رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة السابعة:

” هوذا أنت تسمى يهوديًا وتتكل على الناموس، وتفتخر بالله وتعرف مشيئته وتميز الأمور المتخالفة متعلمًا من الناموس ” (17:2ـ18).

          1ـ بعدما قال إن اليونانى لا ينقصه شئ لأجل خلاصه، لو أنه سلك بحسب الناموس، أى متى سلك حسب الطبيعة بما هو في الناموس، وبعدما قدّم تلك المقارنة المدهشة (بين مَن يسمع الناموس ومَن يسلك بحسب الناموس)، فإنه يشير فيما بعد إلى تلك الأمور التي جعلت اليهود يفكرون بأنهم متميزون (كجنس) عن اليونانيين. أول شئ هو الاسم نفسه، أى أنهم دُعيوا “يهودًا” إذ أن هذا الاسم كان له أهمية كبيرة جدًا، تمامًا مثل المسيحية الآن. لأنه بالحقيقة كان التمييز يعتمد في ذاك الوقت على التسمية، لهذا نجده يبدأ بذكر الاسم أولاً. ولاحظ كيف أنه يبطل فكرة الانتماء لجنس اليهود، كأمر يميّزهم عن غيرهم. لأنه لم يقل “أنت يهودى”، لكن ” تسمى يهوديًا.. وتفتخر بالله” أى أن الله أحبك، وتميّزت عن أناس آخرين، وأُعطيت هذا الاسم. لاحظ كيف أنه يسخر منهم في هدوء، لأجل حماقتهم ولأجل محبتهم الكبيرة للمجد، لأنهم استخدموا هذه العطية[1]، لا لأجل خلاصهم، ولكن لكى يثيروا فتنة ضد الآخرين ويحتقرونهم.

” وتعرف مشيئته وتميّز الأمور المتخالفة ”.

إن هذه المعرفة التي تُميّز الأمور المتخالفة تبدو على أنها ميزة، لكنها رذيلة (لأنها معرفة بدون عمل)، ولهذا فهو يذكرها بالتحديد. لأنه لم يقل تصنع مشيئته، لكن ” تعرف وتميز”، وليس تعمل وتتمم.

” وتثق أنك قائد للعميان ”.

وأيضًا هنا لم يقل إنك بالفعل قائد للعميان، بل ” تثق أنك قائد للعميان ” وهكذا تفتخر. ولأن جنون العظمة لدى اليهود كان كبيرًا، فلهذا نجد أن الرسول بولس هنا يعكس ما ورد في الأناجيل من عبارات تدل على افتخارهم بأنفسهم عندما قالوا للمولود أعمى: ” في الخطايا وُلدت أنت بجملتك وأنت تعلّمنا[2]. فقد كانوا دائمى الافتخار بأنفسهم أمام الجميع، هذا بالضبط ما أراد الرسول بولس أن يفحصه ويصححه، فنجده يرفع من شأن أولئك اليونانيين، مقابل وضع هؤلاء اليهود. وكأنه بهذا أراد أن يفضح افتخارهم الكاذب، ويجعل دينونتهم أثقل. ولهذا استمر في كشف زيف افتخارهم بقوله:

” وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة. ومهذّب للأغبياء ومعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس ” (19:2ـ20).

مرة أخرى لم يقل: لك صورة العلم والحق “في الضمير” و”في الأعمال” و”في الانجازات”، لكن ” في الناموس“. وبعدما قال هذه الأمور، فإن ما ذكره عندما أشار إلى الأمم بقوله ” لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك[3]، يكرره هنا تقريبًا:

” فأنت اذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك؟ ” (21:2).

          غير أنه عندما كان يشير إلى الأمم، كان حديثه أكثر حدة، أما هنا فحديثه يتسم بالرقة، حيث لم يهددهم بأنهم يستحقون عقابًا أكثر نتيجة فعلهم هذا، بل يخاطبهم قائلاً: ” فأنت اذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك؟” فعلى الرغم من ثقتهم فيك “كمعلّم” لأمور كثيرة، فإنك لم تنتفع شيئًا من كل هذه الأمور كما ينبغى، وهذا هو معنى سؤاله بقوله: ” فأنت إذن الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك “؟ لكن لاحظ من فضلك، رؤية الرسول بولس في موضع آخر، حيث يشير إلى تميّز اليهود والذي لم يكن راجعًا لأعمالهم التي مارسوها بأنفسهم، ولكن راجع إلى فعل النعمة الإلهية فيهم. ويبَيّن كيف أنه (أى الناموس) لم يكن فقط بلا نفع لهم مادامو قد أهملوه، لكنهم أيضًا قد جلبوا على أنفسهم عقابًا آخر. فليس هو إنجاز خاص بهم أن يدعوا يهودًا، ولا لأنهم أخذوا الناموس، ولا للأمور التي ذكرها فيما سبق، بل لأجل النعمة الإلهية. فبينما نجده في البداية يقول إن مجرد سماع الناموس لا يفيد إطلاقًا إن لم يقترن بالعمل ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله[4]. نجده الآن يوضح أنه ليس السماع فقط هو المهم، لكن الذي يُعد أكثر أهمية من السماع هو التعليم. ولا حتى التعليم يستطيع أن يساعد المعلّم عندما لا يعمل به. وليس هذا فقط أن التعليم نفسه  لن يُعينه، لكن بالحرى سيدينه.

وحسنًا يستخدم القديس بولس الكلمات بكل دقة، لأنه لم يقل ” أخذت الناموس”، لكن ” تتكل على الناموس“. لأن اليهودى لم يتعب في أن يذهب هنا وهناك وأن يطلب معرفة الأمور التي ينبغى أن يفعلها، لكن كان لديه الناموس الذي أظهر له بسهولة الطريق الذي يقود إلى الفضيلة. فبالرغم من أن الأمم الذين سلكوا بالناموس الطبيعى، قد وُجدوا في حالة أفضل من هؤلاء اليهود، لأنهم فعلوا كل شئ بدون الناموس المكتوب، إلاّ أن الطريق نحو الفضيلة، كان أسهل بالنسبة لليهود، باعتبار أن لديهم الناموس. لكن لو أن اليهودى قال: إننى لا أسمع فقط، لكن أعلّم أيضًا، فإن هذا كان سيزيد من هول إدانته. إذن لأنه افتخر كثيرًا بأن لديه الناموس، فمن أجل هذا يوضح لهم، كيف أنهم مستحقون للسخرية عندما يقول: ” وتثق أنك قائد للعميان .. ومهذب للأغبياء ومعلّم للأطفال“. هو يقصد تكبّرهم ـ لأنهم كانوا يستغلون الجهل بالناموس لدى الذين اهتدوا إلى الإيمان حديثًا ـ معطيًا إياهم هذه الصفات. ومع أن هذا الكلام يبدو وكأنه مدح لهم، إلاّ أنه في حقيقة الأمر هو سبب أكبر لدينونهم.

2ـ ” ولك صورة العلم والحق في الناموس” أن مَن يفعل هذا يكون تمامًا مثل شخص يرسم لوحة واضعًا أمامه صورة ملوكية، غير أن ما يرسمه لا يوافق مطلقًا هذه الصورة، بينما أولئك الذين لم يكن لديهم الأصل، رسموها بكل دقة.

وبعدما ذكر المزايا التي أخذوها من الله، ذكر عيوبهم، والتي بسببها أدانهم الأنبياء، واضعًا هذه الإدانات أمامهم بقوله:

” فأنت اذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك؟ الذي تكرز أن لا يسرق أتسرق. الذي تقول إن لا يزنى أتزني الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل ” (21:2ـ22).

          لأنه بالحقيقة كان يُعد عمل مُجرّم ويُحظر حظرًا تامًا، أن تُمّس الأموال التي توجد داخل المعابد الوثنية، بل إن هذا العمل كان أمرًا مكروهًا جدًا. لكن طغيان محبة المال أقنعكم أن تدوسوا هذا الناموس. بعد ذلك فإن الأمر الأصعب جدًا يضيفه في النهاية قائلاً:

” الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تهين الله ” (23:2).

          هنا يذكر اتهامين ضدهم أو من الأفضل أن نقول ثلاثة اتهامات، أولاً: أنهم أهانوا غيرهم، ثانيًا: أنهم أهانوا تلك الأمور التي كُرّموا بها، ثالثًا: أنهم أهانوا ذاك الذي كرّمهم، الأمر الذي كان يعد أسوأ أشكال الجحود. فيما بعد ـ لكى لا يبدو أنه يدينهم بحسب رؤيته ـ أشار إلى النبي كإدانة لهم، أولاً بكلام قليل وسريع ومختصر، لكن بعد ذلك تكلم بإسهاب أكثر. فقد ذكر إشعياء أولاً ثم بعد ذلك داود، وبالتالى صارت أمورهم مكشوفة بالأكثر. إذن فهو يُشير إلى هذه الأمور، لا باعتباره أنه هو الذي يدينهم، لكن اسمع ماذا يقول إشعياء:

” لأن اسم الله يُجدف عليه بسببكم بين الأمم ”[5] (24:2).

