبوابك. في يومه تعطيه أجرته ولا تغرب عليها الشمس لأنه فقير وإليها حامل نفسه لئلا يصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطية” (تث14:24ـ15).

          وهكذا ترى أنه يحثنا على أن نرتعب من صراخ الفقير ضدنا، بل هو يحثنا على محبة الآخرين، وبالأحرى فإن العهد الجديد الذي صار بالمسيح يظهر لنا الصلاح الكامل إذ يقول ” بيعوا ما لكم واعطوا صدقة” (انظر لو33:12). وهذا ما فعله بعض المؤمنين في العهد الجديد إذ يقول في سفر الأعمال: ” إذ لم يكن فيهم أحد محتاجًا لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها عند أرجل الرسل فكان يوزع على كل أحد كما يكون له احتياج” (أع34:4ـ35). والناموس يضع الأسس ويقود إلى بدايات وصايا الله وهو يُعلّمنا أن نترك القليل والبواقي لننال بركة الرب الوافرة إذ يقول: ” إذا حصدت حصيدك في حقلك ونسيت حزمة في الحقل فلا ترجع لتأخذها. للغريب واليتيم والأرملة تكون لكي يباركك الرب إلهك في كل عمل يديك. وإذا خبطت زيتونك فلا تراجع الأغصان وراءك. للغريب واليتيم والأرملة يكون. إذا قطفت كرمك فلا تعلله وراءك. للغريب واليتيم والأرملة يكون” (تث19:24ـ22). أي أنه جيد أن تتذكر آلامك القديمة في أوقات الفرح لأن هذا يساعدك على محبة الفقير، فلا ينبغي عندما نكون في حالة الرخاء أن ننسى أحوال اللذين يعيشون في الفقر.

بلاديوس: هذا صحيح.

كيرلس: لاحظ حكمة الناموس في كيف يدعونا أن نخلع عاداتنا السيئة ونتحرر من العداوة ويقودنا في نفس الوقت إلى الأمور الأفضل ويدخلنا إلى طريق محبة الآخر. فهو ينصحنا أن نقرض اخوتنا المحتاجين وينهينا عن أخذ أرباح منهم ويأمرنا بمقاومة الطمع. وأنه لا يجب أن نثقل على الذين أقرضناهم ولا أن نضغط عليهم، بل بالحري يأمرنا أن نلغي ديوننا عليهم إذ يقول: ” لا تقرض أخاك بربًا ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يُقرض بربا. للأجنبي تُقرض بربا ولكن لأخيك لا تُقرض بربا لكي يباركك الرب إلهك في كل ما تمتد إليه يدك في الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها” (تث19:23ـ21). وكل الذي يقصده المشرع هو تعضيد الاخوة الغرباء الذين هم من جنسنا وذلك بعمل الخير والعطاء بسخاء لأن المسيح يقول: ” وكل مَن سألك فأعطه ومَن أخذ الذي لك فلا تطالبه ” (لو30:6). ولكن بسبب أن ذهن الناس القدماء لم يكن قادرًا في البداية على التصرف الصحيح، أي على تتميم الصلاح كاملاً فالناموس يتقدم قليلاً قليلاً لكي يُربي الإنسان على الصلاح وعلى عمل الرحمة مع الاخوة والجيران وخدمة الغرباء بكرم، وتقديم المحبة للجميع وذلك في انتظار الكمال الأكثر عند حضور المسيح لأن الظلال تشير فقط إلى الكمال ولكن ليست هي الكمال.

بلاديوس: ما قلته حسن جدًا.

كيرلس: وإذ أمر الناموس بإقراض المحتاجين فإنه حرّم الطمع ووعد كل من يطيعون بنوال بركته، وهو يأمر أيضًا بترك الديون بعد مرور سبع سنوات عليهما مشيرًا بذلك إلى وقت ترك كل شيء، أي وقت حضور المسيح الذي فيه تبررنا كلنا بالإيمان، وحصلنا على الصفح عن ديوننا القديمة. وقد وهبنا هذا إذ سمّر على صليبه، الصك الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط، أي الديون التي كان علينا أن نعطي عنها جوابًا أمام الديان العادل. ويقول في سفر التثنية ما يلي: ” في آخر سبع سنين تعمل إبراء. وهذا هو حكم الإبراء. يبرئ كل صاحب دين يده مما أقرض صاحبه. لا يُطالب صاحبه ولا أخاه لأنه قد نودى بإبراء للرب. الأجنبي تُطالب وأما ما كان لك عند أخيك فتبرئه يدك منه” (تث1:15ـ4). وبعد قليل يضيف أيضًا: ” إن كان فيك فقير أحد من إخوتك في أحد أبوابك في أرضك التي يعطيك الرب إلهك فلا تقس قلبك ولا تقبض يدك عن أخيك الفقير بل افتح يدك له وأقرضه مقدار ما يحتاج إليه. احترز من أن يكون مع قلبك كلام لئيم قائلاً قد قربت السنة السابعة سنة الإبراء وتسوء عينك بأخيك الفقير ولا تعطيه فيصرخ عليك إلى الرب فتكون عليك خطية” (تث7:15ـ10). أي أنه يقول إنك لا تكن حزينًا وأنت تعطيه لأن الرسول بولس يقول لنا ” المعطي بسرور يُحبه الرب” (2كو7:9).

 

المقالة8 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

كيرلس: إذًا حرم خداع الهراطقة كأمر مكروه وككفر لدى الله، وحرم أيضًا الانحراف إلى دناءة الذين يخدعون الذين اختاروا الطريق المستقيم ليقودوهم إلى الأمور التي لا تليق، وهذا ما أشار إليه بولس عندما يقول: ” أن لا يتماحكوا بالكلام الأمر الغير النافع بشيء إلا لهدم السامعين” (2تي2: 14). فحقيقة أن الأقوال الزائدة عن الحاجة والنزاعات المبالغ فيها تثير مشاحنات وتجعل عقل السامعين في ضجر كثير، وتؤذي عقولهم. وبعض هؤلاء السامعين، من يقبلون على ما هو غير مستقيم بطيش أحيانًا وعدم معرفة ويسرعون في مدحه. أيضًا أتباع مجموعة أخرى، إذ يطرحون جانبًا الامتيازات، ويختارون ما هو سيئ، يتأثرون ويسقطون في الجهالة مع الآخرين. وأما أولئك الذين يستطيعون أن يميزوا المفيد عن الضار فهم بالطبع قليلون جدًا، وهم الذين قد بدأوا في حفظ عقلهم غير متورط في مماحكات الكلام مع الآخرين. وهذا لا يخلو من ضرر لكل من يريدون أن يفعلوه، وهذا يشير إليه الناموس أيضًا، إذ يقول: ” إذا تخاصم رجال وصدموا امرأة حُبلى فسقط ولدها ولم تحصل أذية يُغرم كما يضع عليه زوج المرأة ويدفع عن يد القضاة، وإن حصلت أذية تعطى نفسًا بنفس” (خر21: 22ـ23). يقولون إن الجنين داخل الرحم بمجرد أن يستكمل أربعين يومًا يتميز عندئذ بالشكل الإنسانى، ويأخذ صورة جسدنا.

هكذا يقولون، والرائع جدًا موسى إذ كان يقود اليهود ويريد أن يصلحهم من ضلالهم السابق في مصر بواسطة الناموس، أمسكهم بعيدًا عن أطعمة ومشروبات. إذ يقول: ” ثم سقطت أمام الرب كالأول أربعين نهارًا وأربعين ليلاً لا آكل خبزًا ولا أشرب ماءً” (تث19: 18). ونفس الأمر عمله المسيح واحتمل المعاناة لأجلنا. لأنه بواسطته انصلحت طبيعتنا لكي تتقدس، إذ أنه في البداية ومن الشهية غير المنضبطة دخل في شخص المخلوق الأول تلوث الخطية والعصيان. وهذا أمر معقول. ولكن كل ما يمكن أن يقال بشأن قصة السقوط لنتركه إلى حينه. لكن كل ما يجب أن نفهمه هو العلاقة بين اصطدام امرأة حامل بأولئك الذين اعتادوا أن يتشاجروا، لنفحص هذا. وأظن أن الكلام بالتفصيل في هذه الأمور أمر مفيد. الإيمان بالمسيح، مع المعرفة الكاملة يصورنا ويشكلنا بحسب المثال الإلهي، بتجديد الذهن. ولهذا الذين آمنوا يصرخون مع إشعياء معلنين بقوة: ” حبلنا تلوينا كأننا ولدنا ريحًا، لم نصنع خلاصًا في الأرض” (إش18:26). فالإيمان بالمسيح هو بتجديد الذهن بالروح وخلاص للإنسان، وهو الذي يوسم داخلنا بملامح إلهية. وحتى لأولئك الذين بغباوة غيروا وضعهم من المعرفة الكاملة جدًا إلى المعرفة الناقصة، وهؤلاء هم الغلاطيون، بعد أن حياهم بولس العظيم، قال لهم: ” يا أولادى الذين اتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غلا4: 19). إذ أن هؤلاء بعدما بدأوا مسيرتهم الروحية، طلبوا أن يكملوا بحسب الجسد، وأخذوا في نقل هذا التطلع إلى عبادة الناموس. وهكذا لم يكملوا داخل انفسهم التشكل بالمسيح، إذ رفضوا بطريقة ما هذا الصلاح الذي وُجد في داخلهم كما في رحم. كمال المعرفة إذًا ونقاوة الإيمان سوف ينشيء داخل نفوسنا كلنا، صورة المخلص، وهذه ستكون بداخلنا كبذور إلهية. ولذا عندما يعثر أناس من مماحكة البعض في الكلام، وفيما بعد تفقد النفس التي عانت من العثرة، الإيمان والمعرفة الموجودان داخلها كما لو كانت في حالة حمل، دون أن تكتمل من جهة العقل. أي حتى لو قالوا إن النفس غير مصورة بعد،   ومازالت غير مكتملة وبدون جمال، فإن المتسبب في العثرة سيعاقب على أي حال، والعقوبة سوف يفرضها عريس النفس أي المسيح. وسوف يفرضها بقرار خاص به، لكن إذا كان ما تحمله النفس (الجنين) هو مكتمل، أي إذا كان الإيمان بالمسيح عن معرفة جيدة، سوف تكون النفس عندئذ مذنبة وتستحق أقصى جزاء، حيث إنها قبلت الموت بالفعل. لأن موت النفس هو نير على الإيمان غير الملوم وخسارة للمعرفة الصحيحة. لهذا فأن يصل الواحد ويصير مُشاركًا للأقوال والمداخلات الحمقاء التي يقولها رجل اُبتلع من الشيطان وصار بطريقة ما طعامًا لقطيع الأرواح النجسة، هذا يقول عنه الناموس إنه صار ملوثُا. ويتحدث الناموس أيضًا بطريقة رمزية عن أمور ممنوعة فيقول: ” ولحم فريسة في الصحراء لا تأكلوا. للكلاب تطرحونه” (خر22: 31). فقد اعتاد الكتاب أن يسمى الإنسان الوقح وغير الطاهر بالكلب. وفي هذا ربما يتناسب القول المقزز والقذر مع بعلزبول نفسه، الذي كحيوان متوحش يلتهم النفس التي سقطت في يديه. (وصارت) تخدمه. حيث يقول الرسول: “… ليس أحد وهو يتكلم بروح الله يقول يسوع أناثيما” (1كو2: 3)، إذًا غير لائق للقديسين بالمرة أن يشاركوا في معانى وكلمات بذيئة وخادعة مثل هذه. إذ يقول: ” وأيّة شركة للنور مع الظلمة” (2كو6: 14).

