رسالة رومية الأصحاح10 – عظة19 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة19 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة19 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة التاسعة عشر:

” فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به. وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به وكيف يسمعون بلا كارز وكيف يكرزون إن لم يرسلوا كما هو مكتوب ” (رو14:10ـ15).

          1 ـ مرة أخرى ينزع عنهم الصفح. لأنه قال: ” لأني أشهد لهم أن لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة. لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله … لم يخضعوا لبر الله[1]، ويُظهِرْ بعد ذلك أنهم من أجل هذا الجهل يُدانون من الله. وهو لم يقل هذا بالطبع، لكنه يمهَّد لهذا الأمر، مستمرًا في تقديم تساؤلات من خلال حديثه، وهذا ما يعرض له هنا في كل هذا الجزء، بتساؤلات وشروحات. لكن لاحظ من البداية، كيف قال إن النبي يقول: ” كل من يدعو باسم الرب يخلص[2]. وربما يستطيع المرء أن يسأل، وكيف يمكنهم المناداة باسم الرب، الذي لم يؤمنوا به؟ ثم يتساءل الرسول بعد هذا التعارض: ولماذا لم يؤمنوا؟ ومرة  أخرى يمكن للمرء أن يقول إنه يوجد تعارض على أية حال، وكيف يمكن أن يؤمنوا بدون أن يسمعوا؟ ولكنهم سمعوا. وبعد ذلك يظهر تباينًا آخر. وكيف يمكنهم أن يسمعوا بلا كارز؟ ثم يقدم بعد ذلك أيضًا شرحًا. ولكن كثيرين كرزوا  وأُرسِلوا لهذا الأمر تحديدًا. ومن أين يتضح أن هؤلاء هم الذين أُرسلوا. حينئذٍ يستشهد بالنبي الذي يقول: ” ما أجمل أقدام المبشّرين بالسلام المبشرين بالخيرات [3].

          أرأيت كيف أنه من خلال طريقة التبشير، يُظهِر المبشّرين؟ لأن المبشرين الذين ذهبوا إلى كل مكان، لم يتحدثوا إلاّ عن تلك الخيرات المحفوظة لنا، وعن سلام الله الذي صار لكل البشر. وبناءً على ذلك فقد قال الرسول بولس للذين بشّرهم إنكم حين لا تصدقوا فإن عدم التصديق لا ينصرف إلينا، بل أنتم لا تصدقون إشعياء الذي قال من سنوات بعيدة، إننا سنُرسَل وسنُبشِر، وسنتكلّم بتلك الأمور التي تكلمنا عنها. إذًا خلاصهم يعتمد على أن يدعوا باسم الرب وأن يدعوا بما يؤمنون به، وأن يؤمنوا بما سمعوه وأن يسمعوا ما قد كُرزوا به وما أُرسِلَ لأجله المُرسَلون. هكذا أُرسِلَ المبشّرين وكرزوا وأشار النبي إليهم قائلاً: كيف أن هؤلاء هم الذين قد أعلنت عنهم بمعونة الله منذ سنوات عديدة، والذين قصدتهم وتكلمت عن أقدامهم. ومن حيث طريقة البشارة، فهى واضحة جدًا، ولأنهم لم يؤمنوا، فقد صاروا مدانين. لأن كل شئ ارتبط بالله قد تُمم من جانب الله.

2 ـ ” لكن ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل. لأن إشعياء يقول يا رب من صدق خبرنا. إذًا الإيمان بالخبر والخبر بكلمة الله ” (رو16:10ـ17).

          وقد أضافوا أيضًا اعتراضًا آخرًا قائلين، لو أن هؤلاء كانوا مُرسلين وأُرسلوا من الله، فكان ينبغي على الجميع أن يطيعوهم. لاحظ حكمة ق. بولس، كيف أن هذا الأمر ذاته الذي أثار صخبًا  يقدمه على أنه مُناقض للصخب والإزعاج. إذًا ما الذي يُعثرك أيها اليهودي، هكذا يقول ق. بولس، بعد كل هذا، وبعد مثل هذه الشهادة ودلائل الأمور؟ هل لأن “ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل”؟ إن هذا تحديدًا، بالإضافة لأمور أخرى كان يكفي أن يجعلك تؤمن بكل ما قيل، بشأن “أن ليس الجميع قد أطاعوا”، لأن هذا هو ما سبق وتكلم عنه النبي من البداية. وانتبه إلى حكمة القديس بولس غير الموصوفة، كيف أنه يُظهر هذا الأمر بالأكثر من خلال تلك الأشياء التي وضع هؤلاء رجائهم وأملهم فيها لكي يعترضوا. إذًا ماذا تدّعون؟ هكذا يقول ق. بولس، هل لأن “ليس الجميع قد أطاعوا الإنجيل”؟ لكن هذا ما قاله إشعياء من البداية ، أو من الأفضل أن نقول ليس هذا فقط، بل وأكثر من هذا. فأنتم تشتكون أن “ليس الجميع قد أطاعوا”، بينما إشعياء يقول شيئًا أكثر من ذلك . إذًا ماذا قال؟ ” يا رب من صدق خبرنا “.

          لقد رجع ق. بولس إلى السياق السابق بعد أن أوقف ذلك الصخب بواسطة استدعاء قول النبي. إذًا لأنه قال، إنه كان ينبغي أن يدعوا باسم الرب، وأنه يجب على الذين يُدعون أن يؤمنوا، وأولئك الذين يؤمنون أن يسمعون أولاً، وأولئك الذين يسمعون أن يكون هناك من يكرز لهم، ولابد للكارزين أن يُرسَلوا، فقد أوضح أنهم أُرسلوا وكرزوا. ولأنه أيضًا ينوي أن يقدم مفارقة أخرى، أتخذ أولاً دافعًا من خلال شهادة أخرى للنبي (إشعياء)، هكذا ينسج هذه الشهادة ويربطها بالسابقة. لأنه استشهد بالنبي القائل: “يا رب من صدق خبرنا“، مستفيدًا من الشهادة في اللحظة المناسبة، ويقول ” إذًا الإيمان بالخبر“. لكنه لم يُشر إلى هذا مصادفة، بل لأن اليهود في كل عصر كانوا يطلبون معجزات، ومشهد القيامة، وكانت لديهم شكوكًا تجاه كل هذا، يقول إذًا إن النبي لم يقدم وعودًا لهذه الأمور، ولكن كان ينبغي علينا أن نؤمن بسماعنا للكرازة. من أجل هذا، قدم هذا القول أولاً، وقال ” إذًا الإيمان بالخبر ” أى بسماع الخبر.

          وبعد ذلك ولأن عدم أهمية هذا الأمر قد ظهرت، لاحظ كيف يعرضه لأنه لم يقل سماع فقط، ولا أنه ينبغي أن نسمع كلام إنساني ثم نؤمن، بل أن نسمع كلامًا عظيمًا. لأن السمع صار لكلمة الله. لأنهم لم يتكلموا بكلامهم، لكنهم أخبروا بتلك الأمور التي تعلموها من الله، الأمر الذي يعد أسمى من المعجزات. لأنه عندما يتكلم الله وعندما يصنع معجزات، يجب أن تؤمن وأن تخضع، لأن الأعمال والمعجزات تتم بكلمته. لأنه بالحقيقة السماء وكل الأشياء الأخرى قد تثبّتت بكلمته.

          3 ـ بعدما أظهر أنه ينبغي أن يؤمنوا بالأنبياء، الذين يتكلمون دائمًا بكلمة الله، وألا يطلبوا شيئًا أكثر من السمع، يضيف بعد ذلك التباين الذي أشار إليه، ويقول:

 

” لكنني أقول ألعلهم لم يسمعوا ” (رو18:10).

          ماذا إذًا، هكذا يقول ق. بولس، إن كان المبشرون قد أُرسلوا، وَبشروا بتلك الأمور التي أُمروا بها، ألم يسمع هؤلاء؟ ثم يتبع هذا الكلام بحل قاطع لهذا التباين ” بلى. إلى جميع الأرض خرج صوتهم وإلى أقاصي المسكونة أقوالهم “، يقول لهم، ماذا تقول ألم يسمعوا؟ إن المسكونة وأقاصي الأرض قد سمعت، وأنتم كنتم بالقرب من المبشرين الذين انتظروا كل هذه السنين، والذين هم من جنسكم، ألم تسمعوا؟ وكيف يكون هناك مبررًا لذلك؟ فلو أن أقاصي الأرض قد سمعت، فبالأولى كثيرًا أنتم. بعد ذلك يظهر تعارضًا آخر ” لكني أقول ألعل إسرائيل لم يعلم ” ماذا إذًا، لو أنه من المؤكد أنهم قد سمعوا، لكن ألم يعرفوا ما قيل، ولم يفهموا أن أولئك الكارزين كانوا مُرسَلين؟ وهل يكونون مستحقين للغفران لأجل جهلهم هذا؟ كلا على الإطلاق، لأن إشعياء وصف هؤلاء قائلاً: ” ما أجمل قدمي المبشر المخبر بالسلام [4]. وقبل إشعياء كان المشرع ذاته قد أشار إلى ذلك أيضًا. ولهذا فقد أضاف ق. بولس:

 

أولاً موسى يقول: ” أنا أُغيركم بما ليس أمة بأمة غبيه أغيظكم ” (رو19:10).

          لأجل هذا كان ينبغي أن يعرفوا المبشرين، وليس لأنهم لم يؤمنوا فقط، ولا لأن المبشرين بشروا بالسلام، ولا لأنهم بشروا بتلك الخيرات، ولا لأن الكلمة انتشرت في كل المسكونة، بل ولأنهم رأوا أن الأقل منهم الذين أتوا من الأمم، وجدوا كرامة أكثر. لأن تلك الأمور التي لم يسمع بها الأمم، ولم يسمع بها أجدادهم، هذه الأمور قد آمن بها الأمم فجأة، الأمر الذي يمثل ملمح لكرامة فائقة، والذي استثار اليهود جدًا، وقادهم إلى الغيرة وإلى تذكّر نبوة موسى الذي قال ” أنا أُغيركم بما ليس أمة “. لأنه ليس فقط الكرامة الفائقة التي نالتها الأمم كانت كافية أن تؤدي بهم إلى الغيرة، بل بالحرى لأن الأمة التي تمتعت بهذه الأمور كانت لا قيمة لها، حتى أنها لم تكن مستحقة أن تُدعى أمة. ” أنا أغيركم بما ليس أمة. بأمة غبية أغيظكم “. لأن من هم الذين كانوا أكثر غباء من عبدة الأوثان؟ وأكثر تفاهة منهم؟

          أرأيت كيف أن الله قد أعطاهم مع الجميع، ومنذ البداية ملامح وعلامات واضحة عن هذه الأوقات حتى يُبين لهم فُقدانهم التام للشعور؟ لأن هذا الذي حدث، لم يحدث في زاوية صغيرة، بل في كل الأرض، والبحر، وفي كل أقسام المسكونة، ورأوا أن أولئك الذين أُحتقروا من هؤلاء اليهود، قد تمتعوا بخيرات لا حصر لها. كان ينبغي إذًا أن يفهموا أن هذه هى بالتحديد الأمة التي تكلم عنها موسى ” أنا أغيركم بما ليس أمة بأمة غبية أغيظكم “.

          هل يا تُرى موسى وحده هو الذي قال هذا؟ إطلاقًا، بل وإشعياء قال هذا بعده. ولهذا قال ق. بولس ” أولاً موسى يقول “، لكي يُبيّن أن شخصًا ثانيًا سيأتي ويقول نفس الكلام وبصورة أكثر قوة وأكثر وضوحًا. تمامًا كما قال ” وإشعياء يصرخ [5]، هكذا هنا أيضًا يقول:

 

” ثم إشعياء يتجاسر ويقول ” (رو20:10).

          ما يقوله يعني الآتي: أنه جاهد وحاول ألاّ يقول شيئًا غامضًا، لكنه حاول أن يضع الأشياء مجردة أمام عيوننا، مُفضلاً بالحرى أن يتعرض للخطر من حيث كونه قد تكلم صراحةً، على أن يترك جحودكم خلفه، وينظر نحو خلاصه. على الرغم من أنه لم يكن من ملامح النبوة أن يتكلم هكذا بوضوح وصراحة. لكنه لكي يُغلق أفواهكم بقوة، سبق فقال كل هذا بوضوح شديد ودون تراجع. وما هو كل هذا؟ هو ذلك الأمر الخاص بسقوطكم، ودخول آخرين، قائلاً هكذا: ” وُجِدَت من الذين لم يطلبوني وصرتُ ظاهرًا للذين لم يسألوا عني “؟ من الواضح جدًا أنه لا يقصد اليهود، بل أولئك الذين أتوا من الأمم، أولئك الذين لم يكونوا قد عرفوا الله أبدًا، تمامًا مثلما وصفهم موسى قائلاً: ” بما ليس أمه ” و ” بأمة غبية “، وهكذا هنا أيضًا يُعلن لهم الجهل التام من خلال نفس السبب، الأمر الذي كان يمثّل إتهامًا كبيرًا ضد اليهود، لأن الذين لم يطلبوه قد وجدوه، وأولئك الذين كانوا معه سابقًا فقدوه.

 

4 ـ ” أما من جهة إسرائيل فيقول طول النهار بسطتُ يديّ إلى شعب مُعاند ومُقاوم ” (رو21:10).

          أرأيت أن تلك التساؤلات التي طرحها الكثيرين، قد وجدت لها حلاً في الكلمات النبوية منذ البداية؟ ماذا يعني هذا الكلام؟ لقد سمعت ق. بولس سابقًا وهو يقول: “ فماذا نقول؟ إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر الذي بالإيمان ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر ناموس البر لم يدرك ناموس البر[6]. هذا ما يقوله إشعياء هنا. لأن بقوله “ وُجدت من الذين لم يطلبوني وصرت ظاهرًا للذين لم يسألوا عني“، وهذا عينه ما يقوله الرسول بولس، إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر. ثم بعد ذلك لكي يُظهر أن ما حدث لا يرتبط فقط بنعمة الله، بل وبإرادة أولئك الذين قبلوا النعمة، تمامًا مثلما في حالة سقوطهم أيضًا، كان نتيجة لمقاومة كل من لم يخضع، اسمع ماذا أضاف ” أما من جهة إسرائيل فيقول طول النهار بسطت يدي إلى شعب مُعاند ومقاوم“، وهو يعني بكلمته “طول النهار” هنا كل الزمن السابق. وبكلمة “بسطت يديّ” أى أنني دعوته، بشّرته، ورجوته. ثم بعد ذلك لكي يُبيّن أنهم مدانون كلية، يقول ” إلى شعب مُعاند ومقاوم”.

          أرأيت أيضًا حجم هذه الإدانة؟ لأن هؤلاء، اليهود، حينما ترجاهم لم يطيعوه، بل دافعوا عن مواقفهم المخالفة. وهذا حدث ليس مرة أو مرتين أو ثلاثة مرات، بل كل الوقت. وبرغم أنهم قد رأوا أنه قد فعل كل هذا، بينما آخرون أى الذين لم يعرفوه سابقًا، قد استطاعوا أن يؤمنوا به. لكنه لم يقل إن أولئك الأمم استطاعوا أن يجتذبوه، بل لكي يضبط أفكار أولئك الذين أتوا من الأمم، ويُبيّن أن كل شئ قد صنعته نعمته، يقول “صرت ظاهرًا”، و “وُجدت”. يقول إن أولئك الأمم لم يكن لديهم أى شئ، لكن مسألة أن يقبلوه عندما وُجد، وأن يعرفوه حين صار ظاهرًا، فهذا قد قدموه من تلقاء أنفسهم فيما بعد وحتى لا يقول هؤلاء اليهود، لماذا لم يُستعلن لنا أيضًا؟ وهو يُشير إلى أكثر من ذلك، أنه لم يُستعلن فقط، بل لا يزال يبسط يديه، ويدعو، مُظهرًا عناية وحنو الأب والأم التي تحب أولادها. لاحظ كيف أنه قد أضاف وبوضوح الحل لكل التساؤلات السابقة، موضحًا أن الهلاك حدث بإرادتهم، وأنهم من كل وجه هم غير مستحقين للعفو، لأنه بالرغم من أنهم سمعوا وفهموا ما قيل، إلاّ أنهم لم يريدوا أن يقبلوا النعمة.

          وبالأكثر جدًا، أنه ليس فقط قد جعلهم يسمعون لهذه الأمور التي قيلت، وليس فقط أنهم قد فهموا، بل إن ذلك الذي يملك قوة كبيرة قد بشّرهم به، وجذبهم نحوه، على الرغم من أنهم عاندوا وقاوموا. وهذا هو الأمر الذي أضافه. وما هو هذا الأمر؟ هو أن يستحثهم ويحركهم بالغيرة. لأنكم تعرفون ألم الشهوة، ومقدار القوة التي لطبيعة الغيرة في فض المنازعات، وفي إقامة أولئك الذين سقطوا. وهل هناك احتياج لأن أقول هذا للبشر، في اللحظة التي فيها تظهر قوة الغيرة عند الحيوانات وعند الأطفال الصغار؟ لأنه بالحقيقة في مرات كثيرة، عندما يكون هناك طفل لا يتراجع أمام ترجي أبيه، بل ويبقى في عناده، لكن حين يرى طفل آخر قد تصالح مع أبيه دون أن يُدعى، وعاد إلى الأحضان الأبوية، حينئذٍ فإن ما لم يحققه الرجاء، يكون قد حققته الغيرة. وهذا ما فعله الله. لأنه لم يترجَ فقط ولم يبسط يديه فقط، بل وأثار الغيرة عند هؤلاء اليهود، وأدخل في نعمته الأمة الأقل جدًا منهم، الأمر الذي يثير الغيرة بقوة، ليس بشأن تلك الخيرات، بل الأمر الذي كان أكبر من هذا جدًا، أنه جعل الشهوة أكثر تأثيرًا، في الأمور التي هى أكبر بكثير، بل وأكثر أهمية، والتي لم يتخيّلوها ولا في أحلامهم. لكن ولا بهذا قد أطاعوا. إذًا كيف يمكن أن يكونوا مستحقين للعفو، بعدما أظهروا عنادًا شديدًا؟ إنهم غير مستحقين لأى عفو.

          وهذا بالطبع لا يقوله الرسول صراحةً، لكنه يتركه لفطنة المستمع كنتيجة لكل ما قيل، وأيضًا من خلال الكلام اللاحق فإنه يُظهره بما له من حكمة معتادة.

[1]  رو2:10ـ3.

[2]  رو13:10.

[3]  إش7:52.

[4]  إش7:52.

[5]  رو27:9.

[6]  رو30:9ـ31.

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة19 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الثامنة عشر:

6 ـ بيد أنه من حيث إن هذه الشهوة تعتبر شهوة رديئة، فهذا واضح لكل أحد. لكن كيف يمكننا أن نتجنبها، هذا ما يجب أن يقوله لنا القديس بولس. سنبدأ بداية رائعة من أجل التغيير أو التصحيح، لو أنك أقنعت نفسك جيدًا، أن هذا الداء أى شهوة المجد الباطل، هو داء مُفزع. لأن المريض أيضًا سيطلب الطبيب على وجه السرعة، إن علم أنه مريض. أما إن كنت تطلب أو تبحث عن طريقة أخرى لتجنب هذه الشهوة، فيجب عليك أن تتطلع دومًا نحو الله، وأن تكتفي بالمجد الإلهي. وحتى وإن كنت ترى بعد أن الشهوة تُداعبك أو تدغدغ إرادتك، وتُحركك للتحدث بفخر بإنجازاتك لمن هم شركائك في الإنسانية، وطالما أنك تفكر مرة أخرى، في كيف يمكن أن تستعرض ذلك، وأنه لا ينتج من ورائها أى ربح، فعليك أن تمحو هذه الرغبة الفاسدة، وقل لنفسك ها إنك تعبت كل هذا الزمان حتى لا تبوح بإنجازاتك وأنت لم تحتمل أن تحتفظ بها سرًا، بل أعلنتها للجميع، فماذا تحقق لك، أكثر مما أنت عليه هنا؟ بالطبع لا شئ، بل خسارة وأكثر من خسارة، إذ أنك تُفرِغ كل ما جُمع بجهد وتعب كثير.

