رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

بقية العظة الثالثة عشر:

          7 ـ ولهذا تحديدًا، بعدما نترك هذه الصراعات، لنهتم مرة أخرى بالحديث الأخلاقي، أو من الأفضل أن نقول إن هذا الجزء الخاص بالصراعات يتعلق بهؤلاء (اليهود). لأنه لو طرحنا عنا الشر، وتحلّينا بالفضيلة، فإننا سنعلم بوضوح أن الشر ليس له كيان أو طبيعة. وأولئك الذين يحاولون أن يعرفوا من أين تأتى الشرور، سنحاول أن نجعلهم يصمتون، ليس فقط بالكلام، بل بالحقائق، لأننا نشترك في نفس الطبيعة البشرية مع هؤلاء، ولكننا قد تحرَّرنا من خبثهم. إذًا ينبغى ألاّ نتصور أن الفضيلة هى أمر صعب، بل إنه من الممكن تحقيقها، فلو أننا حاولنا سيصير الأمر بسيطًا وسهلاً. أما إذا كنت تفضل الحديث عن لذة الخطية، فيجب عليك أن تتحدث أيضًا عن نهايتها. لأن الخطية تقود إلى الموت، تمامًا كما أن الفضيلة تقود إلى الحياة. أو من الأفضل القول ـ إن أردت ـ فلتفحص كل منهما قبل أن تصل كل واحدة إلى نهايتها. سوف ترى كيف أن الخطية تحمل ألمًا كثيرًا، بينما الفضيلة تحمل متعة. إذًا هل يوجد شيئًا أكثر سعادة من الرجاء الصالح؟ لأنه لا يوجد شيئًا يجرحنا ويُضيّق علينا بهذا القدر أكثر من التطلع نحو الشر، وأيضًا لا يوجد شئ يسندنا بهذا القدر، ويجعلنا نسمو، أكثر من الضمير الصالح.

          ويمكن أن نتعلّم هذا من خلال تلك الأمور التي تحدث لنا. انظر إلى المتسولين الذين يتسكعون في الطرقات الضيقة، لا يخشون أى أذى، أما المسجونون الذين ينتظرون المحاكمة، بالرغم من أن لهم مأوى، إلاّ أنهم يعيشون في بؤس، لأن انتظار الأمور السيئة، لا يجعلهم يشعرون بأى بهجة. ولماذا أُشير إلى المسجونين؟ إن أولئك الذين يحيون خارج أسوار السجن في غنى فاحش ولا ينتابهم أى شعور بأنهم خطاة، هم أدنى من العمال الذين يشتغلون بأيديهم ويمضون اليوم كله في أتعاب ومشاق، هؤلاء العمال هم أفضل منهم بكثير. لذلك نحن نأسف للمصارعين، فعلى الرغم من أننا نراهم يسكرون في الحانات ويلهون ويأكلون بشراهة، إلاّ أننا نقول إنهم أكثر تعاسة من الجميع، لأن كارثة الموت التي تنتظرهم هى أكبر بكثير من تلك المتع الوقتية. ولكن لو ظنوا أن الحياة هى للمتعة فقط، فعليهم أن يتذكروا دائمًا ما سبق أن قلته لكم: أن مَن يحيا في الخطية لابد أن يكابد مرارتها وحزنها. هكذا فالأمر المكروه جدًا يبدو للذين يسعون نحوه أمرًا محبوبًا. ولكننا لا نطوّبهم من أجل ذلك، بل لهذا تحديدًا نحن نأسف لهم لأنهم لا يعلمون مدى خطورة الحالة التي وصلوا إليها في ممارسة الخطية.

          ولكن ماذا يمكن أن نقول للزناة الذين لأجل قليل من المتعة يعانون من أتعاب كثيرة جدًا ونفقات ومخاوف مستمرة وحياة تشبه حياة قايين بشكل عام. ومن الأفضل أن نقول إنها أسوأ بكثير من حياة قايين، لأنهم يخشون من الأمور الحاضرة ويرتعبون من الأمور المستقبلية، وينتابهم الشك في الأصدقاء وفي الأعداء، وفي أولئك الذين يعرفون شيئًا عنهم وأولئك الذين لا يعرفون أى شئ؟ أنهم لا يستطيعون التخلّص من هذا القلق حتى عندما ينامون، لأن ضميرهم الشرير يسترجع فيهم أحلامًا مملوءة بمخاوف كثيرة، وهكذا يرتعبون بشدة. أما العفيف فليس هكذا، بل إنه يعيش كل حياته في راحة وحرية كاملة. إذًا لو قارنت بين أمواج الخوف الكثيرة لهؤلاء بما يحققونه من متعة زائلة، وبين سكينة أو سلام الحياة الأبدية الذي يحصل عليه كل مَن يسلك بالعفة، عندئذٍ ستدرك أن هذه العفة هى أكثر سعادة من الشهوة. فذاك الذي يريد أن يختطف (ما ليس له)، ويعتدى على أموال الغير، أخبرنى ألاّ يعاني من متاعب كثيرة عندما يركض هنا وهناك، وينافق عبيدًا وأحرارًا ويرهب ويهدد ويسلك بسفه، ولا ينام، ودائمًا يرتعب، ويقلق، ويشك في كل شئ؟ أما الذي يحتقر المال، فليس هكذا، بل أنه يتمتع بمباهج كثيرة، طالما أنه يحيا بلا خوف وبأمان كامل.

          ولو فحص المرء أنواع الخطايا الأخرى، سيرى أنها تسبب لمرتكبيها قلائق كثيرة، وصعوبات بالغة. ومن الجدير بالملاحظة أن الصعوبات تأتى أولاً والإنسان يسير في طريق الفضيلة، ثم بعد ذلك الأمور المفرحة، وهكذا تهدأ الآلام. أما في ممارسة الشر فالأمر يكون على النقيض، حيث تأتى على الإنسان الآلام والعقوبات بعد المباهج، وهنا تختفي هذه البهجة. فكما أن ذاك الذي ينتظر التيجان لا يشعر بشئ من أثقال العالم الحاضر، هكذا فإن ذاك الذي يبتهج بالخطية ينتظر العقوبات، ولا يستطيع أن يتمتّع بفرح حقيقي، طالما أن الخوف يُبطل كل شئ. والأفضل أن نقول، لو أن المرء فحص الأمر بعناية سيُدرك حجم الألم الذي يُعانيه الأشرار في الوقت الذي يتجرأون فيه على فعل الخطية وحتى قبل العقاب المعّد لهم. ولو أردت فلتفحص حياة أولئك الذين يختطفون ما ليس لهم، وأولئك الذين يحاولون أن يكسبوا أموالاً بطُرق مُلتوية. دعنا نبتعد عن المخاوف والأخطار والفزع والقلق، وكل هذه الأمور، ونفترض أن هناك شخص قد اغتنى بدون تعب، وأنه يسعى في الحفاظ على أمور الحياة الحاضرة، وإن كان هذا يُعد أمر مستحيل، لكن ليُفترض هذا، فأى سعادة يمكن أن يتمتع بها هذا الإنسان؟ هل لأنه ربح الكثير؟ لكن هذا تحديدًا لا يترك له مجالاً للسعادة. وإذ يشتهى أمورًا أكثر تزداد آلامه أكثر.

          لأن السعادة تُمنح حين تتوقف الشهوة. فعندما نعطش فإننا نشرب ما نريد لكي نروى ظمأنا، بينما بقدر ما يزداد عطشنا لأمور هذا العالم فحتى ولو أفرغنا كل الآبار في جوفنا، تصير معاناتنا أكبر، ولو شربنا أنهارًا كثيرة جدًا، وسيصير العقاب أكثر فزعًا. هكذا فيما يتعلق بأمور هذا العالم لو أنك قبلتها، مع استمرارك في اشتهاءها، فإنك تجعل العقاب أكبر بكثير، على قدر ما يزيد نهمك لهذه الأمور. ولا ينبغى أن تعتقد أن من بين الشهوات الكثيرة في هذه الحياة، هناك شهوة محددة خُصصت لأجلك (الغنى) وأنه ينبغي أن تسعى في تحقيقها باستمرار، لكن يجب عليك ألاّ تشتهي الثراء. لأنه إن اشتهيته، فلن يتوقف عذابك، وسوف تعاني. وسوف تتساءل هل هذا الطريق هو بلا نهاية؟ نعم بقدر ما تقطع شوطًا كبيرًا في هذا الطريق، بقدر ما تبتعد عن النهاية. إذًا أليست هذه الرغبة في الثراء هى شئ محير وهوس، بل وأسوأ أنواع الهوس؟

          إذًا فأول كل شئ هو أن نبتعد عن الخطية أو من الأفضل أن نقول ينبغى ألا نشرع مطلقًا في السعى نحو الشهوة، ولكن إن انخدعنا وشرعنا في ممارسة الشهوة فلنبتعد عن البداية، الأمر الذي يفصح عنه كاتب سفر الأمثال، بالنسبة للتعامل مع المرأة الزانية، قائلاً: ” ابعد طريقك عنها ولا تقترب إلى باب بيتها[1]. نفس الشئ أقوله لك من جهة البخل. لأنه إن سقطت ولو  قليلاً في هذا البحر من الهوس، فمن الصعب أن تتمكن من النجاة. تمامًا كما في حالة المصابين بالدوخة أو الدُوار، فلو أنك حاولت آلاف المرات فلن تُنقذ بسهولة، وهكذا فإنك ستُصاب بهذا الدوار، بل وأسوأ منه بكثير. وعندما تسقط في أعماق هذه الرذيلة (البُخل)، ستدمر نفسك وكل ما حولك.

          8 ـ ولهذا أرجو أن نتنبه للبداية، ولنتجنب الخطايا الصغيرة، لأن منها  تأتى الخطايا الكبيرة. لأن من تعوَّد ـ عندما يسقط في كل خطية ـ أن يقول لن أرتكب إلاّ هذه الخطية فقط، فإنه سيفقد كل شئ تدريجيًا. إن هذا الأسلوب في التفكير هو ما يجلب الخطية، هو ما فتح الباب أمام اللص (أى الشيطان) وهو ما هدم أسوار المدينة، هكذا أيضًا من جهة الجسد، فإن الأمراض الخطيرة تزداد، عندما تُهمل الأمراض البسيطة. فعيسو إن لم يُسلّم البكورية، لما أصبح غير مستحق للبركة، وإن لم يجعل نفسه غير مستحق للبركة، ما كان سيصل إلى مرحلة يريد فيها قتل أخيه. وقايين لو لم تكن لديه هذه الرغبة المُلّحة في أن يكون الأول في كل شئ، ولو أنه تنازل عن هذه المكانة لله، ما كان له أن يصير في المرتبة الثانية، وأيضًا عندما أتى في المرتبة الثانية، لو أنه سمع النصيحة، ما كان له أن يرتكب القتل، وأيضًا بعدما ارتكب القتل، لو أنه قدم توبة عندما دعاه الله، ولم يُجب بسفاهة، ما كان ليُعانى من المآسى والشدائد التي أعقبت القتل.

          فإن كان الذين عاشوا قبل الناموس قد وصلوا إلى أعماق الخطية بسبب اللامبالاة واقتراف الاثم على نحو تدريجى، فيجب علينا أن نفكر فيما سنعانيه نحن الذين دُعينا إلى اختبارات أكبر، فإن لم نُلاحظ أنفسنا بمنتهى الدقة، وإن لم نُسرع في أن نُطفئ شرارة الخطية، قبل أن تشتعل النيران، ستُعرّض أنفسنا لعقاب شديد. هل فهمت ما أريد قوله؟ إنك دائمًا ما تنقض الوعد ولذلك لا يجب عليك أن تتوقف عند هذا فقط، بل يجب أن تتحرر من أى وعد، ولن تحتاج إلى بذل الجهد فيما بعد. لأن عدم تقديم وعد يعتبر أفضل من أن تَعِدْ ولا تفي بالوعد فيما بعد. هل أنت شتّام ومُسئ ومحب للنزاعات؟ حدَّد لنفسك قانون، ألا تغضب وألا تصرخ مطلقًا، وسوف تُقتلع الخطية من جذورها ولن يكون لها ثمر. هل أنت شهوانى ومُسرف؟ ضع لنفسك أيضًا حدًا، حتى لا تنظر (بشهوة) إلى امرأة، ولا أن تذهب لحفلات مُشينة، وتتفحص في تفاصيل الحسناوات الغريبات في السوق. لأن عدم النظر منذ البداية إلى امرأة جميلة والشهوة مشتعلة داخلك يعد أسهل من أن تتغلب على الاضطرابات التي تأتى من وراء هذه النظرة. لأن الجهاد من البداية هو أكثر سهولة، أو من الأفضل القول إننا لا نحتاج ولا حتى للجهاد، إن لم نفتح الأبواب للعدو، وإن لم نقبل بذور الشر.

ولهذا فإن المسيح له المجد أدان ذاك الذي ينظر إلى المرأة ليشتهيها، لكى يُنقذنا من متاعب كثيرة، ويوصينا أن نطرد العدو من البيت قبل أن يصير قويًا، عندئذٍ يكون من غير الممكن طرده بسهولة. فإن كان ما يملكه المرء ليس ذو قيمة، فعلى أى شئ يتشاجر مع خصومه، بينما يستطيع أن يربح ما يريده بدون أى شجار، ويختطف الجائزة قبل النزال؟ فبالرغم من أنه ليس بالمشقة الكبيرة ألاّ ينظر أحد لامرأة جميلة، إلاّ أن المرء يبذل مشقة كبيرة في أن يضبط نفسه عندما ينظر إلى امرأة. أو من الأفضل أن نقول إنه لا يمكن أن توجد مشقة في حالة عدم النظر، أما الجهد الكبير والتعب فإنه يأتى عند النظر ثم بعد ذلك محاولة ضبط النفس. إذًا عندما تكون المشقة أقل، أو من الأفضل القول عندما لا توجد مشقة مطلقًا ولا تعب فالربح سيكون أوفر. فلماذا نُصارع من أجل السقوط في قاع محيط الخطايا التي لا تُحصى؟ لأن مَن لا ينظر إلى امرأة لا يسهل عليه فقط أن يهزم الشهوة، بل أنه يصبح أكثر نقاءً، كما أن ذاك الذي ينظر لن يتمكن من التخلّص من هذه الشهوة ـ كما قلنا ـ إلاّ بجهد كبير ومحاولات كثيرة. لأن الذي لم يرى وجهًا جميلاً هو في منأى عن الشهوة التي تأتى عن طريق النظر، أما مَن اشتهى أن يرى يكون بهذا قد لوث نفسه. فإنه بعدما ينتصر على الفكر، يبدأ بعد ذلك مرحلة النقاوة من الشهوة، غير أن هذا ليس بالأمر الهين.

          ولهذا تحديدًا فإن المسيح له المجد، لكى يُجنّبنا معاناة كل هذا لم يمنع القتل فقط، بل والغضب أيضًا، ليس الزنا فقط، بل والنظرة الشريرة. وليس فقط من جهة نقض القسم، ولكن القسم بشكل عام. وأستطيع أن أقول ولا بهذا أيضًا يتحدد معيار الفضيلة، بل أنه بعدما شرّع كل هذا، يتقدم نحو ما هو أكثر من ذلك. فبعدما أبعد الإنسان عن طريق القتل وأوصاه أن يكون نقيًا من الغضب، يوصيه أن يكون مُستعدًا لأن يتألم، ويُعد نفسه مسبقًا لتحمّل الآلام ليست فقط تلك التي تأتي فمَن يرغب في الإيقاع به، بل أكثر من ذلك. وعليه أيضًا أن ينتصر على قوة شهوته بالعفة التي يمتلكها. لأنه لم يقل مَن لطمك على خدك الأيمن يجب أن تتحمله بشهامة وهدوء، بل قال حوّل له الآخر أيضًا: ” فحوّل له الآخر أيضًا”[2]. ولهذا فإنه انتصار عظيم أن نتحمل أكثر بكثير مما يريده ذاك الذي يرغب في أن يؤذينا، وأن نتجاوز حدود شهوته الخبيثة، بما لنا من غنى في طول الأناة. لأنه هكذا سنقضى على غيظه، وستنال مكافأة عظيمة، بعدما نقضى على الغضب من خلال تصرفنا هذا مع المسئ.

          أرأيت كيف أنه في كل موضع يؤكد على أن عدم شعورنا بالخزي والألم يتوقف علينا، ولا يتوقف على الذين يسيئون إلينا؟ أو من الأفضل أن نقول إن الأمر لا يتعلق بعدم شعورنا بالخزي فقط بل إذا أردنا أن ننعم بالخير فهذا أمر في أيدينا. وبالطبع فإن هذا ما يستحق الإعجاب بصفة خاصة، أى أنه ليس فقط أنه لن ينالنا ظلم، إن كنا نسلك بعفة، بل يمكننا أن ننعم بالخير بواسطة تلك الأمور التي بها نُظلم من آخرين. ولكن انتبه. هل أهانك فلان؟ الأمر يعتمد عليك في أن تحول هذه الإهانة إلى مديح لك. لأن من المؤكد إن رددت الإهانة، فإنك تجعل العيب أكبر، أما إن باركت الذي أهانك، سترى أن كل الحاضرين يتوجونك ويصفقون لك ويُشيدون بك. أرأيت كيف أننا ننعم بالخير من خلال قبولنا للظلم الواقع علينا، نفس الشئ يمكن أن نراه يحدث فيما يتعلق بالأموال، وكل الأمور الأخرى. لأنه إن كان جوابنا أو ردود أفعالنا هى عكس أفعالهم، تلك التي لأجلها نُعانى، والتي لأجلها ننعم بالخير، فإننا بهذا ننسج لأنفسنا تاجًا مزدوجًا. إذًا لو أن شخصًا ما أتى وقال لك إن فلان أهانك، ونقل إليك ما قيل عنك بالسوء أمام الجميع، فينبغى أن تمتدح الشخص الذي أهانك أمام أولئك الذين نقلوا لك هذه الإهانة، لأنك بهذه الطريقة تستطيع أن تكسب الحق إن أردت أن تدافع عن نفسك.

          لأن هؤلاء الذين يسمعون سوف يمتدحونك حتى ولو كانوا يتسمون بحماقة شديدة، لأن ذاك دون أن تظلمه البتة، قد أحزنك، أما أنت وإن كنت قد تألمت، إلاّ أنك تجعله يُدان بردود أفعالك التي هى عكس أفعاله. وستستطيع بهذا المسلك الطيب أن تبرهن على أن الكلام الذي وُجّه لك يعتبر كريه ومنفر. لأن ذاك الذي لا يحتمل كلام الإهانة بمسرة، يقدم دليلاً على أنه مازال يُعانى، بينما ذاك الذي يزدرى بهذا الكلام يكون قد برأ نفسه أمام الحاضرين من كل ريبة أو شك. لاحظ إذًا مقدار الخير الذي تناله من وراء سلوكك هذا. أولاً أنك تُنقذ نفسك من الارتباك والقلق حتى ولو كنت مُثقلاً بالخطايا، فإنك تمحو هذه الخطايا بردودك الحسنة مثل العشار الذي احتمل باختياره اتهام الفريسى. وبالإضافة إلى هذا فأنت تجعل نفسك عفيفة بهذه التداريب والممارسات، وستنال من الجميع مديحًا كثيرًا جدًا، وستنفي كل تهمة قد قيلت عنك. أما إذا أردت أن تنتقم لنفسك من المُسئ إليك، فسوف يكون مصيرك مثله، بل وأكثر. إذ أن الله يعاقبه على تلك الأمور التي قالها، وقبل هذا العقاب، عليك أن تعلم أن عفة نفسك تصير بالنسبة له طعنة مميتة، فعليك أن تزدرى بما يقال عنك لأنه عادةً لا يوجد شيئًا يُضايق المُسيئين إلينا سوى أن نزدرى، بهذه الشتائم.

