مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

 

الطريق إلى خلقيدونيّة

بعد انفضاض المجمع المسكوني الثالث ظهر أرشمندريت اسمه أوطيخا رئيس أحد أديار القسطنطينيّة، وكان من ألد اعداء نسطوريوس المبتدع. فلم يكتف بمـا حدّده المجمع في أفسّس ضد بدعته فتطرّف إلى القول بإنّ ربنا يسوع المسيح مؤلَّف من طبيعة واحدة وأنّ جسده غير مساوٍ لجسدنا في جوهره بما أنّه جسد إله وإنّ الطبيعة البشريّة ابتُلِعَت وتلاشت باتحادها مع الطبيعة الإلهيّة.

ولإنّه كان رئيس دير أيوب في الربع (الحي) السابع من المدينة، لذا فقد كان يقود 300 راهب لمدة تزيد عن الثلاثين عامًا، ومن خلال ابنه بالمعموديّة (الذي هو ابن أخيه) كريسافيوس Chrysaphius كبير موظفي البلاط الملكي استطاع أوطيخا الوصول إلى البلاط. وبينما كان المناخ الكنسيّ مُلبدًا بغيوم الخلاف بين الجانب السكندريّ ونظيره الأنطاكيّ، واجه أوطيخا مقاومة ومعارضة من الأنطاكيّين لأنّه كان متعصبًا جدًّا للسكندريّين، وهكذا زاد من حدة التوتر.[1]

وفي سنة 448 قدّم يوسابيوس أسقف دوريلاوس (دوريلوم) في فريجيّة إلى القسطنطينيّة ورفع شكواه على أوطيخا إلى فلافيانوس البطريرك القسطنطينيّ. فجمع هذا مجمعًا من 31 أسقفًا و32 أرشمندريتًا وبعد محاولات عديدة حضر أوطيخا إلى المجمع وسُئِل عن إيمانه فصدر الحكم بضلاله وتجديفه وجُرّد من الكهنوت وقُطِع من الشركة وعُزِل من رئاسة الدير.

وقد زار يوسابيوس أسقف دوريليم أوطيخا[2] في ديره بالقسطنطينيّة مرات عدّة واكتشف أنّ عقيدته غير أرثوذكسيّة، إذ يعتقد بالامتزاج.

وسعى أوطيخا وأنصاره لدى الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير فكتب هذا إلى البابا ليو الأوّل يطعن بالبطريرك فلافيانوس ومجمعه. فكتب البابا مستفسرًا ورد عليه الجواب فوافق على الحكم الذي أصدره مجمع فلافيانوس.

وأمر ثيودوسيوس بعقد مجمع ثان في القسطنطينيّة فعقد في نيسان سنة 449 وأيّد حكم المجمع السابق

وكتب ليو رسالة مجمعيّة مسهبة تعرف باسم “طومس لاون” ثبت فيها تعليم فلافيانوس وضلال أوطيخا.

موقف كنيسة الإسكندريّة

شعر البابا ديسقوروس بخطورة انتشار أفكار ثيودوريت أسقف قورش، وإيباس أسقف الرُها في الشرق، تلك التي تهاجم عقيدة البابا كيرلس السكندريّ. وكذلك انتشار تعاليم ثيودور الموبسويستيّ ونسطور في كثير من المناطق في المشرق. وأمام اعتراف أوطيخا الخطيّ المخادع بأنّه:

”يرفض هؤلاء الذين يقولون إنّ جسد ربنا يسوع المسيح قد نزل من السماء… لأنّ ذاك الذي هو كلمة الله نزل من السماء بدون جسد وتجسّد من جسد العذراء نفسه بدون تغيير ولا تحويل وبطريقة عرفها هو نفسه وأرادها، وذاك الذي هو دومًا إله كامل قبل الدهور، صار أيضًا إنسانًا كاملًا في آخر الأيام من أجلنا ومن أجل خلاصنا“.[3]

شعر البابا ديسقوروس أنّ فلافيان بطريرك القسطنطينيّة، ويوسابيوس أسقف دوريليم قد انضما إلى التيار النسطوريّ الموجود في الشرق حينما طُلِب من أوطيخا في مجمع القسطنطينيّة المكانيّ 448م حرم كلّ من لا ينادي بطبيعتين من بعد الاتحاد.

مجمع أفسّس الثاني 449م

 لم يرق لثيودوسيوس حكم المجمع، فأصدر أمره بعقد مجمع مسكونيّ في أفسّس في السنة نفسها 449، واستدعى ديوسقورس بطريرك الإسكندريّة نصير أوطيخا ليتولى رئاسة المجمع. وكتب ثيودوسيوس كذلك للبابا ليو بشأن هذا المجمع فأجاب البابا بإرسال نوَّابه الأسقف يوليانوس والقس رينادوس والشماس إيلاريوس.

وبعد استعراض وقائع مجمع أفسّس الأوّل 431م، ومجمع القسطنطينيّة المكاني 448م، وقراءة اعتراف أوطيخا المكتوب بالإيمان الأرثوذكسيّ قدّمه إلى المجمع مخادعًا.

وبعد الاستماع إلى آراء الحاضرين؛ حكم المجمع بإدانة وعزل فلافيان بطريرك القسطنطينيّة ويوسابيوس أسقف دوروليم وبتبرئة أوطيخا وإعادته إلى رتبته الكهنوتيّة. كما حكم المجمع بحرم وعزل كلّ من هيباس أسقف الرها وثيودوريت أسقف قورش وآخرين.[4] وحدّد المجمع أنّ ديودور الطرسوسيّ نسطوريّ.[5] ولم تُقرأ رسالة البابا ليو الأوّل إلى المجمع وهيَ المعروفة بطومس لاون.

وفي سنة 450 توفي ثيودوسيوس الصغير فخلفته شقيقته الملكة بلخريا وتزوجت بقائد جيشها مركيانوس الحسن العبادة ليشاركها في إدارة المملكة. وأوّل عمل قامت به نقل جسد الشهيد فلافيانوس إلى كنيسة الرسل القديسين في القسطنطينيّة. واهتمّت بعقد مجمع مسكونيّ وكتبت في ذلك إلى البابا ليو فأجاب البابا مستحسنًا عملها وعيّن موفديه الأسقف يوليانوس والقس باسيليوس.

وجرت مكاتبات بين الملك مركيانوس والبابا ليو بهذا الشأن أسفرت عن صدور أمر الملك بعقد المجمع في مدينة نيقية التي عُقِد فيها المجمع الأوّل وبعث برسائل الدعوة إلى كلّ الأساقفة.

ولكن الملك مركيانوس لم يتمكن من الذهاب إلى نيقية وأصيب بعض الأساقفة بأمراض، فصدر الأمر بنقل المجمع إلى خلقيدونيّة في جوار القسطنطينيّة. وبدأ اجتماعه هُناك يوم الأثنين في 8 تشرين الأوّل 451 في كنيسة القديسة أوفيمية المعظمة في الشهيدات. وحضر المجمع مركيانوس والملكة بلخريا زوجته وكثيرون من أمراء الدولة.

مجمع خلقيدونية 451م

لم يقبل البابا ليو الأوّل نتائج مجمع أفسّس الثاني 449م ومنح الحلّ الكنسيّ لثيودوريت أسقف قورش وأعاده إلى الشركة.[6]

وليقرّروا أنّه مورس عليهم ضغوط أو وقعوا على أوراق بيضاء أو أنّه قد تمّ التزوير في أوراق المجمع (ύπέγρψαν είς άγραφον χάρτην).

الأمر الهام أنّه خلال المناقشة اعترف الباب ديسقورس بإصرار بطبيعتين في المسيح قبل الاتحاد وطبيعة واحدة بعد الاتحاد ولكنها (متجسِّدة):

”لا يمكن أن نعقل طبيعتين ولكن واحدة للكلمة المتجسِّد…أنا أقبل من طبيعتين بعد الاتحاد لا يوجد طبيعتان“.

 “ού δεί νοείν δύο φύσεις،άλλά μίαν φύσιν τού Λόγου σεσρκωμένην…..τό έκ δύο δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι،τό δύο ού δέχομαι….Μετά τήν ένωσιν δύο φύσεις ούκ είσί”.

 حينها شرح يوسابيوس أسقف دوريليم وباسيليوس سيليفكياس وميلوفثونجوس اليوبوليتون وآخرين بأنّ في المسيح الواحد يوجد طبيعتين (طبيعتين في شخص واحد، رّبّ واحد معروف في طبيعتين

 δύο φύσεις έν ένί προσώπω…ένας Κύριος…..έν δύο φύσεσι γνωριζόμενος).

 فقال البابا ديسقورس إنّ هذه الأقوال (تمزيق وتشريح) καινοτομίας وذيوفيزيتية δυοφημίας، وأضاف أنّه بسبب هذه الأقوال تمّ حرمان -وعن حق- فلافيانوس في 449، بينما قرّر المجمع أنّ فلافيانوس يتفق مع كيرلس الإسكندريّ.

وبالرغم من ذلك فإنّ البابا ديسقورس أظهر استعدادًا كبيرًا في أن يحكم على أوطيخا إذا ما ثبت أنّه يمتلك مفاهيم دوتوكية (δοκτικές (άντιλήψεις وأراد أن يبتعد عن مونوفيزيتيّة أوطيخا وأعلن أنّه يقبل مثل كيرلس طبيعتين الرّبّ بغير اختلاط ولا تغيير ولا تمزيق

 όπως ό Κύριλλος ότι δέχεται άσύγχυτες καί άτρεπτες τίς φύσεις τού Κύρίου ούτε σύγχυσιν،λέγομεν ούτε τροπήν،ούτε τομήν…

وقد نُوقش البابا ديسقوروس بشأن عقيدة أوطيخا الذي برأه مجمع أفسّس الثاني 449م ؛ فقال:

”إذا كان أوطيخا يتمسّك بمفاهيم ترفضها عقائد الكنيسة، فهو يستحق ليس العقاب فقط بل حتّى النار (أي جهنم) أيضًا. ولكن اهتمامي إنّما هو بالإيمان الجامع الرسوليّ وليس بأي إنسان أيًا كان“.[7]

وقال أيضًا في نفس الجلسة من المجمع الخلقيدونيّ:

”أنا أقبل عبارة من طبيعتين بعد الاتحاد“.[8]

وهو في تأكيده على الطبيعة الواحدة المتجسّدة لله الكلمة أراد أن يثبت عدم التقسيم بين الطبيعتين من بعد الاتحاد، وفي قبوله لعبارة: “من طبيعتين بعد الاتحاد”، أراد أن يؤكِّد ما أكّده القديس كيرلس الكبير عن استمرار وجود الطبيعتين في الاتحاد وعدم امتزاجهما أو اختلاطهما.

وكان أناطوليوس أسقف القسطنطينيّة قد أعلن في الجلسة الخامسة للمجمع أنّ:

”ديسقوروس لم يتم عزله بسبب عقيدته، إنما بسبب أنّه قد حرم لاون“.[9]

وقد وافق الثلاثة عشر أسقفًا المصريين الذين حضروا مجمع خلقيدونية على حرم أوطيخا لكنهم رفضوا التوقيع على قرارات مجمع خلقيدونية أو طومس ليو أو عزل البابا ديسقوروس.

“وقد أشاروا إلى أنهم لا يستطيعون التوقيع بدون التوافق مع رئيس أساقفتهم.. وأنهم لا يستطيعون التوقيع دون أن يكون رئيس أساقفتهم معهم…”.[10] 

وحدثت اضطرابات كبيرة في الشرق بسبب قرارات مجمع خلقيدونية ومع تغيير الأباطرة كانت الظروف تتغير.

نص حكم عزل البابا ديسقوروس

” من المجمع المسكوني العظيم والمقدس، الذي بنعمة الله وبأمر من……. أباطرتنا، والمجتمِع في خلقيدونية… إلى ديسقوروس: بسبب ازدراء القوانين المُقدّسة، واحتقارك لهذا المجمع المسكوني المقدس، حيث ـ وبالإضافة للتعديات الأخرى التي أُدنت بسببها ـ قد رفضت أن تستجيب لثلاثة استدعاءات من هذا المجمع العظيم والمقدس، والتي قُدمت لك وفقًا للقوانين الإلهية لكي ترد على التهم الموجهة إليك:

فلتعلم إذن، إنك في الاونم الثالث عشر من الشهر الحالي أكتوبر قد عُزلت بواسطة المجمع المسكوني والمقدس من أسقفيتك، وجُردت من كلّ رتبة كنسية“.

ومن كلمات أناطوليوس يوم 22 أكتوبر عندما قال إنّ السبب وراء إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أمرًا متعلقًا بالإيمان وإنّما حقيقة “إنّه قد حرم السيد رئيس الأساقفة لاون”، ولم يذعن لاستدعاءات المجمع الثلاثة له.[11]

وهكذا نجد أنّ البابا ديسقورس لم يُحكم عليه لأجل إيمانه، أو أنّ إيمانه كان مختلفًا عن إيمان الآباء، أو لكونه هرطوقيّ، بل فقط لأسباب إداريّة وسياسيّة بحتة.

 

[1] Cf. Samuel, V.C. pp. 14-15.

[2] Ibid p. 15.

[3] Ibid p. 30-31, see Mansi VI, p. 744, quoted in Bettenson, Documents, pp. 48-49..

[4] Cf. Samuel, V.C., pp. 29-35.

[5] Kelly, J.N.D., Early Christian Doctrines, Chapter XI Fourth Century Christology, A & C Black- London 1977, 5th Revised Edition, p. 302.

[6] Cf. Samuel, V.C., p. 69.

[7] Ibid., p. 51.

[8] Ibid., p. 55.

[9] Cf. Sellers, R.V. p. 119.

[10] Cf. Samuel, V.C., p. 75, see also Sellers, R.V., p. 114, and Hefele, C.J. p. 333, 334.

II, i, pp. 320: 14,.ACO [11]

 

مجمع خلقيدونية – مختصر تاريخ الكنيسة القرن الخامس ج2

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

الجزء الأول: مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج1

4. يوحنا الدمشقي:

كان يوحنا الدمشقي راهباً رقد في حوالي منتصف القرن الثامن الميلادي، وكان بحق واحداً من أهم اللاهوتيين النظاميين في التقليد الكنسي الخلقيدوني في العصور القديمة. وقد قدَّم يوحنا الدمشقي في كتابه ’نبع المعرفة‘ (Fount of Knowledge)[1] عرضاً مختصراً للهرطقات المختلفة، وهذا العرض يستوجب الانتباه لأنه يُظهر مدى تشوه صورة الموقف غير الخلقيدوني لديه، وكانت تلك الصورة في الأغلب هي التي لدى كل الجانب الخلقيدوني بصفة عامة.

وفي كتابه ’الإيمان الأرثوذكسي‘ (Orthodox Faith) نستطيع أن نجد شرحاً نظامياً لعقيدة التجسد التي يتمسك بها الجانب الخلقيدوني في الشرق.

(أ) تقييم الجانب غير الخلقيدوني:

ذكر يوحنا الدمشقي في قائمة الهرطقات التي أشار إليها أربعة عناوين (أو مجموعات)، وقد قام بتقديم وصف لكل مجموعة منها. وكانت هذه المجموعات هي كالتالي:

-المصريون

-أتباع ساويروس (Severians)

-الذين يؤمنون بعدم قابلية جسد المسيح للفساد (Aphthartodocetae) *

-الذين يدّعون أن المسيح كان يجهل بعض الأمور (Agnoete) أو أتباع ثيميستيوس[2] (Themistians) #

وكان يوحنا الدمشقي يرى أن كل تلك الهرطقات هي أقسام مختلفة للهرطقة التي أسماها ’أتباع ساويروس (Severians)‘ أو ’أتباع ثيؤدوسيوس (Theodosians)‘. وكان خطأ ’المصريين‘ من وجهة نظر الدمشقي أنهم لم يقبلوا مجمع خلقيدونية وأنهم انتقدوه، وحيث إن قائدهم كان ثيؤدوسيوس لذلك دعاهم ’أتباع ثيؤدوسيوس‘.

أما وصفه لأتباع ساويروس فكان مثيراً للغاية، لأنه يبدو في الأغلب أنه لم يرى أياً من أعمال البطريرك ساويروس نفسه، ولذلك ففي تفنيده للموقف اللاهوتي لساويروس قام اللاهوتي الخلقيدوني ببساطة بذكر فقرات معينة من كتاب يوحنا فيلوبونوس الذي كان من جماعة المنادين بثلاثة آلهة في القرن السادس، وكان الكيان غير الخلقيدوني قد بادر بإدانة فيلوبونوس عدة مرات كهرطوقي.[3]

وبالنسبة لمن دعاهم (Aphthartodocetae) فكان يوحنا يشير إلى الجماعة التي تقتدي بشخصية وتعليم يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus). ولقد ذكرنا فيما قبل أن يوليان ومؤيده قيانوس السكندري ـ واللذين كانا بالنسبة ليوحنا الدمشقي من أتباع ساويروس ـ قد أدانهما الكيان غير الخلقيدوني تحت قيادة البطريرك ساويروس نفسه.[4] أما الجماعة الأخيرة والتي دعاها الدمشقي (Agnete) فهم شيعة ليس لدينا عنها أية معلومات.

وكانت كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي الأصلية المدونة باليونانية قد دُمرت بالكامل بأوامر الإمبراطور جوستينيان؛ ولكنها نجت بجملتها في ترجمتها السريانية فقط والتي كانت هي المتاحة في تلك الأزمنة القديمة. وعلى هذا فمن الممكن ألا يكون يوحنا الدمشقي قد قرأ أياً من أعمال البطريرك ساويروس الأنطاكي.

وفي كتابه ’الإيمان الأرثوذكسي‘ وصف الدمشقي البطريرك ساويروس بأنه تابع ’للمهلك ديسقوروس‘ ولأوطيخا و’رفقائهم الملاعين‘، كما قال عنه أنه قد علَّم بأن اتحاد الطبيعتين في المسيح قد حدث “بالامتزاج، والاختلاط والدمج والتحضير (أي تكوين منتج جديد)”.[5]

وكل هذه الحقائق تُظهر بوضوح أن يوحنا الدمشقي لم يتلقى معلومات حقيقية عن طبيعة الشقاق الذي حدث في الكنيسة بعد مجمع خلقيدونية؛ كما تُظهر أيضاً أنه لم يكن لديه فهم صحيح للموقف اللاهوتي الذي يتمسك به الجانب غير الخلقيدوني. ومن ناحية أخرى وكما سنرى، فإن أي شيء ذو قيمة في التعليم الخريستولوجي للدمشقي، سنجد أننا نستطيع أن نتتبع أثره عند البطريرك ساويروس نفسه وبقية اللاهوتيين في الجانب غير الخلقيدوني.

(ب) يسوع المسيح، الله الابن المتجسد:

كان الفكر اللاهوتي ليوحنا الدمشقي هو في الواقع امتداد للتقليد الذي وضعه يوحنا النحوي ومؤلف كتاب ’الاقتباسات الكيرلسية‘. ولذلك زعم الدمشقي ـ متفقاً في ذلك مع النحوي ـ أن مصطلح ’طبيعة‘ في عبارة ’في طبيعتين‘ يدل على ’الأوسيا‘، وكان هذا المفهوم يخص بالتحديد ناسوت المسيح. كما تبع الدمشقي يوحنا النحوي أيضاً في إصراره على أن الناسوت لم يكن له هيبوستاسيس خاص به، وهذه العبارة يمكن أن تعني إما أن الله الابن اتخذ الناسوت كحقيقة عامة مجردة، أو أن الناسوت لم يصبح هيبوستاسيس بذاته (مستقلاً).

وكان النحوي قد تبنى المفهوم الأول مؤكداً في نفس الوقت أن الناسوت قد صار واقعاً خاصاً محدداً برغم أنه لم يكن واقعاً أقنومياً (hypostatic). ولكن الدمشقي اعترف بأن ناسوت المسيح لم يكن بغير هيبوستاسيس، لأن الله الكلمة أعطاه الهيبوستاسيس الخاص به. وهذا هو مفهوم ’التأقنم‘ (enhypostasia) أي أن الناسوت الذي لم يكن متأقنماً قد صار متأقنماً باستلامه الهيبوستاسيس الخاص بالله الكلمة.*

ويمكننا أن نرى في هذا التفسير  أن اللاهوتي الخلقيدوني يشرح مفهوم ’الهيبوستاسيس الواحد‘ للمسيح بحسب تعريف الإيمان الخلقيدوني، أي إنه هو هيبوستاسيس الله الابن. وفي التجسد وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً بأن قدم له الهيبوستاسيس الخاص به.

وهنا يبرز السؤال التالي: هل صار الناسوت واقعاً أقنومياً (hypostatic) في اتحاده بالله الكلمة، أم أن الجسد الذي له روح عاقل مفكر، والذي اتخذه الله الكلمة من رحم العذراء كجسده الخاص، كان ناسوتاً بالمعنى العمومي المجرد فحسب؟ فإذا كانت إجابة الدمشقي هي الحالة الأولى، فإن هذا بالتحديد هو ما كان يؤكد عليه البطريرك ساويروس الأنطاكي. ولكن هذا السؤال مع ذلك ليس من السهل الإجابة عليه.

ولا يقر الدمشقي أن ناسوت المسيح كان له الهيبوستاسيس البشري الخاص به، ولكنه مع ذلك ذكر في مواقف متعددة أن المسيح له شخص مركب[6] والذي اعتبرته بمعنى ’هيبوستاسيس مركب‘. وكما رأينا، كان ’الهيبوستاسيس المركب‘ عند البطريرك ساويروس يُعامل نفس معاملة ’الطبيعة المركبة‘،[7] وهو يعني كيان متفرد (مخصخص) تكوَّن نتيجة الوجود المتزامن لاثنين من الأوسيا معاً.

وفي تواجدهما المتزامن، يكون لكل واحد من الاثنين أوسيا، حقيقته الأقنومية في ’الهيبوستاسيس المركب‘. وعلى سبيل المثال فإنه في يسوع المسيح، وحَّد لاهوت الكلمة ـ الذي هو هيبوستاسيس أزلي ـ بنفسه ناسوتاً أصبح واقعاً أقنومياً (hypostatic) في اتحاده مع هيبوستاسيس الله الكلمة. فهل هذا هو المعنى الذي كان يقصده الدشقي في تأكيده أن يسوع المسيح هو ’شخص مركب‘*؟.

ومن المناسب هنا ـ ونحن نضع نصب أعيننا هذا السؤال ـ أن نقدِّم ملخصاً مختصراً للشرح اللاهوتي الذي قدَّمه الدمشقي عن شخص المسيح. فقد أكد يوحنا الدمشقي عقيدة الثالوث القدوس بكونه ثلاثة هيبوستاسيس في أوسيا واحد. وأقر أن الله الابن، أو الله الكلمة، الواحد من الثلاثة هيبوستاسيس، قد صار إنساناً.

وأن طبيعتي اللاهوت والناسوت قد اتحدتا أقنومياً (hypostatically) بدون أن تتغير واحدة منهما إلى الأخرى أو تختلط واحدة منها بالأخرى، وبدون أن تدخل الطبيعتان معاً في تكوين طبيعة واحدة (جديدة) كشيء ثالث (tertium quid[8] ولكن الطبيعتان تزامنتا معاً في اتحاد أقنومي (hypostatic union) بواسطته صار ’هيبوستاسيس‘ الله الابن هو ’هيبوستاسيس‘ يسوع المسيح[9] الذي يتركب من ويوجد في الطبيعتين اللتين بقيتا كاملتين وصحيحتين حتى بعد الاتحاد.

وهكذا فإن المسيح الواحد يتضمن المخلوق وغير المخلوق، الفاني وغير الفاني بدون اختلاط، ويوجد بينهما تبادل للخصائص الذي من خلاله “يجعل الكلمة الأشياء البشرية خاصة به، لأن ما يخص جسده المقدس ينتمي له؛ والأشياء التي تخصه (أي التي تخص الكلمة) أوصلها إلى جسده”.[10] 

وبقيت الطبيعتان بكل خواصهما وملكاتهما في الهيبوستاسيس الواحد، ولذلك استمر المخلوق مخلوقاً واستمر غير المخلوق غير مخلوق، واحتُفظ بالاختلافات التي بينهما كما هي في المسيح الواحد.[11]

أما السؤال عن كيفية تصور وحدة المسيح فقد شرحها يوحنا الدمشقي على النحو التالي: عندما تجسد الله الابن، وحَّد بنفسه جسداً مُحيَ بروح عاقل مفكر وجعله جسده الخاص.

ولكن “جسد الله الكلمة لم يكن كائناً بشكل مستقل، ولا كان هناك شخص آخر بجانب شخص كلمة الله. وإنما على العكس ففي شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية (تأقنم)، ولم يصبح (الجسد) شخصاً كائناً في استقلالية بذاته. ولهذا السبب لم يكن (الجسد) تنقصه الشخصية ولا أدخل شخصاً آخر في داخل الثالوث.”[12]

وبالنسبة لتلك الفقرة التي تعتبر هي الحاسمة في فهم التعليم الخريستولوجي الرسمي للجانب الخلقيدوني في الشرق، فإنها لا تحتوي إلا على نقطة واحدة كان من المحتمل أن يطلب ساويروس عنها توضيحاً. وهذه النقطة تتعلق بالسؤال الذي ذكرناه آنفاً وهي بالتحديد التي جاءت في عبارة: “في شخص الكلمة صار الجسد كائناً (أوجد)، أو بالأحرى أصبح له شخصية”.

وقد عبَّر الدمشقي في الحقيقة بهذه الكلمات عن نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) الخاصة باتحاد الطبيعتين في المسيح الواحد. وكان يعني بالتأكيد أن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، صار متجسداً بأن وحد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية بالإضافة إلى اللاهوت الذي هو طبيعته الخاصة، ولذلك فإن يسوع المسيح هو هيبوستاسيس واحد يُعرف في طبيعتين.

وتتضمن نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia)، بالشكل الذي اعتنقها به اللاهوتيون الخلقيدونيون، اهتمامين أساسيين. أولاً، كانت تلك النظرية تسعى لكي تستبعد عقيدة وجود أربعة أقانيم (بعد التجسد) بدلاً من الثالوث، وكان هناك اعتقاد أن التأكيد الأنطاكي على أن ’الطبيعة‘ هي مرادف ’للهيبوستاسيس‘[13] يمكن أن يؤدي إلى موقف مثل هذا، ولذلك قصدت نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia) أن تُظهر أن تعريف الإيمان الخلقيدوني قد تجنب هذه الاحتمالية. ثانياً، كانت النظرية تهدف إلى تأكيد وحدة شخص (هيبوستاسيس) المسيح مع الحفاظ في نفس الوقت على حقيقة الطبيعتين.

وكان كل من الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني يوافق على هذا الأمر، ولكن الأخير كان قد عبَّر عنه بدون نظرية ’التأقنم‘ (enhypostasia)، أما الأول فقد قدَّم تلك النظرية على أمل أنه يستطيع من خلالها أن يستبعد بنجاح الهرطقة التي كان يتصورها عند المعارضين لمجمع خلقيدونية. ونجد أن الدمشقي على سبيل المثال يقوم بعرض نفس النقطة مرات عديدة:[14]

“لأنه اتخذ باكورة جسدنا البشري، ليس ككائن بذاته وكشخص (قد تكوَّن) مسبقاً ثم أخذه على هذا النحو، ولكن (كجسد) أخذ وجوده في شخصه (أي في شخص الكلمة). وهكذا فإن شخص الكلمة صار هو شخص الجسد”.*

والقول إن الطبيعة البشرية قد تخصخصت (تفردت) (individuated) قبل الاتحاد كان بالنسبة لكلا الجانبين هو تعليم المدرسة النسطورية.

وكان يوحنا النحوي ويوحنا الدمشقي قد عبرا ـ كما ذكرنا قبلاً ـ عن قبولهما لعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. ولم يكن البطريرك ساويروس يعارض رؤية الدمشقي في أن مصطلح ’طبيعة‘ الوارد في تلك العبارة كان يقصد به حقيقة اللاهوت العمومية التي هي أزلياً بكمالها في الله الكلمة.[15]

وأصر يوحنا الدمشقي على أن ق. كيرلس السكندري قد أكد أن لاهوت الكلمة في التجسد، وحَّد البشرية في شخصه، لذلك نستطيع أن نقول أن “اللاهوت اتحد بالبشرية في واحد من أشخاصه (أقانيمه)”، وكذلك أن “الله أخذ جوهرنا في اتحاد مع نفسه”.[16]

وكان يوحنا الدمشقي واضحاً في أن الله الابن لم يُنزل جسده من السماء،[17] ولكنه بسكناه في رحم العذراء، وبدون أن يخضع لأي تغيير في ذاته، صار جسداً وولد منها. ولم تلد العذراء مجرد رجل وحسب، ولكن الله الذي صار جسداً:

ولذلك فهي والدة الإله (ثيؤطوكس). وتحدث الدمشقي بمنتهى الوضوح عن المفهوم الخلاصي وراء هذه التأكيدات، حيث أقر أن الله الابن  صار إنساناً لأن “الطبيعة ذاتها التي أخطأت وسقطت وأصبحت فاسدة، ينبغي أن تتغلب على الطاغية الذي خدعها”.[18] وكان البطريرك ساويروس قد أكد نفس هذا المفهوم مراراً في مقاومته ليوليان أسقف هاليكارنيسوس.[19]

والسؤال الآن بعد عرضنا لتعاليم الدمشقي: هل توجد هناك أي فكرة في تعاليم الدمشقي ـ ماعدا ما يخص مسألة الحالة الأقنومية لناسوت المسيح ـ لم يقم البطريرك ساويروس واللاهوتيون غير الخلقيدونيين بتأكيدها مراراً وتكراراً؟.

(ج) إرادتان وفعلان:

يؤكد الدمشقي أنه تطابقاً مع (وجود) الطبيعتين فإن ليسوع المسيح “مجموعة مزدوجة من الخواص الطبيعية تنتمي إلى الطبيعتين: أي إرادتين طبيعيتين الإلهية والبشرية، فعلين طبيعيين إلهي وبشري، حكمة ومعرفة إلهية وأخرى بشرية”.[20] ومع ذلك أصر الدمشقي أنه في كلتا الطبيعتين يكون نفس الشخص هو الذي يعمل ويريد. كما أقر أن العدد “يُظهر الاحتفاظ والإبقاء على الطبيعتين حتى في الاتحاد، ولاشيء غير ذلك”.[21]

وأكد يوحنا أن آدم سقط من خلال استعمال الإرادة، ولذلك ـ تمشياً مع ق. غريغوريوس النزينزي ـ قال الدمشقي أنه لو لم يكن الله الكلمة قد أخذ إرادة بشرية لما كان من الممكن أن نتحرر من الخطية، وبالتالي فإن رفض الاعتراف بالإرادة البشرية في المسيح هو حكم بالإدانة على خليقة الله.[22]

وكان يوحنا قد ميَّز بين ’الإرادة‘ (willing) والكيفية التي يريد بها كل واحد (how one wills)، كما طبَّق نفس التمييز على ’الفعل‘ أيضاً. فالإرادة والفعل ـ عند الدمشقي ـ هما من ملكات الطبيعة،* ولكن الطريقة التي بها يريد أو يفعل أي واحد تتوقف على الشخص.[23]

فالطبيعة ممنوحة ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل)، ولكن الإرادة والعمل الفعليين يتممهما الشخص. وفي يسوع المسيح، كان كل من اللاهوت والناسوت يمتلك ملكة الاختيار وملكة العزم (على الفعل) الخاصة به، ولكن الشخص الذي “يريد إلهياً فيه ويريد بشرياً هو نفس (الشخص) الواحد”.[24]

وبمقارنة هذه المفاهيم عند الدمشقي مع الموقف الذي تمسك به البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني، سنجد أنه بصرف النظر عن الاختلاف في المصطلحات المستخدمة في ’إرادتين‘ و’فعلين‘ عند الأول و’إرادة واحدة‘ و’فعل واحد‘ عند الأخير، فإنهما يتفقان في التأكيد على أن الطبيعتين استمرتا صحيحتين (كاملتين دون أي نقصان) في المسيح الواحد بدون اختلاط أو انقسام، بحيث أن قدراتهما وخواصهما كانتا فيه (أي في المسيح) كاملتين بصورة ديناميكية، وأن الإرادة والعمل الفعليين يتممهما شخص الله الكلمة المتجسد الواحد. وفي الحقيقة كان سؤال الدمشقي:[25]

“ما هو العائد الذي يمكن أن نأخذه من التجسد، لو أن ذاك الذي عانى أولاً (أي الناسوت) لم يتم خلاصه وتجديده أو تقويته من خلال اتحاده مع اللاهوت؟”

وهذا السؤال كان من الممكن أن يسأله البطريرك ساويروس أيضاً، لأنه كان قد أكد أن:[26]

“الله الكلمة الذي أحضرنا إلى الوجود، والذي بواسطته عمل الآب كل الأشياء، عندما أراد ـ من قبل رحمته فقط ـ أن يُرجع من سقط إلى رتبته الأصلية وأن يعيد إليه نعمة عدم الفساد، لم يفعل ذلك من خلال ممارسة القوة (العليا) مستخدماً القدرة الإلهية.

ولكنه على العكس، وتمشياً مع كلمة العدل، جعل الذي سقط أن يحارب ثانية في المعركة… وكان من الضروري للإنسان أن ينال إكليل النصرة على الشيطان الذي كان قد سبق وخدعه وهزمه”.

وأصر البطريرك ساويروس أنه لذلك وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً ممنوحاً كل الخواص والقدرات الإنسانية، والذي كان بحسب الطبيعة قابلاً للموت والتألم. وأراد الله الابن للناسوت أن يقوم بكل أدواره الطبيعية في عمل الفداء الذي جاء ليتممه، لأن ذلك كان ضرورياً لخلاصنا بحسب العدل الإلهي.

ومن أجل هذا السبب، جعل الناسوت يخوض كل مسالكه الطبيعية بدون أي نقصان. وإذا وضعنا كل هذه المفاهيم في الاعتبار، نستطيع أن نقول أن اللاهوتيين الخلقيدونيين لم يحافظوا ـ باستخدام تعبير ’إرادتين‘ و’فعلين‘ وغيرها ـ على أي فكرة لاهوتية فعالة، لم يكن البطريرك ساويروس قد تمسك بها بالفعل وحفظها.

          وقبل أن ننهي هذا النقاش ينبغي علينا أولاً أن نذكر نقطتين هامتين تكلم عنهما يوحنا الدمشقي بخصوص ’الإرادة‘ و’الفعل‘: النقطة الأولى هي أنه بينما توجد إرادتان وفعلان في المسيح، إلا أن الإرادة البشرية كانت خاضعة وطائعة للإرادة الإلهية، وكان الفعل البشري يعمل وفق الفعل الإلهي تماماً. وعلى هذا النحو لم يكن هناك أي تضارب في المسيح. وكتب يوحنا الدمشقي في هذا الصدد:[27]

“وحيث إنه كان إلهاً كاملاً مع إنسانيته، وكان إنساناً كاملاً مع إلوهيته، فإنه كإنسان أخضع إنسانيته في ذاته ومن خلال ذاته لله الآب، وصار مطيعاً للآب، وبالتالي وضع لنا أسمى مثال ونموذج”.

أما النقطة الثانية، فهي أنه كان يوجد تبادل للإرادة والفعل بين الطبيعتين. وقد كتب يوحنا عن ذلك: أنه بالرغم من أن الطبيعتين بقيتا غير مختلطتين وظلت خواصهما كاملتين بدون نقصان، إلا أن الجسد بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ (الأقنومي) اغتنى بالأفعال الإلهية (divine operations)؛ ولكن بدون أن يفقد الجسد أي من خواصه الطبيعية بأي شكل من الأشكال.[28]

ولذلك كان الجسد نفسه قابلاً للفناء ومعطياً الحياة في ذات الوقت: قابلاً للفناء بالطبيعة، ومعطياً الحياة بفضل الإتحاد الهيبوستاسي.

          وعلاوة على ذلك، أصر الدمشقي أنه كان هناك تأليه للإرادة الإنسانية (في المسيح)، وبواسطة هذا التأله صار الجسد ـ بدون أن يخضع لأي تحول في وضعه الطبيعي ـ متحداً مع الإرادة الإلهية الفائقة. وأكد يوحنا أنه عندما صار الله متجسداً “فإن فعله الإنساني كان إلهياً، أي أنه قد تأله. ولم يكن (الفعل الإنساني) مستبعداً من فعله الإلهي، ولا كان فعله الإلهي مستبعداً من فعله الإنساني. وإنما على العكس كان كل واحد منهما موجوداً في الآخر”.[29]

          وهنا يبرز مرة أخرى السؤال التالي: هل كانت الطبيعة الإنسانية (في المسيح) في الحالة الأقنومية (hypostatic) أم كانت ناسوتاً بالمعنى العمومي المجرد؟. فلو كان الاحتمال الثاني هو ما أراد الدمشقي بالفعل أن يؤكده، فإن كلامه عن تأله ناسوت المسيح سيقتضي وجود معنى من الممكن ألا يقبله البطريرك ساويروس والجانب غير الخلقيدوني.

لأنه قد يعني على سبيل المثال أن الناسوت المتكون من جسد بشري ممنوح روح عاقل مفكر ـ بما أنه ليس إلا طبيعة في معناها العمومي المجرد ـ قد احتاج إلى فاعل (subject) يعبِّر عن خواصه وملكاته. ولو قيل أن هذا الفاعل كان هو الله الكلمة، فسيعني ذلك أن كل شيء بشري في المسيح كان يُعبر عنه إلهياً، أما الأشياء الإلهية فلم يُعبر عنها إنسانياً،* فهل يمكن أن يزعم موقف مثل هذا أنه بالحقيقة موقف أرثوذكسي؟ وهل كان الدمشقي يتمسك بالفعل بهذه الرؤية؟.

وبالنسبة لمسألة ’الفعل‘ (operation)، توجد مناقشة حول هذا الأمر في خطاب البطريرك ساويروس إلى سرجيوس النحوي.[30] وكان البطريرك ساويروس قد ذكر في ذلك الخطاب أن اللاهوت والناسوت كانا مستمرين بكل خواصهما في المسيح الواحد.

وبخصوص ’الفعل‘، ميَّز البطريرك ساويروس بين ’الفاعل subject‘ و’المفعول به object‘ و’الفعل operation‘ نفسه،[31] وأكد أن ’الفعل‘ هو حركة الشخص لينجز عملاً ما. ولذلك فإن ’الفعل‘ و’الإرادة‘ وما يشابههما ليست عند البطريرك ساويروس هي مجرد ملكات (قدرات) للطبيعة؛ ولكنها تعبير (expression) عن تلك الملكات.

