هل تغيرت طبيعة الله عندما تجسد؟ Tim Staples – ترجمة مارڤين

هل تغيرت طبيعة الله عندما تجسد؟ Tim Staples – ترجمة مارڤين

هل تغيرت طبيعة الله عندما تجسّد ؟ Tim Staples – ترجمة مارڤين

سؤالٌ ممتازٌ ومتكرر ربما خمس أو ست مراتٍ سنويًا، هو:

إذا كان “الكلمة صار جسدًا” عند التجسد، ألا يعني هذا أن الله قد تغيّر؟

وإذا تغيّر، فكيف يُمكن أن يكون إلهًا؟


هذا سؤالٌ وجيهٌ ومهمٌّ جدًّا، ويستحقُّ التكرار.

الإجابة المختصرة هي: لا، فالله لا يتغير (انظر ملاخي 3: 6)، ولذلك لم يتغير في التجسد.

لفهم هذا، علينا تعريف مصطلح مهم: الاتحاد الأقنومي.

عند التجسد قبل ألفي عام، اتخذ الأقنوم الثاني طبيعة بشرية؛ ومنذ ذلك الحين، يمتلك الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس طبيعتين، إحداهما إلهية والأخرى بشرية، قائمتين في طبيعة واحدة.

يرجى ملاحظة أنه لا يوجد “اختلاط” للطبيعتين هنا.

فطبيعة المسيح الإلهية والبشرية متميزتان تمامًا.

ومع ذلك، فهما غير منفصلتين أو منقسمتين: إنهما “متحدتان” في الاتحاد الأقنومي.

ماذا نعني بهذا الاتحاد القائم “داخل” الأقنوم الإلهي الواحد؟

هذا يعني ضمنًا تغيرًا في الله، أليس كذلك؟


يشرح القديس توما الأكويني:

“ولما كان الشخص الإلهي لانهائيًا، فلا يمكن إضافة أي شيء إليه:

ولذلك يقول كيرلس [مجمع أفسس، الجزء الأول، الفصل 26]:

“نحن لا نتصور أن طريقة الاقتران تكون وفقًا للإضافة”؛ فكما أنه في اتحاد الإنسان بالله، لا يُضاف شيء إلى الله بنعمة التبني، بل ما هو إلهي يتحد بالإنسان؛ ومن ثم، لا يكتمل الله بل الإنسان.”

(الخلاصة اللاهوتية III، السؤال 3، المادة 1، الرد على الموضوع 1).

عندما نتحدث عن الاتحاد الأقنوميّ للطبيعتين الإلهية والبشرية للمسيح في شخصه الإلهي الواحد، علينا أن نحدد ما نعنيه بالاتحاد “في شخص” المسيح.

يوضح القديس توما أنه بما أن الاتحاد الأقنوميّ “اتحاد مخلوق”، فلا يمكن أن يكون “في الله”:

كل علاقة نفكر فيها بين الله والمخلوق هي في الحقيقة في المخلوق، الذي بتغيره تنشأ هذه العلاقة؛ بينما هي ليست في الله حقًا، بل في طريقة تفكيرنا فقط، لأنها لا تنشأ عن أي تغير في الله.

ومن ثم، يجب أن نقول إن الاتحاد الذي نتحدث عنه ليس في الله حقًا، إلا في طريقة تفكيرنا فقط؛ بل في الطبيعة البشرية، التي هي مخلوق…

لذلك، يجب أن نقول إنه [الاتحاد الأقنوميّ] شيء مخلوق.

(المرجع نفسه، السؤال 2، المادة 7).

وهكذا، عندما تحدث مجمعا أفسس وخلقيدونية عن الاتحاد الأقنومي بأنه “في شخص المسيح”، فذلك بقدر ما أن الطبيعة البشرية التي اتخذها المسيح الآن لها موضوعها هو شخص المسيح الإلهي.

وكما يقول توما الأكويني، فهي “ليست في الله حقًا، إلا في طريقة تفكيرنا”

– أي لأن الطبيعة البشرية لها موضوعها هو شخص إلهي.


“لكن انتظر لحظة”، قد يقول أحدهم.

“كان الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس مجرد إله، ولكن في التجسد أصبح مزيجًا من الله والإنسان. هذا تغيير!”

صحيح أنه في التجسد، أضاف الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس طبيعة بشرية لم تكن لديه من قبل،

لكنه (الطبيعة الإلهية) لم يتغير في جوهره الإلهي.

التغيير الحقيقي الوحيد حدث في طبيعته البشرية، التي نالت كرامة لا نهائية في الاتحاد الأقنومي ومن خلاله، لكن الله لم يتغير في هذه العملية.

ولكن بسبب الاتحاد الأقنومي، عندما يشير المرء إلى الطبيعة البشرية للمسيح، فإن الموضوع هو الشخص الإلهي.

ولهذا السبب يمكننا أن نعبد الإنسان، يسوع المسيح.

ولهذا السبب يمكننا أن نؤكد أن الله، قد وُلد وتألم ومات.

لا يمكن للطبيعة الإلهية أن تموت،

ولكن شخصًا إلهيًا مات، بسبب الاتحاد الأقنومي.

وبالمثل، فإننا نعبد أيضًا المسيح كله، وليس جزءًا منه.

لقد وُلدت مريم المسيح كله، لا إحدى طبيعتيه.

وعندما نتحدث عن يسوع، فإننا نتحدث عن شخصه الإلهي، الذي يُنسب إليه كل شيء إنساني وإلهي بالكامل.

حتى النساطرة الهراطقة، الذين رأوا فعليًا شخصين في المسيح، لم يرتكبوا خطأً واضحًا لدرجة الادعاء بوجود “تغيير” في الله.

في النهاية، فإن خطأ أولئك الذين يعتقدون أن الله تغير في التجسد متجذر في عدم فهم الفرق بين الشخص (من هو شخص ما) والطبيعة (ما هو شخص ما أو شيء ما).

في حالة يسوع، لا يتغير “من” بالضرورة بإضافة “ماذا” آخر.

كما لا يوجد تغيير في “ماذا” الآخر – الطبيعة الإلهية.

التغيير الوحيد الذي يمكننا التحدث عنه هو التغيير الجذري في الطبيعة البشرية، الذي يحدث بنعمة الاتحاد الأقنومي، حيث ترتفع الطبيعة البشرية للمسيح، كما كانت، إلى الشخص الإلهي،

وتتلقى كرامة لا نهائية نتيجة لذلك.


وهكذا، فإن “الإنسان، يسوع المسيح” (1 تيموثاوس 2: 5) لم يصبح مجرد “[شريك] في الطبيعة الإلهية” (2 بطرس 1: 4)، كما نحن المسيحيون.

إن “الإنسان” يسوع المسيح هو الله بسبب الاتحاد الأقنومي.

أليس هذا بالضبط ما نراه في الكتاب المقدس؟

ادرس كولوسي 1: 15–22، وسترى أن “هو”، أو شخص المسيح، يُشار إليه بأنه:

  • “خالق” كل الأشياء (كإله)

  • وبأنه “عانى ومات على الصليب من أجل خلاصنا” (كإنسان):

“هو صورة الله غير المنظور، بكر كل خليقة.

لأنه فيه خُلقت كل الأشياء، ما في السماوات وما على الأرض، ما يُرى وما لا يُرى، سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين.

كل شيء به وله خُلِق.

هو قبل كل شيء، وفيه يقوم كل شيء.

هو رأس الجسد، الكنيسة.

هو البداءة، البكر من بين الأموات، لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء.

لأنه فيه سرّ الله أن يحلّ كل الملء، وأن يصالح به كل الأشياء إلى نفسه، سواء على الأرض أو في السماء، صانعًا السلام بدم صليبه.

وأنتم، الذين كنتم في يوم من الأيام غرباء وأعداء في الفكر، تفعلون الشرور، صالحكم الآن في جسده البشري بموته،

لكي يقدمكم قديسين وبلا لوم ولا عيب أمامه.” (التأكيدات مضافة)

إنه الله الخالق والإنسان الذي مات على الصليب.

كيف؟

لأن أي ظاهرة نتحدث عنها، نجد مصدرها أو مكانها أو كليهما في المسيح، يجب أن تُنسب في النهاية إلى الشخص الإلهي الواحد.

ولهذا السبب يمكننا أن نقول بثقة:

إن الله أصبح إنسانًا، ومع ذلك فإن الله لا يتغير.

هل تغيرت طبيعة الله عندما تجسد ؟ Tim Staples – ترجمة مارڤين

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

الطريق إلى خلقيدونيّة

بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.

ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]

وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.

وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.

وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.

وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق

وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.

موقف كنيسة الإسكندريّة

شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:

”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]

شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.

مجمع أفسّس الثاني 449م

 لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.

وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.

وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة. كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4] وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.

وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.

وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.

ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.

مجمع خلقيدونية 451م

لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]

وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).

الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):

”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.

 “ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.

 حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين

 δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).

 فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.

وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق

 όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…

وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:

”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]

وقال أيضًا في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونيّ:

”أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد“.[8]

وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.

وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:

”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]

وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.

“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10] 

وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.

نص حكم عزل البابا ديسقوروس

” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:

فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.

ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]

وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.

 

[1] Cf. Samuel, V.C. pp. 14-15.

[2] Ibid p. 15.

[3] Ibid p. 30-31, see Mansi VI, p. 744, quoted in Bettenson, Documents, pp. 48-49..

[4] Cf. Samuel, V.C., pp. 29-35.

[5] Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI Fourth Century Christology, A & C Black- London 1977, 5th Revised Edition, p. 302.

[6] Cf. Samuel, V.C., p. 69.

[7] Ibid., p. 51.

[8] Ibid., p. 55.

[9] Cf. Sellers, R.V. p. 119.

[10] Cf. Samuel, V.C., p. 75, see also Sellers, R.V., p. 114, and Hefele, C.J. p. 333, 334.

II, i, pp. 320: 14,.ACO [11]

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى

التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى

التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى

مقدمة

منذ العصور الأولى للمسيحية، وجدت الكنيسة نفسها مضطرة لاستخدم المصطلحات والأفكار اليونانية بكثرة لشرح مضمون ومفاهيم الإيمان، إلاّ أن الفكر اللاهوتي المسيحي قام بإعادة صياغة وتشكيل هذه المصطلحات والأفكار من أساسها، فصارت للمصطلحات اليونانية معانٍ مختلفة تماماً عما كانت تعنيه هذه التعبيرات في فكر الفلاسفة اليونانيين، أي أنه قد تم في الحقيقة ’إلغاء يونانية‘ تلك المصطلحات بصورة جذرية.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن الفكر اللاهوتي المسيحي لم ينشأ من تحول مسيحية الكتاب المقدس إلى الهللّينية، بل على العكس فهو يمثل إعادة صياغة وتشكيل أنماط الفكر الهللّيني الشائعة لتصير أداة جديرة بالكرازة، تُمكِّن الكنيسة من شرح ـ وإعطاء تعبيرات راسخة عن ـ عقيدة الثالوث وعقيدة التجسد وبقية العقائد الأساسية الأخرى.

وعلى الرغم من أن تلك المصطلحات لم ترد في الكتاب المقدس، إلا أن الآباء وجدوا أنفسهم مضطرين لاستخدامها من أجل التعبير بأقصى دقة ممكنة عن معنى النصوص الكتابية نفسها.

وعند اتهامهم بأن هذا يعد خروجاً عن الكتب المقدسة، أكد الآباء أنهم أُجبروا ـ بسبب ضلال التفسيرات الخاطئة ـ أن يصيغوا ويستخدموا مصطلحات جديدة لكي يحافظوا بها على الحق وعلى أسس الإيمان السليم، ولكي يحموا هذا الإيمان من سوء الفهم. وكما أوضح ق. أثناسيوس، فإن أهم ما في الموضوع ليس هو كلمات أو مصطلحات محددة وردت في الكتب المقدسة، بقدر ما هو المعاني التي تنقلها والحقائق التي تشير إليها هذه الكلمات والمصطلحات.

وكانت هناك مصطلحات بعينها لعبت دوراً بارزاً في الجدال الأريوسي في القرن الرابع وفي الجدال الخريستولوجي في القرنين الخامس والسادس. وهذه المصطلحات هي: ’أوسيا‘ (ου̉σία)، و’هيبوستاسيس‘ (υ̉πόστασις)، و’فيزيس‘ (φύσις)، و’بروسوبون‘ (πρόσωπον).

وفي الحقيقة كان الغموض الذي صاحب المعاني التي قصدت تلك المصطلحات أن توضحها، والتغير في مدلول هذه المعاني على مر العصور، هما السببان الهامان وراء الكثير من الجدال اللاهوتي داخل الكنيسة.

ولذلك فإن محاولة فهم أبعاد ذلك الجدال بمعزل عن معرفة المعاني المقصودة من تلك المصطلحات لدى كل تقليد وفي كل عصر، تعتبر عملية مستحيلة المنال. ومن هذا المنطلق سنحاول في السطور التالية أن نقدِّم عرضاً مختصراً لتطور مدلول تلك المصطلحات عند الآباء واللاهوتيين في الكنيسة الأولى.

البابا أثناسيوس الرسولي ومجمع نيقية (325م):

كان مصطلح ’أوسيا‘ (ου̉σία) هو مصطلح يوناني يعني ’الوجود‘ أو ’الكينونة‘ (Being) أو ’الحقيقة الداخلية‘ (الجوهر) للشيء، وهو يقابل في المعنى المصطلح اللاتيني (Substantia). وكانت القاعدة الذهبية عند ق. أثناسيوس أن الكلمات والمصطلحات تختلف عند الحديث عن الله، أي عندما تحكمها طبيعة الله الفريدة، عنها عند الحديث عن المخلوقات بطبيعتها الزائلة.[1]

لذلك ميَّز ق. أثناسيوس بين الأوسيا الإلهي والأوسيا عند المخلوقات، فتحدث عن الأوسيا الإلهي بأنه يعني “الكائن” كما جاء في (خر 3: 14)، أو  “الجوهر غير المدرك، والذي فوق كل إدراك”،[2] وأنه هو الكائن بمعناه الحقيقي لأنه هو الكائن بذاته أما أي كائن آخر فهو كائن عرضي أو اعتمادي. ومن هنا نفهم أن الأوسيا الإلهي عند ق. أثناسيوس كان يعني “الكيان الداخلي الحقيقي الفائق لكل إدراك”. وكان ق. أثناسيوس ينظر إلى الأوسيا الإلهي بكونه يحوي ضمناً العلاقات الأقنومية في داخله، أي أن له مدلول شخصي، ولذلك استخدم ق. أثناسيوس مصطلح (ενούσιος λόγος) أي اللوغوس الذي في الأوسيا. والله له أوسيا واحد، وطبيعة (فيزيس) واحدة وهي الطبيعة الخاصة بهذا الأوسيا.

وكان ق. أثناسيوس يقول إن اللاهوت بكامله هو في الابن وفي الروح القدس كما هو في الآب، ولذلك فالثلاثة هم ربوبية واحدة ومبدأ واحد ورئاسة واحدة، لأنهم واحد في ذات الأوسيا ’هوموأووسيوس‘. وكان مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأووسيوس‘ عند ق. أثناسيوس وآباء نيقية هو مفتاح الوحدانية في الثالوث وكان هذا المفهوم يحمل في طياته أيضاً مفهوم التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة أقانيم الإلهية داخل جوهر الله الواحد.[3]

أما عند الحديث عن المخلوقات فإن ’الأوسيا‘ يعني “الحقيقة الداخلية الجوهرية العامة” لنوع ما من المخلوقات، وقد استخدم ق. أثناسيوس مصطلح أوسيا في رسالته إلى أبكتيتوس للدلالة على الحقيقة العامة المجردة للجنس البشري حيث قال: “لو كان الكلمة من نفس ’أوسيا‘ الجسد،… فإن الآب نفسه أيضاً يكون من نفس ’أوسيا‘ الجسد الصائر من الأرض. فلماذا إذاً تلومون الأريوسيين الذين يقولون أن الابن مخلوق، وأنتم أنفسكم تزعمون أيضاً أن الآب من نفس ’أوسيا‘ المخلوقات”.[4]

أما مصطلح ’هيبوستاسيس‘ (υ̉πόστασις) فينقسم في تحليله اللغوي إلى هيبو (υ̉πό) أي تحت، وستاسيس (στασις) أي قائم، فيعني بذلك الذي ’يقوم تحت‘ الشيء أو ’الأساس الذي يتوقف عليه‘ الشيء، وبهذا المدلول يقترب مفهوم الهيبوستاسيس من مفهوم الأوسيا في معناه اللغوي. وقد يكون هذا التشابه هو السبب في استخدام المصطلحين بالتبادل في الفلسفة اليونانية.

وقد بدأ التمييز بين المصطلحين منذ مجمع الإسكندرية عام 362م حيث أصبح ’الأوسيا‘ يفيد المعنى الذي ذكرناه سابقاً، أما ’الهيبوستاسيس‘ فأصبح يعني “كيان شخصي أساسي متمايز في داخل جوهر الله” (ε̉νυπόστατος)، أي أن الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية لها وجود شخصي حقيقى، وأنها في تلازم وتواجد (احتواء) متبادل في جوهر الله الواحد. وحيث إن الأقانيم هي ’هوموأووسيوس‘ (أي لها ذات الأوسيا الواحد) مع بعضها البعض فهي بالتالي ’هوموفيس‘ (ο̉μοφυής) أي لها ذات الطبيعة الواحدة الخاصة بالأوسيا.

وكان الفكر اللاهوتي السكندري هو أول من بدأ في التمييز في المعنى بين الأوسيا والهيبوستاسيس ابتداءً من أوريجانوس،[5] ثم ديونيسيوس السكندري (في رسائله إلى ديونيسيوس الروماني)،[6] كما نجد ذلك أيضاً عند ديديموس الضرير.[7]

ولكن هذا النضج في التفريق بين مدلولي المصطلحين لم يكن قد وصل إلى نفس المستوى خارج الإسكندرية، إذ بقي مفهوم الهيبوستاسيس لا يخرج عن مفهوم الأوسيا في أبسط معانيه، ولذلك أصر مجمع نيقية في قراراته على ذكر المصطلحين معاً كمترادفين دون أي تفريق بينهما وقد اضطر السكندريون للتغاضي عن ذلك على مضض.[8]

وظل الحال على ما هو عليه إلى أن جاء مجمع الإسكندرية عام 362م حيث أعلن ق. أثناسيوس للعالم إمكانية التفريق بين مصطلحي أوسيا وهيبوستاسيس، وأنه يصح أخذ مصطلح هيبوستاسيس بمعنى “الكيان الشخصي المتمايز في جوهر الله”. ومع مرور الوقت اتفق العالم شرقاً وغرباً على الأخذ بلاهوت الإسكندرية الرصين.[9]

أما بالنسبة لمصطلح ’فيزيس‘ (φύσις) أو ’طبيعة‘ فيدل على الخصائص الجوهرية التي تميِّز (أو تشكِّل) شيء ما ليكون هذا الشيء وليس أي شيء آخر. وقد استخدم الآباء مصطلح طبيعة بمدلول الأوسيا، كما استخدموه أيضاً بمدلول الهيبوستاسيس. 

وحين كان الآباء يتكلمون عن الطبيعة بمدلول الأوسيا فقد كانوا يعنون الطبيعة التي يتضمنها الأوسيا أو الخاصة بهذا الأوسيا، وحين كانوا يتكلمون عن الطبيعة بمدلول الهيبوستاسيس فقد كانوا يعنون الطبيعة التي يتضمنها الهيبوستاسيس أو الخاصة بهذا الهيبوستاسيس. وسيتضح هذا المعنى أكثر حين نأتي إلى ق. كيرلس والبطريرك ساويروس.

وإذا نظرنا إلى مصطلح ’بروسوبون‘ (πρόσωπον) فسنجد أنه في أصله اللغوي يعني ’ينظر نحو‘، وقد استُخدم هذا المصطلح قبل المسيحية ليشير إلى “القناع” الذي يلبسه الممثل ليمثل ’شخصية‘ ما، ثم أصبح يشير إلى الدور الذي يقوم به الممثل (المشخصاتي) ليعبر عن الشخصية التي يمثلها.

ويأتي هذا المصطلح في الكتاب المقدس بمعاني متعددة ولكنها كلها بمدلول ’الوجه‘ أو ’الحضور‘، وحينما جاء بمعنى ’الشخص‘ (2 كو 11:1) فكان لا يعني مجرد الفرد ولكن ’الذي ينظر إلى الآخر‘ أو الذي ’يتجه للآخر‘.

وقبل هرطقة سابليوس كان الآباء يستخدمون هذا المصطلح للتعبير عن أقانيم الثالوث، وعندما استخدم سابليوس هذا المصطلح بمعنى ’الحالة‘ واعتبر أن الثالوث هو ثلاث حالات (بروسوبا) لأقنوم واحد، اضطر الآباء إلى الابتعاد عن استخدام هذا المصطلح للتعبير عن الأقانيم واستخدموا مصطلح ’هيبوستاسيس‘ بدلاً منه،[10] ومع ذلك ظل لمصطلح ’بروسوبون‘ شأن كبير في الجدل الخريستولوجي في القرن الخامس والسادس كما سنرى فيما بعد.

الإباء الكبادوك ومجمع القسطنطينية (381م):

لم يفرِّق الآباء الكبادوك بين استخدام ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ في الحديث عن الله وبين استخدامهما في الحديث عن المخلوقات، وطبقوا المعنى الذي يستخدم مع المخلوقات على الأوسيا والهيبوستاسيس الإلهي. فلم ينظروا إلى الأوسيا الإلهي بمدلوله الشخصي بكونه الجوهر الذي يتضمَّن العلاقات الأقنومية، ولكنهم أخذوه فقط  بمعنى الحقيقة العمومية التي في الثلاثة هيبوستاسيس واعتبروا أن علاقة ’الأوسيا‘ بـ ’الهيبوستاسيس‘ هي مثل علاقة العمومي (أو المشترك) بالخصوصي (أو المميَّز).

وتبعاً لهذا الشرح اقترب مدلول الأوسيا الإلهي عند الآباء الكبادوك من مدلول الأوسيا في المخلوقات، ولم يعد مفهوم الوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأووسيوس‘ بما يتضمنه من الوجود (الاحتواء) المتبادل للأقانيم هو المدخل لفهم الوحدانية في الله، ولكن صار التركيز على الأقانيم المتمايزة والموحدة من خلال أقنوم الآب حيث سعى هؤلاء الآباء إلى تأكيد وحدانية الله من خلال ربطها بالآب بكونه هو المبدأ الواحد (الرأس) أو ’العلة‘ أو ’المصدر‘ للابن والروح القدس.[11]

ورغم أنهم أكدوا أنه لا يوجد أي فاصل بين ’العلة‘ و’المعلول‘، وأن صدور الابن والروح القدس من الآب هو بلا بداية، إلاّ أن ذلك المدخل أدى إلى تفريق بين ألوهة الآب ’غير المستمدة‘ وألوهة الابن والروح القدس ’المستمدة‘. ورغم أن أسلوب الآباء الكبادوك قد ساعد الكنيسة على فهمٍ أغني وأعمق لأقانيم الثالوث القدوس إلاّ أن هذا كان على حساب استبعاد المعنى الحقيقي للأوسيا بكونه ’الجوهر في علاقاته الداخلية‘، وعلى حساب إفراغ مفهوم الأوسيا من مدلوله الشخصي العميق الذي برز بشدة في مجمع نيقية.[12]

ورغم أن فكر ق. غريغوريوس النزينزي حول الثالوث القدوس، كان يتفق في شكله العام مع ما قدمه ق. باسيليوس، وق. غريغوريوس النيصي، إلا أنه عاد وتبنى مفهوماً أكثر قرباً للقديس أثناسيوس[13] واتخذ مفهوم ’هوموأووسيوس‘ مدخلاً لشرح وحدانية الله، ونظر إلى الثلاثة هيبوستاسيس بكونها تشير إلى علاقات كائنة أزلياً وجوهرياً داخل الله وفقـــــــاً لما هـم في ذواتهم ووفقاً لما هم في علاقاتهم المتبادلة مع بعضهم البعض.

وهذه العلاقات بين الأقانيم هي جوهرية أو كيانية، بحيث إنهم يكونون ’في ما بينهم‘ بالضبط تماماً نفس ما هم ’في ذواتهم وبذواتهم‘، ولذا فالآب هو ’آب‘: بالتحديد في علاقته الكيانية غير المنفصلة مع الابن والروح القدس، والابن والروح القدس هما ابن وروح قدس: بالتحديد في علاقتيهما الكيانية غير المنفصلة مع الآب ومع بعضهما البعض. ويمكننا القول إن فهم ق. غريغوريوس لعقيدة الثالوث، كان يعتبر تعمقاً ملحوظاً في مفهوم ق. أثناسيوس للـ ’أوسيا‘ بكونه الجوهر الإلهي في علاقاته الداخلية (أي المتضمِّن العلاقات الإقنومية في داخله).[14]

وقد أكد ق. غريغوريوس النزينزي مثل ق. أثناسيوس أن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليست محدودة بأقنوم واحد: لأن الوحدة قائمة في الثالوث وبالثالوث.[15]

ومن الجدير بالذكر أنه كان هناك دور كبير  للآباء الكبادوك في مجمع القسطنطينية وبالأخص ق. غريغوريوس النزينزي الذي رأس الاجتماعات الأولى للمجمع. وقد حرص مجمع القسطنطينية على عدم إدخال إلا أقل تعديل ممكن في قانون الإيمان (الذي وُضع في نيقية)، كما التزم المجمع كذلك في العبارات التي أُضيفت عن الروح القدس أن يسير في نفس الخط اللاهوتي ومدلول المصطلحات الذي تبناه مجمع نيقية بدون أن يتأثر بما قد حدث في الفترة ما بين نيقية والقسطنطينية.

وكان التعليم الذي قدَّمه ق. أثناسيوس بعد مجمع نيقية عن الروح القدس ـ والذي أخذه عنه بعد ذلك ق. إبيفانيوس وامتد به ـ هو الأساس الذي حسم الأمر في مجمع عام 381م.

البابا كيرلس السكندري ومجمع أفسس (431م):

كان ق. كيرلس السكندري بالحقيقة هو ختم الآباء[16] لأنه جمع في تعليمه كل غنى التراث الآبائي السابق له، بل أفضل ما قدَّمه الآباء الذين أتوا قبله، وقد وصل الفكر اللاهوتي على يديه إلى كمال نضجه.

وبالنسبة لمعاني المصطلحات اللاهوتية، كان ق. كيرلس حذقاً في استخدام مدلول تلك المصطلحات حيث تحدث عن الفرق بين الأوسيا والهيبوستاسيس بكونه مثل الفرق بين العام والخاص،[17] إلا أن هذا كان فقط لشرح مبدأ الاختلاف الأساسي بين مدلول المصطلحين، ولم يكن ذلك أبداً على حساب مفهوم الأوسيا الإلهي الذي يحوي العلاقات الهيبوستاسية.

وقد تبنى ق. كيرلس مفهوم ’هوموأووسيوس‘ (وليس أقنوم الآب) كأساس لشرح وحدانية الثالوث، فنجده يقول في الحوار الأول حول الثالوث: “فالجوهر هو حقيقة مشتركة بينما الأقنوم يُطلق على الأقانيم المشتركة في هذا الجوهر،…. والوحدانية في ذات الجوهر ’هوموأوسيوس‘ تتعدى تمايز الأقانيم في الآب والابن وتقدمهما بشكل موحد غير منقسم، ولا نستطيع أن ننزع عن كل أقنوم ما هو خاص به”.[18]

أي أنه من حيث التفريق الأساسي أظهر أن الأوسيا هو الحقيقة الجوهرية (بما له من وجود وطبيعة) والتي تميّز نوع ما عن أي نوع آخر والهيبوستاسيس هو الواقع الخاص المتمايز الذي لهذا النوع (بما له من وجود وطبيعة)، ولكن عند الحديث عن الله أخذ ق. كيرلس السكندري تعليم ق. غريغوريوس النزينزي عن الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية بكونها علاقات ديناميكية كائنة على الدوام في أوسيا الله الواحد.[19]

وضمَّه مع تعليم ق. أثناسيوس عن السكنى المتبادلة للأقانيم الثلاثة، ليقدَّم مفهومه العميق عن التواجد (الاحتواء) المتبادل للثلاثة هيبوستاسيس في داخل الأوسيا الإلهي.[20] كما تبنى ق. كيرلس مفهوم ق. أثناسيوس وق. إبيفانيوس عن وحدة المبدأ (الرأس) (Μοναρχία) ليس بكونها في أقنوم الآب وحده ولكن بكونها وحدة في ثالوث وثالوث في وحدة.[21]

وكان مصطلح ’بروسوبون‘ يُستخدم في بعض الأحيان كمرادف للهيبوستاسيس ويُقصد به ’الشخص المتمايز‘، ولكن ’البروسوبون‘ لا يعني في الحقيقة الشخص بالمعنى الكامل للمصطلح، وإنما يدل على الناحية الخارجية للكائن التي تميِّز الواحد عن الآخر. أي أن ’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص من جهة حقيقته الداخلية، أما ’البروسوبون‘ فيمثل الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي) فقط. وكان لهذا التفريق الدقيق أهمية قصوى في الجدال الخريستولوجي بين التقليد السكندري والتقليد الأنطاكي كما سنرى.

وبالنسبة لمصطلح ’فيزيس أو طبيعة‘، استخدم ق. كيرلس المصطلح بمدلول ’الأوسيا‘، كما استخدمه أيضاً بمدلول ’الهيبوستاسيس‘ سواء في الحديث عن الله أو عن الإنسان. ففي خطابه الرابع ضد نسطوريوس قال ق. كيرلس: “إن طبيعة اللاهوت الواحدة تُعرف في الثالوث القدوس والواحد في ذات الجوهر”، ونجد هنا أنه استخدم مصطلح ’طبيعة‘ بمدلول ’الأوسيا‘، ولكن في خطابه إلى الأميرة استخدم ق. كيرلس نفس المصطلح كمرادف للهيبوستاسيس حيث كتب: “نحن نؤكد أن الكلمة، خالق العالمين، الذي فيه وبه يكون كل شيء، النور الحقيقي، ’الطبيعة‘ التي تعطي حياة للجميع، الذي هو ابنه الوحيد، قد ولد من جوهر الآب بطريقة لا توصف”.

وعند الحديث عن الإنسان كتب ق. كيرلس في خطابه الثالث ضد نسطوريوس: “إنه بسبب خطية آدم، سقطت طبيعة الإنسان إلى اللعنة والموت”، وهنا يشير المصطلح إلى مدلول الأوسيا، ولكن في كتابه ضد أندراوس السموساطي استخدم ق. كيرلس مصطلح ’طبيعة‘ كبديل للهيبوستاسيس حيث قال: “وبالنظر إلى البروسوبون الواحد والطبيعة الواحدة، أي الهيبوستاسيس (الواحد)، فإننا حينما نفكر في هاتين (الطبيعتين) اللتين يتركب منهما طبيعياً، فإن العقل يجعلهما معاً ويميزه كواحد مركب، وليس كمنقسم إلى إثنين”.

وكان مصطلح ’طبيعة‘ ـ والذي يعني الخصائص الداخلية التي تميِّز الشيء ـ حين يُستخدم بمدلول الأوسيا فيُقصد به الطبيعة في معناها العام أي طبيعة هذا الأوسيا التي تميزه عن غيره، وحين يُستخدم بمدلول الهيبوستاسيس فيُقصد به الطبيعة في واقعها المتفرد المخصخص (أو الهيبوستاسي).

وكان التقليد الأنطاكي (الذي مهد للهرطقة النسطورية) يستخدم مصطلح ’طبيعة‘ بمدلول ’الشخص المحدد‘، ويتبنى مفهوم أن المسيح هو ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ بمعنى ’شخصين محددين‘ لذلك فإن الاتحاد بينهما لا يمكن أن يكون غير مجرد اقتران (سينافيا) لهذين الشخصين، وبالتالي فإن ’الله الكلمة‘ و’الإنسان المُتَخَذ‘ كانا بالنسبة للفكــر الأنطاكي هما مركزين للوجــود والفعل (two centers of being and activity). وكان اتحاد الطبيعتين من وجهة نظرهم هو في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط، لذلك فإن المسيح هو طبيعتين متحدتين في بروسوبون واحد.[22]

وأمام هذا التفسير أصر السكندريون على أن اتحاد الطبيعتين كان اتحاداً داخلياً حميماً بحسب ’الهيبوستاسيس‘ (أي اتحاد هيبوستاسي) وليس مجرد اتحاداً خارجياً في نطاق البروسوبون. لذلك فإن المسيح هو هيبوستاسيس واحد مركب (أي مركز واحد للوجود والفعل)، وطبيعة واحدة مركبة، وبروسوبون واحد.

فالطبيعتين الإلهية والإنسانية ظلتا محتفظتين بخواصهما دون أي نقصان أو تغير وقد اتحدتا بصورة داخلية حميمة بدون اختلاط أو انفصال لدرجة أن المسيح لم يكن “طبيعتين بعد الاتحاد”؛ فهو “من طبيعتين” ولكنه مع ذلك “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وفي الحقيقة كانت تلك الرؤية السكندرية هي الأساس اللاهوتي الذي تمت على أساسه إدانة نسطوريوس كهرطوقي في مجمع عام 431م.

مجمع خلقيدونية عام 451م:[23]

كان الأساس اللاهوتي لمجمع خلقيدونية يتركز في طومس ليو واعتراف الإيمان الذي قام المجمع بصياغته.

(1) طومس ليو:

كانت الفقرة المحورية في طومس ليو هي التي تقول: إن الله الابن الأزلي قد اتخذ ناسوتاً، بحيث إن “خواص كلتا الطبيعتين والجوهرين محفوظة ومتواجدة معاً في شخص واحد”. وأن ابن الله “نزل من عرشه السماوي” ولكنه في نفس الوقت “بدون أن يتنحى عن مجد الآب”، ودخل في هذا العالم وولد بطريقة جديدة.

وبهذا الميلاد (الزمني) لم يتغير اللاهوت إلى ناسوت، ولا ابتُلع الناسوت في اللاهوت، ولكنهما كانا متحدين تماماً بحيث إن “كل طبيعة تقوم بما هو ملائم (proper) لها (أو مختص بها) وهي في شركة (communion) مع الأخرى؛ فعلى سبيل المثال كان الكلمة يقوم بما هو ملائم للكلمة، وكان الجسد ينفذ ما هو ملائم للجسد”.

فكإنسان كان يمكنه أن يشعر بالجوع والعطش وأن يتعب وينام؛ ولكن كإله أشبع الآلاف من الناس بخمس خبزات كما صنع معجزات أخرى. والحق أنه “في الرب يسوع المسيح، يوجد شخص واحد لله والإنسان، ومع ذلك فإنه من حيث التألم الذي هو مشترك لكليهما فإن هذا شيء، ومن حيث المجد الذي هو مشترك (أيضاً) لكليهما فإن هذا شيء آخر؛ لأن الناسوت الذي أدنى من الآب هو له منا، واللاهوت المساوي للآب هو له من الآب”.

ومن هنا فإن وحدة الشخص “ينبغي أن تُفهم بكونها كائنة في طبيعتين”، ولذلك يمكننا أن نقول أن ابن الإنسان أتى من السماء، وأن ابن الله أخذ جسداً وولد من العذراء.

ومن الفقرة السابقة نرى أن طومس ليو قد تحدث عن ’شخص واحد‘، فماذا كان يعني البابا ليو بهذا التعبير خاصة أنه في السياق التاريخي للقرن الخامس كان اللاهوتيون الشرقيون يستخدمون الكلمتين ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ اليونانيتين بما يكافئ كلمة ’برسونا‘ عند اللاتين؟ فهل كان البابا ليو يعني بتعبير ’شخص واحد‘ أنه ’هيبوستاسيس واحد‘ أم أنه ببساطة مجرد ’بروسوبون واحد‘؟.

وقد رأى القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري في عبارة ’شخص واحد كائن في طبيعتين‘ ما يتضمن فقط معنى ’البروسوبون‘، كما رأوا في عبارة ’كل طبيعة تقوم بما هو ملائم لها وهي في شركة مع الأخرى‘ ما يحمل معنى ’الهيبوستاسيس‘. وهكذا فهم السكندريون أن ليو يؤمن بأن ’الهيبوستاسيسين‘ أي الله الابن ويسوع الإنسان اتحدا في ’بروسوبون‘ واحد.

وهذا بالتحديد ما كان الأنطاكيون يعلِّمون به طوال الوقت. وحينما قارن السكندريون الطومس مع رسائل البابا كيرلس التي أرسلها إلى نسطوريوس وبالأخص الرسالة (الثالثة) التي احتوت على الحروم، وجدوا تناقضاً حقيقياً بين تعليم ق. كيرلس السكندري وطومس البابا ليو.

لأن ق. كيرلس على سبيل المثال كان قد أوضح تماماً أن الأقوال والأفعال يقوم بها الهيبوستاسيس الواحد المتجسد، بينما يذكر الطومس أن الأقوال والأفعال تقوم بها الطبيعتان، فإذا أُخذ مصطلح ’الطبيعة‘ بمعنى ’الهيبوستاسيس‘ ـ وهو المعنى الوحيد المنسجم مع سياق النص ـ فسيكون من العسير قبول هذا الموقف بالتحديد.

(2) إعتراف الإيمان الخلقيدوني:

تحدث إعتراف الإيمان الخلقيدوني عن أن “ربنا يسوع المسيح هو بالنسبة لنا نفس الابن الواحد، الكامل في اللاهوت، والكامل في الناسوت؛ إله حقيقي وإنسان حقيقي…؛ هو نفس المسيح الواحد، والابن الواحد، والرب الواحد، والمولود الوحيد؛ يُعترف به في طبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انقسام ولا انفصال؛ ولم يلغي الاتحاد اختلاف الطبيعتين أبداً بل بالأحرى حُفظت خواص كل طبيعة، و(كلاهما) يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد؛ وليس كما لو كان قد تجزأ أو انقسم إلى بروسوبونين، ولكنه الابن الواحد نفسه والمولود الوحيد، الله الكلمة الرب يسوع المسيح …”

ومن هنا نرى أن تعريف الإيمان الخلقيدوني كان يحوي عناصراً مأخوذة من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي، ومع ذلك ذهب إلى أبعد من حدود التقليد الأنطاكي في تأكيده أن “الطبيعتين متواجدتان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”، كما ذهب أبعد من حدود التقليد السكندري في إصراره أن المسيح ينبغي “أن يُعترف به في طبيعتين”.

البطريرك ساويروس الأنطاكي والجانب غير الخلقيدوني:

كان البطريرك ساويروس تلميذاً مخلصاً للقديس كيرلس السكندري وكان بالفعل هو اللاهوتي الأبرز والمدافع الأعظم عن التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني في القرن السادس. وقد قام البطريرك ساويروس بشرح معنى المصطلحات اللاهوتية في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘ وفي العديد من رسائله العقائدية وكتاباته الأخرى.

وكان البطريرك ساويروس يأخذ ’الأوسيا‘ الإلهي مثل ق. أثناسيوس بمعنى الكائن (بذاته)، وقد شرح الإختلاف الأساسي بين ’الأوسيا‘ و’الهيبوستاسيس‘ بأن “’الأوسيا‘ يدل على ما هو عام، بينما يدل ’الهيبوستاسيس‘ على ما هو خاص”.[24] وقام البطريرك ساويروس بتوضيح وجهة نظره من خلال قوله إن “مصطلح ’إنسان‘ يدل على الجنس وعلى الانتماء العمومي لكل الجنس البشري”،[25] وأشار إلى دليل كتابي في سفر التكوين، حين تكلم الله إلى نوح وبنيه قائلاً: “سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 6: 9)، وأكد البطريرك ساويروس أنه في تلك الآية لم تكن الإشارة إلى إنسان محدد، ولكن إلى أي إنسان ينتمي إلى كل الجنس البشري.