بلاديوس: هذا حقيقة

كيرلس: وأعطى أيضًا وصية، إنه يجب أن يكون في يقظة كل الذين اختارهم لكي يكونوا قادة ومرشدين للرعية. لكن بأي طريقة سوف يُعلن لنا صلاحه، يعلنه عندما يقول في سفر اللاويين ” لا تُنَّز بهائمك جنسين وحقلك لا تزرع صنفين” (لا19:19). هكذا مع قطيع الغنم والخراف يجب أن نتشبه جيدًا بحشد المطيعين. حقًا قد سمع بطرس الرسول ” يا سمعان بن يونا أتحبنى؟… ارع خرافي، ارع غنمى” (يو21: 15ـ17). وقال النبى إشعياء للإسرائيليين أيضًا: ” إن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل وغرس لذته هو رجال يهوذا” (5: 7). إذًا فعلى الراعى أن لا يضع خرافه مع حيوان آخر ـ أي أن لا توجد مع آخر، حتى لا تحدث علاقة جنسية مع حيوان مختلف، ويولد نوع ما مختلف و يفقد القطيع أصالته الطبيعية الخاصة به. وزارع الكروم أيضًا إذا كان حكيمًا ويعرف فنون الزراعة جيدًا فهو لا يمكن أن يزرع بذور القمح الجافة تحت شتلات العنب، وذلك لكي لا تستهلك البذور الجافة، المياه فتُحرم منها الشتلات. ولنطبق الآن هذا المِثال من الناحية الروحية. فالخراف العقلية هي التي لا يُسمح لها أن تقبل البذور الذهنية من الهراطقة. لأن الثمر الذي يأتي من الفكر المنحرف هو ثمر سيئ جدًا، وأقوال أولئك الذين ليس لهم نفس الإيمان يمكن أن تتسبب في إصابة مَن يقبلونها بنتائج شريرة. فهؤلاء هم مثل شتلات العنب المزروعة بنظام والتي لا يمكن أن تُثمر إلاّ نوعًا واحدًا من الثمر، وعلى هذا المِثال نحن نرفض دخول الرأي المنحرف مع الإيمان المستقيم. فنحن نعلم أنه لا يوجد تشابه طبيعي بين القمح والعنب. ولذلك فبذور الأفكار المختلفة لا يجب أن يكون لها أي مكان داخلنا.

بلاديوس: تتكلم حسنًا.

كيرلس: وبطريقة أخرى فإن الناموس يبيّن أن هذه الأمور المختلفة هي غير متجانسة ولا تتماشى مع بعضها بالمرة، ويُعطي مثالاً كذلك عن العلاقة غير المعقولة والشاذة جدًا بين الإنسان العاقل والحيوان غير العاقل والذي هو مختلف عنه تمامًا في النوع. إذ يقول في سفر الخروج: ” كل مَن اضطجع مع بهيمة يُقتل قتلاً” (لا15:20ـ16). إذ أن الاتصالات التي حدثت بينهما والتي هي أصلاً غير مقبولة بالمرة قد استحوذت على العقل بشهوة عارمة جدًا كالهذيان، وجلبت الموت على الفاسدين وعلى أولئك الذين يقبلون الفساد بإرادتهم.

بلاديوس: الناموس يشرّع باستقامة وعدل.

كيرلس: بل أن الناموس يقول أكثر من هذا، فإن كان البعض بسبب التصرفات القهرية التي يحاول الهراطقة أن يفرضوا أفكارهم عليهم، بينما هؤلاء البعض لا يريدون أن يقبلوا انحرافات الهراطقة عن الأفكار المستقيمة، وبسبب تصرفات الهراطقة القهرية قد يضطر هؤلاء البعض للوقوع أحيانًا في الضلالة. فالناموس لم يترك هؤلاء الناس الضعفاء بدون معونة.

بلاديوس: مَن تعني؟

كيرلس: أعني العبيد الرازحون تحت نير العبودية والمتضايقون من سلطة أسيادهم.

بلاديوس: وبأي طريقة ساعد الناموس هؤلاء؟

كيرلس: حرّر العبيد من القيود والعبودية. فإذا كان الضرر مرتبط بالنفس، وإذا كان المظلوم يريد الابتعاد عن الظالم بدون أن يعيقه أحد، فإن سفر الخروج يتحدث عن هذا الأمر ويقول هكذا: ” وإذا ضرب إنسان عين عبده أو عين أمته فأتلفها يطلقه حرًا عوضًا عن عينه” (خر26:21ـ27). فبحسب النظرة الظاهرية للأمر، وبشرح مبدئي يوّقف الناموس وقاحة السادة ويحّد من غضبهم عند الحدّ الواجب، ولا يتركهم ليصلوا إلى الأعمال التي يمكن أن تضَّر الحالة الطبيعية السليمة للعبيد الذين تحت سلطتهم، ولا يسمح بأي حال أن يقوم السيد بتحطيم الطبيعة ذاتها بدون أن يُلجّم غضب السيد، إذ أن الناموس يعرف أن سيد هذه الطبيعة هو خالقها وحده. والعبودية وما يتبعها من نتائج ليست نقص طبيعي في الإنسان لكنها أمر أنشأه الإنسان نتيجة سوء استخدامه للسلطة. أما الآن فإن الله الآب أعاد تشكيل كل الطبيعة على شكلها الأول، وذلك في شخص المسيح كما يقول الكتاب ” إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. الأشياء العتيقة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا” (2كو17:5).

          إذًا فعار العبودية يُبطل بشكل كامل، وهذا ما كتبه الرسول بولس ” ليس عبد ولا حرّ ليس ذكر وأنثى لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غلا28:3). إذًا فالناموس وهو يؤدبنا ليقودنا إلى الكمال، ينزع الممارسة غير المنضبطة للسلطة وأي تجاوز للحد الصحيح معاقبًا كل الذين يتهاونون بالناموس، وذلك لتحرير أولئك الذين ظُلموا.

          هذا على مستوى الحرف والظل، أما إذا فسَّرنا الناموس روحيًا فسوف تستطيع أن تقترب يا بلاديوس، وبطريقة أخرى من الأفكار التي يحويها.

          فنحن نقبل النور الطبيعي بالأعين الجسدية ونُعجب به، أما النور الإلهي والعقلي فيُشرق داخل قلوبنا وأيضًا فإن غذاء الجسد يُقطع ويُطحن بالأسنان وبذلك يصير وسيلة للحياة هكذا أيضًا كل ما هو صعب الفهم من المعاني الإلهية يفتت بطريقة ما كما لو كان بأسنان، وذلك بقوة العقل وتصير هذه المعاني بعد ذلك غذاء للنفس. ولذلك تقول الحكمة وهي تقدم لنا المائدة الإلهية والروحية: ” هلموا كلوا من طعامي” (أم5:9). فإذا حدث أن أحد السادة فكر تفكيرًا سيئًا وأجبر عبده على الانزلاق من العقائد الصحيحة إلى ضلالة غير معقولة، يقول الناموس بأن يُفك ارتباطه بالسيد ولا يُفرض عليه نير إجباري، ويتلاشى الخوف من سلطة السيد، ويذهب العبد إلى حيث يريد ليحيا بدون معاناة أي أذى. لأنه لا يوجد شيء أعظم من النفس ولكي تخلص هذه النفس يجب أن تتحرر من العبودية، ويمكنك أن ترى أن هذا القول حقيقي وأنه مازال يسري حتى في أيامنا. فالعبيد إذ لا يطيقون أن يجبرهن ساداتهم إلى الضلالة فإنهم يكفون تمامًا عن إظهار الطاعة نحو الذين يسودون عليهم، والذين يريدون قهرهم فيهرب هؤلاء العبيد من ثقل العبودية ويحفظون في داخل عقلهم النقي معرفة الإيمان الصحيح بكل وضوح وبدون ضلالة وهم يؤمنون أن هذا الأمر أكثر أهمية من أي شيء آخر، ويجعلون تعليم الإيمان غذاءً روحيًا لنفوسهم مفتتين بالعقل ـ كما بأسنان ـ كل ما يصل إلى مسامعهم ويهضمون المضمون العميق جدًا للمعاني الإلهية.

بلاديوس: شرحك واضح وصريح.

كيرلس: ونضيف أيضًا أن الناموس يعلّمنا محبة الآخرين ويحثنا على احترام أقربائنا، ونحن نُمتحن وننال العقاب المناسب في حالة السلوك الخاطئ.

بلاديوس: أين يقول هذا؟

كيرلس: اسمع فإنه مكتوب هكذا: ” وإذا نطح ثور إنسان ثور صاحبه فمات يبيعان الثور الحيّ ويقتسمان ثمنه. والميت أيضًا يقتسمانه. لكن إذا علم أنه ثور نطاح من قبل ولم يضبطه صاحبه يعوض عن الثور بثور والميت يكون له” (خر35:21ـ36). فهذا القول يوجه إلى الاستقامة بمثال حيّ. لأنه يقول إذا حدث أن قُتل ثور لأحد ما لأن ثورًا أخرًا نطحه، فيتم تقسيم الثور الحيّ بين الاثنين وكذلك الثور الميت يُقسم بين الاثنين. أي يريد أن يقول إذا تسبب شخص ما في أذى لشخص آخر دون أن يكون هذا عن تعمد فالذي أصابه الأذى يحق له أن يتمتع بخيرات ذاك الذي تسبب في ذلك الأذى. لأن هذا هو ما يعينه في أن يقتسما معًا الثور الحيّ. وهذا معناه أيضًا أنه يعتبر مصائب الآخر هي مصائبه حتى لو كان قد تسبب فيها بدون قصد. وهذا ما يمكن أن يعنيه من جهة اقتسامهما للثور الميت. أترى إذًا كيف أن الناموس يعلم عن محبة الآخرين ولو بظلال؟ وهذا ما يظهره أيضًا قول الرسول ” فرحًا مع الفرحين وبكاءً مع الباكين” (رو15:12).

بلاديوس: واضح تمامًا.

كيرلس: ويقول أيضًا إن القوى الذي يتسبب في الأذى وهو يعرف تمامًا أن جاره سوف يُصاب من هذا الأذى ولم يتدخل لمنع حدوث الأذى بينما هو كان يستطيع ذلك. فمثل هذا الشخص يُعاقب بنفس الأذى الذي أصاب جاره ويتحمل نفس النكبة التي نُكب بها جاره. وهذا ما يعنيه بطريقة رمزية في حالة علم صاحب الثور أن ثوره نطّاح ولم يضبطه إذ يقول: ” يُعوِض عن الثور بثور والميت يكون له” (خر36:21). أي أن الناموس يهدد أولئك الذين يظلمون الآخرين عن عمد ليس فقط بفقد الخيرات الخاصة بهم، بل ليقول أيضًا إنهم سيعانون نكبة خاصة بهم، فسوف يكون الألم الخاص بهم هو نفسه الذي حدث لقريبهم.