وها هو اتهام مزدوج، لأنه يشير إلى أن هؤلاء لا يجدّفون فقط على اسم الله، لكن يدفعون آخرين أيضًا على التجديف على اسم الله، بسبب سلوكهم المزدوج، فبينما يُعلّمون الآخرين، لا يسلكون هم أنفسهم وفق هذه التعاليم. وكأنه يخاطبهم قائلاً: إذن فما هو نفع التعليم، عندما لا تُعلّمون أنفسكم؟ وكان هذا ما سبق أن خاطبهم به من قبل عندما قال: ” فأنت إذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك “، غير أن لكلامه هنا هدف آخر. لأنه يقول إن الأمر لم يقتصر فقط على عدم تعليم أنفسكم، لكن أيضًا لم تعلّموا الآخرين، تلك الأمور التي ينبغى أن يفعلوها. إن الأمر الأكثر فزعًا ليس فقط هو أنكم لا تعلّمون وصايا الناموس، بل إنكم تعلّمون بعكس وصايا الناموس. فيجدفون على اسم الله بسببكم.

ثم بعد ذلك يتحدث عن الختان ويقول إنه أمر عظيم وأنا أعترف به، حين يكون لدى المرء الختان الداخلى (أى ختان القلب بالروح). انتبه إلى حكمة الرسول بولس، كيف أنه في اللحظة المناسبة تكلم عن الختان، وكيف أنه لم يبدأ مباشرة بالحديث عن موضوع الختان إذ أن مكانته كانت عظيمة جدًا عند اليهود. وبعدما أوضح أن هؤلاء اليهود، مسئولون عن التجديف على اسم الله، وأن المستمع لكلامه بدأ يُدين سلوكهم، وأيضًا بعدما جردهم من مكانتهم المتميزة، حينئذٍ تكلم عن الختان، متمنيًا أن لا يستهجن أحد الختان إذ يقول ” فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس” على الرغم من أنه كان ممكنًا، أن يستخدم أسلوبًا آخر يتضح منه تجاهله للختان، لو أنه قال ما هو الختان؟ أو هل هو مجرد فعل يتممه المختتن؟ هل هو برهان لإرادته الصالحة حيث أن الختان يصير في سن مبكر جدًا؟ بالإضافة إلى ذلك فإن أولئك الذين كانوا في الصحراء جميعهم ظلوا بلا ختان لسنوات عديدة، ليس هذا فقط بل من خلال شواهد كثيرة يستطيع المرء أن يتحقق بأن الختان ليس أمرًا ضروريًا، ومع هذا لم يرفض الرسول بولس الختان بدون إبداء أسباب، لكنه رفضه مشيرًا إلى حالة إبراهيم الذي أخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان. حيث أن الوعد لإبراهيم ولنسله أن يكون وارثًا للعالم، كان ببر الإيمان. وعندما يبرهن القديس بولس على أن الختان هو بلا نفع، بعد أن كان محل تقدير بالنسبة لهم، فهذا أمرًا مهمًا. ومع أنه كان يستطيع أن يقول إن الأنبياء دعوا اليهود بغير المختتنين (لأنهم لم يسلكوا بما يتفق وختانهم)، إلاّ أن هذا لا يُعد بأى طريقة أمرًا يعيب الختان، لكنه أمرًا يعيب أولئك الذين يتحدثون عنه وهم يجهلون المعنى الحقيقي للختان. لقد كان هدف القديس بولس إذن، هو أن يُظهر كيف أن الختان ليس له أى قوة في زمن النعمة. وهذا بالضبط ما بيّنه فيما بعد.

فبعدما أوضح عدم نفع الختان من خلال شواهد أخرى، لم يُشر فيها إلى إبراهيم، إلاّ أنه قد ذكره أخيرًا عندما تكلم عن الإيمان قائلاً: ” فكيف حُسب أهو في الختان أم في الغرلة[6]. وهنا نجد أن الرسول بولس لم يُرِد أن يقول شيئًا عن الختان الذي كان يمثل عثرة بالنسبة للأممى غير المختتن، وذلك كى لا يكون حديثه مزعجًا بالنسبة لهم. أما عندما يتعلق الأمر بالإيمان، فإننا نجده يتكلم عن الختان بأكثر حدة، وذلك عكس ما حدث عندما تكلم عن الختان والغرلة إذ واصل حديثه بأسلوب هادئ قائلاً:

” فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس، ولكن إن كنت متعديًا للناموس فقد صار ختانك غرلة ” (25:2).

إذن فهو يقصد هنا غرلتين وختانين كما يقصد ناموسين. لأنه كما يوجد الناموس الطبيعى والناموس المكتوب، يوجد أيضًا ناموس آخر بينهما، هو ناموس الأعمال. لاحظ كيف أنه يُظهر هذه النواميس الثلاثة، ويعرضها أمامهم بقوله: ” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس[7]، أخبرنى عن أى ناموس يتكلم؟ إنه يتكلم عن ناموس الأعمال، ثم يكمل ” إذ ليس لهم ناموس” وهنا أيضًا أى ناموس يقصد؟ يقصد الناموس المكتوب، ويضيف ” هم ناموس لأنفسهم” كيف؟ من خلال الناموس الطبيعى. ومع ذلك فهم أى الأمم ” يُظهرون عمل الناموس ” وأى ناموس هذا الذي يظهرونه؟ نقول ناموس الأعمال. لأن الناموس المكتوب لم يُعطَ للأمم، بينما الناموس الطبيعى “يوجد داخلهم” كبشر، والناموس الثالث يظهر في الأعمال.

فالناموس الأول ـ هو من خلال النص المكتوب. والثانى ـ الطبيعى ـ تُمليه طبيعة البشر. والثالث ـ ناموس الأعمال ـ يظهر في الأعمال.

إذن فهناك احتياج لهذا الناموس الثالث والذي لأجل تحقيقه، يوجد الإثنان الآخران أى الناموس الطبيعى والناموس المكتوب. فإذا لم يتحقق هذا الناموس أى ناموس الأعمال فلا يوجد أى نفع من هذين الناموسين أى الناموس الطبيعى والناموس المكتوب، بل سيوجد ضرر كبير جدًا. وقد أوضح القديس بولس هذا الضرر في حديثه عن الناموس الطبيعى بالنسبة للأمم قائلاً: ” لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك[8]. وأيضًا في حديثه عن الناموس المكتوب بقوله: ” الذي تكرز ألا يُسرَق أتَسرقُ[9]. وهكذا أيضًا توجد غرلتان، الواحدة طبيعية والأخرى نتيجة للتعدى على وصايا الناموس من أولئك الذين اختتنوا بالجسد حسب الناموس. أيضًا لا يوجد ختان واحد الذي يتم في الجسد، لكن هناك ختان آخر يأتى من الإرادة. ماذا أريد أن أقول؟ لو أن شخصًا مارس الختان في اليوم الثامن، فهذا هو الختان الجسدى، ولو أن شخصًا آخر نفذ كل وصايا الناموس، فهذا هو ختان النفس، وهذا ما يطلبه الرسول بولس بشكل خاص أو من الأفضل أن نقول إن هذا هو ما يطلبه الناموس. 

          3ـ لاحظ إذن كيف أنه يبدو وكأنه قد قبل الختان عندما تحدث عنه، غير أنه عمليًا قد أبطله. فهو لم يقل إن الختان هو أمر زائد وأنه بلا نفع وبلا فائدة، لكن ماذا قال؟ ” فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس“. ولم يكن لديه مانع من قبوله مشيرًا إلى أنه ليس هو أمر سيئ، لكن متى؟ يجيب عندما يقترن بحفظ الناموس ” ولكن إن كنت متعديًا للناموس فقد صار ختانك غرلة” ولاحظ أنه لم يقل إن الختان لا يفيد بعد لكى لا يبدو وكأنه يحتقره. لكن بعدما أوضح حقيقة العلاقة بين الختان وسلوك اليهودى، وقتها تصدى له، الأمر الذي لم يُعدّ بعد احتقارًا للختان، لكنه ازدراءً من ذاك الذي قد فقد المعنى الحقيقى للختان بسبب لامبالاته. تمامًا مثل أولئك الذين لهم رُتب عالية في المجتمع، ثم بعد ذلك يُقبض عليهم من أجل جرائم خطيرة. فبعدما ينزع عنهم القضاة كرامة رتبهم، حينئذٍ يعاقبونهم. هكذا فعل الرسول بولس لأنه عندما قال: ” لو كنت متعديًا للناموس “، فإنه أضاف ” فقد صار ختانك غرلة “، وعندما برهن على أن هذا اليهودى هو غير مختتن من الداخل فإنه أدانه وبلا تردد بقوله:

” إذن إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب[10] غرلته ختانًا ”؟ (26:2).