ولكن من الناحية الأخرى حينما نطلق على شخص محدد ـ مثل يعقوب أو ألقانه ـ أنه إنسان، فنحن نقصد أنه ينتمي إلى الأوسيا (إلى الجنس البشري)،[26] وكل من يعقوب وألقانه هو هيبوستاسيس، لأن كل منهما استقبل وجوده المحدد (concrete existence) بصورة منفصلة وخاصة.

وكان البطريرك ساويروس ينظر إلى ’الأوسيا‘ بمعنى الحقيقة الديناميكية العامة المجردة، وبالتالي فإن ’الأوسيا‘ إذا لم يصبح ’محدداً‘ فلا يكون له وجود فعلي في عالم الزمان والمكان، أي أن ’الأوسيا‘ هو الحقيقة (العامة) التي عندما تتخصخص أو تتفرد (individuated) ينشأ واقع خاص (particular) محدد (أو حقيقة خاصة) الذي هو ’الهيبوستاسيس‘.

وإذا انتقلنا إلى مصطلحي ’هيباركسيس‘ و’فيزيس‘ فسنجد أن مصطلح ’هيباركسيس‘ يشير إلى ’الوجود‘ ومصطلح ’فيزيس‘ يشير إلى ’الطبيعة‘. ووفقاً لذلك فإن كلا المصطلحين يمكن أن يُستخدم إما بالمعنى العمومي أو بالمعنى الخاص. وعلى سبيل المثال، فإن أي ’أوسيا‘ يكون له وجوده من ناحية، كما أن له أيضاً طبيعته الخاصة من الناحية الأخرى. و’الهيبوستاسيس‘ كذلك بكونه ’الأوسيا‘ الذي تخصخص أو تفرد فإن له أيضاً ’الهيباركسيس‘ و’الفيزيس‘ الخاصين به.

وكان البطريرك ساويروس قد تعامل مع معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘ في أكثر من عمل من كتاباته، وفي كل مرة كان يقر بأن هذا المصطلح يعني في بعض الأحيان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر ’الهيبوستاسيس‘،[27] وكان يستدل على ذلك من أقوال ق. كيرلس السكندري التي سبق أن أشرنا إليها.

وبالنسبة للبابا ساويروس أيضاً كان مصطلح طبيعة حين يُُستخدم بمدلول الأوسيا فيُقصد بها الطبيعة في معناها العام أي طبيعة هذا الأوسيا التي تميزه عن غيره، وحين يُستخدم بمدلول الهيبوستاسيس فيُقصد بها الطبيعة في واقعها المتفرد المخصخص (أو الهيبوستاسي). وفي كل المرات التي استخدم فيها البطريرك ساويروس مصطلح ’طبيعة‘ وهو يتحدث عن أي كيان مخصخص ومتفرد سواء كان بسيطاً أم مركباً فكان يقصد به مدلول ’الهيبوستاسيس‘.

وتتضح هذه النقطة عند الإشارة إلى الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، فحين نقول عن الإنسان (وهو كيان متفرد) أنه “من طبيعتين” فإننا نقصد أنه “من هيبوستاسيسين”، لأن الجسد والروح لا يوجدان في الإنسان كـ ’إثنين أوسيا‘ (أي كحقيقتين عامتين مجردتين) ولكن كـ ’هيبوستاسيسين‘ (أي كواقعين متفردين)، ولكن حيث إن ’الإثنين أوسيا‘ (أي أوسيا الجسد وأوسيا الروح) قد أصبحا متفردين ومتخصخصين وهما في الاتحاد معاً، لذلك لا يوجد الإنسان في ’هيبوستاسيسين‘ أو ’طبيعتين‘.

ولو كان يمكن للجسد في أي وقت ما، أن يأتي إلى الوجود بدون الروح أو الروح بدون الجسد، لأمكن أن يكون كل منهما ’هيبوستاسيس بسيط‘ مستقل أو’طبيعة بسيطة‘ وأن يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به، ولكن ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘ ـ كحقيقتين ديناميكيتين ـ تخصخصا وتفردا معاً في الاتحاد، وكل منهما ظل بكماله الذي حسب أصل مبدأه (جوهره)، والتقيا ’الاثنان أوسيا‘ معاً في تكوين ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ له بروسوبون (واحد).

أما الفرق بين مدلول مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘ عند البطريرك ساويروس فهو أمر دقيق للغاية، حيث كتب: “إن آباء الكنيسة وصفوا ’الهيبوستاسيس‘ بأنه ’البروسوبون‘”،ومع ذلك فإن هناك فرق في المدلول بينهما لأنه “حينما يصبح الهيبوستاسيس وجوداً محدداً خاصاً ـ سواء كان بسيطاً أم مركباً ـ فإنه يُعبِّر عن بروسوبون متمايز”.[28] وستتضح هذه النقطة أكثر من شرح البطريرك ساويروس للفرق بين الهيبوستاسيس ’البسيط‘ و ’المركب‘.

فبالنسبة للنوع ’البسيط‘ أشار البطريرك ساويروس إلى الثلاثة هيبوستاسيس الإلهية، فكل من الآب والابن والروح القدس هو هيبوستاسيس بسيط (simple hypostasis)، أما الإنسان فهو هيبوستاسيس مركب (composite hypostasis) لأنه يتكون من جسد وروح. وفي حالة الإنسان، فمنذ أول لحظة من تزامن وجود ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘، يأخذ الإنسان وجوده ككيان جسدي روحي، ويستلم ’بروسوبون‘.

ولا يلتقي ’الاثنان أوسيا‘ معاً في صورة ’الأوسيا‘ ـ لأن الأوسيا بكونه هو الحقيقة العامة إذا لم يصبح محدداً فلا يكون له وجود فعلي في عالم الزمان والمكان ـ ولكنهما منذ بداية وجودهما معاً يصبحان واقعين هيبوستاسيين (hypostatic realities). ويقول البطريرك ساويروس:

“ويحافظ كل من الجسد والروح ـ اللذان يتركب منهما الإنسان ـ على الهيبوستاسيس الخاص به، دون أن يختلطا أو يتحول أي منهما إلى الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فبما أنهما اتخذا وجودهما المحدد في الوضع المركب وليس بشكل منفصل مستقل، فلا يمكن أن يُخصص ’بروسوبون‘ متمايز لأي منهما (على انفراد) “.[29]

ويمكننا أن نُفسر كلام البطريرك ساويروس في هذه النقطة كما يلي: ’الهيبوستاسيس‘ هو الكيان المحدد (concrete being) الناتج من تخصخص أو تفرد (individuation) ’الأوسيا‘. وفي هذا التخصخص والتفرد يأخذ ’الأوسيا‘ بكماله وجوداً محدداً (concrete existence)، وعندما يحدث هذا يكون للهيبوستاسيس ذلك ’البروسوبون‘ الخاص به.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن ’الهيبوستاسيس‘ ـ بكونه ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص ـ فإنه يمثل الحقيقة الداخلية الخاصة للشيء، و’البروسوبون‘ هو الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي). وعلى سبيل المثال، كل عضو من أعضاء نوع (class) معين هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص بكامله، ومن ثم لا يمكن تمييزه كهيبوستاسيس عن أي عضو آخر من نفس النوع، ولكن أعضاء النوع (الواحد) تتمايز عن بعضها البعض بواسطة البروسوبون.[30]

 ويمكننا أن نتبين مفهوم البطريرك ساويروس عن ’البروسوبون‘ بطريقة أوضح إذا رجعنا إلى إجابته عن السؤال: لماذا لا يمكن أن نعترف أن المسيح هو “من بروسوبونين” (from two prosopa)؟. وكان البطريرك ساويروس يصر أن المخلص “من هيبوستاسيسين” أو “من طبيعتين” ولكنه ليس “من بروسوبونين”، حيث كتب: “عندما تتخذ مجموعة من ’الهيبوستاسيس‘ وجودها المحدد الخاص، وتكون منفصلة الواحد عن الآخر، فإن كل واحد منها يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به.

ولكن حينما يلتقي ’هيبوستاسيسان‘ في إتحاد طبيعي ويكملان إتحاداً للطبيعتين والهيبوستاسيسين بدون أي اختلاط ـ كما نرى في الإنسان ـ فلا يمكن أن يُنظر إلى هذين الإثنين اللذين حدث منهما الاتحاد، بكونهما (وجودين) محددين مستقلين، أو أن يُعتبرا كبروسوبونين، وإنما ينبغي أن يُؤخذا كـ (بروسوبون) واحد”.[31]

وفي تطبيق هذا المفهوم على المسيح، يشرح البطريرك ساويروس وجهة نظره كما يلي: إن الله الكلمة الذي هو قبل العالمين، حينما وحَّد بنفسه (to himself) ناسوتاً بدون تغيير، لم يكن من الممكن أن يُنسب بروسوبون خاص (مستقل) لا إلى لاهوت المولود الوحيد[32] ولا إلى الناسوت الذي اتحد به، لأنهما أُدركا (معاً في المسيح) وهما في الوضع المركب وليس كما لو كانا قد اخذا وجودهما المحدد (في المسيح) بصورة منفصلة. وباتحاد اللاهوت والناسوت معاً، تكوَّن هيبوستاسيس واحد (مركب) من الإثنين ومعه أخذ الكلمة المتجسد البروسوبون الخاص به.[33]

وقد استمر اللاهوت والناسوت اللذين تركب منهما عمانوئيل كل في حالته الهيبوستاسية التي له بدون تغيير.[34] ولا ينبغي هنا أن يُساء فهم موقف البطريرك ساويروس، لأنه في تأكيده على الحقيقة الأقنومية لناسوت المسيح لم يكن يقر أن هناك مركزين للوجود والفعل في المسيح الواحد كما يفعل الأنطاكيون، حيث أصر على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، كما أكد كذلك على أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد ’مركب‘ (composite).[35]

وكان ’الهيبوستاسيس‘ بالنسبة للبطريرك ساويروس هو الأوسيا المخصخص وهو الشخص المعني بالأفعال، لذلك كان يتمسك بأن المسيح له ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘،[36] لأن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني كانا هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) الموجودتين في كل طبيعة (volitional and conative faculties)، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.

ففي المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان (ويمكن التمييز بينهما على مستوى الذهن) وكان أقنومه المركب الواحد هو الذي يقوم بالتعبير عنهما، ولم يكن التقليد السكندري يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ مثل الخلقيدونيين، لأن ذلك من وجهة نظر التقليد السكندري كان يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.

فالإرادة في المسيح على سبيل المثال، هي التعبير المتحد(united)  للقدرات الإرادية التي للاهوت والناسوت معاً، وكذلك ’الفعل‘ هو التعبير المتحد لقدراتهما العزمية ـ وكل من ’الإرادة‘ و’الفعل‘ يعبر عنهما (أو يُظهرهما) الشخص الواحد المركب.

ونستطيع أن نلخص تعليم البطريرك ساويروس عن مدلول المصطلحات اللاهوتية على النحو التالي: يدل مصطلح ’أوسيا‘ على الحقيقة العامة الديناميكية التحتية (underlying) للشيء، وبهذا يتضمن ’الأوسيا‘ كل من ’الكينونة‘ أو الوجود من ناحية، و’الخصائص‘ (properties) التي تعطي الأوسيا طابعها وهويتها من الناحية الأخرى، وهذان الإثنان هما ’الهيباركسيس‘ و ’الفيزيس‘ على الترتيب.

و’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص المتفرد، والمعني بالأفعال (subject of actions) الذي فيه يأخذ الأوسيا ـ بما يتضمنه من ’هيباركسيس‘ و ’فيزيس‘ ـ وجوده المحدد. وعندما يتفرد ويتخصخص الأوسيا مُوجداً هيبوستاسيس، فإن الهيبوستاسيس يستلم سمته المميزة والتي بها يختلف (يتمايز) عضو (member) من أعضاء نوع (class) معين عن عضو آخر من نفس النوع، وهذا هو ’البروسوبون‘.[37]

يوحنا النحوي والجانب الخلقيدوني في القرن السادس:

كان يوحنا النحوي هو أحد أهم القادة الخلقيدونيين في القرن السادس الذين تولوا الدفاع عن مجمع خلقيدونية ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني الجديد في الشرق. وهذا التعليم هو الذي أسماه شارلز موللر ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism)، وقد كُتب لهذا التعليم الانتصار في مجمع القسطنطينية عام 553م. وكان الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ يقترب من الموقف الذي يتمسك به الجانب غير الخلقيدوني.

وبالنسبة لتعريفه للمصطلحات اللاهوتية، يقول النحوي:[38] “يدل ’الأوسيا‘ على العمومي مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة.

أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.

ونلاحظ من الفهم المبدئي لتلك الفقرة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي، ولكن عند استخدام تلك المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح نجد أن البطريرك ساويروس يختلف فعلياً معه. فيوحنا النحوي يفسر مصطلح ’طبيعة‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمدلول ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة)، وهذا يتعارض مع مفهوم البطريرك ساويروس الذي يقول أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمدلول ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[39]

وقد أكد البطريرك ساويروس في رده على النحوي أن مصطلح ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن يؤخذ في جميع العبارات التي تشير إلى المسيح بمدلول الواقع المخصخص أو الحقيقة المحددة (concrete reality) وليس بمدلول الحقيقة العامة المجردة. كما أصر البطريرك ساويروس على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood).

وبالنسبة لمفهومه عن الأوسيا تساءل النحوي:

“كيف يمكننا ونحن نعترف أنه (أي المسيح) إنسان تام كامل، ألا نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[40]

وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ إصرار النحوي على أن الأوسيا الذي في كل البشر هو ’الحقيقة العمومية‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه في الحالة المخصخصة المتفردة ’الهيبوستاسية‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.

وكان النحوي قد مهد لنظرية التــأقنم التي تبناها الخلقيدونيون ـ والتي سيأتي ذكرها فيما بعد ـ حينما فرَّق بين ’الهيبوستاسيس‘ وبين الواقع الخــــاص المحدد (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر ولكنه مع ذلك لم يعترف به كواقع هيبوستاسي.

ويبدو أن النحوي كان يفهم الهيبوستاسيس بكونه فقط الشخص المعني بالأفعال ولم يكن هذا المفهوم يرتبط عنده بأي مدلول للواقع الخاص المحدد. فالأوسيا بالنسبة له هو الحقيقة العمومية، والطبيعة كان لها أيضاً نفس المدلول،[41] والهيبوستاسيس ليس هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص (أي ليس هو الحقيقة العامة التي أخذت واقعاً خاصاً محدداً) ولكنه الشخص (مركز الفعل) الذي يملك الطبيعة.

أما البطريرك ساويروس على الجانب الآخر فكان لا يفصل بين مدلول الهيبوستاسيس بكونه الأوسيا المتفرد المخصخص (بما له من طبيعة في واقعها المحدد) وبين كونه الشخص المعني بالأفعال. ومن الواضح أن النحوي كان يحاول الدفاع عن صحة عبارة “في طبيعتين” مع تجنب وجود هيبوستاسيسين في المسيح، لذلك فسَّر مصطلح ’طبيعة‘ الوارد فيها أنه يعني ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة.

كما جمع بين كون المسيح ’هيبوستاسيس واحد‘ وكونه ’في طبيعتين‘ من خلال تفسيره للهيبوستاسيس ـ كما ذكرنا ـ بأنه الشخص المعني بالأفعال الذي يملك الطبيعة بمعناها العام والذي يمكنه أن يملك أكثر من طبيعة في نفس الوقت. لذلك أكد أن هيبوستاسيس المسيح الواحد هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.[42]

أما البطريرك ساويروس فكان يصر على أنه هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة ولذلك هو هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘. وكان لهذا الاختلاف في تفسير مدلول المصطلحات بين الجانبين تداعيات خطيرة سنتناولها في السطور القادمة.

يوحنا الدمشقي والجانب الخلقيدوني في القرن الثامن:

كان يوحنا الدمشقي واحداً من أشهر اللاهوتيين في الجانب الخلقيدوني في القرن الثامن الميلادي، وهو أحد الذين شاركوا في رسم ملامح التقليد الخلقيدوني المعاصر.

وكان هدف الدمشقي هو تقديم فكر لاهوتي يتفق مع تعليم خلقيدونية بوجود شخص واحد ’في طبيعتين‘، لذلك حاول أن يقدم شرحاً لمدلول المصطلحات اللاهوتية يستطيع من خلاله أن يدافع عن المفهوم الخلقيدوني ويفند آراء المعارضين له. وقد تغاضى في سبيل تحقيق هدفه هذا عن كل الصعوبات اللاهوتية التي نجمت عن ذلك الشرح.

وقد أكد الدمشقي أن الآباء لم يفرقوا بين مدلول ’الأوسيا‘ ومدلول ’الطبيعة‘،[43] لكنه أضاف أن بعض الفلاسفة الوثنيين قد ميَّز بين المصطلحين بكون ’الأوسيا‘ هو الجوهر (العام) البسيط و’الطبيعة‘ هي الجوهر الذي له خصائص مميزة (أو اختلافات جوهرية) تفرقه عن بقية الأنواع، أي أن ’الطبيعة‘ هي التي تشير إلى الأجناس أو النوعيات المختلفة مثل الملائكة والبشر والحيوانات.[44]

ومن هذا المنطلق زعم الدمشقي أنه من غير الممكن أن تتواجد خصائص مميزة ما مع خصائص أخرى تتضاد معها في نفس النوع أو الجنس، فمثلاً لا يمكن أن تتكون طبيعة الإنسان من العاقل وغير العاقل معاً، ولذلك فلا يمكن أن توجد طبيعة واحدة من طبيعتين مختلفتين.[45]

وقد عارض الدمشقي المفهوم غير الخلقيدوني ـ الذي يرجع إلى ق. كيرلس السكندري ـ عن الطبيعة الواحدة المركبة انطلاقاً من نظرته لمصطلح الطبيعة كمرادف للأوسيا في الإشارة إلى المسيح، كذلك لأنه تصور أن تلك الطبيعة الواحدة لابد أن تكون طبيعة ’جديدة‘ ناتجة عن اختلاط الطبيعتين، لذلك نجده يقول:

“إنه من المستحيل وجود طبيعة واحدة مركبة تتكون من ’إثنين من الأوسيا‘ أي من ’طبيعتين‘، لأنه من المستحيل أن تتواجد اختلافات متضادة منطقياً كمكونات في شيء واحد، ولكن من الممكن على الرغم من ذلك أن يتكون هيبوستاسيس مركب من طبيعتين مختلفتين.”[46] 

وعندما أحس الدمشقي أنه لو طَّبق هذا الكلام على الإنسان فسيقول عن الإنسان أنه هيبوستاسيس واحد ولكنه سيضطر للقول أن الإنسان هو الأخر’طبيعتين‘ لأنه يتكون من الجسد والروح، استدرك كلامه بأنه يمكن أن نعتبر الإنسان طبيعة واحدة (رغم أنه يتكون من الجسد والروح) لأن الإنسان هو جنس واحد، وحيث إنه بالنسبة للمسيح لا يوجد له جنس يشبهه أو نوعية ينتمي إليها لذلك لا يمكن أن نقول عنه أنه طبيعة واحدة بنفس المعنى الذي نستخدمه مع الإنسان!.[47]

وبالنسبة للدمشقي لا تتواجد الطبيعة بذاتها لأن الوجود المستقل ينتمي فقط للأفراد (الأشخاص).

أما الهيبوستاسيس فقد شرحه الدمشقي بأنه هو الذي يملك ’أوسيا‘ (أو طبيعة) وله عوارض خاصة به تجعله يختلف عن غيره من الأفراد وهو كائن في ذاته (مستقل) ويمكن إدراكه. وهكذا أشار الدمشقي إلى الطبيعة بكونها الشيء العمومي الذي يأخذ وجوده في الهيبوستاسيس، ولا يمكن للطبيعة أن توجد بذاتها بدون هيبوستاسيس.

أما الهيبوستاسيس فهو شيء خاص بالمعنى العددي أو هو فرد من نوع معين، وله عوارض (accidents) تفرقه عن بقية الهيبوستاسيس، وهو الذي يملك العمومي (أي الأوسيا أو الطبيعة) كما أنه يتواجد بذاته مستقلاً. وقد زعم الدمشقي أنه ليس من الضروري أن يكون لكل طبيعة من الطبيعتين المتحدتين الهيبوستاسيس الأصلي الخاص بها،[48] بل ذهب إلى القول بأنه إذا كان الهيبوستاسيس يملك الوجود المستقل، فيمكن أن يكون هو مركزاً أو مبدأ (principle) للوجود لإثنتين من الطبائع المتحدة، كما يظهر في الإنسان أن الهيبوستاسيس يحتوي على طبيعتين.[49]

وقبل أن نشرح نظرية التأقنم عند الدمشقي ينبغي أن نتوقف قليلاً لكي ندقق في الفرق بين مدلول المصطلحات عنده وعند البطريرك ساويروس الأنطاكي. فقد اعتبر البطريرك ساويروس الأوسيا هو الحقيقة الجوهرية بما تتضمنه من ’الخصائص‘ التي تعطي الأوسيا طابعه وهويته أي الطبيعة التي تميزه عن غيره.

وبالنسبة للهيبوستاسيس اعتبره البطريرك ساويروس أنه هو الأوسيا بكل ما له عندما يتفرد ويتخصخص وهو الشخص المعني بالأفعال. أي أن الهيبوستاسيس عنده كان هو الأوسيا بما يتضمنه من طبيعة عندما يأخذ وجوداً محدداً، وبالتالي فلا يمكن النظر إلى الهيبوستاسيس والطبيعة (الخصائص) الخاصة به كشيئين منفصلين أو يمكن أن ينفصلا، ومن هنا استطاع كل من البابا كيرلس السكندري والبطريرك ساويروس أن يستخدما المصطلحين كمترادفين. أما الدمشقي فقد نظر إلى الهيبوستاسيس والطبيعة بنوع من الثنائية أو الفصل حيث رأى أن الطبيعة هي مكون من مكونات الهيبوستاسيس ويمكن أن توجد منفصلة عن الهيبوستاسيس الخاص بها.

ولم ينظر البطريرك ساويروس إلى الهيبوستاسيس مثل الدمشقي بكونه مركزاً للوجود في ذاته كشيء منفصل عن الطبيعة أو أنه هو الذي يملك الأوسيا (أو الطبيعة)، ولكن بكونه هو ذاته الوجود الخاص المحدد للأوسيا بكل ما يميزه من خصائص (أو طبيعة). أي أن الأوسيا كحقيقة عامة مجردة بما يميزها من خصائص أو طبيعة ليس لها وجود حقيقي في عالم الزمان والمكان إلا إذا تواجدت كواقع خاص محدد وهذا هو الهيبوستاسيس.

لذلك لا يقول البطريرك ساويروس (مثل الدمشقي) أن الطبيعة لا يمكن أن توجد إلا داخل هيبوستاسيس، ولكنه يقول أن الطبيعة لا يمكن أن توجد إلا كـواقع هيبوستاسي. ورغم أن الدمشقي ذكر في بعض الأحيان أن الهيبوستاسيس هو الأوسيا الخاص، إلا أن المعنى الذي يمكن أن يُفهم من السياق هو أنه كان ينظر إلى الهيبوستاسيس بكونه الشخص (أو الفرد) المعني بالأفعال الذي يملك ’العمومي‘ (أي الأوسيا أو الطبيعة) ويمكنه أن يملك أكثر من طبيعة. وسيتضح الفكر اللاهوتي للدمشقي بصورة أكثر عندما يشرح نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia).

وتقدم نظرية التأقنم محاولة لتفسير الفكر اللاهوتي الخلقيدوني بالنسبة لوجود طبيعتين في هيبوستاسيس واحد. ويقول الدمشقي أنه في حالة اتحاد الطبائع في هيبوستاسيس واحد، فإن مكونات الهيبوستاسيس يُدعى كل منها ’إينهيبوستاتون‘ (enhypostaton)، وهذه المكونات (أو إينهيبوستاتا) [50] لا توجد مستقلة بذاتها ولكنها توجد محتواه في الهيبوستاسيس.

ويمكن لكل ’إينهيبوستاتون‘ من نوع معين ألا يوجد في الهيبوستاسيس الخاص به ولكن في هيبوستاسيس مشترك ينتمي للجنس ككل، ومثال ذلك في الإنسان فالروح والجسد ليسا هيبوستاسيسين بذاتيهما ولكنهما  ’إينهيبوستاتا‘، والهيبوستاسيس البشري الذي يتكون منهما يكون هو الهيبوستاسيس الخاص بهما. ومن هنا فإن الإينهيبوستاتون هو طبيعة يتخذها هيبوستاسيس آخر وفيه تأخذ وجودها، وهذا هو ما حدث بالنسبة للطبيعة البشرية التي اتخذها هيبوستاسيس الله الكلمة.[51]

فبحسب نظرية ’التأقنم‘ لم يكن لناسوت المسيح هيبوستاسيس خاص به، ولكنه لم يكن بغير هيبوستاسيس، لأن الله الكلمة أعطاه الهيبوستاسيس الخاص به. ويقول الدمشقي: “جسد الله الكلمة لم يكن كائناً بشكل مستقل، ولا كان هناك شخص آخر بجانب شخص كلمة الله. وإنما على العكس ففي شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية (تأقنم)، ولم يصبح (الجسد) شخصاً كائناً في استقلالية بذاته. ولهذا السبب لم يكن (الجسد) تنقصه الشخصية ولا أدخل شخصاً آخر في داخل الثالوث.”[52]

وكانت نظرية ’التأقنم‘ تتضمن اهتمامين أساسيين: أولاً، كانت تسعى لاستبعاد عقيدة وجود أربعة أقانيم (بعد التجسد) محل الثالوث، وثانياً، كانت تهدف إلى تأكيد وحدة هيبوستاسيس المسيح مع الحفاظ في نفس الوقت على حقيقة الطبيعتين. ورغم أن الجانب غير الخلقيدوني كان له نفس الاهتمام، إلا أنه لم يعبر عن ذلك من خلال نظرية ’التأقنم‘، ولكن من خلال مفهوم ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و’الهيبوستاسيس المركب‘.

فالهيبوستاسيس المركب في الإنسان عند البطريرك ساويروس لم يكن هو الهيبوستاسيس الواحد الذي يملك الطبيعتين ولكنه هو الكيان المتفرد المخصخص، الذي تكوَّن نتيجة الوجود المتزامن لاثنين من الأوسيا معاً أي أوسيا الجسد وأوسيا الروح، وفي تواجدهما المتزامن يكون لكل واحد منهما حقيقته الهيبوستاسية في ’الهيبوستاسيس المركب‘.

وكذلك في يسوع المسيح، وحَّد هيبوستاسيس الكلمة ـ الذي هو هيبوستاسيس أزلي ـ بنفسه ناسوتاً أصبح واقعاً هيبوستاسياً في اتحاده مع هيبوستاسيس الله الكلمة. وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب ساويروس في كتابه “ضد النحوي”: “إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين اللذين تركب منهما (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية.

لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما،[53] وبروسوبون واحد على نحو موحد[54] (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.[55]

فهيبوستاسيس المسيح، بالرغم من أنه الهيبوستاسيس الإلهي لله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار هيبوستاسياً في الاتحاد معه (أي في الحالة الهيبوستاسية)؛ وبنفس الطريقة فإن بروسوبون المسيح، بالرغم من أنه بروسوبون الله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار بروسوبي فيه. ونستطيع أن نقدِّر مفهوم البطريرك ساويروس إذا نظرنا إلى حقيقة أن يسوع المسيح هو شخص تاريخي، وبكونه كذلك فإن له الهيبوستاسيس الخاص به مع البروسوبون.[56]

وتبقى نقطتان هامتان نتجتا من مفهوم الدمشقي عن الهيبوستاسيس وعن نظرية التأقنم. النقطة الأولى تختص بتأكيد الدمشقي أنه تطابقاً مع وجود الطبيعتين في الهيبوستاسيس الواحد، فإن يسوع المسيح له “مجموعة مزدوجة من الخواص الطبيعية تنتمي إلى الطبيعتين: أي إرادتين طبيعيتين الإلهية والبشرية، فعلين طبيعيين إلهي وبشري، حكمة ومعرفة إلهية وأخرى بشرية”. ومع ذلك يصر الدمشقي أنه في كلتا الطبيعتين يكون نفس الشخص هو الذي يعمل ويريد.

وهنا تبرز نقطة في غاية الأهمية، لأن الناسوت المتكون من جسد بشري له روح عاقل ـ بما أنه ليس إلا طبيعة في معناها العمومي المجرد ـ فإنه يحتاج إلى فاعل (subject) يعبِّر عن خواصه وملكاته. ولو قيل أن هذا الفاعل كان هو الله الكلمة (تمشياً مع نظرية التأقنم)، فسيعني ذلك أن كل شيء بشري في المسيح كان يُعبَّر عنه إلهياً، أما الأشياء الإلهية فلم يُعبر عنها إنسانياً!.[57]

والحقيقة أن تفسير الدمشقي للطبيعة البشرية في المسيح كان يعتريه كثير من الصعوبات، فعلى سبيل المثال كان الدمشقي يقول إن الطبيعة البشرية في المسيح كانت تستطيع أن ’تفعل‘ وأن ’تريد‘،فكيف يمكن أن نقول أن الطبيعة البشرية تفعل وتريد بحق والفاعل والمريد فيها هو الهيبوستاسيس الإلهي وحسب. وكذلك يقول عن تلك الطبيعة البشرية أنها هي الأوسيا كحقيقة عامة مجردة، فكيف يمكن للبشرية التي يؤكد أنها عامة ومجردة أن تصبح مرئية ومحددة من خلال اتحادها في هيبوستاسيس الله غير المرئي؟.

ويتعين علينا هنا أن نسترجع تعليم البطريرك ساويروس الذي كان يرى أن هيبوستاسيس المسيح، هو هيبوستاسيس الله الكلمة في حالته المتجسدة الذي تكوَّن من اتحاد اللاهوت والناسوت. وبهذه الطريقة حافظ البطريرك ساويروس على الحالة الأقنومية للناسوت، وكذلك أصبح من الممكن لنا أن ندرك ذهنياً (في المسيح) إمكانية التعبير عن القدرات والخصائص الإلهية بشرياً بجانب التعبير عن القدرات والخصائص البشرية إلهياً.

وكان التقليد السكندري دائم الإصرار على أن الله الكلمة المتجسد هو شخص (أو الفاعل في) التجسد،[58] ولم يقل أبداً أن الله الكلمة في حالته غير المتجسدة (unincarnate) أو حــــالته قبل المتجـسدة (pre-incarnate) هو شخص (أو الفاعل في) التجسد. وحيث إن الله الكلمة المتجسد هو شخص التجسد، فإن العنصر البشري كان هناك متحداً مع الله الكلمة في شخص المسيح الواحد.[59]

أما النقطة الثانية فتختص بمفهوم الدمشقي عن تأله ناسوت المسيح، فحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي، وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح.

ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن أي جسده الخاص، ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله كنتيجة للإتحاد الهيبوستاسي وتبادل الخواص بين اللاهوت والناسوت.[60]

وقد حاول بعض الدارسين[61] تتبع المصادر التي استقى منها يوحنا الدمشقي تعريفه لمدلول المصطلحات اللاهوتية التي بنى عليها تعليمه الخريستولوجي، وتوصلوا إلى حقيقة أنه على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الدمشقي اعتمد على المؤلفين الخلقيدونيين الذين سبقوه أمثال ليونتيوس،[62] إلا أنه أستحدث بعض المفاهيم المستقاة من الفلسفة الرواقية والأفلاطونية الجديدة، لذلك أكدت بعض الدراسات أن جذور تعليم الدمشقي ترجع في الحقيقة إلى الفلسفة المسيحية في القرون الوسطى أكثر من التقليد الآبائي الشرقي.[63]

كلمة ختامية:

ويتبين لنا من العرض السابق مقدار التباين والتطور في مدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى. وفي الحقيقة كان الغموض والالتباس الذي صاحب مدلول تلك المصطلحات هو السبب وراء التداخل والتبادل في استخدامها على مدى التاريخ. فقد استخدم مصطلحي ’أوسيا‘ و’هيبوستاسيس‘ كمترادفين، وكذلك الحال بالنسبة لمصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘. كما استخدم مصطلحي ’فيزيس‘ و’هيبوستاسيس‘ ومصطلحي ’فيزيس‘ و’أوسيا‘ بطريقة تبادلية.

ولا يفوتنا هنا أن ننتبه إلى أنه كان هناك خروج من قبل بعض اللاهوتيين عن الخط العام الذي بدأ عند ق. أثناسيوس وكمل عند ق. كيرلس، فلم يكن إسهام أولئك اللاهوتيين المتأخرين هو شرح التقليد الآبائي ولكن كان استحداث مفاهيم غريبة عن ذلك التقليد.

لذلك يتعين ليس فقط أن تكون هناك معرفة واضحة بالمعاني المقصودة من تلك المصطلحات لدى كل تقليد وفي كل عصر، ولكن بالأحرى العودة من جديد لينابيع الفكر الآبائي الأرثوذكسي، حتى نستطيع أن نتحاور معاً على أساس مشترك صحيح من أجل الوصول إلى هدف الوحدة المنشود.

[1] Athanasius, Con. Ar., 1.11; 2.3.

[2]  Athanas., Con. Gen. 2.

[3]  Athanas., Ad Ser., 1.27; 2.3,5; 3.1; Epiph., Haer., 63.6; 65.1 ff

ورغم أن ق. أثناسيوس لم يكن هو الذي استخدم المصطلح اللفظي (coinherence) والذي يعني التواجد (الاحتواء) المتبادل، إلاّ إنه هو الذي أرسى هذا المفهوم. ارجع كذلك إلى ق. هيلاري (De Trin., 3.1) حيث إن له عبارة بليغة عن مفهوم أن الثلاثة أقانيم الإلهية “يحتوي كل منهم الآخر بالتبادل، وبالتالي فكل واحد منهم هو على الدوام يحتوي (envelopes) الآخر وأيضاً يُحتوى (enveloped) من الآخر الذي لا يزال هو يحتويه”.

[4]  Athanasius, Epistula ad Epictetum, 3.

[5]  Origin, in John ii 6,10-75.

[6]  As quoted by St. Basil, De Sp. 72.

[7] Didymus, De Trin., 1.18 etc., cited by Newman, 436.

[8] Hahn: the Creed p. 209 cited by Beth Bak. P. 237.

[9] الأب متى المسكين، القديس أثناسيوس الرسولي، دير ق. أنبا مقار ط2، صفحة 422.

[10] المرجع السابق.

[11] Gregory/Basil, Ep., 38.4, 7; Basil, Con. Eun., 1.25; 2.12;3.1; Hom., 24.4.

[12]  توماس. ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة المترجم، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر القاهرة، ط1 2007، صفحة 294.

[13] Gregory Naz., Or., 31.17ff; 34.13; 39.11; 40.41, 45; 42.16.

[14] Gregory Naz., Or., 20.7-11; 23.8; 31.6-9; 35.1-4; 41.9; 42.15.

[15] Gregory Naz., Or., 29.2; 31.14; 40.41; 42.15-16.

[16] P. G. 89: 113 D.

[17]  ق. كيرلس السكندري، حوار حول الثالوث الجزء الأول، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1999م، صفحة 44.

[18]  المرجع السابق صفحة 44، 45.

[19] Cyril, Thes., MPG, 75.553.

[20]  Cyril, In Jn., MPG, 74.28ff, 213ff, 552ff; Thes., MPG, 75.177ff, 528f, 568ff, etc.

[21] Cyril, MPG, 77.1120-1272.

[22] الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 538.

[23] المرجع السابق، صفحة 332 وما يليها.

[24] Patrologia Orientalis, op. cit., vol. XII, p. 195.

[25] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 56.

[26] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 57-59.

[27] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 68E.

[28] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 74, 76.

[29] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 77. 

[30]  الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 432.

[31] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 181. 

[32]  بالطبع كان للابن الوحيد، البروسوبون الخاص به قبل التجسد، ولكن المقصود هنا هو أنه من غير الممكن أن يكون للاهوته البروسوبون الخاص المستقل وهو في حالة الاتحاد مع الناسوت.

[33] انظر صفحة 618.

[34] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 77f. 

[35]  كان البطريرك ساويروس يتبع في هذا، نفس تعليم القديس كيرلس السكندري الذي قال في الرسالة (17: 14) “لذلك ينبغي أن تُنسب كل الأقوال التي في الأناجيل إلى شخص واحد، إلى هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد“.

[36]  كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان.

ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً). فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه.

[37]  الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة د. جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1 2009، صفحة 435.

[38] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.

[39] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.

[40] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 154.

[41]  لذلك كان يرى أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير فيهما إلى ’العمومي‘.

[42]  ولهذا كان النحوي يفسِّر الاتحاد الهيبوستاسي أنه اتحاد للطبيعتين (بالمعنى العام) في الهيبوستاسيس الواحد، أما البطريرك ساويروس فكان يفسره بأنه اتحاد لواقعين هيبوستاسيين اتحدا معاً في هيبوستاسيس مركب.

[43] John of Damascus, Dial. 31, 26-27.

[44] John of Damascus, Dial. 31, 7-19.

[45] John of Damascus, Dial. 5, 103-110; 48, 20-21; 42, 16-17.

[46] John of Damascus, Dial. 42, 16-20.

[47] John of Damascus, Dial. 47, 40-54.

[48] John of Damascus, Exp. 53, 2-5.

[49] John of Damascus, Dial. 42, 16-20.

[50] ’إينهيبوستاتا‘ هي صيغة الجمع لكلمة ’إينهيبوستاتون‘

[51] John of Damascus, Dial. 45, 7-22.

[52] John of Damascus, Exp. 53.

[53]  يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).

[54]  أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً.

[55] Severus, Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 187.

[56]  الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1/2009 ، صفحة 544.  

[57] المرجع السابق صفحة 520.

[58]  انظر المرجع رقم 35 صفحة 607.

[59]  الأب فِ. سي. صموئيل، مجمع خلقيدونية إعادة فحص، ترجمة المؤلف، مراجعة دكتور جوزيف موريس، دار باناريون للنشر، ط1/2009، صفحة 560.

[60]  المرجع السابق صفحة 572 وما يليها.

[61] Kotter, ed., Schriften Des Johannes Von Damaskos; Gerard Richter,  Die Dialektik Des Johannes Von Damaskos.

[62]   ظهرت بعض الدراسات التي تؤكد أن ليونتيوس ـ الذي كان أول من استخدم مصطلح ’إينهيبوستاتون‘ ـ لم يذكر على الإطلاق أنه يعني بهذا المصطلح الطبيعة التي بلا هيبوستاسيس والتي توجد في هيبوستاسيس آخر. وكان ليونتيوس قد قدَّم هذا المصطلح في كتابه (Contra Nestorianos et Eutychianos, PG 86, 1277C-1280B)

حيث أظهر الفرق بين الهيبوستاسيس و’الإينهيبوستاتون‘، فقال أن الهيبوستاسيس هو الوجود (Subsistence) المحدد وهو يشير إلى الفرد الخاص أو الشخص، أما ’إينهيبوستاتون‘ فهو الشيء الذي يوجد (That which subsists) أي الطبيعة.