          إذًا فكما أننا سنحصل على كل الخير من وراء العفة، هكذا سيصير كل شئ على نحو عكسى، إن تصرفنا بطريقة مغايرة وكنا صغار النفوس. لأننا بالحقيقة نُسئ إلى أنفسنا (إن سلكنا بعكس عفة النفس) وسنظهر أمام الجميع أننا مسئولون عما يُقال، ونملأ أنفسنا بالاضطراب، ونُفرِح عدونا، ونغضب الله، ونُضيف إلى خطايانا السابقة، خطايا أخرى.

          إذًا فلنفكر في كل هذا، ولنتجنب الوقوع في هوة صغر النفس، ولنلجأ إلى ميناء طول الأناة، حتى نجد راحة لنفوسنا، كما قال المسيح له المجد، ونحصل على خيرات الدهر الآتى بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الدهور آمين.

[1] أم8:5.

[2] مت39:5.

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الثالثة عشر:

         4 ـ ثم يشرح بعد ذلك أن ثمة مفارقة قد ظهرت، موضحًا في هذا الشرح ما يريد أن يقوله. الأمر الذي لم يفعله من قبل. إذ انطلق من هذه المفارقة والتي تبدو أنها مستنتجة من كلامه السابق. وهذا الشرح يُظهر أنه لا يريد أن يوجه أى إدانة قاسية للناموس. إذًا بعدما قال:

 

” حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف ” أضاف” فماذا نقول؟ هل الناموس خطية؟ حاشا ” (رو7:7).

          وقبل هذا قال: ” لأنه لما كنا في الجسد كانت أهواء الخطية التي بالناموس تعمل في أعضاءنا“. وأن ” الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة[1] وأيضًا ” إذ حيث ليس ناموس ليس أيضًا تعدِ[2]. ” وأما الناموس فدخل لكى تكثر الخطية[3]. وأيضًا ” الناموس ينشئ غضبًا[4]. من الواضح أن كل ذلك يعتبر إدانة للناموس، فكما لو كان قد أراد أن يُزيل هذا الشك، يُشير إلى المفارقة قائلاً: ” فماذا نقول؟ هل الناموس خطية؟ حاشا“.

          وقد كان هدفه أن يقترب من المستمع، وأن يجعله لا يتعثر. لأنه بعد أن عرض هذا الكلام عليه وعرف ما يجول بخاطره، يشاركه الرغبة في شرح ما هو غير مفهوم، حتى لا يشك في كلام محدّثه. ولهذا ألحق بكلامه تلك المفارقة مشيرًا إلى الناموس. لأنه لم يقل، ماذا يمكن أن نقول؟ لكنه قال “فماذا نقول”؟ كما لو كان الأمر متعلقًا بقناعة جمع كبير هو منهم، إذ استنتجوا هذا السؤال الاعتراضي النابع منهم كنتيجة لما قيل، وهذا ما تظهره حقيقة الأمور. لأنه يقول إن حرف الناموس يقتل، ولم يعترض أحد، وأن الروح يُحيي وهذا واضح، ولا يستطيع أحد أن يختلف على ذلك أو يعارض فيه. إذًا لو كانت هذه الأمور مقبولة، فماذا يمكن أن نقول من جهة الناموس؟ هل الناموس خطية؟ حاشا. إذًا فقد رفع الشك والحيرة. أرأيت كيف يُزيل هذا الاعتراض، ويقدّم الشرح آخذًا مكانة المعلّم؟ وما هو الشرح إذًا؟ هو أن الخطية لم تكن موجودة، إذ يقول “ بل لم أعرف الخطية إلاّ بالناموس“. انتبه إلى قوة الحكمة. فقد فهمنا من خلال سؤاله الاعتراضي “هل نبقى في الخطية “؟ أن الخطية ليست هى الناموس، ثم يمضي في إقناع اليهودى بقبول ما هو أقل. لكن ما هو الأقل؟ هو ” لم أعرف الخطية إلاّ بالناموس“.

 

” فإننى لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته ” (رو8:7).

          أرأيت كيف أنه لا يُدين الخطية فقط، بل ويشير أيضًا إلى أن الناموس يُنشئها؟ لكنه لا يعرض لذلك باعتبار أن الناموس هو السبب وراء ما يحدث (أى خطية الشهوة)، بل أن السبب في بروزها يعود إلى اليهود التعساء. وهنا أراد القديس ذهبي الفم أن يسد أفواه المانويين[5] الذين أدانوا الناموس. لأنه بعدما أشار إلى قول القديس بولس: “ لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته” أضاف:

 

” ولكن الخطية وهى متخذة فرصة بالوصية أنشأت فيّ كل شهوة ” (رو9:7).

          أرأيت كيف أنه برأ الناموس من الإدانة؟ لأنه بعدما أظهر الدافع، يقول إن الخطية وليس الناموس، هى التي ضخّمت الشهوة، الأمر الذي يعتبر دليلاً على الضعف وليس على الخبث. لأنه عندما نشتهى ثم نُمنع من إتمام الشهوة، تزداد أكثر اشتعالاً. إلاّ أن هذا ليس عمل الناموس. لأن الناموس ينهى (عن ارتكاب الخطية) لكى يبعد الإنسان عنها، بينما الخطية التي تتمثل في لامبالاتك والرغبة الخبيثة، استخدمت الشئ الحسن بطريقة سيئة.

          ولكن هذا لا يُعد إدانة للطبيب بل للمريض الذي استخدم الدواء بشكل سيئ. فالناموس لم يُعط لكى يُشعل الشهوة، بل لكى يُطفئها. ولكن ما حدث هو العكس. ولذلك فالإدانة ليست موجهة للناموس، بل لنا، لأنه إن كان هناك طبيب أمامه مريض يعانى من ارتفاع في درجة الحرارة ويرغب في شرب ماء مُثلج، ولم يعطه ليشرب، فهو بهذا يُزيد من رغبته هذه، المؤدية إلى ضرره، ولن يُدان الطبيب من أجل هذا، لأن له وحده الحق في أن يمنعه، ولكن إذا شرب المريض فالمسئولية تقع على عاتقه. إذًا ماذا يعنى أن الخطية تأخذ الدافع من الناموس؟ لأن الكثيرين من الخبثاء زادوا من خبثهم اعتمادًا على وصايا صالحة. والشيطان سبق وأضّر يهوذا بهذه الطريقة، لأنه جعله يسقط في البخل ويسرق الفقراء. فالضرر الذي لحق به لم يكن راجعًا لاستئمانه على خزينة النقود، بل أن ما أضّره هو رغبته الخبيثة. نفس الأمر هو الذي طرد آدم من الفردوس لأن حواء جعلته يأكل من الشجرة. وحتى في هذه الحالة أيضًا لم تكن الشجرة هى السبب، على الرغم من أنها كانت الوسيلة التي دفعت آدم للسقوط. وإن كان (الرسول بولس) يستخدم الكلمة بحكمة من جهة حديثه عن الناموس، فلا يجب أن ينتابك الشك. لأنه أراد أن يضع حدًا لهذا الأمر على وجه السرعة، ودون أن يترك ولا حتى هؤلاء الذين أخذوا كلامه بشكل مختلف، أن يكون لديهم دافعًا للخطية. وقد ركّز اهتمامه على تصحيح ما يحدث في الزمن الحاضر.

          إذًا لا نفحص هذا الكلام الذي قيل هنا هكذا بدون دقة، بل علينا أن نعرف الدافع الذي جعله يقول كل ذلك، وعليك أيضًا أن تفكر في هوَّس اليهود ورغبتهم الشديدة للجدال، وهذا ما يريد الرسول بولس أن يمحوه، ومن الواضح أنه قاسى جدًا أثناء حديثه عن الناموس، لا لكى يُدينه، ولكن لكى يُبطل حجة اليهود. لأنه إن كانت هناك إدانة للناموس، باعتبار أن الخطية اتخذت فرصة بالوصية، فإن هذا سيحدث في العهد الجديد. لأنه بالحقيقة توجد وصايا كثيرة جدًا في العهد الجديد متعلقة بأمور أكثر أهمية. وهناك أيضًا يستطيع المرء أن يرى نفس الشئ يتكرر، ليس فقط بالنسبة للشهوة، بل بالنسبة لأى خطية بشكل عام. لقد قال المسيح له المجد ” لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية”[6]. وبناءً على ذلك فإن الخطية صارت ظاهرة من هنا، وأيضًا العقاب الشديد المترتب عليها. وعندما تكلم الرسول بولس عن النعمة أيضًا، يقول ” فكم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مُستحقًا من داس ابن الله”[7]. وبالتالى فإن سبب العقاب الأشر يكون من الازدراء بروح النعمة، برغم عطايا النعمة الوفيرة جدًا. ولهذا السبب أيضًا فإن اليونانيين هم مُدانيين كما يقول الرسول بولس، لأنه على الرغم من أنهم كُرّموا بعطية العقل (التي وهبها الله لهم) وأدركوا جيدًا جمال الكون، وكان ينبغى من خلاله أن ينقادوا إلى معرفة خالقه، إلاّ أنهم لم يستخدموا الحكمة الإلهية كما ينبغى.

          أرأيت أنه في كل موضع يؤكد على أن الدوافع لعقاب الأشرار تأتى بالأكثر من سوء استخدام الأمور الصالحة؟ لكن من المؤكد أننا لن نُدين إحسانات الله لهذا السبب، بل سوف نقدرها بالأكثر، بينما سندين رغبة هؤلاء الذين يستخدمون الأمور الصالحة لممارسة عكس ما تهدف إليه. إذًا  فهذا هو ما ينبغى أن نصنعه في حالة الناموس. ومن المؤكد أن ذلك يعد أمرًا بسيطًا وسهلاً، بينما الغير المفهوم هو قوله ” فإننى لم أعرف الشهوة لو لم يقل الناموس لا تشته“؟ لأنه إن لم يعرف الإنسان الشهوة قبل أن يأخذ الناموس، فمن أين أتى الطوفان؟ ومن أين أتى حرق سدوم؟ إذًا ماذا يعنى الرسول بولس بهذه العبارة؟ إنه يعنى ازدياد الشهوة. ولهذا لم يقل أثار فيّ شهوة، لكن “كل شهوة”، وهو يعنى هنا الشهوة المفرطة. وما هى الفائدة من الناموس لو أنه جعل الشهوة تزاد فينا؟ لا يوجد أى فائدة من وراء هذا، بل على العكس فإنه يسبب خسارة كبيرة. غير أن اللوم لا يُوجه للناموس، بل لأولئك الذين قبلوه. لأن الخطية أثارت الشهوة المفرطة، ولكن هذا لم يكن موضع اهتمام الناموس، بل إن اهتمامه كان على عكس من ذلك. إذًا الذي ظهر بوضوح، هو أن للخطية قوة كبيرة في إثارة الشهوة. غير أنه ولا هذا الأمر أيضًا يُعد لومًا موجهًا للناموس، بل موجه ضد أولئك الجاحدين.

          ” لأن بدون الناموس الخطية ميتة ” بمعنى أنها ليست معروفة بهذا القدر. لأنه من المؤكد أن الذين عاشوا قبل أن يُعطى الناموس قد أخطأوا، فبالأولى جدًا أنهم قد عرفوا حجم الخطية بعد إعطاء الناموس. ولهذا كانوا موضع مساءلة لإدانة أكبر. هكذا فإن هناك فرق بين أن يُدين المرء نفسه، وبين أن يُصاحب هذه الإدانة، الناموس الذي يُعلن كل شئ بوضوح.

 

5 ـ ” أما أنا فكنت بدون الناموس عائشًا قبلاً ” (رو9:7).

          أخبرنى متى حدث ذلك؟ حدث قبل موسى. لاحظ كيف أنه يحاول أن يُبيّن من خلال ما فعله، وما لم يفعله، أن الناموس كان متعسفًا أو مارس ضغوطًا على البشر. لأن الرسول بولس يقول لأننى عندما كنت عائشًا بدون الناموس، لم أدان هكذا، ” ولكن لما جاءت الوصية عاشت الخطية فمت أنا”. الواضح أن هذا اتهام موجه للناموس. ولكن إذا دقق المرء في فهم ذلك، فسيتضح أنه مدح للناموس أيضًا. لأن الناموس لم يعطِ كيانًا للخطية دون أن تكون موجودة، ولكنه أظهرها باعتبارها كانت مُختفية، الأمر الذي يُعد مدحًا للناموس، طالما أنه من المؤكد أن الخطايا كانت غير محسوسة قبل الناموس، أما عندما أتى الناموس، وإن كانوا (هؤلاء الذين أُعطى لهم الناموس) لم يربحوا أى شئ آخر، إلاّ أنهم على الأقل عرفوا جيدًا الأمر نفسه، أنهم أخطأوا، وهذا ليس هينًا من جهة الاحساس بضرورة التخلّص من الخطية. إلاّ أنه حتى وإن لم يتخلّصوا من الخطية، فهذا لا يُشكل إدانة للناموس، الذي يسعى لهذا الهدف بعينه، إذًا الإدانة كلها توجه إلى رغبة الذين فسدوا تمامًا وفقدوا كل رجاء. ومن المؤكد أنه لم يكن منطقيًا أن يُضاروا بتلك الأمور التي استفادوا منها. ولهذا قال أيضًا:

 

” فوجدت الوصية التي للحياة هى نفسها لى للموت ” (رو10:7).

          لم يقل إن الوصية (أحدثت موتًا)، ولا (ولّدت موتًا)، بل “وجدت” مفسرًا بذلك ما هو غريب وجديد في هذا الفكر غير المعقول، ومحولاً كل شئ ضدهم.

          لأنه إن أردت أن تعرف هدف الوصية، فالرسول بولس يشرح أنها قادت للحياة، ولهذا أُعطيت، ولكن عندما ينتج عن ذلك موتًا، فإن الإدانة توجه للذين أخذوا الوصية، ولا توجه ضد الوصية في حد ذاتها التي تقود للحياة. وقد أعلن الرسول بولس هذا الأمر نفسه بوضوح أكثر في الآيات اللاحقة، قائلاً:

 

” لأن الخطية وهى متخذة فرصة بالوصية خدعتنى بها وقتلتنى” (رو11:7).      

          أرأيت كيف أنه ينشغل في كل موضع بموضوع الخطية، مُبرئًا الناموس من كل إدانة؟ ولهذا أضاف قائلاً:

 

” إذًا الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة ” (رو12:7).

          بل إن أردتم، فلنشير أيضًا إلى شروحات أولئك الذين يُزيفون هذه الأمور. إذ أن كلامنا سيصبح بذلك أكثر وضوحًا. البعض يدّعون أن الرسول بولس لا يتكلّم هنا عن ناموس موسى بل عن الناموس الطبيعى، بينما البعض يقول إنه يتكلّم عن الوصية التي أُعطيت في الفردوس. غير أنه كان يهدف إلى إثبات الكلام عن هذا الناموس (أى المكتوب)، ولم يتكلّم قط عن النواميس الأخرى. وهذا أمر طبيعي جدًا، لأن هذا الناموس (ناموس موسى) هو ما خافه اليهود وارتعبوا منه، فإنهم بسبب الناموس تخاصموا مع النعمة. على الجانب الآخر لم يظهر على وجه الاطلاق سواء من جانب الرسول بولس أو أى أحد غيره، أن الوصية التي أُعطيت في الفردوس، تُدعى ناموسًا.

          ولكى يصير هذا الكلام أكثر وضوحًا مما قيل، لنفحص كلام الرسول بولس بدقة، مستحضرين قليلاً الكلام السابق. فعندما كلّمهم عن السلوك الحسن، أضاف قائلاً: ” أما تجهلون أيها الاخوة… أن الناموس يسود على الإنسان مادام حيًا؟ .. أنتم قد متم للناموس“. وبناء على ذلك لو أن هذا الكلام قيل عن الناموس الطبيعى، فلابد أنك ستوجد بلا ناموس طبيعى. ولو صح ذلك فستكون أقل غباءً من الحيوانات غير العاقلة. ولكن هذا ليس من الحقيقة في شئ. فليس هناك خلافًا على أن الوصية قد أُعطيت في الفردوس حتى لا نُحمّل أنفسنا بجهد زائد، ونخوض صراعًا حول تلك الأمور التي صارت مقبولة. إذًا كيف يقول: ” لم أعرف الخطية إلاّ بالناموس؟” إنه لا يعنى بذلك الجهالة التامة بالخطية، بل عدم المعرفة الدقيقة لها. لأنه لو أن هذا الكلام قيل عن الناموس الطبيعى، فكيف يمكن تبرير الكلام اللاحق؟ إذ قال ” أما أنا فكنت بدون الناموس عائشًا قبلاً“. لأن الواضح أنه لا آدم ولا أى إنسان آخر، قد عاش بدون الناموس الطبيعى. فالله خلق آدم ووضع فيه الناموس الطبيعى في نفس الوقت، جاعلاً إياه رفيقًا مخلصًا لكل الطبيعة.

          بالإضافة إلى ذلك، لا يظهر مطلقًا أن الرسول بولس قد أطلق على الناموس الطبيعى كلمة وصية، ولكنه دعى ناموس موسى وصية، وهى عادلة ومقدسة وناموس روحى وكذلك الناموس الطبيعى لم يعط لنا بالروح القدس، لأن العبرانيين واليونانيين وكل الأمم الأخرى، لديهم هذا الناموس (أى الناموس الطبيعى). وبناء على ذلك يكون من الواضح أن الرسول بولس يقصد بكلمة الناموس ـ سابقًا ولاحقًا وفي كل موضع ـ بأنه ناموس موسى. لهذا دعاه مقدسًا قائلاً: ” الناموس مقدس والوصية مقدسة  وعادلة وصالحة ” إذًا لو أن اليهود قد صاروا نجسين وظالمين وطماعين، بعدما أخذوا الناموس، فإن هذا لا يُبطل عمل الناموس، تمامًا كما أن عدم إيمانهم لا يُبطل الإيمان بالله. هكذا يتضح ـ من كل هذا ـ أن الرسول بولس يتكلّم عن الناموس الموسوى.

 

6 ـ ” فهل صار لى الصالح موتًا حاشا بل الخطية. لكى تظهر خطية منشئة لى بالصالح موتًا ” (رو13:7).