لكن مع كل هذا، فكّر في أن قرار الكثيرين وحكمهم هو قرار وحكم خاطئ، وليس فقط خاطئًا، بل إنه سريعًا ما يزول. لأنه وإن كانوا قد أُعجبوا بك للحظة، فعندما يعبر الوقت، فإنهم ينسون كل شئ، وهكذا يكونون قد خطفوا الإكليل الذي أعطاه الله لك، ولم يستطيعوا أن يحتفظوا لك بالإكليل الخاص بهم. وإن افترضنا أن هذا الإكليل باق، فسيكون من يُبدل إكليله بإكليلهم تعس جدًا، أما عندما يتحطم هذا الإكليل، فأى مُبرر سنُعطى، طالما إننا نُسلم الذي يبقى من أجل الزائل، ومن أجل أن ننال مديح القليلين نفقد كل هذه الخيرات الكثيرة؟ وحتى وإن كان الذين يمتدحوننا هم كثيرون، فإننا هكذا سنكون مستحقين للعذاب، وبالأكثر في الوقت الذي يمدحوننا فيه. ولكن إن كنت تشك فيما قيل، فاسمع المسيح له المجد حين يُدين هذا. ” ويل لكم إذا قال فيكم جميع الناس حسنًا “[1]، وهذا كلام له ما يبرره. لأنه لو كان يجب على الصنّاع أن يطلبوا مُقيّمين أو قضاة لكل عمل، فكيف تسمح للناس أن يراقبوا الفضيلة، ولا تسمح لله الذي يعرف قبل الجميع وأكثر من الجميع، والذي يمكنه أن يُدين، وأن يُكلل؟ لنكتب هذه العبارة إذًا على الجدران، وعلى الأبواب، وفي آذاننا، ونكررها في أنفسنا دائمًا: ويل لنا إذا قال فينا جميع الناس حسنًا.

وهؤلاء الذين يمتدحونك، هم بالحقيقة الذين يذمونك فيما بعد ويقولون عنك إنك محب للمجد الباطل والعظمة، وإنك تشتهي مديحهم بشكل مُبالغ فيه. أما الله فلا يفعل هذا، بل عندما يراك تشتهي مجده، فهو يمتدحك في ذلك الوقت ويصنع معك معجزات، ويُكللك. وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان لا يفعل هكذا، بل يعتبرك عبدًا بدلاً من حرًا، وكثيرًا ما يمنحك مدحًا كاذبًا فقط وبكلام ساذج، ويكون قد إختطف منك الأجر الحقيقي واشتراك، بل وبالأكثر جعلك عبدًا. لأن العبيد يخضعون لسادتهم بعد أن يصدروا لهم أوامرهم، أما أنت فتصبح عبدًا بدون أوامر. لأنك لا تنتظر أن تسمع شيئًا من الذين يمدحونك، بل بدون أن يصدروا لك أوامرهم، فأنت تفعل كل شئ يُسعدهم. إذًا ألا نكون مستحقين لهذا القدر من الجحيم، حين نُفرِح الأشرار، ونخضع لهم حتى قبل أن يأمروننا، بينما الله الذي يحثنا وينصحنا كل يوم، لا نسمع له؟

ولكن إذا كنت تشتهى المجد والمديح إشتهاءً شديدًا، فعليك أن تتجنب مديح الناس، وعندئذٍ ستنال المجد. احتقر الكلام المنمق، حينئذٍ ستتمتع بمديح كثير من الله ومن الناس أيضًا. لأن مَن يحتقر ويزدري المجد الباطل هو عادةً الذي نمجده ونمتدحه ونُعجب به. فإذا نحن احتقرنا المجد الباطل، فبالحرى جدًا سيُمجدنا إله الكل. وعندما يُمجدك الله ويمتدحك، فمن ذاك الذي يمكن أن يكون أكثر سعادة منك؟ وبالحقيقة فإنه بقدر إتساع المسافة بين المجد والإزدراء، هكذا يكون الفرق بين المجد الإلهي والمجد الإنساني الباطل شاسعًا جدًا ولا نهاية له. فإذا كان المجد الإنساني الباطل سيئًا ورديئًا حتى عندما لا يُقارن بشئ، أو عندما نفحصه بالمقارنة مع شئ آخر، ففكّر إذًا في مدى القبح الذي سيظهر منه. فهو تمامًا مثل المرأة الزانية، حتى ولو كانت تُقيم في منزل، إلاّ أنها تعرض نفسها للآخرين، هكذا أيضًا عبيد المجد الباطل. وربما هم أسوأ من هذه المرأة الزانية، لأن مثل هؤلاء النساء كثيرًا ما يحتقرن شخصًا يكون قد اشتهاهم، بينما أنت قد عرضت نفسك للجميع، لمجرمين ولصوص، ولسارقي الأموال. لأن هؤلاء وأشباههم يمثلون المتفرجين الذين يمتدحونك. وهؤلاء الذين عندما يكونون متفرقين بعيدًا لا تعتبرهم مستحقين شيئًا على الاطلاق، لكنهم عندما يجتمعون معًا، تُفضّلهم على خلاصك، وتقدم نفسك مُجردًا من المجد أكثر من كل هؤلاء.

بالحقيقة كيف لا تكون مُجردًا من المجد، أنت يا من تحتاج للمديح من الآخرين، وهل تعتقد إنك لو أخذت المجد من آخرين سيكون هذا مفيدًا لك؟ أخبرني، ألم تفكر، بالإضافة إلى كل ما قيل، كيف أنهم عندما ينظروا إليك من كل جانب، حين تصبح معروفًا للجميع، أنه سيكون أمامك عددًا لا يُحصى ممن يدينونك إذا ما أخطأت، بينما حين تكون غير معروف، ستبقى في أمان؟ نعم هكذا يقول، وحين أُحقق إنجازات، سيكون لديّ مُعجبين لا حصر لهم. إنه لأمر مخيف حقًا، ليس فقط حين تُخطئ، لكن أيضًا حين تُحقق إنجازات، فإن مرض المجد الباطل سيؤذيك. لقد طرح الكثيرين إلى أسفل من قبل، والآن ينزع عنك كل أجرك.

7 ـ إذًا، فاشتهاؤك بشدة للمجد في الأمور العالمية يعد أمرًا مُخيفًا ومخزيًا للغاية، لكن حين تُصاب بنفس المرض في الأمور الروحية، فكيف تتوقع أن يُغفَر لك، إذا كنت لا تريد أن تقدم لله قدرًا من الكرامة التي تنالها أنت ذاتك من الخدم؟ لأن العبد يتطلع إلى عيني سيده، والعامل إلى عيني صاحب العمل، الذي سيدفع الأجر، والتلميذ إلى مُعلّمه، بينما أنت تفعل العكس تمامًا، عندما تترك الرب الذي أسند إليك عمله مقابل أجر، وتتطلع إلى بشر مثلك، على الرغم من أنك تعلم أن الله لا ينسى لك في الدهر الآتي ما قد حققته، بينما الإنسان يذكره لك هنا في الحاضر، وبالرغم من أن لك شهودًا يجلسون في السماء، فإنك تجمع حولك شهودًا أرضيين. إن الشخص الرياضي يكون متميزًا عندما يدخل في منافسة، بينما أنت وإن كنت تجاهد، إلاّ أنك تحاول أن تُتوَّج في الأرض. وهل هناك غباء أسوأ من ذلك؟

والآن لنرَ إن كنت تُريد هذه الأكاليل. واحد منها هو من الغباء، والآخر من حسد الغير، وبعضها من السخرية والتملق، وآخر من المال، وغيره من الخدمة الدنيئة. وكما أن الأولاد عندما يلعبون يضعون تاجًا من العشب، فوق رأس واحد منهم، دون أن يدري، ثم يسخروا منه من الخلف، هكذا الآن أيضًا، فإن الذين يمتدحونك، كثيرًا ما يهزأون بك في داخلهم، واضعين عليك تاجًا من عشب. وليت تاج العشب فقط، بل يكون مملوءً بالأضرار، ويدمر كل ما حققناه من إنجازات. إذًا طالما أنك تفكر في مدى تفاهة هذا التاج، فلتتجنب الخسارة، أو الضياع. لأنه كم هو عدد الذين تُريد أن يمتدحونك؟ هل مائة أم مائتان، أم ثلثمائة أم ربعمائة؟ أو لو أردت، احسب عشرة أضعاف هؤلاء، أو عشرين ضعفًا، وليكونوا ألفين أو أربعة آلاف بل ليكونوا عشرة آلاف إن أردت، ممن يُصفقون لك، لكن هؤلاء لا يختلفون كثيرًا عن الطيور التي تصيح من أعلا، أو من الأفضل أن نقول، لو تأملت مسرح الملائكة، سيظهر هؤلاء أنهم لا يمثلون أى شئ وأنهم أقل من الحشرات، ومديحهم أضعف بكثير من العنكبوت والدخان، والأحلام. إذًا اسمع القديس بولس، الذي فكّر في هذه الأمور باهتمام، فهو لا يتوقف عند رفض هذه الأمور فقط، بل لا يتمناها مطلقًا، قائلاً: ” وأما من جهتي فحاشا لي أن أفتخر إلاّ بصليب ربنا يسوع المسيح “[2].

إذًا فلتتمثل أنت بهذا الافتخار، لكي لا تُغضب الرب. لأنه حين تسعى نحو المجد الباطل، فإنك تزدري بالله، وليس بنفسك فقط. فإن كنت رسّامًا وتتلمذت على يد آخر، وحدث فيما بعد أنه أهمل أن يوضح لك فنه، ووضع اللوحة في الخارج للعابرين فقط، فإنك ستعاني من هذا الأمر في هدوء. فإن كان هذا الأمر يُعد بالنسبة للبشر الذين هم مثلك، إهانة، فبالأكثر جدًا يكون للرب. وإن أردت أن تتعلم احتقار المجد الباطل بطريقة أخرى، فلتصر أسمى في الفكر: احتقر الأمور المرئية، اجعل حبك أكبر للمجد الحقيقي، وامتلئ بالفكر الروحي، قل لنفسك كما قال الرسول بولس: ” ألستم تعلمون أننا سنُدين ملائكة “[3]. وبعدما تسمو هكذا، وبّخ نفسك بعد ذلك، وقل لها، أنتِ يا من ستدينينِ ملائكة، هل تريدين أن تُدانين ممن لا قيمة لهم، وأن تُمتدحى مع راقصين، وممثلين، ومصارعي وحوش، وقائدي العربات التي تجرها الخيول؟ لأن هؤلاء يسعون نحو هذا المديح.

لكن أنت فلتسمُ فوق صيحاتهم، ولتحاكِ ساكن الصحراء (يوحنا المعمدان)، وتعلم كيف أنه ازدرى بذلك الجمع، وعندما تملقوه لم يتغير، بل على النقيض عندما نظر كل سكان فلسطين قد جاءوا إليه وأُعجبوا به وبقوا في دهشة منه، لم يقبل هذه الكرامة العظيمة جدًا، بل غضب في مواجهتهم، وتحدث مع هذا العدد الكبير، كما لو كان يتكلّم مع طفل صغير، هكذا وبّخهم قائلاً: ” يا أولاد الأفاعي “[4]. وإن كان من المؤكد أنهم تجمعوا وتركوا مدنهم من أجله، لكي يروا هذه القامة المقدسة، لكن لا شئ من كل هذا قد فتنه، لأنه كان بعيدًا عن المجد الباطل، وحرًا من كل تباهي أو افتخار. وهكذا أيضًا اسطفانوس، وهو ينظر لنفس الشعب، الذي لم يكن يكرّمه بل كان في حالة هياج شديد ضده، ويصّر بأسنانه، وبعدما سمَا فوق هياجهم وغضبهم قال: “ يا قساة الرقاب وغير المختونين بالقلوب[5]. وهكذا إيليا أيضًا، فبينما كانت تلك القوات حاضرة[6]، وأيضًا الملك، وكل الشعب قال: ” حتى متى تعرجون بين الفرقتين[7]. لكن نحن نتملق الجميع، نخدمهم ونحن نستغل حبهم للكرامة. ولهذا تداخلت كل الأمور وتشوشت، وابتعد المسيحيون عن احتقار المجد الباطل، وكل شئ أُهمِلَ من أجل مديح الكثيرين.

إذًا فلنقتلع شهوة المجد الباطل من الجذور، وعندئذٍ سنعرف جيدًا معنى الحرية، وسنصل إلى الميناء، حيث التمتع بالهدوء. لأن صاحب المجد الباطل يُشبه أولئك الذين هم في وسط الأمواج والعواصف، فهو يرتعب على الدوام ويخاف ويخدم سادة كثيرين، بينما مَنْ هو موجود خارج هذا القهر، فإنه يُشبه الذين يجلسون في المواني ويتمتعون بحرية واضحة. أما مَن يسعى للمجد الباطل فليس كذلك، بل يضطر أن يصير عبدًا لهذا الحشد الكبير من السادة الذين أصبح معروفًا لديهم. إذًا كيف سنتحرر من هذه العبودية المخيفة؟ نتحرر منها، حين نسعى نحو التمتع بمجد آخر، نحو المجد الحقيقي. لأنه كما أن أولئك الذين يشتهون الوجوه البشرية، عندما يظهر وجه آخر أكثر إشراقًا، فإنه يُبعدهم عن الوجه السابق، هكذا بالضبط أولئك الذين يشتهون المجد البشري، عندما يشرق عليهم المجد السمائي فإن هذا المجد يستطيع أن يبعدهم عن ذلك المجد البشري.

إذًا فلنحذر من المجد الباطل، ولنعرف جيدًا بهاء المجد السمائي حتى أننا بعدما نتمتع بجماله، نتجنب قبح المجد الباطل، مختبرين على الدوام متعة ولذة هذا المجد السمائي. وليتنا ننال جميعًا هذا المجد بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لإلهنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى أبد الدهور آمين.

[1]  لو26:6.

[2]  غلا14:6.

[3]  1كو3:6.

[4]  مت7:3.

[5]  أع51:7.

[6]  انظر 1مل21:18.

[7]  1مل19:18.

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الثامنة عشر:

         4 ـ ولأنه قال شيئًا عظيمًا، فهو يؤكد عليه بعد ذلك أيضًا من الكتب المقدسة، إذ يقول:

” لأن الكتاب يقول كل من يؤمن به لا يُخزى. لأنه لا فرق بين اليهودى واليوناني لأن ربًا واحدًا للجميع غنيًا لجميع الذين يدعون به لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص ” (رو11:10ـ13).

          أرأيت كيف أنه يقدم شهودًا للإيمان، وللإعتراف أيضًا (باسم الرب)؟ لأنه حين يقول ” كل من يؤمن”، يشير إلى الإيمان، وحين يقول “كل من يدعو”، يُظهر الاعتراف باسم الرب. ثم يكرز أيضًا بعد ذلك بالنعمة التي هى للجميع، ويكبح إفتخار أولئك اليهود بتلك الأمور التي أظهرها سابقًا من خلال أشياء كثيرة، هذه الأشياء ذاتها يذكرها في إيجاز، لكي يُبيّن مرة أخرى، أنه لا يوجد أى فرق بين اليهودي وغير المختتن. ” لأنه لا فرق بين اليهودي واليوناني “.

          وما قاله عن الآب بالنسبة لإثبات أن أبوته للجميع، يقوله أيضًا عن الابن. لأن هذا ما حدث سابقًا، إذ بيّن ذلك قائلاً: ” أم الله لليهود فقط. أليس للأمم أيضًا. بلى للأمم أيضًا. لأن الله واحد[1]. هكذا هنا أيضًا يقول: ” لأن ربًا واحدًا للجميع غنيًا لجميع الذين يدعون باسمه“. أرأيت أنه يظهر أن الابن يرغب بشدة في خلاصنا، طالما أن الرسول بولس يعتبر أن هذا الخلاص هو من فيض غناه؟ وبناءً على ذلك، ينبغي على هؤلاء اليهود الآن، ألا ييأسوا، وألاّ يعتقدوا بالطبع أنهم غير مستحقين للغفران، إن كانوا يرغبون حقًا في التوبة، لأن الابن الذي يعتبر أن غناه يتمثل في كونه يُخلّصنا، لن يتوقف عن أن يكون غنيًا، وهو يظهر غناه أيضًا عندما يُرسل العطية للجميع بوفرة. ولأن ما يغضبه بشكل خاص هو أنه بينما كانت لهم الأولوية في الاختيار وكانوا يتفوقون على كل المسكونة، فقد نزلوا من هذه العروش، لأن الإيمان الآن هو بالمسيح (وليس بالناموس)، ولا يوجد الآن ما يميزهم على غيرهم، لذا فالرسول بولس يقدم لهم دائمًا ما قاله الأنبياء وكرروه عن هذه المساواة ” كل من آمن به لا يخزى[2].     ” ويكون أن كل من يدعو باسم الرب ينجو[3]. وفي كل موضع يُشير إلى عبارة “كل من” لكي لا يعترضوا.

          5 ـ لا يوجد شيء أكثر سوءًا من الزهو أو الكبرياء، لأن هذا الكبرياء قد حطّمهم أكثر من أى شئ،. ولهذا قال لهم المسيح له المجد ” كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجدًا بعضكم من بعض. والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه “[4]. هذا الكبرياء والذي يحمل معه الهلاك، يستحق أيضًا كثيرًا من السخرية، حتى قبل الدينونة الأخيرة، وفي طياته كثير من الشرور في هذه الحياة الحاضرة. وإن أردت، فلابد أن تفهم هذا جيدًا، خاصةً بعدما تركنا أولاً الفردوس الذي طُردنا منه بسبب هذا الكبرياء، وبعد ذلك ألقانا في جهنم، ليتنا نفحص هذا كله. فهل يوجد ما يكبّدنا خسائر أكثر من هذا الكبرياء؟ وماذا يمكن أن يوجد أكثر قبحًا وأكثر صعوبة من هذا التباهي؟ لأنه من المؤكد أن مرض المجد الباطل يكلف الإنسان الكثير، وهذا صار واضحًا من سلوك الذين ينفقون أموالهم في أمور لا فائدة منها وبدون سبب، في المسارح وسباقات الخيل، وفي إسراف غير لائق، وصار واضحًا أيضًا من سلوك الذين يُشيّدون بيوتًا فخمةً باهظة التكاليف، والذين يسعون بكل الوسائل لتكوين ثروة بلا نفع أو فائدة.

          وكون أن المُصاب بهذا المرض هو كثير الاسراف، ومضطر أن يصير خاطفًا وطمّاعًا، فهذا بالطبع أمر واضح لكل أحد. لأنه لكي يستطيع أن يقدم طعامًا لهذا الوحش (شهوة المجد الباطل)، فهو يمد يده إلى ثروات الآخرين. وماذا أقول عن الثروات؟ فليس الأموال فقط، بل أيضًا نفوسًا كثيرة تلتهمها هذه النار هنا، وهو يؤدي إلى الموت ليس فقط في الحاضر، بل وفي المستقبل أيضًا. لأن المجد الباطل يقود إلى جهنم، وهو الذي يُشعل نار جهنم بقوة، وبسببه أيضًا ستصير هذه النفوس غذاءً للحشرات السامة. وبالطبع يمكن للمرء أن يرى أن هذا المجد الباطل يسود بين الأموات، وماذا يمكن أن يوجد أسوأ من هذا؟ لأن كل الشهوات تبطل بعد الموت، ولكن شهوة المجد الباطل فإنها تصارع بعد الموت أيضًا، وتحاول أن تُظهر طبيعتها في الجسد الميت. لأنهم حين يتركون وصية أن تُشيد لهم قبورًا فخمة عند موتهم، وينفقون كل ثروتهم، بل ويحرصون على جمع أموال كثيرة قبل أن يموتوا، وذلك من أجل نفقات الدفن. بينما وهم بعد أحياء، تجدهم يحتقرون الفقراء الذين يقتربون منهم من أجل فلس واحد، وقطعة خبز، إلاّ أنهم بمجرد أن يموتوا، يصيرون مائدة غنية للديدان. ماذا يمكن أن تقول عن هذا الطغيان المستبد، وعن هذا المرض (المجد الباطل). ومن هذا الشر يولد ولع فاسد وغير مقبول، إذ أن شهوة المجد الباطل ألقت بالكثيرين في الزنا، لا من حيث جمال الوجه، ولا الشهوة الجسدية، بل لأنهم يريدون أن يفتخروا بأن فلانة قد أوقعوا بها، وزنوا معها.

