نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

1. نتائج هذه الدراسة:

في ضوء الحقائق التي ناقشناها طوال هذه الدراسة، نستطيع أن نقدم الملاحظات التالية المتعلقة بالجدال الخريستولوجي:

  • عندما كان الفكر اللاهوتي المسيحي يشير إلى ما أسماه بـ ’النسطورية‘، فإنه كان دائماً يعني ذلك الموقف المتطرف الذي فُهم أن التفسير الأنطاكي لشخص يسوع المسيح يؤكده. ولكن لا نسطوريوس نفسه ولا أي من الرجال المعتبرين قادة في المدرسة الأنطاكية كان يتمسك بالصورة المتطرفة التي ذاعت عن تلك الهرطقة.*

    وعلى نفس المنوال كانت ’الأوطيخية‘ أو ’المونوفيزيتيزم‘ هي تشويه معيب للتعليم الخريستولوجي السكندري. وبالفعل لا تُعد كل الأدلة المتوفرة لدينا كافية للإصرار على أن أوطيخا كان يتمسك بما سُمي بالهرطقة الأوطيخية.

    ولذلك ـ ومع أن أوطيخا لم يكن قادراً على التعبير عن وجهة نظره بشكل واضح ـ فإننا لا نجد ضرورة لتقديم أي دفاع عن الرجل. ولكننا في نفس الوقت ينبغي أن نؤكد أنه لا كيرلس السكندري ولا أيّ من اللاهوتيين المعروفين أو آباء الكنيسة في الجانب غير الخلقيدوني بما فيهم البطريرك ديسقوروس كان مداناً بتمسكه بتلك الأفكار (التي نُسبت لأوطيخا) على الأطلاق.

  • في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة في حوض البحر المتوسط والشرق الأوسط متحدة بشكل ما، كان هناك شعور بالرغبة في وجود ’صيغة‘ أو ’تركيب‘ لاهوتي (synthesis) من كلا التقليدين السكندري والأنطاكي (أي من المفاهيم اللاهوتية المتضمّنة فيهما). ولكن الحقيقة أن ذلك لم يكن من الممكن تحقيقه حتى في تلك العصور القديمة، بسبب أن كل موقف (أو تقليد) كان قد صار مترسخاً بعمق في مناطق محددة بعينها، لدرجة أن كلا الجانبين لم يكن يريد أن يسعى لذلك ’التقارب‘.

    وعلى سبيل المثال، كانت إعادة الوحدة عام 433م حادثة يمكن أن يأخذها الطرفان المعنيان كأساس يعتمدان عليه للوصول إلى ذلك ’التركيب‘ المشترك، ولكن كل جانب أخذها فقط كحجر يخطو عليه (أو وسيلة) لكي يدفع بكل مفاهيمه تجاه استبعاد مفاهيم الآخر. وفي هذا الصدد كان الجانب السكندري، بدون شك، أكثر قوة من الجانب الأنطاكي، ولكن مجمع خلقيدونية قام بدوره في قلب هذا الموقف حين ذهب إلى أبعد مما تم التسليم به في إعادة الوحدة عام 433م وأصر على عبارة ’في طبيعتين‘.

    وبعد خلقيدونية حدث نفس الأمر ـ الذي رأيناه من الجانبين تجاه حادثة إعادة الوحدة ـ بشأن مرسوم الاتحاد الخاص بالإمبراطور زينو ’الهينوتيكون‘، فبالرغم من أن هذا المرسوم قد صدر كأداة يمكن أن يصل بواسطتها الطرفان المتنازعان إلى الوحدة، فإن أولئك الذين قبلوا تلك الوثيقة من كلا الطرفين قد أخذوها فقط كخطوة ينطلقون منها لتأكيد وجهة نظرهم دون أن يعيروا أي التفات لرأي المعارضين لهم.

  • بينما كان كل اهتمام روما في خلقيدونية منصباً على جعل المجمع يقبل طومس ليو بدون مناقشة، وأن يقبل الفكر اللاهوتي الذي تضمَّنه الطومس بكونه مقياس الكنيسة العقائدي، كانت السلطة الإمبراطورية على الجانب الآخر مهتمة بأن تحصل على صيغة للإيمان تضعها لجنة من رجال ينتمون إلى التقاليد المتنوعة في الكنيسة، ومن ثم تحقق الوحدة للإمبراطورية. وهنا كانت الاعتبارات السياسية وليست الفائدة اللاهوتية ـ بالإضافة إلى النفوذ البشري ـ هي التي توجه القيادة الحكومية.

  • وفي إصرارها العنيد على مسألة قبول طومس ليو، كانت روما منقادة بفكرة فرض مزاعمها الباباوية (على الكنيسة) كما كانت منقادة أيضاً وبنفس الدرجة برغبتها في أن يشاركها الجميع في طريقة فهمها للإيمان المحفوظة في التقليد اللاهوتي للكنيسة في الغرب. ولكن البابا ليو في محاولته تلك، لم يُظهر أي فهم للجدال الخريستولوجي القائم في الشرق، ولا أسَّس تفسيره اللاهوتي (في الطومس) على قرارات المجامع السابقة التي تم اعتبارها مجامعاً مسكونية.

    وعلى نفس هذا النحو، لم تكن لدى السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية أي تعاطف لا مع مجمع أفسس عام 431م ولا مع التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية. وكانت خطة الإمبراطور والإمبراطورة هي تأييد ومناصرة روما ضد الإسكندرية، بالإضافة إلى الترتيب لرفع مكانة (كرسي) القسطنطينية ـ عاصمة الإمبراطورية ـ لموقع القيادة في الكنيسة والذي يأتي تالياً فقط لكرسي روما.

    وحيث إن كل من الكرسي الغربي (في روما) والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، اللذان سيطرا على مجمع خلقيدونية، كانت له خطته الخاصة التي يريد تحقيقها من خلال ذلك المجمع ـ وهي خطة لم تكن بالتأكيد لها أية صلة بالمسألة الخريستولوجية ـ فإنهما لم يجدا كليهما أية صعوبة في تخطي وجهة نظر المعارضين للمجمع بإسلوب يدعو إلى غاية الذهول وبدون حتى أي أثر من دليل يؤيدهم على ذلك.

  • وقامت اللجنة المجمعية في خلقيدونية بإصدار تعريف للإيمان تحت ضغط الجانب الروماني من جهة والسلطة الإمبراطورية من الجهة الأخرى. وكان هذا التعريف هو نوع من صيغة تسوية (أو حل وسط)، تجنبت اللجنة فيه المشكلة المركزية التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت. وبالرغم من أن تلك الصيغة أرضت روما ورجال الجانب الأنطاكي، إلا أن السكندريين الذين لم يكن لهم دور في مجمع عام 451م عارضوها ورفضوها.

    وبالقطع أخطأت كل من روما والسلطة الإمبراطورية في تقدير حجم التأييد الذي يملكه التراث اللاهوتي السكندري في الشرق. وكانت المعارضة لمجمع خلقيدونية عنيفة جداً وشديدة العزم لدرجة أنه تحتم أن يتم الدفاع عن الموقف الخلقيدوني من خلال: أولاً، إطلاق العنان لسلسلة من الإضطهادات القاسية ضد المعارضين للمجمع قام بها الأباطرة في القسطنطينية، وثانياً، من خلال اتهام المعارضين للمجمع بهرطقة ’المونوفيزيتيزم‘ (عقيدة الطبيعة الوحيدة) بالرغم من إنكار غير الخلقيدونيين المتكرر لتلك العقيدة بعبارات قاطعة. ولم تساعد أي من هذه الممارسات الجانب الخلقيدوني في فرض موالاة الشرق المسيحي كله له.

    كما لم تنجح مجهودات جوستنيان وبعض خلفائه من أجل إعادة الوحدة وذلك لسبب بسيط وهو أن الجانب الخلقيدوني لم يكن ليتخلى عن المجمع، ولم يكن للجانب غير الخلقيدوني شيئاً ليفعله أمام ذلك الإصرار.

  • وأمام اعتراض وتحدي المعارضين للمجمع، شرع الجانب الخلقيدوني في الشرق في بناء موقف خريستولوجي (مختلف) منذ بداية القرن السادس، وكان هذا الموقف ـ من حيث الجوهر ـ هو تقريباً نفس الموقف الذي يتبناه المنتقدون للمجمع والمؤسس على التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية ولكن مع وجود اختلاف هام وهو استمراره (أي الجانب الخلقيدوني) في الدفاع عن مجمع عام 451م وعبارة ’في طبيعتين‘ وهما الأمران اللذان رفضهما المعارضون للمجمع.

    وفي سماحه بحدوث هذا التطور، يكون الجانب الخلقيدوني ـ بالرغم من احتفاظه بعبارة ’في طبيعتين‘ ـ قد تحرك بعيداً عن موقف خلقيدونية الذي أراد الوصول إلى تسوية تميل إلى المفاهيم اللاهوتية الأنطاكية. وفي الحقيقة لو كان الجانب الخلقيدوني، باتخاذه هذه الخطوة، يتبنى فهماً لشخص المسيح يتجاهل الحالة الهيبوستاسية لناسوته أو يتسع للأفكار اليوليانية، فإنه بذلك يكون أكثر تضاداً للنسطورية وللأنطاكية* من التعليم الخريستولوجي لقادة الجانب غير الخلقيدوني أمثال البطريرك ساويروس الأنطاكي.

  • والاستنتاج الواضح هو أن الجانب الخلقيدوني بدفاعه عن مجمع خلقيدونية لم يحقق أي شيء لصالح الأرثوذكسية لم يكن الجانب غير الخلقيدوني نفسه، وهو يرفض المجمع، يتمسك به بثبات. ولذلك فإن الأمر الوحيد بين الجانبين كان تحفظ كل طرف على اللغة التي يدافع بها الآخر عن فكره. فلو كان الجانبان يرغبان حقاً في المضي إلى أبعد من المصطلحات، فما كان من المستحيل لهما أن يقبلا صيغة مشتركة، يعملان على أساسها من أجل استعادة وحدتهما المفقودة.

  • ومع ذلك، كان هناك تعليم أصر عليه يوحنا الدمشقي ـ متتبعاً في ذلك تقليد اللاهوتيين الخلقيدونيين الأوائل ـ ولم يكن هذا التعليم يُشرح في الجانب غير الخلقيدوني بنفس الأسلوب. ويتعلق هذا التعليم بالتأكيد على أن ناسوت المسيح قد تأله منذ لحظة تكوينه في الاتحاد مع الله الابن.

    ومن خلال ارتباطه الحميم مع نظرية ’التأقنم‘ كان هذا التعليم يأخذ الناسوت كطبيعة عامة مجردة وليس كحقيقة أقنومية، وحيث إن هيبوستاسيس الله الابن عند الدمشقي كان هو شخص الناسوت، فإن الله الابن نفسه كان هو الذي يقوم بكل ما هو بشري بالإضافة لكل ما هو إلهي.

    وهذا هو السبب وراء تأله ناسوت المسيح. ولم يكن تأله ناسوت المسيح بهذا الشكل هو تعليم الجانب غير الخلقيدوني، فبالنسبة لهم كان الناسوت الذي تخصخص وبالتالي أصبح في الحالة الهيبوستاسية، هو الذي صار ناسوت الله الابن ولهذا السبب امتلأ بالمجد الإلهي وتأله.*

  • ويقف التعليم الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني بين الموقف الخلقيدوني الذي تم بناؤه في الشرق منذ القرن السادس، والتقليد الذي يحفظه الجانب الأنطاكي.

    فإذا كان الجانبان غير الخلقيدوني والأنطاكي يستطيعان أن يتغلبا على المآسي القديمة، فسيكون من الممكن لها أن يصلا إلى اتفاق لاهوتي حول مسألة شخص المسيح، بشكل أسهل من أمكانية وصول الجانبين الخلقيدوني والأنطاكي لهذا الاتفاق. وفي الحقيقة إذا لم يقم الجانب الخلقيدوني بإدراك قيمة التأكيد على الحالة الهيبوستاسية (الأقنومية) لناسوت المسيح، فلن يستطيع أن يتفهم المساهمة اللاهوتية للمدرسة الأنطاكية.

 

2. صلة هذه الدراسة بالسياق المعاصر:

إن الجدال الخريستولوجي الدائر في زمننا الحاضر ينتمي بشكل لا يمكن إنكاره إلى تاريخ الكنيسة القديم.