لاحظ ماذا يقول الرسول بولس؛ فإنه لم يقل إن الغرلة تتفوق على الختان، لأن هذا القول كان سيُعد أمرًا مؤسفًا لمستمعيه في ذلك الوقت. بل قال إن الغرلة صارت مثل الختان ويتحدث عن ما هو الختان وما هى الغرلة، ويشير إلى أن الختان هو عمل حسن، والغرلة أمر سيئ. فبعدما ذكر أن غير المختتن يُعد في الواقع مختتن بسبب أعماله الحسنة، وبعدما اعتبر المختتن هو أغرل، بسبب أنه عاش في التعدى، فقد أعطى الأفضلية لغير المختتن إذ قال: أفما تتحول غرلته ختانًا؟ ولم يقل ستحسب لكن ستتحول، وفي هذا كان واضحًا كل الوضوح إذ سبق وقال ” ختانك صار غرلة “، ولم يقل حُسب غرلة[11]. أرأيت أنه يشير إلى غرلتين؛ الطبيعية والاختيارية؟

” وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهى تكمل الناموس تدينك ” (27:2).

إنه هنا يذكر الغرلة الطبيعية، ولا يتوقف عند هذا، لكنه يضيف ” أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس“. لاحظ حكمته فهو لم يقل إن الغرلة الطبيعية ستدين الختان، لكن حين ينجح المرء في تنفيذ الوصية، فإنه يذكر الغرلة، وحينما يدين الختان، فإنه لا يُشير إلى الختان نفسه بل إلى اليهودى الذي أعطى له الختان. ولم يقل أنت الذي عندك الناموس والختان، لكنه أيضًا بهدوء يقول ” أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس “.

أى أن هذه الغرلة ويقصد الختان (الروحى)، قد صارت مساعدًا للناموس. لأن هذه الغرلة التي كانت محتقرة في السابق، تحصل الآن على غلبة ظاهرة. وحينما لا يُدان اليهودى من اليهودى، لكن من الأممى غير المختتن تتقرر الغلبة، تمامًا مثلما يقول الكتاب: ” رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه[12]. وهكذا نرى من كل ما قاله إنه لا يقصد أن يهين الناموس إذ هو يقدره كثيرًا، لكن يقصد اليهودى الذي يحتقر الناموس.

وبعدما أظهر هذه الأمور بوضوح ـ نجده بكل شجاعة ـ يحدد مَن هو اليهودى، ويوضح كيف أنه لا يرفض اليهودى ولا الختان، لكنه يرفض ذاك الذي ليس هو يهودى بالحق أى الذي ليس له الختان الروحى. ومع أنه يبدو أنه يدافع عن الختان، لكنه في الحقيقة يرفع عنه ما كان له من تقدير وفخر عند اليهود مُستندًا في ذلك على أن اليهود المختتنين يخالفون وصايا الناموس، ويوضح أنه لا يوجد أى فرق بين اليهودى وغير المختتن، وليس هذا فقط، لكن كيف أن الأممى غير المختتن هو أسمى لو أنه لاحظ نفسه، وأن اليهودى الحقيقى هو ذاك الذي يلاحظ نفسه:

” لأن اليهودى في الظاهر ليس هو يهوديًا ولا الختان الظاهر في اللحم ختانًا ” (28:2).

هنا هو يدين هؤلاء اليهود، لأنهم يفعلون كل شئ علانية من أجل محبة المجد الباطل.

” بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله ” (رو29:2).

4ـ بهذه الأقوال هو يرفض كل الأمور الظاهرية. مثل الختان الذي يُمارس ظاهريًا في الجسد، وحفظ السبوت، وتقديم الذبائح، والتطهيرات. كل هذه الأمور أشار إليها بكلمة واحدة قائلاً: ” لأن اليهودى في الظاهر ليس هو يهوديًا“. لكن لأن الحديث عن الختان كان طويلاً، فبالطبع كان الحديث عن حفظ السبت قليلاً. ثم يتكلم بعد ذلك عن ختان القلب بالروح ويُمهد الطريق لحياة الشركة وحياة الإيمان. حيث أن هذا الإيمان صار بعمل الروح القدس في القلب، والله نفسه يمتدح هذا الإيمان. ولماذا لم يبين كيف أن الأممى الذي يحفظ الناموس ليس بأقل من اليهودى الذي يحفظه، بل أظهر كيف أن الأممى الذي يحفظه هو أسمى من اليهودى الذي يخالفه؟ لقد فعل ذلك لكى يجعل الغلبة لغير المختتنين أمرًا مؤكدًا. إذن عندما يصير هذا الأممى مقبولاً، فبالضرورة يصير ختان الجسد مرفوضًا. وهكذا يتضح في كل موضع أن الأمر يحتاج إلى السير في طريق الحياة المستقيمة. لأنه عندما يخلص الأممى بدون هذه الأمور الخاصة بالناموس، بينما يدان اليهودى بها، فاليهودية تصير إذًا بلا نفع. لكنه أيضًا لا يقصد بالأممى، ذلك الذي يعبد الأوثان، لكن ذاك المتقى الله، السالك بالفضيلة، والمتحرر من أحكام الناموس.

[1] أى عطية أنهم يدعون يهودًا ولهم الناموس والأنبياء والعهود والاشتراع.

[2] يو34:9.

[3] رو1:2.

[4] رو13:2.

[5] إش5:52.

[6] رو10:4.

[7] رو14:2.

[8] رو1:2.

[9] رو21:2.

[10] هنا يستخدم القديس يوحنا ذهبى الفم الفعل (metatrape…) ويعنى “تتحول”، وليس بمعنى “تُحسب”.

[11] رو25:2.

[12] مت41:12.

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

5ـ أرأيت كيف أنه يوضح احتياج اليهود المُلّح لأن يركضوا نحو النعمة؟ لأنهم قالوا إنهم لا يحتاجون إلى النعمة، وإنهم يخلصون بالناموس فقط. فأوضح أنهم محتاجون للنعمة أكثر من اليونانيين، طالما أنهم  سيُدانون أكثر. ثم بعد ذلك، لكى يؤكد ما قاله يضيف تعليمًا آخر قائلاً:

” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرارًا عند الله”.

 وحسنًا أضاف “عند الله” لأنهم ربما يظهرون أمام الناس أنهم مستحقون للتقدير بسبب سماعهم للناموس، ويفتخرون بهذا كثيرًا. لكنهم أمام الله تنكشف حقيقتهم تمامًا. لذا نراه يذكر مَن هم الذين سيُبررون بقوله:

 

” بل الذين يعملون بالناموس هم يُبررون ” (13:2).

            بعدما تكلم عن أن الأبرار عند الله ليسوا هم الذين يسمعون الناموس، فإنه الآن يتكلم عن أن الأبرار هم الذين يعملون بالناموس.

أرأيت كيف أنه تكلم بفيض وغنى لكي ينتقل بكلمته لاتجاه عكسي؟ يقول القديس بولس، إذن لو أنك تعتقد بأنك سوف تخلص بسبب اتباعك للناموس، فإن اليونانى يُعد أفضل منك أمام الله، لأنه كما هو واضح قد عمل بالمكتوب. وكيف يمكن أن يعمل بالناموس ذاك الذي لم يسمع الناموس؟ بل أقول لك، وأنه من الممكن أيضًا، عندما يسمع اليهودى الناموس ألاّ يعمل به. ولقد ذكر بولس الرسول نفس هذا المعنى فيما بعد بأكثر تشديد بقوله : ” فأنت إذا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك [1].

 

” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ” (14:2).