          ولماذا ينبغي أن أتكلم عن الأمور الأخرى، فقدر كبير من الشرور نبتت من هذه الشهوة؟ لأنني أُفضل أن أصير عبدًا لعدد كبير من البربر، على أن أُستعبد مرة واحدة، للمجد الباطل. خاصةً وأن هؤلاء البربر لا يأمرون الأسرى بالخضوع لهذه الشهوة، بينما هذه الشهوة تأمر رعاياها بالخضوع لها. إذًا بحسب ما تأمر به هذه الشهوة: أنت مضطر أن تكون عبدًا للجميع، سواء كانوا أعلى منك أو أقل.

إنها تقول لك: احتقر النفس، لا تعتني بالفضيلة، اسخر من الحرية، ضحي بخلاصك بالتمام. وإن صنعت صلاحًا ما، لا تصنعه لكي تكون مرضيًا أمام الله، بل لكي تظهر أمام الجميع أنك صالح، حتى تفقد المكافأة لأجل هذا كله. وعندما تمارس أعمال رحمة أو تصوم، فلتعاني من المتاعب، بل واحرص على أن تخسر الربح.

ماذا يمكن أن يوجد أقسى من هذه الأوامر؟ من هذه الشهوة (أى المجد الباطل) يأتي الحسد، ويأتي اليأس، ومنها تبدأ الشرور والبخل. لأن جموع الخدم والبربر المزينين بالذهب، والطفيليين والمنافقين، والعربات المطلية بالفضة، والأمور الأخرى والتي هى مثيرة بالأكثر للسخرية، لا تحدث بسبب اللذة، ولا بسبب إحتياج ما، بل فقط بسبب المجد الباطل.

          6 ـ بيد أنه من حيث إن هذه الشهوة تعتبر شهوة رديئة، فهذا واضح لكل أحد. لكن كيف يمكننا أن نتجنبها، هذا ما يجب أن يقوله لنا القديس بولس. سنبدأ بداية رائعة من أجل التغيير أو التصحيح، لو أنك أقنعت نفسك جيدًا، أن هذا الداء أى شهوة المجد الباطل، هو داء مُفزع. لأن المريض أيضًا سيطلب الطبيب على وجه السرعة، إن علم أنه مريض. أما إن كنت تطلب أو تبحث عن طريقة أخرى لتجنب هذه الشهوة، فيجب عليك أن تتطلع دومًا نحو الله، وأن تكتفي بالمجد الإلهي. وحتى وإن كنت ترى بعد أن الشهوة تُداعبك أو تدغدغ إرادتك، وتُحركك للتحدث بفخر بإنجازاتك لمن هم شركائك في الإنسانية، وطالما أنك تفكر مرة أخرى، في كيف يمكن أن تستعرض ذلك، وأنه لا ينتج من ورائها أى ربح، فعليك أن تمحو هذه الرغبة الفاسدة، وقل لنفسك ها إنك تعبت كل هذا الزمان حتى لا تبوح بإنجازاتك وأنت لم تحتمل أن تحتفظ بها سرًا، بل أعلنتها للجميع، فماذا تحقق لك، أكثر مما أنت عليه هنا؟ بالطبع لا شئ، بل خسارة وأكثر من خسارة، إذ أنك تُفرِغ كل ما جُمع بجهد وتعب كثير.

          لكن مع كل هذا، فكّر في أن قرار الكثيرين وحكمهم هو قرار وحكم خاطئ، وليس فقط خاطئًا، بل إنه سريعًا ما يزول. لأنه وإن كانوا قد أُعجبوا بك للحظة، فعندما يعبر الوقت، فإنهم ينسون كل شئ، وهكذا يكونون قد خطفوا الإكليل الذي أعطاه الله لك، ولم يستطيعوا أن يحتفظوا لك بالإكليل الخاص بهم. وإن افترضنا أن هذا الإكليل باق، فسيكون من يُبدل إكليله بإكليلهم تعس جدًا، أما عندما يتحطم هذا الإكليل، فأى مُبرر سنُعطى، طالما إننا نُسلم الذي يبقى من أجل الزائل، ومن أجل أن ننال مديح القليلين نفقد كل هذه الخيرات الكثيرة؟ وحتى وإن كان الذين يمتدحوننا هم كثيرون، فإننا هكذا سنكون مستحقين للعذاب، وبالأكثر في الوقت الذي يمدحوننا فيه. ولكن إن كنت تشك فيما قيل، فاسمع المسيح له المجد حين يُدين هذا. ” ويل لكم إذا قال فيكم جميع الناس حسنًا “[5]، وهذا كلام له ما يبرره. لأنه لو كان يجب على الصنّاع أن يطلبوا مُقيّمين أو قضاة لكل عمل، فكيف تسمح للناس أن يراقبوا الفضيلة، ولا تسمح لله الذي يعرف قبل الجميع وأكثر من الجميع، والذي يمكنه أن يُدين، وأن يُكلل؟ لنكتب هذه العبارة إذًا على الجدران، وعلى الأبواب، وفي آذاننا، ونكررها في أنفسنا دائمًا: ويل لنا إذا قال فينا جميع الناس حسنًا.

          وهؤلاء الذين يمتدحونك، هم بالحقيقة الذين يذمونك فيما بعد ويقولون عنك إنك محب للمجد الباطل والعظمة، وإنك تشتهي مديحهم بشكل مُبالغ فيه. أما الله فلا يفعل هذا، بل عندما يراك تشتهي مجده، فهو يمتدحك في ذلك الوقت ويصنع معك معجزات، ويُكللك. وعلى العكس من ذلك فإن الإنسان لا يفعل هكذا، بل يعتبرك عبدًا بدلاً من حرًا، وكثيرًا ما يمنحك مدحًا كاذبًا فقط وبكلام ساذج، ويكون قد إختطف منك الأجر الحقيقي واشتراك، بل وبالأكثر جعلك عبدًا. لأن العبيد يخضعون لسادتهم بعد أن يصدروا لهم أوامرهم، أما أنت فتصبح عبدًا بدون أوامر. لأنك لا تنتظر أن تسمع شيئًا من الذين يمدحونك، بل بدون أن يصدروا لك أوامرهم، فأنت تفعل كل شئ يُسعدهم. إذًا ألا نكون مستحقين لهذا القدر من الجحيم، حين نُفرِح الأشرار، ونخضع لهم حتى قبل أن يأمروننا، بينما الله الذي يحثنا وينصحنا كل يوم، لا نسمع له؟

          ولكن إذا كنت تشتهى المجد والمديح إشتهاءً شديدًا، فعليك أن تتجنب مديح الناس، وعندئذٍ ستنال المجد. احتقر الكلام المنمق، حينئذٍ ستتمتع بمديح كثير من الله ومن الناس أيضًا. لأن مَن يحتقر ويزدري المجد الباطل هو عادةً الذي نمجده ونمتدحه ونُعجب به. فإذا نحن احتقرنا المجد الباطل، فبالحرى جدًا سيُمجدنا إله الكل. وعندما يُمجدك الله ويمتدحك، فمن ذاك الذي يمكن أن يكون أكثر سعادة منك؟ وبالحقيقة فإنه بقدر إتساع المسافة بين المجد والإزدراء، هكذا يكون الفرق بين المجد الإلهي والمجد الإنساني الباطل شاسعًا جدًا ولا نهاية له. فإذا كان المجد الإنساني الباطل سيئًا ورديئًا حتى عندما لا يُقارن بشئ، أو عندما نفحصه بالمقارنة مع شئ آخر، ففكّر إذًا في مدى القبح الذي سيظهر منه. فهو تمامًا مثل المرأة الزانية، حتى ولو كانت تُقيم في منزل، إلاّ أنها تعرض نفسها للآخرين، هكذا أيضًا عبيد المجد الباطل. وربما هم أسوأ من هذه المرأة الزانية، لأن مثل هؤلاء النساء كثيرًا ما يحتقرن شخصًا يكون قد اشتهاهم، بينما أنت قد عرضت نفسك للجميع، لمجرمين ولصوص، ولسارقي الأموال. لأن هؤلاء وأشباههم يمثلون المتفرجين الذين يمتدحونك. وهؤلاء الذين عندما يكونون متفرقين بعيدًا لا تعتبرهم مستحقين شيئًا على الاطلاق، لكنهم عندما يجتمعون معًا، تُفضّلهم على خلاصك، وتقدم نفسك مُجردًا من المجد أكثر من كل هؤلاء.

          بالحقيقة كيف لا تكون مُجردًا من المجد، أنت يا من تحتاج للمديح من الآخرين، وهل تعتقد إنك لو أخذت المجد من آخرين سيكون هذا مفيدًا لك؟ أخبرني، ألم تفكر، بالإضافة إلى كل ما قيل، كيف أنهم عندما ينظروا إليك من كل جانب، حين تصبح معروفًا للجميع، أنه سيكون أمامك عددًا لا يُحصى ممن يدينونك إذا ما أخطأت، بينما حين تكون غير معروف، ستبقى في أمان؟ نعم هكذا يقول، وحين أُحقق إنجازات، سيكون لديّ مُعجبين لا حصر لهم. إنه لأمر مخيف حقًا، ليس فقط حين تُخطئ، لكن أيضًا حين تُحقق إنجازات، فإن مرض المجد الباطل سيؤذيك. لقد طرح الكثيرين إلى أسفل من قبل، والآن ينزع عنك كل أجرك.

[1]  رو29:3ـ30.

[2]  إش16:28.

[3]  يوئيل32:2.

[4]  يو44:5.

[5]  لو26:6.

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

العظة الثامنة عشر:

”أيها الإخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هى للخلاص” (رو1:10).

          1 ـ مرة أخرى نجد الرسول بولس ينشغل بهؤلاء اليهود بشكل أقوى من ذي قبل. ولهذا نجده يُزيل الشكوك التي توحي بوجود بغضة أو نفور، ويُمهد كثيرًا لما يريد قوله لكي يتفادى سوء ظن المتلقي لرسالته. هكذا يقول لهم، ينبغي ألاّ تتخوفوا من كلامي ولا من شكواي، بل إن ما أقوله ليس نابعًا من شعور عدائي. لأنه لا يمكن لشخص واحد، أن تكون لديه رغبة في خلاص هؤلاء اليهود، بل ويُصلي من أجل هذا الخلاص، ثم في نفس الوقت يُبغضهم وينفر منهم. بالإضافة إلى أن مسرته هنا كما يقول، هى رغبته الشديدة، والطلبة التي يرفعها إلى الله من أجل خلاص إسرائيل. ليس فقط من أجل أن ينجوا من الجحيم، بل لأجل خلاص هؤلاء، وهو مهتم بذلك ويُصلي كثيرًا لأجله. وهو يُظهر محبة تجاه هؤلاء اليهود، ليس فقط في هذا الجزء، بل وفي الآيات التي تلي ذلك أيضًا. لأنه من خلال الأمور ذاتها، قد جاهد وناضل على قدر ما يستطيع، أن يجد لهم منفذًا ولو بقدر بسيط ليدافع عنهم. لكنه لم يستطع، لأن طبيعة الأمور قد أعجزته عن فعل هذا.

 

” لأني أشهد لهم أن لهم غيرة لله ولكن ليس حسب المعرفة ” (رو2:10).

بالطبع هذه الأمور تستحق المغفرة، وليس الإدانة. إذًا فإن كانوا مُتميزين، لا من جهة الإنسانية، بل من جهة الغيرة لله، فمن العدل أن يُرحموا، بدلاً من أن يُدانوا.

لكن لاحظ كيف أنه بحكمة قد صنع لهم خدمة بكلمته، وأظهر شجارهم غير الملائم. لأنه يقول:

 

” لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ” (رو3:10).

          أيضًا هذا الكلام يظهر غفرانًا، لكن الكلام اللاحق يُظهر إدانة شديدة جدًا، وينقض أى مُبرر من الممكن أن يُقال. ” ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم، (لذلك) لم يخضعوا لبر الله “. وقد قال هذا الكلام لكي يُبيّن أنهم إنخدعوا بالأكثر بتأثير الرغبة في النزاع، وفي السلطة، وكذلك الجهل الشديد، إذ أنهم لم يثبتوا ولا حتى في هذا البر، الذي يأتى من تنفيذ وصايا الناموس. لأنه بقوله: “ويطلبون أن يثبتوا” يُظهر ذلك بالتحديد. وهذا ما لم يُشر إليه بوضوح، لأنه لم يقل إنهم فقدوا كل بر، لكنه ألمح إلى هذا برؤية كاشفة أو بنظرة ثاقبة، وبحكمة لائقة به. لأنهم إن كانوا يطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم، فمن الواضح جدًا أنهم لن ينجحوا في ذلك، إن لم يخضعوا لبر الله، الذي فقدوه. وقد أطلق الرسول بولس على هذا البر الذي يُريدون تثبيته، بر أنفسهم، إما لأن الناموس لم يعد صالحًا، أو لأنهم اعتمدوا على جهدهم وأتعابهم، بينما دُعَى البر الذي يأتي بالإيمان، بر الله، لأنه يعتمد على نعمة الله بالكامل، ولا يمكن نواله بالجهد، بل بعطية الله. أما أولئك الذين يُقاومون الروح القدس بصفة دائمة، ويجاهدون لأجل التبرير بالناموس، فلن ينالوا الإيمان. ولأنهم لم يقبلوا الإيمان، فإنهم لم يحصلوا على البر الذي بالإيمان، ولأنهم أيضًا لم يستطيعوا أن يتبرروا بالناموس، فإنهم يكونون قد فقدوا البر من كل جهة.

 

2 ـ ” لأنه غاية الناموس هى المسيح للبر لكل مَن يؤمن ” (رو4:10).

          رأيت رؤية الرسول بولس، ليتك تلحظ ما فعل، فإنه تكلم عن البر الذي بالناموس، والبر الذي بالإيمان، حتى لا يعتقد أولئك الذين آمنوا من اليهود، أنهم امتلكوا برًا وفقدوا الآخر، وأنهم أُدينوا بالمخالفة (إذ أنه ما كان ينبغي لهم أن يتهاونوا، طالما أنهم كانوا مُعمدين حديثًا) ولا أيضًا اليهود الذين لم يؤمنوا لهم رجاء في تحقيق هذا البر، ولا أن يقولوا أننا سنحققه، فيما بعد، حتى إن كنا لم نحققه الآن، لاحظ ماذا يفعل. يُوضح أن البر واحد (وليس اثنين)، وأن بر الناموس، قد إنضم للبر الذي بالإيمان، ومن أعطى الأولوية لبر الإيمان يكون قد تمم البر الذي بالناموس أيضًا، أما الذي احتقر بر الإيمان فقد صار فاقدًا لبر الناموس مع فقدانه لبر الإيمان. لأنه إن كان المسيح هو كمال الناموس، فمن لا يقبل المسيح لن يكون له في الواقع بر الناموس، حتى وإن كان يعتقد أنه يتمتع به، بينما من له المسيح يكون قد حصل على كل شئ، حتى وإن كان لم يُحقق بر الناموس.

          هكذا أيضًا فإن هدف العلاج هو استعادة الصحة الجيدة. تمامًا مثل ذاك الذي يستطيع أن يعالج آخر ويجعله في صحة جيدة، وإن كان ليس لديه بعد ترخيص لممارسة الطب، فإنه يملك كل شئ يقود للعلاج، بينما مَنْ لا يعرف أن يُعالج، حتى إن كان يمارس العمل الطبي، يكون قد فقد كل شئ يقود للعلاج. هكذا فيما يتعلق بالناموس والإيمان، فإن من يوجد خارج حظيرة الإيمان، يعتبر غريبًا عن الناموس وعن الإيمان. إذًا ما هو الأمر الذي كان يُريده الناموس؟ لقد كان يريد أن يُبرر الإنسان. لكنه لم ينجح، لأنه لا يوجد أحد قد تمم الناموس. لأن تبرير الإنسان كان هو ما يصبو إليه الناموس، وكانت جميع الممارسات تدور حول تحقيق ذلك الهدف أى تبرير الإنسان، مثل الاحتفالات، والوصايا، والذبائح، وكل الأمور الباقية. لكن هذا التبرير قد حققه المسيح بأعلى درجاته بالإيمان. إذًا لا تخاف من الناموس، لأنك أتيت إلى الإيمان. لأنك كنت تخاف الناموس أنذاك، حين كنت بسبب هذا الناموس، لا تؤمن بالمسيح. فإن كنت قد آمنت بالمسيح، وتممت الناموس، وأكثر جدًا مما يأمر به، فهذا لأنك أخذت برًا أكبر بكثير من بر الناموس.

          3 ـ ولأن هذا كله كان أمرًا محسومًا، فإنه يؤكد عليه بعد ذلك من خلال الكتب. إذ يقول:

 

” لأن موسى يكتب في البر الذي بالناموس ” (رو5:10).

ما يقوله يعني الآتي: إن موسى يُبيّن لنا ما هو البر الذي بالناموس، وما منطقه، ومما يتكون أو يتشكل؟ إنه يقوم على أساس تتميم الوصايا. يقول ” إن الإنسان الذي يفعلها سيحيا بها “. إذ أنه من غير الممكن أن يصير المرء بارًا بالناموس، إلاّ فقط من خلال تتميم كل الوصايا. بيد أن هذا لم يكن ممكنًا لأي أحد. وبناءً على ذلك، فقد فشل هذا البر. ولكن أخبرني يا بولس عن البر الذي يأتي من النعمة، ما هو وما الأساس الذي يقوم عليه؟ اسمع الرسول بولس الذي يصف هذا البر بوضوح. إذًا لأنه أدان البر الذي يأتي بالناموس، نجده يذهب فيما بعد إلى بر الإيمان، قائلاً:

 

” وأما البر الذي بالإيمان فيقول هكذا لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أى ليحدر المسيح. أو من يهبط إلى الهاوية أى ليصعد المسيح من الأموات. لكن ماذا يقول. الكلمة قريبة منك في فمك وفي قلبك أى كلمة الإيمان التي نكرز بها لأنك هكذا إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت لأن القلب يؤمن به للبرر والفم يعترف به للخلاص” (رو6:10ـ10).

          إذًا لكي لا يقول اليهود، كيف لهؤلاء الذين لم يجدوا البر الأصغر أن يحصلوا على البر الأكبر، فإنه يذكر الرؤية العكسية، إن طريق البر بالإيمان يعتبر أسهل من الطريق الآخر (أى طريق البر بالناموس). لأن طريق البر بالناموس يتطلب تتميم كل الوصايا، وحين تتممها كلها، ستحيا. لكن البر الذي بالإيمان لا يتطلب هذا، فماذا يطلب؟ ” إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت “. عليك أن تنتبه كيف يكثر الرسول بولس من الحديث عن بر الإيمان بعد ذلك، لكي لا يظهر أيضًا أنه يجعله بلا قيمة، من حيث إنه يُظهره سهلاً وبسيطًا، لأنه لم يأت مباشرةً إلى ما قلناه، فماذا قال؟ ” وأما البر الذي بالإيمان فيقول هكذا. لا تقل في قلبك من يصعد إلى السماء أى ليحدر المسيح.أو من يهبط إلى الهاوية أى ليصعد المسيح من الأموات “. لأنه كما في حالة الفضيلة التي تُستعلن بالأعمال، يُقاوم الإيمان الخمول، وتراخي القدرات، ويحث النفس على أن تكون مُتيقظة جدًا، حتى لا تتقهقر، هكذا أيضًا عندما نؤمن كما ينبغي، نجد أن هناك أفكارًا تُثير حالة من الخلط والشكوك، وتؤذي أذهان الكثيرين، وتحتاج إلى نفس قوية، تتصدى لها.