ولذلك فإن دراستنا المتعمقة لتلك الفترة من التاريخ الكنسي ينبغي أن تكون ذات مدلول وثيق الصلة بالسياق المعاصر بثلاثة طرق على الأقل.

 

(أ) من المنظور المسكوني:

كان الجدال الخريستولوجي ـ كما ذكرنا ـ هو السبب الظاهر لانقسام المسيحية في الشرق إلى ثلاثة كيانات (الأنطاكي، والخلقيدوني ’الجديد‘، وغير الخلقيدوني). وبعد الشقاق الذي حدث في القرن الخامس، صار كل كيان منهم ينظر إلى الكيانين الآخريّن كهراطقة وقام بقطع الشركة معهما. فهل كان هذا التصرف مبرراً؟

ولهذا السؤال في الحقيقة أهمية قصوى، لأن نسب الهرطقة إلى أحد إنما يعني افتراض أنه في وقت الانقسام كان في الكنيسة معيار عمومي معترف به للأرثوذكسية، فهل كان هناك مثل هذا المعيار في الكنيسة في القرن الخامس؟.

والحقيقة كما رأينا، أنه بعد مجمع أفسس عام 431م نشأ موقفان لهما صلة بهذا السؤال، فالسكندريون تمسكوا بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، أما الأنطاكيون فلم يكونوا راغبين في تأييد مجمع عام 431م في مجمله، إذ اعترفوا بهذا المجمع بالقدر الذي تم قبوله فقط في صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وفي هذا الموقف لم يعر مجمع خلقيدونية أي اهتمام لوجهتي النظر المتضاربتين، ولكنه قدَّم طومس ليو واعتراف الإيمان الخاص بالمجمع كمعيار للأرثوذكسية.

وكانت هذه الأمور بالتحديد هي التي قام الجانب غير الخلقيدوني بانتقادها ورفضها. وبالنسبة للكنيسة المشرقية التي تخلد ذكرى نسطوريوس واللاهوتيين الأنطاكيين الآخرين، فإنها لم تأخذ مجمع عام 451م بعين الاعتبار تماماً. فإذا وضعنا هذه الحقائق نصب أعيننا، سنجد أنه عندما نسب أي من الثلاثة كيانات تهمة الهرطقة للإثنين الآخرين، فإنه لم يكن هناك افتراض وجود معيار موحد للأرثوذكسية ـ سابق على الانقسام ـ معترف به منهم جميعاً. وبكلمات أخرى نقول أنه لم يكن لأي من هذه التقاليد الكنسية أي أساس شرعي لكي ينظر إلى الآخرين كهراطقة.*

ومع ذلك انفصلت الكنائس، وأصبحت هناك بالفعل حاجة ملحة لوسيلة فعالة تساعدهم لاستعادة وحدتهم المفقودة. وفي الحقيقة حاولت روما ـ اعتماداً على ادعائها السيادة العالمية على الكنيسة ـ أن تحل تلك المشكلة من خلال توحيد الكنائس بجعلها تتحول من انتماءاتها التاريخية إلى الالتصاق بكنيسة روما مباشرة ولكن هذه الوسيلة لم تحقق إلا نجاحاً محدوداً جداً في مناطق قليلة في الشرق المسيحي.

ولذلك فإن المشكلة في الحقيقة تحتاج إلى حل مرضي يُبنى على أساس تقييم إيجابي وموضوعي لتاريخ الانشقاق وللموقف اللاهوتي الذي تحتفظ به كل من تلك الكنائس. وقد أردنا من خلال تلك الدراسة أن نقدم محاولة في هذا الاتجاه نفسه.

 

(ب) من منظور السلطة الكنسية:

وإذا لم يكن هناك معيار متفق عليه للأرثوذكسية في وقت الانقسام، فهل لم يكن هناك أيضاً ’سلطة كنسية‘ يُعمل حسابها؟. لقد كان البابا ليو، على سبيل المثال، يزعم وجود إلهام إلهي في الطومس الخاص به من خلال التعاقب البطرسي (الذي لكرسيه)، كما أن الكيان الخلقيدوني في الشرق كان يتمسك هو الآخر بأن الروح القدس هو الذي قاد مجمع خلقيدونية ـ وبقية المجامع المسكونية الأخرى ـ لكي يحفظ الإيمان في نقاوته.

وفي كلتا الحالتين تتصل القضية محل التساؤل بـ ’السلطة الكنسية‘، وهذا الأمر في الواقع كان ذو أهمية حقيقية للكنيسة في كل العصور بما في ذلك العصر الذي نتحدث عنه.

وهنا يمكننا أن نلاحظ موقفين متنوعين. الموقف الأول يتعلق بأن أسقف روما بكونه خليفة بطرس الرسول، فإن له مدخل شخصي مباشر لأسرار رئيس الرسل، ومن خلاله إلى فكر الله المتجسد نفسه، وأنه لهذا السبب قد تقلد بسلطة خاصة تجعله يفسِّر الإيمان بطريقة معصومة بنفسه وبدون أي مساعدة خارجية. أما الموقف الثاني فيصر على أن مجمع خلقيدونية بكونه مجمعاً مسكونياً فإنه قدم إعلاناً للإيمان ينبغي أن يعتبر ملزماً للكنسية كلها.

ولا يوجد في الحقيقة اتفاق عام على مسألة السلطة المجمعية، إذ بينما تحاول بعض التقاليد الكنسية أن تؤكد أن المجامع المسكونية حين تقوم بتقرير أي شيء فإنها تتحدث من واقع سلطتها، فإن بعض التقاليد الأخرى تؤمن فقط أن سلطة القرار المجمعي تتوقف على المحتوى الذي يحفظه من الحق. وقد يستند أولئك الذين يؤمنون بالرأي الثاني إلى أن كل المجامع المسكونية المعترف بها كانت قد اتخذت قرارات عقائدية تم التصديق عليها باعتبارها تحفظ الحق المسيحي.

وليس ما يعنينا هنا هو مناقشة مسألة ’السلطة الكنسية‘ من خلال الدفاع عن أو معارضة أي من الموقفين السابقين، ولكننا نريد فقط أن نوجه النظر إلى أنه في ضوء الحقائق التي قدمناها عن مجمع خلقيدونية وبقية المجامع (التي تتعلق بنفس الموضوع) فليس من الممكن تأييد أي من هذين الادعاءين السابقين (أي السيادة الباباوية والسلطة المجمعية) بصورة قاطعة.

ولذلك فلا الجدال الخريستولوجي ولا المجامع التي ناقشت ذلك الأمر في العصور القديمة، يمكن الاعتداد بها شرعياً، كحوادث سابقة جديرة بالاستشهاد، لتدلنا على الطريقة الملائمة التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.

ونحن لا نعني بقولنا هذا أن موضوع مجمع خلقيدونية قد أثبت في حد ذاته (أو بنفسه) بطلان المزاعم الباباوية لروما أو مزاعم الشرق في السلطة المجمعية، ولكن الحقيقة مع ذلك هي أنه مثلما كان الحال بالنسبة لمعيار الأرثوذكسية، فإنه لم يكن هناك أيضاً تقليد متفق عليه في الكنيسة بالنسبة للكيفية التي ينبغي أن تُمارس بها ’السلطة الكنسية‘.

فبينما كان الشرق بصفة عامة يتبنى فكرة اعتبار أن ’السلطة المجمعية‘ هي الحكم النهائي في الشئون الكنسية، فإن روما كانت تضيف إلى ذلك فكرة ’السيادة الباباوية‘ على الكنيسة. ولم يكن كلا الموقفين واضحين بالنسبة لعدد من النقاط. فنظرية ’السيادة الباباوية‘، على سبيل المثال، كان عليها أن تقيم الدليل على زعمها بأن بطرس الرسول كانت لدية معرفة بفكر المسيح بالنسبة لأي جدل عقائدي قد يظهر في الكنيسة وأن هذه المعرفة يتم توريثها لأساقفة روما.

ولم تكن ’السلطة المجمعية‘ أيضاً قد أوضحت أمرها بالنسبة لتكوينها وطبيعة سلطتها، فهل ينبغي على سبيل المثال أن يكون للأساقفة وحدهم الحق في عضوية المجمع؟ والحقيقة أن العرف الخاص بأن الأساقفة وحدهم هم الذين يشكّلون المجمع لم يكن متعارفاً عليه قبل مجمع خلقيدونية، وحتى في خلقيدونية كان الموظفون الذين رأسوا المجمع موظفين حكوميين وليسوا حتى رجالاً ذوي رتبة كهنوتية، كما كان هناك أيضاً رجال كنسيون ليست لهم رتبة الأسقفية مشاركين بصورة فعالة في أحداث وإجراءات المجمع.

وينبغي علينا أن نتذكر أيضاً أن المجامع القديمة لم تصل إلى قراراتها من خلال التصويت بواسطة الأساقفة فقط. وفي ضوء تلك الحقائق، نستطيع أن نقول إن الكنيسة كانت لديها تقاليد مختلفة فيما يتعلق بممارسة السلطة الكنسية، ولذا ينبغي في الإطار المعاصر للكنيسة أن تُجمع هذه التقاليد معاً مع ضرورة حدوث تعديلات ملائمة في كل منها، والحقيقة أن مجمع خلقيدونية والمجامع الكنسية الأخرى في الأزمنة القديمة كانت قد أشارت إلى وجود هذا الاحتياج في الكنيسة.

ويتعين علينا بالنسبة لمسألة ممارسة السلطة الكنسية، أن نضع في اعتبارنا عدداً من الحقائق:

أولاً، إن كل من أسقف روما نفسه والأساقفة الذين يشتركون في المجامع سواء كأفراد أو ككيان هم صغار بالنسبة لعصرهم، ونحن ليس لدينا أساس لكي نعتقد أنهم من خلال التتويج الباباوي أو السيامة الأسقفية يتمكنون من تجاوز قيودهم البشرية في المعرفة أو التحيز أو ظروف الحياة.

ثانياً، إن السلطة في معناها الحقيقي تنتمي بطبيعتها إلى الله وحده، وأي سلطة في الكنيسة تصدر منه ومن المفترض أن تكون من أجل تحقيق خطته وقصده، ولذلك فإن كل السلطة الكنسية ينبغي أن تكون وفق الخطة الإلهية والأمر الإلهي في ممارستها.

ثالثاً، يتحتم أن يٌنظر إلى القرارات الكنسية سواء العقائدية منها أو التنظيمية بصورة نسبية (غير مطلقة) تتصل بالأوقات والظروف التي صدرت فيها، فبالرغم من أنه ينبغي الاعتراف بقيمة الأساس الذي بُنيت عليه هذه القرارات ـ كلما أمكن وعلى حسب الضرورة ـ إلا إنه لا يمكن الإصرار على قبول الكنيسة للقرارات نفسها في جميع الأزمنة وفي كل مكان.

ولكي نؤكد هذه النقطة يجب علينا أن نتذكر أن الجانب الخلقيدوني قد عدَّل وضعه بالنسبة لثلاثة مواقف على الأقل، كان يتبناهم مجمع عام 451م:

(أ) القرار الخاص بثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها.

(ب) وبينما تجاهل مجمع خلقيدونية عملياً الحروم الإثني عشر للبابا كيرلس، تعامل مجمع عام 553م معها على افتراض أن مجمع عام 451م كان يعترف بتلك الوثيقة وبسلطتها الشرعية الكاملة.

(ج) على الرغم من أن مجمع خلقيدونية كان قد استبعد عبارتي ’من طبيعتين‘ و’طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة‘، فإن الجانب الخلقيدوني اعترف بأرثوذكسيتهما وبقبولهما في القرن السادس.

رابعاً، لقد رأينا أنه بالنسبة لمجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م فإن كليهما مع بالغ الأسى قد أهمل تمثيل الموقف الخريستولوجي للجانب غير الخلقيدوني.

وأمام الزعم بأن هذين المجمعين وغيرهما من المجامع المماثلة هي مجامع مسكونية وذات سلطان، لا يمكننا أن نهمل تلك الحقائق الخاصة بها. وهي تظهر أنه لم يكن أي من تلك المجامع معصوماً في ذاته، وأنه من غير الممكن أن ننسب لها السلطة بصورة مطلقة. وكانت هذه المجامع هي اجتماعات كنسية عُقدت في سياق محدد وتخضع لقيود خاصة بها. والشيء الذي له قيمة في تلك المجامع كان يكمن في أسس الإيمان التي قد تكون قد سعت للحفاظ عليها.