بلاديوس: شرحك حسن جدًا.

كيرلس: الرسول بولس وضع لنا قانونًا حكيمًا عن المحبة التي بيننا، بقوله ” لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضًا” (في4:2). لأن الذي يُحب لا يطلب ما هو لنفسه (انظر 1كو5:13)، بل بالحرى يهتم بخير الآخرين وكيف يعيش اخوته حسنًا. وهذا أيضًا يشير إليه العهد القديم بقوله: ” إذا رعى إنسان حقلاً أو كرمًا وسرّح مواشيه فرعت في حقل غيره فمن أجود حقله وأجود كرم يعوض” (خر5:22). أي من ترك مواشيه في حقول غيره وذلك لمنفعة نفسه والعمل لصالح ذاته وهو بذلك لا يُسبب فرحًا لجاره بل يظلمه ويُحزنه. علينا إذًا عندما نعمل لفائدتنا لا يكون ذلك على حساب الآخرين بل بوسائل غير خاطئة ولا تؤذي الآخرين، فهذا ما يعنيه القول أن تنظروا إلى ما هو لآخرين أيضًا. وعلى المرء أن يعرف أيضًا أنه إذا سعى الإنسان إلى منفعته الخاصة فقط دون أن يُبالي بمشاعر الآخرين ودون أن يهتم بقريبه، فإنه سوف يعاني نفس الخسارة، وأنه بهذه الطريقة سوف يجلب الخراب على نفسه أيضًا. وهذا ما أعتقد ما يشير إليه القول: ” من أجود حقله ومن أجود كرمه يُعوض” (خر5:22).

          والمعنى السابق نجد له تحقيقًا في مجال الهرطقات التي يرعى فيها بعض الأغبياء جدًا كحيوانات غير ناطقة ويستغلون حقول السيد وكرومه لحساب هرطقاتهم. فهؤلاء سوف يكابدون الخسارة ويدفعونها من أجمل ما لديهم، أي بهلاك نفوسهم، لأن أفضل ما في كرمنا أو حقلنا هو نفوسنا.

 

المقالة8 ج2 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

 

السجود والعبادة بالروح والحق

المقالة الثامنة

“موضوعات أخرى عن المحبة نحو الإخوة وعن الذي يسرق ثور أو شاه”

 

كيرلس: في كل موضع إذًا يا بلاديوس تستطيع أن تدرك بأي قدر يأمر الناموس القديم أن تكون أقوال التعليم مستقيمة ودقيقة، واضعين في الاعتبار أن الأمر لا يخلو من ضرر لأولئك الذين اعتادوا أن يخدعوا بعضًا من البسطاء. يقول أيضًا: ” إذا سرق إنسان ثورًا أو شاه فذبحه أو باعه يعوض عن الثور بخمسة ثيران وعن الشاه بأربعة من الغنم. إن وُجد السارق وهو ينقب فضُرب ومات فليس له دم. ولكن إن أشرقت عليه الشمس فله دم إنه يُعوّض. إن لم يكن له يُبتع بسرقته. إن وُجدت السرقة في يده حية ثورًا كانت أم حمارًا أم شاه يُعوض باثنين” (خر22: 1ـ4).

بلاديوس: القول غير واضح تمامًا أرجو أن تشرح لى ماذا تعنى هذه الوصية التي أُعطيت بطريقة غامضة.

كيرلس: الناموس يحدد عقاب مفيد لذلك الذي يريد أن يمارس العنف، ويوقف بطريقة ما شهوة الامتلاك غير المنضبطة للأشياء التي لدى الجار أو الأخ لدرجة أنه يقول في حالة السرقة، يُقتل الذي أُمسك بالسرقة في ساعتها، لا تُلقي أية تُهمة على أولئك الذين قتلوه. وفي حالة إذا لم تكن للسارق إمكانية أن يدفع الفدية يحاكمه في خزى إذ يقول إنه يجب أن يُباع كعبد. وذلك بهدف أن يؤدبه الخوف، لكي يعيش باستقامة، والمعنى الخفي للوحى هو بالطبع مختلف جدًا عن هذا، ويجب أن أعرضه على أفضل ما يكون.

الثور والشاة هذان (الحيوانان) الاثنان الطاهران والمقدسان يُقدمان إلى الله لكي يًسر برائحتهما. الثور يتميز بالقوة وكبر حجم جسمه. بينما الآخر (الشاه) ليس بالمثل إذ أنه هو أصغر في الحجم جدًا من الثور. ثيران إذًا وخراف كحيوانات طاهرة جدًا ومقدسة (لله) هي (روحيًا) القطيع المقدس الذين تبرروا ببر الإيمان. (وكلاهما) اللذان بالحافر المزدوج وبالاجترار صارا ـ وفقًا للناموس ـ عاملين للثمار، الثور يحرث الأرض وأيضًا الشاة تعطى ثمار أي القطيع المدعو من الله، وهما محفوظان في الحظائر الإلهية أي في الكنائس، والسارقون الذين يحومون حول القطيع هم كثيرون، حيث ينقبون الحوائط ويتسللون خفية إلى الداخل وبأنواع كثيرة من الخداع يحاولون أن يقتلعوا نفوس البسطاء، وأن يبيعوها، بطريقة ما، إلى الشيطان الذي يهلكها. لكن كما يقول الكتاب إن الذي يفعل شيء مثل هذا، سوف يدفع عن الثور الواحد خمسة ثيران، وعن الخروف الواحد أربعة خراف، أي أن العقاب يكون خمسة أضعاف عن الثور الواحد وأربعة أضعاف عن الخروف الواحد. وهكذا يفرض عقوبة تتناسب مع قيمة الشيء المسروق، والتطبيق الروحي لهذا أن مَن يفقد شيئًا قليلاً لأجل الرب يُعوض بعطايا روحية مضاعفة.

ويمكن أن نجد مثالاً لدرجات الفضيلة في أعضاء الجسم، فهناك درجات كبيرة جدًا من الصلاح ودرجات صغيرة وذلك في المؤمنين لأن ليس الجميع لهم نفس القدر من المواهب. لأن كل واحد له موهبته الخاصة من الله. الواحد هكذا والآخر هكذا (انظر 1كو7:7).

يقول (الناموس) إذا قُبض على السارق وهو متلبس بالجريمة ساعة الظلمة ليلاً أي في الساعة التي يسرق فيها ويدمر ويُتمم أعمال السرقة، فإنه يُقتل حينئذ وسوف لا يُعتبر هذا الفعل جريمة قتل، وسوف لا توجه لمرتكب هذا الفعل أي تهمة. فالذي قُتل هو السارق ورجل العنف، وقد طبق عليه قانون الحرب. لكن إذا انقضى وقت السرقة وأشرقت الشمس، يعيق الناموس يد المعاقب، ويحدد أنه في حالة قتله توجه تهمة القتل إلى مرتكب هذا الفعل. (هكذا بالنسبة) للسارق في التطبيق الروحي الذي يريد أت يُهلِك نفس ذاك الذي آمن بالمسيح، وأن يُبعده عن محبة الله، لن يكون ظلمًا أن يُعاقب هذا بالموت. فهو يريد أن يقتل النفس التي هي أسمى من الجسد. أما إذا أشرقت الشمس، أي عندما تسطع في عقله الخاص المعرفة الحقيقية مثل النور والنهار، فلا يبقى مُعرّضًا للخطر بعد. فهو يُعاقب على أعمال الليل والظلمة وليس على الأعمال التي تصير في النور. والله يحكم بعدل إذ يُمنح العفو عن الجرائم الأولى، أي كل التي اُرتكبت في ظلمة الجهل، ليقال من ثم عن كل الذين انتقلوا من الخطية إلى النور: ” لأنكم كنتم قبلاً ظلمة أما الآن فنور في الرب” (أف5: 8) هكذا برّر الرب بولس الرسول الذي كان أولاً مجدفًا ومضطهدًا ومعتديًا إذ اضطهد بإفراط كنيسة الله محاولاً إتلافها (انظر 1تي1: 13).

بلاديوس: حديثك رائعًا.

كيرلس: لكن إن لم يستطع أن يعطى عن الثور الواحد خمسة (ثيران) وعن الخروف الواحد أربعة (خراف) يُباع كعبد بسبب ما سرقه. أترى كيف أن الناموس يحكم بالخزي ـ خزي البيع كعبد ـ على أولئك الذين لم يتطهروا بعد من الخطية ـ لكي أقول هكذا ـ لا يستطيعون ولو بالفدية أن يمنعوا إجرامهم، حيث من ضعف المعرفة لا يستطيعون أن يحتملوا أتعاب التوبة وبهذه الأتعاب يعفو الله عنهم؟ يقول الناموس بصواب جدًا أن هؤلاء يُباعون. ولا يسمح أن يحصى كل الذين تلوثوا بهذه الطريقة، مع أولئك الذين تحرروا بالنعمة. وبذلك يبتعدون هؤلاء عن الكرامات التي تناسب الأحرار، وسوف يسمعون القول: ” إنما آثامكم باعتكم” (إش50: 1الترجمة اليسوعية).

يقول إذا قُبض على السارق وهو يسرق ولكن لم يقتل، إنه إذا ضبط وهذا يقابل في التطبيق الرمزي على شخص ما من أولئك الذين لديهم آراء هرطوقية، وهو يغش ويخدع الآخرين، ولكنه لم يفلح في قيادة أحد إلى الهلاك، فهذا سوف يدفع مضاعفًا. إذ سيأخذ سيد القطيع كل ما يحق، بينما يدعى الهرطوقي للمحاكمة، وسوف يتحمل عقوبة الموت. لأن هذا الذي أراد أن يفعله في الآخرين، سوف يعانيه هو نفسه وهذا هو العدل بعينه.

بلاديوس: إنها حقًا مرعبة ومدمرة جريمة أولئك الذين يخدعون الآخرين، والذين يحذر المسيح منهم قائلاً: ” احترزا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة” (مت7: 15).

