رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب   

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة العاشرة:  

     4 ـ إذًا فلنتبع نحن أيضًا القوات السمائية ولنهتم ليس فقط بأن نقف بالقرب من العرش، بل لأن نحمل داخلنا ذاك الذي يجلس فوق العرش، لأنه أحب حتى الذين أبغضوه ومازال يُحبهم إذ أنه: ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار الظالمين[1]. إلاّ أنه ينبغى عليك أنت أن تحبه، على الأقل طالما أنه أحبك. لكن كيف يستطيع ذاك الذي يحب أن يُهدد بجهنم والجحيم والعقاب؟ يهدد بهذا من أجل المحبة ذاتها. لأنه يريد أن يجتث خطيتك بالترهيب الذي يستخدمه كلجام يضبط به اندفاعك نحو الأمور الأكثر سوءًا، وهو يصنع كل شئ لكى يضبط سلوكك ويوجهك نحو الطريق المستقيم، سواء عن طريق الوعد بالخيرات أو بالتحذير من الانحدار إلى الأمور المحزنة، فيعود بك إلى الطريق المؤدى إليه مُبعدًا إياك عن كل الشرور التي هى أكثر فزعًا من الجحيم ذاته.

          لكن لو أنك تسخر مما أقوله وتريد أن تحيا في الخطية على الدوام اعتمادًا على مجرد إدانتك لنفسك يومًا واحدًا، فهذا لا يُعد أمرًا غريبًا على الإطلاق. هذا هو بالحقيقة دليل على إرادة تفتقر للكمال وعلى غياب الوعى وعلى مرض غير قابل للشفاء. لأن الأطفال الصغار عندما يرون الطبيب وهو يكوى جرحًا[2]، أو يقوم بإجراء عملية، فإنهم يهربون مبتعدين عن المكان وهم يصرخون صرخات قوية مُفضلين بالأكثر أن يعانوا باستمرار من تلك الآلام التي ألمت بجسدهم على تدخل الطبيب حتى وإن أدى تدخله إلى الشفاء والتمتع بصحة جيدة، طالما أنهم قادرون على احتمال الألم مؤقتًا. لكن أولئك الذين لديهم إدراك يعرفون جيدًا أن المرض هو أكثر رعبًا من الجراحة، تمامًا كما أن الخطية هى أكثر سوءًا من العقوبة. إذًا فأحد الأمرين يعنى الشفاء والصحة، بينما الآخر يعنى البلية والمرض المستمر.

          أما من حيث إن الصحة هى أفضل من المرض، فهذا أمر واضح للجميع. كما أنه يحق لنا أن نُرثي اللصوص، لا عندما يمزقون جيوبهم، بل عندما ينقبون الحوائط ويقتلون. فإن كانت النفس هى أفضل من الجسد وهى هكذا بالفعل، فإذا ما فسدت يكون أمرًا مبررًا أن نتنهد ونحزن عليها، لكن لو أنها لم تشعر بأنها فسدت، فإنه لهذا السبب بالتحديد يجب أن نحزن عليها بالأكثر. لأنه ينبغى حقًا أن نحزن بالأكثر على أولئك الذين يرغبون في ممارسة الفجور والفسق وأولئك الذين يسكرون. وقد يتساءل المرء لماذا نفضل هذه الأمور (الفسق والفجور)، إذا كانت هى الأكثر فزعًا؟ لأنه وفقًا للنموذج الشائع فإن بعض الناس يُعجبون بالأمور المشينة ويفضلونها ويحتقرون الأمور الصالحة ويُرذلونها. هذا الأمر من الممكن أن نراه في كل شئ، في المأكولات وفي المدن وفي محاكاة أساليب حياة معينة وفي الاستمتاع بالشهوة وعند النساء وفي البيوت وعند المقيدين وفي الحقول وفي كل الأمور الأخرى.

أخبرنى، أيهما أكثر سعادة، هل هى العلاقة الجنسية مع نساء أم مع رجال؟ وأيهما أفضل أن تكون العلاقة مع نساء أم مع حيوانات؟ لكننا نجد أن الكثيرين يحتقرون النساء ويأتون في علاقات جسدية مع حيوانات ومع رجال مثلهم، مع أنه من المؤكد أن العلاقات الطبيعية هى أكثر سعادة من العلاقات الشاذة. لكن يوجد كثيرون يسعون نحو هذه الأمور المدانة والمنفّرة والمثيرة للسخرية كما لو كانت تجلب سعادة أكثر وهم بذلك يجلبون على أنفسهم العقاب. فهذه الأمور الفاضحة تبدو لهؤلاء على أنها مُفرحة، من أجل هذا تحديدًا هم تعساء، لأنهم يعتقدون أن الأمور التي ليست بالمفرحة، هى مُفرحة. هكذا يعتبرون أن الدينونة هى أشر من الخطية. والأمر ليس كذلك بل هو على العكس تمامًا، إذ أن الخطية هى أكثر فزعًا من أى عقوبة. لأنه إن كان العقاب شرًا لأولئك الذين يخطئون، فلن يضيف الله شرًا على شرورهم (بواسطة عقابه) ولن يجعلهم أكثر شرًا. لأن ذاك الذي فعل كل شئ لكى يمحو الشر، لا يمكن أن يكون سببًا في زيادته. وبناء عليه فإن العقوبة ليست شرًا لذاك الذي يخطئ، بيد أن الشر هو ألاّ يُعاقب الخاطئ في الحالة التي يوجد فيها، لأن هذا يشبه تلك الحالة التي فيها نوصى بألاّ يُشفى المريض من مرضه.

          إذًا لا يوجد أشر من الشهوة الفاسدة. وعندما أقول الفاسدة أقصد شهوة اللذة وشهوة المجد الباطل وشهوة السلطة وبشكل عام شهوة كل الأمور غير الهامة وغير الضرورية. لأن مثل هذا الإنسان الذي يحيا في اللذة أو حب الشهوة وفي حياة الرخاوة يعتقد أنه أكثر سعادة من الجميع، إلاّ أنه في الحقيقة هو أكثر تعاسة من الجميع وقد جعل نفسه مُثقّلة بآلام مخيفة. ولهذا فإن الله جعل هذه الحياة الحاضرة صعبة لكى يُخلّصنا من تلك العبودية (عبودية الشهوة) ويقودنا إلى الحرية الكاملة. ولذلك فقد هدّد بالعقاب وربط حياتنا بالأتعاب لكى يقضى على خمولنا وتوانينا. هكذا فإن اليهود عندما كانوا مُخصصين لصناعة الأوانى الفخارية والأرميد وقد كانوا أبرارًا كانوا يُصلّون إلى الله بشكل مستمر، ولكن عندما نالوا الحرية تذمروا وأغضبوا الله وأصابوا أنفسهم بشرور كثيرة.

إذًا بماذا تصف هؤلاء الذين يُغيرون آرائهم مرات كثيرة بسبب الضيقات؟ نقول إن التغيير ليس بسبب الآلام، لكن بسبب ضعف أو مرض فيهم. لأنه إن كان هناك مرضًا ما أصاب معدة شخص ورفض أن يتناول دواءًا مر المذاق كان من الممكن أن يشفيه، فتدهورت حالته، فإننا لن نتهم الدواء بل المرض الذي أصاب العضو المريض، وهذا ينطبق أيضًا على إلقاء اللوم على سذاجة الفكر. فإن مَن يغيّر رأيه بسهولة بسبب الضيقات، سيعانى الضيقات بصورة أكثر سهولة حتى في حالة الراحة والرخاء، إذ أنه يسقط مُقيدًا أى بالخطية (هذا هو الضيق)، وبالأكثر جدًا سيسقط صريعًا لو أنه وهو في حالة الضيق قد غير رأيه، لأنه سيُغير رؤيته بالأكثر عندما يكون في حالة رخاوة وكسل. وقد يقول المرء كيف يمكننى أن أثبت على رأيي عندما أكون في حالة ضيق؟ يمكنك أن تكون ثابت الرأى لو أدركت أنك ستعانى الضيق أو الآلام سواء أردت أم لم تُرد، فلو أنك تجوز الآلام بشكر ستربح الكثير، ولكن لو كنت تعانى هذه الآلام بيأس وانزعاج وتجديف، فلن تجعل الضيقة أو النكبة أقل، بل ستغرق أكثر في الضيقات والمتاعب.

          فلنفكر إذًا في كل هذه الأمور ونجعل الذي يأتى نتيجة اضطرار يأتى نتيجة إختيار. وما أقصده هو الآتي: قد يفقد شخص ما ابنه وآخر يخسر كل ثروته فنقول لمثل هؤلاء: إن كنت تدرك استحالة تصحيح ما حدث إلاّ أنك من الممكن أن تربح شيئًا من وراء هذه النكبة التي لا شفاء منها، بأن تحتمل هذه الكارثة بشجاعة وبدلاً من كلام التجديف، تُعطى المجد لله عندئذٍ فإن الضيقات التي ألمت بك ستصير سبب عزاء عندما تقبلها بالشكر. أرأيت أن ابنك مات وهو صغير السن؟ لتقل: ” الرب أعطى الرب أخذ[3]. ورأيت كيف فُقدت ثروتك؟ لتقل ” عريانًا خرجت من بطن أمى وعريانًا أعود إلى هناك[4]. إن رأيت كيف أن الأشرار ينعمون بينما الأبرار يتألمون ويعانون ضيقات لا حصر لها ولا تعرف كيف تجد سببًا لكل ما يحدث؟ لتقل ” صرت كبهيم عندك ولكن دائمًا معك[5].

          ولكن إذا كنت تبحث عن السبب، فكّر في أن الله قد عيّن يومًا فيه يدين كل المسكونة وسينزع كل شك، لأنه في ذلك الوقت سينال كل أحد ما يستحقه (عن أعماله التي عملها) تمامًا مثل لعازر والغنى. تذكّر الرسل لأنهم بينما جُلدوا وطُردوا وجازوا ضيقات وآلام لا حصر لها، إلاّ أنهم كانوا فرحين لأنهم حُسبوا مستحقين أن يهانوا من أجل اسم المسيح. وأنت أيضًا لو أنك مرضت فليكن قبولك للألم برضى وشجاعة، ولتشكر الله على كل حال وهكذا ستأخذ نفس المكافأة مع أولئك الذين تألموا من أجل اسمه. لكن كيف يحدث بينما أنت مريض وتعانى، يمكنك أن تشكر الله؟ يمكنك أن تفعل ذلك لو أنك تحبه بالحقيقة. إن الثلاثة فتية أُلقوا في أتون النار وآخرون عانوا آلامًا كثيرة داخل السجون ومع هذا لم يتوقفوا عن شكرهم لله، فبالأولى كثيرًا أولئك الذين يعانون من أمراض شديدة ينبغى أن يشكروا الله.

          لأن رغبة الإنسان القوية تستطيع أن تنتصر على كل شئ. فالشوق الإلهى عندما يلتهب فى داخلنا فإنه يتفوق على كل شئ، ولن يعوق هذه الرغبة أى شئ، لا نار ولا قيود ولا فقر ولا مرض ولا موت. وطالما أن الإنسان يحتقر كل شئ فسيرتفع إلى السماء ولن يكون أقل من الساكنين هناك ولن ينظر لأى شئ آخر، لا سماء ولا أرض ولا بحر لأن نظره يكون معُلّقًا بأمر واحد فقط الذي هو جمال المجد السمائى. إن الأمور المحزنة أيضًا لا يمكنها أن تُثبّط من عزيمة الإنسان وهو يسلك في هذه الحياة الحاضرة، ولا الأمور المادية ستجعله يتباهى ويفتخر. إذًا فليكن لدينا شوق لهذا العشق الإلهى (لأن لا شئ يساويه) من خيرات هذه الحياة أو الخيرات المستقبلية، من الأفضل أن نقول قبل كل هذا إنه لا يوجد شئ يعادل طبيعة هذا العشق الإلهى. لأننا (بهذا العشق الإلهي) سننجو من عقوبات الحياة الحاضرة وعقوبات الدهر الآتى وسنتمتع بملكوت الله. وقبل ذلك نقول إن لا الخلاص من جهنم ولا التمتع بالملكوت يعتبر أمرًا ذى قيمة كبيرة إذا ما قورن بذاك الذي سنراه في الدهر الآتى. لأن الأعظم من كل هذا هو محبة المرء للمسيح وتمتعه بمحبة المسيح. لو ساد هذا على حياة البشر فهو أسمى من كل اعتبار. وعندما يتحقق هذا فأى حديث وأى فكر يمكن أن يُعبّر عن طوباوية هذه النفس؟ لا يوجد شئ آخر، سوى اختبار تذوق هذه السعادة.

          ومادمنا قد هجرنا كل شئ لا يُرضى صلاح الله سنصل إلى إدراك مذاقه هذا الفرح الروحى والحياة الطوباوية وكنز الخيرات التي لا تُحصى، إذًا فلنكرس أنفسنا للسلوك بمحبة من أجل سعادتنا وإعلان مجد الله الذي نشتهيه، لأنه يليق به المجد والقوة مع ابنه وحيد الجنس والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] مت45:5.

[2] كان هذا من الإجراءات الطبية المألوفة في ذلك الوقت (القرن الرابع).

[3] أي21:1.

[4] أي21:1.

[5] مز22:73.

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب   

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

” فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو1:5).

          1 ـ ماذا تعنى عبارة ” لنا سلام”؟ يقول البعض إن ” لنا سلام” تتعلق بالالتزام بأعمال الناموس، إلاّ أنه يبدو لى وكما هو واضح من الكلام، أنه يتحدث عن كيفية السلوك. لأنه قد تكلم كثيرًا عن الإيمان والبر بالأعمال، لذلك نجده هنا يبدأ بالكلام عن السلام. ولكى لا يظن أحد أن هذا الكلام ليس له أهمية، يقول: ” لنا سلام” وهذا يعنى أنه لا ينبغى أن نُخطئ بعد، ولا أن نعود للأمور السابقة، لأننا إن فعلنا هذا نكون مقاومين لمشيئة الله. وكيف نستطيع ألاّ نخطئ أبدًا؟ أُجيب، ألم نحصل على السلام من قبل؟!! لأنه وإن كُنا مسئولين عن هذا القدر الكبير من الخطايا، إلاّ أننا قد تخلّصنا منها كلها بالمسيح، ولهذا بالأولى جدًا الآن سيمكننا بالمسيح أن نبقى في ذلك الوضع (أى حالة البر) التي كانت لنا في الماضى.

          لأن اكتساب السلام الذي لم يكن موجودًا والاحتفاظ بالسلام الذي أُعطى لنا لا يعتبرا شيئًا واحدًا، لأنه من المؤكد أن اكتسابه هو أكثر صعوبة من الاحتفاظ به. بيد أن ما هو أكثر صعوبة، صار سهلاً وقد تحقق. وبناء على ذلك فإن الأكثر سهولة، سيكون سهلاً أكثر فأكثر بالنسبة لنا لو أننا تبعنا ذاك الذي حقق لنا البر والسلام. لكن يبدو لى هنا أنه لا يقصد فقط الأمر الأسهل، بل أيضًا الأمر المنطقى أو الصحيح. لأنه إن كان المسيح قد صالحنا ونحن بعد أعداء، فمن المنطقى أن نحافظ الآن على استمرارية هذا الصلح، وأيضًا أن ننسب الفضل فيما تم للمسيح، حتى لا يبدو أن أولئك الذين صالحهم مع الآب لازالوا قساة وجاحدين. 

 

” قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون” (رو2:5).

إذًا إن كنا ونحن بعيدين قد جعلنا قريبين، فبالأكثر جدًا سيُثّبتنا فيه، إن بقينا بالقرب منه.

          2 ـ لكن لاحظ ـ من فضلك ـ كيف أن الرسول بولس يُشير في كل موضع إلى الأمرين، إلى الأمور الخاصة بالله وتلك الأمور الخاصة بنا. بيد أنه من المؤكد أن الأمور الخاصة بالله هى متنوعة وكثيرة، لأنه مات لأجلنا وصالحنا، وجعلنا قريبين منه ووهبنا نعمة لا يُعبر عنها، هذا ما قدّمه هو لنا أما ما قدمناه نحن هو الإيمان فقط. ولهذا قال ” بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون“. أخبرنى، عن أى نعمة يتحدث؟ إنه يتحدث عن نعمة أن نكون مستحقين لمعرفة الله وأن نُنقذ من الخداع وأن نعرف الحقيقة جيدًا وأن نحصل على كل الخيرات بواسطة المعمودية. لقد قادنا نحو البر لكى نحصل على كل هذه العطايا. ومن المؤكد بالطبع أن كل هذا لم يصر لمجرد الغفران والتخلص من الخطايا فقط، بل لكى نتمتع بامتيازات لا تُحصى. ولم يتوقف عند الوعد بهذه الخيرات، لكنه وعد بخيرات أخرى غير مُعلنة وهى التي تفوق كل فكر وكل لغة والتي لا يُعبر عنها. ولهذا عينه أشار إلى الاثنين. لأنه عندما يتحدث عن “النعمة” فهو يقصد الخيرات الحاضرة التي حصلنا عليها، ولكن عندما يقول: ” ونفتخر على رجاء مجد الله” فإنه يكشف عن غنى خيرات الدهر الآتى. وحسنًا قال ” التي نحن فيها مقيمون“. لأن هكذا تكون نعمة الله، لا نهاية لها، ولا تعرف التوقف عند حد معين، لكنها تقود دومًا نحو الأمور الأسمى، الأمر الذي هو خارج قدرات البشر. بمعنى أنه يمكن أن يكتسب شخص ما مبادئ معينة ومجدًا وسلطة، إلاّ أنه لا يستطيع أن يُقيم فيها على الدوام، لأنه سيفقدها سريعًا، حتى لو لم ينزعها منه إنسان، لأن الموت عندما يأتى سينزعها منه على كل حال، بيد أن الخيرات الإلهية لا تخضع لمثل هذه التحولات. لأنه لا الإنسان ولا الزمن ولا الظروف العارضة ولا الشيطان نفسه ولا الموت عندما يأتى سيستطيع أن يُبعدنا عن هذه الخيرات، بل عندما ننتقل من هذا العالم سنملك المزيد من هذه الخيرات وسنتمتع بها أكثر.

          وبناء على ذلك ينبغي ألاّ ينتابك أى شك من جهة خيرات الدهر الآتي لأنها استعلنت بالفعل في الخيرات التي نلناها في هذه الحياة الحاضرة. لهذا قال: ” ونفتخر على رجاء مجد الله“. هذا لكي تعرف ماهية الحالة الروحية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن. لأننا تأكدنا ليس فقط من جهة الخيرات التي أُعطيت لنا بل أيضًا من جهة الخيرات التي ستُعطى لنا في الدهر الآتى كما لو كانت قد أُعطيت بالفعل، لأن الإنسان يفتخر بتلك التي أُعطيت بالفعل. إذًا طالما أن الرجاء في خيرات الدهر الآتى هو أمر مؤكد وواضح، تمامًا مثلما تحقق الرجاء في الخيرات التي أُعطيت لنا في الحياة الحاضرة، فلذلك يجب أن نفتخر بهذا الرجاء (أى المتعلق بخيرات الدهر الآتى) بطريقة مشابهة، ولهذا فإنه أطلق كلمة مجد على هذه الخيرات. لأنه إن كانت هذه الخيرات تُساهم في اعلان مجد الله، فإنه من المؤكد أنها ستتحقق، وإن لم يكن لأجلنا فقط بل لحساب مجد الله أيضًا. ماذا أقول، هل أن خيرات الدهر الآتى هى فقط التي تستحق الافتخار؟ بالطبع لا، بل أن الضيقات الحاضرة قادرة أيضًا على أن تجعلنا نفتخر بها ونزهو بسببها. ولهذا فقد أضاف: ” وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا في الضيقات“. تأمل إذًا كم ستكون خيرات الدهر الآتى عظيمة ومهمة، وذلك عندما نفتخر بتلك الأمور التي تبدو أنها محزنة لأن عطية الله هى عظيمة ولا يوجد فيها أى شئ مُحزن. لأن الجهاد فيما يختص بأمور هذا العالم الحاضر، يحمل مشقة وألم وتعب، لكن فيما يختص بالأمور الروحية، لا يحدث نفس الشئ بل إن الجهاد بالنسبة لنا، ليس أقل بهجة من المكافآت. فالتجارب آنذاك كانت كثيرة، ومع هذا فقد تجلى الملكوت بالرجاء الذي فينا، وكان يُنظر للخيرات على رجاء تحقيقها في الدهر الآتي، مع أن الضيقات أيضًا كانت حقيقة واقعة، وهذا ما جعل الضعفاء يتشددون. هكذا يُقدم الرسول بولس فعليًا المكافآت قبل التتويج، بقوله: ” إنه ينبغي أن نفتخر في الضيقات “. ومن الملاحظ أنه لم يقل إنه يجب أن تفتخروا، لكنه قال “نفتخر”، مقدمًا النصح لشخصه أيضًا. ثم بعد ذلك لأن الكلام يبدو أنه غير مُعتاد وغريب على الآذان ـ إذ أنه يجب أن يفتخر كل مَن يُصارع الجوع والمقيد والذي يُعذب وأيضًا مَن يُحتقر ويُستهزئ به ـ ولذلك فهو يقدم شرحًا لهذا المفهوم فيما بعد. والأمر المهم هنا هو أن ما يستحق الافتخار ليس هو فقط خيرات الدهر الآتى التي تنتظرنا، بل وخيرات الحياة الحاضرة أيضًا. فالضيقات نفسها هى أمرًا صالح. ولماذا تعتبر أمر صالح؟ لأنها تُنشئ صبرًا. ولهذا تحديدًا، فبعدما قال ” نفتخر في الضيقات”، أضاف السبب (الذي من أجله، نفتخر في الضيقات)، قائلاً:

 

” عالمين أن الضيق يُنشئ صبرًا ” (رو3:5).

          انظر إلى إصرار الرسول بولس، فإنه يحول كلمته مرة أخرى في الاتجاه الآخر. لأن الضيقات جعلت هؤلاء يتعبون، فعلى الرغم من أنهم كانوا يترجون خيرات الدهر الآتى إلاّ أنها قادتهم لليأس، فيقول لهم إنه يجب من جهة هذه الضيقات أن نتحلى بالشجاعة ولا نيأس لأن خيرات الدهر الآتى هى أمر مؤكد:

 

” لأن الضيق يُنشئ صبرًا والصبر تزكية والتزكية رجاء والرجاء لا يخزى” (رو4:5ـ5).

          فالضيقات إذًا لا تستطيع أن تمحى هذا الرجاء بل على العكس فإنها تُزيده. لأنه من المؤكد أن الضيق له ثمر عظيم حتى قبل الحصول على خيرات الدهر الآتى، هذا الثمر هو الصبر الذي يجعل مَن يتذوقه إنسانًا كاملاً، بل ويُساهم أيضًا في التطلع نحو خيرات الدهر الآتى، طالما أنه يجعل الرجاء يزدهر داخلنا. لأنه لا يوجد شيئًا يجعلنا نترجى خيرات الدهر الآتى أكثر من الضمير الصالح.

          3 ـ ولا يوجد أحد ممن عاشوا في حياة مستقيمة يمكن أن يشك في خيرات الدهر الآتى، تمامًا كما أن هؤلاء الذين أهملوا وتهاونوا كثيرًا في حياتهم إذ قد صاروا مأسورين من جهة ضميرهم الشرير، فإنهم لا يريدون أن تكون هناك دينونة ولا مجازاة. إذًا ماذا يحدث؟ هل ما ننتظره من خيرات يتحقق بالرجاء؟ من المؤكد أنه يتحقق بالرجاء، لكن ليس في الرجاء الإنسانى، لأنه رجاء كاذب. وكثيرًا ما تخيب آمال مَن وضع رجائه في إنسان، فقد يحدث أن يفارق الحياة ذاك الذي كان يُنتظر منه تحقيق هذا الرجاء، أو قد يغير رأيه وهو لا يزال على قيد الحياة. إلاّ أن الخيرات التي تنتظرنا ليست هكذا، إذ الرجاء فيها مؤكد وثابت. لأن ذاك الذي وعد هو حى على الدوام، أما من جهتنا نحن الذين سنتمتع بهذه الخيرات، حتى وإن متنا، إلاّ أننا سنقوم مرة أخرى. وبشكل عام لا يوجد شئ يمكن أن يُخزينا، كما لو أننا قد تباهينا بلا داعٍ في أمور لا طائل منها.

إذًا بعدما أزال الرسول بولس كل شك فيما يتعلق بالخيرات الإلهية كما أوضح في كلامه السابق، فإنه لم يكتفِ بالحديث عن خيرات الحياة الحاضرة بل أخذ يتكلّم مرة أخرى عن خيرات الدهر الآتى، لأنه يعرف أن الضعفاء في الإيمان يطلبون أمور الحياة الحاضرة، لكنهم لا يكتفوا بها. ولذلك يؤكد على تحقيق خيرات الدهر الآتى من خلال الخيرات التي أُعطيت في هذه الحياة بالفعل. ولكى لا يقول أحد، ماذا لو أن الله لم يُرد أن يمنحنا هذه الخيرات؟ لأنه من حيث إنه يستطيع وإنه باقٍ، وأنه حى (إلى الأبد)، فهذا نعرفه جميعًا، لكن ما الذي يجعلنا مُتيقنين من أنه يريد (أن يهبنا هذه الخيرات)؟ نستطيع أن نتيقن من هذا من خلال الخيرات التي أُستعلنت لنا بالفعل وأين أُستعلنت؟ أُستعلنت في المحبة التي أظهرها لنا. وهل ما يقوله يفعله؟ بالطبع لأن هذا ظاهر من خلال وعده بعطية الروح القدس. ولهذا فبعد أن قال: ” والرجاء لا يُخزى” أضاف الدليل على هذا بقوله: ” لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا“. ولم يقل أُعطيت، لكن ” انسكبت في قلوبنا“، لكى يُظهر فيض هذه المحبة. لأن تلك العطية العظمى التي وهبها ليست هى السماء والأرض والبحر، بل هى أكثر غنى من كل هذه الأمور، إذ جعل من البشر ملائكة وأولادًا لله وإخوة للمسيح. وما هى هذه العطية؟ هى عطية الروح القدس. لأنه إن كان لا يشاء أن يهبنا تيجانًا مُنيرة بعد كل الأتعاب، لما كان قد أعطانا خيرات وفيرة قبل هذه الأتعاب. والآن هو يظهر دفء محبته في الحياة الحاضرة لأنه لم يكرمنا رويدًا رويدًا وقليلاً قليلاً، لكنه سكب كل مصدر الخيرات التي صارت لنا قبل أن نجتاز في الجهادات.

          وبناء على ذلك حتى وإن كنت غير مستحق لا تيأس لأن لديك مُدافعًا عظيمًا، التي هى محبة الديان. ولهذا بعدما قال: ” الرجاء لا يخزى“، نسب كل شئ لمحبة الله وليس لإمكانيات خاصة بنا. لكنه بعدما أشار إلى هبة الروح القدس، ينتقل مرة أخرى إلى الكلام عن الصليب قائلاً الآتى:

 

” لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار. ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت لكن الله بيّن محبته لنا ” (رو6:5ـ7).

إن ما يقوله يعنى إن كان من أجل إنسان صالح لا يُفضل أحد أن يموت على الفور، فانظر إلى محبة الرب الذي صُلب لا من أجل أتقياء، بل من أجل خطاة وأعداء. وبعد هذا قال:

 

” لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن نخلص به من الغضب. لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه. فبالأولى كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته” (رو8:5ـ10).

          إن هذا الكلام يبدو كأنه نفس الكلام السابق، إلاّ أنه يبدو مختلفًا بالنسبة  للشخص المدقق الذي يفحص المعنى بعناية. انتبه، فهو أولاً يريد أن يؤكد لهم على الخيرات التي تنتظرهم في الدهر الآتى. ويوضح كيف كان إبراهيم البار ينظر إلى إمكانية حصوله على تلك الخيرات، قائلاً إنه ” تيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا[1]،وهذه الخيرات قد تحققت بعد ذلك من خلال النعمة التي أُعطيت لنا، ثم من خلال الضيقات لأنها تقودنا إلى الرجاء، وأيضًا من خلال عمل الروح القدس الذي أخذناه. لكنه يُبرهن فيما بعد على هذا الأمر من خلال الحديث عن الموت الذي ملك علينا وخطايانا السالفة. الواضح ـ وهو الأمر الذي أشرت إليه سابقًا ـ أن الكلام يحمل بُعدًا واحدًا ولكنه في الحقيقة يحمل أبعاد ثانية وثالثة وأكثر من ذلك. أولاً أنه مات. ثانيًا أنه مات لأجل الخطاة. ثالثًا أنه صالحنا وخلصنا وبررنا وجعلنا أبناءً وورثة.