وهي سواء بإسهاماتها الإيجابية أو بإخفاقاتها إنما تنتمي للتاريخ المسيحي، ونحن بحفظنا للمبادئ القيمة الموجودة بها وبرفضنا للأخطاء التي من الممكن أن تكون قد ارتكبتها، يمكننا أن نحاول أن نواجه مسئولياتنا في إطار ظروفنا المعاصرة. ومن أجل هذا لسنا في حاجة للإصرار على أن يقبل أحد التقاليد الكنسية أي من المجامع التي كان قد رفضها في الماضي.

ويمكننا أن نوضح تلك النقطة على النحو التالي: بينما لم تعترف كنيسة فارس القديمة بمجامع القرن الخامس وكذلك أيضاً المجامع التي عُقدت في الأزمنة المتأخرة، وبينما أيضاً لم يقبل الجانب غير الخلقيدوني مجمع عام 451م ومجمع عام 553م ومجمع عام 680 – 681م ، فإن الجانب الخلقيدوني يزعم بأنه يأخذ وضعه في التقليد الذي كونته هذه المجامع التي تعتبر امتداد لمجمع عام 431م.

والنقطة الأساسية في هذا الإدعاء ليس في أن الجانب الخلقيدوني يجعلهم ضمن قائمة المجامع المقبولة الخاصة به، لأن القبول القانوني لأي مجمع لا يعني أي شيء سوى أنه يحمل تأييد الأساس العقائدي الذي أكده المجمع، كما أن المعنى الشرعي الوحيد الذي يمكن أن يُقال على مجمع أنه مقبول هو الإقرار بالإيمان الذي يُعتقد أن هذا المجمع قد حفظه.

وإذا نظرنا إلى المسألة بهذا الشكل سنجد أن الاختلاف بين التقاليد الثلاثة التي انقسمت إليها الكنيسة ـ على أساس الجدال الخريستولوجي ـ ليس هو في الواقع بالأمر الذي لا يمكن تخطيه. وحتى بالنسبة لمجمع أفسس الثاني عام 449م الذي يعتبره الجانب غير الخلقيدوني مقبولاً، فبالرغم من أن مجمع خلقيدونية حاول أن يجعل استبعاده يتم بسرعة، لكن الحقيقة أن كل قراراته تقريباً التي تتصل بإيمان الكنيسة قد تم التصديق عليها صراحة بواسطة مجمع عام 553م، وهذه القرارات مازالت حية حتى الآن في كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني.

 

(ج) في ضوء إيمان الكنيسة:

وهكذا نرى أن الأمر الرئيس في إيمان الكنيسة كان هو شخص يسوع المسيح، وكان هذا في الحقيقة أمراً قديماً قدم المسيحية ذاتها. وتسجل لنا الأناجيل الإزائية كيف سأل ربنا تلاميذه عمن يكون هو في وجهة نظرهم، وكيف قدَّم بطرس الاعتراف الشهير أنه هو المسيح ابن الله الحي. وقد تضمنت كتابات العهد الجديد تلك الإجابة نفسها بمعناها الحقيقي.

وبعد عصر كتابة العهد الجديد، استمر آباء الكنيسة في التمسك بنفس الحقيقة من خلال شرح أعمق للإيمان، واعتمدوا في عملهم هذا على قاعدة الإيمان التي كانت تعني بالنسبة لهم وديعة إيمان الكنيسة.

وينبغي أن يُنظر لهذا العمل الذي قام به أولئك الآباء في أجيالهم المختلفة ـ والذي كان يقود الكنيسة أكثر من أي شيء آخر ـ من جهة الطريقة التي استخدموها ومن جهة المحتوى الذي سعوا لكي يحفظوه. وتعتبر كلتا الوجهتين (الطريقة والمحتوى) هامتين بالنسبة لذلك العمل نفسه.

 

أولاً: الطريقة

كانت الشروحات اللاهوتية للكنيسة الأولى قد تمت في إطار الظروف الفكرية والثقافية لتلك العصور. وهم في تفسيرهم للإيمان أخذوا ـ بدرجات متفاوتة ـ أفكاراً ومفاهيماً كانت سائدة في العالم الديني والثقافي اليوناني – الروماني.

وهم لم يفعلوا ذلك من خلال تبنيهم لموقف توفيقي (أي محاولة التوفيق بين المعتقدات المختلفة) بالنسبة لاعترافهم بالمسيحية، ولكنهم على الجانب الآخر حاولوا أن يظلوا أمناء لقاعدة الإيمان التي اعتبروها مؤسسة على الكرازة الرسولية، وبكونها أيضاً (أي قاعدة الإيمان) جوهر حياة العبادة والنظام الذي نما على أساسها. ومن هنا اتبع الآباء في شرحهم اللاهوتي طريقة تهدف إلى الحفاظ على التميز الجوهري للمسيحية.

ولذلك كانت عملية استنباط طريقة تساعد على حفظ الإيمان من جهة وتمكن من توصيله بشكل مبتكر من الجهة الأخرى، هي أمر لا غنى عنه بالنسبة للكنيسة في كل زمان. وبالقطع ليست الظروف الثقافية والفكرية في القرن العشرين هي نفس الظروف الخاصة بالعصور التي عاش وعمل فيها اللاهوتيون القدامى وآباء الكنيسة، بل وحتى في أيامنا هذه ليست تلك الظروف هي نفسها بالنسبة للأوروبيين والهنود، أو بالنسبة للأمريكيين والأفريقيين. وتبعاً للاختلاف في الثقافة والظروف الأخرى، ينبغي أن يكون هناك تعبيرات مختلفة للحديث عن المسيحية.

وفي الحقيقة، يجب أن تكون الكنيسة في كل عصر وفي كل منطقة جغرافية، قادرة أن تكوِّن طريقتها الخاصة في توصيل الإيمان وأنماط الحياة، ولكن بدون أن يكون هناك أي إضعاف أو تشويه للإيمان نفسه. وأمام هذه المهمة يمكن للكنيسة أن ترى في الطريقة التي تبناها اللاهوتيون القدامى دروس جديرة ذات مدلول لوقتنا المعاصر.

 

ثانياً: المحتوى

تتفق كل الكيانات الثلاثة (الأنطاكي والخلقيدوني وغير الخلقيدوني)، التي انفصلت بسبب الجدال الخريستولوجي، على الاعتراف أن يسوع المسيح هو مخلص العالم الوحيد، وبالتالي فقد ظل كل منهم أميناً لقاعدة الإيمان، ولكن اختلافهم كان ينصب فقط على شرح الكيفية التي ينبغي أن يتم بها هذا الاعتراف.

ويمكننا أن نوضح تلك الحقيقة من خلال الرجوع إلى المواقف الثلاثة: فالموقف الخلقيدوني يؤكد ـ في كل من تقليده البيزنطي الشرقي وتقليده التوماوي* الغربي ـ أن يسوع المسيح هو مخلص العالم لأنه هو الله الابن الذي وحد الطبيعة البشرية بذاته بأن صار هو شخصها. وقد جعل الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، نفسه هو العامل الفاعل للطبيعة البشرية في يسوع المسيح.

ولذلك فالحقيقة التي هي أساس كل الرجال والنساء الذين يشكلون الجنس البشري كله (أي الأوسيا البشري أو الطبيعة البشرية) قد اتحدت بالله الابن. وكان التجسد عند الجانب الخلقيدوني يعني أن شخص المخلص هو الشخص الأزلي لله الابن. وكان الجانب الأنطاكي يقر أن الله الابن، الواحد من الثالوث القدوس، قد رفع الطبيعة البشرية من خلال عضو واحد من الجنس البشري بالاتحاد مع نفسه، ولكن بدون أن يجتاز أي تنازل من جانبه، ولذلك فهو مخلص العالم.

أما الجانب غير الخلقيدوني فقد أكد أن الله الابن، الواحد من الثالوث المبارك، وحد ناسوتاً بذاته. وفي الاتحاد لم يكن ذلك الناسوت غير اقنومي (أي غير محدد أو مخصخص)، على الرغم من أنه لم يكن شخصاً موازياً لشخص الله الابن. وبكونه هيبوستاسيس مركب، فإن الله الابن قد وحَّد في نفسه الحقيقة الهيبوستاسية للناسوت، ولذلك فيسوع المسيح هو الله الابن في حالته المتجسدة وهو بذلك مخلص العالم.

وفي الختام نستطيع أن نقول إن الأمر يحتاج بالفعل إلى إعادة تقييم. والاعتراف بحقيقة وجود تلك التقاليد الثلاثة يدفعنا إلى التأكيد أنه يتعين علينا البدء من الأسس الخاصة بهم، لكي ما نستطيع أن نصل للتعبير عن الإيمان بطريقة ذات دلالة لجيلنا المعاصر.

 

*  ارجع إلى ملخص التعليم الخريستولوجي الأنطاكي في الفصل السابق

*  أي موقفاً يأخذ التطرف العكسي المقابل للنسطورية وللأنطاكية

*   كان التأله عند غير الخلقيدونيين بسبب أن الناسوت المخصخص قد اتحد هيبوستاسياً بالله الابن وصار جسده الخاص بالتالي كان هناك تبادل للخواص بين اللاهوت والناسوت، أما التأله عند يوحنا الدمشقي فكان بسبب أن الناسوت لم يكن في الحالة الأقنومية وبالتالي صار شخص الله الابن هو شخص الناسوت وهو الذي يقوم فيه بكل ما هو بشري.

*   قد نختلف مع الكاتب عند تلك النقطة، لأن رؤية السكندريين بأن الأرثوذكسية تتطلب التواصل مع قانون مجمع نيقية بالطريقة التي فهمه وأكده بها مجمع عام 431م، كانت هي المعيار العمومي للكنيسة كلها في ذلك الوقت، حتى أن إعادة الوحدة نفسها قد تضمنت الاعتراف الكامل بمجمع أفسس، كما أكد نفس الشيء أيضاً مجمع القسطنطينية المكاني عام 448م والذي يعتبر البداية الحقيقية لما حدث في مجمع خلقيدونية عام 451م.

أما كون الأنطاكيين كانوا يبطنون عدم التأييد الكامل لمجمع عام 431م فهذا هو الخروج عن الإجماع الكنسي العام. هذا بالإضافة إلى أن عدم اتفاق الكنيسة المشرقية التي تكرم نسطوريوس مع مجمع أفسس عام 431م كان يعتبر هو الآخر خروج عن الإجماع الكنسي العام.

* نسبة إلى توما الأكويني

نتائج هامة بعد دراسة ما يخص مجمع خلقيدونية

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

واحد مع الآب في الجوهر فيما يخص اللاهوت، وواحد معنا في الجوهر فيما يخص الناسوت

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم برفض مجمع خلقيدونية وطومس ليو من ناحية، وكذلك الهرطقات التي ظهرت ضد الإيمان الأرثوذكسي من الناحية الأخرى، كان يقوم أثناء ذلك أيضاً بالمحافظة على موقف لاهوتي مؤسس على قانون إيمان نيقية حسبما فهمه وأكده مجمعا القسطنطينية عام 381م وأفسس عام 431م.

وبعد أن بحثنا في الأسباب التي دعت غير الخلقيدونيين إلى رفض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، وتحققنا من الأسس التي اعتمدوا عليها في معارضتهم للهرطقات الخريستولوجية المتنوعة، يتعين علينا الآن أن نقوم بعرض تعاليمهم الإيجابية المختصة بشخص يسوع المسيح بصورة مباشرة أكثر من ذي قبل. وسنقوم أثناء هذا العرض بفحص معاني المصطلحات الحاسمة التي قاموا بتوضيحها، والتشديدات المحددة التي سعوا للحفاظ عليها من خلال العبارات السكندرية التي استخدموها في شروحاتهم العقائدية.

 

2. معاني المصطلحات اللاهوتية:

في الجدال الخريستولوجي ـ وبخلاف أي جدال لاهوتي آخر في الكنيسة الأولى ـ كان هناك قدر كبير من الغموض تسببت فيه المصطلحات التقنية اللاهوتية المستخدمة. وقد استعمل اللاهوتيون على اختلاف مواقفهم الفكرية المصطلحات الخمسة التالية:

-’أوسيا (Ousia)‘ في اللغة اليونانية، ويستخدم السريان كمقابل لها كلمة (Ithutho) أو نفس كلمة ’أوسيا‘.