فالإرادة في المسيح على سبيل المثال، هي التعبير المتحد(united)  لملكتي (أو قدرتي) الإرادة اللتين للاهوت والناسوت (معاً)، وكذلك ’الفعل‘ هو التعبير المتحد لملكتي العزم على الفعل اللتين لهما ـ وكل من ’الإرادة‘ و’الفعل‘ يعبر عنهما (أو يُظهرهما) الشخص (الواحد) المركب. ويقول البطريرك ساويروس:[32]

“لقد كابد الرب الشعور الشديد بالجوع الذي يستحث التوق إلى الطعام. ولذلك فإن الآلام الإرادية (البريئة مثل الجوع) التي سمح بها الكلمة لم تكن بدون فعل (operation)؛ ولكن كان هناك فيه (أي في المسيح) تحريك لهذه الأفعال. ورغم ذلك كانت تلك (الأفعال) خاضعة لقوة الله غير المغلوب..”

ومرة أخرى يقول البطريرك ساويروس:[33]

“وبموته قهر مخلصنا الموت، وهكذا يتضح أنه لو لم يمت لما كان من الممكن أن يَبطل الموت. ونفس الأمر ينطبق على كل ألم من آلام (أو ضعفات) الجسد: فإذا لم يَخَف لما كان ممكناً للطبيعة أن تتحرر من الخوف”.

ومن هنا نرى أن الفرق بين الدمشقي والبطريرك ساويروس ـ فيما يخص مسألة ’الإرادة‘ و’الفعل‘ ـ لم يكن أن الأول أقر بحقيقتيهما بالنسبة للاهوت والناسوت وأن الأخير لم يفعل ذلك، ولكن الحقيقة أنه لو كان يمكن للدمشقي أن يؤكد على الحالة الأقنومية للناسوت، لكان للإثنين (الدمشقي وساويروس) تقريباً نفس جوهر الموقف اللاهوتي.

أما فيما يتعلق بالقضية التي أثارها يوليان أسقف هاليكرنيسوس، فقد احتفظ يوحنا الدمشقي بأفكار معينة كان البطريرك ساويروس قد رفضها بالفعل، لأن الدمشقي لا يذكر غير خطأ واحد كبير في موقف يوليان و قيانوس (Gaianos)، بينما كان ذلك الموقف بالنسبة للبطريرك ساويروس يتضمن عدة أخطاء. وكما ذكرنا قبلاً،[34] كان يوليان يصر على عدم قابلية جسد ربنا للفساد حتى قبل القيامة، معتمداً على وجهة نظر لاهوتية شاملة. ولم يعر الدمشقي التفاتاً لوجهة النظر اليوليانية ككل، ولكنه رأى أن خطأ يوليان وقيانوس الوحيد هو إصرارهما على أن جسد المسيح كان غير قابل للفساد قبل القيامة.

وكان تعليم يوليان يشتمل على النقاط التالية:

  • لم تكن الآلام (البريئة) والموت جزءاً من الناسوت الأساسي (الأصلي)، ولكنهما دخلا الخبرة الإنسانية بسبب سقوط آدم.
  • اتخذ الله الابن في تجسده ناسوتاً أساسياً، وبالتحديد ناسوت آدم قبل السقوط. ولذلك لم يكن الناسوت في ذاته خاضعاً للألم والموت.
  • ولا يعني هذا أن آلام المسيح وموته كانا غير حقيقيين؛ بل كانا بالقطع حقيقيين بسبب أنه (أي المسيح) تحملهما إرادياً من أجلنا.
  • وعلى هذا الأساس، أصر يوليان على أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد منذ لحظة الحمل به في رحم العذراء.

وفي أثناء دحضه ليوليان، قام البطريرك ساويروس بالتشكيك في كل تلك المزاعم حيث أكد أن الناسوت المخلوق سواء كان قد سقط أم لا، فإنه بالطبيعة خاضع للجوع* والعطش والتعب والألم النفسي و(قابل) للموت، وبسقوط آدم حُرم فقط من وعد الحياة الأبدية الذي كان الله قد أعطاه له في البداية، وكان هدف التجسد هو استعادة ذلك الوعد للإنسان.

وقد وحَّد الله الابن ناسوتنا بنفسه في التجسد، وليس ناسوت آدم قبل السقوط، وذلك بالرغم من أنه كان بلا خطية. وكانت آلام وموت المسيح ’إرادية‘ من جهة الله الابن، ولكنها كانت ’طبيعية‘ من جهة ناسوت المسيح.

وكان يوحنا الدمشقي متفقاً مع البطريرك ساويروس في التسليم بأن يوليان وقيانوس كانا مخطئين في وصفهما لجسد ربنا أنه كان غير قابل للفساد قبل القيامة، ولكن يبدو أن الدمشقي كان متفقاً مع يوليان في الاعتراف بأن الآلام الطبيعية البريئة مثل الجوع والعطش والتعب والألم والانزعاج من الموت وغيرها، “والتي ليست تحت سيطرتنا”، “قد دخلت إلى حياتنا كنتيجة للإدانة التي حدثت بسبب السقوط”.[35] ومرة أخرى يتفق الدمشقي بصورة أكثر خطورة مع خطأ يوليان ويقول بإصرار:[36]

“وحيث إن ربنا يسوع المسيح كان بلا خطية، فإنه لم يكن خاضعاً للموت بالرغم من أن الموت كان قد دخل إلى العالم بالخطية. ولذلك خضع للموت من أجلنا، ومات وقدَّم ذاته للآب ذبيحة لأجلنا”.*

ويمكننا أن نقارن كلام يوحنا الدمشقي مع الفقرة التالية للبطريرك ساويروس:[37]

“فلو كان عمانوئيل يريد أن يتحد مع جسد غير قابل للموت وغير قابل للتألم ويحارب المعركة من أجلنا، فماذا كانت حاجته لأن يتجسد وهو بالطبيعة له عدم قابلية الألم وعدم قابلية الموت؟”.

إذن فعند البطريرك ساويروس، كان الاعتراف بأن ناسوت المسيح كان غير قابل للألم وغير قابل للموت هو إنكار للتجسد عينه. ومرة أخرى نجده يقول:[38]

“لقد أبطل عمانوئيل موت جسده بواسطة القيامة من الأموات. ولهذا فلو كان الجسد غير قابل للموت ـ كما يجازف الموقر يوليان بهذا الوصف ـ لكان الموت الخلاصي وهمياً وخيالياً وحسب. لأن الجسد القابل للموت هو الذي يموت”.

وإذا أخذنا تلك الفقرة في الاعتبار ـ مع فقرات عديدة أخرى من كتابات البطريرك ساويروس ـ يمكننا أن نقول بكل يقين إنه على الرغم من أن يوحنا الدمشقي كان قد زعم أن اليوليانية مشتقة من هرطقة ’أتباع ساويروس‘، إلا أنه هو نفسه كان محتفظاً بتعاليم يوليان التي كان البطريرك ساويروس يرفضها بثبات.

(د) نقاط الاتفاق والاختلاف:

كان الطرفان (الخلقيدوني وغير الخلقيجدوني) يتفقان على النقاط التالية:

  • إن يسوع المسيح هو الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، الذي تجسد من أجل خلاص العالم.
  • إنه في التجسد، لم يوَّحد الله الابن بنفسه ناسوتاً كان قد تكوَّن من قبل في الرحم؛ ولكن الناسوت تكوَّن فقط في الإتحاد مع الله الابن.
  • وحيث إن العذراء ولدت الناسوت المتحد هيبوستاسياً مع الله الابن، فإنها هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘.
  • وبما أن الاتحاد هو اتحاد هيبوستاسي، فإن يسوع المسيح هو شخص واحد أو هيبوستاسيس واحد وبروسوبون واحد.
  • إن الناسوت كان كاملاً وحقيقياً، ولذلك كانت كل الخواص والملكات البشرية ماخلا الخطية (والتي بالتأكيد ليست جزءاً من جوهر الناسوت) موجودة في المسيح الواحد بصورة ديناميكية وبدون أي نقصان.

     

  • إن الناسوت لم يتغير إلى اللاهوت ولا فُقد بسبب ’تفوق‘ (preponderance) اللاهوت.
  • إن الناسوت ظل في الاتحاد بكل حقيقته وسلامته كناسوت مخلوق.
  • إن الناسوت أُعيد إلى علاقته الأصلية مع الله، وأن يسوع المسيح سيظل بالنسبة لنا ’الله – الإنسان‘ (الله المتأنس) الذي فيه ومن خلاله دخل الله والإنسان في اتحادهما النهائي.

ومع ذلك كان هناك عدم اتفاق بين الجانبين في النقاط التالية:

  • عبَّر اللاهوتيون الخلقيدونيون عن قبولهم لكل العبارات السكندرية بما في ذلك عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”. وفي أثناء ذلك أخذوا كلمة ’طبيعة‘ الموجودة في عبارات مثل “من طبيعتين” و”في طبيعتين” بمعنى ’الأوسيا‘ (كحقيقة عامة). ولكن البطريرك ساويروس أصر على أن هذا المعنى لا يمكنه أن يحمي الحقيقة التاريخية للمسيح، والتي ينبغي ـ لكي نحافظ عليها ـ أن نؤكد على الحقيقة الأقنومية (hypostatic reality) للطبيعتين اللتين اتحدتا.

     

  • لقد اعترف الدمشقي بتعبير ’شخص مركب‘ أو ’هيبوستاسيس مركب‘ في إشارته للمسيح، ولكنه لم يوضح ماذا كان يعني بهذا التعبير.* وكما رأينا، كان هذا التعبير يعني بالنسبة للبطريرك ساويروس أن الهيبوستاسيس الواحد للمسيح قد تكوَّن بالوجود المتزامن للاهوت الابن وللناسوت الذي صار متفرداً ومخصخصاً (individuated) في الاتحاد.

    وبهذه الطريقة حافظ البطريرك ساويروس على الحالة الأقنومية للناسوت، وكذلك أصبح من الممكن لنا أن ندرك ذهنياً (في المسيح) إمكانية التعبير عن القدرات والخصائص الإلهية بشرياً بجانب التعبير عن القدرات والخصائص البشرية إلهياً. فإذا لم يكن يوحنا الدمشقي يحافظ على هذا المفهوم، فلن يستطيع أن يؤكد وجود تعبير بشري حقيقي في المسيح الواحد.
    وهذه في الحقيقة تعتبر نقطة اختلاف خطيرة بين الجانبين، ونحن نعتقد أنه لا يمكننا هنا أن نتجاهل أفضلية الموقف الذي حفظه البطريرك ساويروس عن التعليم الذي قدَّمه يوحنا الدمشقي.

  • لا يعتقد البطريرك ساويروس أن تعبيرات مثل “في طبيعتين”، و”إرادتين”، و”فعلين” هي ضرورية من أجل الإقرار بوجود ناسوت حقيقي في المسيح متحداً مع اللاهوت. كما أن هذه التعبيرات من وجهة نظره، لا تستطيع أن تصون (مفهوم) وحدة المسيح بالمعنى الحقيقي.
  • بالنسبة لقضية يوليان، لم يجد يوحنا الدمشقي خطأ في تعليم أسقف هاليكرنيسوس إلا فيما يتعلق فقط باستنتاجه اللاهوتي بأن جسد ربنا كان غير قابل للفساد قبل القيامة. أما بالنسبة لافتراضات يوليان (الأخرى)، فقد سعى يوحنا للحفاظ عليها.
  • أصر الدمشقي على تأله ناسوت المسيح بصورة أكثر تطرفاً مما فعل البطريرك ساويروس.*

    فإذا لم يكن الدمشقي يؤيد التأكيد على ’الحالة الأقنومية‘ لناسوت المسيح، يكون لهذا الأمر تبعاته المؤثرة، لأنه سيتحتم عندئذ ـ كما رأينا ـ أن يتم التعبير عن الخصائص والملكات البشرية بواسطة هيبوستاسيس الله الابن. وقد أعطى هذا (الفهم) ليوحنا الأساس لتعاليمه التي اشتملت على إصرار مغالى فيه على تأله ناسوت المسيح.

 

  • ألقى يوحنا الدمشقي اللوم على “ذلك الغبي بطرس القصّار” لإدخاله إضافة “الذي صُلب عنا” في تسبحة الثلاثة تقديسات (Trisagion)، وذلك على أساس أن هذه التسبحة مقدمة للثالوث القدوس وأن الثالوث لم يُصلب. ومع ذلك أمكن للدمشقي (في نفس الوقت) أن يقر أن “واحداً من الثالوث تألم في الجسد”.
    وحيث إن تسبحة الثلاثة تقديسات التي نشأت في الكنيسة السريانية، كانت تُقدم ـ في تلك الكنيسة ـ للابن وليس للثالوث، فإن اعتراض يوحنا على تلك الإضافة يصبح بلا أي تأثير على الإطلاق.[39]

 

ويُظهر العرض السابق لنقاط الاتفاق والاختلاف في التعليم الخريستولوجي بين الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، أن وصف الخلقيدونيين لغير الخلقيدونيين بأنهم ’مونوفيزايت‘ (أي أصحاب الطبيعة الوحيدة) لا أساس له على الإطلاق. وفي الحقيقة، إذا قارنا بين التعليم الخريستولوجي عند يوحنا الدمشقي وعند البطريرك ساويروس الأنطاكي سنجد أن الأخير هو الذي رفض واستبعد كلاً من ’اليوليانيزم‘ و’المونوفيزيتيزم‘ بصورة أكثر ثباتاً وفعالية من الأول.

ومن هنا نرى أن رجال التقليد الكنسي الشرقي الذين رفضوا قبول مجمع خلقيدونية، كانوا قد تبنوا هذا الموقف (الرافض للمجمع) ليس من منطلق عدم جديتهم بالنسبة لحقيقة وكمال ناسوت المسيح ولكن بسبب أنهم رأوا في طومس ليو وفي اعتراف الإيمان الخاص بالمجمع بالإضافة إلى عبارة “في طبيعتين” موقفاً لاهوتياً لا يمكنهم أن يقبلوه بأمانة في ضوء تقليدهم اللاهوتي.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني قام في نفس الوقت برفض واستبعاد كل الهرطقات المعروفة بصورة أكثر وضوحاً مما فعله الخلقيدونيون في أي وقت مضى خلال العصور القديمة. وعلاوة على ذلك، كان تعليمهم الخريستولوجي يقر بكمال ناسوت المسيح بأكثر التعبيرات تحديداً وقوة، ولذلك كان فهمهم للحقيقة التاريخية لحياة المسيح البشرية أكثر تفوقاً من فهم الجانب الخلقيدوني لها في الشرق على الأقل.

[1]  ويحتوي كتاب: (St., John of Damascus: writings, op. cit.) على هذا العمل في جزئه الأول.

*   الأصل اليوناني للكلمة يتكون من مقطعين، الأول (¥φθαρτος) ويعني غير القابل للفساد والثاني (δοκšω) ويعني يعتقد.

[2] St., John of Damascus: writings, op. cit.,

#   كان ثيميستيوس معلماً سكندرياً في القرن السادس نادى بأن المسيح كان يعاني الجهل (ignorance) ببعض الأمور.

[3]  انظر صفحة 281 وما يليها وصفحة 297 وما يليها.

[4] انظر صفحة 250 وما يليها وصفحة 406 وما يليها.

[5] John of Damascus, op. cit., p. 273.

* انظر مدلول الهيبوستاسيس عند يوحنا الدمشقي في الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[6] John of Damascus, op. cit., p. 274 & c.               

[7]  كتب يوحنا الدمشقي أن المسيح هو “طبيعة مركبة” ليس بمعنى الشيء الجديد الناتج عن شيئين. (المرجع السابق صفحة 271).

*   كان الدمشقي يعتبر أن المسيح هو هيبوستاسيس مركب لأن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، صار متجسداً بأن وحد بنفسه ناسوتاً كطبيعة ثانية بالإضافة إلى اللاهوت الذي هو طبيعته الخاصة وبالتالي أصبح هيبوستاسيس يملك طبيعتين ولذلك فهو هيبوستاسيس مركب.

أما البطريرك ساويروس فقد كان يرى مثل ق. كيرلس أن المسيح هو هيبوستاسيس مركب لأنه تكوَّن من اتحاد هيبوستاسيس الله الكلمة مع الناسوت وهو في الحالة الهيبوستاسية، ومن هنا هو هيبوستاسيس مركب. (للمزيد انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب)

[8]  John of Damascus, op. cit., p. 271.

[9]  كتب يوحنا الدمشقي: “إن ميلاد ربنا لم يكن بزرع (بشر)، ولكن بالخلق بواسطة الروح القدس، والتشكل لم يكن بتجميع جزء مع جزء ولكن اكتمل ككل مرة واحدة مع الله الكلمة نفسه الذي كان هو شخص الجسد”. (المرجع السابق صفحة 270). وعلى الجانب الآخر، أصر الدمشقي أن الطبيعتين اتحدتا الواحدة مع الأخرى في شخص واحد مركب”. (المرجع السابق صفحة 274).

[10] المرجع السابق صفحة 274.

[11]  أكد الدمشقي أن “الطبيعتين بعد الإتحاد، قد حُفظتا (كاملتين) في الشخص المركب، أي في المسيح الواحد، وأنه كان لهما مع خواصهما الطبيعية وجود حقيقي”. (المرجع السابق صفحة 277).

[12]  المرجع السابق صفحة 287.

[13]  انظر صفحة 536 وما يليها.

[14]  المرجع السابق صفحة 290.

*   هناك فرق في المدلول اللاهوتي بين قول يوحنا الدمشقي أن شخص الكلمة صار هو شخص الجسد، وبين تعليم ق. كيرلس والبطريرك ساويروس أن شخص المسيح هو شخص الكلمة المتجسد (الهيبوستاسيس المركب).

[15] انظر صفحة 499.

[16] المرجع السابق صفحة 291.

[17] المرجع السابق صفحة 292.

[18] المرجع السابق صفحة 293.

[19] انظر صفحة 413 وما يليها.

[20] John of Damascus, op. cit., p. 296.

[21] المرجع السابق صفحة 297.

[22] المرجع السابق صفحة 301.

*  انظر الفرق بين تفسير الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني للإرادة والفعل بالحاشية صفحة 495.

[23] المرجع السابق صفحة 297.

[24] المرجع السابق صفحة 298.

[25] المرجع السابق صفحة 318.

[26] La Polemique…. I, pp. 36f.

[27] John of Damascus, op. cit., p. 320.

[28] المرجع السابق صفحة 317.

[29] المرجع السابق صفحة 323.

*  وهذا الشرح يتعارض مع مفهوم التأله نفسه.

[30] انظر صفحة 404 وما يليها.

[31] Ad Nephalium, op. cit., pp. 82f.

[32] La Polemique…. II B, p. 193.

[33] Ibid., I, p. 134.

[34] انظر صفحة 406 وما يليها.

* كان آدم يأكل قبل السقوط حسبما أمره الله (تك 1: 29، 2: 16).

[35] John of Damascus, op. cit., p. 323.

[36] المرجع السابق صفحة 332.

*  هذا الكلام يتعارض مع تعليم ق. أثناسيوس عن جسد المسيح حيث يقول: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61).

[37] La Polemique…. I, p. 130.

[38] La Polemique…. II A, p. 20.

* انظر الحاشية صفحة 511.

*    إن التأله عند غير الخلقيدونيين كان بسبب أن الناسوت المخصخص قد اتحد هيبوستاسياً بالله الابن وصار جسده الخاص بالتالي كان هناك تبادل للخواص بين اللاهوت والناسوت.

أما التأله عند الدمشقي فكان بسبب أن الناسوت لم يكن في الحالة الأقنومية وبالتالي صار هيبوستاسيس الله الابن هو الهيبوستاسيس الخاص به وهو الذي يقوم فيه بكل ما هو بشري.

[39]  يقدم البطريرك ساويروس في عظته رقم 125 شرحاً لتسبحة الثلاثة تقديسات (Trisagion). انظر صفحة 217.

مقارنة بين الجانب غير الخلقيدوني والجانب الخلقيدوني ج2

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

استمراراً للمناقشة التي بدأناها في الفصل السابق، سوف نكمل هنا كيف كان الجانب غير الخلقيدوني يشرح موقفه اللاهوتي من خلال العبـــارات المقبولة لديه. فبينما كانوا ـ كما رأينا ـ يرفضون العبارة الأنطاكية “طبيعتين بعد الاتحاد”، كانوا يصرون على عبارة “من طبيعتين”، وعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، وأثناء موافقتهم على هاتين العبارتين أكدوا كذلك على مصطلحات “الاتحاد الهيبوستاسي”، و”هيبوستاسيس واحد”، و”طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”.

والحقيقة أنه منذ القرن السادس قام الجانب الخلقيدوني ـ الذي في الشرق على الأقل ـ بالتسليم بأرثوذكسية كل تلك العبارات التي يتبناها الجانب غير الخلقيدوني. ومع ذلك فقد حاول الجانب الخلقيدوني أن يبين أن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية وطومس ليو بالإضافة إلى رفضه لعبارة “في طبيعتين” إنما كان نتيجة تمســـكهم بهــرطقة الطبــيعة الوحــــيدة (monophysite heresy)، كما اعتبر الغرب أن دفاعهم عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، يعد أساساً كافياً لوصفهم كلهم معاً بـ ’المونوفيزيتيين‘.

فهل من الممكن تبرير وإثبات هذا الرأي الخلقيدوني؟.

ولكي نقوم هنا ببحث هذا السؤال، سنعتمد على الرجوع إلى فهم الجانب غير الخلقيدوني نفسه لتلك العبارات التي يتبناها.

 

2. عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”:

لقد أكد الكثير من العلماء المعاصرين[1] أن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كانت قد صيغت في الأصل بواسطة المدرسة الأبولينارية. وحتى إذا سلمنا بهذا الاحتمال، فينبغي أن ننتبه إلى أن الأصل غير الأرثوذكسي لمصطلح ما أو وثيقة ما لا يُعد سبباً وجيهاً لرفضه بواسطة الفكر اللاهوتي الأرثوذكسي. وعلى سبيل المثال، كان التعبير النيقاوي ’له ذات الجوهر الواحد مع الآب‘ (هوموأووسيوس تو باتري)، جزءاً من المفردات الفالنتينية (التي تخص أتباع فالنتين)،[2] بل والأكثر من ذلك أنها أُدينت بواسطة مجمع أنطاكيا الذي حرم بولس السموساطي عام 268م.

وبالرغم من ذلك قام مجمع نيقية عام 325م بتبني تلك العبارة، وبعد حوالي نصف قرن من الصراع العنيف قامت الكنيسة بالتصديق عليها في مجمع القسطنطينية عام 381م. ولهذا فإن الأمر محل الاهتمام بالنسبة لمصطلح ما، ليس هو كيفية نشوئه، وإنما المعنى الذي يُنسب إلي ذلك المصطلح والحاجة اللاهوتية لتأكيد فكرة ما (بواسطته).

وفي القرن الخامس، نُظر إلى عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كجزء من التراث اللاهوتي للبابا أثناسيوس، وقد تبناها البابا كيرلس كأداة لغوية لا غنى عنها لشرح الفهم الأرثوذكسي لشخص يسوع المسيح، وخاصة في مواجهة التعاليم النسطورية، ولذلك كانت تلك العبارة بالفعل أساسية وحاسمة بالنسبة لكيرلس والذين يتفقون معه في الفكر اللاهوتي.

وعلى الرغم من أن مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م وكذلك مجمع خلقيدونية قد تجاهلا بوضوح تلك العبارة، إلاّ أن المدافعين الشرقيين عن مجمع خلقيدونية في القرن السادس ادعوا أنه كان هناك اعتراف بها، وزعموا أن وضع تلك العبارة بجانب عبارة المجمع “في طبيعتين” كان له أهميته في استبعاد النسطورية.[3]

وعلى الجانب الآخر، أكد القادة غير الخلقيدونيين أن هاتين العبارتين أي “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” و “في طبيعتين” تتعارضان مع بعضهما البعض في المعنى، ولهذا لم يعطوا أهمية كبيرة لدفاع الجانب الخلقيدوني عن العبارة الأولى.

والحقيقة أن كل قادة الجانب غير الخلقيدوني قاموا بالدفاع عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، ومن الواضح أيضاً أنهم وبينما هم يفعلون ذلك لم يتجاهلوا (أو ينكروا) ناسوت المسيح.

وعلى سبيل المثال، نجد أن البابا ديسقوروس يؤكد أن المسيح طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، ولكنه يصر في نفس الوقت على أنه يتركب من اللاهوت والناسوت، وأنه في المسيح الواحد استمرت الطبيعتان بدون اختلاط أو امتزاج من ناحية وبدون تقسيم أو انفصال من الناحية الأخرى.

وبكلمات أخرى، كانت الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة هي نفسها نتيجةً لاتحاد الطبيعتين اللتين كانتا حقيقيتين بلا أي تقسيم أو اختزال في المسيح الواحد. ولهذا فبالنسبة للبابا ديسقوروس، لم يكن هناك محل للتساؤل الخاص بمَنْ مِن الطبيعتين قد أُبعد أو أُهمل.

وكان البابا تيموثاؤس إيلوروس ـ كما رأينا ـ مدافعاً لا يلين عن وحدة المسيح، ولكنه في تبنيه لهذا الموقف لم يستبعد أياً من الطبيعتين، وإنما في الحقيقة أقر بالوجود الديناميكي للاهوت والناسوت ـ بدون اختلاط أو أنفصال ـ في المسيح الواحد، وكان تأكيده فقط ينصب على أن الناسوت لم يوجد بمفرده مستقلاً عن الله الابن.

أما مار فيلوكسينوس، اللاهوتي السرياني ـ الذي كان التجسد هو العقيدة المحورية في تعليمه اللاهوتي ـ فقد أصر هو الآخر بثبات على وحدة المسيح. وبينما كان يرفض التقسيم النسطوري (للمسيح)، استبعد بنفس القوة الاختزال الدوسيتي (للمسيح) عند الأبوليناريين والأوطيخيين. وقد نسب مار فيلوكسينوس للكلمة المتجسد ـ في تعبيرات قوية ـ كل القيود التي تخص الطبيعة البشرية ماعدا الخطية. وسنورد هنا فقرتين تؤيدان هذه الفكرة من كتابات أسقف منبج، هذا إلى جانب العديد من الفقرات التي ذُكرت قبلاً.[4]

“ولأن الرحم هو المكان الذي تتكوَّن فيه الكائنات البشرية، فقد نزل أيضاً وسكن هناك. وحيث إن الكائنات البشرية تنشأ وتُخلق من الجسد، فهو كذلك نشأ فيه وصار إنساناً. وقد حُبل به في الرحم، ونزل من البطن كرضيع؛ وحُمل كطفل على الركب والأيدي؛ واحتمل كل قيود الطبيعة البشرية، وضعفها ونحيبها وتوالدها وكل الأمور الأخرى المتعلقة بها”.

وقد نسب مار فيلوكسينوس الميلاد البشري لله الكلمة، لأن المسيح بالنسبة له هو وحدة (unity)، فإذا وضعنا هذه الحقيقة في أذهاننا يمكننا أن نقول إن ناسوت المسيح قد تكوَّن بالفعل وتشكَّل في الرحم. وهو قد وُلد كإنسان، وخضع لكل القيود البشرية والأرضية، ولهذا لم يكن هناك في ولادته أو في حياته في العالم أي اختزال (لبشريته).

ويركز مار فيلوكسينوس بنفس القوة في الفقرة التالية على الآلام والموت فيقول:[5]

“لقد تألم أكثر من أي واحد آخر، وكان خاضعاً للفقر والبؤس أكثر من الجميع؛ وتعرض للإهانة والاحتقار والسخرية والسب؛ وازدُري به وجُدِّف عليه؛ وحُسب كأحمق ومحتقر من هيرودس ومرافقيه ومن بيلاطس وخدامه”.

ومن هنا نرى أن مار فيلوكسينوس لم يكن لديه بالقطع أي اهتمام بأن يتجاهل أو ينكر ناسوت المسيح.

أما بالنسبة للقادة غير الخلقيدونيين، الذين قدَّموا اعتراف إيمانهم للإمبراطور جوستينيان عام 531م أثناء ذهابهم إلى القسطنطينية للاجتماع والتشاور، فقد دافعوا فيه أيضاً عن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”.[6] وأكدوا “أنه من الواجب علينا، كما فعل آباؤنا من قبل، أن نعترف بوضوح بطبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، لأنه صار إنساناً بالكمال”.

وهكذا لم يكن المقصود من تلك العبارة عند هؤلاء القادة هو استبعاد الناسوت (أو تجاهله) ولكن التأكيد أنه كان كاملاً وتاماً. ومثل مار فيلوكسينوس وآخرين كثيرين، أشار أولئك القادة في اعترافهم إلى نموذج الجسد – الروح، وأصروا على أن الأمور الفائقة واللائقة بالله من ناحية والأمور الضئيلة والبشرية من الناحية الأخرى هي كلها مظاهر وتعبيرات للطبيعة الواحدة المتجسدة والهيبوستاسيس الواحد لله الكلمة. إذاً التأكيد كان على وحدة المسيح، وليس على فقدان واحدة من الطبيعتين اللتين يتركب منهما المسيح بلا نقصان.

وكان الجانب الخلقيدوني ـ كما ذكرنا ـ يرى منذ البداية أن حركة مقاومة مجمع عام 451م تمثل تحدياً خطيراً له، ولذلك حاول أن يواجهها بطرق متعددة، ومن ضمن هذه الطرق اتهام معارضي المجمع بالهرطقة. وقد أشار البطريرك ساويروس الأنطاكي في كتابه “ضد النحوي” إلى عدد من الفقرات التي أوردها النحوي في مؤلفه وينتقد فيها الكيان غير الخلقيدوني لتمسكه بعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” فقط بدون الإقرار بعبارة “في طبيعتين” الخاصة بمجمع خلقيدونية.

ويزعم النحوي أن مجمع خلقيدونية “كان مهتماً بحرم أوطيخا مع أولئك الذين كافحوا بحماس لنشر تعليمه”، وكان ذلك التعليم متضمناً في تأكيدهم على “أن اللاهوت والجسد قد ألفا ’أوسيا‘ واحد وطبيعة واحدة”.[7] وفي الحقيقة كان فهم هذا المعنى في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”، هو السبب وراء إطلاق وصف ’المونوفيزيتيين‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة) على الكيان غير الخلقيدوني.

ورد البطريرك ساويروس على اتهامات النحوي بقوله:[8] “إن اتهامك يبدو وكأنه موجهاً لي، كما لو كنت قد أكدت في أماكن عديدة في كتاباتي أن الجسد المحيَ بروح عاقلة، الذي اتخذه الله الكلمة من مريم العذراء والدة الإله ووحده بنفسه، هو واحد معه في ذات ’الأوسيا‘ (الجوهر)”. ويضيف البطريرك ساويروس أنه في الحقيقة، حينما كان يناقش موضوع تركيب الإنسان في كتابه الموجه إلى نِفاليوس (Nephalius)، قد أوضح بصورة قاطعة المعنى الحقيقي المقصود في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة”.

فالطبيعة المتجسدة هي ’واحدة‘[9] ليس بسبب أن الطبيعتين قد تقلصتا إلى طبيعة ’واحدة بسيطة‘، ولكن بسبب أن “التقاء الطبيعتين ـ بدون اختلاط ـ في ’وحدة‘، أي للشخص الواحد، هو دلالة على الوجود المتزامن لكليهما معاً”.[10] ولا تتضمن صيغة “طبيعة واحدة” أي اختزال (لأي من الطبيعتين)، ولكن هي فقط للتأكيد على الوحدة التي أحدثها التقاء الطبيعتين معاً. ومن هنا نرى أن البطريرك ساويروس لم يكن أبداً في الموقف الذي كان ينتقده يوحنا النحوي الخلقيدوني.

وبتطبيق الأمر على كل الجانب غير الخلقيدوني، استمر البطريرك ساويروس يقول: فإذا أراد النحوي أن يكون هذا الاتهام مفحِماً، فعليه أن يُظهر وجود هذا الخلل (الذي يدعيه) في الموقف اللاهوتي الذي أكده وتبناه مجمع صور.[11] ولكن حقيقة الأمر أن مجمع صور عبَّر بتعبيرات قاطعة عن معارضته لـ “للاختلاط والامتزاج والتغيير والاندماج في الجوهرين (الإثنين أوسيا)، وكذلك معارضته للخيال (أي أن إحدى الطبيعتين كانت وهماً أو خيالاً)”، وبنفس القوة استبعد المجمع “التقسيم والانفصال”.

كما أثبت البطريرك ساويروس أن نفس التأكيد قد حدث أيضاً من الجانب غير الخلقيدوني في مجمع آخر بمصر.[12] ولهذا “فليس مرة واحدة ولا اثنتين ولكن عدة مرات” تكتب مجامع في سوريا ومصر إلى بعضها البعض معترفة أن “المسيح هو كلمة الله الذي صار إنساناً بالحقيقة وأصبح متجسداً، وقد اتخذ جسداً له ذات الجوهر معنا ومُحيَاً بروح عاقلة، وجعل نفسه مثلنا في كل شيء ماخلا الخطية”.

وبالتالي لم يكن الجانب الذي ينتمي إليه البطريرك ساويروس (أي غير الخلقيدوني) يُعلِّم أن المسيح هو أوسيا واحد، وأنه واحد في الجوهر مع نفسه، ولكن كان يُعلِّم أن “الذي هو واحد في الجوهر مع الآب والروح القدس فيما يخص اللاهوت، صار واحداً في الجوهر معنا فيما يخص الناسوت”.[13]

وكرر البطريرك ساويروس نفس هذه النقطة مرات ومرات في كتابه “ضد النحوي” وفي أعماله الأخرى. والسؤال الوثيق الصلة بالموضوع هنا هو: هل أقر البطريرك ساويروس أن المسيح كان “في إثنين أوسيا”؟. وفي الواقع لم يتعرض اللاهوتي غير الخلقيدوني (ساويروس) لهذا الأمر، لأن ذلك السؤال من وجهة نظره لا يمكن أن يتطرق إلى العقل.

فالأوسيا وهو يعني العمومي أو المشترك (common)، ينبغي أن “يشمل في حالة اللاهوت الثلاثة أشخاص الآب والابن والروح القدس، وينبغي في حالة الإنسان أن يتضمَّن داخله كل أفراد البشر”،[14] ولذلك أكد البطريرك ساويروس بأن الله الكلمة الذي صار متجسداً ليس هو ’الأوسيا‘، ولكن واحداً من الثلاثة أشخاص (أقانيم)، وبالرغم من أن الأوسيا يتخصخص ويتفرد في ’الهيبوستاسيس‘، إلاّ أن الثلاثة ليسوا هم نفس الهيبوستاسيس.[15] ولذلك يكون الحديث عن المسيح بكونه ’في إثنين أوسيا‘ هو غير ذي معنى.

إذاً كيف فهم البطريرك ساويروس عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”؟

لقد ناقش البطريرك ساويروس هذا الأمر في كتابه”محب الحق” (Philalathes)[16] حيث ذكر أنه: حينما تحدث الآباء عن “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، أوضحوا تماماً أن الكلمة لم يتنازل عن طبيعته”؛ ولم يتعرض لأي “فقدان أو نقصان في الهيبوستاسيس الخاص به”. وعندما أكدوا أنه ’صار متجسداً‘ أوضحوا أن “الجسد لم يكن إلاّ جسداً، ولكنه لم يأتِ إلى الوجود بنفسه (منفرداً) بمعزل عن الاتحاد مع الكلمة”.

ولذلك يكون من الصحيح أن نقول أن ” الكلمة، قبل الدهور كان بسيطاً وغير مركب”، ولكن “عندما أراد أن يشابهنا بدون خطية، أُحضر الجسد إلى الوجود ولكن ليس مستقلاً أو منفصلاً”.

وتشير عبارة ’صار متجسداً‘ إلى أخذ الكلمة للجسد من العذراء، وهو الأخذ الذي به، وُلد مسيح واحد من مريم “من طبيعتين” أي اللاهوت والناسوت، وهو في آنٍ واحد الله وإنسان، كيان واحد له ذات الجوهر مع الآب فيما يخص اللاهوت وذات الجوهر معنا فيما يخص الناسوت.

وهكذا فإن عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” تؤكد ثلاثة نقاط:

  • أن الله الكلمة نفسه هو الذي صار متجسداً، بدون أن يحدث له أي تغيير.[17]

  • وهو في تجسده، لم يتخذ ناسوتاً كان قد تكوَّن من قبل في رحم العذراء. فالناسوت تكوَّن فقط داخل الاتحاد.[18]

  • أن الكلمة المتجسد هو شخص واحد (مركب)، فالذي كان “بسيطاً منذ الأزل”، أخذ في نفسه ناسوتاً محدداً وبالتالي أصبح “مركباً”.[19]

واللاهوت (الله) هو خالق وليس مخلوقاً، ولكن الناسوت هو مخلوق، وقد التقى الإثنان في وحدة في يسوع المسيح. ولهذا توجد فيه (أي في المسيح) الأشياء الإلهية والأشياء البشرية في حقيقة وكمال كل منها.

وفي الواقع، يمكننا على مستوى التأمل في المسيح الواحد أن ندركها (أي ندرك كلاً من الأشياء الإلهية والأشياء البشرية)، ولكننا لا يجب أن نتمادى لنخصص لكل طبيعة حالة مستقلة عن الأخرى، لأننا هنا لن نستطيع أن نعترف بالتجسد الذي لم يأتِ فيه الناسوت إلى الوجود بصورة منفصلة أو مستقلة.

وفي مناقشته لهذا الأمر أشار البطريرك ساويروس إلى تعليم الآباء الذين سبقوه، ومن بينهم تعليم اللاهوتيين الكبادوك.[20] وكان الآباء الكبادوك في دفاعهم عن الإيمان النيقاوي ضد إفنوميوس (Eunomius) الأريوسي قد شرحوا كيف أن الابن المساوي مع الآب، يتكلم بكلمات تحمل معنى أنه أقل من الآب.

وأكد البطريرك ساويروس أن الآباء الكبادوك في تفسيرهم لهذا الأمر لم ينسبوا الأقوال والأعمال المتواضعة للطبيعة البشرية،[21] ولكنهم نظروا إلى التجسد كإخلاء (وتدبير) للابن، وأعزوا الأقوال والأعمال (كلها) إلى الابن المتجسد. وبعد اقتباس عدد من الفقرات التي تؤيد هذا المفهوم من كتابات الآباء الكبادوك، أكد البطريرك ساويروس أنهم تجنبوا بحرص فكرة تقسيم الابن المتجسد.