          والرسول بولس هنا لا يرفض الناموس، بل على العكس هو يُبرر الأمم من خلال الناموس أيضًا. أرأيت كيف أنه يُقوض مجد اليهودية، ولا يستطيع أحد أن يشتكى عليه، باعتبار أنه يسيء إلى الناموس؟ لكن على العكس، فإنه يُظهر كل الأشياء كما هى، فيرفع من شأن الناموس ويُظهر فضله. وعندما يقول “بالطبيعة” يقصد الأفكار الفطرية، ويُظهر كيف أن البعض أفضل من هؤلاء اليهود. والأمر الأكثر أهمية بالنسبة له، إنهم صاروا أفضل مع أن ليس عندهم الناموس، الذي يفتخر به اليهود على الأمم. ولهذا تحديدًا يقول إن الأمم مستحقون للتقدير، لأنهم لم يتسلموا الناموس، ومع ذلك عملوا بكل وصاياه. وعبّروا عن أفكارهم بأعمالهم وليس بالكلام فقط. لأنه يقول:

 

” الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم شاهدًا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة. في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح ” (16،15:2) .

          أرأيت كيف أنه يشير أيضًا إلى يوم الدينونة، ويجعله قريبًا، وينذرهم، موضحًا كيف أنه ينبغي تكريم أولئك الذين اهتموا بأن يعملوا بوصايا الناموس بدون الناموس؟ لكن ما ينبغي أن نُعجب به بشكل خاص هو رؤية الرسول بولس، وهذا ما يستحق أن نتكلم عنه الآن. لأنه بعدما أظهر بالدليل، كيف أن اليوناني هو أسمى من اليهودي، لم يشر إلى هذا كنتيجة مجملة مُسلم بها، حتى لا يثير سخط اليهودي. ولكي يكون قولى أكثر وضوحًا، سأشير إلى كلامه هو نفسه حيث قال: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرارًا عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون “. وقد كان متوقعًا أن يقول: ” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس” هؤلاء هم أفضل بكثير من أولئك الذين لديهم الناموس. غير أنه لم يقل هذا، لكنه توقف عند مدح اليونانيين، ولم يواصل كلمته، فقد عقد أولاً تلك المقارنة (بين مَن يسمع الناموس وبين مَن يعمل بالناموس) حتى يقبل اليهودي هذا الكلام. لذلك اكتفى بأن يقول:  ” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم شاهدًا أيضا ضميرهم “.

لأنه يكفي في مقابل العمل بالناموس العمل بحسب الضمير والفكر. بهذا الكلام أظهر الرسول بولس أيضًا، كيف خلق الله الإنسان قادرًا على اختيار الفضيلة وتجنب الشر.

فلا تتحير لأنه أظهر هذا الأمر عدة مرات، لأن هذا الأمر الهام كان يُعد بالنسبة له، أمرًا مُلحًا، تجاه أولئك الذين تساءلوا لماذا أتى المسيح الآن؟ وأين كانت عناية الله في الأزمنة السابقة؟ وهو يرد على هؤلاء مبينًا لهم إنه في الأزمنة السابقة وقبل إعطاء الناموس، كان الجنس البشري يتمتع بعناية الله بصورة كاملة. فما أعلنه الله من قبل، كان واضحًا لهؤلاء، بل إنهم أيضًا قد عرفوا ما هو الخير وما هو الشر، وكانت معرفتهم هذه سببًا في أنهم أدانوا الآخرين. ولهذا تحديدًا اتهمهم وقال: ” فيما تدين غيرك تحكم على نفسك“، لكن في حالة اليهود بالإضافة إلى كل ما طُرح، فإنهم قد تسلموا الناموس، أى أنه بالاضافة للعطية الإلهية الممنوحة لكل البشر وهى العقل والضمير، فإنهم أيضًا أُعطوا تعاليم الناموس. لكن لأي سبب أشار إلى أن ” أفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة“؟ السبب في ذلك أنه لو كان عندهم الناموس المكتوب ويظهرون عمله، فهل يكون هناك مجال للفكر أن يشتكى؟ وعندما يقول “مشتكين” فإنه لا يقصد أن الأفكار فقط هى التي تشتكى عليهم (أى تتهمهم)، بل إن كل الطبيعة تشتكى عليهم أيضًا[2]. وهذا اتهام كافى لدينونتهم.

ثم بعد ذلك، لكى يزيد من خوفهم من يوم الدينونة أكثر، فإنه لم يُشر إلى خطايا البشر المعلنة فقط، لكنه أشار إلى “سرائر الناس أيضًا”. وهنا نرى أن دينونة الله هى أكثر دقة من دينونة البشر، باعتبار أن الناس يحكمون على الأمور الظاهرة فقط. وهو يُشير إلى ” سرائر الناس “، كى لا تتعرض لنفس الدينونة التي بها تدين غيرك حتى وإن كنت تدينه بأفكارك. ومن أجل هذا قال ” أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تُدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله “؟. ثم أكمل أن في يوم الدينونة هذه ” سيُدين الله سرائر الناس حسب إنجيلى بيسوع المسيح ” وهنا نلاحظ أنه على الرغم من أنه تكلم فيما سبق عن الله الآب فقط، فإنه هنا يتكلم عن المسيح[3].

 

6ـ أرأيت كيف أنه بهذه الحكمة، قد قاد الجميع ودعاهم إلى بشارة المسيح المفرحة ، وأظهر أن  نتائج أعمال الإنسان، لا تنحصر في هذه الحياة فقط، بل تمتد إلى حياة الدهر الآتى أيضًا، وهذا يتضح مما سبق وقاله: ” تدخر لنفسك غضب في يوم الغضب [4]، أما في هذه الآية فيقول أيضًا: ” اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس ” إذن فينبغى على كل واحد أن يفحص ضميره من جهة خطاياه، ويطالب نفسه ـ بكل تدقيق ـ بمسؤلياتها لكى لا يُدان مع العالم كله يوم الدينونة العتيدة. لأن تلك المحاكمة رهيبة وذلك الكرسى مخوف، ومسئوليات النفس عن أعمالها مرعبة والنار تجري كالنهر ” والأخ لن يفدي الإنسان فداءً، ولا يُعطى الله كفارة عنه[5]. فتذكّر إذن هذه الأمور التي قيلت في الإنجيل عن الملائكة الذين يروحون ويجيئون، والنار التي لا تُطفأ، والحجال الذي أُغلق، وقوات الشر التي تُجّر إلى أتون النار. فتخيل إذن، لو أن شخصًا منا أظهر اليوم أمام الكنيسة أمرًا خفيًا، كيف أنه يتمنى أن يختفي وتبتلعه الأرض، على أن يكون هناك شهود كثيرون على خطاياه؟ كم بالحرى سيكون الألم في ذاك الوقت، عندما تُعرض كل هذه الأمور أمام المسكونة كلها في مثل هذا المحفل المنير، لأن كل شئ سيكون حينئذٍ مكشوفًا ومعلنًا أمام الجميع.

لكن لماذا اضطررت أن أنذركم؟ فعلت ذلك بدافع المحبة لكم، وكان ينبغى علىّ أن أفعل هذا وأشدّد على ضرورة مخافة الله وإظهار دينونته العادلة. أخبرني كيف سنكون وقتها (أى يوم الدينونة)، عندما تُصّر أسناننا وننقاد إلى الظلمة الخارجية؟ أو من الأفضل أن نتساءل: ماذا سنفعل عندما نقاوم إرادة الله، الأمر الذي هو أكثر رعبًا من كل شئ؟ لأن الشخص الذي لديه حس وإدراك هو ـ من الآن ـ يمكن أن يشعر بما سيعانيه في الجحيم، إلى أن يقف أمام الله في يوم الدينونة العتيدة. أما مَن ليس له هذا الحس وذلك الإدراك فسيكون مصيره الجحيم. لأنه بالحقيقة كان ينبغي علينا أن نتألم لا عندما نُدان، ولكن عندما نخطئ. اسمع الرسول بولس وهو يحزن ويئن، لأجل خطايا لن يُدان عنها: ” لست أهلاً لأن أُدعى رسولاً لأني اضطهدت كنيسة الله[6]. اسمع داود أيضًا ـ لأنه اعتقد أنه سلك ضد إرادة الله ـ طلب إدانة نفسه قائلاً: ” فلتكن يدك علىّ وعلى بيت أبي[7]. لأن مقاومة إرادة الله هو أمر أكثر فزعًا من الدينونة، وهذا يعكس حالة البؤس التي نحياها، فإن لم يوجد الخوف من الجحيم، فلن نسرع إلى فعل الصلاح وهذا أمر غير مقبول أمام الله. ولهذا تحديدًا سنكون مستحقين لهذا الجحيم، لأننا نخاف من الجحيم أكثر من مخافة المسيح. ولننظر إلى المُطوب بولس الذي سلك في مخافة الله على الدوام. أما من جهتنا فنحن نسلك بشكل مختلف، فالخوف من الجحيم هو الذي يدفعنا لفعل الصلاح، لهذا يُحكم علينا بالجحيم. وسنعرف لو أننا حقًا نحب المسيح كما ينبغي لنا أن نحبه، وسندرك أيضًا أن الأكثر فزعًا من الجحيم هو معاندة ذاك الذي نحبه. لكن لأننا لا نحبه، فنحن لا ندرك مقدار الاثم الذي نفعله. وهذا ما يجعلني على كل حال أحزن وأئن.