          الواضح أننا لن نكون أقوياءً فقط في مواجهة الموت، بل نحن أقوياء بواسطة هذا الذي أُعطى لنا بالموت. وإن كان من المؤكد أنه ونحن بعد خطاة قد مات المسيح لأجلنا، فهذا في حد ذاته يعد دليلاً على محبة الله التي لا توصف، أما من حيث أنه مات ونحن بعد خطاة وأعطى عطايا لا يُعبّر عنها، فإن هذه العطايا تفوق كل امتياز وتقود إلى الإيمان حتى بالنسبة لمَن فقد الحس تمامًا. لأنه ليس آخر هذا الذي خلّصنا، لكنه هو ذاك الذي أحبنا بشكل فائق، على الرغم من أننا كنا خطاة، حتى أنه قدّم نفسه للموت لأجلنا. أرأيت كم يُساهم هذا الكلام المشار إليه في التطلع نحو خيرات الدهر الآتى؟ لأنه قبل أن يتحقق هذا كان هناك أمران يتسمان بالصعوبة يعوقان نوالنا الخلاص، لقد كنا خطاة وكان ينبغى أن يموت الرب عنا لكى نخلص، وهذا يعنى أن الخلاص كان يستحيل إتمامه بالفعل قبل (موت الرب). وأن الخلاص كان يحتاج لمحبة غامرة، فإن كان كل هذا قد تحقق فما يتبقى يكون سهل التحقيق، فلن يسود علينا الموت فيما بعد، لأننا صرنا محبوبين جدًا.

          إذًا فذاك الذي قهر الأعداء وأذلهم، ألا يُقدم لنا العون؟ الآن وقد صرنا محبوبين وحيث لا توجد حاجة بعد لأن يُسلّم ابنه للموت ثانية، فنحن نرى أن المرء لا يُقدم على إنقاذ الآخر لاعتبارات كثيرة، إما لأنه لا يريد أو لأنه لا يستطيع حتى ولو أراد، وهى أمور لا نستطيع بالطبع أن ننسبها لله لأنه قد سلم ابنه (للموت). فمن حيث إنه يستطيع، فهذا ما أظهره لأنه قد برّرنا ونحن بعد خطاة. إذًا هل هناك عائق يمكن أن يمنعنا بعد ذلك أن نتمتع بخيرات الدهر الآتى؟ لا يوجد.

ثم بعد ذلك أيضًا، ولكى لا تشعر بالخجل في المستقبل، إذ أنك قد سمعت كلمات مثل خطاة وأعداء وضعفاء وجاحدين، فاسمع ما يقول:

 

” وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة ” (رو11:5).

          ماذا يعنى بعبارة “وليس ذلك فقط”؟ يعنى أننا لم ننل فقط الخلاص، بل أننا نفتخر أيضًا بهذا الخلاص، وتحديدًا بالخلاص الذي قد يتخيله البعض، أننا نخجل منه. لأننا عندما نخلص، بينما كنا نحيا في الشرور فهذا دليل قوى جدًا على أن ذاك الذي خلّصنا قد أحبنا بشكل يفوق الوصف (وهذا ما يدعو للافتخار). لأنه لم يخلّصنا بملائكة أو رؤساء ملائكة، بل بابنه وحيد الجنس[2]. وليس هذا فقط بل أنه قد ضفر لنا تيجان افتخار كثيرة جدًا بدم ابنه. لأنه لا يوجد شيئًا يعادل ـ إذا ما تحدثنا عن سبب المجد والافتخار ـ حقيقة محبة الله لنا ومحبتنا نحن لذاك الذي أحبنا. هذا (الحب) جعل الملائكة والرئاسات والقوات في بهاء، وهذا الحب هو أعظم من مجرد التمتع بالملكوت. ولهذا فإن الرسول بولس قد وضعه قبل الملكوت. ومن أجل ذلك فإنى أطوّب القوات غير المرئية لأنهم يُحبون الله ويخضعون له في كل شئ. ولهذا السبب أيضًا فإن النبى قد أُعجب بهم، قائلاً: ” باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره[3]. ولهذا السبب فإن إشعياء قد امتدح خدمة السيرافيم[4]، مشيرًا إلى فضيلتهم العظيمة من حيث إنهم يقفون بالقرب من العرش الإلهى، الأمر الذي يُعد دليلاً على المحبة الكبيرة.

[1] رو21:4.

2 هذا ما يُصليه الأب الكاهن في صلاة الصُلح قائلاً: ” لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبي إئتمنتهم على خلاصنا، بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست .. ” (القداس الغريغوري).

[3] مز20:103.

[4] إش1:6ـ7.

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج3، 10 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج3، 10 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج3، 10 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة التاسعة:

          9 ـ إذًا لا تُضيف إليه ضربة أخرى ولا تُلقى بنفسك إلى أسفل معه. لأنه على قدر ما تكون قائمًا مرتفعًا، يمكنك أن تُنقذه، بينما إذا دمرته ورددت له الإهانة، فمَن سيرفعك فيما بعد؟ فهو الذي جُرح؟ إن ذاك لن يستطيع أن يُعينك، طالما أنه مطروح أسفل. وهل تستطيع أنت يا مَن سقطت معه أن تقدم أى مساعدة؟ وكيف ستتمكن أن تُساعد الآخر، طالما أنك لا تستطيع أن تُعين نفسك؟ إذًا قف بشجاعة وضع أمامك الدرع واجذب أخيك من المعركة، إذ هو ميت (روحيًا)، وكن طويل الأناة. ألم يُصيبه الغضب؟ فلا تجرحه أنت أيضًا، بل عليك أن تُخرج منه السهم الذي أصابه. لأنه لو سادت بيننا المحبة سنصير هكذا سريعًا أصحاءً. وعندما نستخدم الأسلحة الواحد ضد الآخر، فلن تكون هناك حاجة للشيطان لكى نهلك. لأن الحرب بصفة عامة هى شئ مخيف، وبشكل خاص الحروب الأهلية. لكن هذه الحرب (بين الاخوة) هى أكثر فزعًا من الحروب الأهلية على قدر ما تكون الحقوق المطالب بها كبيرة، كما يظهر من سلوكنا أو كما يظهر من أى شئ له علاقة بهذا السلوك. هذا ما حدث حين قتل قايين أخاه هابيل، وسفك دم مَن كان تربطه به قرابة جسدية، هذا الأمر يعتبر أكثر جُرمًا من قتل الغريب، وبقدر ما تكون القرابة الروحية قوية، على قدر ما يكون الموت مُخيفًا. لأن قايين قد أصاب الجسد، ولكنك أنت قد أعددت السيف ضد نفس أخيك. ألم يُصبك الأذى أنت أولاً حين تفعل الشر؟ إن الأذى الحقيقى الذي يُصب المرء، هو في فعل الشر، وليس في المعاناة من عمل الشر. ولكن انتبه، لقد ذَبح قايين وذُبح هابيل، فمَن الذي مات؟ هل هو ذاك الذي صرخ بعد الموت (أى هابيل)، لأن الكتاب يقول: ” صوت دم أخيك صارخ إلىّ من الأرض[9]. أم هو قايين الذي ارتعب وخاف أثناء حياته؟ فهو الذي صار بالحقيقة أكثر بؤسًا من كل مائت.

          أرأيت أنه من الأفضل أن يقبل المرء الظلم، حتى لو وصل إلى مرحلة الموت؟ يجب أن تعلم كيف أنه عندما يُظلم المرء فإن هذا يُعد أمرًا سيئًا. إن قايين قد ضرب وقتل أخاه، لكن واحدًا تُوج والآخر قد أُدين. لقد قُتل وذُبح هابيل بغير وجه حق، ولكنه أخيرًا بموته قد أدان وسبى، بينما الآخر على الرغم من أنه عاش، إلاّ أنه صمت وشعر بالخجل وسُبى، وأعد لنفسه عكس ما تمنى. لأنه قتل أخاه، إذ رآه محبوبًا، أملاً أن يُبعده عن المحبة، لكنه بهذا الفعل جعل المحبة أكثر، وعندما مات، طلبه الله أكثر قائلاً: ” أين هابيل أخوك[10]، لأن حسده لم يستطع أن يُطفئ شوق هابيل إلى الله، لكنه قد أشعله بالأكثر، لم يقلل من كرامة أخيه بالذبح، لكنه قد عظّمه أكثر. لأن الله كان قد أخضعه قبل ذلك له، ولكن لأنه قتله، فسيُدينه الله على الرغم من أنه مات (روحيًا). إذًا مَن هو ذاك الذي أُدين؟ مَن الذي عاقب ومن الذي عوقب؟ ومن هو ذاك الذي تمتع بكرامة عظيمة من الله، وذاك الذي سُلم لعقاب جديد وعجيب؟ أنت لم تُخيفه عندما كان حيًا، فهل ستخفيه الآن بعدما مات، لم ترتعب عندما اعتزمت أن تستخدم السيف، والآن سيسود عليك رعب دائم، بعد سفك الدم. عندما كان حيًا كان خاضعًا لك ولم تحتمل مثل هذا الأمر، لهذا الآن بعد موته، صار سيدًا مخيفًا لك. إذًا فلنفكر في كل هذا أيها الأحباء، لنترك الحسد ولنطفئ الشر ولنحيا بالمحبة بعضنا نحو بعض، حتى نربح الخيرات ـ كنتيجة للمحبة ـ في هذا الدهر وفي الدهر الآتى بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة إلى دهر الدهور آمين.

 

 

العظة العاشرة

” لكن لم يُكتب من أجله وحده أنه حُسب له برًا بل من أجلنا نحن أيضًا الذين سيحسب لنا الذين نؤمن بمَن أقام يسوع من بين الأموات” (رو23:4ـ24).

          بعد أن قال أمورًا كثيرة وعظيمة عن إبراهيم، من جهة إيمانه وبره، والكرامة التي نالها من الله، فإنه يعود بالحديث عنا حتى لا يقول مَن يسمعه: ما علاقة كل هذا بنا إذ أن ابراهيم هو الذي تبرر بالإيمان؟ كم هى عظيمة قوة الكلمات الروحية. لأن الذي أتى من الأمم، ودخل إلى الإيمان منذ وقت قليل والذي لم يفعل أى شئ، لديه إيمانًا لا يقل فقط عن إيمان اليهودى، بل ولا يقل عن إيمان إبراهيم، وإن أردنا أن نقول شيئًا مثيرًا للإعجاب، نقول إنه يملك إيمانًا أكثر جدًا مما كان لليهودى، حتى أن إيمانه يُعد نموذج لإيماننا. وهو لم يقل طالما أن إيمان ابراهيم قد حسب له برًا، فمن الطبيعي سيُحسب لنا، حتى لا يجعل هذا أمرًا منطقيًا، لكنه تكلم عن النواميس الإلهية التي ليست هى محل شك، وقدم هذا كله على أنه حكم الكتاب المقدس (أى أن الأمر لا يتعلق بالمنطق). إذًا لماذا يقول إن هذا لم يُكتب إلاّ لكى نعلم أننا نحن  أيضًا نتبرر هكذا؟ لأننا آمنا بنفس الإله ومن أجل نفس الأمور، وإن كان الأشخاص ليسوا هم نفس الأشخاص. وبعدما تكلم عن إيماننا، ذكر محبة الله التي لا يُعبّر عنها تجاه البشر، والتي يشير إليها دائمًا، إذ قد أشار إلى الصليب، الأمر الذي يذكره الآن قائلاً:

 

” الذي أُسلم لأجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا ” (رو25:4).

      انظر كيف أنه بعدما أورد سبب الموت، يفعل نفس الشئ، ويقدّم برهان القيامة. لأنه إن كان هو خاطئًا فكيف قام؟ وإن كان قد قام فمن الواضح جدًا أنه لم يكن خاطئًا. ولكن لو لم يكن خاطئًا فكيف صُلب؟ وتقول إنه صُلب من أجل الآخرين، فإذا كان قد صُلب من أجل الآخرين، فمن المؤكد أنه قام. إذًا لكى لا تقول وكيف يمكن أن نتبرر، بينما نحن مسئولون عن خطايانا الكثيرة؟ أشار إلى ذاك الذي محى كل الخطايا، ولكى يؤكد كلامه يُشير إلى إيمان إبراهيم، الإيمان الذي به تبرّر، ثم يُشير إلى الإيمان بالآلام المُخلِصة، تلك التي بها تخلصنا من كل الخطايا. وبعدما أشار إلى موت المسيح، أشار إلى قيامته. لأنه لم يمت، لكى يقف أمامه أناس يستوجبون العقاب ومحكوم عليهم، بل لكى يُقدم لهم العون. لهذا مات وقام لأجل تبريرنا.

[10] تك9:4.

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج3، 10 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة التاسعة: 

         5 ـ ولذلك، فلو أردت أن تعرف كيف كُرّم إبراهيم، فاعلم أن هذا قد حدث بسبب إيمانه، لأنه آمن بأنه سيكون أبًا للجميع. وعندما ذكر عبارة:  ” أمام الله الذي آمن به ” لم يتوقف عند هذا الحد، بل أضاف: ” الذي يحيى الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة“، مُشيرًا إلى القيامة العتيدة أن تحدث. وفي هذه الحالة كان الأمر مفيدًا له. لأنه طالما أن في إمكان الله أن يُعطى حياة للموتى، ويدعو الأشياء غير الموجودة كأنها موجودة، بهذا يصير من الممكن أيضًا أن يجعل لإبراهيم أولادًا لم يولدوا من صلبه. ولهذا لم يقل الذي أحضر للوجود الأشياء غير الموجودة، ولكن ” الذي يدعو ” فيوضح مدى السهولة التي يخلق بها الله الأشياء. فكما أنه من السهل بالنسبة لنا أن نُشكّل الأشياء الموجودة، هكذا فإنه من السهل بالنسبة لله، بل وأكثر سهولة أن يعطى كيانًا للأشياء غير الموجودة. لكن بعدما قال أن عطية الله عظيمة ولا يُعبّر عنها، وبعدما تحدث عن قوة الله، بيّن كيف أن إيمان إبراهيم جعله مستحقًا للعطية، لكى لا تتصور أن إبراهيم قد كُرّم بدون سبب. وبعدما حث المستمع ألا يُثير قلقًا، ولكى لا يشك اليهودى ويقول كيف يكون هذا، أن الذين ليسوا هم أولاده يصيروا أولاده، ينتقل بحديثه مرة أخرى إلى إبراهيم، ويقول:

” فهو على خلاف الرجاء آمن على الرجاء لكى يصير أبًا لأمم كثيرة كما قيل هكذا يكون نسلك ” (رو18:4).

          كيف على خلاف الرجاء آمن على الرجاء؟ هذا يعنى: على خلاف الرجاء الإنسانى، إذ أنه وضع رجائه في الله. هنا يُبيّن عظمة هذا الأمر ولا يترك مجالاً للشك في هذا الكلام، فالأمر يحمل تناقضًا (بمعنى أن الذين ليسوا أولادًا قد صاروا أولادًا) إلاّ أنه قد وحّدهم معًا بالإيمان. لكنه لو تكلّم عن نسل إسرائيل، لكان هذا الحديث أمرًا زائدًا. لأن هؤلاء اليهود كانوا أولادًا لا بالإيمان بل بالطبيعة.

          ثم يشير إلى اسحق وكيف كان إبراهيم متشككًا في إمكانية إنجابه من امرأة عاقر، وليس من جهة أنه سيصير أبًا لأمم كثيرة. إذًا هى مكافأة أن يصير أبًا لأمم كثيرة، وواضح كيف صار أبًا لأمم كثيرة، إذ آمن لأجلهم، وهذا ما يوضحه الكلام الآتى:

” وإذ لم يكن ضعيفًا في الإيمان لم يعتبر جسده وهو قد صار مماتًا إذ كان ابن نحو مئة سنة ولا مُماتية مستودع سارة ” (رو19:4).

          أرأيت كيف يذكر العوائق ورغبة البار (أى إبراهيم) الشديدة  في أن يتغلّب على كل شئ؟ فهو قد نال الوعد على خلاف الرجاء، وكان هذا أول عائق. لأن إبراهيم لم يستطع أن يرى مثالاً آخر أى شخص قد أنجب ولدًا بهذه الطريقة. فالذين أتوا بعد إبراهيم قد رأوا تحقيق هذا الأمر في شخص إبراهيم، بينما هو نفسه لم يرى هذا في أى شخص آخر، بيد أنه رأى إمكانية تحقيقه بالثقة في الله فقط، ولذلك قال ” على خلاف الرجاء “. ثم بعد ذلك كان العائق الثانى وهو أن جسده كان مماتًا، وأيضًا مماتية مستودع سارة، وهذا يُمثل عائق ثالث ورابع أيضًا.

” ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله ” (رو20:4).

          لأن الله لم يعطِ برهانًا ولا صنع معجزة، وما قدمه هو فقط كلامًا بسيطًا، لكنه كان يحمل وعودًا لم تستطع الطبيعة أن تَعِد بها. لأجل هذا يقول الرسول بولس إنه: ” لم يرتاب ” ولم يقل لم يؤمن، لكنه قال ” ولا بعدم إيمان ارتاب ” أى أنه لم يتردد ولا تشكك، على الرغم من أن العوائق كانت كثيرة.

إن ذلك كله يعلّمنا أن الله حتى وإن أعطى وعودًا لا حصر لها وتبدو مستحيلة ولم يقبلها الذي يسمعها، فإن الضعف لا يرتبط بطبيعة الوعود، بل إلى حماقة الذي لم يقبلها. ثم يقول بولس عن إبراهيم:

بل تقوى بالإيمان“. أرأيت حكمة القديس بولس، فلأن الكلام كان موجهًا إلى أولئك الذين يعملون (بالناموس) والذين يؤمنون، فإنه يُبين أن ذاك الذي يؤمن يجاهد ويحتاج لقدرات أكبر وقوة أكثر من الذي يعمل. لأنهم بالحقيقة قد احتقروا الإيمان وقالوا إن ليس فيه ألم. إذًا لأجل هذا الهدف يوضح أنه ليس فقط ذاك الذي يجاهد من أجل العفة أو أى شئ آخر مشابه يحتاج لقوة، بل ذاك الذي يُظهر إيمانًا أيضًا في حاجة للقوة. لأنه كما أن ذاك الذي يقاوم أفكار الفسق أو الفجور هو في حاجة إلى قوة، هكذا مَن يؤمن يحتاج أيضًا إلى نفس صلبة لكى يستطيع أن يقاوم أفكار هى ضد الإيمان.

          إذًا كيف صار إبراهيم قويًا؟ يقول الرسول بولس: بالإيمان، وبدون أن يترك إبراهيم هذا الأمر للأفكار، لئلا يفقد شجاعته. وكيف حقق هذا الإيمان؟ حققه ” معطيًا مجدًا لله “، ويتابع القديس بولس كلامه عنه بقوله:

” وتيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا لذلك أيضًا حُسب له برًا” (رو21:4ـ22).

          وبناء عليه ينبغى ألاّ نفحص كثيرًا في (وعد الله)، لأن قبول الوعد هو تمجيد لله، لكن الذي يُعّد بالحقيقة خطية هو الفحص كثيرًا في وعود الله. فإذا كنا لا نُمجَد عندما نفحص كلامه بفضول، وعندما نسعى لطلب الأمور الأرضية، فبالأولى كثيرًا ينبغى ألاّ ننشغل بكيفية ميلاد الرب، لأننا سنُعانى كثيرًا إذا اتبعنا هذا السلوك غير المستقيم. وإن كان لا ينبغى أن نفحص الشكل أو النموذج الذي ستكون عليه القيامة، فبالأولى كثيرًا لا ينبغى أن نفحص تلك الأمور الفائقة التي لا يُعبّر عنها. ولم يقل الرسول بولس إن إبراهيم كان واثقًا، لكنه قال “تيقن” لأن هذا هو الإيمان، فهو أكثر وضوحًا من برهان الأفكار وله قوة إقناع أقوى. فليس هناك فكرًا يستطيع أن يتوغل ويؤثر على هذا اليقين. لأن ذاك الذي يقتنع برأي عند سماعه لكلام مجرد، يمكن أن يغيّر رأيه، بينما ذاك الذي يقتنع بصورة مطلقة من خلال الإيمان، فإنه يقيم سدًا أو سياجًا حول سمعه لصد أى كلام يمكن أن يؤثر في الإيمان. إذًا بعدما قال إن إبراهيم تبرر بالإيمان، أوضح أنه تقوّى بالإيمان معطيًا مجدًا لله، الأمر الذي يُعد ملمحًا خاصًا ومميزًا لطريقة الحياة الصحيحة. ” فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات[1]. ومن الواضح أن هذا السلوك له علاقة وثيقة بالإيمان. وهكذا فكما أن الأعمال تحتاج إلى قوة، فإن الإيمان أيضًا يحتاج إلى قوة. فبالنسبة للأعمال، نجد أن الجسد كثيرًا ما يشترك في الجهاد، أما فيما يتعلق بالإيمان فالأمر يختص بالنفس فقط. وعليه فإن الألم أو التعب يكون أكبر عندما لا يكون لدى المؤمن ما يُعضد به النفس في جهاداتها.

          6 ـ أرأيت كيف أظهر الرسول بولس أن كل تلك الأمور، التي هى نتائج للأعمال، قد أُضيفت ببركة وفيرة للإيمان، وأن الشخص يمكنه أن يبتهج بهذا أمام الله، عندما يكون محتاجًا إلى قوة ومثابرة، وأنه يُمجد الله أيضًا؟ وهذا واضح مما قاله: ” إن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا” يبدو لى أنه يُنبئ بالأمور المستقبلية. لأن الله لم يَعد فقط بالأمور الحاضرة بل بالأمور المستقبلية، إذ أن الأمور الحاضرة هى مثال لأمور الدهر الآتى. وبناء على ذلك فإن عدم الإيمان هو ملمح للنفس المريضة والضئيلة والبائسة. حتى عندما يُديننا البعض بسبب الإيمان، يحق لنا أن ندينهم لعدم إيمانهم، كأناس بائسين، وأغبياء، ومرضى، وصغار النفوس، ولا يسلكون بطريقة أفضل من البهائم غير العاقلة. لأنه بالضبط كما أن الإيمان هو سمة النفس التقية والعظيمة، هكذا فإن عدم الإيمان هو ملمح للنفس التي تتسم بالغباء الشديد، النفس التافهة التي انحدرت إلى مستوى الحيوانات غير العاقلة.

          لهذا عندما نهجر هؤلاء (أى عديمى الإيمان)، يجب أن نسلك في خطى إبراهيم، ولنمجد الله تمامًا كما مجدّه هو. لكن ما معنى مجّد الله؟ معناه أنه أدرك بره وقوته غير المحدودة. وطالما أنه أدرك ذلك كما ينبغى، عندئذٍ نال الوعود. إذًا فلنُمجد نحن أيضًا الله بالإيمان وبالأعمال، لكى نأخذ المكافأة، بأن نُكرم من الله، لأنه يقول ” فإنى أُكرم الذين يكرموننى[2]. وحتى لو لم يكن هناك أى مكافأة، فمجرد أن نكون مستحقين لأن نُمجد الله، فهذا تحديدًا هو الإكرام. لأن الناس عندما يمدحون الملوك فإنهم يفتخرون بهذا فقط، حتى لو لم يوجد أى شئ آخر يربحونه، تأمل في مقدار المجد الذي يكون عندما يُمجّد الله بواسطتنا. أنه بكل تأكيد، يريد هذا المجد لنا، لأن الله ليس في احتياج لهذا المجد.

          إذًا كيف تتصور حجم الفروق بين الله وبين البشر؟ هل هى بمقدار الفروق بين البشر والحشرات الدقيقة؟ إننى لم أقل شئ إلى الآن لأوضح هذه الفروق، ولو أننى مُدرك مقدارها الضخم، لأنه من المستحيل أن يُحدد المرء مقدار هذه الفروق. فهل يا تُرى سترغب في أن تقتنى لك مجدًا مشرقًا وعظيمًا من خلال الحشرات الدقيقة؟ لا على الإطلاق. إذًا فلو أنك، يا مَن تشتهى المجد بكل هذا الاشتياق، لن ترغب في أن تطلب مجدًا من الحشرات، فكيف يكون ذاك الذي هو متحرر من هذه الشهوة (شهوة المجد) والذي هو أعلى وأسمى من كل شئ، في إحتياج لأن يُمجد منك؟ لكنه وإن لم يكن في حاجة للمجد، إلاّ أنه يريده لك. فلو أنه قَبِلَ أن يصير عبدًا من أجلك، فلماذا تندهش لو أنه احتمل الأمور الأخرى لنفس السبب ؟ لأنه لا يستطيع مَن هو غير مستحق في ذاته، أن يقود إلى خلاصنا. وإذ نعرف كل هذا، فلنتجنب كل خطية تؤدى إلى إهانة الله. ” اهرب من الخطية هربك من الحية فإنها إن دَنوت منها لدغتك[3]. فإن الخطية لا تأتى إلينا، بل نحن نسعى إليها.

          إذًا فقد صنع الله هذا وأتى إلينا، حتى لا ينتصر الشيطان ويسود، لأن بدون معونة الله لا يستطيع أحد أن يُقاوم قوته. لهذا فقد أبعده الله كلص وكمستبد. فهو بخداعه واحتياله لن يتجرأ على مهاجمة أحد، إلاّ إذا كان وحيدًا. وإذ يرانا ونحن نسير في الجدب، فهو يتشجع على الاقتراب منا. لأن الجدب أو القفر هو أيضًا مكان الشيطان، وهذا الجدب ليس هو إلاّ الخطية. نحن إذًا في احتياج لدرع الخلاص، وسيف الروح، ليس فقط لكى لا نُصاب بأذى، لكن أيضًا لكى نقطع رأس الشيطان، وإذا ما أراد أن يهاجمنا ينبغى أن نُصلى دومًا لكى يُسحق تحت أقدامنا. لأنه يتصف بعدم الحياء والخسة فهو يهاجم من أسفل، وهكذا ينتصر. والسبب في هذا النصر هو أننا لا نُحاول أن نكون في وضع أعلى من أن تطولنا ضرباته، لأنه ليس في وضع يسمح له بالوقوف كثيرًا، لكنه يُسحب إلى أسفل. فهو لا يملك أرجل يقف عليها لأنه مثل الحية إذ أنها هى المثال الذي يرمز للشيطان. فلو أن الله ـ منذ البداية ـ قد حدّد له هذا الوضع، فبالأولى الآن. فإذا كنت لا تعرف ماذا يعنى أن يحارب الشيطان من أسفل فسأحاول أن أشرح لك أسلوب أو طريقة حربه. إنه يوجه الضربات منطلقًا من الأمور الأرضية، أى من اللذة أو من الغنى ومن كل الأمور الحياتية الأخرى. ولهذا لو أنه رأى شخصًا ينطلق نحو السماء (أى يسمو على الأمور الأرضية)، فهو لن يستطيع أن يقفز نحوه، هذا أولاً.  ثانيًا وحتى لو حاول ونجح فإنه سيسقط سريعًا، لأنه لا يملك أرجل، لذلك لا تخاف منه إذ لا أجنحة له، ولا ترتعب أمامه لأنه يزحف فوق الأرض ومرتبط بالأمور الأرضية. إذًا ينبغى أن تسمو فوق كل الأمور الأرضية المادية وإذا حدث ذلك فلن تتعرض لأى ألم. لأنه لا يعرف أن يحارب مواجهة، لكنه مثل الحية يختفى بين الأشواك ويتربص باستمرار مختفيًا في خداع الغنى أو الثروة. ولو أنك أزلت الأشواك سيرحل سريعًا، لأنه جبان، ولو أنك تعرف أن تستخدم القوة الإلهية، فسيخرج على الفور لأنه يوجد لدينا قوة روحية، وهى اسم ربنا يسوع المسيح وقوة الصليب. هذه القوة، ليست فقط قادرة على أن تُخرج الحيّة من وكرها، وتلقيها في النار، بل وتشفى الجروح الناتجة عن لدغها أيضًا.