– ’هيبوستاسيس (Hypostasis)‘ في اللغة اليونانية، والمكافئ لها في اللغة السريانية كلمة (Qnumo).

– ’فيزيس (Physis)‘ في اللغة اليونانية، وتُترجم في اللغة السريانية إلى كلمة (Kyono).

– ’بروسوبون (Prosopon)‘ في اللغة اليونانية، وتقابلها في اللغة السريانية كلمة (Parsupo).

– ’هيباركسيس (Hyparxis)‘ في اللغة اليونانية، ويكافئها في اللغة السريانية كلمة (Yotho).

وكان البطريرك ساويروس الأنطاكي قد قام بشرح معنى المصطلحات اللاهوتية الخمسة السابقة في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) وفي العديد من رسائله العقائدية وكتاباته الأخرى.

وفي خطابه إلى يوسابيوس (the scholastic) قدَّم البطريرك ساويروس تعريفاً مختصراً للمصطلحين: ’أوسيا (Ousia)‘ و’هيبوستاسيس (Hypostasis)‘ حيث قال: “إن ’الأوسيا‘ يدل على ما هو عام، بينما يدل ’الهيبوستاسيس‘ على ما هو خاص*“.[1]

وناقش البطريرك ساويروس هذا الموضوع بصورة أكثر تفصيلاً في كتابه ’ضد النحوي غير التقي‘، حيث نجده يتبع ق. أثناسيوس[2] في أخذ مصطلح ’أوسيا‘ بمعنى الذي يكون (بذاته). وقد سجل سفر الخروج أن صوتاً أتى إلى موسى من الله قائلاً “أنا أكون الذي يكون(I AM HE WHO IS) ، وهكذا تقول لبني إسرائيل ’الذي يكون‘ أرسلني إليكم”.

وقد أقر آباء الكنيسة الملهمون بأن “الثالوث القدوس والمتعالي هو ’أوسيا‘ واحد”، وحيث إن “الآب كائن (بذاته)، والابن كائن (بذاته)، والروح القدس كائن (بذاته)، فإن لهم نفس الكينونة الواحدة، كما أن لهم نفس الكرامة ونفس الأزلية”. وعلى ذلك يكون ’الأوسيا‘ مشتق من الكينونة.[3]

وقام البطريرك ساويروس بتوضيح التعريف من خلال قوله إن “مصطلح ’إنسان‘ يدل على الجنس وعلى الانتماء العمومي لكل الجنس البشري”،[4] وأشار إلى دليل كتابي في سفر التكوين، حين تكلم الله إلى نوح وبنيه قائلاً: “سافك دم الإنسان، بالإنسان يُسفك دمه، لأن الله على صورته عمل الإنسان” (تك 9:6)، وأكد البطريرك ساويروس أنه في تلك الآية لم تكن الإشارة إلى إنسان محدد، ولكن إلى أي إنسان ينتمي إلى كل الجنس البشري.[5]

ولكن من الناحية الأخرى حينما ندعو شخصاً محدداً ـ مثل يعقوب أو ألقانه ـ بأنه إنسان، فنحن نقصد أنه ينتمي إلى الأوسيا وإلى الجنس (البشري).[6] وكل من يعقوب وألقانه هو هيبوستاسيس، لأن كل منهما أخذ وجوده المحدد (concrete existence) ’بصورة منفصلة وخاصة”.

ويؤكد البطريرك ساويروس أن نفس المبدأ ينطبق عند شرح الإيمان الأرثوذكسي عن الله، فاسم الله مشترك للآب والابن والروح القدس: “الآب هو الله؛ وهو أزلي وخارج الزمن، وكذلك الابن وكذلك الروح القدس أيضاً. ولم يبدأ الآب في أن يكون لأنه كائن على الدوام، وهكذا الحال بالنسبة للابن وبالنسبة للروح القدس أيضاً”.[7]

وعلى الرغم من أنه لا يوجد اختلاف من جهة الأوسيا، بين أي إثنين من الثلاثة أقانيم في الثالوث المبارك، إلاّ أنه بالإشارة إلى الهيبوستاسيس فإن الآب هو واحد والابن هو آخر والروح القدس هو آخر أيضاً. والتمايز الذي لكل منهم يكمن في الخصوصية التي له، فالآب مثلاً هو غير مولود؛ والابن مولود؛ والروح القدس منبثق من الآب. وبهذه الطريقة، بينما كل منهم هو الله بالكمال، فإنه يتمايز عن الإثنين الآخرين. وقد اقتبس البطريرك ساويروس من رسالة ق. باسيليوس أسقف قيصرية إلى أمفوليكوس، بعض الفقرات التي تؤيد شرحه.

ويمكن توضيح الفكرة التي وراء تعريف ساويروس لمصطلحي ’أوسيا‘ و’هيبوستاسيس‘ على النحو التالي: الأوسيا هو شيء حقيقي؛ وهو يشير إلى ما يمكن أن يُسمى كينونة (is-ness) أو جوهر الشيء (بصورة عامة ومجردة)، ولكن ’الأوسيا‘ على الرغم من ذلك ليس له وجود محدد (concrete existence)، لأن كل شيء له وجود محدد هو شيء خاص (particular).

وبالتالي فإن ’الأوسيا‘ هو الحقيقة (العامة) التي عندما تتخصخص أو تتفرد (individuated) ينشأ شيء خاص محدد أو ’هيبوستاسيس‘. فالناسوت مثلاً كأوسيا يمثل الأساس الميتافيزيقي (المجرد) لكل إنسان وللجنس البشري بأكمله.

وقد جمع البطريرك ساويروس في تعامله مع مصطلح ’أوسيا‘ بين فكرتين، فمن ناحية أخذ الكلمة بمعنى الحقيقة العامة الديناميكية ـ ومن المحتمل أن يكون بنفس معنى ’الحقائق‘ (eidos) التي وردت عند أفلاطون* والتي قننها الآباء الكبادوك في القرن الرابع ـ ولكن من الناحية الأخرى رأى البطريرك ساويروس في الكلمة، الاسم العمومي لكل أعضاء النوع أو الصنف (class) الواحد وحسب.

وتدل هذه الحقيقة على أن البطريرك ساويروس لم تكن له دراية كاملة بالفلسفة اليونانية،[8] ولكنه على الرغم من ذلك كان ضليعاً في الأدب الآبائي حتى أنه ذكر أن بعضاً من اللاهوتيين الأوائل استخدموا مصطلح ’أوسيا‘ بمعنى الوجود الخاص[9] (particular)، وأولئك قد أخذوا ’الأوسيا‘ بالمدلول الذي صار لمصطلح ’الهيبوستاسيس‘ فيما بعد، ويقر البطريرك ساويروس أن هذا القصور والتداخل قد انتهيا، وأن الفهم الذي يتبناه (ساويروس) لمعنى المصطلحين هو الذي أصبح مقبولاً بين جميع اللاهوتيين.

وتعد إشارة البطريرك ساويروس هنا في غاية الأهمية، حيث تُظهر أن اللاهوتيين المسيحيين في العصور الأولى كانوا يستخدمون مصطلح ’أوسيا‘ بمدلول ’الأوسيا الأساسي (primary ousia)‘ عند أرسطوتاليس، ولكن هذا التقليد قد تُرك فيما بعد، وكان ذلك على الأرجح منذ وقت الآباء الكبادوك.

وإذا انتقلنا إلى مصطلحي ’هيباركسيس (Hyparxis)‘ و’فيزيس (Physis)‘ فسنجد أنهما يتحركان معاً. ويشير مصطلح ’هيباركسيس‘ في اللغة الإنجليزية إلى معنى ’الوجود‘ (existence) ومصطلح ’فيزيس‘ إلى ’الطبيعة‘ (nature)، ووفقاً لذلك فإن كلا المصطلحين يمكن أن يُستخدم إما بالمعنى العمومي (common) أو بالمعنى الخاص (particular).

وعلى سبيل المثال، فإن أي ’أوسيا‘ يكون له ’الهيباركسيس‘ (الوجود) الخاص به من ناحية، كما أن له أيضاً ’الفيزيس‘ (الطبيعة) الخاصة من الناحية الأخرى. و’الهيبوستاسيس‘ كذلك بكونه ’الأوسيا‘ الذي تخصخص أو تفرد فإن له أيضاً ’الهيباركسيس‘ و’الفيزيس‘ الخاصين به. وقد دار جدال عنيف في الكنيسة حول مصطلح ’فيزيس‘ أو ’ طبيعة‘ أثناء الخلاف الخريستولوجي، ولذلك سوف نقوم بالتعمق بصورة أكبر في مدلول هذا المصطلح.

وكان البطريرك ساويروس قد تعامل مع معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘ في أكثر من عمل من كتاباته، وفي كل مرة كان يقر أن هذا المصطلح يعني في بعض الأحيان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر ’الهيبوستاسيس‘*.[10] فتعبير ’الطبيعة البشرية‘ مثلاً، يُستخدم في بعض الأحيان كمصطلح يتضمن كل الجنس البشري؛ ولكنه في أحيان أخرى يُستخدم للإشارة إلى كائن بشري معين واحد.

وقد اقتبس البطريرك ساويروس من كتابات ق. كيرلس السكندري ما يؤيد تعريفه لمصطلح ’فيزيس‘ أو ’الطبيعة‘، وكان ق. كيرلس قد كتب في مؤلفه ضد نسطوريوس في الخطاب الرابع، أن “طبيعة اللاهوت واحدة وهي تتفرد كآب، وكذلك كابن، وعلى نفس النحو كروح قدس” ويقول أيضاً: “إن طبيعة اللاهوت الواحدة تُعرف في الثالوث القدوس والواحد في ذات الجوهر”.

ويقول البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس استخدم هنا مصطلح ’طبيعة‘ بمعنى ’الأوسيا‘، ولكن في خطابه إلى الأميرة استخدم ق. كيرلس نفس المصطلح كمرادف للهيبوستاسيس حيث كتب: “نحن نؤكد أن الكلمة، خالق العالمين، الذي فيه وبه يكون كل شيء، النور الحقيقي، ’الطبيعة‘ التي تعطي حياة للجميع، الذي هو ابنه الوحيد، قد ولد من جوهر الآب بطريقة لا توصف”.

وقد أكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس يأخذ مصطلح ’طبيعة‘ بهذا المعنى الثنائي ليس فقط عند الإشارة لله، ولكن حينما يتكلم أيضاً عن الإنسان، فقد كتب ق. كيرلس في خطابه الثالث في مؤلفه ضد نسطوريوس:

“إنه بسبب خطية آدم، سقطت طبيعة الإنسان إلى اللعنة والموت” وهنا المصطلح يعطي معنى الأوسيا، ولكن في كتاب ق. كيرلس ضد أندراوس السموساطي استخدم مصطلح ’طبيعة‘ كبديل للهيبوستاسيس حيث قال: “وبالنظر إلى البروسوبون الواحد والطبيعة الواحدة، أي الهيبوستاسيس (الواحد)، فإننا حينما نفكر في هاتين (الطبيعتين) اللتين منهما يتركب طبيعياً، فإن العقل يجعلهما معاً ويميزه كواحد مركب، وليس كمنقسم إلى إثنين”.

ونستطيع القول إنه في أيام البطريرك ساويروس ـ ومن خلال الإشارات الواردة في كتاباته ـ لم يذهب معارضوه في الجانب الخلقيدوني في الشرق، إلى أبعد مما ذهب هو إليه في تعريف مصطلح ’طبيعة‘. وعلى سبيل المثال، اقتبس البطريرك ساويروس في تلك النقطة من كلام أحد منتقديه الخلقيدونيين ما يلي:

“يدل ’الأوسيا‘ على العمومي أو المشترك، مثل اللاهوت الواحد الذي للثالوث القدوس، أو مثل ما هو مشترك بيننا أي الطبيعة البشرية بصفة عامة. ويشير ’الهيبوستاسيس‘ إلى ’البروسوبون‘ الواحد الذي للآب، أو الذي للابن، أو الذي للروح القدس؛ أو أيضاً الذي لبطرس أو يوحنا أو أي إنسان. ولكن ’الطبيعة‘ تُستخدم في بعض الأحيان مكان ’الأوسيا‘ وفي البعض الآخر مكان ’الهيبوستاسيس‘”.[11]

وفي الحقيقة كما نرى، كان هناك فرق هام بين البطريرك ساويروس والكاتب الخلقيدوني، ففي الأغلب كان الأخير يرى في ’الأوسيا‘ المعنى المجرد العام، ولكن ساويروس كان يرى أنه إذا لم يصبح هذا المجرد (الحقيقة العامة)، محدداً (concrete) فلا يمكن أن يكون له وجود حقيقي (real existence) في عالم الزمان والمكان.