وأضاف أنه على هذا النحو “أكد ق. باسيليوس أنه أصبح متجسداً وصار إنساناً، وأن كل شيء يخص التجسد هو خاص به سواء كان كلمات أو أفعال، ولكنه فصل وقت التجسد عن الوقت الذي قبل التجسد”. وأظهر البطريرك ساويروس أن ق. باسيلوس قال كذلك “أن الأشياء المتواضعة لا يمكن تطبيقها على اللاهوت، ولكن على التجسد”.[22]

فهل يمكن أن يوصف هذا الموقف أنه ’مونوفيزايت‘ (أي موقف من يؤمن بالطبيعة الوحيدة)؟. وعلى الرغم من أن هذا الوصف لم يكن قد أُطلق بعد على التقليد اللاهوتي لغير الخلقيدونيين في القرن السادس، إلاّ أن البطريرك ساويروس كان قد أدرك مقدماً ذلك الاحتمال وحاول أن يحتاط له بتكرار فقرتين اقتبسهما من كتابات ق. كيرلس. ونورد هنا إحدى هاتين الفقرتين:[23]

“حينما كنا نؤكد أن طبيعة الكلمة هي واحدة، فهل قبلنا أن نقول ذلك فقط بدون أن نضيف (كلمة) ’متجسدة‘ ومن ثم نجعل التدبير كأنه شيء بلا أهمية. ومن المحتمل أنه كان لديهم أساس ـ له ما يبرره ـ في تساؤلهم الخاص بكمال الناسوت أو كيف تم الحفاظ على (تأكيدنا على) تمام (الطبيعة) البشرية ومدلول الأوسيا الخاص بنا (في المسيح)؟. وحيث إننا ذكرنا في اعترافنا كلمة ’متجسدة‘، فليطرحوا جانباً العصا التي قد رفعوها ضدنا”.

وهكذا فعند الإشارة إلى المسيح، لا ينبغي استخدام عبارة “طبيعة واحدة” بدون كلمة ’متجسدة‘. ومن ثم فإن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في العبارة ليست هي ’واحدة بسيطة‘؛ ولكنها الواحدة التي تتضمن كمال اللاهوت والناسوت، فيسوع المسيح ليس ’ذو طبيعة وحيدة (single-natured)‘ ولكنه هو طبيعة واحدة ’مركبة (composite)‘.

وكان ق. كيرلس قد عبَّر عن هذا المفهوم بتعبيرات جلية لا تُخطئ، وقام البطريرك ساويروس باقتباسها مرات ومرات في كتاباته، ومنها على سبيل المثال:[24]

“ولا تُستخدم كلمة ’واحد‘ للإشارة فقط إلى تلك (الأشياء) البسيطة في طبيعتها، ولكنها تُستخدم أيضاً للإشارة إلى التي لها وجود مركب، والتي يُعتبر الإنسان مثالاً جيداً لها”.

ولا يكون من الصحيح اعتبار أن كلمة ’واحدة‘ المذكورة في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، مكافئة في المعنى لكلمة ’وحيدة‘ أو مونوس (monos)‘ التي في وصف ’مونوفيزايت (monophysite)‘ (أصحاب الطبيعة الوحيدة). ويقول البطريرك ساويروس نفسه ما يلي:[25]

“وعندما يعترف بأن عمانوئيل هو طبيعة واحدة، فإنه يدرك الاختلاف بين الحقيقتين (realities) اللتين دخلتا في الاتحاد. ولكنه لا يفصل خواص الناسوت وينسبها إلى الناسوت منفرداً؛ كما لا يعزي الأمور الملائمة لله إلى اللاهوت منفصلاً، وإنما على العكس تعتبر تلك التي تنتمي للجسد وتلك التي تنتمي للاهوت أنها كلها تخص الشخص (الواحد) ككل”.

وكما ذكرنا من قبل، فقد تم الاعتراف بأرثوذكسية عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” من جانب التقليد الخلقيدوني في الشرق. وسنولي اهتمامنا في وقت لاحق بالرد على السؤال: هل يختلف التفسير الذي قدَّمه الجانب غير الخلقيدوني لتلك العبارة عن التفسير الذي قدَّمه اللاهوتيون الخلقيدونيون المعروفون أمثال يوحنا الدمشقي؟.

ولكن ما ينبغي علينا ذكره في السياق الحالي، هو أن مصطلح ’طبيعة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كان يعني بالنسبة للبطريرك ساويروس كيان متفرد مخصخص أو ’هيبوستاسيس‘.
ومنذ عصر البطريرك ساويروس أضاف القادة غير الخلقيدونيين كلمتي “أو هيبوستاسيس” مباشرة بعد كلمة “طبيعة” (one incarnate nature or hypostasis of God the Word) ليوضحوا أنهم يعتبرون أن كلمة ’طبيعة‘ الواردة في العبارة إنما تشير إلى كيان خاص متفرد. ونستشهد هنا بعبارة واحدة للبابا ثيؤدوسيوس بطريرك الإسكندرية كان قد كتبها إلى بولس الأسود (Paul the Black) بطريرك أنطاكيا حيث يقول:[26]

“نحن نعترف أن الله الكلمة في الأيام الأخيرة قد صار متجسداً، بدون أن يطرأ عليه أي تغيير أو اختلاط؛ وبدون أن يخضع الجسد ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً ـ لأي اختلاط أو امتزاج بعد الاتحاد غير الموصوف وغير المنفصل.

ولم يؤثر الاتحاد الهيبوستاسي على الاختلاف والآخرية* (otherness) الذي للطبيعتين اللتين دخلتا معاً في الاتحاد، وكذلك لم تنقسم أي منهما أو تنفصل عن الأخرى. ولكن تكوَّن عمانوئيل من الإثنتين بلا انفصال من أجلنا، وطبيعته أي الهيبوستاسيس، واحد(ة)، وهي التي تكوّنت بالتركيب (in composition)”.#

وإذا أردنا أن نجمل كل ما سبق في كلمة واحدة، نقول أن التأكيد أن يسوع المسيح هو “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” إنما كان يعني بالنسبة للجانب غير الخلقيدوني أنه هو الله الابن في حالته المتجسدة (incarnate state).

 

3. عبارة “من طبيعتين”:

كانت الفكرة من وراء عبارة “من (κε) طبيعتين” هي التأكيد على أن “الطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة” تتركب (composed) من طبيعتين.

ولكن تعبير “من طبيعتين” أصبح على الرغم من ذلك محل اعتراض بسبب المعنى المضلل الذي أُشير إلي وجوده في العبارة التي نطق بها أوطيخا في مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م. ولكن غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ لم يتبنوا هذا المعنى على الإطلاق، وفي الحقيقة قد يكون أوطيخا نفسه لم يقصد أن يؤكد ذلك المعنى في كلامه.

وكان اعتراض منتقدو مجمع خلقيدونية على عبارة “طبيعتين قبل الاتحاد”، هو أنها تحمل ضمنياً معنى أن الناسوت قد أتى إلى الوجود ككيان خاص حتى  قبل الاتحاد، وكان هذا هو نفس المضمون الذي رأوه في عبارة الأنطاكيين “طبيعتين بعد الاتحاد”، ولذا كان اللاهوتيون غير الخلقيدونيين يرفضون تلك العبارة باستمرار. ونورد هنا فقرة إضافية (للبطريرك ساويروس) توضح تلك النقطة:[27]

“وليس الأمر أن هيبوستاسيسين قد تكونا (أولاً) ثم أتيا معاً بعد ذلك كهيبوستاسيس واحد. فهذا شيء معترض عليه بل وحتى غير ممكن؛ لأن اللذين تكوَّنا في انفصال وانفرادية، يبقيان إثنين. ولهذا فهو (أي المسيح) قد تكوَّن مركباً ـ بغير تغيير ـ من (الطبيعتين) المختلفتين اللتين كل منهما ليست واحدة في الجوهر مع الأخرى”.

ومن هنا نرى أن المقصود من عبارة “من طبيعتين” لم يكن هو التأكيد على الوجود الزمني المسبق للطبيعتين كحقيقتين متفردتين.

ومن خلال الفقرة التالية من كتاب البطريرك ساويروس الأنطاكي ضد النحوي (the grammarian)، ستتضح الفكرة التي كان يحاول التأكيد عليها باستخدام عبارة “من طبيعتين”:[28]

“وهو كان في أزلية مشتركة مع الآب والروح القدس، ولكنه عندما أراد أن يصير إنساناً من أجلنا ـ بينما يظل بغير تغيير كما هو عليه ـ سكن كما هو مكتوب في العذراء والدة الإله بطريقة فائقة للعقل. وبالروح القدس وحَّد بنفسه ـ من خلال اتحاد طبيعي متزامن ـ جسداً (مأخوذاً) منها له روح وعقل، وهذا الجسد هو واحد معنا في الجوهر.

ولذلك نقول عن الاتحاد أنه هيبوستاسي (أقنومي)، لأن هذا الجسد تكوَّن وأتى إلى الوجود في الاتحاد ذاته مع الكلمة الذي هو قبل الأزمنة، وفي تزامنه معه (أي مع الكلمة) أخذ الجسد تفرده المحدد (concreteness) داخل الاتحاد. وعلى هذا النحو، ومن الإثنين ـ أي من اللاهوت والناسوت ـ يُعرف المسيح بغير تقسيم بأنه عمانوئيل واحد.

وهو قد حُبل به وولد في الجسد، مثل الروح التي تُولد مع الجسد في كل إنسان. فالأولى (أي الروح) هي من جوهر مختلف عن الأخير (الجسد)، ورغم ذلك يكتمل الإنسان في طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من كليهما. وبنفس الطريقة ـ كما هو مكتوب ـ اشترك الله الكلمة في اللحم والدم وشابهنا في كل شيء ما خلا الخطية”.

وهكذا تبدو الفكرة التي ركَّز عليها البطريرك ساويروس في غاية الوضوح، وهو في الحقيقة يؤكدها في العديد من كتاباته. فبكونه طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة، فإن يسوع المسيح يتركب من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين تتحدان فيه بنفس الطريقة التي يتحد بها الجسد والروح في كل إنسان.

وقد استخدم كل اللاهوتيين غير الخلقيدونيين في العصور القديمة نموذج (الجسد – الروح) لشرح تلك الفكرة، ولكننا ينبغي أن نقول أن هذا النموذج في الحقيقة لا يُعتبر كافياً لشرح الفكرة بصورة كاملة. فأولاً هذا النموذج يأخذ بالتقسيم الثنائي للجسد والروح المستخدم في الأنثروبولوجي* اليوناني؛ وثانياً فإن التمييز الذي يرسمه بين الجسد والروح ليس مثل الفرق بين الإنسان والله.

ولكن مع تسليمنا بكل هذا، ينبغي علينا أن نتذكر حقيقة أن هذا النموذج كان قد استُخدم على نطاق واسع ـ كمثال توضيحي للإتحاد بين اللاهوت والناسوت في المسيح ـ بواسطة اللاهوتيين القدامى في كل من الشرق والغرب على حدٍ سواء. ففي الغرب على سبيل المثال، استخدمه (Quinquenque Vult)، أما في الشرق فقد استخدمه رجال الجانب الخلقيدوني بنفس الكثرة التي استخدمه بها معارضوهم.

وإذا بحثنا عن الفكرة التي أراد اللاهوتيون غير الخلقيدونيين توضيحها من هذا النموذج، سنجد أنها التأكيد على وحدة المسيح، فكلمات وأفعال المسيح ـ على سبيل المثال ـ كانت بالنسبة لهم هي تعبيرات لـ ’الله – الإنسان‘ (الله المتأنس). وفي الإنسان، يكون لكل من الجسد والروح دوره الخاص في كل كلماته وأفعاله، ولكننا لا نستطيع أن نقول أن هناك أقوالاً وأفعالاً معينة تختص حصرياً بالجسد، وهناك أقوالاً وأفعالاً أخرى تختص بالروح، وإنما كل ما نستطيع قوله فقط هو أن كل كلمات وأفعال الإنسان هي ناشئة عنه (كوحدة أو ككل).

وبنفس الطريقة في المسيح، الحقيقتان الإلهية والإنسانية كائنتان بدون أي نقصان؛ ولكن بالنسة للأقوال والأفعال فإنها كلها تعبيرات للمسيح الواحد. ويعد استخدام نموذج (الجسد – الروح) على هذا النحو استخدام شرعي باعتراف الجميع.

ويتضمن تعبير “من طبيعتين” فكرتين أساسيتين:

أولاً، هو يؤكد أن “من طبيعتي اللاهوت والناسوت، اللتين كل منهما كاملة بحسب أصل مبدأها (جوهرها)، ظهر عمانوئيل بكونه واحداً، بكونه طبيعة واحدة أو هيبوستاسيس واحد لله الكلمة”.[29] وهكذا صار اللاهوت والناسوت بالفعل معاً في واحد. وبالضبط كما أن اللاهوت دخل في الإتحاد من خلال الله الابن، فإن الناسوت صار في الإتحاد في حالة مخصخصة متفردة (individuated state) . ويذكر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً وتكراراً حيث يقول:[30]

“إن الله الكلمة هو هيبوستاسيس واحد، وقد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً (أقنومياً)‘ جسداً خاصاً واحداً له روح عاقلة ومفكرة، وهذا الجسد أخذه من مريم والدة الإله (ثيؤطوكس)”.

إذن الطبيعتان اللتان التقيتا في الإتحاد كانتا هيبوستاسيسين (أي في الحالة الأقنومية المخصخصة)، هذا بالرغم من أن الناسوت أخذ الحالة الهيبوستاسية فقط في داخل الإتحاد.[31] ونجد هذا المعنى في كلمات البطريرك ساويروس التالية:[32]

“والطفل، على سبيل المثال، لم يتكوَّن في الرحم بمفرده ـ كما يُعلِّم الهراطقة ـ ولكن الله الكلــمة منذ عين البداية ـ أي منذ أول لحظة تكوَّن فيها الجسد المحيَ بروح وعقل داخل الرحم ـ كان متحداً به. وهكذا لم يكن هناك أي فاصل بين تكوّن الجسد (حضوره للوجود) وبين اتحاده مع الله الكلمة”.

ونتيجة لهذا الاتحاد، فإن يسوع المسيح قد حُبل به في رحم العذراء بكونه شخص واحد. وهذا الشخص الواحد لم يكن ببساطة هو الله الابن. لأنه بينما أن الله الابن هو إلهي فقط، فإن يسوع المسيح بشخصه الواحد قد تكوَّن من اتحاد اللاهوت مع الناسوت. وهكذا فإنه في ذات اللحظة، التي التقى فيها اللاهوت والناسوت في رحم العذراء فقد كوّنا معاً مركزاً بؤرياً (focal point) صار فيه كل ما هو إلهي بحسب الجوهر وكل ما هو إنساني بحسب الجوهر، هناك معاً في حالة إتحاد.

ولذلك كان تطابق المسيح مع الكائنات البشرية الأخرى هو تطابق حقيقي بكل ما تعنيه الكلمة، سواء في تكوينه في الرحم أو في ولادته كطفل بشري أو في حياته على الأرض بعد ذلك. ويقول البطريرك ساويروس في هذا الصدد:[33]

“وحيث إن المسيح الواحد هو طبيعة واحدة وهيبوستاسيس واحد من اللاهوت والناسوت ـ لله الكلمة المتجسد ـ فإن ذلك يؤدي بالقطع إلى أنه ـ في نفس الوقت ـ يُعرف بكونه واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت. وهو نفسه ابن الله وابن الإنسان. وبالتالي فهو ليس ابنان ولكنه هو نفس الابن الواحد”.

إذن فيسوع المسيح هو وحدة  (unity)منذ أول لحظة حُبل به فيها في الرحم.

ثانياً، كان المقصود من عبارة “من طبيعتين” هو التأكيد ـ كما ذكرنا قبلاً ـ على استمرار (وجود) اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد طوال الوقت منذ تكوينه في رحم العذراء. ولذلك فعلى الرغم من أننا لا نستطيع أن نقسم الأقوال والأفعال بين اللاهوت والناسوت، إلا أننا قد نميِّز ـ في الفكر (contemplation) فقط ـ بعض الكلمات والأفعال بكونها إلهية والبعض الآخر بكونها بشرية.[34]

والحقيقة أن القضية ليست في أن الناسوت لم يكن له مكان في الحياة المتجسدة لابن الله، ولكنها في أن الناسوت كان متحداً مع اللاهوت. وبسبب الاتحاد كان يسوع المسيح مركباً من اللاهوت والناسوت طوال حياته على الأرض. ومن الواجب أن نضيف أيضاً أنه حتى بعد القيامة لم يتوقف عن كونه من طبيعتين.

وكما رأينا سابقاً، كانت النقطة الفعلية التي على أساسها رفض الجانب غير الخلقيدوني قبول تعريف إيمان مجمع خلقيدونية، تتعلق بعبارة “في طبيعتين”. فمن وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني، كانت عبارة “في طبيعتين” من الممكن أن تعني أن الله الابن والإنسان يسوع قد اتحدا في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط.

 وبسبب هذا القلق من كلمة ’في‘ (التي في عبارة ’في طبيعتين‘) رأى الجانب غير الخلقيدوني أنه يمكن الحفاظ على المعنى من خلال عبارة “من طبيعتين” بالإضافة إلى كلمة ’متجسدة‘ في عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” وكلمة ’مركبة أو مركب‘ في عبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”، وكذلك من خلال التأكيد على أن الاختلاف بين الطبيعتين يمكن رؤيته على مستوى الفكر (فقط).

وكان القصد من وراء كل هذه التفسيرات الدقيقة والفروق المحددة بعناية هو التأكيد على وحدة المسيح، ولم يكن القصد أبداً هو استبعاد أي من الطبيعتين.

 

4. عبارة “اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)”:

كان اتحاد الطبيعتين (في المسيح) هو اتحاد هيبوستاسي (أقنومي). وقد أصَّر كل من ق. كيرلس والجانب السكندري على عبارة “إتحاد هيبوستاسي” في مواجهة نسطوريوس والأنطاكيين. وكان الجانب الأنطاكي يرفض تلك العبارة على الدوام، وهناك فقرة اقتبسها البطريرك ساويروس من ثيؤدوريت أسقف قورش يوضح فيها وجهة نظره بشدة، حيث قال:[35]

“ولكننا لا نعترف أبداً بالاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)، لأنه يتعارض مع الأسفار الإلهية، ومع الآباء الذين فسَّروها”.

وقد أقر مجمع خلقيدونية هذه العبارة ـ كما ذكرنا ـ من خلال اعترافه بـ “هيبوستاسيس واحد”، ومن خلال تبنيه للرسالة الثانية لكيرلس ضد نسطوريوس والتي تضمنت تلك العبارة.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني مع ذلك، أكد أنه في سياق قبول المجمع لطومس ليو ولعبارة “في طبيعتين”، وفي ســـياق تبرئته لثيؤدوريت أسقف قورش ـ الذي كان يعتبر مصطلح هيبوستاسيس مرادفاً لمصطلح بروسوبون ـ وفوق كل ذلك في غياب إيضاح المعنى الذي كان يراه المجمع في مصطلح ’اتحاد هيبوستاسي‘، ففي ضوء كل ما سبق دفع الجانب غير الخلقيدوني بأن مجمع خلقيدونية لا يمكن أن يكون قد أخذ المصطلح بالمعنى الذي سعى الآباء أن يؤكدوه من وراء استخدامه. ولذلك أثناء مناقشة هذا الأمر، تساءل البطريرك ساويروس: ما هو معنى أن المسيح “هيبوستاسيس واحد” بالنسبة لمجمع خلقيدونية.[36]

ويذكر البطريرك ساويروس أن المدرسة النسطورية اعترضت على “الاتحاد الهيبوستاسي” لأن الاتحاد من وجهة نظر النساطرة كان اتحاداً لأقنومين كل منهما أتى بالفعل بشكل منفصل، وعلى أساس أن ’الطبيعة‘ بالنسبة لهم كانت تعني كائن محدد. وعلى سبيل المثال يذكر البطريرك ساويروس أن نسطوريوس كتب ما يلي:[37]

“إن الاتحاد لم يكن من (from) طبيعتين ولكن لـ (of) طبيعتين”.

والسؤال هنا هو كيف واجه مجمع خلقيدونية هذه المشكلة؟

الحقيقة إنه عند هذه النقطة بالتحديد، فشل كل من العالِمين ليبون (Joseph Lebon) وأندريه (Andre de Halleux) في ابراز وجهة نظر الجانب غير الخلقيدوني بموضوعية.[38]

فتعليق ليبون على سبيل المثال، بأن تعليمهم الخريستولوجي (أي تعليم الجانب غير الخلقيدوني) ينتمي إلى ما قبل خلقيدونية، يمكن الرد عليه بأن طومس ليو وتعريف الإيمان الخلقيدوني ينتميان إلى ما قبل أفسس (أي يفتقدان إلى تحديدات مجمع أفسس). وكانت وجهة نظر غير الخلقيدونيين  ـ  كما أوضحنا ـ  هي أنه لا البابا ليو ولا مجمع خلقيدونية قد أخذا قرارات مجمع أفسس عام 431م والاتفاق الذي سبق إعادة الوحدة عام 433م بجدية كافية، كما أنهم كذلك لم يقوموا بتوضيح ما كانوا يقصدونه بادعائهم رفض النسطورية.

وكان الجدل النسطوري قد بدأ بالقضية التي أثارها نسطوريوس في تطبيق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم. وهذا الأمر ذاته كان له تاريخ في التقليد الخريستولوجي لمدرسة أنطاكية، فكما رأينا من قبل[39] ـ وسوف نرى أكثر فيما بعد[40] ـ كان الفكر اللاهوتي للأنطاكيين الذي يصر على “طبيعتين بعد الاتحاد” هو الأساس الذي شكك في إمكانية إطلاق لقب ’والدة الإله‘ (ثيؤطوكس) على العذراء مريم.

وفي مواجهة هذه الخلفية، بدأ آباء الإسكندرية ومَنْ يتفقون معهم في بناء فكر لاهوتي يعترف بلقب ’ثيؤطوكس‘ ويستبعد مفهوم ’طبيعتين بعد الاتحاد‘. ولكن الغريب أن البابا ليو ومجمع خلقيدونية صدَّقا على لقب ’ثيؤطوكس‘ وعلى عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ كليهما معاً، بدون أن يقدِّما تفسيراً عن كيف يمكنهما أن يجمعا بين الإثنين معاً.

وهذه في الحقيقة هي المشكلة المطلوب مواجهتها فيما يتعلق بالنزاع بين الجانب الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، ولكن بدون افتراض مسبق بأن مجمع خلقيدونية عام 451م قدَّم بالفعل مساهمة (جديدة) ذات معنى وأن منتقديه كانوا على خطأ.

أما بالنسبة لعبارة ’اتحاد هيبوستاسي (أقنومي)‘، فقد كانت في الحقيقة تهدف إلى المحافظة على مفهومين على الأقل:

أولاً: هي تؤكد أن الله الابن، وهو هيبوستاسيس أزلي، وحَّد بنفسه ناسوتاً. وعلى الرغم من أن الناسوت لم يكن في ذاته هيبوستاسيس (مستقل) في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، إلا أنه صار مخصخصاً ومتفرداً وبالتالي تقَبَّل حالته الهيبوستاسية في الاتحاد مع الله الابن.

ثانياً: تفيد هذه العبارة التأكيد على أن اتحاد الطبيعتين كان داخلياً وحقيقياً. ويمكننا أن نوضح هذه النقطة من خلال الرجوع إلى معاني المصطلحات التي ذكرناها سابقاً، فالهيبوستاسيس هو الأوسيا بكامله حينما يأخذ وجوده المحدد، والبروسوبون يدل على الهيئة الخارجية للشيء أو الشخص التي يتمايز بها كل هيبوستاسيس من نوع (class) معين عن الآخر الذي من نفس النوع.

وبناءً على هذه المعاني، نستطيع أن نقول أنه بالاتحاد الهيبوستاسي للاهوت والناسوت، كان هناك حضور للاهوت الابن والناسوت معاً في يسوع المسيح. ولكن هذا لم يُحدِث مع ذلك أي تغيير لا في الله الابن ولا في الناسوت الذي اتخذه. وهذا المعنى هو ما نجده في كلمات البطريرك ساويروس إلى نيفاليوس (Nephalius):[41]

“لقد بقي الجسد جسداً، وظل اللاهوت لاهوتاً. ولم يتحول أي منهما إلى طبيعة الآخر. ولكن اتحادهما وإلتقاءهما معاً قد حدث في تركيب الطبيعة الواحدة المتجسدة للابن”.

وهكذا فإنه في الاتحاد الهيبوستاسي، تظل سلامة الطبيعتين بكل خواصهما وقدراتهما (ملكاتهما) محفوظة بدون اختلاط أو انفصال. وحيث إن الطبيعتين تتحدان داخلياً (inwardly) فلذلك يكون هناك تبادل للخواص (exchange of properties).[42] ويكون الناسوت حاضراً مع لاهوت الله الابن، كليهما في شخص المسيح (الواحد المركب) وفي حياته في كل لحظة.

ومن هنا فإنه في كل كلمة تكلم بها (المسيح) وفي كل فعل قام به، كان الناسوت قائماً فيه في حالة الاتحاد. ولم يكن الناسوت مختلطاً مع اللاهوت، ولا كان سلبياً، بل على العكس اتخذه الله الابن ناسوتاً خاصاً به* (as his own) بكل ما له من حرية مخلوقة، ووعي إنساني وكل الوظائف والخواص المنتمية للناسوت، ولهذا فبدون أن يفقد الناسوت طابعه الجوهري، أصبح متقلداً بالمجد الإلهي.[43]

وقد تحتاج الجملة الأخيرة لبعض التوضيح، حيث إنها لا تعني أن ناسوت المسيح قد خضع لنوع من التحول إلى الألوهة، أو أن هدف الجنس البشري يكمن في بلوغ مثل هذا التغيير، ولكنها تعني في المقابل أن الإنسان بخلقته على صورة الله، كان له مصير نهائي يصبح فيه متشبهاً بالله (God-like) ممتلئاً بالمجد الإلهي. ويسوع المسيح وحده هو الذي حقق ذلك في حياته، واحتفظ بذلك كإنسان بدون أن يحدث أي نوع من التحول لناسوته على الإطلاق. وهذه هي الغاية النهائية التي يتطلع إليها الإنسان في إيمان ورجاء، معتمداً على نعمة وقوة الرب المتجسد كما أعلن في موته وقيامته.

وتبقى نقطة واحدة جديرة بالاهتمام في هذا الفكر اللاهوتي. فكما رأينا، كان الأنطاكيون يؤمنون بنظرية الإتحاد البروسوبي،[44] وبالتالي يؤكدون أن المسيح كان إنساناً سكنه الله الابن ولذلك كان كل شيء إنساني فيه متحداً باللاهوت. أما السكندريون فكانوا يؤمنون أن تلك النظرية غير كافية للاعتراف بالتجسد، ومن هنا كانوا يؤكدون على الاتحاد الهيبوستاسي.

ولكي نوضح هذا الأمر بطريقة أكثر نقول أن الاتحاد البروسوبي ـ الذي يؤمن به الأنطاكيون ـ يستطيع أن يفسر فقط العلاقة التي كانت قائمة في الأصل بين الله والإنسان. وحيث إن الإنسان لم يقدر أن يحافظ على تلك العلاقة؛ فإن الله الكلمة ـ برحمته ـ وحّد هيبوستاسياً (أقنومياً) بذاته ناسوتاً لكي ما يثبِّت الإنسان في حقيقة نعمة خلاصه للجنس البشري.[45]

وهكذا فإن العلاقة التي تأسست بين الله والإنسان في يسوع المسيح هي علاقة حميمية وشخصية أكثر من تلك التي كانت قائمة بين الله وآدم قبل سقوطه. وسيستمر يسوع المسيح إلى الأبد في حالة هذه العلاقة بكونه ’الله ـ الإنسان‘ (الله المتأنس).

 

5. عبارة “هيبوستاسيس واحد” وعبارة “طبيعة واحدة مركبة أو هيبوستاسيس واحد مركب”:

يعترف كل من اللاهوتيين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين بأن يسوع المسيح هو “هيبوستاسيس واحد”، رغم أنهما لا يتفقان في تفسير ماهية الهيبوستاسيس الواحد. والهيبوستاسيس الواحد (للمسيح) عند اللاهوتيين غير الخلقيدونيين هو ’هيبوستاسيس مركب‘ وهم يعتبرون أن عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب” هي مرادف لعبارة “طبيعة واحدة مركبة”. أما الجانب الخلقيدوني ـ على الأقل في الشرق ـ فيفصل بين العبارتين.

ونجد أن يوحنا الدمشقي ـ على سبيل المثال ـ يفضل عبارة “هيبوستاسيس واحد مركب”* وليس عبـــارة “طبيعة واحـــدة مركـبة”.[46] ويصـــر شــــــارلز مــوللر (Charles Moeller) على أن تعبير “هيبوستاسيس مركب” هو تعبير مبهم وغامض وغير مقبول من الكنيسة.[47] ولو كان مصطلح ’طبيعة‘ يُستخدم بمعناه العام المجرد، وليس كحقيقة محددة (مخصخصة)، لكان رفض الفكر اللاهوتي الخلقيدوني لعبارة “طبيعة مركبة” يصير مفهوماً.

ولكن السؤال هو: كيف يمكن لناسوت المسيح كحقيقة عامة مجردة أن يدخل حيز الزمان والمكان ما لم يكن في صورة شخص مرئي وملموس (أي في صورة محددة)؟. ويبدو أن الفكر اللاهوتي الخلقيدوني هنا كان قلقاً بشدة من أجل استبعاد احتمالية الاضطرار للاعتراف بأن الله هو ’رابوع‘ بدلاً من ثالوث. وهكذا نرى أنه كان هناك فرق بين التفسير الخلقيدوني وغير الخلقيدوني حول هذه النقطة.

وبواسطة عبارة “هيبوستاسيس مركب” أو “طبيعة مركبة” يؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الوجود المتزامن للاهوت والناسوت في المسيح الواحد. وهذا يعني أن شخص يسوع المسيح الواحد قد تكوَّن بواسطة اتحاد اللاهوت والناسوت. وكان تعريف الإيمان الخلقيدوني قد أكد أن طبيعتي اللاهوت والناسوت “يتواجدان معاً في بروسوبون واحد وهيبوستاسيس واحد”.

وقد أصر الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني على الطابع المركب لشخص المسيح، وكان هذا الفكر مؤسس على مفهوم سكندري الأصل. فإذا كان ’الهيبوستاسيس الواحد‘ ـ الذي جاء في اعتراف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يؤخذ بكونه “هيبوستاسيس واحد مركب”، فإن هذا يعد إثباتاً إضافياً أن البطريرك ساويروس ومن يتفققون معه كانوا بالتأكيد على حق في حكمهم أن مجمع خلقيدونية لم يحافظ على مدلولات المفاهيم السكندرية التي قصدها الآباء.

ويؤكد الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني أن اتحاد اللاهوت والناسوت في يسوع المسيح لم يكن اتحاداً لطبيعتين في صورتهما العامة المجردة، ولكن اتحاداً لله الابن مع الناسوت الذي صار مخصخصاً (individuated) في الاتحاد. وبالرغم من أن الناسوت لم يكن هيبوستاسيس مستقل في مقابل (هيبوستاسيس) الله الابن، فقد صار (الناسوت) في الحالة الهيبوستاسية (hypostatic) في الاتحاد.

ومن هنا أصر كل من البطريرك ساويروس وتقريباً كل اللاهوتيين الآخرين المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني، على أن الهيبوستاسيس الواحد ليس ’بسيطاً‘ (simple) ولكنه ’مركباً‘ (composite). وكان هذا المفهوم الكيرلسي ـ كما ذكرنا ـ يُظهر أن المقصود بمصطلح “طبيعة واحدة” ـ كما هو محفوظ في التقليد السكندري ـ لا يلائم وصفه كمكافئ لمصطلح ’الطبيعة الوحيدة‘ (monophysite).

وهيبوستاسيس يسوع المسيح الواحد ليس ببساطة هو هيبوستاسيس الله الابن، ولكنه هو هيبوستاسيس الله الابن في حالته المتجسدة. ولذلك كتب البطريرك ساويروس في كتابه “ضد النحوي”:[48]

“إن الطبيعتين والهيبوستاسيسين* الذي منهما تركب (المسيح)، قد أُدركا في الاتحاد بلا أي اختزال وبلا أي تغيير. ولكن من غير الممكن أن نميِّز بروسوبون لكل منهما، لأنهما لم يوجدا (في المسيح) منفصلين سواء في تحديد معين (specific concretion) أو في ثنائية. لأنه هو هيبوستاسيس واحد من كليهما، وبروسوبون واحد على نحو موحد* (conjointly)، وطبيعة واحدة لله الكلمة المتجسد”.

وهكذا يصبح الأمر واضحاً جداً، فالهيبوستاسيس الواحد ليسوع المسيح هو من كلا اللاهوت والناسوت. ولم يكن على الإطلاق القصد من هذا التأكيد هو التقليل من السيكولوجية الإنسانية الخاصة بربنا، وإنما الاعتراف بها بدون الوقوع في موقف يتضمن تقسيماً للمسيح الواحد.

 

[1]   للإطلاع على وجهة نظر مختصرة حول الموضوع انظر:

(R.V. Sellers: Two Ancient Christologies, London, 1954, p. 89, especially note 2)

[2] G. L. Prestige, God In Patristic Thought, London, 1952, p. 197.

[3]   يقول يوحنا النحوي (بحسب إقتباس البطريرك ساويروس): “ولهذا السبب قَبِل المبارك كيرلس هؤلاء الذين أكدوا ’طبيعتين‘ لعمانوئيل، لكي يفلتوا من هرطقة أبوليناريوس. ومرة أخرى صدق على التأكيد على ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ لكي يدين نسطوريوس. فعندما يتم التأكيد على الأمرين فإنهما يشيران إلى الرأي الصواب، أما إذا تم استبعاد واحد منهما فقد يجعلنا هذا نقع في شر الآراء الهرطوقية”. انظر:  (Contra Gr., I, p. 131).

[4] Tractatus…., op. cit., p. 185.

[5]  المرجع السابق صفحة 190.

[6]  للرجوع إلى هذا الاعتراف انظر المرجع صفحة 258.

[7] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 20.

[8] المرجع السابق صفحة 21.

[9]  المرجع السابق صفحة 24.

[10] المرجع السابق صفحة 24.

[11] المرجع السابق صفحة 21. للرجوع إلى هذا المجمع انظر صفحة 239.

[12]  المرجع السابق صفحة 22.

[13]  المرجع السابق صفحة 22. واستمر البطريرك ساويروس بعد ذلك في التأكيد على أن النحوي في إتهامه للكيان غير الخلقيدوني أنه يؤمن بنظرية ’أوسيا واحد‘ لم يقدم حتى دليلاً واحداً على صحة ذلك الإتهام. (انظر المرجع السابق صفحة 23).

[14]  المرجع السابق صفحة 200.

[15]  المرجع السابق صفحة 203. وفي تفنيده لرأي النحوي طالبه البطريرك ساويروس بأن يريه كيف يمكن أن نعترف أن المسيح ’في إثنين أوسيا‘ (لأن الأوسيا هو الحقيقة العامة المجردة). كيف يمكن على سبيل المثال أن يكون أوسيا الجسد حتى ولو كان موجوداً قبل الإتحاد بالله الكلمة أن يتخصخص ويتفرد ولايزال باقياً كأوسيا؟ وهل أن الله الكلمة قد وحَّد بنفسه ’هيبوستاسياً‘ الناسوت في عموميته (المجردة)؟ ألم يوحِّد بنفسه جسداً واحداً ذو روح وعقل ينتمي إلى الأوسيا البشري، أي إلى الجنس البشري بأكمله، وبهذا أصبح واحداً في الجوهر مع جنسنا؟ (المرجع السابق صفحة 267).

ويؤكد البطريرك ساويروس أن النحوي عليه أن يقر أن قصده الحقيقي ليس هو التأكيد على ’في إثنين أوسيا‘ وإنما ’في إثنين هيبوستاسيس‘ مما يحمل ضمنياً الاعتراف بأن الجنين قد تكون في الرحم بنفسه (مستقلاً) بمعزل عن الإتحاد بالله الكلمة. ويصر البطريرك ساويروس أنه لهذا السبب أكد النحوي على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ والتي بها نكون من أصحاب عقيدة ’البروسوبونين‘ و’الابنين‘ و’المسيحين‘”. (المرجع السابق صفحة 268).

[16] Philalethes, op. cit., pp. 131f.

[17]  “الله الكلمة الأبدي والذي بلا بداية، الذي ولد من الآب بغير ألم وبغير جسد، هذا قد صار متجسداً”. (المرجع السابق صفحة 131).

[18]  كتب البطريرك ساويروس: “لقد صار متجسداً بواسطة الروح القدس من القديسة مريم الدائمة البتولية والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، (وذلك بأن اتخذ) جسداً من نفس طبيعتنا ذو روح عاقلة مفكرة، وهذا الجسد لم يأتِ إلى الوجود قبل سكنى الله الكلمة في رحم العذراء”. وفي نفس الوقت أصر البطريرك ساويروس أن: “الله الكلمة وحَّد بنفسه الأوسيا الخاص بنا بأكمله ولم يترك أي شيء مما يتكون منه ناسوتنا”. (المرجع السابق صفحة 132).

[19]  هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة.

[20] Contra Grammaticum, op. cit., II, pp. 110f.

[21] كتب البطريرك ساويروس: إن ق. باسيليوس قد عرَّف ذاك الذي صار متجسداً بأنه غير منقسم. وهو يرسم فاصلاً بين وقت ما قبل التجسد ووقت ما بعد التجسد، فقبل التجسد كان بغير جسد ولكنه بعد التجسد صار له جسد”. (المرجع السابق صفحة 117).

[22] المرجع السابق صفحة 115.

[23] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 34.

[24] المرجع السابق 1: صفحة 91.

[25] Ad Nephalium, op. cit., p. 29.

وهذا التعليق جاء بعد بعض المقولات المنسوبة إلى يوليان أسقف روما.

[26] C. S. C. O. vol. 17, p. 121.

*  أي اختلاف كل طبيعة عن الأخرى.

#  انظر الحاشية صفحة 283.

[27] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 185.

[28] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239-40.

وهنا كما في العديد من المواضع الأخرى، يستخدم ساويروس مثال الجسد-الروح في الإنسان.

* الأنثروبولوجي هو العلم الخاص بالإنسان

[29] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 87.

[30] المرجع السابق صفحة 148.

[31] وهذا التأكيد هو ما قد ذكرناه بالفعل. انظر الحاشية صفحة 283.

[32] المرجع السابق صفحة 184.

[33]  المرجع السابق صفحة 227.