ولكنه عبّر عن هذا بنوع من الفصل الذي أُسيء فهمه فيما بعد وأدى إلى نشوء نظرية ’التأقنم‘، حيث ذكر أن الطبيعة تأخذ وجودها في الهيبوستاسيس ولا تُرى في ذاتها، كما فسر هيبوستاسيس واحد في طبيعتين، بأن الطبيعتين المختلفتين اشتركتا في كينونة مشتركة أي أنهما لم توجدا مستقلتين ولكن وجدتا مع بعضهما البعض. وهذه الكينونة المشتركة هي الهيبوستاسيس الواحد، مثلما يحدث في الإنسان فالروح والجسد طبيعتان لهما هيبوستاسيس مشترك. انظر:

(F. LeRon Shults, A dubious Christological formula: from Leontius of Byzantium to Karl Barth. Theological Studies, Sep 1996; Aloys Grillmeier, S.J., “Die anthropologisch-christologische Sprache des Leontius von Byzanz und ihre Beziehung zu den Symmikta Zetemata des Neuplatonikers Porphyrius,” in Hermeneumata: Festschrift fur Hadwig Homer, ed. Herbert Eisenberger (Heidelberg: Carl Winter, 1990) 61-72; Brian E. Daley, S.J., “A Richer Union: Leontius of Byzantium and the Relationship of Human and Divine in Christ,” in Studia Patristica 24 (1993) 239-65).

[63]  Anna Zhyrkova, A Philosophical Explanation of Hypostatical Union in John Damascene’s Fount of Knowledge.

التطور التاريخي لمصطلحات الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

1. نتائج هذه الدراسة:

في ضوء الحقائق التي ناقشناها طوال هذه الدراسة، نستطيع أن نقدم الملاحظات التالية المتعلقة بالجدال الخريستولوجي:

  • عندما كان الفكر اللاهوتي المسيحي يشير إلى ما أسماه بـ ’النسطورية‘، فإنه كان دائماً يعني ذلك الموقف المتطرف الذي فُهم أن التفسير الأنطاكي لشخص يسوع المسيح يؤكده. ولكن لا نسطوريوس نفسه ولا أي من الرجال المعتبرين قادة في المدرسة الأنطاكية كان يتمسك بالصورة المتطرفة التي ذاعت عن تلك الهرطقة.*

    وعلى نفس المنوال كانت ’الأوطيخية‘ أو ’المونوفيزيتيزم‘ هي تشويه معيب للتعليم الخريستولوجي السكندري. وبالفعل لا تُعد كل الأدلة المتوفرة لدينا كافية للإصرار على أن أوطيخا كان يتمسك بما سُمي بالهرطقة الأوطيخية.

    ولذلك ـ ومع أن أوطيخا لم يكن قادراً على التعبير عن وجهة نظره بشكل واضح ـ فإننا لا نجد ضرورة لتقديم أي دفاع عن الرجل. ولكننا في نفس الوقت ينبغي أن نؤكد أنه لا كيرلس السكندري ولا أيّ من اللاهوتيين المعروفين أو آباء الكنيسة في الجانب غير الخلقيدوني بما فيهم البطريرك ديسقوروس كان مداناً بتمسكه بتلك الأفكار (التي نُسبت لأوطيخا) على الأطلاق.

  • في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط متحدة بشكل ما، كان هناك شعور بالرغبة في وجود ’صيغة‘ أو ’تركيب‘ لاهوتي (synthesis) من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي (أي من المفاهيم اللاهوتية المتضمّنة فيهما). ولكن الحقيقة أن ذلك لم يكن من الممكن تحقيقه حتى في تلك العصور القديمة، بسبب أن كل موقف (أو تقليد) كان قد صار مترسخاً بعمق في مناطق محددة بعينها، لدرجة أن كلا الجانبين لم يكن يريد أن يسعى لذلك ’التقارب‘.

    وعلى سبيل المثال، كانت إعادة الوحدة عام 433م حادثة يمكن أن يأخذها الطرفان المعنيان كأساس يعتمدان عليه للوصول إلى ذلك ’التركيب‘ المشترك، ولكن كل جانب أخذها فقط كحجر يخطو عليه (أو وسيلة) لكي يدفع بكل مفاهيمه تجاه استبعاد مفاهيم الآخر. وفي هذا الصدد كان الجانب السكندري، بدون شك، أكثر قوة من الجانب الأنطاكي، ولكن مجمع خلقيدونية قام بدوره في قلب هذا الموقف حين ذهب إلى أبعد مما تم التسليم به في إعادة الوحدة عام 433م وأصر على عبارة ’في طبيعتين‘.

    وبعد خلقيدونية حدث نفس الأمر ـ الذي رأيناه من الجانبين تجاه حادثة إعادة الوحدة ـ بشأن مرسوم الاتحاد الخاص بالإمبراطور زينو ’الهينوتيكون‘، فبالرغم من أن هذا المرسوم قد صدر كأداة يمكن أن يصل بواسطتها الطرفان المتنازعان إلى الوحدة، فإن أولئك الذين قبلوا تلك الوثيقة من كلا الطرفين قد أخذوها فقط كخطوة ينطلقون منها لتأكيد وجهة نظرهم دون أن يعيروا أي التفات لرأي المعارضين لهم.

  • بينما كان كل اهتمام روما في خلقيدونية منصباً على جعل المجمع يقبل طومس ليو بدون مناقشة، وأن يقبل الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه الطومس بكونه مقياس الكنيسة العقائدي، كانت السلطة الإمبراطورية على الجانب الآخر مهتمة بأن تحصل على صيغة للإيمان تضعها لجنة من رجال ينتمون إلى التقاليد المتنوعة في الكنيسة، ومن ثم تحقق الوحدة للإمبراطورية. وهنا كانت الاعتبارات السياسية وليست الفائدة اللاهوتية ـ بالإضافة إلى النفوذ البشري ـ هي التي توجه القيادة الحكومية.

  • وفي إصرارها العنيد على مسألة قبول طومس ليو، كانت روما منقادة بفكرة فرض مزاعمها الباباوية (على الكنيسة) كما كانت منقادة أيضاً وبنفس الدرجة برغبتها في أن يشاركها الجميع في طريقة فهمها للإيمان المحفوظة في التقليد اللاهوتي للكنيسة في الغرب. ولكن البابا ليو في محاولته تلك، لم يُظهر أي فهم للجدال الخريستولوجي القائم في الشرق، ولا أسَّس تفسيره اللاهوتي (في الطومس) على قرارات المجامع السابقة التي تم اعتبارها مجامعاً مسكونية.

    وعلى نفس هذا النحو، لم تكن لدى السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية أي تعاطف لا مع مجمع أفسس عام 431م ولا مع التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية. وكانت خطة الإمبراطور والإمبراطورة هي تأييد ومناصرة روما ضد الإسكندرية، بالإضافة إلى الترتيب لرفع مكانة (كرسي) القسطنطينية ـ عاصمة الإمبراطورية ـ لموقع القيادة في الكنيسة والذي يأتي تالياً فقط لكرسي روما.

    وحيث إن كل من الكرسي الغربي (في روما) والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، اللذان سيطرا على مجمع خلقيدونية، كانت له خطته الخاصة التي يريد تحقيقها من خلال ذلك المجمع ـ وهي خطة لم تكن بالتأكيد لها أية صلة بالمسألة الخريستولوجية ـ فإنهما لم يجدا كليهما أية صعوبة في تخطي وجهة نظر المعارضين للمجمع بإسلوب يدعو إلى غاية الذهول وبدون حتى أي أثر من دليل يؤيدهم على ذلك.

  • وقامت اللجنة المجمعية في خلقيدونية بإصدار تعريف للإيمان تحت ضغط الجانب الروماني من جهة والسلطة الإمبراطورية من الجهة الأخرى. وكان هذا التعريف هو نوع من صيغة تسوية (أو حل وسط)، تجنبت اللجنة فيه المشكلة المركزية التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت. وبالرغم من أن تلك الصيغة أرضت روما ورجال الجانب الأنطاكي، إلا أن السكندريين الذين لم يكن لهم دور في مجمع عام 451م عارضوها ورفضوها.

    وبالقطع أخطأت كل من روما والسلطة الإمبراطورية في تقدير حجم التأييد الذي يملكه التراث اللاهوتي السكندري في الشرق. وكانت المعارضة لمجمع خلقيدونية عنيفة جداً وشديدة العزم لدرجة أنه تحتم أن يتم الدفاع عن الموقف الخلقيدوني من خلال: أولاً، إطلاق العنان لسلسلة من الإضطهادات القاسية ضد المعارضين للمجمع قام بها الأباطرة في القسطنطينية، وثانياً، من خلال اتهام المعارضين للمجمع بهرطقة ’المونوفيزيتيزم‘ (عقيدة الطبيعة الوحيدة) بالرغم من إنكار غير الخلقيدونيين المتكرر لتلك العقيدة بعبارات قاطعة. ولم تساعد أي من هذه الممارسات الجانب الخلقيدوني في فرض موالاة الشرق المسيحي كله له.

    كما لم تنجح مجهودات جوستنيان وبعض خلفائه من أجل إعادة الوحدة وذلك لسبب بسيط وهو أن الجانب الخلقيدوني لم يكن ليتخلى عن المجمع، ولم يكن للجانب غير الخلقيدوني شيئاً ليفعله أمام ذلك الإصرار.

  • وأمام اعتراض وتحدي المعارضين للمجمع، شرع الجانب الخلقيدوني في الشرق في بناء موقف خريستولوجي (مختلف) منذ بداية القرن السادس، وكان هذا الموقف ـ من حيث الجوهر ـ هو تقريباً نفس الموقف الذي يتبناه المنتقدون للمجمع والمؤسس على التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية ولكن مع وجود اختلاف هام وهو استمراره (أي الجانب الخلقيدوني) في الدفاع عن مجمع عام 451م وعبارة ’في طبيعتين‘ وهما الأمران اللذان رفضهما المعارضون للمجمع.

    وفي سماحه بحدوث هذا التطور، يكون الجانب الخلقيدوني ـ بالرغم من احتفاظه بعبارة ’في طبيعتين‘ ـ قد تحرك بعيداً عن موقف خلقيدونية الذي أراد الوصول إلى تسوية تميل إلى المفاهيم اللاهوتية الأنطاكية. وفي الحقيقة لو كان الجانب الخلقيدوني، باتخاذه هذه الخطوة، يتبنى فهماً لشخص المسيح يتجاهل الحالة الهيبوستاسية لناسوته أو يتسع للأفكار اليوليانية، فإنه بذلك يكون أكثر تضاداً للنسطورية وللأنطاكية* من التعليم الخريستولوجي لقادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي.

  • والاستنتاج الواضح هو أن الجانب الخلقيدوني بدفاعه عن مجمع خلقيدونية لم يحقق أي شيء لصالح الأرثوذكسية لم يكن الجانب غير الخلقيدوني نفسه، وهو يرفض المجمع، يتمسك به بثبات. ولذلك فإن الأمر الوحيد بين الجانبين كان تحفظ كل طرف على اللغة التي يدافع بها الآخر عن فكره. فلو كان الجانبان يرغبان حقاً في المضي إلى أبعد من المصطلحات، فما كان من المستحيل لهما أن يقبلا صيغة مشتركة، يعملان على أساسها من أجل استعادة وحدتهما المفقودة.

  • ومع ذلك، كان هناك تعليم أصر عليه يوحنا الدمشقي ـ متتبعاً في ذلك تقليد اللاهوتيين الخلقيدونيين الأوائل ـ ولم يكن هذا التعليم يُشرح في الجانب غير الخلقيدوني بنفس الأسلوب. ويتعلق هذا التعليم بالتأكيد على أن ناسوت المسيح قد تأله منذ لحظة تكوينه في الاتحاد مع الله الابن.

    ومن خلال ارتباطه الحميم مع نظرية ’التأقنم‘ كان هذا التعليم يأخذ الناسوت كطبيعة عامة مجردة وليس كحقيقة أقنومية، وحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي.

    وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح. ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله.*

  • ويقف التعليم الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني بين الموقف الخلقيدوني الذي تم بناؤه في الشرق منذ القرن السادس، والتقليد الذي يحفظه الجانب الأنطاكي.

    فإذا كان الجانبان غير الخلقيدوني والأنطاكي يستطيعان أن يتغلبا على المآسي القديمة، فسيكون من الممكن لها أن يصلا إلى اتفاق لاهوتي حول مسألة شخص المسيح، بشكل أسهل من أمكانية وصول الجانبين الخلقيدوني والأنطاكي لهذا الاتفاق. وفي الحقيقة إذا لم يقم الجانب الخلقيدوني بإدراك قيمة التأكيد على الحالة الهيبوستاسية (الأقنومية) لناسوت المسيح، فلن يستطيع أن يتفهم المساهمة اللاهوتية للمدرسة الأنطاكية.

 

2. صلة هذه الدراسة بالسياق المعاصر:

إن الجدال الخريستولوجي الدائر في زمننا الحاضر ينتمي بشكل لا يمكن إنكاره إلى تاريخ الكنيسة القديم.

ولذلك فإن دراستنا المتعمقة لتلك الفترة من التاريخ الكنسي ينبغي أن تكون ذات مدلول وثيق الصلة بالسياق المعاصر بثلاثة طرق على الأقل.

 

(أ) من المنظور المسكوني:

كان الجدال الخريستولوجي ـ كما ذكرنا ـ هو السبب الظاهر لانقسام المسيحية في الشرق إلى ثلاثة كيانات (الأنطاكي، والخلقيدوني ’الجديد‘، وغير الخلقيدوني). وبعد الشقاق الذي حدث في القرن الخامس، صار كل كيان منهم ينظر إلى الكيانين الآخريّن كهراطقة وقام بقطع الشركة معهما. فهل كان هذا التصرف مبرراً؟

ولهذا السؤال في الحقيقة أهمية قصوى، لأن نسب الهرطقة إلى أحد إنما يعني افتراض أنه في وقت الانقسام كان في الكنيسة معيار عمومي معترف به للأرثوذكسية، فهل كان هناك مثل هذا المعيار في الكنيسة في القرن الخامس؟.

والحقيقة كما رأينا، أنه بعد مجمع أفسس عام 431م نشأ موقفان لهما صلة بهذا السؤال، فالسكندريون تمسكوا بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، أما الأنطاكيون فلم يكونوا راغبين في تأييد مجمع عام 431م في مجمله، إذ اعترفوا بهذا المجمع بالقدر الذي تم قبوله فقط في صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وفي هذا الموقف لم يعر مجمع خلقيدونية أي اهتمام لوجهتي النظر المتضاربتين، ولكنه قدَّم طومس ليو واعتراف الإيمان الخاص بالمجمع كمعيار للأرثوذكسية.

وكانت هذه الأمور بالتحديد هي التي قام الجانب غير الخلقيدوني بانتقادها ورفضها. وبالنسبة للكنيسة المشرقية التي تخلد ذكرى نسطوريوس واللاهوتيين الأنطاكيين الآخرين، فإنها لم تأخذ مجمع عام 451م بعين الاعتبار تماماً. فإذا وضعنا هذه الحقائق نصب أعيننا، سنجد أنه عندما نسب أي من الثلاثة كيانات تهمة الهرطقة للإثنين الآخرين، فإنه لم يكن هناك افتراض وجود معيار موحد للأرثوذكسية ـ سابق على الانقسام ـ معترف به منهم جميعاً. وبكلمات أخرى نقول أنه لم يكن لأي من هذه التقاليد الكنسية أي أساس شرعي لكي ينظر إلى الآخرين كهراطقة.*

ومع ذلك انفصلت الكنائس، وأصبحت هناك بالفعل حاجة ملحة لوسيلة فعالة تساعدهم لاستعادة وحدتهم المفقودة. وفي الحقيقة حاولت روما ـ اعتماداً على ادعائها السيادة العالمية على الكنيسة ـ أن تحل تلك المشكلة من خلال توحيد الكنائس بجعلها تتحول من انتماءاتها التاريخية إلى الالتصاق بكنيسة روما مباشرة ولكن هذه الوسيلة لم تحقق إلا نجاحاً محدوداً جداً في مناطق قليلة في الشرق المسيحي.

ولذلك فإن المشكلة في الحقيقة تحتاج إلى حل مرضي يُبنى على أساس تقييم إيجابي وموضوعي لتاريخ الانشقاق وللموقف اللاهوتي الذي تحتفظ به كل من تلك الكنائس. وقد أردنا من خلال تلك الدراسة أن نقدم محاولة في هذا الاتجاه نفسه.

 

(ب) من منظور السلطة الكنسية:

وإذا لم يكن هناك معيار متفق عليه للأرثوذكسية في وقت الانقسام، فهل لم يكن هناك أيضاً ’سلطة كنسية‘ يُعمل حسابها؟. لقد كان البابا ليو، على سبيل المثال، يزعم وجود إلهام إلهي في الطومس الخاص به من خلال التعاقب البطرسي (الذي لكرسيه)، كما أن الكيان الخلقيدوني في الشرق كان يتمسك هو الآخر بأن الروح القدس هو الذي قاد مجمع خلقيدونية ـ وبقية المجامع المسكونية الأخرى ـ لكي يحفظ الإيمان في نقاوته.

وفي كلتا الحالتين تتصل القضية محل التساؤل بـ ’السلطة الكنسية‘، وهذا الأمر في الواقع كان ذو أهمية حقيقية للكنيسة في كل العصور بما في ذلك العصر الذي نتحدث عنه.

وهنا يمكننا أن نلاحظ موقفين متنوعين. الموقف الأول يتعلق بأن أسقف روما بكونه خليفة بطرس الرسول، فإن له مدخل شخصي مباشر لأسرار رئيس الرسل، ومن خلاله إلى فكر الله المتجسد نفسه، وأنه لهذا السبب قد تقلد بسلطة خاصة تجعله يفسِّر الإيمان بطريقة معصومة بنفسه وبدون أي مساعدة خارجية. أما الموقف الثاني فيصر على أن مجمع خلقيدونية بكونه مجمعاً مسكونياً فإنه قدم إعلاناً للإيمان ينبغي أن يعتبر ملزماً للكنسية كلها.

ولا يوجد في الحقيقة اتفاق عام على مسألة السلطة المجمعية، إذ بينما تحاول بعض التقاليد الكنسية أن تؤكد أن المجامع المسكونية حين تقوم بتقرير أي شيء فإنها تتحدث من واقع سلطتها، فإن بعض التقاليد الأخرى تؤمن فقط أن سلطة القرار المجمعي تتوقف على المحتوى الذي يحفظه من الحق. وقد يستند أولئك الذين يؤمنون بالرأي الثاني إلى أن كل المجامع المسكونية المعترف بها كانت قد اتخذت قرارات عقائدية تم التصديق عليها باعتبارها تحفظ الحق المسيحي.

وليس ما يعنينا هنا هو مناقشة مسألة ’السلطة الكنسية‘ من خلال الدفاع عن أو معارضة أي من الموقفين السابقين، ولكننا نريد فقط أن نوجه النظر إلى أنه في ضوء الحقائق التي قدمناها عن مجمع خلقيدونية وبقية المجامع (التي تتعلق بنفس الموضوع) فليس من الممكن تأييد أي من هذين الادعاءين السابقين (أي السيادة الباباوية والسلطة المجمعية) بصورة قاطعة.

ولذلك فلا الجدال الخريستولوجي ولا المجامع التي ناقشت ذلك الأمر في العصور القديمة، يمكن الاعتداد بها شرعياً، كحوادث سابقة جديرة بالاستشهاد، لتدلنا على الطريقة الملائمة التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.

ونحن لا نعني بقولنا هذا أن موضوع مجمع خلقيدونية قد أثبت في حد ذاته (أو بنفسه) بطلان المزاعم الباباوية لروما أو مزاعم الشرق في السلطة المجمعية، ولكن الحقيقة مع ذلك هي أنه مثلما كان الحال بالنسبة لمعيار الأرثوذكسية، فإنه لم يكن هناك أيضاً تقليد متفق عليه في الكنيسة بالنسبة للكيفية التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.

فبينما كان الشرق بصفة عامة يتبنى فكرة اعتبار أن ’السلطة المجمعية‘ هي الحكم النهائي في الشئون الكنسية، فإن روما كانت تضيف إلى ذلك فكرة ’السيادة الباباوية‘ على الكنيسة. ولم يكن كلا الموقفين واضحين بالنسبة لعدد من النقاط. فنظرية ’السيادة الباباوية‘، على سبيل المثال، كان عليها أن تقيم الدليل على زعمها بأن بطرس الرسول كانت لدية معرفة بفكر المسيح بالنسبة لأي جدل عقائدي قد يظهر في الكنيسة وأن هذه المعرفة يتم توريثها لأساقفة روما.

ولم تكن ’السلطة المجمعية‘ أيضاً قد أوضحت أمرها بالنسبة لتكوينها وطبيعة سلطتها، فهل ينبغي على سبيل المثال أن يكون للأساقفة وحدهم الحق في عضوية المجمع؟ والحقيقة أن العرف الخاص بأن الأساقفة وحدهم هم الذين يشكّلون المجمع لم يكن متعارفاً عليه قبل مجمع خلقيدونية، وحتى في خلقيدونية كان الموظفون الذين رأسوا المجمع موظفين حكوميين وليسوا حتى رجالاً ذوي رتبة كهنوتية، كما كان هناك أيضاً رجال كنسيون ليست لهم رتبة الأسقفية مشاركين بصورة فعالة في أحداث وإجراءات المجمع.

وينبغي علينا أن نتذكر أيضاً أن المجامع القديمة لم تصل إلى قراراتها من خلال التصويت بواسطة الأساقفة فقط. وفي ضوء تلك الحقائق، نستطيع أن نقول إن الكنيسة كانت لديها تقاليد مختلفة فيما يتعلق بممارسة السلطة الكنسية، ولذا ينبغي في الإطار المعاصر للكنيسة أن تُجمع هذه التقاليد معاً مع ضرورة حدوث تعديلات ملائمة في كل منها، والحقيقة أن مجمع خلقيدونية والمجامع الكنسية الأخرى في الأزمنة القديمة كانت قد أشارت إلى وجود هذا الاحتياج في الكنيسة.

ويتعين علينا بالنسبة لمسألة ممارسة السلطة الكنسية، أن نضع في اعتبارنا عدداً من الحقائق:

أولاً، إن كل من أسقف روما نفسه والأساقفة الذين يشتركون في المجامع سواء كأفراد أو ككيان هم صغار بالنسبة لعصرهم، ونحن ليس لدينا أساس لكي نعتقد أنهم من خلال التتويج الباباوي أو السيامة الأسقفية يتمكنون من تجاوز قيودهم البشرية في المعرفة أو التحيز أو ظروف الحياة.

ثانياً، إن السلطة في معناها الحقيقي تنتمي بطبيعتها إلى الله وحده، وأي سلطة في الكنيسة تصدر منه ومن المفترض أن تكون من أجل تحقيق خطته وقصده، ولذلك فإن كل السلطة الكنسية ينبغي أن تكون وفق الخطة الإلهية والأمر الإلهي في ممارستها.

ثالثاً، يتحتم أن يٌنظر إلى القرارات الكنسية سواء العقائدية منها أو التنظيمية بصورة نسبية (غير مطلقة) تتصل بالأوقات والظروف التي صدرت فيها، فبالرغم من أنه ينبغي الاعتراف بقيمة الأساس الذي بُنيت عليه هذه القرارات ـ كلما أمكن وعلى حسب الضرورة ـ إلا إنه لا يمكن الإصرار على قبول الكنيسة للقرارات نفسها في جميع الأزمنة وفي كل مكان.

ولكي نؤكد هذه النقطة يجب علينا أن نتذكر أن الجانب الخلقيدوني قد عدَّل وضعه بالنسبة لثلاثة مواقف على الأقل، كان يتبناهم مجمع عام 451م:

(أ) القرار الخاص بثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها.

(ب) وبينما تجاهل مجمع خلقيدونية عملياً الحروم الإثني عشر للبابا كيرلس، تعامل مجمع عام 553م معها على افتراض أن مجمع عام 451م كان يعترف بتلك الوثيقة وبسلطتها الشرعية الكاملة.

(ج) على الرغم من أن مجمع خلقيدونية كان قد استبعد عبارتي ’من طبيعتين‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘، فإن الجانب الخلقيدوني اعترف بأرثوذكسيتهما وبقبولهما في القرن السادس.

رابعاً، لقد رأينا أنه بالنسبة لمجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م فإن كليهما مع بالغ الأسى قد أهمل تمثيل الموقف الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني.

وأمام الزعم بأن هذين المجمعين وغيرهما من المجامع المماثلة هي مجامع مسكونية وذات سلطان، لا يمكننا أن نهمل تلك الحقائق الخاصة بها. وهي تظهر أنه لم يكن أي من تلك المجامع معصوماً في ذاته، وأنه من غير الممكن أن ننسب لها السلطة بصورة مطلقة. وكانت هذه المجامع هي اجتماعات كنسية عُقدت في سياق محدد وتخضع لقيود خاصة بها. والشيء الذي له قيمة في تلك المجامع كان يكمن في أسس الإيمان التي قد تكون قد سعت للحفاظ عليها.

وهي سواء بإسهاماتها الإيجابية أو بإخفاقاتها إنما تنتمي للتاريخ المسيحي، ونحن بحفظنا للمبادئ القيمة الموجودة بها وبرفضنا للأخطاء التي من الممكن أن تكون قد ارتكبتها، يمكننا أن نحاول أن نواجه مسئولياتنا في إطار ظروفنا المعاصرة. ومن أجل هذا لسنا في حاجة للإصرار على أن يقبل أحد التقاليد الكنسية أي من المجامع التي كان قد رفضها في الماضي.

ويمكننا أن نوضح تلك النقطة على النحو التالي: بينما لم تعترف كنيسة فارس القديمة بمجامع القرن الخامس وكذلك أيضاً المجامع التي عُقدت في الأزمنة المتأخرة، وبينما أيضاً لم يقبل الجانب غير الخلقيدوني مجمع عام 451م ومجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م ، فإن الجانب الخلقيدوني يزعم بأنه يأخذ وضعه في التقليد الذي كونته هذه المجامع التي تعتبر امتداد لمجمع عام 431م.

والنقطة الأساسية في هذا الإدعاء ليس في أن الجانب الخلقيدوني يجعلهم ضمن قائمة المجامع المقبولة الخاصة به، لأن القبول القانوني لأي مجمع لا يعني أي شيء سوى أنه يحمل تأييد الأساس العقائدي الذي أكده المجمع، كما أن المعنى الشرعي الوحيد الذي يمكن أن يُقال على مجمع أنه مقبول هو الإقرار بالإيمان الذي يُعتقد أن هذا المجمع قد حفظه.

وإذا نظرنا إلى المسألة بهذا الشكل سنجد أن الاختلاف بين التقاليد الثلاثة التي انقسمت إليها الكنيسة ـ على أساس الجدال الخريستولوجي ـ ليس هو في الواقع بالأمر الذي لا يمكن تخطيه. وحتى بالنسبة لمجمع أفسس الثاني عام 449م الذي يعتبره الجانب غير الخلقيدوني مقبولاً، فبالرغم من أن مجمع خلقيدونية حاول أن يجعل استبعاده يتم بسرعة، لكن الحقيقة أن كل قراراته تقريباً التي تتصل بإيمان الكنيسة قد تم التصديق عليها صراحة بواسطة مجمع عام 553م، وهذه القرارات مازالت حية حتى الآن في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.

 

(ج) في ضوء إيمان الكنيسة:

وهكذا نرى أن الأمر الرئيس في إيمان الكنيسة كان هو شخص يسوع المسيح، وكان هذا في الحقيقة أمراً قديماً قدم المسيحية ذاتها. وتسجل لنا الأناجيل الإزائية كيف سأل ربنا تلاميذه عمن يكون هو في وجهة نظرهم، وكيف قدَّم بطرس الاعتراف الشهير أنه هو المسيح ابن الله الحي. وقد تضمنت كتابات العهد الجديد تلك الإجابة نفسها بمعناها الحقيقي.

وبعد عصر كتابة العهد الجديد، استمر آباء الكنيسة في التمسك بنفس الحقيقة من خلال شرح أعمق للإيمان، واعتمدوا في عملهم هذا على قاعدة الإيمان التي كانت تعني بالنسبة لهم وديعة إيمان الكنيسة.

وينبغي أن يُنظر لهذا العمل الذي قام به أولئك الآباء في أجيالهم المختلفة ـ والذي كان يقود الكنيسة أكثر من أي شيء آخر ـ من جهة الطريقة التي استخدموها ومن جهة المحتوى الذي سعوا لكي يحفظوه. وتعتبر كلتا الوجهتين (الطريقة والمحتوى) هامتين بالنسبة لذلك العمل نفسه.

 

أولاً: الطريقة

كانت الشروحات اللاهوتية للكنيسة الأولى قد تمت في إطار الظروف الفكرية والثقافية لتلك العصور. وهم في تفسيرهم للإيمان أخذوا ـ بدرجات متفاوتة ـ أفكاراً ومفاهيماً كانت سائدة في العالم الديني والثقافي اليوناني – الروماني.

وهم لم يفعلوا ذلك من خلال تبنيهم لموقف توفيقي (أي محاولة التوفيق بين المعتقدات المختلفة) بالنسبة لاعترافهم بالمسيحية، ولكنهم على الجانب الآخر حاولوا أن يظلوا أمناء لقاعدة الإيمان التي اعتبروها مؤسسة على الكرازة الرسولية، وبكونها أيضاً (أي قاعدة الإيمان) جوهر حياة العبادة والنظام الذي نما على أساسها. ومن هنا اتبع الآباء في شرحهم اللاهوتي طريقة تهدف إلى الحفاظ على التميز الجوهري للمسيحية.

ولذلك كانت عملية استنباط طريقة تساعد على حفظ الإيمان من جهة وتمكن من توصيله بشكل مبتكر من الجهة الأخرى، هي أمر لا غنى عنه بالنسبة للكنيسة في كل زمان. وبالقطع ليست الظروف الثقافية والفكرية في القرن العشرين هي نفس الظروف الخاصة بالعصور التي عاش وعمل فيها اللاهوتيون القدامى وآباء الكنيسة، بل وحتى في أيامنا هذه ليست تلك الظروف هي نفسها بالنسبة للأوروبيين والهنود، أو بالنسبة للأمريكيين والأفريقيين. وتبعاً للاختلاف في الثقافة والظروف الأخرى، ينبغي أن يكون هناك تعبيرات مختلفة للحديث عن المسيحية.

وفي الحقيقة، يجب أن تكون الكنيسة في كل عصر وفي كل منطقة جغرافية، قادرة أن تكوِّن طريقتها الخاصة في توصيل الإيمان وأنماط الحياة، ولكن بدون أن يكون هناك أي إضعاف أو تشويه للإيمان نفسه. وأمام هذه المهمة يمكن للكنيسة أن ترى في الطريقة التي تبناها اللاهوتيون القدامى دروس جديرة ذات مدلول لوقتنا المعاصر.

 

ثانياً: المحتوى

تتفق كل الكيانات الثلاثة (الأنطاكي والخلقيدوني وغير الخلقيدوني)، التي انفصلت بسبب الجدال الخريستولوجي، على الاعتراف أن يسوع المسيح هو مخلص العالم الوحيد، وبالتالي فقد ظل كل منهم أميناً لقاعدة الإيمان، ولكن اختلافهم كان ينصب فقط على شرح الكيفية التي ينبغي أن يتم بها هذا الاعتراف.

ويمكننا أن نوضح تلك الحقيقة من خلال الرجوع إلى المواقف الثلاثة: فالموقف الخلقيدوني يؤكد ـ في كل من تقليده البيزنطي الشرقي وتقليده التوماوي* الغربي ـ أن يسوع المسيح هو مخلص العالم لأنه هو الله الابن الذي وحد الطبيعة البشرية بذاته بأن صار هو شخصها. وقد جعل الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، نفسه هو العامل الفاعل للطبيعة البشرية في يسوع المسيح.

ولذلك فالحقيقة التي هي أساس كل الرجال والنساء الذين يشكلون الجنس البشري كله (أي الأوسيا البشري أو الطبيعة البشرية) قد اتحدت بالله الابن. وكان التجسد عند الجانب الخلقيدوني يعني أن شخص المخلص هو الشخص الأزلي لله الابن. وكان الجانب الأنطاكي يقر أن الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، قد رفع الطبيعة البشرية من خلال عضو واحد من الجنس البشري بالاتحاد مع نفسه، ولكن بدون أن يجتاز أي تنازل من جانبه، ولذلك فهو مخلص العالم.

أما الجانب غير الخلقيدوني فقد أكد أن الله الابن، الواحد من الثالوث المبارك، وحد ناسوتاً بذاته. وفي الاتحاد لم يكن ذلك الناسوت غير اقنومي (أي غير محدد أو مخصخص)، على الرغم من أنه لم يكن شخصاً موازياً لشخص الله الابن. وبكونه هيبوستاسيس مركب، فإن الله الابن قد وحَّد في نفسه الحقيقة الهيبوستاسية للناسوت، ولذلك فيسوع المسيح هو الله الابن في حالته المتجسدة وهو بذلك مخلص العالم.

وفي الختام نستطيع أن نقول إن الأمر يحتاج بالفعل إلى إعادة تقييم. والاعتراف بحقيقة وجود تلك التقاليد الثلاثة يدفعنا إلى التأكيد أنه يتعين علينا البدء من الأسس الخاصة بهم، لكي ما نستطيع أن نصل للتعبير عن الإيمان بطريقة ذات دلالة لجيلنا المعاصر.

 

*  ارجع إلى ملخص التعليم الخريستولوجي الأنطاكي في الفصل السابق

*  أي موقفاً يأخذ التطرف العكسي المقابل للنسطورية وللأنطاكية

*   كان التأله عند غير الخلقيدونيين بسبب أن الناسوت المخصخص قد اتحد هيبوستاسياً بالله الابن وصار جسده الخاص بالتالي كان هناك تبادل للخواص بين اللاهوت والناسوت، أما التأله عند يوحنا الدمشقي فكان بسبب أن الناسوت لم يكن في الحالة الأقنومية وبالتالي صار شخص الله الابن هو شخص الناسوت وهو الذي يقوم فيه بكل ما هو بشري.

*   قد نختلف مع الكاتب عند تلك النقطة، لأن رؤية السكندريين بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، كانت هي المعيار العمومي للكنيسة كلها في ذلك الوقت، حتى أن إعادة الوحدة نفسها قد تضمنت الاعتراف الكامل بمجمع أفسس، كما أكد نفس الشيء أيضاً مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م والذي يعتبر البداية الحقيقية لما حدث في مجمع خلقيدونية عام 451م.

أما كون الأنطاكيين كانوا يبطنون عدم التأييد الكامل لمجمع عام 431م فهذا هو الخروج عن الإجماع الكنسي العام. هذا بالإضافة إلى أن عدم اتفاق الكنيسة المشرقية التي تكرم نسطوريوس مع مجمع أفسس عام 431م كان يعتبر هو الآخر خروج عن الإجماع الكنسي العام.

* نسبة إلى توما الأكويني

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الجزء الأول: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الجزء الثاني: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

4. بعض التعليقات على التعليم الخريستولوجي للجانب الخلقيدوني:

كان كل من طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ـ كما سبق أن رأينا ـ قد صدَّق على العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد” وذلك من خلال تبنيهما لمفهوم أن يسوع المسيح “يُعترف به في طبيعتين”. والحقيقة أنه ليست لدينا أية وسيلة للتحقق من المعنى الذي كانت وفود مجمع عام 451م تراه في مصطلح ’طبيعة‘ في ذلك الوقت. وحسب ما لدينا من أدلة حتى الآن، لم يقم الجانب الخلقيدوني بتوضيح معنى ذلك المصطلح طوال القرن الخامس.

وأمام معارضة المنتقدين للمجمع، بدأ الجانب الخلقيدوني في التطرق لهذه المسألة في القرن السادس. ومن خلال ذلك التناول، نشأ تقليد يَعتبر مصطلح ’طبيعة‘ مرادفاً للـ ’أوسيا‘ ويأخذه بالمعنى العام المجرد. وفي الحقيقة، كان هذا التفسير هو المخرج الوحيد الملائم والمتاح للمهتمين بالدفاع عن مجمع خلقيدونية عند تعرضهم لعبارة “في طبيعتين”.

ولكن الجانب الخلقيدوني، من خلال تعريف مصطلح ’طبيعة‘ على هذا النحو، قد ابتعد عن الهدف الذي عبَّر عنه وهو الادعاء أن مجمع خلقيدونية قدَّم تركيباً (لاهوتياً) مكوناً من المبادىء اللاهوتية التي يتضمنها التقليد السكندري والأنطاكي والغربي.* كما أن الجانب الخلقيدوني بهذا أيضاً (أي من خلال ذلك التعريف) قد تبنى موقفاً أكثر تضاداً للنسطورية وأكثر تضاداً للأنطاكية من الموقف الذي اتخذه الجانب غير الخلقيدوني في أي وقت مضى.

وكان موقف الجانب الخلقيدوني هو الموقف الذي قدَّمه رجال مثل يوحنا الدمشقي من خلال عقيدة ’التأقنم‘ (enhypostasia) والتي تتكون من النقاط التالية:

  • يسوع المسيح هو تجسد الله الابن.

  • وهو هيبوستاسيس واحد يُعرف في طبيعتين.

  • وهذا الهيبوستاسيس الواحد هو الهيبوستاسيس الإلهي لله الابن

  • يشير مصطلح ’طبيعة‘ إلى الحقيقة العامة المجردة، وهذا يشير بتركيز خاص إلى ناسوت المسيح.

  • وكانت كلتا الطبيعتين كاملتين، وكل منهما لها خواصها وملكاتها الخاصة بدون أي نقصان. ولذلك كان للمسيح إرادتان طبيعيتان وفعلان طبيعيان.

  • وحيث إن الناسوت ليس له الهيبوستاسيس الخاص به (بحسب مفهوم الدمشقي عن الهيبوستاسيس)، فقد أعطاه الله الابن الهيبوستاسيس الخاص به، وبهذه الطريقة لا يكون الناسوت بدون أقنوم (anhypostatic) ولكنه متأقنم (enhypostatic).

  • وعلى الرغم من أن ناسوت المسيح كان بدون هيبوستاسيس خاص به، إلا أنه كان محدداً وخاصاً.

والحقيقة أن تلك النقطة الأخيرة قد أصابت ناسوت المسيح تماماً، ناهيك عن أن الواقع البشري الذي يقولون عنه هنا هو أبعد ما يكون عن الوضوح.

وعلى سبيل المثال، يذكرون أن تلك الطبيعة البشرية تستطيع أن ’تفعل‘ وأن ’تريد‘، ولكنهم مع ذلك يقرون بأنها ليست أقنومية (not hypostatic).* وكذلك يقولون عن تلك الطبيعة البشرية أنها حقيقة عامة مجردة، ورغم ذلك يتكلمون عنها بكونها محددة وخاصة. فكيف يمكن للبشرية التي يؤكدون أنها عامة ومجردة أن تصبح مرئية ومحددة من خلال تلازمها (اتحادها) في الله غير المرئي؟.