كيرلس: هذا صواب، إذ يحكم عليهم الناموس كحيوانات متوحشة ويقول إن كل واحد من هؤلاء يجب أن يموت إذ أنه مكتوب في سفر الخروج: ” ومن سرق إنسانًا وباعه أو وُجد في يده يُقتل قتلاً” (خر21: 16). وأيضًا في سفر التثنية: ” إذا وُجد رجلٌ قد سرق نفسًا من أخوته بنى إسرائيل واسترقه وباعه يموت ذلك السارق فتنزع الشر من وسطك” (24:7). أي لا يُسمح للجنس المقدس الذي للمسيح أن يُهلك وأن يُقاد إلى عبودية قاسية بواسطة أولئك الذين اعتادوا أن يفعلوا هكذا. وكذلك أيضًا كل الذين يخدعون الأولاد الأحداث، ويبعدونهم عن وطنهم وعن مسكنهم، ويجردونهم من كرامات الأحرار ويضعونهم تحت نير العبودية الثقيل. وهذا ينطبق على الذين يضلون الآخرين بأنواع كثيرة من الخداعات التي تؤثر على العقل. فالهراطقة يحاولون أن يقودوا الذين يحبون الاستقامة، والذين يمارسون الحياة اللائقة بالأحرار، لكي يخدعوهم بمعرفتهم الغبية جدًا. هؤلاء سيكابدون بعدلٍ تهمة سرقة النفوس البشرية، وجزاؤهم هو الموت. لهؤلاء لا تقولوا حتى ” سلام” (انظر 2يو:10) كما يقول تلميذ المخلص، وهو لا يعلمنا طرق التعامل المتوحشة، لكنه يحذرنا كحملان من مخالطة الذئاب. فالمستقيمو الإيمان لا يتفقون مع الهراطقة، إذ يقول: ” وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟” (2كو15:6) وفيما عدا ذلك يكتب بولس الطوباوى: ” أنه لا يجب أن نختلط بزناة هذا العالم” (انظر 1كو5: 9ـ10).

          ولكي لا يصير البعض ضحايا للخطف من كنيسة الله، التي هي بيت أبيهم، ويُقادون إلى كنائس الأشرار، إذ تخدع عقولهم بانحرافات في اتجاه الدناءة والشر لذلك يقول: ” المعاشرات الرديئة تفسد الأخلاق الجيدة” (1كو15: 33). يحدد الناموس أن يكون الموت هو جزاء هؤلاء الذين يصرون على فعل هذا الأمر. وسوف ترى أن الناموس يعلن لنا في وصايا أخرى ووفقًا لكل ما قلناه فهو يرتب أمور العالم نحو الاستقامة برؤية واضحة جدًا وسهلة الفهم بالنسبة لمَن يريد. لأننا لن نلغي النص المكتوب كأمر قديم وذلك في الأمور النافعة. ففي بعض المرات حتى حرف الناموس سوف يفيد السامعين له، الذي في عمقه هو يحمل الروحيات، ويخفي القوة داخل ظلال الحروف. إذ يقول في سفر الخروج أيضًا: ” وإذا راود رجل عذراء لم تُخطب فاضطجع معها يمهرها لنفسه زوجة. إن أبى أبوها أن يعطيه إياها يزن له فضة كمهر العذارى“(خر22: 16ـ17). وإذ يوضح لنا موسى الوصية الإلهية، يكتب في سفر التثنية: ” إذا وُجد رجلٌ مضطجعًا مع امرأة زوجة بعل يُقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة. فتنزع الشر من إسرائيل. إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل فوجدها رجل في المدينة واضطجع معها فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة وارجموهما بالحجارة حتى يموتا الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه. فتنزع الشر من وسطك. ولكن إن وجد الرجل الفتاة المخطوبة في الحقل وأمسكها الرجل واضطجع معها يموت الرجل الذي اضطجع معها وحده. وأما الفتاه فلن تفعل بها شيئًا ليس على الفتاة خطية للموت بل كما يقوم رجل على صاحبه ويقتله قتلاً هكذا هذا الأمر. إنه في الحقل وجدها فصرخت الفتاة المخطوبة فلم يكن من يخلصها” (تث22:22ـ27). وكل ما يخص الرواية الكتابية لا أظن أنه يحتاج لشرح لأجل فهمها. إذ أنها واضحة جدًا وصافية. لكن يجب، كما يبدو، عندما أنقل هذا إلى الحاضر، أن نسلك الطريق الداخلى والخفي (أي الروحي).

بلاديوس: أجل.

كيرلس: أقول إذًا إنه مثلما الزنى هو من الجرائم الأكثر خطورة من الكل على المرأة، إذ يبطل الزواج، ويسبب الانفصال بين المتحدين بالفعل برباط الزواج، هكذا بنفس الطريقة، أعتقد أن الفساد الذي يسببه أي شخص للنفس البشرية هو من الشرور الأكثر فظاعة من الكل، وليس ببساطة في أية نفس، بل في تلك النفس التي صارت متحدة بالعريس السماوي. لأننا بالإيمان وأيضًا بنوال الروح نتحد به، كما هو مكتوب: “وأما من التصق بالرب فهو روح واحد” (1كو6: 17).

لهذا إذًا يفرض الناموس وبعدل جزاء الموت على الزانى وعلى تلك التي زنت، الواحد لأنه يبذر بذور كفره أي هرطقته وتلك النفس لأنها قد أهانت ناموس الأمانة وذهبت مع معلّم آخر، وأسلمت عقلها إلى أقوال ذاك الفاسد، وقبلت التلوث بالخداعات البشرية.

بلاديوس: قولك مقنع

 

كيرلس: إذًا، التي تسكن، حسب الناموس، مع رجل تشبه (روحيًا) تلك النفس التي تسكن، بالإيمان ونعمة الروح، مع المسيح وهي متحدة به. والعذراء المخطوبة تشير إلى النفس التي دُعيت لأن تبدأ المعرفة الحقيقية وقبلت كعربون كلمة الوعظ، ومازالت تنتظر الزواج الحقيقي بالنعمة بواسطة المعمودية المقدسة والإتحاد بالروح القدس. هكذا قدم بولس إلى المسيح الكنيسة التي من الأمم إذ يكتب الآتى: ” لأنى خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو12: 2). والعريس نفسه يقول في موضع ما بصوت الأنبياء: ” وأخطبك لنفسى إلى الأبد وأخطبك لنفسى بالعدل والحق والإحسان والمراحم أخطبك لنفسى بالأمانة فتعرفين الرب” (هو2: 19ـ20). يقول إذا حدث من ثم، جريمة الفساد في نفس مثل هذه، سوف يُحسب الفعل هكذا كزنا، لأن المخطوبة عليها التزام وهي مازالت بعد تحت يد ذاك الذي سوف يصير بعد قليل زوجًا لها. لكن يقول إذا حدثت الجريمة في المدينة، أي في كنيسة المسيح، وفي مدينة الله الحى التي سكانها ملائكة ورجال قديسون، أساتذة ومعلمون، الذين لديهم القوة أن يدافعوا عن أولئك الذين يتعرضون للخطر وللتضليل، تموت العذراء التي أصابتها الجريمة مع المخادع. لأنه كان في استطاعتها وبسهولة أن تتجنب الفساد، إذا أخبرت بالأمر المعلمين الذين يعرفون أن ينقذوها، وهكذا تكون قد تعرضت للفساد بإرادتها، واختطافها إلى الدناءة لم يكن بالإكراه. لكن يقول إذا لم يحدث هذا داخل الكنيسة ولا في مدينة الله بل كما لو في سهل وحقول، حيث لا يوجد المعلم المدافع وكان المكان مقفرًا وخالى تمامًا من هؤلاء الذين يحولون الأمور إلى الأفضل، وبسبب غياب المعلّمين نشطت البدعة، عندئذ سيكون الحكم على فاعل الفساد فقط. لأن الفعل في هذه الحالة هو اغتصاب، وإكراه، صعب جدًا على النفس أن تتجنبه. لهذا سوف تعتق (الفتاة) من التهمة. ولا يمكن أن ننكر أن التأنيب لشخص ما على كل ما يعانيه بالإجبار هو أمر زائد عن الحاجة، إذ أن هذا الشخص مجبر وليس حرًا.

بلاديوس: زائد عن الحاجة تمامًا لأن الناموس عادل.

كيرلس: تتكلم بالصواب فالناموس لا يكتفي بالفحص السطحى بل يجعل تناسبًا بين الغضب، والجريمة، فهو لا يعتق تمامًا الجريمة الصغيرة جدًا من حتمية العقاب، كما أنه لا يساوى الجرائم الصغيرة بالكبيرة، لكنه يفرض العقوبة المتناسبة مع الجريمة. إذ يقول أيضًا: ” إذا وجد رجل فتاة عذراء غير مخطوبة فأمسكها واضطجع معها فوُجدا يعطى الرجل الذي اضطجع معها لأبى الفتاة خمسين من الفضة وتكون هي له زوجة من أجل أنه أذلها. لا يقدر أن يطلقها كل أيام حياته” (تث22: 28ـ29). جعل من ذاك الذي وُجد مع مخطوبة مذنب زنا، بالطبع بالطرق التي ذكرناها. وهنا العذراء تشير إلى النفس التي لم تُخطب بعد للمسيح عن طريق الإيمان، ثم نجسها شخص ما بكلمات الكفر، وأمسكها في شبكته وأخذ يجذبها من ضلالة إلى ضلالة، مثلما يفعل الهراطقة، خاطفين المؤمنين الذين يقدمون من الأمم ومن اليهود مقنعين إياهم أن يتبعوهم. فعملهم هذا لن يخلو من خطورة. لأنه سوف يضع أمام أب الأرواح، أي أمام الله، الأسباب التي من أجلها تمت الجريمة، والتي صيغ العقاب عليها حسنًا جدًا بالجزاء المالى. العبارة ” وتكون هي زوجة له” هي مفيدة للرؤية الروحية للأمم.

بلاديوس: أفهم ما تقوله. لأن الناموس هو ثنائى جسدى وروحى.

كيرلس: لاحظ إذًا أن الوصية القديمة لم تجهل هذا الذي قاله المسيح عن الرجل والمرأة: ” فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان” (مر10: 19).

يقول: ” أن تكون زوجة له“، لأنه أذلها، إذ لن يستطيع أن يطلقها قط. ومع هذا فَكِر في كم هي سامية زينة البتولية الطاهرة جدًا. إذ أن الكتاب الموحى به يُسمى الاغتصاب وضاعة.

بلاديوس: تحدثت باستقامة.

 

المقالة8 ج1 – السجود والعبادة بالروح والحق ج5 – ق. كيرلس الاسكنري – ق. صموئيل وهبه

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السابعة

في المحبة الواجبة نحو الاخوة

كيرلس: ويمكن أن يرى المرء وبسهولة جدًا أن هناك فترة زمنية طويلة تفصل بين هؤلاء الذين خلصوا بإيمانهم بالمسيح وأولئك الذين كان الناموس مؤدبًا لهم. لأن القدماء يرون أن هناك عقاب ينتظر الذي ينشأ بين أناس وثنيين ويشاكل الناس الغرباء. أما نحن فينصحنا بولس بأنه يجب علينا أن نحيا حياة أفضل وأكثر شجاعة قائلاً: ” لأنه كما أن الجسد هو واحد وله أعضاء كثيرة وكل أعضاء الجسد الواحد إذا كانت كثيرة هي جسد واحد كذلك المسيح أيضًا. لأننا جميعًا بروح واحد أيضًا اعتمدنا إلى جسد واحد يهودًا كنا أم يونانيين عبيدًا أم أحرارًا وجميعنا سقينا روحًا واحدًا. فإن الجسد أيضًا ليس عضوًا واحد بل أعضاء كثيرة[1]، إذن بأي طريقة يطبق هنا هذا التدبير؟ لأن واضع الناموس كان يخشى على الناس قديمًا من الاختلاط بأناس يعتنقون دينًا آخر والآن لا يخشى عليهم. لأن أولئك الذين دُعوا إلي المسيح ولديهم محبة لا تتزعزع نحو الله يجعلهم الروح القدس الساكن فيهم مؤسسين بواسطته حتى ” نصرخ يا أبا الآب[2]. لكن أولئك القدماء لم تكن لديهم هذه العطية العظيمة وكما يقول يوحنا العظيم: ” لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد[3]. إذًا فالكمال التام يصير بالمسيح، بينما الناموس لا يستطيع إطلاقًا أن يقود إلي الكمال كما هو مكتوب.