          ولهذا تحديدًا يذكر هذه الأفكار، وما سبق أن ذكره في حالة إبراهيم، هذا يذكره هنا أيضًا. فهو يسمو بحقيقة الإيمان، بعدما أظهر كيف أن إبراهيم تبرَّر بالإيمان حتى لا يظهر أنه قد أخذ إكليلاً عظيمًا بهذا القدر باطلاً، كما لو كان هذا الأمر لا قيمة له، فيقول: ” فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء لكي يصير أبًا لأمم كثيرة كما قيل هكذا يكون نسلك. وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتًا إذ كان ابن نحو مائة سنة ولا مُماتية مستودع سارة. ولا بعدم إيمان إرتاب في وعد الله. بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا [1]. وأظهر أن الأمر يحتاج إلى قوة وإلى نفس سامية حتى تستقبل تلك العطايا التي تتجاوز مجرد الرجاء، وألا تتعثر بسبب ما تراه. وهذا هو ما يفعله هنا أيضًا، حيث يُظهر أن الأمر يحتاج إلى فكر حكيم، وإرادة عظيمة تسمو حتى إلى السماء، وهو لم يقل فقط، لا تقل، بل ” لا تقل في قلبك ” أى ولا حتى أن تفكر بالشك وتقول في نفسك، كيف يكون هذا ممكنًا؟

          أرأيت كيف أن ملمح الإيمان يتضح في أن نطلب الحياة الأبدية، بعدما نترك كل تطور طبيعي للأمور، وبعدما نرفض الأفكار المريضة، وأن نؤمن أن كل الأشياء تأتي بقوة الله؟ وإن كان من المؤكد أن اليهود لم يقولوا هذا فقط، بل أضافوا إنه من غير الممكن أن يتبرَّروا بالإيمان. أما الرسول بولس فيقود من اتخذ اتجاهًا آخر، إلى الطريق الصحيح حتى يبرهن على أن البر هو عظيم بهذا القدر، وحين يتحقق فإنه يحتاج إلى الإيمان، وحينئذٍ يتضح كيف أنه أمر عادل وحق أن يُنسج إكليلاً لهؤلاء الذين يتبرَّرون بالإيمان. ويستشهد بما جاء في العهد القديم، مع توخي الحذر دائمًا في توجيه الإتهامات أو الإدانات، والصدام مع البر الذي بالناموس. ولهذا فإن ما يقوله هنا عن الإيمان، يقوله لهؤلاء من حيث وصية موسى، لكي يُظهر أنهم تمتعوا بإحسانات كثيرة من الله. لأنه من غير الممكن أن يقول إنه يجب أن يصعد إلى السماء وأن يعبر بحرًا كبيرًا، حتى يأخذ الوصايا، بل إن الأشياء العظيمة والهائلة قد جعلها الله لنا سهلة.

          لكن ما معنى “الكلمة قريبة منك”؟ تعني أنها سهلة، لأن الخلاص يوجد في فكرك، وفي فمك، دون أن نسافر مسافة طويلة، ولا أن نبحر كثيرًا، ولا أن نتسلق جبالاً، هكذا يجب أن نخلص. لكن إن كنت لا تريد أن تسير حتى في هذا الطريق، فمن الممكن أن تخلص وأنت ماكث في بيتك، لأن بداية خلاصك هى في فمك وفي قلبك. ثم جعل الرسول كلامه عن الإيمان سهلاً، بقوله إن ” الله أقامه من الأموات “. فكّر إذًا في مكانة وقيمة ذاك الذي أقامه، ولن نرَ أى صعوبة في ذلك. وبناء عليه، حيث إنه هو الرب، فمكانته تتضح من القيامة، الأمر الذي ذكره في بداية الرسالة: ” وتعين ابن الله .. بالقيامة من الأموات[2]، وبالنسبة لاعتبار القيامة سهلة التحقيق فهذا ما تبرهن من خلال قوة ذاك الذي جعلها أيضًا تتحقق مع الذين من الصعب جدًا أن يؤمنوا. إذًا عندما يكون البر عظيمًا ويسيرًا، وسهل القبول، وعندما يكون من غير الممكن أن نتبرر إلاّ بهذه الطريقة، ألا يعتبر سعيهم لتحقيق المستحيلات نموذجًا لأسوأ أنواع الجهاد، فهم قد تركوا الأمور السهلة والهيّنة؟ ولذلك لن يستطيعوا أن يقولوا إنهم قد تركوا التفكير في بر الإيمان بسبب أنه كان ثقيلاً.

          أرأيت كيف أنه ينزع عنهم كل صفح أو مسامحة؟ فأي دفاع يمكن أن يقدموه، بعدما فضّلوا ما هو ثقيل وصعب التحقيق واستهانوا بما هو سهل، كما احتقروا أيضًا من استطاع أن يصنع لهم الخلاص ويعطيهم ما لم يستطع الناموس أن يُعطيه؟ إن هذا كله لا يتعدى كونه دليلاً على رغبة في النزاع أو الجدال ومقاومة الله. خاصة وأن الناموس ثقيل ومُرهِق، بينما النعمة سهلة. ولا يقدر الناموس أن يخلّص حتى وإن حاولوا  تنفيذ وصاياه بإجتهاد كبير. بينما النعمة تمنح البر الذي يخصها، وبر الناموس أيضًا. أى كلام إذًا يمكن أن يُخلّصهم، حين يتصرفون برغبة عدائية تجاه النعمة، بينما هم ينظرون إلى الناموس بدون هدف، ويتجهون نحو الأمور التي لا فائدة من ورائها؟

[1]  رو18:4ـ21

[2]  رو4:1.

رسالة رومية الأصحاح10 – عظة18 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

بقية العظة السابعة عشر:

          8 ـ هكذا الرسول بولس ألجم نزاعهم بأسلوب لائق جدًا. ولكنه بعد ذلك يقدم الحل أيضًا. فما هو إذًا هذا الحل؟ يقول:

 

” فماذا إن كان الله وهو يريد أن يظهر غضبه ويُبين قوته احتمل بأناة كثيرة آنية غضبه مهيأة للهلاك. ولكي يُبيّن غنى مجده على آنية رحمة قد سبق فأعدها للمجد. التي أيضًا دعانا نحن إياها ليس من اليهود فقط بل من الأمم أيضًا ” (رو22:9ـ24).

          ما يقوله يعني الآتي: كان فرعون إناء غضب، ذلك الإنسان الذي بقسوته أثار غضب الله. لأنه على الرغم من أن الله أطال أناته عليه، إلاّ أنه لم يصبح أفضل، بل ظل غير قابل للإصلاح. لذلك لم يسميه إناء غضب فقط، بل ” آنية مهيأة للهلاك ” أنه هو الذي أعدَّ نفسه بذاته للهلاك. لأنه لم يكن يغفل شئ من الأمور اللازمة لإصلاحه حتى يرجع إلى الله، ولا هو نفسه قد أغفل شيئًا من تلك الأمور التي تقوده إلى الهلاك وتحرمه من كل غفران.

          لكن برغم أن الله كان يعرف تلك الأمور ” احتمله بأناة كثيرة ” لأنه أراد أن يقوده للتوبة. لأنه لو لم يُرد هذا، لما كان قد أطال أناته. لكن لأن فرعون لم يُرد أن يستفيد من طول أناة الله لأجل التوبة، بل أعدَّ ذاته للغضب، فقد جعله الله مثالاً لإصلاح الآخرين، جاعلاً الآخرين أكثر صلاحًا بواسطة إدانته، وهكذا أظهر الله قوته. إن الله لا يريد أن تصير قوته مُدركة بهذه الطريقة، بل بشكل مختلف، من خلال إحساناته وعطاياه، وهذا ما أعلنه بكل الوسائل منذ البداية. لأنه إن كان بولس لا يريد أن يظهر أنه قوى، لأنه يقول (في موضع آخر) ” ليس لكي نظهر نحن مُزّكين بل لكي تصنعوا أنتم حسنًا”[1]، فبالأولى جدًا الله أيضًا لا يريد ذلك. ولكن على الرغم من أنه أطال أناته، حتى يقوده إلى التوبة، إلاّ أن فرعون لم يتب، واحتمله الله زمنًا طويلاً، مُظهرًا قوته إلى جوار صلاحه، حتى وإن كان فرعون، لم يُرد أن يربح شيئًا من طول الأناة الكثيرة هذه. تمامًا مثلما أظهر قوته معاقبًا إياه، بقى غير قابل للإصلاح، هكذا بيّن الله محبته للبشر، راحمًا هؤلاء الذين وإن كانوا قد صنعوا شرورًا كثيرة، لكنهم تابوا.

          لم يتكلم الرسول عن محبة البشر، بل عن “المجد”، قال هذا لكي يُبيّن أن هذا المجد بشكل خاص هو مجد الله، ولهذا قد حرص على أن يذكره، قبل كل الأمور الأخرى. لكن عندما يقول “سبق فأعدها للمجد”، فهو لا يقصد أن كل شئ يعتمد فقط على الله، لأنه لو حدث هذا، فلن يكون هناك أى عائق يُعيق خلاص الجميع، بل كان سيُظهر سابق علمه مرة أخرى، ويُبطل الفروق بين اليهود والأمم. وهنا أيضًا توجد مُبررات كثيرة. لأنه ليس فقط أن البعض هلكوا والبعض خلصوا من اليهود، بل ومن الأمم أيضًا. ولهذا تحديدًا لم يقل كل الأمم، بل “من الأمم أيضًا “، ولا كل اليهود، بل “من اليهود”. تمامًا مثلما حدث مع فرعون، الذي صار إناء للغضب، بسبب مخالفته هو، هكذا هؤلاء قد صاروا آنية رحمة بسبب قبولهم لمراحم الله بفرح.

          إن الشئ الأكبر يُنسب لله، وهؤلاء أيضًا قدموا شيئًا يسيرًا. ولهذا لم يقل آنية تفاخر، ولا آنية شجاعة، بل “آنية رحمة”، لكي يُبيّن أن كل شئ يُنسب لله. بالإضافة لقوله ” ليس لمَن يشاء ولا لمَن يسعى “، وإن كان ما قيل يبدو كنسيج غير متناسق، إلاّ أن كلام بولس لا يُثير أى حيرة أو شك.

          إذًا عندما يقول: ” ليس لمَن يشاء ولا لمَن يسعى “، فهو لا يُبطل إرادة الإنسان، لكنه يُبيّن أنه ليس كل شئ متوقفًا على الإنسان، بل يحتاج إلى نعمة الله. أى أنه كان ينبغي على الإنسان أن يشاء وأن يسعى، ولكن بشرط ألا يكون لديه إتكال على ثقته في جهاداته، بل على ثقتته في محبة الله للبشر. هذا تحديدًا ما قاله في موضع آخر    ” لا أنا بل نعمة الله التي معي [2]. وحسنًا قال: ” قد سبق فأعدها للمجد “. لأنهم أبطلوا هذا، أى أبطلوا أنهم خلصوا بالنعمة، واعتقدوا أن هذا الأمر يُسبب لهم حرجًا أو خجلاً، لذلك فإنه يُبطل هذه الرؤية بسهولة واضحة. لأنه لو أن هذا الأمر قد أظهر مجد الله، فبالأكثر جدًا قد حمل مجدًا لهؤلاء، ويكون الله قد تمجد فيهم. لكن إنتبه إلى امتنان وإلى حكمة بولس التي لا يُعبر عنها. لأنه وإن كان لم يُشر إلى فرعون في كلامه عن هؤلاء الذين أُدينوا، بل أشار إلى أولئك اليهود الذين أخطئوا، وجعل كلامه أكثر وضوحًا، وأظهر من جهة الآباء أنه برغم أن الخطايا كانت واحدة، إلاّ أن البعض هلك، والبعض رُحم، حتى يُقنعهم بألاّ تكون لديهم أية شكوك. برغم أن البعض من الأمم قد خلص، بينما اليهود هلكوا، ولكي لا يجعل كلامه مُزعجًا، يقدم الدليل على العقاب من خلال الاشارة إلى الأمم، حتى لا يضطر أن يدعو هؤلاء آنية غضب، بينما يقدم هؤلاء الذين رُحموا من الشعب اليهودي.

          وإن كان من المؤكد أنه قد أجاب اجابة كافية مدافعًا عن تدبير الله، لأنه وإن كان يعرف جيدًا، أن الله، يقبل أن يكون لديه آنية هلاك، لكنه قدم ما يملك من الإحتمال في شكل طول الأناة، وليس مجرد طول أناة بل أناة كثيرة، إلاّ أنه لم يُرد أن يُشر بهذا لليهود. إذًا كيف صار البعض آنية غضب، والبعض آنية رحمة؟ حدث هذا بناءً على إختيارهم. لأن الله كلي الصلاح، يُظهر نفس الصلاح تجاه الطرفين. لأنه لم يرحم فقط أولئك الذين يخلصون، بل وفرعون أيضًا، وجميع هؤلاء يخلصون بقدر ما يعتمدون عليه، طالما أنهم وكذالك فرعون قد تمتعوا بنفس طول الأناة. لكن إن كان فرعون لم يخلص فهذا يرجع إلى اختياره هو، طالما أنه لم يأخذ شيئًا من الله، أما كل من اعتمد على الله، فقد نال كل شئ، لأنه ليس أقل من الذين خلصوا.

          9 ـ إذًا بعدما أعطى الحل لهذه المسألة، ولكي يجعل كلامه محل ثقة، يُقدم أيضًا الأنبياء الذين نادوا من قبل بهذه الأمور ذاتها. لأن هوشع أيضًا من البداية كتب عن هذه الأمور، قائلاً:

 

” سأدعو الذي ليس شعبي شعبي والتي ليست محبوبة محبوبة ” (رو25:9).

          ولكي لا يقولوا إن بولس يخدعنا بحديثه عن هذه الأمور، اتخذ هوشع النبي شاهدًا، لأنه يصرخ قائلاً: ” سأدعو الذي ليس شعبي شعبي “. إذًا مَن هو ذلك الذي لم يكن شعبه؟ من الواضح أنه يُشير إلى شعب الأمم. ومَن هى تلك التي لم تكن محبوبة؟ هم الأمم أيضًا. لكنه تكلم عنهم، أنهم صاروا شعبه، وأنهم محبوبون أيضًا، وأنهم سيصيروا أبناء الله.

 

” ويكون في الموضع الذي قيل لهم فيه لستم شعبي أنه هناك يدعون أبناء الله الحيّ ” (رو26:9).

لكن لو أن هذا قد قيل عن الذين آمنوا من اليهود، وهكذا يستقيم الكلام، إذًا سيتضح أن هؤلاء الذين جحدوا الله، بعد كل إحساناته هذه، قد استبعدوا أنفسهم، وفقدوا الحق في أن يكونوا شعبًا. وحدث تحول كبير، فما هو العائق الذي منع أولئك الذين لم يستبعدوا أنفسهم، من أن يصبحوا مدعوين أيضًا بعد الدالة التي صارت لهم عند الله، هؤلاء الذين كانوا منذ البداية غرباء، ولكنهم بعدما أطاعوا، استحقوا نفس العطايا؟

          بعدما استشهد بهوشع، لم يكتفِ به بل قدم إشعياء الذي يتكلم متفقًا مع هوشع، لأن إشعياء ” يصرخ من جهة إسرائيل “. أى بجرأة يصرخ ولا يتراجع. إذًا (وكأن الرسول بولس يقول): لماذا تهاجموننا إذا كان هؤلاء الأنبياء قد تحدثوا عن هذا الأمر قبل أن يحدث، وذلك بصوت قوي يفوق قوة النفير؟ إذًا بماذا يصرخ إشعياء؟

 

” وإن كان عدد بني إسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص ” (رو27:9).

          أرأيت كيف أنه أيضًا لا يقول إن الجميع سيخلصون، بل المستحقون هم الذين سيخلصون؟ لأنني لا أنظر إلى الكثرة، ولا يؤثر فيّ الجنس المنتشر بكثرة، لكني أخلّص فقط هؤلاء الذين يستحقون. وهو لم يذكر لهم رمل البحر مصادفة، بل لكي يذّكرهم بالوعد القديم، والذي صاروا مقارنةً به غير مستحقين. إذًا لماذا تقلقون، تُرى، هل كذب الوعد، بعدما أعلن جميع الأنبياء، أن الخلاص ليس للجميع؟

          ثم تحدث عن طريقة الخلاص. أرأيت دقة النبؤة والحكمة الرسولية، أى الشهادة القديمة، وكيف كانت مناسبة جدًا؟ لأن هذه الشهادة، لا تُظهر لنا فقط، أن البعض هم الذين يخلصون وليس الجميع، لكنه يُضيف كيف أنهم سيخلصون؟

 

” لأنه مُتمم أمر وقاض بالبر. لأن الرب يصنع أمرًا مقضيًا به على الأرض ” (رو28:9).  

          ما يقوله يعني الآتي: إنه ليس هناك حاجة لفترة زمنية ومتاعب وجهد بأعمال الناموس، لأن الخلاص سيحدث سريعًا جدًا. لأن هذا هو الإيمان، من خلال كلمات قليلة يتحقق الخلاص ” لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت[3].

          أرأيت ماذا تعني عبارة ” لأن الرب يصنع أمرًا مقضيًا به على الأرض” والأكثر دهشة، أن هذا الأمر المقضي به السريع، لم يحمل فقط الخلاص، بل والبر أيضًا. كما سبق إشعياء وقال:

 

” لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلاً لصرنا مثل سدوم وشابهنا عمورة ” (رو29:9).

إنه يُظهر هنا أيضًا أمرًا آخرًا، هو أنه حتى هؤلاء قليلي العدد لم يخلصوا من أنفسهم. خاصةً وأن هؤلاء سيهلكون أنفسهم، وسيموتون مثل أهل سدوم، أى أنهم سيهلكون أنفسهم بالكامل (لأن أولئك هلكوا بالكامل). وهؤلاء إذًا يقول عنهم إنهم سيصيرون مثل أهل سدوم، لو لم يكن الله قد صنع معهم رحمة عظيمة، ولو لم يحفظهم بالإيمان. لكن هذا قد حدث في السبي الجسدي. لأن الكثيرين أُقتيدوا إلى السبي وهلكوا، بينما قليلون فقط هم الذين خلصوا.

 

10 ـ ” فماذا نقول إن الأمم الذين لم يسعوا في أثر البر أدركوا البر. البر الذي بالإيمان ولكن إسرائيل وهو يسعى في أثر البر لم يدرك ناموس البر ” (رو30:9ـ31).

          المؤكد أن الحل الواضح يوجد هنا. لأنه من خلال طبيعة الأمور قد أظهر أن ” ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون “، ومن الأجداد يعقوب وعيسو، ومن الأنبياء هوشع وإشعياء، يُضيف الحل الأهم، بعدما زاد في حديثه السابق من حجم الشك. بالإضافة إلى ذلك فإن الأمر له بُعدين، أن الأمم أدركوا البر، وأنهم أدركوه بدون أن يسعوا إليه، أى دون أن يحاولوا إدراكه. ومن جهة اليهود أيضًا، فهناك تساؤلان، أن الإسرائيليين لم يدركوا البر، برغم أنهم قد حاولوا إدراكه. ولهذا فقد استخدم الرسول بولس الكلمات بوضوح أكثر، لأنه لم يقل إنه “ربح البر”، بل “أدرك“. أى أن الأمر الذي يُسمع لأول مرة والمثير للغرابة، هو أن الذي سعى في أثر البر، لم يدرك البر، بينما ذاك الذي لم يسعَ، قد أدرك البر. والواضح أنه حاول الترفق بهم، بقوله ” وهو يسعى “، ولكنه أعلن بعد ذلك الصدمة الكبيرة.

