الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الجزء الأول: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

4. اليوليانية:

لقد ذكرنا فيما سبق[1] الخلاف الذي نشأ بين البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus)، ونستطيع أن نقول إن البطريرك ساويروس، من خلال رده على الأمور التي أثارها يوليان، قد نجح في التعبير عن بعض من أعمق تعاليمه الخريستولوجية. ولكي نتمكن من فهم تلك التعاليم ينبغي علينا أولاً أن نستعرض باختصار أفكار يوليان التي قام البطريرك ساويروس بتفنيدها.

يذكر يوليان في خطابه الثاني[2] لساويروس، أن المسيح بإرادته تألم ومات (suffered and died) لأجل الجنس البشري وأعطى حياة للمائتين. ولكن يوليان كان حريصاً أن يتجنب الاضطرار للتسليم بأن ناسوت الفادي كان محتاجاً لهذا العمل الخلاصي. وفي نفس الوقت، كان يوليان واضحاً في إصراره على أن آلام المسيح وموته كانا حقيقيين، وأنه اختارهما بفعل إرادته الحرة، بدون أي يكون مجبراً بالطبيعة، وذلك لكي يمنحنا عدم قابلية الفساد (incorruptibility) بواسطة القيامة.

وزعم أسقف ’هاليكارنيسوس‘ أن بعض الناس اعتبروا أن هذه الآلام الإرادية علامة على أن جسد المسيح كان قابلاً للفساد، ولكن يوليان أكد أن الحقيقة هي أنه “من أجل أن يدبر عدم الفساد بالقيامة، أخذ عدم الفساد حتى في حياته”.[3]

وادعى يوليان أن جسد المسيح كان غير قابل للفساد، ليس منذ وقت القيامة فقط، ولكن حتى منذ تكوينه في رحم الأم، وهنا ذكر يوليان الحبل البتولي لتأييد موقفه. كما أكد يوليان كذلك أنه لا يوجد فرق بين جسد المسيح بعد القيامة وجسده قبل القيامة، فيقول: “وبنفس الحال الذي كان عليه ذلك الجسد حين تألم، قام في اليوم الثالث بدون أي تغيير”.[4]

لا يعني هذا ـ على الرغم من ذلك ـ أن يوليان كان يرى أن ناسوت المسيح لم يكن هو ناسوتنا، أو أن آلامه وموته ليسا حقيقيين. وقد كتب يوليان ـ كما جاء في اقتباس البطريرك ساويروس ـ ما يلي:[5]

“ولذلك نحن نعترف أن الرب تحمل بإرادته الآلام والموت، في جسده الذي (أخذه) منا والذي له نفس الطبيعة معنا. ولا نقــر أنــــه فعـــــــل ذلك بســبب ضــــــــرورة طبيــعـــية (natural necessity)، لأن المسيح كما يقول بطرس قد تألم لأجلنا في الجسد. وذاك الذي تألم لأجلنا لم يسلِّم نفسه (عن ضعف)، بل حرَّر آخرين دون أن يكون هو تحت الضرورة.

ومرة أخرى (أقول) إنه لا ينبغي على من يسمع أن المسيح تألم من أجلنا في الجسد، أن يعتقد أنه تألم من أجل نفسه. لأنه إذا كان تألمه وموته هو بسبب ضرورة طبيعية، لكان قد سعى بالتأكيد إلى تحرير نفسه”.

واعترف يوليان أن ناسوت المسيح كان غير قابل للفساد لأن الله الابن اتخذ ناسوت آدم قبل السقوط. وتعتبر هذه الفكرة من أساسيات تعليم يوليان، حيث قال إن الفساد والموت قد حلا بالجنس البشري نتيجة السقوط، ولذلك لم يكن ناسوت آدم قبل السقوط خالياً من الخطية فقط ولكن كان أيضاً غير قابل للألم والفساد.[6]

ألم يتخذ الله الابن ناسوتاً من مريم؟ فإذا كان ناسوت العذراء هو من نفس الناسوت الساقط لآدم، وبالتالي قابلاً للفساد، فكيف يمكن لجسد المسيح أن يكون غير قابل للفساد؟. ويجيب يوليان عن هذا السؤال بإسلوب إيضاحي،[7] فيقول أن أطفال الآباء العميان أو المصابين بأي نوع، عادة ما يكونون خاليين من نوع العجز الذي كان عند سلفهم، وأكد يوليان أنه بنفس الطريقة وُلد المسيح من مريم بدون أن يتأثر بالعجز الناتج عن السقوط من خلال والدته.

والخلاصة إذن هي أن تركيز يوليان الخاص كان في تأكيده على أن ناسوت المسيح هو ناسوت آدم قبل السقوط؛ وبالتالي كان المسيح في إنسانيته واحداً معنا في الجوهر بمعنى أن ناسوته كان هو الناسوت الأساسي الذي فينا؛ ولكن تألمه وموته كانا باختياره الإرادي لأجلنا، دون أي ضرورة طبيعية بالنسبة إلى ناسوته.

وحيث إن تلك النقطة كانت هي النقطة الحاسمة في تعليم يوليان، فيجدر بنا في هذا السياق أن نشير إلى ما قدمه ر. دراجيه[8] (R. Draguet) عن الفكر اللاهوتي لأسقف ’هاليكارنيسوس‘. وقد توصل دراجيه إلى أن رؤية يوليان كان لها من يؤيدها في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، وهذا استنتاج يحتاج إلى وقفة.

وفي الحقيقة ـ كما رأينا ـ قيل أن الإمبراطور جوستنيان نفسه آمن بمعتقدات يوليان وهو في سن متقدمة،[9] وسوف نرى فيما بعد أن أفكار يوليان دخلت في الفكر اللاهوتي للجانب الخلقيدوني أكثر مما حدث مع الجانب غير الخلقيدوني.[10] كما ينبغي أيضاً التسليم دون أي تردد بأن اهتمام يوليان كان هو التأكيد على خلو المسيح المطلق من الخطية، ومن المؤكدأنه انطلاقاً من هذا الاهتمام أقر أن ناسوت المسيح هو الناسوت الأساسي (essential)، وهو ناسوت آدم قبل السقوط.

ومع ذلك فإن رأى دراجيه في أن نظرية يوليان لا يمكنها أن توضح حقيقة ناسوت المسيح، هو رأي لا يمكن قبوله إلاّ بشروط، ولكن وجهة نظره (أي دراجيه) التي تقول أن الفرق بين يوليان والبطريرك ساويروس لا يتعدى الاختلاف اللفظي في المصطلحات، فهي بالقطع وجهة نظر خاطئة تماماً.[11]

وإذا انتقلنا إلى التفنيد الذي قدَّمه البطريرك ساويروس، فسنبدأ بالسؤال الذي وجهه إلى يوليان قائلاً: “كيف يمكنه (أي المسيح) وهو لم يتألم في الجسد مثلنا ـ بالرغم من كونه بغير خطية ـ أن يكون قد اشترك بالفعل في آلامنا؟”.[12] فإذا كان ذلك مستحيلاً، فينبغي على يوليان أن يسلِّم ـ على الرغم من أنه كان يؤكد عكس ذلك ـ أن تألُّم المسيح كان وهمياً. ولكن الأسفار المقدسة تعلِّمنا أن المسيح كان البكر من الأموات، مما يعني أنه تألَّم ومات مثلنا في  الجسد.

وعند الإشارة إلى السؤال عن: هل كان جسد المسيح قابلاً للفساد أم غير قابل للفساد؟، بدأ البطريرك ساويروس كلامه بتعريف معنى كلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘،[13] حيث أكد إنها تتضمن معنيين متباينين.

أولاً: تعني ’الخلو من الخطية (sinlessness)‘، وبما أن كلاً من يوليان والبطريرك ساويروس كانا يتفقان على أن المسيح كان خالياً تماماً من الخطية، فمن الضروري أن ننظر في المعنى الآخر.

ثانياً: تشير ـ كما ذكر ساويروس ـ “إلى عدم امتلاك إمكانية الخضوع للآلام البريئة (guiltless) مثل الجوع، العطش، التعب من السفر….. وباختصار التألم والموت”.* وينبغي علينا هنا أن نتذكر أنه بالنسبة للبطريرك ساويروس كانت كل تلك الأمور هي خواص طبيعية للناسوت.

