رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب  

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

        4 ـ بعد ذلك، ولكي لا يُعتقَد أن هذه الأمور هى دليل على تخلي الله عنا، يضيف إلى ما قاله كلمات النبي الذي يصرخ بهذه الأمور من سنوات طويلة قائلاً: “من أجلك نُمات اليوم كله. قد حسبنا مثل غنم للذبح[1]. أى أننا مستعدون أن نُعاني من أجل الجميع. ولكنه أعطى لنا ـ في الأخطار الكثيرة والكبيرة، وهذه الآلام الجديدة ـ عزاءً كافيًا، من خلال الجهاد، أو من الأفضل أن نقول ليس فقط عزاءً كافيًا، بل وأكثر من ذلك بكثير. لأنه يقول إننا لا نعاني هذه الأمور من أجل البشر، أو من أجل أى شئ آخر، بل لأجل ملك الجميع. وهو لم يُتوج هؤلاء بهذا التاج فقط، بل بتاج آخر متعدد الأشكال وكثير التنوع. لأنه لم يكن ممكنًا أن يحتملوا ميتات كثيرة طالما أنهم بشر، وهذا يُظهر كيف أن المكافأت لم تصبح أقل أو أصغر على الاطلاق. لأنه وإن كان ـ نظرًا لطبيعتنا ـ قد وضع لنا أن تموت مرة واحدة فقط، فإن الله وضع فينا لو أردنا أن نعاني هذا الموت كل يوم.

          وبناءًا على ذلك يتضح أنه حين نُمات، سننال أكاليلاً كثيرة، بقدر الأيام التي سنحياها، أو من الأفضل القول، إنها أكثر بكثير، لأنه من الممكن أن نُمات في يوم واحد مرة، ومرتين، ومرات عديدة. إذًا مَنْ هو مستعد على الدوام لهذا، سيأخذ دومًا الأجر كاملاً. هذا من المؤكد ما قصده النبي بقوله: “اليوم كله”. ولهذا فإن الرسول بولس قد أشار إليه، لكي يؤكد على ذلك بالأكثر. لأنه إن كان الذين عاشوا في العهد القديم قد نالوا كمكافأة عن أتعابهم، الأمور المادية الأخرى التي تزول مع الحياة الحاضرة، إلاّ أنهم قد احتقروا هذه الحياة جدًا، واحتملوا التجارب والأخطار، فأى غفران سنناله نحن الذين نعتبر أمور هذه الحياة تافهة أو زهيدة بالمقارنة بالسماء والملكوت وما في السماء والخيرات المدخرة، ونحن لم نصل إلى مستوى الذين عاشوا في العهد القديم، ولا حتى بالنسبة لهذا المقياس، والتدبير الذي شكّلوا عليه حياتهم. وهو لم يذكر ذلك تاركًا إياه لضمير المستمعين، واكتفى فقط بالشهادة. وأظهر أن أجسادهم أيضًا تصير ذبيحة، وأنه لا ينبغي أن يقلقوا، ولا أن يضطربوا طالما أن الله قد دبَّر الأمور على هذا النحو. لكنه يعظهم بطريقة أخرى. ولكي لا يقول أحد، إنه فقط يُفلسف هذه الأمور دون أن يختبرها، أضاف: ” قد حسبنا مثل غنم للذبح “، مُشيرًا إلى ميتات الرسل اليومية. أرأيت مقدار النُبل والرأفة؟ لأنه كما أن الخراف لا تقاوم عندما تُقاد للذبح، هكذا نحن أيضًا.

          لكن لأن الضعف يعتبر سمة النفس الإنسانية، ورغم كل هذه التجارب المخيفة، انظر كيف أنه مرة أخرى يُشدد المستمع، ويجعله يشعر بالسمو والافتخار، قائلاً:

 

” ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ” (رو37:8).

          الأمر الأكثر دهشة إذًا، هو أننا لم ننتصر فحسب، بل أننا انتصرنا أيضًا مع وجود مكائد أو دسائس ضدنا. وليس فقط انتصرنا بل “ويعظم انتصارنا” أى بكل سهولة وبدون جهد ومتاعب. وليس بتحمل الصعاب، إذ هو يقوم بإعداد الإرادة، وهكذا في كل مكان نقيم نصبًا تذكاريًا للإنتصار ضد الأعداء. وهذا مبرر جدًا، لأن الله هو ذاك الذي يدعمنا. إذًا لا نتشكك في أن التعذيب الذي يقع علينا يقودنا إلى الانتصار على أولئك الذين يعذبوننا وأنه عندما نُضطهد، فإننا نتغلب على مضطهدينا، وأنه عندما نموت نحوّل الأحياء ونغيّرهم. لأنه في حضور قوة الله ومحبته، لا شئ يمكن أن يعيق تحقيق الأمور العجيبة والمدهشة، ولا يوجد ما يعطل إشراق الانتصار كما سبق وأشرنا. لأننا لا ننتصر فقط، بل ننتصر بطريقة عجيبة، لكي يعلم الذين يفكرون بالشر أن الحرب لم تكن ضد بشر بل كانت ضد تلك القوة التي لا تُهزم.

          لاحظ إذًا أن اليهود كانوا في مواجهة اثنين من المنتصرين، وتحيَّروا وقالوا: ” ماذا نفعل بهذين الرجلين[2]. الأمر الأكثر دهشة هو أنه على الرغم من أنهم كانوا يحتجزونهم، ويعتبرونهم مذنبين، وسجنوهم وضربوهم، تحيَّروا وصاروا مرتبكين، وانهزموا بهذه الأمور ذاتها، والتي توقعوا أنهم سينتصرون بها. فلا الطغاة، ولا جموع من البشر، ولا كتيبة شياطين، ولا الشيطان نفسه استطاع أن يهزم هؤلاء القديسين، بل ومع كل هذه القوة المضادة، فقد هزموا الجميع، رغم كل ما ابتدعوا من وسائل ضدهم. بل صارت كلها ضدهم. ولهذا قال: “يعظم انتصارنا”. لأن قانون هذا الانتصار كان جديدًا في أن ينتصروا بالأمور المضادة، وألا يُهزموا أبدًا، بل كما لو كانوا هم المتحكمون في النهاية، وهكذا يسلكون في هذه الجهادات.

 

5 ـ ” فإني مُتيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ” (رو38:8ـ39).

          هذا الكلام عظيم، ولكننا لم نعرفه، لأنه ليس لدينا كل هذا الحب الكبير. لكن على الرغم من أنه كلام عظيم ورائع، إلاّ أنه أراد أن يُدلل على أنه لا يوجد شيئًا يُقارَن بالمحبة، أى محبة الله له، وبعدما أشار إلى هذه المحبة، أشار عندئذٍ إلى محبته هو، حتى لا يظهر أنه يقول كلامًا مهمًا عن نفسه. وما يقوله يعني الآتي: ما هى الحاجة لأن أتكلم عن أمور الحياة الحاضرة والمآسي المرتبطة بهذه الحياة؟ لأنه حتى وإن تكلم المرء بعد عن أمور الدهر الآتي، وعن حقائق وقوات، أى حقائق مؤكدة مثل الموت والحياة، وقوات مثل الملائكة ورؤساء الملائكة، وكل الخليقة السمائية، هذه الأمور كلها بالنسبة لي هى صغيرة، مقارنة بمحبة المسيح. وحتى لو وعَدَني أحد بحياة لا تنتهي أو هدَّدني بالموت، لكي يُبعدني عن المسيح، فإنني سأواجه هذا التهديد.

          ولماذا يجب أن أُشير إلى ملوك الأرض، والنبلاء، وإلى فلان وفلان؟ فحتى وإن حدثتني عن الملائكة، وكل القوات السمائية وكل الكائنات، وكل ما يتصل بالدهر الآتي، كل هذا بالنسبة لي هو أمر قليل الأهمية، كل ما يوجد على الأرض، وكل ما هو في السموات، وما تحت الأرض، وما فوق السموات، إذا ما قورن بالمحبة فهو كلا شئ.

ثم بعد ذلك، وكما لو كان هذا لم يكفِ ليُعبّر عن شوقه، بل إن هناك أمور أخرى كثيرة أيضًا، يعتبرها مثالاً، بقوله: ” ولا خليقة أخرى “. وما يقوله هنا يعني: أنه لو وُجدت خليقة أخرى أيًا كان قدرها، سوى كانت مرئية أم غير مرئية، فلا شئ يمكن أن يفصلني عن محبة المسيح هذه. وقد قال هذا، لا لأن الملائكة أو القوات الأخرى، يسعون نحو هذا (أى ينفصلوا عن المسيح)، حاشا، لقد أراد فقط أن يُظهر محبته الكبيرة للمسيح  بشكل لا يمكن وصفه. لأنه لم يُحب المسيح من أجل تلك الأمور التي أظهرها المسيح، بل أنه من أجل محبته للمسيح، أحب كل ما له، والذي كان يخشاه فقط هو أن يفقد محبته له، لأن هذا بالنسبة له كان يُمثل أمرًا أكثر فزعًا من جهنم، لذا فإن مسألة بقائه في هذه المحبة، كان يمثل له أمرًا أكثر شوقًا ورغبة، من شوقه لنوال ملكوت السموات.

          6 ـ إذًا كيف نكون مستحقين لذلك، فإذا كان الرسول بولس لا يشتهي حتى تلك الأمور التي توجد في السموات، أمام محبته للمسيح وشوقه إليه، بينما نحن بدلاً من محبتنا للمسيح نُفضّل تلك التي توجد في القذارة والطين؟ وقد قَبِل ذاك أيضًا من أجل محبته للمسيح، أن يُلقي في جهنم ويخسر الملكوت، وإن كان من المؤكد أن هاتين الاثنتين (الحياة الحاضرة والحياة السماوية) كانتا أمامه، بينما نحن لم نحتقر ولا حتى الحياة الحاضرة، تُرى هل نستحق نحن أن نحذو حذو ذاك الرسول، أى نسلك نفس الطريق طالما أننا بعيدون جدًا عن افتخاره العظيم بمحبة المسيح؟ لأن ذاك لم يعتبر ولا حتى ملكوت السموات أمرًا له قيمة أمام محبة المسيح، بينما نحن نزدرى بالمسيح، على الرغم من أننا نتكلم كثيرًا عنه. وياليتنا نظل نتكلم عنه، فحتى هذا لم يعد يحدث الآن، بل على الرغم من أن الملكوت أمامنا، إلاّ أننا نتركه ونُلاحق الظلال والأحلام كل يوم. ولكن لأن الله مُحب للبشر، ومتراءف جدًا، صنع معنا نفس ما يفعله أب يحب ابنه، وإن كان هذا قد سبّب له ألمًا لأجل الشركة المستمرة معه، وقد فلسف هذه الشركة بشكل مختلف. إذًا لأننا لا نملك تلك المحبة التي ينبغي أن تكون نحوه، قدّم لنا أمورًا أخرى كثيرة، حتى يحفظنا بالقرب منه، ولكننا لم نبق قريبين رغم كل ما فعله الله معنا، لكننا عدنا إلى الأمور الطفولية.

          لكن الرسول بولس لم يفعل ذلك، بل كابن مهذب وحر، ومُحب لأبيه يطلب شركة أبيه فقط، ولا يتكلم كثيرًا عن أى شئ آخر، لأن الإكرام الذي يعطيه للآب، لا يعطيه للأشياء التي له، بل وعندما يتطلع إلى الآب، لا يهتم مطلقًا بهذه الأشياء، لكنه يُفضل أن يكون معه فقط، حتى وإن عُذب وعُوقب، على أن يقضى أوقاتًا مُرفهة بعيدًا عنه. فلنرتعد إذًا لأننا لا نحتقر ولا حتى المال من أجل المسيح، بل نقول إننا لا نحتقر المال، حتى من أجل أنفسنا. لأن القديس بولس كان هو الوحيد الذي كابد بحق كل الآلام من أجل المسيح، لا لأجل الملكوت، ولا لأجل كرامته، بل من أجل محبته للمسيح فقط. لكننا لا يُمكننا أن ننفصل عن الأمور الحياتية، لأجل المسيح، والأشياء المرتبطة به، بل نُسحب منجذبين إلى الطين مثل الحيات، والثعابين، والخنازير، أو مثل كل هذه كلها معًا. إذًا فهل نحن أفضل من تلك الحيوانات من أى جهة، نحن الذين لدينا هذا القدر الكثير والكبير من النماذج المبهرة التي عاشت للمسيح، ولازلنا ننظر بعد إلى أسفل، ولا نحتمل أن نتطلع قليلاً نحو السماء؟ والله الذي سلّم ابنه للموت، ذاك الذي ذُبح لأجلك لا تعطيه حتى الخبز. الله لم يُشفق عليه لأجلك، وأنت تزدري بمن هو ابن حقيقي، على الرغم من أنه يتضور جوعًا، بينما أنت تنفق على ذاتك من عطاياه.

          هل يمكن أن يوجد أسوأ من هذه المخالفة؟ فقد سُلّم للموت لأجلك، ذُبح لأجلك، وجال جائعًا من أجلك، وأعطى لك مما له، لكي تنتفع أنت ذاتك، ومع كل هذا فأنت لا تعطى. مَنْ هم هؤلاء الذين فقدوا الحس كأنهم أحجار، الذين على الرغم من الإحسانات الكثيرة التي تجذبهم إلى محبة المسيح، إلاّ أنهم لا يزالون في هذه الجفوة أو القسوة الشيطانية؟ لأنه لم يكتفِ بموته وصلبه فقط، بل أنه قَبِل أن يصير فقيرًا، وغريبًا، ومشردًا، وعريانًا، ومسجونًا، ويحتمل الآلام لكي يجذبك إليه، حتى ولو بهذه الطريقة. لأنه إن لم تبادلني العرفان بالجميل، لأني عانيت شيئًا من أجلك، أعطني رحمة بسبب فقري (أى رحمة لمن هم في احتياج). وإن لم ترد أن ترحمنى لأجل احتياجي أو فقري، فلتتحرك مشاعرك لأجل آلامي، ترفق بي لأجل سجني. وإن لم يجعلك كل هذا مُحبًا للناس، اقبل المطلب الزهيد. لأنني لا أطلب شيئًا كثير النفقات، إني أطلب خبزًا، ومسكنًا، وكلمة مُعزية. لكن إن كنت بعد كل هذا لا تزال قاسيًا، فعلى الأقل لأجل ملكوت السموات يجب أن تكون أفضل، ولو لأجل المجازاة التي وُعدتَ بها. فهل لديك كلمة تقولها عن هذه هذه الأمور؟ ليتك تترفق على الأقل أمام الطبيعة البشرية ذاتها، لأنك تراني عريانًا، وتذكّر ذلك العري الذي حدث فوق الصليب من أجلك. وإن كنت لا تريد أن تتذكر ذلك، فعلى الأقل تذكّر عريَّ في الفقراء. سُجنت لأجلك من قبل، والآن أُسجن لأجلك حتى تتحرك، سواء هنا أو هناك لكي تصنع رحمة ما.

          صُمتْ لأجلك، وأيضًا أجوع لأجلك. عطشت عندما عُلقت على الصليب، وأعطش في الفقراء، حتى أنه بواسطة هذه وتلك، أجذبك إليّ، وأجعلك محبًا للناس من أجل خلاصك. ولهذا فعلى الرغم من أنك مدين لي لأجل إحسانات لا تُحصى (قدمتها لك)، إلاّ أنني لا أطلب منك مكافأة كمَن هو مديون لي، بل أنني أتوّجك كما لو كنت تمنحني، وأهبك الملكوت عوضًا عن هذه الأمور الصغيرة. لأني أقول لك لا تمنحني غنىً، على الرغم من أنني صرت فقيرًا لأجلك، بل سدَّد فقط احتياجي. إنني أطلب فقط خبزًا، وملبسًا، وتخفيفًا للجوع. وإن كنت بعد قد أُلقيت في السجن، فإني لا أطلب أن تحل القيود وتخرجني خارجًا، بل أطلب شيئًا واحد، أن تراني وأنا مقيد لأجلك، وحينئذٍ من أجل هذا فقط، أمنحك السماء. على الرغم من أنني قد حللتك من قيود مرعبة جدًا بل هى مرعبة أكثر من غيرها، إلاّ أنه يكفيني فقط أن تراني مُقيدًا، إن أردت. إني أستطيع أن أتوجك دون أن تراني هكذا، لكني أُريد أن أكون مديونًا لك. ومن أجل هذا، وعلى الرغم من أنه يمكنني أن أُطعم نفسي، فإنني أجول متسولاً وأقف أمام بابك مادًا يدي. لأني أشتهي أن تطعمني، لأنني أحبك جدًا. ولهذا فإنني أشتهي مائدتك، وهذا هو حال الذين يُحبون، وهم يفتخرون بهذا. وحين يجتمع سكان المسكونة (يوم الدينونة)، عندئذٍ سأعترف بك كمنتصر، وعندما يكون الجميع منصتين إليّ، سأعترف بك إذ أطعمتني.

          أما نحن، فعندما يُطعمنا أحد، نخجل من هذا ونُخفيه، ولكن المسيح له المجد، لأنه يُحبنا جدًا، فحتى لو صمتنا نحن، فإنه سيعلن في ذلك الوقت ما حدث بإطراء كبير ولا يخجل أن يتكلم به، وذلك عندما كان عريانًا وكسوناه، وعندما كان جوعانًا وأطعمناه. إذًا ونحن نفكر في كل هذا، ينبغي ألا نتوقف فقط عن المديح، بل يجب أن نمارس تلك الأمور التي قيلت. لأنه ما هى المنفعة من وراء هذا الطنين وهذا الإزعاج؟ شئ واحد فقط أريده منكم، هو إثبات المحبة بالأعمال، والطاعة بالأفعال. هذا هو المديح الذي أقدمه، فإن ذلك يعد ربحًا لكم، ويعتبر بالنسبة لي كرامة تعلو على كرامة الإكليل. إذًا انسجوا لكم ولي هذا الاكليل بواسطة الفقراء، حتى نتغذى معًا بالرجاء الصالح، وعندما نرحل إلى الحياة الأبدية، سننال الخيرات التي لا تُحصى، والتي ننتظر أن ننالها جميعًا، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة إلى أبد الأبدين آمين.

                 

[1]  مز22:44.

[2]  أع16:4.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب  

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة السادسة عشر

” ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله ” (رو28:8).

          1 ـ يبدو لي أنه يتكلم في هذا الجزء، عن أولئك الذين يتعرضون للمخاطر، وليس هذا فقط، لكنه يُشير أيضًا إلى الأمور التي قيلت قبل هذه. لأن القول بأن ” آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا” وأن ” كل الخليقة تئن ” وقوله: “بالرجاء خلصنا ” و” نتوقعه بالصبر” و” لسنا نعلم ما نصلي لأجله[1]. كل هذه الأقوال قيلت للذين يتعرضون للأخطار، فهو يُعلّمهم بألا يعطوا اهتمامًا أكثر بالأشياء التي يعتقدون بأنها تحقق منفعة، بل يجب أن يفضلوا عليها الأمور التي هى بحسب الروح. خاصة وأن كثيرًا من تلك الأمور التي تبدو لهؤلاء أنها نافعة تتسبب مرات كثيرة في حدوث خسارة كبيرة. إذًا من الواضح أن الراحة، والتخلص من الأخطار، والحياة في أمان، هى التي يسعى إليها هؤلاء.

          والمدهش لهؤلاء ما اتضح، من أن الأمان هو ليس في طلب الراحة بالطريقة التي يتصورونها ـ وهذا ما حدث للمطوب بولس نفسه ـ لقد عرف فيما بعد، أن الأمور النافعة هى في تتميم مشيئة الله، وإذ عرف هذا فقد امتثل لهذه المشيئة. وهو الذي تضرع إلى الله ثلاث مرات أن يُخلّصه من الآلام، لكن حين سمع الله يقول: ” تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل[2]. فإنه كان يُسر عندما يُطرد ويُشتم ويعاني من آلام لا تُشفى “لذلك أسر بالضعفات والشتائم والضرورات والإضطهادات [3]. ولهذا قال “لسنا نعلم ما نصلي لأجله“، ونصح الجميع بأن يسمحوا للروح القدس أن يُتمم فيهم مشيئة الله. خاصةً وأن الروح القدس يعتني بنا جدًا.