لكن هل هناك شيئًا لم يفعله الله لأجل خلاصنا، لكى لا نحبه؟ وما الذي لم يدبره بصلاحه لخيرنا؟ وما الذي لم يفكر فيه لأجلنا؟ لقد ازدرينا به، على الرغم من أنه أعطانا هبات كثيرة، وأنعم علينا بخيرات وفيرة لا توصف. لقد انصرفنا عنه بالرغم من أنه دعانا وجذبنا نحوه من كل صوب، ومع هذا كله لم يعاقبنا، لكنه ركض نحونا وعضدّنا، في الوقت الذي فيه تركناه ورفضناه، وقبلنا مشورة الشيطان. ورغم هذا الموقف الرافض، إلاّ أنه أرسل كثيرين من الأنبياء، والملائكة، والآباء لدعوتنا مرة أخرى، ولم نقبل الدعوة وليس هذا فقط، بل أننا قد أسأنا إلى هؤلاء الذين أرسلهم. ومع كل ذلك لم يتركنا، فقد أُسئ إليه وقَبِل الإساءة، وقد احتمل هذا من أجل أن  يأتى بالجميع إليه ممن في السماء وممن على الأرض، مع كل من إرميا وميخا. لقد فعل ذلك باختياره لأجل خاصته. واقترب هو نفسه من أولئك الذين انصرفوا عنه، مبشرًا هؤلاء الذين كانوا يصمّون آذانهم عن كل شئ. لأنه يقول: ” يا شعبى ماذا صنعت بك وبماذا أضجرتك. اشهد علىَّ[8]، غير أننا بعد كل ذلك فإننا قد قتلنا الأنبياء، ورجمناهم، وسببّنا لهم متاعب لا تُحصى. ماذا فعل الله تجاه كل هذا؟ لم يُرسل بعد أنبياء ولا ملائكة ولا آباء، لكن أرسل ابنه الوحيد. وعندما أتى ابن الله ذاق الآلم وجاز الموت، ومع كل هذا لم تنقص محبة الآب، ولازال يدعو الجميع حتى بعد موت ابنه، ويترجى أن نفعل كل ما نستطيع حتى نرجع إليه. ولهذا فإن الرسول بولس يصرخ قائلاً: ” إذ نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله[9].

 

7ـ ومع أننا لم نتصالح مع الله إلاّ أنه لم يتركنا، ولم يتغير موقفه تجاهنا. بل إنه لكى يجذبنا نحوه، قد توعدنا بالعقاب ووعدنا بملكوت السموات. ومع كل هذا فإننا قد سلكنا بلا شعور. فهل يوجد أقسى من هذه الوحشية؟ فلو أن إنسانًا قد فعل بنا خيرًا، ألا نصير أسرى محبته هذه؟ أما حين يصنع الله معنا كل هذه الأمور فإننا ننصرف عنه. أليس هذا جحودًا وعدم مبالاة!. نحن دومًا نرتكب الخطايا والشرور، ولو حدث مرة وفعلنا شيئًا صالحًا، فإننا نفعله واضعين أمام أعيننا الأمور المادية، مثلما يفعل الخدم الجاحدون، حاسبين ذلك المقابل المادى بكل دقة. لكن تكون المكافأة أعظم، لو أنك تعمل دون أن تنتظر مقابلاً لما تفعله. لأن هذا السلوك وهذه الحسابات الخاصة بانتظار المقابل، هو سلوك يخص بالأكثر كل مَن يعمل من أجل المكافأة، وليس سلوك خادم يشعر بالإمتنان لسيده. إذن ينبغي أن نفعل كل شئ لا من أجل المكافأة المادية بل من أجل الإتحاد بالمسيح حتى ننعم بالخيرات في بملكوت السموات. فمحبة الله في حد ذاتها هى أعظم مكافأة، فهى الملكوت الحقيقى، ورفض هذه الحقيقة هو الجحيم ذاته. لذلك ينبغى علينا أن نحبه كما أحبنا هو أولاً، لأنه هو الملكوت، وهو الفرح، وهو المتعة، وهو المجد والكرامة، وهو النور والسعادة غير المحدودة، ذاك الذي لا يُعبَّر عنه، غير الموصوف وغير المدرك.

أنا لا أعرف كيف انجذبت لهذا الحديث، لكنى أهدف إلى حث أولئك الذين ينشغلون بمجد وسلطان هذا العالم الحاضر، على احتقار هذه الأمور لأجل ملكوت الله.

          إن أغلبية الرجال العظماء، الجسورين، قد وصلوا إلى هذا القدر من المحبة. لقد اشتعل الرسول بطرس بالمحبة نحو المسيح، مفضلاً إياه عن نفسه وحياته وعن كل شئ آخر. وعندما أنكره، لم يبك خوفًا من الجحيم، لكن لأنه أنكر ذاك الذي أحبه جدًا، وهذا الأمر كان يعّد بالنسبة له أقسى من الجحيم. فقد كان باستمرار مداومًا على أن يسأل الرب يسوع قائلاً:    ” أين تذهب[10]، وأيضًا ” إلى مَن نذهب[11]، و” إنى مستعد أن أمضى معك حتى إلى السجن[12]. لأن المسيح كان كل شئ بالنسبة للتلاميذ، ولم يكن الدافع لمحبتهم للمسيح هو انتظار أية مكافأة. ودعنى أسأل لماذا تندهش من سلوك بطرس؟ اسمع ما يقوله النبى: ” ما لى في السماء ومعك لا أريد شيئًا على الأرض[13]. إن ما يقصده هو الآتى: أنه لا يتمنى شيئًا لا من الأمور السمائية، ولا من الأمور الأرضية، لا شئ يتمناه سوى الله. هذه هى المحبة، هذا هو العشق الإلهى. فلو أننا نحب هكذا، فإن هذه المحبة لن تقارن على الاطلاق بأية أمور أرضية أو حتى أمور مستقبلية، وسنربح ملكوت السموات منذ الآن، متمتعين بمحبته. وقد يتساءل المرء كيف سيحدث هذا؟ نجيب: لو أننا أدركنا كم مرة أسأنا إليه، بينما هو لا يزال يدعونا ويقدّم لنا خيرات لا تحصى. كم مرة تجاهلناه، بينما هو لا يتجاهلنا أبدًا، بل ويركض نحونا ويجذبنا إليه ويقودنا بالقرب منه. لو أننا فكرنا في كل هذا، وأمور أخرى مشابهة، سنستطيع أن نلتهب بالشوق إليه. مثلما يحدث لو أحب إنسان بسيط ملكًا، ألا يُقدّر هذا الملك هذا الحب؟ بالتأكيد سيقدره كثيرًا جدًا. لكن عندما يحدث العكس، ويكون مَن يحبنا ذو جمال وغنى ومجد لا يُعبّر عنه، بينما نحن المحبوبين غير جديرين بمحبته، فكيف لا نكون ـ نحن غير المستحقين ـ أهلا للجحيم، عندما نصير محبوبين بهذا القدر الكبير من المحبة، من ذاك العظيم العجيب، ولا نبالى بمحبته؟ فالحقيقة أنه بالرغم من عدم مبالاتنا فإن الله لا يتوقف على أن يقدم لنا كل محبة.

وفي الحقيقة نحن في احتياج كبير لمحبته، وبالرغم من ذلك لا ندرك أهمية وغنى هذه المحبة. لكننا نُفضل الأشياء المادية، وصداقات الناس، وراحة الجسد، والسلطة والمجد، بينما هو لا يريد أى شئ آخر منا سوى خلاص نفوسنا فقط، إذ أنه لم يشفق على ابنه وحيد الجنس الحقيقى لأجل خلاصنا. ومع هذا كله فإننا نُفضل أمورًا أخرى كثيرة عن محبته.

          هل بعد ذلك لا يوجد جحيم؟ لأنه ماذا نستطيع أن نقول، عندما نفضّل أفكار الشيطان على نواميس المسيح، وعندما لا نبالى لخلاصنا، ونفضّل أن نسلك في الشر على أن نتحد بذاك الذي جاز الآلام لأجلنا؟ وأى عذر يمكن أن يقدم عن كل هذا؟ وأى تبرير؟ بالقطع لا يوجد.