وكانت هذه هي بعض التساؤلات التي تحير كل من يريد أن يدرس الموقف الخلقيدوني بشكل دقيق ومتفحص. والحقيقة أنه إلى أن يتم تفسير تلك التساؤلات وتوضيحها، فإننا ينبغي أن نصر على أن التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني كما شرحه التقليد ’التوماوي‘ (Thomistic tradition) ـ الذي أشار إليه سوليفان ـ ليس بعيداً عن القصور. وإذا كان الموقف الأنطاكي ضعيفاً فيما يخص تأكيد وحدة المسيح، فإن شرح التعليم الخريستولوجي الذي حفظته مدرسة توما الأكويني لا يقل عنه ضعفاً فيما يخص مسالة حقيقة المسيح البشرية من وجهة النظر التاريخية.

وكما سبق أن ذكرنا، إذا لم يكن يوحنا الدمشقي يقر بالحالة الأقنومية لناسوت المسيح، فإن الموقف اللاهوتي الذي قدَّمه سيكون معيباً بنفس المقدار، أما إذا كان يقر به ـ ولكنه يميل بصورة مفرطة تجاه اليوليانية ـ فإن شرحه اللاهوتي الخاص بشخص المسيح لن يحتوي عندئذ على أية فكرة ذات قيمة (أو إضافية) لم يكن البطريرك ساويروس بالفعل قد تمسك بها.

 

5. كلمة ختامية:

كان اللاهوتيون في التقاليد الثلاثة* يتفقون ـ على الأقل من جهة الهدف ـ على تأكيد كمال ألوهة وكمال بشرية المسيح ووحدته الحقيقية. وكان عدم الاتفاق بينهم يرجع فقط إلى الطريقة التي يشرحون بها تلك المفاهيم الثلاثة. فالتعليم الخريستولوجي الأنطاكي على سبيل المثال كان يؤكد الألوهة والبشرية على أنهما شخصين أو هيبوستاسيسين، ونتيجة لذلك كان تفسيرهم لوحدة المسيح ضعيفاً.

أما التعليم الخريستولوجي للجانب الخلقيدوني ـ بحسب ما قدَّمه لاهوتيو القرن السادس ـ فكان قوياً في تأكيده على ألوهة المسيح ووحدته، ولكن بالنسبة لحقيقته البشرية من الناحية التاريخية فإنه يظل في حاجة إلى إيضاح أكثر. وكانت هناك بالتأكيد نقاط اتفاق رائعة بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.

ومن بين التقاليد الثلاثة الخريستولوجية، لم يكن التقليد الذي قدمه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس هو الذي حفظ مفاهيم الألوهة والبشرية والوحدة (في المسيح) بشكل أكثر قبولاً وارضاءً من التقليدين الآخرين، ولكن الذي فعل ذلك في الحقيقة كان هو الموقف اللاهوتي الذي حفظه البطريرك ساويروس الأنطاكي والجانب غير الخلقيدوني.

وحتى إذا افترضنا أن مجمع خلقيدونية ـ كما يزعمون ـ قد نجح في تقديم تركيب (لاهوتي) مكوّن من التقاليد المتنوعة التي كانت قائمة في الكنيسة في ذلك الوقت، فإن الجانب الخلقيدوني (الذي قدَّم تعاليمه منذ القرن السادس) لم يتبع نفس هذا المسار، ولكنه على العكس في محاولته أن يؤكد أنه هو الوحيد الذي يمثل الأرثوذكسية، أهمل موقف المنتقدين للمجمع وأنشأ تعليماً خريستولوجياً تخلى حتى عن أي مساهمة ذات قيمة لمدرسة أنطاكيا.

ومن الضروري قبل أن نختم هذه المناقشة، أن نبحث الأساس الذي بنى عليه أندريه (Andre de Halleux) رأيه في تعليم مار فيلوكسينوس أسقف منبج حيث رأى فيه مفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ (أي أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويؤكد أندريه أنه بالنسبة لمار فيلوكسينوس كان الله الكلمة هو شخص التجسد، وأن هذا التعليم يشكل العنصر الرئيس لمفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ في الفكر اللاهوتي لأسقف منبج.[1]

وأمام هذا الرأي يتعين علينا أن نذكر ملاحظتين هامتين. الملاحظة الأولى هي أن قراءة أندريه للتعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس في تلك النقطة تعتبر نوعاً من التبسيط المبالغ فيه إن لم تكن نوعاً من التحريف أو التشويه. فمن الحقيقي أن مار فيلوكسينوس قد يعترف ـ متتبعاً في ذلك تعليم الآباء السكندري* ـ أن الله الكلمة المتجسد هو شخص (أو الفاعل في) التجسد، ولكن تعليمه هنا لم يكن أن الله الكلمة في حالته غير المتجسدة (unincarnate) أو قبل المتجسدة (pre-incarnate) هو شخص (أو الفاعل في) التجسد.

وحيث إن الله الكلمة المتجسد هو شخص التجسد، فإن العنصر البشري كان هناك متحداً مع الله الكلمة في المسيح الواحد. ويتضح هذا الأمر جداً من خلال تأكيد مار فيلوكسينوس أن الله الكلمة هو فوق الألم والعذاب من ناحية، وأنه في التجسد من الناحية الأخرى تحمل الله الكلمة العذاب والخزي والموت بصورة أشد من أي واحد آخر.[2] وبجانب هذا أكد مار فيلوكسينوس أنه في التجسد لا الله الكلمة ولا الناسوت قد تغير إلى الآخر.[3]

وليس من الصعب تفسير هذا التعليم الذي قدَّمه مار فيلوكسينوس، لأن الاعتراف بحقيقة (وجود) شخص بشري في المسيح في مقابل الشخص الإلهي كان عند مار فيلوكسينوس هو إنكار للتجسد، لأن الرب المتجسد بالنسبة له هو وحدة (unity). وحيث إن الإنسان مخلوق على صورة الله، فقد أُعيد خلقته في الله الكلمة بواسطة الاتحاد الهيبوستاسي من خلال التجسد.

وبهذه الطريقة بلغ الناسوت إلى اتحاده النهائي مع الخالق، دون أن يفقد حالته الشخصية المخلوقة، لأن الله يظل الله، والإنسان يظل مخلوقاً كما هو. وحيث إن الإنسان قد خُلق على صورة الله، فمن الممكن أن يصير الله متجسداً، بدون أن يفقد الله أو الإنسان هويته الخاصة به.

ولكن في حالة التجسد، كل ما هو إلهي صار ينتمي للناسوت، وكل ما هو بشري أصبح يُنسب لله، وهذه الحالة من الاتحاد بين الله والإنسان هي ما تحققت في يسوع المسيح بواسطة التجسد. وكان مار فيلوكسينوس واضحاً في أنه من خلال توسط يسوع المسيح، سنبلغ نحن أنفسنا إلى الاتحاد مع الإلهي في الحياة الآخرة كما نستدل على ذلك في سريّ المعمودية والإفخارستيا المقدسة.

وهكذا لم يكن التعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس هو إصرار ساذج على أن الله الكلمة هو شخص التجسد، ولكنه في الحقيقة كان أكثر حذقاً من ذلك وكان دائم التأكيد على وحدة المسيح بثبات حقيقي.

وهناك ملاحظة ثانية يتعين علينا ذكرها أمام سعي أندريه لإثبات مفهوم ’المونوفيزيتيزم‘ في التعليم اللاهوتي لأسقف منبج. فكما رأينا[4] كان مفهوم أن الله الكلمة هو شخص التجسد هو تعليم الجانب الخلقيدوني نفسه منذ بداية القرن السادس على الأقل (وليس مفهوم مار فيلوكسينوس). وعلى سبيل المثال، كانت نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) تشدد بالتحديد على ذلك المفهوم، حيث أصرت تلك النظرية على أن الله الكلمة أصبح هو شخص الناسوت بالإضافة إلى كونه شخص لاهوت الابن.

وكان هذا هو نفس الموقف ـ كما لاحظ سوليفان[5] ـ الذي تمسك به ’التوماويون‘ (نسبة إلى مدرسة توما الأكويني). وحسب سوليفان، كان ناسوت المسيح بالنسبة لتلك المدرسة عاماً ومجرداً، على الرغم من أنه كان في نفس الوقت محدداً وخاصاً. وقد لجأوا إلى ذلك التفسير ليتجنبوا افتراض وجود كيان بشري (مستقل) (human suppositum) في المسيح، فإذا لم يكن هناك كيان بشري (مستقل) في المسيح، فإنه ينبغي لناسوته أن يكون له شخصه في شخص الله الكلمة.

والسؤال الذي يحتاج هنا إلى توضيح هو: هل الخلقيدونية التي أشار إليها شارلز مولر في كتابه باسم ’الخلقيدونية المتشددة‘* (strict Chalcedonianism) والتي يبدو أن أندريه نفسه يثني عليها، كان لها تفسير مختلف لتلك النقطة عن ذاك الذي لنظرية ’التأقنم‘ أو لمفهوم ’التوماويين‘، ويبتعد في نفس الوقت عن التقسيم النسطوري؟. والحقيقة أن أندريه لم يقم بمناقشة تلك القضية.

وكان تعريف الإيمان الخليقدوني ـ كما رأينا ـ يتكلم عن ’شخص واحد‘ بكونه يُعرف ’في طبيعتين‘، وشخص التجسد ينبغي بكل يقين أن يكون ذلك الشخص الواحد. فمن هو ذلك الشخص الواحد؟ فلو أن الطبيعتين كانتا بحيث أن كل منهما هو شخص (فاعل) فسيصبح من العسير أن نفهم كيف استبعدت الخلقيدونية المتزمتة مشكلة النسطورية (وهي تعترف أن المسيح يُعرف في طبيعتين). وإذا أكدوا أن الشخص الواحد هو الذي يُفعِّل (activate) الطبيعتين، فلن يحل ذلك المشكلة.

فإذا كانت الخلقيدونية المتزمتة تريد بالحقيقة أن تستبعد النسطورية فإن عليها أن تختار بين التعليم الخريستولوجي للبطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني من ناحية وبين التعليم الخريستولوجي لنظرية ’التأقنم‘ من الناحية الأخرى.

وسواء كان لدى الخلقيدونية المتزمته إجابة شافية على ذلك السؤال أم لا، فإن الحقيقة التي ينبغي التسليم بها هي أنه لو كان التعليم الخريستولوجي لمار فيلوكسينوس يمكن أن يوصف بـ ’المونوفيزيتيزم‘ (بسبب الإدعاء أنه يؤمن أن الله الكلمة هو شخص التجسد)، فإن الموقف الذي أكدته نظرية ’التأقنم‘ يمكن أن يُوصف هو الآخر بـ ’المونوفيزيتيزم‘ بنفس المقدار إن لم يكن بدرجة أكبر.

           

*   كان هذا الادعاء يعتمد على زعم الخلقيدونيين أنه إذا كان التقليد الأنطاكي يركز على كمال ألوهة وكمال بشرية المسيح (مع فشله في التأكيد على وحدته) وإذا كان التقليد السكندري يؤكد على وحدة المسيح بينما فشل في التأكيد على كمال بشرية المسيح (حسب زعمهم)، فإن مجمع خلقيدونية جمع التقليدين معاً إذ أكد على الوحدة من خلال الهيبوستاسيس الواحد، كما أكد على كمال الألوهة والبشرية من خلال عبارة في طبيعتين.

*  كيف يمكن القول أن الطبيعة البشرية تستطيع أن تفعل وأن تريد بحق والفاعل والمريد فيها هو الهيبوستاسيس الإلهي وحسب؟.

*   أي التقليد السكندري (غير الخلقيدوني) والتقليد الأنطاكي (الخاص بالمدرسة الأنطاكية) والتقليد الخلقيدوني (الذي نشأ منذ مجمع خلقيدونية وتطور في القرن السادس).

[1]  مرجع سابق صفحة 359، 363، 514.

*  ارجع إلى ق. كيرلس في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس حيث يذكر أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

[2]  انظر صفحة 461.

[3]  انظر المرجع رقم 8 صفحة 369.

[4]  انظر صفحة 512.

[5]  انظر صفحة 537 وما يليها.

 *  أي الجانب الخلقيدوني الذي لم يتجاوب مع التغيير الذي قام به الخلقيدونيون في الشرق في القرن السادس ولذلك سمي بالخلقيدونية المتزمتة، بينما سمي الجانب الخلقيدوني في الشرق بالخلقيدونية الجديدة.

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الجزء الأول: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الجزء الثالث: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

3. موقف غير الخلقيدونيين بالنسبة لتعليم المدرسة الأنطاكية:

لم تكن الاعتراضات التي ذكرها سوليفان ضد الموقف الأنطاكي هي بالضبط نفس اعتراضات غير الخلقيدونيين عليه. وفي الحقيقة كان الإصرار الأنطاكي على اتحاد هيبوستاسيسين،* وعلى أن بروسوبون المسيح هو البروسوبون المتكوِّن من اتحاد حقيقتين أقنوميتين (two hypostatic realities)، هو نفس الموقف الذي تمسك به البطريرك ساويروس ولكن بدون أن يقسم أو يفصل الطبيعتين الواحدة عن الأخرى. فبالنسبة للبطريرك ساويروس كانت هناك ثلاثة أشياء قد حدثت (وتزامنت) معاً:

  • كوَّن الله الكلمة الناسوت في رحم العذراء بواسطة الروح القدس بدون تدخل ذَكَري.
  • تم اتحاد لاهوت الكلمة بالناسوت منذ بداية تكوّن الناسوت.

(ج) كان تفرد وتخصخص (individuation) الناسوت منذ بداية اتحاده مع اللاهوت، وبهذا صار الناسوت في الحالة الأقنومية (hypostatic).

ويمكننا مقارنة هذا الموقف مع مفهوم يوحنا الدمشقي الذي كتب: “وهكذا تمت ثلاثة أشياء في وقت واحد؛ اتخاذ الجسد، ونشوء هذا الجسد، وتأليهه”.[1]

ولا ينبغي على الرغم من ذلك أن يُساء فهم موقف البطريرك ساويروس، فهو بتأكيده على الحقيقة الأقنومية لناسوت المسيح لم يكن يقر أن هناك مركزين محددين للوجود والفعل في المسيح الواحد كما يفعل الأنطاكيون، لأنه في نفس الوقت كان يصر على ’الهيبوستاسيس الواحد‘ بكونه (هيبوستاسيس) ’مركب‘. وعندما تزامنت الطبيعتان في ’الهيبوستاسيس المركب‘ الواحد، أصبح للمسيح البروسوبون الواحد الخاص به أيضاً.

وموضع (أو مركز) الاتحاد ليس هو البروسوبون، ولكنه الهيبوستاسيس، لذلك فالاتحاد أيضاً هو اتحاد هيبوستاسي.
ويمكننا أن نقول أن هيبوستاسيس المسيح، بالرغم من أنه الهيبوستاسيس الإلهي لله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار أقنومياً (أي في الحالة الهيبوستاسية) في الاتحاد معه؛ وبنفس الطريقة فإن بروسوبون المسيح، بالرغم من أنه بروسوبون الله الكلمة، إلا أن الناسوت أيضاً قد صار بروسوبي فيه.

ونستطيع أن نقدِّر مفهوم البطريرك ساويروس إذا نظرنا إلى حقيقة أن يسوع المسيح هو شخص تاريخي، وبكونه كذلك فإن له الهيبوستاسيس الخاص به مع البروسوبون. وهذا الأمر هو الذي استطاع التعليم الخريستولوجي للبطريرك ساويروس أن يحافظ عليه.

وهنا نرى أنه لم يكن الخريستولوجي الخلقيدوني ـ كما يُزعَم ـ هو الذي قام بتجميع التقاليد المتنوعة في الكنيسة، ولكن التعليم الخريستولوجي لذلك اللاهوتي غير الخلقيدوني (ساويروس) هو الذي كان يتضمن ذلك الاهتمام الأنطاكي بصورة فعالة.

ويمكننا في هذا الصدد أن نسترجع ما أكده البطريرك ساويروس بخصوص ’العصرين‘ (the two ages).[2] وكان نوريس[3] (Norris) قد أظهر أن البطريرك ساويروس لديه مثل ثيؤدور عقيدة وجود ’عصرين‘ أو ’مرحلتين‘ في عمل الله الابن. حيث كان الله الابن في الأولى غير متجسد (unincarnate) أو قبل متجسد (pre-incarnate)، ومن ثم كان الهيبوستاسيس والبروسوبون الخاص به إلهياً وحسب.

ولكن في المرحلة الثانية كان حقيقةً (أو واقعاً) داخل التاريخ البشري، وقد دخل في المجال التاريخي من خلال ولادة ثانية من أم بشرية، والتي أتخذ منها ناسوتاً صار في الحالة الهيبوستاسية المحددة في الاتحاد معه. وهذا هو تدبير الله الابن، الذي صار فيه للابن المتجسد هيبوستاسيس مركب مع البروسوبون الخاص به.[4]

وحيث إن موضع (أو مركز) الاتحاد هو الهيبوستاسيس، فقد أصر البطريرك ساويروس على تبادل الخواص في الاتجاهين معاً، ونتيجة لذلك أمكن للأمور الإلهية أن تُنسب إلى الناسوت، كما أمكن للأمور البشرية أن تٌنسب إلى اللاهوت.[5] ومن هنا استطاع البطريرك ساويروس واللاهوتيون غير الخلقيدونيين الآخرون أن ينسبوا ـ بتأكيد ـ إلى الله الابن:

الحبل (به) في رحم أم بشرية، والولادة منها بعد المسار الطبيعي للحمل؛ وتحمله لكل الخبرات البشرية باستثناء الخطية؛ ومعاناته للآلام الجسدية والأحزان النفسية؛ وموته المهين على الصليب. ولم يكن هناك أي انتقاص للأمور البشرية في المسيح الواحد، وذلك لأن الناسوت الذي اتخذه الله الابن من العذراء مريم كان خاضعاً لكل الأمور الطبيعية التي للناسوت، وله جميع الخواص والملكات البشرية الجوهرية.

ولكن بسبب الاتحاد الهيبوستاسي ـ الذي أنشأ هيبوستاسيس واحد مركب ـ فإن التعبير عن كل تلك الخواص والملكات يتم في المسيح وفي داخل الاتحاد فقط. وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد كان هو الشخص المحدد الذي عاش في المجال التاريخي، والذي فيه اتحد الله الابن والناسوت المتفرد المخصخص في أقصى العمق الداخلي والشخصي لكيانه.

وكان البطريرك ساويروس لديه اعتراض مزدوج على الموقف الأنطاكي. فمن ناحية كان الأنطاكيون يؤمنون أن الناسوت تكوَّن في رحم العذراء قبل الاتحاد، وقد ناقشنا تلك النقطة قبل ذلك،[6] ومن الناحية الأخرى كانوا يفصلون الأشياء الإلهية عن الأشياء البشرية في المسيح.

وكانت النقطة الأساسية في انتقاده الأول لهم هي إيمانهم بأن الناسوت أصبح هيبوستاسيس حتى قبل، وبمعزل عن، الاتحاد مع الله الابن. ولهذا أظهر البطريرك ساويروس أنه بالنسبة للاهوتيين الأنطاكيين أمثال ديودور وثيؤدور ونسطوريوس وثيؤدوريت أسقف قورش وأندراوس أسقف سموساطا وغيرهم كان هناك فقط اقتران لله الابن مع الإنسان يسوع. والحقيقة أن الدراسات الحديثة للموقف الأنطاكي قد أظهرت أن قراءة غير الخلقيدونيين أمثال البطريرك ساويروس للموقف الأنطاكي لم تكن خاطئة.

أما بالنسبة للإنتقاد الثاني، فقد أظهر الدارسون المعاصرون أن البطريرك ساويروس والقادة الذين شاركوه نفس المعتقد كانوا محقين أيضاً في حكمهم على النقطة الخاصة بفصل الأنطاكييين للأشـياء الإلهية عن الأشـــياء البشرية (في المسيح). فبالنســبة لثيــؤدور ـ كما أظهر سوليفان ـ  “لم يكن الكلمة هو الذي تألم، ولكنه الإنسان المُتّخَذ”.[7]

كما استخرج نوريس أيضاً فقرة تؤيد نفس المفهوم جاء فيها:[8] “وعندما نسمع الأسفار تقول أن يسوع قد ارتفع أو تمجد، أو أن شيئاً قد أُضيف إليه، أو أنه أخذ سيادة على كل الأشياء، فلا ينبغي أن نفهم ذلك على الله الكلمة ولكن على الإنسان المُتّخَذ”. والنقطة التي أبرزها ثيؤدور هنا ـ كما في كل مكان آخر ـ هي أن الأشياء البشرية لا يمكن أن تُنسب إلى الله الكلمة. وعند تلك النقطة بالتحديد كان التقليد غير الخلقيدوني يختلف مع الموقف الأنطاكي ولا يلتقي معه أبداً.

وعلاوة على ذلك، كانت هناك نقطة أخرى ساهم الدارسون المعاصرون في بحثها، مما قد يجعلنا نذهب إلى أبعد من ق. كيرلس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين القدماء، في تقييمنا لدواعي الموقف الأنطاكي. فقد أظهر الدارسون المعاصرون أن اللاهوتيين في المدرسة الأنطاكية كانوا قد ورثوا خلفية فكرية لا تجعلهم قادرين تلقائياً أن يعترفوا بالاتحاد الهيبوستاسي للاهوت والناسوت، ولا أن ينسبوا الأشياء البشرية لله الابن، ولا أن يستوعبوا مفهوم الهيبوستاسيس الواحد (المركب) ليسوع المسيح.

وفي الوقت نفسه، وبينما ظل الأنطاكيون في بيئتهم الفكرية الخاصة بهم، حاولوا أن يعترفوا بإيمان الكنيسة بيسوع المسيح في ضوء التقليد الكتابي، وأكدوا أنه كان بالفعل النموذج الوحيد لنوعه (sui generis). فعلى سبيل المثال، كان ثيؤدور مقتنعاً أن الله والإنسان غير متكافئين بصورة جوهرية.

وكان اللاهوتي الأنطاكي يؤمن أن الله حال في العالم بالجوهر (الأوسيا) وبالفعل أو الطاقة (الإنرجيا)، وعلى هذا الأساس رفض ثيؤدور أن يكون الله الكلمة قد سكن في الإنسان المُتّخَذ سواء بالجوهر أو بالفعل أو الطاقة، وأصر أن السكنى كانت بحسب مسرة الإرادة.* وأوضح ثيؤدور أنه حتى السكنى بهذا الوصف كانت مختلفة في النوعية عن سكنى الله بمسرة الإرادة في القديسين.[9]

ومن الجدير بالذكر أيضاً، أنه على الرغم من أن الأنطاكيين لا يقولون إن الله الكلمة قد حُبل به في رحم الأم البشرية أو أنه وُلد منها، إلاّ أنهم يؤكدون الميلاد البتولي (Virgin birth) وبذلك يعترفون أن الله أخذ المبادرة في إحضار الإنسان المُتّخَذ إلى الوجود. ويصر ثيؤدور بجانب هذا على أن الإنسان المُتّخَذ “قد سكنه الله الكلمة منذ بداية تكوينه في رحم الأم”؛ وأن الاتحاد لم يكن بين إثنين من البروسوبون؛ وأن اقتران الله الكلمة والإنسان لم يكن مجرد تعاون بين الله والإنسان.[10] وبالنسبة لأسقف موبسويستا، فإن الله الكلمة اقترن بالإنسان المُتّخَذ منذ أول تكوينه في رحم الأم*، ولذلك نجده يقول:[11]

لقد أتى الله الكلمة ليكون فيه عندما تكون. لأنه لم يكن فيه فقط عندما صعد إلى السماء، ولكن أيضاً عندما قام من الأموات. ولا هو كان فيه فقط عندما قام من الأموات، ولكن أيضاً عندما صُلب وعندما عُمِّد وعندما كان يحيا الحياة الإنجيلية بعد عماده، بل وحتى قبل عماده عندما كان يكمِّل كل متطلبات الناموس.

وعلاوة على ذلك، كان أيضاً فيه حتى عندما وُلد، وعندما كان في رحم أمه مباشرة منذ أول تكوينه. لأنه (أي الله الكلمة) فرض نظاماً على الأشياء التي تعنيه، محضراً إياه (أي الإنسان المُتّخَذ) إلى الكمال خطوة بخطوة.

وذكر نوريس أن ثيؤدور كان يؤمن أن “الله الكلمة كان هو الذي أحضره (أي الإنسان المُتّخَذ) إلى الولادة، وقاده إلى العماد، وسلمه إلى الموت وأقامه، وبالتالي هو الذي منحه الطبيعة غير المائته وغير المتغيرة التي يوجد فيها الآن في السماء.[12]

ويرى نوريس أنه من الممكن أن نستخلص الاستنتاجات الثلاثة التالية حول التعليم الخريستولوجي لثيؤدور:

  • لم يكن مفهوم ثيؤدور عن الاتحاد أنه ’تعاون‘، ولكن التعاون بين الله الكلمة والإنسان هو نتيجة الاتحاد (الذي في صورة اقتران). ولم يؤثر الاتحاد على النشاط الأخلاقي للإنسان (المُتّخَذ)، كما لم يكن النشاط الأخلاقي هو تفسير ذلك الاتحاد.
  • إن الاتحاد هو نتيجة التنازل الإلهي، الذي كان سابقاً، وضرورة أساسية، لما قد تم في ومن خلال الإنسان (المُتّخَذ).

(ج) لم يقدِّم ثيؤدور أي تفسير للاتحاد أكثر من تأكيده على أنه كان سكنى حدثت بمسرة الإرادة الإلهية. وفي نفس الوقت، علق ثيؤدور أهمية كبيرة على علاقة الخضوع والتبعية بين الله الكلمة والإنسان والتي تجعل ’الاقتران‘ بين الشخصين اتحاداً عضوياً (متناسق الأجزاء).[13]

وهكذا يتضح أن التعليم الخريستولوجي الأنطاكي يستحق تقييماً أكثر موضوعية مما أُعتيد أن يُعطى له. ففي إطار بيئتهم الفكرية (التي ورثوها)، حاول رجال مثل ثيؤدور أن يقدموا موقفاً لاهوتياً لم يكن ـ على الأقل من وجهة نظرهم ـ هو الموقف الذي يعني وجود ابنين.

وإذا قارنا بين الفكر اللاهوتي عند البطريرك ساويروس وعند ثيؤدور، سنجد أن البطريرك ساويروس يشارك ثيؤدور الاهتمام في عدد من النقاط بينما يلتزم بموقفه (المختلف) عند مسألة وحدة المسيح. وقد ذكرنا قبلاً نقطتين من تلك النقاط، وهما بالتحديد:

أولاً أن مصطلح ’طبيعة‘ كان يعني في النقاش الخريستولوجي شيء محدد وخاص (أي الطبيعة في واقعها الهيبوستاسي)، وثانياً أن شخص يسوع المسيح لم يكن مجرد هيبوستاسيس وبروسوبون الله الكلمة وحسب. وبالرغم من أن البطريرك ساويروس وثيؤدور لم يتفقا فيما بينهما على (محتوى) هاتين النقطتين، إلا أنهما كانا يشتركان على الأقل في نفس المبدأ العام، وكلاهما لم يكن يوافق وجهة النظر الخلقيدونية (من جهة هاتين النقطتين).

وهناك أيضاً نقطة ثالثة، كان الاتفاق بين البطريرك ساويروس وثيؤدور حولها أكثر صراحة مما هو بين ثيؤدور والجانب الخلقيدوني، وتتعلق هذه النقطة بحالة الإنسان قبل سقوط آدم. ويرى نوريس أنه كان يوجد رأيان (أو مفهومان) حول هذا الأمر في كتابات ثيؤدور: الرأي الأول يتضمن مفهوم أن الإنسان خُلق في الأساس غير قابل للموت ولكنه صار قابلاً للموت بواسطة الخطية.

وبالرغم من ذلك، كان هناك رأي آخر ظهر في فقرات أخرى من كتابات ثيؤدور حيث أصر فيها على أن الإنسان خُلق قابلاً للموت، وأن الموت هو شيء يتعلق بطبيعة الإنسان.[14]

وكما سبق وأظهرنا،[15] كانت وجهة النظر الثانية هي التي يتمسك بها البطريرك ساويروس. وكان البطريرك ساويروس يتفق كذلك مع ثيؤدور في أن ناسوت المسيح قد تقلد بالمجد والكرامة والسيادة الإلهية، وكان هذا المفهوم يعتمد (عند ساويروس) على الاتحاد الهيبوستاسي الذي جعل تبادل الخواص بين اللاهوت والناسوت ممكناً.

ويوجد أمر آخر أكثر أهمية يتفق فيه كل من ثيؤدور والبطريرك ساويروس ويوحنا الدمشقي يتعلق بالدور الذي قام به الناسوت في عمل المسيح الخلاصي. ويؤكد البطريرك ساويروس أننا قد خلصنا بموت المسيح، ولذلك يصر ـ مقتبساً من العبرانيين 2 ـ على أن اتخاذ الله الكلمة للناسوت كان أمراً لا غنى عنه لاتمام خلاص الجنس البشري.

وكان المفهوم الأساسي هنا ـ كما سبق أن ذكرنا[16] ـ هو أن أبانا الأول آدم قد هُزم في المعركة بواسطة الشيطان، ووفقاً لذلك أصبح كل الجنس البشري تحت عبودية العدو، ولذلك اقتضت العدالة أنه ينبغي أن يقوم الإنسان نفسه بالقتال في معركة الإنسان. وبكلمات أخرى نقول إن الله الكلمة أنجز خلاص الجنس البشري في ومن خلال الناسوت الذي كان له دور ديناميكي في العمل الفدائي.

وفي هذه المناسبة ينبغي أن نتذكر حقيقة اعتراض البطريرك ساويروس على نظرية يوليان الذي اعتبر أن ناسوت المسيح كان هو ناسوت آدم قبل السقوط.[17] وكان البطريرك ساويروس يرى أن “جسد المسيح لم يكن خاضعاً للخطية ولكنه كان مثل جسدنا الخاطئ*“.[18]

ويمكننا أن نقارن موقف البطريرك ساويروس هذا مع موقف ثيؤدور الذي كان ـ كما يذكر نوريس ـ يقر بحذر بأن “المسيح ينبغي ألا يكون فقط هو الحامل لخلاصنا والذي جلب لنا العصر الثاني لعدم الموت، ولكنه هو أيضاً الذي تم لأجله الخلاص”.[19]

وفي الحقيقة كان ثيؤدور والبطريرك ساويروس ويوحنا الدمشقي[20] يتفقون على هذا المفهوم بوضوح، على الرغم من أن اللاهوتي الخلقيدوني (أي يوحنا الدمشقي) كان يؤيد النظرية اليوليانية أكثر بكثير من الرجلين الآخرين. وفيما عدا هذا الاستثناء، كان عمل الفداء بالنسبة للرجال الثلاثة يتضمن ضرورة تواجد: ’الله الابن‘ الذي قد خلق الإنسان في الأصل بواسطته، و’الناسوت‘ الذي صار تحت العبودية.  وإذا كان يُحسب للتعليم الخريستولوجي الأنطاكي تأكيده على بشرية المسيح بغير تحفظ، فالحقيقة أن اللاهوتيين غير الخلقيدونيين كانوا متمسكين بنفس ذلك التأكيد بشكل فعال.

وكان تشديد البطريرك ساويروس على أن ناسوت المسيح هو حقيقة أقنومية (hypostatic) له مدلول خاص يمكننا أن نلخصه كما يلي: لم تكن وجهة النظر المسيحية للحقيقة هي النظرة الأحادية (monism) ولا هي النظرة الثنائية (dualism)، لأن المسيحية كانت تفهم العلاقة بين الله والإنسان من خلال عقيدة الخلق. فالإنسان ـ بما في ذلك ناسوت المسيح ـ هو مخلوق، وحيث إنه خُلق على صورةالله فإنه يستطيع بالطبيعة أن يعكس (صورة) الله وأن يقيم علاقة مع الخالق.

وفي هذه العلاقة الإلهية – الإنسانية، لم يكن الله  يحافظ على الشركة مع الناسوت بكونه حقيقة عامة مجردة، ولكن مع رجال ونساء كأشخاص بشرية، ومن بينهم جاء يسوع المسيح بكونه العضو الأول في الجماعة المفتداه. وهكذا لم تكن الحالة الهيبوستاسية لناسوت المسيح هي إضافة غير ضرورية، بل كانت أمراً أساسياً تماماً من أجل وجود ناسوت حقيقي.

 وهناك نقطة أخيرة في هذا السياق، وهي أن الأنطاكيين كانوا يصّرون على أن الله هو أبعد من كل قيود الزمان والمكان، وأنه غير مقيد (أو محدود) في علاقته مع العالم. وكان اللاهوتيون المنتمون للتقليد السكندري يتمسكون أيضاً بنفس هذا المفهوم، فالقديس أثناسيوس على سبيل المثال، أكد أنه عندما صار الله الكلمة إنساناً، فإن الإخلاء الذي تضمنه التجسد لم يؤثر على سيطرته الإلهية على الكون،[21] والله الذي يسمو فوق الزمان والمكان لا ينبغي أن نعتبره ’أحد الأشياء‘ داخل المحيط الزمني المكاني.

ففي التجسد، أخذ الله زمام المبادرة وخلق الإنسان جديداً في نفسه بواسطة الاتحاد الهيبوستاسي الذي أتمه مع الناسوت. ومن خلال عمل الله هذا، تم إعادة البشرية ـ من أساسها ـ إلى وضعها الأصلي المتناغم مع الخالق. ونحن من خلال حياة الإيمان والتكريس (بالأسرار) نُعطى المشاركة في الفداء الذي حققه الله، ونتطلع إلى بلوغ كماله النهائي بالنسبة للخليقة كلها في العالم. وهذه في الحقيقة هي الطريقة التي يمكن أن يُفهم بها التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني على نحو صحيح.

وبالطبع كان هناك اختلاف في المفهوم بين التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني والتعليم الخريستولوجي الأنطاكي. ولم يكن هذا الاختلاف في شرح كمال وحقيقة ناسوت المسيح، حيث إن كلا الجانبين قد أكد بنفس القناعة والتصميم أن يسوع المسيح هو كامل في لاهوته وكامل في ناسوته. ولكن الاختلاف بين التقليدين يقع في الحقيقة في التفسير الذي قدَّمه كل جانب عن وحدة المسيح.

وكان هذا الاختلاف ـ كما سبق أن ذكرنا ـ هو ما لاحظه البابا كيرلس بين موقفه وموقف نسطوريوس؛ وكان هو أيضاً نفس الاختلاف الذي ذكره البطريرك ساويروس بين الجانب الكنسي الذي ينتمي إليه وبين كلا الجانبين الأنطاكي والخلقيدوني. وكان الأمر الذي ركز عليه كل جانب يحتاج فقط إلى طلب تعديل الموقف الذي يصر عليه الجانب الآخر.

*   المقصود هنا هو أن اللاهوت وهوهيبوستاسيس الابن الأزلي قد وحد بنفسه ناسوتاً وهو في الحالة الهيبوستاسية (الأقنومية) ولم يكن الناسوت في الحالة العامة المجردة. ولكن الناسوت لم يتكون أو يصير في حالته الهيبوستاسية في استقلال أو انفصال عن اللاهوت.

[1]  John of Damascus, op. cit., p. 295.

[2]  انظر صفحة 467 وما يليها.

[3]  Norris, op. cit., pp. 160f.

[4]  بعد شرح نموذج ’الجسد-الروح‘ ـ الذي ذكرناه في صفحة 473 ـ كتب البطريرك ساويروس: “وبنفس الطريقة، من اللاهوت والناسوت أي الجسد البشري ذو الروح العاقلة، كلٌ بكماله بحسب أصل مبدأه، فإن عمانوئيل هو بروسوبون واحد من خلال الوجود المتزامن للإثنين داخل الإتحاد بدون إختلاط أو تغيير.

وهو له هيبوستاسيس الله الكلمة الذي أعني به ألوهته الأزلية بدون أي تغيير، كما أن الناسوت الذي وحده بنفسه على نحو لا ينطق ظل في الهيبوستاسيس الخاص به (أي في حالته الهيبوستاسية) بدون أي تحول. ولكن من المستحيل أن ننسب لكل منهما، أي إلى لاهوت المولود الوحيد والناسوت الذي اتحد به، بروسوبون خاص، لأنهما أُدركا في وضعهما المركب وليس كما لو كانا قد تكونا (في المسيح) مستقلين أو وجدا منفصلين.

ولكنهما بإلتقائهما معاً، بطريقة تليق بالله ولا يُعبَّر عنها، إكتمل هيبوستاسيس واحد من اللاهوت والناسوت وبالتالي بروسوبون واحد أي الذي لله الكلمة المتجسد.” (ضد النحوي، 1: صفحة 77).

[5]  انظر صفحة 405.

[6]  انظر صفحة 380.

[7]  Sullivan, op. cit., p. 219.

[8]  Norris, op. cit., p. 198.

*   يقصد المؤلف أن الخلفية الفكرية التي كانت لدى الأنطاكيين كانت هي السبب في عدم قدرتهم على قبول المفاهيم السكندرية الخاصة بالاتحاد الهيبوستاسي، والهيبوستاسيس الواحد المركب وغيرها، ورغم عدم اتفاقنا مع تلك الخلفية الفكرية إلا أنها تعطينا فكرة أكثر وضوحاً عن السبب وراء موقفهم اللاهوتي الذي حاولوا فيه شرح العقيدة بما لا يتعارض مع تلك الخلفية الثابتة لديهم. ويعطينا المؤلف في هذه الفقرة مثالاً لهذه الخلفية الفكرية يتعلق بعقيدتهم بالنسبة لحلول الله بجوهره وفعله في العالم.

[9] Norris, op. cit., pp. 218-9.

[10]  المرجع السابق صفحة 222.

*   أي بعد تكونه مباشرة

[11]  المرجع السابق صفحة 225.

[12]  المرجع السابق صفحة 227.

[13]  المرجع السابق صفحة 228.

[14]  المرجع السابق.

[15]  انظر صفحة 412.

[16]  انظر صفحة 412 وما يليها.

[17]  انظر صفحة 408 وما يليها.

*    يقول ق. أثناسيوس: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61)..

[18] La Polemique…. I, p. 40.

[19]  Norris, op. cit., p. 195.

[20]  John of Damascus, op. cit., p. 318.

[21]  The Incarnation of the Word.

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

الجزء الثاني: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج2

الجزء الثالث: الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج3

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

إذا كان قد تبين لنا بوضــوح أن الخريستولوجي غير الخلقيدوني ـ في مقارنته مع خريستولوجي الجانب الخلقيدوني في الشرق ـ يحافظ على ناسوت المسيح في كامل حقيقته، فإنه من الضروري أيضاً أن نقوم بمقارنته مع الخريستولوجي الأنطاكي.* وينبغي في مناقشتنا لهذه المسألة، أن نضع في اعتبارنا حقيقة أن العلماء المؤيدين لخلقيدونية قد سعوا ليثبتوا أن الموقف غير الخلقيدوني كان مضاداً (أو عكسياً) للنسطورية بشكل مفرط وغير ملائم.#

ولذلك سنحاول ونحن نعرض الخريستولوجي غير الخلقيدوني ـ في مقارنة مع تعليم الجانب الأنطاكي ـ أن نرى إذا ما كان هناك مبرر حقيقي لوجهة نظرهم تلك أم لا.

والحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن قادة الجانب غير الخلقيدوني كانوا بالفعل معارضين للنسطورية، وأنهم اعتبروا الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه طومس ليو واعتراف الإيمان الخلقيدوني أنه فكر نسطوري، ولكن مع ذلك يظل السؤال الذي يتعين علينا الإجابة عليه هو: هل كان غير الخلقيدونيين، وهم متمسكون بموقفهم هذا، أكثر تضاداً للنسطورية من الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس على الأقل.[1]

وينبغي علينا في البداية أن نسلِّم بأن رجال المدرسة الأنطاكية أمثال ثيودور أسقف موبسويستا كانوا واضحين جداً في تأكيدهم على حقيقة وكمال ناسوت المسيح.

وفي الحقيقة أننا إذا فحصنا التعليم الخريستولوجي الأنطاكي من جهة ألوهة وبشرية ووحدة المسيح، فسنجد أنه يحافظ على تأكيد ألوهة وبشرية المسيح بوضوح شديد، ولكن الاختلاف بينه وبين السكندريين يتمركز حول الأمر الثالث (أي تأكيد وحدة المسيح). وقد أظهر البطريرك ساويروس هذه الحقيقة في فقرة كان قد أخذها من خطاب البابا كيرلس إلى إفلوجيوس (Eulogius) حيث يقول:[2]

إنه ليس من الضروري أن نستبعد ونتخلى عن كل شيء يعترف به الهراطقة*… لأن نسطوريوس، على الرغم من أنه يؤكد الطبيعتين لكي يُظهر الفرق بين الجسد والله الكلمة ـ لأن طبيعة الكلمة شيء والتي للجسد شيء آخر ـ إلا أنه لا يعترف معنا بالاتحاد، حيث إننا باتحادهما معاً نعترف بطبيعة واحدة. والمسيح هو الكيان الواحد نفسه، الابن والرب الواحد، ولذلك هو طبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد.

وهكذا لم تكن القضية بين ق. كيرلس ونسطوريوس ـ أو فيما يتعلق بهذا الأمر بين البطريرك ساويروس ونسطوريوس ـ هي أن هناك جانب يؤكد ’الطبيعتين‘ وبالتالي يعترف بحقيقة وكمال اللاهوت والناسوت في المسيح وجانب آخر لا يفعل ذلك، ولكن القضية كانت تدور حول عدم اتفاقهما في شرح مفهوم اتحاد الطبيعتين.

وسنقوم في هذا الفصل بطرح التساؤلين التاليين:

أولا،ً ما هو اعتراف الجانب غير الخلقيدوني بالنسبة لاتحاد اللاهوت والناسوت في المسيح مقارنة بالموقف الأنطاكي؟

ثانياً، هل كان الخريستولوجي غير الخلقيدوني أكثر تضاداً للنسطورية من الخريستولوجي الخلقيدوني؟.

والحقيقة أننا لن نتمكن من الإجابة على هذين التساؤلين إلا في ضوء فهمنا للخريستولوجي الأنطاكي، ولذلك سنقوم بعرض ملخص لهذا التعليم معتمدين على دراسة التعليم الخريستولوجي عند ثيودور أسقف موبسويستا التي قام بها كل من فرانسيس أ. سوليفان (Francis A. Sullivan)[3] وروان جرير (Rowan Greer)[4] ور. أ. نوريس (R. A. Norris).[5]

 

2. ملخص مختصر للتعليم الخريستولوجي الأنطاكي:

كان فرانسيس سوليفان قد وصل في نهاية دراسته إلى استنتاج أن ثيؤدور أسقف موبسويستا (392م – 428م) هو في الحقيقة ’أبو النسطورية‘.[6] وأيد روان جرير نفس هذا الاستنتاج أيضاً، حيث أقر أن نسطوريوس كان ذو خلفية أنطاكية، وأن ثيؤدور هو معلمه سواء بصورة شخصية أو من خلال تلمذته على كلماته المكتوبة.[7]

وأثبت سوليفان أن التعليم الخريستولوجي لثيؤدور كان “بصورة جوهرية مماثلاً لتعليم نسطوريوس الذي قدَّمه في خطابه الذي أُدين في مجمع أفسس”، وقد استطاع سوليفان أن يصل إلى هذا الاستنتاج من خلال فحص عدد كبير من الفقرات التي وردت في كتابات ثيؤدور. ويمكننا أن نلخص الحجج التي أيد بها سوليفان استنتاجه السابق كما يلي:

  • بخلاف سلفيه اللاهوتيين إفستاثيوس الأنطاكي (Eustathius of Antioch)[8] وديودور الطرسوسي (Diodore of Tarsus)[9] اللذين أشارا إلى اقتران ’ابن الله‘ مع ’ابن مريم‘ بدون استخدام كلمتي اللاهوت والناسوت كحقيقتين عامتين مجردتين، فإن ثيؤدور استخدم في الإشارة إلى يسوع المسيح المصطلحين العامين ’الطبيعة الإلهية‘ و ’الألوهة‘[10] للتعبير عن لاهوت المسيح، ولكنه على الرغم من ذلك كان أيضاً يأخذ اللاهوت بمعنى ’الله الابن‘ والناسوت بمعنى ’الإنسان المُتّخَذ‘ بكونهما كيانين محددين.[11]

  • وفي معرض تعليمهم هذا، خلط ثيؤدور ورجال آخرون مثله بين ’الطبيعة‘ بكونها حقيقة مجردة وبين ’الشخص‘ بكونه كيان محدد.[12] وقد اعتبر سوليفان التمييز بين المصطلحين في غاية الأهمية، حيث ذكر في كتابه ’الخريستولوجي الحديث‘:[13] أنه “في التقليد التوماوي* (Thomistic tradition) على الأقل، كان يُفضَل استخدام مصطلحي ’الطبيعة البشرية‘ و’البشرية‘ (بدلاً من مصطلح الإنسان عند الحديث عن الناسوت) لأن مصطلح ’الإنسان‘ كان يحمل ضمنياً افتراض وجود كيان بشري حقيقي (human suppositum):

    أي فرد يملك الطبيعة البشرية وهو الفاعل النهائي لأفعال هذه الطبيعة، ولكن مصطلح ’البشرية‘ يدل على الطبيعة البشرية التي اتخذها الكلمة والتي ـ على الرغم من كونها محددة ومخصخصة ـ فهي ليست شخص قائم بذاته. وكان هذا بالفعل ـ كما رأينا ـ هو الموقف الذي أصر عليه كل من يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي.

    وقد تضمَّن هذا الأمر نوعين من التفريق ـ الأول بين الطبيعة كحقيقة عامة مجردة وبين الشخص، والثاني بين هذين الإثنين وبين شيء متفرد ومحدد (وليس شخصاً). وقد حاول سوليفان أن يرى نفس هذا الرأي عند القديس أثناسيوس السكندري في القرن الرابع، وأكد أن القديس أثناسيوس كان قد حدد هذا التفريق في رده على زعم الأريوسيين بأن الابن كان مخلوقاً. وكان الأريوسيون قد كونوا موقفاً يمكننا أن نضعه في صورة قياس (استنتاج) منطقي كما يلي:[14]

-أن الكلمة هو الفاعل حتى في الأفعال البشرية وفي آلام المسيح.

– كل ما يٌنسب إلى الكلمة (من أفعال) ينبغي أن يٌنسب إليه بحسب الطبيعة

– وبالتالي تكون طبيعة الكلمة محدودة*

وأضاف سوليفان أن ق. أثناسيوس في رده على وجهة نظر الأريوسيين قدم لهم مفهوم علاقة ’التخصيص‘ (appropriation) حيث إن الكلمة الإلهي قد “جعل الجسد البشري جسده الخاص” حتى أن خواص وأفعال هذه الطبيعة البشرية تُنسب إلى الكلمة ولا أحد سواه.

ومن الجدير بالذكر أن ملاحظة سوليفان بأن ق. أثناسيوس قد ميَّز بالفعل بين ’الطبيعة‘ و’الشخص‘ ينبغي أن تكون محل تساؤل على الرغم من أن ذلك ليس هو اهتمامنا هنا. ولكن ما يجب علينا أن نركز عليه الآن من وجهة نظرنا، هو حقيقة أن اتحاد اللاهوت بالناسوت في المسيح عند الأنطاكيين كان يشتمل على اقتران (conjunction) الله الكلمة مع الإنسان المُتّخَذ.

  • وحيث إن الطبيعتين (في المفهوم الأنطاكي) كانتا شخصين، فإن الاتحاد بينهما لا يمكن أن يكون غير مجرد اقتران (سينافيا) للشخصين، وبالتالي فإن ’الله الكلمة‘ و’الإنسان المُتّخَذ‘ كانا حقاً (بالنسبة لهم) مركزين للوجود والفعل (two centers of being and activity).

    وبناءً على هذا الاقتران كان هناك تبادل للخواص بينهما، حتى أنه يمكن للإنسان المُتَخَذ أن يُدعى ’الابن‘ و’الرب‘، وأن يكتسي بالجلال والمجد الإلهي مع السيادة (أي السلطان). ولكن تبادل الخواص كان في اتجاه واحد فقط، وبالتحديد من الله للإنسان، وليس في الاتجاه الآخر أي من الإنسان لله، فالإنسان المُتّخَذ قد ارتفع ولكن الله الكلمة لم ينخفض. وعلى هذا الأساس، يمكن للأمور الإلهية أن تُنسب للإنسان ولكن مع ذلك لا يمكن للأمور البشرية أن تُعزى إلى الله الكلمة.[15]

  • وقد أدى تردد الأنطاكيين في أن ينسبوا الأمور البشرية لله الكلمة، إلى ارتيابهم في اطلاق مصطلح ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم، وكذلك رفضهم أن ينسبوا الآلام والموت لله الابن. وقد عبَّر ثيؤدور عن موقف الأنطاكيين الخاص بلقب ’ثيؤطوكس‘ في إحدى الفقرات التي اقتبسها البطريرك ساويروس الأنطاكي مرات عديدة.[16] كما احتوت نفس الفقرة أيضاً على مفهوم ثيؤدور عن آلام المسيح حيث قال:[17]

“وبالمثل أيضاً، ينبغي أن نعطيهم نفس الإجابة على سؤالهم “هل الله هو الذي صُلب أم الإنسان؟”، والإجابة بالتحديد هي “كليهما، ولكن ليس على نفس النحو”، لأن الأخير (أي الإنسان) صُلب لأنه هو الذي تألم وسمُِّر على الخشبة وأمسك من اليهود، أما الأول (أي الله) فنقول أنه صُلب لأنه كان معه لأجل السبب الذي ذكرناه. وبالنسبة لموت المسيح كان ثيؤدور يتمسك بأنه “واحد هو الذي تألم، وآخر هو الذي أقامه”.

  • وبالتقاء ’الله الابن‘ و’الإنسان المُتّخَذ‘ معاً، نشأ بروسوبون واحد. وبالتالي فإن يسوع المسيح هو بروسوبون واحد وهذا البروسوبون هو محل اتحاد (locus of union) الطبيعتين أو الهيبوستاسيسين. وقد رأي سوليفان أن هذا هو الخلل الأخطر في الخريستولوجي الأنطاكي: لأنهم بذلك لم يعتبروا هذا البروسوبون هو بروسوبون الله الكلمة.[18]

    وقد فهم سوليفان تعليمهم (عن ذلك البروسوبون) بأنه بروسوبون قد تكوَّن بالتقاء ’الله الكلمة‘ والإنسان المُتّخَذ أي ’الإنسان يسوع الذي اتخذه الكلمة‘. وهنا ينبغي أن نتذكر أن فهم سوليفان لمعنى البروسوبون الذي قصده ثيؤدور كان هو نفس ما قدمه البطريرك ساويروس في تعريفه للمصطلحات.[19]

    فالبروسوبون ليس هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص لأن ذلك هو الهيبوستاسيس؛ ولكن البروسوبون هو موضع (locus) خارجي للهيبوستاسيسين والذي يعبران فيه عن اقترانهما معاً. وطبقاً لهذا استنتج سوليفان أن التعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور يفترض مقدماً وجود فاعلين (شخصين) ـ أي الله الكلمة والإنسان المُتّخَذ ـ اللذين انجمعا معاً بواسطة اتحاد أخلاقي (سلوكي)، وهذا الاتحاد أنشا بروسوبون جديد (de nova).

    وقد زعم سوليفان أن البابا كيرلس كان قد أكد ـ اعتماداً على قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأكده مجمع أفسس عام 431م ـ أن شخص يسوع المسيح هو “الشخص الإلهي لله الكلمة”.[20]

  • وأكد سوليفان أن ثيؤدور فسَّر عبارة إنجيل ق. يوحنا “الكلمة صار جسداً” في ضوء الكلمات التي أتت بعدها “وسكن بيننا”، وأصر أن التجسد إنما يعني ’السكنى‘ أو ’الإقامة‘، فالكلمة سكن أو أقام في الإنسان المُتّخَذ. وهكذا فكون الله صار إنساناً إنما يعني أن الله أتي ليكون في إنسان”.[21]

    ومع ذلك، رفض أسقف موبسويستا نوعين من السكنى: السكنى ’بالطبيعة‘، والسكنى ’بالفعل‘. فحيث إن الله غير مقيد (غير محدود) بالطبيعة وهو موجود في كل مكان، فإن سكناه بالطبيعة لا يمكن أن يكون محصوراً، ولذلك فمن غير الممكن أن يكون سكناه في الإنسان المُتّخَذ هو بالطبيعة، أما السكنى بالفعل فهي الوضع القائم في كل المخلوقات.

    ولكن سكنى الله الكلمة في الإنسان المُتّخَذ هي نوع خاص من الإقامة، يُشار إليها بالسكنى ’بالغبطة الصالحة‘ (good pleasure) أو يُطلق عليها السكنى ’بمسرة الإرادة‘ (disposition of will) وليست هذه السكنى مثل سكنى الله في قديس أو نبي؛ لأن الله الكلمة كان مسروراً تماماً بسكناه في الإنسان المُتّخَذ كما في ابن. ولهذا اكتسى الإنسان المُتّخَذ بالجلال والسلطان الإلهي، وحقق الله الابن فيه كل الأشياء.[22] وكانت ’مسرة الإرادة‘ تعني عند ثيؤدور “إرادة الله العظمى والأسمى”.[23]

  • وبالنسبة للإنسان المُتّخَذ، أصر ثيؤدور أنه كان بغير خطية، حيث إن نعمة الله حفظته خالياً من الخطية واستمرت معه حتى في الصلب، كما أن الكلمة أقام (هذا) الإنسان من الموت.[24] وكان الاتحاد بين الكلمة والإنسان بالنسبة لثيؤدور عرضة لدرجات متفاوتة من التغير، فقبل الصلب على سبيل المثال صنع الكلمة أموراً كثيرة بواسطة الإنسان؛ ولكنه مع ذلك سمح للإنسان أن يمارس الفضيلة باختياره الذاتي الحر وذلك من خلال تشجيع وتقوية الكلمة له. وسيكون الاتحاد والعمل بين الكلمة والإنسان أكثر كمالاً في السماء عما هو على الأرض.[25]

ويتضح من الملخص السابق للتعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور في ضوء أبحاث الدارسين المعاصرين، أنه يتفق تماماً مع التفسير الذي قدَّمه البطريرك ساويروس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين الآخرين للخريستولوجي الأنطاكي. ويعتقد سوليفان أن عدم كفاية التعليم الخريستولوجي الأنطاكي ـ كما ظهر عند ثيؤدور ـ هو نتيجة خللين أساسيين:

أولاً، أن الأنطاكيين لم يميِّزوا بين ’الطبيعة‘ و’الشخص‘، وهكذا أخذوا الطبيعتين المتحدتين في يسوع المسيح بكونهما شخصين، وبالتالي لم يستطع الأنطاكيون أن يعترفوا إلا بمجرد حدوث ’اقتران‘ بين الشخصين.

ثانياً، اقتنع الأنطاكيون أن بروسوبون يسوع المسيح الواحد نشأ كبروسوبون جديد من خلال اقتران الشخصين معاً.

وعلى هذا الأساس تم استنتاج أن ثيؤدور قد علَّم بوجود ’ابنين‘، وهو الأمر الذي ورثه نسطوريوس وتمت على أساسه إدانته في مجمع أفسس عام 431م كهرطوقي.

 

 * المقصود هنا هو التعليم الخريستولوجي للمدرسة الأنطاكية التي ينتمي إليها نسطور وديودور الطرسوسي وثيؤدور المبسويستي.

#   أي أنه كان يأخذ التطرف العكسي المقابل للنسطورية.

[1]   من المعترف به أن التعليم الخريستولوجي غير الخلقيدوني هو استمرار للتفسير الكيرلسي لشخص المسيح، والذي نما بقوة في مواجهة تعليم المدرسة الأنطاكية. ولهذا، فليس من الغريب أن يكون الموقف غير الخلقيدوني منتقداً بشدة للموقف النسطوري. ولكن التوجه المضاد للنسطورية في الجانب الخلقيدوني ـ وبالأخص في وجود الزعم بأن مجمع خلقيدونية قد أخرج تكويناً يضم كل التقاليد الموجودة في الكنيسة ـ هو أمر لا يمكن تفسيره.

[2] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 120.

* لأن بعض ما يقولونه قد يكون صحيحاً

[3] Francis A. Sullivan, S. J., The Christology of Theodore of Mopsuestia, Romae, Apud Aedes Universitatis Gregorianae, 1956.

[4]  Rowan Greer, Theodore of Mopsuestia: Exegete and Theologian, The Faith Press, 1961.

[5]  R. A. Norris, Jr., Manhood and Christ, Oxford at Clarendon Press, 1963.

[6]  Sullivan, ibid., p. 283.

للرجوع إلى تعليقنا على الطريقة التي اتُهِم وأُدين بها ثيؤدور كهرطوقي في مجمع عام 553م، انظر صفحة 273. وكان الأساس الذي بنى عليه المجمع موقفه هو أنه كان مسئولاً عن ترسيخ الهرطقة النسطورية.

[7] Rowan Greer, ibid., 9.

[8] Sullivan, op. cit., p. 165.

[9]  المرجع السابق صفحة 185.

[10]  المرجع السابق صفحة 206.

[11]  المرجع السابق صفحة 205.

[12]  المرجع السابق صفحة 207.

[13]  المرجع السابق صفحة 215.

*   المنسوب لتوما الأكويني

[14]  المرجع السابق صفحة 164.

*  لأنه إذا كانت الأفعال البشرية المحدودة تنسب إلى الكلمة وهم قد افترضوا أنها تدل ضمناً على طبيعته فإن هذا يعني أن طبيعته محدودة

[15]  المرجع السابق صفحة 213.

[16]  للإطلاع على هذه الفقرة كما ترجمناها من الأصل السرياني، انظر صفحة 382. وقد تضمنها أيضاً كتاب: (Norris, op. cit., p. 215).

[17]  Norris, ibid., p. 215.

[18]  Sullivan, op. cit., p. 227.

[19]  انظر صفحة 430 وما يليها.

[20]  Sullivan, op. cit., pp. 283-4.

[21]  المرجع السابق صفحة 229 وما يليها.

[22]  المرجع السابق صفحة 245.

[23]  Norris, op. cit., p. 219.

[24]  المرجع السابق صفحة 219.

[25]  Sullivan, op. cit., p. 253.

الخريستولوجي غير الخلقيدوني مقارنة مع الخريستولوجي الأنطاكي ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

الجزء الأول: مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

4. يوحنا الدمشقي:

كان يوحنا الدمشقي راهباً رقد في حوالي منتصف القرن الثامن الميلادي، وكان بحق واحداً من أهم اللاهوتيين النظاميين في التقليد الكنسي الخلقيدوني في العصور القديمة. وقد قدَّم يوحنا الدمشقي في كتابه ’نبع المعرفة‘ (Fount of Knowledge)[1] عرضاً مختصراً للهرطقات المختلفة، وهذا العرض يستوجب الانتباه لأنه يُظهر مدى تشوه صورة الموقف غير الخلقيدوني لديه، وكانت تلك الصورة في الأغلب هي التي لدى كل الجانب الخلقيدوني بصفة عامة.

وفي كتابه ’الإيمان الأرثوذكسي‘ (Orthodox Faith) نستطيع أن نجد شرحاً نظامياً لعقيدة التجسد التي يتمسك بها الجانب الخلقيدوني في الشرق.

(أ) تقييم الجانب غير الخلقيدوني:

ذكر يوحنا الدمشقي في قائمة الهرطقات التي أشار إليها أربعة عناوين (أو مجموعات)، وقد قام بتقديم وصف لكل مجموعة منها. وكانت هذه المجموعات هي كالتالي:

-المصريون

-أتباع ساويروس (Severians)

-الذين يؤمنون بعدم قابلية جسد المسيح للفساد (Aphthartodocetae) *

-الذين يدّعون أن المسيح كان يجهل بعض الأمور (Agnoete) أو أتباع ثيميستيوس[2] (Themistians) #

وكان يوحنا الدمشقي يرى أن كل تلك الهرطقات هي أقسام مختلفة للهرطقة التي أسماها ’أتباع ساويروس (Severians)‘ أو ’أتباع ثيؤدوسيوس (Theodosians)‘. وكان خطأ ’المصريين‘ من وجهة نظر الدمشقي أنهم لم يقبلوا مجمع خلقيدونية وأنهم انتقدوه، وحيث إن قائدهم كان ثيؤدوسيوس لذلك دعاهم ’أتباع ثيؤدوسيوس‘.

أما وصفه لأتباع ساويروس فكان مثيراً للغاية، لأنه يبدو في الأغلب أنه لم يرى أياً من أعمال البطريرك ساويروس نفسه، ولذلك ففي تفنيده للموقف اللاهوتي لساويروس قام اللاهوتي الخلقيدوني ببساطة بذكر فقرات معينة من كتاب يوحنا فيلوبونوس الذي كان من جماعة المنادين بثلاثة آلهة في القرن السادس، وكان الكيان غير الخلقيدوني قد بادر بإدانة فيلوبونوس عدة مرات كهرطوقي.[3]

وبالنسبة لمن دعاهم (Aphthartodocetae) فكان يوحنا يشير إلى الجماعة التي تقتدي بشخصية وتعليم يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus). ولقد ذكرنا فيما قبل أن يوليان ومؤيده قيانوس السكندري ـ واللذين كانا بالنسبة ليوحنا الدمشقي من أتباع ساويروس ـ قد أدانهما الكيان غير الخلقيدوني تحت قيادة البطريرك ساويروس نفسه.[4] أما الجماعة الأخيرة والتي دعاها الدمشقي (Agnete) فهم شيعة ليس لدينا عنها أية معلومات.

وكانت كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي الأصلية المدونة باليونانية قد دُمرت بالكامل بأوامر الإمبراطور جوستينيان؛ ولكنها نجت بجملتها في ترجمتها السريانية فقط والتي كانت هي المتاحة في تلك الأزمنة القديمة. وعلى هذا فمن الممكن ألا يكون يوحنا الدمشقي قد قرأ أياً من أعمال البطريرك ساويروس الأنطاكي.

وفي كتابه ’الإيمان الأرثوذكسي‘ وصف الدمشقي البطريرك ساويروس بأنه تابع ’للمهلك ديسقوروس‘ ولأوطيخا و’رفقائهم الملاعين‘، كما قال عنه أنه قد علَّم بأن اتحاد الطبيعتين في المسيح قد حدث “بالامتزاج، والاختلاط والدمج والتحضير (أي تكوين منتج جديد)”.[5]

وكل هذه الحقائق تُظهر بوضوح أن يوحنا الدمشقي لم يتلقى معلومات حقيقية عن طبيعة الشقاق الذي حدث في الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية؛ كما تُظهر أيضاً أنه لم يكن لديه فهم صحيح للموقف اللاهوتي الذي يتمسك به الجانب غير الخلقيدوني. ومن ناحية أخرى وكما سنرى، فإن أي شيء ذو قيمة في التعليم الخريستولوجي للدمشقي، سنجد أننا نستطيع أن نتتبع أثره عند البطريرك ساويروس نفسه وبقية اللاهوتيين في الجانب غير الخلقيدوني.

(ب) يسوع المسيح، الله الابن المتجسد:

كان الفكر اللاهوتي ليوحنا الدمشقي هو في الواقع امتداد للتقليد الذي وضعه يوحنا النحوي ومؤلف كتاب ’الاقتباسات الكيرلسية‘. ولذلك زعم الدمشقي ـ متفقاً في ذلك مع النحوي ـ أن مصطلح ’طبيعة‘ في عبارة ’في طبيعتين‘ يدل على ’الأوسيا‘، وكان هذا المفهوم يخص بالتحديد ناسوت المسيح. كما تبع الدمشقي يوحنا النحوي أيضاً في إصراره على أن الناسوت لم يكن له هيبوستاسيس خاص به، وهذه العبارة يمكن أن تعني إما أن الله الابن اتخذ الناسوت كحقيقة عامة مجردة، أو أن الناسوت لم يصبح هيبوستاسيس بذاته (مستقلاً).

وكان النحوي قد تبنى المفهوم الأول مؤكداً في نفس الوقت أن الناسوت قد صار واقعاً خاصاً محدداً برغم أنه لم يكن واقعاً أقنومياً (hypostatic). ولكن الدمشقي اعترف بأن ناسوت المسيح لم يكن بغير هيبوستاسيس، لأن الله الكلمة أعطاه الهيبوستاسيس الخاص به. وهذا هو مفهوم ’التأقنم‘ (enhypostasia) أي أن الناسوت الذي لم يكن متأقنماً قد صار متأقنماً باستلامه الهيبوستاسيس الخاص بالله الكلمة.*

ويمكننا أن نرى في هذا التفسير  أن اللاهوتي الخلقيدوني يشرح مفهوم ’الهيبوستاسيس الواحد‘ للمسيح بحسب تعريف الإيمان الخلقيدوني، أي إنه هو هيبوستاسيس الله الابن. وفي التجسد وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً بأن قدم له الهيبوستاسيس الخاص به.

وهنا يبرز السؤال التالي: هل صار الناسوت واقعاً أقنومياً (hypostatic) في اتحاده بالله الكلمة، أم أن الجسد الذي له روح عاقل مفكر، والذي اتخذه الله الكلمة من رحم العذراء كجسده الخاص، كان ناسوتاً بالمعنى العمومي المجرد فحسب؟ فإذا كانت إجابة الدمشقي هي الحالة الأولى، فإن هذا بالتحديد هو ما كان يؤكد عليه البطريرك ساويروس الأنطاكي. ولكن هذا السؤال مع ذلك ليس من السهل الإجابة عليه.

ولا يقر الدمشقي أن ناسوت المسيح كان له الهيبوستاسيس البشري الخاص به، ولكنه مع ذلك ذكر في مواقف متعددة أن المسيح له شخص مركب[6] والذي اعتبرته بمعنى ’هيبوستاسيس مركب‘. وكما رأينا، كان ’الهيبوستاسيس المركب‘ عند البطريرك ساويروس يُعامل نفس معاملة ’الطبيعة المركبة‘،[7] وهو يعني كيان متفرد (مخصخص) تكوَّن نتيجة الوجود المتزامن لاثنين من الأوسيا معاً.

وفي تواجدهما المتزامن، يكون لكل واحد من الاثنين أوسيا، حقيقته الأقنومية في ’الهيبوستاسيس المركب‘. وعلى سبيل المثال فإنه في يسوع المسيح، وحَّد لاهوت الكلمة ـ الذي هو هيبوستاسيس أزلي ـ بنفسه ناسوتاً أصبح واقعاً أقنومياً (hypostatic) في اتحاده مع هيبوستاسيس الله الكلمة. فهل هذا هو المعنى الذي كان يقصده الدشقي في تأكيده أن يسوع المسيح هو ’شخص مركب‘*؟.

ومن المناسب هنا ـ ونحن نضع نصب أعيننا هذا السؤال ـ أن نقدِّم ملخصاً مختصراً للشرح اللاهوتي الذي قدَّمه الدمشقي عن شخص المسيح. فقد أكد يوحنا الدمشقي عقيدة الثالوث القدوس بكونه ثلاثة هيبوستاسيس في أوسيا واحد. وأقر أن الله الابن، أو الله الكلمة، الواحد من الثلاثة هيبوستاسيس، قد صار إنساناً.

وأن طبيعتي اللاهوت والناسوت قد اتحدتا أقنومياً (hypostatically) بدون أن تتغير واحدة منهما إلى الأخرى أو تختلط واحدة منها بالأخرى، وبدون أن تدخل الطبيعتان معاً في تكوين طبيعة واحدة (جديدة) كشيء ثالث (tertium quid[8] ولكن الطبيعتان تزامنتا معاً في اتحاد أقنومي (hypostatic union) بواسطته صار ’هيبوستاسيس‘ الله الابن هو ’هيبوستاسيس‘ يسوع المسيح[9] الذي يتركب من ويوجد في الطبيعتين اللتين بقيتا كاملتين وصحيحتين حتى بعد الاتحاد.

وهكذا فإن المسيح الواحد يتضمن المخلوق وغير المخلوق، الفاني وغير الفاني بدون اختلاط، ويوجد بينهما تبادل للخصائص الذي من خلاله “يجعل الكلمة الأشياء البشرية خاصة به، لأن ما يخص جسده المقدس ينتمي له؛ والأشياء التي تخصه (أي التي تخص الكلمة) أوصلها إلى جسده”.[10] 

وبقيت الطبيعتان بكل خواصهما وملكاتهما في الهيبوستاسيس الواحد، ولذلك استمر المخلوق مخلوقاً واستمر غير المخلوق غير مخلوق، واحتُفظ بالاختلافات التي بينهما كما هي في المسيح الواحد.[11]

أما السؤال عن كيفية تصور وحدة المسيح فقد شرحها يوحنا الدمشقي على النحو التالي: عندما تجسد الله الابن، وحَّد بنفسه جسداً مُحيَ بروح عاقل مفكر وجعله جسده الخاص.

ولكن “جسد الله الكلمة لم يكن كائناً بشكل مستقل، ولا كان هناك شخص آخر بجانب شخص كلمة الله. وإنما على العكس ففي شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية (تأقنم)، ولم يصبح (الجسد) شخصاً كائناً في استقلالية بذاته. ولهذا السبب لم يكن (الجسد) تنقصه الشخصية ولا أدخل شخصاً آخر في داخل الثالوث.”[12]

وبالنسبة لتلك الفقرة التي تعتبر هي الحاسمة في فهم التعليم الخريستولوجي الرسمي للجانب الخلقيدوني في الشرق، فإنها لا تحتوي إلا على نقطة واحدة كان من المحتمل أن يطلب ساويروس عنها توضيحاً. وهذه النقطة تتعلق بالسؤال الذي ذكرناه آنفاً وهي بالتحديد التي جاءت في عبارة: “في شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية”.

وقد عبَّر الدمشقي في الحقيقة بهذه الكلمات عن نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) الخاصة باتحاد الطبيعتين في المسيح الواحد. وكان يعني بالتأكيد أن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، صار متجسداً بأن وحد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية بالإضافة إلى اللاهوت الذي هو طبيعته الخاصة، ولذلك فإن يسوع المسيح هو هيبوستاسيس واحد يُعرف في طبيعتين.

وتتضمن نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia)، بالشكل الذي اعتنقها به اللاهوتيون الخلقيدونيون، اهتمامين أساسيين. أولاً، كانت تلك النظرية تسعى لكي تستبعد عقيدة وجود أربعة أقانيم (بعد التجسد) بدلاً من الثالوث، وكان هناك اعتقاد أن التأكيد الأنطاكي على أن ’الطبيعة‘ هي مرادف ’للهيبوستاسيس‘[13] يمكن أن يؤدي إلى موقف مثل هذا، ولذلك قصدت نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) أن تُظهر أن تعريف الإيمان الخلقيدوني قد تجنب هذه الاحتمالية. ثانياً، كانت النظرية تهدف إلى تأكيد وحدة شخص (هيبوستاسيس) المسيح مع الحفاظ في نفس الوقت على حقيقة الطبيعتين.

وكان كل من الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني يوافق على هذا الأمر، ولكن الأخير كان قد عبَّر عنه بدون نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia)، أما الأول فقد قدَّم تلك النظرية على أمل أنه يستطيع من خلالها أن يستبعد بنجاح الهرطقة التي كان يتصورها عند المعارضين لمجمع خلقيدونية. ونجد أن الدمشقي على سبيل المثال يقوم بعرض نفس النقطة مرات عديدة:[14]

“لأنه اتخذ باكورة جسدنا البشري، ليس ككائن بذاته وكشخص (قد تكوَّن) مسبقاً ثم أخذه على هذا النحو، ولكن (كجسد) أخذ وجوده في شخصه (أي في شخص الكلمة). وهكذا فإن شخص الكلمة صار هو شخص الجسد”.*

والقول إن الطبيعة البشرية قد تخصخصت (تفردت) (individuated) قبل الاتحاد كان بالنسبة لكلا الجانبين هو تعليم المدرسة النسطورية.

وكان يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي قد عبرا ـ كما ذكرنا قبلاً ـ عن قبولهما لعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. ولم يكن البطريرك ساويروس يعارض رؤية الدمشقي في أن مصطلح ’طبيعة‘ الوارد في تلك العبارة كان يقصد به حقيقة اللاهوت العمومية التي هي أزلياً بكمالها في الله الكلمة.[15]

وأصر يوحنا الدمشقي على أن ق. كيرلس السكندري قد أكد أن لاهوت الكلمة في التجسد، وحَّد البشرية في شخصه، لذلك نستطيع أن نقول أن “اللاهوت اتحد بالبشرية في واحد من أشخاصه (أقانيمه)”، وكذلك أن “الله أخذ جوهرنا في اتحاد مع نفسه”.[16]

وكان يوحنا الدمشقي واضحاً في أن الله الابن لم يُنزل جسده من السماء،[17] ولكنه بسكناه في رحم العذراء، وبدون أن يخضع لأي تغيير في ذاته، صار جسداً وولد منها. ولم تلد العذراء مجرد رجل وحسب، ولكن الله الذي صار جسداً:

ولذلك فهي والدة الإله (ثيؤطوكس). وتحدث الدمشقي بمنتهى الوضوح عن المفهوم الخلاصي وراء هذه التأكيدات، حيث أقر أن الله الابن  صار إنساناً لأن “الطبيعة ذاتها التي أخطأت وسقطت وأصبحت فاسدة، ينبغي أن تتغلب على الطاغية الذي خدعها”.[18] وكان البطريرك ساويروس قد أكد نفس هذا المفهوم مراراً في مقاومته ليوليان أسقف هاليكارنيسوس.[19]

والسؤال الآن بعد عرضنا لتعاليم الدمشقي: هل توجد هناك أي فكرة في تعاليم الدمشقي ـ ماعدا ما يخص مسألة الحالة الأقنومية لناسوت المسيح ـ لم يقم البطريرك ساويروس واللاهوتيون غير الخلقيدونيين بتأكيدها مراراً وتكراراً؟.

(ج) إرادتان وفعلان:

يؤكد الدمشقي أنه تطابقاً مع (وجود) الطبيعتين فإن ليسوع المسيح “مجموعة مزدوجة من الخواص الطبيعية تنتمي إلى الطبيعتين: أي إرادتين طبيعيتين الإلهية والبشرية، فعلين طبيعيين إلهي وبشري، حكمة ومعرفة إلهية وأخرى بشرية”.[20] ومع ذلك أصر الدمشقي أنه في كلتا الطبيعتين يكون نفس الشخص هو الذي يعمل ويريد. كما أقر أن العدد “يُظهر الاحتفاظ والإبقاء على الطبيعتين حتى في الاتحاد، ولاشيء غير ذلك”.[21]

وأكد يوحنا أن آدم سقط من خلال استعمال الإرادة، ولذلك ـ تمشياً مع ق. غريغوريوس النزينزي ـ قال الدمشقي أنه لو لم يكن الله الكلمة قد أخذ إرادة بشرية لما كان من الممكن أن نتحرر من الخطية، وبالتالي فإن رفض الاعتراف بالإرادة البشرية في المسيح هو حكم بالإدانة على خليقة الله.[22]

وكان يوحنا قد ميَّز بين ’الإرادة‘ (willing) والكيفية التي يريد بها كل واحد (how one wills)، كما طبَّق نفس التمييز على ’الفعل‘ أيضاً. فالإرادة والفعل ـ عند الدمشقي ـ هما من ملكات الطبيعة،* ولكن الطريقة التي بها يريد أو يفعل أي واحد تتوقف على الشخص.[23]

فالطبيعة ممنوحة ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل)، ولكن الإرادة والعمل الفعليين يتممهما الشخص. وفي يسوع المسيح، كان كل من اللاهوت والناسوت يمتلك ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) الخاصة به، ولكن الشخص الذي “يريد إلهياً فيه ويريد بشرياً هو نفس (الشخص) الواحد”.[24]

وبمقارنة هذه المفاهيم عند الدمشقي مع الموقف الذي تمسك به البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني، سنجد أنه بصرف النظر عن الاختلاف في المصطلحات المستخدمة في ’إرادتين‘ و’فعلين‘ عند الأول و’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ عند الأخير، فإنهما يتفقان في التأكيد على أن الطبيعتين استمرتا صحيحتين (كاملتين دون أي نقصان) في المسيح الواحد بدون اختلاط أو انقسام، بحيث أن قدراتهما وخواصهما كانتا فيه (أي في المسيح) كاملتين بصورة ديناميكية، وأن الإرادة والعمل الفعليين يتممهما شخص الله الكلمة المتجسد الواحد. وفي الحقيقة كان سؤال الدمشقي:[25]

“ما هو العائد الذي يمكن أن نأخذه من التجسد، لو أن ذاك الذي عانى أولاً (أي الناسوت) لم يتم خلاصه وتجديده أو تقويته من خلال اتحاده مع اللاهوت؟”

وهذا السؤال كان من الممكن أن يسأله البطريرك ساويروس أيضاً، لأنه كان قد أكد أن:[26]

“الله الكلمة الذي أحضرنا إلى الوجود، والذي بواسطته عمل الآب كل الأشياء، عندما أراد ـ من قبل رحمته فقط ـ أن يُرجع من سقط إلى رتبته الأصلية وأن يعيد إليه نعمة عدم الفساد، لم يفعل ذلك من خلال ممارسة القوة (العليا) مستخدماً القدرة الإلهية.

ولكنه على العكس، وتمشياً مع كلمة العدل، جعل الذي سقط أن يحارب ثانية في المعركة… وكان من الضروري للإنسان أن ينال إكليل النصرة على الشيطان الذي كان قد سبق وخدعه وهزمه”.

وأصر البطريرك ساويروس أنه لذلك وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً ممنوحاً كل الخواص والقدرات الإنسانية، والذي كان بحسب الطبيعة قابلاً للموت والتألم. وأراد الله الابن للناسوت أن يقوم بكل أدواره الطبيعية في عمل الفداء الذي جاء ليتممه، لأن ذلك كان ضرورياً لخلاصنا بحسب العدل الإلهي.

ومن أجل هذا السبب، جعل الناسوت يخوض كل مسالكه الطبيعية بدون أي نقصان. وإذا وضعنا كل هذه المفاهيم في الاعتبار، نستطيع أن نقول أن اللاهوتيين الخلقيدونيين لم يحافظوا ـ باستخدام تعبير ’إرادتين‘ و’فعلين‘ وغيرها ـ على أي فكرة لاهوتية فعالة، لم يكن البطريرك ساويروس قد تمسك بها بالفعل وحفظها.