          إذًا بعدما أعدَّهم بكل الطرق، أضاف ما قاله لكي يدفعهم إلى أن يكون لهم فكر مستقيم. لأنه ” نحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله “. لكن عندما يقول “كل” فهو يقصد تلك التي تبدو مؤلمة. لأنه سواء كانت ضيق، أم فقر، أم سجن، أم جوع، أم موت، أم أى شئ آخر يحل بنا، فإن الله قادر أن يحول كل هذا إلى العكس. لأن هذه هى قوته التي لا توصف، أى أن يجعل ما كان يبدو ثقيلاً، يصير خفيفًا لأجلنا، ويحوله لتثبيتنا. ولهذا تحديدًا لم يقل إن الذين يحبون الله لا يأتي عليهم شئ من الأشياء، بل إنها “تعمل معًا للخير” بمعنى إنه يستخدم هذه الأمور السيئة لمسرة من تُكاد لهم الدسائس، وهذا ما يعد أعظم بكثير من أن يمنع الشرور من أن تأتي، أو أن يمحوها عندما تحدث. هذا ما صنعه في أتون بابل (مع الفتية الثلاثة). لأنه لم يمنع إلقاءهم في الأتون، ولا أطفأ اللهب عندما ألقوا هؤلاء القديسين، بل تركهم يشاهدون المعجزة التي صنعها معهم في هذا الأتون.

          وقد صنع معجزات مماثلة مع كل الرسل. فإن كان في مقدور أولئك الذين يسلكون بحكمة، أن يحولوا طبيعة الأمور إلى ما هو عكسها، لكنهم فضّلوا أن يعيشوا في فقر وبهذا صاروا أكثر غنى من الأغنياء، وأكثر بهاءً منهم، رغم أنهم لا ينالوا تقديرًا مناسبًا، هكذا سيصنع الله مع أولئك الذين يحبونه، ليس مثل هذا فقط، بل وأكثر جدًا من هذا. إذًا الأمر يحتاج فقط إلى محبة حقيقية لله، وكل الأمور الأخرى ستتحقق. فتلك الأمور التي تبدو أنها ضارة لهؤلاء، هى في الحقيقة نافعة لهم، أما بالنسبة لأولئك الذين لا يحبون الله، فإن الأمور التي تبدو نافعة لهم، ستكون ضارة. إذًا فقد سبَّب ظهور المعجزات وأيضًا فلسفة التعليم واستقامة العقيدة، ضررًا بالنسبة لليهود، فإنهم بسبب هذه المعجزات زعموا أن الرب يصنعها بقوة الشيطان، بينما كان ينبغي أن يحدث العكس بسبب هذه المعجزات، ولأجل هذه المعجزات شرعوا في أن  يقتلوه. أما اللص الذي صُلب معه، والذي سُمر، وأُهين، وعانى شرورًا كثيرة، فإنه لم يخسر مُطلقًا، بل بالحرى ربح الكثير جدًا.

          أرأيت كيف أن كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله؟ إذًا بعدما تكلم عن هذا النعيم الوافر، الذي يفوق الطبيعة الإنسانية بكثير، والذي يبدو للكثيرين أن تحقيقه أمر مستحيل، فإنه أكد عليه بقوله:    ” الذين هم مدعون حسب قصده “. إذًا انتبه للدعوة التي قيلت. لماذا لم يدعُ الجميع من البداية، ولا حتى بولس نفسه لم يدعه مع الآخرين مباشرةً؟ ربما يبدو لك أن هذا التأجيل كان غير نافع؟ كلاّ لقد أظهر العكس، من جهة الأمور ذاتها، إن التأجيل كان مفيدًا. إن الله لا يريد أن يهب كل شئ في الدعوة، لأنه لو حدث هذا، لكان اليونانيون واليهود قد اختلفوا. إذًا لو كانت الدعوة وحدها كافية، فلأى سبب لم يخلص الجميع؟ ولهذا يشرح الرسول بولس أن الأمر لا يتعلق بالدعوة فقط، بل أن إرادة أولئك المدعوين كان لها دور في الخلاص. لأن الدعوة لم تكن إجبارية ولا قهرية. فالمؤكد أن الجميع دُعوا، لكن ليس الجميع أطاعوا.

 

2 ـ ” لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه .. ” (رو29:8).

          أرأيت مقدار الكرامة؟ فإن هؤلاء قد صاروا أبناء بالنعمة بواسطة ذاك الذي هو بالطبيعة الابن وحيد الجنس. ولهذا لم يكتفِ بقوله “مشابهين”، لكنه أضاف ” ليكون هو بكرًا “. ولم يتوقف هنا أيضًا، لكنه أضاف إلى هذا ” بين اخوة كثيرين “، لأنه أراد بكل هذا أن يظهر بوضوح مدى القرابة. كل هذا يجب أن تعتبر أنه قيل بحسب التدبير. فلأنه إله فهو وحيد الجنس. أرأيت مقدار ما وهبنا إياه؟ إذًا يجب ألا تتشكك من جهة خيرات الدهر الآتي. لأنه في موضع آخر قد بيّن عناية الله، إذ يقول إن هذه الأمور قد سبق وقررها الله هكذا. فالبشر يشكّلون آرائهم من خلال الواقع المنظور، أما الله فقد قرر هذه الأمور منذ القديم، ومن البداية كانت هذه هى إرادته من جهتنا.

 

” والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضًا والذين دعاهم فهؤلاء برَّرهم أيضًا ” (رو30:8).

هذا حدث بمعمودية التجديد “والذين برّرهم فهؤلاء مجدهم أيضًا“. وهذا حدث بالنعمة والتبني.

 

” فماذا نقول لهذا ” (رو31:8).

وكأنه قال، لا تحدثني بعد عن الأخطار والمكائد التي تصدر من الجميع. فعلى الرغم من أن البعض يتشكك في أمور الدهر الآتي، إلاّ أنهم لا يستطيعوا أن يقولوا شيئًا فيما يتعلق بالخيرات التي تحققت بالفعل دون نقاش، أى من حيث إن الله منحك البر والمجد من البداية من فرط محبته لك. لأنه بالحقيقة قد منحك إياه، بواسطة الأمور التي تبدو لك مُحزنة. وما تعتقد أنه علامة عار، أى الصليب والجلدات والقيود، صارت هى نفسها سبب فائدة لكل المسكونة. تمامًا مثلما حدث بخصوص آلام المسيح، إذ بالرغم أنها تبدو كئيبة إلاّ أنه حوّلها لتعطي طبيعتنا الحرية والخلاص، هكذا إعتاد أن يصنع بتلك الأمور التي تعانيها، مستخدمًا آلامك من أجل مجدك وسعادتك.

إن كان الله معنا فمن علينا “. وهل هناك من هو ليس ضدنا؟ لأن المسكونة هى ضدنا، والطغاة، والشعوب، والأقارب والساكنون معنا في وطن واحد. لكن هؤلاء الذين هم ضدنا بهذا القدر الكبير، هم أبعد من أن يؤذونا لأنهم دون أن يقصدوا صاروا هم سببًا لتتويجنا ولخيرات لا تُحصى، طالما أن حكمة الله، تُحوّل هذه المكائد لتصير لخلاصنا ومجدنا. أرأيت كيف أنه لا يوجد أحد ضدنا؟ لأن أيوب أيضًا قد جعل كل ما هو ضده يصير مجدًا، أى من حيث إن الشيطان كان قد تسلَّح ضده. خاصة عندما حرّض ضده الأصدقاء، والزوجة، والعبيد، وأصيب بجروح، ومصائب أخرى لا تعد. ولكن لا شئ على الإطلاق سبّب له ضررًا. وهذا كله لم يكن شيئًا جسيمًا بالنسبة له، على الرغم من أنه كان جسيمًا في حد ذاته بصورة كبيرة، إلاّ أن أيوب كان أعظم، لأن كل شئ انتهى إلى منفعته. فالله كان في جانبه، وما كان يبدو ضدًا له تحول إلى فائدته. وهذا حدث في حالة الرسل. خاصة وأن اليهود والأمم والمعلمين الكذبة، والقادة، والجموع، والمجاعات والفقر، وأمور أخرى عديدة كان من الممكن أن تؤثر على مسيرتهم، لكن لم يتغلب عليهم أى شئ. لأن هذه الآلام هى التي جعلتهم مُشرقين، ومُمجدين، وعظماء أمام الله والناس.

إذًا فكَّر في الكلام الذي قاله الرسول بولس للمؤمنين، الذين هم بالحقيقة مُطوبين، الأمر الذي لا يملكه حتى الذي يرتدي التاج. لأنه بالنسبة لبولس، كان الكثيرون ضده من بربر، ومُسلحين، وأعداء يهاجمونه، وحراس متسلطين وقساة عليه، وكان كثيرون من المواطنين يثورون ضده باستمرار، وأمور أخرى لا تُعد، لكن المؤمن الذي يتبع بدقة مشيئة الله، لا يستطيع إنسان، ولا شيطان، ولا أى شئ آخر، أن يُثيره أو يقلقه. لأنه إن نزعتَ عنه الأموال، فإنك تقدم له أجرًا، ولو أسأت إليه عن طريق شائعات مشينة، تجعله أكثر بهاءً أمام الله، ولو ألقيته في مجاعة سيكون مُمجدًا بالأكثر وسيكون تعويضه أكثر. ولو سلّمته إلى الموت ـ وهو الأمر الذي يُعد أكثر فزعًا من كل شئ ـ فقد اخترت له إكليل الشهادة.

إذًا ماذا يمكن أن يُعادل هذه الحياة، عندما لا يوجد شئ يمكن أن يُسبب لنا ضررًا، بل إن هؤلاء الذين يُعدون لنا المكائد، هم في الحقيقة يحققون لنا منفعة؟ لا تتكلم عن ما يصنعه معنا الذين يقدمون لنا إحسانًا، ولهذا قال: ” إن كان الله معنا فمن علينا “.

3 ـ ثم بعد ذلك لم يكتفِ بكل ما قيل، بالإشارة إلى برهان المحبة العظيمة لنا، الأمر الذي يُكرره فيما بعد، هذا أيضًا يشير إليه هنا، أى يُشير إلى تقديم الابن ذبيحة. لأنه ليس فقط قد برّرنا ومجّدنا وجعلنا مشابهين صورة ابنه، بل أنه لم يشفق على ابنه، وهذا من أجلنا. ولهذا أضاف قائلاً:

 

” الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شئ ” (رو32:8).

          وهنا يستخدم الكلمات بروعة وحماس شديدين، لكي يظهر محبة الله. كيف إذًا يتركنا الله نحن المحبوبين لديه، وهو الذي لأجلنا لم يُشفق حتى على ابنه، بل سلَّمه إلى الموت لأجلنا؟ تأمل مقدار الصلاح الإلهي الذي يظهر في عدم الإشفاق على ابنه، بل ويُسلّمه للموت، ويُسلّمه لأجلنا، نحن الوضعاء، والجاحدين، والأعداء، والمجدفين. “كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شئ”؟ ما يقوله يعني الآتي: إن كان قد وهبنا ابنه، وليس فقط قد وهبنا إياه، بل وسلّمه للذبح، إذًا لماذا تشك في الأمور الأخرى، طالما أنك قد أخذت السيد؟ لماذا تتشكك أو تتحير من جهة ممتلكاته، طالما أن لديك السيد الرب نفسه؟ ذاك الذي أعطى أعظم ما عنده لأعدائه، ألا يعطي الأشياء الأقل لأصدقائه؟

 

” من سيشتكي على مختاري الله ”؟ (رو33:8).

          هنا الكلام موّجه إلى أولئك الذين يقولون إن الإيمان لا يُفيد مطلقًا، وإلى أولئك الذين يتشككون في حقيقة التبرير. ولاحظ كيف أنه ألجمهم سريعًا عند هذا المقام الذي اختاره لهم. ولم يقل من سيشتكي على عبيد الله، ولا على مؤمني الله، لكن ” على مختاري الله ” لأن الإختيار هو دليل الفضيلة. إذًا لو أن أحد رياضي الفروسية إختار الخيول المناسبة للطريق فلن يستطع أحد أن يشتكي عليه، فإن إشتكى عليه أحد يصبح مثارًا للسخرية، بالأكثر جدًا عندما يختار الله النفوس، فإن أولئك الذين يشتكون عليهم، هم مثارًا للسخرية.

 

” الله هو الذي يبرر. من هو الذي يدين ” (رو34:8).

          لم يقل إن الله يغفر الخطايا، بل قال ما هو أكبر بكثير جدًا، أن    ” الله هو الذي يُبرر “. لأنه حين يعلن القاضي براءة أحد، وبالأخص مثل هذا القاضي، فأية مصداقية تكون للشاكي؟ وبناء عليه، فليس من الصواب أن نخاف من التجارب، لأن الله هو الذي يقف معنا، وهذا قد أوضحه من خلال كل ما فعله، ولا أن نتردد أمام الهذيان اليهودي، لأن من المؤكد أن الله قد إختارنا وقد برّرنا، والأكثر دهشة، أنه برّرنا بذبح ابنه.

          إذًا من سيحاكمنا، في الوقت الذي فيه توّجنا الله، وذُبح المسيح لأجلنا، ولم يُذبح فقط، بل أيضًا يشفع فينا؟ المسيح هو الذي مات بل بالحرى قام أيضًا، وهو أيضًا عن يمين الله حيث يشفع فينا، لأنه عاد إلى مقامه، لم تتوقف رعايته لنا، ولا يزال يحتفظ لنا بنفس المحبة. لأنه لم يكتفِ بالذبح فقط، بل أنه يقدم نموذجًا أعظم للمحبة، أى أنه لا يصنع فقط ما يريده هو، بل أنه يتشفع لنا من أجل هذا الأمر. لأن هذا فقط ما أراد أن يُعلنه، بعبارة أن يتشفع، متحدثًا بطريقة أكثر إنسانية وتسامحًا، لكي يبين محبته. إذ أن عبارة “لم يشفق”، إن لم نفهمها بهذا المعنى، فسيلحق بعدم الفهم معاني غير ملائمة. ولكي تعرف أن هذا هو ما أراد أن يبيّنه، بعدما قال أولاً إنه “عن يمين الله”، أضاف أنه “يشفع فينا”، حين أظهر المساواة في الكرامة، حتى أنه بعبارة “يشفع فينا”، يتضح أن ذلك لا يُعد دليل نقصان أو تقليل، بقدر ما هو دليل محبة فقط.

          لأن ذاك الذي هو الحياة في ذاته، ومصدر كل الخيرات، ومُعطي الحياة، وكل الأمور الأخرى، كيف هو في احتياج أن يشفع لنا، ولصالحنا؟ إنه يشفع بسلطانه، إذ بينما نحن يائسون ومحكوم علينا، خلّصنا من هذا الحكم، وبرَّرنا، وجعلنا أبناء، وقادنا إلى أعلى درجات الكرامة، وحقق لنا كل ما لم نكن نتوقعه أبدًا، وطالما أنه حقق كل هذا، ورفع الطبيعة الإنسانية إلى العرش الملوكي، هل سيحتاج أن يتوسل، حتى يجعل أمورنا على ما يرام؟ أرأيت كيف أنه يتضح لنا من كل الإتجاهات أن عبارة “أن يشفع”، لم يقلها لأى شئ آخر إلاّ لكي يُظهر محبته الشديدة والغنية لنا؟ بالإضافة إلى ذلك فمن الواضح أن الآب يطلب من البشر أن يتصالحوا معه. ” إذ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا[4]. ولكن على الرغم من أن الله يطلب، وأن بعض الناس هم سفراء عن المسيح، فإننا لا نقصد هنا شيئًا غير مستحق لتلك الكرامة، بل أمرًا واحدًا فقط نجنيه من كل ما قيل، وهو المحبة الكبيرة. هذا إذًا ما ينبغي أن نفعله هنا في هذه الحياة. إذًا إن كان الروح يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها، وأن المسيح مات ويشفع فينا، وأن الآب لم يُشفق على ابنه بسببنا، واختارك وبرَّرك، فلماذا تخاف بعد؟ لماذا ترتعب طالما أنك تتمتع بهذا القدر من المحبة الكبيرة، وهذه العناية الكبيرة؟!

          ولهذا، فإنه بعدما أظهر عناية الله الفائقة، يضيف الكلام اللاحق بكل جرأة، ولم يقل إنكم مُجبرون وينبغي أن تحبوه هكذا (كما أحبكم)، بل كمَن صار في الله، كما يتضح من شرحه لهذه العناية غير الموصوفة، إذ يقول:

 

” من سيفصلنا عن محبة المسيح كما هو مكتوب إننا من أجلك نمات كل النهار ” (رو35:8ـ36).

          أما أنه لم يقل “محبة الله”: هذا أمر لا يعنيه أن يدعوه المسيح أو أن يدعوه الله. ” أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف”. انتبه إلى حكمة المطوب بولس. لأنه لم يذكر تلك الأمور التي في حياتنا اليومية والتي صِرنا لها عبيدًا، أى محبة المال، وشهوة المجد، والغضب، بل أنه ذكر تلك التي هى أكثر ألمًا بكثير من هذه الأمور، والتي هى قادرة أن تُخضع الطبيعة نفسها، ومرات كثيرة تُشتت الذهن، وبدون إرادتنا، وهذا ما يُشير إليه، بالضيقات أى الآلام. لأنه على الرغم من أن ما قيل هو قليل، إلاّ أن كل كلمة هى مكثفة إذ تحمل مجموعة لا تُحصى من التجارب. لأنه عندما يقول “ضيقة” فهو يقصد سجونًا، وقيودًا، وتشهيرًا ونفيًا، وكل المتاعب الأخرى، مُشيرًا بكلمة واحدة، إلى كل الآلام الإنسانية بشكل عام. لكنه يحتقر كل هذه الآلام. ولهذا فهو يعرضها بصيغة سؤال، كما لو كانت أمرًا لا اعتراض عليه، لأنه لا يوجد شئ يمكن أن يفصل ذاك، الذي تمتع بمحبة كبيرة وعناية كبيرة عن محبة المسيح.

[1]  رو18:8، 22، 24، 25، 26.

[2]  2كو9:12.

[3]  2كو10:12.

[4]  2كو20:5.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الخامسة عشر:

         10 ـ حسنًا فلنفكر في كل هذا، ودعونا نحارب الفقر في هؤلاء المحتاجين حتى لو مازالوا يفعلون الضلال، وليتنا لا نفحص الأمر بالتفصيل. لأننا نحن أيضًا نحتاج لمثل هذا الخلاص والغفران، ومحبة البشر مع الرحمة كثيرًا. لأنه حقًا من غير الممكن أن نخلص أبدًا، لو فُحصت أمورنا بالتدقيق، بل يجب أن نُعاقَب وأن نهلك على أية حال. إذًا ينبغي ألا نصير قضاة قساة للآخرين، حتى لا تُطلب منا إلتزامات كبيرة، لأنه من المؤكد أننا نحمل خطايا تعلو فوق كل مغفرة. وبناء عليه فلنرحم بالأكثر أولئك الذين يرتكبوا خطايا لا تُغفر، لكي ندّخر لأنفسنا مسبقًا هذه الرأفة. وإن كان من المؤكد أنه مهمًا كان السخاء الذي نُظهره فإننا لا نستطيع أن نُقدم محبة للبشر، تماثل تلك التي نحتاجها نحن من الله مُحب البشر؛ إذًا كيف لا يكون أمرًا غريبًا، أن نُدقق في حالة مَنْ هم في احتياج شديد والذين هم شركائنا في الإنسانية ونفعل كل شئ ضد منفعتنا؟ لأنك لا تنظر إلى ذاك على أنه غير مستحق لإحسانك، بقدر ما تجعل نفسك غير مستحق لمحبة الله. إذًا فذاك الذي يُدقق في فحص حالة شريكه في الإنسانية، بالأكثر جدًا سيجد أن الله يصنع معه ذلك أيضًا فيما بعد.

          إذًا يجب ألا نتكلم ضد أنفسنا، بل علينا أن نعطي كل من يسألنا حتى لو كان هناك خمول أو لا مبالاة من جانب الذين يطلبون منا الإحسان. فضلاً عن أننا نحن أيضًا نصنع خطايا كثيرة بسبب اللامبالاة، أو من الأفضل أن نقول إن كل الخطايا هى بسبب اللامبالاة، ومع هذا فإن الله لا يعاقبنا على الفور، بل يعطينا مهلة للتوبة، طالما أنه يُطعمنا يوميًا، ويُهذبنا، ويُعلّمنا، ويمنحنا كل العطايا، حتى ننال نحن أيضًا رأفته. لنمحو إذًا هذه القساوة، لنخرج التشدد من داخلنا، لأنه بعطائنا نُحسن لأنفسنا، أكثر من إحساننا للآخرين. لأننا نعطي الفقراء أو المحتاجين مالاً وخبزًا وملابس، لكننا ندّخر لأنفسنا مجدًا عظيمًا، لا يُعبّر عنه بالكلام. لأنه، بالرغم من أننا لبسنا أجسادًا فانية، إلاّ أننا نتمجد ونملك مع المسيح. لكننا لن نعرف مدى عظمة ذلك، أو من الأفضل القول، إننا لن نعرف الآن بشكل كامل وبصورة جيدة. إلاّ أنني سأحاول على قدر الإمكان أن أعرض لهذا الذي قيل حتى ننجذب إلى الخيرات التي لنا ونتفهم المعنى البسيط.