          7 ـ لكن لو قال كثيرون إنهم لم يُشفون، فهذا يرجع إلى ضعف إيمانهم. لأن كثيرين دفعوا المسيح بقوة (بسبب تزاحمهم عليه) ولمسوه من كل جانب، ولم يربحوا شيئًا، لكن المرأة نازفة الدم، قد شُفيت بعد طوال مرضها رغم أنها لم تلمس جسده بل لمست فقط هدب ثوبه[4]. إن اسم ربنا يسوع المسيح هو مُخيف للشياطين ويُحرر من الشهوات ويبرئ من الأمراض. فلنفتخر بهذا الاسم إذًا ونحصن أنفسنا به[5]. وهكذا صار بولس عظيمًا على الرغم من أنه يحمل نفس طبيعتنا، إلاّ أن إيمانه جعله متميزًا عنا تمامًا، وكم كانت عظيمة تلك القوة التي كان يتصف بها[6]. إذًا كيف يكون لدينا القدرة لندافع عن أنفسنا، عندما لا تقدر صلواتنا أن توقف ولا حتى الشهوات، بينما كانت ظلال وملابس هؤلاء (بطرس وبولس) تقيم الموتى؟ إذًا ما هو السبب؟ السبب يرجع إلى تلك الفروق الكبيرة جدًا في الرغبة الداخلية، فالعطايا الطبيعية الخاصة بالإنسان هى واحدة ومشتركة بين الجميع، طالما أنه (أى بولس) ولد مثلنا ونمى وعاش على نفس الأرض وتنفس من نفس الهواء ولكنه كان أعظم وأفضل منا في الأمور الأخرى، أى في النية الحسنة وفي الإيمان والمحبة. فلنسلك إذًا كما سلك بولس ولنسمح للمسيح أن يتكلم معنا. إن  المسيح يشتهى أن نسلك بالروح بل وأكثر جدًا مما نشتهيه نحن لأنفسنا، ولهذا خلق لنا هذه الأداة (أى العقل)، فهو لا يريد له أن يبقى بلا فائدة أو في تواني، إنما يريدنا أن نستخدمه على الدوام. فكما أن الآلة الموسيقية عندما تكون أوتارها غير مُعدة أو مرتخية، تصير بلا نفع ولا يستطيع العازف أن يستخدمها، هكذا أيضًا ينبغى علينا أن نُشدّد أعضاء النفس ونحفظها بالملح الروحى. لأنه لو رآها الله منسجمة هكذا فيما بينها، فلابد أن يُسمع صوت المسيح من داخل نفوسنا. وعندما يحدث هذا، سترى الملائكة ورؤساء الملائكة والشاروبيم وهى تطير فرحًا. إذًا لنصير مستحقين لرفع أيادى بلا عيب، ولنترجاه أن ينبض بقوته داخل قلوبنا، ومن الأفضل القول بأنه لا يحتاج إلى أن نترجاه لكي يفعل هذا لأنه يحتاج فقط أن تُهيئ له القلب كما ينبغى وحينئذٍ سيركض نحوك ويلمس قلبك.

          إذًا لو أنه يركض من أجل ضمان الأمور المستقبلية (لأنه كان قد أعد لبولس المديح اللائق به، قبل أن يصير رسولاً للأمم)، فإنه يبذل كل شئ عندما يرى شخصًا كاملاً، أما عندما نسمع لصوت المسيح، فإن الروح القدس سيُحلّق حولنا حتمًا، وسنصير أفضل من السمائيين ولن يُرى النور فقط داخلنا، بل أن خالق النور والملائكة هو الذي يسكن ويتجول في داخلنا. أقول هذا، لا لكى نُقيم أمواتًا ولا لكى نُطهر برصًا، ولكن لكى نُظهر المعجزة الأعظم من كل هذه الأمور وهى المحبة. لأنه حيث توجد المحبة، سيوجد على الفور الابن مع الآب وستحل نعمة الروح القدس من السماء. لأنه يقول: ” حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمى فهناك أكون في وسطهم[7]. هذا دليل رغبة مؤكدة، وسمة يتميّز بها أولئك الذين يُحبون بكل قدراتهم، بمعنى أنهم سيلتقون بكل مَن يُحبون سيلتقون بالله الذي يحبونه ويلتقون أيضًا بآخرين يكنون لهم كل محبة.

          ومَن هو ذلك البائس الذي لا يريد حلول المسيح في الوسط؟ لأنه إن لم يحل المسيح في الوسط، ستحل المشاكل بيننا. وحينئذٍ من سيكون السبب في هذا؟ ربما سيتهكم علىّ أحد قائلاً: ماذا تقول؟ هل نحن الذين نجتمع تحت سقف كنيسة واحدة ونتمتع بوفاق وسلام لا توجد حروبًا بيننا، رغم أننا نتحدث ونتفاهم معًا ونحن تحت رعاية راعى واحد، ونسمع التعليم معًا، ونرفع الصلوات معًا إلى فوق، هل نسيت ما حدث من مشاحنات وثورات؟ لم أنسى، ولست مخبولاً ولا فقدت عقلى. لأننى من المؤكد أرى تلك الأمور وأعرف كيف أننا نوجد تحت سقف نفس الكنيسة وتحت رعاية نفس الراعى، ولهذا السبب تحديدًا أشعر بالحزن لأننا نتشاجر على الرغم من أن هناك أمورًا كثيرة يمكن أن توحّدنا. وقد يسألنى البعض وأى نزاعًا ترى هنا؟ أقول، هنا لا يوجد نزاعًا، ولكن عندما نتفكك، وعندما يدين أحد غيره، وفلان يُدين فلان ويسب آخر علنًا وعندما يصير آخر حسودًا وطماعًا وخطّاف، وآخر يستخدم العنف منهجًا له وآخر يُعلن عن عطفه بطريقة سيئة وآخر يحيك مكائد ودسائس لا حصر لها. هنا يُستعلن النزاع والشجار والمشاحنة، فإذا تمكنتم من اكتشاف حقيقة أنفسكم، عندئذٍ ستستطيعون أن ترون كل هذا بدقة وستدركون أننى لست مخبولاً.

          8 ـ ألا ترون كيف أن الجنود في حالة السلم يتركون الأسلحة ويعبرون إلى المعسكرات مُجردين من الأسلحة، بينما يختلف المشهد في حالة الحرب عندما يكونوا مُسلحين وحراسًا، فتكون هناك مقدمة الجيش وتبدأ الخدمات الليلية وتوقد النار بصفة دائمة، الأمر الذي لا يُعلن عن حالة سلام، بل عن حالة حرب. ومن الممكن أن يرى المرء نفس هذا النهج حين يحدث بيننا. حيث يحترس الواحد من الآخر ويسود الخوف، ويتكلم كل واحد مع قريبه بالهمس وعندما نرى أحدًا يقترب نصمت ونوقف الكلام دون أن يكتمل، الأمر الذي لا يعتبر سمة لأُناس شجعان، بل أناس يتوجسون من الآخر. ولهذا أحزن، لأننا بينما نحيا بين اخوة، فإننا نلجأ إلى الحرص الزائد مُشعلين نارًا كثيرة واضعين حراسًا وكأننا في معسكر حرب مع أعداء، والسبب في ذلك هو الكذب الكثير والخداع الكثير وغياب المحبة الواضح والحرب العدوانية. ولهذا تحديدًا فمن الممكن أن يجد المرء كثيرًا من عبدة الأوثان لديهم شجاعة أكثر من المسيحيين. كم من المهانة تستحق مثل هذه الأمور؟ وكم تستحق الكثير من البكاء عليها والرثاء لها؟ وقد يقول أحدكم وماذا أفعل ألا تنظر فلانًا إذ هو سئ السلوك وخبيث؟ أقول له: وأين هو احتمالك؟ ألا تقض القوانين الرسولية بأن يحتمل الواحد أثقال الآخر؟ لأنه إن لم تعرف كيف تسلك بصورة صحيحة تجاه أخيك، فمتى سيمكنك أن تسلك بمحبة تجاه الغريب؟ وإذا كنت لا تعرف أن تتعامل مع العضو الذي يُسبب لك متاعب، فمتى ستتمكن أن تجذب ذاك الذي هو خارج الكنيسة وأن تجعله واحدًا مع نفسك؟ وأمام كل ما يحدث فإني أتساءل عما يمكنني فعله؟ وأجد صعوبة كبيرة جدًا في أن أسكب الدموع، لأننى سأسكب ينابيع دموع غزيرة من عينيّ. إن النبى إرميا عندما رأى الأعداء وهم يبدأون هجومًا، قال: ” أحشائى توجعنى[8] وأنا أرى في تلك الساحة (التي تجمع المؤمنين معًا أى الكنيسة) حروبًا لا تُحصى، وهى أكثر رعبًا من هذه الحروب التي أشار إليها إرميا. وبينما أنتم تحت قيادة قائد جيش واحد (أى المسيح)، إلاّ أنكم تثورون الواحد ضد الآخر ويأكل ويفترس الواحد أعضاء الآخر، البعض من أجل المال والبعض من أجل المجد كما يسخر آخرون منكم بدون سبب ويهزءون وتُحدثون إصابات كثيرة فيما بينكم، وينتج عن ذلك أن يسقط قتلى نتيجة إصابات مفزعة، بل أن عدد القتلى يفوق ما يسقط في الحروب، وكلمة “أخوة” تصير مجرد كلمة عادية، لذلك لا أستطيع أن أفكر في عمق الأنين الذي يُعبّر عن هذه المأساة.

          إذًا ينبغى عليكم أن تحترموا هذه المائدة (أى مائدة الافخارستيا) التي تشتركون فيها جميعًا وأن تُقدّروا عمل المسيح الذي ذُبح لأجلنا، ولتحترموا هذه الذبيحة التي توجد فوق هذه المائدة. إن اللصوص الذين يأكلون خبزًا وملحًا مع آخرين، ليسوا بعد لصوصًا بالنسبة لأولئك الذين يأكلون معهم، فإن المائدة تُغيّر من صفاتهم، وكذلك أيضًا الذين كانوا أكثر وحشية من الوحوش أنفسهم تجعلهم المائدة (مائدة الافخارستيا) أكثر وداعة من الحملان، بينما نحن ـ على الرغم من أننا نشارك في مثل هذه المائدة ونأكل نفس الطعام ـ نتسلح الواحد ضد الآخر، بينما كان ينبغى علينا أن نتسلح ضد الشيطان الذي يحاربنا جميعًا. ولهذا السبب عينه فنحن يومًا فيوم نصير أكثر ضعفًا، بينما هذا (الشيطان)، يصير قويًا. لأننا لا نساند بعضنا البعض في مواجهته، لكننا نقف صفًا واحدًا معه، الواحد ضد الآخر ويصير هو قائدنا في مثل هذه الأحداث في الوقت الذي كان يجب علينا أن نحاربه. إلاّ أننا نترك مقاومته ونوجه سهامنا الآن ضد اخوتنا. وأى سهامًا نطلقها؟ إنها السهام التي تنطلق من اللسان والفم. لأنه ليس الرماح والسهام الحقيقية هى فقط التي تُسبب إصابات، لكن الكلام الردئ أيضًا يترك جراحات أكثر مرارة من السهام.

          وكيف سنتمكن من إنهاء هذه الحرب؟ يحدث هذا عندما تُدرك أنك تتكلم بالسوء على أخيك وعندما تلقى الكلام البذيء من فمك خارجًا، وأيضًا لو أدركت أنك تشي بعضو من أعضاء جسد المسيح، وأنك تنهش أيضًا في جسدك، ولتعلم أن السهم لا يقتل ذاك الذي يُصاب به، بل يقتلك أنت الذي تُطلقه. ولكن هل ظلمك أحد وصنع بك شرًا؟ إذا حدث ذلك لا تتكلّم بالسوء، بل ابكى لا من أجل أنك ظُلمت، لكن لأجل هلاكه، كما صنع سيدك وبكى على يهوذا، لا لأنه سلّمه للصلب، لكن لأن ذاك قد خانه. هل أهانك أحد وسخر منك؟ فلتترجى الله سريعًا أن يُغدق على هذا الإنسان من رحمته. إنه أخوك وولد معك من نفس الرحم (أى المعمودية). إنه عضو من أعضائك ومدعو لنفس المائدة. لكنك تقول إنه يُهيننى كثيرًا. فإن احتملته سيكون أجرك أكبر وأكثر، ولهذا فإنه من العدل أن تترك عنك الغضب، وتدرك أن الشيطان قد أصابه بضربة مميتة (لأنه نجح أن يدفعه لإهانتك).

[1] مت16:5.

[2] 1صم30:2.

[3] حكمة يشوع بن سيراخ 2:21.

[4] مت20:9ـ22، لو43:8ـ48.

[5] كما يقول الكتاب ” اسم الرب برج حصين يركض إليه الصديق ويتمنع ” (أم0:18). هذا ما توضحه وتؤكد عليه كنيستنا القبطية في إبصالية السبت: ” أعطى فرحًا لنفوسنا تذكار اسمك القدوس يا ربي يسوع المسيح مخلصي الصالح .. أنت وحدك مستحق أن نباركك .. أنت مستحق المجد والكرامة.. تسبح اسمك القدوس كل قبائل الأرض .. الخ. الابصلمودية السنوية حسب ترتيب آباء الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مطرانية بني سويف، سنة 1991، ص251ـ256.

[6] أع12:19.

[7] مت20:18.

[8] إر19:4.

[9] تك10:4.

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة التاسعة

1 ـ ” فماذا نقول إن أبانا إبراهيم قد وجد حسب الجسد ” (رو1:4).

          بعدما قال إن العالم صار تحت دينونة الله، وأن الجميع أخطأوا وأنه لا يمكن أن نخلص إلاّ عن طريق الإيمان، حاول بعد ذلك أن يُبرهن على أن الخلاص ليس سببًا يدعو للخجل، بل على العكس هو سبب لمجد عظيم، هذا المجد هو أعظم من المجد الذي يأتى بسبب الأعمال. ولأن الخلاص الذي يصاحبه خجل يعكس جبن وخوف، فإن الرسول بولس يُبطل هذه الريبة فيما بعد. على الرغم من أنه ألمح إلى ذلك، متكلمًا ليس فقط عن الخلاص، بل عن البر قائلاً ” لأن فيه مُعلن بر الله[1]. إذ أن ذاك الذي يخلّص هكذا، يخلّص لأنه بار (بالإيمان) وبشكل علنى. ولم يكتفِ بالإشارة إلى تعبير البر فقط، لكنه ذكر أن هذا البر معلن. والله أعلنه للممجّدين وللمتبررين وللعظماء. لكنه قد برهن على أن هذا البر هو للأحباء أيضًا، مكملاً حديثه بالتساؤلات، الأمر الذي تعود أن يفعله، وهذا يظهر في وضوح وجرأة حديثه. هذا ما فعله سابقًا بقوله: ” إذًا ما هو فضل اليهودى؟[2]، وأيضًا ” فماذا إذًا أنحن أفضل؟[3]، وقوله ” أين الافتخار قد انتفى؟[4]. وهنا يقول ” فماذا نقول إن أبانا إبراهيم..“؟ والحقيقة أن اليهود كانوا يصوبوا تفكيرهم في أن إبراهيم، أب الآباء وخليل الله، قد اختتن أولاً، ولذلك فقد أراد الرسول بولس أن يُبرهن لهم أن إبراهيم قد تبرر بالإيمان، وهذا يعد انتصارًا عظيمًا. لأنه يعد أمرًا غير طبيعى بالنسبة لليهودى أن يتبرر بالإيمان، وليس هذا فقط بل ويفتخر بهذا وليس بالأعمال، وهذا ما يستحق الإعجاب، الأمر الذي يُظهر بشكل خاص قوة الإيمان. ولهذا فقد تكلّم عن بر الإيمان، متجنبًا الحديث في أى أمور أخرى. ودعى إبراهيم أبًا حسب الجسد، لكى يحرم اليهود من القرابة الحقيقية له، ولكى يُمهد للأمم طريق القرابة له. ثم بعد ذلك يقول:

 

” لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله” (رو2:4).

          إذًا بعدما قال إن الله يُبرر اليهودى والأممى بالإيمان، وبعد أن برهن بالإشارة إلى ما سبق على هذه الأمور بشكل مُقنع، فإنه يُظهر نفس الأمر مع إبراهيم ولكن بدرجة أكبر مما وُعد به، وقد جاهد إبراهيم بالإيمان مقابل الأعمال، وناضل من أجل البر. ولهذا فقد امتدحه الرسول بولس جدًا داعيًا إياه ” أبانا “، ويدعو هؤلاء اليهود على أن يقتدوا به في كل شئ. ولهذا لا تحدثنى عن اليهودى، ولا تذكر لى فلانًا أو غيره لأننى سأتجاوز كل شئ وأعود إلى حيث بدأ الختان. ” لأنه إن كان إبراهيم قد تبرر بالأعمال فله فخر ولكن ليس لدى الله“. هذا الكلام غير واضح، وبناء عليه، فهناك إحتياج لأن أشرحه أكثر. لأن هناك افتخاران واحد بالأعمال والآخر بالإيمان. مادام قد قال: ” إن كان قد تبرر بالأعمال فله فخر. لكن ليس لدى الله“، وهكذا فإنه يوضح أن هناك افتخار يأتى من الإيمان، وأن هذا الافتخار أفضل بكثير من الافتخار بالأعمال.

لقد ظهرت قدرة الرسول بولس العظيمة في هذا الأمر على وجه الخصوص، إذ حوّل الأمر كله في اتجاه يخالف المألوف. وإن كان للخلاص عن طريق الأعمال من افتخار وجرأة، فقد أوضح كيف أن هذا يتعلق بالأكثر بالإيمان. لأن ذاك الذي يفتخر بالأعمال يمكن أن يُشير إلى أتعابه، وأما ذاك الذي يفتخر بإيمانه بالله، فيكون لديه دافعًا قويًا للافتخار لأنه ينسب المجد لله. فتلك الأمور (الخاصة ببر الإيمان) والتي لم تظهرها له طبيعة الأشياء المرئية، هذه الأمور طالما قد قبلها من خلال إيمانه بقدرة الله، فإنه يكون قد أظهر محبة حقيقية لله، وأعلن عن قوته بصورة مضيئة.

          هذا الإيمان هو سمة لنفس تتصف بالشجاعة، ونية تتسم بالحكمة، وفكر ناضج. لأن الامتناع عن السرقة أو القتل يمكن أن يحققه الناس العاديون، أما الإيمان بأن الله قادر على كل شئ، فإن هذا يحتاج إلى نفس تقية وإلى تكريس هذه النفس بالكامل لله. لأن هذا يُعد بالحقيقة دليلاً على المحبة الحقيقية. والمؤكد أن الله يُكرّم ذاك الذي يحفظ وصاياه، بيد أنه يُكرّم بالأكثر ذاك الذي بالإيمان يسلك بحكمة ووقار. لأن الأول يخضع لله، أما الآخر فهو الذي يكتسب الرؤية الصحيحة التي ينبغى أن تكون عن الله، وينسب المجد لله من أجل أعماله العظيمة. إذًا فالافتخار بالأعمال يخص ذاك الذي يُنجز عملاً، أما الافتخار بالإيمان فيعنى تمجيد الله ونسبة كل شئ له. لأننا نفتخر بكل ما من شأنه أن يعلن عن عظمة الله ومجده.

          ولهذا فإن الذي يفتخر بالإيمان يكون لديه سببًا للافتخار أمام الله، وليس هذا فقط، بل هناك سببًا آخر يجعله يفتخر. فالمؤمن يفتخر أيضًا ليس فقط لأنه أحب الله بالحقيقة، بل لأنه نال منه كرامة ومحبة كبيرة. فكما أنه أحب الله وفكّر من جهته في أمور عظيمة (وهذا دليل محبة)، هكذا فإن الله قد أحبه، على الرغم من مسئوليته عن تلك الخطايا العديدة التي ارتكبها. والله لم يخلّصه من العقاب فقط، لكنه برّره أيضًا. إذًا فلديه سبب لأن يفتخر، لأنه صار مستحقًا لمحبة الله الغنية.

 

” لأنه ماذا يقول الكتاب؟ فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا. وأما الذي يعمل فلا تُحسب له الأجرة على سبيل نعمة بل على سبيل دين ” (رو3:4ـ4).

          إذًا هل الذي يعمل يُعد أعظم؟ لا على الإطلاق. لأن البر يُحسب للإنسان من حيث إنه آمن بالله. إلاّ أن هذا الإيمان لا يُحسب له برًا إذا لم يقدم شيئًا.

          2 ـ إن الله يُكرم ذلك الإنسان أيضًا، ولكن لا من أجل أمور تافهة، بل لأجل أمور عظيمة وهامة. ولأنه أعلن عن رؤية مستنيرة، وفكر روحى متميّز، فإنه لم يتحدث فقط عن ذاك الذي يؤمن ولكن:

 

” الذي يؤمن بالذي يبرر الفاجر فإيمانه يُحسب له برًا ” (رو5:4).

تأمل كم هو عظيم أن يؤمن المرء بأن الله قادر ليس فقط على أن يُخلّص من العقاب ذاك الذي يعيش في الفجور، وبصورة مفاجئة، لكنه قادر أيضًا أن يبرره وأن يحكم بأنه مُستحق لكرامة الحياة الأبدية. لا تظن ـ كما يبدو لك ـ أن الأجرة تأتى على سبيل العمل وليست على سبيل النعمة، وأن ذاك الذي يحيا في الخطية ويؤمن بالذي يُبرر الفاجر هو أقل من الذي يعمل. ولهذا تحديدًا فإن الإيمان هو الذي يجعل المؤمن مُشرقًا، وأن تمتعه بهذا القدر الكبير من النعمة يرجع إلى أنه أظهر مثل هذا الإيمان. وانتبه، فإن مكافأة هذا الإيمان ستكون أعظم. لأن الذي يعمل ستُعطى له مكافأة، أما الذي يؤمن سينال البر. لكن يجب أن نعلم أن البر هو أعظم بكثير من المكافأة، لأن البر هو التعويض الذي يشمل مكافآت كثيرة.

          إذًا بعدما أظهر حقيقة البر الذي بالإيمان، بدايةً من إبراهيم، أشار بعد ذلك إلى داود الذي تذوق كل ما سبق الإشارة إليه. إذًا فماذا قال داود، ومَن هو ذاك الذي يطوّبه؟ هل هو الإنسان الذي يفتخر بالأعمال، أم ذاك الذي تمتع بالنعمة، ونال الغفران والعطية؟ وعندما أتكلم عن الطوبى أو السعادة، فإننى أقصد قمة كل الخيرات. لأنه كما أن البر هو أعظم من الأجر، هكذا فإن الغبطة أعظم من البر. وبعدما أظهر عظمة البر، ليس فقط من حيث إن إبراهيم قد ناله، بل لأن البر أعظم من الأفكار (أى تلك التي تعتمد على العمل الذاتى). لأنه كما يقول الرسول بولس إن العمل قد يدعو للفخر      ” ولكن ليس لدى الله “، أيضًا يُقدم البر على أنه أكثر أهمية، لكن بطرق أخرى، مشيرًا إلى داود الذي تذوقه قائلاً:

 

” كما يقول داود أيضًا في تطويب الإنسان الذي يحسب له الله برًا بدون أعمال طوبى للذين غُفرت آثامهم وسُترت خطاياهم ”[5] (رو6:4ـ7).

          ومن الواضح أنه لم يُشر إلى شهادة مقبولة، لأنه لم يقل طوبى لمن حُسب له إيمانه برًا. وهو يفعل هذا لا عن جهل، ولكن لكى يظهر عظمة الامتياز. فإن كانت الطوبى تُنسب للإنسان الذي نال غفرانًا بالنعمة، فبالأولى جدًا، ستكون الطوبى لذاك الذي تبرّر، وذاك الذي أظهر إيمانًا.    وحيثما يوجد تطويب يختفى كل خجل وتظهر عظمة المجد الإلهى. لأن الطوبى أسمى من الأجر ومن المجد. فما يُعد ميزة لذاك الذي يعمل، يذكره دون إشارة إلى الكتاب قائلاً: ” أما الذي يعمل فلا تُحسب له الأجرة على سبيل نعمة…” أما من جهة تميّز المؤمن، فإنه يُظهرها (أى الطوبى) مستشهدًا بالكتاب قائلاً على فم داود: ” طوبى للذي غُفر اثمه وسُترت خطيته “. ولهذا يتساءل لماذا تظن أنك أخذت الغفران على سبيل دين وليس على سبيل نعمة؟ إذًا فالذي يؤمن، هو ذاك الذي يُطوّب، ولم يكن الرسول ليُطوب داود لو لم يرى كيف أنه يتمتع بمجد عظيم، ولم يقل إن هذا الغفران يتعلق باليهودى. فلنرى ماذا قال:

 

” أفهذا التطويب هو على الختان فقط أم على الغرلة أيضًا ”؟ (رو9:4).

          ها هو يفحص لمن يكون هذا التطويب، أهو لليهودى أم للأممى.

          انتبه إلى هذا الامتياز. لأنه يُظهر أن هذه الطوبى لا تتجاوز الأممى، بل إنها تأتى إليه قبل اليهودى. لأن ذاك الذي يطوبه داود، كان أيضًا مختتنًا، وكان يتحدث إلى مختونين. ولاحظ كيف حاول الرسول بولس أن يوجه حديثه إلى الأممى، فبعدما ربط البر بالطوبى في وحدة واحدة معًا، وبعدما أظهر كيف أن الاثنين كانا واحد، يشرح كيف تبرّر إبراهيم لأنه إذا كان التطويب يتعلق بالبار، وقد تبرّر إبراهيم، فلنرى كيف تبرّر…

 

” أوهو في الختان أم في الغرلة ” (رو10:4).

          يقول: إنه قد تبرر بالإيمان لكنه كان ” ليس في الختان بل في الغرلة” ولهذا سبق فقال عنه ” ولأننا نقول إنه حسب لإبراهيم الإيمان برًا” (رو9:4). هذا ما سبق وذكره الكتاب عنه حينما قال “ فآمن إبراهيم بالله فحُسب له برًا“، ولأن بولس يميّز هنا بين المختون والأغرل، فقد بيّن كيف أن البر قد صار للأغرل.

          ثم بعد ذلك يقدم حلاً للتباين الذي نتج عن كل ما سبق عرضه. ويتساءل إن كان إبراهيم قد تبرر عندما كان أغرل، فلماذا أشار إلى الختان؟ قائلاً:

 

” أخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ” (رو11:4).

          أرأيت كيف أظهر الرسول بولس هؤلاء اليهود، مثل الطفيليين؟ وكيف أن غير المختتنين قد وصلوا إلى نفس مكانة اليهود؟ لأنه إذا كان إبراهيم قد تبرر وتوّج عندما كان أغرل، ثم بعد ذلك اختتن، وبعد ذلك قَبِل اليهود الختان، فيكون إبراهيم أولاً أبًا للذين كانوا في الغرلة، وهؤلاء هم أقرب له بسبب الإيمان، ثم صار بعد ذلك أبًا للختان، إذًا فهو جد مزدوج. أرأيت كيف أنه يعطي أهمية عظيمة للإيمان؟ لأن إبراهيم لم يتبرر قبل أن يؤمن. أرأيت كيف أن الغرلة لا تعوق مطلقًا (التبرير)؟ لأنه كان أغرل ولم يعوقه هذا عن نوال البر. وبناء عليه فالإيمان يسبق الختان.

          3 ـ ولماذا تشك في حقيقة أن الختان يأتى بعد الإيمان، طالما أنه يأتى بعد الغرلة؟ وهو ليس فقط بعد الإيمان، بل أنه أدنى بكثير من الإيمان، بمقدار ما يكون الرمز أقل من العلامة الأصلية التي أُخذ منها، على سبيل المثال هو أدنى، بقدر ما يكون الختم الذي يحمل صورة جندى أدنى من الجندى نفسه.