          وقبل أن ننهي هذا النقاش ينبغي علينا أولاً أن نذكر نقطتين هامتين تكلم عنهما يوحنا الدمشقي بخصوص ’الإرادة‘ و’الفعل‘: النقطة الأولى هي أنه بينما توجد إرادتان وفعلان في المسيح، إلا أن الإرادة البشرية كانت خاضعة وطائعة للإرادة الإلهية، وكان الفعل البشري يعمل وفق الفعل الإلهي تماماً. وعلى هذا النحو لم يكن هناك أي تضارب في المسيح. وكتب يوحنا الدمشقي في هذا الصدد:[27]

“وحيث إنه كان إلهاً كاملاً مع إنسانيته، وكان إنساناً كاملاً مع إلوهيته، فإنه كإنسان أخضع إنسانيته في ذاته ومن خلال ذاته لله الآب، وصار مطيعاً للآب، وبالتالي وضع لنا أسمى مثال ونموذج”.

أما النقطة الثانية، فهي أنه كان يوجد تبادل للإرادة والفعل بين الطبيعتين. وقد كتب يوحنا عن ذلك: أنه بالرغم من أن الطبيعتين بقيتا غير مختلطتين وظلت خواصهما كاملتين بدون نقصان، إلا أن الجسد بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ (الأقنومي) اغتنى بالأفعال الإلهية (divine operations)؛ ولكن بدون أن يفقد الجسد أي من خواصه الطبيعية بأي شكل من الأشكال.[28]

ولذلك كان الجسد نفسه قابلاً للفناء ومعطياً الحياة في ذات الوقت: قابلاً للفناء بالطبيعة، ومعطياً الحياة بفضل الإتحاد الهيبوستاسي.

          وعلاوة على ذلك، أصر الدمشقي أنه كان هناك تأليه للإرادة الإنسانية (في المسيح)، وبواسطة هذا التأله صار الجسد ـ بدون أن يخضع لأي تحول في وضعه الطبيعي ـ متحداً مع الإرادة الإلهية الفائقة. وأكد يوحنا أنه عندما صار الله متجسداً “فإن فعله الإنساني كان إلهياً، أي أنه قد تأله. ولم يكن (الفعل الإنساني) مستبعداً من فعله الإلهي، ولا كان فعله الإلهي مستبعداً من فعله الإنساني. وإنما على العكس كان كل واحد منهما موجوداً في الآخر”.[29]

          وهنا يبرز مرة أخرى السؤال التالي: هل كانت الطبيعة الإنسانية (في المسيح) في الحالة الأقنومية (hypostatic) أم كانت ناسوتاً بالمعنى العمومي المجرد؟. فلو كان الاحتمال الثاني هو ما أراد الدمشقي بالفعل أن يؤكده، فإن كلامه عن تأله ناسوت المسيح سيقتضي وجود معنى من الممكن ألا يقبله البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني.

لأنه قد يعني على سبيل المثال أن الناسوت المتكون من جسد بشري ممنوح روح عاقل مفكر ـ بما أنه ليس إلا طبيعة في معناها العمومي المجرد ـ قد احتاج إلى فاعل (subject) يعبِّر عن خواصه وملكاته. ولو قيل أن هذا الفاعل كان هو الله الكلمة، فسيعني ذلك أن كل شيء بشري في المسيح كان يُعبر عنه إلهياً، أما الأشياء الإلهية فلم يُعبر عنها إنسانياً،* فهل يمكن أن يزعم موقف مثل هذا أنه بالحقيقة موقف أرثوذكسي؟ وهل كان الدمشقي يتمسك بالفعل بهذه الرؤية؟.

وبالنسبة لمسألة ’الفعل‘ (operation)، توجد مناقشة حول هذا الأمر في خطاب البطريرك ساويروس إلى سرجيوس النحوي.[30] وكان البطريرك ساويروس قد ذكر في ذلك الخطاب أن اللاهوت والناسوت كانا مستمرين بكل خواصهما في المسيح الواحد.

وبخصوص ’الفعل‘، ميَّز البطريرك ساويروس بين ’الفاعل subject‘ و’المفعول به object‘ و’الفعل operation‘ نفسه،[31] وأكد أن ’الفعل‘ هو حركة الشخص لينجز عملاً ما. ولذلك فإن ’الفعل‘ و’الإرادة‘ وما يشابههما ليست عند البطريرك ساويروس هي مجرد ملكات (قدرات) للطبيعة؛ ولكنها تعبير (expression) عن تلك الملكات.

فالإرادة في المسيح على سبيل المثال، هي التعبير المتحد(united)  لملكتي (أو قدرتي) الإرادة اللتين للاهوت والناسوت (معاً)، وكذلك ’الفعل‘ هو التعبير المتحد لملكتي العزم على الفعل اللتين لهما ـ وكل من ’الإرادة‘ و’الفعل‘ يعبر عنهما (أو يُظهرهما) الشخص (الواحد) المركب. ويقول البطريرك ساويروس:[32]

“لقد كابد الرب الشعور الشديد بالجوع الذي يستحث التوق إلى الطعام. ولذلك فإن الآلام الإرادية (البريئة مثل الجوع) التي سمح بها الكلمة لم تكن بدون فعل (operation)؛ ولكن كان هناك فيه (أي في المسيح) تحريك لهذه الأفعال. ورغم ذلك كانت تلك (الأفعال) خاضعة لقوة الله غير المغلوب..”

ومرة أخرى يقول البطريرك ساويروس:[33]

“وبموته قهر مخلصنا الموت، وهكذا يتضح أنه لو لم يمت لما كان من الممكن أن يَبطل الموت. ونفس الأمر ينطبق على كل ألم من آلام (أو ضعفات) الجسد: فإذا لم يَخَف لما كان ممكناً للطبيعة أن تتحرر من الخوف”.

ومن هنا نرى أن الفرق بين الدمشقي والبطريرك ساويروس ـ فيما يخص مسألة ’الإرادة‘ و’الفعل‘ ـ لم يكن أن الأول أقر بحقيقتيهما بالنسبة للاهوت والناسوت وأن الأخير لم يفعل ذلك، ولكن الحقيقة أنه لو كان يمكن للدمشقي أن يؤكد على الحالة الأقنومية للناسوت، لكان للإثنين (الدمشقي وساويروس) تقريباً نفس جوهر الموقف اللاهوتي.

أما فيما يتعلق بالقضية التي أثارها يوليان أسقف هاليكرنيسوس، فقد احتفظ يوحنا الدمشقي بأفكار معينة كان البطريرك ساويروس قد رفضها بالفعل، لأن الدمشقي لا يذكر غير خطأ واحد كبير في موقف يوليان و قيانوس (Gaianos)، بينما كان ذلك الموقف بالنسبة للبطريرك ساويروس يتضمن عدة أخطاء. وكما ذكرنا قبلاً،[34] كان يوليان يصر على عدم قابلية جسد ربنا للفساد حتى قبل القيامة، معتمداً على وجهة نظر لاهوتية شاملة. ولم يعر الدمشقي التفاتاً لوجهة النظر اليوليانية ككل، ولكنه رأى أن خطأ يوليان وقيانوس الوحيد هو إصرارهما على أن جسد المسيح كان غير قابل للفساد قبل القيامة.

وكان تعليم يوليان يشتمل على النقاط التالية:

  • لم تكن الآلام (البريئة) والموت جزءاً من الناسوت الأساسي (الأصلي)، ولكنهما دخلا الخبرة الإنسانية بسبب سقوط آدم.
  • اتخذ الله الابن في تجسده ناسوتاً أساسياً، وبالتحديد ناسوت آدم قبل السقوط. ولذلك لم يكن الناسوت في ذاته خاضعاً للألم والموت.
  • ولا يعني هذا أن آلام المسيح وموته كانا غير حقيقيين؛ بل كانا بالقطع حقيقيين بسبب أنه (أي المسيح) تحملهما إرادياً من أجلنا.
  • وعلى هذا الأساس، أصر يوليان على أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد منذ لحظة الحمل به في رحم العذراء.

وفي أثناء دحضه ليوليان، قام البطريرك ساويروس بالتشكيك في كل تلك المزاعم حيث أكد أن الناسوت المخلوق سواء كان قد سقط أم لا، فإنه بالطبيعة خاضع للجوع* والعطش والتعب والألم النفسي و(قابل) للموت، وبسقوط آدم حُرم فقط من وعد الحياة الأبدية الذي كان الله قد أعطاه له في البداية، وكان هدف التجسد هو استعادة ذلك الوعد للإنسان.

وقد وحَّد الله الابن ناسوتنا بنفسه في التجسد، وليس ناسوت آدم قبل السقوط، وذلك بالرغم من أنه كان بلا خطية. وكانت آلام وموت المسيح ’إرادية‘ من جهة الله الابن، ولكنها كانت ’طبيعية‘ من جهة ناسوت المسيح.

وكان يوحنا الدمشقي متفقاً مع البطريرك ساويروس في التسليم بأن يوليان وقيانوس كانا مخطئين في وصفهما لجسد ربنا أنه كان غير قابل للفساد قبل القيامة، ولكن يبدو أن الدمشقي كان متفقاً مع يوليان في الاعتراف بأن الآلام الطبيعية البريئة مثل الجوع والعطش والتعب والألم والانزعاج من الموت وغيرها، “والتي ليست تحت سيطرتنا”، “قد دخلت إلى حياتنا كنتيجة للإدانة التي حدثت بسبب السقوط”.[35] ومرة أخرى يتفق الدمشقي بصورة أكثر خطورة مع خطأ يوليان ويقول بإصرار:[36]

“وحيث إن ربنا يسوع المسيح كان بلا خطية، فإنه لم يكن خاضعاً للموت بالرغم من أن الموت كان قد دخل إلى العالم بالخطية. ولذلك خضع للموت من أجلنا، ومات وقدَّم ذاته للآب ذبيحة لأجلنا”.*

ويمكننا أن نقارن كلام يوحنا الدمشقي مع الفقرة التالية للبطريرك ساويروس:[37]

“فلو كان عمانوئيل يريد أن يتحد مع جسد غير قابل للموت وغير قابل للتألم ويحارب المعركة من أجلنا، فماذا كانت حاجته لأن يتجسد وهو بالطبيعة له عدم قابلية الألم وعدم قابلية الموت؟”.

إذن فعند البطريرك ساويروس، كان الاعتراف بأن ناسوت المسيح كان غير قابل للألم وغير قابل للموت هو إنكار للتجسد عينه. ومرة أخرى نجده يقول:[38]

“لقد أبطل عمانوئيل موت جسده بواسطة القيامة من الأموات. ولهذا فلو كان الجسد غير قابل للموت ـ كما يجازف الموقر يوليان بهذا الوصف ـ لكان الموت الخلاصي وهمياً وخيالياً وحسب. لأن الجسد القابل للموت هو الذي يموت”.

وإذا أخذنا تلك الفقرة في الاعتبار ـ مع فقرات عديدة أخرى من كتابات البطريرك ساويروس ـ يمكننا أن نقول بكل يقين إنه على الرغم من أن يوحنا الدمشقي كان قد زعم أن اليوليانية مشتقة من هرطقة ’أتباع ساويروس‘، إلا أنه هو نفسه كان محتفظاً بتعاليم يوليان التي كان البطريرك ساويروس يرفضها بثبات.

(د) نقاط الاتفاق والاختلاف:

كان الطرفان (الخلقيدوني وغير الخلقيجدوني) يتفقان على النقاط التالية:

  • إن يسوع المسيح هو الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، الذي تجسد من أجل خلاص العالم.
  • إنه في التجسد، لم يوَّحد الله الابن بنفسه ناسوتاً كان قد تكوَّن من قبل في الرحم؛ ولكن الناسوت تكوَّن فقط في الإتحاد مع الله الابن.
  • وحيث إن العذراء ولدت الناسوت المتحد هيبوستاسياً مع الله الابن، فإنها هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘.
  • وبما أن الاتحاد هو اتحاد هيبوستاسي، فإن يسوع المسيح هو شخص واحد أو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد.
  • إن الناسوت كان كاملاً وحقيقياً، ولذلك كانت كل الخواص والملكات البشرية ماخلا الخطية (والتي بالتأكيد ليست جزءاً من جوهر الناسوت) موجودة في المسيح الواحد بصورة ديناميكية وبدون أي نقصان.

     

  • إن الناسوت لم يتغير إلى اللاهوت ولا فُقد بسبب ’تفوق‘ (preponderance) اللاهوت.
  • إن الناسوت ظل في الاتحاد بكل حقيقته وسلامته كناسوت مخلوق.
  • إن الناسوت أُعيد إلى علاقته الأصلية مع الله، وأن يسوع المسيح سيظل بالنسبة لنا ’الله – الإنسان‘ (الله المتأنس) الذي فيه ومن خلاله دخل الله والإنسان في اتحادهما النهائي.

ومع ذلك كان هناك عدم اتفاق بين الجانبين في النقاط التالية:

  • عبَّر اللاهوتيون الخلقيدونيون عن قبولهم لكل العبارات السكندرية بما في ذلك عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وفي أثناء ذلك أخذوا كلمة ’طبيعة‘ الموجودة في عبارات مثل “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمعنى ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة). ولكن البطريرك ساويروس أصر على أن هذا المعنى لا يمكنه أن يحمي الحقيقة التاريخية للمسيح، والتي ينبغي ـ لكي نحافظ عليها ـ أن نؤكد على الحقيقة الأقنومية (hypostatic reality) للطبيعتين اللتين اتحدتا.

     

  • لقد اعترف الدمشقي بتعبير ’شخص مركب‘ أو ’هيبوستاسيس مركب‘ في إشارته للمسيح، ولكنه لم يوضح ماذا كان يعني بهذا التعبير.* وكما رأينا، كان هذا التعبير يعني بالنسبة للبطريرك ساويروس أن الهيبوستاسيس الواحد للمسيح قد تكوَّن بالوجود المتزامن للاهوت الابن وللناسوت الذي صار متفرداً ومخصخصاً (individuated) في الاتحاد.

    وبهذه الطريقة حافظ البطريرك ساويروس على الحالة الأقنومية للناسوت، وكذلك أصبح من الممكن لنا أن ندرك ذهنياً (في المسيح) إمكانية التعبير عن القدرات والخصائص الإلهية بشرياً بجانب التعبير عن القدرات والخصائص البشرية إلهياً. فإذا لم يكن يوحنا الدمشقي يحافظ على هذا المفهوم، فلن يستطيع أن يؤكد وجود تعبير بشري حقيقي في المسيح الواحد.
    وهذه في الحقيقة تعتبر نقطة اختلاف خطيرة بين الجانبين، ونحن نعتقد أنه لا يمكننا هنا أن نتجاهل أفضلية الموقف الذي حفظه البطريرك ساويروس عن التعليم الذي قدَّمه يوحنا الدمشقي.

  • لا يعتقد البطريرك ساويروس أن تعبيرات مثل “في طبيعتين”، و”إرادتين”، و”فعلين” هي ضرورية من أجل الإقرار بوجود ناسوت حقيقي في المسيح متحداً مع اللاهوت. كما أن هذه التعبيرات من وجهة نظره، لا تستطيع أن تصون (مفهوم) وحدة المسيح بالمعنى الحقيقي.
  • بالنسبة لقضية يوليان، لم يجد يوحنا الدمشقي خطأ في تعليم أسقف هاليكرنيسوس إلا فيما يتعلق فقط باستنتاجه اللاهوتي بأن جسد ربنا كان غير قابل للفساد قبل القيامة. أما بالنسبة لافتراضات يوليان (الأخرى)، فقد سعى يوحنا للحفاظ عليها.
  • أصر الدمشقي على تأله ناسوت المسيح بصورة أكثر تطرفاً مما فعل البطريرك ساويروس.*

    فإذا لم يكن الدمشقي يؤيد التأكيد على ’الحالة الأقنومية‘ لناسوت المسيح، يكون لهذا الأمر تبعاته المؤثرة، لأنه سيتحتم عندئذ ـ كما رأينا ـ أن يتم التعبير عن الخصائص والملكات البشرية بواسطة هيبوستاسيس الله الابن. وقد أعطى هذا (الفهم) ليوحنا الأساس لتعاليمه التي اشتملت على إصرار مغالى فيه على تأله ناسوت المسيح.

 

  • ألقى يوحنا الدمشقي اللوم على “ذلك الغبي بطرس القصّار” لإدخاله إضافة “الذي صُلب عنا” في تسبحة الثلاثة تقديسات (Trisagion)، وذلك على أساس أن هذه التسبحة مقدمة للثالوث القدوس وأن الثالوث لم يُصلب. ومع ذلك أمكن للدمشقي (في نفس الوقت) أن يقر أن “واحداً من الثالوث تألم في الجسد”.
    وحيث إن تسبحة الثلاثة تقديسات التي نشأت في الكنيسة السريانية، كانت تُقدم ـ في تلك الكنيسة ـ للابن وليس للثالوث، فإن اعتراض يوحنا على تلك الإضافة يصبح بلا أي تأثير على الإطلاق.[39]

 

ويُظهر العرض السابق لنقاط الاتفاق والاختلاف في التعليم الخريستولوجي بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، أن وصف الخلقيدونيين لغير الخلقيدونيين بأنهم ’مونوفيزايت‘ (أي أصحاب الطبيعة الوحيدة) لا أساس له على الإطلاق. وفي الحقيقة، إذا قارنا بين التعليم الخريستولوجي عند يوحنا الدمشقي وعند البطريرك ساويروس الأنطاكي سنجد أن الأخير هو الذي رفض واستبعد كلاً من ’اليوليانيزم‘ و’المونوفيزيتيزم‘ بصورة أكثر ثباتاً وفعالية من الأول.

ومن هنا نرى أن رجال التقليد الكنسي الشرقي الذين رفضوا قبول مجمع خلقيدونية، كانوا قد تبنوا هذا الموقف (الرافض للمجمع) ليس من منطلق عدم جديتهم بالنسبة لحقيقة وكمال ناسوت المسيح ولكن بسبب أنهم رأوا في طومس ليو وفي اعتراف الإيمان الخاص بالمجمع بالإضافة إلى عبارة “في طبيعتين” موقفاً لاهوتياً لا يمكنهم أن يقبلوه بأمانة في ضوء تقليدهم اللاهوتي.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني قام في نفس الوقت برفض واستبعاد كل الهرطقات المعروفة بصورة أكثر وضوحاً مما فعله الخلقيدونيون في أي وقت مضى خلال العصور القديمة. وعلاوة على ذلك، كان تعليمهم الخريستولوجي يقر بكمال ناسوت المسيح بأكثر التعبيرات تحديداً وقوة، ولذلك كان فهمهم للحقيقة التاريخية لحياة المسيح البشرية أكثر تفوقاً من فهم الجانب الخلقيدوني لها في الشرق على الأقل.

[1]  ويحتوي كتاب: (St., John of Damascus: writings, op. cit.) على هذا العمل في جزئه الأول.

*   الأصل اليوناني للكلمة يتكون من مقطعين، الأول (¥φθαρτος) ويعني غير القابل للفساد والثاني (δοκšω) ويعني يعتقد.

[2] St., John of Damascus: writings, op. cit.,

#   كان ثيميستيوس معلماً سكندرياً في القرن السادس نادى بأن المسيح كان يعاني الجهل (ignorance) ببعض الأمور.

[3]  انظر صفحة 281 وما يليها وصفحة 297 وما يليها.

[4] انظر صفحة 250 وما يليها وصفحة 406 وما يليها.

[5] John of Damascus, op. cit., p. 273.

* انظر مدلول الهيبوستاسيس عند يوحنا الدمشقي في الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[6] John of Damascus, op. cit., p. 274 & c.               

[7]  كتب يوحنا الدمشقي أن المسيح هو “طبيعة مركبة” ليس بمعنى الشيء الجديد الناتج عن شيئين. (المرجع السابق صفحة 271).

*   كان الدمشقي يعتبر أن المسيح هو هيبوستاسيس مركب لأن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، صار متجسداً بأن وحد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية بالإضافة إلى اللاهوت الذي هو طبيعته الخاصة وبالتالي أصبح هيبوستاسيس يملك طبيعتين ولذلك فهو هيبوستاسيس مركب.

أما البطريرك ساويروس فقد كان يرى مثل ق. كيرلس أن المسيح هو هيبوستاسيس مركب لأنه تكوَّن من اتحاد هيبوستاسيس الله الكلمة مع الناسوت وهو في الحالة الهيبوستاسية، ومن هنا هو هيبوستاسيس مركب. (للمزيد انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب)

[8]  John of Damascus, op. cit., p. 271.

[9]  كتب يوحنا الدمشقي: “إن ميلاد ربنا لم يكن بزرع (بشر)، ولكن بالخلق بواسطة الروح القدس، والتشكل لم يكن بتجميع جزء مع جزء ولكن اكتمل ككل مرة واحدة مع الله الكلمة نفسه الذي كان هو شخص الجسد”. (المرجع السابق صفحة 270). وعلى الجانب الآخر، أصر الدمشقي أن الطبيعتين اتحدتا الواحدة مع الأخرى في شخص واحد مركب”. (المرجع السابق صفحة 274).

[10] المرجع السابق صفحة 274.

[11]  أكد الدمشقي أن “الطبيعتين بعد الإتحاد، قد حُفظتا (كاملتين) في الشخص المركب، أي في المسيح الواحد، وأنه كان لهما مع خواصهما الطبيعية وجود حقيقي”. (المرجع السابق صفحة 277).

[12]  المرجع السابق صفحة 287.

[13]  انظر صفحة 536 وما يليها.

[14]  المرجع السابق صفحة 290.

*   هناك فرق في المدلول اللاهوتي بين قول يوحنا الدمشقي أن شخص الكلمة صار هو شخص الجسد، وبين تعليم ق. كيرلس والبطريرك ساويروس أن شخص المسيح هو شخص الكلمة المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

[15] انظر صفحة 499.

[16] المرجع السابق صفحة 291.

[17] المرجع السابق صفحة 292.

[18] المرجع السابق صفحة 293.

[19] انظر صفحة 413 وما يليها.

[20] John of Damascus, op. cit., p. 296.

[21] المرجع السابق صفحة 297.

[22] المرجع السابق صفحة 301.

*  انظر الفرق بين تفسير الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني للإرادة والفعل بالحاشية صفحة 495.

[23] المرجع السابق صفحة 297.

[24] المرجع السابق صفحة 298.

[25] المرجع السابق صفحة 318.

[26] La Polemique…. I, pp. 36f.

[27] John of Damascus, op. cit., p. 320.

[28] المرجع السابق صفحة 317.

[29] المرجع السابق صفحة 323.

*  وهذا الشرح يتعارض مع مفهوم التأله نفسه.

[30] انظر صفحة 404 وما يليها.

[31] Ad Nephalium, op. cit., pp. 82f.

[32] La Polemique…. II B, p. 193.

[33] Ibid., I, p. 134.

[34] انظر صفحة 406 وما يليها.

* كان آدم يأكل قبل السقوط حسبما أمره الله (تك 1: 29، 2: 16).

[35] John of Damascus, op. cit., p. 323.

[36] المرجع السابق صفحة 332.

*  هذا الكلام يتعارض مع تعليم ق. أثناسيوس عن جسد المسيح حيث يقول: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61).

[37] La Polemique…. I, p. 130.

[38] La Polemique…. II A, p. 20.

* انظر الحاشية صفحة 511.

*    إن التأله عند غير الخلقيدونيين كان بسبب أن الناسوت المخصخص قد اتحد هيبوستاسياً بالله الابن وصار جسده الخاص بالتالي كان هناك تبادل للخواص بين اللاهوت والناسوت.

أما التأله عند الدمشقي فكان بسبب أن الناسوت لم يكن في الحالة الأقنومية وبالتالي صار هيبوستاسيس الله الابن هو الهيبوستاسيس الخاص به وهو الذي يقوم فيه بكل ما هو بشري.

[39]  يقدم البطريرك ساويروس في عظته رقم 125 شرحاً لتسبحة الثلاثة تقديسات (Trisagion). انظر صفحة 217.

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

لابد وأنه قد أصبح واضحاً الآن، بعد كل الفحص السابق للتاريخ والفكر اللاهوتي، أن التقييم التقليدي للموقف غير الخلقيدوني من جانب الخلقيدونيين لم يعتمد على أي أساس حقيقي لا في تاريخ الصراع نفسه ولا في وجهة النظر العقائدية التي تمسك بها غير الخلقيدونيين. ويمكننا أن نرى هذه الحقيقة في أجلى صورها عندما نقارنها بالموقف الخريستولوجي الذي تبناه الجانب الخلقيدوني منذ القرن السادس.

وكما ذكرنا، كان الكيان الخلقيدوني وبالأخص في الشرق، قد حاول بطرق متعددة أن يُصلح العيوب التي أشار إليها معارضوه، ولكن بدون أن يعترف أن مجمع خلقيدونية ينبغي أن يُلام في أي شيء. وكان هذا هو الإطار الذي قدم فيه الجانب الخلقيدوني شرحه الخريستولوجي في القرنين السادس والسابع.

ويتعين علينا الآن أن ننظر بإيجاز في الموقف الذي تمسك به الجانب الخلقيدوني، ونرى إذا كان ـ بالرغم من دفاعه عن مجمع عام 451م ـ قد قدَّم بالفعل رؤية أكثر ملاءمة وقبولاً لبشرية المسيح من تلك التي أكدها الجانب غير الخلقيدوني، كما ادعى ذلك الباحثون المؤيدون لخلقيدونية.

وسوف نقوم في سبيل هذا البحث، بفحص الموقف العقائدي الذي تبناه مجمعا القسطنطينية عام 553م، وعام 680 – 681م على الترتيب، وهما اللذان يعتبرهما الكيان الخلقيدوني مجمعين مسكونيين،* وسوف نفحص أيضاً الفكر اللاهوتي الذي تمسك به لاهوتيو الجانب الخلقيدوني في كلا المجمعين.

وسنعتمد في هذا المجال على دراسة التفسيرات اللاهوتية لكل من يوحنا النحوي  (John the Grammarian) ـ الذي انتقده ساويروس الأنطاكي في واحد من أكبر كتبه ـ ويوحنا الدمشقي (John of Damascus). وهناك أسباب دعتنا لتفضيل اختيار هذين الرجلين عن ليونتيوس البيزنطي (Leontius of Byzantium) ومكسيموس المعترف (Maximus the confessor).

فبالرغم من أن اللاهوتيين البيزنطيين الأرثوذكس يستشهدون بكل من ليونتيوس ومكسيموس كمرجعين مقبولين لديهم، وبالرغم من أن كثير من الباحثين الغربيين يعتبرونهما من اللاهوتيين الخلقيدونيين المعترف بهم، إلا أن ديفيد بيشر (David Beecher Evans) قد أظهر في دراسته عن ليونتيوس[1] أن ذلك اللاهوتي الذي ظهر في القرن السادس كان في الحقيقة هرطوقياً يتمسك بفكر خريستولوجي  ينتمي إلى أوريجينوس، وأن مكسيموس كذلك الذي ظهر في القرن السابع من الممكن أن يكون أيضاً قد أخذ فكره المتحيز من نفس المصدر.[2]

وحيث إن مثل هذه الشكوك لم تُثار حول أي من يوحنا النحوي أو يوحنا الدمشقي، فسوف نقوم هنا بفحص موجز لتعاليمهما. وفي ظل غياب الكتاب الأصلي ليوحنا النحوي، سنعتمد في تلخيص فكره الخريستولوجي على مقتطفات من كتابه، كان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد أوردها في رده عليه. أما بالنسبة ليوحنا الدمشقي فسنرجع في التعامل معه إلى أعماله التي نُشرت ضمن مجموعة “آباء الكنيسة” (The Fathers of the Church).[3]

 

2. مجمعا القسطنطينية:

لقد كان مؤلف كتاب ’الاقتباسات الكيرلسية‘[4] ويوحنا النحوي من أوائل الخلقيدونيين الذين ابتدئوا الفكر اللاهوتي الجديد في العقود الأولى من القرن السادس، وقد كُتب لهذا الفكر الانتصار في مجمع عام 553م، وهو الذي أسماه شارلز موللر[5] ’الخلقيدونية الجديدة‘ (neo-Chalcedonianism). وكما أظهرنا فيما سبق، فإن الموقف اللاهوتي الذي تبناه ذلك المجمع ـ ما عدا دفاعه عن مجمع خلقيدونية ـ كان في جوهره يقترب من نفس الموقف الذي يتمسك به الكيان غير الخلقيدوني.[6]

أما مجمع عام 680 – 681م فله تاريخ مختلف، لأنه هو الذي وضع نهاية عصر من الصراع بين فريقين داخل الكيان الخلقيدوني في الشرق. وكان أحد هذين الفريقين يتمسك بأن ’إرادة (will)‘ المسيح هي واحدة و’فعل (operation)‘ المسيح هو واحد في جميع الأحوال.

وحيث إن كاتب هذه الدراسة يشعر بأنه غير مؤهل لأن يوضح بالضبط وجهة نظر الرجال الذين دافعوا عن هذا التفسير، فلن يحاول السير في هذا الإتجاه.[7] وعلاوة على ذلك، بما أن اهتمامنا هنا هو فحص الفروق الحقيقية بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذا الأمر، فإن السؤال عن المفهوم اللاهوتي للرجال الذين أدانهم مجمع عام 680 – 681م يصبح ليس ذو أهمية لنا في السياق الحالي.

وقد صدَّق مجمع عام 680 – 681م على مجمع نيقية، والقسطنطينية، وأفسس، وخلقيدونية، والقسطنطينية الثاني.[8] وأشار المجمع إلى مجمع خلقيدونية بكونه مجمع “الآباء الستمائة والثلاثين الملهمين من الله ضد أوطيخا وديسقوروس المبغضين من الله”.[9]

وأكد المجمع (عام 680 – 681م) أن قانون إيمان نيقية والقسطنطينية يعتبر كافياً في حد ذاته، ولكن بما أن[10] الشيطان وجد رجالاً يستخدمهم كأدوات يقلق بهم الكنيسة، لهذا فقد أصبح إعلان الإيمان الذي أصدره المجمع ضرورياً.  وهؤلاء الرجال (الذين استخدمهم الشيطان) كانوا يروجون هرطقة وجود “إرادة واحدة وفعل واحد في الطبيعتين اللتين للمسيح، إلهنا الحقيقي، الواحد من الثالوث القدوس”.

وزعم المجمع أنه اكتشف (وجود) تلك الهرطقة في عدد من القادة في الجانب الخلقيدوني[11] بما في ذلك أربعة بطاركة سابقين للقسطنطينية، وواحد من باباوات روما، وبطريرك واحد لكل من الإسكندرية وأنطاكيا. وذكر المجمع في حكمه أن تأكيد أولئك الرجال على وجود “إرادة واحدة” و”فعل واحد” إنما يتضمن اعتبارهم أن ناسوت المسيح كان بلا إرادة وبلا فعل[12] وهو موقف مشابه لموقف أبوليناريوس. وأصر المجمع أن هذه الهرطقة “تشبه الاعتقاد الجنوني والشرير الذي لعديمي التقوى أبوليناريوس وساويروس وثيميستيوس”.[13]

وكان المجمع قد أكد بايجابية على ما يلي:

  • إنه ينبغي الاعتراف أن المسيح إله حقيقي وإنسان حقيقي، وهو واحد من الثالوث القدوس، وأنه كامل في اللاهوت وكامل في الناسوت.

  • إنه يوجد فيه (أي في المسيح) إرادتان طبيعيتان وفعلان. والإرادتان لا تناقض إحداهما الأخرى، ولكن الإرادة البشرية تعمل وفق (conforms to) الإرادة الإلهية وتخضع لها على الدوام.

  • إن كل طبيعة ـ على الرغم من أنها متحدة مع الأخرى ـ تريد وتفعل بدون اختلاط ولا انقسام.

  • إن الطبيعتين متحدتان في الهيبوستاسيس (الأقنوم) الواحد الذي يتمم المعجزات ويتحمل الآلام في طبيعتي اللاهوت والناسوت على الترتيب.

  • “لذلك نحن نعترف بإرادتين وبفعلين يتزامنان بتطابق كامل فيه (في المسيح) من أجل خلاص الجنس البشري.”

وقد تعامل مجمع عام 680 – 681م مع مسألة ’إرادة‘ و’فعل‘ المسيح، على أساس مبدأ لاهوتي هام وهو أن الطبيعتين اللتين تكوَّن منهما المسيح كانتا حقيقيتين وكاملتين. وبكونهما طبيعتين حقيقيتين وكاملتين، فإن كلاً من اللاهوت والناسوت كانت له خواصه وملكاته الخاصة به بدون أي نقصان.

وكانت القدرة على الإرادة والفعل موجودة في اللاهوت وكذلك في الناسوت أيضاً، ولذلك كان الله الكلمة لديه في ذاته القدرة الإلهية على الإرادة والفعل، كما أن الناسوت الذي وحَّده بنفسه كانت لديه أيضاً القدرة البشرية على الإرادة والفعل. وكان اهتمام مجمع عام 680 – 681م الواضح هو أن يؤكد هذا المبدأ اللاهوتي الأساسي، وهو الأمر الذي لم يكن محل تساؤل الإطلاق سواء بالنسبة للجانب الخلقيدوني أو غير الخلقيدوني.

ومع التسليم بتلك الحقيقة، ينبغي لنا أن نقدم بعض الملاحظات الخاصة بمجمع عام 680 – 681م:

أولاً، سواء كان رجال الجانب الخلقيدوني ـ الذين أدانهم المجمع كهراطقة ـ يرون أن ناسوت المسيح كان خالياً من القدرة على الإرادة والفعل أم لا، فالحقيقة أن البطريرك ساويروس والجانب الذي كان يدافع عنه لم تكن لديهم تلك الرؤية على الإطلاق. وعلى الرغم من أنهم كانوا بالفعل يصِّرون على تعبير ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘، إلا إنهم كانوا يؤكدون في نفس الوقت أن الطبيعتين كانتا حقيقيتين وكاملتين، بحيث أنه في المسيح الواحد كانت توجد كلتا الخواص والقدرات الإلهية والبشرية بدون أي نقصان، ويمكننا أن نميِّز بينهما على مستوى الذهن (الفكر).

كما أكدوا أيضاً أن طاعة المسيح لإرادة وعمل الآب كانت أمراً لا غنى عنه لأجل خلاص العالم.  وعلاوة على ذلك كانوا يرون (أي البطريرك ساويروس وبقية الجانب غير الخلقيدوني) أن آلام المسيح وموته هي الوسيلة التي تمم بها فداء الجنس البشري. وبالإضافة إلى كل ما ذكرناه، أوضحوا أنه لا يوجد هناك اختلاط أو انقسام في المسيح الواحد، مما يعني أن الناسوت ظل ناسوتاً دون أن يختلط مع اللاهوت في المسيح الواحد، والعكس بالعكس. 

وغني عن البيان هنا أنه لم يكن من الممكن لغير الخلقيدونيين أن يقدِّموا كل تلك التأكيدات بدون أن يكون لها أساس حقيقي. وهكذا فكما كانت عبارتهم “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لا تتضمن أي تجاهل أو رفض لأي من الطبيعتين، فكذلك لم يكن القصد من تعبيري ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ هو تأكيد ضياع أو سلبية إحدى الحقيقتين اللتين دخلتا في الإتحاد.

وبحسب وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن ’الإرادة‘ و’الفعل‘ هما التعبير (expression) عن ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) (volitional and conative faculties)، المتأصلتين في كل طبيعة، ولكن الشخص أو الهيبوستاسيس هو الذي يظهرهما.

فملكتا الاختيار والعزم (على الفعل) لكل من اللاهوت والناسوت كانتا كاملتين بدون أي نقصان أو اختلاط في المسيح الواحد الذي يقوم أقنومه الواحد بالتعبير عنهما.* ولم يكن تقليد غير الخلقيدونيين (السكندري) يتحدث عن ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ لأن ذلك من وجهة نظرهم يتضمن وجود شخصين، ولكن هذا لم يكن يعني أنهم أكدوا على وجود طبيعة إلهية ناقصة أو طبيعة بشرية متقلصة، بل قد أنكروا كلا الوضعين قطعياً. وكان اهتمامهم الأول هو الاعتراف بحقيقة الطبيعتين وكمال كل منهما، بدون التخلي عن تأكيد وحدة المسيح.

وقد يكون الإصرار على تعبيري ’إرادتين طبيعيتين‘ و’فعلين طبيعيين‘ جائزاً لدى اللاهوتيين المنتمين للتقليد المؤسس على الخطاب العقائدي للبابا ليو، ولكن هذان التعبيران بالنسبة للذين نشأوا على التراث اللاهوتي الكيرلسي، كانا من الممكن أن يتضمَّنا تقسيماً للمسيح الواحد إلى مركزين للوجود والفعل.

وهكذا مثلما كان مجمع خلقيدونية متعجلاً جداً في تبني عبارة ’في طبيعتين‘، كان مجمع عام 680 – 681م هو الآخر متسرعاً جداً في التأكيد على عقيدة ’إرادتين‘ و’فعلين‘، وإدانة عقيدة ’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ بدون فحص مدقق للقضية محل النقاش.

ثانياً، زعم المجمع أنه يؤكد أن هيبوستاسيس المسيح هو واحد. وقد أصر المجمع في الحقيقة على أن كلاً من المعجزات والآلام هي لنفس الشخص أو الهيبوستاسيس، ولكنه ذكر في نفس الوقت أيضاً أن كل طبيعة تريد وتفعل الأشياء اللائقة بها. فما هو إذن الهيبوستاسيس؟ أليست الطبيعتان اللتان تريدان وتفعلان هما هيبوستاسيسين؟ وهل يختلف هذا الهيبوستاسيس الواحد (الذي تكلموا عنه) من أي ناحية عن البروسوبون الواحد الخاص بالمدرسة النسطورية؟

وينبغي علينا، ونحن نطرح هذه الأسئلة، أن نتذكر أن تلك كانت إحدى الأمور التي أشار إليها البطريرك ساويروس ضد مجمع خلقيدونية، وقد فشل مجمع عام 680 – 681م في الرد عليها. ولكن يزعم كل من يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي أن لديهما إجابات مرضية على تلك الأمور.

 

3. يوحنا النحوي:

يوحنا النحوي، هو أحد رجال الجانب الخلقيدوني في بدايات القرن السادس، وقد أخذ على عاتقه مهمة الدفاع عن مجمع عام 451م ضد البطريرك ساويروس الأنطاكي. ويعتبر يوحنا النحوي هو الشخص الذي وضع الأساس لكل تطور لاحق في التعليم الخريستولوجي الخلقيدوني.

(أ) تعريف المصطلحات:

إن الفقرات التي اقتبسها البطريرك ساويروس من كتاب يوحنا النحوي، لا تحتوي في الواقع على إشارات كافية نستطيع من خلالها أن نصل إلي تعريف شامل لمعاني المصطلحات عنده. ولكن كانت هناك فقرة واحدة قام فيها النحوي بتعريف مصطلحات ’أوسيا‘، و’هيبوستاسيس‘ و’فيزيس‘ نوردها فيما يلي:[14]

“يدل ’الأوسيا‘ على ما هو عمومي (the common) مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس أو مثل الناسوت بصفة عامة. أما ’الهيبوستاسيس‘ فيشير إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، و(البروسوبون) الذي للابن و(البروسوبون) الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي رجل. وتُعرَّف ’الفيزيس‘ في بعض الأحيان مع الأوسيا وفي بعض الأحيان مع الهيبوستاسيس”.

ونلاحظ من التفسير المبدئي لتلك الفقرة الواضحة، أنه لا يوجد أي فرق ظاهر في تعريف المصطلحات اللاهوتية بين البطريرك ساويروس ويوحنا النحوي. وحتى يوحنا الدمشقي كان يمكنه أيضاً أن يتفق معهما في ذلك التعريف.