وعلق البطريرك ساويروس بأنه لم يوجد أحد من الذين علَّموا بأرثوذكسية، أقر أن “عمانوئيل تألم ومات بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم”.[14] ويؤكد الآباء على العكس من ذلك، أن المسيح تألم في الجسد الذي كان قابلاً لأن يعاني الشعور بوجع وعذاب الآلام، وأنه تحمل حزن وكمد الروح،[15] ومن هنا فإن جسد المسيح كان بالطبيعة قابلاً للألم وقابلاً للموت، ولكنه أصبح غير قابل للألم وغير مائت فقط بعد القيامة.

وبالتالي فبحسب المعنى الثاني لكلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘، كان جسد المسيح قابلاً للفساد قبل القيامة، ولكنه نال عدم قابلية الفساد مع القيامة. وكتب البطريرك ساويروس: “كان جسد المسيح ربنا على الدوام مقدساً وغير مدنس بالخطية. ولكنه صار غير قابل للألم وغير قابل للموت منذ وقت القيامة. لأن الكلمة غير القابل للألم وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً قابلاً للتألم والموت”.[16]

وبالنسبة لادعاء يوليان أن ناسوت المسيح كان هو ناسوت آدم قبل السقوط، أوضح البطريرك ساويروس نقطتين هامتين: النقطة الأولى، لم يذكر ساويروس أي تمييز أساسي بين الناسوت قبل وبعد السقوط (من جهة المعنى الثاني الذي ذكره لكلمة قابلية الفساد، أي قابلية الخضوع للآلام البريئة)، وذلك على عكس ما فعله يوليان. ويقول البطريرك ساويروس:[17]

“عرف آدم الأول ـ وهو قابل للموت* ـ زوجته حواء: وأصبح أباً لنا نحن الأولاد، القابلين للموت، الذين وُلدنا منه. ولكن آدم الثاني……… أخذ جسداً قابلاً للألم، حيث وحَّده بنفسه للشفاء بدون أي عيب أو خطية. وقد تركه ليظل قابلاً للألم والموت حتى يمكن أن يبدد سلطان الموت بكلمات العدل وليس بالقوة الخاصة بالله”.

أي أن الله الابن وحَّد بنفسه الناسوت الذي كان يحتاج إلى شفاء.

النقطة الثانية، رفض البطريرك ساويروس نظرية يوليان بأن آدم قبل السقوط كان غير قابل للألم وغير قابل للموت، وأنه أصبح قابلاً للموت وللفساد كنتيجة لعدم الطاعة والخطية. وأكد البطريرك ساويروس أن الإنسان خُلق منذ البداية قابلاً للألم وللموت،[18] ولكنه أُعطي وعداً بعدم الموت وعدم الألم كهبة إلهية تُمنح له بنعمة الله، وبالسقوط فقد الإنسان هذه النعمة الإلهية، على الرغم من أنه لم يُجرد من طبيعته.[19]

ولم تكن حقيقة أن ربنا وُلد من عذراء، تحمل ضمنياً أن جسده كان منذ البداية غير قابل للفساد. وقد أصر البطريرك ساويروس[20] أن “كون المسيح إلهنا ومخلصنا وُلد في الجسد من الدائمة البتولية مريم بالروح القدس، لا يعني أن ننكر الطبيعة التي هي واحدة معنا في الجوهر، ولا أن ننكر (عليه) آلام مثل التي لنا.

كما لا يعتبر هذا الأمر سبباً في أن ننسب النجاسة أو تلوث الخطية للزواج أو العلاقة الجسدية بين الزوج والزوجة، ولكنه يدلنا ـ نحن الذين وُلدنا من الروح القدس في العماد المقدس ـ أننا مُنحنا بغسيل التجديد ثقة الولادة الثانية في القيامة، وهي الكامنة في الولادة الروحية الذي كان هو أول من أخذها. وحيث إنه هو الذي وُلد أولاً، فقد صار آدم الثاني من أجلنا نحن الذين ولدنا ثانية وأُعيد تشكيلنا”. ومن هنا لا يمكن التسليم بإشارة يوليان إلى الولادة البتولية (للمسيح) كتأييد لنظريته.

وكان هدف التجسد، بحسب البطريرك ساويروس، هو استعادة النعمة الإلهية للإنسان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد الوعد بعدم قابلية الموت وعدم قابلية الألم الذي فقده آدم بالسقوط. ويقول البطريرك ساويروس: ولذلك “فإن الله الكلمة، الابن المولود الوحيد، غير المخلوق الذي هو قبل كل العالمين، أخذ جسداً مخلوقاً له روح عاقل، من زرع داود وإبراهيم”.[21]

ومع ذلك يؤكد البطريرك ساويروس “أنه ليس كافياً لنا، أن الله صار إنساناً بدون تغيير “، ولكن من الضروري أيضاً أن “المسيح ينبغي أن يتألم ويموت من أجلنا، وبذلك يصير أول الذين قاموا من الأموات”.[22] فالتألم والموت كانا الضرورة المسبقة لقيامته، والأمور الثلاثة (أي التألم والموت والقيامة) هي كلها أساسية لأجل خلاصنا. لقد فقد آدم الأول النعمة الإلهية من خلال فشله في طاعة الله؛ ولكن آدم الثاني استعادها من خلال نجاحه.[23]

إن الله الابن في طبيعته هو غير قابل للموت وغير قابل للألم، وقد تجسد بأن وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً مُحيَاً بروح عاقل، وهذا (الجسد) هو بالطبيعة قابل للألم وقابل للموت، وذلك لكي يمكنه أن ينتصر على التألم والموت. ومن هنا ترك الله الابن الجسد حراً ليخضع لكل ما هو طبيعي بالنسبة للجسد، كما تركه ليتألم ويموت.[24] وقد أخذ الله الابن التألم والموت اللذين اجتازهما الجسد ـ الذي جعله جسده الخاص ـ باعتبارهما أمرين خاصين به في حالته المتجسدة. ويؤكد البطريرك ساويروس أنه “على هذا الأساس نعترف أن الله الابن الذي تجسد، قد تحمل الآلام والموت من أجلنا”.[25]

ويقر البطريرك ساويروس أنه كان بالفعل عملاً من (أعمال) التنازل الإرادي من جانب الله الابن، أن يتخذ ناسوتاً ويجعله خاصاً به، وأن يدع التألم والموت يُنسبان إليه في حال تجسده. ومع ذلك حين نقول أن المسيح تألم بإرادته فنحن لا نرجع ذلك إلى ناسوته ولكن إلى الله الابن (المتجسد).[26]

لأنه قبل على نفسه الإخلاء وصار متجسداً، وبذلك يُتمم التدبير الفدائي لأجل الجنس البشري. وعندما نتأمل في ناسوت المسيح في فكرنا، سوف نرى أنه خضع للآلام الطبيعية البريئة (sinless). ويقول البطريرك ساويروس في ذلك:[27]

“لأنه ليس بسبب أنه (أي الله الابن) غير قادر أن يجعله (أي الجسد) فجأة غير قابل للموت وغير قابل للألم، فلذلك تركه قابلاً للألم وللموت، ولكن لأنه رأى أنه لا ينبغي أن ينتصر على الموت بممارسة القوة الخاصة بالله، فأراد أن يقبل في ذاته معركتنا في (الجسد) الذي هو بالطبيعة قابل للألم.

وقد فعل هذا بخلط القوة مع الحكمة، ومن ثم نضمن هذا الانتصار من خلال موت حقيقي وقيامة حقيقية. وبهذه الطريقة أمكن استعادة آدم الأول الذي سقط بواسطة انتصار آدم الثاني”.

إن خلاص الإنسان هو عمل الله، ولكنه لم يتم بفعل إلهي محض (بعيداً عن الإنسان)، لأن هذا يتعارض مع مبدأ عدل الله، لأن الإنسان خُلق وله هبة الحرية. وحيث إن الإنسان أساء استخدام تلك الهبة الإلهية وسقط من نعمة الله، فلذلك ينبغي أن يتم الخلاص داخل حياة إنسانية حقيقية وكاملة.