أما الفرق في المعنى بين مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، فهو أمر دقيق للغاية. وقد كتب البطريرك ساويروس: “إن آباء الكنيسة وصفوا ’الهيبوستاسيس‘ بأنه ’البروسوبون‘”،[12] ومع ذلك فإن هناك فرق في المدلول بينهما لأنه “حينما يصبح وجوداً محدداً خاصاً، فإن ’الهيبوستاسيس‘ ـ سواء كان بسيطاً أم مركباً ـ يعبِّر عن بروسوبون متمايز”.[13]

وستتضح هذه النقطة أكثر حينما نبين الفرق بين الهيبوستاسيس ’البسيط‘ و ’المركب‘. ولكي يشرح البطريرك ساويروس النوع ’البسيط‘ أشار إلى أشخاص الثالوث القدوس الثلاثة، فكل من الآب والابن والــــــــروح القــــدس هو هيبوسـتاســـيس بســـــيط (simple hypostasis)، أما الإنسان فهو هيبوستاسيس مركب (composite hypostasis)، لأنه يتكون من جسد وروح.[14]

وفي الإنسان، أوسيا الجسد وأوسيا الروح ـ كحقائق ديناميكية عامة مجردة ـ تخصخصا وتفردا (individuated) معاً في اتحاد بينهما، وكل منهما ظل ـ في الإنسان ـ بكماله الذي حسب أصل مبدأه (جوهره). والتقيا ’الاثنان أوسيا‘ معاً ليكونا الإنسان، وبالتالي فإن الإنسان هو هيبوستاسيس ’مركب‘.

وفي حالة الإنسان، فإن منذ أول لحظة من تزامن (وجود) أوسيا الجسد وأوسيا الروح، يأخذ الإنسان وجوده ككيان جسدي روحي، ويستلم ’بروسوبون‘. ولا يلتقي ’الاثنان أوسيا‘ معاً في صورة ’الأوسيا‘، ولكن منذ بداية وجودهما معاً يصبحان حقيقتين هيبوستاسيتين (hypostatic realities).*

ويقول ساويروس: “يحافظ كل من الجسد والروح ـ اللذان يتركب منهما الإنسان ـ على الهيبوستاسيس الخاص به، دون أن يختلطا أو يتحول أي منهما إلى الآخر. وعلى الرغم من ذلك، فبما أنهما اتخذا وجودهما المحدد في الوضع المركب وليس بشكل منفصل مستقل، فلا يمكن أن يُخصص ’بروسوبون‘ متمايز لأي منهما (على انفراد)”.[15]

ويمكننا أن نُفسر كلام البطريرك ساويروس في هذه النقطة كما يلي: ’الهيبوستاسيس‘ هو الكيان المحدد (concrete being) الناتج من تخصخص أو تفرد (individuation) ’الأوسيا‘. وفي هذا التخصخص والتفرد يأخذ ’الأوسيا‘ بكماله وجوداً محدداً (concrete existence)، وعندما يحدث هذا يستلم الهيبوستاسيس، ’البروسوبون‘ الخاص به.

ومن هنا نستطيع أن نقول أن ’الهيبوستاسيس‘ ـ بكونه ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص ـ فإنه يمثل الحقيقة الداخلية للشيء، و’البروسوبون‘ هو الهيئة الخارجية (أو الوجه الخارجي). وعلى سبيل المثال، كل عضو من أعضاء نوع (class) معين هو الأوسيا الذي تفرد وتخصخص بكامله، ومن ثم لا يمكن تمييزه كهيبوستاسيس عن أي عضو آخر من نفس النوع، ولكن أعضاء النوع (الواحد) تتمايز عن بعضها البعض بواسطة البروسوبون.

 وكان ’الهيبوستاسيس المركب‘ بالنسبة للبطريرك ساويروس يُعامل معاملة ’الطبيعة المركبة‘،* وبالتالي فكل ما يُذكر عن المصطلح الأول ينطبق على الثاني أيضاً. وتتضح هذه النقطة بالإشارة ثانية إلى الإنسان الذي يتكون من جسد وروح، فيمكن أن نقول عن الإنسان إنه “من طبيعتين” أو “من هيبوستاسيسين”، لأن الجسد والروح لا يوجدان في الإنسان كـ ’إثنين أوسيا‘ ولكن كـ ’هيبوستاسيسين‘.

وحيث إن الإثنين أوسيا‘ قد أصبحا متفردين ومتخصخصين معاً في الإتحاد، لذلك لا يوجد الإنسان في ’طبيعتين‘ (بسيطتين منفصلتين). ولو كان يمكن للجسد في أي وقت ما، أن يأتي إلى الوجود بدون الروح أو الروح بدون الجسد، لأمكن أن يكون كل منهما ’طبيعة بسيطة‘ أو ’هيبوستاسيس بسيط‘ وأن يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به وهو ما لم يحدث في حالة الإنسان.

ولكن ما حدث من الجهة الأخرى، هو أن ’أوسيا الجسد‘ و’أوسيا الروح‘ ـ كحقيقتين ديناميكيتين ـ التقيا معاً في تكوين ’طبيعة مركبة‘ أو ’هيبوستاسيس مركب‘ له بروسوبون (واحد)، وعلى هذا النحو يكون الإنسان ’هيبوستاسيس مركب‘.

ويمكننا أن نُظهر مفهوم ساويروس عن ’البروسوبون‘ بطريقة أوضح إذا رجعنا إلى الإجابة التي قدَّمها عن السؤال: لماذا لا يمكن أن نعترف بأن المسيح “من بروسوبونين” (from two prosopa)؟. وقد أصر البطريرك ساويروس أن المخلص “من طبيعتين” أو “من هيبوستاسيسين” ولكنه ليس “من بروسوبونين”، حيث كتب:[16]

“عندما تتخذ جموع ’الهيبوستاسيس‘ وجودها المحدد الخاص، وتكون منفصلة الواحد عن الآخر، فإن كل واحد منها يكون له ’البروسوبون‘ الخاص به. ولكن حينما يلتقي ’هيبوستاسيسان‘ في إتحاد طبيعي ويكملان إتحاد للطبيعتين والهيبوستاسيسين بدون أي اختلاط ـ كما نرى في حالة الإنسان ـ فلا يمكن أن يُنظر إلى هذين الإثنين اللذين حدث منهما الإتحاد، بكونهما (وجودين) محددين مستقلين، أو أن يُعتبرا كبروسوبونين، وإنما ينبغي أن يُؤخذا كـ (بروسوبون) واحد”.

وفي تطبيق هذا المفهوم على المسيح، يشرح البطريرك ساويروس وجهة نظره كما يلي: إن الله الكلمة الذي هو قبل العالمين، حينما وحَّد بنفسه (to himself) ناسوتاً بدون تغيير، لم يكن من الممكن أن يُنسب بروسوبون خاص (مستقل) لا إلى لاهوت المولود الوحيد* ولا إلى الناسوت الذي اتحد به، لأنهما أُدركا (معاً) وهما في الوضع المركب وليس كما لو كانا قد اخذا وجودهما المحدد (في المسيح) بصورة منفصلة.

وبالتقاء اللاهوت والناسوت معاً، تكوَّن هيبوستاسيس واحد (مركب) من الإثنين ومعه أصبح للكلمة المتجسد البروسوبون الخاص به. وقد استمر اللاهوت والناسوت اللذين تركب منهما عمانوئيل كل في حالته الهيبوستاسية التي له بدون تغيير.[17] ويحتاج هذا الشرح إلى توضيح أكثر، خاصة في ضوء تعليم البطريرك ساويروس بأن الله الابن هو هيبوستاسيس وبروسوبون أزلي، وسوف نتعرض لهذا الأمر لاحقاً في هذه الدراسة.[18]

ويُظهر لنا هذا الملخص السابق لمعاني المصطلحات اللاهوتية، أن أحد أسباب الجدال الخريستولوجي كان يرجع إلى قصور الوضوح في مدلول تلك المصطلحات الحاسمة، حيث كانت التعريفات التي قدَّمها كل من البطريرك ساويروس ومعارضه الخلقيدوني تفتقد إلى الوضوح في عدة نقاط. فالبطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد جمع فكرتين معاً في تفسيره لمعنى ’الأوسيا‘، ولكن استخدامه للمصطلح في كثير من المواضع لم يكن يُفهم إلا إذا أُخذ بمعنى الحقيقة المجردة.

كما أن معارضه الخلقيدوني ذكر بوضوح أنه يفهم كلمة ’طبيعة‘ في عبارة “في طبيعتين” بمعنى اللاهوت والناسوت في معناهما المجرد، ولكنه أقر في نفس الوقت أن الله الابن الذي هو هيبوستاسيس وبروسوبون أزلي هو الذي صار متجسداً، وبالتالي فلم تكن واحدة على الأقل من الطبيعتين (في عبارة “في طبيعتين”) في صورتها المجردة.

ولذلك كانت المشكلة قائمة لدى كلا الطرفين، وكان معنى مصطلح ’فيزيس‘ أو ’طبيعة‘ غير واضح عند كلا الجانبين، وقد اعتقد كل منهما أن المشكلة يمكن أن تُحل بأخذ هذا المصطلح تارة بمعنى ’الأوسيا‘ وتارة بمعنى ’الهيبوستاسيس‘.

ومع أخذنا هذه المشاكل في الاعتبار، ومع بقائنا كذلك قدر الإمكان قريبين من التعريفات التي قدَّمها كلا الطرفين، نستطيع أن نتصور العرض التالي: يدل مصطلح ’أوسيا‘ على الحقيقة الديناميكية التحتية (underlying) لكل ما هو عام وخاص. وبهذا المعنى يتضمن ’الأوسيا‘ كل من ’الكينونة‘ أو الوجود من ناحية، و’الخصائص‘ (properties) التي تعطي الأوسيا طابعها وهويتها من الناحية الأخرى، وهذان الإثنان هما ’الهيباركسيس‘ و ’الفيزيس‘ على التوالي، وهما من الممكن أن يؤخذا سواء بمحمل ’عمومي‘ بالمعنى المجرد، أو بمحمل ’خاص‘ بالمعنى المحدد.

و’الهيبوستاسيس‘ هو الشخص المتفرد، والمعنيِ بالأفعال (subject of actions) الذي فيه يأخذ الأوسيا ـ بما له من ’هيباركسيس‘ و ’فيزيس‘ ـ وجوده المحدد. وعندما يتفرد ويتخصخص الأوسيا مُوجداً هيبوستاسيس، فإن الهيبوستاسيس يستلم سمته المميزة والتي بها يختلف (يتمايز) عضو (member) من أعضاء نوع (class) معين عن عضو آخر من نفس النوع، وهذا هو ’البروسوبون‘.

*  انظر الملحق الموجود في نهاية الكتاب عن “التطور التاريخي لمدلول المصطلحات المستخدمة في الجدال اللاهوتي في الكنيسة في العصور الأولى”.

 

[1] Patrologia Orientalis, op. cit.,  vol. XII, p. 195.

[2] N. & P. N. F., sec ser., vol. IV, pp. 165f.

[3] Contra Grammaticum, op. cit., I, (Syriac) p. 56.

[4] المرجع السابق صفحة 62.

[5] المرجع السابق صفحة 57-58.

[6] المرجع السابق صفحة 59.

[7] المرجع السابق صفحة 62.

*  كان أفلاطون قد استخدم هذا المصطلح ليفيد ماهية الخواص العليا أو الحقائق في مقارنتها بالمظاهر التي نراها على الأرض حيث أن المثل هي وحدها الحقائق أما المظاهر المادية فما هي إلاّ تقليد أو مجرد اشتراك يجعل الأشياء منظورة لنا.

[8]  ويؤكد البطريرك ساويروس نفسه هذه الحقيقة. انظر:

(Ad Nephalium, p. 167, and Antijulianistica, p. 94).

[9]  Contra Grammaticum, op. cit., I, pp. 81f.