          ولكن لماذا احتاج إبراهيم إلى ختم؟ إنه لم يكن في احتياج لختم (الختان). فلأى سبب قَبله؟ لقد قَبله ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون، ليس فقط للذين ليسوا من الختان بل ليكون أبًا للختان أيضًا. ولهذا أضاف:      ” لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة “. إذًا فلو كان أبًا للذين هم في الغرلة ـ ليس لكونه أغرل ـ على الرغم من أنه تبرر عندما كان في الغرلة، بل لأنهم سلكوا في خطوات إيمان إبراهيم، وبالأولى جدًا لا يعتبر أبًا للذين هم في الختان، بسبب الختان، بل بسبب الإيمان فقط. وقد أخذ الختان، حتى يكون أبًا لكلاهما (للختان وللغرلة) وأيضًا حتى لا يحتقر الذين هم في الغرلة أولئك الذين هم في الختان.

          أرأيت كيف كان أولاً أبًا لأولئك الذين هم في الغرلة؟ وطالما أن الختان هو أمر هام ـ لأنه يُخبر عن البر ـ فإن الغرلة لها قيمة عظيمة إذ أنها تعلن عن البر الذي يسبق الختان. عندئذٍ يُمكنك أن تقول بأن إبراهيم هو أب لك، عندما تقتفى خطوات إيمانه، ودون أن تتشاجر أو تثور عندما تتكلم عن الناموس. أخبرنى أى إيمان هذا الذي يجب أن تتبعه؟ الإيمان:

 

” الذي كان وهو في الغرلة ” (رو12:4).

          ومرة أخرى يضبط افتخار اليهود، مُذكّرًا إياهم بزمن البر. وحسنًا قال: ” يسلكون في خطوات “[6]، وذلك لكى تؤمن بقيامة الأموات على شبه إيمان (الذي آمن بالمواعيد وحيّاها من بعيد). لأن إبراهيم من جهة هذا، أظهر إيمانًا. وبناء على ذلك فإن كنت ترفض الغرلة فلتعلم جيدًا، أنك لن تحصد أى مكسب، ولا حتى من الختان. إذًا فإن لم تتبع خطوات الإيمان، فلن تكون ابنًا لإبراهيم، وحتى لو أختتنت آلاف المرات، إذ أنه أخذ الختان ختمًا لبر الإيمان، لكى لا يرفضك الأغرل. إذًا لا تطلب من الأغرل أن يختتن، لأن هذا الأمر (أى الختان) قد صار لك عونًا، وليس للأغرل.

          بيد أن الرسول بولس يقول إن الختان هو علامة للبر. وهذا قد صار من أجلك، إلاّ أنه (أى الختان) قد انتفى الآن ولم يعد له وجود. لأنه في ذلك الزمان كنت تحتاج لعلامة جسدية، لكن الآن لا يوجد أى احتياج لذلك.  فهل كان ممكنًا من جهة الإيمان أن نتعرف على فضيلة ما في نفسه؟ من المؤكد أن هذا كان ممكنًا، لكن أنت كنت تحتاج لمثل هذه الإضافة (أى الإيمان). ولأنك لم تتذوق الفضيلة، ولم تستطع أن تحياها، فقد أُعطى لك الختان الجسدى، حتى أنك عندما تمارس هذا الختان الجسدى، تُقاد خطوة خطوة نحو الحكمة، وطالما أنك تقتنيها بمحاولات كثيرة، كدرجة عظيمة جدًا، فلتتعلّم أن تسير في خطوات إبراهيم. وهذا لم يفعله الله بالنسبة للختان، بل بالنسبة لكل الأمور الأخرى، مثل الذبائح، والسبوت، والاحتفالات. إذًا فقد أخذ إبراهيم الختان لأجلك. واسمع الكلام الآتى، لأنه بعدما قال، أخذ علامة، وختمًا، أضاف السبب وراء ذلك قائلاً: ” لكى يصير أبًا للختان ” أبًا لأولئك الذين يقبلون الختان الروحى، لأنه لو أخذت الختان الجسدى فقط فلن تنتفع بأى شئ آخر أكثر من هذا.

          لذلك فإن الختان كان آنذاك بمثابة علامة، وذلك في الوقت الذي كانت هذه العلامة تتمم فيه كرمز لأمر واضح بالنسبة لك، وهو الإيمان. وهكذا فإن لم يكن لديك إيمان فإن هذه العلامة ستفقد قيمتها ومعناها. لأنه لأي شئ سترمز تلك العلامة، ولأى أمر سيشير الختم، لو لم يوجد الإيمان هذا الذي يُختم لأجله؟ كما لو كنت قد أريتنا حافظة عليها ختم ولكنها لا تحتوى على أى شئ داخلها. ولذلك فالختان سيكون مدعاة للسخرية، عندما لا يلازمه الإيمان. لأنه لو كان الختان علامة للبر، فلن يكون لديك برًا ولا علامة. ولهذا السبب تحديدًا قد وُضعت علامة (الختان)، لكى تطلب بإلحاح، الأمر الذي لأجله وُضعت هذه العلامة، (وهو الإيمان). لأنه لو أن الأمر يتعلق بطلب الإيمان، دون العلامة، فلن تحتاج للعلامة. لكن الختان لا يُعلّم عن البر فقط، بل يُعلّم أيضًا بأنه ليس هناك حاجة للختان وللناموس:

 

” فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو لنسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان وبطل الوعد ” (رو14:4).

          لقد أظهر أن الإيمان هو ضرورة، وأنه سابق على الختان وأنه أقوى من الناموس، وهو يثبّت الناموس. إذًا فطالما أن الجميع أخطأوا، فالإيمان هو ضرورة. ومادام إبراهيم قد تبرّر وهو في الغرلة، فالإيمان هو أسبق، وطالما أنه من خلال الناموس قد اتضح أن الإيمان هو الأقوى، وطالما أن الناموس يؤكده، وهو يثبّت الناموس، فلا يوجد تعارض، بل تآلف وتعاون. ويبيّن الرسول بولس في موضع آخر، أنه من غير الممكن أن نصير ورثة بالناموس، وأيضًا يقارن بين الإيمان والناموس، قائلاً: ” لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان “. ولكى لا يقول أحد أنه من الممكن أن يكون لديه إيمانًا وأن يحفظ الناموس في الوقت نفسه، فقد بيّن استحالة تحقيق هذا الأمر. ولهذا قال: ” فقد تعطل الإيمان ” بمعنى أنه إذا حدث ذلك فإنه لا حاجة للخلاص كنعمة ولا يمكن أن تُستعلن قوة الإيمان، وحينئذٍ يبطل الوعد. ربما يستطيع اليهودى أن يقول ما حاجتى للإيمان؟ باعتبار أنه يحفظ الناموس، إلاّ أنه إذا تعطل الإيمان فحتمًا سيبطل الوعد.

          4 ـ لاحظ أن الرسول بولس يُقاومهم، وهو يرجع إلى البداية أى إلى زمن إبراهيم. وإذ قد أظهر أن البر مرتبط بالإيمان منذ ذلك الحين، فهو بهذا يوضح أن الوعد مرتبط (بالإيمان) بنفس الطريقة. لكى لا يقول اليهودى: وماذا يعنيني إن كان إبراهيم قد تبرر بالإيمان؟ يقول بولس لكن الوعد بالميراث ـ وهو الأمر الذي يهمك ـ لا يمكن أن يتحقق بدون الإيمان، وهنا فهذا الأمر يُسبب قلقًا وخوفًا كبيرًا لليهود. لكن أى وعد يقصد؟ الوعد بأن يصير ذاك وارثًا للعالم، وأن بواسطته سيتبارك الجميع. وكيف بطل هذا الوعد؟ يقول الرسول بولس:

 

 

” لأن الناموس ينشئ غضبًا إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعد” (رو15:4).

          إذا كان الناموس ينشئ غضبًا، ويجعل الناس مسئولين عن المخالفات التي يرتكبونها، فمن الواضح جدًا أنه جاء للعنة. لكن أولئك المخالفون الذين استحقوا اللعنة والعقاب، هؤلاء ليسوا مستحقين أن يصيروا ورثة، بل أن يُدانوا وأن يُستبعدوا من الميراث.       

          ماذا حدث إذًا؟ الذي حدث هو أن الإيمان أتى بالنعمة، لكى يتحقق الوعد. لأنه حيث توجد النعمة يوجد غفرانًا، وحيث يوجد غفرانًا لا توجد أى إدانة. وعندما تبطل الإدانة ثم يأتى بعد ذلك البر الذي بالإيمان، عندئذٍ لا يوجد أى شئ يمكن أن يعقونا عن أن نصير ورثة للوعد الذي يأتى بواسطة الإيمان. لذلك يقول الرسول بولس:

 

” لهذا هو من الإيمان كى يكون على سبيل النعمة ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل ليس لمَن هو من الناموس فقط بل أيضًا لمَن هو من إيمان إبراهيم الذي هو أب لجميعنا ” (رو16:4).

          أرأيت كيف أن الإيمان لا يُدعم الناموس. وليس هذا فقط، بل ولا يُكذّب وعد الله. بل على العكس فإن الناموس يُبطل الإيمان، وذلك عندما يُحفظ في وقت غير مناسب فيبطل الوعد؟ إن هذا كله يُظهر كيف أن الإيمان هو أمر هام وضرورى جدًا، حتى أنه لا يمكن أن نخلص بدونه. فمن المؤكد أن الناموس يُنشئ غضبًا، طالما أن الجميع خالفوه، بينما الإيمان لا يترك مجالاً ليسود فيه الغضب، لأن الرسول بولس يقول: ” إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعد“.

          أرأيت كيف أن الرسول بولس لم يتحدث عن محو أو إزالة الخطية (عن طريق الناموس)، وليس هذا فقط، بل ولم يترك مجالاً للحديث عن أن الوعد يمكن أن يكون نتيجة العمل بالناموس؟ ولهذا قال “على سبيل النعمة“. لكن لماذا قال على سبيل النعمة؟ قال هذا لا لكى نخجل، بل ” ليكون الوعد وطيدًا لجميع النسل“. وهنا يشير الرسول بولس إلى الخيرات، حيث إن الوعد بالخيرات هو أمر مؤكد، وأن هذه الخيرات ستُعطى لجميع النسل وتشمل أولئك الذين يأتون من الأمم، ويُدلّل على أن اليهود سيكونوا خارج هذه الوعود إذا قاوموا الإيمان، لأن هذا الوعد هو أكثر ضمانًا من الناموس. فلا تحتج أو تُعارض من جهة أهمية الإيمان لتحقيق الوعد، لأن الإيمان لا يسبب لك ضررًا، بل على العكس عندما تتعرض لخطر من الناموس، فإن الإيمان ينقذك ويحفظك من هذا الخطر. لأنه قال بعد ذلك:   ” لجميع النسل “، وهو يُحدد إلى أى نسل: ” لمَن هو من إيمان إبراهيم “، مشيرًا إلى القرابة التي صارت للأمم، ومبينًا أنه لا أحد يستطيع أن يفتخر بإيمان إبراهيم إلاّ الذين يسلكون في خطوات إيمان إبراهيم. وها هو أمر ثالث قد صنعه الإيمان، أى جعل القرابة إلى إبراهيم البار أكثر تأكيدًا، وجعله أبًا لنسل كثير. ولهذا لم يقل فقط ” إبراهيم ” ولكن ” أبو المؤمنين، أى أنه أبًا لجميعنا “. ثم بعد ذلك يؤكد على ما سبق وقاله، من خلال شهادة كتابية قائلاً:

” كما هو مكتوب إنى قد جعلتك أبًا لأمم كثيرة ”[7] (رو17:4).

          أرأيت كيف قد تم إعداد كل هذا منذ البداية بواسطة العناية الإلهية؟ ماذا لو أن كل ذلك قد قاله للإسماعيليين أو لعماليق أو للهاجريين؟ هذا الإيمان ظل يظهره بكل وضوح، بمعنى أن الإيمان لم يُقدّم لهؤلاء، لكنه تعجّل أولاً أن ينتقل لأمر آخر أظهر به نفس الشئ، ومحددًا من خلاله طريقة هذه القرابة، وقد أظهر ذلك برؤية ثاقبة. ماذا قال إذًا؟ قال: ” أمام الله الذي آمن به“. وما يقوله يعنى الآتى: تمامًا كما أن الله ليس هو إله للبعض فقط، لكنه أب للجميع، فهكذا إبراهيم أيضًا. وكما أن الله ليس هو أبًا، وفقًا للقرابة الطبيعية (البشرية)، لكنه أب وفقًا لقرابة الإيمان، هكذا إبراهيم أيضًا، لأن خضوعه لله (بالإيمان)، جعله أبًا لجميعنا.

          ولأن اليهود اعتبروا أن قرابة الإيمان ليست لها أهمية، طالما أن لهم صلة القرابة الطبيعية (بإبراهيم)، فقد أظهر الرسول بولس أن القرابة بالإيمان هى أكثر أهمية، حيث إنه يتكلّم عن عطية الله، بالإضافة إلى ذلك فقد أوضح أن إبراهيم قد نال المكافأة بسبب الإيمان. وبناء على ذلك فإن لم يكن هناك إيمان، فحتى لو كان إبراهيم أبًا لجميع البشر في كل الأرض، فإن عبارة “أمام الله” ليس لها أهمية، بل أن عطية الله قد انقطعت، لأن كلمة “أمام” تعني أن الجميع متساوون أمامه، إذ أنه (لا يُحابي أحدًا). أخبرنى ما هو العجيب في أن يكون إبراهيم أبًا لكل مَن ينحدر منه؟ لأن هذا ما يتعلق بكل البشر، فكل إنسان له أصل ينحدر منه. إذًا فالعجيب هو أن كل مَن لم ينحدر منه بحسب القرابة الطبيعية، قد صار قريبًا له بواسطة نعمة الله.

[1] رو17:1.

[2] رو1:3.

[3] رو9:3.

[4] رو27:3.

[5] مز1:32.

[6] رو13:4.

[7] تك5:17.

رسالة رومية الأصحاح4 – عظة9 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الثامنة:

5 ـ لأنه بعد هذه النعمة، التي تبرّرنا بها، فإن الأمر يحتاج لأسلوب حياة مناسب، فلنُظهر محاولة تليق بهذه العطية لتطبيق مثل هذا الأسلوب. ولنعتنى أن نحفظ المحبة التي هى تاج كل الخيرات، وأن نُظهرها ولو بمحاولات كثيرة. لأن المحبة لا تعنى الكلام فقط، ولا المحاضرات الكثيرة، ولكنها تكمن في مساعدة الآخر، إذ أنها تظهر في الأعمال، وعلى سبيل المثال يتجلّى عمل المحبة عندما يقلل أحد من حالات الفقر، أو يُعين المرضى، أو يُبعد الأخطار، أو يقف بجوار الذين يواجهون مواقف صعبة، أو يبكى مع الباكين، ويفرح مع الفرحين. وعلى الرغم من أن الفرح مع الفرحين يبدو أمرًا بسيطًا، إلاّ أنه يعد عملاً عظيمًا للغاية، ويحتاج إلى فكر حكيم. فمن الممكن أن نرى كثيرين قد حققوا أمورًا صعبة المنال، ولكنهم لا يستطيعون أن يحققوا (المحبة التي تفرح بفرح الآخرين) لأن كثيرين يبكون مع الباكين، لكنهم لا يفرحون مع الفرحين، إذ نجدهم يذرفون الدموع عندما يفرح الآخرين، وهذا هو الحسد والحقد.

          إذًا فكون الإنسان يشارك أخاه في فرحه فهذا ما يعد إنجازًا عظيمًا، وهو أكبر ليس فقط من أن يبكى مع الباكين، بل أيضًا من أن يقف إلى جوار أولئك الذين يتعرّضون للمخاطر. لقد خاطر كثيرون مع أولئك الذين تعرضوا للخطر، وعندما ابتهج هؤلاء تضايقوا هم، هذا هو مرض الحسد، على الرغم من أن الأول (البكاء) ينتج عنه تعب وعرق، بينما الثانى (الفرح) يأتى نتيجة اختيار وقرار فقط، فإن الكثيرين يحتملون ما هو أصعب ويتركوا ما هو أسهل، فنجدهم يئّنوا ويحزنوا جدًا عندما يرون الآخرين يفرحون وعندما يرون أن الكنيسة كلها تنتفع، سواء بالكلمة أو بأى طريقة أخرى. وهل يوجد أسوأ من هذا؟ لأن مثل هذا الإنسان، لا يحارب اخوة فقط، بل يقاوم إرادة الله أيضًا. إذًا يجب عليك عندما تدرك هذا أن توقف المرض (أى الحسد)، وإن لم تستطع أن تقبل قريبك، فعلى الأقل حاول أن تخلّص نفسك من شرور كثيرة (تنتج عن هذا الحسد).

ولماذا تسمح بالحرب أن تخترق أفكارك؟ لماذا تملأ نفسك بالضجيج؟ لماذا تتسبب في الكوارث؟ لماذا تُثير القلق والإرتباك؟ كيف يمكنك أن تطلب غفرانًا للخطايا عندما تصنع كل هذا؟ فإن كان الله لا يغفر لأولئك الذين لا يغفرون خطايا الآخرين، فكم بالحرى أولئك الذين يحاولون أن يظلموا أُناسًا لم يرتكبوا أى ظلم في حقهم. وأى غفرانًا سيُعطى لهم؟[1] هذا يعد برهانًا على ممارسة أسوأ أنواع الشرور. هؤلاء الظالمون إنضموا إلى الشيطان في محاربة الكنيسة، بل ربما بصورة أسوأ بكثير. لأنه من الممكن أن نحترس من الشيطان لأننا لا نجهل حيله، لكن هؤلاء الأشرار وهم يرتدون قناع المحبة، فإنهم يشعلون النار خفيةً. إن ذلك لا يمكن أبدًا أن يدعو للشفقة، بل أنه مثار للسخرية أيضًا. أخبرنى إذًا، لماذا يصفّر وجهك وترتعش وتقف مرتعبًا؟ وما هو الشر الذي حدث؟ هل لأن أخاك قد صار مشهورًا، ممجدًا وناجحًا؟ إن هذا يدعوك أن تتهلل وتفرح وتمجد الله، فإن أحد أعضائك صار مشهورًا ومُمجدًا، إلاّ أنك في الحقيقة تتألم بسبب أن الله قد تمجد في أبنائه.

أرأيت إلى أين تقود هذه الحرب؟ وإن كان أى يهودى يدّعي بأنه لا يتألم لأن الله يتمجّد، لكنه يتألم لأن الأخ يُمجد. إن مجد الله يُستعلن من خلال مجد الأخ، وعليه فأنت الذي تقود هذه الحرب. ومع هذا تقول إن هذا لا يضايقنى وما أريده فقط هو أن يتمجد الله من خلالك. كان ينبغى عليك أن تفرح عندما يفرح أخوك، تمامًا كما تفرح عندما يتمجد الله من خلالك، عندئذ سيقول الجميع مبارك الله الذي لديه مثل هؤلاء الخدام المتحررين من كل حسد، والفرحين بكل الأمور الحسنة التي تسود فيما بينهم. ولماذا أتكلّم عن الأخ؟ لأنه لو كان الذي تمجّد الله من خلاله خصمًا وعدوًا، ولكن الله تمجّد من خلاله، فينبغى عليك لأجل هذا السبب أن تجعله صديقًا لك. ولكنك تجعل الصديق عدوًا لأن الله قد تمجد بتقدمه ونجاحه. فلو أن شخصًا ما قد ساهم في شفاء جسدك المتألم فسوف تعتبره فيما بعد من أصداقائك المقرّبين حتى ولو كان عدوًا، بينما ذاك الذي يُزين جسد المسيح، أى الكنيسة، وهو صديق لك، فأنت تعتبره عدوًا. وهل توجد طريقة أخرى أسوأ من ذلك تُحارب بها المسيح؟ ولهذا فحتى لو صنع المرء معجزات، أو سلك طريق البتولية أو مارس الصوم أو النوم على الأرض، ووصل بفضيلته إلى مستوى الملائكة، لكنه يحمل هذا العيب (أى الحسد) سيعتبره الجميع مريضًا، وأشّر جدًا من الزانى والعاهر والسارق ونابش القبور.

6 ـ ولكى لا يتهمنى أحد بالمبالغة في القول فسوف أسألكم، لو أن شخصًا ما أخذ نارًا وأدوات هدم وقام بهدم وحرق هذه الكنيسة ودمر هذا المذبح، ألا يرميه كل أحد من الموجودين هنا بحجر كدنس ومُدان؟ ماذا إذًا، لو أحضر شخص، هذا اللهب المشتعل جدًا، أى الحسد، والذي لا يهدم فقط مبنى مشيدًا بالحجارة، ويُدمر مذبحًا من الذهب بل يهدم ما هو أثمن وأقيم بكثير من الحوائط ومن المذبح، يدمر البناء الروحى الذي أقامه المعلّمين، فأى غفرانًا يمكن أن يناله؟ ولا يقل لى أحد، إنه حاول مرات كثيرة أن يتخلّص من هذا الداء (أى الحسد) ولم ينجح، لأن كل الأمور يُحكم عليها من جهة الإرادة. لأن شاول أُعتبر أنه قتل داود، على الرغم من أنه لم يتمكن من ذلك.

أخبرنى، هل لا تعلم أنك تتآمر على خراف المسيح، تحارب الراعى والخراف التي بذل المسيح دمه من أجلها وأوصانا أن نجوز الآلام وأن نعمل بكل اجتهاد من أجلها؟ ألا تتذكر، أن سيدك طلب من الآب مجدًا لك ولم يطلب لنفسه، بينما أنت لا تطلب مجد الرب بل مجدك الذاتى على الرغم من أنه لو طلبت مجد الرب، فستنال عندئذٍ مجدك الشخصى. أما إن طلبت المجد الذاتى قبل مجد الرب، فلن تتمتع أبدًا بهذا المجد. فما هو طريق الشفاء إذًا؟ نصلى معًا ونرفع جميعًا صوتًا واحدًا من أجل هؤلاء كما لو كانوا مرضى. لأنه بالحقيقة هؤلاء سلكوا بشكل أكثر سوءًا من أولئك الذين سلكوا بشهوة جامحة. لأن هذا المرض (الحسد) يحتاج صلوات وتضرعات كثيرة، لأن الذي لا يُحب أخاه لن يحقق أى شئ، حتى لو أنفق أموالا كثيرة، وحتى لو أُفرز للشهادة. تأمل حجم العقوبة التي يمكن أن ينالها الذي يُحارب أخاه دون أن يكون ذاك قد ظلمه أبدًا. إنه يُعد أسوأ من الوثنيين.

إذًا لو أننا نحب أولئك الذين يحبوننا فلن نتميّز عنهم بشئ. أخبرنى أين سيقف ذاك الذي يحسد أولئك الذين يحبونه عندما يمثل أمام الله يوم الدينونة العتيدة؟ لأن الحسد يعتبر حقًا أشر من الحرب. لأن العداوة بين المتحاربين تزول بزوال أسباب الحروب، بينما الحاسد لا يمكن أن يصير صديقًا لآخر. والأول (أى المحارب) يُعلن عن معركته بينما الثانى (أى الحاسد) يُخفيها. الأول يستطيع أن يذكر في مرات كثيرة مبررات شن الحروب، بينما الثانى لا دوافع لديه سوى الحماقة والرغبة الشيطانية. إذًا بأى شئ يستطيع المرء أن يقارن هذه النفس؟ بأى شئ فاسد؟ بأي وسيلة دفاع؟ بأي حشرة؟ بأي دويبة؟ لأنه لا يوجد شيئًا يُثير الإشمئزاز أكثر من هذه النفس. لأن مرض الحسد يقود بالحقيقة إلى فوضى في الكنائس، وقد ولّد الخطايا، ووضع سلاحًا في يد الأخ، وجعل اليد اليمنى ترتوى بدم البار، دمر نواميس الطبيعة، فتح أبواب الموت، وقد تسبب في اللعنة[2]، ولم يترك قايين البائس أن يتذكر آلام الوضع ولا حالة الوالدين وحزنهم على فراق ابنهما ولا أى شئ آخر، لكن هذه اللعنة جعلته مشتتًا، وقادته إلى هذا الجنون، وعلى الرغم من أن الله قد قال له ” عند الباب خطية رابضة وإليك اشتياقها وأنت تسود عليها[3]، فإنه لم يتراجع. فالشفاء من هذا المرض (أى الحسد)، يعد أمرًا صعبًا، حتى ولو أُعطى المريض أدوية كثيرة، الحسد يُفجر الفساد (أى فساد الحاسد).

إذًا لماذا تتألم وأنت أكثر بؤسًا من الجميع؟ هل لأن الله تمجّد؟ إن هذا الأمر يكشف عن سيادة الشيطان على النفس. هل لأن أخاك صار أفضل منك؟ إنك تستطيع أيضًا أن تتفوق عليه وتصير أفضل. وبناء على ذلك، فلو أردت أن تفوز ينبغى ألا تذبح وألا تقتل، بل يجب أن تتركه ليحيا لكى يبقى لديك دافعًا للجهاد وتنتصر الحياة، لأنه بذلك سيكون تاجك منيرًا. لكنك بهذا الفعل تكون قد أصدرت ضد نفسك أكبر قرار بالهزيمة. لا شئ من كل هذا يعرفه الحاسد. ولأى سبب تحب المجد بهذا القدر مع أنك ستبقى وحيدًا؟ إن قايين وهابيل هما فقط اللذان كانا يعيشان في هذه الأرض. لكن ولا هذا أيضًا قد جعل قايين يضبط مشاعره، لكنه أفرغ نفسه من كل صلاح وأخذ موقفًا وقتل أخاه بتحريض من الشيطان. لأن الشيطان كان حقيقة هو القائد آنذاك لأنه لم يكن كافيًا للشيطان أن الإنسان قد صار فانيًا، لكنه حاول أيضًا أن يجعل الكارثة أكبر، عن طريق القتل، فأقنع قايين بأن يقتل أخيه. لأن ذاك الذي لا يشبع مطلقًا من ممارستنا للشرور قد تَعجّل وكان مُتلهفًا أن يرى قرار القتل وقد تحقق، تمامًا مثل شخص، رأى عدوه محبوسًا، وأن حكمًا بالاعدام قد صدر ضده، فيكون متعجلاً لرؤية تنفيذ حكم الاعدام داخل المدينة قبل أن يخرج منها ولا ينتظر الوقت المحدد لتنفيذ الحكم، هكذا صنع الشيطان آنذاك. فعلى الرغم من أنه قد سمع أن الإنسان سيعود إلى الأرض[4] إلاّ أنه كان مُتلهفًا أن يرى المزيد، أن يموت الابن قبل الأب، والأخ يقتل أخاه، وبأسلوب بشع وعنيف.

7 ـ أرأيت حجم أو كم الخدمات التي يُقدمها الحاسد للشيطان؟ وكيف أنه أشبع رغباته التي لا تُشبع، إذ قدّم له مائدة غنية على قدر ما يشتهى، ليتنا إذًا نتجنب هذا المرض. لأنه بالحقيقة من غير الممكن أن نتجنب تلك النار التي أُعدت للشيطان وأعوانه إن لم نتخلّص من هذا المرض (أى الحسد) لكننا سوف نتخلّص منه لو أدركنا أن المسيح قد أحبنا وأعطانا وصية أن نُحب بعضنا بعضًا. وكيف أحبنا؟ لقد أحبنا حين سفك دمه الكريم لأجلنا، على الرغم من أننا كنا أعداءًا، وصنعنا شرورًا كثيرة.

نفس الأمر اصنعه أنت تجاه أخيك، لأن المسيح أمرنا قائلاً: ” وصية جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم[5]. أو من الأفضل أن نقول إن الأمر يتجاوز مجرد محبتنا بعضنا لبعض، لأن المسيح فعل هذا لأجل أعدائه. ومع هذا فأنت لا تريد أن تعطى دمك لأجل أخيك. لكن لماذا إذًا تسفك دمه مخالفًا الوصية؟ على الرغم أن ما صنعه المسيح لم يصنعه كدين عليه، ولكن عندما تفعل أنت ذلك، فأنت تُسدد دينك. لأن ذاك أيضًا الذي أخذ عشرة آلاف وزنة، وطالب بالمائة دينار من العبد المديون لم يُدان فقط من أجل هذا، أى لأنه طالب بما له، ولكن لأنه لم يصر أفضل، لا بفعل الاحسان، ولا أنه صنع كما صنع سيده معه في البداية، ولا أعاد الدين. لأن هذا الدين ملقى على عاتق العبد وعليه أن يسدده[6]. فإن كل ما نفعله فإننا نفعله بالحقيقة لكى نُسدد دينًا. ولأجل هذا قال المسيح: “متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا[7]، حتى عندما نُظهر محبة، أو نُعطى أموالاً للمحتاجين، فإننا في الحقيقة نسدد دينًا. ليس فقط لأن ذاك قد بدأ بالإحسان، لكن لأننا نُعطى مما له، هذا لو حدث مرةً وأعطينا.