          أخبرني، لو أنك وصلت إلى مرحلة الشيخوخة وتعيش في حالة فقر، وأتى شخص ووعدك بأن يجعلك شابًا قويًا جدًا وأفضل من الجميع، وأن يُعطيك أن تملك على كل الأرض ألف سنة، وتحيا في ملكوت يحمل سلامًا عميقًا، فهل تتقاعس عن تحمل المعاناة من أجل تحقيق هذا الوعد؟ ها هو المسيح له المجد لا يَعد بهذه الأمور فقط، بل وأكبر بكثير منها. لأن الفرق بين الفساد وعدم الفساد، ليس بقدر الفرق بين الشيخوخة والشباب، ولا الفرق بين المجد الحاضر والمجد العتيد أن يُستعلن، بقدر الفرق بين الملك والفقير، لكن بقدر الفرق بين الأحلام والحقيقة. ومن الأفضل أن نقول إننا لم نقل بعد أى شئ، ومن المؤكد أنه لا يوجد كلام قادر على أن يُعبر عن مقدار الفروق التي ستصير من جهة الأمور الحاضرة. لأنه بسبب الزمن، من غير الممكن أن نُدرك بالكامل مقدار الفروق. إذ كيف يمكن للمرء أن يُقارن بين الحياة التي لا نهاية لها ، بالحياة الحاضرة؟ ومن جهة السلام في الدهر الآتي، فإن المسافة بينه وبين السلام في الزمن الحاضر، هى مسافة شاسعة، بقدر المسافة بين السلام والحرب. ومن جهة الخلود أو عدم الفساد، فهناك لا يوجد فساد وهو بالمقارنة بالحياة الحاضرة، أسمى بقدر نقاء اللؤلؤ مقارنة بقطعة من الفخار. ومن الأفضل القول بأنه مهما قيل فلن يستطيع المرء أن يقدم شيئًا. لأنه سواء قارنت جمال الأجساد، بنور أشعة الشمس، أو بالبرق المضئ، فلن أستطيع أن أقول بعد شيئًا يُقابل هذا البهاء الذي سيكون في الحياة الأبدية.

          إذًا كم هو مستحق أن نهجر المال والذات من أجل هؤلاء أو من الأفضل أن نقول كم هو غير مستحق أن نهجر الأنفس المحتاجة؟ لكن الآن لو أن شخصًا قادك إلى داخل القصر، وبينما كان هناك جمع من الحضور، إلاّ أنه جعل الملك يتحدث معك، وأجلسك معه على نفس المائدة، وجعلك تتناول نفس الطعام معه، فستقول إنك الأكثر سعادة من الجميع، بينما في هذه الحالة التي فيها ستصعد إلى السماء، وتقف بجوار ملك الجميع، وتُشرق أمام الملائكة وتتمتع بذلك المجد المحفوظ، فهل يُمكنك بعد ذلك أن تشك في أنه ينبغي عليك أن تتخلى عن المال، في الوقت المناسب (أى في هذه الحياة الحاضرة)، حتى وإن إحتاج الأمر بعد أن تحتقر هذه الحياة فلتفعل هذا، وهل يحق لك بعد ذلك أن تبتهج وتسعد وتقفز من الفرح لأجل الشهوة؟ فأنت تصنع ذلك لكي تربح السلطة التي تعطيك دوافع للسرقة، لأنني لا أستطيع أن أدعو الأمر المشابه ربحًا، إنك تستبعد الممتلكات الموجودة لديك، فبعدما تقترض من الآخرين، لا تتردد في أن ترهن زوجتك وأولادك أيضًا، بينما الآن حيث يوجد أمامك ملكوت الله، وتوجد السلطة التي ليس لها وارثًا، وحيث يأمر الله بأن تناله، وهو ليس مكان ناءٍ من الأرض بل هو كل السماء، فهل تتردد وترفض وتسلم نفسك لشهوة المال. أو لست تفهم أنه إذا كانت الأماكن الموجودة أمامنا تحت السماء جميلة ومُبهجة، فكم بالأحرى تكون الأماكن العلوية في السماء، وسماء السموات؟

          ولأنه من غير الممكن أن ترى هذه الأمور الآن بالعيون الجسدية، لذلك إرتفع بفكرك إلى فوق، وبعدما تقف فوق هذه السماء، تطلَّع إلى السماء التي فوق هذه السماء، إلى السمو غير المحدود، إلى النور المملوء رهبة، إلى جموع الملائكة، إلى التجمع الكثيف لرؤساء الملائكة الذين لا حصر لهم، وإلى القوات الأخرى غير الجسدانية. كذلك اهتم بالصورة التي تتصورها وأنت على الأرض، وارسم شكلاً يشمل تصميمًا لكل ما يحيط بالملك ربنا، مثل الرجال الذين يرتدون ملابس مذهبة، وكم الخيل البيض المزينة بالذهب، والعربات المزينة بأحجار كريمة، وأوراق الزهور الموضوعة حول العربات، والحيات التي تُنقش على الملابس الحريرية، والدروع ذات الحلقات الذهبية، والأثواب والتيجان المرصعة بأحجار كريمة متعددة، والخيول المزينة بالذهب والألجمة الذهب. إلاّ أن كل ذلك يتوارى عن أنظارنا عندما نرى الملك ذاته. وعندئذٍ فإن ما يجذب إنتباهنا، هو ثوبه الأرجواني، تاجه وعرشه، وكذلك الرداء، وحذائه، ووجهه المثير والمشرق جدًا.

          بعدما تُجمّع كل هذه الصور بالتدقيق، إنتقل بفكرك مرة أخرى إلى الأمور السمائية، إلى اليوم المخوف الذي فيه سيأتي المسيح. لأنه لن ترى في ذلك الحين الخيول، ولا العربات المذهبة، ولا حيات ودروعًا، لكن سترى تلك الأمور المملوءة رهبة والتي تُثير دهشة عظيمة حتى أن القوات غير الجسدانية ستُذهل، لأن الكتاب يقول:    ” وقوات السماء تتزعزع[1]. حينئذٍ تنفتح السماء كليةً، وأبواب النصرة تُفتح على مصراعيها، وينزل ابن الله، يُحيط به ليس مجرد عشرون أو مائة إنسان، بل آلاف وجموع من الملائكة ورؤساء الملائكة، الشاروبيم والسيرافيم والقوات الأخرى، الجميع سيكونون مملوئين خوفًا ورعدة والأرض ستنشق، وكل البشر الذين عاشوا منذ وقت آدم حتى هذا اليوم، سيصعدون من الأرض ويُختطَفون جميعًا إلى السماء، وسيظهر ابن الله بنور عظيم، حتى أن الشمس والقمر وكل نور آخر يختفي أمامه، لأنه يُضيئ بشكل أعظم كثيرًا من هذه الأنوار العظيمة.

          أية كلمات يمكن أن تصف تلك الغبطة وهذا النور وهذا المجد؟ ويل لكِ يا نفسي. لديَّ رغبة أن أبكي وأن أتنهد كثيرًا، الآن حيث أفكر في كثرة الخيرات التي قد فقدناها، وأى نهاية مجيدة قد حُرِمنا منها. لأنه بالحقيقة قد نُحرم، وأول الكل أنا نفسي، أقول قد نُحرم إن لم نصنع شيئًا عظيمًا ومدهشًا. إذًا لا يقول لي أحد، أين جهنم وهى توجد هنا. لأن فقدان هذا المجد، لهو حالة أكثر رعبًا وخوفًا من أى جهنم. وأن يُحرم تلك النهاية المجيدة، فهذا أسوأ من عذابات لا تُحصى. لكننا محصورون بعد في الأمور الحاضرة، ولا نفهم حيل الشيطان، الذي ينزع منا العطايا العظمى عن طريق هفواتنا الصغيرة. فهو يُعطي لنا طينًا، لكي يخطف منا الذهب، أو الأفضل أن نقول لكي يخطف السماء، ويظهِر المخاوف لكي يحرمنا الحقيقة. وفي الأحلام يضفي على الأمور الحاضرة خيالات ويصورها لنا على أنها غنى عظيم، ولكن عندما يأتي يوم الدينونة سيتضح لنا أننا أكثر فقرًا من الجميع.

          11 ـ إذًا طالما أننا نفكر في هذه الأمور، لنتجنب المكر، ولنتطلع نحو الدهر الآتي. لأن من غير الممكن أن نقول إننا نجهل أن الحياة الحاضرة هى حياة مؤقتة في الوقت الذي تُعلِن فيه الحياة اليومية بقوة تفوق صوت النفير، أن الحاضر لا شئ، بما فيه من أمور تستوجب السخرية، وأمور مخجلة وأخطار وهلاك. أى مبرر إذًا سنُقدم، عندما نسعى نحو الأخطار، ونحو الأمور المخجلة بحماس شديد، بل أننا نبتعد عن كل ما يوفر لنا الأمان، بل وعن كل ما يجعلنا ممجدين ومشرقين، ثم نُسلّم أنفسنا بالكامل لطغيان المال؟ لأن العبودية للمال هى أمر مفزع أكثر من أى طغيان آخر. ويعرف ذلك أولئك الذين استحقوا أن يتحرروا من هذا الطغيان. ولكي تختبروا أنتم أيضًا هذه الحرية الجميلة، اكسروا القيود، تجنبوا الفخ، ولا تكنزوا الأموال في بيوتكم، بل اكنزوا ما له قيمة تفوق كثيرًا قيمة أموال لا حصر لها، أى الرحمة والرأفة. لأن هذه تعطينا دالة أمام الله، بينما المال يجلب علينا عارًا كثيرًا، ويجعل الشيطان يجري مسرعًا نحونا.

          إذًا لماذا تُسلّح عدوك وتجعله أكثر قوة؟ يجب أن تسلح يدك ضده. ضع داخل نفسك كل جمال البيت السماوي، وكل الغنى أودعه في ذهنك. ليتنا نستثمر الأموال بدلاً من أن نكتنزها في الخزانة، بل نضعها في المنزل السماوى، ونستخدم كل ما لنا من أموال. لأن نفوسنا أفضل بكثير من البيوت، وأهم من الأرض. إذًا لماذا نترك أنفسنا، ونحصر كل إهتمامنا في تلك الأمور (التي نود أن نكتنزها) والتي من غير الممكن أن نأخذها معنا عندما نموت، بل إننا في مرات كثيرة لا نستطيع أن نحتفظ بالمال حتى في الحياة الحاضرة، بل إننا سنتمتع بغنى لا يُعبّر عنه في ملكوت الله، حين نقدم من الغنى الأرضي ما يسدد احتياجات الفقراء والمعتازين. لأن مَنْ يحمل داخل نفسه، الحقول والبيوت والأموال، حين ينتقل إلى السماء، فسيُعرض بنفس هذه الحالة أمام الله، حيث إن كل شئ ينبغي أن يعرض هناك كما هو. وكيف يمكن أن يحدث هذا؟ هذا أمر ممكن وبصورة أكثر سهولة. فلو أن هذه الأمور نقلتها إلى السماء بأيدي الفقراء، فستكون كلها داخل نفسك. وحتى ولو أتى الموت، فلن يستطيع أحد أن ينزعها منك، بل ستنتقل إلى هناك ومعك هذا الغنى. مثل هذا الكنز كان عند طابيثا. ولهذا لم تُذكر من خلال بيتها، أو من خلال الحوائط، والأحجار، والأعمدة، بل من خلال الأجساد التي ارتدت ملابس من يديها، والدموع التي انهمرت، والموت الذي هرب، والحياة التي عادت مرة أخرى[2].

          ليتنا نصنع لأنفسنا مثل هذه المخازن، ومثل هذه البيوت لنبنيها لأنفسنا. وعندئذٍ سيكون الله عونًا لنا، وسنكون عاملين معه. لأن الله خلق الفقراء، بينما أنت بعدما أتى هؤلاء الفقراء إلى الوجود، لم تتركهم يهلكون من الجوع والمتاعب الأخرى، بل تعتني بهم وترعاهم، وتدعم هيكل الله في كل مكان، وماذا يمكن أن يكون مساويًا لهذا الأمر في القيمة، سواء من جهة المنفعة أو من جهة السيرة الطيبة؟

          لكن لو أنك لم تكن قد تعلمت جيدًا بعد، مقدار الزينة التي زيّنك الله بها، عندما أمرك أن تغيّر حالة الفقر وتعتني بالفقراء، فذاك سيجعلك تنشغل به. بمعنى أنه لو أعطاك هذه السلطة الكبيرة، حتى تستطيع أن تحمل السماء (بسكناه فيك بالروح)، ألا تعتبر هذا الأمر كرامة تتجاوز بكثير الكرامة التي تستحقها؟ ها هو إذًا يُكرّمك الآن بأعظم كرامة. لأن ذلك الذي هو أهم من السموات عند الله، هذا يعيده لك لكي ترعاه. لأنه لا يوجد شيئًا من الأمور المرئية يساوي قيمة الإنسان عند الله. لأن السماء والأرض والبحر، خلقهما لأجل الإنسان، وهو يفرح بالأكثر عندما يسكن في الإنسان، من أن يسكن في السماء.

          لكن نحن على الرغم من أننا نعرف كل هذا، فإننا لا نهتم برعاية البشر الذين هم هياكل الله، لكننا نتركهم مُهملين، ونصنع لأنفسنا منازل جميلة وكبيرة. لهذا فنحن صرنا مجردين من كل النعم، وأكثر فقرًا من الفقراء المعدمين، لأننا نُزين هذه البيوت التي لا يمكن أن نأخذها معنا عندما نموت، ونهمل ما يجب أن نأخذه إلى هناك. لأنه بالحقيقة سيقوم الفقراء بعد أن تتحلل أجسادهم، وبعدما يتسلّم الله نفوسهم. وسيمتدح الرب كل من اعتنى بهم، وسيذكرهم، لأنه حين كان هؤلاء الفقراء يتعرضون للإنهيار، سواء بالجوع، أو بالعري والبرد، فالذين اعتنوا بهم، قدموا لهم كل ما من شأنه أن يحفظهم في أمان وسلام.

          وبرغم كل هذا المديح الذي ينتظرنا، فلا نزال نتأخر، ونتردد في القيام بهذه الخدمة الصالحة. والمسيح ليس له مكان يبيت فيه، لكنه يجول غريبًا وعريانًا وجوعانًا، بينما أنت تبني بيوتًا بالقرب من المدينة وحمامات وأماكن للتنزه ومباني كثيرة، دون داعي ولا طائل من ورائها. إنك لا تقدم للمسيح ولا حتى غرفة صغيرة، بينما أنت تُزين شرفات واسعة للطيور الجارحة والطيور الخاطفة.

          ماذا يمكن أن يوجد أسوأ من هذا الخبل؟ وما هو أكثر فزعًا من هذا الجنون؟ فكل ذلك يعتبر أسوأ أنواع الجنون. لكن على الرغم من أنه مرض مخيف إلاّ أنه من الممكن أن نعالجه إذا أردنا، وهذا ليس أمرًا ممكنًا فقط، لكنه سهل، وليس سهلاً فقط ، بل هو أكثر سهولة أن نتخلص من هذا المرض المهلك، من أن نتخلص من شهوات الجسد، وذلك يتوقف على مقدار مهارة الطبيب. لننجذب إذًا إلى هذا الطبيب، ولنترجاه أن يُعيننا، ولنُخضِع له كل إرادتنا ورغبتنا. لأنه لا يريد أى شئ آخر، سوى الرحمة والرأفة للفقراء، إن قدمنا هذه فقط، فهو سيُقدم لنا كل ما له. لنقدم إذًا كل ما لنا، لكي نتمتع في هذا الدهر بالصحة الجيدة، وننال خيرات الدهر الآتي، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لإلهنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1]  مت29:24.

[2]  انظر أع36:9ـ42.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الخامسة عشر:

6 ـ ” فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن ” (رو22:8).

          أرأيت كيف أنه يُبكت المستمع، قائلاً ما معناه أنه لا يجب أن يكون أسوأ من الخليقة وألا ينحصر في الأمور الحاضرة؟ لأنه ليس فقط، لا يجب أن نركّز أنظارنا على هذه الأمور، بل ويجب أن تئن لتأخر ارتحالك من الأرض. لأنه إن كانت الخليقة تصنع هذا (أى تئن)، فبالأولى أن تفعل أنت هذا، أنت يا مَن كُرّمت بالعقل. لكن هذا ليس بعد هو الأمر الأكبر، بل أنه أراد أن يجعلهم يخجلون. ولهذا تحديدًا أضاف:

 

” وليس هكذا فقط بل نحن الذين لنا باكورة الروح نحن أنفسنا أيضًا نئن في أنفسنا ” (رو23:8).

          بمعنى أننا بالفعل قد تذوقنا خيرات الدهر الآتي. ولو أن شخصًا لازال بعد بدون احساس مثل الحجر، فإن ما أُعطى هو كاف بالفعل حتى يُحرك اهتمامه، ويبعده عن الأمور الحاضرة، ويحركه نحو أمور الدهر الآتي، بطريقة تحمل وجهين، من حيث إن ما أُعطى يعتبر أمور عظيمة، ومن حيث إن تلك الأمور التي تُشكّل البداية، هى أمور كثيرة جدًا ومبهرة أيضًا. لأنه إن كانت البداية عظيمة بهذا القدر، حتى أننا بهذه البداية نستطيع أن نتحرَّر من الخطايا، وننال البر والقداسة، وأولئك الذين عاشوا من قبل، أخرجوا شياطين، وأقاموا موتى، وشفوا أمراضًا بظلالهم وملابسهم، ففكر كم يكون الوضع عند اكتماله. فإن كانت الخليقة التي ليس لها عقل ولا فكر، ودون أن تعرف أى شئ من هذه الأمور، تئن، فبالأكثر جدًا يجب أن نئن نحن.

          ثم بعد ذلك لكي لا يُعطى دافعًا للهراطقة، ليتهمونه كأنه يُدين الأمور الحاضرة، فإنه عندما يقول نئن، يوضح أننا لا نُدين الأمور الحاضرة، بل لأننا نشتهي الأفضل. هذا ما أعلنه قائلاً: ” متوقعين التبني فداء أجسادنا “. ماذا تقول؟ أخبرني. إنك دائمًا ما تكرر وتنادى قائلاً إننا صرنا بالفعل أبناء، والآن تُشدد على الرجاء من جهة هذا الصلاح، مؤكدًا على أنه ينبغي أن ننتظره؟ هذا ما يُصححه بما أضافه فيما بعد، إذ يقول: ” فداء أجسادنا “، أى المجد الكامل. أى أن كل ما لنا الآن ليس نهائيًا حتى آخر نفس في حياتنا، لأنه برغم أننا أبناء، فإن كثيرين منا، صاروا بسبب رجوعهم للخطية سُفهاء وأسرى. ولكن إذا متنا ولنا هذا الرجاء الصالح، فالعطية حينئذٍ ستكون مؤكدة، وواضحة وعظيمة، دون خوف بعد من تحولات أو تغييرات بسبب الموت والخطية. حينئذٍ ستكون النعمة أمرًا مؤكدًا، عندما يتخلص جسدنا من الموت والشهوات التي لا تُحصى. وهذا هو معنى الخلاص، ليس فقط التحرر، لكن عدم العودة مطلقًا إلى الأسر السابق.

          وحتى لا تشك وأنت تسمع باستمرار كلمة مجد، ولا تعرف شيئًا واضحًا، يكشف لك الرسول رويدًا رويدًا أمور الدهر الآتي: تغيير الجسد وتغيير الخليقة كلها معه، الأمر الذي أعلنه بأكثر وضوح في موضع آخر قائلاً: ” الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده[1]. وفي موضع آخر يقول: ” ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذٍ تصير الكلمة المكتوبة ابتلع الموت إلى غلبة[2]. كذلك لكي يُظهر أنه بالإضافة إلى فساد الجسد، ستزول الحالة الخاصة بالكائنات الحيّة (أى مظاهر الحياة)، يكتب أيضًا في موضع آخر ” لأن هيئة هذا العالم تزول[3].

 

7 ـ لأنه يقول: ” لأننا بالرجاء خلصنا ” (رو24:8).