*   كان مصطلح ’أوسيا‘ عند البطريرك ساويروس يعني الحقيقة الديناميكية العامة، بما تتضمنه من الوجود (هيباركسيس)، والطبيعة (فيزيس) التي تميزها.

وعلى ذلك يكون الهيبوستاسيس هو ’الأوسيا‘ الذي تفرد وتخصخص بما له أيضاً من وجود (هيباركسيس) ومن طبيعة (فيزيس). ولذلك حين كان البطريرك ساويروس يتكلم عن الطبيعة بمعناها العام فقد كان يعني الطبيعة التي يتضمنها الأوسيا، وحين كان يتكلم عنها بمعناها الخاص فقد كان يعني الطبيعة التي يتضمنها الهيبوستاسيس.

[10] See P. O. XII, p. 196; Contra Grammaticum, I, pp. 68f.

[11] Contra Grammaticum, op. cit., I, p. 145.

[12] المرجع السابق صفحة 74.

[13] المرجع السابق صفحة 76.

[14]  كان البطريرك ساويروس، مثل بقية اللاهوتيين في عصره، يعتبر أن الجسد والروح في الإنسان كيانين مستقلين خلقهما ووحدهما الله في كل كائن بشري.

*   لأن ’الأوسيا‘ عند البطريرك ساويروس هي الحقيقة المجردة (abstract) التي ليس لها وجود حقيقي (real existence) في عالم الزمان والمكان، ما لم توجد في شكل محدد (concrete) أي في الحالة الهيبوستاسية.

[15]  المرجع السابق صفحة 77.

*   لأن ’الهيبوستاسيس‘ عند ساويروس كان يتضمن ’الطبيعة‘ (فيزيس) مع الوجود (هيباركسيس). وفي كل المرات التي استخدم فيها البطريرك ساويروس مصطلح ’طبيعة‘ وهو يتحدث عن أي كيان مخصخص ومتفرد سواء كان بسيطاً أم مركباً فكان يقصد به مدلول ’الهيبوستاسيس‘.

[16] المرجع السابق صفحة 181.

*    بالطبع كان للاهوت الابن الوحيد، البروسوبون الخاص به قبل التجسد، ولكن المقصود هنا هو أنه من غير الممكن أن يكون للاهوته البروسوبون الخاص المستقل وهو في حالة الاتحاد مع الناسوت.

[17]  المرجع السابق صفحة 77 وما يليها.

[18]  انظر صفحة 544.

معاني مصطلحات لاهوتية عند غير الخلقيدونيين

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج1

الجزء الثاني: الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

حينما كان الجانب غير الخلقيدوني يقوم بمعارضة مجمع خلقيدونية وطومس ليو، كان يهتم أيضاً (في نفس الوقت وبنفس الحماس) بإدانة عدد من الهرطقات المتنوعة.

وقد شملت قائمة الهراطقة عند غير الخلقيدونيين نفس الرجال الذين رفضهم الجانب الخلقيدوني قبل مجمع عام 451م ـ بسبب تعاليمهم غير الأرثوذكسية ـ كما شملت أيضاً أولئك الذين جاءوا لاحقاً ولم تكن أفكارهم تطابق التقليد العقائدي لغير الخلقيدونيين. ولكي نتعرف على ذلك التقليد العقائدي، ينبغي علينا أن ننظر إلى المواقف (اللاهوتية) التي رفضوها، والأسباب التي ذكروها في تبنيهم لهذة التصرفات.

وقد كانت الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني ـ والمتعلقة بدراستنا هذه ـ هي الهرطقات المتصلة بعقيدة الثالوث وبعقيدة التجسد. وبالنسبة للنوع الأخير كان غير الخلقيدونيين قد استبعدوا بعضاً منها بسبب أنها لا تؤكد وحدة المسيح بشكل صحيح، ورفضوا البعض الآخر لأن تفسيرها للاستمرار الديناميكي للاهوت والناسوت في المسيح الواحد كان تفسيراً معيباً.

وقد اهتم اللاهوتيون في الكيان غير الخلقيدوني ـ في كل البيانات العقائدية التي أصدروها ـ بأن يذكروا قائمة بالرجال الذين يعتبروهم من الهراطقة بدءاً من سمعان الساحر وانتهاءً بنسطوريوس من ناحية، ومن فالنتينوس إلى أبوليناريوس وأوطيخا من الناحية الأخرى. وكان غير الخلقيدونيين هم الذين بادروا باستبعاد وتفنيد مجموعة من التعاليم الخاطئة التي ظهرت بعد مجمع خلقيدونية والمتعلقة بعقيدة الثالوث وعقيدة التجسد.

2. الأوطيخية:

كان أوطيخا قد نُفي إلى (Doliche) بشمال سوريا ـ كما ذكرنا ـ فور تولي بولخريا السلطة عام 450م، ولم يُعرف أي شيء عن الرجل منذ ذلك الحين. وسواء كان أوطيخا بالفعل يؤمن بالأفكار التي رأها فيه الذين أدانوه أم لا، فالحقيقة أنه كان هناك رجال في الشرق في ذلك الوقت يتمسكون بمثل هذه الأفكار.

ويذكر زكريا المؤرخ[1] أنه في أيام ثيؤدوسيوس أسقف أورشليم (تنيح عام 457م)، قام رجل خطيب من الإسكندرية يُدعى يوحنا بتقديم نظرية أُشير إليها بـ ’الأوطيخية‘، حيث سعى يوحنا بحكم دراسته الفلسفية أن يربط تخميناته الغيبية ببعض الأفكار المستعارة من المسيحية، ليقدم تفسيراً عن شخص المسيح. وقد اعتبر يوحنا ناسوت المخلص ’ظاهرة فريدة‘ لا توجد طبيعة من نفس نوعها، على أساس أنه وُلد من عذراء،[2] وبالتالي فإذا كان يسوع المسيح هو إنسان بدون طبيعة ’بشرية‘، فقد زعم يوحنا أنه كان طبيعة وحيدة.

ويذكر المؤرخ أن يوحنا الخطيب كتب عدداً من المقطوعات الأدبية ونسبها إلى أشخاص مثل بطرس الأيبيري وثيؤدوسيوس نفسه الذي عندما سمع بأفكار يوحنا وتصرفاته قام بإدانة الرجل وتعاليمه،[3] وأرسل حكمه هذا إلى فلسطين وسوريا والإسكندرية.

ومما يُذكر بواسطة نفس المؤرخ أنه بينما كان ثيؤدوسيوس في السجن اتصل به الخلقيدونيون والأوطيخيون ليحاول كل منهما أن يستميله إليه ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بفائدة. ويقال إن ثيؤدوسيوس أخبر الأوطيخيين أن أفكارهم هي نفس تعاليم فالنتينوس وماني وماركيون، ويجب أن تُعرف أنها هرطقة أسوأ من هرطقة “بولس السموساطي، وأبوليناريوس ونسطوريوس”.[4]

أما بالنسبة للبابا تيموثاؤس إيلوروس بطريرك الإسكندرية، والذي يعد أكثر مَن عبَّروا عن انتقادهم لمجمع خلقيدونية بعد وقت ثيؤدوسيوس، فقد عارض أيضاً الموقف الأوطيخي بشدة. ويُذكر أنه عندما كان في نفيه، كتب رسائل إلى الإسكندرية وفلسطين يعارض فيها أولئك الذين يرفضون أن يؤكدوا أن المسيح، الذي هو واحد مع الآب في الجوهر بحسب اللاهوت، هو أيضاً وفي نفس الوقت واحد معنا في الجوهر بحسب الناسوت.[5]

وبالإضافة إلى ذلك، هناك حادثتان في حياة البابا تيموثاؤس إيلوروس تؤكدان معارضته للأوطيخية. الحادثة الأولى أثناء منفاه، حيث كان هناك رجلان من الإسكندرية ـ إشعياء من هرموبوليس، وقس يُدعى ثيؤفيلوس ـ اتخذا إقامتهما في القسطنطينية وزعما أن لهما نفس رؤية البابا تيموثاؤس أيلوروس،[6] ولكن في الحقيقة كانت الأفكار التي ينشرانها هي نفس الأفكار التي اعتُقد أن أوطيخا كان يتمسك بها.

وحينما وصلت هذه الأنباء إلى البابا تيموثاؤس في منفاه أرسل خطابات إلى كل من الإسكندرية والقسطنطينية، يحذر فيها الناس مما يفعله هذان الرجلان.[7] وأرسل البابا تيموثاؤس خطابين إلى القسطنطينية، ينصح في الأول منهما الرجلين (إشعياء وثيؤفيلوس) بالإقلاع عن تلك الأفكار، وعندما لم يتقبل الرجلان الخطاب بصورة جيدة أرسل خطابه الثاني[8] الذي كان عملاً عقائدياً يشرح الإيمان ويحتوي على عدد كبير من الاقتباسات من كتابات الآباء.

ورفض إشعياء وثيؤفيلوس هذا الخطاب أيضاً فقام البابا تيموثاؤس في النهاية بحرمهما بعلة الهرطقة.[9]

وقد ناقش البابا تيموثاؤس في خطابه الثاني موضوع الإيمان بهدف فضح تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس اللذان روَّجا أفكارهما في ربوع القسطنطينية. ولذلك أكد البابا تيموثاؤس في خطابه أن ربنا يسوع المسيح في التجسد كان واحداً في الجوهر معنا، وأصر أن “أي واحد يجل الله لن يسمح (لنفسه) أن يحتقر رحمته برفضه الإخلاص لتعليم آبائنا القديسين الذين اعترفوا أن ربنا يسوع المسيح صار واحداً معنا في الجوهر في الجسد”.[10]

وكما فعل البابا ديسقوروس، استمر البابا تيموثاؤس ـ معتمداً على الرسالة إلى العبرانيين ـ ليؤكد أنه “إذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما، لكي يبيد بموته سلطان الموت أي ابليس……. وهو لم يأخذ الطبيعة من الملائكة، ولكن من نسل إبراهيم. و (من ثمَّ) كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيماً……. لأنه فيما هو قد تألم وجُرب يقدر أن يعين المجربين”.

ويعلق البابا تيموثاؤس على عبارة ’ يشبه أخوته في كل شيء‘ ويقول: إن الأسفار “تعلم كل أولئك الذين يرغبون في بركات السماء وفي الخلاص، أنه ينبغي عليهم أن يعترفوا أن تجسد ربنا يسوع المسيح كان من مريم…….؛ وهو الذي له ذات الطبيعة مع الآب بحسب لاهوته، صار كذلك له ذات الطبيعة معها (أي مع العذراء مريم) ومعنا في الجسد”.

وبهذه الطريقة شرح البابا تيموثاؤس في خطابه إيمان الكنيسة بخصوص التجسد مفنداً تعاليم إشعياء وثيؤفيلوس الخاطئة. وقد أرسل نسخة من هذا الخطاب إلى الإسكندرية، ووجهه “إلى الإكليروس، والرهبان، والأخوات الراهبات في المسيح، والمؤمنين……. لكي تعرفوا أنني قد كتبت هذه الأشياء”.[11]

ثم حذرهم بأن “الذي لا يؤمن بحسب التقليد الخاص بربنا يسوع المسيح ابن الله ، كما علَّم به آباؤنا القديسون، فليكن محروماً”.[12] ويتضح من هذه الحادثة أن البابا تيموثاؤس إيلوروس لم يكن مؤيداً لوجهة النظر التي أدانها ليو بابا روما ومجمع خلقيدونية على أنها تعليم أوطيخا، كما أن معارضته للمجمع وللطومس لم تكن نتيجة تردده في الاعتراف بكمال بشرية ربنا.

أما الحادثة الثانية التي تثبت أن البابا تيموثاؤس إيلوروس كان يرفض التعليم المنسوب إلى أوطيخا، فقد حدثت في القسطنطينية عام 475م. وكان الإمبراطور باسيليسكوس ـ كما ذكرنا ـ قد أعاد البطريرك تيموثاؤس من منفاه، وعندما زار البابا تيموثاؤس القسطنطينية[13] شجع الإمبراطور ليصدر منشوره العام الذي يلغي مجمع خلقيدونية.