          ومادمنا نفكر في كل هذا، فلنتوجه بالحديث نحو المتغافلين، لعلنا نستفيق، فلنعطى المجد للمسيح من خلال أعمالنا. لأنه لكى نتمتع بمجده لا يكفى أن نمجده بمجرد الكلام. لأننا نتمنى أن نتمتع بمجده الحقيقى جميعنا بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب  والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

 

[1]  رو21:2.

[2] حيث انهم أساءوا إلى الطبيعة كلها. (انظر رو23:1ـ32).

[3] هنا يُشير إلى أن الابن هو ديان أيضًا، وهذا ما نردده في قانون الإيمان ” الذي يأتى في مجده ليدين الأحياء والأموات “.

[4] رو5:2.

[5]  مز7:49.

[6] 1كو9:15.

[7] 2صم17:24.

[8] ميخا3:6.

[9]  2كو20:5.

[10] يو36:13.

[11] يو68:6.

[12] لو33:22.

[13] مز 25:73.

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

وبعدما قال هذا، يكرر نفس الكلام أيضًا وبأكثر شدة، ليضيق الخناق عليهم قائلاً:

” لذلك أنت بلا عذر أيها الإنسان كل من يدين. لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك ” (1:2).

          1ـ وهنا يوجه الرسول بولس كلامه هذا إلى الرؤساء، لأن المدينة (أي روما) كانت قد تولت ـ في ذلك الوقت ـ حكم المسكونة. وبناءً على ذلك، فهو يبدأ الكلام بضرورة أن لا يتحصن أحد بالأعذار، أيًا كانت مكانته، لأنه فيما يدين المرء شخصًا زانيًا، ربما يزنى هو نفسه، حتى ولو لم يحكم عليه أحد من البشر، وعندما يدين غيره عن خطأ، فإنه يصدر حكمًا ضد نفسه.

” ونحن نعلم أن دينونة الله هي حسب الحق على الذين يفعلون مثل هذه ” (2:2).

          وهو يقول هذا، لأن ما يحدث هنا على الأرض لا يحدث عند الله، لكى لا يتذرع أحد قائلاً؛ إنني في السابق قد أفلّت من العقاب. ولأن في حياتنا الأرضية يمكن أن يدان الواحد بينما لا يدان الآخر، مع أن الاثنين يكونا قد اقترفا نفس الفعل. لكن هناك في الدهر الآتي لا يحدث هذا. كما أن الديان يعرف البار من الأثيم. لكن كيف يعرف؟ لا يشير أحد إلى ذلك، لأن السؤال عن هذا الأمر يُعد شيئًا فضوليًا ويتخطى حدود القدرات البشرية.

          ويُشير الرسول بولس إلى أمرين يعكسان حالة الجحود إذ أن الإنسان برغم معرفته لله، إلاّ أنه سلك بجحود. ومن أين أتت هذه المعرفة؟ أتت من خلال الكون الذي يُعلن عن وجود الله. وإذ لم يكن مُعلن للجميع، أشار إلى السبب في ذلك. ولأن معرفة الله المدركة بالمصنوعات، هى مسألة معروفة، لذا فإنه قد تجاوز الحديث عنها هنا. لكن عندما يقول إنه “ديان الجميع” فإنه لا يتوجه فقط إلى الرؤساء، بل أيضًا إلى العامة والمواطنين البسطاء.

2ـ لأن البشر جميعهم هم في الحقيقة يدينون الذين يخطئون، حتى ولو لم يكن لديهم عروشًا أو سلطانًا، ويحدث هذا سواء في مناقشات أو اجتماعات عامة، أو داخل ضمائرهم. ولن يتجرأ أحد أن يقول إن الزاني غير مستحق للعقاب. هكذا يقول الرسول بولس إن بعض الذين يُدينون غيرهم، لا يدينون أنفسهم. ولهذا السبب تحديدًا فإنه يتوجه إليهم بكل حدَّة قائلاً:

” أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها، أنك تنجو من دينونة الله ” (3:2).

          إذن، فهو يشير إلى أن خطية البشر هي خطية ثقيلة، ليس فقط من جهة الأمور المختصة بالإيمان، بل من جهة سلوكهم الأخلاقى المشين. وعلى الرغم من أنهم كانوا محبين للحكمة، وأن الخليقة التي أمامهم كان يمكن أن تقودهم إلى معرفة الحق، إلاّ أنهم هجروا معرفة الله. ليس هذا فقط، بل أنهم فضّلوا صورًا وتماثيلاً للزواحف واحتقروا الفضيلة وانحرفوا نحو الشرور، حيث إن ميولهم قادتهم إلى ما هو شاذ فسلكوا بخلاف الطبيعة. ثم بعد ذلك يدلّل لهم على أن أولئك الذين يفعلون مثل هذه الأعمال الشريرة، يُعاقبون ولن ينجوا من دينونة الله العادلة. وقد أشار إلى العقاب الذي يستحقونه عندما تكلم عن هذا الفعل الشائن، إذ قال: ” نائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق[1]. ولكن لأنهم لم يشعروا بهذا الجزاء، أشار إلى عقاب آخر يخافونه جدًا. هذا العقاب قد أشار إليه سابقًا عندما قال: ” إن دينونة الله هي حسب الحق[2]. وحيال أفعال أخرى مشابهة يشير إلى نفس المصير أيضًا، قائلاً: ” أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله“. فإن لم تتجنب إدانة نفسك، فهل تعتقد أنك تنجو من دينونة الله؟ ومَن يستطيع أن يقول هذا؟ وإن كنت لم تشفق حتى على نفسك (إذ قد أُدينت)، فكيف يكون الحال بالنسبة لله، وهو الذي بلا خطية، البار بما لا يُقاس، ألا يدينك بالحرى؟ وإذ كنت قد أدنت نفسك (بسبب دينونتك لغيرك)، فهل تظن أن الله سيقبلك وسيمتدحك؟ وكيف يمكن أن يكون لهذا تبرير؟

          من أجل هذا، فإنك مستحق لعقاب أكثر من ذاك الذي تدينه. لأنه لا يمكن مقارنة مَن يخطئ خطًأ بسيطًا بذلك الذي بعدما يدين غيره عن خطية ما، يرتكب نفس هذه الخطية التي أدانها من قبل. فلو أنك تدين من يخطئ خطية بسيطة، ألاّ يدينك الله بالأولى، أنت يا من أخطأت بالأكثر؟ ألاّ يدينك بصورة أشد، لأنك بالفعل قد أدنت نفسك بأفكارك هذه!. ومع أنك تقول إنني أعرف بالتأكيد إني مستحق للعقاب، إلاّ أنك تتهاون بسبب طول أناة الله. ولأنك لم تُعاقَب على الفور، فإنك تتجرأ وتتمادى في فعل الخطية، بينما كان ينبغي عليك أن تخاف وترتعب، فالله لا يؤجل العقاب، لكنه يوقع عقابًا أشد لو أنك ظللت في خطاياك. ولهذا يضيف الرسول قائلاً:

” أم تستهين بغنى لطفه وإمهاله وطول أناته غير عالم أن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة ” (4:2).

          وبعدما مجّد الله لطول أناته، مظهرًا أن الاستفادة من لطف الله وامهاله هو أمر عظيم جدًا لأولئك الذين يهتمون بخلاص أنفسهم، وأن أناة الله كانت هى الدافع في قيادة خطاة كثيرين إلى التوبة، نجده يحذر بالأكثر الذين يتهاونون بمراحم الله. لأنه كما أن أولئك الذين استفادوا من طول أناة الله، وكان ذلك سببًا لخلاصهم، هكذا فإن أولئك الذين ازدروا بها، هم معرضين لعقاب أشد. لأن كل هذا يرجع إلى الاعتقاد الخاطئ الذي يقول إن الله لا يُعاقب، لأنه صالح وطويل الأناة. لكن عندما تقول هذا، فإن ذلك يعنى أنك تزيد من شدة العقاب. لأن الله يُظهر صلاحه، لكي تتخلص من خطاياك، لا كى تتمادى في الخطية وتضيف لحسابك المزيد من الخطايا. فإن لم تفعل هذا وتتخلص من خطاياك، فإن العقاب سيكون مخيفًا. ومن أجل هذا لا يجب أن نخطئ، مستغلين طول أناة الله، ولا أن نجعل الإحسان سببًا للجحود. لأنه وإن كان الله طويل الأناة، إلاّ أنه في الوقت نفسه ديان وعادل. وكيف يُستدل على هذا؟ يُستدل عليه من الكلام اللاحق. فلو أن الشر كثير، والأشرار لم يعاقبوا في هذه الحياة، إلاّ أنهم بكل تأكيد سيُدانون في يوم الدينونة العتيدة. ومادام البشر لا يتغاضون عن أخطاء غيرهم فكيف يتغاضى الله عنها؟ وبناءً على ذلك تحدث الرسول بولس عن الدينونة. لأنه وضّح أولاً كيف أن الكثيرين هم مسئولون عن خطاياهم إن لم يتوبوا. وحتى وإن لم يُعاقبوا هنا في هذه الحياة، إلاّ أنهم سيتعرضون للدينونة العتيدة على أية حال وذلك بقوله:

” لكنك من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة ” (5:2).