          إذًا لأنه كان لديه ما يُضيفه لتقديم الحل القوي، لم يتردد أبدًًا، جاعلاً المفارقة أكثر فزعًا. ولهذا لم يتكلم عن الإيمان والبر، لكنه أظهر أن اليهود كانوا مدانين قبل الإيمان أيضًا، إذ أنهم قدهُزموا في الأمور التي تخصّهم. إذًا أنت أيها اليهودي لم تُدرك البر من خلال الناموس، لأنك قد خالفته، وصرت مسئولاً عن اللعنة، بينما أولئك الذين لم يأتوا من الناموس، بل أتوا من طريق آخر، أدركوا برًا أعظم من بر الناموس، هذا البر الذي أتى بالإيمان. هذا تحديدًا ما قاله من قبل ” لأنه إن كان إبراهيم قد تبرَّر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله[4]، لكي يُبيّن أن بر الإيمان أعظم من بر الناموس.

          لقد قال قبلاً إن الشكوك أو التساؤلات نوعان، أما الآن فقد صارت ثلاثة، أى أن الأمم قد أدركوا البر، ودون أن يسعوا في أثره قد أدركوه، وأنهم أدركوا أن هذا البر الذي بالإيمان هو أعظم من بر الناموس. هذه التساؤلات ذاتها هى بالضبط التي تُصاغ أيضًا من جهة اليهود من الناحية العكسية، أن الإسرائيليين لم يدركوا البر، وأنهم لم يدركوه على الرغم من أنهم سعوا في أثره، وأنهم لم يدركوا ولا حتى القليل منه. إذًا بعدما وضع السامع في حيرة، أضاف الحل سريعًا فيما بعد، ثم يُقدم السبب لكل ما قيل. ما هو السبب إذًا؟ هو:

 

” فعل ذلك ليس بالإيمان. بل كأنه بأعمال الناموس ” (رو32:9).

          هذا هو الحل الواضح جدًا لكل ما سبق طرحه، والذي لو كان قاله من البداية مباشرةً، لما كان مقبولاً بهذه السهولة. ولكن نظرًا لأنه ذكره بعد تساؤلات كثيرة، وإعداد، وبراهين، وعرض لشروحات كثيرة جدًا، فقد جعله أكثر سهولة وأكثر قبولاً. هذا هو سبب هلاكهم، أنهم لم يريدوا أن يتبرروا بالإيمان، بل بأعمال الناموس. ولم يقل بالأعمال، بل ” كأنها بأعمال الناموس “، مُظهرًا كيف أنه، ولا هذا البر قد أدركوه.

 

 

” فإنهم اصطدموا بحجر الصدمة. كما هو مكتوب ها أنا أضع في صهيون حجر صدمة وصخرة عثرة وكل مَن يؤمن بي لا يُخزى ” (رو33:9).

          أرأيت مرة أخرى كيف أن الافتخار أو الشجاعة تأتي من الإيمان، وكيف أن العطية هى للجميع؟ لم يقل إنها فقط لليهود، بل هى لكل الجنس البشري. لأن كل واحد سواء كان يهوديًا أم يونانيًا أم سكيثيًا أم ثراكيًا أو من أى جنس، عندما يؤمن سيتمتع بمجازاة كبيرة ولن يُخزى، لكن ما يستحق الإعجاب في كلمات إشعياء النبي هو أنه لم يقل فقط كل من يؤمن، بل أنهم لن يؤمنوا، لأن كلمة اصطدموا بحجر العثرة، تعني أنهم لن يؤمنوا. تمامًا كما أعلن سابقًا، عن أولئك الذين يهلكون وأولئك الذين يخلصون، قائلاً: ” وإن كان عدد بني إسرائيل كرمل البحر فالبقية ستخلص “، و ” لولا أن رب الجنود أبقى لنا نسلاً لصرنا مثل سدوم “، ودعى من الأمم أيضًا، وليس فقط من اليهود، هكذا تحديدًا هنا أيضًا، يقول إن البعض سيؤمنون، والبعض سيتعثرون. أما من حيث إنهم يتعثرون فهذا يأتي نتيجة عدم الانتباه، حيث قد فشلوا في أمور أخرى. إذًا لأن هؤلاء تطلعوا نحو الناموس، اصطدموا بحجر الصدمة. ويقول النبي، حجر صدمة، وصخرة عثرة بسبب الاختيار، والنهاية التي تنتظر أولئك الذين لم يؤمنوا.

          11 ـ يا ترى، هل صار ما قيل واضحًا لكم، أم أنه يحتاج بعد لكثير من الشرح؟ أنا أعتقد أن الأمر أكثر من سهل بالنسبة للذين دقّقوا في فهم ما شرحناه، لكن إذا كان البعض لم ينتبه، فيمكن أن نلتقي معهم بشكل خاص، ويسألون ويعرفون. لأنه لهذا جعلت الشرح مطولاً، لكي لا أضطر أن أُشوه وضوح ما قد قيل، فأوقف سريان التتابع الفكري. ولهذا سأنهي الحديث هنا، دون أن أحدثكم مُطلقًا عن الموضوعات السلوكية، الأمر الذي تعودت أن أفعله، لكي لا أُجهد ذهنكم أيضًا بالكلام الكثير. حان الوقت إذًا لأُنهي حديثي بالنهاية المناسبة، وأختم حديثي بتمجيد إله الكل. فلنعطي المجد لله، لأن له الملك والقوة والمجد إلى الأبد أمين.

         

[1]  2كو7:13.

[2]  1كو10:15.

[3]  رو9:10.

[4]  رو2:4.

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج5 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة السابعة عشر:

6 ـ ” فماذا نقول؟ ألعل عند الله ظلمًا حاشا ” (رو14:9).

          أى أنه لم يحدث لنا ظلم، ولا لليهود أيضًا. ثم يُضيف أمرًا آخرًا أكثر وضوحًا قائلاً؟

 

” لأنه يقول لموسى إني أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف ” (رو15:9).

          ومرة أخرى يُزيد الرسول بولس من حجم التعارض أو التناقض، وفي المنتصف يُزيل هذا التعارض، ويجد له حلاً، ثم يخلق مرة أخرى، صعوبة أخرى. ولابد لنا أن نفسر ما قيل حتى يصبح أكثر وضوحُا. فالرسول بولس يقول إن الله قال، الكبير يُستعبد للصغير، قبل ولادتهما. ماذا إذًا؟ هل الله ظالم؟ حاشا. إذًا فلنستمع للكلام اللاحق. هناك على الأقل في حالة يعقوب وعيسو، إنفصال بين الفضيلة والشر، بينما الخطية كانت واحدة ومشتركة بين جميع اليهود، خطية صناعة العجل الذهبي، إلاّ أن البعض أُدين والبعض لم يدن. ولهذا قال: ” أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف “. لأن الله يقول لموسى، لست أنت المسئول عن معرفة المستحقين للرأفة، فاترك هذا لي. فإن لم يكن هذا هو عمل موسى، أن يعرف، فبالأولى كثيرًا، لا يكون عملنا. ولهذا لم يُشر فقط إلى ما قيل، بل ذكر لمن قاله. لأنه يقول هذا الكلام لموسى، لكي ينتقد بذلك، أى من خلال مكانته عند اليهود، أى شخص يُعارض أحكام الله.

          إذًا بعدما قدم الحل للتساؤل الذي نشأ من الكلام السابق، لم يطرح مرة أخرى، تناقضًا أو تعارضًا آخرًا، إذ قال:

 

” فإذًا ليس لمن يشاء أو لمن يسعى بل الله الذي يرحم لأنه يقول الكتاب لفرعون إني لهذا بعينه أقمتك لكي أُظهر فيك قوتي ولكي يُنادى باسمي في كل الأرض ” (رو16:9ـ17).

          لأنه تمامًا كما قال هناك، إن البعض قد خلص والبعض قد أُدين، هكذا هنا أيضًا قد حفظ لنا الكتاب قصة فرعون، لهذا السبب عينه. ثم يأتي مرة أخرى ويقول كلامًا قاطعًا ومُثيرًا.

 

 

” فإذًا هو يرحم من يشاء ويُقسّى من يشاء. فستقول لي لماذا يلوم بعد؟ لأن من يقاوم مشيئته ” (رو18:9ـ19).

          أرأيت كيف حرص على أن يجعل الكلام كله مُثيرًا للحيرة؟ ولم يقدم حلاً مباشرًا، وذلك لأجل منفعتهم، فقد لجّم ذاك الذي يعترض على هذه الأمور، قائلاً الآتي:

 

 

” بل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله ” (رو20:9).

          إن الرسول بولس يقول هذا، لكي يوقف الفضول الذي يأتي في غير أوانه من جانب مثل هذا الإنسان، وتعليقاته الكثيرة، ويضع له لجامًا، ولكي يُعلّمنا من هو الله، ومن هو الإنسان، وكيف أن عنايته غير مُدركة، ويوضح كيف أنها أسمى من تفكيرنا، وكيف أن كل شئ ينبغي أن يخضع له، حتى أن الرسول بولس، حين يُبرهن على ذلك للمستمع، ويجعل إرادته مرنة، عندئذٍ يُضيف الحل بطريقة غاية في السهولة، فهو يجعل الكلام مقبولاً بالنسبة له.

          هو لم يقل، إنه أمر مستحيل أن نُقدم حلاً لهذه الأمور، بل لا يصح أن نفحص الأمور المشابهة أو المماثلة. لأنه يجب أن نؤمن بما يصنعه الله ولا نتفحصه، وحتى لو كنا نجهل أسبابه. ولهذا يقول:    ” من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله “. أرأيت كيف أنه احتقر التباهي والتفاخر ورفضه؟ “من أنت أيها الإنسان “؟ هل تُشارك السلطة الإلهية؟ هل عُيّنت مُستشارًا لله؟ لأنه لا يُمكنك أن تكون شيئًا، بل ولا تُمثل شيئًا مقارنةً بالله. لأنه من حيث إنه يقول من أنت، فهو يركز هنا على عدم قيمة الإنسان الذي يجاوب الله، أكثر من تركيزه على فكرة أنك لا شئ. من جهة أخرى فهو يُعلن من خلال سؤاله عن نوع من الغضب. ولم يقل من أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله؟ بل “من تجادل”[1]، بمعنى من أنت يا مَن تعارض، أو يا مَن تقاوم. لأنه عندما يحكم أحد على أعمال الله، ويقول: هكذا كان ينبغي أن يكون، أو ليس هكذا، فهذا ما يوصف بأنه اعتراض. أرأيت كيف أنه أخافهم وأفزعهم، وجعلهم يرتجفون بالأكثر فلا يجرؤون على البحث والفحص؟ هذه هى صفة مميزة للمعلم المتميز، ألاّ يتبع رغبات التلاميذ المتنوعة في كل الإتجاهات، بل أن يقودهم إلى إرادته، وبعدما ينزع الأشواك من طريقهم. حينئذٍ يُلقي البذار، وألاّ يُجيب مباشرةً على التساؤلات التي تطرح من كل نوع.

 

7 ـ ” ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا أم ليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان ” (رو21:9).

          إنه لم يقل هذا لكي يلغي حريتنا، بل لكي يُظهر إلى أى مدى يجب أن نطيع أو نخضع لله. إذًا عندما نحاول أن نناقش الله في قراراته، فلن يكون سلوكنا بصورة أفضل من الطين. لأنه ليس فقط لا ينبغي أن نُعارض، بل ولا أن نطلب من الله أن يقدم لنا تقريرًا عن أعماله، ولا حتى أن نتكلم، ولا أن نُفكر، بل علينا أن نُشبه الطين الطيّع في أيدي الخزّاف، والذي يتحول إلى الشكل الذي يريده ذلك الخزّاف. إن الرسول بولس أورد المثل، ليس لمجرد إظهار التصرف الذي يجب أن يكون عليه المرء، بل لكي يُشير إلى الطاعة غير المحدودة وإلى السلوك الكامل. ويجب أن ننتبه في كل موضع، إلى أنه لا ينبغي علينا أن نأخذ الأمثال بكل عناصرها، بل نختار العنصر أو الجزء المفيد منها، والذي لأجله استخدم الأمثال، ونترك البقية. تمامًا مثلما يقول: ” جثم كأسد[2]، يُقصد به ذاك الذي لا يُقَاوَم، والمُرعب، ونستبعد عنصر الوحشية أو الشراسة، وأية خاصية أخرى من خصائص الأسد. وأيضًا عندما يقول: ” أصدمهم كدُبة مُثكل [3]، يُقصد رغبة الإنتقام. وعندما يقول: ” لأن الرب إلهك هو نار آكلة[4]، يُقصد الهلاك في الجحيم. هكذا هنا أيضًا يجب أن نفهم المعنى المقصود من الطين، ومن الخزاف، والآنية.

          ولكن عندما يُضيف قائلاً: ” أم ليس للخزاف سلطان على الطين أن يصنع من كتلة واحدة إناء للكرامة وآخر للهوان “، لا يجب أن تعتقد أن الرسول بولس قال هذا عن عملية الخلق، ولا للأسس التي يتطلبها تحديد نظام المخلوقات، بل يعني بذلك سلطان الله من ناحية، والتنوع الذي يوضحه عندما يدبر أعماله من جهة أخرى. لأنه إن لم نفهمها هكذا، فلابد أن ينتج عن ذلك أمور كثيرة لا تليق بالله. إذًا بالحقيقة لو أن الكلام هنا عن الترتيب أو النظام، وعن الصلاح، والشرور، فسيكون الله هو الخالق ولن يكون الإنسان متسببًا في أي شئ. وأيضًا سيُظهر القديس بولس ذاته، وهو الذي يمتدح دائمًا حرية الاختيار، كأنه يتناقض مع نفسه. إذًا فهو هنا لا يُريد شيئًا آخرًا، سوى أن يقنع السامع تمامًا، بأن يتراجع أمام الله، وألا يضعه موضع المساءلة البتة عن أى شئ. لأنه كما أن الخزاف يصنع من كتلة واحدة الأواني التي يريدها، ولا يعترض احد على ذلك. هكذا الله أيضًا، الذي يُدين البعض ويُكرم البعض من نفس جنس البشر، ولا ينبغي أن تفحص عمله هذا، بل تخضع له فقط، وأن تتمثل بالطين، فكما أن الطين يصبح طيعًا في أيدي الخزاف، هكذا أنت أيضًا يجب أن تُطيع رأي ذاك الذي يدبر كل الأشياء. لأنه لا يصنع شيئًا بدون سبب، ولا مصادفة، حتى وإن كنت لا تعلم أسرار حكمته.

          ومن المؤكد أنك تترك الخزاف يصنع من كتلة واحدة أواني مختلفة، ولا تدينه، بينما تطلب من الله أسبابًا عن إدانة البعض وتكريم البعض الآخر، ولا تسمح له بمعرفة من هو المستحق ومن هو غير المستحق، خاصة وأنه عندما تكون نفس الكتلة هى من نفس الجوهر، فإنك تطلب وترغب أن تنتج عنها أشكال متشابهة. ألا يعتبر هذا التفكير علامة على درجة خطيرة من الجنون؟ على الرغم من أن وجود التافه والمهم لا يرجع إلى كتلة الطين ـ حتى في حالة الخزاف ـ بل يعتمد على حرية الاختيار (في استخدام الإناء). إلاّ أنه، وكما سبق وأشرت يجب أن نأخذ هذا المثال، بهذا المعنى فقط، أى أنه لا يجب أن نُعارض الله، بل أن نتراجع أمام عنايته غير المُدركة. بالإضافة إلى أنه يجب أن تكون الأمثلة التي تخص أولئك المشار إليهم (أى الذين يعترضون على تدبير الله) أكبر من هذه المطالب، حتى تصير هذه الأمثلة، حافزًا للمستمع، لأن يخضع لإرادة الله بالأكثر. لأن الأمثلة إن لم تكن واضحة، فلن يكن ممكنًا أن تكون لها فاعلية كما ينبغي، في تبكيت ذاك الذي  يُعارض.

[1]  هنا يشرح القديس ذهبي الفم الفرق بين كلمتي (apokrinÒmenoj)                            و(antapokrinÒmenoj) الأولى تعني تجاوب، والثانية تعني تجادل، ويقول إن الرسول بولس استخدم الكلمة الثانية، أى (antapokrinÒmenoj).

[2]  عد9:24.

[3]  هو8:13.

[4]  تث24:4.

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

بقية العظة السابعة عشر:

4 ـ ” وليس ذلك فقط بل رفقة أيضًا وهى حبلى من واحد وهو اسحق أبونا ” (رو10:9).

          إنه موضوع عظيم الشأن. ولهذا يطرح أفكارًا كثيرة، ويحاول أن يُزيل الشكوك من كل النواحي. إذًا لو أن سقوط هؤلاء اليهود يُعد أمرًا غريبًا ويُسمع لأول مرة، بعد كل هذه الوعود الكثيرة، فبالأكثر يُعد أمرًا غريبًا أن نتكلم نحن عن تلك الخيرات، نحن الذين لم نتوقع شيئًا مثل هذا. إن ذلك يشبه ابنًا لملك، نال وعودًا، بأنه سيخلفه في السلطة، ثم حُرم من حقوقه السياسية، وحل محله شخص محكوم عليه بالسجن، ومُحمل بشرور كثيرة، وبعدما خرج من السجن أخذ السلطة التي من حق ابن الملك. فماذا تقول إذًا؟ أتقول إن الابن كان غير مستحق؟ ولكن الآخر أيضًا كان غير مستحق، بل وبالحري أنه كان غير مستحق البتة. وكان ينبغي إما أن يُدانا معًا، وإما أن يكرما معًا. وهذا ما حدث فيما يتعلق بالأمم واليهود، بل وأكثر من هذا. فإن الجميع هم غير مستحقين، وهذا ما أظهره في الاصحاحات السابقة بقوله: “ إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله[1]، لكن ما يُسمع لأول مرة، هو أن الأمم فقط قد خَلصوا، على الرغم من أن الجميع كانوا غير مستحقين.

          لكن مع هذا، من الممكن أن تنتاب المرء حيرة، فإن لم يكن لدى الله النية أن يُتمم وعوده، فلأي سبب وعد؟ لأن الناس الذين لا يعرفون المستقبل، كثيرًا ما يضلون، وغير المستحقين ينالون وعدًا بأن يأخذوا عطايا، بينما ذاك الذي يعرف مُسبقًا أمور الحاضر والمستقبل، يعرف أنهم سيجعلون أنفسهم غير مستحقين للوعود، ولهذا لن ينالوا شيئًا من تلك الوعود، فلأي سبب وعد؟ كيف وجد الرسول بولس حلاً لهذه الأمور؟ الحل في أن يُظهر من هو إسرائيل الذي حصل فيه الوعد. لأنه بعدما برهن على أن هناك وعد، أثبت هذا أيضًا ” لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون “. ولهذا لم يُشر إلى اسم يعقوب، بل ذكر اسم إسرائيل، الأمر الذي يعد دليلاً على فضيلة البر، والعطية التي أخذها من الله، وعلامة على أنه رأى الله. حسنًا إن كان الجميع قد أخطأوا، فكيف أن البعض خَلُص والبعض الآخر هلك؟ لأن ليس الجميع أرادوا أن يتبعوا الله. أما بالنسبة لله، فمن المؤكد أن الجميع دُعوا للخلاص.