ولكي نوضح الأمور بإيجاز نقول أن الله خلق الإنسان منذ البداية ومنحه حرية مخلوقة فأساء أبونا الأول استخدام هذه الحرية. وبتجسد الله الابن أصبح ممكناً لواحد من الجنس البشري أن يمارس عطية الحرية بالطريقة الصحيحة، ومن ثم يفتح طريق الخلاص لكل الجنس البشري.[28] وهكذا ترك الله الابن للناسوت ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) ـ أن يقوم بدوره الطبيعي حتى في العمل الفدائي الذي أتمه من أجل الجنس البشري.[29]

وفي الإجمال كان هذا هو ما قدَّمه البطريرك ساويروس في معارضته لتعليم يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘. ويمكننا أن نذكر ما قصده ساويروس كما يلي: كان ناسوت المسيح هو ناسوتنا في حقيقته وكماله وسلامته؛ وبالرغم من أنه لم يُمس بالخطية إلا أنه كان متضمَّناً في أثر الخطية المشتركة للجنس البشري؛* وقد اكتسب (الناسوت) عدم قابلية الألم وعدم قابلية الموت، بواسطة القيامة فقط، بعد حياة من الطاعة الكاملة والتألم والموت.[30]

وكانت هذه بالفعل هي الحياة البشرية الخاصة بالله الابن في حالته المتجسدة، والتي من خلالها مُنحت الحياة الأبدية للجنس البشري. ولذلك كان يسوع المسيح هو الله المتأنس، الذي هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، المخلص الأزلي للجنس البشري.

ومن الجدير بالذكر، أننا لا نجد في كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي أو أي من قادة التقليد الكنسي غير الخلقيدوني، ما كان نورمان بيتنجر (Norman Pittenger) يبدو أنه مقتنعاً به،[31] لأنه كان يرى أن غير الخلقيددونيين كانوا في معارضتهم لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، يحركهم “الشعور بأنه لم يكن لائقاً بالمسيح على نحو ما”، أن تكون له طبيعة بشرية “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”.

ولكن الحقيقة ـ على العكس من ذلك ـ أن ناسوت المسيح عند أولئك الرجال، كان (ناسوتاً) حقيقياً وديناميكياً تماماً “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”، ولم يكن الناسوت مجرد مستقبِل سلبي للمجد الإلهي. وقد قام غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو لأنهم كانوا قد ورثوا تقليداً لاهوتياً أُعتبرت فيه عبارة “طبيعتان بعد الاتحاد” أنها عبارة هرطوقية وتمت إدانتها.

5. الفكرة التي تعارض إدراك مبدأ الإختلاف (بين اللاهوت والناسوت) في المسيح الواحد:

إن يسوع المسيح هو واحد، مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما بكامل حقيقته وكماله. وكان المقصود من كلمة ’واحد‘ في عبارة ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ وكذلك في عبارة ’هيبوستاسيس واحد‘، هو تجنب خطر تقسيم الطبيعتين بين الله الكلمة والإنسان يسوع، ورؤية إتحادهما في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط؛ ولكن لم يتضمن ذلك المفهوم خطأ الخلط بين الطبيعتين.

وقد تكرر هذا التأكيد مراراً وبدون استثناء من كافة القادة غير الخلقيدونيين أمثال الآباء ديسقوروس وتيموثاؤس إيلوروس وفيلوكسينوس وساويروس، ومن كل الذين تمسكوا بتقليدهم اللاهوتي منذ ذلك الحين.

ومع ذلك كان هناك رجال في الشرق، حاولوا أن ينشئوا فكراً لاهوتياً يتجاهلون فيه هذا المفهوم. وفي الحقيقة، كان القادة غير الخلقيدونيين ـ في أغلب الحالات ـ هم الذين يبادرون باستبعاد أولئك الرجال وتعاليمهم، وقد رأينا بالفعل كيف قاموا بذلك العمل في القرنين الخامس والسادس. ومن أمثلة هذه الحالات ما حدث في أيام البابا داميان (Damian) بطريرك الإسكندرية.[32]

كان هناك رجل سوفسطائي أسمه ستيفن (Stephen)، بدأ يعبر عن وجهة نظره بأن اللاهوت والناسوت كانا متحدين في المسيح الواحد إلى درجة أنه لا ينبغي أن نصِّر على مبدأ (وجود) إختلاف بين الأشياء التي تخص اللاهوت والأشياء التي تخص بالناسوت. وقد عارض البابا داميان هذا التعليم ونصح ستيفن بالتراجع عن موقفه لأنه يتعارض مع تعليم الكنيسة. ولكن الرجل لم يرغب في الاستجابة للنصيحة فتمت إدانته مع كل الذين يتفقون معه في الرأي.

وقد أوضح البابا داميان أن في المسيح اللاهوت هو اللاهوت والناسوت هو الناسوت، ولا أحد منهما قد تغير إلى الآخر أو ابتُلع في الآخر، ولذلك فإن اللاهوت والناسوت يستمران (ديناميكياً) في المسيح الواحد. وكان تأكيد مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت (في المسيح الواحد) هو جزء من التقليد العقائدي للكنيسة.

6. كلمة ختامية:

قام الجانب غير الخلقيدوني في رفضه للهرطقات المتنوعة، بالمحافظة على الأمور الآتية:

  • في التجسد، وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً مأخوذاً بالحقيقة من أم بشرية، وهذا الناسوت كان واحداً معنا في الجوهر.
  • كان لهذا الناسوت كل الخصائص والملكات الطبيعية، بدون أي نقصان أو تغيير أو اختلاط.
  • إن الخصائص والملكات البشرية استمرت في المسيح الواحد ديناميكياً.
  • كان المسيح ـ من الوجهة التاريخية ـ عند غير الخلقيدونيين إنساناً مثل أي إنسان آخر يعاني الألم والموت بالحقيقة.

وهنا نأتي إلى السؤال التالي: هل حافظ اللاهوتيون الأنطاكيون أو اللاهوتيون الخلقيدونيون في أي وقت من الأوقات، على مفهوم يخص ناسوت المسيح أفضل من المفهوم الذي حافظ عليه غير الخلقيدونيين؟.

[1] انظر صفحة 250 وما يليها.

[2] خطابات يوليان إلى ساويرس موجودة في:

(Severe D’Antioche, La Polemique Antijulianiste, C. S. C. O., vol. 244, ed. Robert Hespel, 1964).

[3] هذه العبارة مأخوذة من مخطوطة المتحف البريطاني، الرقم الإضافي: 12158، صفحة 31.

[4]  British Museum M.S., op. cit., p. 38.

[5]  La Polemique Antijulianiste, II B, ed. Robert Hespel, C. S. C. O., p. 183.

[6]  كان هذا تأكيد هام في تعليم يوليان وقد ذكره البطريرك ساويروس بشكل متكرر.

[7]  British Museum M.S., op. cit., p. 30.

[8] R. Draguet: Julien D’Halicarnasse et sa Controverse Avec Severe D’Antioche Sur L’incorruptibilite du Corps Du Christ, Louvain, 1924.

[9]  انظر صفحة 276.

[10]  انظر صفحة 522 وما يليها.

[11]  يبدو أن دارجيه كان متأثراً بصورة مفرطة بفكرة أن الألم والموت قد أتيا على الإنسان كنتيجة للسقوط، ومن ثم فإن ناسوت آدم قبل العصيان والخطية كان أساساً غير قابل للفساد. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية كان لها من يؤيدها في آباء ما قبل خلقيدونية، وبرغم أن اللاهوتيين الخلقيدونيين قاموا بتطويرها بعد ذلك منذ القرن السادس، لكن البطريرك ساويروس لم يكن يشاركهم في ذلك.

[12]  اقتبس البطريرك ساويروس  فقرة من يوليان يقول فيها: “وهو لم يكن قابلاً للفساد قبل (القيامة)، ولكنه بدا فقط كأنه قابل للفساد. وبعد القيامة أظهر ذاته فقط بكونه بالحقيقة غير قابل للفساد”. Polemique…. I, p. 50). (La وفي رده على ذلك، تساءل ساويروس: ” لو أنه كان غير قابل للفساد، وغير قابل للألم، وغير مائت، فكيف تقول أنت أنه قد تألم؟، لقد كان يجب عندئذ أن يكون موت ربنا هو نوع من الخيال وغير حقيقي”. (La Polemique… I, p. 51)

[13]  ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. (Ibid., pp. 80-1, 233, II A, p. 27).