          عندما لا يتجاوب المرء مع صلاح الله، ولا يرجع حتى بالترهيب عن سلوكه المنحرف. فهل توجد قسوة قلب أكثر من هذا؟ وبعدما أوضح الرسول بولس محبة الله للبشر، فإنه يتحدث عن العقاب أيضًا، وكيف أنه لا مفر من العقاب لمَن لا يقدم توبة. لاحظ كيف يستخدم الكلمات بكل دقة، لأنه يقول: ” تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب “، مبينًا أن الدينونة ستحدث على أية حال، وأن السبب فيها، ليس هو الذي يدين ـ أى الله ـ بل الذي يُدان ـ أى الإنسان الخاطئ ـ إذ يقول: ” تذخر لنفسك“، أي أنت الذي تذخر لنفسك الغضب، وليس الله هو الذي يذخره لك. لأن الله فعل ما ينبغي فعله، وخلقك قادرًا أن تميز بين الأمور الحسنة والأمور السيئة، وأظهر لك طول أناه، وأنذرك باليوم المخيف، وكل هذا لكي يقودك إلى التوبة. فلو أنك تماديت في عنادك فإنك ” تذخر لنفسك غضبًا في يوم الغضب واستعلان دينونة الله العادلة “. ولكي لا تعتقد عند سماعك لكلمة “غضب” إنه يوجد لدى الله بُغضة، فإنه يضيف عبارة “دينونة الله العادلة“. وحسنًا قال ” استعلان“، لأن وقتها يُستعلن هذا ” الغضب “، عندما سينال كل واحد ما يستحقه. فإن كان في هذا الدهر يوجد أناس يتوّعدون غيرهم، ويتآمرون عليهم وهم في ذلك يخالفون القوانين، إلاّ أنه في الدهر الآتي لا تحدث مثل هذه الأمور. لأن الله:

” سيجازي كل واحد حسب أعماله.. ” (6:2).

          3ـ ولأن كلام الرسول بولس صار قاسيًا عليهم، إذ كان يتكلم عن الدينونة وعن الجحيم الآتي، نجده بعد ذلك مباشرة لا يذكر العقاب عندما يتكلم عن الرجاء المبارك، فيحوّل كلمته نحو الأمور المُفرحة، أي نحو المجازاة بالخيرات، قائلاً هكذا:

” أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء[3] فبالحياة الأبدية ” (7:2).

هنا هو يرفع من شأن أولئك الذين سقطوا في التجارب، ويوضح أنه لا يجب أن نقتني شجاعة في الإيمان فقط، بل وفي الأعمال أيضًا، لأن الديان يفحص الأعمال أيضًا. لكن لاحظ كيف يتكلم الرسول بولس عن أمور الدهر الآتي، فهو لا يتكلم مباشرة عن خيرات الدهر الآتى، لكن ما يقوله هو “مجد وكرامة“، لأن هذه الخيرات تفوق الأمور المرئية، وليس لديه هنا في هذه الحياة صورة مماثلة لخيرات الدهر الآتي، لكي يُبيّنها. لكنه يقدم لنا أمور الدهر الآتى كما ينبغي من خلال الأشياء التي نعتبرها أمورًا مشرقة بالنسبة لنا، أي المجد والكرامة في هذه الحياة الحاضرة. لكن خيرات الدهر الآتي، ليست فقط مجد وكرامة، بل أفضل بكثير من هذه الأمور التي نراها، فهي خالدة ولا يعتريها فساد.    أرأيت كيف أنه يفتح أمامنا أبواب قيامة الأجساد، قائلاً “البقاء” (أى عدم الفناء)، لأن مصطلح “عدم الفناء” يرتبط بالجسد، لأن الجسد هو الذي يفنى وليست النفس. ثم بعد ذلك، ولأن هذا لم يكن كافيًا، أضاف “المجد والكرامة“. لأننا جميعنا سنقوم بلا فساد، لكن ليس الجميع في مجد، فالبعض في الجحيم والبعض في مجد.

” وأما الذين هم من أهل التحزب ”،

فهم هؤلاء الذين يعيشون في الإثم، والذين يُحرمون من الصفح. ويوضح هنا أنهم يسقطون في الإثم بسبب الرغبة في المشاحنة، وأيضًا بسبب  عدم الاهتمام بخلاص نفوسهم. إذن فأولئك هم الذين:

” لا يطاوعون للحق بل يطاوعون للإثم ” (8:2).

وها هو يوجه لهم اللوم مرة أخرى أيضًا. إذ أنه قد سبق وأشار إلى حالتهم بقوله: ” من أجل قساوتك وقلبك غير التائب تذخر لنفسك غضبًا يوم الغضب“. وعليه فأي مبرر يمكن أن يعطيه ذاك الذي يتجنب النور ويُفضل الظلام؟ ونلاحظ أنه لم يقل أولئك “الذين أُجبروا”، لكنه تكلم عن أولئك الذين “يطاوعون الإثم”، لكي ندرك أن السقوط في الخطية ناتج عن رغبة إرادية، فالإنسان لا يُجبر على ارتكاب الخطية.

” سخط وغضب. شدة وضيق على كل نفس إنسان يفعل الشر” (9:2).

حتى ولو كان ثريًا، أو كان من النبلاء، أو حتى ملكًا، فالكلام عن الدينونة لا يُخجل أحدًا، لأن هذه المناصب ليس لها أي اعتبار في يوم الدينونة.

وبعدما أظهر حجم المرض وسببه، بمعنى أنه يأتي من لامبالاة المرضى، تحدث عن المصير الذي ينتظرهم وهو الفناء. لأن الفرصة التي أُعطيت لليهودى بواسطة تعاليم الناموس كى يتوب ولم يستغلها، ستؤرقه حتى في الجحيم. ولهذا قال:

” يفعل الشر اليهودي أولا ًثم اليوناني ”.

إن مَن توافرت له تعاليم أكثر، ويخالف هذه التعاليم يكون مستحقًا لأن يلاقي عقابًا أشد، لأن مَن يعرف أكثر يُدان أكثر، فلو أنك غني، سيُطلب منك أكثر مما يطلب من الفقير، وإن كنت أكثر فهمًا، سيُطلب منك طاعة أكثر، ولو كنت صاحب سلطان، ستُطلب منك أعمالاً أعظم. وفي كل الأحوال ستقدم على قدر قوتك وإمكانياتك.

” مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي أولاً ثم اليوناني” (10:2).

          أي يهودي يقصد هنا؟ وعن أي يوناني يتحدث؟ بالتأكيد عن أولئك الذين عاشوا قبل تجسد المسيح. لأن كلامه لم يصل بعد إلى أزمنة النعمة، لكنه مازال يتحدث بعد عن الأزمنة السابقة على التجسد، مؤكدًا على عدم وجود فرق بين اليهودي واليوناني، ممهدًا بذلك لأزمنة النعمة، حتى أنه عندما يتحدث عن عدم وجود أى فرق بين اليهودى واليونانى في أزمنة النعمة، لا يظهر وكأنه يقصد شيئًا جديدًا ومقلقًا. فإن كان في الأزمنة السابقة، عندما لم تكن النعمة قد استعلنت بشكل كامل، وعندما كانت أمور اليهود لها مكانة عند الجميع ومعروفة ومشرقة، لم يظهر أي اختلاف. فأي شئ يمكن أن يقال فيما بعد، بعدما استُعلنت النعمة بوضوح وقوة؟ لهذا تحديدًا فقد اعتنى جدًا بتوضيح هذه الحقيقة، لأنه بعدما يعرف المستمع أن هذا (أي عدم وجود فرق بين اليهودي واليوناني) قد ساد في الأزمنة السابقة، فبالأولى جدًا سيقبل هذا بعد دخوله إلى الإيمان. واليونانيون الذين يشير إليهم بولس الرسول ليسوا هم عبدة الأوثان، لكنهم الأتقياء الذين خضعوا للناموس الطبيعي، والذين حفظوا كل ما من شأنه أن يقود إلى التقوى. وأيضًا من الأتقياء أولئك الذين كانوا مع ملكي صادق، وكذلك أيوب، وأهل نينوى، وأيضًا من هؤلاء كان كرنيليوس. إذن، فمن ذي قبل (أى قبل أزمنة النعمة) بدأت تنحصر بالفعل الفروق بين الختان والغرلة، ومنذ زمن بعيد تلاشى هذا الفرق، حتى أن القديس بولس بجرأة يفعل هذا، أى يتدرج بهم من الوضع القديم حتى يصل بهم إلى أزمنة النعمة، ثم يقودهم بالضرورة إلى هذا المفهوم، الأمر الذي يمثل دائمًا ملمحًا مميزًا في فهمه للحقائق الإلهية. لكن لو أنه أوضح أن هذه الفروق قد أُزيلت في أزمنة النعمة فقط ، لكان حديثه غير دقيق، وعندما أشار إلى سيادة الشر في العالم باعتبار أن ” الجميع زاغوا وفسدوا ” وأن هذا قد شمل الاثنين معًا (اليهودى واليونانى)، فهو هنا يؤكد على أنه لا يوجد فرق بين اليهودى واليونانى.

