تفسير رسالة كولوسي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة كولوسي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

من تفسير وتأملات الآباء الأولين

رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي

 

القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

بسم الآب والابن والروح القدس

الله الواحد، آمين.

 

 

قام الأخ المبارك جرجس كامل يوسف بترجمة الكثير من أقوال الآباء، ولا ننسى الكتاب الرائع الذي قدمه الدكتور يوسف عطالله سلامه بسياتل عن الرسالة إلى أهل كولوسي. كما قام الأخ سمير نضيف بمراجعة البروفات.

 

مقدمة في رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي

كولوسي Colusse, Colosse

مدينة صغيرة، تقع في مقاطعة فريجية Phrygia، في جنوب آسيا الصغرى، شرق مدينة أفسس وغرب أنطاكية بسيدية، كان يغذيها نهر اللوكس. تعرض وادى اللوكس Lycus valley لعدة زلازل، كما كان مهبطًا لترسيب تلالاً من الطباشير أطاحت بالكثير من معالم المنطقة، وفي نفس الوقت أصبغت عليها مناظر خلابة من أقواس وسراديب طباشيرية. وهي ملاصقة لمدينتين هامتين هما لاودكية Laodicea وهيرابوليس Hierapolis (13:4) وقد اشتهر ثلاثتهم بتجارة الأخشاب والصباغة[1].

من أثار البراكين الكثيرة صارت المنطقة حافلة بالمراعي، مما أدى إلى ازدهار صناعة الصوف وصباغته، وصار يوجد لون خاص بكولوسي يوصف بالصوف الكولوسياني.

لا نعرف الكثير عن تاريخ كولوسي، ذكرها هيروديت بكونها مدينة عظمى في فريجية في أيام سريكس، لكنها تضاءلت حتى صارت قرية صغيرة في أيام القديس بولس، لم يبقَ منها حاليًا سوى القرية التي تدعي كونوس Chonas أو كوناس Konas في تركيا، تقع تحت ظلال جبل كادموس، تكتنفها أشجار عالية، ويبرز في ضواحيها آثار مدينة كولوسي القديمة من قباب وأقواس وحجارة مرصوفة.

هذا وقد وُجد ترابط بين كولوسي ولاودكية وهيرابوليس بسبب قرب المسافة. لهذا أوصى الرسول أن تُقرأ الرسالة إلى أهل كولوسي في لاودكية، وأن تُقرأ الرسالة إلى أهل لاودكية في كولوسي (كو 16:4).

يذكر يوسيفوس أن اليهود أقاموا في فريجية لمدة قرنين[2]. وقد تطبعوا بعادات أهل البلاد، حتى أن الذين قبلوا الإيمان المسيحي حملوا معهم بصمات العادات الخاصة بالأمم[3].

ذكر يوسابيوس أن فيلبس الشماس وبناته العذارى الأربع قد أقاموا في هذه المنطقة، وقد اُكتشفت مقابرهم في هيرابوليس في الجزء الأخير من القرن الثاني.

خدمة أبفراس في كولوسي

 بعد عودة القديسين بولس الرسول وتيموثاوس وسيلا من المجمع الذي عُقد في أورشليم (أع 15: 9) بشروا في كورتي فريجيه وغلاطية، ثم عاد بولس وجاز في كورة غلاطية وفريجية يشدد جميع التلاميذ (أع 23:18)، وذلك بعد زيارته لأفسس. يرى البعض أن القديس بولس لم يذهب إلى كولوسي، إذ اجتاز الرسول في النواحي العالية (الشمال) كما جاء في أع 1:19، بينما تقع كولوسي في الجنوب.

لهذا يرجح أغلب الدارسين أن أبفراس قان بالتبشير في كولوسي، هذا الذي وصفه الرسول بولس بأنه “خادم أمين للمسيح لأجلكم” (كو 7:1)، كما يقول: “الذي هو منكم” (12:4)، مما يدل على أنه كان من سكان كولوسي. يرجح أنه التقى بالقديس بولس في أفسس حيث آمن على يديه، فقد أمضى الرسول سنتين كاملتين في أفسس (أع 10:19)[4]. وإن كان بعض الدارسين يرون أنه ليس من دليل ينفي أن الرسول بولس قد قام بنفسه بالتبشير هناك. يرى البعض أن بعضًا من أهل كولوسي قبلوا الإيمان على يدي الرسول بولس إثناء خدمته في أفسس (53-56م)[5].

تاريخ كتابتها

 كُتبت الرسالة إلى أهل كولوسي من السجن مثل الرسائل إلى أهل أفسس وأهل فيلبي وفليمون. جاء في التقليد الكنسي القديم أنها كُتبت في روما في سجنه الأول هناك (أع 28) ما بين عامي 61 و63م.

ويعتقد بعض الدارسين أن هذه الرسائل ربما كُتبت أثناء سجنه في قيصرية (ما بين سنة 58 وسنة 60م) أو في أفسس (55 أو 56م). لكن الأرجح انه كتبها في روما للاعتبارات التالية[6]:

  1. عندما عدد الرسول بولس العاملين معه يُصعب أن يحذف اسم القديس فيلبس البشير الذي قطن معه قبل سجنه بوقت قصير (أع 8:21- 14).
  2. لا نجد أي تلميح في سفر أعمال الرسل عن الكرازة بأبعادها المتسعة المذكورة في الرسائل المصاحبة بين الأفسسيين وأهل فيلبي.
  3. يصعب تصور أن أنسيموس العبد الهارب قد ذهب إلى قيصرية، لكن من المعقول انه ذهب إلى روما، حيث كانت مليئة بأمثاله.
  4. كان بولس يترجى إفراجًا مبكرًا (في 19:1- 25)، هذا يصعب تحقيقه في قيصرية بدون تقديم رشوة؛ وهذا ما لا يقبله الرسول. لكن في روما يمكن أن يتوقع الإفراج عنه، غالبًا أثناء السنة الثانية من السنتين المذكوريتين في أعمال 30:28.

كاتب الرسالة

جاءت الشواهد الداخلية والخارجية تؤكد أن الرسول بولس هو كاتب الرسالة:

  1. جاء في مقدمة الرسالة أن كاتبيها هما بولس وتيموثاوس.
  2. إن كان الرسول بولس هو كاتب الرسالة إلى فليمون كما جاء بصريح العبارة: “أنا بولس كتبت بيدي” (في 19)، فإن قارنا هذه الرسالة بتلك نجد اشتراكهما في بعض المعالم الهامة، مثل ذكر الأشخاص العاملين مع الرسول: أبفراس ومرقس وأرستوخس وديماس ولوقا. كما أن الرسالة إلى فليمون كُتبت على يد أنسيمس بينما قام أنسيمس مع تيخكس بتوصيل الرسالة إلى كولوسي (كو 18:4). كُتبت الرسالتان وهو في سجن روما (كو 4: 18؛ 1:24).
  3. يليق بنا هذا أن نشير إلى أن الرسالة حملت ذات طابع رسائل القديس بولس في هيكلها حيث تبدأ بمقدمة تضم الشكر لله، تم تعرض الجوانب العقائدية يتبعها الجوانب السلوكية العملية.

اعتراضات على كاتب الرسالة

  1. يعترض البعض بأن أسلوب الرسالة يختلف عن أسلوبه في الرسائل الأخرى. يُرد على ذلك بأن الرسالة عالجت بدعة ظهرت في كولوسي استدعت أن يكتب الرسول عن سيادة ربنا يسوع على كل ما هو مخلوق، وعن طبيعة المسيح وعمله، حتى صارت الرسالة مرجعًا كتابيًا هامًا لآباء الكنيسة للرد على بعض البدع، خاصة الرد على الأريوسية.
  2. يعترض البعض بأن الرسالة تعالج الميول الغنوسية، بينما لم تهاجم الغنوسية المسيحية إلا في القرن الثاني، فيكون كاتب الرسالة بعد القرن الأول. ويُرد على ذلك بأن الغنوسية كفرقٍ مستقلة ادعت أنها مسيحية ظهرت في القرن الثاني، لكنها حاولت أن تتسلل بأفكارها إلى الكنيسة منذ بدء نشأتها خلال اليهود الذين حملوا هذه الاتجاهات، وأيضًا بعض الهيلينيين كانوا يحملون ذات الاتجاهات. فلم تكن الغنوسية فرقًا محددة تحت قيادة شخص معين مثل مرقيون وفلانتينوس وباسيليدس إلا في القرن الثاني. لكنها موجودة حتى قبل المسيحية وقبلها يهود وهيلينيون.
  3. التعاليم بخصوص السيد المسيح تفوق ما ورد في غيرها من رسائل القديس بولس، خاصة دوره في الخلقة، مما يدل على أنها كُتبت بعد عصر الرسول. يُرد على ذلك أن وجود السيد المسيح السابق ورد أيضًا في الرسالة إلى أهل فيلبي (2: 9-11)، ودوره في الخلقة ورد في 1 كو 6:8، ولم يتشكك أحد في أصالة هذه العبارة الواردة في كورنثوس الأولى.
  4. نظرًا للتشابه العجيب بينهما وبين الرسالة إلى أهل أفسس ادعى بعض الدارسين أنها اعتمدت على الرسالة الأخيرة. ويُرد على ذلك بأنه بمقارنة النصوص المتشابهة في الرسالتين يتضح أن النصوص التي في كولوسي أقدم من التي وردت في أفسس. هذا وتوجد أيضًا نصوص متشابهة هنا مع نصوص الرسالة إلى أهل فيلبي تحمل ذات الالتهاب مع نفس الجو الروحي.

غاية الرسالة

يظهر هدف الرسالة من سياق الرسالة نفسها، فقد ذهب أبفراس إلى روما لينقل إلى الرسول بولس الأخبار السعيدة عن الكنيسة في كولوسي، حيث ملك الإيمان والمحبة (4:1، 5:2). غير أنه قد تسللت بدعة ما إلى المجتمع الكولوسي، هذه التي تقلل من شان السيد المسيح، فتنزعه عن العرش، وتنكر رئاسته للكنيسة. وقد أرسل القديس بولس هذه الرسالة مع أبفراس ليعالج هذه المشكلة. لكن أُلقى القبض على أبفراس وسجن، فبعث الرسول بها بيد تيخكُس (7:4-9)[7].

يرى البعض أن المنطقة المحيطة بكولوسي قد عانت الكثير من البدع، وقد أراد الرسول أن يحصنهم ضد هذه البدع التي يبدو أنها كانت تتسلل إليهم. إنه يمتدحهم لأجل تشجيعهم على الثبات في الإيمان ورفض البدع الغريبة: “فإني وإن كنت غائبًا في الجسد، لكني معكم في الروح، فرحًا، وناظرًا ترتيبكم ومتانة إيمانكم في المسيح، فكما قبلتم المسيح يسوع الرب، اسلكوا فيه(كو 2: 5-6). بينما كتب إلى أهل غلاطية: “إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعًا عن الذين دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر. أيها الغلاطيون الأغبياء، من رقاكم حتى لا تذعنوا للحق” (غل 6:1؛ 1:3).

ركز الرسول بولس في هذه الرسالة على شخص السيد المسيح، لذا كان يكرر اسم المسيح فيها[8]. كتب الرسول بولس عن سمو السيد المسيح وألوهيته، مؤكدًا إنه الله، واحد مع الآب ومساوٍ له، يفوق كل الكائنات الأخرى. وكأنه كان يصرخ: “لا تسمحوا بأي شيءٍ يغتصب مكان المسيح، ولا تسمحوا لأحد أن يدفعكم لإنكاره.

بدعة غنوسية يهودية ومعالجتها

يبدو أن جماعة من اليهود انطلقت إلى فريجية واستقرت هناك. هذه الجماعة تقبلت بعض فلسفات هيلينية ترتبط بالغنوسيين، مزجوها مع بعض الطقوس اليهودية الحرفية. ادعوا بأن ما نالوه من ربنا يسوع لم يكن كافيا لإشباع احتياجاتهم الروحية والسلوكية، وأنهم في حاجة إلى تحصين أنفسهم ضد القوات غير المنظورة (سواء كانوا الملائكة الأشرار أو الأخيار) بما تقدمه لهم هذه العقيدة من العبادات.

 

أهم هذه المبادئ الخاطئة

تسللت هذه البدع إلى مجالين: مجال السلوك الأخلاقي ومجال العقيدة واللاهوت، حيث أساءت إلى شخص السيد المسيح.

  1. قبل بعض اليهود بعض الأفكار الغنوسية، وخلطوها بأفكار يهودية، وإذ آمنوا بالسيد المسيح حملوا معهم هذه البصمات. وقد ركزت الغنوسية على “المعرفة gnosis” بكونها طريق الالتصاق بالله. بالنسبة لهم المعرفة ليست عطية إلهية تُوهب للمؤمن بالنعمة الإلهية وإعلاناته، هي استنارة يتمتع بها الإنسان خلال جهاده الذاتي بالتقشف والنسك.

المعرفة عند الغنوسيين مختلفة عن المعرفة الهيلينية، فإنه وإن كان الاثنان ينكران تمتع الإنسان بالمعرفة أو الحكمة كعطية إلهية، غير أن الغنوسيين يرون أنها من جهد الإنسان خلال نسكه، بينما الهلينيون يرونها من جهد الإنسان خلال استخدامه للعقل.

يرى الغنوسيون أن الإنسان مرتبط بالمادة الشريرة، ولن يقدر على الاقتراب من الله إلا بواسطة الكائنات الملائكية، التي تساعده على الخلاص من عالم المادة والخطية. وفي نفس الوقت يعتقد بعض الفلاسفة الهيلينيين أنه توجد أيونات Aeons كثيرة قادرة على رفع الإنسان عن عالم المادة والبلوغ به إلى الكائن الأعظم تدريجيًا. غالبًا ما كان عدد هذه الايونات أثني عشرة، كل يبعث بالإنسان إلى أيونٍ أعلى منه في الروحانية.

  1. عبادة الملائكة: كتب إليهم الرسول: “لا يخسركم أحد الجعالة، راغبًا في التواضع وعبادة الملائكة، متداخلاً في ما ينظره، منتفخًا باطلاً من قبل ذهنه الجسدي” (كو 18:2).

أساءوا تفسير العبارة: “وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا” (تك 26:1)، مدعين أن الله جعل الملائكة يخلقون الإنسان. وبلغ بهم الأمر أن اعتقدوا بأن السيد المسيح نفسه صار خاضعًا لسلطانهم، خاصة عند نزوله إلى الأرض وصعوده بعد قيامته إلى السماء. لهذا جاءت الرسالة تؤكد أن السيد المسيح هو خالق السمائيين كما هو خالق الأرض وكل البشرية (كو 15:2).

  1. لإرضاء هؤلاء الملائكة يلزم الالتزام بالامتناع عن الأكل والشرب لأطعمة وأِشربة معينة لأنها دنسة، كما يلزم ممارسة فرائض حرفية: لا تمس، لا تذق، ولا تحس.

ادعوا أن التقشف يشبع احتياجات الإنسان الروحية، ويحقق مصالحة مع الله. لقد أكد الرسول أنه لا يمكن للممارسات الحرفية أن تجدد الطبيعة البشرية التي أفسدتها الخطية، إنما يتحقق ذلك بالدفن مع المسيح في المعمودية، حيث ننعم بالحياة المقامة أيضًا (كو 12:2). بهذا يصير الجهاد قانونيًا ومثمرًا. إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله، ولبستم الجديد الذي حسب صورة خالقه” (كو 10:3).

  1. حسبوا أن الخليقة المادية فاسدة ودنسة بما في ذلك الجسد البشري، ولهذا رفضوا تأنس المسيح بأنه صار إنسانًا حقيقيًا له جسد حقيقي.
  2. ادَّعوا وجود درجات ملائكية متفاوتة، وأنه يوجد من بينهم من يستطيع أن يتوسط للإنسان لدى الله دون المسيح.

اعتقد البعض أن السيد المسيح هو واحد من هؤلاء الوسطاء، مخلص بين المخلصين، ووسيط بين وسطاء آخرين. وأوضحت الرسالة شفاعة السيد المسيح الكفارية القائمة على ذبيحة الصليب (كو 14:1)، وقد قُبلت شفاعته، وصارت لنا معه الحياة مع غفران جميع الخطايا (كو 12:2- 13)

  1. أوضح الرسول أن ما ينادي به الغنوسيون ليس إلا غرور حسب تقليد الناس (كو 8:2، 18).
  2. لم يستطع هؤلاء اليهود التخلص من خلفيتهم اليهودية، لذا ظنوا أن الخلاص يتحقق خلال ممارسة الطقوس والشعائر والوصايا الخاصة بشريعة موسى حرفيًا، مثل طقوس حفظ السبت والأعياد الشهرية والسنوية، والامتناع عن الأطعمة غير الطاهرة، وممارسة الختان الخ.
  • اعتادوا أن يقتربوا إلى الله خلال الملائكة، وكانوا يحفظون ممارسات يهودية ويونانية. هذه الأمور كان الرسول يصححها[9].

 القديس يوحنا ذهبي الفم

جدير بالذكر أن التأثيرات الغنوسية وحركة التهود ظهرت في عدد من الكنائس الأخرى مثل كورنثوس، وقد انعكس هذا في إنكار قيامة الجسد، والسماح بالزنا، والاستهانة بالجسد الخ.، وإساءة فهم التنسك[10].

لم ترتبط الغنوسية بالمسيحية مباشرة، لكنها التصقت أيضًا ببعض اليهود في الشتات[11]. فإن هذا الاتجاه الغنوسي هو فكر ديني فلسفي أكثر منه نظام محدد، استطاع أن يجتذب وثنيين، ويهودًا، وبعد ذلك مسيحيين[12]. هذا وقد ظهرت الحركات الغنوسية وصارت فرقًا تمثل خطورة، تحت قادة لهم أثارهم على كثيرين، وذلك في القرن الثاني. كانت هذه الفرق من الغنوسيين مختلفة فيما بينهما، لكن توجد خطوط عريضة مشتركة، وقد سبق لي معالجة الغنوسيين بتوسع في دراستنا لمدرسة الإسكندرية[13].

بين الرسالتين إلى كولوسي وإلى أفسس

صاحب الرسالة إلى أهل كولوسي والرسالة إلى أهل أفسس والرسالة إلى فليمون. فقد كتب الثلاثة في نفس الوقت. كتب الرسالة إلى أهل أفسس على يد تيخيكس، والرسالة إلى فليمون على يد أنسيموس، وإلى كولوسي بيد الاثنين معًا تخيكس وأنسيموس.

تتشابه الرسالتان لأنهما موجهتان إلى منطقتين متقاربتين في آسيا الصغرى، وكان لشعبي المنطقتين سمات اجتماعية وسلوكية مشتركة. وأن الشعبين لم يكن لهما أصل يهودي بل هما من الأمم، وقد أبرز القديس بولس في الرسالتين سرٌ خطة الله لقبول الأمم ومشاركتهم لليهود الميراث السماوي، إذ أبطل السيد المسيح العداوة وخلق من الاثنين إنسانًا واحدًا (أف 15:2)، هذا السرٌ المكتوم منذ الدهور، لكنه الآن أُظهر لقديسيه ليتعرفوا على غنى مجد هذا السرٌ في الأمم (كو 6:1-7).

مع تشابه الرسالتين في الصياغة، إلا أن كل منهما أكدت جانبًا معينًا. فتحدثت الرسالة إلى أهل أفسس عن كل المؤمنين بكونهم الجسد الواحد للسيد المسيح، أما الرسالة إلى كولوسي فركزت على الرأس الواحد للجسد، يسوع المسيح. تحدثت الأولى عن كنيسة المسيح، والثانية عن مسيح الكنيسة؛ وهما متكاملتان.

يعتبر بعض الدارسين أن الرسالة إلى أهل أفسس هي امتداد طبيعي للرسالة إلى كولوسي. فالأخيرة سلّطت الأضواء على مكانة السيد المسيح وعمله لدحض الفكر الغنوسي الذي قلٌل من شأن السيد وحجب مكانته، وجاءت الرسالة إلى أهل أفسس تقدٌم حصيلة عمل السيد المسيح ألا وهي الكنيسة جسد المسيح التي كانت في خطٌة الله قبل تأسيس العالم، وأنها العروس المحبوبة جدًا لديه، خلالها تعرف الرؤساء والسلاطين في السماء على حكمة الله المتنٌوعة (أف 11:3).

الأفكار الرئيسية في الرسالة

1- شخص يسوع المسيح

إذا هاجمت الأفكار الغنوسية شخص ربنا يسوع المسيح، لذلك ركز القديس بولس هنا على عظمة السيد المسيح وسموُه بكونه الخالق للمنظورات وغير المنظورات، وفيه يقوم السمائيون والأرضيون (15:1-20).

جاءت هذه الرسالة تقدم صورة أمينة عن السيد المسيح في مجده وكرامته. فالمسيح هو الكل في الكل، “رأس كل رياسة وسلطان” (10:2). هو كل شيء بالنسبة للمؤمن.

في أيام الرسول بولس ظن البعض أن يسوع إنسان مجرد، وإن المسيح هو الروح الإلهي الذي حلّ عليه أثناء عماده وتركه على الصليب. هذا معناه أن المسيح لم يمت إنما الذي مات هو الإنسان يسوع. مع أنهم عبدوا المسيح لكنهم مجدوا القوات الوسيطة ككائنات روحية (16:1)، وتعبدوا لها مع المسيح.

جاءت الرسالة تؤكد لاهوت السيد، وأن وحده فيه الكفاية دون حاجة إلى وسطاء آخرين معه.

ظن البعض أن إله العهد القديم هو خالق العالم والمادة، وقد جاء السيد المسيح ليخلص العالم منه. لذلك أوضح الرسول بولس أن الخلاص قد تم بالمسيح، وأنه تحقق حسب إرادة الآب ومحبته. اعتاد أن يتحدث دومًا عن السيد المسيح والآب معًا ليحطم كل ميول غنوسية خاطئة (2:1؛ 2:2).

2. الإيمان والمعرفة

رأينا أن الغنوسيين يتطلعون إلى المعرفة gnosis كأساس للإيمان، وأن الإنسان في قدرته أن يخلص بمعرفته التي هي ثمرة نسكه وجهاده الذاتي. تطلع بعض الغنوسيين إلى المسيحية أنها دعوة إلى الجهل.

وقد أوضح الرسول بولس بطريقة إيجابية أن المعرفة لازمة وضرورية في خلاصنا، لكنها هي هبة من نعمة الله علينا. فالمعرفة الروحية التي تسمو فوق الفكر البشري يقدمها لنا الله، ويقدسها وينميها فينا بعمل روحه القدوس واهب الاستنارة. كثيرًا ما يكرر الرسول كلمة “يعرف” أو “معرفة” كما أعتاد أن يشير إلى “سرّ الله” أو “سرّ المسيح” ليوضح أن المعرفة مكتومة حتى عن السمائيين، يعلنها السيد المسيح لهم ولنا.

يربط أيضًا الرسول المعرفة “بالسلوك في المسيح”، حتى لا ننشغل بالمعرفة النظرية، بل معرفة الخبرة اليومية بممارستنا الجديدة في المسيح يسوع.

3. الكنيسة الطبقية الاجتماعية

يعتقد الغنوسيون بأن المجتمع ينقسم إلى طبقتين:

  1. طبقة الكاملين، الذين يليق بهم ألا يتزوجوا، ولا يأكلوا أنواعًا معينة من الطعام، حيث أن الزواج دنس، وبعض الأطعمة غير طاهرة.
  2. طبقة الوسطاء غير الكاملين، يُسمح لهم بالزواج، ويأكلوا ما يشاءون، لأنهم ضعفاء.

أزال الرسول بولس هذا التمايز الطبقي متحدثًا عن السيد المسيح أنه يصالح الكل لنفسه (20:1)، وكثيرًا ما يكرر كلمة “كل” أو “جميع” في آية واحدة (28:1).

4. العقيدة والسلوك

تكشف لنا هذه الرسالة عن عظمة شخصية السيد المسيح بصورة رائعة، غير أنه لا يدرك هذه العظمة إلا الذين يعيشون في المسيح يسوع، فيعرفون من كنوز نعمته، ويجدون فيه كل الشبع الحقيقي، فهي رسالة عقائدية عملية.

أولاً: المسيح حياتنا

 في الرسالة إلى أهل رومية ندرك أن المسيح برّنا،

 وفي كورنثوس الأولى المسيح غنانا،

 وكورنثوس الثانية المسيح راحتنا،

 وغلاطية المسيح محررنا،

 وأفسس المسيح حياتنا (نحن جسده)،

 وفيلبي المسيح سعادتنا،

 وفي تسالونيكي الأولى والثانية المسيح قادم لمجدنا،

 وتيموثاوس الأولى وتيطس المسيح معلمنا،

 وتيموثاوس الثانية المسيح مثال لنا،

 وفليمون المسيح مثال لنا كسيد،

 والعبرانيين المسيح شفيعنا الكفاري،

 أما كولوسي فالمسيح هو كل شيءٍ لنا. “وأنتم مملوءون فيه” (كو 10:2). نجد فيه كل شيء ولا يعوزنا شيء:

  • فهو النور الذي ينقذنا من سلطان الظلمة (12:1-13)، لنصير نحن أنفسنا نور العالم.
  • وهو المخلص الذي يخلصنا من سلطان إبليس وكل إثارة، إذ “لنا فيه الفداء، بدمه غفران الخطايا” (14:1).
  • ينقلنا إلى ملكوته، أي مملكة ابن محبة الآب (13:1). فبالمعمودية باسمه نتمتع بالبنوة للآب، ونُحسب أولاد الله المحبوبين.
  • من جهة لاهوته فهو صورة الآب غير المنظور (15:1)، فيه تتجدد طبيعتنا، لنصير نحن حسب صورته: “ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة، حسب صورة خالقه” (10:3). في آدم الأول فقدنا صورة الله، في آدم الثاني استرددنا الصورة.
  • هو الخالق، فيه خٌلق الكل (16:1)، حملنا فيه كجسدٍ له، وقادنا مستنيرين فيه لننعم بحياته المُقامة: “الذي هو البداءة، بكر من الأموات، لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء” (1: 18)، “لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله” (3:3).
  • صار رأسًا لنا نحن جسده، يتقدمنا في كل شيء (18:1)، لكي يكون مثالاً لنا في كل شيءٍ.
  • بعمله الخلاصي كشف لنا سرٌ الحب الإلهي الفائق، فتمتعنا بالرجاء في المجد: “الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد” (27:1). “متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تٌظهرون أنتم أيضًا معه في المجد” (4:3).

إن كانت الغنوسية قد أساءت إلى شخص المسيح وجعلته كأحد الأيونات، فإن الرسول بولس يدعونا إلى التمتع بالشركة معه لنختبر آلامه: “أكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لأجل جسده” (24:1)، وموته: “لأنكم قد متم” (3:3)، ودفنه: “مدفونين معه في المعمودية” (12:2)، وبالتالي نشترك في مجده: “تظهرون أنتم معه في المجد” (4:3). هكذا لا يعوزنا السيد المسيح شيء!

إذ تدعوهم الغنوسية إلى المعرفة العقلية البحتة كطريق الخلاص، فإن اقتناء المسيح هو الطريق الحقيقي، إذ هو “المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم” (3:2).

ثانيًا. الكنيسة في المسيح

أ. الكنيسة متحدة مع المسيح بكونه رأسها (18:1)، فبتجسده لم يصر غريبًا عنها، ولا هي غريبة عنه، بل جسده. هذا الفكر جاءت أصوله في كلمات ربنا يسوع نفسه (مر 58:14، يو19:2، 22)[14]. يلصقنا به بالسيد المسيح ويوحدنا معه، بكونه رأس الرجل (1 كو 3:11). علاقته بنا علاقة زواج روحي. “لأن الرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح أيضًا رأس الكنيسة، وهو مخلص الجسد” (أف 23:5).

ب. تجد الكنيسة راحتها في المسيح في وسط آلامها، حيث تحسب الألم تكميل نقائص شدائد المسيح، وهي تشهد للصليب، وتختبر عذوبة الشركة مع مسيحها المصلوب (24:1).

ج. فتح السيد المسيح للكنيسة الطريق، إذ وهبها أن تسلك فيه (6:2). فعلاقتها به علاقة حركة مستمرة، تعمل دومًا لتحقق عمل عريسها السماوي. إنها متأصلة ومبنية فيه (7:2)، تمارس كل شيءٍ باسمه، خاصة الشكر للآب (3: 17؛ 7:2).

د. تتمتع الكنيسة بالملء في المسيح (10:2)، لن تقبل إلا أن تكون على صورته فتشعر بالشبع.

ه. تموت معه (20:2)، وتُدفن معه (12:2)، وتقوم معه (1:3)، وتختفي معه (3:3)، وتظهر معه في المجد (4:3).

و. نالت التجديد بالمعمودية، ويبقى تجديدها مستمرًا بالتوبة حتى تحمل صورته تمامًا (10:3).

ز. تشعر بالغنى والحياة الملوكية، إذ تقتني من فيه كنوز الحكمة والفهم (2:2، 3؛ 16:4).

ح. دستورها الإيمان بالمسيح والحب العملي للإخوة، والرجاء في السماوات (4:1-5). هذا هو مفتاح السفر “الإيمان والرجاء والمحبة. هذه النعمة من جوانبها الثلاثية ترتبط دومًا في العهد الجديد بخبرة الحياة المسيحية. هذا الدستور يقدم في هذا السفر بطرق متنوعة[15]. جاء هذا السفر كغيره من رسائل معلمنا بولس الرسول يكشف عن دعوة الإنجيل إلا وهي: الإيمان بالمسيح، لكي نحبه في إخوته، ونوجد معه في سماواته.

ط. تكشف هذه الرسالة عن روح الكنيسة وجوها المتهلل، فمع أن الرسالة تهدف نحو الحذر من المعلمين الكذبة وأصحاب الفلسفات الباطلة والغرور، إلا أنها تعلن بكل وضوح عن ما يجب أن تكون عليه الكنيسة باقتنائها مسيحها الرأس الذي يهبها كل غنى وملء، تختبر السلطان على إبليس وكل قواته، حيث لا مجال للظلمة بعد فيها، وتختبر ملكوت الله المفرح، وتسلك في الطريق الملوكي لتصير أيقونة خالقها، هكذا يقدم الرسول خبرته الكنسية كحياة منتصرة متهللة مجيدة حتى وسط الآلام.

ي. هذه الحياة الكنسية المتهللة، لا تدفع نحو التسيب والإهمال، بل نحو السلوك الجاد “في المسيح” (6:1)، وطلب السماويات (12:3)، خاصة المحبة التي هي رباط الكمال. في جدية ينفتح باب القلب ليملك سلام الله فيه، ويمارس حياة الشركة الدائمة (15:3).

تدفعنا حياتنا الكنسية المتهللة للسهر مع الشكر والصلاة والكرازة بسرٌ المسيح (2:4، 3). وترشدنا في العلاقات الأسرية (18:3-21)، وتقودنا في علاقتنا مع الغير (21:3-25). إنها حياة تُمارس في الكنيسة والبيت والعمل وفي الشارع، لأنها حياة داخلية، جذورها في أعماقنا. إنها توجه مشاعرنا وأحاسيسنا وطاقتنا ومواهبنا وكلماتنا وسلوكنا. تتدخل في كل تصرف خفي وظاهر بمعنى آخر، مسيحيتنا هي اختفاء في المسيح، فنراه في كل أحدٍ، يقودنا بنفسه لنتمتع به.

ك. تكشف هذه الرسالة عن المسيحية إنها دعوة عملية للتمتع بالحرية، حيث حررنا المسيح من إبليس وظلمته، ووهبنا البنوة للآب لنتمتع بملكوته، وقدم لنا نفسه الحكمة. خلال هذه الحرية نرفض كل دعوة لقيود الحرف القاتل والفهم الخاطئ للنسك، فنخدم مسيحنا كأبناء في مجدٍ. هذه الحرية في المسيح تدفعنا نحو التزامات معينة، فتقدم هذه الرسالة لنا ما يجب أن نتجنبه، وما يلزمنا أن نجاهد فيه، وكيف ينبغي أن نحيا شاكرين[16].

أقسامها

إذ تقدم لنا الرسالة شخص السيد المسيح، فإننا أينما تطلعنا يتجلى أمامنا. ففيه نحن متأصلون (23:1)، وهو الأزلي الذي يحملنا إلى أبديته. يهبنا النمو الدائم ليدفعنا إليه (7:2). هو الحياة واهب كل شيءٍ (3:3)، وهو القائد لسلوكنا.

 

  1. المسيح هو العمق ص 1.
  2. المسيح هو العلو ص 2.
  3. المسيح هو داخلنا ص 3.
  4. المسيح قائد سلوكنا ص 4.

 

من وحي كولوسي

أنت لي كل شيء!

  • أنت هو سرّ الحب كلّه!

من أجلي صرت يا كلمة اللَّه إنسانًا.

تحمل كل ملء اللاهوت،

لأنك واحد مع أبيك،

لاهوتك لن يفارق ناسوتك!

 

  • وهبتني أن أتّحد بك،

فأتمتع بالملء ولا اعتاز إلى شيء.

أنت لي كل شيء.

أنت غافر خطاياي، وواهبني برّك،

صرت حُريّتي وكنزي،

صرت مجدي وتهليل قلبي!

تحملني فيك، فاكتشف السرّ الإلهي الفائق.

تحضرني فيك كاملاً،

تؤهّلني بروحك القدّوس أن أطير، وأكون في حضن أبيك!

  • أتمتّع بك، فاستتر فيك،

وأنت تسكن فيّ،

فلا تقدر كل قوّات الظلمة أن تقترب إليّ.

 

  • رفعتني فوق حرف الناموس،

ودخلت بي إلى حرية مجد أولاد اللَّه.

صرت لي العمق والعلوّ،

تحملني إلى أعماق أسرارك،

وترفعني إلى علوّ السماوات.

تقود حياتي الداخليَّة، لأنك تقطن فيّ!

وتقدم ذاتك لي حياة ودستورًا.

بك أسلك في طريقي إلى الآب.

بك أعرف كيف أسلك مع كل إنسان!

ماذا يعوزني بعد؟

مترجّيًا قيام الكل وخلاصهم بك.

 

  • بك أدخل إلى الأعماق،

أتلامس معك، فأتعرّف على الآب خلالك.

فأنت صورة الأب غير المنظور.

صورة الوحدة معه في ذات جوهره.

أراك فأراه.

أتعرّف عليك فامتلئ من كنوز الحكمة والفهم.

 

  • بك أتعرّف عليك،

يا خالق المسكونة وضابط الكل،

والمعتني بكل صغيرة وكبيرة.

 

  • أدخل إلى سرّ كنيستك،

فاكتشف قيادتك لها يا أيها الرأس المحب لجسده.

تهبها روحك القدّوس، ليهيّئها للّقاء الأبدي معك.

تصير بالحق العروس السماويّة التي بلا عيب ولا لوم.

يصير لها حق الشركة في المجد، لأنها جسدك المقدس.

تتمتع مع كل لحظة بملء أكثر فأكثر،

حتى تصير أيقونتك الحيّة.

 

 

أبعاد الحياة الجديدة في المسيح

(4)

المسيح

قائد

الحياة الخارجية

v هو دستور الأسرة (3: 18-25).

v هو دسـتور الجمـاعة (1:4).

v التزامـنا بتقديمه للعالم (5:4).

(3)

المسيح

هو

مجد الحياة الداخلية

v حياتنا مستترة معه (3: 3).

v مجد أبدي (4: 3).

v تحمل سماته, خاصة:

v الحب.

v الحكمة.

v الشكر.

 

(2)

المسيح

هو العلّو

v فوق كل فلسفة بشرية (8:2).

v فوق ختان الجسد (11:2).

v فوق قوات الظلمة (15:2).

v فوق حرف الناموس (16:2).

v فوق أركان العالم (الأرواح المسيطرة) (20:2).

(1)

المسيح

هو العمق

23:1

v كخالق وبكر ورئيس ورأس يدخل بنا إلى الأعماق ليرتفع بنا إلى المصالحة مع الآب (14:1-20).

v به نال السّر الأزلي (1: 26).

v به يحضرنا كاملين في الحكمة (28:1).

 

 

الأصحاح الأول: المسيح هو العمق

 

كعادته يبدأ الرسول افتتاحيّته بالشكر لله من أجل عمله مع شعبه، خاصة الذين يبعث إليهم الرسول رسالته. وهو في هذا يعبّر عن شوقه الدائم لحياة الشكر والتسبيح، كما يسند الكنيسة في ضعفاتها ويبعث فيهم روح الرجاء.

يكشف لنا عن سمو شخصية السيّد المسيح، موضّحًا مركزه بالنسبة للآب ومركزه بالنسبة للخليقة، وأخيرًا بالنسبة للكنيسة. وأن هذا الكشف هو لحساب الكنيسة التي هي جسده، تتمتّع بما هو لرأسها. وحين يتحدّث عن الكنيسة يهدف نحو كل عضوٍ فيها، فإن غاية الرسالة، بل وغاية كل عمله الرسولي هو اكتشاف المؤمن وإدراكه إمكانيّاته ليحيا كاملاً في المسيح، وفي هذا كمال الكنيسة[17].

السيّد المسيح هو العمق، كيف؟

  • هو وحده القادر أن يدخل إلى أعماقنا، فيحل مشاكلنا في أعماقها، حلاً جذريًا، لا بتغيير الظروف الخارجيَّة، بل بمصالحتنا مع الآب، فننعم بالأحضان الإلهيَّة، فلا يردّنا إلى جنّة عدن، بل إلى خالق الفردوس نفسه.
  • هو وحده بكونه واحدًا مع الآب السماوي، في ذات الجوهر، قادر أن يهبنا الملء. ينزع فسادنا ويهبنا عدم فساده، ويغفر خطايانا، ويهبنا برّه.
  • يعالج مشكلة الألم في أعماقها التي أفسدت الحياة البشريَّة في كل الأجيال، لا بإزالة الألم، بل بدخوله طريق الآلام، فنجد لذّة وفرحُا في شركتنا معه وسط الآلام.
  1. بولس وأهل كولوسي 1-14.

 أ. التحيّة 1-2.

 ب. ما سمعه عنهم 3-8.

 ج. ما يصليه لأجلهم 9-14.

  1. تسبحة لرئيس خلاصنا؟ 15-19.

أ. أصل كل خليقة 15-17.

ب. رأس الكنيسة 18.

ج. فيه يحلّ كل الملء 19.

  1. دور رئيس خلاصنا 20-29.

أ. صالحنا بدمّه 20-21.

ب. يؤسّسنا في برّه 22-23.

ج. يهبنا الفرح وسط الآلام 24-25.

د. يكشف لنا السرّ المكتوم 26-27.

ه. يحضرنا كاملين فيه 28-29.

1. بولس وأهل كولوسي

 أ. التحيّة

“بولس رسول يسوع المسيح بمشيئة الله،

وتيموثاوس الأخ” [1].

غالبًا لم تكن كنيسة كولوسي قد تعرّفت على الرسول بولس بالوجه، وها هو يكتب لهم كرسولٍ مرسلٍ لا من إنسانٍ، بل حسب مشيئة الله. فهو ليس بمتطفّل، لكنه يكتب خلال دوره كرسولٍ من قِبل الله.

“وتيموثاوس الأخ“: وإن كان القدّيس تيموثاوس لم ينل نعمة الرسوليّة، لكن قد وُهب له أن يكون شريكًا للقديس بولس في خدمته وجهاده. اشترك معه في كثير من رحلاته الكرازيّة، كما ناب عنه فيها، واشترك معه في كتابة عدّة رسائل، وهو في العشرين من عمره، وتحمّل مسئوليّة الأسقفيّة في أفسس، وسُجن معه. كتب عنه: “أُرسل إليكم سريعًا تيموثاوس… لأن ليس أحد نظير نفسي يهتم بأحوالكم بإخلاص، إذ الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم، لا ما هو ليسوع المسيح. وأمّا اختباره فأنتم تعرفونه أنه كولدٍ مع أبٍ خدم معي في الإنجيل” (في2: 2-19).

“إلى القديسين في كولوسي،

والإخوة المؤمنين في المسيح.

نعمة لكم وسلام من الله أبينا،

والرب يسوع المسيح” [2].

هنا يدعوهم “إلى القديسين في كولوسي” [2]، بينما يعود فيكتب إليهم: “فاطرحوا عنكم أنتم أيضًا الكل: الغضب، السخط، الخبث، التجديف، الكلام القبيح من أفواهكم” (3: 8)؛ فكيف يدعوهم قديسين؟

  1. كلمة “مقدس” معناها مُفرز لعمل معين، أي مُفرز من بين الآخرين ليُنسب لله القدوس. فمع ما لهم من ضعفات، لكن الرب أفرزهم لحساب ملكوته، ويلزمهم أن يحرصوا بالنعمة الإلهية أن يحملوا السمات اللائقة بهم كقديسين.
  2. كلمة “مقدس” تحمل معنى النقاوة والطهارة، حيث يتأهل المؤمن لرسالته كشخصٍ مفرزٍ لعمل إلهي. هذه القداسة هي عطية إلهية وليس من عندنا. “لكن اغتسلتم، بل تقدستم، بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1 كو 6: 11). ونحن ملتزمون أن نجاهد بالنعمة حتى ننمو في الحياة المقدسة وإلا نفقدها.

يرى العلامة أوريجينوس أن تعبير قديسين يُستخدم ليس فقط لمن بلغ القداسة، وإنما لمن يشتهي القداسة، ويسعى وراءها بإخلاص، طالبًا أن تعمل نعمة الله فيه.

  • اخبرني، منذ متى صرت قديسًا؟ أليس ذلك لأنك آمنت بالرب يسوع، ومتى صرت أخًا مؤمنًا؟ بالحقيقة لم تظهر نفسك حافظة للأمانة، لا بالقول ولا بالفعل ولا بما بلغت إليه. ومتى صرت موضع ثقة حتى يستودعك الرب أسراره تلك التي لم تعرفها الملائكة من قبل؟
  • كل مؤمن هو قديس بالرغم من كونه إنسانًا يعيش في العالم، إذ يقول (الرسول) “لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل” (١ كو ٧: ١٤). انظر كيف يقيم الإيمان القداسة؟ فإن رأينا علمانيًا (واحدًا من الشعب) في ضيقة يلزمنا أن نمد يدنا إليه، فلا نكون غيورين تجاه سكان الجبال وحدهم، فإن هؤلاء بحق هم قديسون في سلوكهم كما بالإيمان، أما الأولون فقديسون بإيمانهم والكثير منهم بالسلوك أيضًا. إذن ليتنا لا نذهب إلى راهب ملقى في السجن بينما نمتنع عن الذهاب إلى واحد من الشعب. فالأخير قديس وأخ[18].]
  • هو نفسه جعلنا قدّيسين، لكنّنا مدعوّون أن نبقى قدّيسين. القدّيس هو من يحيا في الإيمان، بلا لوم ويسلك حياة بلا لوم[19].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • من يتنقّى من الشر والخطية (خلال الصليب) يدعى قديسًا. وهكذا فإن غياب الشر عن الإنسان هو كمال أعظم للنفس ويرضى الله جدًا.

القديس أنطونيوس الكبير

هذا ويلزمنا التمييز بين استخدام هذا التعبير للمجاهدين بالنعمة ليصيروا قديسين، وبين استخدامه بالنسبة للذين تمموا خلاصهم فعلاً بالنعمة وانطلقوا إلى الفردوس، بعد أن بلغوا النصرة النهائية. كما يلزمنا التمييز بين القداسة وبين السلوك بلا عيب عن ضعفٍ.