          يبدأ بهذا التساؤل لكى يظهر أن الخطية خاطئة جدًا، ويُظهر مدى اللامبالاة، والاندفاع نحو الأسوأ، وفعل الخطية ذاته، والشهوة الشريرة من جانب الإنسان. لأن هذا هو سبب كل الشرور. وهو يُكثر الحديث عن الخطية وحجمها، لكى يُظهر امتياز نعمة المسيح، ولكى يُعلم الجميع بمقدار الشر الذي تحرّر منه الجنس البشرى، والذي لم تفلح معه أدوية الأطباء بل أنه مع هذه الأدوية قد صار أسوأ، ويؤكد على ذلك أيضًا من خلال أولئك الذين أوصوا الجنس البشرى بالامتناع (عن ارتكاب الخطية) ومع هذا ازدادت الخطية. ولهذا أضاف قائلاً: ” لكى تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية “. أرأيت كيف أن معركته ضد الخطية قائمة في كل موضع، وأنه من خلال تلك الأمور التي بها يُبطل الخطية، يُبيّن أكثر عمل الناموس، لأنه ليس بالأمر اليسير أن يُظهر أن الخطية خاطئة جدًا، حيث يُبيّن ويعرض على الملأ سم الخطية المميت. ومن أجل هذا أعلن قائلاً: ” لكى تصير الخطية خاطئة جدًا بالوصية“. أى لكى يظهر أن الخطية هى شر عظيم جدًا، وتؤدى إلى هلاك مُحقق. من خلال كل هذا يُبيّن أيضًا أن امتياز النعمة في مقابل الناموس يعد امتيازًا حقيقيًا وليس مجرد أمر قابل للنزاع.

          إذًا لا تعتبر أن الذين قبلوه صاروا أسوأ، بل عليك أن تنتبه لأمر هام، أن الناموس لم يشأ أن يقود إلى زيادة الخطية، وليس هذا فقط، بل أنه حاول أن ينتزع تلك التي كانت موجودة من قبل. لكن وإن كان لم يستطع أن ينجح في هذا، فعليك أن تمتدحه على موقفه هذا، وعلى الجانب  الآخر عليك أن تسجد بالأكثر لقوة المسيح الكثيرة التنوع، التي أطاحت بالخطية التي يصعب هزيمتها، وحطّمتها بعدما اقتلعتها من جذورها. غير أنك عندما تسمع عن الخطية، لا تتصور أنها قوة لها كيان، بل هى فعل الشر الذي دائمًا يظهر ثم يختفي، وهو قبل أن يصير واقع، لم يكن له وجود، وحين يصير واقع يبدأ في الاختفاء مرة أخرى. لأنه لهذا أُعطى الناموس. ولكن الناموس لم يُعط قط لإبطال التصرفات الناتجة عن ضعف الطبيعة البشرية (بسبب السقوط)، بل لأجل إبطال الأعمال الخبيثة التي تصدر من رغبة شريرة. وهذا الأمر يعرفه المشرّعون الأمميون وكل الجنس البشرى. فالشرور التي تحدث لا تتوقف إلاّ عندما لا نهتم بها، المشرّعون لم يقدموا وعد بانتزاع (الخطايا) المتعلقة بالطبيعة البشرية، لأن هذا غير ممكن، حيث إن تلك (الخطايا) المتعلقة بالطبيعة، تبقى ثابتة، الأمر الذي حدثتكم عنه في عظات أخرى مرات عديدة. 

 

[1] رو14:6.

[2] رو15:4.

[3] رو20:5.

[4] رو15:4.

[5] المانويين هم أتباع الفيلسوف الفارسي ماني والذي مات سنة 273م وقد اعتقدوا بوجود مبدأين أزليين للكون وهما غير مخلوقين: النور والظلمة. النور هو إله الخير، والظلمة هى إله الشر. والمادة بحسب رؤيتهم هى ظلمة. وبناء عليه فهى شر.

[6] يو22:15.

[7] عب29:10.

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الثالثة عشر:

بعد أن انتهى من الكلام عن التعاليم العملية الأخلاقية، نجده يعود مرة أخرى للتعاليم الإيمانية قائلاً:

” أم تجهلون أيها الاخوة؟ لأنى أكلّم العارفين بالناموس ” (رو1:7).

          إذًا بعد أن قال إننا متنا عن الخطية، يوضح هنا أنه ليس الخطية فقط هى التي لن تسود عليهم بل ولا الناموس أيضًا. فإن كان الناموس لا يسود عليهم فبالأولى جدًا لن تسود عليهم الخطية. ثم يجعل كلامه مبهجًا، موضحًا ذلك بمثال من الواقع. ويتضح من هذا المثال أنه يتكلم حقًا عن أمر واحد، له دلالتين، الأولى أن المرأة لا تعد تخضع لناموس الرجل بعد موته، ولا يوجد ما يمنعها أن تصبح زوجة لآخر. والثانية أنه ليس فقط الرجل هو الذي مات في هذه الحالة بل، والمرأة أيضًا، ولكن بالنسبة لناموس الرجل (أى التزامها به كزوجة) وبناء على ذلك  فإنها تتمتع بحرية مُزدوجة، فعندما يموت الرجل، تكون قد تحررت من السلطة (أى من سلطة الرجل)، وعندما يظهر أنها هى ذاتها قد ماتت (عن التزامها بناموس الرجل)، فقد صارت بالأولى جدًا، حرة. فلو أن حدثًا واحدًا (أى موت الرجل) يُحررها من السلطة (أى من سلطة الرجل)، فبالأولى كثيرًا عندما يتحدا الحدثان معًا (أى موت الزوج وموت الزوجة عن التزامها بناموس الرجل). وحيث إنه أراد أن يتقدم في الكلام للتدليل على كل هذا، فإنه يبدأ في مدح المتلقين لرسالته قائلاً: ” أم تجهلون أيها الاخوة؟ لأنى أكلّم العارفين بالناموس”. بمعنى أننى أتكلّم عن أمر معروف وواضح جدًا لأناس يعرفون كل هذه الأمور بكل دقة.

 

” أن الناموس يسود على الإنسان مادام حيًا ” (رو1:7).

          لم يقل يسود على الرجل أو على المرأة بل “على الإنسان”، وهو لفظ واحد يطلق على الاثنين معًا. ” لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية[1]. وبناء على ذلك فإن الناموس هو ملزم للأحياء، أما بالنسبة للأموات فهو لم يعد ملزمًا لهم في شئ بعد. أرأيت كيف أنه أظهر أن للحرية جانبان؟ وبعدما أشار في البداية إلى هذا (أى إلى سلطة الناموس)، نجده يُدلل على ما يقوله بالإشارة إلى المرأة بقوله:

 

” فإن المرأة التي تحت رجل هى مرتبطة بالناموس بالرجل الحىّ. ولكن إن مات الرجل فقد تحررت من ناموس الرجل. فإذًا مادام الرجل حيًا تدعى زانية إن صارت لرجل آخر. ولكن إن مات الرجل فهى حرة من الناموس حتى إنها ليست زانية إن صارت لرجل آخر” (رو2:7ـ3).

          إن الرسول بولس يشير بصفة دائمة إلى هذه الحقيقة (أى التحرر من الناموس)، وبدقة شديدة، لأنه يؤمن تمامًا بها. وهو هنا يضع الرجل في موضع الناموس، بينما يضع كل أولئك الذين آمنوا بالمسيح في موضع المرأة.

          غير أننا نجد أنه لم يُعبّر صراحةً عن قناعته بأن الناموس قد مات وفقًا لما قاله، لأنه كان من الممكن أن يقول ” يا اخوتى لا يسودكم الناموس لأنه مات”. ولكنه لم يقل هذا لأنه  أشار إليه من قبل، بل يُستنتج من كلامه حقيقيةً كيف أن المرأة ماتت بالنسبة للناموس حتى يجعل تأثير كلامه أقل ألمًا، وهذا يتضح من قوله:

 

 

” إذًا يا اخوتى أنتم أيضًا قد مُتم للناموس” (رو4:7).

          فإذا كانت الحرية هى ذاتها التي يمنحها هذا وذاك، (أى عندما يموت الرجل، وعندما تموت المرأة عن التزامها بناموس الرجل)، فلن يكون هناك ما يمنع أن يمتدح الناموس من حيث إنه لا يتسبب في أية أضرار.   ” لأن المرأة التي تحت رجل هى مرتبطة بالناموس مادام هو حيّ“. أين هم الآن أولئك الذين يسيئون إلى الناموس؟ فليسمعوا هذا. فبالرغم من أنه لا يمكن إلغاء الناموس عندما تكون هناك ضرورة لوجوده إذ يتحتم على اليهودى أن يخضع له، بل إن مَن يخالفونه يعتبرون زناة، إلاّ أنه لن تكون هناك حجة إذا هجر اليهود ذلك الناموس عندما يصبح ميتًا، فلن يوجه أحد أية إساءة لهم في هذه الحالة. ” ولكن إن مات الرجل فقد تحرَّرت من ناموس الرجل “. أرأيت كيف أنه هنا في المثال يوضح أن الناموس قد مات؟ ولكنه لا يتحدث عن موت الناموس كليةً. ” فإذًا مادام الرجل حيًا تُدعى زانية إن صارت لرجل آخر“.

          انتبه كيف أنه يُصّر على توجيه إدانة أولئك الذين يخالفون الناموس طالما أنه لا يزال باقيًا. أما عندما يبطل، فيمكن للزوجة أن توهب لآخر دون خوف من الإدانة، إذ هى لا تخالف الناموس في هذه الحالة. لأنه     ” مادام الرجل حيًا تدعى زانية إن صارت لرجل آخر“. ” إذًا يا اخوتى أنتم أيضًا“، وكان متوقعًا أن يقول ـ طالما أن الناموس قد مات، لن تدانوا بالزنا، عندما ترتبطوا فيما بينكم بطريقة أخرى ـ ولكنه لم يقل هذا، بل قال “قد متّم للناموس”. فإن صرتم أمواتًا للناموس فإنكم لستم تحت الناموس. إذًا طالما أن المرأة تصير متحررة بموت الرجل، فبالأولى جدًا عندما تموت المرأة (عن التزامها بناموس الرجل كزوجة) تصير متحرّرة منه. أرأيت كم هى عظيمة حكمة الرسول بولس إذ أظهر أن الناموس قد أراد هذا، أن للمرأة الحق في أن ترتبط برجل آخر بعد موت زوجها؟ لأنه كما يقول الرسول بولس إنه ليس هناك ما يُعيقها أن تتزوج برجل آخر، طالما أن الأول قد مات. فكيف يسمح (الناموس) أن تُعطى الزوجة كتاب طلاق بينما الزوج لا يزال حيًا؟ أقول إن هذا يتعلق بالأكثر بالخطية التي قد تسقط فيها المرأة. لذا لم يشر إلى هذا الأمر وحتى لو سمح به، إلاّ أنه لم يكن بالنسبة للرسول بولس مُعفى من الاتهام. وعلينا أن نلاحظ مبدأ عند القديس بولس هو أنه غير مُجبر على الحديث عن حالات اضطرارية أو مسائل خاصة أثناء حديثه، هكذا لا يتطرق إلى أمور غير ملزمة للجميع أو أقل ضرورة، لأنه لا يهتم إلاّ بجوهر الأشياء.

          إذًا فالأمر المدهش هو أن الناموس نفسه يقودنا إلى أن نتخلّص من الخطايا عندما نتحرر منه. فهو يريدنا أن ننقاد إلى المسيح. إذ أن الناموس قد مات بالحقيقة، ونحن متنا (للناموس) وبَطُل سلطانه تمامًا. ولكن الرسول بولس لم يكتفى بهذا ، بل أضاف السبب. لأنه لم يشر إلى الموت فقط، ولكن إلى الصليب أيضًا الذي حقق كل هذا، وهكذا جعلنا مُميّزين. لأننا لم نخلص بسهولة ولكن خلاصنا قد تم بموت الرب. لأنه كما يقول الرسول بولس:

 

” متم للناموس بجسد المسيح ” (رو4:7).

          ولكنه لا يعظ بهذا فقط، بل يعظ ويؤكد أيضًا على امتياز آدم الثانى. ولهذا أضاف:

 

” لكى تصيروا لآخر للذي أُقيم من الأموات ” (رو5:7).

          حتى لا يقولوا فيما بعد، ماذا سيحدث إن لم نصر لآخر؟ وأقول إن الأمر المؤكد هو أن الناموس لم يجعل الأرملة زانية عندما تتزوج للمرة الثانية، كما أنه لا يجبرها أن تتزوج. إذًا فلكى لا يقولوا هذا، وضح لهم ضرورة أن نكون لآخر بسبب ما أصبحنا نتمتع به، وهذا ما أشار إليه في مواضع آخرى بأكثر وضوح، قائلاً: ” إنكم لستم لأنفسكم[2]، و” أُشتريتم بثمن[3]، و” لا تصيروا عبيدًا للناس[4]، وأيضًا ” وهو مات لأجل الجميع لكى يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم..[5]، هذا بالتحديد ما أشار إليه هنا بقوله متم للناموس “بجسد المسيح”.

          ثم بعد ذلك يُبشر برجاء عظيم، قائلاً: ” لنثمر لله“. لأنكم من قبل (أى حين كنتم تسلكون بالجسد)، كنتم تُثمرون للموت، أما الآن فأنتم تثمرون لله.

 

” لأنه لما كنا في الجسد كانت أهواء الخطية التي بالناموس تعمل في أعضاءنا لكى نثمر للموت ” (رو5:7).

          هل ترى أن الإنسان الأول قد ربح شيئًا؟ ولم يقل الرسول بولس عندما كنا تحت سلطان الناموس، متجنبًا دائمًا أن يتيح فرصة للهراطقة، ولكنه قال “لما كنا في الجسد”، أى في الأعمال الشريرة، والحياة الجسدية. فهو لم يقل إن السلوك حسب الجسد كان قبل الناموس بل مع وجود الناموس، ولكنه أوضح كيف أنهم صاروا يشتهونه حتى بعدما أصبحوا متحررين من سلطة الجسد. ولكن بعدما أوضح هذا، لم يقل إن الناموس هو السبب في ارتكاب الخطايا، ولا أعفاه من اللوم. لأنه كان في موضع الاتهام، بكشفه عن الخطايا. لأن هذا الناموس الذي كثيرًا ما يأمر الإنسان بالخضوع لوصايا الله يكشف مدى ضعف الإنسان المتمثل في رفضه الخضوع لتلك الوصايا وارتكابه للخطايا. ولهذا لم يقل أهواء الخطية التي صارت بالناموس، بل “التي بالناموس”، ولم يُضف التي صارت، ولكن اكتفى بعبارة “التي بالناموس”، أى تلك التي تُكشف بالناموس، والتي تُعرف بواسطة الناموس.

          ثم بعد ذلك ولكى لا يتهم الجسد، لم يقل تلك الأهواء التي تعمل من خلال أعضاء جسدنا، بل ” أهواء الخطية.. تعمل في أعضاء الجسد” مُظهرًا كيف أن بداية الشر مصدرها الأفكار التي تُحرّض على ارتكاب الخطايا. كأن النفس هى كالعازف بينما الجسد هو كالقيثارة، فتخرج النغمات كما يريدها العازف. وبناء على ذلك فإن النغمة الرديئة لا تنسب للقيثارة (الجسد)، إنما يجب أن ننسبها للنفس.

 

3 ـ ” وأما الآن فقد تحررنا من الناموس ” (رو6:7).

          أرأيت كيف أنه هنا أيضًا يهتم بالحديث عن الجسد بجانب حديثه عن الناموس؟ لأنه لم يقل إن الناموس تحرر، ولا قال إن الجسد تحرر، بل قال “تحررنا”. وكيف تحررنا؟ تحررنا بعدما مات الإنسان العتيق الذي كنا ممسكين فيه ودُفن. لأن هذا هو ما أعلنه قائلاً: ” إذ مات الذي كنا ممسكين فيه”. كما لو كان قد قال إن القيد الذي كنا ممسكين به قد سقط وانتهى، حتى لا نكون ممسكين بالخطية التي أمسكتنا قديمًا. إلاّ أنك لا يجب أن تستكين ولا أن تكون غير مبال. لقد تحرّرت لكى تصير مرة أخرى عبدًا، ولكن ليس بنفس الطريقة، بل ” بجدة الروح لا بعتق الحرف”.

          فما الذي يعنيه الرسول بولس من كلامه هنا، هذا ما يجب أن نوضحه حتى لا ننزعج عندما نصل إلى هذا الجزء.

          عندما يقول الرسول بولس إن آدم أخطأ، وصار جسده فاسدًا، وخضع للشهوات وجاز نقائص كثيرة، يكون بهذا قد أصبح أكثر حزنًا وعصيانًا. لكنه يصف لنا حالتنا بعدما أتى المسيح قائلاً إنه أتى وجعل جسدنا أكثر خفة بواسطة معموديتنا، مانحًا هذا الجسد أجنحة الروح[6]. ولهذا السبب تحديدًا فإننا لن نجوز نفس التجارب التي جازاها القدماء، لأن الطريق لم يكن سهلاً في ذلك الوقت. ولذلك فإن المسيح له المجد لا يطلب منا نحن الذين اعتمدنا باسمه أن نكون مُبغضين فقط للقتل ـ مثلما كان قديمًا ـ بل مُبغضين للغضب أيضًا. كذلك لا نكون متحررين فقط من الزنا، لكن متحررين أيضًا من النظرة الشريرة. ولا أن نبتعد فقط عن إعطاء الوعد عن طريق القسم، لكن أن نبتعد عن القسم تمامًا، بل ويوصينا أن نحب الأعداء. وفي كل الأمور الأخرى جعل طرق خلاصنا ممكنة وسهلة، وإن لم نخضع فإنه ينذرنا بجهنم، وقد أوضح لنا أن المطلوب ـ بالنسبة للذين يجاهدون ـ ليس هو مجرد الرغبة في الافتخار بالعفة والتجرد مثلاً، بل بالحرى ينبغى على كل حال أن نتمم هذه الفضائل عمليًا. لأن هناك ضرورة ملّحة لتطبيقها، والذي لا يفعلها يُعاقب بأشد العقاب. ولهذا قال: ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات[7]، والذي لن يرى الملكوت بالطبع سيوجد حتمًا في جهنم. ولذلك قال الرسول بولس: ” فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة[8]. وهنا أيضًا يقول: ” حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف“. لأنه لا يوجد حرف يُدين، أى الناموس القديم، بل يوجد الروح الذي يُعين. فإذا استطاع شخص ـ في فترة الناموس القديمة ـ أن يحفظ البتولية، فهذا في حد ذاته كان يعد أمرًا عظيمًا جدًا، أما الآن في المسيح فإن هذا الأمر منتشر في كل أرجاء الأرض. وكذلك بالنسبة للموت أيضًا، الذي استطاع بعض الرجال أن يستهينوا به، بينما الآن في المسيح توجد أعداد لا تُحصى من الشهداء في القرى والمدن وليس من الرجال فقط، بل ومن النساء أيضًا الذين لا يعطون للموت حسابًا.