لماذا إذًا تحرم نفسك من تلك الأمور التي يريد الله بها أن يجعلك سيدًا؟ طالما أنه لأجل هذا أوصاك أن تقدّم محبة للآخر، لكى تحصل عليها أنت أيضًا. لأن كل ما تقتنيه لنفسك فقط لن تتملكه، ولكنه سيكون لك عندما تعطى للآخر. ترى، هل هناك ما يكون مساويًا أو مشابهًا لهذه المحبة، إن المسيح سفك دمه لأجل الأعداء، بينما نحن لا نُعطى أموالاً حتى لأجل خيرنا. ذاك سفك دمه بينما نحن لا نعطى ولا حتى الأموال التي ليست لنا. ذاك أُعطى أولاً، لكننا لم نقدّم أى شئ بعد ذلك. وبرغم أن ذاك قدّم نفسه لأجل خلاصنا، إلاّ أننا لم نفعل أى شئ، حتى وإن كان لأجل منفعتنا. فما قدّمناه لا يتعدى مجرد أعمال الرحمة الإنسانية، على الرغم من أن كل الأشياء تؤول في النهاية لنا. ولهذا فقد أُعطينا وصية المحبة، حتى تكون لنا هذه المحبة.

تمامًا كما لو أن شخصًا أعطى مالاً لطفل صغير وأمره أن يمسك به جيدًا، أو أعطاه لخادم لكى يحفظه، حتى لا يستطيع مَن يطمع فيه أن يخطفه، هذا بالضبط ما صنعه الله. وأنت أيضًا إعطى  لمَن له إحتياج، لكى لا يأتى آخر ويسلبه منك، مثل السارق أو الشيطان. إن الموت سيخطفه في نهاية الأمر. لذلك حتى وإن احتفظت بهذه الأموال، فلن تحتفظ بها في أمان. ولكنك إذا قدمتها إلى الله، من خلال عطائك للفقراء، فإنه سوف يحفظها لك في أمان، وسوف يردها لك وبوفرة وفي الوقت المناسب. لأن الله لا يأخذها لكى ينزعها منك ولكن لكى يزيدها، ولكى يحفظها في أمان أكثر، لكى يحفظها لذلك الزمان الذي يختفى فيه مَن يُقرض أو مَن يقدم عمل رحمة للآخرين.

إذًا بعد كل هذه الوعود هل هناك مَن هم أكثر قسوة منا عندما نرفض أن نُعطى لله أو أن نقرضه؟ ما ينبغى إدراكه أننا سوف نذهب لله مجردين من كل شئ، بل وفقراء دون أن نحتفظ بشئ مما قد استأمنا هو عليه، لأننا لم نودعه عند ذاك الذي يستطيع أن يحفظه بأمانة أكثر من الجميع. ولهذا فإننا سنُعاقب أشد عقاب. ماذا نستطيع أن نقول إذًا عندما سُندان بسبب تقصيرنا في العطاء. وأى تبرير سنُقدم؟ ولأى سبب لم نُعطى؟ ألا تثق بأنك سوف تأخذ ما قدّمته مرةً أخرى؟ وكيف يمكن أن يكون لهذا مُبرر؟ لأن الله أعطى بسخاء لذاك الذي لم يعط شيئًا فكيف لا يعطى الإنسان أكثر بكثير بعدما أخذ مجانًا؟ وهل الأخذ دون عطاء يسبب لك فرحًا؟ لأجل هذا ينبغى عليك أن تعطى بوفرة، فإن هذه العطايا ستجعلك تفرح أكثر في الحياة الأخرى، هناك حيث لا يستطيع أحد أن ينزعها منك، ولكن إن احتفظت بها لنفسك الآن، فإنك ستعانى شرورًا كثيرة. ومثلما يفعل الكلب الذي يريد أن يخطف قطعة خبز من يد طفل وهو ممسك بها، هكذا يفعل الشيطان في هجومه على الأغنياء.

إذًا فلنعطى هذه الأموال لله، وعندما يرى الشيطان هذا العطاء فإنه سينسحب بكل تأكيد. وعندما ينسحب، فإن الله وقتها سيعطيك كل ما قدّمت وليعوّضك عن هذا العطاء أضعافًا هناك في حياة الدهر الآتى حيث لا يستطيع الشيطان أن يُسبب أى إزعاج. فالأغنياء الآن لا يختلفون على الإطلاق عن الأطفال الذين ينزعجون من بعض الكلاب عندما تعوى جميعها حولهم، والشياطين أيضًا تحاول أن تفترس البشر بإستعبادهم للشهوة، وبالنهم، وبالسكر، وبالنفاق، وبالفجور. وعندما تكون هناك حاجة لكى نُقرض، فإننا ندقق في أولئك الذين أعطوا كثيرًا، ونفحص جيدًا فاعلى الإحسان (حتى نرى حجم العطاء)، لكن نحن هنا نصنع العكس. فالله الذي يصنع الإحسان، والذي يعطى ليس فقط مائة، لكن مائة ضعف، نتركه، ونسعى نحو أولئك الذين لن يردوا حتى أصل المال.

8 ـ ودعني أتساءل: ماذا يَفضُل عنا بعد الأكل بشراهة؟ فضلات ورائحة نتنة. أو دعني أقول ما هو المجد الباطل؟ بغضة وفساد. وماذا عن البخل؟ إهتمام زائد بالمال ومحبة كبيرة له. وماذا عن الفجور؟ جهنم وحشرات ضارة، لأن المديونيين للأغنياء هم الذين يدفعون الفوائد التي لأصل المال، أى الشرور الحاضرة، والكوارث المنتظرة (التي سينالها الأغنياء). أخبرنى إذًا، هل ستُقرض هؤلاء وتُربح كل هذه العقوبات ولا تعطى بثقة كل هذه للمسيح (أى للفقراء والمحتاجين) الذي يَعِد بملكوت السموات وبالحياة الأبدية وبالخيرات التي لا توصف؟ وإذا لم نُقدم لمَن هم في إحتياج فأى تبرير سنُعطى؟ ولأى سبب لا نعطى كل ما نملك للمسيح الذي سيعطيك حتمًا، وسيعطيك بوفرة؟ هل لأنه يعطى بعد زمن طويل أى في الدهر الآتى، على الرغم من أنه من المؤكد، أنه يعطينا خيرات أيضًا في هذه الحياة، فهو الذي قال: ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم[8] فهو لا يكذب. هل رأيتم محبة أكثر من هذه؟ إذ أن الأمور المختصة بملكوت الله محفوظة لك ولن تنقص، أما الأمور الأرضية، فهو يعطيها لك على كل حال وأيضًا بوفرة.

وفوق كل هذا، فإنك ستربح بعد حين، غنى أوفر، لأن الربح وقتها سيصير أعظم. لأنه حقًا من جهة هؤلاء الذين يقترضون، نرى أن هذا هو ما يصنعه المُقرضون، طالما أنهم يُقرضون برغبة قوية لأولئك الذين يسدّدون بعد زمن طويل. لأن ذاك الذي يرد الدين على الفور يُعتق من دفع الفوائد، لكن ذاك الذي يحتفظ بالمبلغ لزمن أطول فإنه يعمل به لفترة أكبر (ويقدم عنه فائدة أكثر). علينا ألاّ نحزن إذا تأجل ما يختص بالبشر، بل ونبرره حتى لو طالت فترة التأجيل. ولكن بالنسبة لله هل سوف نتصرف بصغر نفس ونتردد فنُصاب بالحيرة والخوف بالرغم من أنه ـ كما سبق وأشرنا ـ يُقدم عطايا وفيرة في هذه الحياة، وأيضًا يدّخر لك شيئًا أكبر وأعظم في الحياة الأخرى؟ لأن مقدار وجمال العطايا التي يهبها الله في حياة الدهر الآتى، يفوق تفاهة الحياة الحاضرة. وبكل تأكيد أننا لا نستطيع أن نقبل في هذا الجسد الفانى تلك التيجان الخالدة، وأيضًا لا يمكننا أن نتمتع بهذا الميراث الثابت غير المتغيّر في هذه الحياة الحاضرة المليئة بالقلاقل والاضطرابات، والتي تسودها تغييرات كثيرة.

وعليك أن تفكر لو أن شخصًا ما كان مديونًا لك بأموال بينما أنت متغرب في بلد أجنبى، وتعهّد برد هذا الدين، ولم يكن لديك خدم ولا تستطيع أن تحمل هذه الأموال إلى بيتك، فإنك ستترجاه بإلحاح ألاّ يدفعها لك في بلد غريب بل تُفضل أن يسدّدها لك في وطنك، ومع أنك تفعل هذا في أموالك إلاّ أنك فيما يختص بالأمور الروحية والخيرات الغير الظاهرة، فإنك تطلب أن تأخذها هنا في هذه الحياة الحاضرة. هل يوجد دليل على الحماقة أكثر من هذا؟ لأنك إذا حصلت عليها هنا في هذه الحياة فستأخذها بكل تأكيد ولكنها ستنتهى، ولكن إذا انتظرت حياة الدهر الآتى فسيعوضك الله بالخيرات التي لا تفنى. لو أخذت هنا فإنك تأخذ معدنًا ثقيلاً لا ثمن له، أما إذا أخذت هناك فإنك تأخذ ذهبًا نقيًا. ومع هذا لن يحرمك الله من الأمور الأرضية لأنه مع الوعد بملكوت الله، أضاف أمرًا آخر، قائلاً إن مَن يشتهى ملكوت الله وبره، سيأخذ مائة ضعف في هذه الحياة، وسيرث الحياة الأبدية.

ولكن لو أننا لم نأخذ مائة ضعف في هذه الحياة، فالسبب يرجع لنا لأننا لم نُعط لله الذي يستطيع أن يُعطينا بغنى. لأن أولئك الذين أعطوا، قد أخذوا الكثير، على الرغم من أنهم أعطوا القليل. أخبرنى، أى شئ عظيم كان بطرس قد أعطاه، ألم يعطى شبكة ممزقة، وسنارة، وحربة؟ لكن الله فتح أمامه كل بيوت المسكونة، وجال الأرض والبحر، ودعاه الجميع في بيوتهم. والشئ الرائع أنهم باعوا ممتلكاتهم وأحضروها تحت أقدامه، دون أن يضعوها في يده (لأنهم لم يجرؤا على هذا) ناسبين إليه السخاء والإكرام. وقد يقول قائل إن هذا كان بطرس. لكن هل هذا يعني شيئًا بالنسبة لك؟ إن الله لم يَعِد بطرس فقط بملكوت الله، ولم يقل أنت يا بطرس ستأخذ مائة ضعف، بل قال ” وكل مَن ترك بيوتًا أو اخوة أو اخوات .. يأخذ مائة ضعف[9] لأنه لا يحابى الوجوه، بل إن وعوده هى للجميع.

ربما يقول قائل إن لديه أولادًا كثيرين، ويتمنى أن يتركهم أغنياء. وتقول له لماذا تريد أن تجعلهم فقراءًا (أى بهذا السلوك الخالي من المحبة)؟ إذا تركت لهم كل شئ، فإنك تُعطي كل مالك وأنت ترجو لهم الآمان. لكنه أمان غير مؤكد. أما عندما تنجح في أن تجعل الله وريثًا معهم ووصيًا عليهم تكون قد تركت لهم كنوزًا لا حد لها. مثلما يحدث عندما يريد أحد أن ينال منا، فإذا ما دافعنا عن أنفسنا فإن الله لا يُعيننا، ولكن عندما نترك لله الأمر كله، فستصير النهاية أفضل مما نتوقع. وهذا ما يحدث بالنسبة للمال، لو أننا اهتممنا به فإنه سينسحب ولن يعتنى به، أما إذا وضعنا كل شئ تحت عناية الله، فهذا المال، والأولاد أيضًا سيحفظهم هو في أمان كامل. ولماذا تندهش لو أن هذا يحدث في حالة تعاملنا مع الله؟ فبالنسبة للبشر يستطيع المرء أن يرى مثل هذا الأمر. لأنه إن لم تترجى أحد أقربائك في أيام حياتك الأخيرة لكى يعتنى بأولادك، فلن يقوم بهذا العمل من تلقاء نفسه، بل يخجل ويتردد كثيرًا في تعهد هذا الأمر، ولكنك إذا وضعت رجاءك في الله لكى يتعهدهم بالرعاية، باعتبار أنك تُكرّمه بأعظم ما تكون الكرامة، فإنه سيعوّضك بأعظم مجازاة.

          9 ـ إذا أردت إذًا أن تترك غنى وافرًا لأولادك، اتركهم للعناية الإلهية. فالله قد خلق النفس والجسد ومنح الحياة دون أن تقدم أنت أى شئ. لذلك عندما يرى أنك تظهر شهامة وأنك تُسلّم له كل ما يتعلق بالأولاد، بل والأولاد أنفسهم، فكيف لا يغدق عليهم بكل الغنى؟ فإيليا قد أكل الفطيرة التي أعدتها له المرأة بقليل من الدقيق، وعندما رأى الله أنها فضلّته على ابنها، فإنه ملأ غرفة الأرملة بأجران دقيق وبراميل زيت[10]، وعندما تتأمل في مقدار اللطف الذي أظهره إله إيليا، فإنه لا ينبغى إذًا أن نهتم بحجم الغنى الذي نتركه لأبنائنا، بل نعتنى بالأحرى أن نترك لهم الفضائل. لأنه لو وضع الأولاد ثقتهم في الغنى والمال فلن يعتنوا بأى شئ آخر، وسيحاولون أن يحجبوا صفاتهم السيئة بواسطة أموالهم الكثيرة. ولكن إذا رأوا أن عزاءهم لا يتحقق بواسطة الغنى، فسيفعلون كل شئ، حتى أنهم سينالون عزاءً بالفضيلة، وحتى في حالة الفقر والاحتياج.

إذًا اهتم بأن تترك لهم الفضيلة على أن تترك لهم الأموال، لأنه بالحقيقة هو دليل على الغباء الشديد، عندما نحرم الأبناء السيادة على كل ما لنا أثناء حياتنا، بينما عندما نموت، نمنحهم حرية أوسع على الرغم من أنه عندما نكون أحياءًا، ستكون لدينا الفرصة أن نحمّلهم مسئوليات، وأن نُهذبهم ونضبطهم عندما يسيئون استخدام الأمور المادية. لكن عندما نموت فإن غيابنا، مع إندفاع الشباب، يُعطى الفرصة للتسلط الذي يأتى من المال، وبهذا ندفعهم إلى الحزن والشقاء وإلى انحدار شديد ونضع نارًا فوق نار، ونلقى بزيت فوق سعير النار المخيف. وبناء عليه فإذا أردت أن تترك لهم غنى وأمنًا حقيقيًا، اتركهم في عناية الله التي تنفعهم، وسلّم لله كل ما لهؤلاء الأبناء. لأنهم لو أخذوا هذه الأموال فلن يدركوا إلى مَن سيعطونها وسيقعون ضحية لكثيرين من الفاسدين والجاحدين. ولكن إذا أقرضت هذه الأموال لله مسبقًا، فسيبقى الكنز مُحصّنًا فيما بعد، وسوف تسترده مرة أخرى بصورة سهلة جدًا. لأن الله يُسّر بالحقيقة بالأكثر عندما يمنحنا أكثر مما قدمنا وينظر إلى قارضيه بفرح كبير أكثر من أولئك الذين لم يقرضوه، وينظر إلى دائنيه نظرة محبة وتقدير.

وبناء عليه، فإذا أردت أن يكون الله رفيقًا لك على الدوام، ينبغى أن تجعله مدينًا بالكثير. رغم أن المقرض لا يفرح هكذا عندما يكون لديه مدينين، كما يفرح المسيح عندما يكون لديه مُقرضين، وهؤلاء الذين لا يدين لهم بشئ، يتجنبهم، بينما أولئك الذين يدين لهم، فإنه يركض نحوهم بشكل خاص. فلنفعل إذًا كل شئ لكى نجعله مدينًا لنا. لأن هذا الوقت هو وقت للإقراض، والآن هو في حالة احتياج (وهو يقصد هنا كل من له إحتياج). ولو لم تعطه الآن، فلن يحتاج لك بعد موتك. لأنه هنا هو عطشان، وهنا هو جوعان، وهو عطشان لأجل خلاصك. ولهذا صار طالبًا للصدقة، ولهذا يتجول عريانًا، وهو يُعِدّ لك حياة أبدية. لا ينبغى إذًا أن تزدرى به، لأنه لا يريد أن يُميت بل أن يقوت، لا يريد أن يلبس، لكن أن يُلبس الآخرين ويصنع لك ذلك الزي الذهبى، والرداء الملوكي.

ألا ترى الأطباء المجتهدين هم أنفسهم يغتسلون عندما يصنعون حمامًا للمرضى، وإن كانوا ليسوا في حاجة لهذا؟ هكذا يصنع المسيح، يفعل كل شئ من أجلك أنت أيها المريض. لذلك فلكى يعطيك المجازاه فهو لا يطلبك بالإجبار، لكى تعلم أنه يبحث عنك، لا لأنه في احتياج لك، بل لكى يُسدد احتياجك أنت. بتواضع يأتى إليك باسطًا يده اليمنى. وحتى لو أعطيته فلسًا واحدًا، فلن يردك، وحتى لو ازدريت به فلن يبتعد عنك، لكنه سيقترب منك أيضًا مرة أخرى. لأنه يشتهى خلاصنا جدًا.

إذًا فلنحتقر المال، لكى لا يتركنا المسيح. لنحتقر المال، لكى نفوز بهذا المال. لأننا لو تمسكنا بهذا المال هنا في هذه الحياة فسوف نخسره في هذه الحياة، وفي الدهر الآتى أيضًا. ولكننا إن وزعناه بكل سخاء وكرم، فسنتمتع بغنى وفير في هذه الحياة وفي حياة الدهر الآتى.

إذًا فذاك الذي يريد أن يصير غنيًا، فليصر فقيرًا، لكى يصير غنيًا، لينفق (على الفقراء)، لكى يجمع (هبات وعطايا من الله)، ليهب الآخرين، لكى يحصل (على غنى سمائى). لكن لو أن هذه الأمور تُعد جديدة وغريبة عليك، فلتلاحظ الفلاح الذي يزرع، وفكر أن هذا الفلاح لن يجمع (حصادًا) بطريقة اخرى، إن لم ينثر ما لديه، وإن لم يلقى البذور الجاهزة في الأرض. لنبذر نحن أيضًا، ونزرع للسماء، لكى نحصد بوفرة ونحصل على الخيرات الأبدية بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب والروح القدس، الان وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] ولذلك نصلى في أبانا الذي … ونقول اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا.

[2] عندما قال الله لقايين “ملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دم أخيك من يدك” (تك11:4).

[3] تك7:4.

[4] عندما قال الله لآدم ” ملعونة الأرض بسببك.. بعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها ” (تك17:3، 19).

[5] يو34:13.

[6] انظر مت23:18ـ35.

[7] لو10:17.

[8] مت33:6.

[9] رو37:10.

[10] 1مل7:17ـ16.

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الثامنة

” فماذا إذًا أنحن أفضل (كيهود)؟ كلاّ البتة. لأننا قد شكونا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية. كما هو مكتوب  أنه ليس بار ولا واحد. ليس مَن يفهم. ليس مَن يطلب الله. الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس مَن يعمل صلاحًا ليس ولا واحد. حنجرتهم قبر مفتوح بألسنتهم قد مكروا. سم الأصلال تحت شفاهم. وفمهم مملوء لعنة ومرارة. أرجلهم سريعة إلى سفك الدم. في طرقهم اغتصاب وسحق وطريق السلام لم يعرفوه. ليس خوف الله أمام عيونهم ”[1] (رو9:3ـ18).

          1 ـ لقد اشتكى بولس على كل من اليونانيين، واليهود، فكان متوقعًا أن يتكلّم فيما بعد عن البر الذي يأتى من الإيمان. مادام الناموس الطبيعى لم ينفع، ولا الناموس المكتوب صنع شيئًا أكثر، لكن كلاهما أضرّا بأولئك الذين لم يستخدمونهما كما ينبغى، وأظهرا أنهم مستحقين لدينونة أكبر، إذًا كان هناك احتياجًا للخلاص الذي نناله نتيجة النعمة. ولكنه لا يخاطر بالحديث عن النعمة، لأنه ارتاب في شجاعة اليهود ووجّه كلمته مرة أخرى إليهم ليُدينهم. فاستشهد أولاً بداود الذي قال هذا الكلام بإسهاب وأفاض فيه الأمر الذي صنعه إشعياء أيضًا ولكن في إيجاز. وهو بهذا قد وضع لجامًا على أفواه هؤلاء اليهود، وذلك حتى لا يضل أحد من المستمعين ولا يهجر الفضيلة أو يتشدق بالحديث عنها، مع أنه لا يمارسها، لأنه سيكون قد أهين بالقدر الكافى من خلال الإدانات التي وجهها الأنبياء. لأن هناك ثلاث إدانات قد أوردها النبى في الحقيقة وهى أن الجميع قد فعلوا الشر، ولم يمزجوا الصلاح بالشرور، لكنهم انشغلوا فقط بالشرور، وقد صنعوا هذا بكل مغالاة. ثم بعد ذلك، ولكى لا يقولوا إن هذه الأمور لا تُقال لآخرين غير اليهود، أضاف بولس الرسول:

 

” ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس فهو يُكلم به الذين في الناموس” (رو19:3).

ولهذا فبعد إشعياء تحديدًا ـ والذي بشهادة الجميع كان يتوجه (بكلامه) لهؤلاء اليهود ـ أضاف كلام داود النبى لكى يُدلّل على أنهما متفقان في ذات الأمر. لأنه يقول ما هى الحاجة لأن يدين النبى آخرين وقد أُرسل من أجل إصلاحنا وتقويمنا؟ لأن الناموس لم يُعط لآخرين ولكن أُعطى لكم. ولكن لماذا لم يقل بولس “ونحن نعلم” أن كل ما يقوله النبى، بل قال ” كل ما يقوله الناموس “؟ ذلك لأنه قد اعتاد أن يطلق كلمة الناموس على العهد القديم كله. فهو في موضع آخر يقول: ” ألستم تسمعون الناموس فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان [2]. وهنا يُسمى المزامير ناموسًا، قائلاً:    ” ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس فهو يُكلم به الذين في الناموس “.

          وفيما بعد يُبين كيف أن هذه الأمور لم تقال من أجل الإدانة فقط بل قيلت لكي يُمهد الناموس الطريق إلى الإيمان أيضًا. إن توافق العهد القديم مع العهد الجديد هو أمر مهم، إذ أن الإدانات والإنتقادات، قد وُجّهت، لكى يُفتح باب الإيمان ببهاء أمام أولئك الذين يسمعون. أما اليهود فبسبب إفتخارهم فقد ضلّوا وفسدوا، الأمر الذي أوضحه فيما بعد قائلاً: ” لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله[3].

لقد حجّم الناموس والنبى منذ البداية أفكار اليهود ووضعا ضوابط لتعاليمهم حتى أنهم عندما يفهمون خطاياهم ويهجروا حماقاتهم ويدركون بأنهم مُعرّضين للخطر عندئذٍ سيركضون بشوق جارف نحو ذاك الذي يهبهم غفران الخطايا ويقبلون النعمة من خلال إيمانهم. هذا ما يقصده هنا بولس بقوله: ” ونحن نعلم أن كل ما يقوله الناموس فهو يكلم به الذين في الناموس لكى يستد كل فم ويصير كل العالم تحت قصاص الله “. هنا يُظهر كيف أنهم مجردين من الأعمال الصالحة الظاهرة، وأنهم يفتخرون بالكلام فقط، وبأسلوب عديم الحياء. ولهذا فقد استخدم الكلمة على سبيل الحصر قائلاً: ” لكى يستد كل فم ” مُظهرًا عدم حياء، الذي يظهرونه بطريقة التباهى وأحاديث الإفتخار، وبذلك يستد كل فم بالحقيقة. لقد انطلق لسانهم، تمامًا مثل نهر جارف، ولكن النبى قد سده. إلاّ أنه عندما يقول الرسول بولس ” لكى يستد كل فم ” فهو لا يعنى أنهم أخطأوا لكي يستد فمهم، ولكنهم من أجل هذا قد بُكّتوا (لأنهم أرادوا أن يثبتوا بر أنفسهم)، لكى لا يتجاهلوا هذا الأمر عندما يصنعون هذه الخطية تحديدًا.

” يصير كل العالم تحت قصاص الله ” وهو هنا لم يشر إلى اليهودى فقط، بل إلى كل العالم. لكنه عندما يقول ” لكى يستد كل فم ” فهو يقصد هؤلاء (اليهود)، وإن لم يقل هذا بوضوح، حتى لا يكون قاسيًا في كلامه، بينما    ” أن يصير كل العالم تحت قصاص الله” فهذا يشمل اليهود واليونانيين معًا.

وهذا ليس أمرًا هينًا لكبح افتخارهم، وذلك عندما لا يكون لديهم أى شئ أكثر من اليونانيين في هذه الحالة، أما في موضوع الخلاص فليس لأحد فضل، إذ أنه قُدم مجانًا. والذي يُدافع عن نفسه، هو بصفة خاصة الذي لا يستطيع أن يستند على قدراته من أجل الدفاع (عن نفسه) لكنه يحتاج لمساعدة آخر، مثلما يحدث في كل ما يخصنا، طالما أننا فاقدين لتلك الأمور التي تساهم في خلاصنا.

 

” لأن بالناموس معرفة الخطية ” (رو20:3).

ومرة أخرى يحذر من الناموس، لكن في حدود. لأن الكلام الذي سبق الإشارة إليه لم يكن لإدانة الناموس، بل كان يتعلق بلامبالاة اليهود. لأنه حاول هنا أن يُظهر كيف أنه (أى الناموس) ضعيفًا جدًا، لأن حديثه سيتجه إلى الكلام عن الإيمان. إذًا لو أنك تفتخر بالناموس فإن هذا يخجلك بالأكثر. فهذا (الناموس) يكشف خطاياك الدنيئة ” .. لم أعرف الخطية إلاّ بالناموس… لأن بدون الناموس الخطية ميتة[4]. لم يتكلم هنا بقسوة شديدة، لكنه مرة أخرى تكلم بنغمة هادئة ” لأن بالناموس معرفة الخطية“، وعليه فإن العقاب سيكون أكبر ولكن لليهود. لأن الناموس قد عرّفك بالخطية، بيد أنه يمكنك بعد ذلك أن تتجنبها. وطالما أنك لا تتجنبها، فإنك تجلب على نفسك الدينونة. فالناموس أصبح بالنسبة لك سببًا لدينونة أكبر.

2 ـ وعندما زاد من الترهيب والتخويف أضاف تلك الأمور المتعلقة بالنعمة بعد أن جعل غفران الخطايا أمرًا مرغوبًا فيه جدًا، بقوله:

 

” وأما الآن فقد ظهر بر الله بدون الناموس ” (رو20:3).

ما يقوله هنا يعتبر كلامًا عظيمًا، ولكنه يحتاج لدليل قوى. لو أن أولئك الذين عاشوا تحت وصايا الناموس، ليس فقط لم يتجنبوا الدينونة، بل بالأكثر قد عاشوا في معاناه، فكيف يكون ممكنًا، بدون الناموس، ليس فقط أن يتجنب المرء الدينونة بل أن يتبرر أيضًا؟ إن الرسول يتحدث عن كل من التبرير، وتحقيق الخيرات بدون ناموس. ولهذا لم يقل البر فقط، لكنه قال “بر الله” مظهرًا، من حيث إستحقاق الشخص، أن العطية أكبر والوعد أقوى لأن كل شئ هو ممكن لدى الله. ولم يقل أُعطى بل “ظهر” لكى ينزع عن هذا “البر” وصفه بأنه جديد، لأن هذا الذي ظهر أخذ يظهر باعتبار أن له وجود من قبل ولكنه لم يكن مُعلنًا.