بلاديوس: أرغب بشدة أن تخبرني كيف يكون الناموس غير كامل؟

كيرلس: بالتأكيد. لكن حديثنا سوف يتناول الأمور التي نثبتها الآن، وسوف نفحص بالتفصيل طرق المحبة نحو القريب بعمق أكثر مما كتبه موسى للقدماء.

بلاديوس: سر إذن إلي ما تتحدث عنه.

كيرلس: يقول الناموس ” تحب قريبك كنفسك[4]، بينما ربنا يسوع المسيح يعلّمنا بآلاف الأقوال أن نحب بعضنا بعضًا معضدًا ـ بطريقة ما ـ ناموس المعرفة الغريزي وإرادة كل واحد، فيقول ” فكل ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا انتم أيضًا بهم[5]. إذن ما يتمنى المرء أن يفعله الآخرون به، فليفعله هو بالآخرين، وسوف لا يحيد عن هدفه، لكن بالأحرى سوف يسلك مباشرةً في المحبة وسوف يُتوّج بتاج محبة الآخرين.

بلاديوس: حسنًا قلت هذا.

كيرلس : المحبة إذًا هي كمال الناموس وهي أسمى من الإيمان والرجاء لأن هذا ما كتبه لنا بولس العظيم[6]. لذلك وإذ هو يصنع منها تاجًا من ورود الربيع المتعددة الألوان قال أيضًا ” إن أطعمت كل أموالي وإن سلّمت جسدي حتى احتِرق ولكن ليس لي محبة فلا أنتفع شيئا. المحبة تتأنى وترفق. المحبة لا تتفاخر، ولا تنتفخ، ولا تُقَبّح، ولا تطلب ما لنفسها، ولا تحتد، ولا تظن السوء، ولا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق. وتحتمل وتُصدِّق كل شئ، وترجو كل شئ، وتصبر علي كل شئ، المحبة لا تسقط أبدًا. وأما النبوات فستبطل والألسنة فستنتهي والعلم فسيبطل[7]. هذه الأقوال واضحة للجميع والحديث عنها سيكون طويلاً، وخاصة إذا أراد المرء أن يجمع بالتفصيل كل ما قيل عنها في العهد الجديد لكن ليتنا نركز حديثنا الآن عن ظلال الناموس وعن كل ما شُرِّع أيضًا للقدماء بنماذج أو أمثلة.

بلاديوس: فكرك صائب جدًا

كيرلس: بمعنى أن الناموس كان معنيًا بالبر ـ وبطريقة ما ـ كان ممهدًا للنعم الإنجيلية لأنه مكتوب ” بداية الطريق الصالح أن تفعل الحق[8]. أى أن الناموس يقود إلى المسيح وأن حياة المجد تعتبر مضمونة إذا فهمنا الناموس روحيًا، فأنواع البر هي، أولاً، التقوي والمحبة تجاه الله الواحد الحقيقي، وبعد ذلك مباشرة المحبة نحو الإخوة والآخرين، خاصة تقديم الاحترام للوالدين. فبالترتيب اللائق يستمر الكتاب في تعليمنا بأنه، بعد التوقير لله واحترام الوالدين، علينا أن نُظهر محبتنا نحو الكل. لأن فى كل الحالات يتعهد الناموس بالمساواة، ويشرِّع بأنه يجب أن تُمتحن الأمور بدقة. إذ أنه مكتوب فى سفر التثنية: ” لا يكن لك فى كيسك أوزان مختلفة كبيرة وصغيرة. لا يكن لك فى بيتك مكاييل مختلفة كبيرة وصغيرة. وزن صحيح وحق يكون لك، ومكيال صحيح وحق يكون لك، لكى تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك. لأن كل من عمل ذلك كل من عمل غشًا مكروه لدى الرب إلهك[9]. مكتوب أيضًا فى سفر اللاويين: ” لا ترتكبوا جورًا فى القضاء لا فى القياس ولا فى الوزن ولا فى الكيل. ميزان حق ووزنات حق وإيفة وهين حق تكون لكم. أنا الرب إلهكم الذي أخرجكم من أرض  مصر[10]. إذن، حَرِص (الناموس) بكافة الطرق أن يعادل بالقياسات والمكاييل والأوزان، طرق العدل. لأنه العقل الصادق والبار، يوازِن ويقيس طبائع الأشياء ويفحص بالتفصيل وبدقه أكثر من هؤلاء الذين يراقبون الموازين والأثقال التي توضع فوق الميزان، ويقيس كل شىء من الأشياء التي يفحصها بدون أن يدمر بالنافل جمال المساواة الدقيقة، ولا يسمح بالتأكيد بالخطأ لكى يفتعل هذه المساواة، ها هي إذن ـ يقول ـ مقاييس الأطوال، والأوزان، والسوائل صحيحة. وأعتقد أن هذه هي بعض النماذج والأمثله الواضحة، والتي تعلن لنا الطرق التي بها نستطيع أن نفسر الكلام الدقيق عن المساواة وتصير معرفة البر واضحة. ولاحظ أن كل ما يتضمنه الناموس يهدف إلى البر، لكن يكسب الأعظم (نعمة العهد الجديد)، وكل ما علّمه المسيح يمضى أبعد جدًا عن ما يقدمه الناموس. لأن الصلاح أسمى من الناموس، أى مجد التوافق مع إراده الحياة بحسب المسيح.

بلاديوس: تتحدث بالصواب. بالتأكيد سأتذكر أولئك الذين تبرروا بالإيمان، وفق ما قاله المسيح: ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات[11].

كيرلس: وهذا أكيد. لكن دعنا ننشغل بالتفصيل إذا أردت، بمقياس الاستفادة الموسوية ومجد بر الناموس. لأن من يحب الحق (الله)، ويعتبره أمرًا ضروريًا أن يحب إخوته ينبغى عليه أن يبدو واثقًا وثابتًا. إن الإنسان غير المخادع عليه أن يهتم بكل حرية بسلوكه الأخلاقى ليكون مكشوفًا وبلا لوم، ذلك بدون أن يتزعزع وبلا سطحية ولا بإظهار وداعة كاذبة تجعله يخفى وراء فروة الحمل حقيقة أنه ذئب، لذلك يقول الناموس: “ لا تسعَ فى الوشاية بين شعبك. لا تقف على دم قريبك. أنا الرب. لا تبغض أخاك في قلبك. إنذارًا تنذر صاحبك ولا تحمل لأجله خطية[12]. وهذا الأمر صاغه برؤية أخرى، لأنه يقول: ” لا يكن عليك ثوب مصنف من صنفين[13]، وأيضًا: ” لا تلبس ثوبًا مختلطًا صوفًا وكتانًا معًا[14].

          إن خداع وجبن هؤلاء الذين نعتبرهم صالحين، يُعتبّر شرًا مخيفًا ويستحق التأنيب. الخداع يُعَدّ من الأشياء التي يمقتها الله جدًا، والذي يصاحبه دائمًا الازدواجيه والتقلب فى الرأى. بسبب هذه الأمور يستفز ويغضب العقل الإلهي النقى الطاهر. لأنه يقول للبعض: ” لسانهم سهم  قتّال يتكلم بالغش. بفمه يكلم صاحبه بسلام وفى قلبه يضع له كمينًا[15]. سوف يصعد إلى جبل الرب، يقول داود، العامل بالحق والطاهر فى القلب “ الذي لا يشى بلسانه ولا يصنع شرًا بصاحبه ولا يحمل تعييرًا على قريبه[16]. اذن، فإن السلوك بخداع، أى المرء الذي يحيا بالمكر ويلبس قناع البر، وفى نفس الوقت يؤذى إخوته غير مبالٍ بنواميس المحبة فهذا ما حرمه الناموس كشىء بذئ، ويوصينا ألاّ نلبس ثوبًا مصنفًا من صنفين مستخدمًا هذا الثوب كرمز، وهو يعنى أنه من البذاءة أن نخفى إزدواجيه فى نفوسنا، إزدواجيه داخلية وذهنية، إنه الرياء البشرى الملعون الذي يُنسج من الانشغال برأيين يجعل تصرفات الواحد تجاه الآخر سيئة وفاسدة. نتساءل ماذا تكون حياة  المنافقين؟ هي طبعًا مثل هؤلاء الذين يراهم الناس كصالحين ويعتبرونهم صالحين، لكن فى الحقيقه هم غير صالحين.

بلاديوس: بالتاكيد.

كيرلس: إذن، طريق المنافقين طريق مزدوج مغلّف بإرادتين مختلفتين، لكن داود العظيم يمتدح الإنسان ذا الطريق الواحد ويقول إنه جدير بنظر السماء لأنه يقول: “ الله مُسْكِن المتوحدين فى بيت[17]، أيضًا يُقال إن الله يشتت عظام الذين يفرحون باستحسان البشر لهم. وهذه الشهوه يمقتها بولس قائلا ” أفأستعطف الآن الناس أم الله. أم أطلب أن أرضى الناس. فلو كنت بعد أرضى الناس لم أكن عبدًا للمسيح[18].

بلاديوس: هل يوجد أحد لم يكن واضحًا له أن الرياء هو بالحق سخيف وبعيد جدًا عن التقدير الصحيح ؟

كيرلس: إذن ثمرة المحبة التي بلا لوم والتي تتمشى مع الرجل البار والصالح هي أن يكون متحررًا من الخداع. وهذا ما يحتاجه الدارس الحقيقي للبر وعاشق المحبة تجاه الإخوة أن يعتبر هذا الرأى مستقيمًا ليس فقط إذا توقف عن هذا الخداع، لكن أن يصير معلمًا لأهله أو للذين يسكنون معه. والقديس بولس يتحدث عن الشخص الذي سوف يأخذ على عاتقه الاهتمام بكنيسة الله أن يكون له أولاد مطيعين، وجعل هذا الأمر برهانًا على صلاحه أو عدم صلاحه قائلاً: ” إن كان أحد لا يعرف أن يدبر بيته فكيف يعتنى بكنيسة الله[19].

لذلك يقول الناموس بمثال وصورة حية ” وإذا نطح ثورًا رجلاً أو امرأة فمات يُرجم الثور ولا يؤكل لحمه وأما صاحب الثور فيكون بريئًا ولكن إن كان ثورًا ناطحًا من قبل وقد أُشهد علي صاحبه ولم يضبطه فقتل رجل أو امرأة فالثور يٍُرجم وصاحبه أيضًا يُقتل. وإن وضعتَ عليه فدية يدفع فداء نفسه كل ما يوضع عليه. أو إذا نطح ابنًا أو ابنةً فبحسب هذا الحكم يُفعل به. إن نطح الثور عبدًا أو أمةً يُعطي سيده ثلاثين شاقل فضة والثور يُرجم[20]، إذن تشريع الله واضح ؟

بلاديوس: ليس واضحًا تمامًا.