  • الأطفال (الصغار) هم بلا عيب، لأن أجسادهم طاهرة، ولا يرتكبون خطيّة، لكنّهم ليسوا قدّيسين، لأن القداسة لا تتحقّق بدون إرادة وجهاد. من لا يفعل خطيّة هو بلا لوم، لكن الشخص القدّيس هو من يمتلئ بالفضائل[20].

القديس جيروم

وإلى… الإخوة المؤمنين“، يعنى بالإخوة حافظي الإيمان، أو الثابتين فيه.

من الله أبينا، والرب يسوع المسيح” [2]، هكذا يعلن الرسول أن الله الآب والرب يسوع المسيح هما واحد في اللاهوت، وهما مصدر ذات النعمة والسلام. ليس كما ادّعى بعض الغنوسيّين أن يسوع المسيح جاء ليخلّص العالم من إله العهد القديم العنيف، خالق المادة. إنّما هو واحد معه.

 

ب. ما سمعه عنهم

“نشكر الله وأبا ربنا يسوع المسيح،

كل حين مصلين لأجلكم” [3].

ما كان يشغل الرسول بولس وأيضًا من معه حتى في سجنه أن يقدموا تسبحة شكر لله من أجل امتداد ملكوته في العالم.

الشكر بالنسبة للرسول بولس ليس بندًا من بنود العبادة فحسب، لكنّه يمثّل خطًا جوهريًّا في كل حياته. فمع التزاماته الكثيرة ومشاركته لآلام مخدوميه سواء بسبب الاضطهادات من الخارج أو الانقسامات في الداخل أو المعاناة من أصحاب الأفكار الخاطئة إلاّ أن رسائله تحمل دومًا رائحة الشكر والتسبيح والفرح. بل وفي أكثر من موضع يوصي بالشكر الدائم كما بالصلاة بغير انقطاع. الشكر بالنسبة له ذبيحة حب مقدّمة دومًا باسم ربّنا يسوع المسيح، يشتمّها الآب رائحة رضا وسرور.

إن عُصر الرسول بولس تفيض عروقه شكرًا وفرحًا وتسبيحًا لا ينقطع!

خدمة التسبيح والشكر هي طعام النفس الدسم المشبع لها. “شفتاي تسبحانك. هكذا أباركك في حياتي، باسمك أرفع يدي، كما من شحم ودسم تشبع نفسي” (مز 63: 3-5). وهي أنشودة النصرة على العدو الحقيقي الذي يطلب تحطيم الإنسان بروح اليأس: “من أفواه الأطفال والرضع هيأت سبحًا لإسكات عدو ومنتقم” (مز 8: 2).

يقدّم الكاتب التشكّرات (في صيغة الجمع كما في 1 تس 1: 2)، وقد اعتاد الرسول في أغلب رسائله أن يفتتحها بتسبحة الشكر لله (رو 1: 8، 1 كو 1: 4؛ أف 1: 16؛ في 1: 3؛ 2 تس 1: 3؛ 2 تي 1: 3؛ فل 4).

بدأ بالشكر لله من أجل عمله معهم: إيمانهم به، وحبّهم للقدّيسين، ومن أجل رجائهم في السماويّات. هكذا يتطلّع الرسول إليهم بروح إيجابي مفرح؛ فلا يبدأ بالحديث عن السلبيّات المحزنة، بل بالإيجابيّات المفرحة. بهذا يدفعهم للاستماع إليه بقلب مفتوح، ويملأهم رجاء في النموّ الدائم بلا يأس.

إذ وجد في السجن، مقيدًا في حركته جسديًا، تبقى نفسه منطلقة للعمل بالصلاة الدائمة في يقظة، تطلب خلاص كل نفس. كان في السجن كأسدٍ غالب، كما جاء في إشعياء النبي: “ثم صرخ كأسدٍ: أيها السيد أنا قائم على المرصد دائمًا في النهار، وأنا واقف على المحرس كل الليالي” (إش 21: 8)

ما سمعه عنهم من أبفراس ألهب قلبه بالفرح من أجل ما تمتّعوا به روحيًا، وحثه على الصلاة والشفاعة من أجلهم حتى يصيروا كاملين، مدركين مشيئة الله، ومتمتّعين بالمعرفة الإلهيَّة.

ليس بالأمر العجيب أن يربط الرسول بين شكره لله وصلاته الدائمة من أجل شعبه، فإن كان الله يطلب منّا ذبيحة الشكر والتسبيح، كذبيحة مقبولة لديه، فإن محبّتنا له وتسبيحنا لا ينفصل عن حبّنا لإخوتنا وصلواتنا من أجلهم بلا انقطاع.

حمل الرسول أبوّة صادقة نحو كل مخدوميه، فكان باسمهم لا يكف عن أن يقدّم الشكر لله من أجل عمله معهم.

  • وضع (بولس) نفسه في مركز الأب، الشاكر كل حين من أجل أولاده، من أجل ما يمارسونه[21].

العلامة أوريجينوس

  • كل صلاة نقدّمها لله إمّا تُقدّم بشكر لما نلناه، أو بتوسّل لننال ما هو أكثر. لكي يشجعنا أن نطلب عن أنفسنا وعن من نحبّهم، يقول بولس: “ذاكرًا إيّاكم في صلواتي” (أف 1: 16)[22].

الأب ماريوس فيكتورينوس

“إذ سمعنا إيمانكم بالمسيح يسوع،

ومحبتكم لجميع القديسين” [4].

 إن كان الابن الوحيد الجنس قد تجسد، وقدم نفسه ذبيحة عن حياة العالم، فإننا نقدمها للابن الوحيد الذي أحبنا وأسلم نفسه لأجلنا. فالخلاص هو عمل الثالوث القدوس.

سمع الرسول عن إيمانهم الذي هو ثمرة جهاد تلميذه أبفراس، فقدم ذبيحة الشكر لله، لأن هذا الإيمان ليس هو عمل الرسول بولس ولا تلميذه، بل عطية الله. “لأنكم بالنعمة مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله” (أف 2: 8). “ونحن بقوة الله محرسون بإيمان لخلاص مستعد أن يُعلن في الزمان الأخير” (1 بط 1: 5)

ومحبتكم لجميع القديسين” [4]: لم يكن إيمانهم عقيدة ذهنية مجردة أو فكرًا فلسفيًا جافًا، لكنه إيمان حي عامل بالمحبة. إيماننا بالمخلص محب البشرية يترجم عمليًا بحبنا لإخوتنا في الرب: “بهذا قد عرفنا المحبة، أن ذاك وضع نفسه لأجلنا، فينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة” (1 يو 3: 16). حمل المؤمنون الحب لجميع القديسين ليس ثمرة روابط بشرية اجتماعية، إنما بكونه أول ثمر الروح (غل 5: 22). المحبة التي تتغنى بها العروس المؤمنة: “قوية كالموت، وسيول كثيرة لا تقدر أن تطفئها” (نش 8: 6-7)

“من أجل الرجاء الموضوع لكم في السماوات،

الذي سمعتم به قبلاً في كلمة حق الإنجيل” [5].

إن كنا نسبح الله ونشكره على عطية الإيمان الذي يسحب قلوبنا وأذهاننا لندرك خطة الله الأزلية من نحونا، قبلما أن نوجد، ونسبحه على عطية الحب لكي نمارسها بروحه القدوس في حاضرنا العملي، فإننا أيضًا نشكره على عطية الرجاء الذي لا يعنى أمنية نشتهيها قد تتحقق أو لا تتحقق، إنما الرجاء الذي يفتح أبواب السماء لنختبر عربونها، وندرك حقيقة الأبدية والمجد المُعد لنا، وسرور الله بشركتنا فيه. نرى مسيحنا يحدث الآب: “أريد أن هؤلاء الذين أعطيتني يكونون معي حيث أكون أنا” (يو 17: 24). هذا هو رجاؤنا الذي لا يخزى (رو 5: 2-5).

الموضوع لكم في السماوات” [5]، أي محفوظ ومحروس ومضمون “ميراث لا يفنى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السماوات” ( 1 بط 1: 4). هذا الرجاء يتثبت فينا خلال الخبرة السماوية التي نعيشها الآن.

الذي سمعتم به قبلاً في كلمة حق الإنجيل” [5]: لم يكن بعد قد تسلموا الإنجيل مكتوبًا، لكنهم تسلموه شفاها، نقله إليهم ابفراس فتمتعوا بكلمة الحق الإنجيلي. “لأنكم إذ تسلمتم منا كلمة خبر من الله، قبلتموها لا ككلمة أناس، بل كما هي بالحقيقة ككلمة الله، التي تعمل أيضًا فيكم أنتم المؤمنين” (1 تس 2: 13).

  • أعدّ المسيح حياة أخرى لمن لهم رجاء فيه. لأن هذه الحياة معرّضة للخطيّة، أمّا الحياة العليا فمحفوظة كمكافأة لنا[23].

القديس أمبروسيوس

  • لكي ما تبلغوا الخيرات السماوية يجب التمسك بالرجاء الثابت في هذه الخيرات وتدعيمه, مزودًا بأن تكون كل التصرفات الصادرة عنكم متناغمة مع هذه الخيرات[24].

 الأب ثيئودور أسقف المصيصة

  • إنّه ليس بدون جهاد نعرف رجاء دعوتنا وغنى ميراث اللَّه في القدّيسين. هذا الجهاد يأتي حقيقة كرد فعل للعطيّة المتجدّدة التي يهبها اللَّه نفسه في قيامة ابنه المجيدة. هذه العطيّة لا يقدّمها مرّة واحدة بل هي عطيَّة مستمرّة… في كل يوم يقوم المسيح من الأموات. في كل يوم يقوم في التائبين[25].

القديس جيروم

  • يكشف لهم بولس أن تدبير الملائكة لا يحقق الرجاء الموضوع أمامنا في القيامة والملكوت, إنما يتحقق بظهور ربنا يسوع المسيح[26].

 الأب سفيريان أسقف جبالة

  • إننا فعلاً نرى السماء بعيني الإيمان, إذ نُعد لها في الحاضر بروح غيور[27].

 الأب ثيؤدورت أسقف قورش

  • نبلغ هذه الرؤيا الإلهية التأملية للسماويات بدقة عندما نمارس التداريب الجسمانية والعقلية, فتتقبل المجد الأزلي غير المنطوق به الذي يعزلنا عن هذا العالم وعن أفكارنا فيه. بهذا نحقق الرجاء الموضوع أمامنا ونثبت فيه بكل يقين[28].

 القديس مار اسحق السرياني

  • ليس لنا رجاء في المسيح في هذه الحياة وحدها، حيث يمكن للأشرار أن يفعلوا أكثر من الصالحين، والتي فيها يكون الأكثر شرًا أكثر سعادة، والذين يمارسون حياة أثيمة يعيشون في أكثر غنى[29].

الأب مكسيموس أسقف تورينو

“الذي قد حضر إليكم كما في كل العالم أيضًا،

وهو مثمر كما فيكم أيضًا منذ يوم سمعتم

وعرفتم نعمة الله بالحقيقة” [6].

ما تسلموه من أبفراس هو “الحق”، أو “حق الإنجيل”، أي الحق المُفرح. إنه الحق الذي يُبشر به فيهب فرحًا سماويًا. هذه البشارة مقدمة للعالم كله، وليس لفئةٍ معينةٍ من الناس “كما في العالم أيضًا” [6]. الحق الإنجيلي المفرح الذي لا تقف أمامه عقبات الثقافات المتنوعة في العالم ولا عنصرية معينة هو زرع دائم الإثمار متى غُرس في تربة صالحة (مت 13: 23) وهو “مُثمر فيكم منذ سمعتم وعرفتم نعمة الله” [6]

حقا لقد أحب الناس الظلمة أكثر من النور (يو 3: 19)، لكن يبقى الحق عاملاً في الذين تمتعوا به، ولا يستطيعوا أن يحبسوه داخلهم دون الشهادة له، والشوق العملي الحقيقي أن يختبر كل إنسان بهجة الخلاص الإنجيلي.

هذه هي خبرة ارميا النبي القائل: “كلمة الرب صارت لي للعار وللسخرة كل النهار، فقلت لا أذكره، ولا أنطق باسمه، فكان في قلبي كنارٍ محرقةٍ محصورةٍ في عظامي، فمللت من الإمساك ولم استطع” (إر 20: 8-9). هذه هي نار الروح القدس الذي يلهب القلب بالحب المفرح الذي لا يمكن حبسه، بل يفيض بغير انقطاع.

  • ليس فقط يُعرف الإيمان في كل العالم, بل وينمو كل يوم… وإذ ينمو ممتدًا كل يوم ينمو أيضًا في العمق بينكم[30].

 الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

  • يشير ثمر الإنجيل إلي أولئك الذين يسمعون الإنجيل، ويتجاوبون معه بالحياة المستحقة للمديح[31].

 الأب ثيؤدورث أسقف قورش

  • مع أن الإنجيل لم يكن بعد قد ضم العالم كله يقول (الرسول) أنه يثمر وينمو في كل العالم ليُظهر إلى أي مدى سيمتد حاملاً ثمارًا ونموًا. إن كان مخفيًا عنا حتى سيمتلئ كل العالم بالكنيسة مثمرًا وناميًا, فإنه دون شك مخفي عنا متى ستكون النهاية, لكن ما هو أكيد أن النهاية لن تأتي قبل كون العالم يمتلئ بالكنيسة[32].

 القديس أغسطينوس

يري العلامة ترتليان وهو يقاوم مرقيون أنه مهما فعل الهراطقة فإن إنجيلنا هو الذي ينتشر في كل موضع وليس إنجيل الهراطقة[33]. ويري القديس أغسطينوس أن هذا الرجاء الثابت في تمتع العالم كله بالإنجيل يتحقق بناء على قول ابن الله بفمه الإلهي: “وتكونوا لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع 1: 8)[34].

  • كرِّم الكنيسة المقدسة وحبها وأمدحها, أمك أورشليم السماوية, مدينة الله. إنها تلك التي في هذا الإيمان الذى تقبله تحمل ثمرًا وتنتشر في كل العالم. إنها كنيسة الله الحي, عمود الحق وقاعدته (1 تي 3: 15), التي في منحها للأسرار تحتمل الأشرار الذين في وقت ما يُعزلوا ويُستبعدوا[35].

 القديس أغسطينوس

“كما تعلمتم أيضًا من أبفراس العبد الحبيب معنا،

الذي هو خادم أمين للمسيح لأجلكم” [7].

“الذي اخبرنا أيضا بمحبتكم في الروح” [8].

يقدم لنا الرسول خطوات عملية للصعود إلى التمتع ببهجة الخلاص وقوته، أو لنوال خبرة المجد، هذا السلم الذي يليق بنا أن نصعد عليه درجاته هي الآتي[36]:

  1. الشكر مع الصلاة بلجاجة من أجل الكنيسة لدخول كل مؤمنٍٍ إلى المجد [9].
  2. الامتلاء بمعرفة مشيئة الله [ المعرفة – الحكمة – الفهم الروحي].
  3. السلوك بما يليق بأولاد الله بسرور [10]
  4. النمو الدائم في العمل والمعرفة الروحية [10]، أو الثمر المتكاثر.
  5. خبرة قوة الله المجيدة العاملة فينا.
  6. إدراك حياة النصرة على عدو الخير.
  7. الدخول في ملكوت ابن محبته.
  8. في المسيح ننعم ببهجة الفداء ومغفرة الخطايا.

ج. ما يصليه لأجلهم

“من أجل ذلك نحن أيضًا منذ يوم سمعنا،

لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم،

أن تمتلئوا من معرفة مشيئته،

في كل حكمةٍ وفهمٍ روحيٍ” [9].

إذ سمع القديسان بولس وتيموثاوس عن قبولهم الإيمان على يد ابفراس قدما الشكر لله وتهللت نفسيهما بالتسبيح [1]، لكنهما شعرا بالالتزام من نحوهم، ألا وهو الصلاة الدائمة والطلبة عنهم حتى يصعدوا على سلم الخلاص المفرح بلا توقف، والذي يقوم لا على الجهالة بل على الامتلاء المستمر بمعرفة مشيئة الله، والتمتع بالحكمة السماوية والفهم الروحي الصادق. هذا الدور حيوي في خدمة الرسول من أجل كل الشعوب إذ يقول: “أحنى ركبتي لدى ربنا يسوع المسيح” (أف 3: 14).

كثيرًا ما يشير القدّيس بولس عن نفسه كرجل صلاة من أجل خلاص الناس. لا يقف الأمر عند الرغبة في خلاصهم، وإنّما يحني ركبتيه ويتوسّل بقلبه وفكره كما بكل كيانه لأجلهم. هنا يعلّق الأب ماريوس فيكتورينوس قائلاً: [بالركوع نحقق الشكل والكامل للصلاة والتضرّع. لذا نحني ركبنا. يلزمنا أن نميل إلى الصلاة ليس فقط بأذهاننا وبأجسادنا. حسنًا نحني أجسامنا لئلاّ نخلق فينا نوعًا من التشامخ ونحمل صورة الكبرياء[37].]

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس يكرر كلمة “كل“، لكي يدرك المؤمنون أنهم لن يكفوا عن النمو الدائم حتى يبلغوا كل حكمة وبكل رضا (سرور)، ويمارسوا كل عمل صالح.

ما معنى الامتلاء من معرفة مشيئته؟ أي إدراك سرّ المسيح، الذي وحده يعرف الآب ويعلن معرفته لمن يريد. لا يكف المؤمن عن الطلب حتى ينال ملء المعرفة، باكتشافه سرّ المسيح؛ وبكل حكمة حيث يتحد مع المسيح حكمة الله؛ ويكون له كل فهمٍ روحيٍ حيث يقوده الروح القدس ويدخل به إلى حضن الآب.

  • هذه هي مشيئة الله أن نعرفه ونعرف أنه لا يمكننا أن نخلص بواسطة الملائكة وإنما فقط بيسوع المسيح. إذن كيف يمكننا أن نعرف ذلك؟ بالحكمة الروحية لا الزمنية[38].

 الأب سفيريان أسقف جبالة

  • ليست بركة ما يُمكن أن تكمل إلا بإلهام الروح القدس. لذلك لم يجد الرسول شيئًا أفضل يتمناه لنا أكثر من هذا, إذ يقول: “لم نزل مصلين وطالبين لأجلكم أن تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي, لتسلكوا كما يحق للرب“. لقد علمنا أن هذه هي مشيئة الله إنه بسلوكنا في أعمال وكلمات ومشاعر صالحة نمتلئ بمشيئة الله الذي يضع روحه القدوس في قلوبنا[39].

 القديس أمبروسيوس

“لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضى،

مثمرين في كل عمل صالح،

ونامين في معرفة الله” [10].

يطلب منّا الرسول ترجمة إيماننا إلى سلوك حيّ. هذا السلوك ليس مجرد فضائل اجتماعيّة نلتزم بها، لكنه سلوك من نوع فريد:

  1. سلوك “كما يحق للرب” [10]، نمارسه بكوننا أولاد الله، أيقونة المسيح، حاملين روح الرب فينا. دافعه أننا سفراء المسيح ونحمل وكالة السماء.
  2. “في كل رضى“، خلال سلوكنا هذا نرى في الطريق الضيق الذي للصليب مسرّة الله ومسرّتنا نحن، إذ نشارك مسيحنا صليبه، وننعم بشركة الطبيعة الإلهية.
  3. مثمرين في كل عملٍ صالحٍ“، ليس فقط في العطاء المادي والمعنوي للآخرين، إنما في ممارستنا عمل الرب محب كل البشريَّة، الباذل حياته لخلاص العالم. “كل ما فعلتم، فاعملوا من القلب، كما للرب ليس للناس” (كو3: 23). بهذا ندرك إن أكلنا أو شربنا فلمجد الله، وفي نومنا قلبنا متيقّظ، حياتنا بكل الكبائر والصغائر تحمل مسحة الروح لحساب ملكوت الله.
  • لقد أُمرنا أن نفعل الخير عندما يُقال: “أترك الشر واصنع الخير” (مز 27:37), لكننا نصلي، لكي نفعل الخير إذ قيل: “لم نزل مصلين وطالبين“, ومن بين الأمور التي يسألها بولس يشير إلى: “لتسلكوا كما يحق لله في كل رضى, مثمرين في كل عمل صالح” فكما عرفنا الدور الذى تقوم به الإرادة عندما أُعطيت لنا هذه الأوامر ليتنا نعرف الدور الذي تقوم به النعمة عندما تقدم هذه الطلبات[40].

القديس أغسطينوس

“متقوين بكل قوة،

بحسب قدرة مجده،

لكل صبر وطول أناة بفرح” [11].

تبدو الوصيَّة الإلهيَّة صعبة وطريق الصليب ضيّق للغاية، لكننا إذ نعبر فيه مع مسيحنا المصلوب نختبر قوّة قيامته وبهجتها (أف 1: 19-20). نمارس طول الأناة التي ليست منا، بل هي عمل الله الطويل الأناة فينا، ونفرح ونتهلّل لأننا نحمل شركة سماته. هذه هي خبرة الرسل الذين حين جُلدوا ذهبوا فرحين، لأنهم حُسبوا مستأهلين أن يُهانوا من أجل اسمه (أع 5: 40-41).

في حديث القديس أغسطينوس عن مدينة اللَّه يوضّح أنّه يمكن حتى للأصحّاء عندما يصابون بمرضٍ فلا يقدرون أن يكملوا الطريق إلى مدينة اللَّه، لهذا يسمح اللَّه لهم بالضيقات والمتاعب ومقاومة الناس لهم حتى يتسلّحوا بالصبر وطول الأناة. هذا هو الدواء الذي يقدّمه اللَّه لمواطني مدينة اللَّه لكي يسندهم في الطريق[41].

  • “فاشترك أنت في احتمال المشقّات كجندي صالح” (2 تي 2: 3)… لاحظوا أيّة كرامة عظيمة تحسب أن تخدم ملوكًا على الأرض. فإن كان جندي الملك يلتزم أن يحتمل مشقّات. فعدم احتمال المشقّات ليس هو دور أي جندي[42].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يلزم جنود المسيح الحقيقيّون أن يكونوا دومًا حصونًا للحق ولا يسمحوا مطلقًا لأية إغراءات باطلة قدر المستطاع[43].

العلامة أوريجينوس

“شاكرين الآب

الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور” [12].

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذا القول يتفق مع طبيعة الله الذي لم يقدّم لنا الميراث فحسب وإنما يؤهلّنا أيضًا له. ويقدّم لنا مثلاً بملكٍ يقيم حاكمًا على مقاطعة ما، فإنه لا يكفي أن يهبه هذا المركز، وإنما يلزمه أن يؤهّل الشخص حتى يمكنه على ملء منصبه فيقوم بمهمته بكفاءة. أما أن يهب الولاية على المقاطعة لشخصٍ دون تدريبه، تنتهي حياة الشخص بطريقة مؤسفة.

إنه يقدّم ميراثًا ويهيّئنا لهذا الميراث. أما دعوته ميراثًا، فلأنه لا يقدر أحد أن يقتنيه بجهاده الذاتي وقدرته وتدابيره، إنما هو عطيَّة مقدّمة من الآب لأولاده كنصيب ميراث لهم.

“في النور” [12]: هذا الميراث هو في المسيح يسوع، شمس البرّ، وسراج أورشليم العليا. فإن أورشليم الجديدة لا تحتاج إلى الشمس والقمر ليضيئا فيها، لأن مجد الله قد أنارها، والخروف سراجها، وهكذا تمشي شعوب المخلّصين في نورها” (رؤ 21: 23-24). إنه النور الإلهي الذي يعكس بهاءه على مؤمنيه فيصيروا كواكب منيرة. “والفاهمون يضيئون كضياء الجلَد، والذين ردوا كثيرين إلى البرّ كالكواكب إلى أبد الدهور” (دا 3:12). “حينئذ يضيء الأبرار كالشمس في ملكوت أبيهم” (مت 13: 43).

يرى القديس أغسطينوس في تقديم الشكر لله الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور علامة أن الله الذي أهلنا مشيئة التى تحررنا ليست مشيئتنا بل هي مشيئته[44].

  • يمتلئ المسرح العظيم بالمشاهدين ليتابعوا صراعكم واستدعاءكم للاستشهاد, كما لو كنا نتحدث عن جمهور عظيم قد اجتمع ليتابعوا صراعات المصارعين الذين يُنتظر أن يكونوا أبطالاً…. هكذا العالم كله, وكل الملائكة من على اليمين وعلى اليسار, وكل البشر الذين هم من نصيب الله (تث 32: 9) والذين من غيره, هؤلاء يكونون كمشاهدين عندما نصارع من أجل المسيحية. حقًا فإن الملائكة في السماء تفرح بنا, والفيضانات تصفق معًا بالأيادي… لكن القوات التى من أسفل التي تفرح بالشر لا تتهلل[45].

العلامة أوريجينوس

“الذي أنقذنا من سلطان الظلمة،

ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته” [13]

من الجانب السلبي ينقلنا من العبوديَّة للظلمة التي أفسدت بصيرتنا، ومن الجانب الإيجابي يدخل بنا إلى حريّة مجد أولاد الله، كأبناء للنور. ينتزعنا من الفريق الحامل العداوة لله، مملكة الظلمة، إلى فريق النور والاتحاد مع الله.

جاءت كلمة “سلطان” باليونانيّة معناها “الحق الشرعي”. فإن من يعطي ظهره للنور، ويلقي باختياره في هوة الظلمة، يصير لمملكة الظلمة الحق الشرعي لامتلاكه وتشكيله حسب سماتها وطبيعتها الفاسدة. يصير لعدو الخير كرئيس سلطان الظلمة المطالبة بامتلاك مثل هذه النفس واستعبادها لحساب مملكته.

  • الذي أنقذنا من سلطان الظلمة” أي من الخطأ، من طغيان الشيطان. لم يقل فقط “سلطان” بل “سلطان الظلمة“، لأن لها سلطان عظيم علينا يسيطر علينا بقوّة حقَا، إنّه يصعب تمامًا أن نكون تحت الشيطان، أما أن يكون له سلطان علينا هكذا، فهذا أصعب. “ونقلنا إلى ملكوت ابن محبّته“. هكذا إذن ليس فقط خلّصنا من الظلمة، وإنّما أظهر محبّته للبشر[46].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • خدمت الملائكة الله لأجل خلاصنا قبل الناموس وفي الناموس, لكن الله لم يحضرنا إلى ملكوته خلالهم. الآن خلال ربنا، ابنه الوحيد الجنس, أُعطي لكم الملكوت.

 سفيريان أسقف جبالة

  • ليس الناموس بل المسيح الرب الذي حمل الناموس هو الذي أعطانا الخلاص خلال المعمودية المخَّلِصة عندما قدم بولس ذلك بيانًا عن الله مظهرًا إياه أنه صانع كل الأشياء.

 ثيؤدورت أسقف قورش

  • نفهم من هذه الكلمات أنه يوجد ملك واحد وهو خالق الكون كله. بينما على الجانب الآخر يوجد رئيس هذا العالم الذي يسمى نفسه ملك الظلمة. تخدم ربوات من الملائكة الملك الحقيقى، بينما يلتف حول رئيس قوى الظلمة ربوات من الشياطين (كو 13:1). تتبع الرئاسات والسلاطين والفضيلة ملك الملوك ورب الأرباب. وفي الآخرة حين يُسلم المسيح المُلك للّه الآب بعد أن يكون قد أباد كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة للعدو، فإنه لابد أن يملك إلى أن يضع جميع الأعداء تحت موطئ قدميه (1 كو 24:15، 25)[47].
القديس غريغوريوس النيسي
  • ليس شيء ينقذ الإنسان من قوة الملائكة الأشرار هذه سوى نعمة الله التي يتحدث عنها الرسول: “الذي أنقذنا من سلطان الظلمة، ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته“.

 قصة إسرائيل توضح هذه الصورة, عندما أُنقذوا من قوة المصريين، ونقلوا إلى ملكوت أرض الموعد التى تفيض لبنًا وعسلاً إشارة إلى عذوبة النعمة[48].

 القديس أغسطينوس

نقلنا“: يرى القديس أغسطينوس أن شعب الله عبر من مصر خلال البحر الأحمر, هذا العبور أو الفصح (معناه عبور) هو نقل. هكذا نحن أيضًا ننتقل أو نعبر من الشيطان إلى المسيح, ومن العالم الزائل إلى المملكة الثابتة تمامًا. نعبر إلى الله الذي يدوم حتى لا نعبر نحن أيضا من العالم العابر. هنا يسبح الرسول بولس الله من أجل هذه النعمة الممنوحة لنا[49].إننا نخلص ونجحد الشيطان أفلا نجاهد ألا نسلم منه (لو 12: 56-58) ولا يجعلنا خطاة مأسورين مرّة أخرى؟[50]

“الذي لنا فيه الفداء بدمه غفران الخطايا” [14].

يرى العلامة أوريجينوس أن السيّد المسيح سلّم نفسه للعدو في الجحيم ليفدي مؤمنيه، وكان يظن العدو أنّه قادر أن يمسك به هناك، لكنّه لم يدرك أنّه هو وحده القادر أن يحطم المتاريس، لا لينطلق وحده، بل ليحمل على ذراعيه المسبيّين، ويدخل بهم إلى حضن الآب. يقول الرسول: “إذ صعد إلى العلاء سبى سبيًا” (أف 4: 8). لقد اشترانا بدمه وردّنا إلى حضنه.

ويرى القديس مار إفرآم السرياني أن الكلمة صار حملاً فأراد إبليس الذئب أن يفترسه، فهجم عليه وابتلعه، لكن معدته لم تقدر أن تحبسه فيها، بل فجَّرها الحمل الإلهي وأنقذ من كان بداخلها.

  • فداء” هي كلمة مستخدمة عن ما يُعطى للأعداء مقابل خلاص الأسرى وإعادتهم إلى حرّيتهم. لذلك إذ سقطت الكائنات البشريَّة أسرى بواسطة أعدائهم جاء ابن اللَّه الذي صار لنا ليس فقط حكمة اللَّه وبرًّا وقداسة (1 كو 1 : 30) بل و”فداء”. سلّم نفسه كفدية عنّا، أيّ سلّم نفسه لأعدائنا وسكب دمه على الذين يتعطّشون إليه. بهذا تحقّق الفداء للمؤمنين[51].

العلامة أوريجينوس

  • المسيح هو فداء، إذ قدّم نفسه كفّارة لحسابنا، وذلك عندما منحنا عدم الموت قنية لنا، لقد افتدانا من الموت بحياته[52].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

  • لم يجعلنا اللَّه فقط حكماء وأبرارًا وقدّيسين في المسيح، وإنّما وهبنا المسيح حتى لا يعوزنا شيء لأجل خلاصنا[53].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • الشخص الذي يترقّب الفداء أسير. لم يعد بعد حرًّا وذلك بخضوعه لسلطان العدو. لذا نحن أسرى في هذا العالم، مربوطين بنير العبوديَّة للرئاسات والقوّات، عاجزين عن تحرير أيادينا من القيود. لهذا نرفع عيوننا إلى فوق حتى يصل الفادي[54].

القديس جيروم

2. تسبحة لرئيس خلاصنا؟

أ. أصل كل خليقة

اقتبس الرسول بولس هذه التسبحة الخاصة بشخص السيّد المسيح، رئيس خلاصنا، وهي تتغنّى بمركزه الذي من خلاله يقدّم لنا إمكانيّاته الإلهيَّة. وسواء اقتبسها الرسول كما هي، أو هو واضعها، أو أعطى لمساته التفسيريّة واللاهوتيّة، فإنّها تعتبر من أهم القطع التي وردت في العهد الجديد بخصوص شخص السيّد المسيح.

“الذي هو صورة الله غير المنظور بكر كل خليقة” [15].

“صورة الله غير المنظور“، إن كانت الخطية قد حجبت عن الإنسان رؤية مجد الله، فقد جاء الكلمة المتجسّد لا ليقدّم لنا أفكارًا عقلانيّة نظريّة عن المجد الإلهي، وإنما أزال بصليبه الخطية، فانشق الحجاب وصار لنا حق رؤية الله خلال الصليب. لقد أشرق السيد المسيح بنوره الإلهي على شاول الطرسوسي وهو في طريقه إلى دمشق، فأصيبت عيناه الجسديّتان بنوعٍ من العمى، لعجزهما عن رؤية الله، بينما انفتحت بصيرته الداخليَّة وتمتّع بولس الرسول بالنور الحقيقي. هذه الخبرة تمتّع بها الرسل بطرس ويعقوب ويوحنّا على جبل طابور حيث تغيّرت هيئته قدّامهم، وأضاء وجهه، وصارت ثيابه كالنور (مت17: 1-5).

كلمة “صورة“، وفي اليونانيَّة “أيقونة” تعني الإعلان الكامل المنظور للإله غير المنظور، وهو الذي يحمل طبيعة جوهره ورسم بهائه، وهذا هو ما قاله الرب عن نفسه: “من رآني فقد رأى الآب”.

جاء السيد المسيح، الكلمة المتجسّد، ليحقق الرغبة التي أوجدها عميقة في قلب الإنسان، ألا وهي الحنين إلى رؤية الله. فكانت شهوة قلب موسى النبي بعد كل ما ناله من أعمال عجيبة هي: “أرني مجدك” (خر33: 18). أيضًا يقول داود المرتل: “أدخل إلى مذبح الله تجاه وجه الله الذي يفرّح شبابي” (مز 43: 4 LXX). بل هذه هي مسرّة الله نفسه أن يتراءى لمحبوبه الإنسان، كما كان يفعل مع آدم في الجنة عند هبوب ريح النهار (تك3: 8-9). لقد جاء ليتمتّع الإنسان بالشركة معه على الأرض، لكي يحمله بالصليب إلى حضن الآب ويتمتّع بالرؤية الإلهية أبديًا.

  • يمكن أن توجد صورة بين الآباء والأبناء ومساواة وتشابه لو كان فارق السن غير قائم. لأن تشابه الطفل يأتي من الوالد حتى يُدعي بحق صورة… على أي الأحوال في الله لا يوجد عامل الزمن، فلا يمكن تصور إن الله ولد الابن في زمن هذا الذي خلاله أوجد الأزمنة. لهذا ليس فقط الابن صورته لأنه منه (الله), والشبه لأجل الصورة, بل والمساواة عظيمة هكذا حيث لا يوجد أي تمييز مؤقت يقف حائلاً بينهما[55].

 القديس أغسطينوس

  • لنتبصر أولاً وقبل شيءٍ ما هي الأشياء التى تدعي صورًا في الحديث البشري العادي. أحيانًا يستخدم تعبير “صورة” على رسم أو نحت على مادة ما مثل الخشب أو الحجارة. أحيانًا يُقال عن الطفل إنه صورة الوالد (أو الوالدة) عندما يحمل شبهًا لملامح والده في كل جانب… بخصوص ابن الله الذي نتحدث عنه الآن, فإن الصورة يمكن أن تقارن بالتوضيح الثاني هنا, فهو الصورة غير المنظورة لله غير المنظور[56].

 العلامة أوريجينوس

  • الصورة العادية صورة جامدة لكائن متحرك. هنا لدينا صورة حية لكائن حي, ومتميزة عنه، مصدرها إلى درجة عالية أكثر مما لشيث الصادر من آدم, وأي نسل من والديه[57].

 القديس غريغوريوس النزينزي

  • يعلن الرب: “إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا بي” (يو 37:10). من ثم إنه يُعَلِم إن الآب يُري فيه إذ هو يتمم أعماله, حتى إن قوة الطبيعة المُدركة تعلن طبيعة القوة غير المدركة, لذلك إذ يشير الرسول أن هذا هو صورة الله فيقول: “الذى هو صورة الله غير المنظور… وأن يصالح به الكل لنفسه“. بهذا فإنه هو صورة الله بقوة هذه الأعمال[58].

 القديس هيلارى أسقف بواتييه

  • إنه يدعو المسيح الصورة غير المنظورة، ليس لأن الله يصير منظورًا فيه, بل بالأحرى لأن عظمة الله تظهر فيه. من ناحية نحن نرى طبيعة الله غير المنظورة في المسيح كالصورة, بمعنى إنه وُلد من الله… وأنه سيدين كل الأرض عندما يظهر في طبيعته اللائقة به في وقت مجيئه الثاني. هكذا من أجلنا يأخذ حالة “الصورة” المنظورة والتي تنتمي ليسوع الأرضى, لوضعه البشري, وذلك لكي نقدر أن نستدل على طبيعته الإلهية.

الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

  • إذ هو نفسه صورة الله غير المنظور غير الفاسد, فليشرق عليكم كما في مرآة الناموس. اعترف به في الناموس حتى يمكنك أن تعرفه في الإنجيل[59].

القديس أمبروسيوس

إذ كان الرسول يكشف عن غاية التجسد الإلهي ويعالج مشكلة الغنوسيين الذين نادى بعضهم بعبادة الملائكة كوسطاء أو أيونات أو شفعاء، يحملون المؤمنين إلى المعرفة الحقيقية للكائن الأسمى، نادى آخرون بأنه ثمة تعارض بين إله العهد القديم وإله العهد الجديد. لهذا استخدم الرسول تعبير: “صورة الله غير المنظور” ليؤكد أنه الكلمة المتجسد، وهو الخالق الذي به كان كل شيء، ولأجله كان، وفيه تقوم كل الخليقة، هو وحده إذ تجسد وأعلن بالصليب المحبة الإلهية قادر أن يعلن معرفة الآب. نرى الآب وندرك أسراره في الابن المتجسد كما في صورة ليست جامدة لكنها حية قادرة على الكشف عن الآب.

“بكر كل خليقة” [15]

دعوته “بكر كل الخليقة” أو رئيسها، فلا تعني أنه أحد المخلوقات السامية، إنما وقد تجسد صار بإرادته أخًا ليضم الخليقة إليه، فيحملها إلى حضن أبيه. وأنه وحده قادر بدمه يتمم المصالحة بين الآب والبشرية.

يقول البابا أثناسيوس الرسولي أنه لم يرد قط عن السيد المسيح أنه “بكر من الله” أو “خليقة من الله”، إنما كُتب عنه أنه الوحيد الجنس، الابن، الكلمة، والحكمة، هذه كلها تمس علاقة الأقنوم الثاني بالأول، أما قوله “بكر كل خليقة” فهي تسمية تختص بتنازله وتفضّله من أجل الخليقة[60].

“فإنه فيه خلق الكل ما في السماوات،

وما على الأرض،

ما يُرى وما لا يُرى،

سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين،

الكل به وله قد خلق” [16].

إذا كانت كل الخليقة قد خًُلقت فيه، وهو قبل كل خليقة [17]، إذن فهو ليس بالخليقة بل خالق الخليقة. إذن قيل عنه أنه البكر، ليس لكونه من الآب، لكن لأن كل الخليقة به ظهرت إلى الوجود، وهو لم يزل الابن الوحيد الجنس للآب.

“فيه قد خُلق الكل” [16]، وبه، وله. خُلقت فيه أي في محيط التدبير العقلي للابن، أي خلال حكمة الله، الابن الكلمة والحكمة. وبه خُلقت إذ تحقّقت خطة الخلقة به، حين قال الله فكان. “كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 3).

تأكيد أن فيه خُلق الكل ما في السماوات… مقدمًا بين المخلوقات أعلى الطغمات السمائية” العروش والسيادات والسلاطين” [16]، فلكي يعلن ضرورة التمييز بين الخالق والخليقة، حتى وإن كانت أسمى المخلوقات السماوية، فهو ليس واحدًا منهم، ولا هم شركاء معه في الوساطة أو الشفاعة الكفارية، ورفع الإنسان إلى حضن الآب.

كان لابد للقديس بولس أن يؤكد مرارًا وتكرارًا أن كل الخليقة – ما في السماوات وما على الأرض – مدينة بوجودها لكلمة الله المتجسّد، يسوع المسيح ليطمئن المؤمنين أنه ليس من وجه للمقارنة بين السيد المسيح والملائكة، ردًا على أولئك الذين ادّعوا وساطتهم لدى الله عن البشريَّة دون المسيح.

  • “كل شيءٍ به كان وبغيره لم يكن شيءٍ مما كان” (يو 3:1). لا يوجد استثناء واحد من هذا “الكل“. الآن إنه الآب الذي صنع كل الأشياء به, سواء المنظور أو الغير المنظور, الحسي والعقلي, الوقتي من أجل تدبير ما أو الأبدي. هذه لم توجد خلال ملائكة ما أو قواتٍ ما, منفصلة عن فكره[61].

 القديس إيريناوس

  • لو أنه وُجد شيء قبل الابن, يتبع هذا فورُا أن كل الأشياء في السماء وعلى الأرض لم تُخلق فيه, ويظهر الرسول مخطئ في قوله هذا في رسالته. على أي الأحوال, إن كان لا يوجد شيء قبل مولده, فإنني أفشل في رؤية كيف يُقال عن ذاك المولود قبل الدهور قد جاء بعد وجود أي شيءٍ[62].

 القديس أمبروسيوس

  • لا يوجد شك في أن كل الأشياء هي بالابن, إذ يقول الرسول: ” به كان كل شيء”, وكل الأشياء قد جاءت من العدم, ولا يوجد استثناء في وجود الكل به, فإني أسأل كيف ينقصه شيء من طبيعة الله وقوته؟ فقد استخدم قوة طبيعته لكي توجد هذه الأشياء التي لم تكن موجودة, وإن هذه الأشياء توجد وهي موضوع مسرته[63].

 القديس هيلاري أسقف بواتييه

  • المسيح هو ابن الله الوحيد خالق العالم، لأنه “كان في العالم والعالم به كونّ” و”إلى خاصته جاء” كما علمنا الإنجيل (يو 10:1، 11). لقد خلق المسيح كأمر الآب ليس فقط الأشياء التي تُرى بل وما لا يُرى، إذ يقول الرسول: “فإن فيه خلق الكل ما في السماوات وما على الأرض ما يُرى وما لا يرى سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين. الكل به وله قد خلق. الذي هو قبل كل شيء، وفيه يقوم الكل“.حتى إن تحدثت عن العوالم فإن يسوع المسيح أيضًا هو خالقها بأمر الآب، إذ “كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه الذي جعله وارثًا لكي شيء الذي به أيضًا عمل العالمين” (عب 2:1). هذا الذي له المجد والإكرام والقدرة الآن وإلى أبد الأبد آمين[64].

القديس كيرلس الأورشليمي

  • لم يصر كلمة الله من أجلنا بل بالحري نحن قد صرنا من أجله. وبه خلقت كل الأشياء. وليس بسبب ضعفنا نحن كان هو قويًا وصائرًا من الآب وحده، لكي يخلقنا بواسطته كأداة! حاشا! فالأمر ليس كذلك لأنه حتى لو لم يستحسن الله أن يخلق المخلوقات، فالكلمة مع ذلك كان عند الله وكان الآب فيه. وفى نفس الوقت كان من المستحيل أن تكون المخلوقات بغير الكلمة لأنها قد صارت به؛ وهذا هو الصواب. وحيث أن الابن هو الكلمة ذاته حسب الطبيعة الخاصة بجوهر الله، وهو منه وهو فيه كما يقول هو نفسه، لذلك لم يكن ممكناً أن تصير المخلوقات إلا به. لأنه مثلما يضيء النور كل شيء بأشعته وبدون إشعاعه ما كان شيء قد أضاء- هكذا أيضًا فإن الآب خلق كل الأشياء بالكلمة كما بواسطة يد، وبدونه لم يخلق شيئًا[65].