ليس هذا فقط، بل أن الكلام اللاحق يُظهر أن هذا ليس جديدًا. لأنه، بعدما قال: ” ظهر” أضاف ” مشهودًا له من الناموس والأنبياء” إذًا لا تضطرب، لأنه أُعطى الآن، ولا تقلق، كما لو كان هذا البر جديدًا أو غريبًا، لأن الناموس والأنبياء تنبأوا عن أنه يأتى من الله. وقد أوضح كل شئ من خلال هذا الدليل، فعندما تحدث الرسول بولس سابقًا عن إنجيل المسيح، باعتبار أن فيه ” مُعلن بر الله ” فقد أشار إلى إبراهيم بقوله: ” البار بالإيمان يحيا[5]. أما عن الأمور اللاحقة فإن إبراهيم، وداود قد سبقا وتكلما عنها. لأنه بالحقيقة كان كلامهما تجاه اليهود بإسهاب، الأول كان بطريركًا ونبيًا، بينما الآخر كان ملكًا ونبيًا، وقد أُعطيت الوعود لهذين الشخصين.

ولهذا فإن متى يبدأ إنجيله بهذين الشخصين أولاً، ثم بعد ذلك يذكر الأجداد. لأنه عندما قال: ” كتاب ميلاد يسوع المسيح [6]، لم يذكر بعد ذلك مباشرةً إبراهيم واسحق ويعقوب معًا، ولكنه ذكر داود مع إبراهيم. والأهم أنه وضع داود قبل إبراهيم، قائلاً: ” أين داود ابن إبراهيم ” ثم بعد ذلك بدأ يذكر اسحق ويعقوب ومن جاءوا بعدهما. ولهذا فإن الرسول هنا يذكر هؤلاء ويقول إن: ” بر الله .. مشهودًا له من الناموس والأنبياء ” لكى لا يقول أحد، وكيف نخلص بدون (الناموس والأنبياء) باعتبار أنهما يُساعدان على نوال الخلاص؟ بيد أنه نحن الذين نساهم كثيرًا في هذا، ولكن بالإيمان. وبعدما قال: ” برّ الله ” أضاف:

 

” بالإيمان .. إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون ” (رو22:3).

وهنا أيضًا ينزعج اليهودي، برغم أنه لا يتميّز بشئ عن الآخرين، إذ أنه يُحسب مثل سائر البشر الذين في العالم. ولأن الرسول لا يشعر بهذا التميّز فهو يحاصره بالتخويف مرة أخرى، مُضيفًا:

 

” لأنه لا فرق إذ الجميع أخطأوا ” (رو23:3).

لا تقل لى إذًا، إن فلانًا يونانى، وآخر سكيثى، وغيره من أهل ثراكى، لأن الجميع يرتكبون نفس الخطايا. أما أنت فعلى الرغم من أنك قد أخذت الناموس فإن شيئًا واحدًا تعلّمته من الناموس، هو معرفة الخطية وليس تجنبها. ولكى لا يقولوا بعد ذلك إنه على الرغم من أننا أخطأنا، فلسنا مثل هؤلاء (الأمم)، فقد أضاف ” وأعوزهم مجد الله”. وعليه فلو أنك لم تُخطئ مثل الآخرين، فإنه يعوزك “مجد الله” بنفس القدر لأنك واحد من هؤلاء الذين عاندوا الله. إلاّ أن ذاك الذي عاند، ليس هو بين أولئك الذين نالوا “المجد” بل ينتمى لأولئك الجاحدين. وكأن بولس يقول إنى قد قلت لكم هذه الأمور لا لكى أقودكم لليأس ولكن لكى أُظهر محبة الرب للبشر. ولهذا أضاف:

 

” متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره ” (رو24:3ـ25).

          لاحظ كيف أنه يُدلّل على ما سبق وأشار إليه. أولاً: من خلال استحقاق الشخص. لأن الذي يهب البرّ ليس إنسانًا لكنه الله الذي يستطيع كل شئ، فالرسول بولس يصف هذا البر بأنه ” برّ الله “، ثانيًا: من خلال شهادة الناموس والأنبياء. إذًا لا تخاف عندما تسمع قوله “بدون الناموس“، لأن هذا ما يُعلنه الناموس نفسه. ثالثًا: من خلال الذبائح التي صارت في العهد القديم. ولهذا قال: “بدمه“، مُذكّرًا هؤلاء بالخراف والأبقار (الذبائح). إذًا فلو أن الذبائح الحيوانية تمنح غفرانًا للخطايا كما يقول الرسول بولس، فبالأولى كثيرًا جدًا فإن دم المسيح يهب هذا الغفران. وهو لم يقل بالعتق لكن “بالفداء”، كما لو كان الأمر يتعلق بعدم العودة مرة أخرى لذات العبودية. ولذلك فقد دُعىّ المسيح “كفارة” لكى يُبيّن أنه إذا كان المثال يحمل هذا القدر من القوة، فبالأولى كثيرًا ستُظهر الحقيقة نفس الشئ وأكثر. موضحًا مرة أخرى أن هذا ليس بالأمر الجديد، ولا أنه يُسمع لأول مرة، وهذا يتضّح من قوله: ” قدمه الله ” مظهرًا أن هذا الإنجاز يتعلق “بالآب”، ونفس الأمر يذكره على أنه يتعلّق “بالابن”. بالتأكيد الآب قدمه (أى قدّم الابن)، لكن المسيح تمّم كل شئ بدمه.

” لإظهار برّه” ماذا يعنى ” إظهار البر”؟ إظهار البر مثل إظهار الغنى، وهذا يعنى ألاّ يكون الله فقط هو الغنى بل أن هذا الغنى هو لآخرين أيضًا لكى يجعلهم أغنياءً، ومثل إظهار الحياة والذي يعنى أنه ليس فقط هو الحياة لكنه أيضًا يُقيم الأموات، ومثل إظهار القوة في ألاّ يكون ذاك هو القوى فقط، لكنه يجعل الضعفاء أقوياءًا. هكذا فإن إظهار البرّ هو، ألاّ يكون ذاك هو البار فقط، لكنه يجعل أولئك الذين فسدوا بالخطية أبرارًا على الفور. ولتفسير ذلك أضاف شارحًا معنى الإظهار:

 

” ليكون بار ويبرّر مَن هو من الإيمان بيسوع ” (رو26:3).

3 ـ لا تشك إذًا في أن البر يأتى من الإيمان وليس من الأعمال (أى أعمال الناموس)، ولا تخشى الإقتراب من “بر الله”، فإن صلاحه مضاعف، ولأنه ميسورًا فإن الجميع يستطيعوا الوصول إليه. ولا تشعر بالعار ولا تخجل. فإذا كان المسيح قد ظهر ليهبك بره، فيمكنك أن تعلن هذا وأن تفتخر وتتباهى، فكيف تتوارى وتخفى وجهك من هذا الذي به تمجّد سيدك؟ وإذا كان قد سَمَا بالمستمع، بقوله إن هذه الأمور التي حدثت هى لإظهار بر الله، فإنه يحث ـ مرة أخرى وعن طريق التخويف ـ ذاك الذي يتردّد ويتجنّب الاقتراب، قائلاً:

 

“من أجل الصفح عن الخطايا السالفة” أرأيت كيف أنه يذكّرهم دائمًا بالخطايا؟ لأنه قال سابقًا ” لأن بالناموس معرفة الخطية ” ثم بعد هذا يقول  ” الجميع أخطأوا“، بينما هنا يوضّح الأمر أكثر، لكنه لم يقل من أجل الخطايا، لكن ” من أجل الصفح ” بمعنى “الصفح” عن الموت. لأن رجاء شفاء النفس هو في الله، تمامًا مثل الجسد المقعد الذي احتاج إلى عون من الله، هكذا أيضًا النفس التي ماتت. والسبب الذي يذكره دائمًا يثير شعورًا بالخوف هو أن الإدانة ستكون أعظم. وما هى هذه الإدانة؟ هى تلك المرتبطة بالصفح الذي صار بإمهال الله. لأنه يقول لا يمكنكم أن تزعموا أنكم لم تتمتعوا بإمهال الله وصلاحه ” في الزمان الحاضر “، ومرة أخرى يُظهر الإمهال الكثير ومحبه الله للبشر. لأنه يقول عندما يئسنا، وكان زمن الدينونة، وازدادت الشرور وتفاقمت، تجلّت قدرة الله عندئذ، لكى تعلم مقدار فيض البرّ الإلهى. وهذا الأمر لم يكن له أن يُثير الدهشة والإعجاب، إن كان قد حدث من البداية، مقارنة بظهوره الآن حيث تأكد الشفاء الكامل (بالنعمة).

 

” أين الافتخار. قد انتفى. بأى ناموس. أبناموس الأعمال كلا بل بناموس الإيمان ” (رو27:3).

عظيم هو جهاد الرسول بولس، فقد أراد أن يبرهن على أن الإيمان قد حقق الكثير، ما لم يستطيع الناموس أن يتخيّله أبدًا. إذًا بعدما قال إن الله يُبرّر الإنسان من جهة إيمانه ينشغل مرة أخرى بالناموس ولم يقل أين هى إنجازات اليهود أين هى أعمالهم البارة ولكنه قال “أين الافتخار” مبينًا في كل موضع أنهم يفتخرون بالكلام  فقط، كما لو كانوا يمتلكون شيئًا أكثر من الآخرين، على الرغم من أنهم لم يقدموا أى عمل. وبعدما قال ” أين الافتخار”؟ لم يقل اختفى وانتهى بل “انتفى”، الأمر الذي يُبيّن عدم موافقة أو ملائمة الوقت، لأنه لا يوجد زمن بعد. تمامًا مثلما يأتى وقت الدينونة، فإن أولئك الذين يرغبون في التوبة لن يكون لديهم وقتًا. هكذا أيضًا عندما يصدر الحكم فيما بعد وعندما يتعلّق الأمر بفنائهم جميعًا، ثم يأتى ذاك الذي يُزيل كل هذه الأمور المخيفة بنعمته، فإن أولئك لن يكون لديهم وقتًا للتوبة أو تقديم مبررات وأعذار.

إذًا لو كان يحق لهم أن يدّعوا هذا، لكان ينبغى عليهم أن يفعلوا ذلك قبل مجىء المسيح. لكن عندما أتى ذاك الذي يُخلّص بالإيمان اختفى فيما بعد زمن الإفتخار بالأعمال (أى أعمال الناموس). ولأن الجميع مُدانون (لأنهم زاغوا وفسدوا)، لهذا فقد خلّصهم بالنعمة. ومن أجل ذلك فقد أتى الآن حتى لا يقولوا إنه كان ممكنًا أن يخلصوا بالناموس وبأتعابهم وإمكانياتهم لو أنه أتى من البداية. ملجمًا سفاهاتهم أو عدم حيائهم هذا. وقد انتظر زمنًا طويلاً، حتى بعدما اتضح جليًا من خلال كل الأشياء أنهم لا يستطيعون أن يساعدوا أنفسهم، أتى في هذا الزمان لكى يخلّصهم بنعمته. ولهذا بعدما قال سابقًا “لإظهار بره” أضاف ” في الزمان الحاضر“. لكن لو أن البعض يجادلون، فإنهم يشبهون تمامًا شخصًا سقط في زلاّت كثيرة ولم يستطع أن يقدم تبرير عما فعل أمام المحكمة، ثم بعدما أُدين وكان ينتظر تنفيذ العقوبة تُرك حرًا بواسطة عفو ملكى. فإذا تفاخر بعد هذا العفو وقال إنه لم يصنع أى خطأ أو زلة، فسيكون عديم الحياء.

          إذًا كان من الممكن أن يُستعلن الله الكلمة قبل زمن النعمة، ولكن بعدما أتى، فلا يحق لأحد أن يفتخر. هذا بالضبط ما حدث بالنسبة لليهود. لأن إعتمادهم كان على أنفسهم ولذلك كانوا مُدانين، وقد أتى كلمة الله لكى يقضى بحضوره على افتخارهم. لأن ذلك الذي يقول إنه معلّم الأطفال ويفتخر بالناموس، ويدعو نفسه مهذب الأغبياء، مثل هذا يكون في احتياج لمعلّم ومُخلّص، وبذلك لا يكون لديه مبرر للافتخار. ومادام الرسول بولس قد بيّن أن الختان قد صار غرلة قبل مجئ المسيح، فبالأولى كثيرًا الآن لأنه قد أُستبعد من العهدين. وبعدما قال “انتفى” أوضح الوسيلة ” إنتفى الإفتخار”. كيف انتفى، يقول ” بأى ناموس. أبناموس الأعمال، كلاّ بل بناموس الإيمان“.

 

4 ـ وها هو يدعو الإيمان ناموسًا، حرصًا منه على إختيار الكلمات المعبّرة حتى يفرحهم بهذا التجديد الواضح. ولكن ما هو ناموس الإيمان؟ هو أن يخلص الإنسان بالنعمة. لاحظ أن القديس بولس يُظهر هنا قوة الله، لأنه ليس فقط قد خلّص لكنه قد برّر، وقاد إلى الإفتخار الحقيقي دون الحاجة إلى أعمال الناموس، بل إلى الإيمان فقط. وهو يقول هذه الأمور، لكى يُعّد اليهودى الذي آمن ليكون متواضعًا، ولكى يُقَوِّمْ ذاك الذي لم يؤمن بهدف أن يدعوه (للإيمان). وسيكتشف ذاك الذي خَلُص ـ إذا كان يفتخر بالناموس ـ أن الناموس قد أغلق فمه، أدانه وحرمه من الخلاص، ومنع افتخاره. أما الذي لم يؤمن، فطالما أنه اتضّع عن طريق تلك الأمور، فيمكن أن يُقاد إلى الإيمان. أرأيت مقدار الغنى الذي للإيمان وكيف أن القديس بولس إجتاز بهم الأمور السابقة (الخاصة بالناموس)، ولم يسمح لهم أن يفتخروا بها.

 

” إذًا نحسب أن الإنسان يتبرّر بالإيمان بدون أعمال الناموس ” (رو28:3).

وعندما أوضح أن الذين هم من الإيمان هم أسمى من اليهود، تكلّم عن الإيمان بعد ذلك بكل جرأة، مقدمًا الشفاء مرة أخرى لذاك الذي يُثير صخبًا، لأن اليهود كانوا قد انزعجوا من أمرين: الأول، أنه كان ممكنًا أن يخلص البعض بدون أعمال الناموس، لأن الذين تمموا أعمال الناموس لم يخلصوا، والثانى، أنه ليس من العدل أن يتمتع غير المختتنين بنفس المزايا مع أولئك الذين عاشوا كل هذا الزمان تحت الناموس، وهذا قد أزعجهم أكثر من الأمر الأول. وبعدما أوضح هذا، تحدّث بعد ذلك عن ما أثار حنق اليهود، لدرجة أنهم أدانوا القديس بطرس، بسبب كرنيليوس وما حدث معه[1]. فماذا يقول؟ ” إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس ” لم يقل اليهودى أو ذاك الذي يحيا بوصايا الناموس، لكنه جعل كلمته أكثر اتساعًا وفتح أمام العالم كله أبواب الخلاص، عندما استخدم تعبير ” الإنسان” أى ما يخص الطبيعة الإنسانية كلها. ثم إتخذ من ذلك دافعًا ليقضى على الاعتراض الذي لم يُذكر. بمعنى أنه كان طبيعيًا لليهود الذين سمعوا أن الإيمان يُبرر كل إنسان أن يحزنوا ويتعثروا، ولذلك أضاف ” أم الله لليهود فقط” (رو9:3) كما لو كان يقول، لماذا يبدو لك أن خلاص كل إنسان يعد أمرًا غير معقول أو غير ملائم؟ هل الله لبعض الناس دون البعض الآخر؟ مبينًا بهذا أنهم يريدون الإساءة إلى الأمم ويدمرون بالأكثر مجد الله عندما لا يقبلون أن يكون إلهًا للجميع. وإذ أن الله هو إله الجميع فهو يعتنى بالجميع. وعندما يهتم بالجميع بطريقة واحدة فإنه يخلّصهم من قِبل إيمانهم. ولهذا قال:

 

” أم الله لليهود فقط أليس للأمم أيضًا بلا للأمم أيضًا ” (رو29:3).

إن الله ليس لبعض الناس فقط، مثل الذي تُصوّره أساطير اليونانيين، بل أنه واحد للجميع. ولهذا أضاف: ” لأن الله واحد” أى أن الله بذاته هو لهؤلاء ولأولئك. لكن إن كنت تحدثني عما حدث في الماضى، فإن عناية الله كانت واحدة (تجاه الجميع)، على الرغم من أنها إتخذت أسلوبًا متنوعًا. لأنه قد أُعطى لك الناموس المكتوب، وأُعطى أولئك الناموس الطبيعى، ولم يكن هؤلاء في وضع أقل (من اليهود) ولو أنهم أرادوا لاستطاعوا أن يصبحوا في وضع أسمى. ولهذا فقد أضاف قاصدًا هذا المعنى بالضبط قائلاً.

 

” الذي سيُبرر الختان بالإيمان والغرلة بالإيمان” (رو30:3).

مُذكرًا هؤلاء بالأمور التي قالها سابقًا عن الغرلة والختان، كيف أنه لا يوجد أى اختلاف بينهما فإذا لم يكن هناك إختلاف آنذاك، فبالأولى كثيرًا الآن، الأمر الذي أظهره بكل وضوح، مبينًا أن كل واحد لديه نفس الاحتياج للإيمان قائلاً:

” أفنبطل الناموس بالإيمان. حاشا بل نُثبّت الناموس ” (رو31:3).

أرأيت مثل هذه الرؤية في تعدّد جوانبها وصعوبة وضعها؟ لأن بقوله “نُثبّت”، يوضّح كيف أن الناموس لم يعد ساريًا الآن بل أُلغى. ولاحظ مقدار القوة التي للرسول بولس، وكيف أنه يُبرهن على ما يريد بهذا القدر من السهولة. لأنه يُظهر هنا أن الإيمان ليس فقط لا يُبطل الناموس، بل يساعده بنفس الطريقة التي يمهد الناموس بها الطريق للإيمان. لأنه كما قال سابقًا أن الناموس يشهد للإيمان، فهو يقول: “مشهودًا له من الناموس والأنبياء” هكذا فإن الإيمان يُثبّت الناموس. وكيف يثبّته؟ وما هو عمل الناموس؟ ولأى سبب سعى الناموس ليتمم كل شئ؟ كانت غاية الناموس تبرير الإنسان ولكنه لم يستطع أن يحقق هذا. لأنه يقول “الجميع أخطأوا” لكن عندما أتى الإيمان، حقق (البر). لأن الإنسان آمن وتبرر في آن واحد وثبّت فيه روح الناموس، وحقق الإيمان كل ما كان يسعى إليه الناموس بكافة الطرق. وعليه، فهو لم يبطله لكن كمّله. لقد أظهر هنا ثلاثة أمور:

          + من الممكن أن يتبرّر المرء بدون الناموس.

          + لم يستطع الناموس أن يحقق ذلك البر.

          + الإيمان لا يحارب الناموس. ونظرًا لأن اليهود قد أثاروا ذلك بصفة خاصة، أى أن الإيمان هو ضد الناموس، فقد أظهر أكثر مما أراد اليهود أن يسمعوه، بقوله إن الإيمان ليس ضد الناموس بل أنه مساعد ومعين له، الأمر الذي اشتهوا أن يسمعوه بشكل خاص.

 

[1] حينما دخل كرنيليوس إلى الإيمان، واستدعى القديس بطرس ليشرح له الرؤيا التي رآها، وكلام القديس بطرس معه، انظر أع1:10ـ11، 18.

[1] انظر مز3:14، 3:53، 9:5، 3:140، 27:10، أم16:1، إش7:59، مز1:35.

[2] غل21:4ـ22.

[3] رو3:10.

[4] رو7:7ـ8.

[5] رو17:1.

[6] مت1:1.

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة8 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة7 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة7 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة7 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة السابعة

 

” إذًا ما هو فضل اليهودى؟” (رو1:3)

قال هذا لأن اليهودى تنصّل من كل شئ، من السمع، التعليم، وتبعيته للجنس اليهودى، ومن الختان، ومن كل الأمور الأخرى وذلك كله لأنه كان يسلك حسب الظاهر. ويتضح هذا من خلال قول الرسول بأن ” اليهودى في الظاهر ليس يهوديًا .. بل اليهودى في الخفاء هو اليهودى” ويرى فيما بعد أن هناك تعارض ما ينشأ، ويتوقف عنده. لكن ما هو هذا التعارض؟ يتمثل في أن هذه الأمور لا تُفيد مطلقًا، فلماذا دُعيوا الأمم، ولأى سبب أُعطى الختان؟ إذًا فماذا يفعل وكيف نجد حلاً لهذا التعارض؟ إن الحل يكمن في الأمور التي سبق الاشارة إليها. فهو لم يمدحهم أو يثنى عليهم، لكنه تكلم عن احسانات الله وليس عن مفاخرهم أو مآثرهم. لأنه أن يُدعى أحد يهوديًا ويعرف إرادة الله ويُميّز الأمور المتخالفة، فإن هذا لا يرجع لإمكانيات خاصة به بل إلى نعمة الله، الأمر الذي أشار إليه النبى متهمًا هؤلاء اليهود بقوله: ” لم يصنع هكذا باحدى الأمم. وأحكامه لم يعرفوها[1]. ويقول موسى أيضًا ” لأنه مَن هو من جميع البشر الذي سمع صوت الله الحى يتكلم من وسط النار مثلنا وعاش[2]. هذا ما فعله (بولس) هنا أيضًا.

وبالمثل عندما تكلّم عن الختان، فهو لم يقل إن الختان لا يصبح مفيدًا على نحو مطلق بدون حياة مستقيمة، بل يقول إن فائدة الختان تظهر عندما يقترن بأسلوب حياة نقية، مظهرًا نفس الشىء ولكن بصورة هادئة ونغمة أكثر رقة، وأيضًا يقول” إن كنت متعديًا الناموس ” هنا لم يقل أيها المختتن إن الختان لا ينفعك بشئ، ولكنه قال ” فقد صار ختانك غرلة“. وبعد هذا أيضًا يقول “ستدينك الغرلة” وليس الختان، ولكنها تدينك أنت ” المتعدى الناموس” إذًا فهو ينظر لوصايا الناموس نظرة تقدير ويوجه هذا الكلام لليهود. هكذا فعل هنا أيضًا. فقد وضع هذا (أى اليهودى) في مواجهة مع نفسه قائلاً ” إذًا ما هو فضل اليهودى” ويقول ” أو ما هو نفع الختان؟” الفضل كبير من جميع النواحي.

 

”  أولاً فلأنهم استأمنوا على أقوال الله ” (رو2:3).

هل اتضح لك ما تكلمت عنه سابقًا، وكيف أنه لا يُعدد أبدًا المفاخر والمآثر الخاصة بهم، لكنه يذكر احسانات الله؟ بالإضافة إلى هذا ماذا يقصد بكلمة “أُستأمنوا”؟ يقصد أن هؤلاء أخذوا الناموس وأن الله اعتبرهم مستحقين كي يستأمنهم على الوصايا السمائية. إننى أعرف بالطبع أن عبارة “الأمانة” يُرجعها البعض إلى أمانة اليهود أنفسهم لا إلى الناموس عينه، وهذا يعنى أن أقوال الله غير أمينة. إلاّ أن الكلام اللاحق لا يجعلنا نعتقد في ذلك. أولاً لأنه قال هذه الأمور بهدف إدانتهم ولكى يبرهن على أنهم تمتعوا بإحسانات جزيلة من قبل الله، وعلى الرغم من ذلك فقد أظهروا جحودًا كبيرًا. وقد أظهروا هذا الجحود فيما بعد، ويتضح هذا من الكلام اللاحق، حيث أضاف ” فماذا إن كان قومًا لم يكونوا أمناء “.

ولكن إذا كانوا قد أظهروا عدم إيمان فكيف يدّعى البعض، أنهم استأمنوا على أقوال الله؟ ماذا يقصد إذًا؟ يقصد أن الله استأمن هؤلاء على هذه الأقوال، وليس أن هؤلاء قد آمنوا بهذه الأقوال. لأنه كيف يمكن تبرير الكلام اللاحق؟ لأنه أضاف ” فماذا إن كان قوم لم يكونوا أمناء” ونفس هذا الكلام قد أوضحه فيما بعد، بقوله:

 

” أفلعل عدم أمانتهم يُبطل أمانة الله. حاشا ” (رو3:3).

إذًا ما قد استأمنوا عليه هو الذي يعلن عن إحسانات الله. لاحظ من فضلك رؤية الرسول بولس هنا، حيث إن إدانتهم لا تأتى منه هو بل من المخالفة (أى مخالفة الناموس). إنه يتحدث كما لو كان يسألك: ” هل ستقول وما هو نفع الختان إن كانوا لم يستخدموه (الختان) كما ينبغى، وإن كانوا استأمنوا على الناموس وأظهروا عدم إيمان “؟ ومع أنه في البداية لم يوجه لهم إدانة قاسية، إلاّ أنه بعد ذلك وجه كل الإدانات لهؤلاء (اليهود)، فقد أراد أن ينأى بالله عن هذه الإدانات.

          ثم لماذا تدينهم بأنهم أظهروا عدم إيمان؟ وأى علاقة تربط بين هذا الموقف وبين الله؟ وهل جحود أولئك الذين نالوا إحسانات من الله يُبطل إحسان الله ويجعل الكرامة تفقد؟ هذا ما يعنيه بقوله ” أفلعل عدم أمانتهم يُبطل أمانة الله؟“. مثل هذا الفكر يعد أمرًا مُستبعدًا. إن ذلك يعني كما لو أن أحد قال أنا أكرمت فلانًا. ولكنه إذا لم يقبل الكرامة فإن هذا لا يُشكل إدانة لى ولا يلاشى محبتى للناس بل يبرهن على عدم تقديره للمحبة وعدم إحساسه بها. لكن بولس لم يقل هذا فقط لكنه قال ما هو أكثر، بمعنى أن عدم أمانتهم هذه ليست فقط لا تُنسب لله كإدانة، لكنها تظهر عظم كرامته ومحبته للبشر، عندما يظهر أنه يُكرم ذاك الذي ينوى أن يزدرى به.

          5 ـ أرأيت كيف جعلهم مسئولين عن تلك المخالفات التي كانوا يفتخرون بها؟ وعلى الرغم من أن الله عامَلَ هؤلاء بقدر كبير من الكرامة إلاّ أنهم إزدروا بالذي أكرمهم من خلال نفس الأشياء التي كُرموا بها ثم أصبح من الواضح بعد ذلك أن الجميع أظهروا عدم أمانة لأنه قال ” فماذا إن كان قومًا لم يكونوا أمناء“. ولكى لا يبدو أيضًا أنه يوجه لهم إدانة شديدة ويظهر  كعدو لهم، يشير إلى الحقيقة الواضحة كرؤية ونتيجة قائلاً:

 

”  ليكن الله صادقا وكل إنسان كاذبًا ” (رو4:3).

بيد أن الرسول بقوله هذا كان يعني الآتي: أنا لا أقصد أن البعض أظهروا عدم إيمان، بل أن الجميع قد أظهروا في الواقع عدم أمانة. وهو هنا يبرز العمل الحقيقى كنتيجة لكى يبدو مرنًا وحتى لا يكون كلامه موضع شك.

          لأنه هكذا يتبرر الله بالحقيقة. ماذا تعنى كلمة يتبرر؟ تعنى أننا لو نظرنا بحكمة وفحص إلى الأعمال التي صنعها الله مع اليهود في مقابل أعمالهم أمامه فلابد أن يتضح عندئذ أن الله صادق وبار تمامًا.

          وبعدما أوضح هذا بجلاء ـ من خلال كل ما أورده سابقًا ـ استعرض كلمات النبى التي تتفق مع ما قاله، لأنه يقول ” لكى تتبرر في أقوالك وتغلب متى حوكمت[3]. أى أن الله قدّم كل ما لديه، ومع ذلك فإن هؤلاء لم يتغيروا إلى الأفضل. ثم بعد ذلك يعرض أيضًا مخالفة أخرى تتضح مما سبق عرضه إذ يقول:

 

” ولكن إن كان إثمنا يبيّن بر الله فماذا نقول؟ ألعل الله الذي يجلب الغضب ظالم. أتكلم بحسب الإنسان. حاشا ” (رو5:3).