[34]  هذا الأمر أكده البطريرك ساويروس مرات عديدة. ونقدِّم هنا مثالاً على ذلك حيث قال: “حينما نتأمل في الحقيقتين اللتين منهما تركب المسيح الواحد، سوف نرى في أذهاننا الطبيعتين اللتين التقيتا في الإتحاد غير المنقسم. أما بعد التفكير في الإتحاد، فليس من الصواب أن نؤكد على ’طبيعتين‘، لأن الطبيعتين لم تأتيا إلى وجودهما المحدد (داخل الإتحاد) منفصلتين، ولكن تكوَّن منهما معاً الهيبوستاسيس الواحد والطبيعة الواحدة لله الكلمة. (Contra Gr., I, p. 119)

[35] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 9.

[36] انظر صفحة 384 وما يليها.

[37] Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 28.

[38]  انظر خاتمة مقال ليبون فى:

(‘Le Christologie du Monophysisme Syrien’ in Das Konzil Von Chalkedon, vol. 1)

وانظر أيضاً الملاحظات الختامية لأندريه في: (Adler de Halleux, op. cit.,)

[39]  انظر صفحة 382.

[40] انظر صفحة 535 وما يليها.

[41] Ad Nephalium, op. cit., p. 24.

[42] هذه النقطة سبق الإشارة إليها. انظر صفحة 405.

*  كثيراً ما كان ق. اثناسيوس يستخدم نفس هذا التعبير في حديثه عن تجسد الابن. (انظر ق. أثناسيوس الرسولي، تجسد الكلمة، ترجمة د. جوزيف موريس، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة. فصل: 8، 10، 20، 25، 31)

[43]  لقد تبنى الجانب الأنطاكي والجانب الخلقيدوني وجهات نظر متشابهة برغم وجود اختلافات طفيفة. أنظر صفحة 519 وصفحة 539.

[44]  انظر صفحة 379. من أجل توضيح أكثر انظر صفحة 540.

[45]  وكما ذكر ق. بولس أنه “حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جداً”. (رو 5: 20)، فقد أكد مار فيلوكسينوس أنه بالتجسد خلق الله الإنسان من جديد في داخل شخصيته الخاصة. انظر صفحة 448.

*   وحتى بالنسبة لتعبير ’هيبوستاسيس واحد مركب‘ يختلف يوحنا الدمشقي في تفسيره تماماً عن البطريرك ساويروس الأنطاكي. انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب.

[46]  انظر صفحة 511.

[47] See essay in Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., p. 703.

[48] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 187.

*  يقول ق. كيرلس في رسالته إلى أكاكيوس أسقف مليتين: “لأنه يُعترف أن هناك طبيعة واحدة للكلمة، ولكننا نعرف أنه تجسد وصار إنساناً… وبناء على هذا فقط يُفهم إختلاف الطبيعتين أي الهيبوستاسيسين (الأقنومين)، لأن اللاهوت والناسوت ليسا هما نفس الشيء من جهة النوعية الطبيعية” (رسائل ق. كيرلس السكندري، الجزء الثالث، ترجمة وإصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية بالقاهرة 1995م. رسالة 40: 15 صفحة 51).

* أي بروسوبون واحد للهيبوستاسيس الواحد الذي تركب من اتحادهما معاً

طبيعة الله من وجهة نظر غير الخلقيدونيين

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت، وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم برفض مجمع خلقيدونية وطومس ليو من ناحية، وكذلك الهرطقات التي ظهرت ضد الإيمان الأرثوذكسي من الناحية الأخرى، كان يقوم أثناء ذلك أيضاً بالمحافظة على موقف لاهوتي مؤسس على قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأكده مجمعا القسطنطينية عام 381م وأفسس عام 431م.

وبعد أن بحثنا في الأسباب التي دعت غير الخلقيدونيين إلى رفض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، وتحققنا من الأسس التي اعتمدوا عليها في معارضتهم للهرطقات الخريستولوجية المتنوعة، يتعين علينا الآن أن نقوم بعرض تعاليمهم الإيجابية المختصة بشخص يسوع المسيح بصورة مباشرة أكثر من ذي قبل. وسنقوم أثناء هذا العرض بفحص معاني المصطلحات الحاسمة التي قاموا بتوضيحها، والتشديدات المحددة التي سعوا للحفاظ عليها من خلال العبارات السكندرية التي استخدموها في شروحاتهم العقائدية.

 

2. معاني المصطلحات اللاهوتية:

في الجدال الخريستولوجي ـ وبخلاف أي جدال لاهوتي آخر في الكنيسة الأولى ـ كان هناك قدر كبير من الغموض تسببت فيه المصطلحات التقنية اللاهوتية المستخدمة. وقد استعمل اللاهوتيون على اختلاف مواقفهم الفكرية المصطلحات الخمسة التالية:

-’أوسيا (Ousia)‘ في اللغة اليونانية، ويستخدم السريان كمقابل لها كلمة (Ithutho) أو نفس كلمة ’أوسيا‘.

– ’هيبوستاسيس (Hypostasis)‘ في اللغة اليونانية، والمكافئ لها في اللغة السريانية كلمة (Qnumo).

– ’فيزيس (Physis)‘ في اللغة اليونانية، وتُترجم في اللغة السريانية إلى كلمة (Kyono).

– ’بروسوبون (Prosopon)‘ في اللغة اليونانية، وتقابلها في اللغة السريانية كلمة (Parsupo).

– ’هيباركسيس (Hyparxis)‘ في اللغة اليونانية، ويكافئها في اللغة السريانية كلمة (Yotho).

وكان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد قام بشرح معنى المصطلحات اللاهوتية الخمسة السابقة في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) وفي العديد من رسائله العقائدية وكتاباته الأخرى.

وفي خطابه إلى يوسابيوس (the scholastic) قدَّم البطريرك ساويروس تعريفاً مختصراً للمصطلحين: ’أوسيا (Ousia)‘ و’هيبوستاسيس (Hypostasis)‘ حيث قال: “إن ’الأوسيا‘ يدل على ما هو عام، بينما يدل ’الهيبوستاسيس‘ على ما هو خاص*“.[1]

وناقش البطريرك ساويروس هذا الموضوع بصورة أكثر تفصيلاً في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘، حيث نجده يتبع ق. أثناسيوس[2] في أخذ مصطلح ’أوسيا‘ بمعنى الذي يكون (بذاته). وقد سجل سفر الخروج أن صوتاً أتى إلى موسى من الله قائلاً “أنا أكون الذي يكون(I AM HE WHO IS) ، وهكذا تقول لبني إسرائيل ’الذي يكون‘ أرسلني إليكم”.

وقد أقر آباء الكنيسة الملهمون بأن “الثالوث القدوس والمتعالي هو ’أوسيا‘ واحد”، وحيث إن “الآب كائن (بذاته)، والابن كائن (بذاته)، والروح القدس كائن (بذاته)، فإن لهم نفس الكينونة الواحدة، كما أن لهم نفس الكرامة ونفس الأزلية”. وعلى ذلك يكون ’الأوسيا‘ مشتق من الكينونة.[3]

وقام البطريرك ساويروس بتوضيح التعريف من خلال قوله إن “مصطلح ’إنسان‘ يدل على الجنس وعلى الانتماء العمومي لكل الجنس البشري”،[4] وأشار إلى دليل كتابي في سفر التكوين، حين تكلم الله إلى نوح وبنيه قائلاً: “سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 9:6)، وأكد البطريرك ساويروس أنه في تلك الآية لم تكن الإشارة إلى إنسان محدد، ولكن إلى أي إنسان ينتمي إلى كل الجنس البشري.[5]

ولكن من الناحية الأخرى حينما ندعو شخصاً محدداً ـ مثل يعقوب أو ألقانه ـ بأنه إنسان، فنحن نقصد أنه ينتمي إلى الأوسيا وإلى الجنس (البشري).[6] وكل من يعقوب وألقانه هو هيبوستاسيس، لأن كل منهما أخذ وجوده المحدد (concrete existence) ’بصورة منفصلة وخاصة”.

ويؤكد البطريرك ساويروس أن نفس المبدأ ينطبق عند شرح الإيمان الأرثوذكسي عن الله، فاسم الله مشترك للآب والابن والروح القدس: “الآب هو الله؛ وهو أزلي وخارج الزمن، وكذلك الابن وكذلك الروح القدس أيضاً. ولم يبدأ الآب في أن يكون لأنه كائن على الدوام، وهكذا الحال بالنسبة للابن وبالنسبة للروح القدس أيضاً”.[7]

وعلى الرغم من أنه لا يوجد اختلاف من جهة الأوسيا، بين أي إثنين من الثلاثة أقانيم في الثالوث المبارك، إلاّ أنه بالإشارة إلى الهيبوستاسيس فإن الآب هو واحد والابن هو آخر والروح القدس هو آخر أيضاً. والتمايز الذي لكل منهم يكمن في الخصوصية التي له، فالآب مثلاً هو غير مولود؛ والابن مولود؛ والروح القدس منبثق من الآب. وبهذه الطريقة، بينما كل منهم هو الله بالكمال، فإنه يتمايز عن الإثنين الآخرين. وقد اقتبس البطريرك ساويروس من رسالة ق. باسيليوس أسقف قيصرية إلى أمفوليكوس، بعض الفقرات التي تؤيد شرحه.

ويمكن توضيح الفكرة التي وراء تعريف ساويروس لمصطلحي ’أوسيا‘ و’هيبوستاسيس‘ على النحو التالي: الأوسيا هو شيء حقيقي؛ وهو يشير إلى ما يمكن أن يُسمى كينونة (is-ness) أو جوهر الشيء (بصورة عامة ومجردة)، ولكن ’الأوسيا‘ على الرغم من ذلك ليس له وجود محدد (concrete existence)، لأن كل شيء له وجود محدد هو شيء خاص (particular).

وبالتالي فإن ’الأوسيا‘ هو الحقيقة (العامة) التي عندما تتخصخص أو تتفرد (individuated) ينشأ شيء خاص محدد أو ’هيبوستاسيس‘. فالناسوت مثلاً كأوسيا يمثل الأساس الميتافيزيقي (المجرد) لكل إنسان وللجنس البشري بأكمله.

وقد جمع البطريرك ساويروس في تعامله مع مصطلح ’أوسيا‘ بين فكرتين، فمن ناحية أخذ الكلمة بمعنى الحقيقة العامة الديناميكية ـ ومن المحتمل أن يكون بنفس معنى ’الحقائق‘ (eidos) التي وردت عند أفلاطون* والتي قننها الآباء الكبادوك في القرن الرابع ـ ولكن من الناحية الأخرى رأى البطريرك ساويروس في الكلمة، الاسم العمومي لكل أعضاء النوع أو الصنف (class) الواحد وحسب.

وتدل هذه الحقيقة على أن البطريرك ساويروس لم تكن له دراية كاملة بالفلسفة اليونانية،[8] ولكنه على الرغم من ذلك كان ضليعاً في الأدب الآبائي حتى أنه ذكر أن بعضاً من اللاهوتيين الأوائل استخدموا مصطلح ’أوسيا‘ بمعنى الوجود الخاص[9] (particular)، وأولئك قد أخذوا ’الأوسيا‘ بالمدلول الذي صار لمصطلح ’الهيبوستاسيس‘ فيما بعد، ويقر البطريرك ساويروس أن هذا القصور والتداخل قد انتهيا، وأن الفهم الذي يتبناه (ساويروس) لمعنى المصطلحين هو الذي أصبح مقبولاً بين جميع اللاهوتيين.

وتعد إشارة البطريرك ساويروس هنا في غاية الأهمية، حيث تُظهر أن اللاهوتيين المسيحيين في العصور الأولى كانوا يستخدمون مصطلح ’أوسيا‘ بمدلول ’الأوسيا الأساسي (primary ousia)‘ عند أرسطوتاليس، ولكن هذا التقليد قد تُرك فيما بعد، وكان ذلك على الأرجح منذ وقت الآباء الكبادوك.

وإذا انتقلنا إلى مصطلحي ’هيباركسيس (Hyparxis)‘ و’فيزيس (Physis)‘ فسنجد أنهما يتحركان معاً. ويشير مصطلح ’هيباركسيس‘ في اللغة الإنجليزية إلى معنى ’الوجود‘ (existence) ومصطلح ’فيزيس‘ إلى ’الطبيعة‘ (nature)، ووفقاً لذلك فإن كلا المصطلحين يمكن أن يُستخدم إما بالمعنى العمومي (common) أو بالمعنى الخاص (particular).

وعلى سبيل المثال، فإن أي ’أوسيا‘ يكون له ’الهيباركسيس‘ (الوجود) الخاص به من ناحية، كما أن له أيضاً ’الفيزيس‘ (الطبيعة) الخاصة من الناحية الأخرى. و’الهيبوستاسيس‘ كذلك بكونه ’الأوسيا‘ الذي تخصخص أو تفرد فإن له أيضاً ’الهيباركسيس‘ و’الفيزيس‘ الخاصين به. وقد دار جدال عنيف في الكنيسة حول مصطلح ’فيزيس‘ أو ’ طبيعة‘ أثناء الخلاف الخريستولوجي، ولذلك سوف نقوم بالتعمق بصورة أكبر في مدلول هذا المصطلح.

وكان البطريرك ساويروس قد تعامل مع معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘ في أكثر من عمل من كتاباته، وفي كل مرة كان يقر أن هذا المصطلح يعني في بعض الأحيان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر ’الهيبوستاسيس‘*.[10] فتعبير ’الطبيعة البشرية‘ مثلاً، يُستخدم في بعض الأحيان كمصطلح يتضمن كل الجنس البشري؛ ولكنه في أحيان أخرى يُستخدم للإشارة إلى كائن بشري معين واحد.

وقد اقتبس البطريرك ساويروس من كتابات ق. كيرلس السكندري ما يؤيد تعريفه لمصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘، وكان ق. كيرلس قد كتب في مؤلفه ضد نسطوريوس في الخطاب الرابع، أن “طبيعة اللاهوت واحدة وهي تتفرد كآب، وكذلك كابن، وعلى نفس النحو كروح قدس” ويقول أيضاً: “إن طبيعة اللاهوت الواحدة تُعرف في الثالوث القدوس والواحد في ذات الجوهر”.

ويقول البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس استخدم هنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ولكن في خطابه إلى الأميرة استخدم ق. كيرلس نفس المصطلح كمرادف للهيبوستاسيس حيث كتب: “نحن نؤكد أن الكلمة، خالق العالمين، الذي فيه وبه يكون كل شيء، النور الحقيقي، ’الطبيعة‘ التي تعطي حياة للجميع، الذي هو ابنه الوحيد، قد ولد من جوهر الآب بطريقة لا توصف”.

وقد أكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ بهذا المعنى الثنائي ليس فقط عند الإشارة لله، ولكن حينما يتكلم أيضاً عن الإنسان، فقد كتب ق. كيرلس في خطابه الثالث في مؤلفه ضد نسطوريوس:

“إنه بسبب خطية آدم، سقطت طبيعة الإنسان إلى اللعنة والموت” وهنا المصطلح يعطي معنى الأوسيا، ولكن في كتاب ق. كيرلس ضد أندراوس السموساطي استخدم مصطلح ’طبيعة‘ كبديل للهيبوستاسيس حيث قال: “وبالنظر إلى البروسوبون الواحد والطبيعة الواحدة، أي الهيبوستاسيس (الواحد)، فإننا حينما نفكر في هاتين (الطبيعتين) اللتين منهما يتركب طبيعياً، فإن العقل يجعلهما معاً ويميزه كواحد مركب، وليس كمنقسم إلى إثنين”.

ونستطيع القول إنه في أيام البطريرك ساويروس ـ ومن خلال الإشارات الواردة في كتاباته ـ لم يذهب معارضوه في الجانب الخلقيدوني في الشرق، إلى أبعد مما ذهب هو إليه في تعريف مصطلح ’طبيعة‘. وعلى سبيل المثال، اقتبس البطريرك ساويروس في تلك النقطة من كلام أحد منتقديه الخلقيدونيين ما يلي:

“يدل ’الأوسيا‘ على العمومي أو المشترك، مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس، أو مثل ما هو مشترك بيننا أي الطبيعة البشرية بصفة عامة. ويشير ’الهيبوستاسيس‘ إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، أو الذي للابن، أو الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي إنسان. ولكن ’الطبيعة‘ تُستخدم في بعض الأحيان مكان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر مكان ’الهيبوستاسيس‘”.[11]

وفي الحقيقة كما نرى، كان هناك فرق هام بين البطريرك ساويروس والكاتب الخلقيدوني، ففي الأغلب كان الأخير يرى في ’الأوسيا‘ المعنى المجرد العام، ولكن ساويروس كان يرى أنه إذا لم يصبح هذا المجرد (الحقيقة العامة)، محدداً (concrete) فلا يمكن أن يكون له وجود حقيقي (real existence) في عالم الزمان والمكان.

أما الفرق في المعنى بين مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، فهو أمر دقيق للغاية. وقد كتب البطريرك ساويروس: “إن آباء الكنيسة وصفوا ’الهيبوستاسيس‘ بأنه ’البروسوبون‘”،[12] ومع ذلك فإن هناك فرق في المدلول بينهما لأنه “حينما يصبح وجوداً محدداً خاصاً، فإن ’الهيبوستاسيس‘ ـ سواء كان بسيطاً أم مركباً ـ يعبِّر عن بروسوبون متمايز”.[13]

وستتضح هذه النقطة أكثر حينما نبين الفرق بين الهيبوستاسيس ’البسيط‘ و ’المركب‘. ولكي يشرح البطريرك ساويروس النوع ’البسيط‘ أشار إلى أشخاص الثالوث القدوس الثلاثة، فكل من الآب والابن والــــــــروح القــــدس هو هيبوسـتاســـيس بســـــيط (simple hypostasis)، أما الإنسان فهو هيبوستاسيس مركب (composite hypostasis)، لأنه يتكون من جسد وروح.[14]

وفي الإنسان، أوسيا الجسد وأوسيا الروح ـ كحقائق ديناميكية عامة مجردة ـ تخصخصا وتفردا (individuated) معاً في اتحاد بينهما، وكل منهما ظل ـ في الإنسان ـ بكماله الذي حسب أصل مبدأه (جوهره). والتقيا ’الاثنان أوسيا‘ معاً ليكونا الإنسان، وبالتالي فإن الإنسان هو هيبوستاسيس ’مركب‘.

وفي حالة الإنسان، فإن منذ أول لحظة من تزامن (وجود) أوسيا الجسد وأوسيا الروح، يأخذ الإنسان وجوده ككيان جسدي روحي، ويستلم ’بروسوبون‘. ولا يلتقي ’الاثنان أوسيا‘ معاً في صورة ’الأوسيا‘، ولكن منذ بداية وجودهما معاً يصبحان حقيقتين هيبوستاسيتين (hypostatic realities).*

ويقول ساويروس: “يحافظ كل من الجسد والروح ـ اللذان يتركب منهما الإنسان ـ على الهيبوستاسيس الخاص به، دون أن يختلطا أو يتحول أي منهما إلى الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فبما أنهما اتخذا وجودهما المحدد في الوضع المركب وليس بشكل منفصل مستقل، فلا يمكن أن يُخصص ’بروسوبون‘ متمايز لأي منهما (على انفراد)”.[15]

ويمكننا أن نُفسر كلام البطريرك ساويروس في هذه النقطة كما يلي: ’الهيبوستاسيس‘ هو الكيان المحدد (concrete being) الناتج من تخصخص أو تفرد (individuation) ’الأوسيا‘. وفي هذا التخصخص والتفرد يأخذ ’الأوسيا‘ بكماله وجوداً محدداً (concrete existence)، وعندما يحدث هذا يستلم الهيبوستاسيس، ’البروسوبون‘ الخاص به.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن ’الهيبوستاسيس‘ ـ بكونه ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص ـ فإنه يمثل الحقيقة الداخلية للشيء، و’البروسوبون‘ هو الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي). وعلى سبيل المثال، كل عضو من أعضاء نوع (class) معين هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص بكامله، ومن ثم لا يمكن تمييزه كهيبوستاسيس عن أي عضو آخر من نفس النوع، ولكن أعضاء النوع (الواحد) تتمايز عن بعضها البعض بواسطة البروسوبون.

 وكان ’الهيبوستاسيس المركب‘ بالنسبة للبطريرك ساويروس يُعامل معاملة ’الطبيعة المركبة‘،* وبالتالي فكل ما يُذكر عن المصطلح الأول ينطبق على الثاني أيضاً. وتتضح هذه النقطة بالإشارة ثانية إلى الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، فيمكن أن نقول عن الإنسان إنه “من طبيعتين” أو “من هيبوستاسيسين”، لأن الجسد والروح لا يوجدان في الإنسان كـ ’إثنين أوسيا‘ ولكن كـ ’هيبوستاسيسين‘.

وحيث إن الإثنين أوسيا‘ قد أصبحا متفردين ومتخصخصين معاً في الإتحاد، لذلك لا يوجد الإنسان في ’طبيعتين‘ (بسيطتين منفصلتين). ولو كان يمكن للجسد في أي وقت ما، أن يأتي إلى الوجود بدون الروح أو الروح بدون الجسد، لأمكن أن يكون كل منهما ’طبيعة بسيطة‘ أو ’هيبوستاسيس بسيط‘ وأن يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به وهو ما لم يحدث في حالة الإنسان.

ولكن ما حدث من الجهة الأخرى، هو أن ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘ ـ كحقيقتين ديناميكيتين ـ التقيا معاً في تكوين ’طبيعة مركبة‘ أو ’هيبوستاسيس مركب‘ له بروسوبون (واحد)، وعلى هذا النحو يكون الإنسان ’هيبوستاسيس مركب‘.

ويمكننا أن نُظهر مفهوم ساويروس عن ’البروسوبون‘ بطريقة أوضح إذا رجعنا إلى الإجابة التي قدَّمها عن السؤال: لماذا لا يمكن أن نعترف بأن المسيح “من بروسوبونين” (from two prosopa)؟. وقد أصر البطريرك ساويروس أن المخلص “من طبيعتين” أو “من هيبوستاسيسين” ولكنه ليس “من بروسوبونين”، حيث كتب:[16]

“عندما تتخذ جموع ’الهيبوستاسيس‘ وجودها المحدد الخاص، وتكون منفصلة الواحد عن الآخر، فإن كل واحد منها يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به. ولكن حينما يلتقي ’هيبوستاسيسان‘ في إتحاد طبيعي ويكملان إتحاد للطبيعتين والهيبوستاسيسين بدون أي اختلاط ـ كما نرى في حالة الإنسان ـ فلا يمكن أن يُنظر إلى هذين الإثنين اللذين حدث منهما الإتحاد، بكونهما (وجودين) محددين مستقلين، أو أن يُعتبرا كبروسوبونين، وإنما ينبغي أن يُؤخذا كـ (بروسوبون) واحد”.

وفي تطبيق هذا المفهوم على المسيح، يشرح البطريرك ساويروس وجهة نظره كما يلي: إن الله الكلمة الذي هو قبل العالمين، حينما وحَّد بنفسه (to himself) ناسوتاً بدون تغيير، لم يكن من الممكن أن يُنسب بروسوبون خاص (مستقل) لا إلى لاهوت المولود الوحيد* ولا إلى الناسوت الذي اتحد به، لأنهما أُدركا (معاً) وهما في الوضع المركب وليس كما لو كانا قد اخذا وجودهما المحدد (في المسيح) بصورة منفصلة.

وبالتقاء اللاهوت والناسوت معاً، تكوَّن هيبوستاسيس واحد (مركب) من الإثنين ومعه أصبح للكلمة المتجسد البروسوبون الخاص به. وقد استمر اللاهوت والناسوت اللذين تركب منهما عمانوئيل كل في حالته الهيبوستاسية التي له بدون تغيير.[17] ويحتاج هذا الشرح إلى توضيح أكثر، خاصة في ضوء تعليم البطريرك ساويروس بأن الله الابن هو هيبوستاسيس وبروسوبون أزلي، وسوف نتعرض لهذا الأمر لاحقاً في هذه الدراسة.[18]

ويُظهر لنا هذا الملخص السابق لمعاني المصطلحات اللاهوتية، أن أحد أسباب الجدال الخريستولوجي كان يرجع إلى قصور الوضوح في مدلول تلك المصطلحات الحاسمة، حيث كانت التعريفات التي قدَّمها كل من البطريرك ساويروس ومعارضه الخلقيدوني تفتقد إلى الوضوح في عدة نقاط. فالبطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد جمع فكرتين معاً في تفسيره لمعنى ’الأوسيا‘، ولكن استخدامه للمصطلح في كثير من المواضع لم يكن يُفهم إلا إذا أُخذ بمعنى الحقيقة المجردة.

كما أن معارضه الخلقيدوني ذكر بوضوح أنه يفهم كلمة ’طبيعة‘ في عبارة “في طبيعتين” بمعنى اللاهوت والناسوت في معناهما المجرد، ولكنه أقر في نفس الوقت أن الله الابن الذي هو هيبوستاسيس وبروسوبون أزلي هو الذي صار متجسداً، وبالتالي فلم تكن واحدة على الأقل من الطبيعتين (في عبارة “في طبيعتين”) في صورتها المجردة.

ولذلك كانت المشكلة قائمة لدى كلا الطرفين، وكان معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ غير واضح عند كلا الجانبين، وقد اعتقد كل منهما أن المشكلة يمكن أن تُحل بأخذ هذا المصطلح تارة بمعنى ’الأوسيا‘ وتارة بمعنى ’الهيبوستاسيس‘.

ومع أخذنا هذه المشاكل في الاعتبار، ومع بقائنا كذلك قدر الإمكان قريبين من التعريفات التي قدَّمها كلا الطرفين، نستطيع أن نتصور العرض التالي: يدل مصطلح ’أوسيا‘ على الحقيقة الديناميكية التحتية (underlying) لكل ما هو عام وخاص. وبهذا المعنى يتضمن ’الأوسيا‘ كل من ’الكينونة‘ أو الوجود من ناحية، و’الخصائص‘ (properties) التي تعطي الأوسيا طابعها وهويتها من الناحية الأخرى، وهذان الإثنان هما ’الهيباركسيس‘ و ’الفيزيس‘ على التوالي، وهما من الممكن أن يؤخذا سواء بمحمل ’عمومي‘ بالمعنى المجرد، أو بمحمل ’خاص‘ بالمعنى المحدد.

و’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص المتفرد، والمعنيِ بالأفعال (subject of actions) الذي فيه يأخذ الأوسيا ـ بما له من ’هيباركسيس‘ و ’فيزيس‘ ـ وجوده المحدد. وعندما يتفرد ويتخصخص الأوسيا مُوجداً هيبوستاسيس، فإن الهيبوستاسيس يستلم سمته المميزة والتي بها يختلف (يتمايز) عضو (member) من أعضاء نوع (class) معين عن عضو آخر من نفس النوع، وهذا هو ’البروسوبون‘.

*  انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.

 

[1] Patrologia Orientalis, op. cit.,  vol. XII, p. 195.

[2] N. & P. N. F., sec ser., vol. IV, pp. 165f.

[3] Contra Grammaticum, op. cit., I, (Syriac) p. 56.

[4] المرجع السابق صفحة 62.

[5] المرجع السابق صفحة 57-58.

[6] المرجع السابق صفحة 59.

[7] المرجع السابق صفحة 62.

*  كان أفلاطون قد استخدم هذا المصطلح ليفيد ماهية الخواص العليا أو الحقائق في مقارنتها بالمظاهر التي نراها على الأرض حيث أن المثل هي وحدها الحقائق أما المظاهر المادية فما هي إلاّ تقليد أو مجرد اشتراك يجعل الأشياء منظورة لنا.

[8]  ويؤكد البطريرك ساويروس نفسه هذه الحقيقة. انظر:

(Ad Nephalium, p. 167, and Antijulianistica, p. 94).

[9]  Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 81f.

*   كان مصطلح ’أوسيا‘ عند البطريرك ساويروس يعني الحقيقة الديناميكية العامة، بما تتضمنه من الوجود (هيباركسيس)، والطبيعة (فيزيس) التي تميزها.

وعلى ذلك يكون الهيبوستاسيس هو ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص بما له أيضاً من وجود (هيباركسيس) ومن طبيعة (فيزيس). ولذلك حين كان البطريرك ساويروس يتكلم عن الطبيعة بمعناها العام فقد كان يعني الطبيعة التي يتضمنها الأوسيا، وحين كان يتكلم عنها بمعناها الخاص فقد كان يعني الطبيعة التي يتضمنها الهيبوستاسيس.

[10] See P. O. XII, p. 196; Contra Grammaticum, I, pp. 68f.

[11] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.

[12] المرجع السابق صفحة 74.

[13] المرجع السابق صفحة 76.

[14]  كان البطريرك ساويروس، مثل بقية اللاهوتيين في عصره، يعتبر أن الجسد والروح في الإنسان كيانين مستقلين خلقهما ووحدهما الله في كل كائن بشري.

*   لأن ’الأوسيا‘ عند البطريرك ساويروس هي الحقيقة المجردة (abstract) التي ليس لها وجود حقيقي (real existence) في عالم الزمان والمكان، ما لم توجد في شكل محدد (concrete) أي في الحالة الهيبوستاسية.

[15]  المرجع السابق صفحة 77.

*   لأن ’الهيبوستاسيس‘ عند ساويروس كان يتضمن ’الطبيعة‘ (فيزيس) مع الوجود (هيباركسيس). وفي كل المرات التي استخدم فيها البطريرك ساويروس مصطلح ’طبيعة‘ وهو يتحدث عن أي كيان مخصخص ومتفرد سواء كان بسيطاً أم مركباً فكان يقصد به مدلول ’الهيبوستاسيس‘.

[16] المرجع السابق صفحة 181.

*    بالطبع كان للاهوت الابن الوحيد، البروسوبون الخاص به قبل التجسد، ولكن المقصود هنا هو أنه من غير الممكن أن يكون للاهوته البروسوبون الخاص المستقل وهو في حالة الاتحاد مع الناسوت.

[17]  المرجع السابق صفحة 77 وما يليها.

[18]  انظر صفحة 544.

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الجزء الأول: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

4. اليوليانية:

لقد ذكرنا فيما سبق[1] الخلاف الذي نشأ بين البطريرك ساويروس الأنطاكي ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus)، ونستطيع أن نقول إن البطريرك ساويروس، من خلال رده على الأمور التي أثارها يوليان، قد نجح في التعبير عن بعض من أعمق تعاليمه الخريستولوجية. ولكي نتمكن من فهم تلك التعاليم ينبغي علينا أولاً أن نستعرض باختصار أفكار يوليان التي قام البطريرك ساويروس بتفنيدها.

يذكر يوليان في خطابه الثاني[2] لساويروس، أن المسيح بإرادته تألم ومات (suffered and died) لأجل الجنس البشري وأعطى حياة للمائتين. ولكن يوليان كان حريصاً أن يتجنب الاضطرار للتسليم بأن ناسوت الفادي كان محتاجاً لهذا العمل الخلاصي. وفي نفس الوقت، كان يوليان واضحاً في إصراره على أن آلام المسيح وموته كانا حقيقيين، وأنه اختارهما بفعل إرادته الحرة، بدون أي يكون مجبراً بالطبيعة، وذلك لكي يمنحنا عدم قابلية الفساد (incorruptibility) بواسطة القيامة.

وزعم أسقف ’هاليكارنيسوس‘ أن بعض الناس اعتبروا أن هذه الآلام الإرادية علامة على أن جسد المسيح كان قابلاً للفساد، ولكن يوليان أكد أن الحقيقة هي أنه “من أجل أن يدبر عدم الفساد بالقيامة، أخذ عدم الفساد حتى في حياته”.[3]

وادعى يوليان أن جسد المسيح كان غير قابل للفساد، ليس منذ وقت القيامة فقط، ولكن حتى منذ تكوينه في رحم الأم، وهنا ذكر يوليان الحبل البتولي لتأييد موقفه. كما أكد يوليان كذلك أنه لا يوجد فرق بين جسد المسيح بعد القيامة وجسده قبل القيامة، فيقول: “وبنفس الحال الذي كان عليه ذلك الجسد حين تألم، قام في اليوم الثالث بدون أي تغيير”.[4]

لا يعني هذا ـ على الرغم من ذلك ـ أن يوليان كان يرى أن ناسوت المسيح لم يكن هو ناسوتنا، أو أن آلامه وموته ليسا حقيقيين. وقد كتب يوليان ـ كما جاء في اقتباس البطريرك ساويروس ـ ما يلي:[5]

“ولذلك نحن نعترف أن الرب تحمل بإرادته الآلام والموت، في جسده الذي (أخذه) منا والذي له نفس الطبيعة معنا. ولا نقــر أنــــه فعـــــــل ذلك بســبب ضــــــــرورة طبيــعـــية (natural necessity)، لأن المسيح كما يقول بطرس قد تألم لأجلنا في الجسد. وذاك الذي تألم لأجلنا لم يسلِّم نفسه (عن ضعف)، بل حرَّر آخرين دون أن يكون هو تحت الضرورة.

ومرة أخرى (أقول) إنه لا ينبغي على من يسمع أن المسيح تألم من أجلنا في الجسد، أن يعتقد أنه تألم من أجل نفسه. لأنه إذا كان تألمه وموته هو بسبب ضرورة طبيعية، لكان قد سعى بالتأكيد إلى تحرير نفسه”.

واعترف يوليان أن ناسوت المسيح كان غير قابل للفساد لأن الله الابن اتخذ ناسوت آدم قبل السقوط. وتعتبر هذه الفكرة من أساسيات تعليم يوليان، حيث قال إن الفساد والموت قد حلا بالجنس البشري نتيجة السقوط، ولذلك لم يكن ناسوت آدم قبل السقوط خالياً من الخطية فقط ولكن كان أيضاً غير قابل للألم والفساد.[6]

ألم يتخذ الله الابن ناسوتاً من مريم؟ فإذا كان ناسوت العذراء هو من نفس الناسوت الساقط لآدم، وبالتالي قابلاً للفساد، فكيف يمكن لجسد المسيح أن يكون غير قابل للفساد؟. ويجيب يوليان عن هذا السؤال بإسلوب إيضاحي،[7] فيقول أن أطفال الآباء العميان أو المصابين بأي نوع، عادة ما يكونون خاليين من نوع العجز الذي كان عند سلفهم، وأكد يوليان أنه بنفس الطريقة وُلد المسيح من مريم بدون أن يتأثر بالعجز الناتج عن السقوط من خلال والدته.

والخلاصة إذن هي أن تركيز يوليان الخاص كان في تأكيده على أن ناسوت المسيح هو ناسوت آدم قبل السقوط؛ وبالتالي كان المسيح في إنسانيته واحداً معنا في الجوهر بمعنى أن ناسوته كان هو الناسوت الأساسي الذي فينا؛ ولكن تألمه وموته كانا باختياره الإرادي لأجلنا، دون أي ضرورة طبيعية بالنسبة إلى ناسوته.

وحيث إن تلك النقطة كانت هي النقطة الحاسمة في تعليم يوليان، فيجدر بنا في هذا السياق أن نشير إلى ما قدمه ر. دراجيه[8] (R. Draguet) عن الفكر اللاهوتي لأسقف ’هاليكارنيسوس‘. وقد توصل دراجيه إلى أن رؤية يوليان كان لها من يؤيدها في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني، وهذا استنتاج يحتاج إلى وقفة.

وفي الحقيقة ـ كما رأينا ـ قيل أن الإمبراطور جوستنيان نفسه آمن بمعتقدات يوليان وهو في سن متقدمة،[9] وسوف نرى فيما بعد أن أفكار يوليان دخلت في الفكر اللاهوتي للجانب الخلقيدوني أكثر مما حدث مع الجانب غير الخلقيدوني.[10] كما ينبغي أيضاً التسليم دون أي تردد بأن اهتمام يوليان كان هو التأكيد على خلو المسيح المطلق من الخطية، ومن المؤكدأنه انطلاقاً من هذا الاهتمام أقر أن ناسوت المسيح هو الناسوت الأساسي (essential)، وهو ناسوت آدم قبل السقوط.

ومع ذلك فإن رأى دراجيه في أن نظرية يوليان لا يمكنها أن توضح حقيقة ناسوت المسيح، هو رأي لا يمكن قبوله إلاّ بشروط، ولكن وجهة نظره (أي دراجيه) التي تقول أن الفرق بين يوليان والبطريرك ساويروس لا يتعدى الاختلاف اللفظي في المصطلحات، فهي بالقطع وجهة نظر خاطئة تماماً.[11]

وإذا انتقلنا إلى التفنيد الذي قدَّمه البطريرك ساويروس، فسنبدأ بالسؤال الذي وجهه إلى يوليان قائلاً: “كيف يمكنه (أي المسيح) وهو لم يتألم في الجسد مثلنا ـ بالرغم من كونه بغير خطية ـ أن يكون قد اشترك بالفعل في آلامنا؟”.[12] فإذا كان ذلك مستحيلاً، فينبغي على يوليان أن يسلِّم ـ على الرغم من أنه كان يؤكد عكس ذلك ـ أن تألُّم المسيح كان وهمياً. ولكن الأسفار المقدسة تعلِّمنا أن المسيح كان البكر من الأموات، مما يعني أنه تألَّم ومات مثلنا في  الجسد.

وعند الإشارة إلى السؤال عن: هل كان جسد المسيح قابلاً للفساد أم غير قابل للفساد؟، بدأ البطريرك ساويروس كلامه بتعريف معنى كلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘،[13] حيث أكد إنها تتضمن معنيين متباينين.

أولاً: تعني ’الخلو من الخطية (sinlessness)‘، وبما أن كلاً من يوليان والبطريرك ساويروس كانا يتفقان على أن المسيح كان خالياً تماماً من الخطية، فمن الضروري أن ننظر في المعنى الآخر.

ثانياً: تشير ـ كما ذكر ساويروس ـ “إلى عدم امتلاك إمكانية الخضوع للآلام البريئة (guiltless) مثل الجوع، العطش، التعب من السفر….. وباختصار التألم والموت”.* وينبغي علينا هنا أن نتذكر أنه بالنسبة للبطريرك ساويروس كانت كل تلك الأمور هي خواص طبيعية للناسوت.

وعلق البطريرك ساويروس بأنه لم يوجد أحد من الذين علَّموا بأرثوذكسية، أقر أن “عمانوئيل تألم ومات بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم”.[14] ويؤكد الآباء على العكس من ذلك، أن المسيح تألم في الجسد الذي كان قابلاً لأن يعاني الشعور بوجع وعذاب الآلام، وأنه تحمل حزن وكمد الروح،[15] ومن هنا فإن جسد المسيح كان بالطبيعة قابلاً للألم وقابلاً للموت، ولكنه أصبح غير قابل للألم وغير مائت فقط بعد القيامة.