*   يوجد معنيان آخران لكلمة ’عدم قابلية الفساد‘ بالإضافة للمعنيين اللذين ذكرهما البطريرك ساويروس، ولكن يوليان لم يكن يقصد أي منهما في تعاليمه. المعنى الثالث يُقصد به أن جسد المسيح بعدما قُبر لم يخضع للتحلل والفساد بل قام ثانية من الأموات ، وهذا المعنى ورد في العهد الجديد (أنظر مز 10:16، أع 2: 27، 35:13)، وكان هذا هو تعليم الكنيسة المعترف به شرقاً وغرباً.

أما المعنى الرابع فيأتي في شرح الآباء لطبيعة آدم، حيث إن هذه الطبيعة قد فسدت بالخطية (يا الله العظيم الأبدي الذي خلق الإنسان على غير فساد)، والمقصود هنا بفساد الطبيعة هو تشوه الصورة الإلهية في الإنسان بالإضافة إلى عجز تلك الطبيعة الساقطة عن البقاء بعدما فقدت علاقتها مع الله مصدر وجودها (وهذا هو الفساد الطبيعي لأنها مخلوقة من العدم). وهذا الفساد ليس هو الخطية ولكنه نتيجة الخطية والسقوط، وهو الذي انتقل من آدم إلى كل الجنس البشري (انظر هذا المعنى عند ق. أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة).

[14]  المرجع السابق صفحة 226.

[15]  كتب البطريرك ساويروس: “فلو أن عمانوئيل أراد أن يتحد بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم ليخوض فيه المعركة لأجلنا، وإذا كان بالطبيعة هو الله الذي يملك عدم التألم وعدم الموت، فماذا كانت الحاجة عندئذ للتجسد؟ لذلك فقد وحَّد بنفسه جسداً كان واحداً معنا في الجوهر وتألم مثلنا، وكان عرضة للتألم وللموت ومات كمحارب منتصر”

(La Polemiqueop. cit., p. 130)

[16]  British Museum M.S., op. cit., p. 26.

[17]  المرجع السابق صفحة 30.

 *  قابلية الموت هنا هي بسبب مخلوقية آدم من العدم (وهي تعني قابليته للفناء أي الفساد الطبيعي) والذي كان من الممكن أن ينجو منه، كما يقول ق. أثناسيوس، إذا أبقى الله في معرفته (تجسد الكلمة 4: 6).

[18]  كتب البطريرك ساويروس: “إن الإنسان فانٍ بالطبيعة، لأنه أتى إلى الوجود من العدم…. ولكنه مع ذلك لو كان قد استمر موجهاً نظره نحو الله، لكان قد تجاوز قابليته الطبيعية للفساد وبقي غير فاسد”.

(La Polemique…. I, p. 30). ويؤكد البطريرك ساويروس أن كل شئ مخلوق بما في ذلك الملائكة هو قابل للتغير، وقدم البابا ساويروس مثال الشيطان ليدعم وجهة نظره. وبالنسبة للإنسان، أشار إلى الكلمات التى تكلم بها الله مع آدم “أنت تراب، وإلى التراب تعود”، وأكد أن الله لم يقل لآدم “لقد صرت الآن تراباً” مما يعني ضمناً أن آدم قد خلق في الأصل قابلاً للموت والفناء. (La Polemique…. I, p. 34).

[19] A. Sanday: Anti Julianistica, Beyrout, 1931, Syriac, p. 69.

[20]  هذه الفقرة مأخوذة من: (La Polemique…. I, pp. 166-7). وقد ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. انظر:

(La Polemique …. II A, pp. 35-6; II B, p. 222).

[21] يؤكد البطريرك ساويروس أن الإنسان سقط من نعمة الله، وأن الله الكلمة تجسد لكي يستعيد النعمة الإلهية الخاصة بعدم الموت للجنس البشري. واقتضى العدل الإلهي أن “الذي سقط ينبغي يحارب معركته مرة ثانية وأن يحرز الانتصار”. (La Polemique…. I, pp. 36-7)

[22] “لقد ترك الجسد هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، و’كأول‘ يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحَّده بعدم التألم وعدم الموت وعدم قابلية الفساد والمجد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته”.

(La Polemique…. I, p. 70)

[23] وتساءل البطريرك ساويروس: “لو أن الجسد الذي تجسد به، كان غير قابل للفساد وغير قابل للتألم وغير مائت، فكيف أمكنه إذاً أن يدمر سلطان الموت؟ وعندئذ سيكون صلب المسيح بلا مبرر، ويصبح قول الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت” بلا أي معنى، لأنه (أي الشيطان) لا يمكن أن يُهزم بالكامل إلا فقط إذا تألم الجسد ومات بدون خطية” (المرجع السابق صفحة 51).

ومن الجدير بالذكر أن السؤال عن أين بدأت الخليقة الجديدة، قد أجاب عليه يوليان بالإشارة إلى الميلاد البتولي لربنا، أما البطريرك ساويروس فقد أرجعه إلى القيامة. انظر: (La Polemique…. II B, pp. 222f)

[24] “وليس السبب أن الله الكلمة لم يكن قادراً على جعل الجسد غير قابل للموت وغير قابل للتألم منذ لحظة إتحاده بنفسه ولذلك تركه ليبقى قابلاً للتألم وللموت، ولكن بسبب أنه أراد أن يأخذ في نفسه معركتنا نحن”. (La Polemique…. I, p. 235)

[25] “لأنه أخذ جسداً قابلاً للموت وقابلاً للفساد، والذي لهذا السبب كان قابلاً للتألم. ومن خلال الجسد جعل آلامه (أي آلام الجسد) خاصة به أيضاً. فبينما كان الجسد يتألم، صار يقيناً أن الكلمة ذاته يتألم (أي نُسب هذا التألم للكلمة ذاته)، وعلى هذا النحو نحن نعترف أنه (أي الكلمة المتجسد) صُلب وأنه مات. فعندما تحمل الجسد الآلام، لم يكن الكلمة (بعيداً) هناك وحده”

(La Polemique…. I, p. 233)

[26] “وبالرغم من أن آلام وموت الله مخلصنا كانت إرادية وتهدف إلى شفاء أمراضنا، فإنها كانت مع ذلك تنتمي بالطبيعة للجسد الذي كان قابلاً للتألم والذي تألم بالحق”. (المرجع السابق، صفحة 133).

[27] الفكرة التي وراء هذه الفقرة، عبَّر عنها البطريرك ساويروس مرات ومرات. وهذه الفقرة مأخوذة من مخطوط المتحف البريطاني: (British Museum M.S., op. cit., p. 30). والنص السرياني للعبارتين اللتين في الوسط غير ملائم للمعنى، ولكننا نعتقد أن الترجمة التي قدمناها هنا تبين النقطة التي كان يقصدها الكاتب.

[28]  واحدة من الأفكار التي كررها البطريرك ساويروس بكثرة في كتابه ’ضد النحوي‘ هي أن ناسوت المسيح كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً ومن ثم فهو كإنسان كان إنساناً محدداً. انظر صفحة 441.

[29]  هذه الفكرة أيضاً شدد عليها البطريرك ساويروس مرات عديدة.

*   يقول ق. أثناسيوس: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61).

[30]  من الجدير بالذكر هنا أن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الخليقة الجديدة قد بدأت في القيامة، على عكس نظرية يوليان الذي كان يرى أنها تبدأ بالميلاد البتولي. انظر المرجع رقم 59 صفحة 413.

[31] Norman Pittenger: The Incarnate Word, Harper and Brothers, New York, 1959, pp. 12-3.

[32] Michael Le Syrien, op. cit., p. 379.

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو، كان يهتم أيضاً (في نفس الوقت وبنفس الحماس) بإدانة عدد من الهرطقات المتنوعة.

وقد شملت قائمة الهراطقة عند غير الخلقيدونيين نفس الرجال الذين رفضهم الجانب الخلقيدوني قبل مجمع عام 451م ـ بسبب تعاليمهم غير الأرثوذكسية ـ كما شملت أيضاً أولئك الذين جاءوا لاحقاً ولم تكن أفكارهم تطابق التقليد العقائدي لغير الخلقيدونيين. ولكي نتعرف على ذلك التقليد العقائدي، ينبغي علينا أن ننظر إلى المواقف (اللاهوتية) التي رفضوها، والأسباب التي ذكروها في تبنيهم لهذة التصرفات.