[1] رو7:6.

[2] 1كو19:6.

[3] 1كو20:6.

[4] 1كو23:7.

[5] 2كو15:5.

6 هذا التعبير (أجنحة الروح) قد إستخدمه ق. مقاريوس في العظة (2) حينما قال: ” فلنلتمس من الله أن يُنعم علينا بأجنحة (أى الروح القدس). عظات ق. مقاريوس، ترجمة د. نصحى عبد الشهيد، الطبعة الرابعة، إصدار المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ص39ـ40.

[7] مت20:5.

[8] رو14:6.

رسالة رومية الأصحاح7 – عظة13 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة13 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة13 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة13 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الثالثة عشر:

” أتكلم إنسانيًا من أجل ضعف جسدكم. لأنه كما قدمتم أجسادكم عبيدًا للنجاسة والاثم للاثم هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيدًا للبر للقداسة” (رو19:6).

          إن الرسول بولس طلب منهم أن يكونوا يقظين بالنسبة للحياة التي يعيشونها، حاثًا إياهم أن يكونوا أمواتًا عن العالم، وأن يكونوا قد ماتوا عن الشر، ويبقوا ثابتين في مواجهة الخطايا، والواضح أنه قال لهم أمرًا كبيرًا وثقيلاً ويفوق قدرات الطبيعة الإنسانية، إلاّ أنه أراد أن يُبيّن أنه لم يطلب شيئًا مُبالغًا فيه، ولم يعطِ انطباعًا بأنه طلب من ذاك الذي تمتع بعطية عظيمة بهذا القدر أن يفعل فعلاً عظيمًا، لكنه أراد أن يظهر شيئًا معتدلاً جدًا وسهلاً، فاستخدم هذه المفارقة وقال: ” أتكلم إنسانيًا ” كما لو كان قد قال إن هذه الأمور عادةً ما تصير بالمنطق الإنسانى. وسواء كان هذا الشئ كبيرًا أو متوسطًا، فإنه يوضحه من حيث أنه إنسانى. لأنه في موضع آخر يقول: ” لم تصبكم تجربة إلاّ بشرية[1] أى بحسب قدرات الإنسان. كما قدمتم أجسادكم عبيدًا للنجاسة والإثم للاثم. هكذا الآن قدموا أعضاءكم عبيدًا للبر للقداسة “. وعلى الرغم من أنه يوجد اختلاف كبير بين السادة، لكنني أطلب معيارًا متساويًا من جهة العبودية (للبر)، وبالأكثر جدًا أن تقدموا أعضاءكم عبيًا للبر والقداسة، على قدر ما لهذه السيادة (سيادة البر) من عظمة وأفضلية، مُقارنةً بسيادة الخطية. لكنني لا أطلب منكم شيئًا أكثر بسبب ضعفكم.

          ولم يقل ” اختياركم “، ولا ” رغبتكم “، لكنه قال ” أجسادكم “، جاعلاً حديثه أقل إيلامًا. فإن كان هناك جسد للنجاسة وآخر للقداسة وجسد إثم، وحياة بر فمن هو ذاك البائس والتعس الذي يُفضل العبودية للخطية وللشيطان على العبودية للمسيح؟ لذا عندما نسمع الآيات الآتية، سنعرف جيدًا، إننا لا نُقدم ولا حتى هذا الشئ اليسير.

          لأنه حين قيل هذا الكلام لم يكن محلاً للثقة، ولم يلاقِ ترحيب، ولم يحتمل أحد أن يسمعه، ولم يكن أحد يخدم المسيح كعبد (للبر)، بقدر ما كان يخدم الشيطان، لذلك يُبرهن على صدق كلامه بالآيات اللاحقة، مُشيرًا إلى تلك العبودية التي خضعوا لها قائلاً:

 

” لأنكم لما كنتم عبيدًا للخطية كنتم أحرارًا من البر ” (رو20:6).

          ما يقوله يعنى الآتى: عندما كنتم تعيشوا في الشر والجحود وترتكبوا أسوأ الخطايا، كنتم تعيشوا في خضوع كبير حتى إنكم لم تفعلوا أى صلاح على الاطلاق. هذا هو معنى ” أحرارًا من البر“. أى أنكم لم تكونوا خاضعين للبر، بل مُتغربين عنه تمامًا. وبالتأكيد ولا حتى قسّمتم عبوديتكم تارة للبر وتارة أخرى للخطية، لكنكم سلمتم أنفسكم بالكامل للشر.

          وبناء على ذلك ولأنكم انتقلتم الآن إلى البر، فعليكم أن تسلموا أنفسكم بالكامل لحياة الفضيلة، ولا تفعلوا أى خطية على الإطلاق، لكى تظهروا على الأقل، تماثلاً في المعيار أو المقياس. على الرغم من أنه ليس فقط أن الفرق في السلطان (أى بين سلطان الخطية وسلطان البر) كبيرًا، إلاّ أن الفرق في العبودية هو أيضًا كبير جدًا، الأمر الذي شرحه بوضوح كبير، وأظهره لمن كانوا عبيدًا آنذاك، ولمن هم عبيدًا الآن. ولم يتكلم بعد عن الخسارة التي تأتى من (العبودية للخطية)، لكنه تكلم أولاً عن الاستحياء.

 

” فأى ثمر كان لكم حينئذ من الأمور التي تستحون بها الآن ” (رو21:6).

          لأن العبودية للخطية لم تأتِ بأى ثمر، حتى أن تذكّرها الآن يُثير استحياءً فلو أن التذكّر يُثير ذلك، فبالأكثر جدًا فعل الخطية، حتى أنكم الآن قد ربحتم بطريقة مزدوجة، إذ قد تحررتم من الاستحياء، وأيضًا عرفتم الحالة التي كنتم فيها تحيون، تمامًا مثلما كانت الخسارة قبلاً مزدوجة لأنكم فعلتم أمور تستوجب الاستحياء، ولأنكم لم تعرفوا أن تستحون، وهو الأمر الذي يُمثل صعوبة أكثر من الأمر الأول لذلك وبعدما أظهر الرسول بولس الخسارة الكبيرة التي صارت من جراء الأفعال التي حدثت آنذاك، من خلال الاستحياء، يتقدم نحو نفس الأمر. وما هو هذا الأمر؟

 

” لأن نهاية تلك الأمور هى الموت ” (رو21:6).

          لأنه طالما أن الاستحياء لم يبدو أنه كان أمرًا مزعجًا على الاطلاق، فإنه يأتي إلى الأمر الأكثر فزعًا، أى الموت، برغم أن ما قيل سابقًا كان كافيًا.

          فلتفكر إذًا في مقدار قوة الخطية، إذ لم يكن في استطاعتهم في اللحظة التي كانوا فيها متحررين من الإدانة، أن يتخلّصوا من الأمور التي تدعو للاستحياء. فأى مكافأة تُنتظر من كونكم عبيدًا للخطية عندما ترى أن مجرد تذكّر الخطية في حد ذاته يجعلك تختبئ وتخجل، بالطبع في اللحظة التي فيها أنت متحرر من الإدانة، وإن كان من المؤكد، أنك مُقيم في نعمة عظيمة جدًا؟ لكن مثل هذه الأمور (الشائنة)، ليست من الله.

 

” الآن إذ أعتقتم من الخطية وصرتم عبيدًا لله فلكم ثمركم للقداسة والنهاية حياة أبدية ” (رو22:6).

          الثمر لأولئك الذين فعلوا الخطية وصاروا عبيدًا لها كان الاستحياء ثم بعد ذلك التحرر، الثمر لهؤلاء الآن الذين صاروا عبيدًا لله هو القداسة، وحيث توجد القداسة، يوجد كل شئ في العلن. نهاية أولئك (الخاضعين للخطية) هى الموت، بينما نهاية هؤلاء (الخاضعين للنعمة) هى الحياة الأبدية.

أرأيت كيف أنه يُظهر أمورًا قد أُعطيت، وأمورًا أخرى على رجاء الانتظار، ويؤكد على حقيقة الأمور التي أُعطيت، من خلال تقديس الحياة؟ هكذا لكى لا تقول، إن كل الأمور هى على رجاء الانتظار، يُبيّن كيف أنك قد أثمرت. أولاً: أنك تحرّرت من الخطية وكل الشرور المشابهة، والتي تذكّرها يثير خجلاً. ثانيًا: أنك صرت عبدًا للبر. ثالثًا: أنك تمتعت بالقداسة. رابعًا: أنك ستنال الحياة، ولكنها ليست الحياة الحاضرة، بل الحياة الأبدية. فإنني لا أطلب منكم شيئًا كثيرًا بل أطلب منكم أن تصيروا عبيدًا للبر لكن العبودية في هذه المرة غير العبودية السابقة التي كانت للخطية. هذا ما أردت أن أوضّحه لكم، أن الرب يمنح الكثير جدًا، وأن الفرق في العبودية وفي المكافآت هو كبير جدًا. وبعدما أشار سابقًا إلى أسلحة وإلى ملك، يُصّر على المقارنة، قائلاً:

 

 

 

 

”لأن أجرة الخطية هى موت. وأما هبة الله فهى حياة أبدية بالمسيح يسوع ربنا ” (رو23:6).

          بعدما قال “أجرة الخطية”، فإنه لم يستخدم نفس الاسلوب بالنسبة للأمور الصالحة لأنه لم يقل “أجرة إنجازاتكم”، لكن “أما هبة الله”، مُظهرًا أنهم لم يتحرروا من تلقاء أنفسهم، ولا أخذوا منفعة ما، ولا مكافأة ولا تعويضًا عن أتعابهم، بل كل هذا قد صار بالنعمة الموهوبة لهم. حتى أن التمييز يأتى من هنا، لا لأنه قد خلّصهم فقط، ولا لأنه غيّرهم نحو الأفضل، لكن لأن هذا قد حدث دون جهد أو تعب بشري. فالله لم يخلصهم فقط بل أعطاهم الكثير جدًا، وهذه العطايا قد أعطاها بابنه. ولقد ذكر هنا الرسول بولس كل هذه العطايا لأنه تكلم عن النعمة وهو ينوى فيما بعد أن يُشير إلى الناموس. ولكى لا يصيروا غير مبالين أكثر بالنسبة للخطية ومدى سطوتها، والهبة ومدى عظمتها، يُشير إلى أسلوب الحياة الصحيح، حاثًا المستمع في كل موضع على الاهتمام بالفضيلة. فعندما دعى الموت، بأنه أجرة الخطية، أراد أن يخيفهم مرة أخرى، ويؤّمنهم من جهة الأمور المستقبلية. لأنه من خلال الأمور السابقة في حياتهم والتي يُذكّرهم بها دومًا، يجعلهم يدركون مدى إحسانات الله ويعترفون بهبة الحياة ويثقوا أنهم في أمان من جهة الأمور المستقبلية.

[1] 1كو13:10.

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة13 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الثانية عشر:

6 ـ بعد هذا الحديث الذي يجعل المستمع إليه يشعر بالارتياح وبالأمان يضيف إلى ذلك نصائح بقوله:

 

” فماذا إذًا أنخطئ لأننا لسنا تحت الناموس بل تحت النعمة؟ حاشا” (رو15:6).

          إذًا فهو أولاً يستخدم أسلوب المنع، لأن الكلام المشار إليه يُعد مبالغ فيه وغير معقول على الاطلاق. لكن بعد ذلك يوجه الحديث نحو النصح، ويُظهر أن اجتياز المصاعب برضى يعد أمرًا عظيمًا، قائلاً:

 

” ألستم تعلمون أن الذي تقدمون ذواتكم له عبيدًا للطاعة أنتم عبيد للذي تُطيعونه إما للخطية للموت أو للطاعة للبر ” (رو16:6).

          لم يُشر بعد إلى جهنم ولا إلى ذلك الجحيم الكبير بل إلى العار الذي يظهر في هذه الحياة، عندما تصيرون عبيدًا، وعبيدًا بكامل إرادتكم، وعبيدًا للخطية، وعندما يكون أجركم هو الموت مرة أخرى. فإن كانت الخطية قد سبَّبت موت الجسد قبل نوال المعمودية واحتاج الجرح لهذا القدر الكبير من العلاج حتى أن سيد الكل ينزل من السماء ويموت، فينتهى الشر، فإنك تُلقي بنفسك في الدناءة إذا استسلمت للخطية بكامل إرادتك بعد نوال الحرية وهذه العطية العظيمة. وأتساءل مندهشًا: ما الذي لم يفعله الله لك؟

          إذًا لا تركض نحو هذا الهلاك الكبير، ولا تُسلّم نفسك للخطية بإرادتك. لأنه مرات كثيرة قد يحدث في الحروب أن يستسلم الجنود، ولكن دون إرادتهم، ولكنك هنا إذ لم تتقدم بنفسك نحو معسكر العدو (أى معسكر الشيطان) فلن ينتصر عليك أحد. وبعدما قال لهم ما ينبغى عليهم فعله، يخيفهم من المجازاة ويذكر الأمرين، البر والموت. ليس الموت الجسدى، ولكنه موت أكثر رعبًا من هذا الموت. لأنه إن كان المسيح لم يمت بعد، فمَن كان يستطيع أن يقضى على ذلك الموت؟ لا يوجد أحد. وبناء على ذلك كان من المحتم علينا أن نتعذب وأن نُعاقَب على الدوام. لأن الموت المادى بالنسبة لنا لم يكن قد حدث بعد، حيث يستريح الجسد وينفصل عن النفس ” فآخر عدو يُبطل هو الموت[1]. وبناء عليه فإن الجحيم سيظل قائمًا، لكن ليس للمؤمنين بل للأشرار، لأن المؤمنين تنتظرهم المكافآت والخيرات التي تنبع من البر.

 

7 ـ ” فشكرًا لله إنكم كنتم عبيدًا للخطية ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي تسلمتموها ” (رو17:6).

          وبعدما أخجلهم من جهة عبودية الخطية، وبعد أن أخافهم بالعقاب وحثهم على فعل الخير، يُصحح مسيرتهم مرة أخرى بواسطة تذكيرهم بعمل الخير. إذ أنه بواسطة هذه الأعمال يبرهنون على أنهم تخلّصوا من شرور كثيرة، لكن يذكّرهم أيضًا بأنه ليس بجهادهم قد تم هذا، وأن أمور الدهر الآتى هى أكثر راحة. تمامًا مثلما يحدث لو أن شخصًا ما، أنقذ أسيرًا من يد طاغية مُستبد، ونصحه بعدم العودة لهذا الطاغية، وذلك بأن ذكّره بالآلام المخيفة التي جازها، هكذا صنع الرسول بولس فهو يُذكّرهم بالخطايا السالفة التي ارتكبوها قبلاً ويشكر الله لأجل الغفران. لأنه لم يكن في استطاعة أى قوة إنسانية أن تُخلّصنا من كل هذه الخطايا، لذلك يجب أن نشكر الله الذي أراد خلاصنا وحقق لنا أمورًا كثيرة. وحسنًا قال: ” أطعتم من القلب ” لأنه لم يجبركم ولا أكرهكم، لكنكم بإرادتكم وبرغبتكم ابتعدتم عن الخطايا. إلاّ أن هذا الكلام يُمثل مدحًا لهؤلاء، وفي نفس الوقت إدانة لهم. وكأنه يقول لهم: يا مَن ابتعدتم عن الخطايا بإرادتكم ودون أى إجبار أى عذر يكون لكم وأى تبرير إذا عُدتم للخطايا السالفة؟

          ثم بعد ذلك لكى تعلم أنه لا يُعرب عن امتنانه بهم فقط بل يُرجع الفضل إلى نعمة الله التي تشمل الكون كله، فبعدما قال: ” أطعتم من القلب ” قال   ” صورة التعليم التي تسلمتموها ” لأن الطاعة من القلب تظهر بالتأكيد حرية قبولهم. وكون أنهم تسلّموا التعليم، فهذا يعنى أن الله قدّم لهم هذه المعونة (النعمة). وما هى صورة التعليم؟ هى أن يحيوا بطريقة صحيحة، وبسلوك مُرضى.

 

” وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبر ” (رو18:6).

          هنا يُظهر عطيتين لله، التحرر من الخطية، والعبودية للبر، الأمر الذي هو أفضل من كل حرية (عالمية زائفة) لأن ما صنعه الله يشبه شخصًا تعهد طفلاً يتيمًا قد انتقل من بلاد البربر إلى بلده، فهو لم يحرّره من الأسر فقط، بل صار له أبًا معتنيًا به، ورفعه إلى أعظم كرامة. هذا بالضبط ما حدث معنا. لأنه لم يحرّرنا فقط من الخطايا السالفة، بل قادنا إلى الحياة الملائكية، وفتح أمامنا طريق السلوك الحسن، وبعد أن سلّمنا إلى البر الآمن أزال الخطايا السالفة، وأمات إنساننا العتيق، وقادنا إلى الحياة الأبدية.  

          8 ـ إذًا فلنتمسك بأن نحيا هذه الحياة، لأن كثيرين من أولئك الذين يعتقدون أنهم يحيون هذه الحياة ويسيرون فيها يسلكون بصورة أكثر تعاسة من الأموات. لأنه بالحقيقة توجد أنواع مختلفة من الميتات. يوجد موت الجسد والذي بحسبه، لم يكن إبراهيم مائتًا على الرغم من أنه كان قد مات، لأن الله ” ليس إله أموات بل إله أحياء[2]. هناك موت آخر هو موت النفس والذي قصده المسيح بقوله: ” دع الموتى يدفنون موتاهم[3]. ويوجد موت آخر والذي ينبغى أن يُمتدح وهو الذي يصير من خلال ضبط النفس، والذي قال عنه بولس: ” فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض[4]. ويوجد موت آخر والذي صار بسبب الخطية، وهذا هو الذي صار في المعمودية لأن: ” إنساننا العتيق صلب[5] أى مات. وإذ نعرف كل هذا لنتجنب ذلك الموت، والذي بحسبه وإن كنا أحياء إلا أننا نجوز الموت، بينما يجب ألا نخشى ذلك الموت الجسدي الذي يشمل الجميع. فليكن لدينا تفضيل للموتين الآخرين، والذي يُعد الواحد منهما مُطوبًا، ذلك الذي أُعطى من الله، بينما الآخر مُمتدحًا، وهو الذي يتحقق من خلالنا ومن خلال معونة الله، وليكن سعينا نحوهما. لأن الواحد منهما يطوبه داود قائلاً: ” طوبى للذي غُفر اثمه وسترت خطيته[6]. بينما الآخر يمدحه القديس بولس حيث كتب إلى أهل غلاطية قائلاً:” الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات[7].