للقديس أثناسيوس الرسولي

  • إذ هو نفسه صورة الله غير المنظور غير الفاسد, فليشرق عليكم في مرآة الناموس. اعترف به في الناموس حتى يمكنك أن تعرفه في الإنجيل[66].

 القديس أمبروسيوس

“سواء كان عروشًا أم سيادات أم رياسات أم سلاطين،

الكل به وله قد خلق” [16].

يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير أنه توجد أنواع من الملائكة والشياطين:

  • أُعطيت لهم أسماء مختلفة حسب نوع كل واحدٍ منهم. فالبعض من الملائكة يُسمون رؤساء ملائكة، والبعض منهم كراسي وربوبيات، والبعض رئاسات وسلاطين والشاروبيم. أُعطيت هذه الأسماء لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم.

ومن الجهة الأخرى فإن شر الآخرين جعل من الضروري تسميتهم بأسماء: إبليس والشيطان، بسبب حالتهم الشريرة، والبعض منهم دُعوا شياطين، والبعض أرواح الشريرة وأرواح نجسة، والبعض مُضلّة، والبعض دعوا باسم رؤساء هذا العالم. وتوجد أنواع أخرى كثيرة منهم[67].

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

  • كما سبق أن قلت أنه إن كان الكلمة مخلوقًا فلم يكن من اللازم أن يكون هو أولها بل يكون مع سائر القوات الأخرى، حتى وإن تفوق في المجد عن الآخرين بدرجة أكبر. وهذا ما يمكن أن نجده في القوات الأخرى، لأنها وإن كانت قد خُِلقت كلها في نفس الوقت، ولا يوجد أول أو ثانِ، إلا أنها تختلف بعضها عن بعض في المجد، فيقف البعض عن اليمين والبعض حول العرش والبعض الآخر عن اليسار، والجميع يسبحون معًا ويقفون في خدمة الرب[68].

للقديس أثناسيوس الرسولي

يرى القدّيس ديوناسيوس الأريوباغي أنّه توجد 9 طغمات سمائيّة، يقسّمها في ثلاث مجموعات[69] أو ثلاث رتب كل رتبة تضم ثلاث طغمات.

الرتبة الأولى: يسكنون أبديًا وعلى الدوام في حضرة الله، أكثر التصاقًا بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم هذه الرتبة الطغمات: الكراسي (العروش)، والشاروبيم والسيرافيم المملوئين أعيُنًا، وذوي أجنحة كثيرة. وهم متساوون في الرتبة، كاملون أكثر من غيرهم في تشبههم بالله، ومتحدون مباشرة بالنور الأول للاهوت.

الرتبة الثانية: تضم القوات والسلاطين Dominions والربوبيات Virtues.

الرتبة الثالثة: تضم الملائكة ورؤساء الملائكة والرئاسات Principalities.

ويرى ابن العبري[70] أن هذه المجموعات الثلاث هي أشبه بكنائس سمائية ثلاث:

الكنيسة الأولى تضم السيرافيم والكاروبيم والكراسي، هؤلاء الطغمات الثلاث يمثلون معًا العرش الإلهي، فيظهر في حزقيال أن السيرافيم هم مركبة الله الحاملة له، وجاء في المزامير: “أيها الجالس على الكاروبيم”. ويحمل اسم الكراسي أو العروش معنى العرش الإلهي.

الكنيسة الثانية: تضم الطغمات: السيادات ثم القوات، فالسلاطين.

الكنيسة الثالثة: تضم الرئاسات، فرؤساء الملائكة ثم الملائكة.

وفي العهد القديم كان رئيس الكهنة يرتدي الصدرية وهي تحمل 12 حجرًا كريمًا، منها تسعة تمثل هذه الطغملت الملائكية، وهي:

الصف الأول: عقيق أحمر يرمز للسرافيم الناريين، وياقوت أصفر يمثل الكاروبيم أصحاب المعرفة، وزمرد يمثل الكراسي.

الصف الثاني: بهرمان وياقوت أزرق وعقيق أبيض.

الصف الثالث عين الهر ويشم وجمشت.

أما الصف الرابع فهو يمثل كنيسة بني البشر المنضمة إلى الكنائس السمائية، وتضم زبرجدًا وجزعًا ويشبًا، إشارة إلى درجات الكهنوت الثلاث: رؤساء الكهنة، والكهنة والشماسة.

“الذي هو قبل كل شيء،

وفيه يقوم الكل” [17].

فيه يقوم الكل” [17]: لم يكن الابن مجرد أداة لتحقيق الخلقة، لكنه كمالكٍ ومحبٍ لها يرعاها ويهتم بها، يعمل على استمرار ديناميكيتها، إذ هو “حامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عب1: 3). تُقدّم له التسبحة السماويّة: “أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة، لأنك خَلقت كل الأشياء، وهي بإرادتك (لمسّرتك) كائنة وخُلقت” (رؤ4: 11). كل الأمور خاضعة له، وخلال قوّته الإلهيَّة الخلاّقة على الدوام تمتّع الخليقة بالاستمراريّة. أنّه ضابط الكل ومدبّر كل شيء. ليس شيء ما في العالم أو في الحياة وليد الصدفة، بل هي تحت سيطرة المسيح.

  • إن كانت الخليقة قد خُلقت عن طريق الابن، وأن “فيه تثبت (تقوم) كل الأشياء في الوجود” [17]، فإن الذي يتأمّل الخليقة بطريقة مستقيمة، لابد أن يرى أيضًا بالضرورة الكلمة الذي خلقها، ومن خلال الكلمة يبدأ أن يُدرك الآب[71].
  • لم يُلقّب بكرًا كمساوٍ للمخلوقات، أو أولهم زمنيًا [لأنه كيف يكون هذا وهو نفسه الوحيد الجنس بحق؟] لأنه بسبب تنازل الكلمة إلى المخلوقات، صار أخًا لكثيرين. وهو يعتبر وحيد الجنس” قطعًا، إذ أنه وحيد وليس له إخوة آخرون، والبكر يُسمّى بكرًا بسبب وجود اخوة آخرين… إن كان بكرًا لا يكون وحيدًا (1يو 4: 9)، لأنه غير ممكنٍ أن يكون هو نفسه وحيدًا وبكرًا إلا إذا كان يشير إلى أمرين مختلفين. فهو الابن الوحيد بسبب الولادة من الآب، لكنه يُسمّى بكرًا بسبب التنازل للخليقة ومؤاخاته للكثيرين… فهو مرتبط بالخليقة التي أشار إليها بولس بقوله: “فيه خُُلق الكل” [16]. فإن كانت كل الخليقة خُلقت بواسطته فإنه مختلف عن المخلوقات، ولا يكون مخلوقًا بل هو خالق المخلوقات[72].
  • فيه يقوم الكل“، من الواضح أن الابن لا يمكن أن يكون “عملاً” لكنه هو يد الله وحكمته[73].

البابا أثناسيوس الرسولي

ب. رأس الكنيسة

“وهو رأس الجسد الكنيسة،

الذي هو البداءة،

بكر من الأموات،

لكي يكون هو متقدمًا في كل شيء” [18].

وهو رأس الجسد الكنيسة” حرف العطف “واو” يوضّح أن رعاية السيد المسيح للعالم تقوم على محبّته للبشريَّة، التي يشتهي أن تكون بأجمعها كنيسته الواحدة، بكونها جسده، وهو الرأس.

إنه يرعى العالم، كما يسمح بالتجارب بكل أنواعها لصالح جسده، لأجل تنقية الكنيسة وتمتّعها بشركة مجده. كل الأحداث بما فيها من آلام وافراح تعمل لبنيان الكنيسة، ملكوت الله على الأرض، لتحقّق رسالتها كنورٍ للعالم، وملحٍ للأرض (مت5: 13-15).

بكونها جسده الواحد، يفيض عليها بقدراته وإمكانيّاته بكونه القدّوس، البار، حكمة الله، كلمة الله، الحق، الحياة، والقيامة. فيصير هو سرّ قداستها وبرّها وحكمتها وتمتّعها بالحق كما بالحياة المُقامة. إنه غذاؤها الروحي. هذا ما يعنيه الرسول بولس بقوله: “فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربّيه، كما الرب أيضًا للكنيسة” (أف5: 29)، “هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا لأجل مسرّته” (في2: 13).

بكر من الأموات“، لا يعني هذا أنه مات كما مات كل واحدٍ من البشر، لكنه قبل الموت في الجسد القابل للموت، قبله بإرادته كاستعارة لكي يحطّم الموت بموته. فلما قام صار المتقدّم، أول القائمين بغير عودة إلى الموت، ودون أن يُصبغ بصبغة الفساد التي حلّت بنا بسبب الخطية. لقد لبس السيد المسيح طبيعتنا ليحملنا فيه، ولبس موتنا دون أن يضرب الموت بسهام الفساد في جسده. بهذا وهبنا حق القيامة والتمتّع بقوّتها، إذ صار لنا بكرًا، وأتى بنا كأبناء كثيرين إلى المجد (عب2: 10).

وهو القيامة قدّم لجسده الخاص به خبرة القيامة، مع أنّه لم يكن ممكنًا لجسده أن يحل به الفساد لأنّه واحد مع لاهوته. هذه الخبرة قبلها فيه لكي يكون متقدّمًا في كل شيء، يقدّم لنا خبرته لكي نعيشها، فلا تكون القيامة أو الأمجاد السماويّة والخلود وعودًا مجرّدة، بل تصير بالنسبة لنا حقائق نتلمّسها فيه بكونه قد سبقنا.

“الذي هو البداءة” [18]

كلمة “البداءة” مأخوذة من Arche، وهي في اليونانيَّة تحمل معنيين: الأولويّة أو الأسبقيّة، والأصل. فالسيد المسيح هو بداءة الخليقة، بمعنى أنه أصلها: “في البدء كان الكلمة… كل شيء به كان، وبغيره لم يكن شيء مما كان” (يو1: 1-3)، وهو بداءة الكنيسة، أي أصل الخليقة الجديدة (رؤ 3: 13).

لكي يكون هو متقدّمًا في كل شيء” [18]: إذ أخلى نفسه آخذًا صورة عبدٍ، وأطاع حتى الموت موت الصليب، “لذلك رفّعه الله أيضًا وأعطاه اسمًا فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسانٍ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله” (في 2: 7-11).

  • بكونه ذاك الذي فيه خُلقت كل الأشياء يوُصف هنا أنه رأس الكنيسة, التى وُجدت في جسده خلال الميلاد الجديد الروحي, والتي تحمل شكل القيامة المقبلة. التي نرجو أن نشاركه فيها كشركاء في الخلود وذلك عندما نعتمد[74].

 الأب ثيؤدور أسقف المصيصة

  • المسيح هو رأس الكنيسة وبكر الراقدين خلال ناسوته، إذ يعبر هنا بولس من الحديث عن اللاهوت إلى التأمل في تدبير الخلاص[75].

 الأب ثيؤدورت أسقف قورش

  • نحن المسيحيون نعرف أن القيامة عبرت بالفعل في رأسنا، وأما في الأعضاء فلم تحدث بعد. رأس الكنيسة هو المسيح, وأعضاء المسيح هم الكنيسة. ما حدث قبلاً في الرأس سيحدث تباعًا فى الجسد. هذا هو رجاؤنا, وهكذا نؤمن, من أجل هذا نحتمل ونثابر وسط مقاومات هذا العالم العنيد, مترجين الراحة قبل أن يتحول الرجاء إلى حقيقة[76].
  • “وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيحي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” (رو 11:8). لهذا فإن الكنيسة الجامعة التي هي في سياحة الحياة الميتة، تنتظر في نهاية الزمن ما قد ظهر أولاً في جسد ربنا يسوع المسيح, الذي هو “بكر الراقدين“, لأن الكنيسة هي جسده, وهو رأسها[77].

 القديس أغسطينوس

  • كإنسانٍ هو بكر الراقدين, فإنه أولا حطم غُصة الموت وأعطى الكل الرجاء العذب في الحياة الأخرى. إذ قام هكذا تألم. كإنسان إذن تألم، ولكنه بكونه الله المرهوب بقي بلا تغيير[78].

 ثيؤدورت أسقف قورش

  • أي نفع نقتنيه من الاعتقاد بأنه هو البداية؟ نحن أنفسنا نصير ما نعتقد به أنه كان عليه البداية[79].

 القديس غريغوريوس النيسي

  • أنت تعلم بالحقيقة أن كثيرين ولدوا من جديد وكان هو بكرًا بينهم (رو 29:8)، “هو البداءة، بكر من الأموات” (كو 18:1)، هو الذي هزم ضربة الموت ورتب الميلاد من الأموات بقيامته (أع 24:2). كان المسيح أب لكل هذه الولادات رغم أنه لم يعاين هو نفسه من الآم الولادة. فلم يُجرب الولادة بالماء أو الولادة من الموت أو الولادة كأول مولود من هذا الخلق المقدس بل كانت ولادته خالية من الألم. لهذا السبب تقول العروس “مُختار بين ربوة”[80].
القديس غريغوريوس النيسي
  • هذا أيضًا يؤيد اعترافنا هذا, بينما هذا هو الجسد الطبيعي الحقيقي وليس جسدًا آخر يقوم, إلا أنه يقوم متطهرًا من كل أخطائه وتاركًا فساده, إذ قول الرسول هو حق: “يُزرع في فسادٍ ويقوم فى غير فسادٍ, يُزرع في هوان ويقوم في مجد. يُزرع جسمًا طبيعيًا ويقام جسمًا روحانيًا” (1 كو 15: 42-44). فإذ هو جسم روحاني ومجيد وغير فاسد فإنه يجهز ويزين بأعضائه اللائقة به, ليس بأعضاء تؤخذ من موضع آخر, وذلك حسب الصورة المجيدة التي أظهرها المسيح كنموذجٍ دائمٍ… وذلك بالنسبة لرجائنا فى القيامة. لقد أظهر المسيح الكل مثل النموذج, حيث هو بكر القائمين وهو رأس كل خليقة[81].

 روفينيوس أسقف إكويلا

  • يملك مثل هؤلاء المسيحيّون مع الملك السماوي في الكنيسة السماويّة، “وهو بكر من الأموات” [18]، وهم أيضًا أبكار، ولكن بالرغم من أن هذه هي حالتهم وهو مختارون ومقبولون أمام الله، فإنهم يعتبرون أنفسهم أقل الكل وليس لهم أي استحقاق. وقد صار أمرًا طبيعيًا عندهم أن يعتبروا أنفسهم كلا شيء[82].

القديس مقاريوس الكبير

  • حينما يُدعى “الابن الوحيد“، فإنه يُدعى هكذا دون أن يكون هناك أي سبب آخر لكونه الابن الوحيد إذ هو الإله الوحيد الجنس الذي في حضن الآب (يو 1: 18). ولكن حينما تدعوه الكتب الإلهية بالبكر فإنها تضيف حالاً عنه السبب الذي من أجله حمل هذا اللقب، فتقول الكتب: “البكر بين إخوة كثيرين” (رو 8: 29). وأيضًا “البكر من الأموات” (كو 1: 18). ففي المرّة الأولى دُعي بكرًا بين اخوة كثيرين بسبب أنه صار مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية. وفي المرّة الثانية دُعي “البكر من الأموات” لأنه هو الأول الذي أقام جسده إلى حالة عدم الفساد[83].

القديس كيرلس الكبير

  • تترجم الجلجثة “موضع الجمجمة”. إذ هكذا دُعيت بروح نبوية، لأن المسيح هو الرأس الحقيقي قد احتمل الصليب هناك. وكما يقول الرسول: “الذي هو صورة الله غير المنظور” (كو 15:1، 18). وبعد ذلك بقليل يقول: “وهو رأس جسد الكنيسة”. وأيضًا: “رأس كل رجل هو المسيح” (1 كو 3:11). وأيضًا: “الذي هو فوق كل رياسة وسلطان” (كو 10:2).

تألمت الرأس في “موضع الجمجمة”. يا للظهور النبوي العجيب!

كأن هذا المكان يذكرك قائلاً: “لا تظن أن الذي صُلب هنا إنسانًا مجردًا، لكنه هو رأس كل رياسة، رأسه الآب؛ لأن رأس الإنسان المسيح ورأس المسيح الله (1 كو 3:11)[84].

القديس كيرلس الأورشليمي

 

ج. فيه يحلّ كل الملء

“لأنه فيه سرّ أن يحل كل الملء” [19].

“لأن فيه سُرّ أن يحل الملء” [19]: هذه هي مسرّة الآب أن يتجسّد الابن الكلمة فيصير إنسانًا كاملاً وهو الإله الكامل “ملء اللاهوت“.

فيه سر أن يحل كل الملء” [19]، فإنه إذ صار إنسانًا، واتحد اللاهوت بالناسوت، لم يتغير لاهوته ولا انفصل عنه الناسوت، ولكن يعلن أن من يتحد معه يتمتع بالملء في كل شيء، لا يصير إلهًا، بل يحمل من سمات الكلمة المتجسد ما يجدد طبيعته، وذلك بعمل روحه القدوس فيتأهل للمجد السماوي. وكما يقول القديس أثناسيوس الرسولي أن كلمة الله صار إنسانًا وبقي هو الله، ويهب الإنسان شركة سماته ويبقى إنسانًا.

أساء ثيؤدورت أسقف كورش وأتباعه وتلميذه نسطور تفسير هذه العبارة، فظنّوا أن يسوع المسيح يحمل شخصيّتين، فهو يسوع الإنسان، وقد حلّ ملء اللاهوت فيه ليصير الإله الكامل، وكأنه وجد زمن أيّا كان قدره كان يسوع إنسانًا بدون اللاهوت.

وقد ردّ القديس كيرلس الكبير على ذلك موضّحًا أنه لم يكن زمن ما ولو إلى طرفة عين وُجد فيه الناسوت دون اللاهوت، وأنه لا يمكن قبول طبيعتيّ المسيح الناسوتيّة واللاهوتية إلا في الفكر فحسب في صفرٍ من الزمن، لأنه لم يقم ناسوت المسيح في زمن ما ولو إلى طرفة عين ليحلّ فيه بعد ذلك اللاهوت. الاتحاد الأقنومي بين ناسوت السيد ولاهوته تحقّق في لحظة التجسّد دون زمن ما يفصل بينهما[85].

  • في الرسالة إلي أهل أفسس يدعو بولس الكنيسة “الملء“, لأنها مملوءة بالمواهب الإلهية. بعناية الله تحل في المسيح, وترتبط به, تحت سلطته, وتتبع ناموسه[86].

 الأب ثيؤدورت أسقف قورش

  • بالنسبة للاهوته فإن لابن الله مجده الذاتى, فإن مجد الآب والابن هما واحد. إذن فهو ليس بأقلٍ في السمو, لأن المجد واحد, ولا أقل في اللاهوت, لأن ملء اللاهوت في المسيح[87].

 القديس أمبروسيوس

3. دور رئيس خلاصنا

أ. صالحنا بدمّه

“وأن يصالح به الكل لنفسه،

عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته،

سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات” [20].

إذ دخلت الخطية إلى حياة الإنسان أفسدت طبيعته، فحملت عداوة نحو الله. أحيانًا لا يطيق الإيمان حتى بوجود الله، بل ويحاربه ويقاومه، كما يستبدله بالمخلوقات. وإن اعتقد بوجوده لا يقبل وصيّته، وينكر عناية الله ورعايته، ويحسبه كمن يستعبده ليقيّد حريّته ويفقده شخصيّته. “كل تصوّر أفكار قلبه إنما هو شرّير كل يوم” (تك6: 5).

لم يكن ممكنًا للإنسان من جانبه أن يطلب المصالحة، بل أصرّ ان يعطيه القفا لا الوجه (إر 2: 27). فأعدّ الله خطة المصالحة بالصليب، قاتلاً العداوة به (أف2: 16).

  1. بالصليب أعلن الله مبادرته بالحب بلا حدود.
  2. بالصليب قتل العداوة ونقض حائط السياج المتوسّط بين الإنسان والله، كما بين الإنسان وأخيه (أف2: 14-17).
  3. بالصليب أعطى إمكانيّة الإنسان للتمتّع بطبيعة الحب.

تصالحت السماء مع الأرض، إذ أمكن للإنسان الترابي أن يلبس عدم الفساد ويوجد في حضن الآب السماوي القدّوس.

وتصالح الإنسان مع الملائكة، إذ طال انتظار الملائكة لرؤية خلاص الإنسان، فقد بعثهم الله برسائل سماويّة إلى رجال الله، وقد حملوا لهم حبًا كرسل للحب ذاته. وإذ تمّت ذبيحة الصليب تكشّف لهم السرّ المكتوم قبل الدهور من جهة خلاص الإنسان.

  • كان ضروريًا لربي ومخلصي ليس فقط أن يولد إنسانًا بين البشر، بل وأن ينزل إلى الجحيم, كإنسانٍ مستعدٍ أمكنه أن يطلق نصيب (قرعة) الكفارة في برية الجحيم. وإذ عاد من ذاك الموضع كمل عمله, واستطاع أن يصعد إلى الآب, وقد تمم التطهير بالكامل على المذبح السماوي, وأمكنه تقديم عربون جسده الذي أخذه معه في طهارة دائمة. هذا هو اليوم الحقيقى للكفارة عندما صار الله كفارة عن البشر. وكما يقول الرسول أيضًا: “إن الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه” (2 كو 19:5). ويتحدث عن المسيح في موضع آخر: “عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما في السماوات[88].

 العلامة أوريجينوس

  • كما بدأ السلام أن يستتب أعلن الملائكة: “المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام” (لو 14:2). وعندما تقبلت الكائنات الأدنى السلام من الكائنات الأسمى “صرخوا: مجد على الأرض، وسلام في السماوات” (راجع لو 38:19). في ذلك الحين عندما نزل اللاهوت والتحف في الناسوت صرخت الملائكة: “على الأرض السلام”, وعندما صعد الناسوت لكي ما يُبتلع باللاهوت (دون زوال الناسوت) ويجلس على اليمين- “سلام في السماء” – صرخ الأطفال أمامه: “أوصنا فى الأعالي” (مت 9:21). لهذا تعلم الرسول أنه يلزم القول: “عاملاً الصلح بدم صليبه سواء كان ما فى السماوات أم ما على الأرض”[89].

 القديس مار افرآم السرياني

  • السلام الحقيقي علوي. مادمنا مرتبطين بالجسد نحمل نيرًا لأمور كثيرة تتعبنا. ابحثوا إذن عن السلام, وتحرروا من متاعب هذا العالم. اقتنوا ذهنًا هادئًا، ونفسًا هادئة غير مرتبكة, لا تثيرها الأهواء، ولا تجتذبها التعاليم الباطلة, فتتحدى اغراءتها لقبولها حتى يمكنكم أن تنالوا “سلام الله الذي يفوق كل فهم يحفظ قلوبكم” (في 7:4). من يطلب السلام يطلب المسيح, لأنه هو نفسه سلامنا, الذي يجعل الاثنين إنسانًا جديدًا واحدًا (أف 14:2), عاملاً سلامًا, وعاملاً سلامًا بدم صليبه سواء ما كان علي الأرض أم ما كان في السماوات[90].

 القديس باسيليوس الكبير

  • احتمل المخلص هذا كله “عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم في السماوات” (كو 20:1). لأننا كنا أعداء الله خلال الخطية وحكم الله على الخاطي هو الموت. لهذا كان لابد من تحقيق أحد أمرين: أما أن الله في عدله يبيد كل البشرية، أو في محبته المترفقة يزيل الحكم!

أنظر حكمة الله، فقد حفظ الحكم وفي نفس الوقت حقق محبته! لقد حمل المسيح آثامنا في جسده على الخشبة لكي “نموت عن الخطايا، فنحيا للبرّ” (1 بط 24:2). إنه لم يكن بالهيّن ذاك الذي مات عنا، فليس هو مجرد حمل حرفي ولا إنسان عادي، بل أعظم من ملاك، أنه الإله المتأنس، لم تكن خطايا البشر أعظم من برّ الذي مات بسببها.

لم تكن هذه الآثام كثيرة بالنسبة لبرّ ذاك الذي بإرادته وضع نفسه وبإرادته أخذها[91].

القديس كيرلس الأورشليمي

“وأنتم الذين كنتم قبلا أجنبيين،

وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة،

قد صالحكم الآن” [21].

إذ بسط السيد المسيح ذراعيه على الصليب ضمّ في أحضانه كل من يؤمن به من كل الأمم والشعوب، ليحملهم معًا بروح الحب إلى حضن الآب. لهذا يقول الرسول: “لستم إذًا غرباء ونزلاء، بل رعيّة مع القدّيسين” (أف2: 19).

  • بقوله:”أعداء في الفكر” يوضح الرسول بولس أن العداوة التي من جانبهم نحو الله لم تكن عن ضرورة أو ألزام، إنما كانت “في الفكر” وعدم الرغبة في العودة لله[92].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • إذ يستدعي عطايا الله للأمم يظهر بولس كم هم مدينون بكل تقدير لنعمة الله. فقد كانوا أعداء مشورته التي بها قرر أن يفتقد الجنس البشري خلال عبده موسى. لم يستلموا تعليمه وقوته بل عبدوا آلهتهم ومارسوا أعمالهم الشريرة. عبدوا الأعمال التي هم صانعوها[93].

 أمبروسياستر

ب. يؤسّسنا في برّه.

“في جسم بشريته بالموت،

ليحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه” [22].

إذ أحضرنا إليه كأعضاء في جسده، حملنا سماته، فصرنا به قديّسين وبلا لوم، لنا حق الوجود أمام العرش الإلهي دون قيام شكوى علينا.

  • مرة أخرى يشير إلى الصليب، ويقدم نفعًا آخر… يقول بموته “يحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه”. بالحق ليس فقط ينقذنا من الخطايا، بل ويجعلنا مزكين. احتمل هذا كله ليس فقط لينقذنا من الشرور، وإنما لكي ننال مكافآت، وذلك كمن لا يحرر مجرمًا من العقوبة فحسب، بل ويقدم له كرامة. أنه يضمكم إلى الذين ليس فقط لم يخطئوا بل بالحري الذين صنعوا برًا عظيمًا بحق. أنه يهبكم القداسة أمامه وتكونوا غير ملومين[94].

 القديس يوحنا ذهبي الفم

  • إذ أراد الرسول في رسالته إلى أهل كولوسي أن يظهر أن جسم المسيح هو جسدي وليس روحي مادته أثيريّة، قال بطريقة لها مغزاها: “وأنتم الذين كنتم قبلاً أجنبيّين وأعداء في الفكر في الأعمال الشريرة قد صالحكم في جسم بشريّته بالموت“. مرّة أخرى في نفس الرسالة يقول: “وبه أيضًا ختنتم ختانًا غير مصنوع بيد بخلع جسم الجسد” (راجع كو 2: 11)[95].

القديس جيروم

  • في المسيح إذ نزع موتنا بعطيّة الخلود… حتى أن كل عمل مستقيم صنعه يُحوى في الوعود التي تُعلن مقدمًا عن التجديد المقبل في وقت مقبل.

ثيؤدور أسقف المصيصة

“إن ثبتم على الإيمان،

متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل الذي سمعتموه،

المكروز به في كل الخليقة

التي تحت السماء،

الذي صرت أنا بولس خادما له” [23].

يقف القديس يوحنا ذهبي الفم في دهشة أمام هذه العبارة الرسولية الرائعة. فإذ يتمتع الإنسان بموت المسيح على الصليب يصير كمن في سفينة لا تستطيع رياح العالم أن تهزها، بل تكون متأسسة وراسخة وغير متزعزعة (غير منتقلين)، هذه السفينة حاملة بضائع إلهية فائقة منها الإيمان “ثبتم في الإيمان” والرجاء في الإنجيل[96].

  • ما هو رجاء الإنجيل إلا المسيح؟ فإنه هو سلامنا، الذي يعمل كل هذه الأمور…ومن لا يؤمن بالمسيح يفقد كل شيءٍ[97].

القديس يوحنا ذهبي الفم

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم عن مدى ارتباط هذه العبارات بالحديث السابق، وهل يفتخر بأنه يتألم لأجلهم. ويجيب أنه يوجد ارتباط قوي مع الحديث السابق، حيث أبرز الرسول أن السيد المسيح وحده دون الملائكة هو الذي يقوم بالمصالحة بدمه على الصليب، وأن بولس نفسه كرسول لا دور له، لأنه ما يتألم به إنما هي آلام المسيح العامل فيه وبه. يقول: [أنظروا كيف يربطنا (المسيح) به، لماذا تجعلون من الملائكة وسطاء (للمصالحة مع الآب)؟… يقول: “صرت أنا خادمًا”، فلماذا تًدخلون الملائكة؟ “أنا خادم”. لقد أظهر أنه ليس بشيء سوى أنه خادم[98].]

ج. يهبنا الفرح وسط الآلام

“الذي الآن افرح في آلامي لأجلكم،

وأكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي،

لأجل جسده الذي هو الكنيسة” [24].

يعلن القدّيس بولس شوقه نحو تكميل آلام المسيح، ليست آلامه الكفّاريّة هذه التي لا يشاركه فيها كائن ما، إذ اجتاز المعصرة وحده، هذه التي لا يمكن أن يقدّمها إلا من كان بلا خطية ما، قادر أن يقدّمها ذبيحة كفّاريّة عن العالم كله. إنّما هي آلام لامتداد ملكوت الله، يحتملها السيد المسيح الساكن في حياة خدّامه وشعبه بكونها آلام هو. هذا ما أوضحه السيد المسيح نفسه لشاول الطرسوسي، حين قال له: “لماذا تضطهدني؟” (أع9: 4). فما وُجّه من اضطهاد ضد المؤمنين حسبه السيد موجّه ضدّه شخصيًّا.

كان الرسول بولس يتهلّل بالآلام لأنها شركة في آلام المسيح، وأيضًا لأنها ضروريّة لبنيان الكنيسة. إنها هبة إلهيّة تقدّم للخدّام كما للشعب: “لأنه قد وُهب لكم… لا أن تؤمنوا به فقط، بل أيضًا أن تتألّموا لأجله، إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيّ، والآن تسمعون فيّ” (في1: 29-30).

لم يشعر في آلامه من أجل الكنيسة أنه متفضّل على الشعب بهذا، إنّما يحسبها أمرًا لازمًا وضرورة يلتزم بها إذ يحسب نفسه عبدًا لمؤمنين: “فإنّنا لسنا نكرز بأنفسنا، بل بالمسيح يسوع ربًا، ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع” (2كو4: 5).

  • جسده الآن هو الكنيسة، وقليلون الذين يلمسونها، وكثيرون يضيقون عليها ويزحمونها (لو 8: 45)، فبكونكم أبناء لها قد سمعتم أن جسد المسيح هو الكنيسة، وأيضًا: “وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادًا” (1 كو 12: 27). إن كنا جسده فإن ما يتحمّله جسده في الزحام تتحمّله الكنيسة الآن. كثيرون يضيقون عليها ويزحمونها، وقليلون هم الذين يلمسونها. الجسد يضغط عليها، والإيمان يلمسها. أنصحكم أن ترفعوا أعينكم، يا من لكم العيون التي ترون بها، لأن أمامكم أمورًا تُرى. ارفعوا أعين الإيمان. المسوا هدب ثوبه، فإن هذا يكفي ليهبكم الصحة[99].

القديس أغسطينوس

  • إني أومن هكذا أن ما أتألم به فهو من أجله، وليس فقط أتألم، وإنما أفرح في الألم، متطلعًا إلى الرجاء العتيد، وأنا لا أتألم من أجل نفسي وإنما من أجلكم[100].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • كيف هذا؟ لأنه لكي أكرز لكم يلزمني أن أتألم. حيث أن المسيح هو رأس الجسد، تتولّد المتاعب خلال كلمة الحق للذين هم في الكنيسة. هذه تُدعى طبيعيًا آلام المسيح.

الأب سفيريان أسقف جبالة

  • يملأ (يكمل) بولس آلام المسيح بمعنى أنه يحتمل الآلام لكي يكرز بالخلاص للأمم.

الأب ثيؤدورت أسقف قورش

  • يعترف بولس أنه يفرح في الآلام التي يحتملها، لأنه يرى نموًا في إيمان المؤمنين. هكذا آلامه ليست فراغًا، حيث بما يتألم به يُضاف إلى حياته. إنه يحسب تلك الآلام مرتبطة بآلام المسيح، للذين يتبعون تعليمه.

إمبروسياستر

“التي صرت أنا خادما لها،

حسب تدبير الله المعطى لي لأجلكم لتتميم كلمة الله” [25].

إحساس أبوي رائع من جانب الرسول بولس، فإنّه وإن نال كرامة شركة الآلام مع المسيح، فإنّه وهو يتألّم يحسب نفسه خادمًا للشعب، قدّمه الله لهم بتدبيره الفائق لا كصاحب سلطان بل كخادمٍ وعبدٍ لهم. ما يمارسه هو جزء من خطًة الله من نحوهم، فهو لا يتألّم لأنّه أفضل منهم أو أقدر منهم على احتمال الألم، وإنّما بتدبير الله الذي يحبّهم.

 في إسهاب يعلق القديس الذهبي الفم على هذه العبارة مظهرًا أن ما يمارسه الرسول من خدمة للأمم ليس من فكره الخاص، ولا بفضلٍ منه، ولا حدث فجأة، لكنها أمور كانت في خطة الله، أعلنت وتحققت في الوقت المعين.

د. يكشف لنا السرّ المكتوم

“السرّ المكتوم منذ الدهور ومنذ الأجيال،

لكنه الآن قد أُظهر لقديسيه” [26].

خلال الألم انكشف له السرّ المحتجب منذ الدهور، سرّ حب الله الفائق لخلاص العالم كله. هذا السرّ كان محتجبًا ومخفيًا حتى عن السمائيّين، فلم يكن ممكنًا لطغمة ما سماويّة مهما سمت أن تدركه أو تتخيّل مدى حب الله الفائق للإنسان. هذا السرّ اُظهر لقدّيسيه [26]، حيث رأوا ولمسوا عمل نعمة الله في حياة الأمم حين آمنوا بالخلاص. فصار هذا السرّ هو موضوع شهادة الكل وكرازتهم ليتمتّع البشر بالمجد المُعدّ لهم [27]. بهذا تعرف الرؤساء والسلاطين في السماويّات عليه بواسطة الكنيسة (أف 3: 10).

  • إذ تحدث بما بلغنا إليه، مظهرًا رأفات الله والكرامة بعظمة الأمور الموهوبة، قدم اعتبارًا آخر وهو علو هذه الأمور حتى أننا لا نجد أمامنا من يقدر أن يعرفه (المسيح). وذلك كما قال في الرسالة إلى أهل أفسس أنه ولا الملائكة ولا الرئاسات أو أيه قوة أخرى مخلوقة تستطيع ذلك، إنما ابن الله وحده يعرف ذلك (أف 5:3، 10،9)[101].
  • إلى الآن لا يزل هذا السرّ مكتومًا حيث أعلن لقديسيه وحدهم[102].

القديس يوحنا ذهبي الفم

“الذين أراد الله أن يعرفهم

ما هو غنى مجد هذا السرّ في الأمم،

الذي هو المسيح فيكم رجاء المجد” [27].

وسط آلامه يعلن السيد المسيح غنى مجده الفائق ورحمته المقدّمة للأمم، المنسكبة على الجميع بلا تمييز بين يهودي وأممي، دون أدنى استحقاق من جانب الإنسان.

بقوله “المسيح فيكم” يُعلن الرسول لهم أنّه أقرب إلينا من أيّ كائن سماوي، فمع كونه خالق السمائيّين، إلاّ أنّه في داخلنا، ليس ببعيدٍ عنّا، نلتقي معه مباشرة دون حاجة إلى وساطة أيونات كما ادّعى الغنوسيّين.

هو فينا يهبنا كل شيء، هو “رجاء المجد“، فيه نتمتّع بعربون الأمجاد السماويّة. هو حكمتنا وحياتنا ورجاؤنا. فيه ندرك ما نعيشه، إنّنا وسط آلام الصلب معه ممجّدون فيه!

  • غنى مجد هذا السرّ في الأمم”. فإنه قد صار ظاهرًا بالأكثر بين الأمم، حيث يقول في موضع آخر: “وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة” (رو 9:15) فإن عظمة مجد هذا السر قد ظهرت بين آخرين أيضًا لكن بالأكثر في هؤلاء. فحدث فجأة تحول الذين كانوا أكثر جمودًَا من الحجارة إلى كرامة الملائكة. وباختصار في بساطة بالكلمات والإيمان دون متاعب ظهر السر وغناه. وذلك كما لو أخذ انسان كلبًا يموت جوعًا ومملوء جربًا في بشاعة ورائحته كريهة وجعله دفعة واحدة إنسانًا لكي يحتل العرش. كانوا قبلاً على الأرض، لكنهم تعلموا أنهم هم أنفسهم أفضل من السماء والشمس وأن العالم في خدمتهم. لقد كانوا أسرى إبليس وفجأة صاروا فوق رأسه، يأمرونه ويجلدونه. تحولوا من أسرى وعبيد للشيطان إلى جسد سيد الملائكة ورؤساء الملائكة. تحولوا من عدم معرفتهم لله إلى أن صاروا فجأة شركاء حتى في عرش الله. أتريدون أن تروا الخطوات العديدة التي وثبوها؟

أولاً: تعلموا أن الحجارة ليست آلهة

ثانيًا: أنها ليست فقط ليست آلهة بل وأقل من البشر.

ثالثًا: أنها أقل من الحيوانات غير العاقلة.

رابعًا: أنها أقل من النباتات.

خامسًا: أنهم سقطوا في المبالغات.

إذ أدركوا هذا كما إلى شيءٍ من العمق كان يلزمهم أن يعلموا أن رب الكل هو الله، وله وحده ينبغي العبادة. وأن الحياة الفاضلة أمر صالح، وأن الموت الحاضر ليس موتًا، ولا الحياة الحاضرة هى حياة. التزموا أن يعلموا أن ذاك الذي هو فوق الكل والذي يحكم الملائكة والسلاطين وكل القوات الأخرى نزل وصار إنسانًا وتألم كثيرًا وقام وصعد.

هذا كله هو السر، وضعه معًا ومدحه قائلاً: “الذي هو المسيح فيكم”. فإن كان فيكم، لماذا تطلبون الملائكة؟[103]

القديس يوحنا ذهبي الفم

ه. يحضرنا كاملين فيه

“الذي ننادي به منذرين كل إنسانٍ،

ومعلمين كل إنسان بكل حكمة،

لكي نحضر كل إنسان كاملاً،

 في المسيح يسوع” [28].

لم تقف رسالة القدّيس بولس والعاملين معه عند الكرازة والشهادة للسد المسيح كمخلّصٍ للعالم، بل تمتد أيضًا إلى التعليم بالحكمة الكائنة في المسيح يسوع، هذه التي لا أحد من حكماء هذا الدهر أن يبلغ إليها، لأنها ليست حكمة فلسفيًّة نظريّة، لكنّها قادرة أن تحمل المؤمن إلى الحياة الكاملة الفائقة، الشركة في الطبيعة الإلهيّة. وهي حكمة لا تقتصر على فئة معيّنة كالفلاسفة وتلاميذهم، وإنّما مقدّمة لكل إنسانٍ ليفتح بالروح القدس قلبه ويغرف من الحب الإلهي، بقبوله “المسيح الذي هو حكمة الله هو للجميع” (1كو1: 24، 31). هذا القبول حركة دائمة لا تتوقّف لعلّ المؤمن يبلغ إلى الإنسان الكامل، أيقونة المسيح التي بلا عيب، فيعبر الإنسان من الطفولة إلى النضوج الكامل.

  • نحن وليس الملائكة نعلم وننذر، دون غطرسة ولا قهر، فإنه هذا أيضًا من لطف الله للبشر إلا نحضرهم له كمن هو طاغية. يقول: “معلمين” و“منذرين” وذلك كأبٍ أكثر منه معلم[104].

القديس يوحنا ذهبي الفم

  • “نحضر كل إنسان كاملاً في المسيح يسوع”، وليس في الناموس، ولا في الملائكة، لأن هذا ليس كمالاً.

“في المسيح”، أي في معرفة المسيح، لأن من يعرف ما يفعله المسيح تصير له أفكار أعلى ممن يكتفي بالملائكة[105].

القديس يوحنا ذهبي الفم

“الأمر الذي لأجله أتعب أيضًا،

مجاهدا بحسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة” [29].

  • إن كنت أتعب لأجلكم، لاحظوا كم يلزمكم أن تتعبوا أنتم بالأكثر. مرة أخرى لكي يظهر أن هذا من عند الله يقول: “حسب عمله الذي يعمل فيّ بقوة“. إنه يظهر أنه عمل الله[106].

القديس يوحنا ذهبي الفم

 

من وحي كو 1

لأدخل بك إلى الأعماق!

 

  • بك وحدك أستطيع أن أدخل إلى أعماق الحب.

 مع بولس الرسول يتسع قلبي بالحب.

 أحب كل البشرية، لأنك محب للبشر!

 أقدم لك مع كل نسمة تشكرات لا تنقطع، من اجل عملك مع البشرية.

 وأقدم صرخات لا تتوقف،

 مترجيًا قيام الكل وخلاصهم بك.

 

  • بك أدخل إلى الأعماق،

 أتلامس معك، فأتعرف على الآب خلالك.

 فأنت صورة الآب غير المنظور.

 صورة الوحدة معه في ذات جوهره.

 أراك فأراه.

 أتعرف عليك، فامتلئ من كنوز الحكمة والفهم.

 

  • بك أتعرف عليك،

 يا خالق المسكونة وضابط الكل،

 والمعتني بكل صغيرة وكبيرة.

 

  • أدخل إلى سرّ كنيستك،

 فأكتشف قيادتك لها، يا أيها الرأس المحب لجسده.

 تهبها روحك القدس، ليهيئها للقاء الأبدي معك.

 تصير بالحق العروس السماوية التي بلا عيب ولا لوم.

 يصير لها حق الشركة في المجد، لأنها جسدك المقدس.

 تتمتع مع كل لحظة بملء أكثر فأكثر،

 حتى تصير أيقونتك الحية.

 

  • بدمك صالحتنا مع الآب.

 وبآلامك حولت آلامنا إلى أمجاد.

 بصليبك كشفت السرّ الأزلي المكتوم.

 بقيامتك دخلت بنا إلى الكمال.

 

  • هب لي أن تنطلق بي من عمق إلى عمق!

 فإنني كلما التقيت بك،

 يلتهب عطشي إليك!

 

[1] John l. McKenzie: Dictionary of the Bible, 1972,p.145.

[2] Josephus: Antiq. 12: 147.

[3] The Wycliffe Bible Commentary, p.1333.

[4] Donald Guthrie: New Testament Introduction, 1975, p. 545.

[5] The Wycliffe Bible Commentary, p.1333.

[6] Richard Sturz: Studies in Colossians, the Pre-eminent Christ, Chicago, 1955, p. 13.

[7] Richard Sturz: Studies in Colossians, the Pre-eminent Christ, Chicago, 1955, p. 9.

[8] Henerietta C. Mears: What The Bible Is All About, 1987,P.453.

[9] In Colos. Homily 1.

[10] The Wycliffe Bible Commentary, p. 1333.