وبالتالي فبحسب المعنى الثاني لكلمة ’عدم قابلية الفساد (incorruptibility)‘، كان جسد المسيح قابلاً للفساد قبل القيامة، ولكنه نال عدم قابلية الفساد مع القيامة. وكتب البطريرك ساويروس: “كان جسد المسيح ربنا على الدوام مقدساً وغير مدنس بالخطية. ولكنه صار غير قابل للألم وغير قابل للموت منذ وقت القيامة. لأن الكلمة غير القابل للألم وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً قابلاً للتألم والموت”.[16]

وبالنسبة لادعاء يوليان أن ناسوت المسيح كان هو ناسوت آدم قبل السقوط، أوضح البطريرك ساويروس نقطتين هامتين: النقطة الأولى، لم يذكر ساويروس أي تمييز أساسي بين الناسوت قبل وبعد السقوط (من جهة المعنى الثاني الذي ذكره لكلمة قابلية الفساد، أي قابلية الخضوع للآلام البريئة)، وذلك على عكس ما فعله يوليان. ويقول البطريرك ساويروس:[17]

“عرف آدم الأول ـ وهو قابل للموت* ـ زوجته حواء: وأصبح أباً لنا نحن الأولاد، القابلين للموت، الذين وُلدنا منه. ولكن آدم الثاني……… أخذ جسداً قابلاً للألم، حيث وحَّده بنفسه للشفاء بدون أي عيب أو خطية. وقد تركه ليظل قابلاً للألم والموت حتى يمكن أن يبدد سلطان الموت بكلمات العدل وليس بالقوة الخاصة بالله”.

أي أن الله الابن وحَّد بنفسه الناسوت الذي كان يحتاج إلى شفاء.

النقطة الثانية، رفض البطريرك ساويروس نظرية يوليان بأن آدم قبل السقوط كان غير قابل للألم وغير قابل للموت، وأنه أصبح قابلاً للموت وللفساد كنتيجة لعدم الطاعة والخطية. وأكد البطريرك ساويروس أن الإنسان خُلق منذ البداية قابلاً للألم وللموت،[18] ولكنه أُعطي وعداً بعدم الموت وعدم الألم كهبة إلهية تُمنح له بنعمة الله، وبالسقوط فقد الإنسان هذه النعمة الإلهية، على الرغم من أنه لم يُجرد من طبيعته.[19]

ولم تكن حقيقة أن ربنا وُلد من عذراء، تحمل ضمنياً أن جسده كان منذ البداية غير قابل للفساد. وقد أصر البطريرك ساويروس[20] أن “كون المسيح إلهنا ومخلصنا وُلد في الجسد من الدائمة البتولية مريم بالروح القدس، لا يعني أن ننكر الطبيعة التي هي واحدة معنا في الجوهر، ولا أن ننكر (عليه) آلام مثل التي لنا.

كما لا يعتبر هذا الأمر سبباً في أن ننسب النجاسة أو تلوث الخطية للزواج أو العلاقة الجسدية بين الزوج والزوجة، ولكنه يدلنا ـ نحن الذين وُلدنا من الروح القدس في العماد المقدس ـ أننا مُنحنا بغسيل التجديد ثقة الولادة الثانية في القيامة، وهي الكامنة في الولادة الروحية الذي كان هو أول من أخذها. وحيث إنه هو الذي وُلد أولاً، فقد صار آدم الثاني من أجلنا نحن الذين ولدنا ثانية وأُعيد تشكيلنا”. ومن هنا لا يمكن التسليم بإشارة يوليان إلى الولادة البتولية (للمسيح) كتأييد لنظريته.

وكان هدف التجسد، بحسب البطريرك ساويروس، هو استعادة النعمة الإلهية للإنسان، ومن ثم يمكنه أن يستعيد الوعد بعدم قابلية الموت وعدم قابلية الألم الذي فقده آدم بالسقوط. ويقول البطريرك ساويروس: ولذلك “فإن الله الكلمة، الابن المولود الوحيد، غير المخلوق الذي هو قبل كل العالمين، أخذ جسداً مخلوقاً له روح عاقل، من زرع داود وإبراهيم”.[21]

ومع ذلك يؤكد البطريرك ساويروس “أنه ليس كافياً لنا، أن الله صار إنساناً بدون تغيير “، ولكن من الضروري أيضاً أن “المسيح ينبغي أن يتألم ويموت من أجلنا، وبذلك يصير أول الذين قاموا من الأموات”.[22] فالتألم والموت كانا الضرورة المسبقة لقيامته، والأمور الثلاثة (أي التألم والموت والقيامة) هي كلها أساسية لأجل خلاصنا. لقد فقد آدم الأول النعمة الإلهية من خلال فشله في طاعة الله؛ ولكن آدم الثاني استعادها من خلال نجاحه.[23]

إن الله الابن في طبيعته هو غير قابل للموت وغير قابل للألم، وقد تجسد بأن وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً مُحيَاً بروح عاقل، وهذا (الجسد) هو بالطبيعة قابل للألم وقابل للموت، وذلك لكي يمكنه أن ينتصر على التألم والموت. ومن هنا ترك الله الابن الجسد حراً ليخضع لكل ما هو طبيعي بالنسبة للجسد، كما تركه ليتألم ويموت.[24] وقد أخذ الله الابن التألم والموت اللذين اجتازهما الجسد ـ الذي جعله جسده الخاص ـ باعتبارهما أمرين خاصين به في حالته المتجسدة. ويؤكد البطريرك ساويروس أنه “على هذا الأساس نعترف أن الله الابن الذي تجسد، قد تحمل الآلام والموت من أجلنا”.[25]

ويقر البطريرك ساويروس أنه كان بالفعل عملاً من (أعمال) التنازل الإرادي من جانب الله الابن، أن يتخذ ناسوتاً ويجعله خاصاً به، وأن يدع التألم والموت يُنسبان إليه في حال تجسده. ومع ذلك حين نقول أن المسيح تألم بإرادته فنحن لا نرجع ذلك إلى ناسوته ولكن إلى الله الابن (المتجسد).[26]

لأنه قبل على نفسه الإخلاء وصار متجسداً، وبذلك يُتمم التدبير الفدائي لأجل الجنس البشري. وعندما نتأمل في ناسوت المسيح في فكرنا، سوف نرى أنه خضع للآلام الطبيعية البريئة (sinless). ويقول البطريرك ساويروس في ذلك:[27]

“لأنه ليس بسبب أنه (أي الله الابن) غير قادر أن يجعله (أي الجسد) فجأة غير قابل للموت وغير قابل للألم، فلذلك تركه قابلاً للألم وللموت، ولكن لأنه رأى أنه لا ينبغي أن ينتصر على الموت بممارسة القوة الخاصة بالله، فأراد أن يقبل في ذاته معركتنا في (الجسد) الذي هو بالطبيعة قابل للألم.

وقد فعل هذا بخلط القوة مع الحكمة، ومن ثم نضمن هذا الانتصار من خلال موت حقيقي وقيامة حقيقية. وبهذه الطريقة أمكن استعادة آدم الأول الذي سقط بواسطة انتصار آدم الثاني”.

إن خلاص الإنسان هو عمل الله، ولكنه لم يتم بفعل إلهي محض (بعيداً عن الإنسان)، لأن هذا يتعارض مع مبدأ عدل الله، لأن الإنسان خُلق وله هبة الحرية. وحيث إن الإنسان أساء استخدام تلك الهبة الإلهية وسقط من نعمة الله، فلذلك ينبغي أن يتم الخلاص داخل حياة إنسانية حقيقية وكاملة.

ولكي نوضح الأمور بإيجاز نقول أن الله خلق الإنسان منذ البداية ومنحه حرية مخلوقة فأساء أبونا الأول استخدام هذه الحرية. وبتجسد الله الابن أصبح ممكناً لواحد من الجنس البشري أن يمارس عطية الحرية بالطريقة الصحيحة، ومن ثم يفتح طريق الخلاص لكل الجنس البشري.[28] وهكذا ترك الله الابن للناسوت ـ الذي وحَّده بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) ـ أن يقوم بدوره الطبيعي حتى في العمل الفدائي الذي أتمه من أجل الجنس البشري.[29]

وفي الإجمال كان هذا هو ما قدَّمه البطريرك ساويروس في معارضته لتعليم يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘. ويمكننا أن نذكر ما قصده ساويروس كما يلي: كان ناسوت المسيح هو ناسوتنا في حقيقته وكماله وسلامته؛ وبالرغم من أنه لم يُمس بالخطية إلا أنه كان متضمَّناً في أثر الخطية المشتركة للجنس البشري؛* وقد اكتسب (الناسوت) عدم قابلية الألم وعدم قابلية الموت، بواسطة القيامة فقط، بعد حياة من الطاعة الكاملة والتألم والموت.[30]

وكانت هذه بالفعل هي الحياة البشرية الخاصة بالله الابن في حالته المتجسدة، والتي من خلالها مُنحت الحياة الأبدية للجنس البشري. ولذلك كان يسوع المسيح هو الله المتأنس، الذي هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، المخلص الأزلي للجنس البشري.

ومن الجدير بالذكر، أننا لا نجد في كتابات البطريرك ساويروس الأنطاكي أو أي من قادة التقليد الكنسي غير الخلقيدوني، ما كان نورمان بيتنجر (Norman Pittenger) يبدو أنه مقتنعاً به،[31] لأنه كان يرى أن غير الخلقيددونيين كانوا في معارضتهم لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، يحركهم “الشعور بأنه لم يكن لائقاً بالمسيح على نحو ما”، أن تكون له طبيعة بشرية “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”.

ولكن الحقيقة ـ على العكس من ذلك ـ أن ناسوت المسيح عند أولئك الرجال، كان (ناسوتاً) حقيقياً وديناميكياً تماماً “بأقصى ما في الكلمة من كمال المعنى”، ولم يكن الناسوت مجرد مستقبِل سلبي للمجد الإلهي. وقد قام غير الخلقيدونيين ـ كما رأينا ـ بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو لأنهم كانوا قد ورثوا تقليداً لاهوتياً أُعتبرت فيه عبارة “طبيعتان بعد الاتحاد” أنها عبارة هرطوقية وتمت إدانتها.

5. الفكرة التي تعارض إدراك مبدأ الإختلاف (بين اللاهوت والناسوت) في المسيح الواحد:

إن يسوع المسيح هو واحد، مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما بكامل حقيقته وكماله. وكان المقصود من كلمة ’واحد‘ في عبارة ’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘ وكذلك في عبارة ’هيبوستاسيس واحد‘، هو تجنب خطر تقسيم الطبيعتين بين الله الكلمة والإنسان يسوع، ورؤية إتحادهما في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘ فقط؛ ولكن لم يتضمن ذلك المفهوم خطأ الخلط بين الطبيعتين.

وقد تكرر هذا التأكيد مراراً وبدون استثناء من كافة القادة غير الخلقيدونيين أمثال الآباء ديسقوروس وتيموثاؤس إيلوروس وفيلوكسينوس وساويروس، ومن كل الذين تمسكوا بتقليدهم اللاهوتي منذ ذلك الحين.

ومع ذلك كان هناك رجال في الشرق، حاولوا أن ينشئوا فكراً لاهوتياً يتجاهلون فيه هذا المفهوم. وفي الحقيقة، كان القادة غير الخلقيدونيين ـ في أغلب الحالات ـ هم الذين يبادرون باستبعاد أولئك الرجال وتعاليمهم، وقد رأينا بالفعل كيف قاموا بذلك العمل في القرنين الخامس والسادس. ومن أمثلة هذه الحالات ما حدث في أيام البابا داميان (Damian) بطريرك الإسكندرية.[32]

كان هناك رجل سوفسطائي أسمه ستيفن (Stephen)، بدأ يعبر عن وجهة نظره بأن اللاهوت والناسوت كانا متحدين في المسيح الواحد إلى درجة أنه لا ينبغي أن نصِّر على مبدأ (وجود) إختلاف بين الأشياء التي تخص اللاهوت والأشياء التي تخص بالناسوت. وقد عارض البابا داميان هذا التعليم ونصح ستيفن بالتراجع عن موقفه لأنه يتعارض مع تعليم الكنيسة. ولكن الرجل لم يرغب في الاستجابة للنصيحة فتمت إدانته مع كل الذين يتفقون معه في الرأي.

وقد أوضح البابا داميان أن في المسيح اللاهوت هو اللاهوت والناسوت هو الناسوت، ولا أحد منهما قد تغير إلى الآخر أو ابتُلع في الآخر، ولذلك فإن اللاهوت والناسوت يستمران (ديناميكياً) في المسيح الواحد. وكان تأكيد مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت (في المسيح الواحد) هو جزء من التقليد العقائدي للكنيسة.

6. كلمة ختامية:

قام الجانب غير الخلقيدوني في رفضه للهرطقات المتنوعة، بالمحافظة على الأمور الآتية:

  • في التجسد، وحَّد الله الابن بنفسه ناسوتاً مأخوذاً بالحقيقة من أم بشرية، وهذا الناسوت كان واحداً معنا في الجوهر.
  • كان لهذا الناسوت كل الخصائص والملكات الطبيعية، بدون أي نقصان أو تغيير أو اختلاط.
  • إن الخصائص والملكات البشرية استمرت في المسيح الواحد ديناميكياً.
  • كان المسيح ـ من الوجهة التاريخية ـ عند غير الخلقيدونيين إنساناً مثل أي إنسان آخر يعاني الألم والموت بالحقيقة.

وهنا نأتي إلى السؤال التالي: هل حافظ اللاهوتيون الأنطاكيون أو اللاهوتيون الخلقيدونيون في أي وقت من الأوقات، على مفهوم يخص ناسوت المسيح أفضل من المفهوم الذي حافظ عليه غير الخلقيدونيين؟.

[1] انظر صفحة 250 وما يليها.

[2] خطابات يوليان إلى ساويرس موجودة في:

(Severe D’Antioche, La Polemique Antijulianiste, C. S. C. O., vol. 244, ed. Robert Hespel, 1964).

[3] هذه العبارة مأخوذة من مخطوطة المتحف البريطاني، الرقم الإضافي: 12158، صفحة 31.

[4]  British Museum M.S., op. cit., p. 38.

[5]  La Polemique Antijulianiste, II B, ed. Robert Hespel, C. S. C. O., p. 183.

[6]  كان هذا تأكيد هام في تعليم يوليان وقد ذكره البطريرك ساويروس بشكل متكرر.

[7]  British Museum M.S., op. cit., p. 30.

[8] R. Draguet: Julien D’Halicarnasse et sa Controverse Avec Severe D’Antioche Sur L’incorruptibilite du Corps Du Christ, Louvain, 1924.

[9]  انظر صفحة 276.

[10]  انظر صفحة 522 وما يليها.

[11]  يبدو أن دارجيه كان متأثراً بصورة مفرطة بفكرة أن الألم والموت قد أتيا على الإنسان كنتيجة للسقوط، ومن ثم فإن ناسوت آدم قبل العصيان والخطية كان أساساً غير قابل للفساد. وعلى الرغم من أن هذه الرؤية كان لها من يؤيدها في آباء ما قبل خلقيدونية، وبرغم أن اللاهوتيين الخلقيدونيين قاموا بتطويرها بعد ذلك منذ القرن السادس، لكن البطريرك ساويروس لم يكن يشاركهم في ذلك.

[12]  اقتبس البطريرك ساويروس  فقرة من يوليان يقول فيها: “وهو لم يكن قابلاً للفساد قبل (القيامة)، ولكنه بدا فقط كأنه قابل للفساد. وبعد القيامة أظهر ذاته فقط بكونه بالحقيقة غير قابل للفساد”. Polemique…. I, p. 50). (La وفي رده على ذلك، تساءل ساويروس: ” لو أنه كان غير قابل للفساد، وغير قابل للألم، وغير مائت، فكيف تقول أنت أنه قد تألم؟، لقد كان يجب عندئذ أن يكون موت ربنا هو نوع من الخيال وغير حقيقي”. (La Polemique… I, p. 51)

[13]  ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. (Ibid., pp. 80-1, 233, II A, p. 27).

*   يوجد معنيان آخران لكلمة ’عدم قابلية الفساد‘ بالإضافة للمعنيين اللذين ذكرهما البطريرك ساويروس، ولكن يوليان لم يكن يقصد أي منهما في تعاليمه. المعنى الثالث يُقصد به أن جسد المسيح بعدما قُبر لم يخضع للتحلل والفساد بل قام ثانية من الأموات ، وهذا المعنى ورد في العهد الجديد (أنظر مز 10:16، أع 2: 27، 35:13)، وكان هذا هو تعليم الكنيسة المعترف به شرقاً وغرباً.

أما المعنى الرابع فيأتي في شرح الآباء لطبيعة آدم، حيث إن هذه الطبيعة قد فسدت بالخطية (يا الله العظيم الأبدي الذي خلق الإنسان على غير فساد)، والمقصود هنا بفساد الطبيعة هو تشوه الصورة الإلهية في الإنسان بالإضافة إلى عجز تلك الطبيعة الساقطة عن البقاء بعدما فقدت علاقتها مع الله مصدر وجودها (وهذا هو الفساد الطبيعي لأنها مخلوقة من العدم). وهذا الفساد ليس هو الخطية ولكنه نتيجة الخطية والسقوط، وهو الذي انتقل من آدم إلى كل الجنس البشري (انظر هذا المعنى عند ق. أثناسيوس في كتاب تجسد الكلمة).

[14]  المرجع السابق صفحة 226.

[15]  كتب البطريرك ساويروس: “فلو أن عمانوئيل أراد أن يتحد بجسد غير قابل للموت وغير قابل للألم ليخوض فيه المعركة لأجلنا، وإذا كان بالطبيعة هو الله الذي يملك عدم التألم وعدم الموت، فماذا كانت الحاجة عندئذ للتجسد؟ لذلك فقد وحَّد بنفسه جسداً كان واحداً معنا في الجوهر وتألم مثلنا، وكان عرضة للتألم وللموت ومات كمحارب منتصر”

(La Polemiqueop. cit., p. 130)

[16]  British Museum M.S., op. cit., p. 26.

[17]  المرجع السابق صفحة 30.

 *  قابلية الموت هنا هي بسبب مخلوقية آدم من العدم (وهي تعني قابليته للفناء أي الفساد الطبيعي) والذي كان من الممكن أن ينجو منه، كما يقول ق. أثناسيوس، إذا أبقى الله في معرفته (تجسد الكلمة 4: 6).

[18]  كتب البطريرك ساويروس: “إن الإنسان فانٍ بالطبيعة، لأنه أتى إلى الوجود من العدم…. ولكنه مع ذلك لو كان قد استمر موجهاً نظره نحو الله، لكان قد تجاوز قابليته الطبيعية للفساد وبقي غير فاسد”.

(La Polemique…. I, p. 30). ويؤكد البطريرك ساويروس أن كل شئ مخلوق بما في ذلك الملائكة هو قابل للتغير، وقدم البابا ساويروس مثال الشيطان ليدعم وجهة نظره. وبالنسبة للإنسان، أشار إلى الكلمات التى تكلم بها الله مع آدم “أنت تراب، وإلى التراب تعود”، وأكد أن الله لم يقل لآدم “لقد صرت الآن تراباً” مما يعني ضمناً أن آدم قد خلق في الأصل قابلاً للموت والفناء. (La Polemique…. I, p. 34).

[19] A. Sanday: Anti Julianistica, Beyrout, 1931, Syriac, p. 69.

[20]  هذه الفقرة مأخوذة من: (La Polemique…. I, pp. 166-7). وقد ذكر ساويروس هذه النقطة عدة مرات. انظر:

(La Polemique …. II A, pp. 35-6; II B, p. 222).

[21] يؤكد البطريرك ساويروس أن الإنسان سقط من نعمة الله، وأن الله الكلمة تجسد لكي يستعيد النعمة الإلهية الخاصة بعدم الموت للجنس البشري. واقتضى العدل الإلهي أن “الذي سقط ينبغي يحارب معركته مرة ثانية وأن يحرز الانتصار”. (La Polemique…. I, pp. 36-7)

[22] “لقد ترك الجسد هكذا بحيث يمكنه أن يعاني الآلام البريئة والموت، لأنه كما قلنا أراد أن يحسم أمر هزيمتنا بعدل، و’كأول‘ يبدأ بقيامته بالجسد الذي وحَّده بعدم التألم وعدم الموت وعدم قابلية الفساد والمجد، من أجل الجنس البشري كله هذا الذي صار هو باكورته”.

(La Polemique…. I, p. 70)

[23] وتساءل البطريرك ساويروس: “لو أن الجسد الذي تجسد به، كان غير قابل للفساد وغير قابل للتألم وغير مائت، فكيف أمكنه إذاً أن يدمر سلطان الموت؟ وعندئذ سيكون صلب المسيح بلا مبرر، ويصبح قول الرسول “لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت” بلا أي معنى، لأنه (أي الشيطان) لا يمكن أن يُهزم بالكامل إلا فقط إذا تألم الجسد ومات بدون خطية” (المرجع السابق صفحة 51).

ومن الجدير بالذكر أن السؤال عن أين بدأت الخليقة الجديدة، قد أجاب عليه يوليان بالإشارة إلى الميلاد البتولي لربنا، أما البطريرك ساويروس فقد أرجعه إلى القيامة. انظر: (La Polemique…. II B, pp. 222f)

[24] “وليس السبب أن الله الكلمة لم يكن قادراً على جعل الجسد غير قابل للموت وغير قابل للتألم منذ لحظة إتحاده بنفسه ولذلك تركه ليبقى قابلاً للتألم وللموت، ولكن بسبب أنه أراد أن يأخذ في نفسه معركتنا نحن”. (La Polemique…. I, p. 235)

[25] “لأنه أخذ جسداً قابلاً للموت وقابلاً للفساد، والذي لهذا السبب كان قابلاً للتألم. ومن خلال الجسد جعل آلامه (أي آلام الجسد) خاصة به أيضاً. فبينما كان الجسد يتألم، صار يقيناً أن الكلمة ذاته يتألم (أي نُسب هذا التألم للكلمة ذاته)، وعلى هذا النحو نحن نعترف أنه (أي الكلمة المتجسد) صُلب وأنه مات. فعندما تحمل الجسد الآلام، لم يكن الكلمة (بعيداً) هناك وحده”

(La Polemique…. I, p. 233)

[26] “وبالرغم من أن آلام وموت الله مخلصنا كانت إرادية وتهدف إلى شفاء أمراضنا، فإنها كانت مع ذلك تنتمي بالطبيعة للجسد الذي كان قابلاً للتألم والذي تألم بالحق”. (المرجع السابق، صفحة 133).

[27] الفكرة التي وراء هذه الفقرة، عبَّر عنها البطريرك ساويروس مرات ومرات. وهذه الفقرة مأخوذة من مخطوط المتحف البريطاني: (British Museum M.S., op. cit., p. 30). والنص السرياني للعبارتين اللتين في الوسط غير ملائم للمعنى، ولكننا نعتقد أن الترجمة التي قدمناها هنا تبين النقطة التي كان يقصدها الكاتب.

[28]  واحدة من الأفكار التي كررها البطريرك ساويروس بكثرة في كتابه ’ضد النحوي‘ هي أن ناسوت المسيح كان ناسوتاً مخصخصاً ومتفرداً ومن ثم فهو كإنسان كان إنساناً محدداً. انظر صفحة 441.

[29]  هذه الفكرة أيضاً شدد عليها البطريرك ساويروس مرات عديدة.

*   يقول ق. أثناسيوس: “لهذا فمن الصواب أن يُدعى أيضاً ’أخانا‘ و’بكرنا‘ لأنه بما أن البشر قد هلكوا بسبب مخالفة آدم، فإن جسده كان أول من خُلِّص وحُرر بكونه جسد الكلمة، وهكذا نحن من خلال إتحادنا بجسده نخلص على مثال هذا الجسد” (ضد الأريوسيين، 2: 61).

[30]  من الجدير بالذكر هنا أن البطريرك ساويروس كان يصر على أن الخليقة الجديدة قد بدأت في القيامة، على عكس نظرية يوليان الذي كان يرى أنها تبدأ بالميلاد البتولي. انظر المرجع رقم 59 صفحة 413.

[31] Norman Pittenger: The Incarnate Word, Harper and Brothers, New York, 1959, pp. 12-3.

[32] Michael Le Syrien, op. cit., p. 379.

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو، كان يهتم أيضاً (في نفس الوقت وبنفس الحماس) بإدانة عدد من الهرطقات المتنوعة.

وقد شملت قائمة الهراطقة عند غير الخلقيدونيين نفس الرجال الذين رفضهم الجانب الخلقيدوني قبل مجمع عام 451م ـ بسبب تعاليمهم غير الأرثوذكسية ـ كما شملت أيضاً أولئك الذين جاءوا لاحقاً ولم تكن أفكارهم تطابق التقليد العقائدي لغير الخلقيدونيين. ولكي نتعرف على ذلك التقليد العقائدي، ينبغي علينا أن ننظر إلى المواقف (اللاهوتية) التي رفضوها، والأسباب التي ذكروها في تبنيهم لهذة التصرفات.

وقد كانت الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ـ والمتعلقة بدراستنا هذه ـ هي الهرطقات المتصلة بعقيدة الثالوث وبعقيدة التجسد. وبالنسبة للنوع الأخير كان غير الخلقيدونيين قد استبعدوا بعضاً منها بسبب أنها لا تؤكد وحدة المسيح بشكل صحيح، ورفضوا البعض الآخر لأن تفسيرها للاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح الواحد كان تفسيراً معيباً.

وقد اهتم اللاهوتيون في الكيان غير الخلقيدوني ـ في كل البيانات العقائدية التي أصدروها ـ بأن يذكروا قائمة بالرجال الذين يعتبروهم من الهراطقة بدءاً من سمعان الساحر وانتهاءً بنسطوريوس من ناحية، ومن فالنتينوس إلى أبوليناريوس وأوطيخا من الناحية الأخرى. وكان غير الخلقيدونيين هم الذين بادروا باستبعاد وتفنيد مجموعة من التعاليم الخاطئة التي ظهرت بعد مجمع خلقيدونية والمتعلقة بعقيدة الثالوث وعقيدة التجسد.

2. الأوطيخية:

كان أوطيخا قد نُفي إلى (Doliche) بشمال سوريا ـ كما ذكرنا ـ فور تولي بولخريا السلطة عام 450م، ولم يُعرف أي شيء عن الرجل منذ ذلك الحين. وسواء كان أوطيخا بالفعل يؤمن بالأفكار التي رأها فيه الذين أدانوه أم لا، فالحقيقة أنه كان هناك رجال في الشرق في ذلك الوقت يتمسكون بمثل هذه الأفكار.

ويذكر زكريا المؤرخ[1] أنه في أيام ثيؤدوسيوس أسقف أورشليم (تنيح عام 457م)، قام رجل خطيب من الإسكندرية يُدعى يوحنا بتقديم نظرية أُشير إليها بـ ’الأوطيخية‘، حيث سعى يوحنا بحكم دراسته الفلسفية أن يربط تخميناته الغيبية ببعض الأفكار المستعارة من المسيحية، ليقدم تفسيراً عن شخص المسيح. وقد اعتبر يوحنا ناسوت المخلص ’ظاهرة فريدة‘ لا توجد طبيعة من نفس نوعها، على أساس أنه وُلد من عذراء،[2] وبالتالي فإذا كان يسوع المسيح هو إنسان بدون طبيعة ’بشرية‘، فقد زعم يوحنا أنه كان طبيعة وحيدة.

ويذكر المؤرخ أن يوحنا الخطيب كتب عدداً من المقطوعات الأدبية ونسبها إلى أشخاص مثل بطرس الأيبيري وثيؤدوسيوس نفسه الذي عندما سمع بأفكار يوحنا وتصرفاته قام بإدانة الرجل وتعاليمه،[3] وأرسل حكمه هذا إلى فلسطين وسوريا والإسكندرية.

ومما يُذكر بواسطة نفس المؤرخ أنه بينما كان ثيؤدوسيوس في السجن اتصل به الخلقيدونيون والأوطيخيون ليحاول كل منهما أن يستميله إليه ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بفائدة. ويقال إن ثيؤدوسيوس أخبر الأوطيخيين أن أفكارهم هي نفس تعاليم فالنتينوس وماني وماركيون، ويجب أن تُعرف أنها هرطقة أسوأ من هرطقة “بولس السموساطي، وأبوليناريوس ونسطوريوس”.[4]

أما بالنسبة للبابا تيموثاؤس إيلوروس بطريرك الإسكندرية، والذي يعد أكثر مَن عبَّروا عن انتقادهم لمجمع خلقيدونية بعد وقت ثيؤدوسيوس، فقد عارض أيضاً الموقف الأوطيخي بشدة. ويُذكر أنه عندما كان في نفيه، كتب رسائل إلى الإسكندرية وفلسطين يعارض فيها أولئك الذين يرفضون أن يؤكدوا أن المسيح، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر بحسب اللاهوت، هو أيضاً وفي نفس الوقت واحد معنا في الجوهر بحسب الناسوت.[5]

وبالإضافة إلى ذلك، هناك حادثتان في حياة البابا تيموثاؤس إيلوروس تؤكدان معارضته للأوطيخية. الحادثة الأولى أثناء منفاه، حيث كان هناك رجلان من الإسكندرية ـ إشعياء من هرموبوليس، وقس يُدعى ثيؤفيلوس ـ اتخذا إقامتهما في القسطنطينية وزعما أن لهما نفس رؤية البابا تيموثاؤس أيلوروس،[6] ولكن في الحقيقة كانت الأفكار التي ينشرانها هي نفس الأفكار التي اعتُقد أن أوطيخا كان يتمسك بها.

وحينما وصلت هذه الأنباء إلى البابا تيموثاؤس في منفاه أرسل خطابات إلى كل من الإسكندرية والقسطنطينية، يحذر فيها الناس مما يفعله هذان الرجلان.[7] وأرسل البابا تيموثاؤس خطابين إلى القسطنطينية، ينصح في الأول منهما الرجلين (إشعياء وثيؤفيلوس) بالإقلاع عن تلك الأفكار، وعندما لم يتقبل الرجلان الخطاب بصورة جيدة أرسل خطابه الثاني[8] الذي كان عملاً عقائدياً يشرح الإيمان ويحتوي على عدد كبير من الاقتباسات من كتابات الآباء.

ورفض إشعياء وثيؤفيلوس هذا الخطاب أيضاً فقام البابا تيموثاؤس في النهاية بحرمهما بعلة الهرطقة.[9]

وقد ناقش البابا تيموثاؤس في خطابه الثاني موضوع الإيمان بهدف فضح تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس اللذان روَّجا أفكارهما في ربوع القسطنطينية. ولذلك أكد البابا تيموثاؤس في خطابه أن ربنا يسوع المسيح في التجسد كان واحداً في الجوهر معنا، وأصر أن “أي واحد يجل الله لن يسمح (لنفسه) أن يحتقر رحمته برفضه الإخلاص لتعليم آبائنا القديسين الذين اعترفوا أن ربنا يسوع المسيح صار واحداً معنا في الجوهر في الجسد”.[10]

وكما فعل البابا ديسقوروس، استمر البابا تيموثاؤس ـ معتمداً على الرسالة إلى العبرانيين ـ ليؤكد أنه “إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بموته سلطان الموت أي ابليس……. وهو لم يأخذ الطبيعة من الملائكة، ولكن من نسل إبراهيم. و (من ثمَّ) كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً……. لأنه فيما هو قد تألم وجُرب يقدر أن يعين المجربين”.

ويعلق البابا تيموثاؤس على عبارة ’ يشبه أخوته في كل شيء‘ ويقول: إن الأسفار “تعلم كل أولئك الذين يرغبون في بركات السماء وفي الخلاص، أنه ينبغي عليهم أن يعترفوا أن تجسد ربنا يسوع المسيح كان من مريم…….؛ وهو الذي له ذات الطبيعة مع الآب بحسب لاهوته، صار كذلك له ذات الطبيعة معها (أي مع العذراء مريم) ومعنا في الجسد”.

وبهذه الطريقة شرح البابا تيموثاؤس في خطابه إيمان الكنيسة بخصوص التجسد مفنداً تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس الخاطئة. وقد أرسل نسخة من هذا الخطاب إلى الإسكندرية، ووجهه “إلى الإكليروس، والرهبان، والأخوات الراهبات في المسيح، والمؤمنين……. لكي تعرفوا أنني قد كتبت هذه الأشياء”.[11]

ثم حذرهم بأن “الذي لا يؤمن بحسب التقليد الخاص بربنا يسوع المسيح ابن الله ، كما علَّم به آباؤنا القديسون، فليكن محروماً”.[12] ويتضح من هذه الحادثة أن البابا تيموثاؤس إيلوروس لم يكن مؤيداً لوجهة النظر التي أدانها ليو بابا روما ومجمع خلقيدونية على أنها تعليم أوطيخا، كما أن معارضته للمجمع وللطومس لم تكن نتيجة تردده في الاعتراف بكمال بشرية ربنا.

أما الحادثة الثانية التي تثبت أن البابا تيموثاؤس إيلوروس كان يرفض التعليم المنسوب إلى أوطيخا، فقد حدثت في القسطنطينية عام 475م. وكان الإمبراطور باسيليسكوس ـ كما ذكرنا ـ قد أعاد البطريرك تيموثاؤس من منفاه، وعندما زار البابا تيموثاؤس القسطنطينية[13] شجع الإمبراطور ليصدر منشوره العام الذي يلغي مجمع خلقيدونية.

وقد أدان هذا المنشور أولئك الذين يتمسكون بفكرة أن التجسد كان شبهاً خارجياً فقط، فعارض بعض الرجال في القسطنطينية هذا الأمر، واتصلوا بتيموثاؤس ليتفقوا معه لكي يعارض هو الآخر هذه الفكرة، ولكن على عكس توقعاتهم ثار البابا تيموثاؤس ضدهم قائلاً:[14]

“إن الأسفار تعلمنا عن المسيح أنه تشابه معنا في كل شيء، وأنه صار بالكمال بنفس الطبيعة (البشرية) معنا ما عدا الخطية. وهو قد وُلد بطريقة فائقة بدون اتصال زيجي، ولكنه صار إنساناً كاملاً، إذ حُبل به في مريم العذراء وولد منها بالروح القدس، وهو نفسه ظل باستمرار الله المتجسد بدون أي تغيير”.

ومن الواضح هنا أن البابا تيموثاؤس إيلوروس قد أكد أن ناسوت ربنا كان حقيقياً وكاملاً، وأنه (أي البابا تيموثاؤس) استبعد الأوطيخية بنفس التصميم والحماس الذي كان لدى الجانب الخلقيدوني.

وإذا انتقلنا إلى مار فيلوكسينوس أسقف منبج، فسنجد أنه كان ـ كما ذكرنا ـ معارضاً قوياً للنسطورية، وكان يؤمن أنها قد عادت من جديد بمكر من خلال مجمع خلقيدونية وطومس ليو. ويتضح من كتابات مار فيلوكسينوس أنه كان يرفض الأوطيخية أيضاً بنفس الحماس الذي كان يعارض به النسطورية.

ويؤكد مار فيلوكسينوس أن الأوطيخية تؤمن فقط أن الله الابن أخذ لنفسه مظهر وشبه الإنسان[15] بدون أن يأخذ أي شيء من العذراء، وهذا التعليم يضعف من مدلول التجسد ولهذا ينبغي أن ترفضه الكنيسة. وكان فلافيان أسقف القسطنطينية وليو بابا روما قد وجدا ـ كما ذكرنا ـ في أوطيخا نفس هذه الرؤية، وقد عبَّر مار فيلوكسينوس عن موافقته لكليهما أثناء اعلانه عن هرطوقية هذه الأفكار.

وفي الحقيقة ذهب مار فيلوكسينوس في شرحه إلى القول بأن التعليم الأوطيخي لم يقع فقط في خطأ الدوسيتية* ـ كما هو شائع عنه ـ ولكنه وقع أيضاً في الثنائية المانية التي تعتبر أن المادة شر،[16] لأنه إذا كانت الأوطيخية تنكر أن ربنا قد صار متجسداً من العذراء وأنه واحد معنا في الجوهر، أفلا يتضمن هذا رفضاً منها (أي من الأوطيخية) بالاعتراف أن الله من الممكن أن يصير إنساناً على أساس الفرض المسبق بأن الطبيعة البشرية هي شر؟

ويرى مار فيلوكسينوس أن هناك تشابهاً بين النسطورية والأوطيخية حيث يقول:[17]

“وقد يبدو أن الموقف النسطوري والموقف الأوطيخي يضاد كل منهما الآخر، ولكنهما في الواقع يتمسكان بنفس وجهة النظر، لأن كليهما ينكر أن الله وُلد من مريم. فلو كان الله قد اتخذ فقط مظهر وشبه الجسد ولم يأخذ بالحقيقة جسدنا من العذراء، فلا تكون الحقيقة القائلة أن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ قد ولدت، هي أمر واقعي (على الإطلاق)”.

وبينما يستنكر أسقف منبج الأوطيخية على هذا النحو، نجده أيضاً يكتب عن النسطورية قائلاً:[18]

“إن النسطورية لا تعترف أن الكلمة صار جسداً، ولكنها تعترف فقط أن الجسد تكون (أولاً) ثم أتُخذ بواسطة الكلمة. وبالتالي فلا تكون مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، بل هي فقط والدة الجسد أو بالتحديد الإنسان الذي سكن فيه الله”.

وعند مار فيلوكسينوس ـ كما سنرى بصورة أوضح فيما بعد ـ كان الله الابن قد تجسد بالفعل بأن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء، وأي عقيدة تنكر أو تقلل من هذه الحقيقة كانت بالنسبة له هرطقة ينبغي إدانتها.

أما بالنسبة للبطريرك ساويروس الأنطاكي، فقد كان ناقداً قوياً للموقف (اللاهوتي) الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘. وفي إشارته إلى عبارة أن المسيح ’طبيعتان قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد الاتحاد‘[19] كتب البطريرك ساويروس: “لم يقم أحد على الإطلاق من الذين يتمسكون بالتفكير السليم ـ ولا حتى على مستوى الخيال ـ بإقرار تعبير: طبيعتين قبل الإتحاد”.[20] لأن ذلك يعني من وجهة نظر ساويروس أن الطفل الإنساني قد تكوَّن في رحم العذراء قبل اتحاد الطبيعتين.