          ولأنه انشغل بالوعد بالحياة الأبدية، فمن الواضح أن هذا قد أحزن المستمع ضعيف الإيمان، طالما أن الخيرات هى في الرجاء، أولاً بعدما أظهر أن هذه الخيرات تعتبر واضحة جدًا من خلال الأمور الحاضرة والمنظورة، وبعدما قال الكثير عن العطايا التي أُعطيت بالفعل، وبعدما أوضح أننا نلنا باكورة هذه الخيرات، ولكي لا نطلب كل الأشياء هنا، ونخون أصلنا النبيل الذي يأتي من الإيمان، يقول:      ” لأننا بالرجاء خلصنا”. وما يقوله يعني الآتي: أنه لا ينبغي أن نطلب كل الأشياء هنا، بل أن نترجاها. لأن هذه هى العطية الوحيدة التي نقدمها لله، أى أن نؤمن بذاك الذي وعد بالأمور الأبدية، وبهذه الطريقة فقط خَلُصنا. إذًا لو أننا فقدنا الرجاء، فإننا نكون قد فقدنا مُجمل العطايا الخاصة بنا. لأنه سيسألك قائلاً: ألم تكن مسئولاً عن شرور كثيرة؟ ألم تكن يائسًا؟ ألم تكن في أزمة؟ ألم يكن الجميع غير قادرين على خلاصك؟ مَن خلّصك إذًا؟ ينبغي فقط أن تضع رجاءك في الله، وأن تؤمن بالذي وعد بخيرات الدهر الآتي وأعطاها. لا يمكنك أن تقدم شيئًا أكثر من ذلك، فإذا كان هذا الرجاء قد خلّصك، فيجب أن تتمسك به الآن. لأن هذا الرجاء الذي منحك هذا القدر الكبير من الخيرات، من الواضح جدًا أنه لن يخدعك حتى في الدهر الآتي.

          إذًا طالما أنه قد قبلك وأنت ميت، وضائع، ومأسور، وعدو، وجعلك محبوبًا، وابنًا، وحرًا، وبارًا، ووريثًا معه، ومنحك كل هذه الخيرات، والتي لم يتوقعها أحد مطلقًا، فكيف يمكن بعد كل هذه الخيرات الجزيلة والمحبة، أن يتركك في الدهر الآتي؟ إذًا لا تحدثني مرة أخرى عن موضوع الرجاء، والانتظار، وكذلك الإيمان. لأنك هكذا خلصت منذ البداية، وهذه التقدمة قد قدمتها فقط للعريس. إذًا لنمسك بهذا الرجاء ونحفظه. لأنه إن طلبت كل الأمور هنا، ستفقد إنجازك الذي به قد صرت في بهاء. ولهذا أضاف قائلاً:

 

” ولكن الرجاء المنظور ليس رجاء. لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه أيضًا. ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر ” (رو24:8ـ25).

          بمعنى أنه لو أنك ستحصل على كل شئ هنا، فما هو الإحتياج للرجاء؟ إذًا ما هو معنى الرجاء؟ أن يكون لديك ثقة في أمور الدهر الآتي. وما هو الشئ الفائق الذي يطلبه الله منك، وهو الذي أعطى من تلقاء نفسه كل هذه الخيرات؟ إن كان يطلب منك فقط أن تتمسك بالرجاء، فلكي يكون لك أنت أيضًا شيئًا تقدمه، لأجل خلاصك، ولكي يوضح ما يقصده أضاف: ” إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر “. لأنه كما أن الله يُتوج ذاك الذي يجاهد ويتعب ويعاني آلام كثيرة، هكذا أيضًا فإنه يتوج من يترجى. لأن كلمة الصبر هى كلمة لها دلالة التعب والعرق والجهد والتحمل. وهكذا الصبر قد منحه لمَن يترجى، لكي يُعزي النفس التي تعبت كثيرًا.

          8 ـ ثم بعد ذلك يوضح أنه لأجل هذا الأمر البسيط نتمتع بمعونة كبيرة، قائلاً:

” وكذلك الروح أيضًا يُعين ضعفاتنا ” (رو26:8).

          إذًا فأحد الأمرين يخصك أنت، أى الصبر، بينما الآخر يكون نتيجة عطية الروح القدس الذي يعدَّك للرجاء، وبهذا الرجاء أيضًا تهون المتاعب. بعد ذلك، ولكي تعرف أن هذه النعمة لا تسندك فقط في المتاعب والأخطاء، بل وتُعينك أيضًا في الأمور التي تبدو سهلة جدًا، وأنها تقدم العون في كل مكان، فقد أضاف قائلاً: ” لأننا لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي .. ” وقال هذا لكي يعرض العناية الكبيرة التي يقدمها الروح لنا، ولكي يُعلّمهم، ألاّ يعتقدوا بأن تلك الخيرات أيًا كانت والتي تبدو للذهن الإنساني مُفيدة، هى ليست مثل عطية الروح. لأنه كان من الطبيعي، بعدما جُلدوا أو عُذبوا، أن يُطرَدوا ويعانوا آلام كثيرة، أن ينشدوا الراحة، وأن يطلبوا من الله هذه العطية، ويظنون أنهم ينتفعون بها في تسهيل أمورهم، لذلك يقول لا تعتقدوا أن تلك الأمور أيًا كانت والتي تبدو لكم أنها نافعة، هى بالحقيقة كذلك. لأننا في هذا نحتاج إلى معونة الروح. إن الإنسان ضعيف جدًا، وهو في ذاته لا شئ. ولهذا قال: ” لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي “.

          ولكي لا يُخجِل الرسول بولس أى تلميذ يسمع تعاليمه بسبب عدم المعرفة، أظهر أن المعلّمين هم أيضًا يشاركونهم في ذلك. ولهذا لم يقل “لا تعلمون”، بل قال “لسنا نعلم”. وكل ما لم يقله نتيجة تواضعه، ذكره بطريقة أخرى. لأنه في كل تضرعاته، صلى أن يرى روما،  وهو لم يحقق هذا على الفور حين كان يصلي. ومن جهة الشوكة التي أُعطيت له في الجسد، صلى مرات كثيرة أن تفارقه، ولم يتحقق هذا أبدًا. وموسى في العهد القديم لم ينجح رغم صلاته أن يرى فلسطين، وإرميا ترجى من أجل اليهود، وابرآم تشفع من أجل أهل سدوم. ” ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها”. هذا كلام غير واضح، لأن كثيرًا من المعجزات التي حدثت قديمًا، قد توقفت الآن. ولهذا تحديدًا، أجد أن هناك ضرورة أن أشرح الحالة التي كانت في السابق، وهكذا سيصير الحديث أكثر وضوحًا فيما بعد. إذًا ما هى الحالة التي كانت في السابق؟ إن الله أعطى مواهب متنوعة لكل من نال المعمودية آنذاك، والتي سُميت أرواحًا، لأنه يقول: “وأرواح الأنبياء خاضعة للأنبياء[4]. ومن هؤلاء واحد كانت لديه موهبة النبؤة، وتحدث عن أمور مستقبلية، وآخر كانت له موهبة حكمة وعلم غزير، وآخر لديه موهبة قوات، وإقامة أموات، وآخر موهبة تكلم بألسنة وتكلم بلغات متنوعة. بالإضافة إلى كل هذه المواهب، كانت هناك “موهبة صلاة”، وهذه الموهبة دُعيت أيضًا روح، ومَن له هذا الروح، كان يُصلي لأجل كل الشعب.

          ولأننا نجهل الكثير من تلك الأمور التي تنفعنا، فإننا نطلب تلك التي لا تنفعنا، وقد أتت موهبة الصلاة إلى واحد من الذين أشرنا إليهم، وهذا قد صلى من أجل خير الكنيسة العام، ولأجل خلاص الجميع، وعلّم الآخرين. إذًا موهبة الصلاة هى التي يدعوها هنا الروح، والنفس هى التي تقبل الموهبة وتتشفع لدى الله وتتنهد. لأن ذاك الذي استحق هذه النعمة، بكل وقار، طرح نفسه أمام الله، بذهن يقظ تمامًا، وطلب تلك الأمور التي تنفع الجميع. ومثال هذا هو الخادم الذي يطلب طلبات من أجل الشعب[5]. هذا ما أراد الرسول بولس أن يعلن عنه بقوله: ” الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها “.

 

” ولكن الذي يفحص القلوب ” (رو27:8).

          أرأيت أن الحديث ليس لأجل المعزي، ولكن لأجل القلب الروحي؟ لأنه إن لم يكن هذا هو المقصود، لكان ينبغي أن يقول، الذي يفحص الروح. لكن لكي تعلم أن الكلام هو لأجل الإنسان الروحي، ذلك الإنسان الذي لديه موهبة الصلاة، أضاف: ” يعلم ما هو اهتمام الروح “، أى ما هو اهتمام الإنسان الروحي، ” لأنه بحسب مشيئة الله يشفع في القديسين “. هذا الأمر قد صار لكي نعرف أن نصلي كما ينبغي ونطلب من الله تلك الأمور التي هى صالحة بحسب مشيئته. وهذا هو معنى ” بحسب مشيئة الله “. وبناء عليه هذا قد حدث بسبب تضرع أولئك الذين دخلوا إلى الإيمان، ومثال للتعليم الحسن. لأنه حقًا المعزي هو بالحقيقة الذي منح المواهب وأعطى الخيرات التي لا تُحصى، لأنه يقول: “ ولكن هذه كلها يعملها الروح[6]. لأجل تعليمنا صار هذا، ولكي تظهر محبة الروح، وإلى هذا الحد وصل عمل الروح الرحوم. ولهذا استجاب للذي صلى، لأن الصلاة صارت بحسب مشيئة الله.

          9 ـ أرأيت كم هى الأمور التي بواسطتها يُعلن الروح محبته لهم، والكرامة التي صارت لهم؟ لأنه ما هو الشئ الذي لم يفعله الله لأجلنا؟ جعل العالم فاسدًا لأجلنا، كما جعله غير فاسدًا لأجلنا أيضًا. سمح بأن يُهان الأنبياء من أجلنا، أرسلهم للسبي من أجلنا، سمح أن يسقطوا في كمين النار، وأن يصبروا على إهانات لا تعد. ولنا نحن أنفسنا أرسل أنبياء ورسلاً، وسلم ابنه وحيد الجنس للموت من أجلنا، وعاقب الشيطان لأجلنا، وأعطانا أن نجلس عن يمينه، وأهين من أجلنا، لأنه يقول: ” تعييرات مُعيريك وقعت علىّ[7]، بل أنه بعد كل هذا، وبينما نحن نبتعد عنه، فإنه لا يتركنا، بل يترجانا أيضًا، ويُعّد آخرين لكي يُصلّوا لأجلنا، الأمر الذي حدث في حالة موسى. لأنه يقول لموسى: ” اتركني لأفنيهم[8]، قال هذا لكي يدفعه للتضرع من أجلهم. والآن هو يفعل نفس الشئ. ولهذا أعطى موهبة الصلاة. وقد فعل هذا، لا لأنه يحتاج إلى توَّسل، لكن لكي لا نصير نحن أكثر وضاعة أو دناءة، بل نكون مُخلصين. ومن أجل هذا يقول الكتاب، إنه تصالح معهم من أجل طلب داود، ومن أجل طلب فلان أو فلان، مبينًا بالضبط نفس الشئ، حتى يُضاف على الأقل مبرر لإتمام التصالح. ولكن الله كان سيظهر محبته للبشر بدرجة أعلى، لو أنه قال لهم، إنه ترك غضبه، لا من أجل فلان وفلان، بل فعل هذا من نفسه.

          إلاّ أنه لم يقدم الأمر هكذا، حتى لا يصير موضوع التصالح دافعًا للخمول من جهة الذين خَلِصوا. ولهذا قال لإرميا: ” وأنت لا تُصلِ لأجل هذا الشعب .. لأني لا أسمعك[9]. لا لأنه أراد أن يمنع إرميا أن يطلب من أجلهم، طالما أنه يشتهي خلاصنا بشدة، ولكن لكي يخيفهم. ولأن النبي كان يعرف هذا جيدًا، لم يتوقف عن الصلاة من أجلهم. ولكي نعلم أنه قال هذا الكلام، لا لأنه أراد أن يمنعه، لكن لكي يُحثه على الصلاة لأجلهم، اسمع ماذا يقول:” أما ترى ماذا يعملون[10]. وأيضًا من جهة المدينة يقول: ” وإن اغتسلت بنطرون وأكثرت لنفسك الأشنان فقد نُقش اثمك أمامي[11]، ولم يقل هذا لكي يقودهم إلى اليأس، بل ليدفعهم للتوبة. وكما أخبر أهل نينوى بقرار غير محدد، ولم يعد بخيرات مرتجاة، بل بالأكثر قد أخافهم وقادهم للتوبة، هكذا هنا أيضًا فعل نفس الأمر، إذ قد حثهم على التوبة، وصار للنبي تقديرٌ خاص من الله، حتى على الأقل بهذه الطريقة يسمعوا له.

          ثم بعد ذلك لأنهم استمروا في مرض لا شفاء منه، ولم يتعقلوا أيضًا عندما أُدين الآخرين، فإن أول شئ فعله، هو أنه نَصَحَهم أن يبقوا في نفس المكان، ولكنهم ذهبوا إلى مصر، لأنهم لم يحتملوا هذا، وقد غفر الله لهم ذلك، ولكنه طلب منهم ألاّ ينجرفوا في الطغيان أو الجحود، تلك الأمور التي كانت سائدة في مصر. لكن نظرًا لأنهم لم يصغوا لطلب الله، فقد أرسل معهم النبي، حتى لا ينحرفوا بالكامل فيما بعد. ولأن هؤلاء لم يتبعوا ذاك الذي دعاهم، فإنه هو ذاته قد تبعهم، لكي يُصلحهم، ويمنعهم من الإنقياد إلى شرور أكبر، وذلك كأب حنون تجاه ابنه الذي أصابه الضيق في كل شئ، يذهب معه في كل مكان ويتتبعه. ولهذا لم يرسل فقط إرميا إلى مصر، بل أرسل حزقيال إلى بابل، ولم يُعارضا في هذا. لأنهما رأيا أن سيدهما يحبهما حبًا لا حدود له، لذا صنعا نفس الأمر، مثلما يحدث لو أن عبدًا أمينًا ترفق بابن جاحد، فإن فعله هذا راجع إلى أنه يرى أبوه يتألم ويتمزق من أجله. إذًا ما الذي لم يتألم به الأنبياء من أجل اليهود؟ نشروا، طُردوا، أُهينوا، رُجموا، وعانوا آلام لا حصر لها، وبعد كل هذا، أسرعوا أيضًا نحوهم.

          وصموئيل أيضًا لم يتوقف حزنه على شاول، وإن كان قد أُهين إهانة قاسية منه، وعانى شرورًا لا تُحصى، لكنه لم يتذكر شيئًا من هذا. وكتب إرميا أيضًا مراثيًا تجاه الشعب اليهودي. وبينما منحه قائد جيوش الفرس أن يقيم في أمان وحرية حيثما يريد، إلاّ أنه فضّل البقاء في الوطن وسط معاناة الشعب. هكذا موسى أيضًا ترك الحياة في قصر الملك، وأسرع لمشاركة اليهود في معاناتهم. وأيضًا دانيال الذي بقى صائمًا لمدة عشرون يومًا متصلة، مُجبرًا نفسه على صوم شديد، لكي يتحنن الله عليهم ويصالحهم. والثلاثة فتية أيضًا، بينما كانوا وسط أتون النار المشتعل، صلّوا من أجل الشعب. لأنهم لم يتألموا من أجل ذواتهم التي أُنقذت، بل لأنه كانت لديهم جرأة، ولهذا صلّوا من أجل هؤلاء. ومن أجل هذا قالوا: ” ولنيل رحمتك ولكن لإنسحاق نفوسنا وتواضع أرواحنا أقبلنا[12]. ويشوع بن نون مزَّق ثيابه من أجل هؤلاء، وحزقيال حزن وناح عندما رآهم وهم يهلكون. وقال إرميا: ” إقتصروا عني فأبكي بمرارة[13]. ولكن قبل هذا، لأنه لم يتجرأ أن يطلب صفحًا كاملاً عن كل المآسي، طلب مهلة قائلاً:   ” إلى متى أيها السيد[14]. هكذا كل القديسين هم مُحبون. ولهذا قال بولس: ” فالبسوا كمختارين الله القديسين المحبوبين أحشاء رأفات ولطفًا وتواضعًا[15].

          أرأيت دقة الكلام، وكيف أنه يريد لنا أن نكون على الدوام شفوقين؟ لأنه لم يقل فقط اتسموا بالرأفة، لكنه قال ” البسوا”، حتى أنه مثلما أن الملابس لا تفارقنا البتة، هكذا ينبغي أن تكون الرأفة. ولم يقل رحمة، لكنه قال “أحشاء رأفات”، لكي نُحاكي الرأفة الطبيعية. لكننا للأسف، نحن نصنع العكس.

          وإن اقترب منا أحد طالبًا فِلسًا، فإننا نهينه، ونوجه له كلامًا قاسيًا، وندعوه مُحتالاً. ألا تفزع أيها الإنسان وتخجل، إذ تدعوه محتالاً، لأنه طلب الخبز؟ لكن لو أن هذا الإنسان صار مُحتالاً، فإنه لهذا السبب تحديدًا، يصير مستحقًا للرحمة، لأنه يعاني من الجوع إلى الحد الذي جعله يظهر في شكل المحتال. لكن هذا يُمثل إدانة لقسوتنا. لأننا لا نحتمل أن نعطي بسهولة، ونضطر أن نبتكر حيلاً عديدة. فلنعرف إذًا قساوتنا، ولنحول القساوة إلى ليونة. فضلاً عن ذلك، لو أنه طلب مالاً وذهبًا، فإن شكوكك ستكون مُبررة، أما أنه قد إقترب منك يسألك الطعام الضروري، فلماذا تُفلسف الأمر باطلاً، وتفحص بتفصيل أمورًا غير نافعة، متهمًا إياه بالكسل واللامبالاة؟

          إذًا إن كان يجب أن نقول هذه الأمور، فينبغي أن نقولها لأنفسنا وليس لآخرين. لذا عندما تقترب من الله طالبًا مغفرة الخطايا، عليك أن تتذكر هذا الكلام، وستدرك أنه أكثر عدلاً أن تسمع أنت هذه الأمور من الله، من أن يسمعها الفقير منك. لكن الله لم يقل لك هذا الكلام مطلقًا، أى لم يقل لك ارحل أو اذهب بعيدًا. لأنك أنت أيضًا محتال، إذ أنك تدخل إلى الكنيسة باستمرار وتسمع وصاياي، لكن من جهة شراء الذهب، ومن جهة الصحبة وإشباع الشهوة، وكذلك كل الأمور بشكل عام، فإنك تفضّلها عن وصاياي. والآن كان عليك أن تصير متضعًا بعد صلاة الإيمان، إلاّ أنك صرت وقحًا، وقاسيًا ومتوحشًا.

          هكذا فنحن نستحق أن نسمع هذا الكلام بل وأكثر منه، بيد أن الله لم يديننا مطلقًا عن هذا السلوك، فهو طويل الأناة، ويوفي بكل ما له، ويُعطي أكثر جدًا مما نطلب.

[1]  في21:3.

[2]  1كو54:15.

[3]  1كو31:7.

[4]  1كو32:14.

[5]  يشير هنا إلى خدمة الشماس الدياكون في القداس الإلهي.

[6]  1كو11:12.

[7]  مز9:69.

[8]  خر10:32.

[9]  إر16:7.

[10]  إر17:7.

[11]  إر22:2.

[12]  دا39:3. (تتمة دانيال).

[13]  الكلام هنا هو لإشعياء (4:2).

[14]  إش11:6.

[15]  كو12:3.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب 

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الخامسة عشر:

         3 ـ إذًا بعدما تكلم عن الفارق من جهة السلوك، ومن جهة النعمة التي أُعطيت، وكذلك من جهة الحرية، أضاف دليلاً آخر للإمتياز الذي يأتى من هذا التبنى. ما هو هذا الإمتياز إذًا؟ هو أن:

 

” الروح نفسه أيضًا يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله ” (رو16:8).

          هكذا يوضح الرسول بولس، أننى لا أدّعى بالكلام فقط (أننى ابن الله)، بل إني مولود من المصدر الذي منه يأتي هذا الصراخ. نقول هذا الكلام، لأن الروح يُمليه. ولكى يعلن هذا بأكثر وضوح، قال في موضع آخر:” أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب[1]. وماذا يعنى “الروح يشهد لأرواحنا”؟ أى المعزى يشهد من خلال الموهبة التي أُعطيت لنا. لأن هذا الصراخ لا ينتمي فقط للموهبة، بل للمعزي الذي أعطانا العطية، لأنه هو نفسه علّمنا أن نتكلم هكذا بالموهبة المعطاة لنا. وحين يشهد الروح، فهل يوجد شك بعد ذلك؟ لأنه إن كان إنسان أو ملاك أو رئيس ملائكة، أو قوة أخرى مشابهة، وعدت بذلك، فمن الطبيعى أن يتشكك البعض، لكن حين يكون الروح، الذي منحنا هذا النداء، يشهد لأرواحنا بتلك الصلاة التي أوصانا أن نصلي بها، فمَنْ يشك بعد ذلك في قيمة هذا الصراخ؟ فلن يتجرأ أحد من الرعية أن يعترض عندما يُعين الملك شخصًا ويعلن هذا الشرف أمام الجميع.

 

” فإن كنا أولادًا فإننا ورثة ” (رو17:8).