ولكن عند استخدام هذه المصطلحات في التفسيرات المتعلقة بشخص المسيح، نجد أن البطريرك ساويروس يختلف مع النحوي في أمرين على الأقل:

الإختلاف الأول: عندما يشير النحوي إلى ’العمومي‘ كمدلول للأوسيا فإنه يأخذه في المعنى المجرد، لذلك استطاع أن يعترف بإمكانية تصور ’الأوسيا‘ (لنوع ما) قائماً بذاته بعيداً عن كل الأعضاء الفردية لذلك النوع. وقد جعله هذا (التصور) يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ أو ’فيزيس‘ في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمعنى ’الأوسيا‘ كحقيقة عامة مجردة (وليست مخصخصة).

ولذلك كتب النحوي: “وهكذا كان في المسيح اتحاد لإثنين من الأوسيا”.[15] وعلى النقيض من هذا، كان البطريرك ساويروس معارضاً لهذا الفهم،[16] حيث وجد ـ في ضوء تعريفه للمصطلحات السابقة ـ أنه إذا أخذنا الطبيعتين بمعنى ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة) فإنه من المستحيل أن نتصور إمكانية أن يتحدا ’هيبوستاسياً‘.[17]

الاختلاف الثاني بين النحوي والبطريرك ساويروس نراه في إدعاء الأول أن مصطلح ’طبيعة‘ الذي ورد في عبارة ق. كيرلس “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” لم يكن بمعني ’الأوسيا‘، رغم أن هذا كان هو معنى الكلمة في عبارتي “من طبيعتين” و”في طبيعتين”، وقد عبَّر النحوي عن ذلك بقوله:[18]

“ولذلك عندما يتكلم ق. كيرلس عن ’الطبيعة‘ بذاتها بدون إضافة كلمات “لله الكلمة”، فهو يشير إلى ’الأوسيا‘ وبالتحديد عمومية اللاهوت”.

ويصر البطريرك ساويروس في رده على النحوي في تلك النقطة على أن ق. كيرلس لم يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ في الإشارة إلى المسيح، إلا فقط بمعنى حقيقة أقنومية (hypostatic reality). ولا توجد فقرة واحدة في الاقتباسات التي أوردها البطريرك ساويروس (من كتاب يوحنا النحوي) توضح المعنى الذي كان يراه يوحنا لكلمة ’طبيعة‘في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.

ولكن يمكننا من سياق الكلام، أن نفترض أنه كان يأخذها بمعنى ’هيبوستاسيس‘. ويرى يوحنا الدمشقي أن كلمة ’طبيعة‘ التي في العبارة لا تعني ’العمومي‘ الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة ولا تعني شخص الله الكلمة، ولكنها هي “الطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة”.[19]

وحيث إن الابن له نفس الأوسيا الواحد الذي للآب وللروح القدس، فإن عبارة الدمشقي تعتبر عبارة مضللة، لأنه على سبيل المثال ما هو الفرق بين ’العمومي‘الذي نجده في أشخاص الثالوث الثلاثة والطبيعة العمومية التي تعتبر بكمالها في شخص الكلمة أو الابن؟. ومع ذلك كان التمييز بين لاهوت الابن (أي الأوسيا) والابن نفسه (أي الهيبوستاسيس) يتضمن تعليماً ينبغي التسليم به، وكان البطريرك ساويروس وبقية اللاهوتيين غير الخلقيدونيين يؤيدون هذا المفهوم بدرجة لا تقل عما يفعله يوحنا الدمشقي.

وما يجب أن نؤكد عليه هنا هو إصرار البطريرك ساويروس الأنطاكي على أن كلمة ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ عند ق. كيرلس ينبغي أن تؤخذ في جميع العبارات (التي تشير للمسيح) بمعنى حقيقة محددة (concrete reality) وليس بمعنى الحقيقة العامة المجردة.

ومن الثابت أن ق. كيرلس واللاهوتيين غير الخلقيدونيين وكذلك يوحنا الدمشقي نفسه كانوا يرفضون فكرة أن ناسوت المسيح أُحضر للوجود منتمياً لشخص بشري قبل أن يُوحَّد بالله الابن، ولكن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الناسوت الذي اتخذه الكلمة في التجسد كان في الحالة الأقنومية أي أنه كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً (individuated manhood). وبهذا التأكيد حفظ البطريرك ساويروس الحالة الأقنومية للناسوت بدون الوقوع في عقيدة وجود شخصين في المسيح.*

أما بالنسبة لمصطلح ’بروسوبون‘، فلا تحتوي الاقتباسات (التي أوردها ساويروس عن النحوي) على كثير من الأدلة التي نستطيع من خلالها أن نحدد وجهة نظر النحوي. وقد ذُكر هذا المصطلح في فقرة واحدة جاء فيها:[20]

“والهيبوستاسيس الذي تكوَّن، ينبغي أن نفهمه كبروسوبون”. فهل يعني هذا أن ’الهيبوستاسيس‘ والبروسوبون‘ هما مترادفان عند النحوي؟ أم يعني أنه عندما يتكون الهيبوستاسيس يصبح له البروسوبون الخاص به؟ والمفهوم الأخير  ـ كما ذكرنا ـ كان هو المفهوم الذي يتمسك به البطريرك ساويروس.

 

(ب) نقد الموقف غير الخلقيدوني:

كان يوحنا النحوي يتهم الموقف غير الخلقيدوني ـ الذي يعبِّر عنه البطريرك ساويروس ـ بالتمسك بخطأين:

أولاً: قام النحوي بتفسير مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ثم أصر على أن البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني عندما يؤكدون على “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” ويستبعدون “في طبيعتين”، فإنهم بذلك يعترفون بعقيدة  (وجود) أوسيا واحد في المسيح، حيث يقول النحوي:[21]

“هو (أي ساويروس) يتكلم عن أوسيا واحد للجسد والروح. وبنفس الطريقة هو يعتبر أن الرب واحد مع جسده. فمن الجلي أنه يقصد أوسيا واحد وليس بروسوبون (واحد) كما يتضح من الأدلة التي أظهرها”.

ويكرر النحوي هذا الإدعاء مراراً فنجده يقول: “وهو (أي ساويروس) لا يتنازل عن (مفهوم) ’الأوسيا الواحد‘، ولكنه يخلط ويفسد كل الأشياء. فكل شيء (عنده) هو جسد فقط؛ وقد حاول التملص من الروح العاقل.[22]

وقد أورد البطريرك ساويروس العبارة السابقة مع العديد من الاقتباسات الأخرى من كتاب النحوي ـ كما ذكرنا سابقاً[23] ـ والتي وجه من خلالها النحوي نفس اتهامه. وقد تحدى البطريرك ساويروس منتقده إن كان يستطيع أن يريه مثلاً واحداً على الأقل، سواء في كتاباته أو كتابات أي واحد من المقبولين في الجانب غير الخلقيدوني، يؤيد اتهامه هذا. وهكذا أنكر البطريرك ساويروس بشدة المعنى الذي رآه النحوي عنده، وهو الاعتراف (بوجود) ’أوسيا واحد‘ في المسيح.

ثانياً: اتهم يوحنا النحوي البطريرك ساويروس الأنطاكي أن تعــريفه لمصطلــح ’طبيــعة‘ بمعني واقـــــع خـــــــــاص محدد (concrete particular)، هو ضد تعليم الآباء. وقد كتب النحوي: “لقد تعلمنا من الآباء أن المسيح واحد في ذات الجوهر مع الله الآب وواحد في ذات الجوهر معنا. وهم لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.”[24]

وفي رده على هذا الإتهام أقر البطريرك ساويروس ـ متفقاً مع النحوي ـ أن الآباء لم يعلِّموا أن الابن له ذات الهيبوستاسيس مع الآب ولا أن له ذات الهيبوستاسيس معنا.* وأكد البطريرك ساويروس أن تفسيره للعقيدة لم يتضمن أي من هذين المعنيين، وأضاف أن الآباء على النقيض من ذلك علَّموا أن:[25]

“المسيح هو واحد في ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت، وكذلك واحد في ذات الجوهر معنا نحن البشر فيما يخص الناسوت. وهذا لأنه بغير تغيير وبغير تقسيم هو واحد من كلا اللاهوت الذي للكلمة والجسد البشري الواحد الذي اتخذه من مريم الذي هو جسد مُحيَ بروح مفكر وعقل”.

فالله الابن هو الذي صار متجسداً، وحيث إن الابن واحد في ذات الجوهر مع الله الآب، لذلك فإن المسيح ’الابن المتجسد‘ هو واحد في ذات الجوهر مع الله الآب. وعلى نفس النحو، فإن ناسوت المسيح بكونه الأوسيا البشري الكامل الذي تفرد وتخصخص (individuated) في الاتحاد مع الله الابن، فهو يظل متواصلاً مع بشريتنا. ولهذا فإن يسوع المسيح هو في نفس الوقت له ذات الجوهر مع الآب وله ذات الجوهر معنا. وإذا أخذنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى واقع خاص معين، فإن ذلك لا يتضمن معنى أن المسيح له ذات الهيبوستاسيس مع الآب وله ذات الهيبوستاسيس معنا.[26]

(ج) شخص يسوع المسيح:

لقد أكد النحوي على حقيقة لاهوت المسيح وناسوته. فبكونه الله، هو الابن الأقنوم الثاني من الثالوث القدوس، الذي له ذات الجوهر مع الآب ومع الروح القدس. ولذلك فإن الابن له نفس الأوسيا بكماله كما هو الحال بالنسبة للآب.

وكتب النحوي:[27] “نحن نعترف أن كل هيبوستاسيس هو يملك كل مضمون (فحوى) اللاهوت”. ولذلك عندما نقول أن “الثالوث له ذات الجوهر الواحد”، فنحن نعني أن “نفس الأوسيا مُتضمَّن بالكامل” في كل واحــد من الأقــــانيم الثـــلاثة. “فالآب له الأوســـيا بكمـــــاله (in perfection)، وكذلك أيضاً لكل من الابن والروح القدس الأوسيا بكامله. ولهذا فإن الآب هو إله كامل؛ والابن هو إله كامل؛ والروح القدس هو إله كامل.” وكان النحوي واضحاً في أن “الآب ليس هو الذي صار متجسداً”، لأن الابن ليس هو الآب، ولا هو الروح القدس. “إنه الابن هو الذي صار متجسداً”، وهو (أي الابن) الذي له ’أوسيا‘ اللاهوت كاملاً. ولذلك نحن نقول مع بولس الرسول أن كل ملء اللاهوت كان موجوداً في يسوع المسيح جسدياً.[28]

وبعد تأكيده على ألوهية المسيح، مضى النحوي ليشرح بشريته، وتساءل: “كيف يمكننا ونحن نعترف أنه إنسان تام كامل، ألاّ نقر أن فيه كل ’أوسيا‘ الناسوت؟ لأنه لم يتخذ جزءاً من الناسوت كما ادعى أبوليناريوس أي جسداً بدون روح عاقل، ولكنه اتخذ ’الأوسيا‘ بكامله أي جسد ممنوح روحاً عاقلاً ومفكراً. وحيث إن هذا هو الموجود تماماً في كل الكائنات البشرية كحقيقة عمومية، لذلك يشار إليه بـ ’الأوسيا‘. وهم (أي الكائنات البشرية) لا يتمايزون الواحد عن الآخر في ’الأوسيا‘، وإنما في الصفات الخاصة التي تصاحبهم أي الحجم واللون وتلك هي التي تُذكر كمواصفات للبروسوبون.”[29]

وهنا ينبغي علينا أن نلاحظ نقطتين أكد عليهما النحوي بالنسبة لناسوت المسيح. النقطة الأولى هي كمال ناسوت المسيح، وبالتالي فإن كل الخواص والقدرات (الملكات) التي تصاحب الناسوت الكامل كانت في ناسوت المسيح بدون أي نقصان. ولم تكن هذه النقطة محل خلاف بين النحوي والبطريرك ساويروس ولا بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني. أما النقطة الثانية فكانت اصراره على أن الأوسيا هو ’الحقيقة العمومية‘ التي في كل البشر.

وقد أخذ النحوي هنا ناسوت المسيح بمدلول ’الأوسيا‘ بالمعنى المجرد بدون التسليم بأنه (أي الناسوت) هو ’هيبوستاسيس‘. ومن الواضح أنه كان مهتماً بتجنب عقيدة وجود ’هيبوستاسيسين‘ أو شخصين في المسيح الواحد.

ويبدو أنه قد ميَّز بين ’الهيبوستاسيس‘ والحقيقة الخــــاصة المحددة (concrete particular)، لذلك اعترف أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، أي جسداً أُعطي روح عاقل مفكر (ولكنه مع ذلك لم يعترف به كهيبوستاسيس).* وعلى الجانب الآخر كان البطريرك ساويروس يستطيع أن يعترف ليس فقط أن ناسوت المسيح كان واقعاً خاصاً محدداً، ولكنه أيضاً كان في الحالة الأقنومية (hypostatic).

وقد تجنب البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ عقيدة وجود شخصين (في المسيح)، أولاً بالإصرار على أن الناسوت أصبح في الحالة الأقنومية فقط في الإتحاد مع الله الكلمة، وثانياً من خلال مفهومه عن ’الهيبوستاسيس المركب‘. ومن هنا نرى أن كلاً من الرجلين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس كانا متفقين مبدئياً في مفهومهما اللاهوتي حتى فيما يخص النقطة الثانية، ولكنهما كانا يختلفان في مسألة الحالة الأقنومية لناسوت المسيح.

أما بالنسبة للعبارات الخريستولوجية، فكان النحوي واضحاً في أن كلتا العبارتين “من طبيعتين” و”في طبيعتين” مقبولتين، وأن مصطلح ’طبيعة‘ يشير إلى ’العمومي‘. وحيث إن ناسوت المسيح لم يكن بالنسبة له ’هيبوستاسيس‘، فقد أصر النحوي على أنه لم يكن ناسوت إنسان (مستقل) معين (particular man)، وكان هذا أيضاً هو ما أكده مراراً كل من البطريرك ساويروس ومار فيلوكسينوس أسقف منبج.

وكان البطريرك ساويروس هو الذي ركز على مفهوم أن الناسوت كان ’في الحالة الأقنومية‘، أما مار فيلوكسينوس فقد أكد على الخاصية ’المركبة‘ (composite) التي للمسيح ولكنه لم يتناول الحالة ’الأقنومية‘ لناسوته. وكان مار فيلوكسينوس في الحقيقة يمثل موقفاً خريستولوجياً أقل نضجاً من البطريرك ساويروس الأنطاكي في تلك النقطة بالتحديد.

وهناك نقطة أخرى لها صلة بالموضوع نفسه يتعين علينا أن نذكرها هنا، وهي أن يوحنا النحوي قد يكون أول لاهوتي خلقيدوني ـ ممن وصلت كتاباتهم إلينا ـ يُسلِّم بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وحينما أقر النحوي بهذا الأمر، كان يؤكد أيضاً أن المعنى الذي أستخدم فيه ق. كيرلس هذه العبارة لا يتعارض مع عبارة مجمع خلقيدونية “في طبيعتين”.

وفي الحقيقة حاول النحوي من خلال زعمه بسلطة وشرعية صيغة إعادة الوحدة ومن خلال الاعتماد على دفاع ق. كيرلس عن تعبير “طبيعتين” الوارد فيها، أن يدافع عن مجمع خلقيدونية من خلال الإدعاء بأن ق. كيرلس كان يعلِّم بأنه “لا فرق بين التأكيد على طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، وبين الاعتراف بأن عمانوئيل هو بغير تقسيم متحد في طبيعتين”.[30] وأقر النحوي ـ كما رأينا ـ أن صيغة “طبيعة واحدة” هي صيغة ضرورية بالضبط مثل صيغة ’طبيعتين‘ من أجل الحفاظ على الأرثوذكسية، فالأولى لأجل استبعاد النسطورية والثانية لنبذ الأوطيخية.[31]

ومن وجهة نظر البطريرك ساويروس، كانت الصيغتان تتناقضان مع بعضهما البعض، ولذلك فإنه من غير الممكن أن تكون كلتاهما أرثوذكسيتين في نفس الوقت. وهكذا انفصل البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوحنا النحوي عن بعضهما (في الفكر) بدون أن يدركا أنهما كانا بطريقة أو بأخرى متفقين في جوهر الشرح اللاهوتي.

أما القضية الوحيدة بينهما التي كانت بالفعل تحتاج إلى تسوية فلم تكن مسألة ’المونوفيزيتيزم‘ (الطبيعة الوحيدة) في مقابل ’الديوفيزيتيزم‘ (الطبيعتين)، ولكن القضية كانت في التساؤل عن مَن يكون هيبوستاسيس المسيح الواحد. وقد حاول النحوي أن يؤكد أن الهيبوستاسيس الواحد كان هو هيبوستاسيس الله الكلمة الذي بالإضافة لطبيعته الإلهية وحَّد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية.

أما البطريرك ساويروس على الناحية الأخرى فكان يصر أنه (أي الهيبوستاسيس الواحد) كان هو الهيبوستاسيس المتجسد لله الكلمة* وهو بذلك كان هيبوستاسيس ’مركب (composite)‘.

 

*  وهما المجمع الخامس والمجمع السادس في سلسلة المجامع السبعة التي يعترف بها الجانب الخلقيدوني والتي بدأت بمجمع نيقية عام 325م.

[1] David Beecher Evans: Leontius of Byzantium: An Origenist Christology, Dumbarton Oaks Studies, Thirteen, 1970.

[2]  المرجع السابق صفحة 146.

[3] St., John of Damascus: writings, Tr., Frederic H. Chase, Jr., NewYork, 1958.

[4]  انظر صفحة 376.

[5]  مرجع سابق.

[6]  انظر صفحة 272 وما يليها.

[7]  من الأسلوب الذى اتبعه هذا المجمع في تقييم اللاهوتيين غير الخلقيدونيين بشكل غير صحيح، يمكننا أن نتساءل عما إذا كان المجمع قد أخطأ أيضاً في تفسيره لموقف هؤلاء الرجال.

[8] Nicene and post-Nicene Fathers, sec. ser., vol. XIV, p. 344.

[9] المرجع السابق صفحة 344.

[10] المرجع السابق صفحة 344.

[11] الرجال المشار إليهم هم:

Theodorus of Pharan; Sergius, Pyrrhus, Paul and Peter of Constantinople; Honorius of Rome; Cyrus of Alexandria; Macarius of Antioch; Stephen; and Polychronius.

[12] هل من الممكن أن يكون هذا بالفعل هو إعتقادهم؟.

[13] عن ثيميستيوس انظر صفحة 508.

*   إذاً كانت الإرادة والفعل من وجهة نظر الجانب الخلقيدوني هما من ملكات الطبيعتين، ولذلك كان يصر على أن المسيح له إرادتان وفعلان. ولكن من وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، فإن الإرادة والفعل هما التعبير عن ملكتي القدرة على الاختيار والقدرة على الفعل، وحيث إن التعبير يخص الهيبوستاسيس الواحد لذلك فهو تعبير واحد، أي إرادة واحدة وفعل واحد. لأن الهيبوستاسيس هو الذي يستطيع فقط أن يُظهر الإرادة والفعل (أي يجعلهما واقعاً).

فالقدرة على الاختيار والقدرة على الفعل هما من الملكات العامة للطبيعة ولكن الهيبوستاسيس هو الذي يُظهر الإرادة ويعبر عنها ويظهر الفعل ويعبر عنه

[14] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.

[15] المرجع السابق صفحة 146.

[16] انظر صفحة 462 ومايليها.

[17] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 200.

[18] المرجع السابق صفحة 166.

[19] John of Damascus, op. cit., p. 291.

*   القول بأن الناسوت كان في الحالة الأقنومية لا يعني أنه كان أقنوماً مستقلاً أٌضيف إلى أقنوم الكلمة وإنما يعني أن الناسوت أُوجد في التجسد مخصخصاً ومتفرداً وليس بالمعنى العام المجرد.

[20] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 179, 199.

[21]  المرجع السابق صفحة 34.

[22]  المرجع السابق صفحة 38.

[23]  انظر صفحة 462.

[24]  المرجع السابق صفحة 252.

*   من الواضح أن مصطلح ’طبيعة‘ عند النحوي كان يعني نفس معنى الأوسيا (الحقيقة العامة المجردة)، ولذلك كان يفسر عبارة “في طبيعتين” بمعنى في جوهرين واعتبر أن طبيعة واحدة إنما تعني “أوسيا واحد”.

ويبدو أنه رأى أن عبارة واحد مع الآب في الجوهر وواحد معنا في الجوهر هي مرادف لواحد مع الآب في الطبيعة وواحد معنا في الطبيعة، لأنه حينما وجد تفسير ساويروس للطبيعة بأنها وجود خاص محدد، رأى أن هذا هو مدلول ’الهيبوستاسيس‘ وكان ذلك يعني بالنسبة له أن المسيح له نفس الهيبوستاسيس مع الآب وله نفس الهيبوستاسيس معنا.

[25] المرجع السابق صفحة 253.

[26] المرجع السابق صفحة 255.

[27] المرجع السابق صفحة 153.

[28] كولوسى 2: 9.

[29]  Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 154.

*   انظر الفرق بين يوحنا النحوي والبطريرك ساويروس في تفسيرهما لمدلول الهيبوستاسيس في الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[30] المرجع السابق صفحة 107- 108.

[31] انظر المرجع رقم 3 صفحة 459.

*  كان البطريرك ساويروس يتبع في ذلك تعليم ق. كيرلس الذي ذكر في رسالته الثالثة إلى نسطوريوس أن كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد هو هيبوستاسيس الكلمة الواحد المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

استمراراً للمناقشة التي بدأناها في الفصل السابق، سوف نكمل هنا كيف كان الجانب غير الخلقيدوني يشرح موقفه اللاهوتي من خلال العبـــارات المقبولة لديه. فبينما كانوا ـ كما رأينا ـ يرفضون العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد”، كانوا يصرون على عبارة “من طبيعتين”، وعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وأثناء موافقتهم على هاتين العبارتين أكدوا كذلك على مصطلحات “الاتحاد الهيبوستاسي”، و”هيبوستاسيس واحد”، و”طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”.

والحقيقة أنه منذ القرن السادس قام الجانب الخلقيدوني ـ الذي في الشرق على الأقل ـ بالتسليم بأرثوذكسية كل تلك العبارات التي يتبناها الجانب غير الخلقيدوني. ومع ذلك فقد حاول الجانب الخلقيدوني أن يبين أن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية وطومس ليو بالإضافة إلى رفضه لعبارة “في طبيعتين” إنما كان نتيجة تمســـكهم بهــرطقة الطبــيعة الوحــــيدة (monophysite heresy)، كما اعتبر الغرب أن دفاعهم عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، يعد أساساً كافياً لوصفهم كلهم معاً بـ ’المونوفيزيتيين‘.

فهل من الممكن تبرير وإثبات هذا الرأي الخلقيدوني؟.

ولكي نقوم هنا ببحث هذا السؤال، سنعتمد على الرجوع إلى فهم الجانب غير الخلقيدوني نفسه لتلك العبارات التي يتبناها.

 

2. عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”:

لقد أكد الكثير من العلماء المعاصرين[1] أن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كانت قد صيغت في الأصل بواسطة المدرسة الأبولينارية. وحتى إذا سلمنا بهذا الاحتمال، فينبغي أن ننتبه إلى أن الأصل غير الأرثوذكسي لمصطلح ما أو وثيقة ما لا يُعد سبباً وجيهاً لرفضه بواسطة الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي. وعلى سبيل المثال، كان التعبير النيقاوي ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (هوموأووسيوس تو باتري)، جزءاً من المفردات الفالنتينية (التي تخص أتباع فالنتين)،[2] بل والأكثر من ذلك أنها أُدينت بواسطة مجمع أنطاكيا الذي حرم بولس السموساطي عام 268م.

وبالرغم من ذلك قام مجمع نيقية عام 325م بتبني تلك العبارة، وبعد حوالي نصف قرن من الصراع العنيف قامت الكنيسة بالتصديق عليها في مجمع القسطنطينية عام 381م. ولهذا فإن الأمر محل الاهتمام بالنسبة لمصطلح ما، ليس هو كيفية نشوئه، وإنما المعنى الذي يُنسب إلي ذلك المصطلح والحاجة اللاهوتية لتأكيد فكرة ما (بواسطته).

وفي القرن الخامس، نُظر إلى عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كجزء من التراث اللاهوتي للبابا أثناسيوس، وقد تبناها البابا كيرلس كأداة لغوية لا غنى عنها لشرح الفهم الأرثوذكسي لشخص يسوع المسيح، وخاصة في مواجهة التعاليم النسطورية، ولذلك كانت تلك العبارة بالفعل أساسية وحاسمة بالنسبة لكيرلس والذين يتفقون معه في الفكر اللاهوتي.

وعلى الرغم من أن مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م وكذلك مجمع خلقيدونية قد تجاهلا بوضوح تلك العبارة، إلاّ أن المدافعين الشرقيين عن مجمع خلقيدونية في القرن السادس ادعوا أنه كان هناك اعتراف بها، وزعموا أن وضع تلك العبارة بجانب عبارة المجمع “في طبيعتين” كان له أهميته في استبعاد النسطورية.[3]

وعلى الجانب الآخر، أكد القادة غير الخلقيدونيين أن هاتين العبارتين أي “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” و “في طبيعتين” تتعارضان مع بعضهما البعض في المعنى، ولهذا لم يعطوا أهمية كبيرة لدفاع الجانب الخلقيدوني عن العبارة الأولى.

والحقيقة أن كل قادة الجانب غير الخلقيدوني قاموا بالدفاع عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ومن الواضح أيضاً أنهم وبينما هم يفعلون ذلك لم يتجاهلوا (أو ينكروا) ناسوت المسيح.

وعلى سبيل المثال، نجد أن البابا ديسقوروس يؤكد أن المسيح طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، ولكنه يصر في نفس الوقت على أنه يتركب من اللاهوت والناسوت، وأنه في المسيح الواحد استمرت الطبيعتان بدون اختلاط أو امتزاج من ناحية وبدون تقسيم أو انفصال من الناحية الأخرى.

وبكلمات أخرى، كانت الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة هي نفسها نتيجةً لاتحاد الطبيعتين اللتين كانتا حقيقيتين بلا أي تقسيم أو اختزال في المسيح الواحد. ولهذا فبالنسبة للبابا ديسقوروس، لم يكن هناك محل للتساؤل الخاص بمَنْ مِن الطبيعتين قد أُبعد أو أُهمل.

وكان البابا تيموثاؤس إيلوروس ـ كما رأينا ـ مدافعاً لا يلين عن وحدة المسيح، ولكنه في تبنيه لهذا الموقف لم يستبعد أياً من الطبيعتين، وإنما في الحقيقة أقر بالوجود الديناميكي للاهوت والناسوت ـ بدون اختلاط أو أنفصال ـ في المسيح الواحد، وكان تأكيده فقط ينصب على أن الناسوت لم يوجد بمفرده مستقلاً عن الله الابن.

أما مار فيلوكسينوس، اللاهوتي السرياني ـ الذي كان التجسد هو العقيدة المحورية في تعليمه اللاهوتي ـ فقد أصر هو الآخر بثبات على وحدة المسيح. وبينما كان يرفض التقسيم النسطوري (للمسيح)، استبعد بنفس القوة الاختزال الدوسيتي (للمسيح) عند الأبوليناريين والأوطيخيين. وقد نسب مار فيلوكسينوس للكلمة المتجسد ـ في تعبيرات قوية ـ كل القيود التي تخص الطبيعة البشرية ماعدا الخطية. وسنورد هنا فقرتين تؤيدان هذه الفكرة من كتابات أسقف منبج، هذا إلى جانب العديد من الفقرات التي ذُكرت قبلاً.[4]

“ولأن الرحم هو المكان الذي تتكوَّن فيه الكائنات البشرية، فقد نزل أيضاً وسكن هناك. وحيث إن الكائنات البشرية تنشأ وتُخلق من الجسد، فهو كذلك نشأ فيه وصار إنساناً. وقد حُبل به في الرحم، ونزل من البطن كرضيع؛ وحُمل كطفل على الركب والأيدي؛ واحتمل كل قيود الطبيعة البشرية، وضعفها ونحيبها وتوالدها وكل الأمور الأخرى المتعلقة بها”.

وقد نسب مار فيلوكسينوس الميلاد البشري لله الكلمة، لأن المسيح بالنسبة له هو وحدة (unity)، فإذا وضعنا هذه الحقيقة في أذهاننا يمكننا أن نقول إن ناسوت المسيح قد تكوَّن بالفعل وتشكَّل في الرحم. وهو قد وُلد كإنسان، وخضع لكل القيود البشرية والأرضية، ولهذا لم يكن هناك في ولادته أو في حياته في العالم أي اختزال (لبشريته).

ويركز مار فيلوكسينوس بنفس القوة في الفقرة التالية على الآلام والموت فيقول:[5]

“لقد تألم أكثر من أي واحد آخر، وكان خاضعاً للفقر والبؤس أكثر من الجميع؛ وتعرض للإهانة والاحتقار والسخرية والسب؛ وازدُري به وجُدِّف عليه؛ وحُسب كأحمق ومحتقر من هيرودس ومرافقيه ومن بيلاطس وخدامه”.

ومن هنا نرى أن مار فيلوكسينوس لم يكن لديه بالقطع أي اهتمام بأن يتجاهل أو ينكر ناسوت المسيح.

أما بالنسبة للقادة غير الخلقيدونيين، الذين قدَّموا اعتراف إيمانهم للإمبراطور جوستينيان عام 531م أثناء ذهابهم إلى القسطنطينية للاجتماع والتشاور، فقد دافعوا فيه أيضاً عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.[6] وأكدوا “أنه من الواجب علينا، كما فعل آباؤنا من قبل، أن نعترف بوضوح بطبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، لأنه صار إنساناً بالكمال”.

وهكذا لم يكن المقصود من تلك العبارة عند هؤلاء القادة هو استبعاد الناسوت (أو تجاهله) ولكن التأكيد أنه كان كاملاً وتاماً. ومثل مار فيلوكسينوس وآخرين كثيرين، أشار أولئك القادة في اعترافهم إلى نموذج الجسد – الروح، وأصروا على أن الأمور الفائقة واللائقة بالله من ناحية والأمور الضئيلة والبشرية من الناحية الأخرى هي كلها مظاهر وتعبيرات للطبيعة الواحدة المتجسدة والهيبوستاسيس الواحد لله الكلمة. إذاً التأكيد كان على وحدة المسيح، وليس على فقدان واحدة من الطبيعتين اللتين يتركب منهما المسيح بلا نقصان.

وكان الجانب الخلقيدوني ـ كما ذكرنا ـ يرى منذ البداية أن حركة مقاومة مجمع عام 451م تمثل تحدياً خطيراً له، ولذلك حاول أن يواجهها بطرق متعددة، ومن ضمن هذه الطرق اتهام معارضي المجمع بالهرطقة. وقد أشار البطريرك ساويروس الأنطاكي في كتابه “ضد النحوي” إلى عدد من الفقرات التي أوردها النحوي في مؤلفه وينتقد فيها الكيان غير الخلقيدوني لتمسكه بعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” فقط بدون الإقرار بعبارة “في طبيعتين” الخاصة بمجمع خلقيدونية.

ويزعم النحوي أن مجمع خلقيدونية “كان مهتماً بحرم أوطيخا مع أولئك الذين كافحوا بحماس لنشر تعليمه”، وكان ذلك التعليم متضمناً في تأكيدهم على “أن اللاهوت والجسد قد ألفا ’أوسيا‘ واحد وطبيعة واحدة”.[7] وفي الحقيقة كان فهم هذا المعنى في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، هو السبب وراء إطلاق وصف ’المونوفيزيتيين‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة) على الكيان غير الخلقيدوني.

ورد البطريرك ساويروس على اتهامات النحوي بقوله:[8] “إن اتهامك يبدو وكأنه موجهاً لي، كما لو كنت قد أكدت في أماكن عديدة في كتاباتي أن الجسد المحيَ بروح عاقلة، الذي اتخذه الله الكلمة من مريم العذراء والدة الإله ووحده بنفسه، هو واحد معه في ذات ’الأوسيا‘ (الجوهر)”. ويضيف البطريرك ساويروس أنه في الحقيقة، حينما كان يناقش موضوع تركيب الإنسان في كتابه الموجه إلى نِفاليوس (Nephalius)، قد أوضح بصورة قاطعة المعنى الحقيقي المقصود في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”.

فالطبيعة المتجسدة هي ’واحدة‘[9] ليس بسبب أن الطبيعتين قد تقلصتا إلى طبيعة ’واحدة بسيطة‘، ولكن بسبب أن “التقاء الطبيعتين ـ بدون اختلاط ـ في ’وحدة‘، أي للشخص الواحد، هو دلالة على الوجود المتزامن لكليهما معاً”.[10] ولا تتضمن صيغة “طبيعة واحدة” أي اختزال (لأي من الطبيعتين)، ولكن هي فقط للتأكيد على الوحدة التي أحدثها التقاء الطبيعتين معاً. ومن هنا نرى أن البطريرك ساويروس لم يكن أبداً في الموقف الذي كان ينتقده يوحنا النحوي الخلقيدوني.

وبتطبيق الأمر على كل الجانب غير الخلقيدوني، استمر البطريرك ساويروس يقول: فإذا أراد النحوي أن يكون هذا الاتهام مفحِماً، فعليه أن يُظهر وجود هذا الخلل (الذي يدعيه) في الموقف اللاهوتي الذي أكده وتبناه مجمع صور.[11] ولكن حقيقة الأمر أن مجمع صور عبَّر بتعبيرات قاطعة عن معارضته لـ “للاختلاط والامتزاج والتغيير والاندماج في الجوهرين (الإثنين أوسيا)، وكذلك معارضته للخيال (أي أن إحدى الطبيعتين كانت وهماً أو خيالاً)”، وبنفس القوة استبعد المجمع “التقسيم والانفصال”.

كما أثبت البطريرك ساويروس أن نفس التأكيد قد حدث أيضاً من الجانب غير الخلقيدوني في مجمع آخر بمصر.[12] ولهذا “فليس مرة واحدة ولا اثنتين ولكن عدة مرات” تكتب مجامع في سوريا ومصر إلى بعضها البعض معترفة أن “المسيح هو كلمة الله الذي صار إنساناً بالحقيقة وأصبح متجسداً، وقد اتخذ جسداً له ذات الجوهر معنا ومُحيَاً بروح عاقلة، وجعل نفسه مثلنا في كل شيء ماخلا الخطية”.

وبالتالي لم يكن الجانب الذي ينتمي إليه البطريرك ساويروس (أي غير الخلقيدوني) يُعلِّم أن المسيح هو أوسيا واحد، وأنه واحد في الجوهر مع نفسه، ولكن كان يُعلِّم أن “الذي هو واحد في الجوهر مع الآب والروح القدس فيما يخص اللاهوت، صار واحداً في الجوهر معنا فيما يخص الناسوت”.[13]

وكرر البطريرك ساويروس نفس هذه النقطة مرات ومرات في كتابه “ضد النحوي” وفي أعماله الأخرى. والسؤال الوثيق الصلة بالموضوع هنا هو: هل أقر البطريرك ساويروس أن المسيح كان “في إثنين أوسيا”؟. وفي الواقع لم يتعرض اللاهوتي غير الخلقيدوني (ساويروس) لهذا الأمر، لأن ذلك السؤال من وجهة نظره لا يمكن أن يتطرق إلى العقل.

فالأوسيا وهو يعني العمومي أو المشترك (common)، ينبغي أن “يشمل في حالة اللاهوت الثلاثة أشخاص الآب والابن والروح القدس، وينبغي في حالة الإنسان أن يتضمَّن داخله كل أفراد البشر”،[14] ولذلك أكد البطريرك ساويروس بأن الله الكلمة الذي صار متجسداً ليس هو ’الأوسيا‘، ولكن واحداً من الثلاثة أشخاص (أقانيم)، وبالرغم من أن الأوسيا يتخصخص ويتفرد في ’الهيبوستاسيس‘، إلاّ أن الثلاثة ليسوا هم نفس الهيبوستاسيس.[15] ولذلك يكون الحديث عن المسيح بكونه ’في إثنين أوسيا‘ هو غير ذي معنى.

إذاً كيف فهم البطريرك ساويروس عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”؟

لقد ناقش البطريرك ساويروس هذا الأمر في كتابه”محب الحق” (Philalathes)[16] حيث ذكر أنه: حينما تحدث الآباء عن “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، أوضحوا تماماً أن الكلمة لم يتنازل عن طبيعته”؛ ولم يتعرض لأي “فقدان أو نقصان في الهيبوستاسيس الخاص به”. وعندما أكدوا أنه ’صار متجسداً‘ أوضحوا أن “الجسد لم يكن إلاّ جسداً، ولكنه لم يأتِ إلى الوجود بنفسه (منفرداً) بمعزل عن الاتحاد مع الكلمة”.

ولذلك يكون من الصحيح أن نقول أن ” الكلمة، قبل الدهور كان بسيطاً وغير مركب”، ولكن “عندما أراد أن يشابهنا بدون خطية، أُحضر الجسد إلى الوجود ولكن ليس مستقلاً أو منفصلاً”.

وتشير عبارة ’صار متجسداً‘ إلى أخذ الكلمة للجسد من العذراء، وهو الأخذ الذي به، وُلد مسيح واحد من مريم “من طبيعتين” أي اللاهوت والناسوت، وهو في آنٍ واحد الله وإنسان، كيان واحد له ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت وذات الجوهر معنا فيما يخص الناسوت.

وهكذا فإن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تؤكد ثلاثة نقاط:

  • أن الله الكلمة نفسه هو الذي صار متجسداً، بدون أن يحدث له أي تغيير.[17]

  • وهو في تجسده، لم يتخذ ناسوتاً كان قد تكوَّن من قبل في رحم العذراء. فالناسوت تكوَّن فقط داخل الاتحاد.[18]

  • أن الكلمة المتجسد هو شخص واحد (مركب)، فالذي كان “بسيطاً منذ الأزل”، أخذ في نفسه ناسوتاً محدداً وبالتالي أصبح “مركباً”.[19]

واللاهوت (الله) هو خالق وليس مخلوقاً، ولكن الناسوت هو مخلوق، وقد التقى الإثنان في وحدة في يسوع المسيح. ولهذا توجد فيه (أي في المسيح) الأشياء الإلهية والأشياء البشرية في حقيقة وكمال كل منها.

وفي الواقع، يمكننا على مستوى التأمل في المسيح الواحد أن ندركها (أي ندرك كلاً من الأشياء الإلهية والأشياء البشرية)، ولكننا لا يجب أن نتمادى لنخصص لكل طبيعة حالة مستقلة عن الأخرى، لأننا هنا لن نستطيع أن نعترف بالتجسد الذي لم يأتِ فيه الناسوت إلى الوجود بصورة منفصلة أو مستقلة.

وفي مناقشته لهذا الأمر أشار البطريرك ساويروس إلى تعليم الآباء الذين سبقوه، ومن بينهم تعليم اللاهوتيين الكبادوك.[20] وكان الآباء الكبادوك في دفاعهم عن الإيمان النيقاوي ضد إفنوميوس (Eunomius) الأريوسي قد شرحوا كيف أن الابن المساوي مع الآب، يتكلم بكلمات تحمل معنى أنه أقل من الآب.