[11] R. McL. Wilson: The Gnostic Problem;

  1. H. Dodd: The Interpretation of the Fourth Gospel, p. 97ff; Rudolf Bultmann:

“Gnosis.” Bible Keywords, II.)

[12] The Wycliffe Bible Commentary, p. 1333.

[13] The Author: school of Alexandria, N.J, 1994, P. 122-155.

[14] E.E. Elias: Paul’s use of the old Testament, p. 92.

[15] cf William S. Deal: Bakers Pictorial Introduction to the Bible, 1967,p.366.

[16] Cf. The Collegeville Bible Commentary, 1989, p.1180.

[17] G. Campbell Morgan: An Exposition of the whole Bible, 1959, p. 496.

[18] In Hebr. hom 10: 7.

[19] Hom. On Ephes. Hom 1

[20] Ep. to Ephess. 1:1:4.

[21] Comm. On 1Cor. 1:2 (1:15).

[22] Marius Victorinus: Ep. to Eph., 1. راجع سيرته في قاموس سير القدّيسين.

[23] Ep. to Ephess. 1:1:4, 18.

[24] Commentary on Colossians C f. Ancient Christian Commentary on Scriptures (ACCS).

[25] Ep. to Ephess. 1:1:4, 18.On his brother Satyrus, 2:124.

[26] Severian of Gabala: Pauline Commentary from the Creek Church.(ACCS)

[27] Interpretation of the letter to the Colossians.(ACCS)

[28] Homilies, 43.(ACCS)

[29] Maximus of Turin; Sermon 96:1.(ACCS)

[30] ACCS.

[31] ACCS.

[32] Letters, 199:12-51.

[33] Against Marcion, 5:19.

[34] Letters, 185: 1-5.

[35] Sermons, 214:11.

[36] راجع الدكتور يوسف سلامة: كولوسي.

[37] Marius Victorianus, On .Ephes. 1:3:14

[38] ACCS.

[39] Of the Holy Spirit, 1:7:89.

[40] Letters, 177:1-5.

[41] cf. City of God 15:6.

[42] Hom on 2 Tim, 4.

[43] Comm. On John 6:32.

[44] Letters, 217:1:3.

[45] Exhortation to Martyrdom, 18.

[46] Explanatory notes for the Ep. To Colossians, hom. 2. PG 62: 337.

[47] Homilies on Song of Songs, 14. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[48] On the Psalms, 77:30.

[49] St. Augustine: Tractates on John, 55:1.

[50] Sermons on N.T. Lessons, 59 :1.

[51] Commentary on Rom. 3:24.

[52] On Perfection.

[53] Hom. On Corinth., 5:4.

[54] Ep. To Ephes. 1 (1:7).

[55] Three Different Questions, 74.

[56] De principiis, 1:2:6.

[57] Orations, 30:20.

[58] On The Trinity, 8:49.

[59] Letters, 20.

[60] Discourses Against Arians, 2:21 (63).

[61] Adv. Haer. 22:1.

[62] Of the Christian Faith, 4:100.

[63] On the Trinity, 5:4.

[64] مقالات لطالبي العماد 11: 24.

[65] St. Athanasius: Discourses Against Arians, Book 2,:18:31. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[66] Letters, 20.

[67] الرسالة السادسة.

[68] St. Athanasius: Discourses Against Arians, Book 2.، ص 79 ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[69] Dionysius the Areopagite Celestial Hierarchy, 6.

[70] ركن 5، الباب 2، فصل 1، مقصد 1،2.

[71] Adv. Arian. 1:4:12. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[72] Adv. Arian. 2:21:62. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[73] Adv. Arian. 2:21:71. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[74] ACCS.

[75] ACCS.

[76] Commentary on the Psalms, 66:1.

[77] Letters, 55:2-3.

[78] Demonstrations by Syllogisms, Proof that the Divinity of the Savior is impassible.

[79] On Perfection.

[80] Homilies on Song of Songs, 13. ترجمة الدكتور جورج نوّار

[81] Rufinius of Aquileia: Apology for Origen, 1:6-7.

[82] Homilies, 27:4. ترجمة مركز دراسات الآباء بالقاهرة

[83] Comm. on The Gospel of Saint Luke, Sermon 1 ترجمة: دكتور نصحي عبد الشهيد

[84] مقالات لطالبي العماد 13: 23.

[85] راجع للمؤلف: الاصطلاحان طبيعة وأقنوم في الكنيسة الأولى، 1987؛ طبيعة المسيح حسب مفهوم الكنيسة الأرثوذكسية غير الخلقدونية.

[86] ACCS.

[87] Of the Christian Faith, 2:9:82.

[88] Homilies on Leviticus, 9:4.

[89] Commentary on Tatian’s Diatessaron, 14.

[90] Homilies. 16:10.

[91] مقالات لطالبي العماد 13: 33.

[92] St. Chrysostom: In Colos., hom 4

[93] Commentary on the Letter to the Colossians.

[94] St. Chrysostom: In Colos., hom 4

[95] Letter to Pamachius against John of Jerusalem, 27.

[96] St. Chrysostom: In Colos., hom 4

[97] St. Chrysostom: In Colos., hom 4

[98] St. Chrysostom: In Colos., hom 4.

[99] Sermon on N.T. lessons, 12:5.

[100] St. Chrysostom: In Colos., hom 4.

[101] St. Chrysostom: In Colos., hom 5.

[102] St. Chrysostom: In Colos., hom 5.

[103] St. Chrysostom: In Colos., hom 5.

[104] St. Chrysostom: In Colos., hom 5.

[105] St. Chrysostom: In Colos., hom 5.

[106] St. Chrysostom: In Colos., hom 5.

تفسير رسالة كولوسي 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الخامس: الحرية المسيحية

 

في الأصحاح السابق حثنا القديس بولس على التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه. الآن يوضح مفهوم حرية البنين، حتى لا يُساء فهمها أو استخدامها.

  1. خطورة الحرفية على الحرية المسيحية 1-12.
  2. حرية الحب والانحلال 13-15.
  3. الحرية والسلوك بالروح 16-26.

1. خطورة الحرفية على الحرية المسيحية

قرار الإنسان بخصوص الختان – كعملٍ ناموسيٍ ملزم للخلاص – له مفهومه المتسع. فقبوله أساسًا يعنى أن الإنسان يضع نفسه تحت سلطان الناموس كله بثوبه الحرفي. فإن كانت الحرية المسيحية هي إحدى ثمار الخلاص بالنعمة، يدركها المؤمن في ربنا يسوع المسيح ومن خلاله (4: 3-5)، فإننا بالنعمة نتمتع بالتحرر من نير الناموس الموسوي في ثوبه الحرفي؛ هذا لا يعني أن الحرية هي كسر للناموس أو تهاون في حفظ الوصايا.

السيد المسيح ليس برجل شرطة، بل هو حمل اللَّه الذي يحمل خطايا العالم (يو 1: 29)؛ بالنعمة يصير الإنسان خاضعًا لناموس المسيح ومتممًا له بفرح (2:6)، بكونه ابنًا يسكنه الروح، ويتقوى به (4: 1-7)، يحمل رغبة داخلية وقوة ليظل حيًا، يمارس ناموس اللَّه الأخلاقي. في ظل عهد النعمة الجديد يعمل الروح القدس في طبيعة المؤمن الجديدة، فيجعله مريدًا أن يطيع إرادة اللَّه، ويذعن لناموسه السلوكي (عب 10: 16).

يدرك المؤمن أيضًا أنه سيدان على أعماله كإعداد للتمتّع بالسماء وعليه أن يضع باستمرار في ذهنه أن حريته الحقيقية قد جاءت به إلى الخضوع الكامل للسيد المسيح، وأنه عبد له يلتزم بطاعته على الدوام (رو 12: 1). قد يبدو في هذا تناقض، لكن المسيحي يكتشف أنه يتمتع بأعظم حرية حين يستعبد نفسه بالتمام لربنا يسوع المسيح[1].

فاثبتوا إذًا في الحرية التي حررنا المسيح بها،

ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبودية[1].

  • انظروا، كم من الطرق يقودهم بها بعيدًا عن خطأ التهود!

أولاً: يُظهر أنه غاية الحماقة أن يبتغى أولئك الذين صاروا أحرارًا بعد العبودية العودة إلى العبودية عِوض الحرية.

ثانيًا: أنهم سيدانون على تجاهلهم مصدر النعم التي نالوها وجحودهم إياه، باحتقارهم من يخلصهم وحبهم لمن يستعبدهم.

ثالثًا: بقوله “اثبتوا” يُشير إلى تذبذبهم…

 القديس يوحنا الذهبي الفم
  • إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا [2].

ها أنا بولس أقول لكم[2]؛ تعبير يقدمه من هو واثق فيما يؤكده…

من يُختتن إنما يختتن لأجل خوفه من الناموس، ومن يخاف الناموس لا يثق في قوة النعمة، ومن لا يثق لا يمكنه أن يتلقى نفعًا مما لا يثق فيه…

إن قال أحد إن في هذا تناقض، مثل هذا لا يؤمن بالمسيح ولا بالناموس أيضًا بل يقف (مذبذبًا) بينهما، راغبًا في الانتفاع بكليهما، بالواحد والآخر، لكنه لا يحصد شيئًًا[2]….

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • أجزاء الناموس مرتبطة بعضها ببعض… فبالنسبة (للرسول) إذا ما وضعت على عاتقك جزءًا صغيرًا منه تخضع للنير كله، وتجلب على نفسك سلطانه الكامل عليك… فمثلاً: الختان مرتبط بالذبيحة وحفظ الأيام، والذبيحة أيضًا مرتبطة بحفظ الأيام والمكان وتتضمن تفاصيل خاصة بتطهيرات لا تنتهي تضم حشدًا كاملاً من طقوس متنوعة…

فإن اختتنت، لكن ليس في اليوم الثامن؛ أو كان في اليوم الثامن لكن دون تقديم ذبيحة؛ أو قُدمت الذبيحة لكن ليس في الموضع المحدد لها؛ أو كانت في الموضع المعين لها ولكن ليس حسب الطقوس؛ أو كانت حسب الطقوس لكنك لم تكن طاهرًا؛ أو كنت طاهرًا لكنك لم تتطهر حسب الأحكام السليمة، يُحسب كل شيء لغوًا، لذلك يقول: “إنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس[3][3].

  • إن كان الناموس ضروريًا، يكون هكذا ككلٍ، وليس في جزء منه؛ ليس في وصية واحدة؛ وإن كان ضروريًا ككل ينزع برّ الإيمان شيئًا فشيئًا. إن كنت تحفظ السبت، فلماذا لا تُختتن أيضًا؟ وإن اختتنت فلماذا لا تُقدم ذبائح؟ إن كان يجب حفظ الناموس فليحفظ ككل أو لا يُحفظ ككل[4].
  • في النهاية يُعلن خطورة عقابهم الصارم [4]. عندما يعود إنسان إلى الناموس العاجز عن أن يخلصه، يسقط من النعمة، ماذا يتبقى له سوى الجزاء بلا رحمة، فإن الناموس بلا قوة كي يسنده والنعمة ترفضه؟[5]
القديس يوحنا الذهبي الفم

هل بالإيمان نكسر الناموس؟

لسنا نكسر الناموس، ولا حتى في طقوسه. فالذبائح على سبيل المثال فد تحققت في ذبيحة المسيح الذاتية الفريدة، المقدمة لحساب كل المؤمنين. والختان تحقق روحيًا بطريقة كاملة في المعمودية. والسبت يحفظ روحيًا كل أيامنا كَسَبْتٍ (راحة) في المسيح.

  • نحن نفهم أننا لا نزال ملتزمين بحفظ السبت من كل “عمل عبودي”، نحفظه على الدوام وليس فقط في اليوم السابع، خلال كل الزمن[6].
العلامة ترتليان
  • فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بره[5]. يقول إننا لسنا في حاجة إلى حفظ أي طقس ناموسي (حرفي)؛ الإيمان فيه الكفاية لنوال الروح، وبالروح ننال البرّ مع منافع كثيرة وعظيمة[7].
 القديس يوحنا ذهبي الفم

واضح أن حديث القديس يوحنا الذهبي الفم هنا يخص عدم قبول طقوس الناموس الحرفية كالختان وحفظ السبت والذبائح الحيوانية والتطهيرات كطريق الخلاص، إنما الحاجة إلى الإيمان “العامل بالمحبة” الذي فيه الكفاية مرتبطًا بالتوبة والعماد والمحبة، كما هو واضح من تكملة أحاديثه التي يوردها فيما بعد.

ما هو معنى: «السقوط من النعمة «[4]؟

  1. تعني إقصاء إنجيل النعمة الحق، عندما يتكل المؤمن على برِّه الذاتي أو يحفظ الناموس الموسوي في ثوبه الحرفي كمصدر الخلاص والبرّ.
  2. عندما يستهين المؤمن بالنعمة، بأن يزرع للجسد شهواته الجسدية، فيحصد فسادًا أخلاقيًا عِوض ثمار الروح القدس، لذا يليق بنا تكريم النعمة الإلهية.

الإيمان العامل بالمحبة

الإيمان بالمسيح المحرر العامل بالمحبة [6]. ربما كان في ذهن القديس بولس هنا (المحبة) المتبادلة بين اللَّه والإنسان. حب اللَّه يحرك الإنسان فيستجيب له، مطيعًا الوصية كتعبيرٍ عن الحب[8].

  • لاحظ جرأته العظيمة في مواجهتهم، إذ يقول إن الذي لبس المسيح يلتزم ألا يهتم بهذه الأمور (حفظ الطقس الناموس الحرفي) [6]…

ما هو معنى “العامل بالمحبة”؟ إنه يصفعهم هنا بقوة، مظهرًا لهم أن هذا الخطأ قد زحف إليهم لأن محبة المسيح لم تتأصل في داخلهم. الإيمان ليس هو كل ما يُطلب، إنما يجب أن يثبتوا في المحبة. كأنه يقول: أتحبون المسيح كما ينبغي؟ لا ترتدوا إلى العبودية، وتتخلوا عن ذاك الذي خلصكم؛ لا تزدروا بمن منحكم الحرية.

لقد أراد بهذه الكلمات أيضًا أن يصحح مسار حياتهم[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • هذا الإيمان يميزنا عن إيمان الشياطين ( يع2: 19)، وعن سلوك الدنسين الفاسدين…

انزع الإيمان يتبدد كل ما تعتقد به! انزع الحب، تتبدد كل أعمالك! فإن عمل الإيمان أن تعتقد والمحبة أن تعمل!

  • ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند اللَّه، بل الذين يعملون بالناموس هم يتبررون (رو 2: 13)، “الإيمان العامل بالمحبة”، “سلام عظيم لمحبي ناموسكم، ولا شيء يسيء إليهم!”
  • لست أحثكم على الإيمان بل على الحب. فإنكم لا تقدرون أن تقتنوا الحب بدون الإيمان؛ أقصد حب اللَّه والقريب؛ إذ كيف يوجد دون الإيمان؟ كيف يمكن لإنسان أن يحب اللَّه ما لم يؤمن به؟ كيف يمكن للجاهل أن يحب اللَّه، الذي يقول في قلبه ليس إله (مز 53: 1). يمكنك أن تؤمن بأن المسيح جاء دون أن تحبه، لكن لا يمكنك أن تحبه وأنت تقول بأنه لم يأتِ![10].
القديس أغسطينوس

الطاعة في الحب

وُصفت الطاعة [7-12] في الحب كطاعة “للحق” الإنجيلي، إذ خشي الرسول لئلا يكون قارئوه نافرين منها[11].

  • الذي دعاكم [8]، لم يدعكم إلى مثل هذه التقلبات، لم يضع ناموسًا أن تتهودوا[12].
  • خميرة صغيرة تخمر العجين كله[7]. بهذا يقول إن الخطأ الطفيف – إن لم يصحح – يكون (كالخميرة الصغيرة التي تخمر العجين) قادرًا على قيادتكم إلى تهود كامل[13].
  • في كل موضع يربط شكواه ضدهم بمديحه لهم, هنا [10] يبدو كمن يقول: إنني أعرف تلاميذي، وأدرك استعدادكم للاستقامة. لي رجاء عظيم (فيكم)، جزئيا لأن الرب لا يسمح بهلاك شيء مهما كان تافهًا، ولأنكم ترجعون هكذا إلى إصلاح أنفسكم سريعًا. في نفس الوقت ينصحهم ان يجاهدوا من جانبهم، إذ لا يمكننا التمتع بالمعونة من قبل الله ما لم نجاهد من جانبنا…

يحثهم(الرسول) ليس فقط بكلمات التشجيع وإنما بنطقه باللعنة مع التنبؤ ضد معلميهم (الكذبة). لاحظ أنه لم يشر قط إلى أسماء هؤلاء المتآمرين حتى لا يزداد المتآمرون جسارة (وعنفًا)[14].]

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • وأما أنا أيها الإخوة، فإن كنت بعد أكرز بالختان، فلماذا أُضطهد بعد ؟ [11][15]

إن كنت بعد أبشر بالختان، فلماذا أُضطهد؟ إن هذا هو الاتهام الوحيد الذي يوجهه ضدي الذين هم من أصل يهودي. لو أنني سمحت لهم بحفظ عادات آبائهم مع قبولهم الإيمان لما نَصبَ لي المؤمنون منهم وأيضًا غير المؤمنين فخاخًا، متطلعين إليّ أنني لم أعق استخدام ممارساتهم.

ماذا إذًا، ألم يكرز (الرسول) بالختان؟ ألم يختن تيموثاوس؟ حقًا، لقد ختنه. فلماذا يقول: “لم أكرز به”؟ لاحظ دِقّته، إذ لم يقل: “إنني لم أقم بالختان” إنما قال: “لم أكرز به”، بمعنى إني لم آمر الناس أن يؤمنوا به. إذًا لا تحسبوا هذا تأكيدًا لتعليمكم، فإني وإن كنت قد اختتنت لكنني لا أكرز به…

عندما جاءوا باسطفانوس أمام المجمع، لم يقولوا: “هذا الرجل يعبد المصلوب”، إنما قالوا إنه “يتكلم كلامًا تجديفًا ضد هذا الموضع المقدس والناموس” (أع 6: 13). هذا هو الاتهام الذي وجهوه أيضًا ضد يسوع: إنه كسر الناموس. لذلك يقول بولس: لو سلمنا بالختان يهدأ النزاع القائم بينكم ولا توجد عداوة للصليب وتستمر كرازتنا…

إنه يدعو (عدم الكرازة بالختان) عثرة الصليب، لأنها ارتبطت بالتعليم به؛ هذا ما أعثر اليهود أساسًا وعامتهم عن قبول الصليب، أعنى الوصية بهجر ممارسات آبائهم[16].

  • لاحظ هنا كيف يتحدث بمرارة ضد مخادعيهم [12]. في البداية وجه الاتهام ضد المخدوعين ودعاهم “أغبياء” مرة ومرات. الآن إذ صحح مسارهم وأرشدهم بما فيه الكفاية تحول إلى المخادعين لهم…

حسنًا يقول: “الذين يقلقونكم”، إذ يلزمونهم على ترك وطنهم وحريتهم وعشيرتهم السماوية، ليتغربوا في أرض أجنبية؛ طردوهم من أورشليم العليا والحرة وألزموهم أن يجولوا كأسرى ومهاجرين[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. حرية الحب والانحلال

تكمن الخطورة في أن يقود التحرر من الطقوس الناموسية المؤمنين إلى المبالغة، هذه التي لا يمكننا الاحتماء منها إلا بممارسة أعمال الحب المسيحي. إنجيل النعمة يحمينا ضد التسيب [13-15]، إذ يجب ألا نخلط بين الحرية والانحلال. فالتحرر من الشرائع التي هي تحت الناموس لا تعني التخلي عن الالتزام. ولكن عِوضًا عن ذلك، يدعونا إلى تحمل مسئوليات أعظم للحياة تحت النعمة، فالإنجيل يطالبنا بما هو أكثر وليس ما هو أقل مما يطلبه الناموس، فإنه وإن طالبنا فقط بالحب، لكنه لم يحدد مضمون هذا الطلب الواحد وحدوده مقدمًا[18].

  • فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيّروا الحرية فرصة للجسد [12]

انكسرت قيود الناموس، أقول هذا لا ليهبط مستوانا بل ليرتفع…

هكذا يقول بولس إن المسيح يرفع عنك النير، لا لتثب وترفس، بل لكي بغير النِير تتقدم سريعًا إلى الأمام، مُظهرًا الكيفية التي بها يتحقق هذا بسهولة؛ ما هي هذه الكيفية؟ يقول: “بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا[13]

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الحرية والسلوك بالروح

إننا نسيء إلى حريتنا بالآتي:

  1. الافتقار إلى الحب (5: 13-15): إذ تُمارس الحرية بلا حب يحدث دمار مزدوج، شجار وعنف[19]كل الناموس في كلمة واحدة يَكمل: تحب قريبك كنفسك” [14].
  2. تجاهل السلوك بالروح [16]: كما أن الحب هو المحتوى اللائق بالحرية، هكذا الروح هو البيئة المناسبة لها؛ يهب الحرية قوة وإرشادًا[20]. نظن أن الحرية إنما تقودنا لنحيا كما يحلو لنا ونفعل ما يعجبنا، لكن النعمة تقودنا لنحيا بفرحٍ حسبما يُسر اللَّه، ونحب ما يحبه هو. يؤكد الرسول أن غاية الناموس الموسوي أن يجتذب الإنسان إلى السيد المسيح لأجل الخلاص وحياة القداسة العملية. كما يقدم الالتزام البشري بقدسيةٍ عملية، قائلاً: “اسلكوا بالروح [16]. لنا الخيار أن نسلك بقوة الروح أو نكمل “أعمال الجسد (5: 9-21). المنافسة في حياة الإنسان قائمة بين شهوات الروح وشهوات الجسد (رو8: 4).
  • من يحب قريبه كما يجب يميل أن يصير خادمًا له بأكثر تواضع من أي خادم…

عندما يُرفع نير الناموس عنهم يُوضع نير آخر حتى لا يثبون هنا وهناك؛ نير الحب الأقوى من النير الأول، ومع هذا فهو أخف وأعذب. ولكي يوضح الرسول كيف نطيعه أضاف: لأن كل الناموس في كلمة واحدة يكمل: تحب قريبك كنفسك [14]

يقول: “إن أردت أن تتممه لا تختتن، إذ لا يكمل الناموس بالختان بل بالحب”[21].

القديس يوحنا الذهبي الفم
  1. بالحياة الدنسة [16-26]: منحنا السيد المسيح الروح القدس ليحررنا من الأعمال الشريرة، خاصة الشهوات الجسدية (19-21). دعْ الروح القدس يقود حياتك خلال الحرية، هذا الذي ثمره يقف ضد أعمال الجسد. هذا الثمر (في صيغة المفرد) هو الحصاد الكامل لبرّ المسيح، يتجلى في حياتنا وعلاقتنا مع:

– اللَّه: محبة، فرح، سلام.

– الآخرين: طول أناة، لطف، صلاح.

– أنفسنا: إيمان، وداعة، تعفف.

إن عشنا في المسيح (يو 15) نصير أحرارًا، نحمل ثمرًا من اللَّه. هل نُظهر هذا الثمر في حياتنا؟

  • فإن كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا، فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضًا ” [15]

هذه هي لغة التفهّم والتحذير لا الإدانة… أن تنهشوا تعني إشباعًا لشهوة الغضب، والأكل علامة الوحشية الضارية في أقصى درجاتها…

الخصام والانشقاق يدمران ويهلكان حتى من يستخدمهما، ويأكلان كل شيء أكثر من العث…

إذ يتحدث عن علة المرض هكذا يورد العلاج الذي يرد الصحة. يقول: “اسلكوا بالروح، فلا تكملوا شهوة الجسد” [16]. يتهم البعض الرسول بأنه قسّم الإنسان إلى جزئين… لكن الأمر ليس هكذا، فإنه بالتأكيد لم يقصد بكلمة “الجسد” الجسم فلو كان يعني هذا فما معنى إضافةه تعبير: “شهوة الجسد ضد شهوة الروح”؟… لقد اعتاد أن يدعو الإرادة الفاسدة لا الطبيعة “جسدًا”، مثل قوله: “لكنكم لستم في الجسد بل في الروح” (رو 8: 8-9)، وأيضًا: “الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا اللَّه”…

ماذا إذًا يعني بالجسد؟ الفكر الأرضي، الكسل واللامبالاة، هذا ما يعنيه هنا بالجسد، وهو ليس اتهامًا للجسم إنما هو اتهام ضد النفس الخاملة. الجسد أداة؛ لا يبغض أحد الأداة أو يكرهها، لكن يبغض من يسيء استخدامها…

في استخدامه تعبير “الجسد يشتهي ضد الروح” يعني حالتين للعقل؛ يضاد إحداهما الأخرى، أعني تضاد بين الفضيلة والرذيلة، وليس تضاد بين النفس والجسم…

إنه يُشير إلى الصراع بين المبادئ الشريرة والمبادئ الصالحة؛ إلى الإرادة أو عدم الإرادة التي تخص النفس، لذلك يقول: “وهذان يقاوم أحدهما الآخر” حتى لا تُترك النفس مستمرة في شهواتها الشريرة…

من يبلغ مكانًا رفيعًا ساميًا بدافع داخلي لا يحتاج إلى معلم، ومن كان فيلسوفًا لا يحتاج إلى عالم نحو؛ لماذا إذًا تنزلون بأنفسكم هكذا الآن لتنصتوا إلى الناموس بعدما سلمتم أنفسكم للروح؟…

أجبني الآن، يا من تتهم جسدك وتحسبه عدوًا وخصمًا. لنقبل ما تؤكدونه بأن الزنا والعهارة يصدران عن الجسد، ولكن الكراهية والشقاق والصراع والنزاع والبدع والسحر هذه إنما تنبع عن مجرد اختيار سلوكي فاسد. وهكذا بالنسبة للأخطاء الأخرى أيضًا، كيف يمكن أن ننسبها للجسد؟ ها أنتم تلاحظون أنه لا تتحدث (هذه الرذائل) عن الجسم بل عن أفكار أرضية، تزحف على الأرض…

وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام…[22]

لاحظ أن حديثه لا يرتبط بكيان الجسم بل بالاختيار الأخلاقي الذي قد يكون فاسدًا أو غير فاسد.

النفس التي تبلغ إلى السمو بواسطة الروح لا تحتاج إلى تذكير الناموس لها. هنا أيضًا يرفض الناموس تمامًا وبشدة، لا لأنه شرير، وإنما لأنه أقل من الفلسفة (الحكمة) التي أُعطيت بواسطة الروح…

إنه لا يعني أنهم دمروا أجسامهم، وإلا كيف هم عائشون؟…

إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضًا بحسب الروح…” “لنسلك”، أي لنكتفِ بقوة الروح ولا نطلب عون الناموس[22].

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • يضع (الرسول) أمامنا هذا الصراع. ننشغل في هذا المعركة إن كنا في شهوات الجسد ضد الروح والروح ضد الجسد[23].
  • عندما تنتهي هذه الحرب تتحول كل الشهوات إلى حب، ولا يبقى في الجسد شيء ما يضاد الروح، لا يبقى ما يُروض أو يُكبح جماحه أو يُخضع إنما يسير كل شيء بتناغم مع البرّ وتتم إرادة اللَّه في السماء والأرض[24].
القديس أغسطينوس

كلمة « جسد »

  • تُستخدم كلمة “جسد” في الكتاب المقدس بمعانٍ مختلفة: أحيانًا تعني الإنسان بكلّيته (يو 1: 14)… أحيانًا تُستخدم لتمثل الإنسان الخاطئ الجسداني (تك6 : 3)… أحيانًا تُستخدم لتعبر عن الخطايا نفسها (رو8: 9)… وأحيانًا تمثل القرابة والصلة (1 كو 15: 50)… هنا تستخدم الكلمة ببساطة لتعني الإنسان الخاطئ[25].
الأب دانيال
  • الجسد الذي امتزج بالخطية يجد راحته في أعمال الجسد، أما روح اللَّه فيجد راحته في ثمره[26].
مار اسحق السرياني
  • في الأشرار تملك الخطية على نفوسهم حيث تستقر كما على عرشها الخاص بها في هذا الجسد المائت حيث تطيع النفس (وتستجيب) للشهوات (رو 6: 12)…[27].
العلامة أوريجينوس

الجسد وأعمال الجسد

  • طالما نحن مثقلون بهذا الجسد الضعيف، مادام لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية (2 كو 4: 7)، مادام الجسد يشتهى ضد الروح والروح ضد الجسد، لا تتحقق لنا نصرة أكيدة[28].
 القديس جيروم
  • فأقول هذا أيها الإخوة إن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت اللَّه (1 كو 15: 50)… بكلمة “جسد” نؤمر أن نتجنبه؛ لا تجنب المادة بل أعمال الجسد، لذلك فإنه باستخدام نفس الكلمة يتبرأ ملكوت اللَّه من أعمال الجسد لا من كيانه؛ فإنه لا يُدان الجسد الذي حدث فيه الشر… وضع السُم هو جريمة، لكن الكأس الذي اُستخدم لا ذنب له. فالجسد هو إناء لأعمال الجسد بينما النفس هي التي تمزج السم كعمل شرير[29].
العلامة ترتليان

لا نستطيع تجاهل دور الجسم مع النفس بكونهما يعملان معًا في غير ثنائية، في تصرفات الإنسان الشريرة أو الصالحة.

جدير بالذكر أن نلاحظ الفرق بين الجسم والجسد؛ لأن الجسم هو خلقة صالحة وعطية من قبل اللَّه. إنه ليس إناء أو موضعًا مجردًا للنفس، لأن الكائن البشري وحدة واحدة بلا ثنائية: جسد ونفس. أفكار الإنسان وأقواله وأعماله أو حتى مشاعره تخصه ككائنٍ بشريٍ. الجسد والنفس يعملان معا ويتحملان ذات المسئولية وينالان مكافأة مشتركة. آباء الإسكندرية – ربما فيما عدا أوريجينوس- كانت لهم نظرة قدسية للجسم[30].

  • نظام الجسد المتناغم يساعد على الفهم الذي يقود إلى صلاح الطبيعة…

من يكرس نفسه للحياة الصالحة وهو في الجسد، يدخل إلى حالة خلود[31].

القديس إكليمنضس السكندري
  • (الروح القدس) يحث (المؤمن) على الدوام أن يجاهد جسدًا وروحًا، لكي ما يتقدسا على ذات المستوى، ويستحقا ان يرثا الحياة الأبدية بالتساوي.
  • إنه يشعل (في النفس)غيرة لإدراك تطهير كامل للنفس مع الجسد ليصير الاثنان واحدًا في النقاوة. هذا هو هدف تعليم الروح القدس وإرشاده أن يطهرهما تمامًا ويردهما إلى حالتهما الأصلية قبل السقوط، بتدمير كل ما فيهما من نجاسات حلت بهما بسبب حسد الشيطان، حتى لا يوجد فيهما شيء مما للعدو.
  • بهذه الطريقة يعتاد الجسد كله على كل صلاح، خاضعًا لقوة الروح القدس، فيتغير تدريجيًا، حتى أنه في النهاية يشترك -إلى حد ما- في سمات الجسد الروحي الذي نتقبله في قيامة الأبرار[32].
 القديس أنبا أنطونيوس الكبير

ثمر الروح

  • من ليس له المسيح ليس له ثمر…

لا تتعجب مما يحدث بعد ذلك، عندما تقود المحبة الطريق[33].

القديس أغسطينوس
  • ليس إرادة اللَّه ألا نستفيد من النعمة التي حصلنا عليها؛ إنه يطالبنا أن نتألم (نجاهد) فيهبنا ثماره كما يقول الطوباوي بولس [22][34].
القديس أثناسيوس السكندري

 

 

 

                                                                                                            [1] Unger’s Survey of the Bible, p. 290.

[2] In Galat., Chapter 5.

[3] In Galat., Chapter 5.

[4] In Galat., Chapter 5.

[5] In Galat., Chapter 5.

[6] An answer to the Jews. 4.

[7] In Galat., Chapter 5.

[8] Furnish, p. 297.

[9] In Galat., Chapter 5.

[10] Sermons on N.T. Lessons 3:11; 31:1; 40:8.

[11] Furnish, p. 297.

[12] In Galat., Chapter 5.

[13] In Galat., Chapter 5.

[14] In Galat., Chapter 5.

[15] In Galat., Chapter 5.

[16] In Galat., Chapter 5.

[17] In Galat., Chapter 5.

[18]Furnish, p. 298.

[19]. Furnish, p. 298.

[20]  Furnish, p.298.

[21]  In Galat., Chapter 5.

[22] In Galat., Chapter 5.

[23] Sermons on New Testament Lessons 78:6.

[24] Sermons 0n N.T. Lessons 6:8.

[25] Cassian, Conferences. 4:10.

[26] Hom. 48.

[27] Comm. On Matt. Book 14:3.

[28] Ep. 22:4.

[29] Against Marcion, 5:10.

[30] Our book “The Divine Providence”, Alexandria 1990, p. 35.

[31] Stromata 4:4.

[32] Epistle 1, Philokalia 16, 17, 20.

[33] Sermons on N.T. Lessons 39:1.

[34] Festival letters 6:5.

تفسير رسالة غلاطية 5 الأصحاح الخامس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الرابع: أبناء وورثة

 

إذ قارن القديس بولس بين نير الناموس وإدراك عمل الإيمان بالسيد المسيح يرفعنا إلى التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه.

  1. التمتع بنوال التبني 1-11.
  2. الحرية العملية للأبناء 12-20.
  3. ابن الحرة وابن الجارية 21-31.

1. التمتع بنوال التبني

اُستخدمت كلمة “وارث” في (غل 29:3؛ 7:4) حسب العادات الفلسطينية؛ حيث كان الوالد يعين في وصيته وصيًا لابنه؛ وعلى الوصي بعد وفاة الأب أن يدير شئون ميراث الإبن حتى يبلغ سن الرشد. لهذا يُعتبر الإبن أثناء مدة الوصاية في حكم العبد الذي ليس له حرية التصرف، ولو كان من أغنى الأغنياء. هكذا الإنسان البعيد عن السيد المسيح، الخاضع تحت الناموس يُحسب قاصرًا، ينال ميراثه في المستقبل. مثل هذا الإنسان لا يفضل عن عبد، ليس بمقدوره أن يرث ما وُعد به. هنا يتحاشى القديس بولس وصف الناس خارج المسيح كعبيد للناموس.

يوضح القديس بولس كيف صار ابن الله ابنًا للإنسان، إذ وُلد من امرأة، حتى نصير نحن – أبناء البشر – أبناء اللَّه.

  • يقول القديس بولس “أرسل الله ابنه لا مولودًا من رجل وامرأة بل “مولودًا من امرأة ” [4] وحدها، أي من عذراء… فإن ذاك الذي يجعل النفوس عذارى وُلد من عذراء[1].
القديس كيرلس الأورشليمي

ملء الزمان” [4] يقابل الزمن الذي حدده الآب، معبرًا به عن تحقيق غاية إرسال الله ابنه لإتمام الوعد الذي أعطاه لإبراهيم [3-14]. نجد هنا أقوى تعبير عن التجسد ورد في رسائل القديس بولس إذ يورد العبارتين “مولودًا من امرأة”، و”مولودًا تحت الناموس”، مؤكدًا غايتين لمجيء السيد المسيح: الأولى أنه يخلص أناسًا من العبودية؛ والثانية إنه يُمكنهم من التمتع بالتبني كأبناء لله.

هنا كما في الرسالة إلى أهل رومية (8: 14-17، 23) يربط الرسول بين التبني وعطية الروح الذي به يستطيع الإنسان أن يضع كمال ثقته في الله الآب ويتمتع بعربون كمال الوعد.

  • لسنا أبناء بالطبيعة، إنما الإبن هو فينا؛ أيضًا الله ليس أبانا بالطبيعة بل آب الكلمة الذي فينا وهو فيه وبسببه نصرخ: “يا أبَا الآب
  • الإبن الذي فينا يدعو أباه، ويجعله أبانا نحن أيضًا. فمن لا يكون الإبن في قلوبهم بالتأكيد لن يقدروا أن يدعو الله أبًا لهم.
  • إننا أبناء وآلهة لأن الكلمة فينا، هكذا سنكون في الابن وفي الآب، وسنحسب واحدًا في الابن وفي الآب…
  • روح الكلمة فينا يدعو أباه أبانا من خلالنا[2].
القديس أثناسيوس الرسولي
  • إننا نحن الذين نصرخ، لكنا نصرخ فيه (في روح الابن)، إذ يسكب الحب في قلوبنا، الذي بدونه تصير الصرخات باطلة[3].
القديس أغسطينوس

يُدعى اللَّه هكذا “أبَا! الآب!” [6]، أي بالآرامية واليونانية؛ وهو تعبير ليتورجى؛ ربما كلمات افتتاحية كان يصليها حديثو العماد لتعبر عن تقربهم الجديد للَّه في المسيح. يستخدم الرسول الآرامية واليونانية في وقتٍ واحدٍ ليُظهر أن اللَّه هو أب اليهود والأمم، وأن النعمة تعمل في حياة الأمم لنوال البنوة للَّه بواسطة المعمودية دون حاجة إلى الختان.

كأبناء للَّه وورثة يلزمهم ليس فقط أن يتركوا عبادة الأوثان [8]، وإنما بقبولهم الإيمان يلزمهم أن ينشغلوا بما يليق بهم، في الأمور الروحية لا الأمور الدنيا.

  1. 1. يذكرهم الرسول بمركزهم القديم كانوا عبيدًا، عبدوا الأوثان، وأما الآن فهم أبناء اللَّه. يليق بهم أن يتعرفوا على أبيهم ويتعرف هو عليهم. “وأما الآن إذ عرفتم اللَّه بل بالحري عُرفتم من اللَّه [9].

يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص إن البشرية قبلت الآلهة الباطلة كآباء لها عِوض الآب [8]: [عصى البشر اللَّه وعبدوا من هم بالطبيعة ليسوا آلهة (انظر غل 8:4). ومع كونهم أبناء اللَّه ارتبطوا بمن يُدعى شريرًا باطلاً[4].]

القول عُرفتم من اللَّه هو وصف للحياة المسيحية؛ فإن معرفة اللَّه التي يتحدث عنها القديس بولس هنا تعني حبنا للَّه كاستجابة لمعرفتنا له، أي لحبه لنا (1 كو 8: 2-3). نحن نعرف اللَّه أبًا لنا خلال اتحادنا مع الابن في استحقاقات دمه المخلص، وثبوتنا في هذا الاتحاد. نحن نُعرف من اللَّه بكوننا أبناءه المبررين.

  • اللَّه يعرف الذين هم له، بمعنى يعرفهم خلال أعمالهم الصالحة (في المسيح). إنه يقبلهم في شركة عميقة معه[5].
القديس باسيليوس الكبير
  1. يسألهم القديس بولس أن ينشغلوا في حرية البنين، لا في أعمال الناموس كعبيد. “فكيف ترجعون أيضًا إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون أن تستعبدوا لها من جديد؛ أتحفظون أيامًا وشهورًا وأوقاتًا وسنين؟“[9-10] هكذا يسحبهم اللَّه إلى نفسه، فكيف يعطونه ظهورهم منشغلين بالأمور الحرفية؟

نحن لا نحفظ العيد في حرفية كحافظين أيامًا، عالمين أن الرسول يوبخ من يفعل هذا، قائلاً: “أتحفظون أيامًا…؟” إنما نحسب اليوم مكرمًا بسبب العيد وبسبب الرب نفسه. فنجتمع معًا لكي نعبد اللَّه في كل مكان ونقدم صلوات ترضي اللَّه. فإن الطوباوي بولس يُعلن لا عن أيام، بل عن الرب الذي من أجله نحفظ العيد، قائلاً: “لأن فصحنا هو المسيح، قد ذُبح لأجلنا” (1 كو 5: 7)، حتى إذ نتأمل في أبدية “الكلمة” نقترب إليه ونخدمه.

  • لا يُحسب العيد هكذا من أجل (حفظ) الأيام بل من أجل الرب الذي تألم لأجلنا. نحن نحتفل به، “لأن فصحنا المسيح قد ذُبح”؛ فإنه حتى موسى علّم إسرائيل ألا يعتبروا العيد انشغالاً بالأيام بل بالرب، قائلاً: “إنه فصح للرب” (خر 12: 11)[6].
القديس أثناسيوس الرسولي
  1. 3. إذ ولّوا ظهورهم للَّه فقدوا خلاصهم، وقد حزن الرسول عليهم من أجل حبه لهم. أدرك أن تعبه الذي كلفه عرقًا وآلامًا صار باطلاً: “أخاف عليكم أن أكون قد تعبت فيكم عبثًا[11].
  • لاحظوا حنو الرسول المترفق، فقد اهتزوا (إيمانا) وها هو يرتعب ويخاف… بقوله: “لئلا أكون قد تعبت فيكم عبثًا” يوحي إليهم بالإنذار مع التشجيع في رجاء صالح…

إنني أخاف لكنني لست يائسًا من جهتكم[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. الحرية العملية للأيناء

بعد معالجته موضوع “التبرير بالإيمان العامل بالمحبة” من كل جوانبه، يقدم خبرة عملية في حياته كما في حياتهم، خاصة من جهة الحب المتبادل النابع عن إيمانهم الصادق.

  1. 1. لقد أراد من الغلاطيين أن يحذوا حذْوَه، وينسوا عبودية الناموس، من أجل الحرية الجديدة التي ينالونها في المسيح يسوع. فكما جحد القديس بولس مزايا التهود من أجل الكرازة بالإنجيل للأمم، هكذا يسألهم الآن أن يجحدوا المزايا المزعومة التي للتعاليم الباطلة ليصيروا كما هو في المسيح.
  • أتضرع إليكم أيها الإخوة كونوا كما أنا، لأني أنا أيضًا كما أنتم” [12].

هذا الحديث موجه إلى تلاميذه اليهود، مقدمًا نفسه مثالاً لهم لكي يحثهم على ترك عاداتهم القديمة… تأمّلوا فيَّ، فإنني كنت مرة في ذات وضعكم الفكري، خاصة من جهة غيرتي الملتهبة من جهة الناموس. لكنني بعد ذلك لم أخف من ترك الناموس لأنسحب من نظام هذه الحياة. هذا ما تعرفونه جيدًا كيف كنت في عنادٍ متعصبًا لليهودية، وكيف أنني بقوة أعظم تخلصت من هذا.

حسنًا قدم هذا الأمر في النهاية، فإن كثيرين متى قُدِمت لهم آلاف الأسباب والتبريرات يقتنعون بالأكثر بمن كان في نفس وضعهم ويتمسّكون بالأكثر بما يرونه قد تحقّق عمليًا في حياة الآخرين[8].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أظهر لهم أنهم خُدعوا بواسطة الإخوة الكذبة، لكنهم لا يحملون له بغضة شخصية، إذ يقول: “لم تظلموني شيئًا[12].

  • لاحظوا كيف يتحدث إليهم مرة أخرى ملقبًا إياهم بكرامة “أتضرع إليكم أيها الاخوة [12]، مذكرًا إياهم بتعليم النعمة… فبعدما قطع الأمر معهم يسكب كالزيت تشجيعه لهم، مظهرًا أن كلماته لم تصدر عن بغضة أو عداوة، مذكرًا إياهم بالحب الذي أظهروه له، مازجًا تبريره لموقفه بمديحهم له، لذا يقول ” لم تظلموني شيئًا[12].