كيرلس: انتبه إلي ما أقوله وليكن في ذهنك ما كتبه القديس بولس ” ألعل الله تهمه الثيران أم يقول مطلقًا من أجلنا[21] يُشبَّه الشتّام والحسود بالثور الذي عنده قوة هجومية. لأن هذا الحيوان منتفخ ومتغطرس ورهيب في قوته ومن الصعب مواجهة هجومه. إذن يُشرح هذا الكلام روحيًا هكذا، إذا كان لإنسان صديق يعرفه معرفة جيدة وتقابلا معًا مع رجل صالح آخر يعرفه وحدث أن قام هذا الإنسان بفعلٍ مشين تجاه هذا الرجل الصالح الذي كان يجهل حقيقة شخصية الصديق وكانت النتيجة أن شُلّت حركة هذا الرجل أو الأفضل قُتِل من جراء هذه السلطة الظالمة لصديق هذا الإنسان، عندئذٍ أمر الناموس بأن يُفرض على هذا الإنسان (إذا كان على عِلم بوحشية صديقه هذا) جزاء الموت إذ قال يجب أن يموت بالرجم. لكن يتحرر هذا الإنسان من الغضب إن كان لا يعرف طريقته الناطحة ولم يدرك أنه يشارك في دناءة ذلك (الثور). لأن جرائم الآخرين لا تؤذينا إذا حدثت بدون أن نعرف حقيقتهم. لذلك لا يسمح أن يؤكل لحم الثور، لأنه لا يجب أن نشترك في نجاسة الآخرين، التي يشير إليها بمثال الأكل والمشاركة. إذن، ألاّ يشير هذا بواضح إلى القول بأنه: ” لا تشترك في خطايا الآخرين. احفظ نفسك طاهرًا[22].

بلاديوس: واضحًا جدًا.

كيرلس: الناموس شرّع بالحق أن صاحب الثور مع الثور يُدان، إذا كان يعرف خطره، وقد أقرّ بأنه يعرف إنه شرس، لأنه في إمكانه أن يمنع وقوع الظلم وارتكاب الخطأ. لكن كونه لم يفعل هذا الأمر مع سبق الإصرار يكون هذا الإنسان مشاركًا في فعل هذا الأمر بالإرادة والفكر، هكذا مع من اختار أن يعمل ويتعاون مع أولئك الذين يريدون أن يرتكبوا جرائم. هذا الإنسان ـ كما يقول الناموس ـ فليمت إذا كان القضاة لم يفرضوا تعويضًا وجزاءات خاصة بهذه الأمور. الناموس يهدف إلي الرحمة لأنه يقول: “يعاقب باعتدال إذا أراد القضاة”. ذلك ينقل الآن المثال إلي الحقيقة، بمعنى أن القاضي يدين الكل بالموت لكنه يقبل هؤلاء الذين أخطأوا ويقدمون فدية لإبطال الخطيئة، أى دموع التوبة وألم التوبة وطرق الإحسان المختلفة، لأن حسب الكتاب: ” الرحمة تفتخر علي الحكم[23]. الناموس يُميّز بين أولئك الذين وقع عليهم الضرر. فإذا كان الثور قد قتل ابنًا أو ابنةً، فليمت الثور وصاحبه بلا رحمة أما إذا قتل عبدًا أو عبدةً فليدفع فدية. ألاَ يستحق إذن أن نرى ما هو السبب؟ بالرغم من أن وجود أحرار وعبيد ينتج عن سوء استخدام السلطة وليس نتيجة لخطأ ما، مثل المرض مثلاً لأنه حسب كلام النبي: ” أليس أب واحد لكلنا أليس إله واحد خلقنا[24]. هل نستنتج إذن أن الخالق يسلم البعض إلي الجريمة والعبودية؟ هل الله هو الذي وضع العبيد في مكان مهين والأحرار في المجد؟ بالتأكيد لا، لأنه مكتوب: ” ليس عبد ولا حر.. لأنكم جميعًا واحد في المسيح يسوع[25]. بناءً علي ذلك، فالناموس هو ظل، والابن والابنة يعني الجيل الحر للقديسين، بينما العبد أو العبدة الجنس المستعبَد الموجود تحت ثقل الخطيئة. وارتكاب الأخطاء ضد القديسين وضد الخطاة ليس له نفس الثقل ونفس العقاب. وبالتأكيد إن كون هؤلاء وأولئك هم إخوة من جهة الطبيعة فهذا واضح لكل واحد: لكن القديس موجود في سمو روحي وعلي مرتفعات الفضيلة. ومن جانب الله فإنه وضع القديسين في رتبة الأبناء والبنات، الأمر الذي يتخطى قياس البشر والعبيد. الناموس أوصي بطرق أخرى أن نفعل أعمال صالحة ونمارس المحبة تجاه الإخوة. سوف نستعرض هذه الطرق وسوف نتحدث عن كل ما هو في حدود طاقتنا. قال أيضًا: ” وإذا فتح إنسان بئرًا أو حفر إنسان بئرًا ولم يغطه فوقع فيه ثور أو حمار فصاحب البئر يعوّض ويرد فضة لصاحبه والميت يكون له[26]. هذه الوصية تشير إلي أنه لا يصنع أحد عائقًا أو عثرةً لأخيه ولا يجعل الأمور التي هي ضرورية للحياة لنا وللآخرين وسيلة للموت. هل من يحفر بئرًا لا يفعل شيئًا مفيدًا وضروريًا لنفسه وللآخرين؟ لكن لا يجب أن يكون ما تفعله أنت يُسبب خطرًا للآخرين، لأنه كما يقول بولس العظيم ” المحبة لا تطلب ما لنفسها[27].

بلاديوس: ومن هو هذا الذي يحفر بئرًا؟ وما الذي يشير إليه البئر لأنني أريد أن أعرف هذه الأمور بوضوح.

كيرلس: ما يشير إليه النص المقدس واضح بالطبع، لأنه يقول ينبغي أن يُغطى البئر حتى لا تحدث حادثة للآخرين، لأنه يقول ليت من لا يغطى البئر يعرف أنه إذا انزلق حيوان في البئر فسوف يدفع أموالاً لصاحبه، لكن هذا الذي قُتِل سيكون ملكه. وسوف نقول ونحن نفسر الأمر وفق المفهوم الروحي: الناموس يدعو البئر معرفة الكتاب الموحى به من الله، وأيضًا الكلام عن الثالوث المقدس والمساوي وعن سر المسيح  كمال كل هذا كان موجودًا في العمق وفيه القوة المحيية وهذا ما سوف يؤكده لنا المخلص نفسه ” وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته[28]. إذن، كل مَنْ يدرس الكتابات القديمة ويتحقق بجهد وفير من أقوال الكتاب الموحي به من الله مفتشًا عن المعرفة الدقيقة والصحيحة، يُشبه إلى حد كبير من يحفر بئرًا لأنه يفتش عن الماء الذي يعطي الحياة[29]، والنبع الذي يحتوى علي البهجة والسرور. فالذي وصل الي هذه الدرجة من الفهم، يستطيع أن يُسلَّم ما فتش عنه كمن يحفر بئرًا ولن يصنع شيئًا جديدًا بعرق الآخرين ولكن يفيد ذاته والآخرين بأتعابه. لكن محبي المعرفة الكاذبة بحسب قول النبي يحفرون آبارًا. حسنًا يقول النبي إذا حفر شخص بئرًا عليه أن يؤَمنه لكى لا يصير لآخرين سببًا للهلاك، في حين أنه يظن أنه صنعه حسنًا، لأنه ينبغي أن نكرز بكلام الله بطريقة مستقيمة وبدقة حتى لا يصير هذا الكلام سببًا للعثرة. وهذا ما يعنيه الغطاء علي البئر، بمعنى أن لا يغيب عن الكرازة الأمان الواجب، لأنه يقول إذا وقع في البئر حمار أو ثور فصاحب البئر يعوّض. الثور أيضًا والحمار لم يذكرهما بالصدفة لكن الإشارة لهما لها معنى عميق. ذَكَرَ الثور لكي يحضر إلي ذهنك الجنس المقدس والطاهر، بينما الحمار لكي تتذكر الجنس الدنس وغير الطاهر، لأنه حسب الناموس لا تُقدم إلي الله ذبيحة غير طاهرة. بالتأكيد فإن الجنس المقدس والطاهر هو كل الذين تطهروا بالمعمودية المقدسة، لكن ما زال البعض بداخلهم دنس الخطية. فهو كأنه يقول: “إذا حدث ضرر لشخص من أولئك الذين تعمدوا وقبلوا ختم النعمة من جهة الشركة مع الله، أو لشخص تصادف أنه لم يعتمد بعد سوف يعاقب مسببًا العثرة وسوف يبقى في هذا الموت بمعنى سيصير الموت موت ذاك الذي أصابه الموت. بالتأكيد المخلص نفسه قد حذرنا قائلاً: “ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بِى فخير له أن يُعلَّق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر[30].

بلاديوس: تتحدث بالصواب.

كيرلس: يمكنك أن تتحقق بسهولة أن الناموس يعلن بطرق رمزية أنه ليس من الصواب أن يخطئ المرء إلى الإخوة. لأنه كون أن أحد يجرح ضميرهم الضعيف روحيًا فيكون كمن يخطئ إلى المسيح[31]، يقول إذن     ” إذا خرجت نار وأصابت شوكًا فاحترقت أكداس أو زرع أو حقل فالذي أوقد الوقيد يُعوِّض[32]. لأنه لا يجب أن يُهلك الأشياء المفيدة مع الأشياء الضارة ولا تهلك الحيوانات الأليفة مع الحيوانات المفترسة.

بلاديوس: كيف تفهم هذا ؟

كيرلس: هل لا يوجد تشابه بين كتابات الهراطقة الفجار والمعلمين الثرثاريين اليونانيين وبين الشوك الذي علي الجبال وفي الحقول؟ بمعنى أي فائدة يمكن أن تكون لنفوس البشر من هذه الأمور أو بمعنى آخر أي ضرر سوف لا يصيب كل الذين لا يريدون أن يضعوا هذه الأمور في عقولهم؟ الأشواك تغذى النار وتمثل فقط غذاءً لألسنة النار. هكذا العقائد المظلمة التي لأولئك الذين هم في الضلال وحكايات العجائز الوثنية فهي توقد ألسنة النار الأبدية. السنابل والقمح هي طعام لذيذ للبشر وضروري لفائدتنا إذ بها نستمر في الحياة، وهي مثال لعقائد الحق والتي بها يتغذى كل الذين يؤمنون بالخبز الحقيقي أي بالمسيح. الكتب المقدسة هي وادي سهل وبدون وعورة لأولئك الذين يعرفون أن يحيوا بطريقة صحيحة ومستقيمة. لأنه حسب ما هو مكتوب: ” كلها واضحة لدى الفهيم ومستقيمة لدى الذين يحبون المعرفة[33]. إذن، فالشوك هو ثرثرة المنحرفين الدنسة والمملوءة فُجرًا بينما القمح والسنابل هي كلمة الحق التي تفيد وتغذي النفس إذ أن الكتاب المقدس هو وادي سهل. وذلك عندما نقول إن أقوال القديسين تنقَضّ كألسنة النار على ضلال الهراطقة واليونانيين، إذ أن القديسين يدافعون عن عقائد الحق ويهاجمون تلك الأشواك حتى تحترق كتابات أولئك مثل الأشياء المادية غير المفيدة بدون أن تسبب أي ضرر للسنابل ولا القمح الذي تحمله، ليت المعلمون يحترسون كى لا يلحقون الأذى بأى عقيدة من عقائد الحق. والمعلم الذي لا يحترس ولا يؤدى واجبه على ما يُرام وأحرق شيئًا من الأشياء المفيدة (أى حرَّف عقيدة من العقائد) فإنه سيدفع ثمن إهماله هذا. هل أدركت إذًا كم يريد المشرِّع بما  يأمر به أن يُنهِض انتباهنا لكى ينقذ فى كل الحالات نقاوة وصراحة المحبة نحو إخوتنا؟

بلاديوس: بالتأكيد أدركت.