وقد كانت الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ـ والمتعلقة بدراستنا هذه ـ هي الهرطقات المتصلة بعقيدة الثالوث وبعقيدة التجسد. وبالنسبة للنوع الأخير كان غير الخلقيدونيين قد استبعدوا بعضاً منها بسبب أنها لا تؤكد وحدة المسيح بشكل صحيح، ورفضوا البعض الآخر لأن تفسيرها للاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح الواحد كان تفسيراً معيباً.

وقد اهتم اللاهوتيون في الكيان غير الخلقيدوني ـ في كل البيانات العقائدية التي أصدروها ـ بأن يذكروا قائمة بالرجال الذين يعتبروهم من الهراطقة بدءاً من سمعان الساحر وانتهاءً بنسطوريوس من ناحية، ومن فالنتينوس إلى أبوليناريوس وأوطيخا من الناحية الأخرى. وكان غير الخلقيدونيين هم الذين بادروا باستبعاد وتفنيد مجموعة من التعاليم الخاطئة التي ظهرت بعد مجمع خلقيدونية والمتعلقة بعقيدة الثالوث وعقيدة التجسد.

2. الأوطيخية:

كان أوطيخا قد نُفي إلى (Doliche) بشمال سوريا ـ كما ذكرنا ـ فور تولي بولخريا السلطة عام 450م، ولم يُعرف أي شيء عن الرجل منذ ذلك الحين. وسواء كان أوطيخا بالفعل يؤمن بالأفكار التي رأها فيه الذين أدانوه أم لا، فالحقيقة أنه كان هناك رجال في الشرق في ذلك الوقت يتمسكون بمثل هذه الأفكار.

ويذكر زكريا المؤرخ[1] أنه في أيام ثيؤدوسيوس أسقف أورشليم (تنيح عام 457م)، قام رجل خطيب من الإسكندرية يُدعى يوحنا بتقديم نظرية أُشير إليها بـ ’الأوطيخية‘، حيث سعى يوحنا بحكم دراسته الفلسفية أن يربط تخميناته الغيبية ببعض الأفكار المستعارة من المسيحية، ليقدم تفسيراً عن شخص المسيح. وقد اعتبر يوحنا ناسوت المخلص ’ظاهرة فريدة‘ لا توجد طبيعة من نفس نوعها، على أساس أنه وُلد من عذراء،[2] وبالتالي فإذا كان يسوع المسيح هو إنسان بدون طبيعة ’بشرية‘، فقد زعم يوحنا أنه كان طبيعة وحيدة.

ويذكر المؤرخ أن يوحنا الخطيب كتب عدداً من المقطوعات الأدبية ونسبها إلى أشخاص مثل بطرس الأيبيري وثيؤدوسيوس نفسه الذي عندما سمع بأفكار يوحنا وتصرفاته قام بإدانة الرجل وتعاليمه،[3] وأرسل حكمه هذا إلى فلسطين وسوريا والإسكندرية.

ومما يُذكر بواسطة نفس المؤرخ أنه بينما كان ثيؤدوسيوس في السجن اتصل به الخلقيدونيون والأوطيخيون ليحاول كل منهما أن يستميله إليه ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بفائدة. ويقال إن ثيؤدوسيوس أخبر الأوطيخيين أن أفكارهم هي نفس تعاليم فالنتينوس وماني وماركيون، ويجب أن تُعرف أنها هرطقة أسوأ من هرطقة “بولس السموساطي، وأبوليناريوس ونسطوريوس”.[4]

أما بالنسبة للبابا تيموثاؤس إيلوروس بطريرك الإسكندرية، والذي يعد أكثر مَن عبَّروا عن انتقادهم لمجمع خلقيدونية بعد وقت ثيؤدوسيوس، فقد عارض أيضاً الموقف الأوطيخي بشدة. ويُذكر أنه عندما كان في نفيه، كتب رسائل إلى الإسكندرية وفلسطين يعارض فيها أولئك الذين يرفضون أن يؤكدوا أن المسيح، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر بحسب اللاهوت، هو أيضاً وفي نفس الوقت واحد معنا في الجوهر بحسب الناسوت.[5]

وبالإضافة إلى ذلك، هناك حادثتان في حياة البابا تيموثاؤس إيلوروس تؤكدان معارضته للأوطيخية. الحادثة الأولى أثناء منفاه، حيث كان هناك رجلان من الإسكندرية ـ إشعياء من هرموبوليس، وقس يُدعى ثيؤفيلوس ـ اتخذا إقامتهما في القسطنطينية وزعما أن لهما نفس رؤية البابا تيموثاؤس أيلوروس،[6] ولكن في الحقيقة كانت الأفكار التي ينشرانها هي نفس الأفكار التي اعتُقد أن أوطيخا كان يتمسك بها.

وحينما وصلت هذه الأنباء إلى البابا تيموثاؤس في منفاه أرسل خطابات إلى كل من الإسكندرية والقسطنطينية، يحذر فيها الناس مما يفعله هذان الرجلان.[7] وأرسل البابا تيموثاؤس خطابين إلى القسطنطينية، ينصح في الأول منهما الرجلين (إشعياء وثيؤفيلوس) بالإقلاع عن تلك الأفكار، وعندما لم يتقبل الرجلان الخطاب بصورة جيدة أرسل خطابه الثاني[8] الذي كان عملاً عقائدياً يشرح الإيمان ويحتوي على عدد كبير من الاقتباسات من كتابات الآباء.

ورفض إشعياء وثيؤفيلوس هذا الخطاب أيضاً فقام البابا تيموثاؤس في النهاية بحرمهما بعلة الهرطقة.[9]

وقد ناقش البابا تيموثاؤس في خطابه الثاني موضوع الإيمان بهدف فضح تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس اللذان روَّجا أفكارهما في ربوع القسطنطينية. ولذلك أكد البابا تيموثاؤس في خطابه أن ربنا يسوع المسيح في التجسد كان واحداً في الجوهر معنا، وأصر أن “أي واحد يجل الله لن يسمح (لنفسه) أن يحتقر رحمته برفضه الإخلاص لتعليم آبائنا القديسين الذين اعترفوا أن ربنا يسوع المسيح صار واحداً معنا في الجوهر في الجسد”.[10]

وكما فعل البابا ديسقوروس، استمر البابا تيموثاؤس ـ معتمداً على الرسالة إلى العبرانيين ـ ليؤكد أنه “إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بموته سلطان الموت أي ابليس……. وهو لم يأخذ الطبيعة من الملائكة، ولكن من نسل إبراهيم. و (من ثمَّ) كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً……. لأنه فيما هو قد تألم وجُرب يقدر أن يعين المجربين”.

ويعلق البابا تيموثاؤس على عبارة ’ يشبه أخوته في كل شيء‘ ويقول: إن الأسفار “تعلم كل أولئك الذين يرغبون في بركات السماء وفي الخلاص، أنه ينبغي عليهم أن يعترفوا أن تجسد ربنا يسوع المسيح كان من مريم…….؛ وهو الذي له ذات الطبيعة مع الآب بحسب لاهوته، صار كذلك له ذات الطبيعة معها (أي مع العذراء مريم) ومعنا في الجسد”.

وبهذه الطريقة شرح البابا تيموثاؤس في خطابه إيمان الكنيسة بخصوص التجسد مفنداً تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس الخاطئة. وقد أرسل نسخة من هذا الخطاب إلى الإسكندرية، ووجهه “إلى الإكليروس، والرهبان، والأخوات الراهبات في المسيح، والمؤمنين……. لكي تعرفوا أنني قد كتبت هذه الأشياء”.[11]

ثم حذرهم بأن “الذي لا يؤمن بحسب التقليد الخاص بربنا يسوع المسيح ابن الله ، كما علَّم به آباؤنا القديسون، فليكن محروماً”.[12] ويتضح من هذه الحادثة أن البابا تيموثاؤس إيلوروس لم يكن مؤيداً لوجهة النظر التي أدانها ليو بابا روما ومجمع خلقيدونية على أنها تعليم أوطيخا، كما أن معارضته للمجمع وللطومس لم تكن نتيجة تردده في الاعتراف بكمال بشرية ربنا.