وأكد البطريرك ساويروس أن الآباء الكبادوك في تفسيرهم لهذا الأمر لم ينسبوا الأقوال والأعمال المتواضعة للطبيعة البشرية،[21] ولكنهم نظروا إلى التجسد كإخلاء (وتدبير) للابن، وأعزوا الأقوال والأعمال (كلها) إلى الابن المتجسد. وبعد اقتباس عدد من الفقرات التي تؤيد هذا المفهوم من كتابات الآباء الكبادوك، أكد البطريرك ساويروس أنهم تجنبوا بحرص فكرة تقسيم الابن المتجسد.

وأضاف أنه على هذا النحو “أكد ق. باسيليوس أنه أصبح متجسداً وصار إنساناً، وأن كل شيء يخص التجسد هو خاص به سواء كان كلمات أو أفعال، ولكنه فصل وقت التجسد عن الوقت الذي قبل التجسد”. وأظهر البطريرك ساويروس أن ق. باسيلوس قال كذلك “أن الأشياء المتواضعة لا يمكن تطبيقها على اللاهوت، ولكن على التجسد”.[22]

فهل يمكن أن يوصف هذا الموقف أنه ’مونوفيزايت‘ (أي موقف من يؤمن بالطبيعة الوحيدة)؟. وعلى الرغم من أن هذا الوصف لم يكن قد أُطلق بعد على التقليد اللاهوتي لغير الخلقيدونيين في القرن السادس، إلاّ أن البطريرك ساويروس كان قد أدرك مقدماً ذلك الاحتمال وحاول أن يحتاط له بتكرار فقرتين اقتبسهما من كتابات ق. كيرلس. ونورد هنا إحدى هاتين الفقرتين:[23]

“حينما كنا نؤكد أن طبيعة الكلمة هي واحدة، فهل قبلنا أن نقول ذلك فقط بدون أن نضيف (كلمة) ’متجسدة‘ ومن ثم نجعل التدبير كأنه شيء بلا أهمية. ومن المحتمل أنه كان لديهم أساس ـ له ما يبرره ـ في تساؤلهم الخاص بكمال الناسوت أو كيف تم الحفاظ على (تأكيدنا على) تمام (الطبيعة) البشرية ومدلول الأوسيا الخاص بنا (في المسيح)؟. وحيث إننا ذكرنا في اعترافنا كلمة ’متجسدة‘، فليطرحوا جانباً العصا التي قد رفعوها ضدنا”.

وهكذا فعند الإشارة إلى المسيح، لا ينبغي استخدام عبارة “طبيعة واحدة” بدون كلمة ’متجسدة‘. ومن ثم فإن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في العبارة ليست هي ’واحدة بسيطة‘؛ ولكنها الواحدة التي تتضمن كمال اللاهوت والناسوت، فيسوع المسيح ليس ’ذو طبيعة وحيدة (single-natured)‘ ولكنه هو طبيعة واحدة ’مركبة (composite)‘.

وكان ق. كيرلس قد عبَّر عن هذا المفهوم بتعبيرات جلية لا تُخطئ، وقام البطريرك ساويروس باقتباسها مرات ومرات في كتاباته، ومنها على سبيل المثال:[24]

“ولا تُستخدم كلمة ’واحد‘ للإشارة فقط إلى تلك (الأشياء) البسيطة في طبيعتها، ولكنها تُستخدم أيضاً للإشارة إلى التي لها وجود مركب، والتي يُعتبر الإنسان مثالاً جيداً لها”.

ولا يكون من الصحيح اعتبار أن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، مكافئة في المعنى لكلمة ’وحيدة‘ أو مونوس (monos)‘ التي في وصف ’مونوفيزايت (monophysite)‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويقول البطريرك ساويروس نفسه ما يلي:[25]

“وعندما يعترف بأن عمانوئيل هو طبيعة واحدة، فإنه يدرك الاختلاف بين الحقيقتين (realities) اللتين دخلتا في الاتحاد. ولكنه لا يفصل خواص الناسوت وينسبها إلى الناسوت منفرداً؛ كما لا يعزي الأمور الملائمة لله إلى اللاهوت منفصلاً، وإنما على العكس تعتبر تلك التي تنتمي للجسد وتلك التي تنتمي للاهوت أنها كلها تخص الشخص (الواحد) ككل”.

وكما ذكرنا من قبل، فقد تم الاعتراف بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” من جانب التقليد الخلقيدوني في الشرق. وسنولي اهتمامنا في وقت لاحق بالرد على السؤال: هل يختلف التفسير الذي قدَّمه الجانب غير الخلقيدوني لتلك العبارة عن التفسير الذي قدَّمه اللاهوتيون الخلقيدونيون المعروفون أمثال يوحنا الدمشقي؟.

ولكن ما ينبغي علينا ذكره في السياق الحالي، هو أن مصطلح ’طبيعة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كان يعني بالنسبة للبطريرك ساويروس كيان متفرد مخصخص أو ’هيبوستاسيس‘.
ومنذ عصر البطريرك ساويروس أضاف القادة غير الخلقيدونيين كلمتي “أو هيبوستاسيس” مباشرة بعد كلمة “طبيعة” (one incarnate nature or hypostasis of God the Word) ليوضحوا أنهم يعتبرون أن كلمة ’طبيعة‘ الواردة في العبارة إنما تشير إلى كيان خاص متفرد. ونستشهد هنا بعبارة واحدة للبابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية كان قد كتبها إلى بولس الأسود (Paul the Black) بطريرك أنطاكيا حيث يقول:[26]

“نحن نعترف أن الله الكلمة في الأيام الأخيرة قد صار متجسداً، بدون أن يطرأ عليه أي تغيير أو اختلاط؛ وبدون أن يخضع الجسد ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً ـ لأي اختلاط أو امتزاج بعد الاتحاد غير الموصوف وغير المنفصل.

ولم يؤثر الاتحاد الهيبوستاسي على الاختلاف والآخرية* (otherness) الذي للطبيعتين اللتين دخلتا معاً في الاتحاد، وكذلك لم تنقسم أي منهما أو تنفصل عن الأخرى. ولكن تكوَّن عمانوئيل من الإثنتين بلا انفصال من أجلنا، وطبيعته أي الهيبوستاسيس، واحد(ة)، وهي التي تكوّنت بالتركيب (in composition)”.#

وإذا أردنا أن نجمل كل ما سبق في كلمة واحدة، نقول أن التأكيد أن يسوع المسيح هو “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” إنما كان يعني بالنسبة للجانب غير الخلقيدوني أنه هو الله الابن في حالته المتجسدة (incarnate state).

 

3. عبارة “من طبيعتين”:

كانت الفكرة من وراء عبارة “من (κε) طبيعتين” هي التأكيد على أن “الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة” تتركب (composed) من طبيعتين.

ولكن تعبير “من طبيعتين” أصبح على الرغم من ذلك محل اعتراض بسبب المعنى المضلل الذي أُشير إلي وجوده في العبارة التي نطق بها أوطيخا في مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م. ولكن غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ لم يتبنوا هذا المعنى على الإطلاق، وفي الحقيقة قد يكون أوطيخا نفسه لم يقصد أن يؤكد ذلك المعنى في كلامه.

وكان اعتراض منتقدو مجمع خلقيدونية على عبارة “طبيعتين قبل الاتحاد”، هو أنها تحمل ضمنياً معنى أن الناسوت قد أتى إلى الوجود ككيان خاص حتى  قبل الاتحاد، وكان هذا هو نفس المضمون الذي رأوه في عبارة الأنطاكيين “طبيعتين بعد الاتحاد”، ولذا كان اللاهوتيون غير الخلقيدونيين يرفضون تلك العبارة باستمرار. ونورد هنا فقرة إضافية (للبطريرك ساويروس) توضح تلك النقطة:[27]

“وليس الأمر أن هيبوستاسيسين قد تكونا (أولاً) ثم أتيا معاً بعد ذلك كهيبوستاسيس واحد. فهذا شيء معترض عليه بل وحتى غير ممكن؛ لأن اللذين تكوَّنا في انفصال وانفرادية، يبقيان إثنين. ولهذا فهو (أي المسيح) قد تكوَّن مركباً ـ بغير تغيير ـ من (الطبيعتين) المختلفتين اللتين كل منهما ليست واحدة في الجوهر مع الأخرى”.

ومن هنا نرى أن المقصود من عبارة “من طبيعتين” لم يكن هو التأكيد على الوجود الزمني المسبق للطبيعتين كحقيقتين متفردتين.

ومن خلال الفقرة التالية من كتاب البطريرك ساويروس الأنطاكي ضد النحوي (the grammarian)، ستتضح الفكرة التي كان يحاول التأكيد عليها باستخدام عبارة “من طبيعتين”:[28]

“وهو كان في أزلية مشتركة مع الآب والروح القدس، ولكنه عندما أراد أن يصير إنساناً من أجلنا ـ بينما يظل بغير تغيير كما هو عليه ـ سكن كما هو مكتوب في العذراء والدة الإله بطريقة فائقة للعقل. وبالروح القدس وحَّد بنفسه ـ من خلال اتحاد طبيعي متزامن ـ جسداً (مأخوذاً) منها له روح وعقل، وهذا الجسد هو واحد معنا في الجوهر.

ولذلك نقول عن الاتحاد أنه هيبوستاسي (أقنومي)، لأن هذا الجسد تكوَّن وأتى إلى الوجود في الاتحاد ذاته مع الكلمة الذي هو قبل الأزمنة، وفي تزامنه معه (أي مع الكلمة) أخذ الجسد تفرده المحدد (concreteness) داخل الاتحاد. وعلى هذا النحو، ومن الإثنين ـ أي من اللاهوت والناسوت ـ يُعرف المسيح بغير تقسيم بأنه عمانوئيل واحد.

وهو قد حُبل به وولد في الجسد، مثل الروح التي تُولد مع الجسد في كل إنسان. فالأولى (أي الروح) هي من جوهر مختلف عن الأخير (الجسد)، ورغم ذلك يكتمل الإنسان في طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من كليهما. وبنفس الطريقة ـ كما هو مكتوب ـ اشترك الله الكلمة في اللحم والدم وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية”.

وهكذا تبدو الفكرة التي ركَّز عليها البطريرك ساويروس في غاية الوضوح، وهو في الحقيقة يؤكدها في العديد من كتاباته. فبكونه طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، فإن يسوع المسيح يتركب من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين تتحدان فيه بنفس الطريقة التي يتحد بها الجسد والروح في كل إنسان.

وقد استخدم كل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين في العصور القديمة نموذج (الجسد – الروح) لشرح تلك الفكرة، ولكننا ينبغي أن نقول أن هذا النموذج في الحقيقة لا يُعتبر كافياً لشرح الفكرة بصورة كاملة. فأولاً هذا النموذج يأخذ بالتقسيم الثنائي للجسد والروح المستخدم في الأنثروبولوجي* اليوناني؛ وثانياً فإن التمييز الذي يرسمه بين الجسد والروح ليس مثل الفرق بين الإنسان والله.

ولكن مع تسليمنا بكل هذا، ينبغي علينا أن نتذكر حقيقة أن هذا النموذج كان قد استُخدم على نطاق واسع ـ كمثال توضيحي للإتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح ـ بواسطة اللاهوتيين القدامى في كل من الشرق والغرب على حدٍ سواء. ففي الغرب على سبيل المثال، استخدمه (Quinquenque Vult)، أما في الشرق فقد استخدمه رجال الجانب الخلقيدوني بنفس الكثرة التي استخدمه بها معارضوهم.

وإذا بحثنا عن الفكرة التي أراد اللاهوتيون غير الخلقيدونيين توضيحها من هذا النموذج، سنجد أنها التأكيد على وحدة المسيح، فكلمات وأفعال المسيح ـ على سبيل المثال ـ كانت بالنسبة لهم هي تعبيرات لـ ’الله – الإنسان‘ (الله المتأنس). وفي الإنسان، يكون لكل من الجسد والروح دوره الخاص في كل كلماته وأفعاله، ولكننا لا نستطيع أن نقول أن هناك أقوالاً وأفعالاً معينة تختص حصرياً بالجسد، وهناك أقوالاً وأفعالاً أخرى تختص بالروح، وإنما كل ما نستطيع قوله فقط هو أن كل كلمات وأفعال الإنسان هي ناشئة عنه (كوحدة أو ككل).

وبنفس الطريقة في المسيح، الحقيقتان الإلهية والإنسانية كائنتان بدون أي نقصان؛ ولكن بالنسة للأقوال والأفعال فإنها كلها تعبيرات للمسيح الواحد. ويعد استخدام نموذج (الجسد – الروح) على هذا النحو استخدام شرعي باعتراف الجميع.

ويتضمن تعبير “من طبيعتين” فكرتين أساسيتين:

أولاً، هو يؤكد أن “من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين كل منهما كاملة بحسب أصل مبدأها (جوهرها)، ظهر عمانوئيل بكونه واحداً، بكونه طبيعة واحدة أو هيبوستاسيس واحد لله الكلمة”.[29] وهكذا صار اللاهوت والناسوت بالفعل معاً في واحد. وبالضبط كما أن اللاهوت دخل في الإتحاد من خلال الله الابن، فإن الناسوت صار في الإتحاد في حالة مخصخصة متفردة (individuated state) . ويذكر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً وتكراراً حيث يقول:[30]

“إن الله الكلمة هو هيبوستاسيس واحد، وقد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً (أقنومياً)‘ جسداً خاصاً واحداً له روح عاقلة ومفكرة، وهذا الجسد أخذه من مريم والدة الإله (ثيؤطوكس)”.

إذن الطبيعتان اللتان التقيتا في الإتحاد كانتا هيبوستاسيسين (أي في الحالة الأقنومية المخصخصة)، هذا بالرغم من أن الناسوت أخذ الحالة الهيبوستاسية فقط في داخل الإتحاد.[31] ونجد هذا المعنى في كلمات البطريرك ساويروس التالية:[32]

“والطفل، على سبيل المثال، لم يتكوَّن في الرحم بمفرده ـ كما يُعلِّم الهراطقة ـ ولكن الله الكلــمة منذ عين البداية ـ أي منذ أول لحظة تكوَّن فيها الجسد المحيَ بروح وعقل داخل الرحم ـ كان متحداً به. وهكذا لم يكن هناك أي فاصل بين تكوّن الجسد (حضوره للوجود) وبين اتحاده مع الله الكلمة”.

ونتيجة لهذا الاتحاد، فإن يسوع المسيح قد حُبل به في رحم العذراء بكونه شخص واحد. وهذا الشخص الواحد لم يكن ببساطة هو الله الابن. لأنه بينما أن الله الابن هو إلهي فقط، فإن يسوع المسيح بشخصه الواحد قد تكوَّن من اتحاد اللاهوت مع الناسوت. وهكذا فإنه في ذات اللحظة، التي التقى فيها اللاهوت والناسوت في رحم العذراء فقد كوّنا معاً مركزاً بؤرياً (focal point) صار فيه كل ما هو إلهي بحسب الجوهر وكل ما هو إنساني بحسب الجوهر، هناك معاً في حالة إتحاد.

ولذلك كان تطابق المسيح مع الكائنات البشرية الأخرى هو تطابق حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة، سواء في تكوينه في الرحم أو في ولادته كطفل بشري أو في حياته على الأرض بعد ذلك. ويقول البطريرك ساويروس في هذا الصدد:[33]

“وحيث إن المسيح الواحد هو طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من اللاهوت والناسوت ـ لله الكلمة المتجسد ـ فإن ذلك يؤدي بالقطع إلى أنه ـ في نفس الوقت ـ يُعرف بكونه واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وهو نفسه ابن الله وابن الإنسان. وبالتالي فهو ليس ابنان ولكنه هو نفس الابن الواحد”.

إذن فيسوع المسيح هو وحدة  (unity)منذ أول لحظة حُبل به فيها في الرحم.

ثانياً، كان المقصود من عبارة “من طبيعتين” هو التأكيد ـ كما ذكرنا قبلاً ـ على استمرار (وجود) اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد طوال الوقت منذ تكوينه في رحم العذراء. ولذلك فعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نقسم الأقوال والأفعال بين اللاهوت والناسوت، إلا أننا قد نميِّز ـ في الفكر (contemplation) فقط ـ بعض الكلمات والأفعال بكونها إلهية والبعض الآخر بكونها بشرية.[34]

والحقيقة أن القضية ليست في أن الناسوت لم يكن له مكان في الحياة المتجسدة لابن الله، ولكنها في أن الناسوت كان متحداً مع اللاهوت. وبسبب الاتحاد كان يسوع المسيح مركباً من اللاهوت والناسوت طوال حياته على الأرض. ومن الواجب أن نضيف أيضاً أنه حتى بعد القيامة لم يتوقف عن كونه من طبيعتين.

وكما رأينا سابقاً، كانت النقطة الفعلية التي على أساسها رفض الجانب غير الخلقيدوني قبول تعريف إيمان مجمع خلقيدونية، تتعلق بعبارة “في طبيعتين”. فمن وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، كانت عبارة “في طبيعتين” من الممكن أن تعني أن الله الابن والإنسان يسوع قد اتحدا في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط.

 وبسبب هذا القلق من كلمة ’في‘ (التي في عبارة ’في طبيعتين‘) رأى الجانب غير الخلقيدوني أنه يمكن الحفاظ على المعنى من خلال عبارة “من طبيعتين” بالإضافة إلى كلمة ’متجسدة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” وكلمة ’مركبة أو مركب‘ في عبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”، وكذلك من خلال التأكيد على أن الاختلاف بين الطبيعتين يمكن رؤيته على مستوى الفكر (فقط).

وكان القصد من وراء كل هذه التفسيرات الدقيقة والفروق المحددة بعناية هو التأكيد على وحدة المسيح، ولم يكن القصد أبداً هو استبعاد أي من الطبيعتين.

 

4. عبارة “اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)”:

كان اتحاد الطبيعتين (في المسيح) هو اتحاد هيبوستاسي (أقنومي). وقد أصَّر كل من ق. كيرلس والجانب السكندري على عبارة “إتحاد هيبوستاسي” في مواجهة نسطوريوس والأنطاكيين. وكان الجانب الأنطاكي يرفض تلك العبارة على الدوام، وهناك فقرة اقتبسها البطريرك ساويروس من ثيؤدوريت أسقف قورش يوضح فيها وجهة نظره بشدة، حيث قال:[35]

“ولكننا لا نعترف أبداً بالاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)، لأنه يتعارض مع الأسفار الإلهية، ومع الآباء الذين فسَّروها”.

وقد أقر مجمع خلقيدونية هذه العبارة ـ كما ذكرنا ـ من خلال اعترافه بـ “هيبوستاسيس واحد”، ومن خلال تبنيه للرسالة الثانية لكيرلس ضد نسطوريوس والتي تضمنت تلك العبارة.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني مع ذلك، أكد أنه في سياق قبول المجمع لطومس ليو ولعبارة “في طبيعتين”، وفي ســـياق تبرئته لثيؤدوريت أسقف قورش ـ الذي كان يعتبر مصطلح هيبوستاسيس مرادفاً لمصطلح بروسوبون ـ وفوق كل ذلك في غياب إيضاح المعنى الذي كان يراه المجمع في مصطلح ’اتحاد هيبوستاسي‘، ففي ضوء كل ما سبق دفع الجانب غير الخلقيدوني بأن مجمع خلقيدونية لا يمكن أن يكون قد أخذ المصطلح بالمعنى الذي سعى الآباء أن يؤكدوه من وراء استخدامه. ولذلك أثناء مناقشة هذا الأمر، تساءل البطريرك ساويروس: ما هو معنى أن المسيح “هيبوستاسيس واحد” بالنسبة لمجمع خلقيدونية.[36]

ويذكر البطريرك ساويروس أن المدرسة النسطورية اعترضت على “الاتحاد الهيبوستاسي” لأن الاتحاد من وجهة نظر النساطرة كان اتحاداً لأقنومين كل منهما أتى بالفعل بشكل منفصل، وعلى أساس أن ’الطبيعة‘ بالنسبة لهم كانت تعني كائن محدد. وعلى سبيل المثال يذكر البطريرك ساويروس أن نسطوريوس كتب ما يلي:[37]

“إن الاتحاد لم يكن من (from) طبيعتين ولكن لـ (of) طبيعتين”.

والسؤال هنا هو كيف واجه مجمع خلقيدونية هذه المشكلة؟

الحقيقة إنه عند هذه النقطة بالتحديد، فشل كل من العالِمين ليبون (Joseph Lebon) وأندريه (Andre de Halleux) في ابراز وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني بموضوعية.[38]

فتعليق ليبون على سبيل المثال، بأن تعليمهم الخريستولوجي (أي تعليم الجانب غير الخلقيدوني) ينتمي إلى ما قبل خلقيدونية، يمكن الرد عليه بأن طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ينتميان إلى ما قبل أفسس (أي يفتقدان إلى تحديدات مجمع أفسس). وكانت وجهة نظر غير الخلقيدونيين  ـ  كما أوضحنا ـ  هي أنه لا البابا ليو ولا مجمع خلقيدونية قد أخذا قرارات مجمع أفسس عام 431م والاتفاق الذي سبق إعادة الوحدة عام 433م بجدية كافية، كما أنهم كذلك لم يقوموا بتوضيح ما كانوا يقصدونه بادعائهم رفض النسطورية.

وكان الجدل النسطوري قد بدأ بالقضية التي أثارها نسطوريوس في تطبيق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم. وهذا الأمر ذاته كان له تاريخ في التقليد الخريستولوجي لمدرسة أنطاكية، فكما رأينا من قبل[39] ـ وسوف نرى أكثر فيما بعد[40] ـ كان الفكر اللاهوتي للأنطاكيين الذي يصر على “طبيعتين بعد الاتحاد” هو الأساس الذي شكك في إمكانية إطلاق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم.

وفي مواجهة هذه الخلفية، بدأ آباء الإسكندرية ومَنْ يتفقون معهم في بناء فكر لاهوتي يعترف بلقب ’ثيؤطوكس‘ ويستبعد مفهوم ’طبيعتين بعد الاتحاد‘. ولكن الغريب أن البابا ليو ومجمع خلقيدونية صدَّقا على لقب ’ثيؤطوكس‘ وعلى عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ كليهما معاً، بدون أن يقدِّما تفسيراً عن كيف يمكنهما أن يجمعا بين الإثنين معاً.

وهذه في الحقيقة هي المشكلة المطلوب مواجهتها فيما يتعلق بالنزاع بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن بدون افتراض مسبق بأن مجمع خلقيدونية عام 451م قدَّم بالفعل مساهمة (جديدة) ذات معنى وأن منتقديه كانوا على خطأ.

أما بالنسبة لعبارة ’اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)‘، فقد كانت في الحقيقة تهدف إلى المحافظة على مفهومين على الأقل:

أولاً: هي تؤكد أن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، وحَّد بنفسه ناسوتاً. وعلى الرغم من أن الناسوت لم يكن في ذاته هيبوستاسيس (مستقل) في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، إلا أنه صار مخصخصاً ومتفرداً وبالتالي تقَبَّل حالته الهيبوستاسية في الاتحاد مع الله الابن.

ثانياً: تفيد هذه العبارة التأكيد على أن اتحاد الطبيعتين كان داخلياً وحقيقياً. ويمكننا أن نوضح هذه النقطة من خلال الرجوع إلى معاني المصطلحات التي ذكرناها سابقاً، فالهيبوستاسيس هو الأوسيا بكامله حينما يأخذ وجوده المحدد، والبروسوبون يدل على الهيئة الخارجية للشيء أو الشخص التي يتمايز بها كل هيبوستاسيس من نوع (class) معين عن الآخر الذي من نفس النوع.

وبناءً على هذه المعاني، نستطيع أن نقول أنه بالاتحاد الهيبوستاسي للاهوت والناسوت، كان هناك حضور للاهوت الابن والناسوت معاً في يسوع المسيح. ولكن هذا لم يُحدِث مع ذلك أي تغيير لا في الله الابن ولا في الناسوت الذي اتخذه. وهذا المعنى هو ما نجده في كلمات البطريرك ساويروس إلى نيفاليوس (Nephalius):[41]

“لقد بقي الجسد جسداً، وظل اللاهوت لاهوتاً. ولم يتحول أي منهما إلى طبيعة الآخر. ولكن اتحادهما وإلتقاءهما معاً قد حدث في تركيب الطبيعة الواحدة المتجسدة للابن”.

وهكذا فإنه في الاتحاد الهيبوستاسي، تظل سلامة الطبيعتين بكل خواصهما وقدراتهما (ملكاتهما) محفوظة بدون اختلاط أو انفصال. وحيث إن الطبيعتين تتحدان داخلياً (inwardly) فلذلك يكون هناك تبادل للخواص (exchange of properties).[42] ويكون الناسوت حاضراً مع لاهوت الله الابن، كليهما في شخص المسيح (الواحد المركب) وفي حياته في كل لحظة.

ومن هنا فإنه في كل كلمة تكلم بها (المسيح) وفي كل فعل قام به، كان الناسوت قائماً فيه في حالة الاتحاد. ولم يكن الناسوت مختلطاً مع اللاهوت، ولا كان سلبياً، بل على العكس اتخذه الله الابن ناسوتاً خاصاً به* (as his own) بكل ما له من حرية مخلوقة، ووعي إنساني وكل الوظائف والخواص المنتمية للناسوت، ولهذا فبدون أن يفقد الناسوت طابعه الجوهري، أصبح متقلداً بالمجد الإلهي.[43]

وقد تحتاج الجملة الأخيرة لبعض التوضيح، حيث إنها لا تعني أن ناسوت المسيح قد خضع لنوع من التحول إلى الألوهة، أو أن هدف الجنس البشري يكمن في بلوغ مثل هذا التغيير، ولكنها تعني في المقابل أن الإنسان بخلقته على صورة الله، كان له مصير نهائي يصبح فيه متشبهاً بالله (God-like) ممتلئاً بالمجد الإلهي. ويسوع المسيح وحده هو الذي حقق ذلك في حياته، واحتفظ بذلك كإنسان بدون أن يحدث أي نوع من التحول لناسوته على الإطلاق. وهذه هي الغاية النهائية التي يتطلع إليها الإنسان في إيمان ورجاء، معتمداً على نعمة وقوة الرب المتجسد كما أعلن في موته وقيامته.

وتبقى نقطة واحدة جديرة بالاهتمام في هذا الفكر اللاهوتي. فكما رأينا، كان الأنطاكيون يؤمنون بنظرية الإتحاد البروسوبي،[44] وبالتالي يؤكدون أن المسيح كان إنساناً سكنه الله الابن ولذلك كان كل شيء إنساني فيه متحداً باللاهوت. أما السكندريون فكانوا يؤمنون أن تلك النظرية غير كافية للاعتراف بالتجسد، ومن هنا كانوا يؤكدون على الاتحاد الهيبوستاسي.

ولكي نوضح هذا الأمر بطريقة أكثر نقول أن الاتحاد البروسوبي ـ الذي يؤمن به الأنطاكيون ـ يستطيع أن يفسر فقط العلاقة التي كانت قائمة في الأصل بين الله والإنسان. وحيث إن الإنسان لم يقدر أن يحافظ على تلك العلاقة؛ فإن الله الكلمة ـ برحمته ـ وحّد هيبوستاسياً (أقنومياً) بذاته ناسوتاً لكي ما يثبِّت الإنسان في حقيقة نعمة خلاصه للجنس البشري.[45]

وهكذا فإن العلاقة التي تأسست بين الله والإنسان في يسوع المسيح هي علاقة حميمية وشخصية أكثر من تلك التي كانت قائمة بين الله وآدم قبل سقوطه. وسيستمر يسوع المسيح إلى الأبد في حالة هذه العلاقة بكونه ’الله ـ الإنسان‘ (الله المتأنس).

 

5. عبارة “هيبوستاسيس واحد” وعبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”:

يعترف كل من اللاهوتيين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين بأن يسوع المسيح هو “هيبوستاسيس واحد”، رغم أنهما لا يتفقان في تفسير ماهية الهيبوستاسيس الواحد. والهيبوستاسيس الواحد (للمسيح) عند اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو ’هيبوستاسيس مركب‘ وهم يعتبرون أن عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب” هي مرادف لعبارة “طبيعة واحدة مركبة”. أما الجانب الخلقيدوني ـ على الأقل في الشرق ـ فيفصل بين العبارتين.

ونجد أن يوحنا الدمشقي ـ على سبيل المثال ـ يفضل عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب”* وليس عبـــارة “طبيعة واحـــدة مركـبة”.[46] ويصـــر شــــــارلز مــوللر (Charles Moeller) على أن تعبير “هيبوستاسيس مركب” هو تعبير مبهم وغامض وغير مقبول من الكنيسة.[47] ولو كان مصطلح ’طبيعة‘ يُستخدم بمعناه العام المجرد، وليس كحقيقة محددة (مخصخصة)، لكان رفض الفكر اللاهوتي الخلقيدوني لعبارة “طبيعة مركبة” يصير مفهوماً.

ولكن السؤال هو: كيف يمكن لناسوت المسيح كحقيقة عامة مجردة أن يدخل حيز الزمان والمكان ما لم يكن في صورة شخص مرئي وملموس (أي في صورة محددة)؟. ويبدو أن الفكر اللاهوتي الخلقيدوني هنا كان قلقاً بشدة من أجل استبعاد احتمالية الاضطرار للاعتراف بأن الله هو ’رابوع‘ بدلاً من ثالوث. وهكذا نرى أنه كان هناك فرق بين التفسير الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذه النقطة.

وبواسطة عبارة “هيبوستاسيس مركب” أو “طبيعة مركبة” يؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الوجود المتزامن للاهوت والناسوت في المسيح الواحد. وهذا يعني أن شخص يسوع المسيح الواحد قد تكوَّن بواسطة اتحاد اللاهوت والناسوت. وكان تعريف الإيمان الخلقيدوني قد أكد أن طبيعتي اللاهوت والناسوت “يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”.

وقد أصر الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الطابع المركب لشخص المسيح، وكان هذا الفكر مؤسس على مفهوم سكندري الأصل. فإذا كان ’الهيبوستاسيس الواحد‘ ـ الذي جاء في اعتراف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يؤخذ بكونه “هيبوستاسيس واحد مركب”، فإن هذا يعد إثباتاً إضافياً أن البطريرك ساويروس ومن يتفققون معه كانوا بالتأكيد على حق في حكمهم أن مجمع خلقيدونية لم يحافظ على مدلولات المفاهيم السكندرية التي قصدها الآباء.

ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني أن اتحاد اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح لم يكن اتحاداً لطبيعتين في صورتهما العامة المجردة، ولكن اتحاداً لله الابن مع الناسوت الذي صار مخصخصاً (individuated) في الاتحاد. وبالرغم من أن الناسوت لم يكن هيبوستاسيس مستقل في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، فقد صار (الناسوت) في الحالة الهيبوستاسية (hypostatic) في الاتحاد.

ومن هنا أصر كل من البطريرك ساويروس وتقريباً كل اللاهوتيين الآخرين المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني، على أن الهيبوستاسيس الواحد ليس ’بسيطاً‘ (simple) ولكنه ’مركباً‘ (composite). وكان هذا المفهوم الكيرلسي ـ كما ذكرنا ـ يُظهر أن المقصود بمصطلح “طبيعة واحدة” ـ كما هو محفوظ في التقليد السكندري ـ لا يلائم وصفه كمكافئ لمصطلح ’الطبيعة الوحيدة‘ (monophysite).

وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب البطريرك ساويروس في كتابه “ضد النحوي”:[48]

“إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين* الذي منهما تركب (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية. لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما، وبروسوبون واحد على نحو موحد* (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.

وهكذا يصبح الأمر واضحاً جداً، فالهيبوستاسيس الواحد ليسوع المسيح هو من كلا اللاهوت والناسوت. ولم يكن على الإطلاق القصد من هذا التأكيد هو التقليل من السيكولوجية الإنسانية الخاصة بربنا، وإنما الاعتراف بها بدون الوقوع في موقف يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد.

 

[1]   للإطلاع على وجهة نظر مختصرة حول الموضوع انظر:

(R.V. Sellers: Two Ancient Christologies, London, 1954, p. 89, especially note 2)

[2] G. L. Prestige, God In Patristic Thought, London, 1952, p. 197.

[3]   يقول يوحنا النحوي (بحسب إقتباس البطريرك ساويروس): “ولهذا السبب قَبِل المبارك كيرلس هؤلاء الذين أكدوا ’طبيعتين‘ لعمانوئيل، لكي يفلتوا من هرطقة أبوليناريوس. ومرة أخرى صدق على التأكيد على ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ لكي يدين نسطوريوس. فعندما يتم التأكيد على الأمرين فإنهما يشيران إلى الرأي الصواب، أما إذا تم استبعاد واحد منهما فقد يجعلنا هذا نقع في شر الآراء الهرطوقية”. انظر:  (Contra Gr., I, p. 131).

[4] Tractatus…., op. cit., p. 185.

[5]  المرجع السابق صفحة 190.

[6]  للرجوع إلى هذا الاعتراف انظر المرجع صفحة 258.

[7] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 20.

[8] المرجع السابق صفحة 21.

[9]  المرجع السابق صفحة 24.

[10] المرجع السابق صفحة 24.

[11] المرجع السابق صفحة 21. للرجوع إلى هذا المجمع انظر صفحة 239.

[12]  المرجع السابق صفحة 22.

[13]  المرجع السابق صفحة 22. واستمر البطريرك ساويروس بعد ذلك في التأكيد على أن النحوي في إتهامه للكيان غير الخلقيدوني أنه يؤمن بنظرية ’أوسيا واحد‘ لم يقدم حتى دليلاً واحداً على صحة ذلك الإتهام. (انظر المرجع السابق صفحة 23).

[14]  المرجع السابق صفحة 200.

[15]  المرجع السابق صفحة 203. وفي تفنيده لرأي النحوي طالبه البطريرك ساويروس بأن يريه كيف يمكن أن نعترف أن المسيح ’في إثنين أوسيا‘ (لأن الأوسيا هو الحقيقة العامة المجردة). كيف يمكن على سبيل المثال أن يكون أوسيا الجسد حتى ولو كان موجوداً قبل الإتحاد بالله الكلمة أن يتخصخص ويتفرد ولايزال باقياً كأوسيا؟ وهل أن الله الكلمة قد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً‘ الناسوت في عموميته (المجردة)؟ ألم يوحِّد بنفسه جسداً واحداً ذو روح وعقل ينتمي إلى الأوسيا البشري، أي إلى الجنس البشري بأكمله، وبهذا أصبح واحداً في الجوهر مع جنسنا؟ (المرجع السابق صفحة 267).

ويؤكد البطريرك ساويروس أن النحوي عليه أن يقر أن قصده الحقيقي ليس هو التأكيد على ’في إثنين أوسيا‘ وإنما ’في إثنين هيبوستاسيس‘ مما يحمل ضمنياً الاعتراف بأن الجنين قد تكون في الرحم بنفسه (مستقلاً) بمعزل عن الإتحاد بالله الكلمة. ويصر البطريرك ساويروس أنه لهذا السبب أكد النحوي على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ والتي بها نكون من أصحاب عقيدة ’البروسوبونين‘ و’الابنين‘ و’المسيحين‘”. (المرجع السابق صفحة 268).

[16] Philalethes, op. cit., pp. 131f.

[17]  “الله الكلمة الأبدي والذي بلا بداية، الذي ولد من الآب بغير ألم وبغير جسد، هذا قد صار متجسداً”. (المرجع السابق صفحة 131).

[18]  كتب البطريرك ساويروس: “لقد صار متجسداً بواسطة الروح القدس من القديسة مريم الدائمة البتولية والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، (وذلك بأن اتخذ) جسداً من نفس طبيعتنا ذو روح عاقلة مفكرة، وهذا الجسد لم يأتِ إلى الوجود قبل سكنى الله الكلمة في رحم العذراء”. وفي نفس الوقت أصر البطريرك ساويروس أن: “الله الكلمة وحَّد بنفسه الأوسيا الخاص بنا بأكمله ولم يترك أي شيء مما يتكون منه ناسوتنا”. (المرجع السابق صفحة 132).

[19]  هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة.

[20] Contra Grammaticum, op. cit., II, pp. 110f.

[21] كتب البطريرك ساويروس: إن ق. باسيليوس قد عرَّف ذاك الذي صار متجسداً بأنه غير منقسم. وهو يرسم فاصلاً بين وقت ما قبل التجسد ووقت ما بعد التجسد، فقبل التجسد كان بغير جسد ولكنه بعد التجسد صار له جسد”. (المرجع السابق صفحة 117).

[22] المرجع السابق صفحة 115.

[23] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 34.

[24] المرجع السابق 1: صفحة 91.

[25] Ad Nephalium, op. cit., p. 29.

وهذا التعليق جاء بعد بعض المقولات المنسوبة إلى يوليان أسقف روما.

[26] C. S. C. O. vol. 17, p. 121.

*  أي اختلاف كل طبيعة عن الأخرى.

#  انظر الحاشية صفحة 283.

[27] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 185.

[28] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239-40.

وهنا كما في العديد من المواضع الأخرى، يستخدم ساويروس مثال الجسد-الروح في الإنسان.

* الأنثروبولوجي هو العلم الخاص بالإنسان

[29] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 87.

[30] المرجع السابق صفحة 148.

[31] وهذا التأكيد هو ما قد ذكرناه بالفعل. انظر الحاشية صفحة 283.

[32] المرجع السابق صفحة 184.

[33]  المرجع السابق صفحة 227.

[34]  هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة. ونقدِّم هنا مثالاً على ذلك حيث قال: “حينما نتأمل في الحقيقتين اللتين منهما تركب المسيح الواحد، سوف نرى في أذهاننا الطبيعتين اللتين التقيتا في الإتحاد غير المنقسم. أما بعد التفكير في الإتحاد، فليس من الصواب أن نؤكد على ’طبيعتين‘، لأن الطبيعتين لم تأتيا إلى وجودهما المحدد (داخل الإتحاد) منفصلتين، ولكن تكوَّن منهما معاً الهيبوستاسيس الواحد والطبيعة الواحدة لله الكلمة. (Contra Gr., I, p. 119)

[35] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 9.

[36] انظر صفحة 384 وما يليها.

[37] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 28.

[38]  انظر خاتمة مقال ليبون فى:

(‘Le Christologie du Monophysisme Syrien’ in Das Konzil Von Chalkedon, vol. 1)

وانظر أيضاً الملاحظات الختامية لأندريه في: (Adler de Halleux, op. cit.,)

[39]  انظر صفحة 382.

[40] انظر صفحة 535 وما يليها.

[41] Ad Nephalium, op. cit., p. 24.

[42] هذه النقطة سبق الإشارة إليها. انظر صفحة 405.

*  كثيراً ما كان ق. اثناسيوس يستخدم نفس هذا التعبير في حديثه عن تجسد الابن. (انظر ق. أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة. فصل: 8، 10، 20، 25، 31)

[43]  لقد تبنى الجانب الأنطاكي والجانب الخلقيدوني وجهات نظر متشابهة برغم وجود اختلافات طفيفة. أنظر صفحة 519 وصفحة 539.

[44]  انظر صفحة 379. من أجل توضيح أكثر انظر صفحة 540.

[45]  وكما ذكر ق. بولس أنه “حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً”. (رو 5: 20)، فقد أكد مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد خلق الله الإنسان من جديد في داخل شخصيته الخاصة. انظر صفحة 448.

*   وحتى بالنسبة لتعبير ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ يختلف يوحنا الدمشقي في تفسيره تماماً عن البطريرك ساويروس الأنطاكي. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[46]  انظر صفحة 511.

[47] See essay in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., p. 703.

[48] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 187.

*  يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).

* أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

Exit mobile version