 

[1] 1كو12:12ـ14.

[2] رو15:8.

[3] يو39:7.

[4] لا18:19.

[5] متى12:7.

[6] 1كو13:13.

[7] 1كو3:13ـ8.

[8] أمثال7:16س.

[9] تث25 :13ـ26.

[10] لا35:19ـ36.

[11] مت20:5.

[12] لا 16:19ـ17.

[13] لا19:19.

[14] تث11:22.

[15] إر8:9.

[16] مز3:15.

[17] مز6:68.

[18] غلا10:1.

[19] 1تى5:3.

[20] خر28:21ـ32.

[21] 1كو9:9ـ10.

[22] 1تي22:5.

[23] يع13:2.

[24] ملا10:2.

[25] غل28:3.

[26] خر33:21ـ34.

[27] 1كو5:13.

[28] يو3:17.

[29] انظر يو14:4.

[30] مت 6:18.

[31] انظر 1كو12:8.

[32] خر6:22.

[33] أمثال9:8.

 

المقالة7 ج4 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

 

السجود والعبادة بالروح والحق

تابع المقالة السابعة

في المحبة الواجبة نحو الاخوة

بلاديوس: كلامك حق لأن حياة القديسين ستكون هي الحياة التي سيكون فيها كل شئ مُعدًا لهم، وستكون الخيرات في متناول أيديهم. وليتنا نقول نحن أنفسنا لكل قديس: ” لأنك تأكل تعب يدك. طوباك وخيرًا لك[1].

كيرلس: إذن ونحن نسرع إلي هدفنا، فلنرجع إلي حديثنا ونقول: يقودنا الناموس بقوة وبصلاة عقلية إلي الإله الواحد الحقيقي ولا يتركنا نجهل الكلمة الأزلي المولود منه. لأنه قد أُعطى لنا من قِبَل الوصية وأُعلِنَ لنا:   ” تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل قوتك[2]، وأيضًا   ” الرب هو الإله. ليس آخر سواه[3]، وربط سر المسيح  بكل هذا ارتباطًا مباشرًا مضيفًا: ” احفظ يوم السبت لتقدسه كما أوصاك الرب إلهك[4]، لأنه هو الطريق، وهو الصالح، والمبدع الأعظم، والذي يغدق بالخير الكامل علي الذين يريدون أن يعرفوه. لذلك قال مخلصنا إلي أبيه السماوي: ” هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته[5]، هنا يربط ربطًا وثيقًا الكلام عن الآب بالكلام عن الابن، لأن المعرفة هي واحدة للاثنين. حسنا وبخ الذين أخفقوا في معرفة الحق وظنوا أنهم يعرفون الله، قائلاً: “ لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا. ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه[6]، لأن معرفة الواحد والآخر مشتركة في الاثنين. إذ بعدما وضع أساسًا دقيقا للمعرفة الإلهية كشيء ملزِم وبعدما زرع داخلهم معرفة المشرِّع، نزل إلي البشريات، وإلي جانب إكرام الله وضع مباشرةً وصية إكرام الأب والأم مرتبطين معًا، فمن خلالهما أتينا إلي الوجود بإرداة الله، لذلك فإن لهم مكانه ثانية بعد الخالق. فالطبيعة البشرية تنشئ داخلها الكائن الحي الذي يقبل مجد الخالق وذلك بالقدرة الإلهية. وكما أن الله هو بداية الكل حيث هو مبدع وخالق، هكذا كل واحد من الوالدين هو بالنسبة لطفله يكون أصل ولادته ومصدر مجيئه إلي الوجود. إذن، فحسب مثال خالق الكل يتمثل العمل المشترك بين الأب والأم في قدوم كل البشر إلي الوجود. لهذا بالتأكيد أمر الناموس أن تُعطي كرامة عظيمة لهما، وأكد علي أن الذين يكرمونهما سوف ينالون كرامة عظيمة، وبالعكس الذين لا يكرمونهما سوف ينالون جزاءً مؤلمًا، فالتصرف المهذب والموقر يتوّج صاحبه بالكرامات بينما التصرف غير الحسن يحمِّله بآلام ومشقات ومصاعب أخرى فى الحياة، لأنه يقول ” أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك علي الأرض[7]. إذن، فهناك مكافأة عظيمة للذين يكرمون الوالدين في هذه الحياة وتمتد لأزمنة طويلة، وحكم الناموس بالموت علي الشتامين مخيفًا إياهم كمربى يقودهم نحو الصواب. لأنه يقول أيضًا: ” ومن ضرب أباه أو أمه يُقتل قتلاً[8].

انتبه إذًا علي أي حال، فإن من يرتكب الخطيئة تجاه الوالدين يعاقب بنفس جزاء من يرتكب خطية ضد الله وهنا يضع حقوق الوالدين بجوار حقوق الله، بمعنى كما أن اللسان الخاطئ ضد الله يُعاقَب بالموت بغضب شديد، هكذا نفس الأمر يصير مع الوالدين. وإن نقض أحد الوصية الإلهية وأحزن المُربِّى بمخالفته فإنه يموت.

هكذا إذن إن لم يضع الإنسان في حسابه وصايا أبيه أو أمه، يموت بالرجم، كما أمر الناموس الإلهي، حقًا يقول سفر التثنية: ” إذا كان لرجل ابن معاند ومارد لا يسمع لقول أبيه ولا لقول أمه ويؤدبانه فلا يسمع لهما يمسكه أبوه وأمه ويأتيان به إلي شيوخ مدينته وإلي باب مكانه ويقولان لشيوخ مدينته ابننا هذا معاند ومارد لا يسمع لقولنا وهو مسرفٌ وسكيرٌ. فيرجمه جميع رجال مدينته بحجارة حتى يموت. فتنزع الشر من بينكم ويسمع كل إسرائيل ويخافون[9] إذًا هل تستطيع بعد هذا أن تتردد في أن تعتبر أن كرامة الأب والأم تقترب من كرامة الله؟

بلاديوس: إطلاقًا لأن الناموس أقنعنا بأنه يجب أن نكرمهما والسبب الذي قاله شخصي بحكمة ” ُأذكر أنك بهما كُونتَ[10]. ويعقوب البطريرك أب الآباء يقول بالصواب: ” لولا أن إله أبي إله إبراهيم وهيبة اسحق كان معي لكنت الآن قد صرفتني فارغًا[11].

كيرلس : أخبرني إذن، كوننا نقول إننا قد وُلدنا منهما ألاَ يبرهن بوضوح أن هذه هي أيقونة الخالق الذي يدعو غير الموجود إلي الوجود؟ وأنه  يجب أن نكرمهما ونهابهما، ألاَ يبدو أنه وضع لهما نفس مكانة ومنزلة الرتبة الربانية؟

بلاديوس: بالتأكيد. لذلك كان سفر الأمثال يلعن البعض قائلاً: ” العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة إطاعة أمها تقورها غربان الوادي وتأكلها فراخ النسر[12]، لكن وَضِّح ليّ من فضلك ذلك، كيف يفهم المرء قول المخلص: ” من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني“؟[13]، وأيضًا القول الآخر أي عندما ترجاه تلميذه أن يذهب ويدفن أباه قال له ” اتبعني ودع الموتى يدفنون موتاهم[14].

كيرلس: وما هو غير المعقول في هذه الأمور؟ فيمكن معرفة هذه الأمور بكل بساطة ـ كما أعتقد ـ وبسهولة يستطيع أن يدركها من يريد أن يفكر بالصواب.

بلاديوس: لكن الكلام ليس واضحًا تمامًا، لأن يبدو أنه يبعدنا عن توقير الوالدين.

كيرلس: يا عزيزي الكلام بعيد عن مثل هذه الشبهة، وعن هذه الأفكار الرديئة. لأن كلام المخلص لا يبعدنا إطلاقًا عن احترام الوالدين لكن يعلمنا أن احترام الله يسبق ويفوق احترام الوالدين، ونحن نعتبر احترام الوالدين مرتبطًا بالاحترام اللائق بالله، وهو الأمر الذي حفظه المسيح نفسه إذ أنه لم يَدِن الذين يحبون الوالدين، ولا حتى أنَّب وأدان الذين يحترمون الوالدين. لكن ببساطة شرَّع بطريقة لائقة أن تأتى الأمور البشرية في الترتيب الثاني بعد الأمور الإلهية. لأنه لم يقل فقط ” من أحب أبًا أو أمًا” لكن أضاف عبارة ” أكثر مني“. هل تعتقد أنه لا ينبغي أن تكون الأولوية للمحبة نحو الله ثم بعد ذلك المحبة نحو البشر؟

بلاديوس:  لا بالتأكيد.

كيرلس: حسنًا، فهو لم يترك التلميذ يمضي في فكرة اعتبار المحبة نحو الإنسان أفضل من المحبة نحو الله، حتى إن كانت نواميس الطبيعة تنادي بالاحترام والمحبة نحو الوالدين. وببساطة فقد وضع ما يخصه في مرتبة أعظم مما يخصنا. لأن الله هو أعلا من الكل وفوق الكل. لكنه لم يأمر مطلقًا بأن نعتبر توقير أو احترام الوالدين شيئًا تافهًا، فهو أوصى بأن نقول إن كل ما يتعلق بالله فهو في المرتبة الأعظم والأحسن لأن هذا الأمر قاله المسيح إلي معلمي اليهود: ” لماذا تتعدون وصية الله بسبب تقليدكم فإن الله أوصى قائلاً أكرم  أباك و أمك. ومن يشتم أبًا أو أمًا فليمت موتًا. وأما أنتم فتقولون من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذي تنتفع به مني. فلا يكرم أباه أو أمه فقد أبطلتم وصية الله بسبب تقليدكم[15].