          وبالنسبة للموتين الآخرين، قال المسيح عن الواحد أن ليس له أهمية    “ لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها“، بينما الموت الآخر مُخيف ” بل خافوا.. من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم[8]. ولهذا طالما أننا نتجنب ذلك الموت (أى موت النفس) فعلينا أن نجوز ذلك الموت الذي يُطوّب والذي هو محط للإعجاب، حتى نأتى إلى الموتين الآخرين، فنتجنب الواحد منهما (أى موت النفس)، والآخر لا نخشى منه (أى موت الجسد). لأنه لا توجد أى منفعة لنا، نحن الذين نعيش ونرى الشمس ونأكل ونشرب، إن لم تكن هناك أعمالاً صالحة ترافق الحياة. أخبرنى ما هى المنفعة عندما يرتدى الملك الأرجوان، ويمتلك الأسلحة، دون أن يكون له فرق حماية تابعة له ولا يكون في مأمن من أولئك الذين يرغبون في مهاجمته وإهانته؟ هكذا يكون المسيحى فهو لن ينتفع بشئ لو كان لديه إيمانًا ولديه العطية التي من المعمودية، دون أن يكون محميًا في مواجهة الشهوات، لأن الإهانة ستكون أعظم والخزى أكثر. لأنه كما أن الملك الذي يرتدى التاج والأرجوان ليس فقط لن يربح أى شئ من وراء هذا الملبس فيما يختص بالكرامة التي ينالها، لكنه يُسئ لهذا الملبس إذا كان سلوكه مخزيًا، هكذا فإن المؤمن الذي يحيا حياة فاسدة، ليس فقط لن يكون موضع احترام، بسبب هذه الحياة الفاسدة، بل سيصير محطًا للسخرية بدرجة كبيرة. ” لأن كل مَن أخطأ بدون الناموس فبدون الناموس يهلك. وكل مَن أخطأ في الناموس فبالناموس يُدان[9]. وعندما كتب إلى العبرانيين قال: ” مَن خالف ناموس موسى فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة. فكم عقابًا أشر تظنون أنه يُحسب مستحقًا مَن داس ابن الله[10]. وهذا أمرًا طبيعيًا جدًا لأن كل الشهوات قد أُخضِعت لك بالمعمودية. إذًا ماذا حدث حتى تُهين هذه العطية العظيمة، وتصير إنسانًا آخر بدلاً من أن تكون مختلفًا (عما كنت عليه سابقًا)؟ لأن الله قد أمات ودفن خطاياك السابقة كما تُدفن الحشرات. إذًا لماذا تلد خطايا أخرى؟ علمًا بأن الخطايا هى أسوأ من الحشرات، إذ أن الحشرات تُدمر الجسد بينما الخطايا تُدمر النفس، وتُثير عفونة أكثر. لكن نحن لا نشعر بهذه العفونة، لهذا فإننا لا نحرص على تنقية نفوسنا. لأن المخمور لا يعرف كيف يكون النبيذ الفاسد أو رائحته الكريهة، لكن الإنسان الواعى يعرف هذه الأشياء بالتدقيق. هذا ما يحدث مع الخطية. فذاك الذي يحيا بالعفة، يعرف بدقة مدى عفونة الخطية ووصمتها، بينما ذاك الذي أسلم نفسه للشر، كالمخمور، فهو لا يعرف أنه مريض.

وهذا على أية حال هو الشئ المخيف في ارتكاب الخطية، إنها لا تترك مجالاً لأولئك الذين يسقطون فيها لكى يُدركوا حجم التدمير الذي أصابهم. فبينما هم موجودون داخل العفونة، يعتقدون أنهم يتمتعون برائحة طيبة. ولهذا تحديدًا لا يستطيعون أن يتخلّصوا منها، وبينما هم مملئون بالحشرات، يفتخرون كما لو كانوا مُزينين بأحجار كريمة. ومن أجل هذا فهم لا يريدون أن يُميتوها، لكنهم يُغذونها ويجعلونها تتكاثر داخلهم، حتى ذلك الحين الذي ستكون معهم في الجحيم، لأن هذه الحشرات هى سبب وجود الحشرات التي لا تموت في الجحيم ” حيث دودهم لا يموت[11]. هذه الحشرات تُشعل جهنم التي لا تُطفأ أبدًا. ولكى لا يحدث هذا إذًا، فلنحرص على أن نُدمر مصدر الشرور، ولنطفئ كمين النار، ولنقتلع الخطية من جذرها. لأنه لو قطعت شجرة الشر من أعلى، فإنك لم تفعل شيئًا، طالما أن الجذر باقٍ من أسفل وسيُنبت نفس الأشياء مرة أخرى.

          9 ـ وأتساءل: ما هى جذور الخطايا؟ أجيب: تعلّم من البستانى الصالح، الذي يعرف هذه الأمور جيدًا، الذي يعتنى بالكرم الروحى ويرعى كل المسكونة.

          أيضًا ما هو أصل كل الشرور؟ أقول: هو محبة المال، لأن الرسول بولس يقول: “محبة المال أصل لكل الشرور[12]. من هنا تأتى المشاجرات والعداوات والحروب، من هنا تأتى المشاحنات والكلام البذيء والشكوك والإهانات، من هنا يأتى القتل والسرقات ونبش القبور. بسبب محبة المال فإنه ليس فقط المدن والقرى تكون مملوءة بالدماء والقتل، بل أيضًا الشوارع والأرض الآهلة بالسكان والمهجورة والجبال والوديان والتلال كلها بشكل عام. ولا البحر أيضًا قد نجا من هذا الشر، بل إن القتل قد طاله بهوّس شديد، إذ أن القراصنة يحيطون به من كل ناحية، ويخترعون طرقًا جديدة للسطو والسرقة. لقد انقلبت كل أواصر القرابة بسبب محبة المال، بل وديست بالأقدام كل الوصايا الإلهية الخاصة بقانون المحبة.

          لأن سلطة المال الطاغية، لم تُسلح تلك الأيدى ضد الأحياء فقط، بل وضد الأموات أيضًا. حتى الموت لا يجعل هؤلاء يتوقفون عن ممارسة شرورهم، لكنهم يفتحون القبور، ويمدون الأيدى الملوثة إلى أجساد الموتى، دون أن يتركوا حتى ذلك الذي فارق الحياة بعيدًا عن عبثهم. وإذا صادفت رؤية مرتكبي الخطايا مهما كان مقدارها، سواء في البيت أو في السوق أو في المحاكم أو في البرلمانات أو في القصور أو في أى مكان آخر، سترى أن كل هذه الخطايا تأتى نتيجة محبة المال. لأن هذه الخطية هى التي غمرت الجميع بالدماء والقتل، هذه الخطية هى التي أشعلت لهيب جهنم، وهى التي لم تجعل المدن أفضل من الصحراء (من حيث الأمان)، بل أسوأ. لأنه من السهل أن نتحصن من أولئك الذين يتربصون بنا في الصحراء، لأنهم لا يهاجمون بصفة دائمة، بل إن الذين يقلدونهم داخل المدن، هم أشر منهم، ومن الصعب أن نتحصن ضدهم، إنهم يشرعون في ارتكاب تلك الأمور علنًا بينما أولئك يصنعونها سرًا. لأن القوانين التي من المفروض أنها موجودة تُحجّم خطيتهم، هؤلاء جعلوها حليفة لهم، فملأوا المدن بالقتل وبكل ما يُثير التلوث.

          أخبرنى أليس هو قتلاً وأشر من القتل حين نُسلم الفقير إلى الجوع، ونضعه في السجن، وبالإضافة إلى معاناة الجوع نسلمه إلى عذابات وإلى مساوئ غير محدودة؟ وحتى لو لم تصنع أنت هذه الأمور، لكنك تدفع آخر لكى يُنفذها، إنك تمارس هذه الأمور بالأكثر عن طريق خدامك. لأن القاتل يستخدم سيفه في نفس وقت ارتكاب جريمته، والعذاب الناتج عن القتل لا يستمر إلاّ لوقت قصير. أما أنت فبوشاياتك، وإهاناتك، وهجماتك، تجعل النور بالنسبة له ظلامًا، وتجعله يشتهى الموت آلاف المرات، فكر في كم تكون عدد الميتات التي ترتكبها مقابل الموت الواحد. والأكثر فزعًا من كل شئ أنك تسلب وتخطف، وأنك طماع وشره، لا لأن الفقر يضغط عليك ولا لأن الجوع يجبرك على هذا، بل لكى تُغطى سرج الجواد بذهب كثير، وأيضًا سقف البيت ورؤوس الأعمدة. كم تستحق شيئًا أكثر من جهنم، عندما تُلقى بالأخ الذي صار شريكًا لك في الخيرات السمائية والذي كُرّم بهذا القدر الكبير من سيدك، إلى هذه النكبات غير المحدودة، لكى تُزين أرضيات وحوائط مسكنك وأيضًا أجساد الجياد التي في غنى عن هذه الزينة لأنها لا تشعر بها؟

          يا للعجب فقد صار الكلب موضع اهتمام بالغ من الأغنياء، أما الإنسان أو من الأفضل أن نقول إن كل مَن دُعى باسم المسيح، يواجه حالة أسوأ من الجوع بسبب اهتمام الأغنياء بالكلب. وهل يوجد ما هو أسوأ من هذا الخلط وهذا الالتباس؟ وهل هناك أمرًا أكثر فزعًا من هذه المخالفة؟ وكم يكون عدد أنهار النار التي ستكفى لمثل هذه النفس؟ عجبًا فالإنسان الذي خُلق على صورة الله، يُترك هكذا في حالة بائسة، بسبب وحشيتك أيها الغني، بينما مناظر البغال التي تجر مركبة زوجتك، تلمع من كثرة الذهب وأيضًا من كثرة الأموال التي تُنفق على تزيين العربة بالمعادن الثمينة والأخشاب والجلود. وإذا احتاج الأمر أن تصنع عرشًا أو مسندًا لراحة القدمين، فإنك تصنعها كلها من الذهب والفضة، بينما يوجد عضو من أعضاء المسيح، ذاك الذي من أجله أتى من السماء وسفك دمه الكريم، لا يتمتع حتى بالقوت الضرورى لإعاشته، وذلك بسبب طمعك وشراهتك. وبالطبع فإن فراش النوم في قصرك أيضًا يكون مُغشى بالفضة من كل ناحية، بينما أجساد القديسين تحرم من الغطاء الضرورى، وصار المسيح (الفقير) بالنسبة لك  يستحق أقل مما يقدم للخدم وللبغال وللفراش ولكرسى العرش، ولمسند القدمين. أما الأوانى التي هى أكثر ثمنًا من هذه الأشياء، فإنى أتجاوزها تاركًا لكم أن تقدروها.

          فإذا كنت تشعر بالفزع عندما تسمع هذه الأمور، امتنع عن ممارستها، ولن يصيبك شيئًا مما قيل. ابقى بعيدًا عن هذا الهوس، لأن الاهتمام بهذه الأمور التي أشرنا إليها هو بالحقيقة جنون مطبق. ولهذا فبعدما نترك هذه الأمور، ليتنا نتطلع نحو السماء، حتى ولو جاء هذا متأخرًا، لنتذكر يوم الدينونة، لنفكر في القضاء المخوف والمسئوليات المؤكدة (التي نتحملها نتيجة أفعالنا) وأحكام الله العادلة. وعلى الرغم من أن الله يرى هذه الأمور، إلاّ أنه لم يُرسل علينا صاعقة من السماء، برغم أن ما يحدث لا يستحق صواعق فقط بل نكبات أخرى أكثر هولاً، فلنفكر في كل هذه الأمور. ومع هذا لم يفعل ذلك، ولا جعل فيضان البحر يتجه نحونا، ولا الأرض انفتحت من المنتصف، ولا الشمس انطفأت، ولم يلقِ ما في السماء من كواكب ونجوم، ولم يدمر كل شئ، لكنه مازال يترك كل شئ يسير في نظام، ومازال الكون كله في خدمتنا.

          10 ـ إذًا طالما أننا نفكر في هذه الأمور، لنرتعد أمام عظمة محبته للبشر ولنعد إلى أصلنا النبيل. لأننا بالتأكيد لا نسلك الآن بطريقة أفضل من الحيوانات غير العاقلة، لكن بطريقة أسوأ منها بكثير. لأن هذه الحيوانات تحب الحيوانات الأخرى التي من جنسها، وهى سعيدة بشركتها في هذه الطبيعة الحيوانية وما يجمع بينها هو الحنو، بينما أنت على الرغم من أن لك دوافع غير محدودة تقودك وتدفعك باتجاه آخرين هم أعضاء في جسد واحد بسبب الشركة في نفس الطبيعة، والتي منها أنك كُرمت بالعقل، وأنك تشترك معه في ممارسة التقوى، وأنك شريك معه في خيرات لا تحصى، ومع هذا صرت أكثر وحشية من تلك الحيوانات، مادمت تُظهر اهتمامًا كبيرًا بأشياء لا قيمة لها، وتتجرأ على هدم هياكل الله[13] بأن تتركها فريسة للجوع والعرى، ومرات كثيرة تسبب لها شرور عديدة. وأقول لك إذا كنت تصنع كل هذا بسبب حبك الكبير للمجد، إلاّ أنه كان ينبغى عليك أن تهتم بأخيك أكثر من اهتمامك بالجواد. لأنه على قدر اهتمامك بالإنسان الذي هو أولى بالإهتمام من الحيوان، على قدر ما يُنسج لك إكليل مُشرق من أجل رعايتك له واهتمامك به. لكن للأسف أنت الآن تسقط في هوة التناقضات وتجلب على نفسك اتهامات كثيرة لا تشعر بها.

          لأنه مَن ذا الذي يرى أفعالك ولا يدينك؟ ومَن من البشر سوف لا يتهمك بهذه القسوة الشديدة وكراهية الناس، عندما يرى أنك تُهين جنس البشر، وتهتم بالحيوانات وبأثاث البيت على حساب البشر؟ ألم تسمع الرسل الذين قالوا إن أولئك الذين قبلوا الكلمة أولاً، قد باعوا البيوت والحقول لكى يُطعموا الاخوة؟ إلاّ أنك للأسف تسلب بيوتًا وحقولاً، لكى تُزين جواد وأخشاب وجلود وحوائط وأرضيات. والمؤكد أنه ليس فقط رجال بل ونساء أيضًا يُعانون من هذا الهوس، للأسف يخصصون رجالاً لمثل هذا العمل المتعب والباطل ويجبرهن على الإنفاق على أمور نافلة، بدلاً من الاعتناء بالأمور الضرورية. وإن قام أحد باتهامهن لأجل اعتناءهن بهذه الأمور الباطلة فيكون دفاعهن حاضرًا ومملوءًا بالإدانة القاسية، ونستشف من دفاعهن أنهن أُصبن بنفس الهوس، وأنهن يدفعَّن رجالهَّن نحو هذا الطريق.

          وأتساءل ماذا تقول؟ ألا تخشى وتُحصى المسيح الذي يتضور جوعًا، ضمن الجياد والبغال والفراش ومساند الأرجل؟ أو من الأفضل أن نقول إنك لا تُحصه مع هذه الأشياء الباطلة بل وتخصص الجزء الأكبر من أموالك لها، بينما تعطى للمسيح أقل جزء. ألا تعرف أنك مدان له بسبب أن كل الأشياء التي تمتلكها هى مِلك له؟ إلاّ أنك لا ترد الجميل ولا تريد أن تعطى له مكافأة صغيرة. إليك هذا المثال الذي سوف يوضح لك هذا الأمر، فلو أنك قد أجّرت منزلاً صغيرًا، فإنك تُدقق في طلب الإيجار، ولكنك الآن وأنت تتمتع بكل ما في الكون الذي هو ملك له، وبهذا العالم الكبير كمسكن لك، ألا تتحمل مسئولية دفع إيجار قليل، إنك تسلم نفسك وكل أموالك للمجد الباطل. لأنه بالحقيقة كل هذه الأمور تعتمد على ما نحن فيه الآن. لأنه ليس من الممكن أن يصير الجواد أفضل من حيث القيمة أو الإمكانية، عندما توضع عليه هذه الزينة، ولا أيضًا الإنسان الذي يجلس فوقه، بل في بعض الأحيان يصير بالأكثر غير مستحق للكرامة. لأن كثيرين يتركون الفارس، ويوجهون أنظارهم إلى زينة الجواد، وإلى الخدم المحيطين به، والذين يسيرون بطريقة رسمية، بينما ذاك المحاط من كل هؤلاء، يبغضونه وينصرفوا عنه كعدو لهم. بيد أن هذا لا يحدث لك عندما تُزين نفسك بالفضيلة، بل إن الناس والملائكة ورب الملائكة، الجميع ينسجون لك الإكليل.

          فلو أنك تشتهى المجد، اهرب بعيدًا عن تلك الأمور التي تمارسها الآن، ولا تهتم بتزيين البيت، وزيّن النفس بالفضيلة لكى تصير مُشرقًا ومعروفًا. أما ما يحدث الآن فمن المؤكد أنه يجعلك أكثر تفاهة من أى شئ، طالما أنك تحمل نفسًا مُقفرة بلا ثمر، وتهتم بجمال البيت أولاً أكثر من اهتمامك بالبشر.

إن لم تكن تعانى من هذا الذي أقوله، اسمع ماذا فعل أحد الوثنيين، وسوف تشعر بخزى على الأقل من أجل فلسفتهم، قيل أن شخصًا من هؤلاء، عندما دخل إلى بيت يلمع من كثرة ما به من نقوش ذهبية، ومُضئ من شدة جمال المرمر والأعمدة والأرضيات المفروشة بالسجاد، بصق في وجه صاحب البيت. وعندما أدانوه لأجل هذا الفعل، قال بأنه لم يكن مسموحًا له أن يبصق في أى موضع من مواضع البيت الأخرى، ولهذا اضطررت لإهانة وجهه[14]. أرأيت أن ذاك الذي يهتم بالزينة الخارجية هو مثار للسخرية، ويُحتقر من أولئك الذين لهم رؤية ثاقبة؟ وهذا أمر طبيعي جدًا. لأنه لو أن أحدًا ترك زوجته ترتدى ملابس مُمزقة، ولم تهتم بمظهرها الخارجى، ثم اعتنى بالخادمات فألبسهن حللاً براقة، فإنك لن تقبل هذا الأمر، بل ستغضب وستقول إن هذا يُعد عمل غير لائق بالمرة.