وقد أدان هذا المنشور أولئك الذين يتمسكون بفكرة أن التجسد كان شبهاً خارجياً فقط، فعارض بعض الرجال في القسطنطينية هذا الأمر، واتصلوا بتيموثاؤس ليتفقوا معه لكي يعارض هو الآخر هذه الفكرة، ولكن على عكس توقعاتهم ثار البابا تيموثاؤس ضدهم قائلاً:[14]

“إن الأسفار تعلمنا عن المسيح أنه تشابه معنا في كل شيء، وأنه صار بالكمال بنفس الطبيعة (البشرية) معنا ما عدا الخطية. وهو قد وُلد بطريقة فائقة بدون اتصال زيجي، ولكنه صار إنساناً كاملاً، إذ حُبل به في مريم العذراء وولد منها بالروح القدس، وهو نفسه ظل باستمرار الله المتجسد بدون أي تغيير”.

ومن الواضح هنا أن البابا تيموثاؤس إيلوروس قد أكد أن ناسوت ربنا كان حقيقياً وكاملاً، وأنه (أي البابا تيموثاؤس) استبعد الأوطيخية بنفس التصميم والحماس الذي كان لدى الجانب الخلقيدوني.

وإذا انتقلنا إلى مار فيلوكسينوس أسقف منبج، فسنجد أنه كان ـ كما ذكرنا ـ معارضاً قوياً للنسطورية، وكان يؤمن أنها قد عادت من جديد بمكر من خلال مجمع خلقيدونية وطومس ليو. ويتضح من كتابات مار فيلوكسينوس أنه كان يرفض الأوطيخية أيضاً بنفس الحماس الذي كان يعارض به النسطورية.

ويؤكد مار فيلوكسينوس أن الأوطيخية تؤمن فقط أن الله الابن أخذ لنفسه مظهر وشبه الإنسان[15] بدون أن يأخذ أي شيء من العذراء، وهذا التعليم يضعف من مدلول التجسد ولهذا ينبغي أن ترفضه الكنيسة. وكان فلافيان أسقف القسطنطينية وليو بابا روما قد وجدا ـ كما ذكرنا ـ في أوطيخا نفس هذه الرؤية، وقد عبَّر مار فيلوكسينوس عن موافقته لكليهما أثناء اعلانه عن هرطوقية هذه الأفكار.

وفي الحقيقة ذهب مار فيلوكسينوس في شرحه إلى القول بأن التعليم الأوطيخي لم يقع فقط في خطأ الدوسيتية* ـ كما هو شائع عنه ـ ولكنه وقع أيضاً في الثنائية المانية التي تعتبر أن المادة شر،[16] لأنه إذا كانت الأوطيخية تنكر أن ربنا قد صار متجسداً من العذراء وأنه واحد معنا في الجوهر، أفلا يتضمن هذا رفضاً منها (أي من الأوطيخية) بالاعتراف أن الله من الممكن أن يصير إنساناً على أساس الفرض المسبق بأن الطبيعة البشرية هي شر؟

ويرى مار فيلوكسينوس أن هناك تشابهاً بين النسطورية والأوطيخية حيث يقول:[17]

“وقد يبدو أن الموقف النسطوري والموقف الأوطيخي يضاد كل منهما الآخر، ولكنهما في الواقع يتمسكان بنفس وجهة النظر، لأن كليهما ينكر أن الله وُلد من مريم. فلو كان الله قد اتخذ فقط مظهر وشبه الجسد ولم يأخذ بالحقيقة جسدنا من العذراء، فلا تكون الحقيقة القائلة أن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ قد ولدت، هي أمر واقعي (على الإطلاق)”.

وبينما يستنكر أسقف منبج الأوطيخية على هذا النحو، نجده أيضاً يكتب عن النسطورية قائلاً:[18]

“إن النسطورية لا تعترف أن الكلمة صار جسداً، ولكنها تعترف فقط أن الجسد تكون (أولاً) ثم أتُخذ بواسطة الكلمة. وبالتالي فلا تكون مريم هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘، بل هي فقط والدة الجسد أو بالتحديد الإنسان الذي سكن فيه الله”.

وعند مار فيلوكسينوس ـ كما سنرى بصورة أوضح فيما بعد ـ كان الله الابن قد تجسد بالفعل بأن وحَّد بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً من رحم العذراء، وأي عقيدة تنكر أو تقلل من هذه الحقيقة كانت بالنسبة له هرطقة ينبغي إدانتها.

أما بالنسبة للبطريرك ساويروس الأنطاكي، فقد كان ناقداً قوياً للموقف (اللاهوتي) الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘. وفي إشارته إلى عبارة أن المسيح ’طبيعتان قبل‘ و ’طبيعة واحدة بعد الاتحاد‘[19] كتب البطريرك ساويروس: “لم يقم أحد على الإطلاق من الذين يتمسكون بالتفكير السليم ـ ولا حتى على مستوى الخيال ـ بإقرار تعبير: طبيعتين قبل الإتحاد”.[20] لأن ذلك يعني من وجهة نظر ساويروس أن الطفل الإنساني قد تكوَّن في رحم العذراء قبل اتحاد الطبيعتين.

وبالنسبة لكافة القادة غير الخلقيدونيين، كانت فكرة أن الطفل قد تكوَّن في الرحم قبل الإتحاد لا تعني إلا نفس تعليم نسطوريوس ومؤيديه. وقد عارض البطريرك ساويروس هذه الفكرة في أماكن عديدة في كتاباته ـ بالإضافة إلى ما أوردناه قبلاً ـ ونذكر على سبيل المثال ما كتبه إلى أكيومنيوس (Oecumenius)[21] حيث قال:

“بالرغم من أن هيبوستاسيس (أقنوم) الله الكلمة كائن قبل كل الدهور والأزمنة وهو منذ الأزل مع الله الآب والله الروح، فإن الجسد ذو الروح العاقل (الذي أخذه) لم يوجد قبل اتحاده به”. ومرة ثانية يؤكد البطريرك ساويروس في إحدى عظاته: “ولم يكن الأمر أن هناك طفلاً قد تكوَّن أولاً في رحم العذراء ثم على الفور وحَّد الله الكلمة نفسه به من خلال اتحاد الإرادة واقتران الحب”.[22]

ويتضح من كل ما سبق، أنه بينما كان الجانب غير الخلقيدوني يعارض مجمع خلقيدونية وطومس ليو، إلا أنه كان واعياً تماماً أيضاً للهرطقة ’الأوطيخية‘، وقد قام باستبعادها بمنتهى القوة والحماس مثلما فعل الجانب الخلقيدوني. ومن ثم لم يكن رفض الجانب غير الخلقيدوني لمجمع خلقيدونية هو بسبب تعاطف سري أو علني مع الموقف الذي سُمي بـ ’الأوطيخية‘ في مجمع عام 451م.

ويبقى سؤال هام ينبغي علينا أن نواجهه في إطار هذا السياق، وهو:

إذا كان البابا ديسقوروس والجانب غير الخلقيدوني يعارضون ’الأوطيخية‘ بالفعل، فكيف قام مجمع عام 449م بتبرئة أوطيخا الذي عُرفت تلك الهرطقة باسمه؟. وهذا السؤال في الحقيقة له أهميته من وجهة النظر التاريخية، فالبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ الذي كان يعتبر أوطيخا هرطوقياً بشكل مؤكد ـ لا يجد صعوبة في الاعتراف بأن البابا ديسقوروس هو “شهيد المسيح، الذي لم يحنِ وحده ركبته للبعل في مجمع الشر”.[23]

وكما أظهرنا قبلاً، كان البابا ديسقوروس قد أقر في مجمع خلقيدونية أن الأفكار التي قيل عنها أنها لأوطيخا هي بالفعل أفكار هرطوقية، ولكنه أقر أيضاً أنه لا يوجد أي سند في محاضر الجلسات المسجلة لمجمع عام 448م يفيد أن أوطيخا كان بالفعل يتمسك بتلك الأفكار.[24] ومن الجدير بالذكر أن الأساقفة المصريين لم يذكروا أوطيخا بالاسم كهرطوقي في التماسهم الذي قدموه لمجمع خلقيدونية يوم 17 أكتوبر عام 451م.[25]

وحتى بعد مجمع خلقيدونية، لم يتضمن منشور باسيليسكوس اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.[26] أما منشور الإتحاد (الهينوتيكون) الذي أصدره زينو عام 482م فقد أعلن أوطيخا كهرطوقي،[27] وكان ذلك المنشور مقبولاً من الكيان غير الخلقيدوني.

وقد ناقش البطريرك ساويروس الأنطاكي هذا الأمر في عدد من رسائله، فإذا نظرنا إلى هذه الرسائل معاً سنجد أنه أورد فيها ثلاث نقاط أساسية:

أولاً، ذكر البطريرك ساويروس أن مجمع أفسس الثاني عام 449م كان قد أبرأ أوطيخا على أساس أمرين:

-قام المجمع (عام 449م) بإصدار حكمه بعد فحص “محاضر الجلسات التي دُونت في المدينة الملكية (القسطنطينية) والتي تضمنت الشهادات (الأقوال) التي بُنيت عليها إدانة أوطيخا”. وقد حكم المجمع بأنه لم يكن مستحقاً الإدانة.

-قام أوطيخا نفسه بتقديم التماس يحرم فيه ماني وفالنتينوس وأبوليناريوس، وأولئك الذين يقولون أن جسد ربنا قد نزل من السماء، كما أضاف أوطيخا أيضاً بعض النقاط التي ـ كما أشار ساويروس ـ لم تتم قراءتها في مجمع خلقيدونية، وذكر البطريرك ساويروس أنه أورد هذه الكلمات في رسالته إلى سرجيوس الطبيب والمفكر.[28]

وقد فُقدت هذه الكلمات من رسالة البطريرك ساويروس التي نُشرت في ’كتابات الآباء الشرقيين‘ (Patrologia Orientalis)، ومن المحتمل أن تكون هذه العبارات هي نفس العبارات التي سبق أن ذكرناها فيما قبل.[29] وعلى أي حال، فإن دفاعات البطريرك ساويروس انتهت إلى تأكيده بأن أوطيخا لم يُبرَّأ في مجمع عام 449م على أساس نفس الأسباب التي تمت إدانته بسببها في مجمع خلقيدونية.

ثانياً، يؤكد البطريرك ساويروس أنه “بعد هذه الأمور، رجع أوطيخا نفسه إلى قيء رأيه الشرير”.

ثالثاً، إن ارتداد أوطيخا هذا لا “يأتي باللوم” على مجمع عام 449م، ولا على البابا ديسقوروس.[30]

ونستطيع أن نستنبط ملاحظتين على الأقل من الرأي الذي كان يصر عليه البطريرك ساويروس:

الملاحظة الأولى هي أن البطريرك ساويروس لم يذكر بوضوح متى قام أوطيخا بالفعل بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه. كما أن كلمات البطريرك ساويروس “رجع إلى رأيه الشرير” تحمل ضمنياً معنى أن أوطيخا كان من الأصل هرطوقياً، ولكننا رأينا أن مجمع عام 449م قد برَّأه وحكم بأن الأساس الذي تمت عليه إدانته في مجمع عام 448م لا يمكن تبريره، كما أعلن أن اعتراف الإيمان الذي قدَّمه أوطيخا كان أرثوذكسياً؛ ومع ذلك وعلى الرغم من هذه الرأفة عاد أوطيخا (بحسب رأي ساويروس) إلى آرائه الأولى.!

وفي الحقيقة، أنه لا يمكن أن يُستنتج تفسير من هذا النوع من محاضر جلسات مجمع عام 449م، لأن فحص المجمع لقضية أوطيخا ـ كما رأينا[31] ـ لم يُظهر أنه كانت لدى الوفود المجتمعة أي شبهة تتعلق بالموقف اللاهوتي (السابق) للرجل، وبالتالي فإن اتهام أوطيخا بأنه عاد إلى رأيه الشرير، لا يمكن ـ لو كان قد حدث ـ أن يكون قد تم قبل وقت انعقاد ذلك المجمع، فإذا افترضنا أنه حدث في الفترة بين وقت انعقاد المجمع عام 449م ونفي أوطيخا عام 450م فيكون من الغريب حقاً أن هذه الأخبار لم تصل في حينها إلى البابا ديسقوروس والأساقفة المصريين، ولا حتى إلى أولئك الذين وضعوا مسودة منشور باسيليسكوس عام 475م.*

وفي الواقع لم يقم البطريرك ساويروس بالإجابة على هذه التساؤلات في تقييمه لأوطيخا، ولا يوجد أمامنا غير احتمال واحد في مواجهة هذه الملابسات التاريخية وهو أنه كان يوجد رجال في تلك الأيام الماضية يعتنقون الأفكار التي نُسبت لأوطيخا، وأن بعضاً منهم على الأقل كان يعتبر الراهب العجوز رائداً لهم. وهكذا يظل السؤال عن هل قام أوطيخا نفسه بتعليم الأفكار التي نُسبت إليه، سؤالاً مطروحاً. أما فيما يخص الأفكار نفسها، فإننا لدينا دلائل قاطعة على أن كلا الجانبين الخلقيدوني وغير الخلقيدوني قد استبعدها منذ بداية الصراع بينهما.