أما الحادثة الثانية التي تثبت أن البابا تيموثاؤس إيلوروس كان يرفض التعليم المنسوب إلى أوطيخا، فقد حدثت في القسطنطينية عام 475م. وكان الإمبراطور باسيليسكوس ـ كما ذكرنا ـ قد أعاد البطريرك تيموثاؤس من منفاه، وعندما زار البابا تيموثاؤس القسطنطينية[13] شجع الإمبراطور ليصدر منشوره العام الذي يلغي مجمع خلقيدونية.

وقد أدان هذا المنشور أولئك الذين يتمسكون بفكرة أن التجسد كان شبهاً خارجياً فقط، فعارض بعض الرجال في القسطنطينية هذا الأمر، واتصلوا بتيموثاؤس ليتفقوا معه لكي يعارض هو الآخر هذه الفكرة، ولكن على عكس توقعاتهم ثار البابا تيموثاؤس ضدهم قائلاً:[14]

“إن الأسفار تعلمنا عن المسيح أنه تشابه معنا في كل شيء، وأنه صار بالكمال بنفس الطبيعة (البشرية) معنا ما عدا الخطية. وهو قد وُلد بطريقة فائقة بدون اتصال زيجي، ولكنه صار إنساناً كاملاً، إذ حُبل به في مريم العذراء وولد منها بالروح القدس، وهو نفسه ظل باستمرار الله المتجسد بدون أي تغيير”.

ومن الواضح هنا أن البابا تيموثاؤس إيلوروس قد أكد أن ناسوت ربنا كان حقيقياً وكاملاً، وأنه (أي البابا تيموثاؤس) استبعد الأوطيخية بنفس التصميم والحماس الذي كان لدى الجانب الخلقيدوني.

وإذا انتقلنا إلى مار فيلوكسينوس أسقف منبج، فسنجد أنه كان ـ كما ذكرنا ـ معارضاً قوياً للنسطورية، وكان يؤمن أنها قد عادت من جديد بمكر من خلال مجمع خلقيدونية وطومس ليو. ويتضح من كتابات مار فيلوكسينوس أنه كان يرفض الأوطيخية أيضاً بنفس الحماس الذي كان يعارض به النسطورية.

ويؤكد مار فيلوكسينوس أن الأوطيخية تؤمن فقط أن الله الابن أخذ لنفسه مظهر وشبه الإنسان[15] بدون أن يأخذ أي شيء من العذراء، وهذا التعليم يضعف من مدلول التجسد ولهذا ينبغي أن ترفضه الكنيسة. وكان فلافيان أسقف القسطنطينية وليو بابا روما قد وجدا ـ كما ذكرنا ـ في أوطيخا نفس هذه الرؤية، وقد عبَّر مار فيلوكسينوس عن موافقته لكليهما أثناء اعلانه عن هرطوقية هذه الأفكار.

وفي الحقيقة ذهب مار فيلوكسينوس في شرحه إلى القول بأن التعليم الأوطيخي لم يقع فقط في خطأ الدوسيتية* ـ كما هو شائع عنه ـ ولكنه وقع أيضاً في الثنائية المانية التي تعتبر أن المادة شر،[16] لأنه إذا كانت الأوطيخية تنكر أن ربنا قد صار متجسداً من العذراء وأنه واحد معنا في الجوهر، أفلا يتضمن هذا رفضاً منها (أي من الأوطيخية) بالاعتراف أن الله من الممكن أن يصير إنساناً على أساس الفرض المسبق بأن الطبيعة البشرية هي شر؟

ويرى مار فيلوكسينوس أن هناك تشابهاً بين النسطورية والأوطيخية حيث يقول:[17]

“وقد يبدو أن الموقف النسطوري والموقف الأوطيخي يضاد كل منهما الآخر، ولكنهما في الواقع يتمسكان بنفس وجهة النظر، لأن كليهما ينكر أن الله وُلد من مريم. فلو كان الله قد اتخذ فقط مظهر وشبه الجسد ولم يأخذ بالحقيقة جسدنا من العذراء، فلا تكون الحقيقة القائلة أن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ قد ولدت، هي أمر واقعي (على الإطلاق)”.

وبينما يستنكر أسقف منبج الأوطيخية على هذا النحو، نجده أيضاً يكتب عن النسطورية قائلاً:[18]

“إن النسطورية لا تعترف أن الكلمة صار جسداً، ولكنها تعترف فقط أن الجسد تكون (أولاً) ثم أتُخذ بواسطة الكلمة. وبالتالي فلا تكون مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، بل هي فقط والدة الجسد أو بالتحديد الإنسان الذي سكن فيه الله”.

وعند مار فيلوكسينوس ـ كما سنرى بصورة أوضح فيما بعد ـ كان الله الابن قد تجسد بالفعل بأن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء، وأي عقيدة تنكر أو تقلل من هذه الحقيقة كانت بالنسبة له هرطقة ينبغي إدانتها.

أما بالنسبة للبطريرك ساويروس الأنطاكي، فقد كان ناقداً قوياً للموقف (اللاهوتي) الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘. وفي إشارته إلى عبارة أن المسيح ’طبيعتان قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد الاتحاد‘[19] كتب البطريرك ساويروس: “لم يقم أحد على الإطلاق من الذين يتمسكون بالتفكير السليم ـ ولا حتى على مستوى الخيال ـ بإقرار تعبير: طبيعتين قبل الإتحاد”.[20] لأن ذلك يعني من وجهة نظر ساويروس أن الطفل الإنساني قد تكوَّن في رحم العذراء قبل اتحاد الطبيعتين.

وبالنسبة لكافة القادة غير الخلقيدونيين، كانت فكرة أن الطفل قد تكوَّن في الرحم قبل الإتحاد لا تعني إلا نفس تعليم نسطوريوس ومؤيديه. وقد عارض البطريرك ساويروس هذه الفكرة في أماكن عديدة في كتاباته ـ بالإضافة إلى ما أوردناه قبلاً ـ ونذكر على سبيل المثال ما كتبه إلى أكيومنيوس (Oecumenius)[21] حيث قال:

“بالرغم من أن هيبوستاسيس (أقنوم) الله الكلمة كائن قبل كل الدهور والأزمنة وهو منذ الأزل مع الله الآب والله الروح، فإن الجسد ذو الروح العاقل (الذي أخذه) لم يوجد قبل اتحاده به”. ومرة ثانية يؤكد البطريرك ساويروس في إحدى عظاته: “ولم يكن الأمر أن هناك طفلاً قد تكوَّن أولاً في رحم العذراء ثم على الفور وحَّد الله الكلمة نفسه به من خلال اتحاد الإرادة واقتران الحب”.[22]

ويتضح من كل ما سبق، أنه بينما كان الجانب غير الخلقيدوني يعارض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، إلا أنه كان واعياً تماماً أيضاً للهرطقة ’الأوطيخية‘، وقد قام باستبعادها بمنتهى القوة والحماس مثلما فعل الجانب الخلقيدوني. ومن ثم لم يكن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية هو بسبب تعاطف سري أو علني مع الموقف الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘ في مجمع عام 451م.

ويبقى سؤال هام ينبغي علينا أن نواجهه في إطار هذا السياق، وهو:

إذا كان البابا ديسقوروس والجانب غير الخلقيدوني يعارضون ’الأوطيخية‘ بالفعل، فكيف قام مجمع عام 449م بتبرئة أوطيخا الذي عُرفت تلك الهرطقة باسمه؟. وهذا السؤال في الحقيقة له أهميته من وجهة النظر التاريخية، فالبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ الذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً بشكل مؤكد ـ لا يجد صعوبة في الاعتراف بأن البابا ديسقوروس هو “شهيد المسيح، الذي لم يحنِ وحده ركبته للبعل في مجمع الشر”.[23]

وكما أظهرنا قبلاً، كان البابا ديسقوروس قد أقر في مجمع خلقيدونية أن الأفكار التي قيل عنها أنها لأوطيخا هي بالفعل أفكار هرطوقية، ولكنه أقر أيضاً أنه لا يوجد أي سند في محاضر الجلسات المسجلة لمجمع عام 448م يفيد أن أوطيخا كان بالفعل يتمسك بتلك الأفكار.[24] ومن الجدير بالذكر أن الأساقفة المصريين لم يذكروا أوطيخا بالاسم كهرطوقي في التماسهم الذي قدموه لمجمع خلقيدونية يوم 17 أكتوبر عام 451م.[25]

وحتى بعد مجمع خلقيدونية، لم يتضمن منشور باسيليسكوس اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.[26] أما منشور الإتحاد (الهينوتيكون) الذي أصدره زينو عام 482م فقد أعلن أوطيخا كهرطوقي،[27] وكان ذلك المنشور مقبولاً من الكيان غير الخلقيدوني.