ولكنكم تعلمون أنى بضعف الجسد بشرتكم في الأول؛

وتجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها،

بل كملاك من اللَّه قبلتموني، كالمسيح يسوع [13-14].

  • فبالنسبة لكم ليس فقط لم تظلموني، بل أظهرتم لي حنوًا عظيمًا لا يُعبر عنه؛ فمن يُعامل هكذا يستحيل عليه أن يتكلم بدافعٍ شريرٍ. لغتي إذن لا يمكن أن تصدر عن إرادة شريرة؛ إنما تصدر عن حب واهتمام مفرط.

ألم يكن ذلك سخيفًا منهم أن يقبلوه كملاك اللَّه عندما كان مُضطهدًا ومطرودًا، ويرفضوه عندما يلزمهم بما هو مناسب لهم (من تعليم)؟[9]

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • هنا (غل 15:4،16) يظهر حيرته وتعجبه طالبًا أن يعرف منهم السبب في هذا التغير، فيقول لهم: من هو هذا الذي خدعكم وغيَّر موقفكم من جهتي؟ ألستم أنتم الذين أصغيتم إلىّ وخدمتموني، حاسبين إياي أثمن من عيونكم؟ فماذا حدث؟… كان يجب عليكم بالحري أن تزيدوني تقديرًا وتعيروني اهتمامكم، عِوض أن تتخذوني عدوًا لكم، لأني أخبركم بالحق، فإني لا أجد علة أخرى لمقاومتكم لي غير هذه (توجيههم للحق وتحذيرهم من الكذبة)[10].
القديس يوحنا الذهبي الفم

شهادته بأن الغلاطيين أرادوا إن أمكن أن يعطوه عيونهم تشير إلى عمق العاطفة (الحب) السابقة نحوه واتساعهم بقبول إنجيله. يرى البعض أن العبارة [15] تلمح إلى أن المرض الذي أصاب القديس بولس كان يصيب عينيه، لذا أرادوا أن يهبوه أعينهم عِوض عينيه. أما الآن فقد تغيرت العلاقة بين الرسول والغلاطيين.

إشارة القديس بولس إلى تَمخُّضِه بهم [19] تقدمه كأم لهم “إلى أن يتصوّر المسيح فيهم“. هذا الفكر الخاص بالميلاد الجديد يقدم تغيرًا جذريًا للكيان نفسه فلا يعود يحيا الإنسان بل المسيح يحيا فيه (20:2).

بعد إظهار الحب المتبادل بينه وبينهم، بكونهم أبناء اللَّه الحقيقيين الذين نالوا حرية وحبًا، يتحدث معهم عن رغبته الداخلية أن يفتقدهم ليروا إلى أي مدى يحبهم كأبٍ لهم يتألم بملء إرادته ليس فقط لكي يلدهم أبناء للَّه بل ويعينهم في نموهم.

  • هنا (في العبارة 18) يلمح إلى أن غيابه هو السبب فيما حدث، مع أن البركة الحقيقية للتلاميذ هي تمسكهم بالآراء السليمة ليس فقط في حضرة معلمهم بل وفي غيابه أيضًا…

يُشبّه نفسه بأمٍ ترتعب من أجل أبنائها، “إلى أن يتصور المسيح فيكم” [19].

 انظروا محبته الأبوية! تطلعوا إلى حزنه عليهم التي تليق به كرسول!…

لاحظوا إلتهابه [20] وعجزه عن الإحجام عنهم وكبت مشاعره. هذه هي طبيعة الحب، فإن الكلمات لا تكفي إنما يريد أن يكون حاضرًا بينهم، وهكذا – كما يقول – يود أن يغَّير صوته، أي يغيره إلى مرثاة وسكب الدموع، محولاً كل شيء إلى حزن. فإنه لم يستطع أن يظهر دموعه أو صرخات حزنه بكتابته الرسالة، هذا ما ألهب فيه الحنين إلى حضوره في وسطهم[11].

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • التملق دائمًا غادر ومخادع ولين. حسنًا يصف الفلاسفة المتملق بأنه “عدو مفرح”. أما الحق فمُر، له وجه كئيب وجبين مجعد، لا يستسيغه المُبكتون[12].
القديس جيروم

3. ابن الحرة وابن الجارية

  • يعود (القديس بولس) ثانية إلى إبراهيم، لا على سبيل التكرار، وإنما بسبب شهرة هذا الأب (البطريرك) العظيمة لدى اليهود… لقد سبق فأظهر أن الغلاطيين هم أبناء إبراهيم، الآن يظهر أن أبناء هذا الأب ليسوا على مستوى واحد من الكرامة، واحد ابن الجارية، والآخر ابن الحرة. لقد أظهر أنهم ليسوا مجرد أبناؤه وإنما أيضًا أبناء بمعنى أنهم مولودون أحرارًا وشرفاء. هكذا هي قوة الإيمان[13].
القديس يوحنا الذهبي الفم

إبراهيم ونسله

* نسل طبيعي – يكون كتراب الأرض (رمل البحار) – (تك 13: 16).

* نسل روحي – يكون كنجوم السماء – (تك 22: 17؛ غل 3: 26، 29).

على غرار النظام الحاخامي تطلع الرسول بولس إلى زوجتيّ إبراهيم بطريقة رمزية (تك 16: 15؛ 21: 1-21).

  1. كانت سارة حرة، وُلد ابنها اسحق خلال “وعد” – وقد اُستخدمت هذه الكلمة “وعد” منذ البداية كإشارة إلى الإنجيل (8:3،14 ، 16-18). أما هاجر فجارية، وُلد ابنها حسب الجسد (الطبيعة).
  • كن حرًا، وتحرر من كل عبودية مدمرة! إن لم تكن حرًا لا تستطيع أن تعمل لأجل المسيح؛ فإن هذا الملكوت الذي في أورشليم السماوية الحرة لا يتقبل أبناء العبودية. أبناء الأم الحرة هم أحرار (رو 8: 15)، لا يُستعبدون للعالم في شيء [23][14].
الأب يوحنا المتوحد
  1. 2. يمتد القديس بولس بالفكر الرمزي معرفًا الزوجتين بكونهما عهدين أو تدبيرين مختلفين، مفترضًا عهدًا قديمًا والآخر جديدًا. ترمز سارة إلى النعمة، بينما هاجر إلى الناموس.
  • للمسيحية ميلادها السامي، رُمز إليه سريًا بابن إبراهيم المولود من الحرة، بينما ابن الجارية يرمز لعبودية اليهوديّة الناموسية[15].
العلامة ترتليان
  1. 3. ترمز سارة إلى الكنيسة، بينما تمثل هاجر مجمع اليهود.
  2. 4. كانت سارة رمزًا للحياة بالروح، بينما هاجر للحياة حسب الجسد.
  3. 5. تشير سارة إلى أورشليم السماوية، بيت المسيحيين وأمهم، إذ يفرحون في حرية الإنجيل. وتشير هاجر إلى أورشليم الأرضية. تقدم أورشليم الجديدة أكثر جدًا مما تقدمه أورشليم القديمة. تقدم الحرية أمورًا أعظم مما تقدمه العبودية، وما يقدمه الإنجيل أعظم مما يقدمه الناموس[16].
  4. سارة لها أبناء أحرار وورثة، بينما لهاجر عبيد.
  5. لم ينعم إسماعيل ببركات الابن في بيت إبراهيم، بل تُرك خارجًا كما في البرد مع كونه البكر جسديًا؛ أما اسحق فدُعي لذا نحن ورثة الوعد الروحي.

[هنا يُنظر إلى اسحق كرمز للمسيحيين وإسماعيل كرمز للمتهودين].

  1. يقرر النص العبري لسفر التكوين (9:21)، أن إسمَعيل كان يمزح مع اسحق، وقد جاء في التفسير الحاخامي لسفر التكوين الذي لرابا Rabbah أن الكلمة العبرية التي ترجمت “يمزح، أو يداعب أو يضحك” تحمل معنى رديئًا. بحسب التقليد اليهودي “أمسك إسمَعيل قوسًا وأسهمًا وبدأ يضرب السهام نحو اسحق كمن يمزح”. وقد استخدم القديس بولس هذا التقليد لتطبيقه بخصوص خبرة الغلاطيين مع المتهودين.
  • وُلد اسحق ليس حسب نظام الطبيعة، ولا بحسب ناموس الزواج، ولا بقوة الجسد، ومع ذلك فهو بالحقيقة ابنه. لقد صدر عن جسدين ميتين، وعن رحم ميت؛ فلم يكن الحبل به بواسطة الجسد، ولا ميلاده حسب البذار، لأن الرحم كان ميتًا بحكم السن والعقر، إنما كلمة اللَّه (الوعد الإلهي) شكلته. لم يكن الأمر هكذا بخصوص الجارية، فقد جاء الابن بحكم ناموس الطبيعة. ومع هذا فإن الذي لم يُولد حسب الجسد كان أعظم كرامة من ذاك الذي وُلد حسب الجسد.
  • من هي هذه التي كانت قبلاً عاقرًا ومستوحشة؟ واضح أنها كنيسة الأمم، إذ كانت قبلاً محرومة من معرفة الله. من هي هذه التي لها زوج؟ واضح أنها مجمع اليهود. لكن أولاد العاقر صاروا أكثر من أولادها، لأن الأخيرة ضمت أمة واحدة أما أبناء الكنيسة فملأوا مدن اليونانيين والبرابرة، والأرض والبحر وكل المسكونة.

لاحظ كيف قدمت سارة بأعمالها (إنجاب اسحق) والأنبياء بنبواتهم ما قد تحقق معنا (تمتع الكثيرين بالبنوة للَّه). لاحظ كيف أن الذي دعاها إشعياء عاقرًا برهن بولس أن لها أولادًا كثيرين، الأمر الذي حدث رمزيًا مع سارة، فمع كونها عاقرًا صارت أمًا لأبناء كثيرين.

على أي الأحوال هذا لم يكفِ بولس، بل تتبع بدقة الطريقة التي بها صارت العاقر أمًا، إذ جاء الرمز مطابقًا للحق. لهذا أضاف “وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد” [28]… لقد قصد بذلك الكنيسة التي لم تعرف اللَّه، لكنها ما أن عرفته حتى فاقت المجمع الذي كان مثمرًا[17].

القديس يوحنا الذهبي الفم

 

 

 

 

[1] Catech. Lect. 12:31.

[2] Four Discourses against the Arians, 2. 58, 59; 4:22;2:25; De Decretis, 31.

[3] Sermons on N.T. Lessons 21:29.

[4] Against Eunomius 2:8, 12:1.

[5] Ep. 235:3.

[6] Festival Letters, 3:1; 6:2.

[7] In Galat., Chapter 4.

[8] In Galat., Chapter 4.

[9] In Galat., Chapter 4.

[10] In Galat., Chapter 4.

[11] In Galat., Chapter 4.

[12] Against the Pelagians 1:26.

[13] In Galat., Chapter 4.

[14] Sebastian Brock: This Syriac Fathers on Prayer and Spritual Life, Michigan, 1987, p. 89.

[15] Against Marcion 5:4.

[16]Furnish, p. 295.

[17]. In Galat., Chapter 4.

 

تفسير رسالة غلاطية 4 الأصحاح الرابع – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 3 الأصحاح الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 3 الأصحاح الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 3 الأصحاح الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 3 الأصحاح الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث: التبرير بالإيمان

 

يبدأ القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه على هذا الأصحاح بالقول: [هنا يَعبر (الرسول) إلى موضوع آخر؛ ففي الإصحاحين السابقين أوضح أنه رسول لا من الناس ولا بإنسان ولا في حاجة إلى إرشاد رسولي. الآن إذ أكد سلطانه كمعلمٍ يسترسل في الحديث بأكثر ثقة، مقارنًا بين الإيمان والناموس.]

يمكن أن يُعفي عن مجرم، لكنه لا يُحسَب بارًا. أما التبرير فهو عمل الله الذي لا يغفر آثامنا فحسب، وإنما يقدم برّ المسيح لحسابنا. يهبنا برًا ليس من عندياتنا بل هو برّ المسيح. الله يبرر الخاطئ التائب ولا يبرر خطاياه.

1. خبرة الغلاطيين بالإنجيل                   1–5.

2. خبرة إبراهيم                              6-9.

  1. لعنة الناموس 10-14.
  2. الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم 15-18.
  3. غاية الناموس 19-25.
  4. أبناء بالإيمان 26-29.

1. خبرة الغلاطيين بالإنجيل

يبدأ القديس بولس حديثه بخصوص الإيمان كمصدر للتبرير بالإشارة إلى خبرة الغلاطيين أنفسهم. لقد دعاهم أغبياء [1]، ليس “باطلاً ” مت (22:5). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لأنه بعدما أظهر أنهم رفضوا الإيمان، وحسبوا موت المسيح بلا هدف، قام بتوبيخهم الذي مهما بدا عنيفًا، فهو أقل مما يستحقون!] دعاهم أغبياء لأنهم تجاهلوا خبرتهم الشخصية مع المخلص وعمله الفدائي، وكما يقول القديس أغسطينوس: [نحن ندافع عن الرسول الذي دعا الغلاطيين أغبياء، وقد دعاهم أيضًا إخوة، ذلك لأنه لم يقل هذا باطلاً [1].]

أ. لقد رسُم المصلوب بوضوح أمام عيونهم [1]: بالإيمان يرى الغلاطيون المسيح المصلوب أكثر وضوحًا من كثير من اليهود الذين كانوا في أورشليم منهمكين في أعمال الناموس الحرفية؛ فكيف يقللون الآن من شأن الإيمان في غباوة بقبولهم خداع هؤلاء الذين يتكلمون على أعمال الناموس؟

  • لم يصلب (السيد المسيح) في غلاطية بل في أورشليم، ومع هذا يقول: “بينكم” ليعلن عن قوة الإيمان في رؤية أحداث تمت على بعد مسافات (حدث الصلب)… لقد رأوا بعيني الإيمان بأكثر وضوح من بعض الذين كانوا حاضرين ومشاهدين للصلب…

هذه الكلمات تحمل مديحًا ولومًا؛ تمدحهم لقبولهم الحق المطلق، وتلومهم لأنهم تركوا المسيح الذي شاهدوه عاريًا، مطعونًا، مسمرًا على الصليب من أجلهم، ولجأوا إلى الناموس، دون أن يخجلوا من هذه الآلام (التي احتملها عنهم)[2].]

القديس يوحنا الذهبي الفم

ب. لقد اختبروا نعمة الروح القدس [2] بالإيمان وليس بأعمال الناموس. لقد نالوا بالفعل قوة الروح العظيمة ومزاياها في حياتهم اليومية وسلوكهم، فلماذا يتركون هذا ويرتدون إلى الناموس العاجز عن أن يهبهم شيئًا كهذا؟

ج. هم أغبياء، لأنهم بدأوا بالروح، بالأمور العليا، وانحدروا إلى الأسفل، أي إلى أعمال الناموس الخاصة بالجسد [3]. يبدأ الإنسان الحكيم عادة ببدايات صغيرة ثم يتقدم إلى الأمور العليا، أما هم ففعلوا العكس. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعدما تتفرسون في الشمس تطلبون شمعة؟ بعدما تأكلون طعامًا قويًا تجرون وراء اللبن؟]

د. لقد احتملوا الكثير من أجل إيمانهم، فهل كان هذا عبثًا؟ [4]. لقد تألمتم كثيرًا بسبب إيمانكم، فلا تخافوا من هؤلاء المخادعين، لئلا يجردونكم من إكليلكم ويسرقونه منكم.

ه. لقد نلتم الروح القدس الذي يعمل عجائب بينكم، وذلك بخبر الإيمان وليس بأعمال الناموس.

  • يقول: هل نلتم عطية عظيمة كهذه، وتممتم مثل هذه العجائب، لأنكم حفظتم الناموس أم لأنكم التصقتم بالإيمان؟ واضح أن هذا تحقق بسبب الإيمان[3].
القديس يوحنا الذهبي الفم

2. خبرة إبراهيم

التبرير بالإيمان ليس خبرة جديدة، فإنه حتى قبل الناموس كان لإبراهيم أب الآباء ذات الخبرة. يؤكد القديس بولس خبرة إبراهيم لأن له قدره العظيم عند اليهود، كما يترجى الأمم أن يُحسبوا أولاده بالإيمان وليس حسب الجسد. يقدم القديس بولس البراهين على أن إنجيل الحرية يتفق مع وعود العهد القديم، مبرزًا التناغم الكامل بين تعليم العهد القديم والإنجيل. لقد أساء المتهودون فهم علاقة المسيحية بالعهد القديم، لذلك فهو يلفت الإنتباه إلى الأساس التعليمي لعقيدته بخصوص تحرر الأمم من الناموس الموسوي، مظهرًا أنهم ورثة المواعيد والبركات التي أُعطيت لإبراهيم قبل الناموس وقبل الختان[4] .

أ. بحسب التقليد اليهودي نفسه جاء في عظة مدراشية (“مدراش” تعني تفسيرًا) أن إبراهيم حسب بارًا أمام الله بالإيمان [6]. وليس بحفظ طقوس ناموسية.

ب. بالمنطق، يليق بأولاد إبراهيم من اليهود أو الأمم أن يتشبهوا به؛ أي أن يعيشوا بالإيمان، فيشاركوه في المواعيد. أبناء إبراهيم الحقيقيون هم فقط الذين يتمثلون بإيمانه. فضيلة الإيمان تأتى بالأمم إلى الالتصاق بإبراهيم أكثر من اليهود نسله حسب الجسد. الذين يتكئون على الإيمان بالمسيح يسوع لتبريرهم سوف يتباركون مع إبراهيم المؤمن[5].

  • يعلمنا الرسول بكمال خلال كلماته الواردة في رسالته إلى أهل غلاطية أن إيماننا كان مرموزًا إليه في إبراهيم باعتباره بطريرك (أب) إيماننا ونبيًا له [59]…

يعلن الرسول أن هذا الرجل لم يكن نبيًا للإيمان فحسب، وإنما كان أبًا للأمم الذين يؤمنون بيسوع المسيح، لأن إيمانه واحد مع إيماننا.

  • نحن أبناء إبراهيم بسبب تشابه الإيمان والوعد بالميراث[6].
القديس إيريناؤس
  • إن كان ذاك الذي كان قبل النعمة قد تبرر بالإيمان مع أنه كان غنيًا بالأعمال، فبالأولى نحن (نتبرر بالإيمان). لأنه أية خسارة لحقت بإبراهيم بكونه ليس تحت الناموس؟ لا شيء؛ فإن إيمانه كان كفيلاً للتمتع بالبرّ.
  • إذ اعتمدوا كثيرًا على أنهم من نسل إبراهيم، وخشوا من تخليهم عن الناموس لئلا يجعلهم غرباء عنه، لذلك حوٌل بولس ذلك إلى برهان ضدهم، مُثبتًا أن الإيمان على وجه الخصوص هو الذي يربطهم بإبراهيم[7] .
 القديس يوحنا الذهبي الفم

ج. اعتاد المعلمون الكذبة أن يربكوا الغلاطيين بقولهم إن الناموس جاء أولاً ثم الإيمان. لهذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الآن يزيل هذا المفهوم بإظهار أن الإيمان سبق الناموس، كما يتضح في حالة إبراهيم الذي تبرر قبل استلام الناموس.] تبرر إبراهيم قبل وضع ناموس الختان بخمسة عشر عامًا.

د. بشٌر مُعطى الناموس إبراهيم بأن الأمم تتبرر بالإيمان [8]. لو أن التبرير يتحقق بأعمال الناموس لبشر الله إبراهيم بإعطاء الناموس، لا بتقديم بركة الإيمان.

  • “الله” نفسه الذي أعطى الناموس قد وضع أن يتبرر الوثنيون بقبولهم الإيمان. لم يقل “أعلن” بل “بشر بالإنجيل” ليشير أن الأب (إبراهيم) كان مبتهجًا بأسلوب التبرير هذا وكان له رغبة عظيمة لإتمامه (الكرازة بالإنجيل تعنى الكرازة بالأخبار السارة أو المبهجة[8]).
 القديس يوحنا الذهبي الفم

ه. يتحقق الخلاص من لعنة الناموس خلال السيد المسيح الذي فيه تحققت بركة إبراهيمم [10-14].

3. لعنة الناموس

يشهد الناموس ذاته (تث 26:27) أن الذين يسعون أن يتمموه هم تحت اللعنة، لأنه يطالبنا أن نعمل به مُفترضًا أن ننال البرّ بذلك بينما في الواقع تقودنا هذه الأعمال إلى الكبرياء عندما نُتممها، وهذا هو جوهر الخطية.

لا يقدر الناموس أن يهب البرّ بل يجلب موتًا على كل من لا يحفظونه (10:3). اللعنة هي حكم صادر ضد كل كاسرٍ للناموس بينما تحل البركة على كل من يعيش بالنعمة. بمعنى آخر من يحسبون أنفسهم أبرارًا بسبب أعمال الناموس يسقطون في الكبرياء، ويصيرون تحت اللعنة، والذين يعجزون عن تحقيق كل أعماله هم أيضًا تحت اللعنة، والآن كيف ينتشلنا السيد المسيح من هذه اللعنة؟

يمكننا القول بأننا خلال الخطية صرنا تحت اللعنة، بينما صار مخلصنا الذي بلا خطيه لعنة لأجلنا [13]، لا بارتكابه خطية ما، وإنما بتعليقه على خشبة، وهكذا احتضننا ونحن تحت اللعنة، وأنقذنا منها بنعمته. خلصنا المسيح المصلوب من اللعنة، إذ حقق في شخصه كل متطلبات الناموس بالكامل، وفي الوقت نفسه صنع كفارة كاملة وتامة عن كل تعديات اليهود (والبشرية بوجه عام) ضد الناموس. هكذا صار الناموس مرضيًا لا يطالب السيد المسيح ولا بقية الجنس البشري بشيء ماداموا متحدين معه بالمعمودية[9].

يقول القديس يوستين في حواره مع (تريفو اليهودي) أن العائلة البشرية كانت في حاجة أن تُفتدى من اللعنة بواسطة الصليب. [إن ظهر الذين هم تحت الناموس أنهم تحت اللعنة لعدم ملاحظتهم كل متطلباته، كم بالأكثر تكون كل الشعوب التي تمارس الوثنية ويُغوون الشباب ويرتكبون جرائم أخرى؟ إن كان أب الكل قد أراد لمسيحه أن يحمل لعنة الكل من أجل كل البشرية، عالمًا أنه يقيمه بعد صلبه وموته، فلماذا تجادلون بخصوصه هذا الذي خضع للأمم هكذا حسب مشيئة الآب وقبل اللعنة عوض أن تبكوا على أنفسكم؟[10]]

  • ها أنتم ترون كيف يبرهن أن الذين يلتصقون بالناموس هم تحت اللعنة، إذ يستحيل عليهم أن يتمموه [10-11]؛ ثم كيف جاء الإيمان يحمل قوة التبرير هذه…

مادام الناموس عاجزًا تمامًا عن أن يقود الإنسان للبر، فالإيمان هو العلاج الفعّال الذي يجعل ما كان مستحيلاً بالناموس ممكنًا (رو 8: 3)…

استبدل المسيح هذه اللعنة بلعنةٍ أخرى، “ملعونّ كل من عُلِّق على خشبة”. إن كان مَنْ يُعلَّق على خشبة ومن يتعدّى الناموس كلاهما تحت اللعنة، وإنه كان من الضروري لذاك الذي يحرر من اللعنة أن يكون هو حرًا منها، إنما يتقبل لعنة أخرى (غير لعنة التعدي)، لذلك قُبِل المسيح في نفسه هذه اللعنة الأخرى. (خلال التعليق على خشبة) لكي يحررنا من اللعنة… لم يأخذ المسيح لعنة التعدي، بل اللعنة الأخرى، لكي يَنتزع اللعنة عن الآخرين. “على أنه لم يعمل ظلمًا ولم يكن في فمه غش” (إش 9:53). إذ بموته خلص الأموات من الموت، هكذا بحمله اللعنة في نفسه خلصهم منها[11].]

 القديس يوحنا الذهبي الفم
  • عند سماعنا “المسيح قد صار لعنة لأجلنا” [13]، و”لأنه جعل الذي لم يعرف خطية، خطية لأجلنا” (2 كو 5: 21)، لا نفهم من هذا ببساطة أن المسيح بكُليته صار خطية أو لعنة، إنما حَمل اللعنة التي علينا (إش 53: 4؛1 بط 2: 24).
  • كما أن المسيح بذاته لم يصر لعنة، إنما قيل هذا لأنه أخذ على عاتقه اللعنة لحسابنا، هكذا صار جسدًا لا بتحوله إلى جسد، إنما اتخذ جسدًا من أجلنا وصار إنسانًا.
  • إنه يُرشد اليهود وأهل غلاطية أن يضعوا رجاءهم لا في الناموس بل في الرب مُعطى الناموس[12].
 البابا أثناسيوس الرسولي
  • صار خطية ولعنة لا لحسابه بل لحسابنا… صار لعنة لأنه حمل لعناتنا[13].
 القديس أمبروسيوس
  • كيف يمكن أن يكون خطية ذاك الذي يحررنا من الخطية؟ وكيف يمكنه أن يكون لعنة ذاك الذي يفدينا من لعنة الناموس؟ حدث هذا ليمارس تواضعه إلى هذه الدرجة، ولكي يُشكِلنا نحن بالتواضع الذي يجلب مجدًا.
  • دُعي لعنة من أجلي، هذا الذي حطم لعنتي… صار آدم الجديد ليحتل مكان آدم الأول، وبهذا فقط يجعل عصياني عصيانه هو بكونه رأس الجسد كله[14].
القديس غريغوريوس النزينزي
  • صار مطيعًا ذاك الذي “أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا” (راجع مت 8: 17)، فشفي عصياننا؛ إذ بجلداته شَفي جراحاتنا وبموته طرد الموت العام الذي سيطر على كل البشرية. من أجلنا أطاع حتى صار “خطية” و”لعنة” بتدبيره لحسابنا؛ لم يكن هكذا بالطبيعة، إنما صار كذلك من أجل حبه للإنسان[15].
 القديس غريغوريوس النيسي
  • بالناموس صرنا تحت اللعنة، بينما بنعمة المسيح خلصنا منها.
  • النعمة عادةً تُعلِن عما يفعله الله لأجلنا (1 كو 15: 3- 4)؛ أما الناموس فيُعلن عما يطلبه الله منا (خر 20: 1- 7).
  • النعمة تهبنا حياة وقوة لكي نطيع الوصية ( يو 14: 23 ) ونتقدس ( رو 6: 14-22 )، أما الناموس فيأمر بالطاعة والقداسة الكاملة (تث 6: 24- 25) وإلا سقطنا تحت الموت (يع 2: 10).
  • النعمة غالبًا ما تكشف عن حب الله لنا ( يو 3: 16)، أما الناموس فغالبًا ما يأمرنا بحب الله (مت22 : 37).
  • بالنعمة أُعلِن لنا عن البركات الإلهية (غل 4:3)، بينما أُعلِنت اللعنة ونحن تحت الناموس (غل 3: 10).
  • النعمة تهبنا الحرية في المسيح (غل 5: 1)، أما تحت الناموس فكنا عبيدً للخطية (غل 4: 1-3).
  • النعمة هي قوة الله (رو 1: 16)، أما الناموس فقوة الخطية (1 كو 15: 56).
  • بالنعمة نلنا البنوة للآب (غل 4)، أما الناموس فيحرم الإنسان من الحضرة الإلهية (خر 18: 12-24).
  • تُعِلن النعمة عن صورة الصالحات عينه، أما الناموس فله ظل الخيرات العتيدة (عب 10: 1).
  • بنسل إبراهيم (يسوع المسيح) تصير البركة للأمم (14) (تك22: 18؛ 26: 4).

4. الناموس لم يبطل الوعد لإبراهيم

بعد أن قدم براهين كثيرة تقوم على أساس التقليد اليهودي والكتاب المقدس استخدم الرسول مثلاً بشريًا، بقوله: “أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول، ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكن ولو من إنسان أو يزيد عليه [15]. بمعنى آخر يجب احترام العهود البشرية، فلا يُزاد أو ينقص شيء من شروطها، والآن قد أُقيم عهد مع إبراهيم قبل استلام الناموس بحوالي 430 عامًا، لم يُذكر فيه حفظ أعمال الناموس، بل ذكر فيه الإيمان. فإذا ما أُضيف هذا الشرط (حفظ أعمال الناموس) بعد ذلك يُساء إلى العهد الإلهي.

أِستُلِم الناموس بعد نوال وعد الله لا ليبطل الوعد، إنما ليمهد للإيمان. فإن كانت أعمال الناموس هي منبع الخلاص لما أخذ إبراهيم الوعد بالبركة بنسله وإنما باستلام الناموس.

  • خلال رمز ديمومة العهد الإنساني يدافع الرسول عن العهد الإلهي[16].
 العلامة ترتليان
  • أيها الإخوة بحسب الإنسان أقول ليس أحد يبطل عهدًا قد تمكّن ولو من إنسان أو يزيد عليه[15].

هكذا يقول: “أيها الإخوة“… لقد دعاهم قبلاً “أغبياء” وها هو يدعوهم “إخوة”، وذلك لتوبيخهم في نفس الوقت…

يقول: إن أقام إنسان عهدًا فهل يجرؤ مَن يأتي بعده من يُغيره أو يزيد عليه؟ هذا ما يعنيه بـ “يزيد عليه”. بالأولى عندما يُقيم الله عهدًا؛ ومع مَنْ أقام عهدًا؟… أقام الله عهدًا مع إبراهيم، إذ وعده بأن تتبارك جميع الأمم في نسله، هذه البركة لا يمكن للناموس أن يُلقي بها جانبًا… أخذ إبراهيم وعدًا أن تتبارك الأمم في نسله، ونسله حسب الجسد هو المسيح [16-18][17].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

أعطى الله وعده لإبراهيم ونسله قبل إعطائه الناموس بـ 430 عامًا. هذا الوعد السابق للناموس تحقق في يسوع، نسل إبراهيم. ذكر الرسول 430 عامًا عن الترجوم الفلسطيني (في التعليق على خر 12: 40)، وهي إعادة صياغة (تفسير) للنص الكتابي الذي يُتلى في الخدمات المقامة في المجمع أيام القديس بولس.

يقول القديس أغسطينوس: [إن إبراهيم نال وعدًا ليس فقط في المسيح، نسل إبراهيم الذي يبارك الأمم [16]، بل وفي جسده، أي في كنيسة المسيح [28]. إن كان نسل إبراهيم يُفهم عن المسيح وحده، فإنه ينطبق علينا نحن أيضًا، أي على المسيح بأكمله: الرأس والجسد، المسيح الواحد[18].]

5. غاية الناموس

أثُير السؤال الذي في افتتاحية هذا القسم (فلماذا الناموس؟) في سياق البرهان الذي يقدمه القديس بولس؛ حيث لم يُذكر بعد إلا الجانب السلبي للناموس وأعماله (رو 7: 25-27). يرفض القديس بولس فهم الناموس بكونه مضادًا لوعود الله، بل بالأحرى يؤكد أن عمل الناموس هو تحديد الوضع القانوني للإنسان أمام الله، وإن كان عاجزًا عن تقديم البرّ أو تغيير علاقة الإنسان بالله.

سلطان حفظ أعمال الناموس الحرفية كأداة فعالة في تحقيق خطة الله محدود حتى يُعلن الإيمان ويأتي المسيح.

  • وأما الوسيط فلا يكون لواحدٍ [20]، ولكن الله واحد. لا انقسام بين الأقانيم كما تعلمنا في الإيمان (لأن اللاهوت واحد في الآب والابن والروح القدس). يصير الرب وسيطًا مرة بين الله والإنسان، فيربط الإنسان باللاهوت به.

 القديس غريغوريوس أسقف نيصص

ما هو هدف الناموس الموسوي [19]؟

السيد المسيح قادر أن يخلص الخطاة، فلا تقدر النعمة أن تبدأ عملها حتى يُبرهن الناموس أننا مخطئون كما تظهر الرسالة إلى رومية لكل واحدٍ منا. يستطيع الناموس فقط “أن يُغلِق على الكل تحت الخطية [22]، كما في سجنٍ؛ عندئذ جاء السيد المسيح ليهبنا الحرية ويقدم لنا برّه.

الناموس روحي، لكنه لا يحمل قوة الخلاص أو إمكانية التبرير. غايته أن يُظهِر للجنس البشري الساقط مدى فساد الطبيعة البشرية الخاطئة التي بلا شفاء. يكشف للإنسان عن خطيته وعماه واستخفافه بالله وأنه ساقط تحت الغضب الإلهي. هكذا يقودنا الناموس إلى السيد المسيح بإبرازه حاجتنا إليه كمخلصٍ وطبيبٍ.

  • لم يُعْطَ الناموس لشفاء الضعفاء، وإنما للكشف عن ضعفهم وإظهاره… لقد تسلموا الناموس الذي لم يستطيعوا أن يتمموه؛ لقد عرفوا داءهم، والتمسوا عون الطبيب، مشتاقين أن يبرأوا إذ عرفوا أنهم في كربٍ، الأمر الذي ما كانوا ليعرفوه لولا عجزهم على تتميم الناموس الذي تسملوه[19].
 القديس أغسطينوس

طالما يظن الإنسان أنه بريء، يُصيبه الكبرياء ويحتقر نعمة الله. لهذا فالناموس يذل هذا الكبرياء ويطرحه خارجًا، إنه معلم صالح عمله أن يُقنع المتكبرين بالحاجة إلى إصلاح، ويقود الأطفال كما إلى المدرسة، ويتأكد من تركيز انتباههم، وعند الضرورة يؤدبهم، ويطمئن على سلامتهم سلوكيًا وجسديًا. هذا المؤدب يتعهد الأطفال، فيقودهم في الشوارع ليُحضِرهم إلى المدرسة، ويدربهم على إيجاد متعة في قبول الأخبار السارة (الإنجيل) وخبرة الحياة المسيحية. عمله يتلاءم مع الطفولة حيث يدخل بالمؤمن من الطفولة إلى النضوج الروحي في المسيح (3: 25-29)، الذي يمنحه القدرة على ضبط النفس وإنكار الذات.

يُصلح الله قلوبنا باستخدام إبرة حديدية (الناموس) أولاً، ليمد بعد ذلك خيط الإنجيل الدائم والحب والسلام والفرح. في السيد المسيح تحققت كل مواعيد الله.

  • يقول (بولس) إن الناموس كان مؤدبنا إلى المسيح يسوع… لم يَعُقهم الناموس قط عن الإيمان بإبن الله، لا بل بالأحرى حثهم على ذلك بقوله إنه لا خلاص للإنسان من جرح الخطية القديم إلا بالإيمان به، هذا الذي أخذ شِبه جسد الخطية، وارتفع عن الأرض على خشبة الاستشهاد، جاذبًا الكل إليه (يو12: 32 ؛ 3: 14)، ومقيمًا الأموات[20].
 القديس ايريناؤس
  • إذ لم يدرك اليهود خطاياهم، وبالتالي لم يشتاقوا إلى المغفرة؛ أُعطِي لهم الناموس ليتحسسوا جراحاتهم، لعلهم يتوقون إلى طبيب…

الآن لا يتعارض المؤدب (الناموس) مع المعلم (السيد المسيح)، بل يتعاون معه، ينطلق بالشاب الصغير من كل رذيلة، ويُعِدُّه بكل رفق لكي يتقبل إرشادات معلمه. ولكن عندما تتشكل عادات الشاب حينئذ يتركه مُرشده كما يقول الرسول.

إذن، كان الناموس مرشدنا، وكنا نحن خاضعين؛ لم يكن عدوًا لنا بل كان عاملاً مع النعمة في تعاون؛ ولكن إن دُفِعْنا إلى أسفل بعد قبول النعمة يصير بهذا مضادًا لنا، لأنه يُقيد أولئك الذين يجب أن يتقدموا في النعمة، ففي هذا تحطيم لخلاصنا[21].

 القديس يوحنا الذهبي الفم
  • إله العهدين واحد؛ في العهد القديم أنبأنا عن المسيح الذي ظهر في العهد الجديد؛ الذي قادنا إلى مدرسة المسيح بواسطة الناموس والأنبياء… إن سمعت أحد الهراطقة ينطق بالشر على الناموس أو الأنبياء، أَجِبْهُ بصوت المخلص قائلاً أن المسيح لم يأتِ لينقض الناموس بل ليكمله (مت 5: 17)[22].
 القديس كيرلس الأورشليمي

إذ يقرأ القديس أثناسيوس كلمات القديس بولس أن الناموس المُعْطَى لليهود كمرشدٍ يتضمن الإيمان بالمسيح يوضح أنهم لم يفهموا ذلك ولا استطاعوا التلامُس مع الحق الذي نقتنيه والكامن في الناموس، لأنهم تمثلوا بالحرف ولم يخضعوا للروح[23].

يقول Dom B. Orchard: [الحياة الدينية في العالم – في نظر القديس بولس مَرَّت بثلاث مراحل من أيام إبراهيم مؤسس جنس اليهود:

  1. 1. مِنْ إبراهيم إلى موسى: خلال هذه الفترة كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، دون وجود ناموس بالمعنى الإيجابي (ما عدا الختان وحده الذي وُجِد في العهد الإلهي مع إبراهيم – تك17: 11).
  2. 2. مِنْ موسى إلى المسيح: خلالها كان التبرير يتحقق خلال الإيمان بالمواعيد، مع الالتزام بحفظ الناموس الذي تسلموه في سيناء بطريقة إيجابية (الذي يبرر هو الإيمان لا الناموس).
  3. 3. منذ عهد المسيح: يتحقق التبرير بالمسيح وبحفظ الإنجيل (وهو أسمى من أن يكون مجرد تجديد للتهود)[24].]

6. أبناء بالإيمان

مهّد الناموس الطريق للإيمان، وكمرشدٍ جاء بنا إلى السيد المسيح حتى نتبرر بالإيمان [24]. فما هو دور الإيمان في حياتنا؟ إياه يقودنا إلى الإنسان الكامل [25]، فإننا جميعًا أبناء الله بالإيمان بيسوع المسيح[25]. التبرير (dikaiosune)، الذي يعني في نظر القديس بولس عبورًا من حالة العداوة مع الله كثمرة للخطية الأصلية ومِنْ الخطية الفعلية إلى البنوة التي بها نقتني حياة المسيح الإلهية داخلنا، هي دائمًا هبة الله المجانية بمقتضى عطية الإيمان[26] العامل بالمحبة (غل 5: 6).

“التبني” كلمة قانونية رومانية تعني “احتلال مركز الابن” في وضع شرعي. جاء السيد المسيح ليفتدينا حتى لا نظل بعد عبيدًا تحت الناموس، وإنما نملك كل امتيازات الأبناء والورثة البالغين، فندعو الله “آبا الآب” (4: 6).

  • لم نعد بعد تحت مؤدب [25]، “لأنكم جميعًا أبناء الله[26]. يا للعجب! انظر! يا لعظمة الإيمان! ها يوضح الرسول ذلك تدريجيًا! قبلاً أظهر أن الإيمان يجعل منهم أبناءً لإبراهيم… الآن يبرهن أنهم أبناء الله أيضًا… بعد ذلك إذ يقول أنه لأمر عظيم ومدهش يوضح كيفية تبنيهم للَّه: “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح[27]… ما دام المسيح هو ابن الله وأنتم قد لبستموه، واقتنيتموه داخلكم، وتشكلتم على مثاله، صرتم أقرباء له واحدًا معه في طبيعته[27].
 القديس يوحنا الذهبي الفم
  • مع أن الكتاب المقدس يشهد بأن ربنا يسوع المسيح هو إبن الله الوحيد، يقول إن المسيح منحنا أن نصير إخوة وشركاء معه في الميراث، بهذا نلنا نوعًا من التبني خلال النعمة الإلهية [28].
  • “آبا” بالعبرية تطابق”Pater” في اللاتينية… كما أن العبارة “آبا الآب” تتضمن فكرة الجنسين: (الإسرائيليون والأمم)، فإن كلمة “أب” نفسها بمفردها تشير إلى قطيع واحد يتكون من الاثنين معًا[29].
القديس أغسطينوس

البسوا المسيح

  • لا تسمح لدنس أو غضن يدنس نقاوة ثوب الخلود، بل احفظ قداسه كل أعضائك، إذ تلبس المسيح؛ إذ يُقال: “لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (أف 3: 27). لتكن أعضاؤكم جميعًا مقدسة فتكون كمرتدية ثوبًا من القداسة والنور[30].
القديس باسيليوس الكبير
  • قد لبسنا المسيح بواسطة الماء والروح وإن كنا لم ندرك مجده[31].
القديس اسحق السرياني
  • إذ اعتمدتم في المسيح، ولبستم المسيح، تصيرون على شكل ابن الله[32].
القديس كيرلس الأورشليمي

واحد في المسيح!

يظهر شمول الإنجيل خلال الإشارات إلى العماد بكونه نتيجة لعمل الإيمان. فالمعمدون الجدد لا يلبسون المسيح فحسب (رو 4:13، أف 24:4)، وإنما يصيرون أيضًا واحدًا معه، يشتركون في صلبه ويتمتعون بالحياة الجديدة معه (20:2). مادام العماد يوّحد كل الأشخاص مع المسيح (1 كو 13:12) كما يربطهم أيضًا ببعضهم البعض، لأن جميعهم إخوة مات “المسيح لأجلهم” (1 كو 11:8؛ 15:14). لجميع المؤمنين رب بلا تمييز بينهم (رو 12:10-13؛ أف 11:2-22؛ كو 11:3)[33].

بالمعمودية نلبس المسيح [27] ونتحد كأعضاء معًا كأبناء لله فيه. “ليس يهودي ولا يوناني، ليس عبد ولا حر، ليس ذكر ولا أنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح[28]. نصير كلنا واحدًا، لنا ذات الميراث الذي وعد به ابراهيم. “فإن كنتم للمسيح فأنتم إذًا نسل إبراهيم وحسب الموعد ورثة [29].

  • هذا هو هدف السر العظيم من أجلنا. هذا هو غرض الله من أجلنا، هذا الذي صار إنسانًا وافتقر (2كو8: 9)، لكي يُحْيى أجسادنا (رو 11:8)، ونستعيد صورته (1كو15: 48)، ويتجدد الإنسان (كو3: 11) فنصير واحدًا في المسيح، الذي يعمل بكمال في جميعنا حتى إنه هو نفسه يكون حاضرًا، فلا يكون ذكر أو أنثى، بربري أو سكيثي، عبد أو حر، إنما تحمل ختم الله في أنفسنا، الذي به وله قد خُلِقْنا وأخذنا صورته ومثاله لكي نُعْرف بهذا وحده[34].
القديس غريغوريوس النزينزي

يقول القديس غريغوريوس النيسي: [إن خلقة طبيعتنا لها معنى ثنائي: طبيعة خُلِقتْ على مثال الله أفسدتها الخطية وجددها ربنا، وطبيعة تنقسم حسب تمايزنا (ذكر وأنثى)[35].]

[1] Our Lord’s Sermon on the mount, 1:9:25.

[2] In Galat., Chapter  3.

[3] In Galat., Chapter  3.

[4] A New Catholic Commentary, p. 1178.

[5] A New Catholic Commentary, p. 1178.

[6] Adv. Haer. 4:21:1; 4:7:2.

[7] In Galat., Chapter  3.

[8] In Galat., Chapter  3.

[9] A New Catholic Commentary, p. 1175.