          لاحظ أنه رويدًا رويدًا يُزيد العطية. فهل من الممكن أن نكون أبناءً ولا نصير ورثة، إذ أنه على أي حال ليس كل الأبناء ورثة، ولهذا أضاف عبارة: أننا ورثة. لكن اليهود مع كونهم ليس لهم مثل هذا التبنى، فقد حُرموا من الميراث لأن ” أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا ويُسلّم الكرم إلى كرامين آخرين [2]. وقبل هذا قال إن    ” كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السموات. وأما بنو الملكوت فيُطرحون إلى الظلمة الخارجية[3]. ولا هنا أيضًا يتوقف، لكنه يشير إلى ما هو أعظم من ذلك. وما هو هذا؟ هو أننا ورثة الله. ولهذا أضاف “ورثة الله”. بل والأكثر، هو أننا ورثة مع المسيح. أرأيت كيف يجاهد لكي يقودنا لنكون بالقرب من الرب؟ إذًا فنظرًا لأن ليس كل الأبناء هم ورثة، فإنه يبيّن أننا أبناء وأيضًا ورثة. ولأن ليس كل الورثة هم ورثة أشياء عظيمة، فإنه يبيّن أن هذه الأشياء العظيمة قد صارت لنا، طالما أننا ورثة الله. ولأنه أيضًا يمكن أن أكون وارثًا لله، لكن ليس مع أى أحد، وهذا قد أوضحه إذ قال إننا ورثة مع الابن الوحيد الجنس.

          وانتبه إلى حكمة الرسول بولس، لأنه بعدما حدَّد الأمور المحزنة، عندما تحدث عما سيُعانى منه أولئك الذين يحيون حسب شهوات الجسد، على سبيل المثال أنهم سيموتون، إنشغل بالعطايا العظمى، لذلك إتجه بكلمته إلى إتساع أكبر، ممتدًا بها إلى التأكيد على التعويض بالمكافآت مبينًا العطايا المتنوعة والعظمى. لأنه إن كانت النعمة أمرًا لا يُوصف ، وأن يكون المرء ابنًا، فتأمل كم هو عظيم أن يكون المرء وارثًا. وكم يكون عظيمًا جدًا أن يكون وارثًا مع المسيح.

          ولكي يبيّن بعد ذلك أن العطية لا تنتمي فقط للنعمة، وفي نفس الوقت لكي يجعل كل ما قيل جديرًا بالثقة، أضاف: ” إن كنا نتألم معه لكى نتمجد أيضًا معه “. إذًا لو كنا نشترك معه في الآلام، فبالأكثر سنشترك معه في الخيرات. لأن ذاك الذي منح كل هذه الخيرات أو النعم لأولئك الذين لم يُحققوا شيئًا، عندما يرانا نحن قد تعبنا وعانينا الكثير، ألا يكافئنا بالأكثر؟

          4 ـ وبعدما أظهر أن الأمر هو مجازاة وتعويض، ولكى يكون الكلام جديرًا بالتصديق، ولا يتشكك أحد منه، يبيّن أيضًا أنه لا يخلو من قوة عمل النعمة. من جهة لكي يؤمن بهذا الكلام أولئك الذين يتشككون، وأيضًا لكي لا يستحي الذين قبلوه، لأن هناك عطايا محفوظة على الدوام، ومن جهة أخرى، لكي تعلم كيف أن الله يعوض الآلام بالمكافآت. وقد أعلن عن الجانب الأول قائلاً: ” إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه “، بينما الآخر يُستدل عليه بقوله:

 

” فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا” (رو18:8).   

          لأنه إن كان في الكلام السابق، يطلب من الإنسان الروحى أن يُصحح السلوك، من خلال الكلام الذي قاله، إنه لا يجب أن يعيش حسب شهوات الجسد (لكي ينتصر الإنسان الروحى على الشهوة، وعلى الغضب، وعلى محبة المال، وعلى الغرور، وعلى الحسد)، فقد ذكّره هنا بالعطية الكاملة، سواء التي أعطيت أو التي سوف تُعطى، وبعدما أنهضه ورفعه عاليًا بالرجاء، وضعه بالقرب من المسيح، وبرهن له على أنه وريث مع الابن الوحيد الجنس، وبجرأة فائقة يقوده إلى المعارك والانتصار على الشهوات التي هى في داخلنا. وهذه تختلف عن المعاناة التي نجوزها بسبب التجارب مثل: الجوع، والسلب، والسجن، والقيود، والنهب. فهذه الأمور تحتاج إلى نفس قوية وشجاعة.

          لاحظ كيف أنه في نفس الوقت يضبط ويسمو بفكر أولئك الذين يجاهدون. لأنه عندما يُظهر عظمة المكافآت، مقارنة بالمتاعب، حينئذٍ يحث بالأكثر، ولا يترك مجالاً للتباهي. فالمكافآت العظيمة تجعلهم ينتصرون. وفي موضع آخر يقول: ” لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد أبديًا[4]. ويصف هنا الضيقة أنها خفيفة، لأن كلمته كانت موجهة بالأكثر إلى مصارعين حُكماء، وهكذا يجعل الضيقة خفيفة بالمكافآت التي ستُعطى في الدهر الآتي، قائلاً: ” فإنى أحسب أن آلام الزمان الحاضر ” ولم يقل، بالمقارنة براحة الدهر الآتى، ولكن قال ما هو أكبر بكثير ” لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا “. لأنه حيث توجد راحة، لا يوجد على كل حال مجد، لكن حيث يوجد مجد، يوجد على كل حال راحة. ثم بعد ذلك لأنه تحدث عن المجد العتيد، يُبرهن كيف أن هذا المجد، يوجد من الآن. لأنه لم يقل، مقارنة بما سوف يتحقق، ولكن ” لا تقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن“، فهو موجود الآن، لكنه مُستتر، الأمر الذي قاله في موضع آخر بأكثر وضوح أن: ” .. حياتكم مستترة مع المسيح في الله[5]. إذًا ليكن لك ثقة من جهة هذا المجد العتيد، لأنه منذ الآن ينتظرك كمكافأة لأتعابك. لكن لو أن هذا المجد الذي سوف تناله في الدهر الآتى يسبقه ضيق في الحاضر، فليتك تفرح لأجل هذا الأمر، من حيث إن ذلك يعتبر مجدًا عظيمًا ولا يوصف، ويفوق الحالة الحاضرة، وهو محفوظ لنا في السموات.

          ومن المؤكد أنه لم يُشِر إلى عبارة “آلام الزمان الحاضر” مصادفةً، بل لكي يُظهر كيف أن المجد العتيد هو أسمى من المجد الحاضر، لا من حيث النوعية فقط، ولكن من حيث المقدار أيضًا. لأن هذه الآلام أيًا كانت ترتبط بالحياة الحاضرة، بينما خيرات الدهر الآتي تمتد إلى الدهور الأبدية. هذه الخيرات، لم يستطع أن يتحدث عنها بشكل مُنفصل، ولا أن يعرض لها بالكلام، بل وصفها بتلك العبارة التي من الواضح أنها محببة لنا بشكل خاصن فقد دعاها بالمجد. لأن المجد يُعد قمة وقاعدة هذه الخيرات. لكنه قد ارتفع بالمستمع بشكل مختلف وتحدث عن الخليقة بشكل عظيم، بهدف أن يوضح، بتلك الأمور التي ستُقال، أمرين: إحتقار الأمور الحاضرة، واشتهاء أمور الدهر الآتي. وكذلك الأمر الثالث، أو من الأفضل أن نعتبره الأول، إنه يظهر كيف أن الجنس البشرى محبوب جدًا لدى الله، ويُظهر أيضًا مقدار الكرامة التي يقود الطبيعة الإنسانية إليها. لكن بالإضافة إلى كل هذا، فكل تعاليم الفلاسفة التي صاغوها عن هذا العالم، قد أسقطها مثل العنكبوت وألعاب الأطفال الهشة، بواسطة هذا التعليم المحدد. لكن لكي تصير هذه الأمور أكثر تحديدًا، لنستمع بالتدقيق للكلمة الرسولية ذاتها.

5 ـ ” لأن انتظار الخليقة يتوقع استعلان أبناء الله. إذ أُخضعت الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء ” (رو19:8ـ20).

          إن معنى ما يقوله هو: أن هذه الخليقة تتألم جدًا، لأنها تنتظر وتترجى خيرات الدهر الآتي، التي تكلّمنا عنها الآن. لأن الانتظار يعني الرجاء الكبير. لكن لكي يصير الكلام أكثر قوة، فإنه يُشخّصن العالم كله، الأمر الذي صنعه الأنبياء، فيعرضون للأنهار وهى تصفق، والجبال وهى تتحرك وتبتهج، وهذا لا يعني أن هذه الأنهار والجبال لها نفس، أو يمكن أن يُنسب لها فكر معين، بل لكى تعرف مقدار الخيرات الوفيرة جدًا، إذ هى تصل حتى إلى هذه الأشياء التي لا تحّس. إنهم يفعلون ذلك أيضًا حين يتعرضون للأمور المحزنة، فيقدمون الكرمة تنوح، والجبال، وأحجبة الهياكل وهى تصرخ، لكي نستطيع أن نفهم أيضًا مقدار الشرور الكبيرة. إذًا هذا ما يوضحه الرسول بولس هنا، فيُشخصن الخليقة، ويقول كيف أنها تئن وتتمخض، لا لأنه سمع أنينًا يخرج من الأرض ومن السماء، لكن لكى يشير إلى خيرات الدهر الآتي الوافرة جدًا، ويُعلن الرغبة في التخلص من الشرور التي كانت سائدة.

          ” إذ أُخضعت الخليقة للبطل. ليس طوعًا بل من أجل الذي أخضعها على الرجاء “. ماذا يعنى ” أن الخليقة أُخضعت للبطل “؟ يعني أنها صارت فاسدة. لأى سبب ولماذا صارت فاسدة؟ حدث هذا من أجلك أنت أيها الإنسان. لأنك أخذت جسدًا فانيًا وضعيفًا، ولأن الأرض قبلت اللعنة وأنبتت شوكًا وحسكًا. لكن السماء والأرض عندما تشيخ ستتحول في النهاية إلى مصير أفضل، اسمع النبي الذي يقول: ” من قِدَم أسست الأرض والسموات هى عمل يديك. هى تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تُغيرهن فتتغير[6]. وإشعياء أيضًا يُعلن عن نفس الأمر قائلاً: ” ارفعوا إلى السموات عيونكم وانظروا إلى الأرض من تحت فإن السموات كالدخان تضمحل والأرض كالثوب تبلى وسكانها كالبعوض يموتون [7].

          أرأيت كيف أُخضعت الخليقة للبطل، وكيف ستتحرر أيضًا من الفساد؟ لأن داود يقول ” كلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير “، بينما يقول إشعياء ” وسكانها كالبعوض سيموتون “. دون أن يتحدث عن الدمار الكلي أو الكامل، لأنه لن يصاب سكان الأرض، أى البشر بمثل هذا الدمار، لكنه يقصد الدمار الوقتي، ومع هذه الأرض سينتقلون إلى عدم الفساد، تمامًا مثل الخليقة. كل هذا أشار إليه، بأن قال “كالبعوض”.

          هذا بالضبط ما يعلنه الرسول بولس هنا. لكنه أولاً يتحدث عن خضوع الخليقة، ثم يوضح لأى سبب حدث هذا، فيقول: هل الخليقة أُحتقرت وعانت البطلان، لأجل آخر؟ لا على الاطلاق، لأن ما حدث هو بالحقيقة من أجلي أنا. هى التي عانت أو جازت البطلان من أجلي، كيف ستُظلم، إن كانت تلك الأمور التي عانتها، هى من أجل إصلاحي؟ فضلاً عن ذلك فإن الحديث عن الظلم والعدل، لا يجب أن نمتد به إلى الأشياء الجامدة وغير الحسيّة. لكن لأن بولس شخّصن الخليقة، لم يقل أى شئ مما ذكرته، لكنه تحول إلى الحديث عن أشياء أخرى، فقد بادر إلى تقديم تعزية كبيرة جدًا للمستمع، فماذا يقول؟ هل يقول إن الخليقة نالها الشر لأجلك، وصارت فاسدة؟ لكن الظلم لم ينلها مطلقًا، لأنها ستصير فاسدة أيضًا، لأجلك. لأن هذا هو معنى” .. على الرجاء “. لكن عندما يقول ” إذ أُخضعت .. ليس طوعًا “، لم يقل هذا لكي يُظهر، كيف أن لها فكر، بل لكي تعرف أن كل الأشياء مرتبطة برعاية المسيح، وأن هذا الإنجاز (العتق من الفساد)، غير مرتبط بالخليقة. حسنًا أخبرني إذًا، على أى رجاء أُخضعت الخليقة؟

 

” لأن الخليقة نفسها أيضًا ستعتق من عبودية الفساد” (رو21:8).

          ماذا يعني “الخليقة نفسها”؟ يعني أنها لن تكون بعد فاسدة، بل ستتبع جمال الخلود الذي سيناله جسدك. لأنه تمامًا مثلما حدث، عندما صار جسدك فاسدًا، صارت الخليقة أيضًا فاسدة، فطالما أنه صار غير فاسد، سيلحق عدم الفساد بالخليقة أيضًا. هذا بالضبط، ما أراد أن يوضحه، لذلك أضاف ” إلى حرية مجد أولاد الله ” بمعنى أنها ستُعتق إلى الحرية. لأنه مثلما يحدث مع المرضعة التي تُغذي ابن الملك، عندما يتولى زمام السلطة مكان والده، فإنها ستتمتع هى أيضًا بكل الخيرات معه، هكذا سيحدث مع الخليقة. أرأيت أنه في كل موضع يحتل الإنسان المكانة الأولى، وأن كل شئ يصير من أجله؟ أرأيت كيف أنه يعزى أيضًا ذاك الذي يجاهد، ويُظهر محبة الله التي لا يُعبّر عنها للبشر؟ إذًا لماذا تحزن من أجل التجارب. أنت تئن لأجل نفسك، والخليقة أيضًا تئن لأجلك. وبهذا الحديث لا يُعزى فقط، بل ويبرهن على أن ما قاله هو جديرًا بالثقة والتصديق. لأنه إن كانت الخليقة تترجى، والتي كل شئ فيها يصير من أجلك، فبالأولى كثيرًا يجب أن تترجى أنت، تلك الأمور التي لأجلها ستتمتع الخليقة بخيرات الدهر الآتي. هذا ما يحدث عند البشر، حين ينال الابن مقامًا أو رتبة معينة، فإن العبيد يلبسون الزي المشرق، الذي يتناسب مع مجد الابن. إذًا بنفس الطريقة، فإن الله سيُلبس الخليقة رداء الخلود بما يتناسب مع حرية مجد أولاد الله.

[1]  غل6:4.

[2]  مت41:21.

[3]  مت11:8ـ12.

[4]  2كو16:4.

[5]  كو3:3.

[6]  مز25:102ـ26.

[7]  إش6:51.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب 

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الخامسة عشر:

” فإذًا أيها الاخوة نحن مدينون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد. لأنه إن عشتم حسب الجسد فستموتون. ولكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون ” (رو12:8ـ13).

          بعدما أظهر كيف أن مجازاة الحياة الروحية هى عظيمة، وأن المسيح يعمل في هذه الحياة، وأنه يحيي الأجساد الفانية ويعطى أجنحة للتحليق نحو السماء، ويجعل طريق التقوى سهلاً، يرى من الضرورى أن يُضيف بعد ذلك كله، ناصحًا: فإذًا نحن مدينون ألا نحيا بحسب شهوات الجسد. ومن المؤكد أنه لم يقل هذا بشكل ضعيف، لكنه تكلم بأكثر حماس وأكثر قوة، قائلاً: نحن مدينون أن نحيا بالروح. وكونه يقول ” نحن مدينون ليس للجسد لنعيش حسب الجسد“، فهو يريد أن يؤكد ويشدّد على هذه الحقيقة. وفي كل موضع، يوضح أن تلك الأمور التي صنعها لنا الله، لا تمثل دينًا، لكنها تعتبر فقط دليل نعمة، بينما تلك الأمور التي نصنعها نحن بعد كل هذا، هى دليل دين. لأنه عندما يقول: ” قد اشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدًا للناس[1] فهذا هو ما يقصده. وعندما يكتب “.. أنكم لستم لأنفسكم[2]. فهو يعني بالضبط الأمر ذاته. وفي موضع آخر يُذكِّر أيضًا بتلك الأمور عينها، قائلاً: ” إن كان واحد مات لأجل الجميع فالجميع إذًا ماتوا .. كى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم[3]. هذا بالضبط ما يُدلل عليه هنا، إذ يقول: ” نحن مدينون “.

          ثم بعد ذلك، لأنه قال: ” نحن مدينون ليس للجسد “، ولكى لا تعتقد أنه يُشير لطبيعة الجسد، لم يكتفِ بهذا، بل أضاف ” لنعيش حسب شهوات الجسد “. لأنه بالحقيقة هناك أمور كثيرة نحن مدينون بها للجسد: أن نُطعمه، أن ندّفئه، أن نعتنى به حين يمرض، أن نكسوه، وأن نُقدم له أمورًا أخرى كثيرة. ولكى لا تتصور أنه يُبطل هذه الخدمة، فبعدما قال: ” نحن مدينون ليس حسب الجسد ” فسّر هذا قائلاً: ” لنعيش حسب “شهوات الجسد”. إذًا هو يُبطل هذا الاهتمام أى “شهوات الجسد”، الذي يقود للخطية، لأنه يريد أن نسلك وفقًا لكل ما هو خارج شهوات الجسد، الأمر الذي شرحه بعد ذلك. لأنه بعدما قال: ” لا تصنعوا تدبيرًا للجسد ” أضاف: ” لأجل الشهوات[4]. هذا ما يُعلّم به هنا تحديدًا، قائلاً: لنعتنى بالجسد، لأننا مدينون لهذا الجسد، لكن ينبغي علينا ألا نعيش وفقًا لشهوات الجسد، بمعنى ألا نجعل الجسد يسود على حياتنا، أو ينظم حياتنا، بل أن نُخضعه لناموس الروح.

          إذًا بعدما حدّد وبرهن على ما يقول، أى أننا مدينون أن نعيش بحسب الروح، أظهر بعد ذلك أفعال وإحسانات نحن مدينون لها، وهو لا يتكلم عن الأمور الماضية بل عن أمور الدهر الآتى، الأمر الذي لأجله تتجلى حكمة الرسول بولس بشكل خاص. وإن كان من المؤكد أن تلك الأمور الماضية تُعدّ كافية، لكنه لا يُشير إليها الآن، ولا يتحدث عنها، بل يتحدث عن أمور الدهر الآتى. لأنه أي إحسان أُعطى مرة واحدة، لا يمكن عادةً أن يجذب عددًا كبيرًا من البشر، بقدر ما يجذبهم انتظار أمور الدهر الآتى. ولأنه يهدف إلى ذلك، فهو يُثير المخاوف من الأمور المحزنة والشرور التي تنتج عن الحياة حسب الجسد، قائلاً الآتى:

 

” لأنه  إن عشتم حسب الجسد فستموتون .. ” (رو13:8).

          مُشيرًا إلى الموت الذي لا ينتهي، أى الجحيم، والعقاب في جهنم. لكن لو أراد المرء أن يفحص بتدقيق هذا الأمر، سيجد أن مثل هذا الإنسان يموت في هذه الحياة أيضًا، الأمر الذي شرحته لكم بكل وضوح في حديث سابق. ” لكن إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون ” أرأيت أنه لا يتحدث عن طبيعة الجسد، بل عن أعمال الجسد؟ لأنه لم يقل: إن كنتم بالروح تميتون طبيعة الجسد، بل “أعمال الجسد”، وليست كل أعمال الجسد، بل الأعمال الشريرة فقط. وهذا صار واضحًا من الكلام الذي أتى بعد ذلك. لأنه يقول إن فعلتم هذا، فستحيون.

          وكيف يكون ممكنًا أن يحدث هذا، إذا كان يتكلم عن كل الأعمال؟ لأن الرؤية والسمع، والكلام، والمشى هى من طبيعة الجسد، فإن حدث وجعلنا هذه الأعمال تموت، فسنغادر الحياة، طالما أننا سنُعاقب أنفسنا بالقتل. إذًا فما هى الأعمال التي يريد الرسول بولس أن نُميتها؟ هى الأعمال المرتبطة بالشر، تلك التي تسير نحو الخطية، والتي من غير الممكن أن نُميتها بطريقة مختلفة، إلاّ بواسطة الروح فقط. لأن الأعمال الأخرى من الممكن أن يُميتها المرء، بعدما يقتل نفسه، الأمر الذي هو غير مقبول، بينما هذه الأعمال نُميتها بالروح. لأنه في حضور الروح تهدأ كل الأمواج، والشهوات كذلك ستتراجع، ولن يثور أى شئ ليتواجه معنا. أرأيت كيف أنه بحديثه عن أمور الدهر الآتى، الأمـر الذي سبـق وأشـار إليـه، يحثنـا ويبرهـن          على أننا مدينون، وليس من قِبَل تلك الأمور التي حدثت سابقًا؟ لأن الإنجاز الذي حققه الروح لا يقتصر فقط على أنه خلَّصنا من الخطايا السالفة، بل جعلنا لا نُهزَم في مسيرتنا نحو الدهر الآتى، وجعلنا أيضًا مستحقين للحياة الأبدية.