          وهو لم يُشِر إلى هذا أولاً، إلاّ أنه يحل المسألة بطريقة تُثير الإعجاب، ومن خلال أمثلة أخرى، متطرقًا إلى موضوع مختلف في معرض حديثه، مثلما فعل من قبل عندما حلَّ معضلة معقدة بمشكلة أخرى. إن الأمر هنا يتعلق بموضوع بر المسيح، وبهذا يكون الجميع قد تمتعوا بالبر. وقد عرض الرسول بولس الأمر فيما يتعلق بآدم قائلاً: ” لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملَّك الموت بالواحد. فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح[2]. ولم يتوصل إلى حل خاص فيما يتعلق بآدم، بل قد قدم الحل من خلال فيض النعمة وعطية البر، وأظهر كيف أن لديهم أكثر من سبب يجعل ذاك الذي مات لأجل خلاصهم يسود عليهم. لأنه أن يُدان الجميع لأن واحد قد أخطأ، فهذا لم يكن منطقيًا في نظر الكثيرين، أما أن يتبرَّر الجميع، لأن واحد قد حقق البر، فهذا ما يُعد أمرًا منطقيًا ولائقًا أمام الله. لكنه لم يحل تلك الحقيقة المحيرة (أى طالما أن الجميع قد أخطأوا، فكيف أن البعض قد خَلُص والبعض هلك). لأنه بقدر عدم وضوح ذلك، بقدر ما استد فم اليهودي، وابتدأ يتحير فيما يختص بالأممي، وهذا يفسر التحير الذي ظهر منذ البداية.

          هكذا هنا أيضًا، فالرسول بولس يجد حلاً مناسبًا لأولئك الذين هم في شك كامل بالنسبة لموضوعات أخرى. لأن جهاده كان ضد اليهود. ولهذا فإن الأمثلة التي أوردها لا يشرحها بشكل تام، لأنه لم يكن مسئولاً عن هذه الموضوعات، كما في الصراع ضد اليهود، أما بالنسبة لما يخصه شخصيًا، فإنه يكون فيها أكثر وضوحًا من غيرها من الموضوعات. إذًا لماذا تندهش أن البعض من اليهود خَلُص، والبعض لم يخلُص الآن؟ فمن الممكن للمرء أن يرى أن هذا يحدث منذ البداية لدى الآباء. إذًا لماذا دُعى اسحق فقط نسل إبراهيم، على الرغم من أن إبراهيم قد ولد إسماعيل أيضًا[3]، وهكذا صار إبراهيم أبًا أيضًا لكثيرين جدًا؟ ولكن إسماعيل كانت أُمه عبدة. وما علاقة هذا بالأب؟ أيُستثنى هذا بسبب الأم! لكن ماذا سنقول عن نسل قطورة؟ ألم يكن نسلاً حرًا وينتمي لأم حرة؟ لماذا لم يكرم بنفس الكرامة مع اسحق؟ ولماذا أتكلم عن هذا النسل؟ لقد ولدت رفقة الزوجة الوحيدة لاسحق، اثنين. لكن الابنين، على الرغم من أنهما كانا من نفس الأب والأم، وعلى الرغم من أنهما قد أتيا بنفس الآلام التي تُصاحب الولادة، وبالإضافة إلى كل هذا فقد كانا توأم، إلاّ أنهما لم يتمتعا بنفس القدر من المحبة. وأنت هنا لا تستطيع أن تقول عن الأم إنها عبدة، كما في حالة إسماعيل، ولا أن الواحد قد وُلد من هذه البطن، والآخر من بطن أخرى، تمامًا كما حدث مع قطورة وسارة، لكنهما خرجا من نفس البطن.

إذًا ولأن بولس انتهى إلى مثال واضح، من حيث إن هذا لم يحدث لاسحق فقط:

 

” لأنه وهما لم يُولدا بعد ولا فعلاً خيرًا أو شرًا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو. قيل لها أن الكبير يُستعبد للصغير كما هو مكتوب أحببت يعقوب وأبغضت عيسو ” (رو11:9ـ13).

          لأي سبب صار الواحد موضع محبة، بينما الآخر موضع بغضة؟ لماذا الواحد خَدَمَ، بينما الآخر خُدِم؟ لسبب هو أن الواحد كان تقيًا، بينما الآخر كان شريرًا. بل وحتى قبل ولادتهما، فإن الواحد قد كُرم، والآخر أُدين. بل وهما لم يولدا بعد قال الله: ” إن الكبير يُستعبد للصغير “. فلأي سبب قال الله هذا الكلام؟ لأن الله ليس مثل الإنسان الذي ينتظر حتى نهاية الأعمال، ليرى الصالح أو الشرير، بل هو يعرف من قبل هذه الأعمال، من هو الشرير ومن هو الصالح. وهذا ما حدث أيضًا في حالة الإسرائيليين، بطريقة مُثيرة للإعجاب. ففي حالة عيسو ويعقوب، كان الأول شريرًا والآخر كان تقيًا؟ أما في حالة الإسرائيليين فقد كانت الخطية عامة، إذ أن الجميع عبدوا العجل الذهبي.

          لكن البعض رُحِم، والبعض لم يُرحم. لأنه يقول لموسى:

 

 

” إني أرحم من أرحم وأتراءف على من أتراءف ”.

          من الممكن أن يرى المرء هذا، في أولئك الذين أُدينوا. إذًا ماذا تقول عن فرعون الذي عوقب وتعذّب جدًا؟ هل لأنه كان قاسيًا وغير مطيع؟ تُرى، هل كان هذا وحده الذي عوقب؟ كيف عوقب بكل هذه القسوة؟ أما بالنسبة لليهود، لماذا دعا الذي ليس شعبه شعبه، وأيضًا لم يجعل الجميع مُستحقين لنفس الكرامة؟ لأنه يقول: ” إن كان شعبك يا إسرائيل كرمل البحر ترجع بقية منه (تخلص بقية منه)[4]. ولماذا بقية فقط (هى التي تخلص)؟ أرأيت مقدار الصعوبة التي أحاطت بهذه الموضوعات؟ وقد فعل بولس هذا بشكل مُبرر جدًا. لأنه عندما تُريد أن تضع الخصم في حيرة، ينبغي ألا تُعطي الحل مباشرةً. بالإضافة إلى أنه لو اتضح أنك أنت نفسك مسئول عن نفس الحل، فلماذا تعرّض نفسك لمزيد من المخاطر؟ لماذا تجعله (أى اليهودي)، أكثر وقاحة، وتجعل كل الأشياء تصير ضدك؟ حسنًا فلتخبرني أيها اليهودي، بينما لديك كل هذه الحيرة أو الشكوك، ولا تستطيع أن تجد حلاً لواحدة منها، فلماذا تُقلقنا، بالنسبة لدعوة الأمم؟ لكنني أستطيع أن أقدم سببًا عادلاً، والذي لأجله تبرَّر الأمم، بينما أنتم فقدتم البر. السبب هو أن هؤلاء الأمم تبرَّروا بسبب إيمانهم، بينما أنتم  اتكلتم على أعمال الناموس ففقدتم البر. وبعدما تنازعتم هكذا، نكثتم العهد من كل ناحية. لأن الكتاب يقول: ” لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يُثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله [5].

          5 ـ إذًا الحل لكل هذا الجزء، أقول بإيجاز أن الحل يُعطى من خلال تلك النفس الطوباوية (أى نفس بولس). ولكي تصير هذه الأمور أكثر وضوحًا، لنفحص كل جانب مما قيل على حده، عالمين هذا أن الطوباوي بولس قد ركّز كل اهتمامه ليُبيّن من خلال كل ما قيل، أن الله وحده يعرف المستحقين، أما البشر، فلا يوجد بينهم من يملك هذه المعرفة، حتى إن اعتقد أن لديه قدر كبير منها، فالإنسان في أمور كثيرة يُجانبه الصواب في أحكامه. إذًا فذاك الذي يعرف جيدًا خفايا الفكر، هو الذي يعرف تمامًا من هم المستحقين لنوال الأكاليل، ومن هم الذين يستحقون الجحيم. ولهذا فمن المؤكد أنه قد أدان كثيرين من البشر، ممن يعتقدون أنهم صالحون، بعدما فحصهم بدقة، ومنح الأكاليل لمن أُعتبروا أشرارًا، بعدما أظهر أنهم صالحين، مُصدرًا هذا الحكم، برؤيته الصحيحة والنزيهة، ودون أن ينتظر أن يعرف عن طريق أعمالهم من هو الصالح، ومن هو الشرير.

          ولكي لا يكون الكلام مُلتبسًا، لنأتِ إلى كلمات الرسول ذاته        ” وليس ذلك فقط بل رفقة أيضًا وهى حبلى من واحد .. “. وكأنه يشرح قائلاً: كنت أستطيع أن أشير إلى نسل قطورة، لكنني لم أفعل ذلك. بل ولكي أؤكد على ما أقوله، أذكر لكم أولئك الذين ولدوا من أب واحد، وأم واحدة. لأن الاثنين أيضًا (أى عيسو ويعقوب)، وُلدا من رفقة واسحق، الابن الحقيقي والشرعي الذي صارت له مكانة أفضل من الجميع، والذي قال عنه ” باسحق يدعى لك نسل “، والذي صار أبًا لجميعنا. لكن مع أن ذاك كان أبًا لنا، ونسله كان ينبغي أن يصيروا آباء لنا، إلاّ أنهم ليسوا كذلك. أرأيت أن هذا لم يحدث بالنسبة لإبراهيم فقط، بل حدث بالنسبة لابنه أيضًا، وأن الإيمان والفضيلة هما اللذان يُضيئان في كل مكان، ويعلنان ما هى القرابة الحقيقية؟ لأنه من هنا نُعرف (أى من الإيمان والفضيلة)، وليس فقط طريقة القرابة، فعندما يكون الأبناء مستحقين لفضيلة الأب، عندئذٍ يدعون أبنائه. لأنه لو كان الأمر متعلقًا بصلة القرابة فقط، لكان ينبغي أن يتمتع عيسو بتلك الامتيازات التي تمتع بها يعقوب، لأن ذاك أيضًا كان من رحم ميت، وأمه كانت عاقرًا. إلاّ أن (صلة القرابة) لم تكن هى المطلب الوحيد، بل الأمر هنا مرتبط بفضيلة النفس، وهو لم يُشِر لهذا مصادفةً، بل كان ذلك لأجل تعليمنا وتهذيب سلوكنا. وهو لم يقل لأن الواحد كان تقيًا، والآخر كان شريرًا، ولهذا فُضّل الواحد من أجل تقواه، فماذا إذًا؟ هل أولئك الذين يأتون من الأمم هم أكثر تقوى، أم الذين يأتون من اليهود؟ وإن كانت حقيقة الأمر هى هكذا بالفعل، إلاّ أنه لم يُشر إليها بعد، لأن ذلك كان يبدو أمرًا مزعجًا بدرجة أكبر. لكنه نسب كل شئ إلى سابق علم الله، الذي لا يمكن لأحد أن يتجرأ على معارضته، حتى وإن كان هذا الإنسان يتسم بالجنون الشديد. ثم يقول ” وهما لم يولدا بعد “:

” قيل لها إن الكبير يُستعبد للصغير ”.

ويتضح من هذا أنه حتى الأصل النبيل حسب الجسد، لا يُفيد شيئًا، لكن ينبغي أن نسعى نحو فضيلة النفس، التي يعرفها الله حتى قبل الأعمال. ” لأنه وهما لم يولدا بعد ولا فعلا خيرًا ولا شرًا لكي يثبت قصد الله حسب الاختيار ليس من الأعمال بل من الذي يدعو. قيل لها إن الكبير يُستعبد للصغير “. لأن هذا كان دليلاً على أن الله بسابق علمه اختار من بين هذين اللذين هما نتاج نفس آلام الولادة. ولكي يظهر اختيار الله الذي تم بحسب سابق معرفته، فإنه في يوم ولادتهما، أعلن، من هو الصالح ومن هو الشرير. هكذا يقول الرسول بولس، لا تقول لي إذًا إنك تقرأ الناموس والأنبياء، وإنك خدمت سنوات عديدة. لأن الله الذي يعرف أن يختبر النفس، هو وحده الذي يعرف من هو المؤهل للخلاص. إذًا لتتقدم نحو صاحب الاختيار غير المُدرك، لأنه هو وحده الذي يعرف بالتدقيق من الذي سيُكلّله.

إذًا ربما يكون هناك كثيرون ممن اعتقدوا أنهم أفضل من متى الرسول، في حالة التقدير حسب الأعمال؟ بيد أن الله الذي يعرف الأسرار، والذي يستطيع أن يفحص قدرة العقل، أدرك قيمة اللؤلؤة الموجودة في الطين. فبعد أن ترك متى العشارين الآخرين، واهتم بإظهار جمال اللؤلؤة، اختاره الله، الذي بحسب إرادته الصالحة زاد ذلك الرسول من نعمته، فقد برهن متى على أنه اجتاز اختبار الله له بنجاح. فإن كان في الفنون الإنسانية، وفي كل الأمور الأخرى، عندما يتخذ الأشخاص المتميزون قرارًا أو يبدون رأيًا فإن اختيارهم يتم بناءً على وجهة نظرهم التي يقتنعون بها، وليس بحسب الطريقة التي بها يختار البسطاء، فالكثيرون لا يروق لهم ما يختاره البسطاء ويقبلون ما يرفضونه، وهذا كثيرًا ما يفعله أيضًا مدربوا الخيول، والمتخصصون في اختبار الأحجار الكريمة، وغيرهم من مُمارسي الفنون الأخرى، فبالأحرى جدًا الله محب البشر، والذي هو الحكمة التي لا تُحد، وهو وحده الذي يعرف جيدًا كل الأمور، لن يقبل رأي البشر، بل يُقرر لكل شئ حكمًا بحكمته الصحيحة التي لا تُخطئ. ولهذا تحديدًا اختار أيضًا عشارًا ولصًا، وزانية، بينما رفض واحتقر الكهنة، والشيوخ، والأراخنة.

ويستطيع المرء أن يرى أن هذا يحدث مع الشهداء. فالكثيرون من الذين كانوا محتقرين في عصر الاضطهادات، قد نالوا الأكاليل، والعكس قد حدث، فإن بعضًا ممن كانوا يعتبرون عظماء، إنقلب بهم الحال وسقطوا. إذًا يجب ألا تناقش الخالق في أحكامه، ولا أن تقول، لماذا يُكلل الواحد ويُدان الآخر، لأنه هو وحده يعرف هذه الأمور. ولهذا قال:

 

” أحببت يعقوب وأبغضت عيسو ”.

ومن المؤكد أن هذا قد حدث بعدل. فأنت تعرف الأمور عند نهايتها، أما الله فيعرفها جيدًا قبل نهايتها. لأن الله لا يطلب مجرد إتمام للأعمال، بل يطلب الرغبة الصادقة، والإرادة الصالحة. إذ أن مثل هذا الإنسان، إذا اضطرته بعض الظروف أن يخطئ فإنه سرعان ما يرجع، وإذا عاش لبعض الوقت في الخطية فلن يفقد خلاصه، بل سيُقيمه الله كلّي المعرفة سريعًا. كما أن من يفسد بالخطية، سيُفقد حتى ولو ظهر كأنه يصنع شيئًا صالحًا، طالما أنه يصنع هذا بضمير شرير. لأن داود أيضًا على الرغم من أنه إرتكب جريمة قتل، وزنا، إلاّ أنه تنقى سريعًا من كل خطية فهو قد فعل هذا في ظرف سئ، في غفلة أو عدم تبصر، وليس عن ضمير شرير، أما الفريسي، وهو لم يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الخطايا، وقد إفتخر بأمور أخرى صالحة، فإنه فقد كل شئ، بسبب ضميره الشرير.

[1]  رو23:3.

[2]  رو17:5.

[3]  إسماعيل هو ابن لإبراهيم من هاجر.

[4]  إش22:10.

[5]  رو3:10.

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة السابعة عشر:

3 ـ إذًا لنتقدم، ونأتي إلى كلامه مرة أخرى، هذا الكلام: ” فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا “. ماذا تعني عبارة “أنا نفسي”؟ تعني الذي صار معلّمًا للجميع، وحقق إنجازات لا حصر لها، وينتظر أكاليلاً لا تُعد، ومن أحب المسيح، حتى أنه فضّل محبته عن كل شئ، ومَن كان يحترق كل يوم من أجله، والذي كان يعتبر أن كل شئ يأتي في المرتبة الثانية بعد محبته للمسيح. لأنه لم ينعم بمحبة المسيح له فقط، ولكن أراد هو نفسه أن يحب المسيح جدًا، وخاصةً أن هذه المحبة كانت هدفه. ولهذا تحديدًا كان يتطلع نحو ذاك فقط، وقَبِل أن يعاني كل الآلام، بكل رضا وسهولة، لأنه كان يهدف لشئ واحد فقط، أن يُسّر بهذا الحب الممتع. وبالتأكيد هو يتمنى هذا. لكن لأنه لا يريد أن يحدث هذا الأمر، أى أنه لا يريد أن يكون محرومًا، يحاول فيما بعد أن يصّد الإتهامات، ويُشير في حديثه إلى كلمات الهذيان التي يقولها الجميع لكي ينقضها. وقبل أن يعرض دفاعه الواضح ضد هؤلاء، كان قد وضع أساس هذا الدفاع. لأنه حين يقول: ” الذين .. لهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ” فهو لا يقول شيئًا آخرًا، سوى أن الله أراد الخلاص لهؤلاء. وأوضح هذا من خلال كل ما صنعه قبلاً، وبأن المسيح قد جاء منهم، وبكل ما وعد به آباءهم. إلاّ أنهم ردّوا الإحسان، بالجحود.

ولهذا فإنه يذكر ما يعتبر دليلاً على عطية الله فقط، وليس مدحًا لهؤلاء. لأن التبني هو نتيجة لنعمته، وهكذا المجد والعهود والاشتراع. وبعدما أدرك كل هذا تمامًا، وبعدما فكّر كيف أن الآب والابن قد اهتما بخلاص هؤلاء، صرخ بقوة قائلاً: ” إلهًا مباركًا إلى الأبد أمين “، رافعًا هو نفسه الشكر من أجل كل شئ، إلى ابن الله الوحيد الجنس. وكأن الرسول بولس يقول، حتى لو أن الآخرين كانوا يُجدفون، لكن نحن الذين نعرف أسراره، والحكمة التي لا يُعبر عنها، والعناية الوفيرة، ندرك جيدًا، أنه لا يليق به التجديف، بل يستحق كل المجد. ويحاول الرسول بولس بعد ذلك بدون أن يكتفي بما في ضميره، أن يُشير إلى أفكار هؤلاء، ويستخدم كلمات شديدة القسوة ضدهم. لكي يبطل وجهة نظرهم. وحتى لا يظهر إذًا وكأنه يتكلم معهم، كما لو كانوا أعداء، يقول فيما بعد ” أيها الاخوة إن مسرة قلبي وطلبتي إلى الله لأجل إسرائيل هى للخلاص[1]. ولكنه هنا بالإضافة إلى الأمور الأخرى التي قالها، لا يظهر كأنه يتكلم عن تلك الأمور التي يتحدث عنها ضدهم إنطلاقًا من عداوة. ولهذا تحديدًا لم يتوقف عن أن يدعوهم أقارب واخوة.

          لأنه على الرغم من أنه استعرض كل ما قاله عن المسيح، إلاّ أنه جذب تفكيرهم، وبعدما أعدَّ الطريق من خلال كلامه، وحرّر نفسه من كل شك، من جهة تلك الأمور التي كان ينوي أن يواجههم بها، عندئذٍ بدأ الكلام الذي طلبه الكثيرون. تمامًا كما أشرت سابقًا، إن أولئك الذين أعطى لهم الوعد قد فقدوا الحرية، بينما أولئك الذين لم يسمعوا عن الوعد مطلقًا، نالوا الخلاص قبل هؤلاء اليهود. ولكي يُزيل هذا الشك أو هذه الحيرة، أوجد حلاً قبل أن يذكر التناقض. لكي لا يقول أحد: ماذا إذًا، هل أنت تهتم بالأكثر بمجد الله، أم أن الله يهتم بمجده؟ وهل الله يحتاج لمساعدتك، حتى لا تسقط كلمة الله؟ وهو يَصُد هذا الكلام فيقول، إنني قلت هذه: ” ليس هكذا حتى أن كلمة الله سقطت “، لكي أُبيّن محبتي للمسيح. لأنه بالتأكيد لو أن الأمور حدثت هكذا، كما يؤكد الرسول بولس، ما وُجدنا في حالة ضعف، بحيث نضطر أن نُدافع عن الله، ولكي نُثبت أن الوعد ظل ثابتًا. لقد قال الله لابرام ” لك ولنسلك أُعطي هذه الأرض” و ” تتبارك فيك (في نسلك) جميع قبائل الأرض[2]. لنرَ إذًا، كما يقول الرسول بولس، من هم نسله، لأن ليس كل الذين ينحدرون منه، هم نسله. ولهذا قال:

 

” لأن ليس جميع الذين من إسرائيل هم إسرائيليون. ولا لأنهم من نسل إبراهيم هم جميعًا أولاد ” (رو7:9).