          إذًا فهذا ما ينبغى أن تفكر فيه بالنسبة للنفس. لأنه عندما تُزين الحوائط والأرضيات، والأثاث، وكل الأشياء الأخرى، ولا تقدم أعمال الرحمة بسخاء، ولا أيضًا تعيش حياة العفة فيكون كل ما تفعله مجرد تكرار لشئ واحد، أو من الأفضل أن نقول إنك ترتكب شرورًا مُرعبة. لأنه لا يوجد أى فرق بين الخادمة وربة البيت (من جهة الجسد)، لكن يوجد فرقًا كبيرًا بين النفس والجسد. وطالما أن هناك فرقًا كبيرًا بين النفس والجسد، فبالأكثر جدًا سيكون هناك فرقًا كبير بينها وبين البيت، والفراش، ومساند الأرجل. إذًا أى تبرير لديك يمكن أن تقوله، عندما تُغطى كل هذه الأشياء بالفضة، بينما تترك النفس رثه، مهملة، وجائعة ومليئة بالجروح وتنهشها كلاب كثيرة (أى شرور كثيرة)، ثم بعد ذلك تعتقد أنك تنال مجدًا حين تزين كل الأشياء التي تُحيط بك من الخارج؟ هذا على أية حال دليل على أسوأ حالة من فقدان العقل فبينما تكون مثارًا للسخرية والتهكم، وتسلك بسفه وتُحتقر، وتسقط في أشر عقوبة، فإنك لا تزال تفتخر بكل هذه الأمور. ولهذا أرجو، بعدما نفكر جيدًا في كل هذا، أن نستفيق ولو مرة واحدة على الأقل وحتى ولو جاء هذا متأخرًا، ولنرجع إلى عقولنا، مُحولين الزينة من زينة خارجية إلى زينة النفس. لأنه بذلك تبقى زينة ثابتة، وستجعلنا مساويين للملائكة، وسنصير سببًا لخيرات أكيدة. وليتنا جميعًا ننال كل هذه الأمور الحسنة بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به مع الآب والروح القدس المجد إلى دهر الدهور آمين.

[1] 1كو26:15.

[2] مت32:22.

[3] مت22:8.

[4] كو5:3.

[5] رو6:6.

[6] مز1:32.

[7] غل24:5.

[8] مت28:10.

[9] رو12:2.

[10] عب28:10ـ29.

[11] مر44:9.

[12] 1تيمو10:6.

[13] ويعنى بها أجساد البشر التي صارت مسكنًا لله ” أنتم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” (1كو16:3).

[14]هذه القصة الهزلية وردت عند أريستيبو (Ar…stippo)، كما يخبرنا ديوجينيس (Diogšnhj) عندما يكتب عن سيرة الفيلسوف.

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الثانية عشر

 

” لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته” (رو5:6).

          1 ـ هذا الذي قلته في العظة السابقة، سأقوله الآن أيضًا. إن الرسول بولس دائمًا ما يلجأ إلى الحديث عن السلوك الأخلاقي بجانب التعليم الإيماني، بينما في أغلب رسائله الأخرى يقسم الرسالة إلى قسمين، الأول: يخصصه للأمور الإيمانية، والثانى: للاهتمام بالأمور الأخلاقية. إنه لا يصنع هنا نفس الشئ، بل يمزج الأمرين معًا في كل الرسالة ، حتى يصير حديثه مقبولاً بسهولة أكثر. إنه يتكلّم هنا عن نوعين من الموت. الأول حدث بالمسيح في المعمودية، بينما الآخر يجب أن يصير من خلالنا، بواسطة جهادنا الذي يأتى بعد المعمودية. فإن دفن خطايانا السالفة، كان عملاً خاصًا بعطية الله، أما من حيث أننا نظل بعد المعمودية أمواتًا عن الخطية، فهو عمل خاص بجهادنا، وإن كنا نرى أن الله هنا أيضًا يُساعدنا بصورة كبيرة جدًا. لأن المعمودية لا تحقق فقط إزالة خطايانا السالفة، بل تؤّمنا أيضًا ضد الخطايا التي يمكن أن تحدث في المستقبل. فكما أنك تعلن الإيمان بفاعلية المعمودية لكى تختفى الخطايا، هكذا بالنسبة للخطايا المستقبلية، يجب عليك أن تُظهر تحولاً في الرغبة حتى لا تلوث نفسك مرة أخرى (بدنس الخطية). إذًا فهو ينصح بهذه الأمور وأمور أخرى مشابهة بقوله: ” إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته“.

          أرأيت كيف أنه قد سمى بالمستمع حتى قاده إلى الرب مباشرةً، محاولاً أن يُبيّن عظمة التشبه به؟ ولهذا لم يقل (متحدين معه في موته) لكى لا تعترض على ذلك، لكنه قال “بشبه موته”، لأننا حين نموت معه في المعمودية فإن الذي يموت هو الإنسان الخاطئ، أى الشر. ولم يقل “لأنه وإن كنا قد صرنا مشتركين معه بشبه موته” لكنه قال “متحدين معه بشبه موته” قاصدًا بهذه الكلمة تلك النبتة التي أثمرت والتي أتت من المسيح إلينا. فكما أن جسده بعدما دُفن في الأرض أتى بثمار الخلاص للبشرية، هكذا فإن جسدنا بعدما دُفن في المعمودية، نال ثمر البر والقداسة والتبنى وخيرات أخرى لا تحصى، وسينال العطية الأخيرة وهى القيامة. لأننا نحن دُفنا في الماء، بينما هو قد دُفن في الأرض، ونحن قد مُتنا من جهة الخطية، أما هو فقد مات بالجسد، ولهذا لم يقل: “متحدين معه في موته” لكن “بشبه موته“. لأن هناك موتان، موت المسيح وموتنا ولكنهما موتان مختلفان.

          فإذا قال ” قد صرنا متحدين معه بشبه موته“، فإننا في القيامة ” سنصير أيضًا بقيامته“، وهو يقصد هنا القيامة العتيدة. لأنه تحدّث سابقًا عن الموت قائلاً: ” أم تجهلون أيها الاخوة أننا كل مَن اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته[1]، لم يذكر شيئًا واضحًا عن القيامة، ولكنه أشار إلى طريقة حياتنا بعد المعمودية، حيث يحثنا على أن يتفق سلوكنا مع مقتضيات الحياة الجديدة، ولهذا فإنه هنا يذكر نفس الكلام، ويخبرنا مسبقًا عن تلك القيامة العتيدة. ولكى تعرف أنه لا يتحدث عن القيامة من المعمودية، بل عن القيامة العتيدة، نجده بعدما قال: ” لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته” لم يقل سنصير متحدين بشبه قيامته، لكنه قال:” نصير أيضًا بقيامته“. ولكى لا نقول وكيف يحدث هذا، طالما أننا لم نمت كما مات، فكيف سنقوم كما قام؟ نقول إنه عندما أشار إلى الموت لم يقل متحدين بموته، لكن “بشبه موته”، إلاّ أنه عندما أشار إلى القيامة لم يقل بعد بشبه قيامته، بل قال سنصير متحدين بقيامته ذاتها. ولم يقل قد صِرنا، لكن “سنصير” مُشيرًا بهذه الكلمة أيضًا إلى القيامة التي لم تحدث بعد، إنما التي ستحدث فيما بعد.

          2 ـ ثم أراد بعد ذلك أن يجعل حديثه موضع ثقة، فأظهر كيف أنه قد حدثت بالفعل قيامة هنا في هذه الحياة، قبل أن تأتى تلك القيامة العتيدة، وذلك حتى تؤمن من خلال هذه القيامة التي حدثت في الحياة الحاضرة بالقيامة الأخرى. لأنه بعدما قال سنصير متحدين أيضًا بقيامته، أضاف:

 

”عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليبطل جسد الخطية” (رو6:6).

يُشير هنا إلى السبب وكذلك الدليل على القيامة العتيدة. وهو لم يقل إن إنساننا العتيق قد صلب، بل قال ” قد صُلب معه“، فيُحضر المعمودية بجانب الصليب. ولهذا قال من قبل: ” صرنا متحدين معه بشبه موته“.     ” ليُبطل جسد الخطية” وهو لا يدعو هذا الجسد البشرى، بجسد الخطية، لكن جسد الخطية هو كل أمر خبيث وشرير، لأنه تمامًا كما يدعو كافة الرذائل بالإنسان العتيق، هكذا فإنه يدعو الخبث أيضًا جسد الخطية الذي يتشكل من أنواع مختلفة من الشرور.

          وهذا الحديث ليس مجرد فكر بسيط، وأرجو أن تلاحظ بولس نفسه وهو يشرح ذات الأمر بالضبط في الآيات القادمة. لأنه بعدما قال ” ليبطل جسد الخطية ” أضاف ” كى لا نعود نُستعبد أيضًا للخطية ” إذًا فهو يريد للجسد أن يصير ميتًا من جهة الخطية. إنه لا يريد أن يموت الجسد ويفنى بل يريد ألاّ يُخطئ. ثم يتقدم بعد ذلك شارحًا هذا الأمر بأكثر وضوح قائلاً:

 

” لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية ” (رو7:6).

          هذا ما يقوله لكل إنسان، لأنه كما أن المائت قد تحرر تمامًا من إمكانية أن يُخطئ طالما أنه مائت، هكذا أيضًا الذي تعمّد، فلأنه مات مرة واحدة في المعمودية، ينبغى أن يبقى على الدوام مائتًا بالنسبة للخطية. إذًا فإن كنت قد مت في المعمودية، فلتبقى مائتًا على الدوام، لأن هذه هى الحقيقة، أن كل مائت لا يستطيع بعد أن يُخطئ. بيد أنك لو أخطأت فستكون بذلك قد احتقرت عطية الله. وبعدما طلب منا أن نسلك بهذا القدر الكبير من الحكمة، أوضح على الفور قيمة المكافأة قائلاً:

 

” إن كنا قد متنا مع المسيح ” (رو8:6).

          وإن كان هذا في حد ذاته يُمثل كرامة كبيرة قبل نوال المكافأة، بمعنى أنك قد صرت شريكًا مع الرب، لكنه يعطيك مكافأة أخرى. وما هى هذه المكافأة؟ هى الحياة الأبدية. لأنه يقول ” نؤمن أننا سنحيا أيضًا معه“.

          ومن أين يتضح هذا؟ يتضح من قوله:

 

” عالمين أن المسيح بعدما أُقيم من الأموات لا يموت أيضًا ” (رو9:6).

ولاحظ محاولة الرسول بولس لإثبات هذا أيضًا من خلال هذه المفارقة. لأنه كان طبيعيًا أن يُثير البعض لغطًا حول الصليب والموت، فبيّن كيف أن لهذا السبب بالتحديد، ينبغى بالأحرى أن تكون لدينا الشجاعة حتى لا تعتقد أن المسيح فانٍ. بل أنه يبقى بالحقيقة حيًا إلى الأبد. لأن موته قد صار موتًا للموت. ولأنه مات، فلهذا لن يموت (مرة ثانية).

 

” لأن الموت الذي ماته قد ماته للخطية ” (رو10:6).

ماذا يعنى ” قد ماته للخطية؟” يعنى أنه لم يكن مستحقًا الموت، لكنه مات لأجل خطايانا، لكى يمحي الخطية ويقطع عصبها وكل قوتها، لهذا مات. أرأيت كيف أنه أرهب الموت حيث إنه لن يموت مرة ثانية، وحيث إنه لا توجد معمودية ثانية، فينبغى عليك أن تموت من جهة الخطية. إذًا فهو يقول كل هذا بهدف أن يقاوم مَن يقول ” لنفعل السيئات لكى تأتى الخيرات ” وأيضًا مَن يقول ” أنبقى في الخطية لكى تكثر النعمة “. إذًا هو يذكر كل هذا لكى يجتث مثل هذا الفكر من جذوره.

” والحياة التي يحياها فيحياها لله ” أى أنه يتحدث عن عدم الفناء، وأن الموت لن يسود بعد. لأنه إن كان الموت الأول قد جازه دون أن يكون مُستحقًا له إذ أنه جازه لأجل خطايا الآخرين، فبالأحرى كثيرًا أنه لن يموت الآن مادام أنه قد أبطل الموت. هذا ما قاله في الرسالة إلى العبرانيين:     ” فإذ ذاك كان يجب أن يتألم مرارًا كثيرة منذ تأسيس العالم ولكنه الآن قد أُظهر مرةً عند انقضاء الدهور ليبطل الخطية بذبيحة نفسه وكما وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة هكذا المسيح أيضًا بعدما قُدم مرةً لكى يحمل خطايا كثيرين سيظهر ثانية بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه[2]. لقد أوضح قوة الحياة التي هى بحسب مشيئة الله، وفي نفس الوقت أظهر قوة الخطية. وقوة الحياة تُستعلن فينا بحسب مشيئة الله لأنه لن يسود عليه الموت بعد، بينما ندرك مدى  قوة الخطية من أنها قد جعلت الذي هو بلا خطية يموت (من أجل خطايا البشر)، فكيف لا تُحطم أولئك الذين هم مسئولون عن الخطايا؟

3 ـ ثم بعد ذلك ـ ولأنه تكلم عن الحياة في المسيح ـ وحتى لا يقول أحد وما علاقة هذا الكلام بنا نحن، فقد أضاف:

 

” كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا ” (رو11:6).

          وحسنًا قال “احسبوا” لأنه بواسطة اللغة الوصفية لا يمكننا عرض حقيقة أننا متنا، لذلك استخدم هذه الكلمة “احسبوا”، للتأكيد على حقيقة هامة وهى (أننا بالفعل قد متنا عن الخطية). وماذا يعنى بعبارة نحسب؟ يعنى أننا     ” أمواتًا عن الخطية لكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا “. ومَن يحيا هكذا سيتمكن من الانتصار على الخطايا، لأن يسوع ذاته هو المعين له. وهذا معنى عبارة ” في المسيح “.

          فإن كان قد أقامهم عندما كانوا أمواتًا، فبالأكثر جدًا سيستطيع أن يحفظهم أحياءًا.

 

” إذًا لا تملكن الخطية في جسدكم المائت لكى تطيعوها في شهواته ” (رو12:6).

          لم يقل إذًا ينبغى ألا يحيا الجسد وألاّ يعمل، لكنه قال ” لا تملكن الخطية في جسدكم “، لأنه لم يأتِ لكى يهلك طبيعة الجسد، بل ليُصلح الإرادة. بعد ذلك أظهر أن الخطية لا تملك علينا بالعنف والإجبار، بل بملء إرادتنا، ولم يقل ينبغى ألا تستبد بكم الخطية، الأمر الذي يُدلل على أنها بمثابة قوة متجبرة، لكنه قال: ” لا تملكن الخطية“. لأنه بالحقيقة سيكون أمرًا غير معقول أن تسود الخطية عليهم كأنها ملكة بينما هم ينقادون نحو ملكوت السموات، وبينما هم مدعون أن يملكوا مع المسيح، يُفضلون أن يصيروا أسرى للخطية. مثلما يعتبر أنه من غير المعقول أيضًا لو أن شخصًا ألقى تاج الملك من على رأسه، ويريد أن يصير عبدًا لامرأة بها شيطان، تتجول متسولة وترتدى ملابس مُمزقة.

          ولأن الانتصار على الخطية يبدو لنا أمرًا صعبًا، فقد أظهره على أنه أمرًا سهلاً، وأثنى على الجهاد الذي يُبذل، قائلاً: ” في جسدكم المائت“. ولهذا أوضح أن المتاعب ستكون وقتية وتنتهى سريعًا. لكنه يذكّرنا بالشرور السابقة وبالجذور التي أنبتت موتًا تلك التي إذا انقاد الجسد إليها لصار جسدًا مائتًا، لأنه لم يكن مائتًا منذ بدء خلقته. بيد أنك من الممكن أيضًا ألاّ تخطئ مع أنك تحمل جسدًا قابلاً للموت. أرأيت فيض نعمة المسيح؟ يا لها من مفارقة عجيبة لأن آدم على الرغم من أنه لم يكن بعد حاملاً لجسد مائت إلاّ أنه سقط، بينما أنت على الرغم من أنك قد أخذت جسدًا قابلاً للموت، إلاّ أنه بإمكانك أن تُتوج. وكيف تملك الخطية؟ لا تملك من خلال قوتها، بل من خلال لامبالاتك أنت. ولهذا بعدما قال: “لا تملكن”، يوضح طريقة هذا التملك، بقوله: ” لكى تطيعوها في شهواته (أى شهوات الجسد)“. لأنه ليس هو شيئًا يدعو للكرامة أن ننهزم باختيارنا أمام شهواته (أى شهوات الجسد)، بل يُعَّد عبودية أسوأ واحتقار أكبر، لأن الجسد عندما يفعل كل ما يريده يكون قد فقد الحرية، بيد أنه عندما يقدر أن يتحكم في رغباته، عندئذٍ يصون قيمته وكرامته بشكل جوهرى.

 

4 ـ ” ولا تقدموا أعضاءكم آلات اثم للخطية .. بل آلات بر لله ” (رو13:6).

          وبناءً على ذلك فإن الجسد يوجد بين حالة الاثم والبر، مثلما يحدث بالنسبة للآلات (هناك آلات إثم وآلات بر)، وممارسة أى من الاثم أو البر يتوقف على من يستخدم الآلات. كما يحدث مع الجندى الذي يحارب من أجل وطنه، والسارق الذي يتسلح ليهاجم المواطنين، فالاثنان يتحصنان بنفس الأسلحة. فالجريمة إذًا ليست عملاً يتعلق بنوع السلاح المستخدم بل هى مسئولية أولئك الذين يستخدمون هذه الأسلحة لكى يفعلوا الشر. وهذا يمكن أن نقوله بالطبع في حالة الجسد، حيث يصير فعل الاثم أو فعل البر رهنًا بموقف النفس، وهذا ليس له علاقة بطبيعتها. لأن العين إذا نظرت نظرة غير بريئة للجمال، صارت آلة للاثم، لا بحسب طبيعتها أو عملها، لأن عمل العين هو أن تنظر، لكن هذا النظر لا يكون للشر، ولكن إذا نظرت العين نظرة غير نقية فسيكون ذلك راجعًا للفكر الخبيث الذي أمر بهذا. بيد أنك لو استطعت أن تضبط العين، فسيصير الجسد آلة للبر. وهذا ينطبق على اللسان وعلى الأيدى، وعلى جميع الأعضاء الأخرى. وحسنًا يدعو الرسول بولس الخطية اثمًا. لأن المرء عندما يخطئ إما أن يؤثم نفسه أو يؤثم قريبه، ومن الأفضل أن نقول إنه يؤثم نفسه قبل قريبه.

          إذًا بعدما نصحهم بعدم ممارسة الشر، بدأ يقودهم نحو ممارسة الفضيلة قائلاً: ” بل قدموا ذواتكم لله كأحياء من الأموات”. لاحظ كيف أنه يحثهم على حياة البّر بمسميات بسيطة، فهو يشير في الفقرة السابقة إلى الخطية، بينما يُشير هنا إلى الله. لأنه بعدما أوضح الفرق الضخم بين أولئك الذين يملكون (في ملكوت الله) وبين مَن هم عبيدًا للخطية، نجده لا يتسامح مع المؤمن الذي ترك الله وأراد أن يخضع لسلطان الخطية. وليس هذا فقط، لكنه يوضح هذا الأمر بما سيحدث في المستقبل قائلاً: ” كأحياء من الأموات“. لأنه بهذا الكلام يُبيّن مدى بشاعة الخطية وكم هى عظيمة عطية الله. إذًا فلتفكروا في مَن أنتم وماذا صرتم. مَن أنتم؟ أنتم أموات، وهذا المصير المفقود لا يمكن لشئ أن يصلحه، لأنه لا يوجد أحد مهما كانت مقدرته يستطيع أن يُعينكم. وأتساءل ماذا صرتم بين أولئك الأموات الذين أنتم منهم؟ صرتم أُناسًا ترغبون في الحياة الأبدية. وأيضًا بمعونة مَن صرتم (أحياءًا من الأموات)؟ بمعونة الله القادر على كل شئ. وبناء على ذلك فمن العدل أن تخضعوا لأوامره برغبتكم الكاملة، وهذا بالطبع يليق بأناس صاروا أحياء بعد أن كانوا أمواتًا.