2 ـ وهو يشير إلى مكافأة أخرى يقول:

 

” لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ” (رو14:8).

          هذه المكافأة هى أكبر بكثير من السابقة. ولهذا لم يقل لأن كل الذين يحيون فقط بروح الله، لكن ” كل الذين ينقادون بروح الله ” مُظهرًا كيف ينبغي أن يكون الروح القدس هو المهيمن على حياتنا، مثل قائد السفينة، أو مثل اللجام في يد قائد عربة يجرها جوادان. وليس الجسد فقط، هو الذي يخضع لهذا اللجام، بل والنفس أيضًا.

          لأنه لا يريد لهذه النفس أن تسود أو تتسلط، بل تكون السيادة لقوة الروح القدس. قال هذا حتى لا يهملوا أو يتهاونوا، بعدما نالوا الجرأة، بواسطة نعمة المعمودية في سلوكهم المتوقع (أى بعد المعمودية)، وهو يؤكد هكذا على أنه حتى وإن إعتمدت، فقد يحدث ألا تنقاد بالروح، وتخسر الرتبة التي أُعطيت لك، وتخسر كرامة التبنى. ولهذا لم يقل كل مَن أخذ الروح، لكن ” كل الذين ينقادون بروح الله ” بمعنى كل الذين يحيون هكذا كل حياتهم ” هؤلاء هم أبناء الله. ثم بعد ذلك، لأن هذه الرتبة أو المقام قد أُعطى لليهود: ” أنا قلت إنكم آلهة وبنو العلي كلكم “[5]. وأيضًا “ ربيت بنين ونشأتهم[6]، و” إسرائيل ابنى البكر[7]، وأيضًا يقول الرسول بولس “ولهم التبنى”[8]، يبيّن فيما بعد، مقدار الفرق بين الكرامة القديمة، وهذه الكرامة (الخاصة بالبنوة لله تحت قيادة الروح القدس).

          لأنه إن كانت التسميات هى نفسها، لكن الأشياء ليست هى نفسها. وهو يعطى دليل واضح لهذه الأمور، ويصنع مقارنة مع أولئك الذين نالوا شيئًا، وتلك الأمور التي أُعطيت، وتلك التي ستحدث. أولاً يُظهر ما هى تلك الأشياء التي أُعطيت للقدماء. حسنًا ما هى هذه الأشياء؟ هى روح العبودية، ولهذا أضاف:

 

” إذ لم تأخذوا روح العبودية أيضًا للخوف ” (رو15:8).

          ثم بعد ذلك وطالما أنه أغفل الإشارة إلى ما هو عكس العبودية، أى روح الحرية، ذكر ما هو أعظم بكثير، روح التبنى، والذي به أدخل أيضًا روح الحرية، قائلاً: ” بل أخذتم روح التبنى “. وهذا واضح، لكن ماذا يعني بروح العبودية؟ هذا غير واضح. ولذلك كان عليه أن يجعل هذا الأمر واضحًا. لأن ما قيل، ليس فقط غير واضح، بل أنه لم يفسره أو يشرحه على الاطلاق، لأن الشعب اليهودى لم يأخذ الروح. إذًا ماذا يقصد هنا؟ أنه قد وصف الحروف أو الكلمات بأنها روحية، لأنها كانت روحية، تمامًا كما دُعىّ الناموس روحيًا، وهكذا أيضًا بالنسبة للماء الذي جرى من الصخرة، والمن الذي نزل من السماء. لأنه يقول ” جميعهم أكلوا طعامًا واحدًا روحيًا. وجميعهم شربوا شرابًا واحدًا روحيًا[9]. والصخرة دعاها أيضًا هكذا قائلاً:   ” لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم “. إذًا لأن كل هذا الذي حدث، كانت أشياء تفوق الأمور الطبيعية، فقد دعاها روحية، وليس لأن أولئك الذين شاركوا فيها كانوا قد نالوا الروح في ذلك الوقت.

          وكيف كانت تلك الحروف حروف عبودية؟ ادرس كل حياة بني إسرائيل وحينئذٍ ستعرف هذا جيدًا. لأن العقوبات أيضًا كانت أمامهم والمكافأة كانت تعطى على الفور، وكانت قانونية، ومثل طعام يومى أُعطيت للعبيد، وكان هناك خوفٌ شديد في كل موضع من تطهيرات الجسد، والانضباط مرورًا بالأعمال الجسدية. لكن بالنسبة لنا لم يحدث نفس الشئ، بل أن الفكر والضمير قد تنقيا بالكامل. لأن المسيح لم يقل فقط لا تقتل، بل أيضًا لا تغضب، ولم يقل فقط لا تزن، بل لا تنظر بشهوة، حتى يصل الإنسان إلى النقاء الكامل، لا بسبب الخوف من العقوبات الحاضرة، بل بسبب الشوق والمحبة لله، والرغبة في ممارسة الفضيلة كشئ معتاد، بالإضافة إلى بعض الإنجازات الأخرى. ولم يَعِّد الله بأرض تفيض عسلاً ولبنًا، بل جعل الإنسان وارثًا مع ابنه وحيد الجنس، مُبعدًا إيانا ـ بكل الوسائل ـ عن الاعتماد على الخيرات الحاضرة، واعدًا إيانا بالخيرات التي ينبغي أن يأخذها معنا أيضًا أولئك الذين صاروا أبناء لله، تلك الخيرات التي ليس فيها شيئٌ مادي، ولا جسدي، بل كل ما هو روحي. حتى أن الذين قد دُعوا سابقًا أبناء قد ابتعدوا كعبيد، أما نحن فقد نلنا التبنى وننتظر ملكوت السموات لأننا صرنا أحرارًا.

          وبالنسبة لأولئك (أى اليهود) فقد كلّمهم عن طريق أناس آخرين (أى آباء ـ أنبياء ـ مرسلين)، أما نحن فقد كلّمنا هو بنفسه[10]. وأولئك فعلوا كل شئ مُنقادين بالخوف من العقاب، بينما الروحيون فيصنعوا كل شئ بدافع الاشتياق والرغبة في الإتحاد بالله. وهذا أظهروه بممارسة الوصايا التي تفوق الوصايا القديمة. أولئك اليهود مثل أجراء وجاحدين، لم يتوقفوا قطعًا عن التذمر، بينما ما نصنعه نحن هو من أجل أن نكون مرضيين لدى الآب.

          أولئك أيضًا على الرغم من أنهم نالوا إحسانات، إلاّ إنهم جدّفوا، بينما نحن فعلى الرغم من أننا نتعرض لمخاطر، فإننا نفرح. وإن كان ينبغي أن نُعَاقَب، فذلك لأننا نُخطئ، وهنا فالفارق كبير في العقاب. لأننا لسنا مثل هؤلاء الذين عندما يخطئون يُرجمون ويُحرقون ويُستأصلون من قِبَل الكهنة، أما نحن يكفي أن نبتعد عن المائدة الأبوية، ونقضى بعض الأيام بعيدًا عنها. والبنوة بالنسبة لليهود كانت مجرد كرامة إسمية فقط، أما بالنسبة لنا فهى واقع يتمثل في التطهير بالمعمودية، ونوال الروح، ومنحنا النعم الأخرى. وعطايا أخرى أكثر بكثير من هذه، من الممكن أن نتكلم عنها، والتي تُظهر ما لنا من كرامة حقيقية، وما لأولئك من كرامة شكلية. وبعدما أشار الروح إلى كل ذلك، وإلى الخوف، والتبنى، نجده يحمل دليلاً آخر يثبت أن لنا روح التبنى. فما هو هذا الدليل؟ هو أننا “نصرخ يا أبا الآب“. وكم هو هام هذا الأمر، ويعرفه الداخلون للإيمان، والذين يُرشَدون في صلواتهم السرية، إذ يقولوا هذا النداء أولاً.

          ماذا إذًا؟ ألم يدعُ هؤلاء اليهود الله آبًا؟ ألم تسمع موسى الذي يقول ” الذي ولدك تركته ونسيت الله الذي أبدأك ؟”[11]. ألم تسمع ملاخى الذي يصرخ ويقول: ” أليس أب واحد لكلنا. أليس إله واحد خلقنا[12]، فإن كان هذا الكلام وأكثر منه قد قيل، فإننا لا نجد في أى موضع أن هؤلاء يدعون الله بهذه الكلمة (يا أبّا الآب). ولا أن يُصلّوا هكذا. أما نحن جميعًا، كهنة، وشعب، وأراخنة ومواطنون، فقد تعلّمنا أن نُصلى هكذا (يا أبّا الآب). وهذا الصوت نخرجه أولاً بعد آلام المخاض العجيبة، وناموس الولادة الجديدة المدهش والعجيب. وهكذا إن كانوا قد دعوا الله أحيانًا بهذه التسمية مرة، إلاّ أنهم لا يعبرون بذلك عن تبنّيهم ذهنيًا لمثـل هذا الفكر الذي لنـا،  بينما الذين يحيون في النعمة فإنهم يدعونه آبًا. انطلاقًا من العمل الروحى الداخلي. وتمامًا كما يوجد روح حكمة والذي به صار غير الحكماء، حكماءً، وهذا ما يتضح من خلال التعليم، وكما يوجد روح قوة، والذي به أقام الضعفاء أمواتًا، وطردوا شياطين، وكما يوجد روح موهبة للشفاء، وروح نبوة، وروح تكلم بألسنة، هكذا يوجد روح تبني. وتمامًا مثلما نعرف روح النبؤة، من حيث إن ذاك الذي يحمله يتكلم مسبقًا عن المستقبل، متحدثًا ليس بفكره الخاص، بل يتحرك بالنعمة، هكذا تعرف روح التبنى، من حيث أن ذاك الذي أخذه، يدعو الله آبًا، مدفوعًا من الروح. إذًا هذا ما أراد أن يُظهره بشكل تام على أنه أمر حقيقي، فاستخدم لغة العبرانيين. لأنه لم يقل فقط، أب، لكن “أبا الآب”، الأمر الذي هو بشكل خاص، كلام الأبناء الحقيقيين الذي يتحدثون به مع آبائهم.

[1]  1كو23:7.

[2]  2كو14:5ـ15.

[3]  1كو19:6.

[4]  رو14:13.

[5]  مز6:82.

[6]  إش2:1.

[7]  خر22:4.

[8]  رو4:9.

[9]  1كو3:10ـ4.

[10]  انظر عب1:1.

[11]  تث18:32.

[12]  ملا10:2.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة15 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          11 ـ لكن ماذا؟ أتريد أن تتكلم عن الجشعين؟ فالجشع يعتبر حقيقةً، سُكرًا آخر يثير فزعًا أكثر. وطالما أنه سُكر، فهو على أية حال موت أسوأ بكثير من الموت، لأن الجشع أمر مفزع جدًا. فالسُكر بالخمر لا يعد أمرًا سيئًا جدًا، إذا قورن بشهوة اقتناء المال. لأن الخسارة في هذا المجال تصل إلى حد الألم، وتنتهى إلى فقدان الحس وتدمير الثمل لنفسه، أما بالنسبة للجشع فإن الضرر ينتقل إلى آلاف النفوس، لأنه يُشعل حروبًا مختلفة في كل مكان. لنُقارن الجَشِع، بالثَمِل، ولنرَ في أى النقاط يتفقان، وفي أى النقاط أيضًا يتجاوز أحدهما الآخر، ولنُقارن الآن بين السكارى. لأنه لا ينبغي أن   نقارن هؤلاء، بالمطوب الذي يسلك بالروح. بل لنفحص هؤلاء فيما بينهم. دعونا نحضر في المنتصف المائدة المليئة بكثير من جرائم القتل. إذًا في أى النقاط يتفقان ويتشابهان فيما بينهما (أي بين السكر والجشع)؟ يتفقان ويتشابهان في نفس طبيعة المرض.

          من المؤكد أن هناك اختلاف في أنواع السُكر، فواحد يأتى من النبيذ، والآخر يأتى من المال. أما الشهوة فهى واحدة، لأن الاثنين مأسوران بشئ واحد أى بشهوة رديئة. لأن الذي يسكر فإنه بقدر ما يشرب من كؤوس، بقدر ما يشتهى أكثر. وذاك الذي يشتهي المال جدًا، يرغب في اقتناء المزيد، ويشتعل فيه بالأكثر لهيب الشهوة، ويصبح العطش للمال مرعبًا جدًا. إذًا فهما متشابهان في ذلك. لكن مُحِب الفضة، يفوق الثَمِل. وهذا ما سنوضحه. إن الذي يسكر يعانى من جراء أمر طبيعي، لأن النبيذ الدافئ، يُزيد من درجة الجفاف الطبيعى، وهكذا يجعل السكارى يعطشون، بينما الآخر الذي يشتهى المال بصفة دائمة فإنه يطلب المزيد. كيف، عندما يصير غنيًا جدًا يكون بالحرى فقيرًا؟ إن هذا الهوى هو أمر محير تمامًا، ويبدو بالأكثر أنه يشبه اللغز.

          لكن لنرَ هؤلاء، بعد السُكر، إن أردت أن تعرف عنهم شيئًا. أو من الأفضل لنرَ الجَشِع، فمن غير الممكن أبدًا أن نراه بعد السُكر[1]، إذ أنه يوجد في حالة سُكر دائم وشديد.

          وبناءً على ذلك لنرَ، عندما يوجد الاثنان (السكران والجَشِع) في نفس حالة السُكر، ولنفحص مَن منهما الأكثر سخرية، ولنرسم ملامحهما، واصفين أيضًا كلاهما بدقة. سنرى إذًا أن ذاك الذي يُسرف في شرب النبيذ، عندما يأتى المساء، لا يمكنه أن يرى أحدًا، رغم أن عينيه تكونان مفتوحتين، بل ويتجول بلا هدف وبدون سبب، ويصطدم بهؤلاء الذين يُقابلهم، ويتقيأ، ويُضرَب ويتعرى بدون لياقة، سواء كانت زوجته حاضرة، أو كانت ابنته، أو خادمته، أو أى أحد آخر.

أتضحكون بشدة؟ لنتحدث الآن عن الشَرِه أو الجشع، لأن الأمور هنا لا تستحق الضحك فقط، لكن تستحق اللعنة، والغضب الشديد. بل لنرَ السخرية أولاً، لأنه بالحقيقة هو نفسه الجَشِع مع الثمل يجهلان الجميع: الأصدقاء والأعداء، وهو نفسه يُعتَبر  أعمى، على الرغم من أن عينيه مفتوحتان. وكما أن السكران ينظر إلى كل شئ على أنه نبيذ، هكذا هو أيضًا يرى كل الأشياء وكأنها أموالاً.

          والقئ ـ في حالة الجَشِع ـ هو شئ مخيف جدًا. لأنه لا يُخرج أطعمة، بل كلام إهانة وشتائم، وحروب وموت، وهى أمور تجلب صواعق لا تُعد على رأسه. ومثلما يكون جسد الثمل متورمًا ومرتخيًا، هكذا تكون نفس ذاك الشَرِه، بل أن مثل هذه الأمراض تسود على جسده، طالما أن الانشغال، والغضب، والسهر، يستنزفه أكثر من النبيذ، وشيئًا فشئيًا يدمره بالكامل. ومن المؤكد أن من تُسيطر عليه شهوة السُكر، يمكنه بعد عبور الليل أن يكون هادئًا أو غير مضطرب. أما الجَشِع فيكون ثملاً نهارًا وليلاً عندما يكون مستيقظًا أو نائمًا، ويُعاقب بأشد من عقاب أى سجين وأى عامل في المناجم.

          أخبرنى إذًا هل هذه حياة، أو من الأفضل أن نقول، أليست هذه هى أكثر تعاسة من كل موت؟ لأن الموت يُريح الجسد ويُخلّصه من السخرية، والأمور الشائنة، والرذائل. بينما هذه الأطماع تلقيه في كل هذه الأمور المعيبة التي تصم الآذان وتعمى الأعين، وتحبس الذهن في ظلام شديد. لأنه لا يحتمل أن يسمع أو يقول شيئًا آخرًا، سوى تلك الأمور المتعلقة بالفوائد والأرباح القذرة، والتجارة البغيضة، إنها موضوعات دنيئة وخسيسة، مثل كلب ينبح نحو الجميع، كارهًا للجميع، ويمقت الكل، ويعاديهم، بلا سبب، ساخطًا على الفقراء، حاسدًا للأغنياء، دون أن يفرح بأحد. حتى وإن كانت لديه زوجة أو أولاد أو أصدقاء فإن كان غير قادر على أن يربح منهم فسيكون هؤلاء أعداءًا له، أكثر من أعدائه الطبيعيين أو الحقيقيين. هل هناك أسوأ من هذا الهوس؟ وما هو أكثر تعاسة من هذا، حين يُعد هذا الإنسان لنفسه وعلى الدوام، عوائقًا، وصخورًا، وانحدارًا، وهوة سحيقة، ومشاكل لا تُحصى، بالرغم من أن له جسد واحد، وهو عبد لبطن واحدة؟

          ولو أن شخصًا كلفك بمهام سياسية ألا تهرب لأنك تخشى التكلفة، في حين تجهز لنفسك أعمالاً لا حصر لها، ليس فقط أكثر تكلفة، بل أيضًا أكثر خطورة، إذ أنها مرتبطة بالمال، مُقدمًا لهذا المستبد الشرير، ليس فقط أموالاً، ولا جهدًا جسديًا، ومتاعب نفسية وآلامًا، بل تُقدم دمك، يا لتعاستك من جراء هذه العبودية المُرّة؟ ألا ترى هؤلاء الذين يُحمَلون كل يوم إلى القبور، كيف يُنقَلون عراه مجردين من كل شئ من أملاكهم، بل إن أجسادهم هذه يقدمونها للحشرات؟ ينبغي أن تفكر في هؤلاء كل يوم، ربما تتوقف عندك شهوة التملك، لأن الشهوة هى بالحقيقة صعبة، والمرض مُخيف. ولذلك نحن اعتدنا أن نكلمكم في هذا الموضوع في كل اجتماع، ودائمًا ما نملأ آذانكم بهذا الكلام، لكى يصير شيئًا مهمًاعلى الأقل من خلال هذه العادة.

          أيضًا لا تختلفوا معي، لأنه ليس فقط توجد عقوبات كثيرة في الدينونة الأخيرة، بل حتى قبل أن تأتي الدينونة، فتلك العقوبات هى نتاج هذه الشهوة متعددة الأشكال. لأنه وإن كنت بعد أُشير إلى السجناء بصفة دائمة، أو ذاك المُقيد بالمرض لسنوات عديدة، أو مَن يُصارع الجوع، أو أى أحد آخر، فلا أحد يستطيع أن يُدلل كيف يُعانى من نفس الأمور التي يُعاينها أولئك الذين يشتهون المال بشكل زائد عن الحد. إذًا هل هناك شئ أكثر بشاعة من أن يكون المرء مكروهًا من الجميع؟ وأن يبغض الجميع؟ وأن يرتاب في أى شخص؟ وأن لا يشبع مطلقًا؟ وأن يعطش على الدوام؟ وأن يُصارع الجوع على الدوام. وأن يكون أكثر خوفًا من الجميع؟ وأن يُعانى الحزن اليومي؟ وأن يكون سلبيًا على الاطلاق؟ وأن يعيش في قلق واضطراب دائم؟ لأن كل هذا بل وأكثر يُعانيه الجَشِعون، طالما أنهم بالنسبة للمكسب لا يشعرون بأى فرح حتى لو كانوا يملكون كل شئ، لأنهم يشتهون ما هو أكثر ويعتقدون أنهم فقدوا الكثير، وأنهم فقدوا حياتهم ذاتها لو خسروا حتى فلسًا واحدًا فقط.