وبالنسبة لكافة القادة غير الخلقيدونيين، كانت فكرة أن الطفل قد تكوَّن في الرحم قبل الإتحاد لا تعني إلا نفس تعليم نسطوريوس ومؤيديه. وقد عارض البطريرك ساويروس هذه الفكرة في أماكن عديدة في كتاباته ـ بالإضافة إلى ما أوردناه قبلاً ـ ونذكر على سبيل المثال ما كتبه إلى أكيومنيوس (Oecumenius)[21] حيث قال:

“بالرغم من أن هيبوستاسيس (أقنوم) الله الكلمة كائن قبل كل الدهور والأزمنة وهو منذ الأزل مع الله الآب والله الروح، فإن الجسد ذو الروح العاقل (الذي أخذه) لم يوجد قبل اتحاده به”. ومرة ثانية يؤكد البطريرك ساويروس في إحدى عظاته: “ولم يكن الأمر أن هناك طفلاً قد تكوَّن أولاً في رحم العذراء ثم على الفور وحَّد الله الكلمة نفسه به من خلال اتحاد الإرادة واقتران الحب”.[22]

ويتضح من كل ما سبق، أنه بينما كان الجانب غير الخلقيدوني يعارض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، إلا أنه كان واعياً تماماً أيضاً للهرطقة ’الأوطيخية‘، وقد قام باستبعادها بمنتهى القوة والحماس مثلما فعل الجانب الخلقيدوني. ومن ثم لم يكن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية هو بسبب تعاطف سري أو علني مع الموقف الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘ في مجمع عام 451م.

ويبقى سؤال هام ينبغي علينا أن نواجهه في إطار هذا السياق، وهو:

إذا كان البابا ديسقوروس والجانب غير الخلقيدوني يعارضون ’الأوطيخية‘ بالفعل، فكيف قام مجمع عام 449م بتبرئة أوطيخا الذي عُرفت تلك الهرطقة باسمه؟. وهذا السؤال في الحقيقة له أهميته من وجهة النظر التاريخية، فالبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ الذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً بشكل مؤكد ـ لا يجد صعوبة في الاعتراف بأن البابا ديسقوروس هو “شهيد المسيح، الذي لم يحنِ وحده ركبته للبعل في مجمع الشر”.[23]

وكما أظهرنا قبلاً، كان البابا ديسقوروس قد أقر في مجمع خلقيدونية أن الأفكار التي قيل عنها أنها لأوطيخا هي بالفعل أفكار هرطوقية، ولكنه أقر أيضاً أنه لا يوجد أي سند في محاضر الجلسات المسجلة لمجمع عام 448م يفيد أن أوطيخا كان بالفعل يتمسك بتلك الأفكار.[24] ومن الجدير بالذكر أن الأساقفة المصريين لم يذكروا أوطيخا بالاسم كهرطوقي في التماسهم الذي قدموه لمجمع خلقيدونية يوم 17 أكتوبر عام 451م.[25]

وحتى بعد مجمع خلقيدونية، لم يتضمن منشور باسيليسكوس اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.[26] أما منشور الإتحاد (الهينوتيكون) الذي أصدره زينو عام 482م فقد أعلن أوطيخا كهرطوقي،[27] وكان ذلك المنشور مقبولاً من الكيان غير الخلقيدوني.

وقد ناقش البطريرك ساويروس الأنطاكي هذا الأمر في عدد من رسائله، فإذا نظرنا إلى هذه الرسائل معاً سنجد أنه أورد فيها ثلاث نقاط أساسية:

أولاً، ذكر البطريرك ساويروس أن مجمع أفسس الثاني عام 449م كان قد أبرأ أوطيخا على أساس أمرين:

-قام المجمع (عام 449م) بإصدار حكمه بعد فحص “محاضر الجلسات التي دُونت في المدينة الملكية (القسطنطينية) والتي تضمنت الشهادات (الأقوال) التي بُنيت عليها إدانة أوطيخا”. وقد حكم المجمع بأنه لم يكن مستحقاً الإدانة.

-قام أوطيخا نفسه بتقديم التماس يحرم فيه ماني وفالنتينوس وأبوليناريوس، وأولئك الذين يقولون أن جسد ربنا قد نزل من السماء، كما أضاف أوطيخا أيضاً بعض النقاط التي ـ كما أشار ساويروس ـ لم تتم قراءتها في مجمع خلقيدونية، وذكر البطريرك ساويروس أنه أورد هذه الكلمات في رسالته إلى سرجيوس الطبيب والمفكر.[28]

وقد فُقدت هذه الكلمات من رسالة البطريرك ساويروس التي نُشرت في ’كتابات الآباء الشرقيين‘ (Patrologia Orientalis)، ومن المحتمل أن تكون هذه العبارات هي نفس العبارات التي سبق أن ذكرناها فيما قبل.[29] وعلى أي حال، فإن دفاعات البطريرك ساويروس انتهت إلى تأكيده بأن أوطيخا لم يُبرَّأ في مجمع عام 449م على أساس نفس الأسباب التي تمت إدانته بسببها في مجمع خلقيدونية.

ثانياً، يؤكد البطريرك ساويروس أنه “بعد هذه الأمور، رجع أوطيخا نفسه إلى قيء رأيه الشرير”.

ثالثاً، إن ارتداد أوطيخا هذا لا “يأتي باللوم” على مجمع عام 449م، ولا على البابا ديسقوروس.[30]

ونستطيع أن نستنبط ملاحظتين على الأقل من الرأي الذي كان يصر عليه البطريرك ساويروس:

الملاحظة الأولى هي أن البطريرك ساويروس لم يذكر بوضوح متى قام أوطيخا بالفعل بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه. كما أن كلمات البطريرك ساويروس “رجع إلى رأيه الشرير” تحمل ضمنياً معنى أن أوطيخا كان من الأصل هرطوقياً، ولكننا رأينا أن مجمع عام 449م قد برَّأه وحكم بأن الأساس الذي تمت عليه إدانته في مجمع عام 448م لا يمكن تبريره، كما أعلن أن اعتراف الإيمان الذي قدَّمه أوطيخا كان أرثوذكسياً؛ ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الرأفة عاد أوطيخا (بحسب رأي ساويروس) إلى آرائه الأولى.!

وفي الحقيقة، أنه لا يمكن أن يُستنتج تفسير من هذا النوع من محاضر جلسات مجمع عام 449م، لأن فحص المجمع لقضية أوطيخا ـ كما رأينا[31] ـ لم يُظهر أنه كانت لدى الوفود المجتمعة أي شبهة تتعلق بالموقف اللاهوتي (السابق) للرجل، وبالتالي فإن اتهام أوطيخا بأنه عاد إلى رأيه الشرير، لا يمكن ـ لو كان قد حدث ـ أن يكون قد تم قبل وقت انعقاد ذلك المجمع، فإذا افترضنا أنه حدث في الفترة بين وقت انعقاد المجمع عام 449م ونفي أوطيخا عام 450م فيكون من الغريب حقاً أن هذه الأخبار لم تصل في حينها إلى البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين، ولا حتى إلى أولئك الذين وضعوا مسودة منشور باسيليسكوس عام 475م.*

وفي الواقع لم يقم البطريرك ساويروس بالإجابة على هذه التساؤلات في تقييمه لأوطيخا، ولا يوجد أمامنا غير احتمال واحد في مواجهة هذه الملابسات التاريخية وهو أنه كان يوجد رجال في تلك الأيام الماضية يعتنقون الأفكار التي نُسبت لأوطيخا، وأن بعضاً منهم على الأقل كان يعتبر الراهب العجوز رائداً لهم. وهكذا يظل السؤال عن هل قام أوطيخا نفسه بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه، سؤالاً مطروحاً. أما فيما يخص الأفكار نفسها، فإننا لدينا دلائل قاطعة على أن كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني قد استبعدها منذ بداية الصراع بينهما.

الملاحظة الثانية، هي أن البطريرك ساويروس لم يقدم في دفاعه عن مجمع أفسس الثاني عام 449م أي تبرير للطريقة التي عالج بها المجمع تردد أوطيخا في الإقرار بعبارة “واحد معنا في الجوهر”. وعلى الرغم ـ كما ذكرنا[32] ـ من أن المعنى الذي وراء تلك العبارة كان متضمناً في اعتراف أوطيخا بالإيمان إلاّ أنه كان متردداً في الإقرار بالعبارة نفسها، ولكن مجمع عام 449م لم يعطِ اهتماماً كافياً لتلك النقطة.

وما يهمنا هنا ـ من وجهة نظر هذا البحث ـ هو التأكيد على حقيقة أن الجانب غير الخلقيدوني كان منذ البداية يدين الأفكار التي يصفها الجانب الخلقيدوني بـ ’الأوطيخية‘. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قدَّموه في هذه الأثناء من شروحات لموقفهم اللاهوتي، فسوف يتضح بأجلى بيان أن غير الخلقيدونيين يؤمنون بأن الطبيعتين اللتين اتحدتا في المسيح قد استمرتا فيه بدون أي إضمحلال.

3. فكرة أن المسيح له خصوصية واحدة:

ظهرت هذه الفكرة في أيام البطريرك ساويروس الأنطاكي بواسطة رجل يُدعى سرجيوس النحوي، حيث كتب خطاباً حول هذا الأمر وأرسله إلى البطريرك ساويروس يسأله عن رأيه.[33] وقد أكد النحوي:

“إن اللاهوت والجسد ’هما جوهران‘. الأزلية هي خصوصية الأول، وإمكانية الفساد هي خصوصية الأخير*“، وحين صار الله الابن إنساناً، اتخذ جسداً “وولد بطريقة فائقة للطبيعة (supernaturally)” كما أنه “لم يرى فساداً”. ومن هنا يؤكد سرجيوس أنه “بسبب الاتحاد، زالت خصوصية الجسد”، ولذلك “من الأفضل أن نقول أنه توجد خصوصية واحدة (للمسيح)”، ويكمل سرجيوس بقوله “فلماذا إذن نقول أنه توجد هناك خصوصيتان؟”.[34]

وبدأ البطريرك ساويروس مناقشته للأمر بقوله أن التأكيد على وجود فرق في الخصوصيتن هو تعليم الآباء، فقد أكدوا على أن الطبيعتين اللتين اتحدا في المسيح الواحد هما مختلفتان “لأن واحدة غير مخلوقة، والأخرى مخلوقة”.[35] ولكن بينما “يظل الاختلاف بين خواص الطبيعتين قائماً”، “فإن الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد” اتحدتا “بدون اختلاط”، وبهذه الطريقة “يُقال إن كلمة الحياة قد أصبح مرئياً وملموساً”.*

ويؤكد البطريرك ساويروس إننا عندما نفكر في عمانوئيل سنرى أن اللاهوت والناسوت هما مختلفان، وبينما نعترف بالاتحاد فإننا لا ننكر الاختلاف الذي بين الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد”، وهذا بالرغم من أننا نستبعد وجود أي انقسام بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘.[36]

وهكذا ظلت خواص كلتا الطبيعتين باقية في المسيح الواحد مع الطبيعتين نفسيهما، بدون اختلاط ولا انقسام. وحيث إن الطبيعتين اتحدتا، فقد حدث تبادل للخواص والذي به أصبح “الكلمة يُعرف في خواص الجسد”، كما أن الخواص البشرية أصبحت “تنتمي للكلمة، وخواص الكلمة (تنتمي) للجسد”.[37] وهذا الاتحاد هو بدون اختلاط، حيث لم تُفقد فيه أي من الطبيعتين ولا أي من خواصهما أو ملكاتهما.

ويمكننا أن نميِّز هذا الموقف ذاته ،الذي تبناه البطريرك ساويروس، عند كل القادة المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني من الكنيسة. وهذا يُظهر أنهم لم يؤكدوا فقط على استمرار الطبيعتين في المسيح الواحد وإنما حافظوا أيضاً على مبدأ عدم فقدان أو اضمحلال أي خصوصية أو ملكة من أي من هاتين الطبيعتين.

 

[1] Zacharia, op. cit., I, pp. 161f.

[2]   لقد أكد يوحنا ـ كما يقول زكريا المؤرخ ـ أن “الله الكلمة ذاته أصبح الجسد وتألم فيه، هذا إذا كان قد تألم، وبهذا أنكر أنه كان متحداً بجسد بشري”. (المرجع السابق، 1: صفحة 163).

[3] Zacharia, op. cit., I, p. 164.

[4] المرجع السابق صفحة 162.

[5] المرجع السابق صفحة 186.

[6] المرجع السابق صفحة 186.

[7] للإطلاع على الخطابات انظر (المرجع السابق صفحة 186).

[8]   للإطلاع على هذا الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 186-202).

[9]   للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس الذي يحرم فيه إشعياء وثيؤفيلوس انظر (زكريا الخطيب، المرجع السابق صفحة 202-205). وقد كتب البابا تيموثاؤس أن إشعياء وثيؤفيلوس يؤمنان بأن “جسد ربنا كان واحداً في الجوهر مع نفسه وليس معنا. وأنه (أي الكلمة) لم يصر إنساناً بالحقيقة”. (نفس المرجع صفحة 203). وفي هذا الخطاب ثبَّت البابا تيموثاؤس مدة التوبة للعائدين من الهرطقة بسنة واحدة متتبعاً في ذلك وصية سلفيه البابا كيرلس والبابا ديسقوروس.

[10] Zacharia, op. cit., I, p. 188.

[11] المرجع السابق صفحة 201-202.

[12] المرجع السابق صفحة 201.

[13] المرجع السابق صفحة 209 وما يليها.

[14]  المرجع السابق صفحة 215-216. وهذه الحادثة مذكورة في دراستنا الحالية صفحة 207.

[15]   كتب مار فيلوكسينوس: “إن الأوطيخيين يؤمنون فقط بأن الله اتخذ شكل وشبه الإنسان، بينما يرفضون تأكيد أنه أخد أي شيء من مريم حينما أخذ الجسد. وظنوا أنهم إذا افترضوا شيئاً مثل هذا (أي إذا افترضوا أنه أخذ جسداً من مريم العذراء) فإن ذلك سيقودهم إلى القول بأن التجسد قد أحدث إضافة إلى الثالوث” انظر: (Philoxenos, op. cit., p. 154)

*  الدوسيتية (أي الخيالية) هي بدعة تنادي بأن جسد المسيح لم يكن جسداً حقيقياً بل قد بدا كذلك، أي كان جسداً وهمياً (أو خيالياً).

[16]  أكد مار فيلوكسينوس أنه “لو كان الأوطيخيون يؤمنون مثلنا بأن كل شيء عُمل وخاصة طبيعة الإنسان هو خليقة الله، فما كانوا قد تحدثوا مثل المانيين (Manichaean) بأن جسد الله هو ليس من طبيعتنا…. إن خليقة الله حسنة، ولهذا صار الخالق إنساناً منها. فإذا كانوا مترددين في التسليم بذلك، فدعهم يقولون بوضوح أن طبيعة الإنسان هي من الشر، ليظهروا أنفسهم أنهم ليسوا فقط خياليين ولكن أيضاً مانيين”. (المرجع السابق، صفحة 42-43).

[17] Philoxenos, op. cit., p. 141.

[18]  المرجع السابق صفحة 141.

[19]  انظر صفحة 59.

[20]  Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239.

وهناك موقف مشابه اتخذه البابا تيموثاؤس إيلوروس ضد عبارة أوطيخا. انظر:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 262).

[21] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 190-1.

[22] Ibid., vol. VIII, p. 221.

[23] Ad Nephalium, C. S. C. O., Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, p. 141.

[24] انظر صفحة 111.

[25] انظر صفحة 152.

[26] انظر صفحة 206.

[27] انظر صفحة 215، 216.

[28] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 264-268.

وهذا مشار إليه في الدراسة الحالية صفحة 75. وعن سرجيوس هذا انظر صفحة 262.

[29] انظر صفحة 75.

[30] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 267-268.

[31]  انظر صفحة 71 وما يليها.

*   لأن منشور باسيليسكوس لم يتضمن اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.

[32]  انظر صفحة 55 وما يليها والمرجعان 156، 157 صفحة 81.

[33]  للإطلاع على الخطابات المتبادلة بين سرجيوس والبطريرك ساويروس انظر:

(Ad Nephalium, op. cit., pp. 70f)

*   كان سرجيوس يفهم ’خصوصية‘ بأنها تعني التميز المتفرد للشيء ككل (أو للطبيعة ككل)، وبالتالي فكل طبيعة لها تميز محدِّد واحد. ويقول سرجيوس حيث إن الله له تميزه الخاص وهو الأزلية والإنسان له تميزه الخاص وهو إمكانية الفساد، فبما أن المسيح ليس أزلياً (حيث ولد في الزمن بطريقة فائقة) كما إنه لم يرى فساداً، فلذلك تكون له خصوصيته الفريدة التي ليست هي خصوصية الله ولا خصوصية الإنسان ولكنها خصوصية فريدة تخص المسيح وحده. وكما أن المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين لذلك يمكننا أن نقول أيضاً أنه خصوصية واحدة من خصوصيتين.

[34] Ad Nephalium, op. cit., pp. 71-72.

[35]  المرجع السابق صفحة 74-77.

*  يذكر إيان تورانس في كتابه “التعليم عن المسيح بعد مجمع خلقيدونية” والذي يحتوي على ترجمة إنجليزية للمراسلات بين ق. ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي، أن ق. ساويروس كان يفهم الخصوصية بثلاث معانٍ متباينة ظهرت في خطاباته الثلاث إلى سرجيوس: (1) خواص الشيء (2) سمة مخصوصة بشيء معين ـ أو طبيعة معينة ـ تخصه وحده دون غيره، مثل أن الضحك سمة مخصوصة بالإنسان دون غيره (3) الهوية الخاصة بشيء ما، فالجسد هو جسد وليس حجراً وذلك ببساطة لأنه هو جسد، وقد يَسوَّد لونه أو يتحطم أو يتم طهيه، ولكنه مع ذلك يظل جسداً، أي يظل محتفظاً بهويته الخاصة كجسد وليس شيئاً آخراً.

[36] Ad Nephalium, op. cit., p. 79.

[37]   المرجع السابق صفحة 79. ويقر البطريرك ساويروس بما هو أكثر من ذلك إذ يقول:

“ولذلك فبينما نحرم أولئك الذين يؤكدون أن عمانوئيل بعد الاتحاد هو طبيعتين بما لهما من فعلين وخواصين، فإننا لا نضعهم تحت الإدانة بسبب قولهم بالطبيعتين أو الفعلين أو الخواصين؛ ولكن لأنهم بينما يؤكدون على الطبيعتين بعد الاتحاد، ينسبون الأفعال والخواص لكل طبيعة على حدة، وبذلك هم يفصلونهما”. (المرجع السابق، صفحة 80).  

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

(د) البطريرك ساويروس الأنطاكي:

يعتبر البطريرك ساويروس الأنطاكي بالفعل هو اللاهوتي الأبرز في الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس، وربما أيضاً في كل الكنيسة في الشرق، إذا لم يكن في الكنيسة بأكملها في عصره.

وفي اثنين من أكبر كتبه ـ ’محب الحق‘ (philalethes) و’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) ـ وكذلك في العديد من رسائله وعظاته العقائدية، دافع البطريرك ساويروس بشدة وبثبات ضد كل من طومس ليو ومجمع خلقيدونية. وقد ذكر البطريرك ساويروس لتأييد موقفه اللاهوتي، حججاً من التقليد ومن الأسس اللاهوتية، وأصر على أن المفهوم الأنطاكي ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ ـ الذي تبناه المجمع من خلال استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ هو مفهوم بغيض ومرفوض.

أولاً: في ضوء التقليد

لقد أقر البطريرك ساويروس أنه من الممكن أن نجد دليلاً على استخدام تعبير ’طبيعتين‘[1] في أعمال الآباء الأولين، ولكنه دفع بأن استخدام أولئك الآباء لم ينطوي على أي فكرة للتقسيم؛ ولكنهم كانوا يقصدون فقط من ذلك أن المسيح هو إله وإنسان في آنٍ واحد. ومع ذلك فمنذ ظهور النسطورية تغيرت الأمور تماماً، فتم استبعاد التعبيرات غير المحددة والبريئة التي كانت تُستخدم في الماضي (قبل ظهور النسطورية)، وتم ترسيخ تقليد لاهوتي مؤسس على قانون الإيمان النيقاوي حسبما أكده وفسره مجمع عام 381م، ومجمع عام 431م.[2]


ورغم هذا الموقف، أصر ليو بابا روما ـ وبدون أن يعير أي اهتمام للتقليد الذي اتُفق عليه في الكنيسة ـ على استخدام عبارة ’في طبيعتين‘ في الطومس الخاص به، وتبناها مجمع خلقيدونية بعد ذلك معتمداً على مرجعية هذا الطومس.[3] ومن هنا كان البابا ليو ومجمع خلقيدونية مذنبين في تعديهما على التقليد العقائدي المستقر في الكنيسة.

وفي ضوء هذا السياق، نستطيع أن نفهم الاقتباسات من كتابي’محب الحق‘ و’ضد النحوي غير التقي‘ اللذين وضعهما البطريرك ساويروس في وضعها الصحيح. وقد أكد البطريرك ساويروس في كلا الكتابين ـ مستشهداً بآباء الكنيسة من ق. إغناطيوس الأنطاكي وق. إيرينيوس أسقف ليون وصولاً إلى ق. كيرلس السكندري ـ أن الفكرة التي وراء عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تتعارض بشدة مع تعاليم الآباء.

وأكد البطريرك ساويروس[4] أن جميع الآباء قد أقروا أن المسيح هو وحدة (unity)، وفي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، اقتبس ساويروس فقرات من عدد من هؤلاء الآباء وانتهى إلى قوله:[5]

“انظر إلى آباء الكنيسة، فإن جميعهم يعترفون باتفاق، أن الله الكلمة قد حُبل به في رحم العذراء ’والدة الإله‘، وأنه اتحد هيبوستاسياً (أقنومياً) مع الجسد الذي كان يُحبل به في ذلك المكان. وبينما ظل هو نفسه بلا تحول ولا تغيير، فإنه جعل الجسد خاصاً به (جسده الخاص)، دون أن يكون هناك أي وقت كان فيه هذا الجسد منفصلاً عنه”.

ولهذا فإن المسيح هو شخص واحد، الله الكلمة المتجسد. وكان هذا هو تعليم الآباء الذي أكد بنفس القوة أن الكلمات والأعمال التي سُجلت عنه في البشائر ينبغي أن تُنسب كلها للشخص الواحد. ولذلك كتب البطريرك ساويروس:[6]

“فأن يمشي جسدياً على الأرض ويتحرك من مكان لمكان فهذا بالفعل (أمر) بشري، ولكن أن يجعل أولئك العرج الذين لا يستطيعون أن يستعملوا أرجلهم يمشون فهذا (أمر) لائق بالله. ورغم ذلك فإنه نفس الله الكلمة المتجسد* هو الذي كان يعمل في كليهما. وكان هذا هو الأساس المنغرس في التقليد والذي وضعه الآباء، وهو ما قد تم انتهاكه في عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘”

وكان البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد وضع مؤلفه ’محب الحق‘[7] لكي يفند كتاباً خلقيدونياً يحتوي على اقتباسات من كتابات البابا كيرلس السكندري جُمعت من أجل إظهار أن اللاهوتي السكندري الكبير كان قد سبق مجمع خلقيدونية[8] (في تبنيه لنفس الفكر والتعبير اللاهوتي الذي تبناه المجمع).

وأوضح البطريرك ساويروس في كتابه ’محب الحق‘ أمرين رئيسين، أولاً أكد على أن مؤلف الكتاب الخلقيدوني بذل جهده في وضع الكتاب وهو متوهم أن الجانب غير الخلقيدوني لا يقبل مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد، وهذا ليس بالأمر الصحيح على الإطلاق؛[9] لأننا بالفعل لا نقول أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان مكوَّن من جسد وروح.

ولكننا على العكس من ذلك نعترف أنه بينما يظل كما هو، وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً له روح عاقل،[10] وبالتالي فإن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على حقيقة وكمال وسلامة أي من الطبيعتين اللتين استمرتا بصورة ديناميكية[11] في المسيح الواحد.

وقد اتفق الآباء على هذه النقطة بدون الإقرار بـ ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبالتالي لا يكون ضرورياً بأي حال من الأحوال استخدام عبارة “في طبيعتين” من أجل التأكيد على تلك الفكرة، ويكون إدعاء الخلقيدونيين أن البابا كيرلس قد سبق المجمع (في قوله هذا) ليس له أساس من الصحة.[12]

أما الأمر الثاني الذي دفع به ساويروس في كتابه، فهو أن المؤلف الخلقيدوني في محاولته إثبات نظرية أن ق. كيرلس قد سبق المجمع في تبنيه لنفس الفكر والتعبير ـ والتي هي بالفعل أبعد من أي دليل ـ قام في مواضع عدة بتشويه أو تحوير الفقرات التي اقتبسها، عن أصلها الموجود في كتابات البابا كيرلس.[13]

وماذا إذاً عن صيغة إعادة الوحدة عام 433م، والتي اعترف فيها البابا كيرلس بتعبير ’طبيعتين‘؟ ألا يعد هذا الموقف تغييراً عن التقليد الراسخ الذي أشار إليه ساويروس؟.

لقد اهتم البطريرك ساويروس في إجابته على هذه النقطة بالسياق التاريخي لتلك الوثيقة بالإضافة إلى المعنى الفعلي للفقرة موضع التساؤل التي ورد فيها ذلك التعبير. وقد أكد البطريرك ساويروس[14] أن صيغة إعادة الوحدة عام 433م كانت قد وضعت في ظروف وجود شقاق في الكنيسة، وكان هذا الشقاق نفسه نتيجة عدم استطاعة الجانب الأنطاكي فهم الإيمان على نحو سليم.

وفي هذا السياق ومن أجل استعادة الوحدة في الكنيسة ـ وبالتالي مساعدة الأنطاكيين لكي يدركوا تدريجياً التقليد الآبائي في تفسير العقيدة ـ قام ق. كيرلس، كطبيب حكيم، بقبول الوثيقة التي أُرسلت إليه من يوحنا الأنطاكي. وكانت تلك الوثيقة هي التي تحوي العبارة محل السؤال، والتي أيَّدها البابا كيرلس من أجل السلام داخل الكنيسة.

وأكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس على الرغم من ذلك، لم يوافق على تلك الصيغة إلا بعد صون كل المبادئ الأساسية التي يتعين المحافظة عليها. وهكذا رأى البابا كيرلس فيها أن الأنطاكيين قبلوا مجمع عام 431م دون أي شروط، ووقعوا على إدانة نسطوريوس بتعبيرات قاطعة وواضحة، وأكدوا أن العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ بدون إضافة أنها كانت أيضاً والدة الإنسان ’أنثروبوطوكس‘ أو والدة المسيح ’خريستوطوكس‘.

وبناءً عليه لا تكون صيغة إعادة الوحدة قد قدمت أي أساس لاستخدام عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبتعبير آخر فإن البطريرك ساويروس أصر على أنه لا يمكن الاستشهاد بمرجعية وسلطة صيغة إعادة الوحدة، إلاّ بعد أن نأخذ في الاعتبار بنود الاتفاق الأخرى التي رافقتها.

وأضاف البطريرك ساويروس[15] أن هذه الحقيقة ستتضح أكثر إذا نظرنا إلى المعنى الفعلي للعبارة موضع التساؤل، فقد ذكرت أن اللاهوتيين يأخذون بعضًا من أقوال وأعمال ربنا باعتبارها تشير إلى البروسوبون الواحد، ويقسّمون الأخرى بين الطبيعتين.

ولم يكن القصد هنا هو تقسيم الأقوال والأفعال “بين الطبيعتين بحيث أن بعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة اللاهوتية بمفردها، وبعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة البشرية وحدها: لأنها كلها للطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة، وإنما نحن ندرك الاختلاف في الكلمات والأفعال؛ فالبعض لائق بالله والبعض لائق بالإنسان والبعض يليق باللاهوت والناسوت معاً”.[16]

والحقيقة أن تلك العبارة الواردة في صيغة إعادة الوحدة لا تتعارض مع المبدأ الكيرلسي في رؤية الفرق بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد ’على مستوى الفكر والتأمل فقط‘. وكان البطريرك ساويروس يريد أن يؤكد أن مجمع خلقيدونية قد ذهب إلى أبعد مما يتضمنه هذا الفكر بإقراره لعبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.

ثانياً: في ضوء الأساس اللاهوتي

كان البطريرك ساويروس قد أكد مرات ومرات أن عبارة “’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تحمل ضمنياً مفهوم أن الجنين البشري قد تكوَّن بذاته أولاً في الرحم ثم اتخذه الله الكلمة فيما بعد.”[17]

وطبقاً لهذا المفهوم، فإن الإنسان يظل إنساناً والله الابن يظل الله الابن في حالة من التواجد المشترك، ولكن بدون أن يكونا متحدين بالمعنى الحقيقي في يسوع المسيح. وقد أكد ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين أن هذا الموقف اللاهوتي كان هو الموقف الذي أقره رجال مدرسة أنطاكيا والذي أُعلن أنه موقف هرطوقي بواسطة مجمع عام 431م.[18]

ولكي يثبت البطريرك ساويروس أن الأنطاكيين كانوا بالحقيقة يتمسكون بذلك الموقف نفسه، اقتبس بصورة مكثفة من كتابات رجال أمثال ديودور الطرسوسي، وثيؤدور الموبسويستي، ونسطوريوس، وثيؤدوريت أسقف قورش وغيرهم. وسنقوم فيما يلي بعرض فقرة واحدة من كتابات كل من أولئك الرجال:

من ديودور الطرسوسي[19]

“وحيث إن الجسد كان من مريم قبل أن يُتخذ، فهو من الأرض وغير مختلف عن أي جسد آخر بأي شكل من الأشكال. ومثل لاوي الذي أخذ الأعشار بينما كان في صلب أبيه ثم تقبل هذه الكرامة حين وُلد،* فإن الرب أيضاً حين كان في رحم العـــذراء كان من جـوهرها   (her ousia) ولم يكن له كرامة البنوة، ولكن حين تكوَّن وأصبح هيكل الله الكلمة واقتبل المولود الوحيد، فقد مُنح كرامة الاسم وبالتالي استلم أيضاً منه المجد”.

وذكر البطريرك ساويروس أن البابا كيرلس السكندري كان قد عارض هذه الفقرة في الكلمات التالية:[20]

“إنك تعبِّر بكلمات تدل على الجهل وهي ضارة جداً، فذلك الجسد المقدس كان بالفعل من مريم، ولكنه منذ أول بداية تكوينه، أي منذ (لحظة) وجوده في الرحم، كان مقدساً بكونه جسد المسيح، ولا أحد يتصور أنه كانت هناك لحظة واحدة لم يكن فيها (ذلك الجسد) جسده. ولكن مع كل ما ذكــرت، فإنه ـ كما تقول أنت ـ كان (جسداً) عاماً مثل أي جسد آخر”.

ومن الواضح أن كلاً من ق. كيرلس والبطريرك ساويروس قد فهم الفقرة المأخوذة من ديودور على أنها تؤكد أن الطفل البشري قد تكوَّن في رحم العذراء بمعزل عن اتحاده مع الله الكلمة، ومن ثم كان هناك وقت ـ بصرف النظر عن قصر فترة ذلك الوقت ـ كان فيه ذلك الطفل في الرحم كائناً (مستقلاً) بذاته بدون أن يكون متحداً مع الله الابن.

ولا يستطيع موقف لاهوتي مثل هذا أن يعترف باتحاد إلاّ في نطاق (أو على مستوى) البروسوبون فقط، كما أنه لا يعتبر موقفاً لاهوتياً كافياً لتأكيد المفهوم الحقيقي للتجسد. وفي ضوء هذه النظرة (للتجسد) قام الأنطاكيون برفض تعبير والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ عند الإشارة إلى العذراء مريم. وقد وجد البطريرك ساويروس نفس الفكرة عند كل من ثيؤدور الموبسويستي ونسطوريوس وثيؤدوريت أسقف قورش.

من ثيؤدور الموبسويستي:[21]

“وعندما يسألون هل كانت مريم ’والدة الإنسان – أنثروبوطوكس‘ أو ’والدة الإله – ثيؤطوكس‘، نجيب بأنها كانت كلتيهما ـ (اللقب) الأول بسبب طبيعة ما حدث بالفعل، أما الثاني فعلى أساس الإعلاء. فبالطبيعة كانت ’أنثروبوطوكس‘ لأن ذاك الذي كان في رحم مريم كان إنساناً وهو قد وُلد من هناك، كما أنها كانت ’ثيؤطوكس‘ لأن الله كان في الإنسان الذي وُلد. وهذا ليس معناه أن الله انحصر فيه بالطبيعة، وإنما كان فيه بواسطة شركة الإرادة”.

من نسطوريوس:[22]

“إن مريم لم تلد اللاهوت، ما أعظمه. فالذي وُلد من الجسد هو جسد، والمخلوق لا يلد غير المخلوق. والآب لم يلد الله الكلمة ثانية من العذراء، ولكنها ولدت الإنسان الذي كان أداة للاهوت. والروح القدس لم يخلق الله الكلمة حيث إن الذي كان فيها قيل إنه من الروح القدس، ولكن الروح القدس كوَّن من العذراء هيكلاً لله الكلمة. والله لم يمت بكونه صار إنساناً، ولكنه أقام ذاك الذي فيه صار إنساناً”.

من ثيؤدوريت أسقف قورش:[23]

“ومن الصحيح بنفس الطريقة أن نعترف ببروسوبون واحد، المسيح والابن، ولكن (بـ) هيبوستاسين إثنين وهما اللذين اتحدا،أي الطبيعتين”.

“نحن نشير إلى المسيح بكونه إنساناً يلبس الله، ليس بمعنى أنه تقبل العطية الإلهية جزئياً، ولكن بكونه واحداً اتحد به كل اللاهوت”.

وبناءً على تلك الفقرات والعديد من الفقرات الأخرى المقتبسة من كتاباتهم، توصل البطريرك ساويروس إلى أن رجال التقليد الأنطاكي لم يقروا بإتحاد حقيقي للطبيعتين؛ ولكنهم اعترفوا فقط بالوجود المشترك لله الابن والإنسان، في المسيح، ولكي يؤكدوا هذا الموقف أصروا على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘. ومن ثم لا يمكن لمجمع خلقيدونية ـ في سياقه التاريخي هذا ـ أن يكون قد عني بعبارة ’في طبيعتين‘ أي شيء أكثر مما أكده التقليد الأنطاكي.[24]

ومن الجدير بالذكر أننا هنا لسنا بصدد الدفاع عن وجهة نظر ساويروس، ولكن ما أردنا تأكيده فقط هو أن البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين في انتقادهم لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ الواردة في تعريف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يكونوا متبنين موقفاً ’مونوفيزايت‘ (أي موقفاً ينادي بطبيعة وحيدة للمسيح). ويتضح لنا من السياق التاريخي لمجمع خلقيدونية أن القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري كانت لديهم الفرصة ليعبِّروا عن اعتراضهم على عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ أو عبارة ’في طبيعتين‘، ولكن الحقيقة الجلية هي أن الجانب الخلقيدوني لم يتعامل مع تلك الاعتراضات بصورة جدية على الإطلاق.

وقد أكد البطريرك ساويروس أنه على أحسن الأحوال يمكن لعبارة مجمع عام 451م ’في طبيعتين‘ أن تعني ’طبيعتين متحدتين بعد الاتحاد‘،[25] وكان هذا التفسير مقبولاً حتى من نسطوريوس نفسه ومن مؤيديه. ولذلك لا يستطيع مجمع خلقيدونية ـ الذي يزعم بأنه قد استبعد النسطورية ـ أن يبرر نفسه في تبنيه لعبارة ’في طبيعتين‘.

وماذا أيضاً عن الاتحاد الهيبوستاسي، والهيبوستاسيس الواحد؟ هل لم يوافق مجمع خلقيدونية عليهما، مع أن النسطورية كانت قد رفضتهما؟.

يقول البطريرك ساويروس، إنه من الصحيح أن مجمع خلقيدونية تكلم عن ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكن ماذا كان يعني المجمع بذلك التعبير؟، وهنا يصر ساويروس أن تعبيري ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و ’الهيبوستاسيس الواحد‘ لا يمكن أن يتفقا مع عبارة ’في طبيعتين‘ أو ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.[26]

ولهذا السبب فإن مجمع خلقيدونية في تأكيده على هذين التعبيرين (أي الإتحاد الهيبوستاسي والهيبوستاسيس الواحد) لم يستطع أن يحافظ على المعنى الحقيقي الذي قصده الآباء منهما. وأشار البطريرك ساويروس كتأييد لحجته إلى خطاب أرسله ثيؤدوريت أسقف قورش إلى يوحنا أسقف (Agae)، كما أشار كذلك إلى طومس ليو.

ويُظهر خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)[27] كيف كان كاتبه يفهم معنى تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الوارد في تعريف الإيمان الخلقيدوني. وكان يوحنا هذا متمسكاً بالتقليد الأنطاكي، لذلك اعترض على تبني مجمع خلقيدونية لتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘. فكتب له ثيؤدوريت خطاباً جاء فيه:

“ومن هنا فإن أولئك الذين أشاروا إلى طبيعتين، (قد أكدوا) الاتحاد غير المختلط. ومن الواضح أيضاً أنهم لم يأخذوا تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ بمعنى الجوهر (الأوسيا) ولا بمعنى الطبيعة (الفيزيس)، ولكن بمعنى البروسوبون”. وفي فقرة ثانية كتب ثيؤدوريت: “وهكذا أكد المجمع المقدس على تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكنه ـ كما قلت ـ لم يأخذ كلمة ’هيبوستاسيس‘ بمعنى ’الطبيعة‘ ولكن بمعنى ’البروسوبون‘، وهذا يتضح من تعريف الإيمان لأن ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ هما مصطلحان شقيقان”.[28]

ويذكر البطريرك ساويروس أن “طومس ليو قد أشار إلى ’الإتحاد‘ ثلاث مرات، ولكنه لم يصون في أي مرة منها المعنى الذي يفيد الاتحاد الهيبوستاسي أو أن الطبيعتين الإلهية والبشرية قد إنجمعا معاً في وحدة، ولم يقر الطومس إلا بالاتحاد في (نطاق) البروسوبون فقط.[29] ومن الواضح على أية حال أن طومس ليو لم يُظهر فهمه للإتحاد الهيبوستاسي، وبالتالي ناقض التقليد العقائدي للكنيسة.

وارتكب مجمع خلقيدونية نفس الخطأ، لأنه من غير الممكن تبرير استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ لا في ضوء التقليد ولا في ضوء المبادئ اللاهوتية المستقرة.

ولم تكن حجج البطريرك ساويروس التي ساقها ضد مجمع خلقيدونية ـ كما ذكرنا قبلاً ـ هي نتيجة تمسكه بهرطقة ’المنوفيزايت‘ (أو هرطقة الطبيعة الوحيدة)، ولكن أي واحد في القرنين الخامس والسادس من الذين تربوا على التقليد السكندري ـ وغير منساق في الدفاع عن مجمع خلقيدونية ـ كان يستطيع أن يتبنى بسهولة نفس وجهة النظر التي تمسك بها البطريرك ساويروس.