وقد ناقش البطريرك ساويروس الأنطاكي هذا الأمر في عدد من رسائله، فإذا نظرنا إلى هذه الرسائل معاً سنجد أنه أورد فيها ثلاث نقاط أساسية:

أولاً، ذكر البطريرك ساويروس أن مجمع أفسس الثاني عام 449م كان قد أبرأ أوطيخا على أساس أمرين:

-قام المجمع (عام 449م) بإصدار حكمه بعد فحص “محاضر الجلسات التي دُونت في المدينة الملكية (القسطنطينية) والتي تضمنت الشهادات (الأقوال) التي بُنيت عليها إدانة أوطيخا”. وقد حكم المجمع بأنه لم يكن مستحقاً الإدانة.

-قام أوطيخا نفسه بتقديم التماس يحرم فيه ماني وفالنتينوس وأبوليناريوس، وأولئك الذين يقولون أن جسد ربنا قد نزل من السماء، كما أضاف أوطيخا أيضاً بعض النقاط التي ـ كما أشار ساويروس ـ لم تتم قراءتها في مجمع خلقيدونية، وذكر البطريرك ساويروس أنه أورد هذه الكلمات في رسالته إلى سرجيوس الطبيب والمفكر.[28]

وقد فُقدت هذه الكلمات من رسالة البطريرك ساويروس التي نُشرت في ’كتابات الآباء الشرقيين‘ (Patrologia Orientalis)، ومن المحتمل أن تكون هذه العبارات هي نفس العبارات التي سبق أن ذكرناها فيما قبل.[29] وعلى أي حال، فإن دفاعات البطريرك ساويروس انتهت إلى تأكيده بأن أوطيخا لم يُبرَّأ في مجمع عام 449م على أساس نفس الأسباب التي تمت إدانته بسببها في مجمع خلقيدونية.

ثانياً، يؤكد البطريرك ساويروس أنه “بعد هذه الأمور، رجع أوطيخا نفسه إلى قيء رأيه الشرير”.

ثالثاً، إن ارتداد أوطيخا هذا لا “يأتي باللوم” على مجمع عام 449م، ولا على البابا ديسقوروس.[30]

ونستطيع أن نستنبط ملاحظتين على الأقل من الرأي الذي كان يصر عليه البطريرك ساويروس:

الملاحظة الأولى هي أن البطريرك ساويروس لم يذكر بوضوح متى قام أوطيخا بالفعل بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه. كما أن كلمات البطريرك ساويروس “رجع إلى رأيه الشرير” تحمل ضمنياً معنى أن أوطيخا كان من الأصل هرطوقياً، ولكننا رأينا أن مجمع عام 449م قد برَّأه وحكم بأن الأساس الذي تمت عليه إدانته في مجمع عام 448م لا يمكن تبريره، كما أعلن أن اعتراف الإيمان الذي قدَّمه أوطيخا كان أرثوذكسياً؛ ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الرأفة عاد أوطيخا (بحسب رأي ساويروس) إلى آرائه الأولى.!

وفي الحقيقة، أنه لا يمكن أن يُستنتج تفسير من هذا النوع من محاضر جلسات مجمع عام 449م، لأن فحص المجمع لقضية أوطيخا ـ كما رأينا[31] ـ لم يُظهر أنه كانت لدى الوفود المجتمعة أي شبهة تتعلق بالموقف اللاهوتي (السابق) للرجل، وبالتالي فإن اتهام أوطيخا بأنه عاد إلى رأيه الشرير، لا يمكن ـ لو كان قد حدث ـ أن يكون قد تم قبل وقت انعقاد ذلك المجمع، فإذا افترضنا أنه حدث في الفترة بين وقت انعقاد المجمع عام 449م ونفي أوطيخا عام 450م فيكون من الغريب حقاً أن هذه الأخبار لم تصل في حينها إلى البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين، ولا حتى إلى أولئك الذين وضعوا مسودة منشور باسيليسكوس عام 475م.*

وفي الواقع لم يقم البطريرك ساويروس بالإجابة على هذه التساؤلات في تقييمه لأوطيخا، ولا يوجد أمامنا غير احتمال واحد في مواجهة هذه الملابسات التاريخية وهو أنه كان يوجد رجال في تلك الأيام الماضية يعتنقون الأفكار التي نُسبت لأوطيخا، وأن بعضاً منهم على الأقل كان يعتبر الراهب العجوز رائداً لهم. وهكذا يظل السؤال عن هل قام أوطيخا نفسه بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه، سؤالاً مطروحاً. أما فيما يخص الأفكار نفسها، فإننا لدينا دلائل قاطعة على أن كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني قد استبعدها منذ بداية الصراع بينهما.

الملاحظة الثانية، هي أن البطريرك ساويروس لم يقدم في دفاعه عن مجمع أفسس الثاني عام 449م أي تبرير للطريقة التي عالج بها المجمع تردد أوطيخا في الإقرار بعبارة “واحد معنا في الجوهر”. وعلى الرغم ـ كما ذكرنا[32] ـ من أن المعنى الذي وراء تلك العبارة كان متضمناً في اعتراف أوطيخا بالإيمان إلاّ أنه كان متردداً في الإقرار بالعبارة نفسها، ولكن مجمع عام 449م لم يعطِ اهتماماً كافياً لتلك النقطة.

وما يهمنا هنا ـ من وجهة نظر هذا البحث ـ هو التأكيد على حقيقة أن الجانب غير الخلقيدوني كان منذ البداية يدين الأفكار التي يصفها الجانب الخلقيدوني بـ ’الأوطيخية‘. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قدَّموه في هذه الأثناء من شروحات لموقفهم اللاهوتي، فسوف يتضح بأجلى بيان أن غير الخلقيدونيين يؤمنون بأن الطبيعتين اللتين اتحدتا في المسيح قد استمرتا فيه بدون أي إضمحلال.

3. فكرة أن المسيح له خصوصية واحدة:

ظهرت هذه الفكرة في أيام البطريرك ساويروس الأنطاكي بواسطة رجل يُدعى سرجيوس النحوي، حيث كتب خطاباً حول هذا الأمر وأرسله إلى البطريرك ساويروس يسأله عن رأيه.[33] وقد أكد النحوي:

“إن اللاهوت والجسد ’هما جوهران‘. الأزلية هي خصوصية الأول، وإمكانية الفساد هي خصوصية الأخير*“، وحين صار الله الابن إنساناً، اتخذ جسداً “وولد بطريقة فائقة للطبيعة (supernaturally)” كما أنه “لم يرى فساداً”. ومن هنا يؤكد سرجيوس أنه “بسبب الاتحاد، زالت خصوصية الجسد”، ولذلك “من الأفضل أن نقول أنه توجد خصوصية واحدة (للمسيح)”، ويكمل سرجيوس بقوله “فلماذا إذن نقول أنه توجد هناك خصوصيتان؟”.[34]

وبدأ البطريرك ساويروس مناقشته للأمر بقوله أن التأكيد على وجود فرق في الخصوصيتن هو تعليم الآباء، فقد أكدوا على أن الطبيعتين اللتين اتحدا في المسيح الواحد هما مختلفتان “لأن واحدة غير مخلوقة، والأخرى مخلوقة”.[35] ولكن بينما “يظل الاختلاف بين خواص الطبيعتين قائماً”، “فإن الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد” اتحدتا “بدون اختلاط”، وبهذه الطريقة “يُقال إن كلمة الحياة قد أصبح مرئياً وملموساً”.*

ويؤكد البطريرك ساويروس إننا عندما نفكر في عمانوئيل سنرى أن اللاهوت والناسوت هما مختلفان، وبينما نعترف بالاتحاد فإننا لا ننكر الاختلاف الذي بين الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد”، وهذا بالرغم من أننا نستبعد وجود أي انقسام بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘.[36]

وهكذا ظلت خواص كلتا الطبيعتين باقية في المسيح الواحد مع الطبيعتين نفسيهما، بدون اختلاط ولا انقسام. وحيث إن الطبيعتين اتحدتا، فقد حدث تبادل للخواص والذي به أصبح “الكلمة يُعرف في خواص الجسد”، كما أن الخواص البشرية أصبحت “تنتمي للكلمة، وخواص الكلمة (تنتمي) للجسد”.[37] وهذا الاتحاد هو بدون اختلاط، حيث لم تُفقد فيه أي من الطبيعتين ولا أي من خواصهما أو ملكاتهما.