          أى كلام إذًا يمكن أن يصف هذه الشرور؟ لو أن أمورك في هذا الدهر هى بمثل هذه الشرور. عليك أن تفكر فيما ستؤول إليه فيما بعد: فقدان الملكوت، القيود الدائمة، ظلام الجحيم، الحشرات السامة، صرير الأسنان، الحزن والألم، الضيقة، نهر النار، والأتون الذي لا يُطفأ أبدًا. وبعدما تجمع كل هذا وتقارنه بفرح اكتناز الأموال، ينبغي أن تقتلع هذا المرض من الجذور، حتى أنك عندما تكتسب الغنى الحقيقي، وتتخلص من هذا الفقر المخيف، ستحقق الخيرات في الزمن الحاضر، وفي الدهر الآتى بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1]  يقصد سُكر محبة المال

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب 

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الرابعة عشر:

         9 ـ ومن حيث إن هذه الأمور تحمل هذا المعنى، وإن ما قيل ليس إدانة للجسد، فإنه يستخدم أيضًا هذه الكلمة (أى الجسد). فلنفحص الأمر بدقة أكثر: ” وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح ” ماذا إذًا؟ ألم يكن لهم جسد؟ أم أنهم سلكوا بلا جسد؟ وكيف يمكن أن يكون هذا الأمر؟ أرأيت أنه يُشير إلى الحياة الجسدية؟ ولأى سبب لم يقل، أما أنتم فلستم خطاة؟ فعل هذا، لكى نعلم أن المسيح لا يُلاشي فقط سلطان الخطية، بل أنه جعل الجسد أكثر خفة وأكثر روحانية، بل وسما به أكثر. تمامًا كما أن النار حينما تلتقي بالحديد، ويصير الحديد نارًا، بينما يبقى محتفظًا بطبيعته، هكذا جسد المؤمنين والذي يحمل الروح أيضًا، يُشارك في هذه الطاقة الروحية، ويصبح كله روحيًا، محلقًا مع النفس إلى أعلا ، هكذا كان جسد ذاك الذي قال هذه الأمور (أى الرسول بولس). ولذلك فقد احتقر كل متعة وشهوة، وتحمل الجوع والجلد والسجن، ولم يتألم ولم يشكو من كل هذا. ولكى يُعلن ذلك قال: ” لأن خفة ضيقتنا[1]. لقد درَّب الجسد جيدًا أن يكون في خدمة الروح.

          “ إن كان روح الله ساكنًا فيكم “، لفظة “إن كان”، أشار إليها في مواضع كثيرة، لا لأنه يشك، بل لأنه يؤمن بالأكثر، وبدلاً من ” إن كان “، يقول ” إذ هو”، مثلما يقول: ” إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقًا[2]. وأيضًا ” أهذا المقدار احتملتم عبثًا إن كان عبثًا[3]. “ لكن إن كان أحد ليس له روح المسيح “. لم يقل إن لم يكن لكم، لكنه ذكر الأمر المحزن أو المؤلم لأولئك (السالكين حسب الجسد). ” فذلك ليس له ” ثم يقول ” وإن كان المسيح فيكم “. مرة أخرى يُشير إلى الصلاح الذي في هؤلاء (السالكين حسب الروح). وهو يُشير إلى الشئ المحزن في عجالة وفي جملة عرضية، بينما الأمر المرغوب فيه يُشير إليه من جانبين (أى من جهة الجسد ومن جهة النفس) وبأساليب كثيرة، حتى يُغطى على ذلك (الأمر المحزن) وهو يقول هذا، لا لكى يطلق على الروح اسم المسيح، حاشا، بل لكى يُظهر أن مَن له الروح، ليس فقط ينتسب للمسيح، بل يكون له المسيح نفسه. لأنه ليس ممكنًا عندما يكون الروح حاضرًا، ألا يكون المسيح حاضرًا. لأنه حيث يوجد أقنوم واحد في الثالوث، هناك يكون الثالوث كله حاضرًا، طالما أنه غير منقسم، وواحد في الجوهر. وماذا سيحدث لو كان المسيح فيكم؟

 

” وإن كان المسيح فيكم فالجسد ميت بسبب الخطية وأما الروح فحياة بسبب البر ” (رو10:8).

          أرأيت كم من الشرور تأتى لو أن شخصًا ليس له الروح القدس؟ موت وعداوة لله، لمن لا تعجبه نواميس الله، ولذاك الذي لا ينتسب كما ينبغي للمسيح، ومن لا يكون المسيح فيه. لاحظ إذًا كم الخيرات الذي يأتى من كون الروح فيه، وأنه ينتسب للمسيح، ويكون المسيح فيه، ويُنافس الملائكة. لأن هذا ما يعنيه بقوله “فالجسد ميت”. إذ نحيا حياة خالدة، ويكون لك من الآن ضمانًا للقيامة، وتركض بسهولة في طريق التقوى،لأنه لم يقل إن الجسد لن يفعل الخطية بعد ذلك، بل قال ” فالجسد ميت“، فيزيد من سهولة الطريق، إذ أنه بدون صعوبات وأتعاب يُتوج الجسد من الآن فصاعدًا. ولهذا فقد أضاف فمن جهة “الخطية”، لكى تعلم أن ما قضى عليه المسيح إلى الآبد هو الشر، وليس طبيعة الجسد؛          ولذلك إن كان هذا قد حدث، فستختفي أشياء كثيرة من تلك الأمور، وهذا ما يعود بالفائدة على النفس. لا يقصد هذا، لكن ما يقصده هو أنه مع بقاء الجسد، فإنه يكون ميتًا (من جهة الخطية). لأن هذا يمثّل دليلاً على أن لنا الابن وأن الروح القدس داخلنا، وأن أجسادنا بالنسبة للخطية لا تختلف عن أجساد الأموات. لكن لا تخف، عندما تسمع كلمة الموت، لأنك تحمل الحياة الحقيقية، ولن يسودك أى موت. مثل هذه الحياة هى حياة الروح التي لن تتراجع أمام الموت، بل تهدمه وتلاشيه، وذلك الذي أخذ الروح يحفظه الروح خالدًا. ولهذا تحديدًا فهو، عندما قال، الجسد ميت، لم يقل إن الروح حيّ، بل قال: ” أما الروح فحياة “، لكي يُبرهن كيف أنه يستطيع أن يهب الحياة للآخرين. ومرة أخرى يجذب انتباه المستمع، فيتحدث عن سبب الحياة، وهو البر. لأنه حيث لا توجد خطية، فإن الموت لن يظهر، وحين لا يظهر الموت، فإن الحياة تكون أبدية.

 

” وإن كان روح الذي أقام يسوع من الأموات ساكنـًًا فيكم فالذي أقام المسيح من الأموات سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم” (رو11:8).

          مرة أخرى يعود إلى الكلام عن القيامة، لأن هذا الرجاء أعطى شجاعة كبيرة جدًا للمستمع، ويؤكد على القيامة من خلال تلك الأمور التي حدثت للمسيح. إذًا لا تخف كما يؤكد الرسول بولس، لأنك تحمل جسدًا ميتًا (من جهة الخطية) خذ الروح داخلك، والروح سيقيمك على أي حال.

          ماذا إذًا؟ هل الأجساد التي ليس لها الروح القدس لا تقوم؟ وكيف سَيمثُل الجميع أمام عرش المسيح؟ وكيف يكون الكلام عن جهنم موضع ثقة؟ لأنه إن لم يقم أولئك الذين ليس لهم الروح، فإن جهنم أيضًا لن توجد. ماذا يعنى هذا الكلام إذًا؟ يعنى أن الجميع سيقومون، لكن ليس الجميع للحياة، بل أن البعض للجحيم، والبعض للحياة. ولهذا لم يقل سيقيم، لكن “سيُحيي”، الأمر الذي هو أكثر من مجرد القيامة، والذي أُعطى فقط للأبرار. وبعدما أشار إلى سبب هذه الكرامة العظيمة، أضاف قائلاً: ” بروحه الساكن فيكم“. وبناءًا على ذلك، فإذا كنت ترفض نعمة الروح القدس وأنت في هذه الحياة الحاضرة، فستموت دون أن تحصل على البراءة، وستخسر كل شئ، حتى وإن قمت. لأنه كما أنه لا يحتمل أن يُسلّمك للجحيم، عندما يرى أن روحه مشرق فيك، هكذا عندما يراه مُنطفئًا، فلن يقبل أن يقودك إلى عرسه، تمامًا مثلما حدث مع العذارى الجاهلات.

          10 ـ لا تترك جسدك يحيا الآن في الخطية، لكى يحيا حينذاك يوم الدينونة، اجعله يموت عن الشهوات، لكى لا يموت فيما بعد. لأنه لو بقى حيًا، فلن يعيش. هذا سيحدث في القيامة العامة، لأنه ينبغي أن يموت الجسد أولاً ويُدفن، وبعد ذلك سيصير خالدًا. وهذا قد حدث في المعمودية. إذًا فقد صُلب الجسد أولاً، ودُفن، وبعد ذلك قام. وهذا قد حدث أولاً في جسد الرب. لأنه بالحق قد صُلب، ودُفن، وبعد ذلك قام. فلنصنع هذا نحن أيضًا. لنميت الجسد دومًا في أعماله. لا أقصد جوهر الجسد، فمثل هذا التفكير بعيد تمامًا، لكن ينبغي أن نُميت الشهوات المرتبطة بالأعمال الشريرة. لأنه بالحقيقة هذه هى الحياة، أو من الأفضل القول إن هذا فقط هو حياة؛ ألا يعانى أحد من أي شئ بشرى، ولا أن يكون عبدًا للشهوات. لأن كل مَن يخضع لهذه الشهوات لا يمكنه أن يحيا، بسبب الضيقات التي تأتى منها، ومن المخاوف، ومن الأخطار، ومن الآلام الكثيرة التي لا تُحصى. لأنه لو أدرك أن الموت قادم، فإنه يكون قد مات خوفًا قبل أن يأتى الموت. وأيضًا إن توجس خوفًا من مرض، أو هوان، أو فقر، أو أى شئ آخر من الأشياء غير المتوقعة، فحينئذٍ يكون قد فُقِدَ وهَلَكَ من جراء ذلك. إذًا هل يمكن أن تكون هناك تعاسة أكثر من هذه الحياة؟

          الأمر يختلف بالنسبة لمن يحيا بالروح،فهو يعلو على المخاوف، والأحزان والأخطار، وكل التقلبات، ليس من حيث إنه لا يتكلم بشئ، لكن من حيث إنه يحتقر هذه الأشياء عندما تحل، الأمر الذي يُعد أكثر أهمية بكثير. لكن كيف سيحدث هذا؟ يحدث عندما يسكن الروح بالكامل داخلنا. لأنه لم يقل فقط إن الروح يسكن فينا لفترة قصيرة، بل يسكن على الدوام. ولهذا لم يقل الروح الذي سكن، لكن “الساكن”، مُظهرًا إقامته الدائمة. وبناءً على ذلك فمَن يحيا، يكون أساسًا هو الذي مات عن الحياة في الخطية. لهذا قال ” وأما الروح فحياة بسبب البر . ولكى يصير الكلام أكثر وضوحًا، دعونا نستعرض اثنين من البشر: واحد منهما إستسلم للفسق واللذات، والحياة الزائفة، والآخر عاش ميتًا من جهة هذه الأمور، ولنرى مَن هو الذي يحيا بالأكثر. ليُفتـرض أن واحــد من الاثنيــن غنـي جدًا  ومشهــور،
ويتغذى على التطفل والنفاق، يلهى ويسكر ويستنزف كل يومه لتحقيق هذا الهدف. بينما الآخر يحيا في فقر وصوم، ويحيا يومه في تجرد وعفة، وفي المساء يأكل الطعام الضرورى فقط. ولو كنت تريد الحقيقة، فهو في الغالب يبقى لمدة يومين وثلاثة أيام صائمًا. إذًا مَن فيهما الذي يحيا بالحق؟

          اعرف جيدًا أن الكثيرين سينظرون بتقدير إلى ذاك الذي يحيا باستمتاع ويُبذر ثروته، أما نحن فنُقدّر الذي يتمتع لكن باعتدال واتزان. إذًا لأنه يوجد اختلاف حول ذلك، لندخل بيوت الاثنين، وبالرغم من أنك تعتقد أن الغني يحيا في نفس الوقت نفس المتع، بيد أنك سترى جيدًا حالة كل منهما بعدما تدخل، لأن الأعمال هى التي تظهر وتوضح مَن الذي يحيا؟ ومَن الذي مات؟

فالواحد ستجده حسنًا ـ بعين الأعتدال ـ يدرس الكتاب المقدس ويصلي ويصوم، وفي الأمور الأخرى الهامة نجده يقظًا وهادئًا، ويتحدث مع الله، بينما الآخر ستجده ثملاً وليس بأي حال أفضل من الميت. ولو أننا إنتظرنا حتى المساء، سترى أن الموت يأتى بالحري إلى هذا الشخص. في إطار هذه الحالة أيضًا، أى حالة السكر، يُداهمه النوم، بينما الآخر ستجده وقت المساء متيقظًا وفي حالة سلام. مَن منهما إذًا تقول عنه إنه يحيا حقًا، هل الذي يرقد بلا وعى والذي يثير سخرية الكل؟ أم ذاك الذي يعمل ويتحدث مع الله؟ فإنك إن إقتربت من ذاك الثمل وقلت له شيئًا خطيرًا، فلن تسمعه يقول شيئًا تمامًا كما لــو كــان ميتًـــا. لكــن لو رغــبت أن تقتــرب
من الآخر سواء في الليل أو النهار فسترى إنه ملاك أكثر منه إنسان، وستسمعه يتكلم بالحكمة عن الأمور التي في السماء.

 

          أرأيت أن الواحد يحيا أكثر من كل الأحياء، بينما الآخر هو أكثر تعاسة من الأموات؟ ولو أنه قرر أن يضع شيئًا في مكان ما، فإنه يضعه في غير موضعه ويشابه المختلين، أو من الأفضل القول إنه أكثر بؤسًا منهم. لأنه بالنسبة لهؤلاء فإذا وجدنا شخصًا منهم يُهان سنُشفق عليه ونوبخ من يهينه. أما بالنسبة لذاك الثمل، فحتى لو رأينا شخصًا يندفع نحوه ويلقيه أرضًا، فإننا ليس فقط لن نتأثر ولن نشفق عليه، بل ونكون ضده. أخبرنى إذًا هل هذه حياة، بالطبع ليست هذه حياة، إنها رديئة أكثر من آلاف الميتات؟

 

          أرأيت أن الذي يلهو، ليس فقط يعتبر ميتًا، بل هو أسوأ من ميت، وأكثر تعاسة من الذي به شيطان؟ لأن الواحد (الميت عن الخطية) يُحَب، بينما الآخر (الثمل) يُبغَض. والأول يتمتع بالغفران، بينما الآخر يُعاقب من أجل شهواته هذه، وهو مثار لسخرية كبيرة من الخارج ، يسيل منه لُعاب قذر وتفوح منه رائحة خمر. تأمل في تلك النفس البائسة المدفونة في هذا الجسد كما لو كانت في قبر، في حالة وحدة. نفس الشئ يمكن أن تراه، لو أن شخصًا أعطى الإمكانية لخادمة همجية ووقحة أن تندفع وتُهين سيدة وقورة، مُهذبة، حرة، نبيلة وحسنة، فهذا هو السكر.

          إذًا مَنْ مِن هؤلاء الذين لديهم فكرًا أو رؤية لا يُفضل الموت آلاف المرات على أن يحيا على هذا النحو يومًا واحد؟ لأن الثمل حتى لو أنه بدا هادئًا، بعدما يفيق من ذلك الوضع المهين، لن يكون لديه عقل نقي، طالما أن الضباب الذي يأتى من شهوة السُكر يمتد ويخيم على عينيه. أما إذا حدث وكان ساكنًا تمامًا. فما هو النفع؟ فهذا السكون لا يمثل نفعًا في أى شئ لهذا الشخص، إلاّ فقط من حيث إنه يرى الذين يدينوه. كما أنه حين تسوء حالته، يفقد وعيه ولا يعرف هؤلاء الذين يسخرون منه. لكن عندما يطلع النهار فهو يفقد حتى هذه الحالة، أى عدم المعرفة، إذ يعي بعدها أن خدامه يتململون من خدمته، وزوجته تخجل منه، وأصدقاؤه يوشون به، وأعداؤه يستهزئون به. هل توجد تعاسة أكثر من تعاسة هذه الحياة، حيث يهزأ الجميع به ليلاً، وفي المساء التالي يكرر نفس الأمور المشينة؟

[1]  2كو17:4.

[2]  2تس6:1.

[3]  غل4:3.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

بقية العظة الرابعة عشر:

          7 ـ لكن ما هى علاقة هذا بى أنا، إن كانت هذه الأمور قد حدثت في ذلك الجسد (أى جسد المسيح)؟ بالطبع له علاقة خاصة بي وبك، ولهذا أضاف:

 

” لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو4:8).

          ما معنى “حكم”؟ يعنى النهاية، الهدف، الإنجاز. إذًا ماذا أراد الناموس، وبماذا أمر؟ لقد أراد أن تكون أنت بلا خطية. هذا قد تحقق الآن فينا بالمسيح. والمؤكد أن المقاومة والنصرة ترجع إلى المسيح، بينما التمتع بالنصرة هو لنا نحن. إذًا هل لن نخطئ من الآن فصاعدًا؟ نعم لن نخطئ، إن كنا غير خاملين وإن لم نكن جبناء. ولهذا أضاف: ” السالكين ليس حسب الجسد “. لكى لا تهمل الاستعداد الكامل عندما تسمع أن المسيح خلّصك من الحرب ضد الخطية، وأن حكم الناموس قد اكتمل فيك، مادامت الخطية قد أُدينت في الجسد، ولهذا بعدما قال قبلاً ” لا شئ من الدينونة الآن ” أضاف ” السالكين ليس حسب الجسد “، وهنا يقول ” لكى يتم حكم الناموس فينا ” نفس الشئ أضافه هنا. أو من الأفضل أن نقول، ليس هذا فقط، بل وأكثر بكثير.

          لأنه بعدما قال “لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد” أضاف “بل حسب الروح”، لكى يُبيّن أنه ليس فقط ينبغي علينا أن نبتعد عن الشرور، بل وأن نفتخر بأعمالنا الصالحة. لأنه أن يُعطى لك الاكليل، فهذا أمر يعود للمسيح، ولكن أن تحتفظ به، طالما أنه قد أُعطى لك، فهذا أمر يرجع إليك. لأن حكم الناموس، بألاّ تصير غير مسئول عن اللعنة، هذا قد أنجزه المسيح لأجلك. إذًا ينبغي عليك ألا تخون هذه العطية العظيمة، بل أن تحفظ على الدوام هذا الكنز الثمين. لأنه يُبرهن لك هنا أن خلاصنا بالمعمودية يتطلب حرصنا على أن نُظهر أسلوب حياة بعد المعمودية يليق بهذه العطية العظيمة. وبناء عليه فهو يدافع عن الناموس مرة أخرى قائلاً هذه الأمور. لأنه بالحقيقة، طالما أننا قد آمنا بالمسيح، فيجب أن نفعل كل ما في وسعنا وأن نحرص على عمل الصلاح، لكي يبقى فينا ما أتمه المسيح، الذي أكمل مطلب الناموس، ولا يُنقض.

 

” فإن الذين هم حسب الجسد فبما للجسد يهتمون ” (رو5:8).

          وهذا أيضًا لا يُعد تشهيرًا بالجسد أو تشويهًا له. لأنه حتى ذلك الحين الذي يحتفظ الجسد فيه بمكانته، لا يحدث أى شئ يُثير الغرابة، لكن حين نسمح له أن يفعل كل شئ، مُتجاوزًا حدوده، يثور ضد النفس. وحينئذٍ يحطم كل شئ، ليس بسبب طبيعته، لكن بسبب الفسق والخطية التي تأتى منه.

 

” ولكن الذين حسب الروح فبما للروح. لأن إهتمام الجسد هو موت ” (رو6:8).

          لم يقل لأن طبيعة الجسد، أو جوهر الجسد، لكن قال “اهتمام (تدبير) الجسد”، أى الأمر الذي من الممكن أن يُصحّح أو ينهار. والرسول بولس هنا يتعرض للحديث عن شهوة الذهن الأكثر حماقة، داعيًا إياها بالشئ الأكثر سوءًا (يقصد اهتمام الجسد)، كما اعتاد مرات كثيرة أن يدعو كل الإنسان جسدًا، على الرغم من أن فيه نفسًا.

          ” أيضًا إهتمام الروح ” يقصد بولس الرسول هنا الفكر الروحى، تمامًا كما قال فيما بعد “لكن الذي يفحص القلوب يعلم ما هو اهتمام الروح”[1]. ويوضح أن الخيرات التي تأتى من هذا الفكر الروحى هى كثيرة في الحاضر وفي المستقبل. لأنه مقابل الشرور التي يحملها اهتمام الجسد، فإن اهتمام الروح يمنح خيرات كثيرة. هذا ما أعلنه بالضبط بقوله: ” هو حياة وسلام “. الثاني مضاد للأول ” لأن اهتمام الجسد هو موت ” (رو6:8). بينما الآخر هو مُضاد لما سيأتي بعد ذلك. لأنه بعدما قال “سلام”، أضاف:

 

” لأن اهتمام الجسد هو عداوة لله ” (رو7:8).