(هـ) القادة غير الخلقيدونيين الآخرين:

وبعد عصر البطريرك ساويروس وحدوث الانقسام الدائم بين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، صدرت سلسلة من الوثائق من جانب غير الخلقيدونيين.[30] ونجد أنه في جميع تلك الوثائق، حينما كانت تأتي الإشارة إلى مجمع خلقيدونية، كان أحد أسباب رفض المجمع التي يذكرها الشخص أو المجموعة أن المجمع تعدى تقليد الكنيسة الثابت. وكان الدليل الذي يُذكر على ذلك هو تبني عبارة ’في طبيعتين‘ وطومس ليو الذي أعلنه المجمع كوثيقة للإيمان.

(و) بعض الملاحظات الختامية:

إن الفحص الدقيق للشروح اللاهوتية وتصريحات الإيمان التي أصدرها القادة غير الخلقيدونيين منذ وقت مجمع خلقيدونية، يُظهر بوضوح الحقائق التالية:

  • لا يمكن لأي ناقد أن يشير إلى فقرة واحدة في الإنتاج الضخم لغير الخلقيدونيين، ويثبت من خلالها أنه في وقت ما كان هناك واحد من القادة ـ الذين يعتبرهم التقليد غير الخلقيدوني لاهوتيين وآباء للكنيسة ـ قد انتقد مجمع خلقيدونية بسبب تأكيد المجمع على كمال وحقيقة ناسوت المسيح.

     

  • لقد عارض القادة غير الخلقيدونيين عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ بسبب خوفهم الصادق من كونها عبارة غير كافية لتأكيد وحدة المسيح.
  • لم يزد اعتراض غير الخلقيدونيين عن مجرد طلب تعديل في الصياغة العقائدية التي تبناها مجمع خلقيدونية. ولكن لا القوى التي سيطرت على المجمع، ولا القيادة الخلقيدونية بعد ذلك، أظهرت من طول الأناة ما يسمح بالاستماع لما تعين على غير الخلقيدونيين أن يقولوه ثم اقتراح طريقة لعلاج انقسام الكنيسة.

     

  • وأمام النقد الذي واجهه الخلقيدونيون من معارضيهم، شرعوا في إعطاء تفسير لعبارة’في طبيعتين‘، وأوضحوا أن تلك العبارة إنما تؤكد: الاستمرار الديناميكي للطبيعتين ـ مع كمال وحقيقة وسلامة خواصهما وملكاتهما ـ في المسيح الواحد بغير اختلاط. وحيث إن هذا التفسير كان هو نفس الموقف الذي طالما أكده الجانب غير الخلقيدوني، فلم يرى القادة غير الخلقيدونيين أي داعٍ لعبارة ’في طبيعتين‘ التي وضعها المجمع.

3. الاعتراضات الأخرى على المجمع:

أما الأسباب الأخرى التي أشار إليها الجانب غير الخلقيدوني في رفضه لمجمع خلقيدونية، فكانت تؤخذ في الأغلب كدليل إضافي يؤيد حجتهم في أن المجمع كان مخطئاً بالفعل ومتسرعاً في قراراته. وكانت هذه الأسباب تدور حول:

– قبول المجمع لطومس ليو

– صياغة المجمع لتعريف (جديد) للإيمان

– تبرئة المجمع لثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس

وقد قام الجانب الخلقيدوني بالتسليم ضمنياً بقناعته بكل تلك الاعتراضات، فعلى سبيل المثال أدى التفسير الذي قدَّمه الجانب الخلقيدوني لعبارة ’في طبيعتين‘، إلى توضيح المعنى الذي يجب أن يؤخذ عليه طومس ليو. كما أظهرت حقيقة كون الجانب الخلقيدوني لم يحاول على الإطلاق استبدال قانون إيمان نيقية بصيغة مجمع خلقيدونية، أن خوف الجانب غير الخلقيدوني في هذا الشأن لا ينبغي أن يدوم.

هذا بالإضافة إلى أن قرار مجمع عام 553م بخصوص ’الثلاثة فصول‘، كان إقراراً واضحاً بأن مجمع عام 451م قد ارتكب خطأ في قضية ثيؤدوريت وإيباس. ولو كان الجانب الخلقيدوني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، مستعدون فقط للاعتراف صراحة بأن مجمع خلقيدونية يحتاج إلى مراجعة، لكان من الممكن لتاريخ الكنيسة في الشرق أن يكون مختلفاً.

[1]  Contra Grammaticum, op. cit., III, p. 12.

[2]  يشير البطريرك ساويروس إلى التعبيرات غير المحددة التي استخدمها الآباء أمثال ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزي وحتى ق. كيرلس قبل إندلاع الجدل النسطوري. انظر:

(Severi Antiocheni Orationes ad Nephalium, C. S. C. O. Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, Syriac, pp. 3f and Contra Grammaticum, op. cit., III, pp. 1f).

[3]  هذه النقطة يكررها البطريرك ساويروس بإستمرار في كل كتاباته تقريباً التي تتعرض لهذا الموضوع.

[4]  يرى الباحثون المعاصرون أن الفقرات التى اقتبسها البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين هي من مصادر أبولينارية ملفقة. وهذا الأمر لم نتجاهله هنا، ويمكن الرجوع إلى تعليقاتنا عليه في صفحة 350 وما يليها.

[5]  Philalethes, op. cit., p. 137.

[6]  Ad Nephalium, op. cit., p. 83.

*  انظر نفس هذا المفهوم عند ق. كيرلس في الحاشية صفحة 507.

[7]  للرجوع إلى مناقشة حول الكتاب الخلقيدوني وكتاب ساويروس ’محب الحق‘، انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 284f, with the notes).

[8] النسخة السريانية لكتاب ’محب الحق‘ (Philalethes) التي نُشرت في (C. S. C. O.) غير كاملة، حيث إنها تفتقد لأجزاء عديدة منه.

[9] وهذا يُظهر أنه كان يتم الدفاع عن مجمع خلقيدونية من خلال تحريف موقف منتقديه.

[10] Philalethes, op. cit., p. 187.

[11]  لقد كرر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً، ففي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، وبعد شرحه لعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، كتب البطريرك ساويروس: “وهذا يدل على الوحدة غير المنقسمة، لأن الجسد استمر على ما هو عليه بدون أن يتحول إلى طبيعة الكلمة؛ ولا تغيرت طبيعة الكلمة إلى الجسد، ولكن التجسد حدث حقاً بدون أي تغيير أو خيالية”. (المرجع السابق صفحة 133).

وفي كتابه ’ضد النحوي‘ حينما كان يناقش معنى مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، وبعد إشارته إلى تشبيه ’الجسد – الروح‘، كتب البطريرك ساويروس: “وبنفس الأسلوب، من اللاهوت والناسوت، أي من الجسد البشري المحيَّ بنفس عاقلة، وكل (منهما) بكماله وحسب أصل مبدأه، فإن عمانوئيل هو ’بروسوبون‘ واحد من خلال الوجود المتزامن لكليهما في الإتحاد بدون تغيير أو اختلاط”. (مرجع سابق، 1: صفحة 77).

[12]  ينبغي أن نتذكر أن جهود المؤيدين لخلقيدونية في القرن السادس من أجل الدفاع عن مجمع عام 451م، كانت ترتكز على الإدعاء بأن مجمع خلقيدونية قد تبنى نفس تعليم ق. كيرلس الذي كان قد استبق المجمع بهذا التعليم.

[13]  لقد شكا البطريرك ساويروس “أن مؤلف الكتاب قد شوّه بمكر كلمات ق. كيرلس، حيث قام في بعض المواقف بإضافة أشياء وفي البعض الآخر بحذف أشياء أخرى”. انظر:

(Philalethes, op. cit., p. 129)

[14] ناقش البطريرك ساويروس مسألة إعادة الوحدة عام 433م بالتفصيل في كتابيه ’محب الحق‘ و’ضد النحوي‘، وأشار إلى رسائل البابا كيرلس إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية. انظر:

(Philalethes, pp. 197f, and Contra Grammaticum, II, pp. 10f) 

[15]  للرجوع إلى هذا الموضوع انظر صفحة 36 وما يليها. وقد اقتبس البطريرك ساويروس الفقرة محل التساؤل في كتاب ’محب الحق‘ صفحة 201 وفي كتاب ’ضد النحوي‘ 2: صفحة 33.

[16] Philalethes, op. cit., pp. 200-201.

[17]  كتب البطريرك ساويروس: “إن عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تعني بالنسبة للمتمسكين بها أن الإنسان قد تكوَّن بنفسه أولاً في الرحم، ثم سكنه الكلمة فيما بعد. وهم يصفون هذه السكنى  بكلمة ’الاتحاد‘، وطبقا لهذا هم ينسبون طبيعتين لعمانوئيل، ويستخدمون عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” للتعبير عن ذلك”. انظر: (Philalethes, op. cit., p. 138).

[18]  ولم تكن نظرة البطريرك ساويروس للموقف الأنطاكي ـ كما سنرى ـ نظرة خاطئة.

[19] Philalethes, p. 140 and Contra Grammaticum, I, p. 182.

*   يشير ديودور في هذه العبارة إلى (عب 7: 7 – 10)، حيث قيل أن لاوي قبل ولادته كان له نفس وضعه الذي ناله فيما بعد، لأنه أُعتبر أنه كان في صلب أبيه إبراهيم حتى قبل الولادة.

[20] Philalethes, p. 140.

[21] Contra Grammaticum, I, pp. 134-135.

[22] Philalethes, pp. 140-141.

[23]  المرجع السابق صفحة 148-149.

[24]  يؤكد البطريرك ساويروس أنه إذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الذي ورد في تعريف الإيمان الخلقيدوني بمعنى ’بروسوبون واحد‘، فلن يكون هناك عندئذ أي شيء يمكن أن يرفضه نسطوريوس.

[25] Contra Grammaticum, I, pp. 118f.

اقتبس البطريرك ساويروس قول نسطوريوس: “أنا أجسد الكنيسة، وأتحدث عن نفس الشيء لكل واحد. أنا، المسيح، إله كامل وإنسان كامل، ليس كطبيعتين مختلطتين الواحدة مع الأخرى، ولكن كطبيعتين متحدتين”. (ص 119).

[26] هذا التأكيد كان البطريرك ساويروس قد شدد عليه في أماكن عديدة. انظر على سبيل المثال: (Contra Grammaticum, I, pp. 178f)

[27]  للإطلاع على إشارة البطريرك ساويروس للخطاب انظر: (Philalethes, pp. 177-78).

[28]  يشير سيلرز إلى خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)، في كتابه:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 213, n. 2).

وقد علق بأن ثيؤدوريت حاول أن يقنع يوحنا بأن مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخلقيدوني لم يعني ’جوهر واحد‘ (one substantia)، ولكن سيلرز مع ذلك لم يبين ماذا كان يعني هذا المصطلح عند أسقف قورش. ويرى شارلز موللر أن محاولة ثيؤدوريت لجعل معنى ’هيبوستاسيس‘ يتوازى مع معنى ’بروسوبون‘ هي مساهمة لاهوتية منه. انظر: (Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., I, p. 658)

[29] Contra Grammaticum, I, p. 294.

[30]  عدد كبير من هذه الوثائق تضمنته أعمال ’زكريا الخطيب‘، و’يوحنا أسقف أفسس‘، و’ميخائيل السرياني‘. وقد ذكرنا العديد منها في دراستنا الحالية.

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

الجزء الثاني: الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

إن الحقيقة التي لا تقبل الشك هي أن مجمع خلقيدونية كان قد فُرض على المجتمعات المسيحية الرافضة في الشرق بشكل جعل لمعارضي المجمع ما يكفي من الأسباب لكي يشعروا بعدم الرضا التام تجاهه، ولكن الاعتراض الفعلي على المجمع ـ كما ذكر المعارضون له ـ لم يكن نتيجة ذلك فحسب، ولكنه كان في الحقيقة بسبب عوائق لاهوتية.

ومن الضروري في فحصنا لوجهة نظر المعارضين للمجمع، أن نبحث بالفعل إذا كانوا قد قاموا في أي وقت بانتقاد المجمع من منطلق هرطقة المونوفيزايت أي ’هرطقة الطبيعة الوحيدة‘. ولهذا الأمر أهمية قصوى في ضوء حقيقة أنه حتى العلماء الذين أقروا بأرثوذكسية الفكر اللاهوتي للمعارضين للمجمع، قد أُقنعوا (رغم ما أقروا به) باعتبار المعارضين للمجمع مونوفيزايت (Monophysite).[1]

ومن هنا يتعين علينا أن نطرح السؤال التالي: هل في أي وقت ما، قام أي واحد من المعارضين لمجمع خلقيدونية ـ من الذين اعترف بهم التقليد الكنسي غير الخلقيدوني كلاهوتيين وآباء للكنيسة[2] ـ بإظهار أدني ميل نحو الموقف الذي يتجاهل حقيقة أو كمال بشرية المسيح أو سمتها الديناميكية، أو أي مَلَكَة أو خاصية لناسوته؟.

وعلى نفس القدر من الأهمية يأتي السؤال التالي: ما هو بالضبط الخلل أو النقص اللاهوتي الذي رآه المعارضون، في الموقف العقائدي الذي تبناه مجمع خلقيدونية؟ وهل كان اعتراضهم هذا بغير أساسٍ تماماً؟

ومن الجدير بالذكر أن القادة غير الخلقيدونيين كانوا قد أثاروا بالإجمال خمسة اعتراضات على مجمع خلقيدونية، وكان الاعتراض المركزي فيها هو تقنين المجمع لعبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ من خلال استخدامه لتعبير “يُعتَرف به في طبيعتين” داخل الصيغة العقائدية للمجمع.

 

2. تعبير ’طبيعتين بعد الإتحاد‘:

لقد كان هناك اعتراض دائم من جميع قادة الحركة غير الخلقيدونية على القول بأن المسيح هو ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وأصروا كلهم على أن نسطوريوس نفسه أُدين في مجمع أفسس عام 431م  بسبب هذا الادعاء ذاته. وستتضح لنا هذه النقطة عندما نستعرض باختصار بعضاً من كتابات أولئك القادة:

 

(أ) البابا تيموثاؤس إيلوروس:

قام البابا تيموثاؤس إيلوروس، خليفة البابا ديسقوروس، بإرسال خطاب إلى الإمبراطور ليو يذكر فيه اعتراضاته على مجمع خلقيدونية وطومس ليو.[3] وبالنسبة للطومس، دفع البابا تيموثاؤس بأن الأفكار التي تضمَّنها الطومس تشبه إلى حد بعيد التعاليم المدانة لنسطوريوس، لأنه مزَّق وقسَّم التجسد “إلى طبيعتين، وشخصين، وخواصين، واسمين، وفعلين، ونسب كلمات الأسفار المقدسة إلى اثنين”.

ولم يكن هذا هو التقليد الذي حفظه الآباء الثلاثمائة والثمانية عشر في قانون الإيمان، ولكن آباء نيقية أكدوا ـ على العكس من ذلك ـ أن ابن الله الوحيد ” الذي له ذات الطبيعة الواحدة مع أبيه، نزل (من السماء) وتجسد وتأنس؛ وأنه تألم وقام ثانية وصعد إلى السموات؛ وأنه سيأتي ليدين الأحياء والأموات”.

وأكد البابا تيموثاؤس أن آباء نيقية لم يذكروا في صيغة الإيمان “طبيعتين أو شخصين أو فعلين؛ ولا قاموا بأي تقسيم. بل اعترفوا أنه في التجسد كانت كلا الأشياء الإلهية والبشرية هي لـ (المسيح) الواحد”. وبالنسبة لمجمع خلقيدونية أيضاً، أخبر البابا تيموثاؤس الإمبراطور في خطابه بأنه لن يقبل هذا المجمع لأنه يجد أن قراراته تنطوي على وجود تقسيم وفصل في تدبير تجسد ربنا.

وفي تقييمنا للنقد الذي قدَّمه البابا تيموثاؤس، يمكننا أن نتفق مع العلماء الخلقيدونيين على أن الجانب الخلقيدوني لم يأخذ لا طومس ليو ولا تعريف الإيمان الخاص بالمجمع بنفس المعنى الذي كان يراه فيهما البابا تيموثاؤس.

ولكن بعيداً عن هذا الأمر، كل ما يعنينا هنا هو ملاحظة أن البابا تيموثاؤس لم يكن يعترض على مجمع عام 451م بسبب تأكيد المجمع على كمال بشرية المسيح، ولكن كانت وجهة نظره أن عبارة ’في طبيعتين‘ التي أخذها المجمع من طومس ليو لا تستطيع أن تعبِّر عن وحدة المسيح بأي شكل حقيقي.

وكان هذا هو نفس المفهوم الذي شدَّد عليه البابا تيموثاؤس في تفنيده لمجمع خلقيدونية، حيث أكَّد ـ كما ذكر سيلرز[4] ـ  أن عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ التي تبناها المجمع، كانت هي ذات تعليم نسطوريوس، الذي بسبب تمسكه بذلك التعليم أُدين في مجمع أفسس عام 431م. وعلى الرغم من أن سيلرز تغاضى عن هذه الحجة كما لو كانت بلا سند، إلا أننا ينبغي أن نوليها عناية أكبر ونرى إذا كانت غير مقنعة (كما يرى سيلرز) أم أن لها بالفعل ما يؤيدها.

ومن أجل ذلك يتعين علينا أن نسترجع الحجج التي جاءت في رسالة البابا كيرلس الثانية إلى نسطوريوس، ومن أهم النقاط التي جاءت في تلك الوثيقة أن ’الاتحاد البروسوبي‘ الأنطاكي ليس كافياً ولا مرضياً، وهذه النقطة بلا شك تتضمَّن رفضاً لمفهوم ’طبيعتين بعد الإتحاد‘. ومن الجدير بالذكر أن رسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس كان قد أُعلن عن قبولها رسمياً (في الكنيسة) حتى من قبل الجانب الأنطاكي نفسه. ومن هنا يتضح أنه في السياق التاريخي لمجمع خلقيدونية، لا يقدر أحد أن يعترف رسمياً بـ ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ ويظل يزعم تواصله مع تقليد الكنيسة الراسخ.

 

(ب) مار فيلوكسينوس أسقف منبج:

كان مار فيلوكسينوس أسقف منبج (Mabbogh) الذي رقد في عام 523م، قد أخذ نفس الفكرة التي شدد عليها البابا تيموثاؤس إيلوروس وطورها، فقد نظر إلى ’الطبيعة‘ على أنها كيان ذاتي مستقل،[5] وبالتالي فإذا اعترفنا أن المسيح هو ’طبيعتين‘، من الممكن أن يعني أنه كيانان واقعيان اتحدا في نطاق (أو على مستوى) ’البروسوبون‘، وهذا هو فكر نسطوري بحت.

وكانت المدرسة النسطورية تؤمن أن الله الابن صار متحداً مع طبيعة أخرى،[6] ووفقاً لذلك يرفض رجال التقليد الأنطاكي إطلاق لقب والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ على العذراء مريم، ويتكلمون عن ’طبيعتين بعد الاتحاد‘. وقد عارض مار فيلوكسينوس وجهة النظر هذه مؤكداً أن الكنيسة تعترف أن ابن الله ـ الذي هو إله كامل له ذات الجوهر الواحد مع الله الآب ـ صار إنساناً من الأم العذراء حسب التدبير الذي اتخذه من أجل خلاص الجنس البشري.

وحيث إن الناسوت لم يتكون في الرحم مستقلاً (بعيداً) عن الاتحاد مع الله الابن، فهو ليس طبيعة موازية للطبيعة الإلهية، ولهذا فإن مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘. وعندما صار الله الابن إنساناً بهذه الطريقة، فقد ظل كما هو قبل وبعد التجسد.[7] وقد صار إنساناً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء بدون أن يتحول أي من اللاهوت أو الناسوت أحدهما إلى الآخر.[8]

كما أكد مار فيلوكسينوس أنه لو كان المسيح طبيعتين، لما كان هو الله الابن المتجسد، ولكن فقط الله الابن الساكن في إنسان.[9] وكان التجسد يعني بالنسبة لمار فيلوكسينوس أن نفس الشخص هو إله وإنسان في آنٍ واحد.[10] وهذا الذي هو إله وإنسان في آنٍ واحد ليس هو شخصين أو طبيعتين، لأن العلاقة بين اللاهوت والناسوت في المسيح لا تشبه علاقة الصداقة التي تربط بين رجلين معاً. والتجسد في الحقيقة فريد للغاية حتى أنه لا يوجد أي مثال يمكننا أن نقدِّمه لكي يشرح التجسد إلاّ مثال علاقة الجسد بالروح في الإنسان.

وبتحديد أكثر، كان مار فيلوكسينوس ـ مثل البطريرك ساويروس الأنطاكي ـ يرى أن تعبير ’في طبيعتين‘ يحمل ضمنياً فكرة أن كائن بشري واقعي (مستقل) قد تكوَّن بذاته أولاً في رحم العذراء، ثم اتخذه الله الابن لنفسه فيما بعد، وحيث إن هذا المفهوم لا يؤكد حقيقة التجسد،فقد رفضه مار فيلوكسينوس تماماً باعتباره ضد تعليم الآباء.

وفي إنكاره لهذا الفكر أوضح أسقف منبج أنه لا يعترض على تأكيد كمال وحقيقة ناسوت المسيح، بل أكد في الحقيقة بتعبيرات جلية ـ كما سنرى ـ على الطابع الحقيقي للناسوت، وعلى الخزي والألم والموت الذي تحمله المسيح. وهكذا لم يكن اعتراض مار فيلوكسينوس على عبارة ’في طبيعتين‘ هو بسبب عدم رغبته في تأكيد حقيقة الناسوت، كما لم يكن رفضه لقبول مجمع خلقيدونية ناتج عن تمسكه بهرطقة ’الطبيعة الوحيدة (مونوفيزيتيزم)‘.[11]

وحينما أكد مار فيلوكسينوس أن الكلمة صار جسداً بدون أي تغيير وأنه ظل كما هو قبل وبعد التجسد، ميَّز أسقف منبج ـ كما فعل البطريرك ساويروس الأنطاكي أيضاً ـ بين الكلمة قبل والكلمة في التجسد، فقد أقر مار فيلوكسينوس أن الكلمة قبل التجسد كان بغير جسد، بسيط، غير مرئي، وفوق كل إدراك حسي؛ ولكنه في التجسد صار ملموساً ومركباً ومتحداً بجسد،[12] وكان الجسد عند مار فيلوكسينوس يعني ’إنساناً كاملاً‘.[13]

ويأسف أندريه[14] (Andre de Halleux) لأن مار فيلوكسينوس رفض الإقرار بوجود بعض الأمور المشتركة بين موقفه اللاهوتي وبين مجمع خلقيدونية. ورغم أننا نتفق مع هذا الرأي إلاّ أنه ينبغي علينا أن نشير إلى أن رفض محاولة فهم موقف الجانب الآخر كان أمراً متبادلاً من كلا الطرفين.

ونستطيع في الواقع أن نجد اتفاق حقيقي بين مار فيلوكسينوس وحتى البابا ليو بالنسبة لشرح علاقة التجسد بالأسرار، لأن كل منهما يقر بأن حقيقة ناسوت المسيح هي أمر أساسي ولا غنى عنه لأجل خلاصنا، ولكن الأمر الذي يفترقان فيه يتصل فقط بوحدة المسيح، فأسقف منبج لم يكن مقتنعاً أن الصورة التي عبَّر بها البابا ليو عن وحدة المسيح كانت كافية أو مرضية، أو أنها تتطابق مع التقليد الذي قدَّمه الآباء في مواجهة النسطورية.

وبالتالي لم تكن مشكلة خلقيدونية تكمن في أن معارضي المجمع رفضوا الاعتراف بوجود اتفاق أساسي بين موقفهم اللاهوتي وبين موقف المجمع، ولكن المشكلة تمثلت في أن كل جانب من الجانبين لم يكن يرغب في الاستماع للآخر بصبر، ويقر بوجود اتفاق فيما بينهما في بعض الأمور. وينبغي علينا في هذا الصدد أن نوضح أن الجانب الخلقيدوني، باعتباره الجانب الأقوى والمسانَد حكومياً، كان هو الذي يتحتم عليه أن يُظهر قدراً أكبر من رحابة الصدر تجاه معارضيه الذين لديهم صعوبات حقيقية مع وجهة نظر المجمع.

 

(ج) قادة الحركة غير الخلقيدونية في عام 531م:

كان الإمبراطور جوستينيان ـ كما ذكرنا فيما قبل[15] ـ قد عقد سلسلة من المشاورات مع رجال من الجانب غير الخلقيدوني بين عامي 531م و 532م. وعند وصول هؤلاء الرجال إلى القسطنطينية قدَّموا إلى الإمبراطور اعترافاً للإيمان[16] احتوى بالفعل على نفس النقاط التي ذكرها البابا تيموثاؤس إيلوروس ومار فيلوكسينوس في كتاباتهما.

وقد جاء في ذلك الاعتراف أن إصرار مجمع خلقيدونية ـ معتمداً على مرجعية طومس ليو ـ بأن المسيح يُعترف به ’في طبيعتين‘ إنما يُشكِّل انتهاكاً للإيمان النيقاوي في كونه لم يحافظ على تأكيد وحدة المسيح،  فآباء مجمع نيقية اعترفوا أن الله الابن صار متجسداً، مما يعني أن ذاك الذي كان منذ الأزل ’بسيطاً‘ قد أصبح ’مركباً‘ حيث وحَّد بذاته جسداً ممنوحاً روحاً عاقلة.

ولا تعتبر عبارة مجمع خلقيدونية ’في طبيعتين‘ أنها كافية للإقرار بهذا الفهم عن يسوع المسيح، ومن هنا يكون مجمع خلقيدونية قد تعدى على إيمان الكنيسة.

ومن الجدير بالذكر أن السبب الذي عبَّر عنه هؤلاء الرجال بوضوح في انتقادهم لمجمع خلقيدونية، لم يكن هو أن لديهم شكوك حول ما أكده المجمع عن حقيقة وكمال ناسوت المسيح، ولكن السبب هو أن هؤلاء القادة لم يكونوا مقتنعين أن المجمع قد أكد على وحدة ربنا بصورة مرضية وكافية. وبعبارة أخرى لم تكن هرطقة ’الطبيعة الوحيدة (المونوفيزيتيزم)‘ هي أساسهم في معارضتهم لمجمع خلقيدونية.

 

[1]   ويذكر أندريه (Andre de Halleux) في دراسته عن مار فيلوكسنوس الأسباب التي جعلته يقول عن مار فيلوكسينوس أنه مونوفيزايت (أي من أصحاب الطبيعة الوحيدة). للرجوع إلى تعليقاتنا على هذه النظرة، انظر صفحة 559 وما يليها.

[2]   ينبغي التأكيد على هذه النقطة في مواجهة ميل الكتاب الموالين لخلقيدونية ـ على الأقل منذ عهد يوحنا الدمشقي ـ لأن يضموا معاً كل الذين رفضوا مجمع خلقيدونية بإعتبارهم متمسكين بهرطقة ’الطبيعة الوحيدة‘ بدرجات متفاوتة.

[3] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., I, pp. 175-178)

[4] The Council of Chalcedon, op. cit., p. 262.

[5]   على خلاف البطريرك ساويروس لم يقدِّم مار فيلوكسينوس تعريفاً للمصطلحات التي استخدمها. وقد أكد مع ذلك على أن الله الابن صار إنساناً حقيقياً وكاملاً، ولكنه لم يتخذ طبيعة أخرى أو شخصاً آخر. انظر:

(Philoxeni Mabbugensis, Tractatus Tres De Trinitate Et Incarnatione, C. S. C. O. vol. 9, ed. A. Vaschalde, 1961, pp. 181 – 182)

وقد أخذ أندريه هذه العبارة كدليل على تمسك مار فيلوكسينوس بهرطقة الطبيعة الوحيدة، ولكن الحقيقة كما رأينا هي أن مصطلح ’طبيعة‘ عند مار فيلوكسينوس كان يعني كائن محدد.

[6]   كان واحد من إعتراضات مار فيلوكسينوس المتكررة على الهرطقة النسطورية هو أنها تتمسك بأن الناسوت قد تكون بذاته (مستقلاً) في رحم العذراء، ثم اتخذه الله الابن بعد ذلك. وهنا يرى مار فيلوكسينوس أن هذا التعليم يتضمن وجود طبيعتين وشخصين هما الله الابن والإنسان يسوع.

[7]   يقول مار فيلوكسينوس: “إن الكلمة ظل هو نفسه سواء قبل أو بعد التجسد”. انظر (مرجع سابق، صفحة 44-45).

[8]   يؤكد مار فيلوكسينوس: “نحن نؤمن أن الكلمة صار جسداً، وأن الكلمة لم يتحول إلى جسد، ولا تحول الجسد إلى الكلمة”. انظر (المرجع السابق، صفحة 46).

[9]   يقول مار فيلوكسينوس: “ولم يكن الأمر أن الكلمة سكن في إنسان ـ كما يثرثرون ـ ولكنه يسكن فينا نحن البشر بمعنى (أنه أخذ) طبيعتنا (البشرية) المشتركة وليس إنساناً واحداً محدداً. وسكنى الله في الأفراد كانت تحدث على الدوام كما في حالة في الأنبياء والقديسين”. (المرجع السابق، صفحة 168). ويبدو أنه إعتماداً على هذه الفقرة وما يشابهها، رأى أندريه أن مار فيلوكسينوس لم يكن يفهم أن ناسوت المسيح هو (كيان) محدد. (انظر مرجع سابق صفحة 375 وصفحة 420).

ولكن هذه النظرة لم تكن في الحقيقة نظرة سليمة، لأن مار فيلوكسينوس لم يكن يرفض الوجود المتفرد (المحدد) لناسوت المسيح، ولكنه كان فقط يرفض فكرة أن الناسوت قد تكوَّن كشخص محدد بعيداً (أو مستقلاً) عن التجسد. وكان هذا الموقف يؤكده كلا الجانبان الخلقيدوني وغير الخلقيدوني في الشرق.

[10] يؤكد مار فيلوكسينوس أن: “الذي هو واحد مع الآب في الجوهر، قد صار هو نفسه واحداً معنا في الجوهر من خلال التجسد”. (Tractatus….,op. cit., p. 131). وهكذا فإن يسوع المسيح هو الله وإنسان في آن واحد.

[11] يقول مار فيلوكسينوس: “فإن لم يكن قد صار إنساناً قبل أي شيء، فما كانت هناك إمكانية له لأن يموت، لأن الله روح ولا يجتاز الموت”. (Tractatus…. Ibid., p. 98). وعلينا أن نتذكر هنا أن القضاء على الموت بالنسبة لمار فيلوكسينوس كان هو الهدف المحوري للتجسد. ولهذا فإذا لم يكن الناسوت حقيقياً وديناميكياً فما كان من الممكن ليسوع المسيح أن يكمل رسالة حياته الأرضية. والواقع أن هذا المفهوم لا يمكن أن يصدر من شخص يؤمن بهرطقة ’الطبيعة الوحيدة‘.

[12] Philoxenos, Tractatus…. Op. cit., p. 52.

[13] يقول مار فيلوكسينوس: “لأنه مكتوب، أن الكلمة صار جسداً، والذي يعني إنساناً كاملاً” (المرجع السابق صفحة 39). فإذا كان تعبير جريلماير عن ’خريستولوجي (الكلمة – جسد)‘ يهدف إلى تجاهل هذا المفهوم (الذي ذكره مار فيلوكسينوس)، فإن نظريته ستكون بالتأكيد موضع شك.

[14] Andre de Halleux, op. cit., p. 514.

[15] انظر صفحة 257 وما يليها.

[16] للإطلاع على ملخص للاعتراف الذي قدَّمه هؤلاء الرجال إلى الإمبراطور انظر:

(Zacharia, op. cit., II, pp. 115-123)

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على 

 

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

بمجرد أن انتهى الإمبراطور هراقليوس من توطيد أموره في القسطنطينية، قام بتوجيه اهتمامه إلى استعادة الأراضي المحتلة التي فقدتها الإمبراطورية نتيجة غزوات الفرس. ويسجِّل المؤرخ ميخائيل السرياني أن هراقليوس حاول في البداية أن يسترجع تلك الأراضي بطريقة ودية حيث أرسل خطاباً إلى كسرى الثاني إمبراطور فارس يخبره فيه أن الرجل الذي أهلك الإمبراطور موريس وعائلته قد قُتل، وبالتالي يمكن أن يكون هناك سلام بين الدولتين.[1]

ولم يأتِ هذا الخطاب بأية نتيجة مع كسرى الثاني، فاضطر هراقليوس أن يدخل في حرب مع الفرس، وكان الانتصار حليف الفرس في كل المعارك التي دارت بين عام 611م وعام 620م حيث أصبحت مصر وكل الشرق تحت سيطرتهم. وكتب فاسيليف عن ذلك قائلاً: “إن السهولة التي احتل بها الفرس سوريا وفلسطين يمكن تفسيرها جزئياً من خلال الظروف الدينية لتلك المناطق، فمعظم السكان ـ وبالأخص في سوريا ـ كانوا من غير المؤيدين للإيمان الأرثوذوكسي الرسمي للحكومة.

كما أن النساطرة وأصحاب الطبيعة الوحيدة (Monophysites) الذين يقطنون تلك المناطق كانوا يعانون من الاضطهاد العنيف من الدولة البيزنطية، ولهذا كان من الطبيعي أن يفضِّل أولئك السكان سيادة الفرس عبدة النار عليهم، لأن النساطرة كانوا يتمتعون في بلاد الفرس بحرية دينية نسبية”.[2] وقد أيد المؤرخون السريان وجهة نظر فاسيليف الذي أضاف مؤكداً أنه لا يمكننا أيضاً إهمال الجزء الخاص بالدور الذي لعبه الكيان الخلقيدوني في تحريض الأباطرة على الاضطهاد.

 

2. انتصارات هراقليوس:

لم يستطع هراقليوس تحقيق أي شيء يُذكر في التسع سنوات الأولى من حكمه، بل تمكن الفرس من التوسع في الأراضي التي اغتصبوها دون أية إعاقة. ففي عام 613م احتلوا (Cilicia)، كما نهبوا فلسطين في العام الذي يليه وسجنوا البطريرك زخارياس وأخذوا الصليب المقدس إلى عاصمتهم المداين (Ctesiphon). وفي عام 615م وصل الفرس إلى مدينة خلقيدونية وضاعت شبه الجزيرة اليونانية في أيدي السلافيين (Slaves). وبدأ الفرس غزوهم لمصر عام 617م وسقطت الإسكندرية على الفور في أيديهم.

وأمام هذه الكوارث أعلن هراقليوس خطته للانسحاب إلى قرطاج (Carthage) في شمال أفريقيا، ولكن الشعب لم يدعه يقوم بهذا ونجح البطريرك سرجيوس (Sergius) في أن يجعل الإمبراطور يغير رأيه وقدمت له الكنيسة كل الدعم مع الرجال والأموال. ووسط هذا التأييد قام هراقليوس ببناء جيش وأسطول جديد، وفي ليل الخميس 7 أغسطس عام 626م هُزم الأسطول السلافي شر هزيمة.

وحقق هراقليوس أيضاً في الشرق سلسلة من الانتصارات الرائعة على الفرس بلغت ذروتها في المعركة الحاسمة التي جرت قرب نينوى (Nineveh) عام 627م، وقتل هراقليوس بيده فيها ثلاثة من قواد الفرس، كما قُتل رئيس الجيش الفارسي رازاتاس (Razatas). ومات كسرى الثاني على يد ابنه، وتم التوصل إلى سلام بين الدولتين في عام 628م، كما أُعيدت خشبة الصليب المقدسة إلى أورشليم.

وهكذا نجح هراقليوس في أن يعيد للإمبراطورية الرومانية مجدها السابق، وقد صارت في الحقيقة منذ ذلك الوقت ’الإمبراطورية البيزنطية‘. واتخذت تلك الإمبراطورية سمتها المميزة التي تتكون من ملمحين أساسيين ساهما معاً في توحيدها وهما بالتحديد التمسك بالتوجه الخلقيدوني واللغة اليونانية.

ولم تأخذ الإمبراطورية في حسابها حقيقة أن المسيحيين الأقباط والسريان الذين لن يقبلوا هذين الأمرين يستحقون معاملة عادلة، ولذلك لم تلائم تلك الإمبراطورية وكنيستها التي تحت قيادة القسطنطينية إلاّ فقط الرجال والنساء الذين ولدوا ونموا في البيئة الثقافية اليونانية. وعلى هذا لم تستطع الكنيسة ـ التي حاولت الإمبراطورية توطيدها ـ أن ترى البعد الجامعي (الكاثوليكي) من منظوره الصحيح.

وبالرغم من أن هراقليوس استعاد سوريا ومصر عام 628م، إلاّ أنه اضطر للتخلي عن سوريا للعرب بعد ذلك بسنوات قليلة، كما فُقدت مصر كذلك فور موته عام 641م. ويعتقد المؤرخون السريان أن هذا كان من عمل الله رداً على “الشر الذي ارتكبه الرومانيون (أي المنتمون للإمبراطورية الرومانية)، الذين كانوا كلما أمسكوا بالسلطة، سرقوا كنائسنا وأديرتنا وحكموا علينا دون رحمة”.[3]

وكان هراقليوس قد تبنى إجراءات قاسية جداً ضد الكيان غير الخلقيدوني في الفترة التي كانت فيها مصر وسوريا وأسيا الصغرى وفلسطين تحت سلطته الإمبراطورية، ولكن هذا لم يحدث إلا بعد فشل محاولته الخاصة لتوحيد الجانبين.

 

3. جهود في سبيل إعادة الوحدة:

وكان هراقليوس بعد تلك الانتصارات في سوريا، وعندما قام بزيارة الرها رحب به رجال الكنيسة والرهبان والشعب ترحيباً حاراً وكانوا ينتمون إلى الجانب غير الخلقيدوني، فأسعد ذلك الإمبراطور جداً.[4]

وفي غضون ذلك الوقت أصدر هراقليوس خطاباً دورياً موجهاً إلى (diakrinomenoi)[5] أي ’المُفرزين‘ أو ’المُنشقين‘[6] جاء فيه: “إن الابن كلمة الله الذي مع الآب والروح القدس قبل الدهور، هو واحد من الثالوث القدوس المحيي والواحد في ذات الجوهر. ولكي يفدي الجنس البشري أراد أن يصير متجسداً من مريم ’والدة الإله‘ وأن يولد منها.