          ” أعضاءكم آلات بر” ولذلك فإن الجسد ليس شرًا، طالما أنه من الممكن أن يصير آلة بر. لكن قوله بأنه آلة، فهذا يُبيّن أن هناك حربًا مخيفة تواجهنا. ولهذا فإن الأمر ـ بالإضافة لضرورة تسلحنا القوى ـ يحتاج إلى إرادة شجاعة وأن نعرف جيدًا كل ما يتعلق بهذه الحروب، وبالطبع وقبل كل شئ يجب أن نعرف القائد. بالنسبة لهذا القائد هو حاضر ومستعد على الدوام للمساعدة، ولا يستطيع أحد أن يسود عليه، ويُعد لنا دومًا أسلحة قوية. بيد أن الأمر يحتاج فيما بعد إلى إرادة تستخدم هذه الأسلحة كما ينبغى، وأن تطيع أوامر القائد، وأن تحمل السلاح من أجل خلاص أو حماية الوطن (أى النفس).

          5 ـ إذًا بعدما أخبرنا بالأمور العظيمة، وذكّرنا بالأسلحة والمعركة والحروب لاحظ كيف أنه أيضًا يُعطى شجاعة للجندى ويُهيئ إرادته قائلاً:

 

” فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة ” (رو14:6).

فإن كانت الخطية لن تسودنا بعد، فلماذا يأمرنا أو يوصينا بهذه الأمور الكثيرة قائلاً: ” لا تملكن الخطية في جسدكم المائت” و” لا تقدموا أعضاءكم آلات اثم للخطية ” ماذا يعنى هذا الكلام؟ إنه يُلقى هنا حديثًا كمَن يلقى بذرة، كمقدمة لما سيقوله فيما بعد، ويُمهد لذلك كثيرًا. وما هو هذا الحديث؟ كان من السهل قبل مجيء المسيح أن تسود الخطية على جسدنا. بل وبعد الموت أُضيفت علينا آلام كثيرة. ولهذا السبب تحديدًا لم يكن الطريق إلى البر سهلاً أو مريحًا. لأن الروح القدس لم يكن قد أُعطى لكى يساعدنا، ولا المعمودية التي كان من الممكن أن تُميت الجسد مع شهواته. فقد كان (الجسد) يركض مثل جواد غير مُروض، وكثيرًا ما كان يرتكب الزلات في الوقت الذي كان فيه الناموس يوصي بتلك الأمور التي ينبغى فعلها، وتلك التي لا ينبغى فعلها، لكنه لم يُقدم لأولئك الذين يجاهدون أكثر من مجرد نصيحة بالكلام فقط.

ولكن عندما أتى المسيح صار الجهاد فيما بعد أكثر سهولة. ولهذا فإن تجارب أكبر تواجهنا، ذلك لأننا أخذنا معونة أكبر. ومن أجل هذا قال المسيح له المجد: ” إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات[3]. وهذا ما يقوله بكل وضوح في الآيات اللاحقة، بينما هنا هو يُشير إليه بكلام مختصر، مظهرًا كيف أنه إن لم نتضع جدًا، فإن الخطية ستنتصر علينا. لأنه لا يوجد الآن الناموس الذي يحث فقط على ممارسة الفضيلة، لكن النعمة التي تصفح عن الأمور السالفة، والتي تؤّمن الأمور المستقبلية. لأن الناموس كان يَعد بالتيجان بعد اجتياز الأتعاب، بينما النعمة توّجت أولاً، ثم بعد ذلك دعت إلى الجهاد الروحي. ولكن يبدو لى أنه لا يُشير إلى كل ما يتعلق بحياة المؤمن، لكنه يعقد مقارنة بين المعمودية والناموس، الأمر الذي يقوله في موضع آخر إن ” الحرف يقتل ولكن الروح يُحيي[4]. لأن الناموس يُدين التعدى، بينما النعمة تُزيل التعدى، تمامًا كما أن الناموس يُدين الخطية، فإن النعمة تصفح وتخلّصك من سلطان الخطية. وبناء على ذلك فأنت مُتحرر من طغيان الخطية بشكل مضاعف من حيث أنك تحررت من الخضوع للناموس، وأنك تمتعت بالنعمة.

[1] رو6:3.

[2] عب26:9ـ28.

[3] مت20:5.

[4] 2كو6:3.

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة12 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة11 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة11 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة11 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة الحادية عشر

 

” فماذا نقول أنبقى في الخطية لكى تكثر النعمة؟ حاشا ” (رو1:6).

          يبدأ الرسول هنا بالحديث عن السلوك الأخلاقى أيضًا دون أن يكون قد أشار إليه من قبل ذلك حتى لا يبدو في نظر الكثيرين أنه مُزعج ومُحزن، لكنه الآن يتحدث عن هذا الموضوع بسبب النتيجة الطبيعية للمنهج الذي تبناه في حديثه. ويظهر بوضوح هذا التنوع في أسلوبه وطريقة كلامه، ويرجع هذا إلى رغبته في ألا تسبب رسالته امتعاضًا لدى الذين يتلقونها، ولهذا قال: ” ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيًا[1]، ولو إنه قد انتهج أسلوبًا آخرًا، لكان يبدو أمام هؤلاء بصورة أكثر قسوة. ولكن بعدما لجأ لهذا الأسلوب أظهر عظمة النعمة من حيث إنها شفت خطايا كثيرة وكبيرة، وقد بدا للحمقى أن هذا الكلام يمثل تحريضًا على ارتكاب الخطية (فإن كان قد بدا لهم أن النعمة ازدادت بسبب ارتكاب خطايا كثيرة فلنستمر في ارتكاب الخطية لتزداد النعمة) إذًا ولكى لا يقولوا هذا ولا حتى يلمحون له، لاحظ كيف أنه يُزيل التناقض أولاً بالنفى قائلاً “حاشا”، الأمر الذي اعتاد أن يفعله تجاه أولئك الذين يعترفون بما يتنافى مع الحقيقة، ثم بعد ذلك طرح فكرًا لا يحتمل الخلاف.

          ما هو هذا الفكر؟ هو ما أشار إليه بقوله:

” نحن الذين متنا عن الخطية كيف نعيش بعد فيها ؟ ” (رو2:6).

ما معنى “مُتنا”؟ يعنى إما أننا جميعًا قد قبلنا الخطية وخضعنا لها كقرار اتخذناه، أو أننا قد صرنا أمواتًا بالنسبة للخطية لأننا آمنا واعتمدنا، وهو الأمر الذي نرجحه بالأكثر. هذا ما يُظهره الكلام الذي يأتى فيما بعد. ولكن ما معنى نحن الذين متنا عن الخطية؟ تعنى أننا لا نخضع بعد للخطية على الإطلاق. لأن هذا هو ما صنعته المعمودية مرة واحدة، إذ أمتتنا من جهة الخطية، لكن ينبغى علينا فيما بعد أن نتمكن من الاستمرار في ذلك أى في حالة الموت عن الخطية من خلال جهادنا، وحتى لو كانت الخطية تفرض علينا في مرات عديدة أن نخضع لها، فيجب ألا يخضع أحد لها بعد، بل ينبغى أن يبقى ثابتًا غير متحرك تجاهها تمامًا مثل الميت. وإن كان الرسول بولس يقول في موضع آخر إن الخطية ذاتها قد ماتت. فقد قال هذا لأنه أراد أن يُبيّن كيف أن الفضيلة تعد أمرًا سهلاً، بينما هنا لأنه أراد أن يثير انتباه المستمع لرسالته، فتحدث عن فكرة الموت. ولأن هذا الذي طُرح لم يكن واضحًا فقد أخذ يفسره مرة أخرى ويتكلّم بصورة التأنيب والتوبيخ قائلاً:

 

” أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته؟” (رو3:6).

إذًا فإننا دفنا معه في المعمودية. ماذا تعنى عبارة “اعتمدنا لموته؟” تعنى أننا نحن أيضًا نموت كما مات هو، لأن الصليب هو المعمودية. فهذا الذي جازه المسيح، أى الصليب والقبر، يتحقق في المعمودية التي نُتممها، وإن لم يكن بنفس الطريقة. لأن المسيح مات بالجسد ودُفن، بينما نحن نجوز نفس الأمر بالنسبة للخطية. ولهذا لم يقل إننا قد ذقنا نفس الموت، بل قال “بشبه موته[2]. لأن الموت يتم في المعمودية وفي الصليب، ولكن ليس بنفس الطريقة كما أنه من نوعين مختلفين. موت المسيح كان موتًا للجسد، لكن موتنا هو موت عن الخطية. وكما أن موت المسيح كان موتًا حقيقيًا بالجسد، هكذا تمامًا فإن موتنا في المعمودية هو موت حقيقى عن الخطية. لكن على الرغم من أنه موتًا حقيقيًا، إلاّ أنه ينبغى علينا أيضًا أن نسلك بما يتفق والحياة الجديدة. ولهذا أضاف:

 

” حتى كما أُقيم المسيح بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة هذه الحياة” (رو4:6).

          لاحظ أنه يُشير هنا إلى موضوع القيامة بجانب الحديث عن الاهتمام بالسلوك اليومي في حياتنا. كيف؟ أتؤمن أن المسيح مات وقام؟ فإن كنت تؤمن بهذا، فيجب أن تؤمن بموتك أنت وبقيامتك أيضًا. فموتك يشبه موت المسيح، لأن موتك (في المعمودية) هو أيضًا صليب ودفن. إذًا فلو كنت قد اجتزت الموت والدفن، فبالأولى جدًا ستجوز القيامة والحياة. لأنه طالما أن الأمر الأكبر قد اضمحل أى الخطية، فيجب ألا نشك بعد في أن الأمر الأصغر أى الموت قد بطل.

          6 ـ بيد أننا نترك التفكير في هذه الأمور لذهن المستمعين أولاً. وبينما يتجه الحديث نحو الأمور الخاصة بالدهر الآتى، نجد الرسول بولس يطالبنا بقيامة أخرى، أى السلوك وفق منهج الحياة الجديدة التي تُستعلن في الحياة الحاضرة بواسطة تغيير سلوكنا. لأنه عندما يصير الزانى عفيفَا، والطماع شفوقًا، والمتوحش هادئًا، حينئذ تتجلى تلك القيامة التي تسبق القيامة من الموت. وكيف حدثت القيامة؟ حدثت بموت الخطية، واستعلان البر، صارت القيامة حين اضمحلت الحياة القديمة وسادت الحياة الجديدة الملائكية. وعندما تسمع عن الحياة الجديدة يجب عليك أن تطلب التغيير وبإصرار وأيضًا أن تسعى نحو التحول الجذرى. إلاّ أن ثمة إحساسًا بالبكاء والتنهد العميق يتملكنى، عندما أفكر في مقدار العفة التي يطلبها منا الرسول بولس، ومقارنتها بمدى اللامبالاة التي نحيا فيها، حيث إننا نعود بعد المعمودية إلى الأشياء العتيقة، نعود إلى الخلف إلى عبودية مصر ونتذكر الثوم بعدما أكلنا المن السماوى. كما أننا نشرع مرة أخرى في ممارسة الأشياء العتيقة بعد أن نكون قد أحرزنا تغييرًا لمدة عشرة أو عشرين يومًا.

          ومن المؤكد أن الرسول بولس يطلب السلوك وفق منهج الحياة الجديدة لا لبضعة أيام، بل طوال أيام حياتنا. لكننا نعود مرة أخرى إلى سابق عهدنا في التفوه بكلام بذئ، ممهدين بذلك لعودة الأشياء العتيقة التي أوجدتها الخطايا، كل هذا بعدما دخلنا في الحياة الجديدة التي تأسست بالنعمة. إن محبة المال والعبودية للشهوات الجسدية، وبشكل عام كل خطية تُرتكب هى بالحقيقة التي تجعل من يرتكبها، يشيخ ” وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال[3]. لأنه يستحيل أن يضعف الجسد بهذا القدر مع مرور الزمن ولا تضعف النفس وتسقط معه من كثرة الخطايا. لأن الخاطئ سيصل فيما بعد إلى أسوأ حالة من الإسفاف بعد سقوطه المتكرر وسيهذى بكلامه، تمامًا مثل أولئك الذين شاخوا وصاروا يهذون أو يتحدثون بلا اتزان، فإن نفوسهم ستكون مملوءة بالحماقة والخبل الشديد والغفلة. لأنه بالحقيقة، هذا هو جوهر النفوس التي تخطئ.

          أما نفوس الأبرار فليست هكذا، بل هى متجددة ومملوءة بالحيوية، وتقيم دائمًا في هذا العمر المزدهر، مستعدة بصفة دائمة لأية معركة وصراع، بينما نجد أن النفوس الخاطئة عندما تتعرض لهجوم حتى لو كان بسيطًا، تسقط على الفور وتنهار. وهذا ما أظهره النبى بقوله: ” كالعصافة التي تذريها الريح[4]. هكذا فإن أولئك الذين يحيون في الخطية، ينساقون بسهولة هنا وهناك ويتأثرون بالجميع. لأنهم لا ينظرون بشكل صحيح، ولا يسمعون بانتباه، ولا يتكلمون بنقاوة بل يسيل لعابهم من أفواههم بكثرة. وليته كان لعابًا، فهذا لا يُعد أمرًا شاذًا. بل أنهم يخرجون الآن من أفواههم كلامًا أكثر بذاءة من أية بذاءة أخرى، والأكثر فظاعة من كل هذا، أنهم لا يستطيعون أن يبصقوا لعاب هذا الكلام، لكنهم يجمعوه في أيديهم بصورة مشمئزة جدًا، ويمضغوه مرة أخرى، لأنه ثقيل ويصعب إذابته. ربما تشعرون بالاشمئزاز من هذا الكلام. غير أنه يجب عليكم بالأولى أن تشعروا بالاشمئزاز من الفعل ذاته وليس من الكلام فقط. لأنه إن كان الكلام البذيء يدعو للاشمئزاز عندما يخرج من الفم، فبالأحرى جدًا أن يدعو هذا الأمر للاشمئزاز عندما يحدث داخل النفس.

          هكذا كان الشاب الصغير[5] الذي بذّر ثروته في عيش مسرف، وانحدر إلى أسوأ الشرور، وكان أكثر مرضًا من أى إنسان مختل العقل ومن أى مريض. ولكن لأنه أراد العودة، صار فجأة جديدًا بسبب رغبته الداخلية في التغيير. إذًا عندما قال: ” أقوم وأرجع إلى أبى” هذا القول جلب له كل الخيرات، أو من الأفضل أن نقول ليس مجرد القول هو ما جلب له الخيرات بل العمل الذي تبع هذا القول. لأنه لم يقل “سأرجع” ثم انتظر، لكنه قال “أرجع”، وبدأ خطوات الرجوع حيث إنه سلك في طريق العودة. هكذا ينبغى علينا نحن أيضًا أن نفعل هذا. حتى لو كنا قد رحلنا إلى بلد غريبة علينا ان نرجع إلى البيت الأبوى، ولا يجب أن نتردد في اتخاذ القرار بسبب طول الطريق. لأنه لو أردنا ذلك فإن العودة تصير أسهل وأسرع جدًا، علينا فقط أن نهجر البلد الأجنبى والغريب. لأن هذه هى طبيعة الخطية، أنها تقودنا بعيدًا عن بيت أبينا. إذًا فلنهجر الخطية لكى نرجع بسرعة إلى البيت الأبوى، لأن الأب يتسم بالعطف، وعندما نُغيّر من سلوكنا فلن يكون تكريمه لنا أقل من أولئك الذين يهنئون (داخل البيت)، بل سيكرّمنا أكثر، لأن الابن الضال قد كرَّمه أبوه أكثر جدًا من المقيمين معه. خاصةً وأن الأب شعر بسعادة غامرة لأنه ربح ابنه مرة أخرى.

          وكيف قال أرجع؟ إنه لم يقل شيئًا سوى الآن أبدأ العودة، وكل شئ سيتحقق. وأنت أيضًا عليك أن تتوقف عن الشر ولا تذهب إلى كورة بعيدة. فإن فعلت هذا، فستكون قد حققت كل شئ. تمامًا مثلما يحدث مع المرضى، فعدم تفاقم حالتهم المرضية يمكن أن يكون بداية لتحسن صحتهم، هذا ما يحدث أيضًا في حالة ارتكابنا الشرور. لا تذهب إلى أبعد من الحالة التي أنت فيها، وستنتهى حالة الخطية التي تحياها، فإن صنعت هذا لمدة يومين ستبتعد عن الشر في اليوم الثالث بأكثر سهولة، ثم بعد ذلك ستكرر هذا لثلاثة أيام، وستحاول أن تستمر لعشرة أيام، ثم لعشرين يوم، ثم لمائة يوم، ثم بعد ذلك كل حياتك. لأنه على قدر ما تتقدم في حياة الفضيلة، على قدر ما ترى الطريق بأكثر سهولة وستقف فوق القمة وستتمتع بخيرات وفيرة. لأنه حين عاد الابن الضال، أُقيمت الموائد على الفور وعزفت آلات الطرب والقيثارات وأُقيمت الاحتفالات لأجل عودته. والأب الذي كان ينبغى أن يعاقب هذا الابن الضال بسبب إنفاقه لثروته بإسراف وبسبب رحيله بعيدًا جدًا، لم يفعل شيئًا من هذا، بل عندما رآه شعر بالسعادة ولم يوبخه ولا حتى بالكلام أو من الأفضل أن نقول إنه لم يرد حتى مجرد أن يُذكّره بالأمور السابقة، لكنه خرج خارجًا وقبّله وذبح العجل المثمن وألبسه الحلة الأولى، وزيّنه بحلى كثيرة.

          7 ـ إذًا إن كنا نعرف هذه الأمثلة، فلنتشجع ولا نيأس. لأن الله لا يفرح عندما يُدعى سيدًا، بل يفرح عندما يُدعى أبًا، ولا يفرح عندما يملك عبدًا، بقدر فرحه عندما يكون لديه ابنًا. وهذا ما يريده بالأكثر. ولهذا تحديدًا فإن الآب السماوى قد صنع كل شئ ولم يشفق على ابنه وحيد الجنس، لكى ننال نحن التبنى، ولكى لا نحبه كسيد فقط، بل كأب. فإذا نجحنا في تحقيق ذلك فإنه يفتخر بنا، تمامًا كما لو أن شخصًا قد نال مجدًا، ثم يأتى ذاك الذي هو ليس في احتياج لشئ، ويُعلن افتخاره بهذا أمام الجميع. هذا ما صنعه في حالة إبراهيم قائلاً: ” أنا إله إبراهيم واسحق ويعقوب “، على الرغم من أنه كان ينبغى على العبيد أن يفتخروا بسيدهم، بيد أنه من الواضح الآن أن السيد هو الذي يفتخر بعبيده. ولذلك فهو يقول للقديس بطرس ” أتحبنى أكثر من هؤلاء[6]. لكى يبرهن على أنه لا يطلب شيئًا آخرًا سوى المحبة. ولهذا طلب من إبراهيم أن يقدم ابنه ذبيحة، لكى يُظهر للجميع أنه كان محبوبًا جدًا لدى إبراهيم (لأن إبراهيم شرع على الفور في تنفيذ ما أمره به الله). إنه يطلب المحبة من الجميع بهذا القدر، لأنه أحب الجميع بدرجة فائقة. ولذلك قال للرسل: ” مَنْ أحب أبًا أو أمًا أكثر منى فلا يستحقنى[7].