          وهذا ما يعد أسوأ من الموت. ويوضح الرسول بولس هنا أن اهتمام الجسد هو موت وعداوة. ” إذ ليس هو خاضعًا لناموس الله لأنه أيضًا لا يستطيع ”.

لكن لا تقلق عندما تسمع “لأنه أيضًا لا يستطيع”. لأنه بالحقيقة من السهل حل هذه الحيرة. فبالنسبة لاهتمام الجسد الذي يقصده هنا، أى الفكر الأرضى الأحمق المتطلع لشهوات الحياة الأرضية والأعمال الشريرة، يقول الرسول بولس إنه من المستحيل “أن يخضع لناموس الله“.

          هل هناك رجاء للخلاص بعد ذلك، إن كان من المستحيل أن يصير شخص صالحًا عندما يكون هو ذاته شريرًا؟ إنه لا يقصد هذا. فكيف صار بولس أفضل حالاً؟ كيف تغير للأفضل؟ ومَنَسّى[2] أيضًا؟ وكيف تغير أهل نينوى؟ وهكذا داود بعدما أخطأ، كيف وُلِدَ من جديد؟ وكيف صحح بطرس خطأه بعدما أنكر المسيح؟ وكيف صار ذاك الذي زنى[3]، من ضمن رعية المسيح؟ كيف رجع أهل غلاطية إلى أصلهم الكريم السابق بعد أن سقطوا من النعمة؟

إذًا الرسول بولس لا يقصد أنه من المستحيل أن يصير الشرير صالحًا، ولكن ما يقصده هو أن الإنسان لا يمكنه الخضوع لله، وهو لايزال شريرًا. أما عندما يتغير، فمن السهل أن يصير صالحًا، وأن يخضع لناموس الله. لأنه لم يقل إن الإنسان لا يستطيع أن يخضع  لله، لكن العمل الشرير لا يمكن أن يكون صالحًا. كإنما يقول إن الزنا ليس هو العفة، ولا الشر فضيلة. هذا ما يقوله الإنجيل إن ” شجرة رديئة لا تستطيع أن تصنع أثمارًا جيدة[4]، لا لكى يستبعد عملية التغير من الشر للفضيلة، لكن لكي يوضح أن البقاء في الخطية، لا يمكن أن يُنتج أثمارًا صالحة. لأنه لم يقل إن شجرة رديئة لا يمكن أن تصير جيدة، ولكنه قال لا تستطيع أن تصنع أثمارًا جيدة، إن ظلت رديئة. أى أنه من المؤكد أن هناك إمكانية لكى تتغير. فمن خلال هذا المثل، ومن خلال مثل آخر قد شرح هذا، حين أوضح الرب أنه يمكن للزوان أن يكون كالحنطة. ولهذا منع من أن يُزال أو يُقلع، لأنه ربما ” تقلعوا الحنطة مع الزوان[5]، أى الحنطة التي ستنمو مع الزوان.

          إذًا فاهتمام الجسد هو الخطية، واهتمام الروح هو النعمة التي أُعطيت، والعمل الذي يتميز بالإرادة الصالحة، دون أن يتحدث هنا عن جوهر الجسد، بل عن الفضيلة والخطية. لأن مالم تستطع أن تحققه بالناموس، هذا ستحققه الآن، أى أن تسلك في الطريق الصحيح وبدون أخطاء، وذلك إن قبلت معونة الروح. لأنه لا يكفي أن نحيا بدون مطالب الجسد، لكن يجب أن نسلك وفقًا لرغبات الروح. وبالمثل فإن تجنّب الشر ليس كافيًا لأجل خلاصنا، ولكن ينبغي أن نصنع الصلاح. بيد أن ذلك سيتحقق إذا ما سلمنا أنفسنا للروح وأقنعنا الجسد أن يعرف مكانته. وعندئذٍ سنجعل الجسد أيضًا جسدًا روحيًا. وهكذا أيضًا فإننا لو كنا خاملين سنجعل النفس جسدية. إذًا لأنه لم يربط العطية باحتياج النفس، بل أرجعها إلى حرية الاختيار، فإنه في وسعك أن تحقق هذا أو ذاك، لأن كل الأشياء قد اكتملت بالعطية. ولا تعاكس الخطية ناموس ذهننا، ولا تستطيع أن تأسر كما كان يحدث في الماضى. بل إن كل هذه الأمور قد توقفت وانتهت. فقد إنكمشت الشهوات، لأنها تخاف وترتعب من نعمة الروح القدس. لكن عندما تُطفئ النور، وتطرد المرشد، وتُبعد القائد أى الروح، فإنك لابد أن تنتظر العواصف التي ستجتاح نفسك فيما بعد.

          8 ـ المؤكد أن الفضيلة الآن هى أكثر سهولة، والإنضباط أكثر قوة، وأعرف جيدًا كيف كانت أحوال البشر عندما كان الناموس يسود، وكيف هى أحوالهم الآن، حيث أشرقت النعمة. لأن تلك الأمور التي كانت تبدو في السابق مستحيلة على أى شخص، كالعفة واحتقار الموت، واحتقار كل الشهوات الأخرى الكثيرة، هذه كلها قد تحققت الآن في جميع أركان المسكونة. وليس لنا نحن فقط، بل وللسكيثيين وأهل ثراكى، وللهنود وللفرس، وللأكثرية من البربر. وتوجد أماكن للعذارى، وأعداد كبيرة من الشهداء، وجموع من الرهبان، وعدد الرهبان يفوق عدد المتزوجين، وإزداد الصوم والتجرد الكامل. كل هذا لم يستطع أولئك الذين عاشوا تحت الناموس

 

 أن يتخيلوه ولا في أحلامهم ، باستثناء واحد أو اثنين. عندما ترى إذًا حقيقة هذه الأمور التي تصرخ بأكثر قوة كما من صوت بوق، عليك ألاّ تُظهر ضعفًا، ولا تتنكر لنعمة عظيمة بهذا القدر. لأنه ليس ممكنًا حتى بعد الإيمان، أن تخلص إن كنت لا تبالى بعطية النعمة. لأن المنافسات هى سهلة ولكي تنتصر، فإنه يجب عليك أن تجاهد لا أن تنام، ولا أن تستخدم عظمة النعمة كدافع للخمول، وتحيا مرة أخرى في الوحل السابق. ولهذا أضاف قائلاً:  

 

” فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله ” (رو8:8).

          ماذا إذًا؟ هل نُهلك الجسد لكى نصير مرضيين لدى الله، أو نخرج من الجسد؟ وهل تنصحنا أن نكون قتلة، وهل هكذا تقودنا إلى الفضيلة؟ أرأيت كم من الأفكار غير العاقلة تولد، إذا كنا نقبل ما يُقال بدون تفكير؟ لأنه لا يتكلم هنا عن الجسد أنه الجسم ولا جوهر الجسم، ولكنه يتكلم عن الحياة الجسدية العالمية، المملوءة بالمتع والإسراف، والتي تجعل الإنسان كله جسدانيًا. تمامًا مثل أولئك الذين يرتفعون بالروح، فيجعلون الجسد جسدًا روحيًا، هكذا فإن أولئك الذين يهجرون الروح، ويكونون عبيدًا للبطن وللشهوات، يجعلون من نفوسهم نفوسًا جسدانية دون أن يغيروا من جوهر النفس. وهذا المعنى نجده في مواضع كثيرة في العهد القديم أيضًا، حيث يُسجل أن الجسد هو الحياة الأرضية التي بلا معنى، والمنغمسة في شهوات غير مقبولة. لأن الله يقول لنوح: ” لا يدين روحى في هؤلاء البشر إلى الأبد لأن هؤلاء هم جسد[6]. وإن كان نوح نفسه يحمل جسدًا. إلاّ أن هذا لم يكن إدانة، إذ هو أمر طبيعي، بل لأنهم قبلوا الحياة الجسدية.

          ولهذا بعد أن قال الرسول بولس: ” فالذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا الله ” أضاف:

 

” وأما أنتم فلستم في الجسد بل في الروح ” (رو9:8).

          وهو هنا لا يقصد الجسد في حد ذاته، بل يقصد الجسد الذي انجذب وقُهِر بالشهوات. وقد يقول أحد، لأى سبب لم يتكلم هكذا بوضوح، ولم يُشر حتى إلى الاختلاف؟ فعل هذا لكى يسمو بالمستمع، ولكى يُظهر بأن من يريد أن يحيا حياة مستقيمة، لا يسلك بحسب الجسد. لأنه من حيث إن الإنسان الروحى لا يحيا في الخطية، فهذا واضح لكل أحد. لكن الرسول بولس يُشير إلى الأمر الأعظم، أن الإنسان الروحى لا يحيا في الخطية، بل ولا في الجسد أيضًا، طالما أنه هو نفسه قد صار بالأحرى ملاكًا من الآن، وارتفع إلى السماء، والجسد لم يتعدَ كونه شيئًا يلبسه. وإن كنت تتهم الجسد لأن الحياة الجسدية تحمل اسم الجسد، فإنك بذلك ستتهم العالم، لأن الشر في مرات كثيرة، يُسمّى العالم، تمامًا كما قال المسيح لتلاميذه: ” لأنكم لستم من العالم[7]، وأيضًا قال لإخوته: ” لا يقدر العالم أن يُبغضكم ولكنه يبغضنى[8]. وأيضًا ستقولون عن النفس أنها غريبة عن الله، لأنه دعا الذين يحيون في الخداع، نفسانيين.

          لكن هذه الأمور ليست هكذا، لأنه يجب أن نبحث في كل موضع ليس عن الكلمات، بل في رؤية المتحدث، وأن نعرف المعنى الصحيح لكلامه. لأن الكلام عن الصلاح شئ، والكلام عن الشر شئ آخر، والمنطقة الوسط بينهما شئ ثالث. مثل النفس والجسد، فهما في الوضع المتوسط، ويمكن أن يصير إما هذا أو ذاك (أى صلاح أو شر). بينما الروح تتعلق دائمًا بالصلاح، ولا يمكن أن تصير شيئًا آخر. أيضًا اهتمام الجسد، أى العمل الشرير، يتعلق بالشرور على الدوام، لأنه لا يخضع لناموس الله. إذًا لو سلّمت النفس والجسد إلى الأفضل (أى إلى الصلاح)، فإنك ستنتمى إلى هذا الصلاح، لكن لو سلمتهما إلى الأسوأ (أى إلى الشر)، فستصبح شريكًا في هذا التدمير، ليس بسبب طبيعة النفس والجسد، بل بسبب استعدادك، لأن في مقدورك أن تختار أيًا من الأمرين.

[1]  رو27:8.

[2]  2مل1:21ـ18، 2أخ1:33ـ20.

[3]  انظر 2كو5:2ـ8.

[4]  مت18:7.

[5]  مت29:13.

[6]  تك3:6 (ترجمة سبعينية).

[7]  يو19:15.

[8]  يو7:7.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

          لقد مضى الرسول في موضوع آخر، بينما ترك موضوع الخلاص كأمر مُسلّم به مكتفيًا بما أظهره لنا. هذا الموضوع هو أننا لم نتحرر فقط من الأشياء السابقة (العتيقة)، بل أيضًا سنفوز من الآن فصاعدًا. لأنه:

بقية العظة الرابعة عشر:

” .. لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” (رو1:8).

          لم يُشر إلى هذا من قبل، إلى أن تذكّر الحالة السابقة مرة أخرى. لأنه بعدما قال: ” إذًا أنا نفسى بذهنى أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية ” أضاف ” لا شئ من الدينونة الآن على الذين هم في المسيح يسوع “. ولأنه كان ضد الكثيرين الذين يخطئون بعدما نالوا المعمودية، لذا نجده يتناول هذا الأمر، فلم يقل فقط ” الذين هم في المسيح يسوع “، بل ” السالكين ليس حسب الجسد “، لكى يُبرهن على أن كل شئ يسبينا إلى ناموس الخطية بعد ذلك، هو نتيجة خمولنا. إذ علينا الآن أن نسلك ليس حسب الجسد، وهذا ما كان يصعب تحقيقه قبل ذلك.

          6 ـ ثم يُثبت ذلك بطريقة مختلفة قائلاً:

” لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت ” (رو2:8).

          وهو هنا يدعو الروح القدس، بلقب الروح. لأنه كما قال عن الخطية “ناموس الخطية”، هكذا يقول عن الروح القدس “ناموس الروح”. ومن المؤكد أنه تحدث عن الناموس الموسوى، ووصفه أيضًا قائلاً: ” فإننا نعلم أن الناموس روحى“. إذًا ما هو الفرق؟ يوجد فرق كبير وغير محدود. لأن الناموس الموسوى يُعتبر روحى، ولكن الآخر هو “ناموس الروح”. فما هى أوجه الاختلاف بينهما؟ أن أحدهما (الناموس الموسوى) أُعطِىَ فقط بواسطة الروح القدس، بينما الآخر (ناموس الروح) منح روح الحياة، وبوفرة لكل مَن قَبِله. ولهذا دعاه “ناموس الحياة” من حيث تمييزه عن “ناموس الخطية”، وليس عن الناموس الموسوى. لأنه عندما يقول ” أعتقنى من ناموس الخطية والموت “، لا يقصد هنا الناموس الموسوى، لأنه لم يصفه في أى موضع بناموس الخطية. لأنه كيف يدعو ناموس موسى هكذا، وهو الذي وصفه في مرات كثيرة بأنه عادل ومقدس، وقادر على إبادة الخطية؟ لكنه يقصد ذلك الناموس الذي يُحارب ناموس الذهن. هذه الحرب المخيفة إذًا قد أوقفتها نعمة الروح القدس، بعدما أماتت الخطية، وجعلت جهادنا أسهل بعدما توّجتنا أولاً وقادتنا بعد ذلك بمعونة كبيرة إلى حلبة المصارعات.

          وكما هو معتاد لدى الرسول بولس، فقد انتقل بعد ذلك من الحديث عن الابن ليتحدث عن الروح القدس، ثم من الروح القدس إلى الابن، ثم إلى الآب، مقدمًا بثقة كل شئ يخصنا أمام الثالوث، وهذا ما يفعله هنا أيضًا. لأنه بالحق حين يقول ” مَن ينقذنى من جسد هذا الموت “؟ فهو يُشير إلى الآب مع الابن في تتميم هذا الأمر. ثم بعد ذلك يُشير إلى الروح القدس مع الابن لأنه يقول ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقنى “. وبعد ذلك يذكر الآب مع الابن، لأنه يقول:

” لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه في ما كان ضعيفًا بالجسد فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد” (رو3:8).

          مرة أخرى يبدو أنه يُدين الناموس، ولكن بشئ من التدقيق يتضح أنه يمتدح الناموس جدًا، مُظهرًا أنه يتفق مع المسيح، وأنه يشتهى نفس الأمور. لأنه لم يقل ” شر الناموس” بل “ضعف الناموس”، وأيضًا ” فيما كان ضعيفًا” ليس بسبب أنه هو ضار أو أنه يدبر مكائد. وأيضًا لا ينسب له الضعف في حد ذاته بل للجسد قائلاً: ” فيما كان ضعيفًا بالجسد ” قاصدًا بكلمة “جسد” التدبير الجسدي، وليس طبيعة وجوهر الجسد نفسه. وهو بكل هذا قد برأ الجسد والناموس من أى إدانة.

          وهو لم يبرأ الناموس بهذه الأقوال فقط، بل وبالأقوال التي تأتي بعد ذلك. لأنه لو كان الناموس مخالفًا، فكيف أتى المسيح ليعين ضعفه ويكملّه، إذ مدّ له يد العون، مدينًا الخطية في جسده؟! لأن هذا كان مُنتظر أن يحدث، لأن الناموس دان الخطية في النفس قديمًا. ماذا إذًا؟ هل أتم الناموس العمل الأكبر، ولم يقم ابن الله وحيد الجنس إلاّ بالجانب الأقل؟ إطلاقًا هذا العمل الأكبر أيضًا قد فعله الله، الذي أعطى الناموس الطبيعى وأضاف الناموس المكتوب. إلاّ أنه ليس هناك أية فائدة من العمل الأكبر، إن لم يوجد العمل الأقل. فما الفائدة وراء معرفة ما يجب أن نفعله دون أن نُنفّذه؟ لا يوجد أى نفع، بل أن الإدانة تكون أكبر.  فالذي خلق النفس، هو نفسه الذي جعل الجسد خاضعًا. لأنه أن يُعلّم المرء، فهذا أمر سهل[1]، لكن أن يظهر طريقة معينة، بها تُصبح هذه الأمور سهلة، فإن هذا هو الذي يستحق المدح[2]. ولهذا تحديدًا أتى وحيد الجنس، ولم يصعد إلى السماء إلا بعد أن خلّصنا من هذه المعضلة. والأكثر عظمة هو طريقة النصرة. لأنه لم يأخذ جسدًا مغايرًا، بل نفس الجسد الذي سقط. تمامًا مثل شخص رأى في السوق إمرأة من عامة الشعب وهى تُضرب، ولكي ينقذها قال للجمع إنه ابنها، بينما هو في الحقيقة ابن ملك، وبهذه الطريقة خلّصها من أيدي الذين كانوا يضربونها. هذا ما صنعه المسيح، معترفًا بأنه ابن الإنسان، فأعان الجسد ودان الخطية.

          لم تعد الخطية فيما بعد تجرؤ على ضرب الجسد. أو من الأفضل أن نقول إنها ضربته ضربة الموت، ولكن الخطية قد أُدينت وانتهت بنفس الضربة التي ضربت بها وليس الجسد، الأمر الذي يستحق الإعجاب أكثر من كل شئ. لأنه بالحقيقة، لو أن النصرة لم تظهر في الجسد، لكان هذا أمر عادي، طالما أن الناموس قد فعل هذا. لكن المدهش هو أن نُصب النصر أُقيم مع الجسد، وأن ذلك الجسد الذي هُزم من الخطية مرات عديدة، قد ربح نصرة مبهرة ضد الخطية. ها أنت ترى إذًا كم من الأمور العجيبة قد حدثت. أولاً إن الخطية لم تنتصر على الجسد، ثانيًا هُزمت، وهُزمت من الجسد، لأنه ليس هو نفس الأمر أن لا يُهزم الجسد بل أن ينتصر على تلك التي كانت دائمًا تنتصر عليه. ثالثًا إن الجسد لم ينتصر فحسب، بل وأدان الخطية أيضًا. وكونه لا يُخطئ، فهذا معناه أنه لم يُهزم، ولكن كونه أدان الخطية، فهذا معناه أنه انتصر عليها مُظهرًا المهابة التي في هذا الجسد، الجسد الذي كان مُهانًا من قبل. هكذا أبطل المسيح قوة الخطية، وأباد الموت الذي أوجدته هذه الخطية. لأنه حتى ذلك الحين الذي فيه كانت تنقّض على الخطاة، كان الموت جزاءً لهم عن حق، لكن عندما وُجِدَ جسد بلا خطية، وسُلِِّم للموت، أُدينت لأنها مارست عملاً لكنه ليس عن حق.

          أرأيت كم تكون مكافآت النصرة؟ إنها تُستعلن في ألا يُهزم الجسد من الخطية، بل ويهزمها ويدينها، ولا يدينها فقط، بل ويدينها كما لو كانت قد فعلت أمرًا خاطئًا مخالفًا. لأنه بعدما هاجمها أولاً، كفاعلة للجُرم، هكذا أدانها، ليس بقوته وسلطانه، بل أدانها بالعدل لأن هذا هو ما أعلنه بقوله: ” ولأجل الخطية دان الخطية في الجسد “. كما لو أنه قال، بكّتها لأنها أخطأت كثيرًا، وبعد ذلك أدانها. أرأيت كيف أنه في كل موضع يدين الخطية وليس الجسد، بل أن هذا الجسد يُتوج، وقرار الإدانة ضد الخطية يُعلن؟ ولكن عندما يقول إنه أرسل ابنه في شبه جسد الخطية، فلا تعتقد أنه يحمل جسدًا آخر. ذلك لأنه قال جسد الخطية، لهذا ذكر كلمة “شبه”. لأن المسيح لم يكن يحمل جسدًا خاطئًا، لكن شبه جسد الخطية، شبيه بجسدنا، ولكن بلا خطية، وله نفس طبيعة جسدنا. ومن هنا يبدو واضحًا أن طبيعة الجسد ليست شريرة. لأن المسيح لم يأخذ جسدًا آخرًا بلا خطية، ولا غيّر جوهر الجسد، وذلك لكي يهيئه للحرب ضد الخطية. بل على النقيض أبقاه في طبيعته وجعله يربح إكليل النصرة ضد الخطية، وبعد ذلك أقامه منتصرًا وجعله خالدًا.

[1]  يشير هنا إلى مهمة الناموس التي هى التعليم.

[2]  لكن هنا يشير إلى التجسد ونزول ابن الله ليحيا بين البشر.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة14 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version