إذًا لو أنك عرفت من هم نسل إبراهيم، سترى أن الوعد أعطى لأحفاده، وستعلم أن الكلام لم يكن كذبًا. أخبرني إذًا، من هم نسله؟ لا أتكلم أنا، هكذا يقول الرسول بولس، بل أن العهد القديم نفسه يُفسر نفسه، قائلاً الآتي: ” لأنه باسحق يُدعى لك نسل[3]. وشرح ما معنى “باسحق”.

 

” أى ليس أولاد الجسد هم أولاد الله بل أولاد الموعد يُحسبون نسلاً ” (رو8:9).

لاحظ حكمة الرسول بولس وافتخاره. لأنه لم يقل، وهو يفسر هذا الجزء، أن أولاد الجسد ليسوا أولاد إبراهيم، لكن ليس هم “أولاد الله”، وهكذا يربط أمور الماضي بالحاضر، ويُظهر أنه ولا حتى اسحق فقط، كان ابنًا لإبراهيم. أى أن ما يقوله يعني الآتي: إن كل من وُلدوا على مثال اسحق، هؤلاء هم أولاد الله، ونسل إبراهيم. ولهذا قال     ” باسحق يُدعى لك نسل “، لكي تعرف، أن كل مَن يُولد بالطريقة التي وُلد بها اسحق، يكون على أية حال نسل ابراهيم.

          إذًا كيف وُلد اسحق؟ ليس وفقًا لناموس الطبيعة، ولا بحسب قوة الجسد، ولكن بحسب قوة الوعد. ما معنى “بحسب قوة الوعد”؟

 

” أنا آتي نحو هذا الوقت ويكون لسارة ابن ” (رو9:9).

          هذا هو الوعد، وكلمة الله قد تحققت ووُلد اسحق. ماذا يعني هذا، إن كان هناك رحم وبطن للأم؟ يعني أنه ليس بقوة البطن، لكن بقوة الوعد قد وُلِد اسحق. هكذا نحن أيضًا نُولد بكلام الله، لأن كلام الله هو الذي يُنجبنا ويلدنا في جرن المعمودية بالماء، عندما نُعمَّد باسم الآب والابن والروح القدس. لكن هذا الميلاد لا ينتمي للطبيعة الجسدية، بل لوعد الله. تمامًا كما سبق وأخبر بميلاد اسحق، فقد تمّمه في وقته، هكذا فإن ميلادنا سبق وأعلنه منذ عهود قديمة بواسطة كل الأنبياء، ثم بعد ذلك حققه الله. أرأيت مدى عظمة العمل الذي أظهره، وكيف أنه بعدما وعد بهذا الأمر العظيم، حققه بكل سهولة؟ أما عندما قال اليهود إن ” باسحق يُحسبون نسلك ” فهذا يعني أن كل من يولد من اسحق هو من نسله، وكان ينبغي أن يُدعى كل اليهود أولاده، لأن جدهم آساف كان ابنًا لاسحق. أما الآن، ليس فقط لم يدعوا أولادًا، بل وتغربوا جدًا عن ذاك (أى عن إبراهيم). أرأيت كيف إن أولاد الجسد، ليسوا أولاد الله، بل إن الميلاد الثاني بالمعمودية يُستعلن بقوة الله في هذه الطبيعة الجسدية؟ وإن كنت قد حدثتني عن الرحم، فأنا أستطيع أيضًا أن أتحدث عن ماء المعمودية. لكن كما أن كل شئ هنا يتعلق بالروح القدس، هكذا هناك أيضًا كل شئ يتعلق بالوعد، لأن الرحم (أى رحم سارة) من حيث العقم والشيخوخة، كان أكثر برودة من الماء[4]. إذًا لنعرف بكل تدقيق أصلنا النبيل، ولنظهر سلوكًا يليق بهذا الأصل. لأن هذا الأصل ليس فيه أى شئ جسدي ولا أرضي. ودعونا إذًا نحن أيضًا ألا نتعلق بأى شئ جسدي أو أرضي. لأنه لا النوم، ولا رغبة الجسد، ولا الأحضان، ولا رغبة الشهوة، يمكن أن تصنع شيئًا، بل محبة الله للبشر هى التي تصنع كل شئ. وتمامًا كما حدث في السابق وتقدم العمر جدًا، هكذا الآن بعدما أتت شيخوخة الخطايا، فجأة ظهر اسحق الجديد، وجميعنا صِرنا أولاد الله، ومن نسل إبراهيم.

[1]  رو1:10.

[2]  تك3:12.

[3]  تك12:21.

[4]  أى ليست له قدرة على الانجاب.

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

العظة السابعة عشر:

” أقول الصدق في المسيح. لا أكذب وضميري شاهد لي بالروح القدس ” (رو1:9).

          1 ـ هل كان كلامي غير واضح، حين كلمتكم في اليوم السابق عن أمور عظيمة ليست أرضية بل سمائية تتعلق بمحبة بولس للمسيح؟ وإن كانت الكلمات بحسب طبيعتها أعظم وأسمى من كل الكلمات المعتادة، إلاّ أن ما قيل اليوم يفوق بكثير ما قيل سابقًا، بقدر ما تتميز به تلك الكلمات على كلماتنا. وإن كنت لم أتصور أن هذه الكلمات التي قُرأت أكثر تميزًا، ولكن عندما سمعناها اليوم، ظهرت أكثر بهاء من كل الكلمات السابقة. وهذا بالضبط ما اعترف به الرسول بولس نفسه، فقد أشار إليه منذ البداية. لأنه كان ينوي الحديث عن الأمور الأعظم، حيث إن ما يريد أن يقوله قد لا يكون موضع تصديق من كثيرين. أولاً فهو يؤكد على ما يريد قوله، الأمر الذي اعتاد أن يصنعه الكثيرون، عندما يقولون شيئًا لا يكون موضع تصديق من كثيرين، لكنه كان مقتنعًا به جدًا، خاصةً وأنه يقول:

 

” إن لي حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبي لا ينقطع. فإني كنت أود لو أكون انا نفسي محرومًا من المسيح ” (رو2:9ـ3).

          ماذا تقول يا بولس؟ هل المسيح الذي لم يفصلك عنه شئ، لا ملكوت السموات، ولا جهنم، ولا الأشياء المرئية، ولا غير المرئية، الآن توَّد أن تكون محرومًا منه؟ ماذا جرى؟ هل تغيّرت وألغيت تلك المحبة؟ يُجيبك بالنفي، ويقول لا تخف، بل محبتي له قد أصبحت أكثر قوة. إذًا كيف تود أن تكون محرومًا، وتطلب التغرب والإنفصال عن ذاك الذي لا يمكننا أن نجد مثله؟

يُجيبنا بقوله، لأنني أحبه كثيرًا جدًا. أخبرني كيف وبأي طريقة؟ بالحقيقة، هنا يوجد لغز. لكن من الأفضل، إن أردت معرفة ذلك، علينا أن نعرف أولاً ماذا تعني كلمة محروم، وحينئذٍ لنسأله عن هذه الرغبة، وسنعرف معنى هذه المحبة غير الموصوفة والعجيبة. ما هو معنى الحرمان؟ اسمع ما يقوله ” إن كان أحد لا يُحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيما (محرومًا) “[1]. أى لينفصل عن الجميع، وليكن غريبًا عن الكل.  تمامًا مثلما لا يجرؤ أحد أن يلمس بيديه النذير المخصص لله، ولا أن يقترب منه، هكذا ذاك الذي ينفصل عن الكنيسة، فهو يدعوه بهذا الاسم محرومًا لكي يفصله عن الجميع، ويبعده بعيدًا جدًا، وبالعكس، يحث الجميع بخوف شديد، على الإنفصال والابتعاد عنه. لأن النذير من جهة الإكرام لا يجرؤ أحد أن يلمسه، بينما بالعكس، فإن الجميع ينفصلون عن ذاك الذي قُطع من الكنيسة.

          وبناءً عليه، فالإنفصال هو واحد، ومتشابه، وهذا وذاك قد إنفصل عن الكثيرين، لكن طريقة الإنفصال ليست واحدة، بل هما مختلفان. فهو قد ابتعد عن واحد، لأنه مُخصص لله، وإنفصل عن الآخر لأنه تغرّب عن الله وقُطع من الكنيسة. إذًا، ولكي يعلن بولس هذا، قال:  ” كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح “. ولم يقل كنت أريد، بل مشددًا على هذه الرغبة، يقول “كنت أود”. لكن إن كان ما قيل يُسبب لك إزعاجًا، إذ ربما تكون ضعيفًا، فيجب ألا تفكر في هذا الأمر فقط، أى أنه أراد أن ينفصل عن المسيح، بل فكَّر في السبب الذي من أجله أراد أن ينفصل، عندئذٍ ستفهم محبته الفائقة. فهو قد مارس الختان، وكان علينا أن ننتبه إلى الرغبة والسبب في هذه الممارسة، حينئذٍ سنعجب به أكثر. أيضًا لم يمارس الختان فقط، بل حلق رأسه، وقدم ذبيحة. ومع هذا لم نقل أنه يهودي، بل من أجل هذا تحديدًا وعلى وجه الخصوص نقول إنه تحرَّر من اليهودية، وأنه خادم نقي وحقيقي للمسيح.

          هكذا مثلما تراه وهو يُختتن ويذبح، فلا تحكم عليه لهذا السبب أنه متهود، بل لأجل هذا السبب على وجه الخصوص تكرمه وتكلله، كما لو كان غريبًا عن التهود. هكذا عندما تراه وهو يود أن يكون محرومًا، لا تنزعج من أجل هذا، بل من أجل هذا تحديدًا وبصفة خاصة، يجب أن تعترف به منتصرًا، طالما أنك عرفت السبب، الذي من أجله أراد هذا الأمر. لأنه إن لم نفحص الأسباب، ستقول عن إيليا أنه كان قاتلاً للناس، وعن ابرآم أنه ليس فقط قاتلاً للناس، بل قاتلاً لابنه، بل وفينحاس وبطرس، سنتهمهما بالقتل أيضًا. وليس فقط من جهة القديسين، بل من جهة إله الكل، فإن الذي لا يحفظ هذا المنهج[2]، سيتشكك فيه، بسبب أمور كثيرة هى ليست موضع حديثنا الآن. إذًا لكي لا يحدث هذا في كل الأمور المشابهة انظر إلى السبب، والرغبة، والزمن، وكل ما يُبرر الأمور التي تحدث لنفحص الأمور على هذا النحو. هذا ما ينبغي أن نصنعه نحن الآن تجاه هذه النفس الطوباوية.

          2 ـ إذًا ما هو السبب؟ لنرجع إلى يسوع، موضع حب الرسول بولس. “كنت أود”، يقول: ” لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد “. وهذا دليل على تواضعه، لأنه لا يريد أن يبدو، وكأنه قادر على التحدث عن عظائم، بل هو يعترف بهذه القدرة للمسيح. ولهذا قال “اخوتي أنسبائي”، لكي لا يظهر تميّزه. بل من أجل محبته للمسيح لم يُرِد أى شئ، اسمع، فإنه بعدما قال “اخوتي أنسبائي” أضاف:

 

” الذين لهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد. ولهم الآباء ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين ” (رو4:9ـ5).

          وما معنى هذا؟ لأنه لو أراد أن يصير محرومًا، لكي يؤمن آخرون، كان يجب أن يطلب هذا الإيمان للأمم أيضًا، ولكن إن كان يريد ذلك لليهود فقط، فهو بهذا يُظهر أنه ليس المسيح هو السبب في ذلك، بل إن السبب يعود في المقام الأول لقرابته لليهود. أما إذا كان يود أن يكون محرومًا من المسيح من أجل الأمم، ما كان ليُظهر هذا الأمر نفسه[3]. ولكن نظرًا لأنه تمنى ذلك لليهود فقط، فهو يُبرهن بوضوح كيف أنه يهتم بإظهار مجد المسيح.

          وأنا أعرف أن هذا الكلام يبدو لكم غريبًا، لكن لكي لا تنزعجوا سأحاول سريعًا أن أجعله أكثر وضوحًا. لأنه لم يقل ما قاله، هكذا مصادفة، لكن لأن الجميع تكلموا واشتكوا على الله، أنه على الرغم من أنهم كُرّموا بأن دُعوا أبناء الله، وأخذوا الناموس، وعرفوا الله قبل جميع البشر، وقبلوا المواعيد، وكانوا آباء لأسباطهم والأهم من كل هذا، على الرغم من أنهم كانوا أسلافًا للمسيح، لأن هذا هو معنى “ومنهم المسيح حسب الجسد”، إلاّ أنهم اضطهدوا المؤمنين وأهانوهم، وحل محلهم أُناس لم يعرفوا الله أبدًا، أى أولئك الذين أتوا من الأمم. لقد جدّفوا على الله وعندما سمع بولس هذا حَزِن وتألم من أجل مجد الله، لذلك تمنى أن يكون محرومًا، وإن كان ممكنًا، أن يُخلّص هؤلاء المقاومين، بأن يوقف تجديفهم لكي لا يظهر أن الله خدع أجيالاً كثيرة، قد وعدها بالهبات أو العطايا.

          ولكي تعرف أنه كان يود أن يكون محرومًا من المسيح لأجل إخوته، لأنه عانى من أجل أن يبرهن أن وعد الله الذي أُعطى لابرام: ” لك ولنسلك أعطي هذه الأرض[4]، لم يكن وعدًا كاذبًا،  أضاف:

 

” ولكن ليس هكذا حتى إن كلمة الله قد سقطت ” (رو6:9).

          يُبيّن هنا أنه ظل صابرًا على كل هذا، من أجل كلمة الله، أى من أجل الوعد الذي أُعطى لابرام من أجل اعلان مجد الله. تمامًا كما أن موسى قد ظهر أنه تشفع لأجل اليهود، ولكنه كان قد فعل كل شئ لأجل مجد الله. كما يقول الكتاب: ” لئلا تقول الأرض التي أخرجتنا منها لأجل أن الرب لم يقدر أن يدخلهم الأرض التي كلمهم عنها .. أخرجهم لكي يُميتهم في البرية [5]. هكذا بولس أيضًا، لكي لا يقولوا: لقد ثبت أن وعد الله كاذب، وأنه تكلم بالكذب عن تلك الأمور التي وعد بها، وأن كلام الله لم يتحقق، لذلك أراد أن يكون محرومًا. ولهذا تحديدًا، لم يقل من أجل الأمم، طالما أن الله لم يعد الأمم بأى شئ، ولا قدموا له الخدمة، ولهذا لم يجدفوا عليه، ومن أجل هذا هو تمنى أن يكون محرومًا من أجل اليهود الذين أخذوا الوعد، وأيضًا الذين كان لهم علاقة معه قبل الآخرين.

          إذًا لو أنه تمنى هذا لأجل الأمم، ما كان ليظهر بهذا الوضوح، أنه صنع هذا لأجل مجد المسيح. لكن لأنه أراد أن يكون محرومًا لأجل اليهود، يتضح عندئذٍ بصفة خاصة أنه فقط لأجل المسيح تمنَّى هذا. ولهذا قال: “ولهم التبني والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد“. لأن الناموس الذي تحدث عن المسيح قد أُعلن بواسطة اليهود، كما أن كل العهود تمت مع هذا الشعب، والمسيح نفسه أتى منهم، إضافة إلى أن جميع الآباء الذين نالوا المواعيد هم من اليهود. ولكن حدث العكس وفقدوا كل النعم. وهكذا فإني أود أن أُقطع، وإن كان ممكنًا أن أنفصل عن جماعة المسيح وأتغرب. لكن دون أن أتغرب عن محبة المسيح، فحاشا لي أن أفعل هذا طالما أن ما أفعله، هو بسبب المحبة، بل أنني سأقبل أن أتغرب عن هذا التمتع، وهذا المجد، حتى لا يُجدف على إلهي، وحتى لا يُسمع البعض وهم يقولون إن الأمور انتهت كما تنتهي مشاهد مسرحية عادية. لقد وعد الجميع وأعطى الجميع. آتي من آخرين، وأعطى لآخرين. وعد أجيال اليهود، وهجر أحفادهم، وقاد أولئك الذين لم يعرفوه قط إلى الصلاح والنعم.

          هؤلاء اليهود، تعبوا في دراسة الناموس وقرأوا النبوات، بينما الأمم، الذين عادوا بالأمس من عبادة الأوثان، صاروا أفضل منهم.

          وحتى لا يقولوا إذًا هذه الأمور عن إلهي ـ هكذا يقول الرسول بولس ـ على الرغم من أنهم يتكلمون بالظلم، فإنني مستعد بكل ارتياح أن أفقد الملكوت، بالإضافة إلى هذا المجد الذي لا يُعبر عنه، وأن أتحمل كل الأمور المؤلمة، لأنني أعتبر أن التعزية التي هى أعظم من كل شئ، تكمن في ألا أسمع بعد أى كلام تجديف على ذاك الذي أحبه جدًا. ولكن إذا كنت لم تقتنع بكلامي، فكّر في أن كثيرين من الآباء، قبلوا هذا (أى هذا النوع من المحبة)، مرات كثيرة، من أجل أبنائهم، وفضَّلوا أن ينفصلوا عن هذه الأمور، وبالأكثر أن يرونهم يتقدمون، لأنهم اعتقدوا أن تقدمهم يسبب سعادة أكثر، من مرافقتهم. لكن نظرًا لأننا بعيدين جدًا عن هذه المحبة، فإننا لا نستطيع أن نفهم ولا حتى هذا الذي قيل. فإن البعض لا يستحقون أن يسمعوا ولا حتى اسم بولس، وهم بعيدون جدًا عن غيرته الشديدة، حتى أنهم يعتقدون أنه يقصد بكلامه، الموت الزمني. فهؤلاء أستطيع أن أقول إنهم يجهلون رسالة بولس بشدة، تمامًا بقدر ما يجهل العميان أشعة الشمس، أو من الأفضل أن نقول، بل وأكثر من هذا.

          لأن الرسول بولس، الذي كان يُمات كل النهار، والذي تعرض لأخطار كثيرة، وقال: ” من سيفصلنا عن محبة المسيح. أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع[6]، ولم يكتفِ بهذا، لكنه عبر فوق السماء، وسماء السموات، وفاق ملائكة، ورؤساء ملائكة، وكل السموات، وأدرك وفهم الأمور المستقبلية والأمور الحاضرة، الأمور المنظورة وغير المنظورة، المحزنة والمفرحة، وكل الأمور التي تنتمي إلى الاثنين، الأرضي والسمائي، ولم يترك أى شئ، وعلى الرغم من كل هذا لم يشعر بالشبع، حتى أنه افترض وجود كون آخر كبير. كيف يمكن بعد كل هذا أن يُشير إلى الموت الزمني، كأنه تحدث عن شئ خطير؟ إن الأمر ليس هكذا في الحقيقة، بل أن هذا الموت يحدث حتى للحشرات التي تعيش في الطين. إذًا لو أنه كان يقصد هذا، كيف تمنى أن يكون هو نفسه محرومًا من المسيح؟ فإن مثل هذا الموت (الجسدي) هو الذي سوف يضمه بالحري إلى من يحيون في المسيح، ويجعله يتمتع بهذا المجد.