بلاديوس: أليس تكون بذلك معرفة هذه الأشياء مفهومة جدًا. وهكذا يتضح ما هو جرم الفريسيين في هذه الحالة؟

كيرلس: مكتوب في سفر اللاويين: ” إذا أفرز إنسان نذرًا حسب تقويمك نفوسًا للرب. فإن كان تقويمك لذكر من ابن عشرين سنة إلي ابن ستين سنة يكون تقويمك خمسين شاقل فضة علي شاقل المقدس[16]، ومن حيث إنه قال قليلاً عن المرأة والأولاد أضاف: ” وإن كان فقيرًا عن تقويمك يوقفه أمام الكاهن فيقوّمه الكاهن علي قدر ما تنال يد الناذر يقوّمه الكاهن[17] الكلام سري وعميق وسوف نفحصه بالتفصيل حينما يحين الوقت. الآن ليتنا  نأتي إلي موضوعنا، أتى بعض الإسرائيليين وطلبوا أن يكرسوا نفوسهم لله. بالطبع في فترة المثال والظل وحسب الناموس كانوا يكرمون هؤلاء الذين نالوا رتبة الكهنوت وخدموا المذبح الإلهي، لكن بعض الذين اشتهوا هذا المجد (أي الكهنوت) وأرادوا أن يحققوا رغبتهم في أن يصيروا كهنة كان عدم توافر الأموال بالنسبة لهم يمثل عائقًا منيعًا. فالكتبة والفريسيون حثوهم علي أن يدفعوا، لأن هؤلاء الكتبة والفريسيين كانوا محبين للمال والرشوة الدنسة. وكانوا يحاولون أن يظهروا احترامًا للوالدين وكانوا يقولون لهم نحن بالكاد نستطيع أن نجد الأمور الضرورية للحياة لأنفسنا ولأولئك الذين يكرسون أنفسهم للرب بأن نؤمِّن لهم ملبسهم وكانوا يقنعون المكرسين بأن مساعدة الوالدين هو أمر عديم النفع عند الله حتى أنه عندما يأتي الوالدون ليطلبوا مساعدتهم المنتظمة لقنوهم بأن يخبروهم: “ما تريدونه هو عطية من الله” أي ما سوف تأخذونه منا هو مخصَّص لله فلا تمد يدك إلي الأموال الإلهية إذ أنني كرست ذاتي إلي الله وقدمتها إليه كعطية له. هكذا يدفعوهم أن يتصرفوا ضد الوصية الإلهية لدرجة أن الخوف أصبح ينتابهم من إمكانية تعرضهم للضرر بسبب انتهاك الحرمات المقدسة، كما أنهم أصبحوا يرتعبون بشدة من الناموس وكل هذا بزعم توقير الله. لذلك يقول لهم المسيح: ” قد أبطلتم الوصية الإلهية بسبب تقليدكم“، فكان يجب أن يتم تكريم الوالدين وليس بادِّعاء توقير الله ندوس علي وصية الناموس الخاصة بإكرام الوالدين. وبالتالي لا يجب أن نهمل كل ما يليق بالله بحجة الأمور البشرية، ومن أجل الله يجب أن لا نبالي بالأمور البشرية. بل بالعكس علينا أن نحب أب الكل محبة شديدة وفي المرتبة الثانية مباشرة نقدم للوالدين ـ الذين اشتركوا مع الله في خلقنا ـ الكرامات اللائقة. وبجانب هذا الذي قلته يجب أن نأخذ في اعتبارنا أمرًا آخر.

بلاديوس: ما الذي تريد أن تقوله؟

كيرلس: أظهر ربنا يسوع المسيح بأنه ينبغي علينا أن نحترم والدينا، وأعتبر أمه جديرة بالاحترام والرعاية. حقًا لقد كان معلقًا فوق الصليب المقدس ومُسمرًا علي الخشبة وسلم العذراء القديسة إلي تلميذه المحبوب الأصيل جاعلاً تلميذه المحبوب عائلاً لها، إذ قال: ” يا امرأة هوذا ابنك ثم قال للتلميذ هوذا أمك ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلي خاصته[18] ومكتوب ” من تلك الساعة أخذها التلميذ إلي خاصته [19].

بلاديوس: يبدو لي أن توسعك في هذا الموضوع كان ممتازًا.

كيرلس: وحيث إنه وضع الأولاد تحت نير والديهم ووضعهم تحت نير الناموس، فهو وضع بذلك شريعة خاصة بتصرف الوالدين تجاه أولادهم إن كانوا لا يريدون أن يحيدوا عن إرادة الله. لقد أخبر بولس الحكيم، بإيجاز وبإعلان جيد، الأولاد أنه ينبغي عليهم أن يخضعوا لآبائهم وأيضًا قال      “وأنتم أيها الآباء لا تغيظوا أولادكم بل ربوهم بتأديب الرب وإنذاره[20]، بمعنى أن يصيروا لهم معلمين ويقودوهم إلي حياة محبة الله وفق الناموس. والناموس يعطي وصية للوالدين بشكل متكامل أن يعتنوا علي قدر استطاعتهم بكل ما يفيد أولادهم لأنه يقول: “ لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة[21]، أي أن الخالق يطلب منا قبل كل الأمور الأخرى الطهارة الجسدية كمثال أولى لحياة القداسة. لأن الطهارة الجسدية هي مدخل للبهاء الروحي، وذلك إذا هربنا من ارتكاب التصرفات الدنيئة. إذًا يجب علي الآباء أن يقدموا لنا نصائح حسنةً ولكن إذا وصل المربون إلى الانحراف أو تغير الهدف ولا يبالون وبالأحرى يصيرون هم أنفسهم مبتعدين عن التعقل في قيادتهم لأولادهم وإذا أصبحوا محترفين في فعل الأمور المتدنية، فإنهم سيخضعوا لجزاء قاسي لأن الوالدين يدمرون ثمارهم ويلقونهم في الهلاك حيث يكون الموت بالنسبة لهم هو الأفضل لأن (الغريزة) الطبيعية لديها هذا الناموس عند الآباء، فمن يعرض بدناءة ظاهرة ابنته إلي هؤلاء المريدين فلن يكون هو قط المسئول عنها، ولن يعاقبه ديَّان الجميع بمفرده بل يعاقب كل واحد انزلق إلي هذه الدناءة. لأنه يعتبره كما لو كان قد أقام مصيدة وشبكة موت وأوقع الجميع. لأنه لا يدين بحسب النتيجة ولكن بحسب بشاعة هذه الأعمال الخاطئة. ويكتب سليمان الحكيم عن هذا النوع من النساء، الآتي:  ” فوجدت أَمرَّ من الموت المرأة التي هي شباك وقلبها إشراك ويداها قيود[22]. اذن، فهناك ضرورة لأن يقول المشرِّع: ” لا تدنس ابنتك بتعريضها للزنى لئلا تزني الأرض وتمتلئ الأرض رذيلة[23]. لأنه إن لم يوجد هناك تلك التي ترتكب جريمة الزنا، فسوف لا يكون من الصعب أن يهرب المرء من هذا الشر. حتى لو كان هناك شخص ما زال ينجذب بسهولة إلي اللذة ويسيطر الضعف علي عقله بالكامل، كما أنه لن تكون هناك صعوبة في حفظ اللياقة الجسدية. وهو يعطي الآباء هذه الوصايا الخاصة بأولادهم، ويعتبر أن الذي يصل إلي مرحلة طرد أولاده بعيدًا عن الله يستحق الموت. مكتوب في سفر اللاويين الآتي: ” وكلم الرب موسى قائلاً: وتقول لبني إسرائيل إن كل إنسان من بني إسرائيل ومن الغرباء النازلين في إسرائيل أعطى من زرعه لمولك فإنه يُقتل. يرجمه شعب الأرض بالحجارة. وأجعل أنا وجهي ضد ذلك الإنسان وأقطعه من شعبه لأنه أعطى من زرعه لمولك لكي ينجس مقدسى ويدنس اسمي القدوس[24].

بلاديوس: الناموس غير واضح، لأنه ليس واضحًا ماذا يريد أن يقول، ليتك توضِّح أقواله.

كيرلس : إن الموآبين والمديانيين والجرجسيين وقبائل بربرية أخرى كانت تسكن في بلاد اليهود ويُعاَملون وفق الأعراف اليونانية، كل واحد له الديانة التي يريدها، وقد سجدوا وعبدوا ما يخطر علي بالهم. وبسبب أن الإسرائيليين لم يكن لديهم بعد فكر ثابت في محبة الله، كان من السهل جدًا أن يعصوا الله ويبتعدوا عنه، لدرجة أنهم لا يرون أن هناك أي خطية إذا سجدوا لآلهة جيرانهم، أو إذا أسلموا أنفسهم مع جيرانهم إلي مرض الضلال المصرى القديم. هكذا استولت عليهم الشهوة تجاه فتيات المديانيين وصاروا مهووسين بجمال النساء مما جعلهم يسجدون مع المديانيين لبعل فغور، بسبب هذا حرّم المشرّع تمامًا الاختلاط بالغرباء بعدما عبّر جيدًا عن أفكارهم الطائشة وغير المترابطة، وقال بوضوح: ” ولا تصاهرهم ابنتك لا تعطه لابنه وبنته لا تأخذ اأبنك لأنه يردّ ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى فيحمي غضب الرب عليكم ويهلككم سريعًا[25]. إذن بسبب أنه حدث وهذا كان طبيعيًا جدًا أن بعض الإسرائيليين أرادوا أن يتزوجوا بنات الغرباء من قبائل أخرى غير مكترثين لمسألة العصيان، حدَّد المشرِّع لهذا التهور الغضب الإلهي والحكم بالموت، وأدانهم بجزاءات قاسية. حسنًا إن العهد الجديد المقدس يطلب من الوالدين أن يعتنوا بأولادهم ويغذونهم بنصائح الرب، بينما الناموس ثقيل اللسان يتبع هذا الطريق ولكن يستخدم حيلاً مراوغة. لأنه حسنًا يأمر أن لا يسمح للآباء أن يدفعوا بناتهم إلى الرذيلة والانحلال، وقال أيضًا إنه يجب عليهم بعد ذلك أن يحفظوا بثبات كل ما يخص معرفة الله، ولا يتركوهم أن يسلموا أنفسهم إلي عبادة الأصنام الدنسة، حتى لو كان الدافع وراء ذلك الثروة العظيمة. لأن الزواج برجل غريب من أمة أخرى، حتى لو كان غنيًا تعبّر عنه هذه الآية: “ ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه[26].

بلاديوس: تتحدث بالصواب

[1] مز 2:128.

[2] تث 5:6.

[3] تث 35:4.

[4] تث 12:5.

[5] يو3:17.

[6] يو7:14.

[7] خر12:20.

[8] خر15:21.

[9] تث18:21ـ21.

[10] حكمة30:7.

[11] تك31: 42.

[12] أمثال30: 17.

[13] مت10: 37.

[14] متى 8 :22.

[15] مت 3:15ـ6.

[16] لا2:27ـ3.

[17] لا8:27.

[18] يو26:19ـ27.

[19] يو19: 27.

[20] أف5:6

[21] لا29:19.

[22] جامعة26:7.

[23] لا19:29.

[24] لا1:20ـ3.

[25] تث3:7ـ4.

[26] متى26:16.

 

المقالة7 ج3 – السجود والعبادة بالروح والحق ج4 – ق. كيرلس الاسكنري – د. جورج عوض إبراهيم

Exit mobile version