[10] In Galat., Chapter  95.

[11] In Galat., Chapter  3.

[12] Four Discourses against the Arians, 2:47; Ep. 59 ad Epictetum, 8; De Synodis, 45.

[13] Of the Christian Faith, 5, 14, 178.

[14]Oration 37:1; The Fourth Theological Oration, 5.

[15] Against Eunomius 2:11.

[16] Against Marcion, 5:4.

[17] In Galat., Chapter  3.

[18] Sermons on N.T. Lessons 94:5.

[19] Sermons on N.T. Lessons 75:2.

[20] Adv. Haer. 4:2:5.

[21] In Galat., Chapter  3.

[22] Catech. Lect. 4:33.

[23] Festival letters, 19:2.

[24] A New Catholic Commentary., p. 1174.

[25] A New Catholic Commentary., p. 1174.

[26] A New Catholic Commentary., p. 1174.

[27] In Galat., Chapter  3.

[28] Sermons on New Testament Lessons 1: 28.

[29] The Harmony of the gospels, 3:4.

[30] Ep. 292.

[31] Hom. 64.

[32] On the Mysteries, Lect. 1: 1.

[33] Furnish, p. 291-292.

[34] Panegyric on his brother S. Caesarius.

[35] On the making of man 7, 8.

 

تفسير رسالة غلاطية 3 الأصحاح الثالثة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثانية – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني: دفاع عن رسوليته

من بين البراهين التي قدمها الرسول بخصوص رسوليته لقاءاته مع الرسل. في الأصحاح الأول تحدث الرسول عن اللقاء الأول مع القديس بطرس، الآن يحدثنا عن اللقاءين الثاني والثالث.

  1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس 1-10.
  2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس 11-21.

1. اللقاء الثاني مع القديس بطرس

حث اللَّه القديس بولس لزيارة قادة أورشليم مرة أخرى بعد مرور أربعة عشر عامًا على تحوله[1]، أو ربما بعد زيارته الأولى. يرى بعض الدارسين أن هذه الزيارة تطابق ما ورد في (أع11: 29-30) حيث قام الرسول بها ليسد احتياجتهم أثناء المجاعة.

تختلف هذه الزيارة عن السابقة من عدة أوجه:

  1. رافق القديس بولس برنابا (اليهودي) وتيطس (الأممي) [1]، ليُعلن حبه لكل المؤمنين، أيا كان أصلهم، ولكي يحملا شهادة جديرة بالثقة ضد متهميه، بأن الرسل لم يجدوا تعارضًا في كرازته بل أمَّنوا عليها.
  2. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن رحلته الأولى كانت بناء على رغبة الرسول لزيارة بطرس، أما هذه الرحلة فكانت بناء على إعلان الروح. فلماذا هذا الإعلان بعد أربع عشرة سنة ليصعد ويتشاور مع الرسل لئلا يكون على أي حال قد سعى أو يسعى باطلاً؟]
  • لو أنه صعد دون إعلان، لكان التصرف فيه جهالة… يقول: قد صعدت وعرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به، ليس لأتعلّم، وإنما لأقنِع المتشككين إنني لا أسعى باطلاً. إذ سبق فرأى الروح أن هذا الخلاف سيحدث، لهذا دبر أن يصعد الرسول ويتصل (بالرسل)[2].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. لم يكن هذا اللقاء مع صفا وحده، بل ومع المعتبرين أيضًا؛ تحقق هذا اللقاء لا بطريقة عامة بل انفراديًا [2]؛ لماذا؟
  • لو أنه أنتهك (طقس) الناموس أو مُنع الختان لاستاء كل من في أورشليم؛ كما يقول يعقوب: “أنت ترى أيها الأخ كم يوجد رَبوة من اليهود الذين آمنوا وهم جميعًا غيّورون للناموس، وقد أُخبروا عنك أنك تُعلّم… ألا يسلكوا حسب الناموس” (راجع أع 21: 20). إذ كانوا (اليهود المتعصّبون) يقاومونه، لهذا لم يطرح أمر تعليمه على الجماهير، لكنه تشاور بالإفراد مع المعتبرين[3]

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. يُشير إلى هدف زيارته ونتيجتها. هدفها هو عرض الإنجيل الذي يبشر به بين الأمم لمدة 17 (أو 14) عامًا على المعتبرين أعمدة، ليس لأنه كان متشككًا من جهة تعليمه، وإنما من أجل نفع قابلي الإيمان، فيجد سندًا له من القادة ولا يضايقهم المتهودون (الإخوة الكذبة) [4].
  • عظيمة هي رغبته أن يكون حاملاً تصديقًا ومساندة من أولئك الذين تحت كل الظروف ينظر إليهم كمتحالفين مع التهود[4].

العلامة ترتليان

  • هنا يبرز سؤال في غاية الأهمية: من كان هؤلاء الإخوة الكذبة؟ إن كان الرسل قد سمحوا بالختان في أورشليم، فلماذا يدعى الذين يشتركون معهم ويتفقون معهم في الحكم الرسولي “إخوة كذبة”؟

أولاً، لأنه يوجد فارق، بين الأمر بشيء لكي يتم وبين السماح به بعدما تم… أظهر (الرسل) سماحًا به كنوعٍ من التنازل لليهود، أما الإخوة الكذبة فقد أرادوا أن يحرموهم من النعمة ويخضعوهم تحت نير العبودية من جديد.

ثانيًا، سلك الرسل هكذا في اليهودية حيث كان الناموس نافذًا، أما الإخوة الكذبة فسلكوا في كل مكان، وتأثر الغلاطيون بهم، بهذا بدت نواياهم لا للبناء بل لهدم الإنجيل تمامًا…

أشار إلى عدائهم بدعوتهم جواسيس [4]، لأن هدف الجاسوس الأوحد هو أن يهيئ لنفسه ما يدمر ويخرب بمعرفته مركز عدوه المضاد؛ هذا ما فعله الذين أرادوا العودة بالتلاميذ إلى العبودية. هكذا يظهر كيف كان غرضهم مضادًا تمامًا لهدف الرسل. قدم الأخيرون امتيازًا بأن يحرروهم من عبوديتهم بالتدريج، أما الأولون فقد خططوا أن يخضعوهم لعبودية أكثر حدة[5].

القديس يوحنا الذهبي الفم

أصر القديس بولس ألا يخضع للإخوة الكذبة، بقوله: “الذين لم نذعن لهم بالخضوع ولا ساعة” [5].

  • لاحظ هنا قوة العبارة وتأكيدها. لا يقل “بالحوار”، وإنما “بالخضوع”، لأن هدفهم لم يكن تعليم العقائد الصالحة، وإنما إخضاعهم واستعبادهم، لذلك يقول إننا نذعن للرسل(6) وليس لهم…

وأما المعتبرون أنهم شيء مهما كانوا لا فرق عندي. الله لا يأخذ بوجه إنسان[6]. هنا ليس فقط لا يدافع عن الرسل؛ وإنما أيضا يهاجم هؤلاء القديسين من أجل نفع الضعفاء…

فإن هؤلاء المعتبرين لم يشيروا عليّ بشيء[6]… لم يعارضني الرسل بل تآلفت آراؤنا وتوافقت. هذا يظهر من التعبير “أعطوني يمين الشركة” [9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

لم تنحصر هذه المقابلة في عدم إضافة شيء إلى إنجيله فحسب، وإنما أخذوا قرارات خاصة بتقسيم حقل الخدمة إلى كرازة لليهود وأخرى للأمم. فصارت كرازة القديس بولس الرئيسية وسط الشتات، أي للأمم (واليهود) الساكنين خارج فلسطين. أما القديس بطرس ورفقاؤه فيستمرون في مزاولة عملهم الكرازي في فلسطين (أورشليم) [7-9]. لاحظ مرة أخرى مدى حرص القديس بولس على تقديم نفسه كرسولٍ على نفس المستوى تمامًا مع الرسول بطرس, وإنه لا يوجد إنجيلان، إنما هما إرساليتان لإنجيلٍ واحدٍ حق، وذلك بمثابة إعلان عن وحدة الكنيسة والوحدانية في المسيح للاثنين معًا اليهود والأمم مبنيين على وحدة الإيمان.

يرى كثير من المفسرين أن (أع 15: 1-29) يقابل ما ورد هنا حيث يحسب ما جاء هنا تكملة لما حدث في مجمع أورشليم.

أشار القديس بولس إلى تيطس الأممي غير المختون ذاكرًا أن المعتبرين أعمدة لم يُلزموه بالختان [3-5]. يعتقد بعض المفسرين أن التشديد هنا على كلمة “يلزموه“، وأن تيطس حقًا قد وافق أن يختتن بناء على حوار مع بولس يخص علاقته بأورشليم[6]، فصار موقف تيطس شهادة على إقراره الأعمدة في الكنيسة على إنجيل بولس .

أما “يمين الشركة” التى أعطيت لبولس فيراها القديس أغسطينوس تعنى: [علامة التناغم والتوافق، أن ما أخبرهم به لا يختلف عن (منهجهم) بأي وجه من الوجوه[7] .]

يذكر القديس بولس اعتناءه بالفقراء من اليهود [10]. فإن كان من جهة الكرازة قسّم العالم بينهم، فصار هو كارزًا للأمم وهم لليهود، لكن بخصوص الاهتمام بالفقراء من اليهود ساهم بنصيبه (رو25:15).

2. اللقاء الثالث مع القديس بطرس

تم هذا اللقاء بعد عام 50م, قبل كتابة هذه الرسالة. فقد جاء القديس بطرس إلى أنطاكية وهى مركز عمل كرازي مسيحي أممي واختلط في حرية مع جميع المؤمنين القادمين من الوثنية كما من اليهودية. ولكن عندما وصلت مجموعة من المتهودين قادمين من أورشليم بدء بطرس يتراجع عن الرفقاء وشركة الطعام. لاحظ القديس بولس إن كثيرين من اليهود المسيحيين بدأوا يحتذون به لذلك واجهه كرسول مثله ووبخه علانية.

هنا يستشهد القديس بولس بكلماته التي وجهها للقديس بطرس [15-16] عندما وبخه، ليؤكد حقيقة توافقهم المشترك، أن التبرير بالنعمة لا بطقوس ناموس موسى، وأيضا ليُظهر أن سلوك القديس بطرس لم يقم على تغير فكري جوهري بخصوص طبيعة الإنجيل ومضمونه، إنما بسبب انضمامه برياء ليمثل أناسًا معينين. هدف القديس بولس في رسالته إلى غلاطية ليس سردًا تاريخيًا وإنما الإرشاد[8].

يرى العلامة ترتليان والقديسون أغسطينوس وكبريانوس وأمبروسيوس وكيرلس الاسكندري أن القديس بطرس سلك هكذا عن ضعف؛ أما القديسان جيروم ويوحنا الذهبى الفم فلهما رأي مخالف، وهو أنه سلك هكذا ليعطي القديس بولس رسول الأمم الفرصة ليشرح أن التبرير بالإيمان لا بأعمال الناموس.

  • كثيرون عند قراءتهم السطحية لهذا الجزء من الرسالة يظنون أن بولس قد اتهم بطرس بالرياء. لكن الأمر غير هذا؛ حقًا لم يكن هكذا، بل كان مختلفًا تمامًا. فستكتشف حكمة عظيمة من جهة الاثنين: بولس وبطرس مختفية هنا لأجل منفعة السامعين…

صرح الرسل في أورشليم كما قلت سابقًا أن قطع أعمال الناموس بطريقه مفاجئة أمر غير عملي؛ لكنهم عندما جاءوا إلى أنطاكية لم يستمروا في حفظها، بل عاشوا دون تمييز بين المؤمنين القادمين من الأمم، هذا ما فعله بطرس أيضًا في ذلك الحين. ولكن عندما جاء البعض من أورشليم، وسمعوا عن التعليم الذي نُودي به هناك توقف (بطرس) خوفًا من أن يربكهم، مغيرًا تصرفاته، واضعًا سرًا أمام عينيه أمرين: هما تجنب الإساءة إلى اليهود وإعطاء الفرصة لبولس بحجه معقولة أن يوبخه.

لقد سمح بالختان عند تبشيره في أورشليم ثم غير مسلكه في أنطاكية، لأن مسلكه كان يبدو لدى هؤلاء المتهودين ناشئًا عن خوفه من بولس، وبهذا كان تلاميذه يدينونه على تهاونه الشديد. هذا (أي بقاؤه يأكل مع المؤمنين من الأمم غير المختونين) كان يخلق عثرة ليست بقليلة، أما بالنسبة لبولس الذي كان على علمٍ يقينٍ بكل الحقائق، فإن انسحاب بطرس ما كان يسبب تشككًا فيه، إذ هو عارف ما هيّة دوافعه في هذا التصرف. لهذا قام بولس بالتوبيخ وخضع بطرس حتى إذ يُلام السيد ويصمت تمكن للتلاميذ أن يتقبلوا الموقف…

كما خضع بولس للرسل في أورشليم، خضعوا هم له بالمثل في أنطاكية.

  • لم يكن هدف بولس إصلاح بطرس، لكنه قصد بالنقد القاسي الموجه إليه إصلاح التلاميذ، ليس فقط الذين في غلاطية بل وكل الذين يشتركون في ذات الخطأ[9].

القديس يوحنا الذهبى الفم

ذُكرت هنا كلمات التحذير والإرشاد الموجه إلى القديس بطرس بقصد نفع الغلاطيين. في هذه الكلمات يصف القديس بولس نفسه كيهودي بالميلاد أو بالطبيعة [15]، ثم يسترسل مؤكدًا أن هذا الميراث اليهودي في ذاته ليس طريقًا للتبرير (انظر في 2: 3 – 11)،  فالأمم في نظر اليهود خطاة [15]، لأنهم لم يشاركوا في الميراث اليهودي القومي ممثلاً في الناموس والعهد. أما بالنسبة لبولس فاليهود كما الأمم خطاة (رو 3: 2223). الجميع على حد سواء يحتاجون إلى نعمة الله التي يتقبلونها خلال الإيمان (رو 24:3 – 25)[10] .

في نظر القديس بولس، الأبعاد الجذرية للخطية هي الكبرياء والافتخار، الأمر الذي إستُعبِد له كل من اليهود (رو 17:2، 23) والأمم (1 كو 19:1-31).

عبرَّت الآيات (19-21) عن الأوجه الأساسية للحياة الجديدة:

  1. لأني مُت بالناموس للناموس لأحيا لله [19], يموت المسيحي للناموس إذ يشارك المسيح في صلبه وقيامته [20]، فيبلغ بهذا الحياة الجديدة، الحياة المقامة، وهكذا يتجرد حكم الناموس من قوته.
  • يمكن أن يُفهم بمعنى آخر: يطالب الناموس بتنفيذ كل وصاياه، معاقبًا من يعصيها، لهذا صرنا نحن جميعًا أمواتًا للناموس، إذ لا يوجد من يتمم كل الوصايا. لاحظ هنا قوله: “لأني مت“، إذ لم يقل: “مات الناموس لي”، إنما “مت أنا للناموس”، بمعنى أنه كما يستحيل على جسد ميت أن يطيع أوامر الناموس، هكذا بالنسبة لي أنا الذي هلكت بلعنته وقتلتني كلمته (حكمت علىٌ بالموت).
  • لئلا يعترض أحد قائلاً إنه يجب أن أكون موضوعيًا: كيف أنت حي مع إنك قد “مُت”؟ لذلك يضيف علة حياته، مظهرًا أنه حين كان حيًا قتله الناموس، وإذ صار ميتًا أحياه المسيح بالموت.
  • لأني مت بالناموس للناموس، لأحيا لله[19]، بمعنى أنه بالتفسير الروحي للناموس مات عن التفسير الحرفي (الجسدي) له. ونحن بناموس ربنا يسوع صرنا أمواتًا للناموس الذي يعاقب بهذه الأحكام المهلكة[11].

 القديس أمبروسيوس

  1. مع المسيح صُلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ؛ فما أحياه الآن في الجسد فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله الذي أحبني، وأسلم نفسه لأجلى[20]. لقد صُلب ربنا لا لأنه خاطىء وإنما لكي يفدي بحبه الخطاة. ونحن، كأعضاء جسده يليق بنا أن نشاركه حبه العملي خلال:

* صلبنا معه               (20).

* صلب الجسد             (24:5).

* صلب العالم لنا           (6: 14).

* صلبنا نحن للعالم         (14:6).

بهذا الصلب أقبل (السيد المسيح) بكونه قيامتي وحياتي، قائلاً إنني مع المسيح صُلبت، لكنني أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيٌ (كو 4:3).

مع المسيح صلبت [20]0 يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن هذه الكلمات تشير إلى ألمعمودية. بالشركة مع المسيح في صلبه وموته يموت الشخص عن إنسانه القديم، ويتحرر من طاغية الماضي ومن (محبة) العالم ومن الأنا ego0 وبالشركة في قيامة المسيح يعيش الإنسان لله متحررًا من أجل ممارسة الحياة الملتزمة وقبول الطاعة بشكر.

مع المسيح صلبت؛ الصيغة اليونانية (فعل تام) تشير إلى أن الحالة التي اكتسبها الإنسان يوم تبريره بالمعمودية لا تزال قائمة[12].

  • مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيٌ، حياتنا يا إخوتي ما هي إلا جحد للجسديات، والاستمرار بثبات فيما يخص مخلصنا وحده.
  • لأن هذه هي الحياة الحقة التي يعيشها الإنسان في المسيح، فبالرغم من أن (المؤمنين) أموات عن العالم لكنهم يعيشون كمن هم في السماء، مهتمين بالأمور العلوية. من يحب مثل هذه السكنى يقول: “إن كنا نسير على الأرض لكننا نقطن في السماء”[13].

 البابا أثناسيوس الرسولى

  • التعبيرأحيا لا أنا” يصدر عن صوت من يجحد نفسه؛ يلبس المسيح ويلقى ذاته جانبًا، وذلك لكي يسكن المسيح فيه بكونه البرّ والحكمة والتقديس وسلامنا (1 كو 30:1؛ أف 14:2)، وقوة الله، الذي يعمل كل شيء فيه[14].

العلامة أوريجينوس

يقول العلامة أوريجينوس: [أن السيد المسيح يحيا فينا [20]، لهذا عند صلبه قال لأمه بخصوص القديس يوحنا: “يا إمرأة هوذا ابنك ” (لأن السيد المسيح ساكن فيه)، وهكذا كل من يصير كاملاً لا يحيا لذاته بل يحيا المسيح فيه.]

  1. تُمارس الحياة الجديدة ونحن في الجسد [20]، أي ونحن بعد في العالم. لا يفترض القديس بولس مطلقًا أن الحياة المسيحية تستوجب الانسحاب من العالم، إنما بالإيمان يشترك المؤمن وهو في العالم في صلب السيد المسيح و قيامته، فيموت عن الإنسان العتيق و يحيا لله في المسيح.
  2. يُعرف القديس بولس مضمون هذا الإيمان ودافعه إنه إيمان ابن الله الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي. فالصلب هو عمل قراري فيه عطاء الذات (النفس) للغير من أجل الحب (4:1). أننا ننتفع بآلام السيد المسيح بالإيمان، حيث ننالها في طاعة شاكرة لوصية الحب (6:5؛ 13=25؛ يو 13:9). الحب هو تسليم كامل غير مشروط لإرادة الله وهو عطاء النفس للغير؛ هذا ما يعلنه حب الله الذبيحي على الصليب.

براهين القديس بولس في سطور

* يرى اليهود أنهم ليسوا خطاة كالأمم [15]. لهذا كانوا في حاجة إلى أعمال الناموس، ليكتشفوا إنهم خطاة، وفي حاجة إلى مخلص الخطاة. أما الأمم الذين لم ينكروا أنهم خطاة فليسوا في حاجة إلى الناموس.

* عندما آمن اليهود بالسيد المسيح مخلص الخطاة اعترفوا أنهم خطاة؛ وعودتهم إلى أعمال الناموس بعد قبولهم بالإيمان يعنى عجز المسيح عن أن يبررهم فيرجعون إلى الناموس كي يبررهم. وكأنهم يرجعون إلى الناموس كخطاة، فيُحسب المسيح خادم الخطية؛ حاشا![15] بمعنى آخر كأنهم يُعلنون أنهم بالمسيح اكتشفوا أنهم خطاة ويحتاجون إلى الناموس ليبررهم.

يجدر بنا ملاحظة أن القديس بولس لم يرفض التقليد اليهودي بكليته. فقد اقتبس في هذه الرسالة من التقليد اليهودي، بل واستخدم هذه الاقتباسات ليؤكد أنه ليس فقط الأمم وإنما اليهود أيضًا يجب أن يتبرروا بالإيمان. استخدم الاقتباسات ضد المتهودين أنفسهم[16]، كما سنرى في الأصحاحين الثالث والرابع.

القديس بولس والحياة الكنسية

كما سبق فرأينا، أكد القديس بولس أنه لم يكن تلميذًا لأي رسول، وإنما كان مساوٍ لهم، وذلك لأجل نفع سامعيه. هذا لا يعنى أنه حمل اتجاهًا فرديًا منعزلاً. فقد دعاه السيد المسيح نفسه ومع ذلك وجهه إلى حنانيا، لا ليعتمد فحسب وإنما لكي يتعلم (أع 6:9). وهبه الله استنارة الذهن والقلب، وأعلن له أسراره من أجل الطريق الجديد: التبشير بين الأمم. حتى في هذا كان على اتصال بالرسل أيضًا، لا عن تشكك، وإنما لإعطاء قوة لرسالته، وللدفاع عن نفسه أمام الإخوة الكذبة.

  • عندما دعا المسيح بشخصه بولس وتحدث معه، كان يمكنه أن يفتح أمامه طريق الكمال مباشرة، لكنه بالحرى اختار أن يوجهه إلى حنانيا، وأوصاه أن يتعلم منه طريق الحق (أع 6:9).

يقول “وإنما عرضت عليهم الإنجيل الذي أكرز به بين الأمم، ولكن بالإنفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً[2]. ولكن إذن يعتمد على نفسه وحده ويكون أعمى إذ يتجاسر ويثق في حكمه الذاتي وتمييزه، بينما يعترف الإناء المختار أنه كان في حاجة إلى الاجتماع مع رفقائه الرسل! هكذا نرى بوضوح أن الرب نفسه لا يُظهر طريق الكمال لمن أُعطيت له فرصة التعلم، لكنه يحتقر تعاليم الشيوخ واختباراتهم، غير مبالٍ بالقول: اسأل أباك فيخبرك وشيوخك فيقولون لك (تث 7:32)[17].

الأب موسى

[1] A New Catholic Commentry, p. 1176.

[2] In Galat., Chapter 2.

[3] In Galat., Chapter 2.

[4] Against Marcion, 5:3.

[5] In Galat., Chapter 2.

[6] V. P. Furnish. P. 282.

[7] Sermons on New Testament Lessons, 51:1.

[8] V. P. Furnish, p. 285.

[9] In Galat., Chapter 2.

[10] V. P. Furnish, p. 286.

[11] Sermon against Auxentius, 24.

[12] A New Catholic Commentary, p. 1178.

[13] Festal Letters 5:4; 7:3.

[14] Comm. On Matt. Book 12:25.

[15] A New Catholic Commentary, p. 1178.

[16] Collegeville Bible Comm. P. 1075.

[17] Cassian, Conferences, 2:15.

تفسير رسالة غلاطية 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الأول إنجيل واحد

يبدأ القديس بولس رسالته بمقدمة تضم تحية تحمل الفكر اللاهوتي للرسالة في مجملها، يلحقها بالكشف عن سبب الكتابة، حاثًا إياهم على الرجوع إلى إنجيل المسيح الواحد بعيدًا عن فكر المتهودين، مؤكدًا صدق رسوليته.

  1. التحية 1-5.
  2. ظروف الكتابة 6-10.
  3. دفاعه عن رسوليّته 11-23.

1. التحية

يقول Lighfoot G.A.: [ارتبط الخطان الممتدان خلال هذه الرسالة – دفاع الكاتب عن رسوليته وتأكيده عقيدة النعمة – معًا في التحية الافتتاحية.]

    1. بولس رسول، لا من الناس، ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح واللَّه الآب[1.] يوضح القديس بولس كمال سلطانه الرسولي من الكلمة الأولى للرسالة، إذ لم يُرسل بناء على دعوة بشرية، ولا تلقى تعليماته بطريقٍ بشريٍ،، بل اختاره اللَّه مباشرة بطريقة إلهية كسائر الإثنى عشر.
  • لقد عمده حنانيا، لكنه ليس هو الذي خلصه من الطريق الخاطئ ولا هو الذي حثه على الإيمان، بل المسيح نفسه بعث إليه صوته العجيب من الأعالي وطوقه في شبكته…

يُعلن لوقا بكلماته: “وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول” (أع 13: 2). واضح – في هذه العبارة – أن سلطان الابن والروح واحد، فعندما يقول إنه مرسل من الروح إنما يقول إنه مرسل من المسيح[1].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. إذ تركز الرسالة على الحرية العملية في المسيح، يشير هنا إلى الآتي:

أ. أنه مُعّين بربنا يسوع المسيح [1]، لهذا لا يُخضع نفسه لعبودية إرضاء الناس.

ب. يُشير إلى يسوع القائم من الأموات [1]، إذ يهبنا بقيامته التحرر من الموت. الآب الذي أقام السيد المسيح المصلوب من أجل خطايانا يقيمنا نحن من خطايانا (مصدر الموت الأبدي). خلال الحياة المقامة في المسيح ننعم بطهارة الجسد، ونتحرر من عبودية شهوات الجسد.

قامت رسوليته على دعوة من المسيح المُقام؛ فإن كان لم يُختر من بين التلاميذ (أثناء وجود السيد المسيح على الأرض)، لكن الرب نفسه اختاره بعد قيامته كشاهدٍ حقيقيٍ للقيامة.

ج. يُشير الرسول إلى العالم الحاضر الشرير [4]، لأن فادينا يحررنا من عبودية ما نظنه ذا قيمة في هذا العالم. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول لا يقصد بقوله “الحاضر” الزمن، إنما يعني الأعمال والظروف المحيطة. [إنه يظهر لنا بأن المسيح يخلصنا ويهبنا طمأنينة من جهة المستقبل… لم يحقق الناموس شيئًًا من هذين الأمرين، إنما النعمة هي التي كان لنا فيها الكفاية لإشباع احتياجاتنا[2].]

د. يُشير إلى اللَّه بكونه أبانا [4]، الذي له المجد إلى أبد الآبدين [5.] فإننا ندرك الحرية خلال بنوتنا له، فنجد موضعًا لنا في أحشائه المجيدة، لنعيش فيها أبديًا.

  • هكذا في كل حنايا الرسالة، حتى في المقدمة، ينشر (الرسول) صلاح اللَّه لندرك كلماته هكذا: يا من كنتم قبلاً عبيدًا وأعداء وأجنبيين، من أعطاكم أن تكتسبوا حق دعوة اللَّه أبًا لكم فجأة؟ لم يهبكم الناموس هذه العلاقة، فلماذا تهجرون (المسيح) الذي جاء بكم إلى القربى للَّه وتعودون إلى معلمكم (الناموس)؟
  • لم يقل فقط “الآب” بل قال “أبوكم”، حتى يؤثر عليهم، مُظهرًا أن المسيح جعل أباه أبانا[3].

القديس يوحنا الذهبي الفم

ه. الحرية المسيحية حب، لذا نراه يتحدث بلغة الجماعة، علامة حبه للجميع، فيرسل إليهم لا تحيته وحده بل تحية الإخوة الذين معه، ربما يقصد الشعب كله حيث كان يكتب، أو مجموعة الرفقاء الذين كان يرتحل معهم. جاءت تحيته هنا فريدة من جهة ذكره هذا التعبير، ربما لكي يُعلن أن ما يكتبه هنا لا ينبع عن فكرٍ شخصيٍ خاص، إنما هو عقيدة الكنيسة (الجماعة المقدسة). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: ]أراد أن ينزع عنهم تشككهم (إنه كان بمفرده في كرازته)K ولكي يظهر أن كثيرين يعضدونه في عقيدته بمعنى أن ما يكتبه إنما كان بموافقتهم[4].]

و. الحرية هي نتاج النعمة الإلهية، إعلان الحب الإلهي نحو المؤمنين ليهبهم سلامًا داخليًا، كحالة تمس العقل، ثمرة لهذا الحب. لهذا نراه يُشير إلى النعمة وبعد ذلك السلام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان (الغلاطيون) في خطر السقوط من النعمة، لهذا يصلي بولس من أجل استرجاعها ثانية، وإذ صاروا في حالة حرب مع اللَّه يتضرع إلى اللَّه بأن يرد إليهم ذات السلام (الذي فقدوه).]

ز. صرنا أحرارًا بالصليب [4]؛ إذ هو الجسر الواحد الوحيد الذي يؤدي إلى المصالحة بين اللَّه والإنسان. فقد أخلى ذاته عن مجد العرش ليحرر نفوسنا الملوثة بالخطية ويهبنا برّه، مقدمًا الثمن عن البشرية. ليس أحد بارًا أمام اللَّه، إنما البرّ هي عطية إلهية كلفت الآب ابنه مبذولاً.

  • يقول الرسول “لأجل خطايانا” [1]؛ فقد طعنا أنفسنا بربوات الشرور، واستحققنا أشد العقوبات؛ ولم ينقذنا الناموس بل أداننا، جاعلاً الخطية أكثر وضوحًا، دون أن تكون لديه إمكانية خلاصنا منها أو منع غضب اللَّه عنا. لكن ابن اللَّه جعل المستحيل ممكنًا، لأنه غفر خطايانا، وردنا من حالة العداوة إلى الصداقة، مانحًا إيانا بركات مجانية بلا حصر[5].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

ح. «آمين»: لقد ختم تحيته بذكصولوجية (تسبحة شكر للَّه) تتجلى فيها طبيعة ملكوت اللَّه الأبدية بالمقابلة مع العالم الحاضر الشرير.

  • لن نجد في مقدمة أية رسالة كلمة “آمين”، إنما استخدم هذه الكلمة في بداية الرسالة ليظهر أن ما قاله قبلاً فيه الكفاية ضد اتهامات الغلاطيين، وأن مجادلاته قد كملت. فإن الخطأ الواضح لا يحتاج إلى تجريم مفصل. تحدث (في المقدمة) عن الصليب والقيامة والخلاص من الخطية، وتأمين المستقبل، وغاية الآب، وإرادة الابن، والنعمة والسلام وكل عطاياه الكاملة، خاتمًا كلامه بالتسبيح[6].

القديس يوحنا الذهبي الفم

هكذا، يُعلن الرسول في تحيته الرسولية بطريقة غير مباشرة عن حريتنا المسيحية من عبودية إرضاء الناس، ومن الموت والخطية والشهوات الجسدية والعالم الحاضر الشرير ومن الشيطان.

“إلى كنائس غلاطية” [2.]

  • هكذا يتضح أن لهيب الخطأ قد امتد ليشمل كل شعب غلاطية وليس فقط إلى مدينة أو مدينتين.

لاحظ أيضًا ما حملته العبارة من إهانة خطيرة ضدهم… إذ لم يقل “إلى المحبوبين” ولا “إلى القديسين”، حاذفًا كل لقبٍ يمكن أن يحمل مشاعر حب أو احترام لهم، مخاطبًا إياهم كجماعة مجردة دون ذكر “كنائس اللَّه”، معبرًا بهذا عن عمق حزنه وأسفه عليهم[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

2. ظروف الرسالة [6-11]

  1. يتعجب الرسول أن الذين قبلوا الإيمان على يديه في غلاطية يتحولون هكذا سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح كما إلى إنجيل آخر، وهو ليس آخر، إنما يضيفون إليه حفظ طقوس الناموس الحرفية كمصدر خلاصهم. أما هو فقد كرز فقط بالإنجيل (الأخبار السارة) لأهل الختان كما لأهل الغرلة.
  • كلمة “(إنجيل) آخر” يعني بها السلوك الذي تأمر به (الشريعة)، لا من جهة العبادة، وإنما من جهة النظام نفسه (حرفية ممارسة الطقس كختان الجسد وحفظ السبت بطريقة ناموسية الخ.)؛… عمل المسيح هو دعوة الناس من الناموس إلى النعمة[8].

العلامة ترتليان

  • لقد نادوا في الواقع بوصية أو وصيتين – الختان وحفظ الأيام – لكنه بقوله أن الإنجيل قد تحول يعني أن الانحراف البسيط يفسد الكل… الافتقار إلى الحماس في الأمور الصغيرة يسبب كل الكوارث التي تحل بنا، فإننا إذ نهمل تصحيح أخطائنا الهينة كما يليق نعطي الفرصة للأخطاء الجسيمة أن تتسلل داخلنا. كما يحدث بالنسبة للجسد فإن إهمال الجراحات يسبب حمى ثم موتًا، هكذا في النفس تفتح الشرور الهينة الباب للخطيرة… بهذا تدرك لماذا يدعو بولس الختان تحولاً عن الإنجيل[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. ما يثير الدهشة في افتتاحية الرسالة خلوها من تقديم “الشكر” للَّه، الأمر الذي اعتاده الرسول في رسائله الأخرى حيث يقدم شكرًا من أجل إيمان قارئيه أو حبهم. ربما تعمد ذلك ليكشف عن قلقه وغضبه، ليس فقط من جهة المعلمين الكذبة ولكن من أجل قارئيه أيضًا.
  2. بالمقابلة مع ما ورد في الرسالة إلى أهل فيلبي (9: 20-23)، يفرح الرسول لأن مقاوميه يكرزون بالإنجيل، أما هنا فلا يظهر أي استعداد للتساهل معهم. المقاومون في فيلبي بشروا بالإنجيل الحق بالرغم من عدم إخلاصهم، أما هنا فالمقاومون لا يكرزون بالإنجيل الحق، ويلزم ألا يلتفت إليهم بغض النظر عن إخلاصهم أو عدمه، ومهما كان موقفهم الشخصي منه.
  3. ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن أناثيما“. [8-9]
  • تأمل حكمة الرسول، كيف يضم نفسه في الأناثيما حتى يتحاشى الاعتراض بأنه متعال بالمجد الباطل في مدحه لتعليمه الخاص. هنا أيضًا يذكر الملائكة، لأن (المعلمين الكذبة) التجأوا إلى السلطة، أي إلى سلطان يعقوب و يوحنا… وقد أضاف “من السماء” عمدًا، لأن الكهنة أيضًا يدعون “ملائكة”[10].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يذكر نفسه أولاً (في الأناثيما)، معبرًا عن نفسه هو كمثال. فإن كان بالنسبة له هو لا يقدر أن يكرز بإنجيل آخر، فإنه ولا حتى ملاك يقدر أن يفعل ذلك[11].

العلامة ترتليان

  • لا توجد أية شركة بين كلمات القديسين واختراعات البشر المبتكرة من خيالتهم، لأن القديسين خدام الحق، يكرزون بملكوت السموات، أما السالكون في الاتجاه المضاد فليس لديهم أفضل من الأكل حاسبين أن نهايتهم فناء.

 القديس أثناسيوس السكندري

  1. أفأستعطف الآن الناس أم اللَّه؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح [10.]

يدرك القديس بولس أن ربنا يسوع المسيح هو محررنا من عبودية طلب مديح الناس والمجد الباطل. بمثل هذه الحرية يتحدث إليهم أنه يرضى محرره ومخلصه وليس أي مخلوق.

  • يقول القديس بولس: لنفترض أنني أخدعكم بهذه التعاليم، فهل أستطيع أن أغش اللَّه العارف أفكاري التي لا ينطق بها، فإنني أرضي من أسعى إليه بلا توقف؟ أنظر الروح الرسولية، السمو الإنجيلي!… فإنه إذ كان مضطرًا أن يبرر نفسه أمام تلاميذه بكونه معلمهم، فهو يخضع لهم (طالبًا حكمهم عليه)…
  • واضح أنني أكتب إليكم لا من منطلق حب السلطة أو لكي أقتنى لي تلاميذ، أو حتى لأجد كرامة لديكم، إنما أسعى لأرضي اللَّه لا إنسانًا، وإلا كنت قد بقيت في توافق مع اليهود اضطهد الكنيسة. إنني قد هجرت وطني ورفقائي وأصدقائي وأنسبائي وكل صيتي، وعِوض هذا كله قبلت اضطهادات وعداوة ونضالاً ضدي وتهديدات يومية بالموت؛ هذه جميعها برهان واضح أنني لا أتكلم حبًا في مديح الناس.

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  • يقول الرسول: فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح، بينما يقول في موضع آخر: “كما أنا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا”(1 كو 10: 33)… يقول إنه لا يرضي الناس، لأنه اعتاد أن يسلك بالحق، لا ليرضي الناس وإنما لكي يرضي اللَّه، وذلك بحبه لأولئك الذين يشتهي تغيير قلوبهم، عاملاً ما يرضيهم. لهذا فهو على صواب عندما يقول ما يقول إنه لم يرضِ الناس لأنه بهذا هدف إلى إرضاء اللَّه، وهو أيضًا على حق عندما علّم بسلطان أنه يجب إرضاء الناس، لا لكي نظن أن في هذا مكافأة على أعمالنا الصالحة وإنما لأن من لا يبذل نفسه ويتشبه بمن يشتهي خلاصهم لا يقدر أن يرضي اللّه[12].

القديس أغسطينوس

  • لقد كفَ عن إرضاء الناس عندما صار خادم المسيح، جندي المسيح يسير في صيت رديء وصيت حسن (2 كو 6: 8)،… لا ينتفخ بالمديح، ولا يحطمه التوبيخ. لا يتعالى بالغنى، ولا يتقوقع على نفسه بسبب الفقر. يحتقر الفرح والحزن على السواء.
  • الفضيلة الأولى للراهب هي الازدراء بحكم الناس عليه[13].

القديس جيروم

  • لقد زُفت (نفسك) للمسيح فلا تستهن به؛ لقد صيّرك الروح كاملاً، فلا تساوي نفسك به.

يقول بولس: فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح… إنني أكرّم بطرس، لكنني لا أُدعى بطرسيًا، وأمدح بولس لكنني لا أُدعى قط بولسيًا. لا أسمح لنفسى أن أُلقب منتسبًا لإنسان مولود من اللَّه (بالتبني).

إن كنت تُدعى مسيحيًا، لأنك تؤمن بالمسيح أنه اللًّه، فليبق لقبك إلى الأبد، ولتتمسك بالإثنين: اللقب والإيمان، أما إن كان ارتباطك باسم المسيح ينبع عن مشاعر مجردة، فإنك تُنسب إليه كما إلى أسماء أخرى اكتسبتها عن ممارسة أو وقائع[14].

القديس غريغوريوس النزينزي

3. دفاعه عن رسوليته (11:1،2: 14)

قال المتهودون إن بولس لم يكن رسولاً حقيقيًا، فهو لم يرَ المسيح ولا رافقه؛ إنما الإثنا عشر وحدهم هم بالحقيقة تلاميذ، وهم لم يشيروا إلى إلغاء الناموس بالمسيح. لم يرسل المسيح بولس للتبشير، إنه مجرد ممثل للرسل الأصليين الذين تعلم منهم واعتمد عليهم[15]. وقد جاء دفاع بولس عن رسوليته نابعًا لا عن شعوره بجرح كبريائه، وإنما من أجل قارئيه الذين يتوقف قبولهم لتعاليمه على ثقتهم في موقفه الرسولي.

  1. تعليمه مخوّل له من الله نفسه [10-24.] الله وحده هو الذي استطاع أن يحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارزٍ في وقت قصير. لقد قبل إنجيله من الرب مباشرة، الذي تنازل وأعلن له كل معرفة دون وساطة بشرية. لقد أخذ الرسول موقفًا حازمًا، وهو أن كل من تجاسر بالكرازة بإنجيل آخر غير الذي بشر به هو في زيارته الأولى التأسيسية لهذه الكنائس فليكن محرومًا، إذ هم بالحق مدانون من قبل الله. ما بشر به هو الأخبار السارة، لا توجد غيرها أخبار سارة!
  • إن سُئِلَ بولس أن يثبت بأن اللَّه نفسه هو الذي أعلن له أسراره غير المنطوق بها مباشرة، وهو يقدم حياته الماضية مثالاً مبرهنًا أنه لو لم يكن تحوّله بإعلان إلهي لما حدث ذلك بطريقة مفاجئة[16].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. يُذَّكر القديس بولس قارئيه بالخلفية اليهودية التي عاشها، وأسلوب حياته قبل تمتعه بخبرة التحول في الطريق إلى دمشق. كان قائدًا في الديانة اليهودية يحتل مقامًا عظيمًا، الأمر الذي يجاهد المتهودون الناموسيون المقاومون له أن يبلغوه بمزج إنجيل النعمة بالأفكار اليهودية الحرفية. كان يضطهد المسيحيين بإفراطٍ شديدٍ، وكان يتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه من بني جنسه، إذ كان أوفر غيرة في تقليدات آبائه، وأكثرهم عملاً وحماسًا. لكنه ترك هذا من أجل ما هو أفضل. لقد أخذ إعلان النعمة بطريقة إلهية، وصرح به قبلما يرى أحدًا من الرسل الآخرين بزمنٍ طويلٍ.
  • هذا هو بُرهانه؛ إن كانت جهودي ضد الكنيسة نبعت عن باعث ديني لا بشري، مع أن غيرتي كانت خاطئة، فكيف يحركني المجد الباطل وأنا أناضل لحساب الكنيسة وقد اعتنقت الحق؟… ما أن اجتزت إلى تعاليم الكنيسة حتى تخلصت من تعصبي للديانة اليهودية، مظهرًا بهذا غيرة أكثر اتقادًا كدليل على إخلاصي في تحولي، وأن الغيرة التي تملكتني هي من فوق. أية دوافع أخرى إذن أمكنها أن تدفعني إلى هذا التغيير، إذ قايضت الكرامة بالازدراء، وعِوض الطمأنينة دخلت في ضيقات؟ حقًا لا شيء سوى محبة الحق[17].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. حقًا حدث تحوله وهو في الطريق إلى دمشق حين كان يضطهد كنيسة المسيح، بل يضطهد المسيح نفسه من أجل “التهوّد”. لكن دعوته بواسطة النعمة الإلهيّة بدأت وهو في بطن أمه [15]، كما فعل اللَّه مع إرميا (1: 5) وإشعياء (42: 1). لقد أفرزه لمهمة خاصة، دعاه، ثم أعلن له عن حقيقة الابن وعمله الفدائي على الصليب، لكي يبشر العالم غير اليهودي[18].
  • لماذا يقول: “أن يُعلن ابنه فيّ” [16] ولم يقل “لي”؟ لكي يُشير إلى أنه لم يتقبل تعليم الإيمان خلال الكلمات فقط وإنما بغنى الروح الذي وهب له – الإعلان الذي أنار نفسه كلها، وأن المسيح صار يتكلم فيه.

لأبشر به بين الأمم [16]، فإنه ليس فقط إيمانه، بل واختياره للعمل الرسولي قد انبثقا من اللَّه… كان يجب أن يوجد تمايز بين الكرازة لليهود والكرازة للأمم[19].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

يرى العلامة أوريجينوس في كلمات الرسول الخاصة بفرزه للعمل وهو في بطن أُمه [15] برهانًا على إرسال اللَّه ملائكة حراسًا لنا حتى قبل ولادتنا[20].