          ثم بعد ذلك يجد حلاً للأمور التي تبدو متناقضة. ويقول لأن هذا غير واضح، وأرى أن هناك احتياج أن أعرض ما قاله الرسول بصورة أكثر وضوحًا كالآتى: ما معنى الكلمات التي قالها؟ معناها أن الله كرّم اليهود، أما هم فقد ازدروا به. وهذا يكشف عن محبته الكبيرة للبشر والتي تظهر بوضوح لأنه كرّمهم على الرغم من أنهم ازدروا به. وبناء عليه يقول (أى اليهودى) لقد غلب الله وظهر بره مشرقًا، لأننا ازدرينا به وظلمناه فلأى سبب أُدان إذًا طالما أنا الذي أظهرت صدق الله عن طريق الأمور التي احتقرتها؟ كيف يشرح الرسول بولس هذا؟ إنه يشرحه بطريقة أخرى، كما قلت، أى بطريقة غير معتادة. فلو إنك صرت سببًا لاستعلان صدق الله، ثم أُدنت فهذا يُعد ظلمًا. ولكن لو أن الله ليس بظالم وأنت في موضع دينونة فأنت لا تصير أبدًا سببًا لغلبته. وعليك أن تلحظ ورع الرسول بولس، لأنه بعدما قال ” ألعل الله الذي يجلب الغضب ظالم ” أضاف ” أتكلم بحسب الإنسان “، لأن دينونة الله العادلة تفوق بكثير تلك الأمور التي تبدوا لنا أنها عادلة. ثم كرّر نفس الكلام أيضًا للمرة الثانية لأنه لم يكن واضحًا، وذلك بقوله:

 

” فإنه إن كان صدق الله قد ازداد بكذبى لمجده فلماذا أُدان أنا بعد كخاطئ ” (رو7:3).

إذًا فلو كان الله (كما يقول القديس بولس) هو محبًا للبشر وبارًا وصالحًا عن طريق إعلان تلك الأمور التي لم تحترمها أنت، فلا ينبغى فقط ألا تُدان، بل يجب أيضًا أن تتمتع بالإحسان. ولكن لو أن صدق الله قد ازداد بكذبى لكان هناك تناقض، لأن هذا يعني أن الأمور الحسنة تأتى من الأمور السيئة. وأن الأمور السيئة هى التي تسبب الأمور الحسنة، وهذا ما قاله الكثيرون، فالمهم في رأيهم أن يحدث أحد هذين الأمرين: إما أن يبدو الله ظالم عندما يُدين، أو أن يغلب بسبب شرورنا، وذلك عندما لا يُعاقب. وكلا الأمرين غير معقول. إن الرسول بولس نفسه قد أظهر هذا، مشيرًا إلى المعلّمين اليونانيين المبتدعين، معتبرًا كيف أنه يكفي لإدانة هؤلاء، إظهار نوعية أو صفات أولئك الأشخاص الذين يقولون هذا الكلام. أيتهكمون علينا إذًا ويقولون لنفعل السيئات لكى تأتى الخيرات. من أجل ذلك فقد ذكر الرسول هذا الأمر بوضوح قائلاً الآتى:

 

” أما كما يُفترى علينا وكما يزعم قوم أننا نقول لنفعل السيئات لكى تأتى الخيرات. الذين دينونتهم عادلة ” (8:3).

ولأن بولس قال: ” حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا[4] يتهكمون عليه، وبنية خبيثة، يحولون كلمته عن مسارها الصحيح ويقولون إنه ينبغى أن نسعى نحو السيئات لكى نتمتع بالخيرات. لكن القديس بولس لم يقل هذا. ولذلك فإنه وضّح في موضع آخر ما يقصده، بقوله: ” فماذا نقول أنبقى في الخطية لكى تكثر النعمة. حاشا[5]. وتحدث عن هذا السلوك المشين الذي كان يحدث في الأزمنة السابقة، وهو يذكره لا لكى يجعله عادة، فهذا الفكر يعتبر أمرًا مستبعدًا تمامًا لأنه أكد فيما بعد بأننا ” نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها[6].

6 ـ يتضح مما سبق أنه كان سهلاً عليه أن يُدين اليونانيين لأن حياتهم بالفعل كانت قد فسدت جدًا. أما بالنسبة لليهود، فعلى الرغم من أن حياتهم كانت تتسم باللامبالاه كما اتضح، إلاّ أنه كانت لديهم عدة دعائم يستندون إليها وهى: الناموس، والختان، وأن الله كلّمهم، وأنهم معلّمون للجميع. من أجل هذا فقد جرّدهم من كل هذه الأمور، وقد أفصح بأنهم سيُدانون من جهة هذه الأمور التى ختم بها كلمته هنا. فلو كانوا لا يُدانون، عندما يصنعون كل هذه الأمور المشينة، لكان من الممكن أن يُقال هذا القول المجدّف، أى ” لنفعل السيئات لكى تأتى الخيرات “. ولأن هذا يُعد جحودًا، وأن كل مَن يقول به سيُدان كما سبق وأوضحه قائلاً: ” الذين دينونتهم عادلة ” فمن الواضح جدًا أنهم سيُدانون. فإذا كان مَن يقول: ” لنفعل السيئات لكى تأتى الخيرات “، يكون مستحقًا للدينونة، فبالأولى كثيرًا، كل مَن يصنع هذا. وهم قد استحقوا الدينونة لأنهم قد أخطئوا بالفعل. إن الذي يُدين ليس هو مجرد إنسان، حتى يوضع حكمه في موضع شك، ولكنه هو الله الذي يحكم على كل شئ بعدل. فلو أنهم بعدل يُدانون فإنه من العبث أن ينسبوا إلينا هذا القول: ” لنفعل السيئات لكى تأتى الخيرات “، تلك التي قالها أولئك الذين يتهكمون علينا. لأن الله خلق كل شئ بعناية كاملة ومازال يخلق لكى يُنير طريقنا ويُصححه من جميع الجوانب. إذًا ينبغى ألا نبالى بهذا الكلام، لأننا بهذا سنتمكن من أن نُبعد اليونانيين عن الخداع. ولكن إن كنا أتقياء بالكلام فقط، بينما بالعمل أشرار، فبأى أعين نراهم؟ وبأى لغة سنحدثهم عن المبادئ المستقيمة؟ لأنهم سيقولون لكل واحد منا، إذا كنت لم تتمكن من أن تُتمم الأمور الصغيرة فكيف تكون مستحقًا لأن تُعلّم الأمور الكبيرة؟ أنت يا مَن لم تتعلّم بعد أن الجشع يُعد شرًا كيف تُعلّم بالأمور السمائية؟ لكن هل تعرف أن الجشع شر؟ فإن كنت تعرف، فإن الجرم يكون أكبر لأنك مازلت تصر على الجشع على الرغم من معرفتك بأنه يعد شرًا. ولماذا أتكلم عن اليونانى؟ السبب هو أن نواميسنا لا تسمح لنا أن نتمتع بهذه الجرأة، عندما تكون حياتنا فاسدة. إذ يقول الله للخاطئ  ” وأنت … ألقيت كلامى خلفك[7]

          ذات مرة أُقتيد اليهود إلى السبى، وعندما اضطهدهم الفرس وأُعطوا الفرصة أن يرنموا الترانيم الإلهية قالوا: ” كيف نُرنم ترنيمة الرب في أرض غريبة[8].

إذًا فلو أنهم قد فقدوا الرغبة في أن يترنّموا بكلام الله في بلد كان يتسم بالسلوك البربرى فبالأولى جدًا ألاّ يُسمح للنفس البربرية أن تترنم بكلام الله. لأن البربرية هى وصف للنفس المُتقسّية. فلو أن الناموس جعل الذين كانوا أسرى صامتين (أى لا يترنموا)، وقد صاروا عبيدًا في بلد بربرى، فبالأولى كثيرًا وهذا عدل، أن يُغلق أفواه أولئك الذين هم عبيدًا للخطية ويحيون بطريقة شاذة. وعلى الرغم من أنهم في ذلك الحين كانوا يملكون آلات موسيقية، لأنه يقول: “علقنا أعوادنا[9] وذلك على الصفصاف الذي كان يوجد في هذا البلد (فارس)، لكنهم ولا بهذه الآلات استطاعوا الترنيم. وبناء عليه ونحن أيضًا حتى ولو كان لدينا فمًا ولسانًا ـ وهى أعضاء للكلام ـ لا نستطيع أن نتكلّم بجرأة إذا ما بقينا عبيدًا للخطية، التي تعتبر أكثر قسوة من كل البربر. أخبرنى، ماذا ستقول لليونانى عندما تكون سارقًا وطماعًا؟ هل ستقول له ابتعد بعيدًا عن عبادة الأوثان، واعرف الله جيدًا، ولا تقترب من الفضة ولا من الذهب؟ فهو إن سمع منك هذا سيبتسم ساخرًا ويقول، قل لنفسك هذه الأمور أولاً؟ لأنه ليس هو نفس الأمر، أن يعبد اليونانى الأوثان، وأن يرتكب المسيحى نفس الخطية.

كيف سنتمكّن أن نُبعد الآخرين عن عبادة الأوثان، دون أن نُبعد أنفسنا نحن عن هذه العبادة؟ لأننا نحن أقرب لنفوسنا منها للقريب. فعندما لا نستطيع أن نُقنع أنفسنا كيف سنستطيع أن نُقنع الآخرين؟ لأن ذاك الذي لا يُدبر بيته حسنًا لن يستطيع أن يعتنى بالكنيسة. وكيف سيستطيع أن يُصحح مسيرة الآخرين ذاك الذي لا يستطيع أن يعتنى بنفسه؟ إذًا لا تقل لى أنك لا تسجد لتمثال من ذهب لكن اظهر لى هذا، أظهر أنك لا تصنع تلك الأمور التي تحركها شهوة الثروة. لأنه بالحقيقة توجد طرق مختلفة لعبادة الأوثان، فهناك واحد يعتبر الثروة ربًا، وآخر يعتبر البطن إلهًا، بينما ثالث يدعو شهوة أخرى ـ أكثر رعبًا من باقى الشهوات ـ إلهًا له. مع أنه لا يقدم ذبائح أبقار لهذه الآلهة كما يصنع اليونانيون. لكنك بهذا السلوك أنت تذبح نفسك، وهو الأمر الذي يُعد مفزعًا أكثر من أى شئ آخر. وإن كنت لا تركع ولا تسجد إلاّ أنك تصنع كل شئ تأمرك به بطنك، وتحركك إليه شهوة الغنى، وتشتعل فيك نار الشهوة وأنت تفعل كل هذا في خضوع وطاعة. لقد سلك اليونانيون طريق الإنحراف لأنهم جعلوا الشهوات آلهة لهم، فدعوا الشهوة “أفروذيتى”، والغضب “آرى”، والسكر “ديونيسيوس”[10]. ومع أنك لم تصنع لنفسك أوثانًا، كما يصنع اليونانيون لكنك تخضع برغبة جارفة لنفس الشهوات، جاعلاً أعضاء المسيح أعضاء زنا وأغرقت نفسك في تعديّات أخرى. من أجل هذا فإنى أترجاكم، طالما أنكم قد فهمتم حجم الخطية وخطورتها، أن تتجنبوا عبادة الأوثان، لأن بولس يطلق على الطمع عبادة الأوثان[11]. ولكن ليس فقط الطمع في المال هو ما ينبغى تجنبه، بل أيضًا في شهوة الزنا، وفي اقتناء الملابس، والمأكولات وكل الأمور الأخرى. لأننا سنُدان دينونة عظيمة، إن لم نخضع لناموس الرب. لأن      ” العبد الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ولا يفعل بحسب إرادته فيُضرب كثيرًا[12]. إذًا لكى نتجنّب هذا العقاب ولكى نصير نافعين للآخرين، ولأنفسنا ليتنا نمحوا من الجذور كل شر من نفوسنا ولنسلك بالفضيلة. لأننا بذلك سنتمتّع بخيرات الدهر الآتى التي نترجاها جميعًا، بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لإلهنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد والكرامة والقوة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] مز20:147.

[2] تث26:5.

[3] مز4:51.

[4] رو20:5.

[5] رو1:6ـ2.

[6] رو2:6.

[7] مز16:50.

[8] مز4:137.

[9] مز2:137.

[10] ديونيسو هو إله الخمر، المختص بالعناية بزراعات الكروم والنبيذ، ورمز القوة المخصبة والمنتجة.

[11] كو5:3.

[12] لو47:12.

رسالة رومية الأصحاح3 – عظة7 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة السابعة:

” هوذا أنت تسمى يهوديًا وتتكل على الناموس، وتفتخر بالله وتعرف مشيئته وتميز الأمور المتخالفة متعلمًا من الناموس ” (17:2ـ18).

          1ـ بعدما قال إن اليونانى لا ينقصه شئ لأجل خلاصه، لو أنه سلك بحسب الناموس، أى متى سلك حسب الطبيعة بما هو في الناموس، وبعدما قدّم تلك المقارنة المدهشة (بين مَن يسمع الناموس ومَن يسلك بحسب الناموس)، فإنه يشير فيما بعد إلى تلك الأمور التي جعلت اليهود يفكرون بأنهم متميزون (كجنس) عن اليونانيين. أول شئ هو الاسم نفسه، أى أنهم دُعيوا “يهودًا” إذ أن هذا الاسم كان له أهمية كبيرة جدًا، تمامًا مثل المسيحية الآن. لأنه بالحقيقة كان التمييز يعتمد في ذاك الوقت على التسمية، لهذا نجده يبدأ بذكر الاسم أولاً. ولاحظ كيف أنه يبطل فكرة الانتماء لجنس اليهود، كأمر يميّزهم عن غيرهم. لأنه لم يقل “أنت يهودى”، لكن ” تسمى يهوديًا.. وتفتخر بالله” أى أن الله أحبك، وتميّزت عن أناس آخرين، وأُعطيت هذا الاسم. لاحظ كيف أنه يسخر منهم في هدوء، لأجل حماقتهم ولأجل محبتهم الكبيرة للمجد، لأنهم استخدموا هذه العطية[1]، لا لأجل خلاصهم، ولكن لكى يثيروا فتنة ضد الآخرين ويحتقرونهم.

” وتعرف مشيئته وتميّز الأمور المتخالفة ”.

إن هذه المعرفة التي تُميّز الأمور المتخالفة تبدو على أنها ميزة، لكنها رذيلة (لأنها معرفة بدون عمل)، ولهذا فهو يذكرها بالتحديد. لأنه لم يقل تصنع مشيئته، لكن ” تعرف وتميز”، وليس تعمل وتتمم.

” وتثق أنك قائد للعميان ”.

وأيضًا هنا لم يقل إنك بالفعل قائد للعميان، بل ” تثق أنك قائد للعميان ” وهكذا تفتخر. ولأن جنون العظمة لدى اليهود كان كبيرًا، فلهذا نجد أن الرسول بولس هنا يعكس ما ورد في الأناجيل من عبارات تدل على افتخارهم بأنفسهم عندما قالوا للمولود أعمى: ” في الخطايا وُلدت أنت بجملتك وأنت تعلّمنا[2]. فقد كانوا دائمى الافتخار بأنفسهم أمام الجميع، هذا بالضبط ما أراد الرسول بولس أن يفحصه ويصححه، فنجده يرفع من شأن أولئك اليونانيين، مقابل وضع هؤلاء اليهود. وكأنه بهذا أراد أن يفضح افتخارهم الكاذب، ويجعل دينونتهم أثقل. ولهذا استمر في كشف زيف افتخارهم بقوله:

” وتثق أنك قائد للعميان ونور للذين في الظلمة. ومهذّب للأغبياء ومعلم للأطفال ولك صورة العلم والحق في الناموس ” (19:2ـ20).

مرة أخرى لم يقل: لك صورة العلم والحق “في الضمير” و”في الأعمال” و”في الانجازات”، لكن ” في الناموس“. وبعدما قال هذه الأمور، فإن ما ذكره عندما أشار إلى الأمم بقوله ” لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك[3]، يكرره هنا تقريبًا:

” فأنت اذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك؟ ” (21:2).

          غير أنه عندما كان يشير إلى الأمم، كان حديثه أكثر حدة، أما هنا فحديثه يتسم بالرقة، حيث لم يهددهم بأنهم يستحقون عقابًا أكثر نتيجة فعلهم هذا، بل يخاطبهم قائلاً: ” فأنت اذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك؟” فعلى الرغم من ثقتهم فيك “كمعلّم” لأمور كثيرة، فإنك لم تنتفع شيئًا من كل هذه الأمور كما ينبغى، وهذا هو معنى سؤاله بقوله: ” فأنت إذن الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك “؟ لكن لاحظ من فضلك، رؤية الرسول بولس في موضع آخر، حيث يشير إلى تميّز اليهود والذي لم يكن راجعًا لأعمالهم التي مارسوها بأنفسهم، ولكن راجع إلى فعل النعمة الإلهية فيهم. ويبَيّن كيف أنه (أى الناموس) لم يكن فقط بلا نفع لهم مادامو قد أهملوه، لكنهم أيضًا قد جلبوا على أنفسهم عقابًا آخر. فليس هو إنجاز خاص بهم أن يدعوا يهودًا، ولا لأنهم أخذوا الناموس، ولا للأمور التي ذكرها فيما سبق، بل لأجل النعمة الإلهية. فبينما نجده في البداية يقول إن مجرد سماع الناموس لا يفيد إطلاقًا إن لم يقترن بالعمل ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند الله[4]. نجده الآن يوضح أنه ليس السماع فقط هو المهم، لكن الذي يُعد أكثر أهمية من السماع هو التعليم. ولا حتى التعليم يستطيع أن يساعد المعلّم عندما لا يعمل به. وليس هذا فقط أن التعليم نفسه  لن يُعينه، لكن بالحرى سيدينه.

وحسنًا يستخدم القديس بولس الكلمات بكل دقة، لأنه لم يقل ” أخذت الناموس”، لكن ” تتكل على الناموس“. لأن اليهودى لم يتعب في أن يذهب هنا وهناك وأن يطلب معرفة الأمور التي ينبغى أن يفعلها، لكن كان لديه الناموس الذي أظهر له بسهولة الطريق الذي يقود إلى الفضيلة. فبالرغم من أن الأمم الذين سلكوا بالناموس الطبيعى، قد وُجدوا في حالة أفضل من هؤلاء اليهود، لأنهم فعلوا كل شئ بدون الناموس المكتوب، إلاّ أن الطريق نحو الفضيلة، كان أسهل بالنسبة لليهود، باعتبار أن لديهم الناموس. لكن لو أن اليهودى قال: إننى لا أسمع فقط، لكن أعلّم أيضًا، فإن هذا كان سيزيد من هول إدانته. إذن لأنه افتخر كثيرًا بأن لديه الناموس، فمن أجل هذا يوضح لهم، كيف أنهم مستحقون للسخرية عندما يقول: ” وتثق أنك قائد للعميان .. ومهذب للأغبياء ومعلّم للأطفال“. هو يقصد تكبّرهم ـ لأنهم كانوا يستغلون الجهل بالناموس لدى الذين اهتدوا إلى الإيمان حديثًا ـ معطيًا إياهم هذه الصفات. ومع أن هذا الكلام يبدو وكأنه مدح لهم، إلاّ أنه في حقيقة الأمر هو سبب أكبر لدينونهم.

2ـ ” ولك صورة العلم والحق في الناموس” أن مَن يفعل هذا يكون تمامًا مثل شخص يرسم لوحة واضعًا أمامه صورة ملوكية، غير أن ما يرسمه لا يوافق مطلقًا هذه الصورة، بينما أولئك الذين لم يكن لديهم الأصل، رسموها بكل دقة.

وبعدما ذكر المزايا التي أخذوها من الله، ذكر عيوبهم، والتي بسببها أدانهم الأنبياء، واضعًا هذه الإدانات أمامهم بقوله:

” فأنت اذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك؟ الذي تكرز أن لا يسرق أتسرق. الذي تقول إن لا يزنى أتزني الذي تستكره الأوثان أتسرق الهياكل ” (21:2ـ22).

          لأنه بالحقيقة كان يُعد عمل مُجرّم ويُحظر حظرًا تامًا، أن تُمّس الأموال التي توجد داخل المعابد الوثنية، بل إن هذا العمل كان أمرًا مكروهًا جدًا. لكن طغيان محبة المال أقنعكم أن تدوسوا هذا الناموس. بعد ذلك فإن الأمر الأصعب جدًا يضيفه في النهاية قائلاً:

” الذي تفتخر بالناموس أبتعدي الناموس تهين الله ” (23:2).

          هنا يذكر اتهامين ضدهم أو من الأفضل أن نقول ثلاثة اتهامات، أولاً: أنهم أهانوا غيرهم، ثانيًا: أنهم أهانوا تلك الأمور التي كُرّموا بها، ثالثًا: أنهم أهانوا ذاك الذي كرّمهم، الأمر الذي كان يعد أسوأ أشكال الجحود. فيما بعد ـ لكى لا يبدو أنه يدينهم بحسب رؤيته ـ أشار إلى النبي كإدانة لهم، أولاً بكلام قليل وسريع ومختصر، لكن بعد ذلك تكلم بإسهاب أكثر. فقد ذكر إشعياء أولاً ثم بعد ذلك داود، وبالتالى صارت أمورهم مكشوفة بالأكثر. إذن فهو يُشير إلى هذه الأمور، لا باعتباره أنه هو الذي يدينهم، لكن اسمع ماذا يقول إشعياء:

” لأن اسم الله يُجدف عليه بسببكم بين الأمم ”[5] (24:2).

وها هو اتهام مزدوج، لأنه يشير إلى أن هؤلاء لا يجدّفون فقط على اسم الله، لكن يدفعون آخرين أيضًا على التجديف على اسم الله، بسبب سلوكهم المزدوج، فبينما يُعلّمون الآخرين، لا يسلكون هم أنفسهم وفق هذه التعاليم. وكأنه يخاطبهم قائلاً: إذن فما هو نفع التعليم، عندما لا تُعلّمون أنفسكم؟ وكان هذا ما سبق أن خاطبهم به من قبل عندما قال: ” فأنت إذًا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك “، غير أن لكلامه هنا هدف آخر. لأنه يقول إن الأمر لم يقتصر فقط على عدم تعليم أنفسكم، لكن أيضًا لم تعلّموا الآخرين، تلك الأمور التي ينبغى أن يفعلوها. إن الأمر الأكثر فزعًا ليس فقط هو أنكم لا تعلّمون وصايا الناموس، بل إنكم تعلّمون بعكس وصايا الناموس. فيجدفون على اسم الله بسببكم.

ثم بعد ذلك يتحدث عن الختان ويقول إنه أمر عظيم وأنا أعترف به، حين يكون لدى المرء الختان الداخلى (أى ختان القلب بالروح). انتبه إلى حكمة الرسول بولس، كيف أنه في اللحظة المناسبة تكلم عن الختان، وكيف أنه لم يبدأ مباشرة بالحديث عن موضوع الختان إذ أن مكانته كانت عظيمة جدًا عند اليهود. وبعدما أوضح أن هؤلاء اليهود، مسئولون عن التجديف على اسم الله، وأن المستمع لكلامه بدأ يُدين سلوكهم، وأيضًا بعدما جردهم من مكانتهم المتميزة، حينئذٍ تكلم عن الختان، متمنيًا أن لا يستهجن أحد الختان إذ يقول ” فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس” على الرغم من أنه كان ممكنًا، أن يستخدم أسلوبًا آخر يتضح منه تجاهله للختان، لو أنه قال ما هو الختان؟ أو هل هو مجرد فعل يتممه المختتن؟ هل هو برهان لإرادته الصالحة حيث أن الختان يصير في سن مبكر جدًا؟ بالإضافة إلى ذلك فإن أولئك الذين كانوا في الصحراء جميعهم ظلوا بلا ختان لسنوات عديدة، ليس هذا فقط بل من خلال شواهد كثيرة يستطيع المرء أن يتحقق بأن الختان ليس أمرًا ضروريًا، ومع هذا لم يرفض الرسول بولس الختان بدون إبداء أسباب، لكنه رفضه مشيرًا إلى حالة إبراهيم الذي أخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان. حيث أن الوعد لإبراهيم ولنسله أن يكون وارثًا للعالم، كان ببر الإيمان. وعندما يبرهن القديس بولس على أن الختان هو بلا نفع، بعد أن كان محل تقدير بالنسبة لهم، فهذا أمرًا مهمًا. ومع أنه كان يستطيع أن يقول إن الأنبياء دعوا اليهود بغير المختتنين (لأنهم لم يسلكوا بما يتفق وختانهم)، إلاّ أن هذا لا يُعد بأى طريقة أمرًا يعيب الختان، لكنه أمرًا يعيب أولئك الذين يتحدثون عنه وهم يجهلون المعنى الحقيقي للختان. لقد كان هدف القديس بولس إذن، هو أن يُظهر كيف أن الختان ليس له أى قوة في زمن النعمة. وهذا بالضبط ما بيّنه فيما بعد.

فبعدما أوضح عدم نفع الختان من خلال شواهد أخرى، لم يُشر فيها إلى إبراهيم، إلاّ أنه قد ذكره أخيرًا عندما تكلم عن الإيمان قائلاً: ” فكيف حُسب أهو في الختان أم في الغرلة[6]. وهنا نجد أن الرسول بولس لم يُرِد أن يقول شيئًا عن الختان الذي كان يمثل عثرة بالنسبة للأممى غير المختتن، وذلك كى لا يكون حديثه مزعجًا بالنسبة لهم. أما عندما يتعلق الأمر بالإيمان، فإننا نجده يتكلم عن الختان بأكثر حدة، وذلك عكس ما حدث عندما تكلم عن الختان والغرلة إذ واصل حديثه بأسلوب هادئ قائلاً:

” فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس، ولكن إن كنت متعديًا للناموس فقد صار ختانك غرلة ” (25:2).

إذن فهو يقصد هنا غرلتين وختانين كما يقصد ناموسين. لأنه كما يوجد الناموس الطبيعى والناموس المكتوب، يوجد أيضًا ناموس آخر بينهما، هو ناموس الأعمال. لاحظ كيف أنه يُظهر هذه النواميس الثلاثة، ويعرضها أمامهم بقوله: ” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس[7]، أخبرنى عن أى ناموس يتكلم؟ إنه يتكلم عن ناموس الأعمال، ثم يكمل ” إذ ليس لهم ناموس” وهنا أيضًا أى ناموس يقصد؟ يقصد الناموس المكتوب، ويضيف ” هم ناموس لأنفسهم” كيف؟ من خلال الناموس الطبيعى. ومع ذلك فهم أى الأمم ” يُظهرون عمل الناموس ” وأى ناموس هذا الذي يظهرونه؟ نقول ناموس الأعمال. لأن الناموس المكتوب لم يُعطَ للأمم، بينما الناموس الطبيعى “يوجد داخلهم” كبشر، والناموس الثالث يظهر في الأعمال.

فالناموس الأول ـ هو من خلال النص المكتوب. والثانى ـ الطبيعى ـ تُمليه طبيعة البشر. والثالث ـ ناموس الأعمال ـ يظهر في الأعمال.

إذن فهناك احتياج لهذا الناموس الثالث والذي لأجل تحقيقه، يوجد الإثنان الآخران أى الناموس الطبيعى والناموس المكتوب. فإذا لم يتحقق هذا الناموس أى ناموس الأعمال فلا يوجد أى نفع من هذين الناموسين أى الناموس الطبيعى والناموس المكتوب، بل سيوجد ضرر كبير جدًا. وقد أوضح القديس بولس هذا الضرر في حديثه عن الناموس الطبيعى بالنسبة للأمم قائلاً: ” لأنك فيما تدين غيرك تحكم على نفسك[8]. وأيضًا في حديثه عن الناموس المكتوب بقوله: ” الذي تكرز ألا يُسرَق أتَسرقُ[9]. وهكذا أيضًا توجد غرلتان، الواحدة طبيعية والأخرى نتيجة للتعدى على وصايا الناموس من أولئك الذين اختتنوا بالجسد حسب الناموس. أيضًا لا يوجد ختان واحد الذي يتم في الجسد، لكن هناك ختان آخر يأتى من الإرادة. ماذا أريد أن أقول؟ لو أن شخصًا مارس الختان في اليوم الثامن، فهذا هو الختان الجسدى، ولو أن شخصًا آخر نفذ كل وصايا الناموس، فهذا هو ختان النفس، وهذا ما يطلبه الرسول بولس بشكل خاص أو من الأفضل أن نقول إن هذا هو ما يطلبه الناموس. 