          4ـ وإذ لم يكن الكلام عن الدينونة العتيدة، هو فقط هدف الرسول بولس، فقد أراد أن يوضح كيف أن اليهودي لا يملك شيئًا أكثر يُمكّنه أن يفتخر به أمام هذا اليونانى التقى. لكن لاحظ أنه قد أخاف المستمع، إذ ذكّره باليوم المخوف، وقال كم هو أمر سىء أن يسلك المرء بالمكر، وأوضح أنه لا أحد يخطئ بدون معرفة، ولن يفلت من العقاب، وإن لم يكن قد أُدين بعد، لكنه سيُدان ـ على كل حال ـ يوم الدينونة الأخيرة. وهكذا أراد أن يدلل لهم على أن تعاليم الناموس لم تكن من الأمور الحتمية، لأن المهانة والكرامة يوجدان في الأعمال وليس في الختان والغرلة. وهو بهذا يدلل على أن اليوناني سيُدان ويكرم بحسب أعماله، واعتبر أن هذا أمرًا طبيعيًا. إذن فالاشارة للناموس والختان بعد ذلك، يُعد أمرًا زائدًا. هو هنا يقاوم اليهود على وجه الخصوص (وليس الناموس). لأن هؤلاء كانوا محبين للنزاع أكثر من غيرهم. أولاً بسبب إحساسهم بالتمييز، بإعتبار أنهم غير محصيين مع الأمم. ثانيًا لأنهم يسخرون من القول، بأن الإيمان يمحو الخطايا. ولذلك فقد أدان اليونانيين، إذ قال في الفصل السابق: ” إذ معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم. لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر[4]، حتى يستطيع فيما بعد أن يصل إلى اليهود ويكلمهم جهارًا ويصير كلامه غير قابل للشك. وبعدما وصل إلى الكلام عن الجحيم، أوضح كيف أن اليهودي، لا ينتفع مطلقًا بالناموس، بل ويتثقل به أيضًا إن لم يسلك بإستقامة. وهذا قد بيّنه من قبل. فلو أن اليوناني الذي لم يصر أفضل، هو بلا عذر، بإعتبار أن معرفة الله ظاهرة فيه، لأن الله أظهرها له، فبالأولي جدًا سيكون اليهودي بلا عذر أيضًا، لأنه بالإضافة إلى الناموس الطبيعى، فقد أخذ تعاليم الناموس المكتوب. وبعدما أشار إلى أخطاء الآخرين (الأمم)، فقد صار إقناع اليهود أكثر سهولة. وبهذا صار حديثه عن خطايا اليهود أمرًا مقبولاً، ولهذا نجده يحثهم على فعل الأمور الأكثر صلاحًا بقوله: ” مجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح لليهودي أولاً ثم اليوناني“، لأنه هنا في هذه الحياة أيًا كان مقدار الأمور الحسنة التي يقتنيها المرء، فإنه يقتنيها بأتعاب كثيرة، حتى لو كان ثريًا أو قائدًا أو ملكًا. وعن السلام يقول إنه في مرات كثيرة يثور الإنسان، إن لم يكن في مواجهة الآخرين، فعلى الأقل في مواجهة نفسه، ويتعرض لحروب داخلية. لكن هناك في الدهر الآتي، لا يحدث شئ مثل هذا، بل إن كل شئ يتسم بالهدوء وعدم الاضطراب ويسود عليه السلام الحقيقي. هكذا يتضح أن أولئك الذين هم بلا ناموس سيتمتعون بنفس الأمور التي يتمتع بها اليهود (أي بالعطايا الإلهية). ثم يضيف قائلاً:

” لأن ليس عند الله محاباة ” (11:2).

          وعندما يقول الرسول بولس إن اليهودى واليونانى يُدانان عندما يخطئان، فإن الأمر لا يحتاج إلى تفكير، لكن عندما يقول إن اليونانى يُكرم ـ الأمر الذي سوف يشير إليه فيما بعد ـ فيجب عليه أن يقيم الدليل على صحة كلامه. فبالحقيقة يبدو أمرًا مدهشًا وغريبًا، أن يُكرم ذاك الذي يفعل الصلاح مع أنه لم يسمع تعاليم الناموس والأنبياء.

          لقد أراد هنا أن يدرب أسماعهم على قبول هذه الحقيقة، أن الإنسان ينال التكريم من الله إذا فعل الصلاح. وفي هذا لا فرق بين اليهودى واليونانى، الأمر الذي ذكره فيما سبق عندما أشار إلى أزمنة ما قبل النعمة. وهكذا استطاع أن يقنعهم مع دخولهم في لإيمان، أن يقبلوا بأن الجميع واحد أمام الله لا فرق بين اليهودى واليونانى. لأنه بعدما قال: ” مجد وكرامة وسلام لكل مَن يفعل الصلاح اليهودى أولاً ثم اليونانى” أضاف: ” لأن ليس عند الله محاباة“. وفي إيضاحه لموقف الله تجاه كل من اليهودى واليونانى، نجده بعدما أشار إلى أن الله سيعاقب اليهودى أولاً ثم اليونانى، وأنه سيُكرم اليهودى أولاً ثم اليونانى، ولكى لا يعتقد أحد أن في هذا تمييز لأحدهم عن الآخر أمام الله باعتبار أنه ذكر اليهودى أولاً، وأن هذا التمييز يتم وفقًا لإرادة الله، نجد الرسول بولس يضيف قائلاً: ” لأن ليس عند الله محاباة“، وهو بذلك يكون قد نفى عن الله صفة المحاباة، لأن الله لا يحابى الوجوه، لكنه ينظر إلى أعمال كل أحد. هذا التوضيح يؤكد على أن اليهودى لا يختلف عن اليونانى في شئ سوى المظهر الخارجى فقط، أما من جهة الأعمال، فإنهما واحد أمام الله، مَن يفعل الصلاح ينال المجد والكرامة والسلام، ومَن يفعل الشر يتعرض للسخط والغضب والشدة والضيق. وإن كان متوقعًا في هذا السياق أن يقول إنه ليس بسبب أن الواحد يهودى والآخر يونانى، لهذا يُكرم الأول ويُدان الثانى، بل إن الاثنان يُدانان بحسب أعمالهما. ومع هذا لم يتكلم هكذا. لأنه بهذه الصياغة كان سيثير غضب اليهودى. لكنه يشير إلى شئ آخر أبعد من ذلك، أى إلى أن طريقة تفكيرهم في أنفسهم وفي الآخرين يجب أن تكون باتضاع أكثر حتى يتقبلوا أمرًا ضروريًا، وما هو هذا الأمر؟ إنه يظهر من الكلام اللاحق:

” لأن كل من أخطأ بدون الناموس، فبدون الناموس يهلك وكل من أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان ” (12:2).

          هنا هو يكرر ما قاله سابقًا، لأنه يُظهر ليس فقط المُساواة بين اليهودي واليوناني، لكن يوضح كيف أن الناموس قد صار حِملاً بالنسبة لليهودى. أما بالنسبة لليونانى، فلكونه سيُدان بدون الناموس، سيكون عدم تثقله بالناموس أمرًا مفرحًا له. وهذا ما يقصده هنا، أن الأممى يُدان فقط وفق النواميس الطبيعية. لكن اليهودي يُدان على أساس الناموس، وهذا يعني أنه بالإضافة للناموس الطبيعى الذي يسرى على كل البشر، هناك الإدانة بالناموس المكتوب. لأن على قدر قبوله لتعاليم الناموس، على قدر ما سيكون مدانًا بحسب هذه التعاليم.

[1]  رو27:1.

[2]  رو2:2.

[3] البقاء في النص اليونانى هى (afqars…a) وهى تعنى عدم الفناء.

[4] رو19:1ـ20.

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version