الملاحظة الثانية، هي أن البطريرك ساويروس لم يقدم في دفاعه عن مجمع أفسس الثاني عام 449م أي تبرير للطريقة التي عالج بها المجمع تردد أوطيخا في الإقرار بعبارة “واحد معنا في الجوهر”. وعلى الرغم ـ كما ذكرنا[32] ـ من أن المعنى الذي وراء تلك العبارة كان متضمناً في اعتراف أوطيخا بالإيمان إلاّ أنه كان متردداً في الإقرار بالعبارة نفسها، ولكن مجمع عام 449م لم يعطِ اهتماماً كافياً لتلك النقطة.

وما يهمنا هنا ـ من وجهة نظر هذا البحث ـ هو التأكيد على حقيقة أن الجانب غير الخلقيدوني كان منذ البداية يدين الأفكار التي يصفها الجانب الخلقيدوني بـ ’الأوطيخية‘. وإذا أضفنا إلى ذلك ما قدَّموه في هذه الأثناء من شروحات لموقفهم اللاهوتي، فسوف يتضح بأجلى بيان أن غير الخلقيدونيين يؤمنون بأن الطبيعتين اللتين اتحدتا في المسيح قد استمرتا فيه بدون أي إضمحلال.

3. فكرة أن المسيح له خصوصية واحدة:

ظهرت هذه الفكرة في أيام البطريرك ساويروس الأنطاكي بواسطة رجل يُدعى سرجيوس النحوي، حيث كتب خطاباً حول هذا الأمر وأرسله إلى البطريرك ساويروس يسأله عن رأيه.[33] وقد أكد النحوي:

“إن اللاهوت والجسد ’هما جوهران‘. الأزلية هي خصوصية الأول، وإمكانية الفساد هي خصوصية الأخير*“، وحين صار الله الابن إنساناً، اتخذ جسداً “وولد بطريقة فائقة للطبيعة (supernaturally)” كما أنه “لم يرى فساداً”. ومن هنا يؤكد سرجيوس أنه “بسبب الاتحاد، زالت خصوصية الجسد”، ولذلك “من الأفضل أن نقول أنه توجد خصوصية واحدة (للمسيح)”، ويكمل سرجيوس بقوله “فلماذا إذن نقول أنه توجد هناك خصوصيتان؟”.[34]

وبدأ البطريرك ساويروس مناقشته للأمر بقوله أن التأكيد على وجود فرق في الخصوصيتن هو تعليم الآباء، فقد أكدوا على أن الطبيعتين اللتين اتحدا في المسيح الواحد هما مختلفتان “لأن واحدة غير مخلوقة، والأخرى مخلوقة”.[35] ولكن بينما “يظل الاختلاف بين خواص الطبيعتين قائماً”، “فإن الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد” اتحدتا “بدون اختلاط”، وبهذه الطريقة “يُقال إن كلمة الحياة قد أصبح مرئياً وملموساً”.*

ويؤكد البطريرك ساويروس إننا عندما نفكر في عمانوئيل سنرى أن اللاهوت والناسوت هما مختلفان، وبينما نعترف بالاتحاد فإننا لا ننكر الاختلاف الذي بين الطبيعتين اللتين يتكون منهما المسيح الواحد”، وهذا بالرغم من أننا نستبعد وجود أي انقسام بسبب ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘.[36]

وهكذا ظلت خواص كلتا الطبيعتين باقية في المسيح الواحد مع الطبيعتين نفسيهما، بدون اختلاط ولا انقسام. وحيث إن الطبيعتين اتحدتا، فقد حدث تبادل للخواص والذي به أصبح “الكلمة يُعرف في خواص الجسد”، كما أن الخواص البشرية أصبحت “تنتمي للكلمة، وخواص الكلمة (تنتمي) للجسد”.[37] وهذا الاتحاد هو بدون اختلاط، حيث لم تُفقد فيه أي من الطبيعتين ولا أي من خواصهما أو ملكاتهما.

ويمكننا أن نميِّز هذا الموقف ذاته ،الذي تبناه البطريرك ساويروس، عند كل القادة المعترف بهم في الجانب غير الخلقيدوني من الكنيسة. وهذا يُظهر أنهم لم يؤكدوا فقط على استمرار الطبيعتين في المسيح الواحد وإنما حافظوا أيضاً على مبدأ عدم فقدان أو اضمحلال أي خصوصية أو ملكة من أي من هاتين الطبيعتين.

 

[1] Zacharia, op. cit., I, pp. 161f.

[2]   لقد أكد يوحنا ـ كما يقول زكريا المؤرخ ـ أن “الله الكلمة ذاته أصبح الجسد وتألم فيه، هذا إذا كان قد تألم، وبهذا أنكر أنه كان متحداً بجسد بشري”. (المرجع السابق، 1: صفحة 163).

[3] Zacharia, op. cit., I, p. 164.

[4] المرجع السابق صفحة 162.

[5] المرجع السابق صفحة 186.

[6] المرجع السابق صفحة 186.

[7] للإطلاع على الخطابات انظر (المرجع السابق صفحة 186).

[8]   للإطلاع على هذا الخطاب انظر (المرجع السابق صفحة 186-202).

[9]   للإطلاع على خطاب البابا تيموثاؤس الذي يحرم فيه إشعياء وثيؤفيلوس انظر (زكريا الخطيب، المرجع السابق صفحة 202-205). وقد كتب البابا تيموثاؤس أن إشعياء وثيؤفيلوس يؤمنان بأن “جسد ربنا كان واحداً في الجوهر مع نفسه وليس معنا. وأنه (أي الكلمة) لم يصر إنساناً بالحقيقة”. (نفس المرجع صفحة 203). وفي هذا الخطاب ثبَّت البابا تيموثاؤس مدة التوبة للعائدين من الهرطقة بسنة واحدة متتبعاً في ذلك وصية سلفيه البابا كيرلس والبابا ديسقوروس.

[10] Zacharia, op. cit., I, p. 188.

[11] المرجع السابق صفحة 201-202.

[12] المرجع السابق صفحة 201.

[13] المرجع السابق صفحة 209 وما يليها.

[14]  المرجع السابق صفحة 215-216. وهذه الحادثة مذكورة في دراستنا الحالية صفحة 207.

[15]   كتب مار فيلوكسينوس: “إن الأوطيخيين يؤمنون فقط بأن الله اتخذ شكل وشبه الإنسان، بينما يرفضون تأكيد أنه أخد أي شيء من مريم حينما أخذ الجسد. وظنوا أنهم إذا افترضوا شيئاً مثل هذا (أي إذا افترضوا أنه أخذ جسداً من مريم العذراء) فإن ذلك سيقودهم إلى القول بأن التجسد قد أحدث إضافة إلى الثالوث” انظر: (Philoxenos, op. cit., p. 154)

*  الدوسيتية (أي الخيالية) هي بدعة تنادي بأن جسد المسيح لم يكن جسداً حقيقياً بل قد بدا كذلك، أي كان جسداً وهمياً (أو خيالياً).

[16]  أكد مار فيلوكسينوس أنه “لو كان الأوطيخيون يؤمنون مثلنا بأن كل شيء عُمل وخاصة طبيعة الإنسان هو خليقة الله، فما كانوا قد تحدثوا مثل المانيين (Manichaean) بأن جسد الله هو ليس من طبيعتنا…. إن خليقة الله حسنة، ولهذا صار الخالق إنساناً منها. فإذا كانوا مترددين في التسليم بذلك، فدعهم يقولون بوضوح أن طبيعة الإنسان هي من الشر، ليظهروا أنفسهم أنهم ليسوا فقط خياليين ولكن أيضاً مانيين”. (المرجع السابق، صفحة 42-43).

[17] Philoxenos, op. cit., p. 141.

[18]  المرجع السابق صفحة 141.

[19]  انظر صفحة 59.

[20]  Contra Grammaticum, op. cit., II, p. 239.

وهناك موقف مشابه اتخذه البابا تيموثاؤس إيلوروس ضد عبارة أوطيخا. انظر:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 262).

[21] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 190-1.

[22] Ibid., vol. VIII, p. 221.

[23] Ad Nephalium, C. S. C. O., Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, p. 141.

[24] انظر صفحة 111.

[25] انظر صفحة 152.

[26] انظر صفحة 206.

[27] انظر صفحة 215، 216.

[28] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 264-268.

وهذا مشار إليه في الدراسة الحالية صفحة 75. وعن سرجيوس هذا انظر صفحة 262.

[29] انظر صفحة 75.

[30] Patrologia Orientalis, vol. XII, pp. 267-268.

[31]  انظر صفحة 71 وما يليها.

*   لأن منشور باسيليسكوس لم يتضمن اسم أوطيخا في قائمة الهراطقة التي أوردها على الرغم من أن المنشور أدان الهرطقة المنسوبة إليه.

[32]  انظر صفحة 55 وما يليها والمرجعان 156، 157 صفحة 81.

[33]  للإطلاع على الخطابات المتبادلة بين سرجيوس والبطريرك ساويروس انظر:

(Ad Nephalium, op. cit., pp. 70f)

*   كان سرجيوس يفهم ’خصوصية‘ بأنها تعني التميز المتفرد للشيء ككل (أو للطبيعة ككل)، وبالتالي فكل طبيعة لها تميز محدِّد واحد. ويقول سرجيوس حيث إن الله له تميزه الخاص وهو الأزلية والإنسان له تميزه الخاص وهو إمكانية الفساد، فبما أن المسيح ليس أزلياً (حيث ولد في الزمن بطريقة فائقة) كما إنه لم يرى فساداً، فلذلك تكون له خصوصيته الفريدة التي ليست هي خصوصية الله ولا خصوصية الإنسان ولكنها خصوصية فريدة تخص المسيح وحده. وكما أن المسيح هو طبيعة واحدة من طبيعتين لذلك يمكننا أن نقول أيضاً أنه خصوصية واحدة من خصوصيتين.

[34] Ad Nephalium, op. cit., pp. 71-72.

[35]  المرجع السابق صفحة 74-77.

*  يذكر إيان تورانس في كتابه “التعليم عن المسيح بعد مجمع خلقيدونية” والذي يحتوي على ترجمة إنجليزية للمراسلات بين ق. ساويروس الأنطاكي وسرجيوس النحوي، أن ق. ساويروس كان يفهم الخصوصية بثلاث معانٍ متباينة ظهرت في خطاباته الثلاث إلى سرجيوس: (1) خواص الشيء (2) سمة مخصوصة بشيء معين ـ أو طبيعة معينة ـ تخصه وحده دون غيره، مثل أن الضحك سمة مخصوصة بالإنسان دون غيره (3) الهوية الخاصة بشيء ما، فالجسد هو جسد وليس حجراً وذلك ببساطة لأنه هو جسد، وقد يَسوَّد لونه أو يتحطم أو يتم طهيه، ولكنه مع ذلك يظل جسداً، أي يظل محتفظاً بهويته الخاصة كجسد وليس شيئاً آخراً.

[36] Ad Nephalium, op. cit., p. 79.

[37]   المرجع السابق صفحة 79. ويقر البطريرك ساويروس بما هو أكثر من ذلك إذ يقول:

“ولذلك فبينما نحرم أولئك الذين يؤكدون أن عمانوئيل بعد الاتحاد هو طبيعتين بما لهما من فعلين وخواصين، فإننا لا نضعهم تحت الإدانة بسبب قولهم بالطبيعتين أو الفعلين أو الخواصين؛ ولكن لأنهم بينما يؤكدون على الطبيعتين بعد الاتحاد، ينسبون الأفعال والخواص لكل طبيعة على حدة، وبذلك هم يفصلونهما”. (المرجع السابق، صفحة 80).  

الهرطقات التي رفضها الجانب غير الخلقيدوني

Exit mobile version