          3ـ لاحظ إذن كيف أنه يبدو وكأنه قد قبل الختان عندما تحدث عنه، غير أنه عمليًا قد أبطله. فهو لم يقل إن الختان هو أمر زائد وأنه بلا نفع وبلا فائدة، لكن ماذا قال؟ ” فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس“. ولم يكن لديه مانع من قبوله مشيرًا إلى أنه ليس هو أمر سيئ، لكن متى؟ يجيب عندما يقترن بحفظ الناموس ” ولكن إن كنت متعديًا للناموس فقد صار ختانك غرلة” ولاحظ أنه لم يقل إن الختان لا يفيد بعد لكى لا يبدو وكأنه يحتقره. لكن بعدما أوضح حقيقة العلاقة بين الختان وسلوك اليهودى، وقتها تصدى له، الأمر الذي لم يُعدّ بعد احتقارًا للختان، لكنه ازدراءً من ذاك الذي قد فقد المعنى الحقيقى للختان بسبب لامبالاته. تمامًا مثل أولئك الذين لهم رُتب عالية في المجتمع، ثم بعد ذلك يُقبض عليهم من أجل جرائم خطيرة. فبعدما ينزع عنهم القضاة كرامة رتبهم، حينئذٍ يعاقبونهم. هكذا فعل الرسول بولس لأنه عندما قال: ” لو كنت متعديًا للناموس “، فإنه أضاف ” فقد صار ختانك غرلة “، وعندما برهن على أن هذا اليهودى هو غير مختتن من الداخل فإنه أدانه وبلا تردد بقوله:

” إذن إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس أفما تحسب[10] غرلته ختانًا ”؟ (26:2).

لاحظ ماذا يقول الرسول بولس؛ فإنه لم يقل إن الغرلة تتفوق على الختان، لأن هذا القول كان سيُعد أمرًا مؤسفًا لمستمعيه في ذلك الوقت. بل قال إن الغرلة صارت مثل الختان ويتحدث عن ما هو الختان وما هى الغرلة، ويشير إلى أن الختان هو عمل حسن، والغرلة أمر سيئ. فبعدما ذكر أن غير المختتن يُعد في الواقع مختتن بسبب أعماله الحسنة، وبعدما اعتبر المختتن هو أغرل، بسبب أنه عاش في التعدى، فقد أعطى الأفضلية لغير المختتن إذ قال: أفما تتحول غرلته ختانًا؟ ولم يقل ستحسب لكن ستتحول، وفي هذا كان واضحًا كل الوضوح إذ سبق وقال ” ختانك صار غرلة “، ولم يقل حُسب غرلة[11]. أرأيت أنه يشير إلى غرلتين؛ الطبيعية والاختيارية؟

” وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهى تكمل الناموس تدينك ” (27:2).

إنه هنا يذكر الغرلة الطبيعية، ولا يتوقف عند هذا، لكنه يضيف ” أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس“. لاحظ حكمته فهو لم يقل إن الغرلة الطبيعية ستدين الختان، لكن حين ينجح المرء في تنفيذ الوصية، فإنه يذكر الغرلة، وحينما يدين الختان، فإنه لا يُشير إلى الختان نفسه بل إلى اليهودى الذي أعطى له الختان. ولم يقل أنت الذي عندك الناموس والختان، لكنه أيضًا بهدوء يقول ” أنت الذي في الكتاب والختان تتعدى الناموس “.

أى أن هذه الغرلة ويقصد الختان (الروحى)، قد صارت مساعدًا للناموس. لأن هذه الغرلة التي كانت محتقرة في السابق، تحصل الآن على غلبة ظاهرة. وحينما لا يُدان اليهودى من اليهودى، لكن من الأممى غير المختتن تتقرر الغلبة، تمامًا مثلما يقول الكتاب: ” رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه[12]. وهكذا نرى من كل ما قاله إنه لا يقصد أن يهين الناموس إذ هو يقدره كثيرًا، لكن يقصد اليهودى الذي يحتقر الناموس.

وبعدما أظهر هذه الأمور بوضوح ـ نجده بكل شجاعة ـ يحدد مَن هو اليهودى، ويوضح كيف أنه لا يرفض اليهودى ولا الختان، لكنه يرفض ذاك الذي ليس هو يهودى بالحق أى الذي ليس له الختان الروحى. ومع أنه يبدو أنه يدافع عن الختان، لكنه في الحقيقة يرفع عنه ما كان له من تقدير وفخر عند اليهود مُستندًا في ذلك على أن اليهود المختتنين يخالفون وصايا الناموس، ويوضح أنه لا يوجد أى فرق بين اليهودى وغير المختتن، وليس هذا فقط، لكن كيف أن الأممى غير المختتن هو أسمى لو أنه لاحظ نفسه، وأن اليهودى الحقيقى هو ذاك الذي يلاحظ نفسه:

” لأن اليهودى في الظاهر ليس هو يهوديًا ولا الختان الظاهر في اللحم ختانًا ” (28:2).

هنا هو يدين هؤلاء اليهود، لأنهم يفعلون كل شئ علانية من أجل محبة المجد الباطل.

” بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان الذي مدحه ليس من الناس بل من الله ” (رو29:2).

4ـ بهذه الأقوال هو يرفض كل الأمور الظاهرية. مثل الختان الذي يُمارس ظاهريًا في الجسد، وحفظ السبوت، وتقديم الذبائح، والتطهيرات. كل هذه الأمور أشار إليها بكلمة واحدة قائلاً: ” لأن اليهودى في الظاهر ليس هو يهوديًا“. لكن لأن الحديث عن الختان كان طويلاً، فبالطبع كان الحديث عن حفظ السبت قليلاً. ثم يتكلم بعد ذلك عن ختان القلب بالروح ويُمهد الطريق لحياة الشركة وحياة الإيمان. حيث أن هذا الإيمان صار بعمل الروح القدس في القلب، والله نفسه يمتدح هذا الإيمان. ولماذا لم يبين كيف أن الأممى الذي يحفظ الناموس ليس بأقل من اليهودى الذي يحفظه، بل أظهر كيف أن الأممى الذي يحفظه هو أسمى من اليهودى الذي يخالفه؟ لقد فعل ذلك لكى يجعل الغلبة لغير المختتنين أمرًا مؤكدًا. إذن عندما يصير هذا الأممى مقبولاً، فبالضرورة يصير ختان الجسد مرفوضًا. وهكذا يتضح في كل موضع أن الأمر يحتاج إلى السير في طريق الحياة المستقيمة. لأنه عندما يخلص الأممى بدون هذه الأمور الخاصة بالناموس، بينما يدان اليهودى بها، فاليهودية تصير إذًا بلا نفع. لكنه أيضًا لا يقصد بالأممى، ذلك الذي يعبد الأوثان، لكن ذاك المتقى الله، السالك بالفضيلة، والمتحرر من أحكام الناموس.

[1] أى عطية أنهم يدعون يهودًا ولهم الناموس والأنبياء والعهود والاشتراع.

[2] يو34:9.

[3] رو1:2.

[4] رو13:2.

[5] إش5:52.

[6] رو10:4.

[7] رو14:2.

[8] رو1:2.

[9] رو21:2.

[10] هنا يستخدم القديس يوحنا ذهبى الفم الفعل (metatrape…) ويعنى “تتحول”، وليس بمعنى “تُحسب”.

[11] رو25:2.

[12] مت41:12.

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة7 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

5ـ أرأيت كيف أنه يوضح احتياج اليهود المُلّح لأن يركضوا نحو النعمة؟ لأنهم قالوا إنهم لا يحتاجون إلى النعمة، وإنهم يخلصون بالناموس فقط. فأوضح أنهم محتاجون للنعمة أكثر من اليونانيين، طالما أنهم  سيُدانون أكثر. ثم بعد ذلك، لكى يؤكد ما قاله يضيف تعليمًا آخر قائلاً:

” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرارًا عند الله”.

 وحسنًا أضاف “عند الله” لأنهم ربما يظهرون أمام الناس أنهم مستحقون للتقدير بسبب سماعهم للناموس، ويفتخرون بهذا كثيرًا. لكنهم أمام الله تنكشف حقيقتهم تمامًا. لذا نراه يذكر مَن هم الذين سيُبررون بقوله:

 

” بل الذين يعملون بالناموس هم يُبررون ” (13:2).

            بعدما تكلم عن أن الأبرار عند الله ليسوا هم الذين يسمعون الناموس، فإنه الآن يتكلم عن أن الأبرار هم الذين يعملون بالناموس.

أرأيت كيف أنه تكلم بفيض وغنى لكي ينتقل بكلمته لاتجاه عكسي؟ يقول القديس بولس، إذن لو أنك تعتقد بأنك سوف تخلص بسبب اتباعك للناموس، فإن اليونانى يُعد أفضل منك أمام الله، لأنه كما هو واضح قد عمل بالمكتوب. وكيف يمكن أن يعمل بالناموس ذاك الذي لم يسمع الناموس؟ بل أقول لك، وأنه من الممكن أيضًا، عندما يسمع اليهودى الناموس ألاّ يعمل به. ولقد ذكر بولس الرسول نفس هذا المعنى فيما بعد بأكثر تشديد بقوله : ” فأنت إذا الذي تعلّم غيرك ألست تعلّم نفسك [1].

 

” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم ” (14:2).

          والرسول بولس هنا لا يرفض الناموس، بل على العكس هو يُبرر الأمم من خلال الناموس أيضًا. أرأيت كيف أنه يُقوض مجد اليهودية، ولا يستطيع أحد أن يشتكى عليه، باعتبار أنه يسيء إلى الناموس؟ لكن على العكس، فإنه يُظهر كل الأشياء كما هى، فيرفع من شأن الناموس ويُظهر فضله. وعندما يقول “بالطبيعة” يقصد الأفكار الفطرية، ويُظهر كيف أن البعض أفضل من هؤلاء اليهود. والأمر الأكثر أهمية بالنسبة له، إنهم صاروا أفضل مع أن ليس عندهم الناموس، الذي يفتخر به اليهود على الأمم. ولهذا تحديدًا يقول إن الأمم مستحقون للتقدير، لأنهم لم يتسلموا الناموس، ومع ذلك عملوا بكل وصاياه. وعبّروا عن أفكارهم بأعمالهم وليس بالكلام فقط. لأنه يقول:

 

” الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم شاهدًا أيضا ضميرهم وأفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة. في اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس حسب إنجيلي بيسوع المسيح ” (16،15:2) .

          أرأيت كيف أنه يشير أيضًا إلى يوم الدينونة، ويجعله قريبًا، وينذرهم، موضحًا كيف أنه ينبغي تكريم أولئك الذين اهتموا بأن يعملوا بوصايا الناموس بدون الناموس؟ لكن ما ينبغي أن نُعجب به بشكل خاص هو رؤية الرسول بولس، وهذا ما يستحق أن نتكلم عنه الآن. لأنه بعدما أظهر بالدليل، كيف أن اليوناني هو أسمى من اليهودي، لم يشر إلى هذا كنتيجة مجملة مُسلم بها، حتى لا يثير سخط اليهودي. ولكي يكون قولى أكثر وضوحًا، سأشير إلى كلامه هو نفسه حيث قال: ” لأن ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرارًا عند الله، بل الذين يعملون بالناموس هم يبررون “. وقد كان متوقعًا أن يقول: ” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس” هؤلاء هم أفضل بكثير من أولئك الذين لديهم الناموس. غير أنه لم يقل هذا، لكنه توقف عند مدح اليونانيين، ولم يواصل كلمته، فقد عقد أولاً تلك المقارنة (بين مَن يسمع الناموس وبين مَن يعمل بالناموس) حتى يقبل اليهودي هذا الكلام. لذلك اكتفى بأن يقول:  ” لأن الأمم الذين ليس عندهم الناموس متى فعلوا بالطبيعة ما هو في الناموس فهؤلاء إذ ليس لهم الناموس هم ناموس لأنفسهم، الذين يظهرون عمل الناموس مكتوبًا في قلوبهم شاهدًا أيضا ضميرهم “.

لأنه يكفي في مقابل العمل بالناموس العمل بحسب الضمير والفكر. بهذا الكلام أظهر الرسول بولس أيضًا، كيف خلق الله الإنسان قادرًا على اختيار الفضيلة وتجنب الشر.

فلا تتحير لأنه أظهر هذا الأمر عدة مرات، لأن هذا الأمر الهام كان يُعد بالنسبة له، أمرًا مُلحًا، تجاه أولئك الذين تساءلوا لماذا أتى المسيح الآن؟ وأين كانت عناية الله في الأزمنة السابقة؟ وهو يرد على هؤلاء مبينًا لهم إنه في الأزمنة السابقة وقبل إعطاء الناموس، كان الجنس البشري يتمتع بعناية الله بصورة كاملة. فما أعلنه الله من قبل، كان واضحًا لهؤلاء، بل إنهم أيضًا قد عرفوا ما هو الخير وما هو الشر، وكانت معرفتهم هذه سببًا في أنهم أدانوا الآخرين. ولهذا تحديدًا اتهمهم وقال: ” فيما تدين غيرك تحكم على نفسك“، لكن في حالة اليهود بالإضافة إلى كل ما طُرح، فإنهم قد تسلموا الناموس، أى أنه بالاضافة للعطية الإلهية الممنوحة لكل البشر وهى العقل والضمير، فإنهم أيضًا أُعطوا تعاليم الناموس. لكن لأي سبب أشار إلى أن ” أفكارهم فيما بينها مشتكية أو محتجة“؟ السبب في ذلك أنه لو كان عندهم الناموس المكتوب ويظهرون عمله، فهل يكون هناك مجال للفكر أن يشتكى؟ وعندما يقول “مشتكين” فإنه لا يقصد أن الأفكار فقط هى التي تشتكى عليهم (أى تتهمهم)، بل إن كل الطبيعة تشتكى عليهم أيضًا[2]. وهذا اتهام كافى لدينونتهم.

ثم بعد ذلك، لكى يزيد من خوفهم من يوم الدينونة أكثر، فإنه لم يُشر إلى خطايا البشر المعلنة فقط، لكنه أشار إلى “سرائر الناس أيضًا”. وهنا نرى أن دينونة الله هى أكثر دقة من دينونة البشر، باعتبار أن الناس يحكمون على الأمور الظاهرة فقط. وهو يُشير إلى ” سرائر الناس “، كى لا تتعرض لنفس الدينونة التي بها تدين غيرك حتى وإن كنت تدينه بأفكارك. ومن أجل هذا قال ” أفتظن هذا أيها الإنسان الذي تُدين الذين يفعلون مثل هذه وأنت تفعلها أنك تنجو من دينونة الله “؟. ثم أكمل أن في يوم الدينونة هذه ” سيُدين الله سرائر الناس حسب إنجيلى بيسوع المسيح ” وهنا نلاحظ أنه على الرغم من أنه تكلم فيما سبق عن الله الآب فقط، فإنه هنا يتكلم عن المسيح[3].

 

6ـ أرأيت كيف أنه بهذه الحكمة، قد قاد الجميع ودعاهم إلى بشارة المسيح المفرحة ، وأظهر أن  نتائج أعمال الإنسان، لا تنحصر في هذه الحياة فقط، بل تمتد إلى حياة الدهر الآتى أيضًا، وهذا يتضح مما سبق وقاله: ” تدخر لنفسك غضب في يوم الغضب [4]، أما في هذه الآية فيقول أيضًا: ” اليوم الذي فيه يدين الله سرائر الناس ” إذن فينبغى على كل واحد أن يفحص ضميره من جهة خطاياه، ويطالب نفسه ـ بكل تدقيق ـ بمسؤلياتها لكى لا يُدان مع العالم كله يوم الدينونة العتيدة. لأن تلك المحاكمة رهيبة وذلك الكرسى مخوف، ومسئوليات النفس عن أعمالها مرعبة والنار تجري كالنهر ” والأخ لن يفدي الإنسان فداءً، ولا يُعطى الله كفارة عنه[5]. فتذكّر إذن هذه الأمور التي قيلت في الإنجيل عن الملائكة الذين يروحون ويجيئون، والنار التي لا تُطفأ، والحجال الذي أُغلق، وقوات الشر التي تُجّر إلى أتون النار. فتخيل إذن، لو أن شخصًا منا أظهر اليوم أمام الكنيسة أمرًا خفيًا، كيف أنه يتمنى أن يختفي وتبتلعه الأرض، على أن يكون هناك شهود كثيرون على خطاياه؟ كم بالحرى سيكون الألم في ذاك الوقت، عندما تُعرض كل هذه الأمور أمام المسكونة كلها في مثل هذا المحفل المنير، لأن كل شئ سيكون حينئذٍ مكشوفًا ومعلنًا أمام الجميع.

لكن لماذا اضطررت أن أنذركم؟ فعلت ذلك بدافع المحبة لكم، وكان ينبغى علىّ أن أفعل هذا وأشدّد على ضرورة مخافة الله وإظهار دينونته العادلة. أخبرني كيف سنكون وقتها (أى يوم الدينونة)، عندما تُصّر أسناننا وننقاد إلى الظلمة الخارجية؟ أو من الأفضل أن نتساءل: ماذا سنفعل عندما نقاوم إرادة الله، الأمر الذي هو أكثر رعبًا من كل شئ؟ لأن الشخص الذي لديه حس وإدراك هو ـ من الآن ـ يمكن أن يشعر بما سيعانيه في الجحيم، إلى أن يقف أمام الله في يوم الدينونة العتيدة. أما مَن ليس له هذا الحس وذلك الإدراك فسيكون مصيره الجحيم. لأنه بالحقيقة كان ينبغي علينا أن نتألم لا عندما نُدان، ولكن عندما نخطئ. اسمع الرسول بولس وهو يحزن ويئن، لأجل خطايا لن يُدان عنها: ” لست أهلاً لأن أُدعى رسولاً لأني اضطهدت كنيسة الله[6]. اسمع داود أيضًا ـ لأنه اعتقد أنه سلك ضد إرادة الله ـ طلب إدانة نفسه قائلاً: ” فلتكن يدك علىّ وعلى بيت أبي[7]. لأن مقاومة إرادة الله هو أمر أكثر فزعًا من الدينونة، وهذا يعكس حالة البؤس التي نحياها، فإن لم يوجد الخوف من الجحيم، فلن نسرع إلى فعل الصلاح وهذا أمر غير مقبول أمام الله. ولهذا تحديدًا سنكون مستحقين لهذا الجحيم، لأننا نخاف من الجحيم أكثر من مخافة المسيح. ولننظر إلى المُطوب بولس الذي سلك في مخافة الله على الدوام. أما من جهتنا فنحن نسلك بشكل مختلف، فالخوف من الجحيم هو الذي يدفعنا لفعل الصلاح، لهذا يُحكم علينا بالجحيم. وسنعرف لو أننا حقًا نحب المسيح كما ينبغي لنا أن نحبه، وسندرك أيضًا أن الأكثر فزعًا من الجحيم هو معاندة ذاك الذي نحبه. لكن لأننا لا نحبه، فنحن لا ندرك مقدار الاثم الذي نفعله. وهذا ما يجعلني على كل حال أحزن وأئن.

لكن هل هناك شيئًا لم يفعله الله لأجل خلاصنا، لكى لا نحبه؟ وما الذي لم يدبره بصلاحه لخيرنا؟ وما الذي لم يفكر فيه لأجلنا؟ لقد ازدرينا به، على الرغم من أنه أعطانا هبات كثيرة، وأنعم علينا بخيرات وفيرة لا توصف. لقد انصرفنا عنه بالرغم من أنه دعانا وجذبنا نحوه من كل صوب، ومع هذا كله لم يعاقبنا، لكنه ركض نحونا وعضدّنا، في الوقت الذي فيه تركناه ورفضناه، وقبلنا مشورة الشيطان. ورغم هذا الموقف الرافض، إلاّ أنه أرسل كثيرين من الأنبياء، والملائكة، والآباء لدعوتنا مرة أخرى، ولم نقبل الدعوة وليس هذا فقط، بل أننا قد أسأنا إلى هؤلاء الذين أرسلهم. ومع كل ذلك لم يتركنا، فقد أُسئ إليه وقَبِل الإساءة، وقد احتمل هذا من أجل أن  يأتى بالجميع إليه ممن في السماء وممن على الأرض، مع كل من إرميا وميخا. لقد فعل ذلك باختياره لأجل خاصته. واقترب هو نفسه من أولئك الذين انصرفوا عنه، مبشرًا هؤلاء الذين كانوا يصمّون آذانهم عن كل شئ. لأنه يقول: ” يا شعبى ماذا صنعت بك وبماذا أضجرتك. اشهد علىَّ[8]، غير أننا بعد كل ذلك فإننا قد قتلنا الأنبياء، ورجمناهم، وسببّنا لهم متاعب لا تُحصى. ماذا فعل الله تجاه كل هذا؟ لم يُرسل بعد أنبياء ولا ملائكة ولا آباء، لكن أرسل ابنه الوحيد. وعندما أتى ابن الله ذاق الآلم وجاز الموت، ومع كل هذا لم تنقص محبة الآب، ولازال يدعو الجميع حتى بعد موت ابنه، ويترجى أن نفعل كل ما نستطيع حتى نرجع إليه. ولهذا فإن الرسول بولس يصرخ قائلاً: ” إذ نسعى كسفراء عن المسيح، كأن الله يعظ بنا نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله[9].

 

7ـ ومع أننا لم نتصالح مع الله إلاّ أنه لم يتركنا، ولم يتغير موقفه تجاهنا. بل إنه لكى يجذبنا نحوه، قد توعدنا بالعقاب ووعدنا بملكوت السموات. ومع كل هذا فإننا قد سلكنا بلا شعور. فهل يوجد أقسى من هذه الوحشية؟ فلو أن إنسانًا قد فعل بنا خيرًا، ألا نصير أسرى محبته هذه؟ أما حين يصنع الله معنا كل هذه الأمور فإننا ننصرف عنه. أليس هذا جحودًا وعدم مبالاة!. نحن دومًا نرتكب الخطايا والشرور، ولو حدث مرة وفعلنا شيئًا صالحًا، فإننا نفعله واضعين أمام أعيننا الأمور المادية، مثلما يفعل الخدم الجاحدون، حاسبين ذلك المقابل المادى بكل دقة. لكن تكون المكافأة أعظم، لو أنك تعمل دون أن تنتظر مقابلاً لما تفعله. لأن هذا السلوك وهذه الحسابات الخاصة بانتظار المقابل، هو سلوك يخص بالأكثر كل مَن يعمل من أجل المكافأة، وليس سلوك خادم يشعر بالإمتنان لسيده. إذن ينبغي أن نفعل كل شئ لا من أجل المكافأة المادية بل من أجل الإتحاد بالمسيح حتى ننعم بالخيرات في بملكوت السموات. فمحبة الله في حد ذاتها هى أعظم مكافأة، فهى الملكوت الحقيقى، ورفض هذه الحقيقة هو الجحيم ذاته. لذلك ينبغى علينا أن نحبه كما أحبنا هو أولاً، لأنه هو الملكوت، وهو الفرح، وهو المتعة، وهو المجد والكرامة، وهو النور والسعادة غير المحدودة، ذاك الذي لا يُعبَّر عنه، غير الموصوف وغير المدرك.

أنا لا أعرف كيف انجذبت لهذا الحديث، لكنى أهدف إلى حث أولئك الذين ينشغلون بمجد وسلطان هذا العالم الحاضر، على احتقار هذه الأمور لأجل ملكوت الله.

          إن أغلبية الرجال العظماء، الجسورين، قد وصلوا إلى هذا القدر من المحبة. لقد اشتعل الرسول بطرس بالمحبة نحو المسيح، مفضلاً إياه عن نفسه وحياته وعن كل شئ آخر. وعندما أنكره، لم يبك خوفًا من الجحيم، لكن لأنه أنكر ذاك الذي أحبه جدًا، وهذا الأمر كان يعّد بالنسبة له أقسى من الجحيم. فقد كان باستمرار مداومًا على أن يسأل الرب يسوع قائلاً:    ” أين تذهب[10]، وأيضًا ” إلى مَن نذهب[11]، و” إنى مستعد أن أمضى معك حتى إلى السجن[12]. لأن المسيح كان كل شئ بالنسبة للتلاميذ، ولم يكن الدافع لمحبتهم للمسيح هو انتظار أية مكافأة. ودعنى أسأل لماذا تندهش من سلوك بطرس؟ اسمع ما يقوله النبى: ” ما لى في السماء ومعك لا أريد شيئًا على الأرض[13]. إن ما يقصده هو الآتى: أنه لا يتمنى شيئًا لا من الأمور السمائية، ولا من الأمور الأرضية، لا شئ يتمناه سوى الله. هذه هى المحبة، هذا هو العشق الإلهى. فلو أننا نحب هكذا، فإن هذه المحبة لن تقارن على الاطلاق بأية أمور أرضية أو حتى أمور مستقبلية، وسنربح ملكوت السموات منذ الآن، متمتعين بمحبته. وقد يتساءل المرء كيف سيحدث هذا؟ نجيب: لو أننا أدركنا كم مرة أسأنا إليه، بينما هو لا يزال يدعونا ويقدّم لنا خيرات لا تحصى. كم مرة تجاهلناه، بينما هو لا يتجاهلنا أبدًا، بل ويركض نحونا ويجذبنا إليه ويقودنا بالقرب منه. لو أننا فكرنا في كل هذا، وأمور أخرى مشابهة، سنستطيع أن نلتهب بالشوق إليه. مثلما يحدث لو أحب إنسان بسيط ملكًا، ألا يُقدّر هذا الملك هذا الحب؟ بالتأكيد سيقدره كثيرًا جدًا. لكن عندما يحدث العكس، ويكون مَن يحبنا ذو جمال وغنى ومجد لا يُعبّر عنه، بينما نحن المحبوبين غير جديرين بمحبته، فكيف لا نكون ـ نحن غير المستحقين ـ أهلا للجحيم، عندما نصير محبوبين بهذا القدر الكبير من المحبة، من ذاك العظيم العجيب، ولا نبالى بمحبته؟ فالحقيقة أنه بالرغم من عدم مبالاتنا فإن الله لا يتوقف على أن يقدم لنا كل محبة.

وفي الحقيقة نحن في احتياج كبير لمحبته، وبالرغم من ذلك لا ندرك أهمية وغنى هذه المحبة. لكننا نُفضل الأشياء المادية، وصداقات الناس، وراحة الجسد، والسلطة والمجد، بينما هو لا يريد أى شئ آخر منا سوى خلاص نفوسنا فقط، إذ أنه لم يشفق على ابنه وحيد الجنس الحقيقى لأجل خلاصنا. ومع هذا كله فإننا نُفضل أمورًا أخرى كثيرة عن محبته.

          هل بعد ذلك لا يوجد جحيم؟ لأنه ماذا نستطيع أن نقول، عندما نفضّل أفكار الشيطان على نواميس المسيح، وعندما لا نبالى لخلاصنا، ونفضّل أن نسلك في الشر على أن نتحد بذاك الذي جاز الآلام لأجلنا؟ وأى عذر يمكن أن يقدم عن كل هذا؟ وأى تبرير؟ بالقطع لا يوجد.

          ومادمنا نفكر في كل هذا، فلنتوجه بالحديث نحو المتغافلين، لعلنا نستفيق، فلنعطى المجد للمسيح من خلال أعمالنا. لأنه لكى نتمتع بمجده لا يكفى أن نمجده بمجرد الكلام. لأننا نتمنى أن نتمتع بمجده الحقيقى جميعنا بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب  والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

 

[1]  رو21:2.

[2] حيث انهم أساءوا إلى الطبيعة كلها. (انظر رو23:1ـ32).

[3] هنا يُشير إلى أن الابن هو ديان أيضًا، وهذا ما نردده في قانون الإيمان ” الذي يأتى في مجده ليدين الأحياء والأموات “.

[4] رو5:2.

[5]  مز7:49.

[6] 1كو9:15.

[7] 2صم17:24.

[8] ميخا3:6.

[9]  2كو20:5.

[10] يو36:13.

[11] يو68:6.

[12] لو33:22.

[13] مز 25:73.

رسالة رومية الأصحاح2 – عظة6 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version