  1. حياته الكنسية: لم يتجاهل القديس بولس الذي قبل الإنجيل من السيد المسيح نفسه المجتمع الكنسي، كما سنرى في لفاءاته مع القديس بطرس وغيره من قادة الكنيسة.
  2. تظهر سلطة أو قانونية إنجيل القديس بولس في توبيخه للقديس بطرس (2: 11-12)، مبرهنًا بذلك أن القديس بطرس لم يكن أعظم منه كرسولٍ، فقد أشار إلى كيفية توبيخه له جهرًا، إذ سلك بوجهين بخصوص التقاليد اليهودية حين كان في أنطاكية.

يُشير القديس بولس إلى ثلاثة لقاءان مع القديس بطرس وغيره من الرسل، ليؤكد أن اتصالاته الأخوية معهم لم تكن بغرض أخذ تفويض منهم للكرازة.

اللقاء الأول مع القديس بطرس (1: 18-24):  يؤكد القديس بولس نوعًا من استقلاله عن رسل أورشليم (عدم الاعتماد عليهم كوكيلٍ عنهم كما ادعى المتهودون)، لكن ليس بأسلوب فردي. فقط بعد عبور ثلاث سنوات من تحوله عن الفريسية اليهودية إلى الكرازة بيسوع بكونه المسيا، ذهب إلى أورشليم “ليتعرف” على بطرس [18.] يقول:ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي [17]. يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هكذا لا يتحدث بعجرفة إنما ليظهر كرامة مهمته، إذ تكرارًا قالوا بأن الرسل جاءوا قبله، وكانت دعوتهم سابقة له، لهذا يجيب: “ولا صعدت إليهم“. لو كان لزامًا عليه أن يتصل بهم لكان قد أمره المسيح بذلك عندما أعلن له عن مهمته.]

قبل صعوده إلى أورشليم انطلق إلى العربية [17]، ثم رجع أيضًا إلى دمشق [17]. تشير “العربية” غالبًا إلى مدينه جنوب دمشق، في مملكة الـNabataeans وليس إلى منطقة سيناء. لم يسجل الرسول لنا ما فعله خلال هذه السنوات الثلاث. إن كان قد رأى بعض الآباء أن الرسول قد بدأ بالكرازة في الحال لكن كثيرين الآن يفضلون الاعتقاد بأنه كرس حياته في ذلك الوقت للصلاة والتأمل[21].

  • لاحظ هنا تواضعه، إذ لم يتحدث عن نجاحه (في العربية)، ولا عن من هم الذين علمهم وما عددهم. إنما هكذا كانت غيرته (للخدمة) في الحال بعد عماده، إذ حير اليهود، وأثار سخطهم ضده فتربّصوا له مع اليونانيين لقتله، الأمر الذي ما كان يحدث (أي كراهيتهم له) فلجأوا إلى القتل. هذه علامة تظهر تفوّق بولس عليهم. لم يذكر (الرسول) شيئًا عن هذا النجاح، وهكذا في كل أعماله لم يكن الطموح دافعه، ولا نوال كرامة أعظم من الرسل، ولا استمات لينال تقديرًا ساميًا، إذ يدعو نفسه سقطًا، أول الخطاة، آخر الرسل[22].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

زار أورشليم ليلتقي بالقديس بطرس [18]، وهناك رأى القديس يعقوب أخا الرب وأسقف أورشليم. كانت مهمته الكبرى أن يعلن بأنه لا يعمل بروح فردي، منفصلاً عن قادة الكنيسة، وأن يؤكد لهم أن تحوله حقيقي. لقاءات القديس بولس المتتالية مع الرسل لم تضف شيئًا إلى إعلان إنجيل النعمة الإلهية له، إنما اعترفوا تمامًا برسوليته ورسالته.

يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم الملاحظات التالية:

أ. يقول القديس بولس إنه “رأى” القديس يعقوب [19]، ولم يقل إنه تعلم منه. ويمكننا القول إنه ذهب هناك “ليتعرف” على القديس بطرس [19] لا ليتعلم منه.

ب. يذكر القديس يعقوب بوقار إذ يقول: “أخا الرب” [19]، فهو خالٍٍ من كل حسد.

ج. خلال شفافية نفسه المقدسة المتواضعة، جاء تبريره لنفسه عظيمًا كمن يقدم حسابًا عن أعماله، مدافعًا عن نفسه كمن في دور العدالة [20.]

د. يُشير إلى رحلته التبشيرية للكرازة في المناطق القريبة من موطنه الأصلي “مدينة طرسوس”، في أقاليم كيليكية وسوريا [21] (بأنطاكية)، ليُعلن أن إرساليته كانت للأمم، وأنه لم يعزم أن يبني فوق أساس أقامه غيره (رو 15: 20).

ه. يقول بولس: “ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه [22-23]. في تواضعه ذكر حقيقة اضطهاده للكنيسة، وعند تحوله وتبشيره لم يعجبوا به شخصيًا ولا نال إطراءهم أو دهشتهم، إنما مجدوا الله فيه [24]، ناسبًا كل شيء إلى النعمة الإلهية.

مجدوا الله“، بمعنى أنه أراد أن يعرّفهم بأنه لا توجد عداوة بينه وبين الكنائس التي هي من أصل يهودي، فإنه وإن كان لم يبشرهم لكنهم فرحوا بعمل اللَّه به في المجتمعات الأممية. يرى القديس أغسطينوس أنهم مجدوا اللَّه لأنهم اعتادوا الصلاة من أجل أعدائهم ومضطهديهم لكي يحولهم السيد المسيح إلى الإيمان. سألوا هذا من الله قبلما يتحقق[23].

[1] In Galat., Chapter 1.

[2] In Galat., Chapter 1.

[3] In Galat., Chapter 1.

[4] In Galat., Chapter 1.

[5] In Galat., Chapter 1.

[6] In Galat., Chapter 1.

[7] In Galat., Chapter 1.

[8] Against Marcion, 5:2.

[9] In Galat., Chapter 1.

[10] In Galat., Chapter 1.

[11] Against Marcion, 5:2.

[12] Our Lord’s Sermon on the mount, 2:1:3.

[13] Ep. 52:13; 66:6.

[14] Oration 37:17.

[15] C. Normann Bartlett: Galatians and You, 1948, p. 13.

[16] In Galat., Chapter 1.

[17] In Galat., Chapter 1.

[18] Collegeville Bible Comm., p. 1071.

[19] In Galat., Chapter 1.

[20] Comm. On Matt., book 13:27.

[21] A New Catholic Commentary, p. 1176.

[22] In Galat., Chapter 1.

[23] Sermons on New Testament Lessons, 6:4.

تفسير رسالة غلاطية 1 الأصحاح الأول – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

من تفسير وتأملات الآباء الأولين

 
رسالة بولس الرسول الى أهل غلاطية

 القمص تادرس يعقوب ملطي

كنيسة الشهيد مار جرجس باسبورتنج

 

القلب الناري

تكشف الرسالة إلى أهل غلاطية عن قلب الرسول بولس الناري، حيث يُعلن أن اللَّه قد أفرزه من بطن أُمه لهذا العمل الفائق. لا هدف له إلا الدخول بكل نفس إلى إنجيل المسيح والتمتّع بقوة الصليب واهب الحرية الداخلية، من كل ضعف ومن كل خطية، بل ومن كل حرفية للناموس.

ينطلق الرسول بولس كما بأولاد اللَّه إلى الجلجثة، ليدركوا مفهوم الحرية الحقة القائمة على حب وبذل للأنا، فيعيش المؤمن بروح مُخلصه، يسوع المسيح، الذي بكمال حريته قدم حياته مبذولة لأجل الغير.

الحرية المسيحية ليست مجالاً للتهاون ولا للإباحية، إنما هي حرية الشخص الناضج المقدس الذي يدرك مسئوليته، فيعيش ملتزمًا تجاه إلهه، وتجاه نفسه وتجاه البشرية، حاملاً طاقات حب وتقديس لا يقدر العالم أن يحطمها.

2 أبريل 1990م

القمص تادرس يعقوب ملطي

 

المسيح محررنا

رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية تُصور مخلصنا كمحررٍ لنا، فقد حررنا (5: 1)، ووهبنا مفهومًا جديدًا للحرية.

اقتبس منها القديسون أغناطيوس الأنطاكي وبوليكريس ويوستين. كما نسبها القديس إيريناؤس صراحة إلى القديس بولس؛ ووردت في القانون المورتاني Muratorian Canon  وفي كل القوائم الخاصة بالأسفار المقدسة التي أصدرتها المجامع الأولى. هذا وتقدم لنا الرسالة شهادة داخلية بذلك، حيث يُعلن كل سطر من سطورها قلم القديس بولس وشخصيته الفريدة[1].

تاريخ الرسالة وظروفها

لم يتفق الدارسون على هوية محددة للغلاطيين الذين كتب إليهم القديس بولس هذه الرسالة. فإذا تطلعنا إلى خريطة العصور القديمة لا تسعفنا، بسبب تغيرها المستمر[2].

الغلاطيون هم من سلالة السلتية Celts الذين استقروا في وسط آسيا الصغرى خلال القرن الثالث ق.م.

1. نظرية غلاطية الشمالية

بحسب هذه النظرية هذه الرسالة موجهة إلى سلالة الغلاطيين، أو إلى الكنائس التابعة لمملكة غلاطية القديمة القائمة في شمال وسط آسيا الصغرى (بسينوس Passinus، أنقرةAnycra، تافيوم Tavium). اضطر القديس بولس في رحلته التبشيرية الثانية أن يبقى في غلاطية بسبب مرضه ( أع 15: 6؛ غل 4: 13). كخادم للرب لا يعرف التعب، ولم يستطع المرض أن يلزمه بالصمت، بل صار يكرز بالإنجيل؛ وقد نجح في تأسيس الكنائس المسيحية هناك (1: 6). بحسب هذه النظرية كُتبت هذه الرسالة ما بين سنتي 53 و57م، من أفسس أو من مكدونية[3].

2. نظرية غلاطية الجنوبية

بعد موت أينتاسAyntas  ملك غلاطية القديمة عام 25 ق.م، ضمت روما الأقاليم الجنوبية إلى الأقاليم في مقاطعة واحدة، دُعيت غلاطية. حسب هذه النظرية يرى بعض الدارسين أن الرسالة موجهة إلى الجماعات التي أسسها القدّيس بولس في رحلته التبشيرية الأولى في منطقة آسيا الصغرى الممتدة من شاطئ البحر داخليًا لتشمل لِستِرة ودِربة (أع 13: 27). هذه النظرية تضع الرسالة بين كتابات الرسول المبكرة، ربما عام 48م، أو حتى قبل ذلك، لكن غالبًا ما جاءت بعد مجمع أورشليم المذكور في أع 15، عام 49 أو 50م[4].

لاحق المعلمون الكذبة المدعوون “المتهودين” القديس بولس في غلاطية، وقاوموا تعاليمه الخاصة بتجاهل الأمم الداخلة الإيمان للطقس الحرفي الخاص بالشريعة، كما قاموا بالتشكيك في سلطانه الرسولي (1: 1-12). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [بعض اليهود الذين آمنوا إذ غلبهم الميل إلى التهود، وفي نفس الوقت سكروا بحب المجد الباطل، أرادوا أن يقيموا أنفسهم في كرامة المعلمين، لهذا جاءوا إلى الغلاطيين وعلموهم بأن الختان وحفظ السبوت والاهتمام ببدء الشهور أمور جوهرية، وأنه لا يجوز طاعة بولس الذي ألغى هذه الأمور. كما قالوا بأن بطرس ويعقوب ويوحنا، قادة الرسل ورفقاء المسيح لم يمنعوا هذه الأمور… بولس يقف بمفرده، بينما هم الكثيرون أعمدة الكنيسة. لقد اتهموه أنه يلعب دورًا (له خطورته)، قائلين أن ذاك الرجل عينه الذي يمنع الختان، ويلتزم به في بلاد أخرى، فيكرز لكم بطريق ولآخرين بآخر[5]].

كانت حجتهم الرئيسية هي أن شريعة موسى المتفق عليها عمل إلهي وأن المسيح قال إنه جاء “لا لينقض بل ليكمل الناموس” (مت 5: 17). لقد أكدوا أن الخلاص مستحيل بدونه، أما بالنسبة للأمم فلن يدركوا الخلاص ما لم يتهودوا أولاً. بمعنى آخر، أثقلوا على المؤمنين بنير التهود بجانب بساطة إنجيل المسيح[6]. لقد ألقوا بضوء على دور بولس الرسولي، فحسبوه أقل خبرة وعلم من الإثنى عشر (1: 11-24). بهذا نجح المعلمون الكذبة في إثارة القلق والتشويش في ضمائر الغلاطيين، الذين كانوا يميلون شيئًا فشيئًا نحو إتباع تعاليمهم كطريق أكثر ضمانًا للخلاص؛ بهذا تصير المسيحية – بالنسبة لهم – مجرد طائفة من التهود[7].

يحسب مانك Munck أن مسببي هذه البلبلة لم يكونوا من أصل يهودي بل أممي، وأن قبولهم الإيمان بحماس دفعهم إلى الاعتقاد بأن التهود مرحلة لازمة لقبول الإنجيل. بينما كثير من مفسري الكتاب المقدس يرون أنه من الصعب تحديد هوية هؤلاء المعلمين الكذبة, بالإجمال غالبًا ما يرتبط هؤلاء بحركة التهود المذكورة في سفر الأعمال أصحاح 15[8].

سمات الرسالة

  1. تحمل هذه الرسالة قلب الرسول الملتهب، كتبها بغيرة في قوة مع عمق المشاعر. ألقى الرسول بنفسه بلا تحفظ لإعلان الإنجيل، فجاءت تحمل قوة فريدة بين كتاباته. أهميتها الرئيسية لاهوتية، فيها نلتقي بالكثير من الموضوعات التي لها وزنـها في تعاليم القديس بولس، مثل التبرير بالإيمان العامل بالمحبة، الحياة الجديدة في المسيح، التزامات الحب، مفهوم الصليب، ناموس المسيح، عمل الناموس الموسوي، السلوك بالروح[9].
  2. يظهر القديس بولس في هذه الرسالة حازمًا، لأن الأمر كان خطيرًا، إذ بدأ كثيرون يتحولون عن بساطة الإنجيل إلى التهود كعمل ضروري للخلاص.
  • المقدمة غنية بروح عالية ملتهبة؛ ويمكننا القول بأنه ليس فقط المقدمة، وإنما الرسالة كلها (ملتهبة). لأنه عندما يكون الإنسان لطيفًا مع تلاميذه حتى عندما يحتاجون إلى العنف، فإنه لا يقوم بدور معلم وإنما بدور مفسد وعدو…

اختلف حديث بولس مع تلاميذه حسب احتياجاتهم، فيستخدم أحيانٍا العصا وأخرى العلاج اللطيف. يقول لأهل كورنثوس: “ماذا تريدون؛ أبعصا آتي إليكم أم بالمحبة وروح الوداعة؟” (1 كو 4: 21)، بينما يقول للغلاطيين: “أيها الغلاطيون الأغبياء” (غل 3)[10]].

القديس يوحنا الذهبي الفم

  1. تكشف هذه الرسالة عن التنظيمات الكنسية وهيكلها (تكوينها) أيام القديس بولس. يُدعى صفا (القديس بطرس) والقديس يعقوب أخو الرب والقديس يوحنا “رسل أورشليم” (1: 18-19؛ 9:2). كما نقرأ هنا عن أمورٍ لاهوتية عملية وتنظيمات لحقول الخدمة على أساس خاص بالجنس (من أصل يهودي أو أممي)، والجدال الذي قام بين رسولين (2: 11-14)[11].
  2. تمدنا هذه الرسالة بمعلومات قيمة عن حياة القديس بولس الرسول الخاصة وخدمته. مع هذا لم يهدف القديس بولس إلى تقديم معلومات خاصة بحياته، إنما ذكرها عرضًا خلال سياق مجادلاته[12].

         يقسم الدارسون الرسالة إلى: عرض شخصي، أحاديث لاهوتية، تطبيقات عملية، وإن كان الهدف واحدًا، وهو تحقيق الحرية العملية في السيد المسيح، بكونها المفهوم الحق للإنجيل المعاش.

  1. مفهوم الحرية: تقدم لنا الرسالة ربنا بكونه المحرر، كما أوضحت الحرية المسيحية. يقدم ربنا نفسه كمحرر، قائلاً: “إن حرّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا “ (يو 8: 36).

من التهوّر أن نقول إن الحرية هي تحرر من القانون (الشريعة). بهذا تصير ثورة ضد اللَّه ونظامه، وتتحول حضارتنا إلى نوعٍ من البربرية. الحرية هي تحرر في الناموس؛ على سبيل المثال عندما ندخل حديقة عامة أول ما نشاهده لائحات كُتب عليها: “لا تمشى على الحشائش»، « ممنوع اصطحاب الكلاب”، “لا تقطف ورودًا”. مثل هذه القوانين تحافظ على الحديقة المفتوحة للكل. هكذا يليق بالمسيحي أن يترك الناموس لا ليصير حرًا يسلك بذاته حسب هواه، إنما ليسلك بالروح القدس بكونه قائد حياتنا (5: 25).

يقول V.P. Furnish: [يبدو أن مشكلة بولس في نظر قلة من المفسرين أنه كان يصارع مع فريقين مختلفين: فريق ناموسي من جهة وفريق متحرر (متسيب) من الجانب الآخر. فكان ملتزمًا بالصراع مع جبهتين متضادتين في وقت واحد. هذا المأزق يوضح لنا مدى ارتباكه (40:2)، وتنقله الواضح ما بين التشديد من جهة خطورة الناموسيين (ص 1-4) وخطورة المتحرّرين (ص 5-6)[13]].

  1. ضمت هذه الرسالة الحديث عن كثير من الأمور المتقابلة أو المضادة لبعضها:

أ. النعمة والناموس (2: 21): لا يمكننا القول بأن “النعمة ضد الناموس”، لأن كلمة “ناموس” هنا تُستخدم بمعنى حفظ الطقوس الناموسية14، أي ممارسة الطقوس الواردة في الشريعة بطريقة حرفية تفسد الإيمان الذي نناله بالنعمة. يكشف لنا الناموس عن حاجتنا إلى النعمة، التي تعني حنو اللَّه لنا الذي لا نستحقه، والذي يشبع احتياجاتنا.

 ب. الإيمان وأعمال الناموس (15:2-20): بالإيمان نقبل النعمة الإلهية، أما حفظ أعمال الناموس فيكشف عن ضعفنا. يؤكد القديس بولس أن الإيمان الحقيقي لا يمكن عزله عن الأعمال الصالحة، أي عن الأعمال الروحية التي هي عمل الروح القدس في حياة المؤمنين. حقًا إن هذه الرسالة تركز على عمل الروح القدس في حياة المؤمنين كمصدر تقديسنا، لكنه “الإيمان العامل بالمحبة” (6:5). عمليًا لا نقدر أن نفصل بين الإيمان الحقيقي والأعمال الصالحة. فاللص الذي شهد للسيد المسيح أثناء الصلب، شهادته هي إيمان حق، لكنها هي عمل صالح، لأنه صنع أفضل بكثير مما فعله التلاميذ. الشهادة في مثل هذه الظروف هي عمل إيماني صالح.

ج. ثمر الروح وأعمال الجسد (5: 19 – 6: 6): يعطينا الروح غلبة يومية على الخطية بينما يستعبدنا الجسد لها.

د. الصليب والعالم (6: 14): الصليب يعني بذل “الأنا”، بينما محبة العالم تعني “الأنانية”. بالصليب نقتني المجد الداخلي الذي يقابله المجد الباطل أو مجد هذا العالم الزائل.

ه. مقابلات أخرى، مثل: “في الخطية” و”الخلاص من الخطية” (4:1) “إنجيل آخر، وإنجيل المسيح” (1: 6-9)؛ إرضاء الناس وإرضاء اللَّه (10:1)؛ الاتكال على الفكر البشري وإعلان يسوع المسيح (1: 11؛ 2: 14)، الدينونة والتبرير (6:3-16)، فقدان في آدم، وخلاص في المسيح (3: 19-22)، خدام مستعبدون وأبناء ورثة (4: 1-7)، عهد قديم وعهد جديد (4: 10-31)، نمو في النعمة وسقوط من النعمة (5: 6)، السلوك بالروح وتكميل شهوة الجسد (5: 17، 18) الخ.

  1. الحياة المسيحية – كما جاءت في هذه الرسالة – لا تعرف التطرف:

* نفهم الحرية كتحرر من عبودية الطقس الحرفي لأعمال الناموس، لكنها ليست خروجًا عن ناموس المسيح.

* الحياة المسيحية حياة شخصية، تلاقٍ قوي وخفي مع اللَّه؛ إذ يختار اللَّه المؤمن ويدعوه؛ دون تجاهل لحياته الكنسية أو حياته وسط الجماعة.

* المؤمنون جميعًا واحد في المسيح، لكنه يوجد من هم أعمدة في الكنيسة.

  1. في هذه الرسالة نرى ربنا يسوع المسيح محررنا، جاء ليهبنا حرية وقوة. لقد دُعي “حامل خطايانا” (4:1) ومخلصنا (3: 13؛ 4: 5) ولعنة لأجلنا (3: 13) ونسل (المرأة) (3: 19؛ 4:4) ومقد سنا (2: 16؛ 3: 24).
  2. إذ تركز هذه الرسالة على نعمة اللَّه التي تحررنا من نير ناموس موسى، تكشف عن عمل الثالوث القدوس في حياة المؤمنين كواهب للحرية الداخلية:

يُدعى الآب “أبانا الذي له المجد إلى أبد الآبدين” (1: 4)، يحبنا كأبناء له، نتمجد معه أبديًا. هذه هي حريتنا، أن نتشبه به، فيصير لنا القلب المتسع الذي يحب إخوتنا في البشرية لكي يشاركونا مجدنا السماوي. بمعنى أن الآب يهب الحب الروحي الجامع نحو كل بشر.

الابن هو محررنا الذي دفع دمه الثمين ليهبنا الحرية من:

– الخطية (1: 4).

– هذا العالم الحاضر الشرير (1: 14).

– عبودية إرضاء الناس (1: 10).

– لعنة الناموس (3: 13).

– عبودية أعمال الناموس (4: 19).

– تحت الوصاية (4: 1-6).

يهبنا الابن الشركة في صلبه، أي بذل “الأنا”، بكونه الحرية الحقة. صار هو عبدًا من أجلنا، ونحن بإرادتنا الحرة نود أن نكون عبيدًا لأبناء اللَّه في المسيح يسوع.

الروح القدس هو روح التبني وليس روح العبودية؛ يعمل فينا ليحضرنا للآب في المسيح كأبناء له أحرار. لهذا كثيرًا ما يُشير الرسول إلى الروح القدس بكونه[14].

– الموعود به               (3: 14).

– المرسل                   (4: 6).

– الخادم (العامل فينا)       (3: 5).

– يُنال بالإيمان             (3: 2).

– الساكن في قلوبنا          (4: 6).

– الذي يبدأ بالعمل          (3:3).

– القائد                     (5: 18).

– الغالب شهوة الجسد       (5: 16-18).

– واهب الثمر               (5: 22-24).

– معطى الرجاء             (5:5).

– مقدم الثقة (في الوعود)    (6: 8).

يسمي بعض الدارسين هذه الرسالة “كتاب لوثر”، لأنه كثيرًا ما اعتمد عليها في كتاباته ومجادلاته ضد المفهوم اللاهوتي المنتشر في أيامه، وقد اعتاد هو أن يلقبها “كتابي”.

أقسام الرسالة

  1. المقدمة (1: 1-10).

 أ. التحية                  (1-5).

 ب. ظروف كتابتها         (6-10).

  1. توضيح شخصي: دفاعه عن سلطانه الرسولي (1: 11-2: 14)

 أ. يكرز بالإنجيل الحق     (1: 6-11).

 ب. مدعو من اللَّه           (1: 12-17).

 ج. شركته مع غيره من الرسل في ذات الإنجيل (1: 18- 2: 10).

 د. انتهاره للقديس بطرس    (2: 11-21 ).

  1. عرض لاهوتي: التبرير بالإيمان (ص4,3):

 أ. خبرة الغلاطيين للإنجيل  ( 3: 1-5).

 ب. خبرة إبراهيم            (3: 6-9).

 ج. لعنة الناموس           (3: 10-14).

 د. عدم بطلان الوعد        (3: 15-18).

 ه. غاية الناموس           (3: 19-25).

 و. أبناء لا عبيد            (3: 26-4: 11).

 ز. مناشدتهم أن يتحرروا من الناموس (4: 12-20).

 ح. رمزية قصة هاجر وسارة (4: 21-31).

  1. التطبيق العملي: الحرية المسيحية (ص5، 6):

 أ. الخطورة عليها من الناموسية (5: 1-12).

 ب. تعريفها                (5: 13-15).

 ج. حسن استخدامها        (5: 16-26).

 د. إعلانها عمليًا            (6: 1-10).

 ه. ارتباطها بالصليب       (6: 11-16).

 و. ثمنها                   (6: 17).

 ز. بركتها                  (6: 18).

[1] A New Catholic commentary on Holy Scripture, Nelson, 1969, p.1173.

[2] The Collegeville Bible Commentary, 1989, p. 1069.

[3] The NIV Study Bible, p. 1779.

[4] The New American Bible, p. 198.

[5] Chapter 1 (N & PN Frs., Vol. 13).

[6] See Henerieta C. Mears: What the Bible is all about, Illinois,1987.

[7] Unger’s Survey of the Bible, 1981, p. 285.

[8] John L. Mckenzie: Dict. of the Bible, 1965, p. 293.

[9] Victor Paul Furnish: Interpreter’s Concise Comm., Abingdon press, V. 7, p. 272.

[10] In Galat., Chapter 1.

[11] Victor Paul Furnish: Interpreter’s Concise comm., Abingdon Press, V. 7, p.273.

[12] Ibid.

[13] Ibid, p. 277.

[14] Boyed’s Bible Handbook, 1983, p. 546.

تفسير رسالة غلاطية – المقدمة – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة غلاطية 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

 

الأصحاح السادس: الحرية والحب العملي

 

قانون السيد المسيح هو الحب، يعلنه عمليًا في صليبه (1 كو 9: 21-23). فإننا إذ نشترك في صليبه نُصلب عن ذواتنا كما عن العالم، لنقدم حياتنا مبذولة مملوءة حبًا لله والناس.

  1. اللطف والتواضع في التعامل مع الضعفاء 1-5.
  2. المثابرة الروحية 6-10.
  3. الافتخار بالصليب لا بأعمال الناموس 11-16.
  4. حمل سمات المسيح المصلوب 17.
  5. الختام 18.

1. اللطف والتواضع في التعامل مع الضعفاء

أيها الإخوة،

إن سبق إنسان فأُخذ في زلة ما،

فأصلحوا أنتم الروحانيين مثل هذا” [1].

هنا نلاحظ الآتي:

* إذ يسألهم أن يكونوا ودعاء جدًا مع الضعفاء يدعوهم “إخوة“.

* لا يقول: “إنسان يرتكب زلة” بل “أُخذ في زلة“، بمعنى أنه إذا ما أُخذ بعيدًا نخسره نحن مع أننا في حاجة إليه كعضو في نفس الجسد.

* يقول: “أنتم الأقوياء (الروحانيين)“؛ فإننا لكي نعين الآخرين يجب علينا أن نهتم أن نكون أقوياء في المسيح لئلا نسقط نحن أنفسنا مع الضعفاء.

  • الإنسان الضعيف لن يسند ضعيفًا، ومن يعاني من أمر ما لا يقدر أن يحتمل أو يشفي من كان في هزالٍ؛ أما من كان غير خاضعٍ للضعف، فيستطيع أن يقدم علاجًا للضعيف؛ لهذا قيل بحق: “أيها الطبيب اشفِ نفسك” (لو 4: 23)[1].
الأب يوسف
  • بدء الحكمة الرقة واللطف اللذان ينبعان عن عظمة النفس واحتمال ضعفات البشر. لذلك يقول: “يجب علينا نحن الأقوياء أن نحتمل أضعاف الضعفاء” (رو 1:15)[2].
مار اسحق السرياني

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل (الرسول): “بالوداعة” بل “بروح الوداعة” [1]، مشيرًا بذلك أن هذا مقبول لدى الروح (القدس)، فالقدرة على إصلاح الغير بروح الوداعة هو عطية روحية[3].]

يقدم الرسول تعليلاً لاستخدام الوداعة مع الغير، بقوله “ناظرًا إلى نفسك لئلا تُجرب أنت أيضًا” [1].

  • احملوا بعضكم أثقال بعض [2]… من الاستحالة ألا يكون للإنسان سقطات، لذا يحثهم ألا يفحصوا أخطاء الغير بعنفٍ، بل بالحري يحتملون سقطاتهم حتى يحتملنا الآخرون. وذلك كما في بناء بيت ما، لا تكون كل الحجارة في وضع واحد، إنما يصلح حجرًا أن يكون في زاوية وليس في الأساس، وآخر يصلح للأساسات وليس للزاوية؛ هكذا بالنسبة لجسد الكنيسة[4].
القديس يوحنا الذهبي الفم

التواضع في تعاملنا مع الغير: “لأنه إن ظن أحد أنه شيء وهو ليس شيئًا فإنه يغش نفسه[3].

  • هنا أيضًا يتحدث عن الافتخار؛ فمن يظن في نفسه أنه شيء فهو لاشيء، مظهرًا بهذا تفاهته.

ولكن ليمتحن كل واحدٍ عمله [4]. هنا يظهر (الرسول) أنه يجب أن نكون فاحصين لحياتنا الخاصة بدقةٍ لا باستخفاف، لكي نزن تصرفاتنا. على سبيل المثال، إذا صنعت عملاً صالحًا ضع في اعتبارك ألا يكون قد قمت به من أجل المجد الباطل أو لأجل منفعةٍ خاصةٍ أو بضميرٍ سيءٍ أو برياءٍ، أو لدافع بشري آخر…

وحينئد يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره [4]. الافتخار جمود (للنفس)، فإن أردت أن تفتخر لا تفتخر ضد قريبك كما فعل الفريسي…

يعالج (الرسول) الإنسان المتكبر حتى لا يعود ينشغل بأفكار عالية من جهة نفسه، وذلك بتذكره أخطائه الشخصية، ضاغطًا على ضميره بأنه يحمل خطايا بكونها حملاً ثقيلاً [5][5].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

2. المثابرة الروحية

يضع بذار الروح: “فإن الذي يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضًا [7]. إن كنا نزرع للروح نحصد ثمرًا روحيًا؛ وإن كنا نزرع للجسد (شهواتنا الخاطئة) نحصد ضعفًا [7-8]. يليق بنا أن نزرع بذار حياتنا في تربة الروح لا تربة الجسد.

العمل المسيحي ليس شراءً وبيعًا بل زراعة وحصادًا، إذ يليق بنا أن نزرع الكلمة الحية.

لا يكون الحصاد حسب ما لدينا من معرفة، بل حسب ما نزرع. قد يكون لدينا قدر كبير من البذار في الذهن، لكن ما لم نزرعها في تربة ملائمة لن تأتي بثمر. ازرع بذار الأفكار في الكلام والعمل، فستعطي كلمة اللَّه ثمارًا من ذات نوعها.

  • من يزرع لجسده، فمن الجسد يحصد فسادًا، ومن يزرع للروح، فمن الروح يحصد حياة أبدية” [8]… من يزرع في الجسد عهارة وسكرًا وشهوة بلا ضابط، يحصد ثمار هذه الأمور. ما هي ثمارها؟ عقوبة وجزاء وخزي وهزء وتحطيم… أما ثمار الروح فهي مضادة لذلك تمامًا.

تأمل، هل بذرت صدقات؟ كنوز السماء ومجد أبدي تنتظرك! هل بذرت الاعتدال؟ تنتظرك الكرامة والمكافأة وتهليل الملائكة وإكليل من قبل الديان[6].

  • يجعل (الرسول) حديثه عامًا، فاتحًا باب الغيرة المملوءة حبًا نحو الجميع، مرتفعًا بها إلى علوٍ هكذا، موصيًا إيانا أن نظهر رحمة لليهود واليونانيين، بدرجات لائقة بحقٍ، لكنه يلزمنا إظهار الرحمة (لجميع البشرية). أي حنو هو هذا؟…

إنه يحررهم من ضيق الأفق الذي لليهود[7].

القديس يوحنا الذهبي الفم

3. الافتخار بالصليب لا بأعمال الناموس

يكتب القديس بولس الرسالة كلها بيده [11] دليل إخلاصه العظيم من نحوهم. ففي رسائله الأخرى كان يُملي وآخر يكتب (رو 16: 22). وإن كان الاتجاه العام لدى المفسرين المحدثين أن ما كتبه الرسول بيده هو الختام ابتداء من هذه النقطة.

لقد لفت الأنظار إلى الأحرف الكبيرة (اليد الكبرى) التي كتبها ربما بسبب مرض عينيه. في النصوص اليونانية لا توجد إشارة إلى يد (حروف) كبيرة أو صغيرة؛ لكنه توجد عبارة وردت في حياة قديس قبطي لها أهميتها؛ فقد جاء عن القديس سيمفرونسSymphronius  أنه كطفلٍ صغيرٍ تعلم أولاً (اليد الصغرى) وبعد ستة أشهر تعلم (اليد الكبرى)؛ هذا يفترض أنه في القبطية -وهي مشابهة لليونانية – اليد الكبرى أصعب من الصغرى[8].

ما كان يشغل المعلمون الكذبة أن يكون للمؤمنين “منظر حسن في الجسد بإلزامهم أن يختتنوا [12]، عِوض افتخارهم بالصليب [14]. لم يفعلوا ذلك تكريمًا للَّه، إنما من أجل الافتخار. هذا العمل لا يقوم على أساس تقوي، إنما من أجل طموحٍ بشريٍ؛ ذلك لكي يبهجوا غير المؤمنين بقطع (ختان) المؤمنين، مفضلين مقاومة اللَّه من أجل إرضاء الناس.

يتجاهل المعلمون الكذبة عظمة الصليب في حين يقول الرسول: “وأما من جهتي، فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح، الذي به قد صُلب العالم لي، وأنا للعالم[14].

  • ما هو افتخار الصليب؟ أن المسيح من أجلي أخذ شكل عبد، (إذ صرت) عدوًا بلا إحساس، نعم أحبني وأُسلم للعنة من أجلي. أي شيء أعظم من هذا؟…

ليتنا إذن لا نخجل من لطفه غير المنطوق به؛ إنه لم يخجل من أن يُصلب لأجلك، فهل تخجل أنت من الاعتراف بعنايته غير المحدودة. كأن إنسانًا مسجونًا لم يكن يخجل من ملكه، وإذ جاء الملك إلى السجن بنفسه وحل قيوده صار يخجل من هذا التصرف. أليس هذا هو قمة الجنون؟ لأن هذا الفعل كان يجب بالحري أن يكون علة الافتخار[9].

القديس يوحنا الذهبي الفم
  • ما يدعوه هنا بالعالم لا يعني السماء ولا الأرض، وإنما يعني شئون الحياة ومديح الناس والأعوان والمجد والغنى وكل هذه الأمور التي تبدو للإنسان سامية. أما بالنسبة لي فكل هذه الأمور ميتة… وأنا ميت عنها، لا تأسرني ولا تغلبني، لأنها ماتت مرة بالنسبة لي وإلى النهاية. إنني لا أشتهيها، لأني أنا ميت عنها. ليس شيء يمكن أن يكون مطوبًا أكثر من هذا الموت (عن هذه الأمور)، فإن هذا هو أساس الحياة المطوّبة[10].
القديس يوحنا الذهبي الفم
  • ذاك الذي هو قادر أن يجعل نفسه معروفًا بمعجزات كثيرة وعظيمة، يقول: “حاشا لي أن افتخر إلا بصليب المسيح“. كما يقول لأهل كورنثوس أن كلمة الصليب هي “قوة اللَّه للذين يخلصون” (راجع 1 كو 1: 18)[11].

القديس غريغوريوس أسقف نيصص

  • إن كان أحد يخجل من صليب المسيح، إنما يخجل من التدبير الذي به تُغلب هذه القوات (كو 2: 15)[12].
العلامة أوريجينوس
  • إنه لمدهش حقًا أن المولود أعمى ينال البصر في سلوام، لكن كيف يقاوم هذا أمام عمى العالم كله؟… لقد قاد مجد الصليب أولئك الذين كانوا عميانًا خلال الجهل إلى النور، وحلّ رباطات الذين أُمسكوا في الخطية, وافتدى عالم البشرية كله[13].
القديس كيرلس الأورشليمي
  • ليتنا ننصت إلى التصريح الذي يعلنه حزقيال المدعو “ابن آدم” (2: 1) وذلك بخصوص فضيلة ذاك الذي بحق هو ابن الإنسان، أي الإنسان المسيحي؛ إذ يقول: “وآخذكم من بين الأمم… وأرش عليكم ماءً طاهرًا فتطهرون من كل نجاستكم… وأعطيكم قلبًا جديدًا وأجعل روحًا جديدًا في داخلكم” (36: 24-26)… لذلك فإن النشيد الذي ننشده هو تسبحة جديدة (رؤ 14: 3)؛ ننزع الإنسان القديم (أف 4: 22)، ولا نسلك بعتق الحرف لكن في جدة الروح (رو7: 6). هذا هو الحجر الجديد الذي كُتب عليه اسم جديد “لا يعرفه أحد غير الذي يأخذه” (رؤ 2: 17)[14].
القديس جيروم

4. حمل سمات المسيح المصلوب

يسألهم الرسول ألا يضايقه أحد، لأنه يحمل سمات ربنا يسوع المسيح [17].

حمل القديس بولس في جسده علامات عبودية ربنا يسوع. يقول إنه يحملها ولم يقل إنه يمتلكها، إذ يشبه إنسانًا يعتز برايات النصر الملوكية. هذه السمات هي:

  1. الملكية: ” إنني أنتمي إليه”؛ فإن الكلمة اليونانية Stigma تعني وسمًا أو علامة خاصة بالعبيد أو الجند وذلك بحرق في الوجه أو في الجسد أو على الذراع. ربما يُشير هنا إلى علامات آلامه الرسولية (2 كو 6: 4- 10؛ 11: 23-29).
  2. التكريس: إذ يعمل لصالح الغير.
  3. ربما عني بالسمات علامات سوء معاملة الغلاطيين له.

تعلن هذه السمات عن إخلاص الرسول. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم على لسان الرسول: [إنني أدافع عن نفسي بهذه الجراحات التي هي أقوى من أية براهين، وأسمى من أية لغة، إذ تنطق كما بصوت أعلى من صوت بوق تجاه المقاومين، وضد القائلين إني مرائي في تعليمي وإنني أتكلم بما يرضي الناس. فإنه لا يرى إنسان ما جنديًا راجعًا من المعركة وقد غاص في الدم وبه آلاف الجراحات، ثم يجرؤ فيتهمه بالجبن والخداع، متطلعًا إلى أن الجندي يحمل في جسده علامات بسالته، هكذا أنتم أيضًا إذ تحكمون عليّ (مع أني أحمل هذه العلامات)[15].]

5. الختام

للمرة الأخيرة يكرر نقده للمتهودين الذين ما زالوا يضغطون على أهل غلاطية لكي يختتنوا، مع أنهم هم أنفسهم فشلوا في إطاعة التوراة ككل. أما فخر القديس بولس أو مجده فهو في الفداء المتحقق بآلام ربنا يسوع وموته. لقد رذل طريق الحياة التي تُقاس بمعايير حفظ الناموس من الجانب الخارجي الحرفي إذ تجددت خلقته.

سطوره الأخيرة هي أشبه بعبارات رائعة خاصة بالتحية. فقد ظهرت على جسده آثار تعبه وآلامه الجسمانية الخاصة بخدمته (2 كو 11: 23-25)، متوسلاً إلى أهل غلاطية ألا يضيفوا إليه أتعابًا جديدة[16].

  • نعمة ربنا يسوع المسيح مع روحكم أيها الإخوة. آمين [18].

بهذه الكلمة الأخيرة يختم كل ما سبق، فإنه لا يقول “معكم” بل “مع روحكم“، مجتذبًا إياهم من الجسديات، مستعرضًا إحسانات اللَّه، ومذكرًا إياهم بما يتمتعون به من نعمة؛ وبهذا يستطيع أن يجنبهم كل أخطاء المتهودين[17].

 القديس يوحنا الذهبي الفم

 

[1] Cassian, Conferences, 16:23.

[2] Hom. 51.

[3] In Galat., Chapter 6.

[4] In Galat., Chapter 6.

[5] In Galat., Chapter 6.

[6] In Galat., Chapter 6.

[7] In Galat., Chapter 6.

[8] A New Catholic Comm. p. 118. W. Till, Koptish Heiligen-une. Martyrerlegenden, Orientalia Christiana Analecta, 102, Roma, 1935, vol. 1, p. 57.

[9] In Galat., Chapter 6.

[10] In Galat., Chapter 6.

[11] Against Eunomius 5:3.

[12] Comm on Matt., book 12:18.

[13] Catech. Lect. 13:1.

[14] Ep. 69:7.

[15] In Galat., Chapter 6.

[16] Collegeville Bible Comm., p. 1079.

[17] In Galat., Chapter 6.

 

تفسير رسالة غلاطية 6 الأصحاح السادس – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثالث: الإيمان واللسان

في هذا الأصحاح يعالج موضوع “الإيمان واللسان” إذ دخلت بعض الأخطاء عن فِرِّيسيَّة اليهود الشريرة ألا وهي حب التعليم وكثرة الكلام بلا حكمة فتحدث عن:

  1. حب التعليم ١ – ٢.
  2. خطورة اللسان ٢ – ٦.

٣. كيف نضبط اللسان؟            ٧ – ١٢.

  1. اللسان والحكمة الحقيقية ١٣ – ١٨.

1. حب التعليم

لا تكونوا معلمين كثيرين يا إخوتي،

عالمين أننا نأخذ دينونة أعظم]١[.

الإيمان الميت الذي بلا أعمال يدفع بالإنسان إلى تغليف نفسه بمظهر التعليم، فيُكثِر الكلام والتوبيخ والانتهار بغير انسحاق داخلي. لهذا تُلزِم الكنيسة جميع خدامها ورعاتها أن يكون لهم آباء اعتراف حتى لا ينسوا بنيانهم الروحي في وسط الخدمة والتعليم. وينصح الرسول بولس تيموثاوس “لاحظ نفسك والتعليم”.

وتعلمنا الكنيسة في القداس الإلهي أن يصلي الكاهن من أجل خطاياه قبل صلاته من أجل جهالات الشعب[1].

لهذا يخاف القديس أغسطينوس أسقف هيبو على نفسه فيقول: [إننا نحرسكم في عملنا كوكلاء لله، لكننا نحن أيضًا نود أن يحرسنا الله. إننا كم لو كنا رعاة بالنسبة لكم، لكننا أيضًا في رعاية الله، إذ نحن خراف زملاء لكم. إننا معلمون بالنسبة لكم. لكن بالنسبة لله فهو السيد الواحد، ونحن زملاء لكم في مدرسته. إن أردنا أن يحرسنا الله الذي تواضع من أجلنا وتمجد لكي يحفظنا، فلنتواضع نحن أيضًا فلا يظن أحد أنه شيء، فإنه ليس لأحد شيء صالح ما لم يكن قد أخذه من الله الذي وحده هو صالح.]

لكن يدفع الكبرياء بعض الخدام والعلمانيين حتى أنهم ظنوا في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون، لهذا أكمل الرسول قائلاً:

لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا“.