وهو إله كامل، الذي هو نفسه قد صُلب في أيام بيلاطس البنطي. وإذ هو الله الكلمة الغير قابل للتألم فإنه ظل الله وإنسان كطبيعتين اتحدتا في فعل واحد (one operation)، أي الطبيعة الواحدة لله الكلمة المتجسد كما أقر كيرلس الطوباوي. والقول بطبيعتين لا يعني الفصل بينهما”، واختُتم الخطاب بإعلان الحرم لأي واحد يتمسك “بإيمان مخالف، سواء كان ذلك مجمع نيقية أو القسطنطينية أو أفسس أو خلقيدونية”.

ويؤكد الفكر اللاهوتي لهراقليوس ـ كما يعكسه هذا الخطاب ـ أن المسيح هو إله وإنسان اتحدا في فعل واحد (one operation)، وهذا الفكر لم يكن بأي حال من الأحوال أفضل من التعليم المنسوب لنسطوريوس والذي تمت على أساسه إدانته. وثمة نقطة أخرى نلاحظها في هذا الخطاب، وهي أنه استخدم كلمة ’طبيعة‘ بمعنيين مختلفين، ففي تأكيده على الطبيعتين يشير الخطاب بأنهما الله الابن وإنسان، ولكن في الصيغة الكيرلسية (التي يذكرها) جعل الطبيعة تعني فقط ’الفعل‘.

وإذا وضعنا هذه الحقائق في الحسبان، نستطيع القول بأن هراقليوس لم يكن يريد أن يصدر صيغة وسطية يقبلها الجانبان، وإنما كان يقدم إعادة تفسير للتعليم الخريستولوجي، ولكن هذا التفسير لم يكن مع الأسف جدير بالتقدير على الإطلاق.

 

4. هراقليوس والإضطهاد:

لم يكن خطاب هراقليوس العقائدي مقبولاً لدى الكيان غير الخلقيدوني إلا عند بعض الفصائل، وقد أثار ذلك عداوة هراقليوس ضدهم فبدأ برنامجاً من الاضطهاد الوحشي جعل المسيحيين في مصر وسوريا يشعرون بالضجر الشديد.

وكان في مصر في ذلك الوقت اثنين من البطاركة واحد خلقيدوني وآخر غير خلقيدوني، وكان للبطريرك الخلقيدوني كورش (Cyrus) سلطة سياسية على البلاد بجانب سلطته الدينية، فاستخدم وضعه هذا في اضطهاد الكيان غير الخلقيدوني الذي كان تحت قيادة البطريرك أندرونيكوس (Andronicus) ـ خليفة أناستاسيوس ـ مما تسبب في كراهية الشعب الشديدة له. وهنا ينبغي علينا أن نذكر أن البابا بنيامين (Benjamin) الذي جاء بعد أندرونيكوس قد رحب بالعرب عندما قاموا بغزو مصر.

أما في سوريا فكان هراقليوس نفسه متداخلاً في الاضطهاد الدائر هناك، فبينما كان يقيم في الرها حضر إلى الكنيسة في أحد أيام الأعياد مع غير الخلقيدونيين، وتقدم ليأخذ سر الشركة، ولكن إشعياء أسقف المدينة رفض ذلك قائلاً للإمبراطور أنه ما لم يعلن تخليه عن مجمع خلقيدونية وطومس ليو فلن يستطع أن يعطيه من الأسرار. وهنا شعر هراقليوس بالإهانة وأمر في غضبه بأن يُطرد الأسقف وتؤخذ الكنيسة وتُعطى للخلقيدونيين، وبهذه الطريقة صارت كاتدرائية الرها في أيدي الجانب الخلقيدوني بتدخل من هراقليوس نفسه.

وبعد مغادرة هراقليوس لمدينة الرها ذهب إلى منبج (Mabbogh) حيث قابله هناك البطريرك أثناسيوس مع اثني عشر أسقفاً، ومكث قادة الكنيسة السريانية مع الإمبراطور اثني عشر يوماً يناقشون فيها معه موضوع الإيمان. وقدم له هؤلاء القادة ـ بناء على طلبه ـ موقفهم العقائدي مدوناً في بيان أعده البطريرك.[7]

وجاء في ذلك البيان أن قانون إيمان نيقية كما أقره مجمع القسطنطينية ومجمع أفسس هو الرمز الوحيد للإيمان، وبخصوص التجسد أكد البيان:

(1) أن كلمة الله الآب، المساوي والواحد في ذات الجوهر مع الآب والروح القدس، أخذ ـ بالحقيقة وفي الواقع ـ جسداً له روح وعقل من والدة الإله.

(2) أن الله الكلمة وحَّد مع نفسه الجسد من جهة الطبيعة والفعل.

(3) أن الجسد أخذ وجوده فقط في التقائه (واتحاده) مع الكلمة، ولذلك فهو لم يتكون قبل الاتحاد.

(4) أنه (أي الكلمة) صار إنساناً، ليس من خلال تحول أي من الطبيعتين إلى الأخرى.

(5) أن كلمة الله له ميلادان، واحد أزلي من الآب والآخر في الزمن من الأم البشرية.

(6) أن الذي كان قبل التجسد استمر كما هو في التجسد بدون إدخال أي إضافة إلى الثالوث.

(7) أنه مركب من اللاهوت والناسوت، وكل منهما كامل بحسب أصل مبدأه وكل منهما يحتفظ بخصائصه الطبيعية، ويسوع المسيح هو واحد، طبيعة واحدة، أي شخص واحد، وهو ليس منقسم إلى طبيعتين، أو شخصين، أو ابنين، أو مسيحين من بعد الاتحاد الذي يفوق الوصف.

(8) أن الانقسام من جهة والخيالية* من الجهة الأخرى مرفوضتان تماماً، حيث إن الأولى هي خطأ نسطوريوس والثانية هي هرطقة أوطيخا.

(9) أن المسيح الواحد هو في نفس الوقت، واحد في ذات الجوهر مع الله الآب والروح القدس في اللاهوت، كما أنه واحد في ذات الجوهر معنا في الناسوت.

(10) ولذلك فإن كل الأمور الإلهية وكل الأمور البشرية، الأمور السامية والأمور المتواضعة، هي كلها لنفس الشخص الواحد، الذي احتمل بالحقيقة ـ وهو بلا أدنى لوم ـ الآلام التي تخص الطبيعة البشرية بينما ظل هو بلا ألم من جهة لاهوته؛ لأننا كنا نحتاج إلى إله متجسد يجوز الموت كما قال ق. غريغوريوس النزينزي.

وقد ذكر البيان خمسة أسباب تفسر إصرارهم على رفض مجمع خلقيدونية، واختتم بقوله: إن هذه هي الأشياء “التي تزعجنا والتي تسبب انقسام الكنيسة، وعندما يتم تصحيح هذه الأمور فلن يكون هناك شيء يمنعنا من الذهاب إلى بيت الله سوياً والتمتع بالفرح الروحي. والله الذي يعرف الخفايا شاهد بأن اهتمامنا فقط هو الحفاظ على الإيمان، وبأننا لسنا منقادين بروح النزاع أو بالغرور الشخصي كما يظن بعض الناس”.

وعندما قرأ الإمبراطور هذا البيان قام بإدانته ـ كما يقول المؤرخ السرياني ـ وطلب من البطريرك والأساقفة الذين معه أن يعطوه الشركة (الإفخارستية) وأن يؤيدوا رسالته العقائدية، فرفض قادة الكنيسة السريانية الإذعان لأي من المطلبين وانتهى الأمر عند هذا الحد.

وثار غضب الإمبراطور مرة أخرى على الكيان غير الخلقيدوني، فكتب إلى كل المناطق التي تحت سيادته يأمرهم بأنه “يتحتم على كل الذين لا يقبلون مجمع خلقيدونية، أن تُقطع أنوفهم وآذانهم، وتتم مصادرة ممتلكاتهم”.[8] واستمر هذا الاضطهاد الرسمي لفترة من الزمن اضطر أثناءها كثير من الرهبان أن يؤيدوا مجمع خلقيدونية بسبب سوء المعاملة والظلم الشديد، أما الذين رفضوا الاستسلام فقد أُجبروا على الموافقة على المجمع بأساليب شتى.

ويذكر المؤرخ السرياني أن غير الخلقيدونيين أمام هذه الآلام الشديدة قاموا بإرسال استغاثاتهم إلى الإمبراطور، ولكنه لم يظهر حتى مجرد الرغبة في سماع توسلاتهم. وفي خضم هذه الأحداث بدأ الغزو العربي، فقابله أولئك المسيحيون بكل ترحاب. ومن هنا فإن اللوم في امتناع المسيحيين في مصر وسوريا عن المقاومة وبقائهم محايدين أثناء الفتح العربي لتلك الأراضي يقع على هراقليوس نفسه الذي كان قد استطاع في الماضي أن يستعيد الإمبراطورية البيزنطية.

وحينما وصل العرب إلى السلطة فعلوا أمراً واحداً أفاد الكيان الخلقيدوني جداً، حيث سمحوا لكل جانب بالاحتفاظ بمباني الكنائس والمؤسسات التي كانت في حوزته وقت الفتح العربي، وبهذه الطريقة بقيت الكنائس التي كان هراقليوس قد أخذها من غير الخلقيدونيين في حوزة الكيان الخلقيدوني.

ولكن الجانب غير الخلقيدوني ـ كما يذكر المؤرخ السرياني ـ استطاع على الأقل أن يتخلص من الاضطهاد غير الإنساني الذي مارسه ضده المسيحيون الخلقيدونيون. وهكذا أظهر عهد هراقليوس في التاريخ البيزنطي خطأ رؤية الإمبراطورة بولخريا في منتصف القرن الخامس، حيث اعتقدت أن تلك الرؤية يمكنها أن تتحقق من خلال اضطهاد المسيحيين في الشرق لأنهم وجدوا أن قوانين مجمع خلقيدونية تختلف عن فهمهم لتقليد الكنيسة العقائدي الراسخ لديهم، ولأنهم رأوا كذلك عدم ملائمة ادعاءات السيادة التي فرضها كرسي روما.

 

5. بعض الملاحظات الختامية:

ويتبادر إلى الذهن هنا سؤال هام جداً وهو: لماذا لم يقتنع المسيحيون الأقباط والسريان بقبول مجمع خلقيدونية؟. والإجابة الجاهزة لدى المؤيدين للجانب الخلقيدوني هي أن ذلك يرجع إلى أوطيخية أولئك المسيحيين والتي حاولوا تطويرها في الأزمنة اللاحقة لتبدو مشابهة للموقف الخلقيدوني. ولكن الحقيقة أن تلك الإجابة لا تجد أبداً ما يساندها في التقليد غير الخلقيدوني إلاّ في فهم جزافي وأحادي الجانب لبعض الحوادث المتفرقة.

وكانت القوى التي تسيطر على مجمع خلقيدونية قد رأت في أوطيخا بعض الأفكار (الخاطئة) وأقرت إدانته كهرطوقي، ولكن البابا ديسقوروس الذي عزلته هذه القوى ـ معتقدة أنه هو القائد الفعلي للهرطقة الأوطيخية ـ فلم تكن لديه بالفعل أية صعوبة في الإقرار بأن الموقف الذي نُسب لأوطيخا هو موقف هرطوقي واضح.

ومن هنا يتضح أن اعتراض غير الخلقيدونيين على مجمع عام 451م لم يكن من منطلق أوطيخي، وحتى لو سلمنا جدلاً بأنه قد حدث تطور في الفكر اللاهوتي غير الخلقيدوني يتناغم مع أحداث الأزمنة اللاحقة، فإن القول بأن موقفهم هذا قد نبع من الهرطقة الأوطيخية يعتبر قمة المجافاة للحقيقة. ولذلك فإن انقسام الكنيسة بسبب الجدال الخريستولوجي في القرن الخامس والقرون اللاحقة يحتاج بالفعل إلى تفسير أكثر قبولاً.

ولا يُعد هذا الأمر من وجهة نظرنا مهمة مستحيلة، فعندما سنأتي لشرح مدخلنا لهذا الموضوع سوف نشير إلى أن المسيحية كانت لها منذ البداية قاعدة إيمان تُظهر معيارها العقائدي المميَّز. وفي الجدال الخريستولوجي على سبيل المثال، كانت (جميع) التقاليد الإيمانية في الشرق تُرجع مواقفها اللاهوتية إلى إيمان نيقية حسبما أقره مجمع القسطنطينية عام 381م، أي قانون الإيمان النيقاوي في صيغته التي زيدت أثناء الربع الثالث من القرن الرابع والتي نسبها مجمع خلقيدونية لمجمع عام 381م.

ولكن هذا القانون صار يُفسر ويُفهم، على الأقل بطريقتين متباينتين في الشرق، وبدأ الصدام بين هذين الجانبين منذ موسم عيد الميلاد لعام 428م. وحاول ق. كيرلس السكندري ـ وهو يمثل أحد هذين التقليدين ـ أن يؤكد من خلال مجمع أفسس عام 431م أن الموقف السكندري هو فقط الموقف الأرثوذكسي، ولكنه مع ذلك لم يستطع النجاح بشكل كامل، لأنه على الأقل منذ الربع الأخير من القرن الرابع كان الأنطاكيون ـ وهم لا يزالون داخل الكنيسة الأرثوذكسية ـ قد كوَّنوا تقليداً (فكراً) لاهوتياً خاصاً لم يكن من الممكن تحطيمه في ’انقلاب‘ (coup d’etat) عام 431م.

وكان السكندريون كذلك قد بنوا تقليدهم اللاهوتي الذي لم يكن من الممكن أيضاً التخلص منه بالمناورات الدبلوماسية ليوحنا الأنطاكي أو بالاتفاق غير المرغوب فيه الذي تم التوصل إليه مع البابا كيرلس عام 433م.

وهكذا في سياق هذا التوتر الناشئ تم انعقاد مجمع خلقيدونية، وبدون مواجهة الأمور المختلف عليها (بين التقليدين) بشكل مباشر سعى هذا المجمع لتوطيد سيطرة تحالف روما مع السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، لكي تؤكد روما في النهاية سلطانها الشامل على الكنيسة ولكي تضع القسطنطينية نظاماً كنسياً للشرق تحت قيادة عاصمة الإمبراطورية.

ونظر كل جانب من الجانبين في الشرق إلى تقييم مجمع عام 451م بكونه محاولة من الجانب الآخر للتعدي على التقليد الخاص به، وقد تفاعل الجانبان مع المجمع بالاعتراض من جانب السكندريين وبالتجاهل من جانب الأنطاكيين. وكانت النتيجة الحتمية هي انقسام الكنيسة، واستطاع كل من الجانبين أن يزعم بأنه هو وحده المتواصل مع الكنيسة الأرثوذكسية التي كانت قبل مجمع خلقيدونية.

[1] Michael le Syrien, op. cit., p. 403.

[2] History of the Byzantine Empire, op. cit., p. 196.

[3] Michael le Syrien, op. cit., p. 410.

[4] المرجع السابق صفحة 408 وما يليها.

[5] كان هذا هو الاسم الذي يشير به الكيان الخلقيدوني إلى غير الخلقيدونيين.

[6] للإطلاع على الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 403 وما يليها).

[7] للإطلاع على البيان انظر (ميخائيل السرياني: مرجع سابق صفحة 405 وما يليها).

* يُعنى بالخيالية أن المسيح لم يكن له جسد واقعي حقيقي، بل مجرد جسد وهمي أو خيالي

[8] المرجع السابق صفحة 410.

عهد الإمبراطور هراقليوس وتأثيره على مجمع خلقيدونية

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول:عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج1

2. فترة حكم الإمبراطور موريس:

عندما مات تيبريوس في 13 أغسطس عام 582م، جلس مكانه الإمبراطور موريس، وكان موريس رجلاً كبادوكياً أقامه تيبريوس حاكماً على الشرق. وقد عُيّن موريس قيصراً في يوم 5 أغسطس وأُعطي أوغُسطا (Augusta) ابنة تيبريوس زوجة له، وقد تغير اسمها في الزواج إلى قسطنطينا (Constantina).

وكان الإمبراطور موريس متمسكاً بالإيمان الخلقيدوني، ولكنه رغم ذلك لم يصدر أوامره لتعزيز مجمع خلقيدونية بسبب وقوعه تحت نوعين من القيود، فمن ناحية كان لديه ما يكفي من المشاكل الأخرى التي تتطلب كل تركيزه والتي لم تترك له الحرية ليقوم بذلك، ومن الناحية الأخرى لم يكن بطريرك القسطنطينية يرغب في اضطهاد زملائه من المسيحيين (غير الخلقيدونيين).

ومن الجدير بالذكر أن سلف موريس الإمبراطور تيبريوس كان رجلاً مسرفاً ترك الخزائن ورائه خاوية، فكان على موريس أن يواجه مشكلة الحرب مع الفرس مع بقية الالتزامات المالية الأخرى، هذا بالإضافة إلى أنه في ذلك الوقت كانت ديانات منطقة البحر الأبيض المتوسط القديمة قد بدأت في النمو في أماكن عديدة من الإمبراطورية.

 

(أ) الإمبراطور موريس والاضطهاد:

مات البطريرك أوطيخا في نفس السنة التي جلس فيها الإمبراطور موريس على العرش، وكان خليفته هو البطريرك يوحنا الرابع الذي كان يتمتع بروح رقيقة فلم يوافق على أي برنامج للاضطهاد ضد الكيان غير الخلقيدوني.

وقد كتب يوحنا أسقف أفسس يخبرنا أن الشعب ورجال الكنيسة في الجانب الخلقيدوني ـ والذين اعتادوا على الاستفادة من أوامر الاضطهاد الإمبراطورية ليسلبوا ثروة الشعب غير الخلقيدوني ـ وصلوا إلى الإمبراطور وحاولوا أن يقنعوه بإصدار أوامره لهذا الغرض، وبالفعل سأل الإمبراطور البطريرك ليقوم بالقبض على قادة الكيان غير الخلقيدوني وتفريق تجمعاتهم، ولكن يوحنا الرابع لم يوافق على ذلك وقال له “هل يمكن أن يسر الله بهذا”[1]

وأضاف أيضاً “لقد قمنا بتبرئة الوثنيين وإطلاقهم ومسامحتهم، فهل نريد الآن أن نضطهد المسيحيين؟، ثم ما هو الذي يقوله أو يعمله ’غير المتوافقين معنا‘ حتى يستحقوا الاضطهاد؟، وإذا كان عهدكم قد اشتهر بالرأفة على الوثنيين، فكيف تطالبني باضطهاد المسيحيين الذين بلا لوم في تمسكهم المسيحي، ولهم إيمان حار وغيور أكثر مما لدينا؟”. وقد منعت كلمات البطريرك هذه، الإمبراطور من إصدار أوامر الاضطهاد في القسطنطينية على الأقل.

وعلى الرغم من ذلك، كانت هناك حالات من سوء المعاملة لغير الخلقيدونيين، في أماكن أخرى من الشرق في فترة حكم الإمبراطور موريس. ومن هذه الحالات حادثة ذكرها المؤرخون السريان، حيث كان الإمبراطور موريس يفعل كل شيء في استطاعته لكي يرفع من شأن أقاربه ويقلدهم أعلى المناصب، ومن بين أولئك الأقارب دوميتيان (Domitian) ابن أخيه بطرس الذي رُسم أسقفاً على مدينة ميليتين (Melitene) أحد أهم الكراسي في شمال سوريا حيث كان الكيان غير الخلقيدوني قوياً هناك.

ولم تنجح جهود دوميتيان في فرض مجمع خلقيدونية في هذه المنطقة، فأعطى الإمبراطور للأسقف في عام 599م أوامره بالاستيلاء على الكنائس والمؤسسات الأخرى في منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وبقية الأماكن في الشرق وتسليمها للكيان الخلقيدوني.

وطلب الأسقف من الرهبان في تلك المناطق أن يقبلوا الشركة الإفخارستية منه أو من رجال كنيسته كتعبير عن خضوعهم له، فلما وجدهم غير طائعين[2] قام بطردهم من أديرتهم فمات منهم أربعمائة شخص، فشيَّد غير الخلقيدونيين في ذلك المكان كنيسة بعد ذلك إحياءً لذكراهم.

ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور موريس كان رجلاً دبلوماسياً، حيث استطاع أن يُظهر كياسته مع الذين يدينون بغير المسيحية فأقام علاقة صداقة مع كسرى الثاني (Chosroes II) ملك الفرس، وأعطاه ابنته ماريا (Maria) زوجة له. لكنه على الرغم من ذلك كان داخل إمبراطوريته يرى أن الكيان غير الخلقيدوني هو قوة جامحة حاول أن يكبحها بمختلف الوسائل رغم نصيحة البطريرك يوحنا الرابع له بوقف هذه الإجراءات.

 

(ب) النزاع بين مصر والشرق:

كانت قضية بولس الأسود التي سبق أن أشرنا إليها قد سببت اضطراباً داخل الكنيسة، ليس فقط في سوريا وبين المسيحيين العرب، ولكنها أحدثت أيضاً تأزماً في العلاقة بين سوريا ومصر. وحاول المنذر قائد المسيحيين العرب أن يسوي الموقف بينهما، فعندما كان في القسطنطينية عام 580م عقد مجموعة من اللقاءات بين ممثلي الطرفين السوري والمصري،[3] وبالفعل توصل الجانبان في يوم 2 مارس إلى اتفاق بينهما.

ولكن كانت هناك جماعة من مثيري المشاكل حاولت تدمير ذلك الاتفاق، وساندهم في ذلك دميان البطريرك السكندري الذي عيَّنه المصريون خلفاً لبطرس أثناء رفضهم لثيؤدور (الذي كان بولس الأسود قد ساعد على رسامته). ولأن دميان كان سرياني الأصل، فقد سافر إلى الشرق من أجل إقامة بطريرك لأنطاكيا مكان بولس الأسود الذي كان لا يزال على قيد الحياة.

وعندما رفض الأساقفة السريان أن يتفقوا معه في الرأي، حاول دميان أن يرسم شخصاً بسيطاً يُدعى ساويروس داخل الكنيسة الأنطاكية معطياً مبلغاً من المال لحارس الكنيسة لكي يفتحها له في الليل، ولكن الخبر تسرب فاضطر دميان إلى الفرار عائداً إلى الإسكندرية بعد أن قضى بعض الوقت بالقسطنطينية ليداري خجله.

وبعد محاولات دميان الفاشلة في سوريا رُسم بطرس الذي من الرقة (Callinicus) بطريركاً على أنطاكيا في عام 581م، وكان بالفعل رجلاً مقتدراً. وفي أيام يعقوب البرادعي كان بطرس قد رفض كرامة البطريركية على أساس أنه لا يمكنه أن يقبلها قبل أن تتم تسوية قضية بولس الأسود قانونياً، ولكن بطرس عاد بعد ذلك وقبل الرسامة رغم أن بولس كان لا يزال حياً وقضيته لم تُحسم بعد.

وندم بطرس على هذا الأمر، فسافر إلى الإسكندرية ليعمل على مصالحة بولس مع المصريين، ولكن بولس مات في ذلك الوقت فتثبت بطرس كبطريرك لغير الخلقيدونيين في أنطاكيا.

وعلى الرغم من أن بطرس (البطريرك الأنطاكي) ودميان (البطريرك السكندري) قد تبادلا رسائل الوحدة والشركة في الإسكندرية، إلا إن هذا الوفاق كان قصير الأمد.

ولم يكن دميان بالرجل المقتدر لاهوتياً، فحين قابله بعض الرجال الذين مالوا إلى هرطقة الثلاثة آلهة وقدموا له بعض الأسئلة، قام دميان بإعداد رسالة تجيب على النقاط التي أثاروها، وقبل أن ينشر تلك الرسالة أرسل نسخة منها إلى بطرس البطريرك السرياني ليعرف تعليقه عليها، فرد بطرس على دميان ذاكراً له العديد من الجمل غير الدقيقة وغير الواضحة التي احتوتها الرسالة، واعتبر دميان هذا الرد إهانة موجهة إلى شخصه فانقطعت العلاقات بينهما طوال فترة حياتهما. ومات بطرس عام 591م، وخلفه سكرتيره يوليان (Julian) الذي مات هو الآخر بعد ثلاث سنوات فقط من رسامته، فجلس بعد ذلك البطريرك أثناسيوس على الكرسي الأنطاكي.

ومات دميان البطريرك السكندري أيضاً وجلس مكانه أناستاسيوس (Anastasius)، وعاد الكرسيان مرة أخرى إلى الوحدة بفضل مبادرة قام بها أثناسيوس البطريرك الأنطاكي.

وكان أثناسيوس هذا بحق رجلاً عظيماً[4] ينحدر من عائلة في سموساطا (Samosata)، وقد فقد والده في بداية حياته فربته أمه التقية هو وأخوه ساويروس، وعندما كبرا جعلتهما ينضمان إلى أحد الأديرة. وبعد موت البطريرك يوليان في عام 594م، اجتمع الأساقفة ليختاروا خليفة لكرسي البطريركية في الدير الذي كان يقيم فيه الأخوان (أثناسيوس وساويروس).

وحسب العادة، صام الأساقفة ثلاثة أيام، وفي اليوم الأخير شعر بعض منهم أنه ينبغي أن يتحدثوا مع أول راهب يقابلوه في صباح اليوم التالي، وبالفعل عندما خرجوا من غرفهم في ذلك اليوم رأوا أثناسيوس يعد جمال الدير للأعمال اليومية، فتحدثوا إليه ووجدوه رجلاً ذو علم جديراً بكرسي البطريركية.

وعندما قام المجمع أيضاً بفحصه، اقتنعوا به وقرروا أن يختاروه على عكس إرادته تماماً، ومع ذلك جعل أثناسيوس الأساقفة يوافقون على السماح له بإكمال سنة الخدمة التي تعهد بها للدير. وعاد أثناسيوس إلى عمله بالدير دون أن يبوح بمسألة اختياره للبطريركية حتى إلى أخيه، وعندما أكمل سنة خدمته جاءه وفد من المجمع فذهب معهم ليتولى وظيفته الجديدة.

وبسبب أن عمله بالدير أثناء تلك السنة كان إحضار المؤن للجماعة من الخارج على ظهر الجمال، فلُقِّب أثناسيوس بالجمَّال (Gamolo). وبعد رسامته بطريركاً زار أثناسيوس الإسكندرية وحاول تسوية النزاع القائم بين الكرسيين، فقابل البابا أناستاسيوس السكندري هذه المبادرة بالترحاب، وتبادل الرجلان رسائل الوحدة فيما بينهما.[5]

 

(ج) انهيار مملكة المسيحيين العرب:

كانت مملكة المسيحيين العرب الغساسنة في غاية الازدهار والشهرة في أيام الحارث وابنه المنذر. وكان كلاهما يتبع التيار الديني غير الخلقيدوني وقد لعب كل منهما دوراً هاماً في فترة حكمه أثناء القرن السادس. وكانت هذه المملكة تتبع أباطرة القسطنطينية المسيحيين وتدعم مصالحهم ضد الفرس، ولكن الإمبراطور موريس قام بنفي المنذر وابنه النعمان (Naaman) وطُمست مملكتهم من على وجه الأرض.

وبالطبع كان ولاء أولئك الرجال للجانب غير الخلقيدوني له دوره المؤثر في خلق هذا البغض الشديد داخل الإمبراطور الخلقيدوني موريس تجاههم.

وفي فترة حكم يوستين الثاني، كان المنذر يساعد الجانب الروماني في نزاعه مع الفرس، ولذا طلب من الإمبراطور يوستين أن يمده بالعون ليحافظ على تفوقه العسكري، ولكن الإمبراطور لم يكن فقط غير راغب في تلبية طلبه بل كان أيضاً حانقاً عليه، حتى أنه قرر في الحقيقة أن يدبر مؤامرة لقتله.

وكتب يوستين خطابين واحد إلى المنذر نفسه، والآخر إلى مركيان قائد قواته في الشرق، ففي الخطاب الأول طلب من المنذر أن يذهب ويقابل مركيان في دارا (Dara) ليناقشه في بعض المسائل الملحة، وفي الخطاب الثاني كتب يأمر رئيس الجيش أن يتخلص من القائد العربي الذي سيحضر لمقابلته. وحدث خطأ في إرسال الخطابين فاستلم المنذر الخطاب المُرسل إلى مركيان، فقام بقطع كل الاتصالات مع الرومانيين.

وحين وصل تيبريوس إلى الحكم عادت علاقات الصداقة بينهما، وذهب المنذر إلى القسطنطينية في فبراير عام 580م واستقبل هناك بمنتهى الحفاوة والمودة حتى أن الإمبراطور الجديد اعترف بلقبه الملكي. وكان هذا هو الوقت الذي تقابل فيه المنذر مع الفريقان المتنازعان في الكيان غير الخلقيدوني وحاول أن يوفق بينهما.

وفي ذلك الحين كان موريس هو الحاكم على الشرق، وعند عودة المنذر من القسطنطينية تعاون مع موريس في التخطيط لحملة في منطقة الفرس، وبينما يقودان الجيوش وجدا الجسر الذي يعبر النهر الذي على الحدود محطماً، فشك موريس في أن يكون المنذر هو الذي قام بذلك، ولم يفلح أي شيء في تغيير رأيه وإزالة هذا الشك من داخله.

وكتب موريس عن هذا الأمر إلى تيبريوس فتغير موقف الإمبراطور هو الآخر تجاه الملك العربي. وتم القبض على المنذر وأُخذ بغدر إلى القسطنطينية حيث احتُجز في السجن هناك، أما أولاده الأربعة فقد قاموا تحت قيادة الأخ الأكبر النعمان بالثأر لأبيهم من خلال سلسلة من الغارات الانتقامية على الأراضي الرومانية، وعلى الرغم من أن محاولة القبض عليهم لم تنجح إلا إن سمعتهم قد تأثرت بشدة.

وكان جلوس الإمبراطور موريس على العرش خلفاً لتيبريوس في عام 582م له تبعات مأساوية على الملك العربي الذي كان في النفي. وجاء النعمان ابن المنذر إلى القسطنطينية يحاول أن يلتمس الحرية لأبيه، فرد الإمبراطور موريس عليه بأنه على استعداد لقبول طلبه بشرط أن يشترك مع القوات الرومانية ضد الفرس وأن يتبنى الفكر الديني الخلقيدوني.

فوافق النعمان على الشرط الأول ولكنه رفض الثاني بحجة أنه إذا قبله فقد يتعرض للقتل من شعبه، وعند مغادرة النعمان حضرة الإمبراطور قال أنه لن يرى وجه الرومان مرة ثانية. وتم القبض على النعمان وهو في طريقه ونُفي مع والده، وعندئذ انقسمت مملكة المسيحيين العرب إلى خمسة عشر إمارة مما أدى إلى انضمام الواحدة تلو الأخرى إلى الفرس[6] الذين تزعموا المنطقة خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن السابع.

وكان وجود مملكة قوية للمسيحيين العرب أمراً نافعاً لأباطرة القسطنطينية، حيث أوقفت تلك المملكة بشكل فعال التوسع الاستعماري الفارسي في سوريا وفلسطين ومصر ـ والذي تم (بعد انهيار مملكة المسيحيين العرب) في أوائل القرن السابع ـ كما أنها منعت أثناء وجودها الاجتياح العربي للإمبراطورية والذي قد تحقق أيضاً فيما بعد.

وقد أدت السياسة القصيرة النظر للإمبراطور موريس ـ والتي قد تكون بدافع من الغيرة والتعصب الديني ـ إلى تلك الأفعال الطائشة (تجاه مملكة المسيحيين العرب) بالإضافة إلى كل ما جلبته تلك الأفعال على تاريخ الشرق الأوسط بصفة عامة وعلى المسيحية في تلك المنطقة بصفة خاصة.

 

(د) الإمبراطور موريس يلقى حتفه:

كان موريس في الواقع إمبراطوراً مميزاً، فكجندي كان شجاعاً وماهراً، وكحاكم قام بعدد من الإصلاحات التنظيمية المؤثرة. وفي علاقته مع الفرس كان موريس بالفعل ناجحاً جداً في ضوء حقيقة أن الإمبراطورية الرومانية كان عليها أن تواجه في تلك الفترة ما بين عام 531م وعام 628م الإمبراطورين الطموحين كسرى الأول (Chosroes I) وحفيده كسرى الثاني (Chosroes II)، وكانا كلاهما له نزعة توسعية جامحة.

ولم يستطع الإمبراطور جوستينيان أن يحقق طموحه في إعادة إخضاع الغرب للإمبراطورية إلا من خلال إبرام اتفاقية سلام مع كسرى الأول كلفته مبلغاً ضخماً من المال يُدفع كإتاوة سنوية. وكان الحاكم الفارسي يكسر هذا الاتفاق مرات ومرات، وفي كل مرة يطلب أموالاً أكثر وامتيازات على أراض أكبر، وقضت الاتفاقية الأخيرة بينهما أن تدفع القسطنطينية لفارس مائتين ألف قطعة من الذهب الروماني سنوياً.

وبعد وفاة جوستينيان لم يتم الوفاء بهذا الاتفاق في أحوال عديدة، فكان الفرس يقومون بحملات عسكرية كلما تمكنوا من ذلك لكي يحصلوا على المال. وورث موريس هذه المشكلة مع استلامه للحكم عام 582م، ولكن أثناء السنوات العشر الأولى من حكمه نجح قائدا الجيش الشجاعين فيليبيكوس (Philippicus) وهراقليوس (Heraclius) في الحفاظ على حدود الإمبراطورية من أي اعتداء فارسي.

ومنذ عام 591م أصبحت العلاقة بين موريس وكسرى الثاني وطيدة جداً، لأن موريس أمد كسرى الثاني بالعون أثناء نزاعه مع بهرام (Bahram) الذي كان يقود ثورة ضد الإمبراطور الفارسي. وبالفعل استعاد كسرى الثاني وضعه مرة أخرى، وأصبح موريس وكسرى الثاني صديقين، ولو صدقت رواية المؤرخين السريان فإن موريس أعطى ابنته ماريا لكسرى الثاني زوجه له.[7] وحينما رأى موريس أنه لم يصبح هناك أي تهديد من جهة الشرق، كافأ هراقليوس على خدماته بتعيينه حاكماً على شمال أفريقيا.

وكانت لدى موريس مشاكل في الشمال على حدود الدانوب، وكان يحتاج في مواجهتها للتعاون المخلص من كل جيوشه، ولكنه لم يستطع أن يتحصل على تلك المساندة الكاملة أبداً، لأنه منذ وصوله إلى الحكم لم يهتم بالتواصل معهم، كما أن خزائنه الخاوية منعته من دفع رواتبهم. هذا بالإضافة إلى أنه كانت هناك شكوى من أن موريس يستخدم وضعه الإمبراطوري في تسهيل حصول أقاربه على الثروة والنفوذ، ويبدو أن صداقته مع كسرى الثاني قد جعلته يهمل قواته الحربية.

وعلى أية حال فقد قام الجيش بتمرد ضد موريس عام 602م وخذلته الحامية التي كانت معه في المدينة، وحاول موريس الهرب إلى خلقيدونية لكنه قتل هو وأولاده الأربعة يوم 26 نوفمبر، وأجلس الجيش الضابط فوكاس (Phocas) إمبراطوراً على العرش.

 

3. فترة حكم الإمبراطور فوكاس:

واجه الإمبراطور فوكاس أياماً عصيبة أثناء حكمه، فقد تأثر كسرى الثاني جداً بمقتل الإمبراطور موريس وعائلته وحاول أن يثأر لصديقه فاحتل منطقة ما بين النهرين (Mesopotamia) وسوريا وكبادوكيا وبافلاجونيا (Paphlagonia)، ولم يستطع فوكاس أن يفعل أي شيء ليوقف الجيش المعتدي، ولكنه أظهر فشله في التصدي للموقف بإرغام اليهود في أورشليم على قبول الإيمان المسيحي.

ولكي يدمج كسرى الثاني المناطق التي انتزعها معاً، وضع في اعتباره معارضة الشعوب المسيحية هناك للجانب الخلقيدوني، فأرسل لهم أسقفاً من فارس ينتمي للكنيسة السريانية الشرقية التي كانت توقر ذكرى نسطور،[8] وعندما لم يقبله الشعب هناك ترك كسرى الثاني المنطقة بكاملها تحت رئاسة الأساقفة غير الخلقيدونيين.

ويسجل المؤرخ السرياني أنه نتيجة هذا الموقف لم يصبح هناك وجود للمناصرين للجانب الخلقيدوني في الشرق من منطقة حدود نهر الفرات، كما عاد كذلك إلى الشرق الأساقفة غير الخلقيدونيين المنفيين في مصر.

ولم يستطع فوكاس أن يحافظ على تماسك الإمبراطورية لوقت طويل، فقد كان عليه أن يواجه الغزو الفارسي بالإضافة إلى أعداء الإمبراطورية الأوروبيين في الشمال، وقد فشل بالفعل في كلا الأمرين، وحاول أن يداري عجزه هذا بقانون للإرهاب داخل الإمبراطورية. وأدى تزايد الاستياء من عجز فوكاس إلى قيام هراقليوس حاكم شمال أفريقيا بتمرد عليه كما انضمت مصر أيضاً إلي ذلك التمرد.

ورتب هذا الحاكم المنشق مع ابنه هراقليوس وابن أخيه نكيتاس (Nicetas) أن يقود الأول أسطولاً والثاني جيشاً ويتجها إلى العاصمة على أساس أن الذي يصل إليها أولاً يكون هو الإمبراطور والآخر يكون مساعداً له. ووصل هراقليوس أولاً في سبتمبر عام 610م فرحب به الشعب جداً وتولى زمام الحكومة وقبض على فوكاس يوم 4 أكتوبر. وسأل هراقليوس فوكاس قائلاً “أبهذه الطريقة قمت بقيادة الإمبراطورية؟”، فأجابه فوكاس: “وهل أنت متأكد أنك تستطيع أن تفعل ما هو أفضل؟”، وفي النهاية حُكم على فوكاس بالقتل.

 

[1] John of Ephesus, op. cit., V: 15.

[2] للإطلاع على هذه القصة انظر (Michael le Syrien, op. cit., pp. 386f).

[3] John of Ephesus, op. cit., IV: 39f.

[4] للإطلاع على حياة البابا أثناسيوس انظر (Michael le Syrien, op. cit., pp. 387f).

[5] للإطلاع على هذه الرسائل انظر (Michael le Syrien, op. cit., pp. 392f).

[6] إن قصة تدمير مملكة المسيحيين العرب الغساسنة بواسطة أباطرة القسطنطينية، محفوظة في: (يوحنا أسقف أفسس، مرجع سابق: الجزء الخامس).

[7] C. S. C. O., vol. 81, pp. 215f.

ويُقال أن كسرى قام ببناء كنيستين لزوجته المسيحية، واحدة على اسم سرجيوس والأخرى على اسم والدة الإله.

[8] Michael le Syrien, op. cit., pp. 389f.

عهد خلفاء الإمبراطور جوستينيان وتأثيره على مجمع خلقيدونية ج2

Exit mobile version