ويمكننا أن نميِّز هذا الموقف ذاته ،الذي تبناه البطريرك ساويروس، عند كل القادة المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني من الكنيسة. وهذا يُظهر أنهم لم يؤكدوا فقط على استمرار الطبيعتين في المسيح الواحد وإنما حافظوا أيضاً على مبدأ عدم فقدان أو اضمحلال أي خصوصية أو ملكة من أي من هاتين الطبيعتين.

 

[1] Zacharia, op. cit., I, pp. 161f.

[2]   لقد أكد يوحنا ـ كما يقول زكريا المؤرخ ـ أن “الله الكلمة ذاته أصبح الجسد وتألم فيه، هذا إذا كان قد تألم، وبهذا أنكر أنه كان متحداً بجسد بشري”. (المرجع السابق، 1: صفحة 163).

[3] Zacharia, op. cit., I, p. 164.

[4] المرجع السابق صفحة 162.

[5] المرجع السابق صفحة 186.

[6] المرجع السابق صفحة 186.

[7] للإطلاع على الخطابات انظر (المرجع السابق صفحة 186).

[8]   للإطلاع على هذا الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 186-202).

[9]   للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس الذي يحرم فيه إشعياء وثيؤفيلوس انظر (زكريا الخطيب، المرجع السابق صفحة 202-205). وقد كتب البابا تيموثاؤس أن إشعياء وثيؤفيلوس يؤمنان بأن “جسد ربنا كان واحداً في الجوهر مع نفسه وليس معنا. وأنه (أي الكلمة) لم يصر إنساناً بالحقيقة”. (نفس المرجع صفحة 203). وفي هذا الخطاب ثبَّت البابا تيموثاؤس مدة التوبة للعائدين من الهرطقة بسنة واحدة متتبعاً في ذلك وصية سلفيه البابا كيرلس والبابا ديسقوروس.

[10] Zacharia, op. cit., I, p. 188.

[11] المرجع السابق صفحة 201-202.

[12] المرجع السابق صفحة 201.

[13] المرجع السابق صفحة 209 وما يليها.

[14]  المرجع السابق صفحة 215-216. وهذه الحادثة مذكورة في دراستنا الحالية صفحة 207.

[15]   كتب مار فيلوكسينوس: “إن الأوطيخيين يؤمنون فقط بأن الله اتخذ شكل وشبه الإنسان، بينما يرفضون تأكيد أنه أخد أي شيء من مريم حينما أخذ الجسد. وظنوا أنهم إذا افترضوا شيئاً مثل هذا (أي إذا افترضوا أنه أخذ جسداً من مريم العذراء) فإن ذلك سيقودهم إلى القول بأن التجسد قد أحدث إضافة إلى الثالوث” انظر: (Philoxenos, op. cit., p. 154)

*  الدوسيتية (أي الخيالية) هي بدعة تنادي بأن جسد المسيح لم يكن جسداً حقيقياً بل قد بدا كذلك، أي كان جسداً وهمياً (أو خيالياً).

[16]  أكد مار فيلوكسينوس أنه “لو كان الأوطيخيون يؤمنون مثلنا بأن كل شيء عُمل وخاصة طبيعة الإنسان هو خليقة الله، فما كانوا قد تحدثوا مثل المانيين (Manichaean) بأن جسد الله هو ليس من طبيعتنا…. إن خليقة الله حسنة، ولهذا صار الخالق إنساناً منها. فإذا كانوا مترددين في التسليم بذلك، فدعهم يقولون بوضوح أن طبيعة الإنسان هي من الشر، ليظهروا أنفسهم أنهم ليسوا فقط خياليين ولكن أيضاً مانيين”. (المرجع السابق، صفحة 42-43).

[17] Philoxenos, op. cit., p. 141.

[18]  المرجع السابق صفحة 141.

[19]  انظر صفحة 59.

[20]  Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239.

وهناك موقف مشابه اتخذه البابا تيموثاؤس إيلوروس ضد عبارة أوطيخا. انظر:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 262).

[21] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 190-1.

[22] Ibid., vol. VIII, p. 221.

[23] Ad Nephalium, C. S. C. O., Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, p. 141.

[24] انظر صفحة 111.

[25] انظر صفحة 152.

[26] انظر صفحة 206.

[27] انظر صفحة 215، 216.

[28] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 264-268.

وهذا مشار إليه في الدراسة الحالية صفحة 75. وعن سرجيوس هذا انظر صفحة 262.

[29] انظر صفحة 75.

[30] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 267-268.

[31]  انظر صفحة 71 وما يليها.

*   لأن منشور باسيليسكوس لم يتضمن اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.

[32]  انظر صفحة 55 وما يليها والمرجعان 156، 157 صفحة 81.

[33]  للإطلاع على الخطابات المتبادلة بين سرجيوس والبطريرك ساويروس انظر:

(Ad Nephalium, op. cit., pp. 70f)

*   كان سرجيوس يفهم ’خصوصية‘ بأنها تعني التميز المتفرد للشيء ككل (أو للطبيعة ككل)، وبالتالي فكل طبيعة لها تميز محدِّد واحد. ويقول سرجيوس حيث إن الله له تميزه الخاص وهو الأزلية والإنسان له تميزه الخاص وهو إمكانية الفساد، فبما أن المسيح ليس أزلياً (حيث ولد في الزمن بطريقة فائقة) كما إنه لم يرى فساداً، فلذلك تكون له خصوصيته الفريدة التي ليست هي خصوصية الله ولا خصوصية الإنسان ولكنها خصوصية فريدة تخص المسيح وحده. وكما أن المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين لذلك يمكننا أن نقول أيضاً أنه خصوصية واحدة من خصوصيتين.

[34] Ad Nephalium, op. cit., pp. 71-72.

[35]  المرجع السابق صفحة 74-77.

*  يذكر إيان تورانس في كتابه “التعليم عن المسيح بعد مجمع خلقيدونية” والذي يحتوي على ترجمة إنجليزية للمراسلات بين ق. ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي، أن ق. ساويروس كان يفهم الخصوصية بثلاث معانٍ متباينة ظهرت في خطاباته الثلاث إلى سرجيوس: (1) خواص الشيء (2) سمة مخصوصة بشيء معين ـ أو طبيعة معينة ـ تخصه وحده دون غيره، مثل أن الضحك سمة مخصوصة بالإنسان دون غيره (3) الهوية الخاصة بشيء ما، فالجسد هو جسد وليس حجراً وذلك ببساطة لأنه هو جسد، وقد يَسوَّد لونه أو يتحطم أو يتم طهيه، ولكنه مع ذلك يظل جسداً، أي يظل محتفظاً بهويته الخاصة كجسد وليس شيئاً آخراً.

[36] Ad Nephalium, op. cit., p. 79.

[37]   المرجع السابق صفحة 79. ويقر البطريرك ساويروس بما هو أكثر من ذلك إذ يقول:

“ولذلك فبينما نحرم أولئك الذين يؤكدون أن عمانوئيل بعد الاتحاد هو طبيعتين بما لهما من فعلين وخواصين، فإننا لا نضعهم تحت الإدانة بسبب قولهم بالطبيعتين أو الفعلين أو الخواصين؛ ولكن لأنهم بينما يؤكدون على الطبيعتين بعد الاتحاد، ينسبون الأفعال والخواص لكل طبيعة على حدة، وبذلك هم يفصلونهما”. (المرجع السابق، صفحة 80).  

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني

Exit mobile version