هذا الفكر الخاطىء (يظن البعض في أنفسهم أنهم قد خلصوا وأنهم صالحون لا يخطئون) له جذوره في عهد الرسل، كما في أيام القديس أغسطينوس حيث كتب يوبخ البيلاجيين على هذه الادعاءات، وكتب القديس أمبروسيوس يوبخ القائلين بهذا أيضًا. تؤكد تعاليم الكتاب المقدس وأقوال الآباء شدة الحرب الروحيّة التي يواجهها الرعاة أكثر من غيرهم، لأنه متى أسقطهم الشيطان يشتت الرعيّة معهم.

ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه حتى رئيس الأساقفة مُعَرِّض للضعفات حتى يترفق بالضعفاء أولاده وإخوته.

ويقول البابا بطرس السكندري: [من هم أكثر سُمُوًا من الرسل الذين هم أنفسهم لم يخلوا من ضعفنا؟ لأن أحدهم يقول: “لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا”… لكن عندما نتوب عنها ننال غفرانًا، خاصة إن كانت بغير إرادة أو عن جهل أو ضعف[2].]

٢. خطورة اللسان

إن كان أحد لا يَعْثُر في الكلام،

 فذاك رجل كامل، قادر أن يُلْجِم كل الجسد أيضًا]٢[.

انتقل الرسول من الحديث عن حب التعليم دون التعلم إلى كثرة الكلام المُعثر. فمن لا يلجم لسانه لا يستطيع أن يضبط الجسد كله، أي حياته كلها، أما من يلجمه فيكون رجلاً كاملاً، أي فيه رجولة ونضوج روحي.

يقول القديس يوحنا الدرجي:

[الثرثرة هي عرش الغرور، ومن هذا العرش تظهر محبة إبراز الذات والمباهاة والافتخار.

الثرثرة إشارة إلى الجهل، وباب الاغتياب، وموصل إلى الهزل والضحك، وخادم للكذب والرياء.

هي دليل النوم وتشتيت الذاكرة، تُزِيل اليقظة وتبرد الحرارة وتفتر الصلاة[3].]

وقد ضرب الرسول أمثلة على خطورة اللسان فقال:

ا. “هوذا الخيل تضع اللُّجُم في أفواهها لكي تطاوعنا فندير جسمها كله]٣[.

اللُّجُم لا تدير الرأس كله فحسب بل الجسم كله، أي السلوك كله.  إذًا فلنقل للرب: “احْفَظْ لفمي كِمامةً فيما الشر مُقابلي” (مز ٣٩: 1) حتى لا يركض جسدنا كالخيل ويُطَوِّح بالنفس البشريّة على الأرض محطمة.

ب. “هوذا السفن أيضًا وهي عظيمة بهذا المقدار وتسوقها رياح عاصفة تديرها دفة صغيرة جدًا إلى حيثما شاء قصد المدير ]4[. هكذا اللسان أيضًا هو عضو صغير ويفتخر متعظمًا“.

السفن مع ضخامتها يديرها الربان بدفة صغيرة، ومتى أساء الربان استخدامها يفقد السفينة وكل ما عليها. فقد أساء نبوخذ نَصَّر الدفة، أي لسانه ونطق متعظمًا: “هذه بابل العظيمة التي بنيتها… بقوة اقتداري ولجلال مجدي” (دا ٤: 30)، فذاق المر سنينًا! وهيرودس بسبب الدفة الصغيرة ضربه ملاك الرب لأنه لم يعطِ المجد لله وصار الدود يأكله، إذ صرخ الشعب قائلاً: هذا صوت إله لا صوت إنسان” (أع ١٢: 22). وبطرس من أجل كلمة بكى بمرارة.

ج. “هوذا نار قليلة، أي وقود تحرق. فاللسان نار عَالَمُ الإثم. هكذا جعل في أعضائنا اللسان الذي يدنس الجسم كله ويُضْرِم دائرة الكون ويُضْرَم من جهنم]56[.

شرارة بسيطة كفيلة بحرق غابة ضخمة، لهذا لا تدع فمك يجعل جسدك يخطيء” (جا ٥: ٦). فاللسان هو الشرارة التي تُضْرَم من جهنم لكي تُضْرِم الجسم كله، فيفقد الإنسان قدرته على الصلاة ويسبب انشقاقات ويثير الحقد، ويخسر سلام الإنسان الداخلي والخارجي. هذا كله بسبب اللسان أُضْرِم من إبليس.

ويقال أن “جهنم” هنا تعني مكانًا كان اليهود يلقون فيه الحيوانات الميتة والقاذورات لحرقها، وكانت النيران لا تنطفيء ليلاً أو نهارًا.

٣. كيف نضبط اللسان؟

لأن كل طبع للوحوش والطيور والزحافات والبحريات يُذَلَّل، وقد تَذَلَّل للطبع البشري. وأما اللسان فلا يستطيع أحد أن يُذَلِّله”  ]7-8[.

يقول القديس أغسطينوس:

[لم يقل الرسول أنه لا يوجد من يُذَل اللسان بل لا يستطيع أحد (من البشر) أن يُذَلل اللسان، حتى متى أُلجِم نعترف بأن ذلك بفضل حنان نعمة الله ومعونته[4].]

[يستطيع الإنسان ترويض الوحوش المفترسة، أما لسانه فلا يقدر أن يُلجِمه!…

يستطيع الإنسان تهذيب كل شيء ما عدا ذاته، فما يقدر عليها!

يقدر على تهذيب كل ما يخاف منه، أو يجدر به أن يخافه، أما ذاته التي لا يخافها فلا يقدر عليها!

إذن لنلجأ إلى الله الذي يستطيع أن يُلجِمه. أنتم لا تقدرون على إقناع ألسنتكم لأنكم بشر… فلنطلب من الله لكي يروضنا قائلين له: يا رب ملجأ كنت لنا.

هل يستطيع (الإنسان) صورة الله أن يُرَوِّض الأسد، ويعجز الله عن ترويض صورته؟

إن رجاءنا يكمن في هذا المُرَوِّض لنخضع له ملتمسين رحمته… لنحتمله حتى يُرَوِّضنا، فنصير كاملين، لأنه كثيرًا ما يسمح لنا بتأديبات. فإن كنتم تستخدمون أسواطًا في ترويض الحيوانات المفترسة، أمَا يستخدم الله ذلك ليحوِّلنا نحن وحوشه إلى أولاد له[5]؟]

يذكر مكروبياس أن بعضًا كانوا يُرَوِّضون الغربان حتى كانت تنطق قائلة: “السلام عليك يا قيصر الملك الغالب”، وكانوا يقومون ببيعها لقيصر وهو عائد منتصرًا… أفلا يقدر الله أن يروض ألسنتنا لتنطق بالتسبيح للرب الغالب؟

هو شر لا يضبط مملوء سمًا مميتًا]٨[.

عندما أراد الرسول أن يُظهِر شر الإنسان قال: “الجميع زاغوا… حنجرتهم قبر مفتوح. بألسنتهم قد مكروا. سم الأصلال تحت شفاههم وفمهم مملوء لعنة ومرارة” (رو ٣: ١2-١٤). وكأن هذا يكفي للكشف عن مقدار ما بلغه الإنسان من زيغان وفساد. وسرّ شره ليس في طبعه لكن في انحرافه عن عمله، فتارة يبارك الله، وأخرى ينحرف ليلعن الناس، وكما يقول الرسول:

“به نبارك الله الآب،

وبه نلعن الناس الذين قد تَكَوَّنوا على شبه الله.

من الفم الواحد تخرج بركة ولعنة.

لا يصلح يا إخوتي أن تكون هذه الأمور هكذا.

ألَعَل ينبوعًا ينبع من عين واحدة، العذب والمر؟

هل تقدر يا اخوتي تينة أن تصنع زيتونًا أو كرمة تينًا؟

ولا كذلك ينبوع يصنع ماء مالحًا وعذبًا” ]9 ١٢[.

اللسان الذي نبارك به الله في الصلاة، متى استخدمناه في إساءة الناس الذين هم على شبه الله، نوجه الإهانة إلى الله خالقهم، ونستهين بحبه الذي أحب به العالم كله حتى بذل ابنه الوحيد عنهم.

جيد للتينة أن تُخرِج تينًا، والزيتونة زيتونًا، ولكن لا يليق بالتينة أن تخرج زيتونًا. هكذا ليُخرِجْ اللسان حسبما يليق بعمل الإنسان ووظيفته، فلا يوبخ الابن أباه، ولا ينتهر الإنسان شيخًا، ولا يدين إنسانًا مخطئًا. هكذا يَلزم بنا أن تكون لنا الحكمة الحقيقيّة حتى نعرف كيف نتكلم؟ ومتى نتكلم؟

٤. اللسان والحكمة الحقيقية

من هو حكيم وعالم بينكم فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن في وداعة الحكمة” ]١٣[.

لا تظهر الحكمة الحقيقيّة بكثرة المعرفة الذهنيّة، إنما تنكشف خلال:

  1. العمل: “فَلْيُرِ أعماله بالتصرف الحسن“.

كما يقول الأب نسطور:

[إن كنتم مشتاقين إلى الحصول على نور المعرفة الروحيّة، معرفة ليست خاطئة لأجل كبرياء فارغ لتكونوا رجالاً فارغين يجدر بكم أولاً أن تلتهبوا بالشوق نحو هذا التطويب الذي نقرأ عنه طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله (مت 5: 8). وبهذا تنالون ما قاله الملاك لدانيال “والفاهمون يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردّوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور (دا ١٢: ٣)… وهكذا يَلزم المثابرة بالجهاد في القراءة مع السعي بكل اشتياق لنوال المعرفة العمليّة الاختبارية أولاً أي المعرفة الأخلاقيّة.

فبعدما يبذلون جهودًا وأتعابًا كثيرة يستطيعون أن ينالوا المعرفة الروحيّة كمكافأة لهم من أجلها. وإذ يقتنون المعرفة لا من مجرد التأمل في الشريعة بل كثمرة لتعبهم يتغنون قائلين: من وصاياك تَفَهَّمْت ” (مز ١١٩: 104).[6]]

  1. الوداعة: يقول الرسول “في وداعة الحكمة“، إذ المعرفة الحكيمة هي المملوءة وداعة وتواضعًا بلا كبرياء أو عجرفة.ولقد أوضح الرسول علامات الحكمة الرائعة فقال:

ولكن إن كان لكم غيرة مُرَّة وتَحَزُّب في قلوبكم

فلا تفتخروا وتكذبوا على الحق.

ليست هذه الحكمة نازلة من فوق،

بل هي أرضيّة نفسانيّة شيطانيّة.

لأنه حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء” ]14١6[.

حيث توجد الغيرة المُرَّة والتَحَزُّب تكون الحكمة زائفة.

فجيد للإنسان أن تكون له غيرة (٢ كو ١١: ٢)، لكن لا تكون مُرَّة أي شريرة[7]. لأنها لا تكون مبنية على أساس الحق، بل على التعصب الأعمى والتهور، وذلك كما فعل بطرس حين استل السيف وقطع أذن عبد رئيس الكهنة. هذه الغيرة تفقد الإنسان والذين حوله الحق، وتؤدي إلى تَحَزُّبات، لأنه حيث الغيرة والتَحَزُّب هناك التشويش وكل أمر رديء”، أي تفقد الإنسان سلامه الداخلي (١ كو ١٤: ٣٣). ويكفي لهذا الإنسان الغيرة المُرَّة والتَحَزُّب أن يكونا في داخل القلب ]14[ لكي تفسده.

أما مصادر الحكمة الزائفة فهي:

ا. أرضية، أي نابعة عن محبة العالم، من يمتلكها لا يرتفع قلبه للسماويات، بل يتعلق قلبه بالأرضيّات. ومع أنه يغير على الحق، لكن غيرته وكرازته يبعثهما حب المادة أو حب الكرامة أو محبة مديح الناس.

ب. نفسانية، أي صادرة عن الذات البشريّة، يركز الإنسان خدمته حول الأنا فلا يريد أن تختفي لِيَظْهَر الرب، بل يُخفي الربَّ رغم كرازته بالرب لِيَظهر هو، فيهتم ليس بما للروح بل بما للجسد.

ج. شيطانية، أي باعثها الخفي هو الشيطان. فإذ سقط بالكبرياء لا يكفَّ عن أن يبث الكبرياء في البشر تحت ستار الحكمة واللباقة، ولو كان خلال العبادة وتعليم الغير والبحث عن النفوس الضالة.

أما الحكمة الحقيقية فمصدرها ومميزاتها هي:

“وأما الحكمة التي من فوق

أولاً طاهرة ثم مسالمة مترفقة مذعنة مملوءة رحمة

وأثمارًا صالحة عديمة الريب والرياء.

وثمر البر يزرع في السلام من الذين يفعلون السلام]17 ١٨[.

مصدر الحكمة السماوية من فوق نازلة من عرش الله القدوس (حك ٩: ٤، ٩)، يمنحها الله لأولاده المثابرين المتمسكين به. أما مميزاتها فهي:

ا. طاهرة، أي نقيّة بلا غرض مُلتوٍ، تَهَب صاحبها قلبًا طاهرًا وحياة عفيفة. فكما أن الله طاهر (١ يو ٣: ٣)، وكلامه طاهر (مز ١٢: ٦)، لهذا فمن يقتني حكمة الله لا يطيق الدنس، بل ينجذب إلى حياة الطهارة متشبهًا بالله.

ب. مسالمة، أي مملوءة سلامًا، إذ قيل عنها إن كل طرقها سلام، إذ بالحكمة ينجذب الإنسان تجاه الله، ويمتليء قلبه سلامًا ويفيض أيضًا بسلام خارجي مع الغير حتى أنه لا يطيق أن يرى شجارًا أو يسمع صوتًا عاليً،ا بل يُنَفِّذْ على الدوام هذه الوصيّة “فلنعكف إذًا على ما هو للسلام وما هو للبنيان بعضنا لبعض” (رو ١٤: ٩).

ج. مترفقة، إذ يمتليء القلب بالسلام تجاه الغير ويعمل لبنيان الآخرين، يترفق بالكل مهما كانت الأخطاء والضعفات، واضعًا نصب عينيه كيف يربح الجميع. هذا الترفق ليس مظهرًا خارجيًا، بل هو حياة داخليّة، سواء تكلم الإنسان أو صَمَتَ، أدّب أو انتقد… في هذا كله يترفق ويتحنن لكن في حزم.

د. مملوءة رحمة وأثمارًا صالحة: وحيث توجد الطاعة لابد من الثمر الصالح. وكما تدفع الحكمة الزائفة إلى الكبرياء وبالتالي إلى “كل عمل رديء”، هكذا يعلن الرسول هنا عن الحكمة الحقيقيّة أنها عمليّة، إذ تدفع إلى الطاعة والخضوع، وبالتالي إلى الرحمة والأثمار الصالحة.

وكما أن الإيمان بدون أعمال ميت، كذلك الحكمة بغير ثمر زائفة، وقد وصفها سفر الحكمة أنها مستعدة لعمل الخير وحب البشريّة (حك ١: ٦). وقد أعلن ذلك حكمة الله المتجسد، إذ “جال يصنع خيرًا” (أع ١٠: ٣٨). إذًا فلنلبس الرب يسوع الحكمة الحقيقيّة لنأتي بثمر كثير (يو 15: 2)، ونجول به نصنع خيرًا.

ز. عديمة الريب: أي ثابتة غير متزعزعة ولا منقسمة، لها هدف واحد واضح، تكشف الطريق السماوي بوضوح رغم ما فيه من آلام وأتعاب.

الحكمة الحقيقيّة تجعل الإنسان لا يطيق أن ينقسم قلبه بين محبة الله ومحبة العالم، أو يترنح بين الأبديّات والزمنيّات، أو يخلط بين الاتكال على الله والاتكال على ذاته البشريّة، إنما يكون القلب ثابتًا في اتجاهه ومحبته ورجائه.

إن عدم الريب يحمل معنى عدم المداهنة للغنى على حساب الفقير.

س. عديمة الرياء: أي لا تحمل في خارجها بخلاف ما في باطنها، بل كما يقول الرسول “إننا في بساطة وإخلاص الله، لا في حكمة جسديّة بل في نعمة الله، تصرفنا في العالم (٢ كو ١: 12). وقد حَذَّرَ الرب يسوع تلاميذه من خمير الفريسيين الذي هو رياؤهم.

ش. تَهَبثمر البرّ يزرع في السلام (الأمان) من الذين يفعلون السلام” إذ بالحكمة يحصد الإنسان ثمر البرّ… هذا الحصاد المملوء أمانًا، هو ثمر لزرع السلام، بمعنى أنه بالحكمة يصنع الإنسان سلامًا ويحصد في أمان ثمار البرّ.

إنه يزرع سلامًا بخضوعه لروح الرب، وعدم مقاومته له، ويحصد برًا، وهذا من ثمر الروح الذي خضع له وأطاعه وتجاوب مع عمله مثابرًا.

[1] صلاة الاستعداد والصلاة بعد القسمة.

[2] The Genuine acts of Peter

[3] سلم السماء 11: 2.

[4] De Nat et Grat

[5] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد.

[6] مناظرات يوحنا كاسيان: 7، راجع مناظرة: المعرفة الروحيّة.

[7] أع 5: 17؛ 13: 45؛ رو 13: 13؛ غل 5: 20.

تفسير رسالة يعقوب 3 الأصحاح الثالث – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

الأصحاح الثاني

الإيمان والأعمال

 

بعدما تحدث الرسول عن موقفنا كأبناء لله عابدين بالحق، بدأ يوجه النظر في هذا الأصحاح إلى أهمية الأعمال للإيمان:

١. الإيمان والمحاباة بين العابدين                      ١ – ٣.

 أولاً: تضاد الله المهتم بالفقراء                ٤ – ٥.

 ثانيًا: الأغنياء أكثرهم يثيرون مشاكل ٦ – ٧.

 ثالثًا: تملق الأغنياء يكسر الوصية            ٨ – ١١.

 رابعًا: احتقار الفقراء يفقدنا الرحمة            ١٢ – ١٣.

٢. الاتكال على الإيمان بدون الأعمال                  ١٤.

 أولاً: مثالان لإيمان ميت                      ١٥ – ١٨.

 ثانيًا: مثالان لإيمان حي بالأعمال            ٢٠ – ٢٤.

 ثالثًا: ضرورة تلازم الإيمان مع الأعمال        ٢٥.

1. الإيمان والمحاباة بين العابدين

يا اخوتي لا يكن[1] لكم إيمان ربنا يسوع المسيح رب المجد في المحاباة” ]١[.

يلقب الرسول ربنا يسوع المسيح بـ “رب المجد” لكي يرفع أنظار المؤمنين إلى المجد السماوي الحقيقي، فلا يحابون الناس على أساس الغنى والكرامة والمجد زمني، بل يحبون الكل كإخوة لهم ميراث أبدي مرتبطون بإيمان الرب.

خلال هذه الإخوّة يوجه لهم الحديث قائلاً: “يا إخوتي“، مُظهِرًا أنه لا بوجد تحيز ولا محاباة بل الكل أعضاء لجسدٍ واحدٍ. هذا هو الإيمان الحي العامل.

وكما يقول القديس إكليمنضس أسقف روما:

[لا وجود للعظيم بغير الصغير، ولا للصغير بدون العظيم، بل يرتبط بعضنا البعض لأجل نفع الجميع. لنأخذ الجسد كمثال: فالرأس لا يقدر أن يوجد بغير الرجلين، ولا الرجلان بغير الرأس، “بل بالأولى أعضاء الجسد التي تظهر أضعف هي ضرورية” (١ كو ١٢: ٢١-٢٢)، ونافعة للجسد كله. نعم إن الأعضاء كلها تعمل في وفاق، وترتبط مع بعضها في طاعة كاملة لأجل سلامة الجسد كله.

بهذا نحفظ جسدنا المسيحي أيضًا في كماله، فيخضع كل منا لصاحبه حسب عطيّته الخاصة. فيلزم على القوي أن يهتم بالضعيف، والضعيف أن يحترم القوي. ويعول الغني الفقير، والفقير يشكر الله الذي وهبه من يعوله. والحكيم لا يُظهِر حكمته في كلام بل في أعمال صالحة. والمتواضع لا يتباهى بتواضعه بل يترك الشهادة له من الغير. والعفيف أيضًا لا يفتخر عالمًا أن ضَبْطَ نفسه هو عطيّة من آخر (الله). يلزمنا أن نحب الإخوة من القلب، هؤلاء الذين خلقوا من نفس المادة التي خلقنا نحن منها[2].]

الإيمان يلزم ترجمته عمليًا في عمل المحبة الذي يجعلنا نحب الجميع بلا تمييز أو محاباة. وقد كشف الرسول عن علامة المحاباة وخطورتها قائلاً:

فإنه إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهيّ،

ودخل أيضًا فقير بلباس وسخ .

فنظرتم إلى اللابس اللباس البهيّ،

وقلتم له اجلس أنت هنا حسنًا،

وقلتم للفقير قف أنت هناك أو اجلس تحت موطيء قدميَّ “] 23[.

كيف لا تكون هناك محاباة بين العابدين إن حدث هذا التمييز؟

١. تمييز الغني بالقول له “اجلس أنت هنا حسنًا”.

لم يقل الرسول “إن دخل إلى مجمعكم غني” بل “إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب في لباس بهيّ” أي إنسان عليه علامات الغنى والكبرياء. إذ كان بعض الرجال الأغنياء يلبسون خواتم ذهبيّة كثيرة ويهتمون باللباس البهيّ الفاخر لنوال الكرامة والمجد الزمني. ويكشف الرسول عن روح المحاباة ليس فقط في تقديم الأغنياء في أماكن خاصة في أماكن العبادة، بل يقول “ونظرتم إلى الملابس…” أي أعطيتم لهم أهميّة. ولم يقل “دخل إلى كنيستكم” بل “إلى مجمعكم“، وربما هذا للتوبيخ إذ لا يليق هذا التحيز بالكنيسة.

٢. احتقار الفقير بأمره بالوقوف أو الجلوس عند أقدام الغني

يقول القديس إأمبروسيوس: [ما هو النفع الذي يعود عليك بتكريمك (محاباتك) للغني؟ هل لأنه أكثر استعدادًا لإبقاء محبة الآخرين له؟ فنقدم المعروف لمن نتوقع منهم أنهم سيوافوننا عنه. إنه يلزمنا أن نفكر بالأكثر فيما يخص الضعفاء والمحتاجين لأننا بسبب هؤلاء نترجى الجزاء من الرب يسوع، الذي في مثال وليمة العرس (لو ١٤: ١٢-١٣) قدّم لنا صورة عامة للفضيلة. فقد طلب منا أن نقدم أعمالنا بالأكثر لمن ليس في قدرتهم ردها لنا[3].]

وخطورة التمييز بين الأغنياء والفقراء هي:

أولاً: تضاد الله المهتم بالفقراء

فهل لا ترتابون في الأمر وتصيرون قضاة أفكار شريرة.

اسمعوا يا إخوتي الأحباء،

أمَا اختار الله فقراء هذا العالم أغنياء في الإيمان

وورثة الملكوت الذي وعد به الذين يحبونه،

وأمَّا أنتم فأهنتم الفقير” ] 45 [.

وكأن الرسول يقول: هل يحتاج الأمر إلى تفسير أو توضيح؟ أمَا تحكم عليكم ضمائركم في داخلكم من جهة أفكاركم الشريرة هذه؟

وكما يقول القديس أمبروسيوس: [إن كان ملكوت الله للمساكين فمن هو أغنى منهم؟]

وكما يقول القديس أغسطينوس: [الجميع عند الله متساوون، إنما تسمو منزلة كل واحد منهم حسب إيمانه وليس حسب أمواله.]

هكذا لا يميز الله بيننا حسب غنانا، بل أعطى اهتمامًا بالفقراء من أجل مذلتهم، واعتبر كل إهانة تلحق بهم مُوَجَّهَة ضده، لهذا ينصحنا الكتاب المقدس قائلاً: من قدم ذبيحة من مال المساكين فهو كمن يذبح الابن أمام أبيه” (سي ٣٤: ٢٤). من أجل هذا تقف الكنيسة نصيرة للمساكين، موبخة الأغنياء الظالمين، حتى قال القديس يوحنا ذهبي الفم:

[كثيرون ينتهرونني قائلين: أنت دائمًا تُضيِّق على الأغنياء، وهم بالتالي يُضيِّقون على الفقراء.

حسنًا إنني أُضيِّق على الأغنياء، أو بالحري ليس على الأغنياء بل على الذين يُسيئون استخدام الأموال. فأنا لا أهاجم أشخاصهم بل جشعهم. فالغِنَى شيء والجشع شيء آخر، وجود فائض شيء والطمع شيء آخر.

هل أنت غني؟ أنا لا أمنعك من هذا. كن هل أنا جشع؟ إنني أتوَعَّدك… إنني لن أسكت.

هل تهاجمني بسبب هذا؟ إنني مستعد أن يُسْفَك دمي، لكنني أريد أن أمنعك عن أن تخطيء. إنني لا أُكِنُّ لك بغضة، ولا أشنّ عليك حربًا، إنما أريد أمرًا واحدًا هو نَفْع المستمعين إليَ.

إن الأغنياء هم أولادي، والفقراء أيضًا أولادي. إن رَحمًا واحدًا (المعموديّة) تَمَخَّض بهم بشدة. فالكل هم نسل لمن تَمَخَّض بهم. فإن كنت تَكيل الإهانات للفقير، فإنني أَتَوَعَّدك لأن الفقير في هذه الحالة لا تحل به خسارة مثلك. لأنه لا يسقط في الخطأ بل ما يصيبه من خسارة هو مجرد فقدانه المال،أمَّا أنت فكغني تلحق بك الخسارة في روحك[4].]

ثانيًا: كثير من المشاكل يسببها الأغنياء

أليس الأغنياء يتسلطون عليكم؟ وهم يجرونكم إلى المحاكم!

أمَّا هم يُجَدِّفون على الاسم الحسن الذي دُعِيَ به عليكم!]6 ٧[.

كأن الرسول يقول: لماذا تحابون الأغنياء مع أن أغلب المشاكل تنبعث منهم؟

تطلَّعوا فإن الأمم الوثنيين قَبِلوا الكلمة بإيمانٍ وفرحٍ (أع ١٣: ٤٨)، بينما ثار اليهود الأغنياء ماديًا وأغنياء في الاعتداد بالذات وحب الكرامة الزمنيّة ضد الإيمان، إذ يقول سفر الأعمال “ولكن اليهود حركوا النساء الشريفات ووجوه المدينة وأثاروا اضطهادًا على بولس وبرنابا وأخرجوهما من تخومهم (13: 50).

وظاهر من قول الرسول “يتسلطون عليكم” إن احترامهم وتملقهم ومحاباتهم للأغنياء لا يقوم على أساس الحب والاحترام بل التملق والمداهنة.

ثالثًا: تملقهم ينافي الناموس

فإن كنتم تكملون الناموس الملوكي حسب الكتاب

تحب قريبك كنفسك فحسنًا تفعلون.

ولكن إن كنتم تُحابون تفعلون خطيّة،

مُوَبَّخين من الناموس كَمُتَعَدِّين” ]8 ٩[.

فلو أن تكريمهم نابع عن الحب لكان في ذلك تكميل للناموس الملوكي، وكان عملهم هذا حسنًا جدًا. لكن إذ الدافع هو المحاباة، لذلك فقد انحرفوا وتعدوا الناموس، وصار عملهم خطيّة.

وقد دعا القديس إكليمنضس السكندري[5] الذين لا يعملون بالحب ولا يخدمون إخوتهم أنهم غير سالكين في “الطريق الملوكي”. لقد دُعِيَت “المحبة” بالناموس الملوكي.

  1. لأنها شريعة ملكوت السماوات وقانونها الذي يسود السماء إلى الأبد.
  2. لأنها الطريق الذي يبلغ بنا إلى ملك الملوك ذاته، بل هو نفسه “المحبة”، أي هو “الطريق”.

وقد أوضح لنا الرب أنه بالمحبة يتعلق الناموس والأنبياء (مت ٢٢: ٤٠)لأن كل الناموس في كلمة واحدة يُكْمَل: تحب قريبك كنفسك(غل ٥: ١٤).

يقول القديس أغسطينوس: [يقول الرسول: المحبة هي تكميل الناموس. فإذا وجدنا المحبة ماذا نحتاج بعد! وإذا خسرنا المحبة أي ربح يمكننا أن نجنيه؟ لنتمسك بوصية الرب (يو ١٥: ١٢) بأن نحب بعضنا بعضًا وبهذا نُنَفِّذْ كل الوصايا.]

إذن فلنحرص على حفظ الوصيّة أي محبة القريب حتى لا نكسر الناموس.

لأن من حفظ الناموس،

وإنما عثر في واحدة فقد صار مجرمًا في الكل.

لأن الذي قال لا تزن،ِ قال أيضًا لا تقتل.

فإن لم تزنِ ولكن قتلت فقد صرت متعديًا الناموس” ]10 ١1[.

يثير هذا النص تساؤلاً: هل كل الخطايا متشابهة، فمن يقتل عمدًا كمن يكذب عن إكراه؟ لقد كتب القديس أغسطينوس[6] رسالة إلى القديس چيروم يشرح له فيها هذا النص وقد أوضح فيها:

  1. أن الخطايا بالعمد مثل القتل عمدًا ليس كالهفوات التي تصدر عن ضعفٍ بشريٍ أو بغير إرادةٍ أو عن جهلٍ. غير أن جميع الخطايا عقابها الموت الأبدي، وجميع الخطايا لا يمكن التطهير منها إلاَّ بدم السيد المسيح.
  2. يقصد الرسول بهذا النص أن خطيّة “عدم المحبة” والاستهانة بالفقير ومحاباتنا للأغنياء، تجعلنا نكسر الناموس كله.

ويجدر بنا أن نلاحظ:

  1. أن قول الرسول “وإنما عثر في واحدة” تعني هنا الاستهانة بها، وبالتالي الاستهانة بواضع الوصيّة.
  2. يريد الرسول منا أن نجاهد ضد الثعالب الصغيرة، لأن البشر غالبًا ما يهتمون بالخطايا التي بحسب نظرهم كبيرة لكنهم لا يهتمون بما يحسبونه خطيّة صغيرة. وبهذا يغلق الرسول باب الخداع الذي تفتحه لنا الخطيّة لنستهين بها.
  3. هذا لا يعني أن المؤمنين لا يخطئون قط، وإنهم إن أخطأوا ولو عن جهل أو بغير إرادة أو في ضعف يفقدوا كل شيء، إنما يوجه الرسول أنظارنا إلى الصليب، فمهما كانت الخطيّة يَلزَم التوبة عنها.

رابعًا: احتقار الفقراء يفقدنا الرحمة

هكذا تكلموا وهكذا افعلوا كعتيدين أن تُحاكَموا بناموس الحريّة.

لأن الحُكْم بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة.

والرحمة تفتخر على الحُكْم]12 ١٣[.

“هكذا تكلموا وهكذا افعلوا” أي ليكن هو موضوع كرازتكم وموضوع سلوككم أن تصنعوا الرحمة مع إخوتكم فتنالوا رحمة يوم الدين. فإذ نُحاكَم بناموس الحريّة هكذا لا نتمتع بالتحرر الأبدي من الكثير ما لم نعتق إخوتنا مما هو قليل وزمني، ولا ننتفع بمراحم الله غير المحدودة ما لم نترفق بإخوتنا فيما هو محدود. وقد ضرب لنا الرب مثلاً بالعبد الشرير الذي سامحه سيده بعشرة آلاف وزنة أمَّا هو فلم يسامح أخاه في مئة دينار، بل أمسك به وأخذ بعنقه وألقاه في السجن بوحشيَّة، فخسر الأول ما قد سامحه به سيده (مت 18: 23-34).

يقول القديس باسيليوس الكبير: [من أجل أنك لا ترحم الآخرين فلا يصنع بك رحمة. ولأنك أغلقت باب بيتك إزاء المساكين فلا يفتح لك الله باب ملكوته، وكما أمسكت بالخبز عن البائسين حينما كانوا يطلبونه منك هكذا يمسك الله عنك الحياة الأبديّة التي تطلبها. إنكم ستحصدون ما زرعتم. فإن كنتم قد زرعتم المرارة فستحصدون المرارة، وإن زرعتم القسوة فلا تحصدون سوى الأتعاب القاسية والعذابات الهائلة. وإن كنتم قد هربتم من الرحمة تهرب الرحمة منكم، وإن رذلتم الفقراء يرذلكم ذاك الذي صار فقيرًا حبًا فيكم[7].]

٢. الاتكال على الإيمان بدون الأعمال

يجدر بنا أن نراعي أن الرسول يعقوب كان يحث أناسًا مؤمنين انحرف بعضهم في سلوكهم تحت دَعْوَى أن دم المسيح يطهر وكافٍ لخلاصهم دون حاجة إلى الجهاد والمثابرة، لذلك وجه إليهم الحديث قائلاً:

ما المنفعة يا إخوتي إن قال أحد أن له إيمانًا ولكن ليس له أعمال؟

هل يقدر الإيمان أن يخلصه؟” ]١٤[.

لقد سبق أن رأينا أن الأعمال التي يقصدها الرسول يعقوب غير ما قصده الرسول بولس. فالإيمان وحده لا يقدر أن يخلص، فحنانيا وسفيرة آمنا بالرب لكن بسبب انحرافهما عن السلوك في النور هلكا (أع ٥: ٩). ويذكر لنا الرب (مت ٧: 21-23) من بين الهالكين أناسًا مؤمنين بل وأصحاب مواهب ومعجزات لكن إذ ليس لهم أعمال يقول لهم “إني لا أعرفكم قط، اذهبوا عني يا فاعلي الإثم“.

وإذ تحدث البابا أثناسيوس الرسولي عن أهمية الأعمال قال إن الرسول بولس دائمًا يبدأ بالحديث عن الإيمان، ولا نفع لإيماننا بغير أعمال. يقول البابا: [بحق يَلزمنا أن نبحث في الفكر الرسولي، لا في بداية الرسائل بل وفيما جاء بنهايتها وفي صُلْبِها حيث يورد المعتقدات (الإيمان) والنصائح (الأعمال)… وقد استخدم موسى المؤمن – خادم الله – نفس الطريقة لأنه عندما أذاع كلمات الشريعة الإلهيّة، تكلم أولاً عن الأمور الخاصة بمعرفة الله… (تث ٦: ٤) وبعدما أشار للشعب عن الله وعلمهم بمن يؤمنون به وأخبرهم عن الله الحقيقي، عندئذ بدأ يقدم الشريعة الخاصة بالأمور التي بها يكون الإنسان مرضيًا لله قائلاً: “لا تزنِ. لا تسرق” مع بقيَّة الوصايا. هكذا بحسب التعليم الرسولي: “يجب أن الذي يأتي إلى الله يؤمن بأنه موجود، وأنه يجازي الذين يطلبونه” (عب ١١: ٦). الآن فإنه يُبْحَث عن الله عن طريق الأعمال الصالحة كقول النبي: “اطلبوا الرب ما دام يُوجد. ادعوه وهو قريب. ليترك الشرير طريقه ورجل الإثم أفكاره” (إش ٥٥: 6-7) [8].]

أولاً: مثالان لإيمان ميت

  1. إن كان أخ وأخت عريانين ومعتازين للقوت اليومي.

فقال لهما أحدكم امضيا بسلام استدفئا واشبعا،

ولكن لم تعطوهما حاجات الجسد فما المنفعة؟

هكذا الإيمان أيضًا، إن لم يكن له أعمال ميت في ذاته“] 15 ١٧[.

يشبه الإيمان بغير أعمال بالحنو الكلامي تجاه المتألمين دون محاولة التنفيذ.

ونلاحظ أن الرسول يقول: “إن كان أخ أو أخت” ليظهر مقدار المسئوليّة تجاههما، كما يتحدث عن مقدار الضنك الذي بلغاه، ثم يُحمِّل الكنيسة المسئوليّة إذ يقول: “لم تعطوهما” بصيغة الجمع مع أنه سبق فتحدث بصيغة المفرد “أحدكم“.

لكن يقول قائل أنت لك إيمان وأنا لي أعمال.

أرِني إيمانك بدون أعمالك،

وأنا أُريك بأعمالي إيماني” ]١٨[.

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [هل تعليمنا ضعيف؟ إن كنت مسيحيًا آمن بالمسيح، وإن كنت تؤمن به أرني إيمانك بأعمالك[9]؟]

فالأعمال الحيّة برهان على وجود الإيمان وحيويته إذمن ثمارهم تعرفونهم (مت ٧: ١٦)، بل وبرهان على أننا سالكون حسب الولادة الجديدة إذبهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس (١ يو ٣: ١٠). وهي برهان ليس أمام الناس بل ويجازينا الله حسبها، إذ يجازي كل واحد حسب عمله” (مت ١٦: ٢٧).

لقد أعلن اللص عن إيمانه بأعماله، إذ شهد للرب واعترف له في أحلك اللحظات التي تركه فيها الجميع (لو 23: ٤١)… اعترف علنًا بلا خجل بصليب الرب، وأشكر واحتمل الألم بلا تذمر. اعترف، أليس هذا عملاً؟

٢. “أنت تؤمن أن الله واحد حسنًا تفعل.

والشياطين يؤمنون ويقشعرون” ]١٩[.

هذا هو المثال الثاني للإيمان الميت وهو التشبّه بالشياطين. يعلق القديس أغسطينوس قائلاً:

[إنك تمدح نفسك لأجل إيمانك هذا… حسنًا تفعل! والشياطين يؤمنون ويقشعرون فهل يعاينون الله؟

إن أنقياء القلب وحدهم هم الذين يعاينونه (مت ٥: 8)، فمن يقدر أن يقول أن الشياطين نقيّة القلب؟ ومع هذا فإنهم يؤمنون ويقشعرون! لذلك ينبغي أن يوجد فارق بين إيماننا وإيمان الشياطين، فإيماننا ينقي القلب، وأما إيمانهم فيجعلهم مذنبين. هم يفعلون الشر، ومع ذلك يقولون: “نحن نعرفك، مَنْ أنت قدوس الله (لو ٤: ٣٤). وهو ما قاله أيضًا بطرس “أنت هو ابن الله” فمدحه الرب بينما وبخ الشياطين…

فأي إيمان هو هذا الذي ينقي القلب إلاَّ الذي عرّفه الرسول بأنه الإيمان العامل بالمحبة[10]“؟]

ويقول أيضًا: [هكذا أيضًا عندما تسمع من من آمن واعتمد وخلص” (مر ١٦: ١٦). فبالطبع لا نفهمها على أنه يقصد كل من آمن أيًا كان إيمانه “فالشياطين يؤمنون ويقشعرون”. وكما لا نفهمها على جميع من اعتمدوا، فسِيمُون (الساحر) رغم قبوله المعموديّة إلاَّ أنه لم يكن من السهل أن يخلص[11].]

ثانيًا: مثالان لإيمان حي بالأعمال

١. “ولكن هل تريد أن تعلم أيها الإنسان الباطل

أن الإيمان بدون أعمال ميت؟

ألم يتبرر إبراهيم أبونا بالأعمال،

إذ قدم إسحق ابنه على المذبح؟

فترى أن الإيمان عَمِلَ من أعماله، وبالأعمال أُكْمِلَ الإيمان.

وتم الكتاب القائل: فآمن إبراهيم بالله فَحُسِبَ له برًا،

ودُعِيَ خليل الله.

ترون إذًا أنه بالأعمال يتبرر الإنسان، لا بالإيمان وحده” ]20٢٤[.

إذ يوجه الرسول حديثه إلى إنسان إيمانه باطل بسبب عدم الأعمال لذلك يدعوه “أيها الإنسان الباطل“، وذلك مثل إيمانه الذي بلا عمل.

وقد ضرب لنا مثلاً بأب الآباء الذي حُسِبَ له إيمانه برًا، وقد دُعي صديق الله، ولكن كيف نال هذا؟ بالأعمال أكمل إيمانه. والعجيب أن المثال الذي استخدمه الرسول بولس (رو ٤: ٣؛ غل ٣: 6) لتأكيد أهمية الإيمان وحده دون أعمال الناموس هو نفسه المثال الذي استخدمه يعقوب الرسول لتأكيد الأعمال المكملة للإيمان. وقد أورد الرسول بولس نفس المثال في الرسالة إلى العبرانيين مُظهرًا الإيمان والأعمال معًا قائلاً: بالإيمان إبراهيم أطاع”. كما أكد يشوع بن سيراخ إيمان إبراهيم وأعماله (سي ٤٤: ٢٠-٢١).

٢. “كذلك راحاب الزانية أيضًا

أما تبررت بالأعمال،

إذ قبلت الرسل، وأخرجتهم في طريق آخر]٢٥[

لقد شهد شعب أريحا بقوة الله (يش ٢: ٩)، لكن لم ينتفع أحد بهذه الشهادة إلاَّ راحاب لأنها ربطت إيمانها بالعمل فصار حيًا[12].

ثالثًا: مثال لارتباط الإيمان بالأعمال

لأنه كما أن الجسد بدون روح ميت هكذا الإيمان بدون أعمال ميت]٢٦[.

إلى هذه الدرجة يوضح الرسول أهمية الأعمال حتى حسبها كالروح بالنسبة للجسد.

لقد دعاهما البابا أثناسيوس الرسولي بأختين قائلاً:

[الإيمان والأعمال أختان مرتبطتان ببعضهما البعض. فمن يؤمن بالرب يكون نقيًا، ومن يكون نقيًا فهو مؤمن بالأكثر.

لهذا فمن هو شرير يكون بلا شك ضالاً عن الإيمان، ومن يترك التقوى يتخلى عن الإيمان الحقيقي.

وكما أنه عندما يساعد الأخ أخاه يصيران حصنين لبعضهما البعض، هكذا أيضًا الإيمان والصلاح، إذ ينموان متشابهين مُمْسِكَيْن ببعضهما البعض، فمن يختبر أحدهما يتقوى بالآخر.

لذلك إذ يرغب الرسول في أن يتدرب التلميذ على الصلاح حتى النهاية وأن يجاهد من أجل الإيمان

نصحه قائلاً: “جَاهِدْ جهاد الإيمان وتمسك بالحياة الأبديّة” (١ تي ٦: ١٢)[13].]

هكذا فإن المسيحيّة ليست فلسفة فكريّة بل حياة في نور ربنا يسوع.

 

[1] ترجمها البعض في صيغة استفهام: “ألا يكون لكم إيمان…؟”

[2] للمؤلف: رسالة اكلمينضس أسقف روما، طبعة 1967، ص 33-34.

[3] للمؤلف: الحب الرعوي، الإسكندرية، 1965.

[4] عن مقالتين عن أتروبيوس، طبعتا تحت اسم “الكنيسة تحبك”، سنة 1968، ص 35، 36.

[5] Strom. 6: 164; 7: 73

[6] رسالة رقم 167.

[7] للمؤلف: الحب الأخوي، ص 153.

[8] رسائل القيامة للبابا أثناسيوس الرسولي، ص 132-136.

[9] Concerning the Statues 5: 6

[10] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد، 3.

[11] عظات على فصول منتخبة من العهد الجديد، 21.

[12] قيل إن يشوع تزوجها وجاء من نسلها ثمانية أنبياء.

[13] رسائل القيامة، 144-145.

 

تفسير رسالة يعقوب 2 الأصحاح الثاني – القمص تادرس يعقوب ملطي

Exit mobile version