          لكن بالتأكيد هناك بعض ممن يتجرأوا على الحديث عن أمور أخرى أكثر سخرية من هذه. فيقولون إنه لا يقصد بحرمانه من المسيح، أن يموت، بل هل يشتاق أن يعيش حياة عظيمة وتكون مكرّسة للمسيح. أما الذين يتمنون الموت الجسدي فهم الذين لا قيمة لهم بالمرة والبائسين. لكن كيف يرغب في أن يكون محرومًا من أجل اخوته وأنسبائه؟ إذًا بعدما نترك كلام الخرافات، والهذيان، لأنه لا يستحق أن نفند هذا الكلام ونواجهه، تمامًا كما أنه لا يستحق أن نواجه حديث الأطفال الذين يتلعثمون، لنعد مرة أخرى إلى هذه العبارة (أى أن يكون محرومًا)، مُتمتعين ببحر محبته، وفي كل مكان نسبحه من أجل محبته، وندرك لهيب المحبة الذي لا يُعبر عنه. أو من الأفضل أن نقول إنه مهما قال المرء عن هذه المحبة، فإنه لا يقول شيئًا ذا قيمة. لأن هذه المحبة هى أكثر إتساعًا من كل بحر، وأكثر توهجًا من كل لهب، ولا يوجد كلام يمكن أن يوفها حقها كما ينبغي، أما هو نفسه وحده، الذي اكتسبها تمامًا، فهو وحده الذي يعرفها.

[1]  1كو22:16.

[2]  يقصد بكلمة المنهج: المبدأ الذي تكلم عنه في ضرورة البحث عن السبب قبل الحكم على الأمور.

[3]  أى بقوله: ” الذين لهم التبني والمجد والعهود .. “.

[4]  تك7:12.

[5]  تث28:9.

[6]  رو35:8.

رسالة رومية الأصحاح9 – عظة17 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب  

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

        4 ـ بعد ذلك، ولكي لا يُعتقَد أن هذه الأمور هى دليل على تخلي الله عنا، يضيف إلى ما قاله كلمات النبي الذي يصرخ بهذه الأمور من سنوات طويلة قائلاً: “من أجلك نُمات اليوم كله. قد حسبنا مثل غنم للذبح[1]. أى أننا مستعدون أن نُعاني من أجل الجميع. ولكنه أعطى لنا ـ في الأخطار الكثيرة والكبيرة، وهذه الآلام الجديدة ـ عزاءً كافيًا، من خلال الجهاد، أو من الأفضل أن نقول ليس فقط عزاءً كافيًا، بل وأكثر من ذلك بكثير. لأنه يقول إننا لا نعاني هذه الأمور من أجل البشر، أو من أجل أى شئ آخر، بل لأجل ملك الجميع. وهو لم يُتوج هؤلاء بهذا التاج فقط، بل بتاج آخر متعدد الأشكال وكثير التنوع. لأنه لم يكن ممكنًا أن يحتملوا ميتات كثيرة طالما أنهم بشر، وهذا يُظهر كيف أن المكافأت لم تصبح أقل أو أصغر على الاطلاق. لأنه وإن كان ـ نظرًا لطبيعتنا ـ قد وضع لنا أن تموت مرة واحدة فقط، فإن الله وضع فينا لو أردنا أن نعاني هذا الموت كل يوم.

          وبناءًا على ذلك يتضح أنه حين نُمات، سننال أكاليلاً كثيرة، بقدر الأيام التي سنحياها، أو من الأفضل القول، إنها أكثر بكثير، لأنه من الممكن أن نُمات في يوم واحد مرة، ومرتين، ومرات عديدة. إذًا مَنْ هو مستعد على الدوام لهذا، سيأخذ دومًا الأجر كاملاً. هذا من المؤكد ما قصده النبي بقوله: “اليوم كله”. ولهذا فإن الرسول بولس قد أشار إليه، لكي يؤكد على ذلك بالأكثر. لأنه إن كان الذين عاشوا في العهد القديم قد نالوا كمكافأة عن أتعابهم، الأمور المادية الأخرى التي تزول مع الحياة الحاضرة، إلاّ أنهم قد احتقروا هذه الحياة جدًا، واحتملوا التجارب والأخطار، فأى غفران سنناله نحن الذين نعتبر أمور هذه الحياة تافهة أو زهيدة بالمقارنة بالسماء والملكوت وما في السماء والخيرات المدخرة، ونحن لم نصل إلى مستوى الذين عاشوا في العهد القديم، ولا حتى بالنسبة لهذا المقياس، والتدبير الذي شكّلوا عليه حياتهم. وهو لم يذكر ذلك تاركًا إياه لضمير المستمعين، واكتفى فقط بالشهادة. وأظهر أن أجسادهم أيضًا تصير ذبيحة، وأنه لا ينبغي أن يقلقوا، ولا أن يضطربوا طالما أن الله قد دبَّر الأمور على هذا النحو. لكنه يعظهم بطريقة أخرى. ولكي لا يقول أحد، إنه فقط يُفلسف هذه الأمور دون أن يختبرها، أضاف: ” قد حسبنا مثل غنم للذبح “، مُشيرًا إلى ميتات الرسل اليومية. أرأيت مقدار النُبل والرأفة؟ لأنه كما أن الخراف لا تقاوم عندما تُقاد للذبح، هكذا نحن أيضًا.

          لكن لأن الضعف يعتبر سمة النفس الإنسانية، ورغم كل هذه التجارب المخيفة، انظر كيف أنه مرة أخرى يُشدد المستمع، ويجعله يشعر بالسمو والافتخار، قائلاً:

 

” ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا ” (رو37:8).

          الأمر الأكثر دهشة إذًا، هو أننا لم ننتصر فحسب، بل أننا انتصرنا أيضًا مع وجود مكائد أو دسائس ضدنا. وليس فقط انتصرنا بل “ويعظم انتصارنا” أى بكل سهولة وبدون جهد ومتاعب. وليس بتحمل الصعاب، إذ هو يقوم بإعداد الإرادة، وهكذا في كل مكان نقيم نصبًا تذكاريًا للإنتصار ضد الأعداء. وهذا مبرر جدًا، لأن الله هو ذاك الذي يدعمنا. إذًا لا نتشكك في أن التعذيب الذي يقع علينا يقودنا إلى الانتصار على أولئك الذين يعذبوننا وأنه عندما نُضطهد، فإننا نتغلب على مضطهدينا، وأنه عندما نموت نحوّل الأحياء ونغيّرهم. لأنه في حضور قوة الله ومحبته، لا شئ يمكن أن يعيق تحقيق الأمور العجيبة والمدهشة، ولا يوجد ما يعطل إشراق الانتصار كما سبق وأشرنا. لأننا لا ننتصر فقط، بل ننتصر بطريقة عجيبة، لكي يعلم الذين يفكرون بالشر أن الحرب لم تكن ضد بشر بل كانت ضد تلك القوة التي لا تُهزم.

          لاحظ إذًا أن اليهود كانوا في مواجهة اثنين من المنتصرين، وتحيَّروا وقالوا: ” ماذا نفعل بهذين الرجلين[2]. الأمر الأكثر دهشة هو أنه على الرغم من أنهم كانوا يحتجزونهم، ويعتبرونهم مذنبين، وسجنوهم وضربوهم، تحيَّروا وصاروا مرتبكين، وانهزموا بهذه الأمور ذاتها، والتي توقعوا أنهم سينتصرون بها. فلا الطغاة، ولا جموع من البشر، ولا كتيبة شياطين، ولا الشيطان نفسه استطاع أن يهزم هؤلاء القديسين، بل ومع كل هذه القوة المضادة، فقد هزموا الجميع، رغم كل ما ابتدعوا من وسائل ضدهم. بل صارت كلها ضدهم. ولهذا قال: “يعظم انتصارنا”. لأن قانون هذا الانتصار كان جديدًا في أن ينتصروا بالأمور المضادة، وألا يُهزموا أبدًا، بل كما لو كانوا هم المتحكمون في النهاية، وهكذا يسلكون في هذه الجهادات.

 

5 ـ ” فإني مُتيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا ” (رو38:8ـ39).

          هذا الكلام عظيم، ولكننا لم نعرفه، لأنه ليس لدينا كل هذا الحب الكبير. لكن على الرغم من أنه كلام عظيم ورائع، إلاّ أنه أراد أن يُدلل على أنه لا يوجد شيئًا يُقارَن بالمحبة، أى محبة الله له، وبعدما أشار إلى هذه المحبة، أشار عندئذٍ إلى محبته هو، حتى لا يظهر أنه يقول كلامًا مهمًا عن نفسه. وما يقوله يعني الآتي: ما هى الحاجة لأن أتكلم عن أمور الحياة الحاضرة والمآسي المرتبطة بهذه الحياة؟ لأنه حتى وإن تكلم المرء بعد عن أمور الدهر الآتي، وعن حقائق وقوات، أى حقائق مؤكدة مثل الموت والحياة، وقوات مثل الملائكة ورؤساء الملائكة، وكل الخليقة السمائية، هذه الأمور كلها بالنسبة لي هى صغيرة، مقارنة بمحبة المسيح. وحتى لو وعَدَني أحد بحياة لا تنتهي أو هدَّدني بالموت، لكي يُبعدني عن المسيح، فإنني سأواجه هذا التهديد.

          ولماذا يجب أن أُشير إلى ملوك الأرض، والنبلاء، وإلى فلان وفلان؟ فحتى وإن حدثتني عن الملائكة، وكل القوات السمائية وكل الكائنات، وكل ما يتصل بالدهر الآتي، كل هذا بالنسبة لي هو أمر قليل الأهمية، كل ما يوجد على الأرض، وكل ما هو في السموات، وما تحت الأرض، وما فوق السموات، إذا ما قورن بالمحبة فهو كلا شئ.

ثم بعد ذلك، وكما لو كان هذا لم يكفِ ليُعبّر عن شوقه، بل إن هناك أمور أخرى كثيرة أيضًا، يعتبرها مثالاً، بقوله: ” ولا خليقة أخرى “. وما يقوله هنا يعني: أنه لو وُجدت خليقة أخرى أيًا كان قدرها، سوى كانت مرئية أم غير مرئية، فلا شئ يمكن أن يفصلني عن محبة المسيح هذه. وقد قال هذا، لا لأن الملائكة أو القوات الأخرى، يسعون نحو هذا (أى ينفصلوا عن المسيح)، حاشا، لقد أراد فقط أن يُظهر محبته الكبيرة للمسيح  بشكل لا يمكن وصفه. لأنه لم يُحب المسيح من أجل تلك الأمور التي أظهرها المسيح، بل أنه من أجل محبته للمسيح، أحب كل ما له، والذي كان يخشاه فقط هو أن يفقد محبته له، لأن هذا بالنسبة له كان يُمثل أمرًا أكثر فزعًا من جهنم، لذا فإن مسألة بقائه في هذه المحبة، كان يمثل له أمرًا أكثر شوقًا ورغبة، من شوقه لنوال ملكوت السموات.

          6 ـ إذًا كيف نكون مستحقين لذلك، فإذا كان الرسول بولس لا يشتهي حتى تلك الأمور التي توجد في السموات، أمام محبته للمسيح وشوقه إليه، بينما نحن بدلاً من محبتنا للمسيح نُفضّل تلك التي توجد في القذارة والطين؟ وقد قَبِل ذاك أيضًا من أجل محبته للمسيح، أن يُلقي في جهنم ويخسر الملكوت، وإن كان من المؤكد أن هاتين الاثنتين (الحياة الحاضرة والحياة السماوية) كانتا أمامه، بينما نحن لم نحتقر ولا حتى الحياة الحاضرة، تُرى هل نستحق نحن أن نحذو حذو ذاك الرسول، أى نسلك نفس الطريق طالما أننا بعيدون جدًا عن افتخاره العظيم بمحبة المسيح؟ لأن ذاك لم يعتبر ولا حتى ملكوت السموات أمرًا له قيمة أمام محبة المسيح، بينما نحن نزدرى بالمسيح، على الرغم من أننا نتكلم كثيرًا عنه. وياليتنا نظل نتكلم عنه، فحتى هذا لم يعد يحدث الآن، بل على الرغم من أن الملكوت أمامنا، إلاّ أننا نتركه ونُلاحق الظلال والأحلام كل يوم. ولكن لأن الله مُحب للبشر، ومتراءف جدًا، صنع معنا نفس ما يفعله أب يحب ابنه، وإن كان هذا قد سبّب له ألمًا لأجل الشركة المستمرة معه، وقد فلسف هذه الشركة بشكل مختلف. إذًا لأننا لا نملك تلك المحبة التي ينبغي أن تكون نحوه، قدّم لنا أمورًا أخرى كثيرة، حتى يحفظنا بالقرب منه، ولكننا لم نبق قريبين رغم كل ما فعله الله معنا، لكننا عدنا إلى الأمور الطفولية.

          لكن الرسول بولس لم يفعل ذلك، بل كابن مهذب وحر، ومُحب لأبيه يطلب شركة أبيه فقط، ولا يتكلم كثيرًا عن أى شئ آخر، لأن الإكرام الذي يعطيه للآب، لا يعطيه للأشياء التي له، بل وعندما يتطلع إلى الآب، لا يهتم مطلقًا بهذه الأشياء، لكنه يُفضل أن يكون معه فقط، حتى وإن عُذب وعُوقب، على أن يقضى أوقاتًا مُرفهة بعيدًا عنه. فلنرتعد إذًا لأننا لا نحتقر ولا حتى المال من أجل المسيح، بل نقول إننا لا نحتقر المال، حتى من أجل أنفسنا. لأن القديس بولس كان هو الوحيد الذي كابد بحق كل الآلام من أجل المسيح، لا لأجل الملكوت، ولا لأجل كرامته، بل من أجل محبته للمسيح فقط. لكننا لا يُمكننا أن ننفصل عن الأمور الحياتية، لأجل المسيح، والأشياء المرتبطة به، بل نُسحب منجذبين إلى الطين مثل الحيات، والثعابين، والخنازير، أو مثل كل هذه كلها معًا. إذًا فهل نحن أفضل من تلك الحيوانات من أى جهة، نحن الذين لدينا هذا القدر الكثير والكبير من النماذج المبهرة التي عاشت للمسيح، ولازلنا ننظر بعد إلى أسفل، ولا نحتمل أن نتطلع قليلاً نحو السماء؟ والله الذي سلّم ابنه للموت، ذاك الذي ذُبح لأجلك لا تعطيه حتى الخبز. الله لم يُشفق عليه لأجلك، وأنت تزدري بمن هو ابن حقيقي، على الرغم من أنه يتضور جوعًا، بينما أنت تنفق على ذاتك من عطاياه.

          هل يمكن أن يوجد أسوأ من هذه المخالفة؟ فقد سُلّم للموت لأجلك، ذُبح لأجلك، وجال جائعًا من أجلك، وأعطى لك مما له، لكي تنتفع أنت ذاتك، ومع كل هذا فأنت لا تعطى. مَنْ هم هؤلاء الذين فقدوا الحس كأنهم أحجار، الذين على الرغم من الإحسانات الكثيرة التي تجذبهم إلى محبة المسيح، إلاّ أنهم لا يزالون في هذه الجفوة أو القسوة الشيطانية؟ لأنه لم يكتفِ بموته وصلبه فقط، بل أنه قَبِل أن يصير فقيرًا، وغريبًا، ومشردًا، وعريانًا، ومسجونًا، ويحتمل الآلام لكي يجذبك إليه، حتى ولو بهذه الطريقة. لأنه إن لم تبادلني العرفان بالجميل، لأني عانيت شيئًا من أجلك، أعطني رحمة بسبب فقري (أى رحمة لمن هم في احتياج). وإن لم ترد أن ترحمنى لأجل احتياجي أو فقري، فلتتحرك مشاعرك لأجل آلامي، ترفق بي لأجل سجني. وإن لم يجعلك كل هذا مُحبًا للناس، اقبل المطلب الزهيد. لأنني لا أطلب شيئًا كثير النفقات، إني أطلب خبزًا، ومسكنًا، وكلمة مُعزية. لكن إن كنت بعد كل هذا لا تزال قاسيًا، فعلى الأقل لأجل ملكوت السموات يجب أن تكون أفضل، ولو لأجل المجازاة التي وُعدتَ بها. فهل لديك كلمة تقولها عن هذه هذه الأمور؟ ليتك تترفق على الأقل أمام الطبيعة البشرية ذاتها، لأنك تراني عريانًا، وتذكّر ذلك العري الذي حدث فوق الصليب من أجلك. وإن كنت لا تريد أن تتذكر ذلك، فعلى الأقل تذكّر عريَّ في الفقراء. سُجنت لأجلك من قبل، والآن أُسجن لأجلك حتى تتحرك، سواء هنا أو هناك لكي تصنع رحمة ما.

          صُمتْ لأجلك، وأيضًا أجوع لأجلك. عطشت عندما عُلقت على الصليب، وأعطش في الفقراء، حتى أنه بواسطة هذه وتلك، أجذبك إليّ، وأجعلك محبًا للناس من أجل خلاصك. ولهذا فعلى الرغم من أنك مدين لي لأجل إحسانات لا تُحصى (قدمتها لك)، إلاّ أنني لا أطلب منك مكافأة كمَن هو مديون لي، بل أنني أتوّجك كما لو كنت تمنحني، وأهبك الملكوت عوضًا عن هذه الأمور الصغيرة. لأني أقول لك لا تمنحني غنىً، على الرغم من أنني صرت فقيرًا لأجلك، بل سدَّد فقط احتياجي. إنني أطلب فقط خبزًا، وملبسًا، وتخفيفًا للجوع. وإن كنت بعد قد أُلقيت في السجن، فإني لا أطلب أن تحل القيود وتخرجني خارجًا، بل أطلب شيئًا واحد، أن تراني وأنا مقيد لأجلك، وحينئذٍ من أجل هذا فقط، أمنحك السماء. على الرغم من أنني قد حللتك من قيود مرعبة جدًا بل هى مرعبة أكثر من غيرها، إلاّ أنه يكفيني فقط أن تراني مُقيدًا، إن أردت. إني أستطيع أن أتوجك دون أن تراني هكذا، لكني أُريد أن أكون مديونًا لك. ومن أجل هذا، وعلى الرغم من أنه يمكنني أن أُطعم نفسي، فإنني أجول متسولاً وأقف أمام بابك مادًا يدي. لأني أشتهي أن تطعمني، لأنني أحبك جدًا. ولهذا فإنني أشتهي مائدتك، وهذا هو حال الذين يُحبون، وهم يفتخرون بهذا. وحين يجتمع سكان المسكونة (يوم الدينونة)، عندئذٍ سأعترف بك كمنتصر، وعندما يكون الجميع منصتين إليّ، سأعترف بك إذ أطعمتني.

          أما نحن، فعندما يُطعمنا أحد، نخجل من هذا ونُخفيه، ولكن المسيح له المجد، لأنه يُحبنا جدًا، فحتى لو صمتنا نحن، فإنه سيعلن في ذلك الوقت ما حدث بإطراء كبير ولا يخجل أن يتكلم به، وذلك عندما كان عريانًا وكسوناه، وعندما كان جوعانًا وأطعمناه. إذًا ونحن نفكر في كل هذا، ينبغي ألا نتوقف فقط عن المديح، بل يجب أن نمارس تلك الأمور التي قيلت. لأنه ما هى المنفعة من وراء هذا الطنين وهذا الإزعاج؟ شئ واحد فقط أريده منكم، هو إثبات المحبة بالأعمال، والطاعة بالأفعال. هذا هو المديح الذي أقدمه، فإن ذلك يعد ربحًا لكم، ويعتبر بالنسبة لي كرامة تعلو على كرامة الإكليل. إذًا انسجوا لكم ولي هذا الاكليل بواسطة الفقراء، حتى نتغذى معًا بالرجاء الصالح، وعندما نرحل إلى الحياة الأبدية، سننال الخيرات التي لا تُحصى، والتي ننتظر أن ننالها جميعًا، بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة إلى أبد الأبدين آمين.

                 

[1]  مز22:44.

[2]  أع16:4.

رسالة رومية الأصحاح8 – عظة16 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب  

Exit mobile version