          ولذلك فهو يأمرنا بأن نضع أنفسنا التي تُعَّد أكثر ألفة ومحبة لدينا من أى شئ آخر، في المرتبة التالية لمحبتنا له، لأنه يريد أن نحبه بكل ما نملك من قوة. هكذا نحن أيضًا إن كانت العلاقة التي تربطنا بشخص ما ليست بهذا القدر من الألفة، فإننا لن نكون في حاجة إلى محبته، فإننا لا نحتاج كثيرًا إلى محبته، حتى لو كان ذى شأن عظيم أو كان مشهورًا. لكن عندما نُحب شخصًا ما بحق وبقوة، حتى لو لم يكن له شأن كبير بل وكان صغيرًا، فإننا نعتبر محبته لنا مجدًا عظيمًا ولهذا فإن ذاك (أى الابن) هو مستحق أن نبادله الحب ليس فقط بسبب ما جازه من آلام، بل لأنه دعى العار الذي جازه من أجلنا مجدًا[8]. هذه الأمور المخجلة التي جازها تُدعى مجدًا بسبب محبته فقط، بينما الأمور التي سنعاينها نحن من أجله يمكن أن تُدعى وبحق مجدًا وهى كذلك بالفعل مجدًا، ليس بسبب محبتنا فقط، بل بسبب عظمة وقيمة هذا الذي نترجاه من كل قلوبنا، فلنجوز المخاطر إذًا لأجله كما لو كنا نركض للحصول على تيجان عظيمة جدًا، وعلينا ألا نعتبر الفقر أو حتى الموت نفسه شيئًا ثقيلاً أو مُحزنًا، عندما نحتمله من أجله. فلو كنا حريصين ومُتيقظين فسنربح من وراء هذا الجهاد أمورًا فائقة، بينما لو كنا غير متيقظين، فلن نربح أى شئ حسن.

          لكن احذر. هل يهددك أحد ويحاربك؟ إن فعل هذا فهو بذلك يُهيئك لكى تكون يقظًا ويعطيك الدافع لتكون متشبهًا بالله. لأنه إن أحببت ذاك الذي يفكر في أن يصنع بك شرًا، ستكون متشبهًا بذاك الذي يُشرق شمسه على الأشرار والصالحين. هل سلب أحد منك أموالاً؟ لو أنك تحتمله بشجاعة ستأخذ نفس الشئ الذي سيأخذه أولئك الذين أعطوا كل شئ للفقراء. لأن الرسول بولس يقول ” قبلتم سلب أموالكم بفرح عالمين في أنفسكم أن لكم مالاً أفضل في السموات وباقيًا[9]. هل أساء إليك أحد واتهمك بشئ؟ فسواء كان ذلك حقيقة أم كذبًا فيكون قد نسج لك أعظم تاج لو أنك احتملت هذه الإساءة بإختيارك. لأن المُسيء إلينا يُقدم لنا أجرًا عظيمًا، لأن الكتاب يقول ” طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلى كاذبين افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات[10]. وهذا أيضًا الذي يقول أمور حقيقية يُفيدنا جدًا، إن احتملنا ما يُقال باختيارنا. لأن الفريسى وهو يتكلّم بالحقيقة أساء إلى العشار، ولكن هذا الذي قيل، حوّل العشار إلى بار.

          ولماذا أشير إلى ما يحدث لكل واحد بشكل منفصل؟ فمن الممكن أن أشير إلى نجاح أيوب في اجتياز المصاعب الكثيرة، التي يمكننا أن نعرف تفاصيلها. ولهذا أيضًا قال الرسول بولس ” إن كان الله معنا فمن علينا[11]، وهذا يتفق مع حقيقة أنه عندما نجاهد فإننا نربح من خلال احتمالنا لتلك الأمور التي تُسبب لنا الآلام، ولكن عندما لا نبالى بأى شئ فإننا لا نصير أفضل حتى عن طريق الأمور التي تُفيدنا. أخبرنى إذًا بماذا انتفع يهوذا من عشرته مع المسيح؟ ماذا كان يعنى الناموس بالنسبة لليهود؟ وما هو الفردوس بالنسبة لآدم؟ ما هى مكانة موسى بالنسبة لمَن كانوا في البرية؟ أما نحن فإذ قد هجرنا كل شئ، ينبغى علينا أن نعتنى بشئ واحد فقط وهى الطريقة التدبيرية التي سوف ننظم بها أمور حياتنا بشكل حسن. فلو أننا صنعنا هذا، لن يستطيع ولا الشيطان ذاته أن ينتصر علينا أبدًا، بل إن هذا سيصبح بالأكثر لفائدتنا إذ يُهيئنا أن نكون مُتيقظين. هكذا شجع الرسول بولس أهل أفسس عندما أخبرهم بمدى وحشية المعاند.

          لكننا نتكاسل وننام ونغط في نوم عميق في اللحظة التي تنشب فيها حرب شديدة ضد عدو مثل هذا خبيث ومخادع. فإذا عرفنا أن هناك ثعبان يُعشش في فراشنا، فمن المؤكد أننا سنبذل قصارى جهدنا لنقتله، أما الآن فالذي يُعشش داخل نفوسنا هو الشيطان، ومع هذا نعتقد أننا لن نصاب بأذى ونبقى غير مبالين. ويرجع السبب في ذلك إلى أننا لا نراه بعيوننا الجسدية. إلاّ أنه ـ لهذا السبب بالذات ـ ينبغى بالأكثر أن نكون مُتيقظين وحريصين. لأنه يمكن للمرء أن يحترس بسهولة من العدو المرئى، أما من جهة العدو غير المرئى، فنحن لسنا على الدوام مُسلحين ضده، ولن نستطيع أن نتجنبه بسهولة لأنه لم يعتاد على أن يحارب مواجهة أو علنًا، لأنه يفرض حصاره وبسرعة، وبينما يتظاهر بالصداقة، نجده ينفث فينا سم وحشيته. هكذا هيأ زوجة أيوب بعدما ارتدى قناع الرأفة، لكى يُعطيها تلك النصيحة الخبيثة[12]. وهكذا تملق مع آدم، مظهرًا كيف أنه مهتم بحمايته وقال له: ” الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما[13]. وهكذا سقط يفتاح الجلعادى بحجة التقوى، إذ ذبح ابنته وقدم ذبيحة لا تتفق مع وصايا الناموس[14]. أرأيت أساليب العدو الخادعة؟ أرأيت حربه المتنوعة الأشكال؟ إذًا فلتكن حذرًا في كل مكان وتسلّح بالأسلحة الروحية، وتعرّف على دسائسه بالتدقيق، حتى تكون مُتحصنًا ولكى تنتصر عليه بسهولة. لأنه على هذا النحو انتصر الرسول بولس عليه لأنه كان يعرف كل هذه الأمور بمنتهى الدقة. ولهذا قال: ” لأننا لا نجهل أفكاره[15]. إذًا فلنحاول أن نعرف وأن نتجنب سهامه، حتى عندما ننتصر عليه يُنادى علينا كمنتصرين في الحياة الحاضرة وحياة الدهر الآتى ونفوز بالخيرات الوفيرة بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة مع الآب والروح القدس من الآن وإلى الأبد آمين.

[1] رو15:15.

[2] رو5:6.

[3] عب13:8.

[4] مز4:1.

[5] يشير هنا إلى مثل الابن الضال (لو11:15ـ32).

[6] يو15:21.

[7] مت37:10.

[8] من أجلهم أنا أمجد ذاتى.

[9] عب34:10.

[10] مت11:5ـ12.

[11] رو31:8.

[12] لأن زوجة أيوب تكلمت بالسوء نحو زوجها قائلة ” أنت متمسك بعد بكمالك. بارك الله ومت ” (أيوب9:2).

[13] تك5:3.

[14] قض29:11ـ40.

[15] 2كو11:2.

رسالة رومية الأصحاح6 – عظة11 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوبر

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة11 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة11 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة11 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الحادية عشر

 

” من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع ” (رو12:5).

          1 ـ تمامًا كما يصنع الأطباء الأكفاء الذين يفحصون دومًا وبعمق جذور المرض ويَصلون إلى السبب المباشر لظهوره هكذا يصنع الطوباوى بولس. فعندما قال إننا تبررنا، وبعدما أظهر أن هذا البر استعلن في إيمان إبراهيم بالروح القدس وبموت المسيح لأنه مات لكى يبررنا، يبرهن بعد ذلك وبأسلوب آخر على تلك الأمور التي سبق وأظهرها بدلائل كثيرة من خلال الموت والخطية. وقد حاول أن يشرح كيف وبأى طريقة دخل الموت إلى العالم وساد عليه، ويقول إن هذا حدث بخطية الإنسان الواحد (أى آدم). وماذا يعنى وفي شخصه اجتاز الموت إلى جميع الناس؟ لقد اجتاز الموت إلى الجميع لأنه (أى آدم) سقط في الخطية وأولئك الذين لم يأكلوا من الشجرة جميعهم صاروا في شخصه مائتين.

 

” فإنه حتى الناموس كانت الخطية في العالم على أن الخطية لا تحسب إن لم يكن ناموس ” (رو13:5).

          تصوّر البعض أن عبارة ” فإنه حتى الناموس” (أى حتى أُعطى الناموس)، تعني ذلك الزمن الذي يسبق إعطاء الناموس أى زمن هابيل وزمن نوح وزمن إبراهيم والزمن حتى ولادة موسى. غير أنه لابد وأن نسأل ما هى الخطية التي وجدت في ذلك الزمان؟ يقول البعض إن الرسول بولس يُشير إلى الخطية التي حدثت في الفردوس، طالما أنها لم تكن قد بطلت بعد، بل أن ثمرها قد أينع. حيث أن هذه الخطية قد حملت الموت للجميع وقد ساد الموت واستبد. لكن لأى سبب أضاف ” على أن الخطية لا تحسب إن لم يكن ناموس” أضاف ذلك لمواجهة اليهود، ما يقوله يعني أنه إذا لم تكن هناك خطية عندما لم يكن هناك ناموس، فكيف ساد الموت على جميع الذين عاشوا قبل الناموس؟ ويبدو لى أن هذه العبارة لها علاقة بالأكثر بما كان في فكر الرسول بولس وما كان يريد قوله. وما هو هذا الذي كان يريد أن يقوله؟ أراد أن يقول إن الخطية وُجدت في العالم حتى ذلك الحين الذي أُعطى فيه الناموس، من الواضح أن هذا هو ما يقصده، فبعدما أُعطى الناموس، سادت الخطية التي أتت من العصيان. لأنه يقول إن “الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس”. فلو أن هذه الخطية قد جلبت الموت بسبب مخالفة الناموس فكيف مات كل الذين عاشوا قبل الناموس؟ لأنه إن كان الموت يأتى من الخطية، وإذا كانت الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس، فكيف ساد الموت قبل إعطاء الناموس؟

          وبناء عليه يكون من الواضح أن الخطية لم تأتى بسبب مخالفة الناموس، لكن بسبب عصيان آدم وهذه الخطية هى التي حطّمت كل شئ. وما هو الدليل على هذا؟ الدليل أن الجميع ماتوا قبل الناموس، لأنه يقول:

 

” قد ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا ” (رو14:5).

وكيف ملك الموت؟ “على شبه تعدى آدم”. ولهذا فإن آدم هو مثال للمسيح. وكيف يقول إنه مثال المسيح؟ لأنه كما أن أولئك الذين أتوا من آدم على الرغم من أنهم لم يأكلوا من الشجرة، إلاّ أن الموت قد ملك عليهم، وهكذا صار آدم سببًا للموت الذي دخل إلى العالم بسبب الأكل من الشجرة، وهكذا أيضًا فإن أولئك الذين انحدروا من المسيح على الرغم من أنهم لم يعملوا أعمالاً بارة، إلاّ أن المسيح صار سببًا للبر الذي منحه للجميع بواسطة صليبه.

          ولهذا فقد اهتم الرسول بولس بالتركيز على عبارة “بالواحد”، وهذا ما يُشير إليه باستمرار قائلاً: ” كأنما بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ” وأيضًالأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون” و” ليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية” وأيضًا ” لأن الحكم من واحد للدينونة” و” إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد“.

 

” فإن كان بخطية واحد… كما بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة ” (رو15:5ـ19).

          وفي كل هذا لم يبتعد القديس بولس عن استخدام عبارة “الواحد”، حتى أنه عندما يسألك يهودى كيف أنه ببر واحد أى بر المسيح، قد خلصت البشرية؟ سيُمكنك أن تُجيب وكيف أُدينت البشرية كلها بينما من خالف الوصية هو واحد؟ مع الوضع في الاعتبار وهذا أمرًا مؤكدًا، أن الخطية ليست مثل الهبة وأن الموت ليس كالحياة وأيضًا من المستحيل أن يوضع الشيطان في مقارنة مع الله، لأن الفروق غير محدودة ولا تُحصى.

          إذًا بالنظر إلى قدرة ذاك الذي فعل كل هذه الأشياء ووفقًا لخطة الله من جهة خلاص البشرية (لأن ما يليق بالله بالأكثر هو أن يُخلّص لا أن يُعاقب)، وهنا مكمن التميّز والانتصار، أخبرنى أى مُبرر يمكن أن تتذرع به لعدم الإيمان؟ لأن المؤكد أن هذا الذي حدث يتفق مع المنطق وقد برهن عليه الرسول بولس بقوله:

 

ولكن ليس كالخطية هكذا أيضًا الهبة. لأنه إن كان بخطية واحد مات الكثيرون فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين ” (رو15:5).

1 ـ وما يقوله يعنى ما يلي: فلو أن الخطية قد استطاعت أن تصنع كل هذا (أن يجتاز الموت لجميع الناس) وبالطبع من خلال خطية إنسان واحد، فكيف لا تستطيع نعمة الله وليس فقط نعمة الله الآب بل والابن أيضًا أن تحقق الكثير (أى خلاص الجميع)؟ وهذا يُعد أكثر تمشيًا مع المنطق. لأنه أن يُدان احد بسبب خطية آخر، فمن الواضح أن هذا ليس له مبررًا كافيًا (بحسب المنطق الإنساني)، بيد أن يخلص أحد بسبب عطية الآخر، فهذا أكثر قبولاً وأكثر تمشيًا مع المنطق. فلو أن البشرية قد أُضيرت بالخطية، فبالأولى كثيرًا ستنال فيض النعمة وعطية البر.

          2 ـ إذًا فالطبيعى والأكثر تمشيًا مع العقل والمنطق، قد برهن عليه الرسول بولس كما سبق وأشرنا. فطالما أنه قد قبلت فكرة أن بخطية الواحد قد اجتاز الموت إلى الجميع، سيصير من السهل قبول أنه بعطية الواحد سيخلُص الجميع. وكون أن هذا الخلاص هو ضرورة حتمية، فقد دلل عليه في الآيات الآتية. وكيف دلل على ذلك؟ بقوله:

 

وليس كما بواحد قد أخطأ هكذا العطية لأن الحكم من واحد للدينونة وأما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير ” (رو16:5).

 ماذا يعنى هذا الكلام؟ يعنى أن الموت والدينونة يمكن أن تسببهما خطية واحدة، بينما نجد أن النعمة قادرة على أن تمحو ليس فقط خطية واحدة بل وتلك الخطايا التي ظهرت بعد الخطية الأولى. ولكى لا تكون عبارات مثل (كما) و(هكذا) توازى بين الخير والشر في المستوى ولكى لا تعتقد عندما تسمع اسم آدم أن ما مُحى هو فقط الخطية الأولى التي اقترفها آدم، فإن الرسول بولس يقول إنه قد مُحيت خطايا كثيرة. وما الذي يوضح ذلك؟ الذي يوضحه هو أنه بعد الخطايا الكثيرة التي اقتُرفت فيما بعد أى بعد الخطية الأولى التي سقط فيها آدم في الفردوس، انتهى الأمر إلى قبول عطية التبرير. وحيث يوجد بر فحتمًا ستتبعه حياة وخيرات لا تُحصى، تمامًا كما يحدث في حالة الخطية فحيثما توجد خطية يتبعها موت. لأن البر هو شئ أكثر من الحياة لأنه هو جذر أو أصل الحياة.

          إذًا من حيث إن هناك هبات كثيرة قد مُنحت بعطية البر وأن الخطية الأولى ليست هى فقط التي مُحيت بل وكل الخطايا الأخرى، فهذا قد برهن عليه الرسول بولس بقوله: ” وأما الهبة من جرى خطايا كثيرة للتبرير“. وبذلك يكون قد برهن بالضرورة على أن الموت قد قُضى عليه نهائيًا. ولأنه قال بعد ذلك إن الثانى (أى آدم الثانى) أعظم من الأول (أى آدم الأول)، فهناك احتياج أن يبرهن على هذا مرة أخرى. فطالما أن بخطية إنسان واحد اُقتيد الجميع إلى الموت، كما سبق وأشار إلى ذلك، فبالأولى كثيرًا ستستطيع نعمة الواحد (أى نعمة المسيح) أن تُخلّص الكثيرين. ثم دلل على أنه ليست الخطية الأولى فقط هى التي مُحيّت بواسطة النعمة بل جميع الخطايا الأخرى. ولم تُمحى الخطايا فقط بل أُعطى البر أيضًا. وعلى قدر ما تسبب آدم في الأضرار على قدر ما كانت عطايا المسيح وفيرة ولا تحصى. ومع أنه أشار إلى كل هذه الأمور، إلاّ أنه يحتاج هنا أيضًا لتقديم برهان أوضح. كيف أوضح هذا البرهان؟ بقوله:

 

إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح” (رو17:5).

ما يقوله يعنى الآتى: بماذا تسلّح الموت ضد البشرية؟ تسلّح بأن إنسانًا واحد فقط أكل من الشجرة. فإذا صارت للموت هذه السيادة الكبيرة بسبب خطية واحدة، فكيف يصبح من الممكن أن يكون هناك أناس تحت حكم الموت وقد حصلوا على نعمة وبر أعظم بكثير من الخطية الأولى الأمر الذي جعله لا يقول “نعمة”، بل “فيض النعمة”؟ لأننا لم نحصل على قدر بسيط من النعمة يكفى فقط لمحو الخطية، بل حصلنا على فيض النعمة. لأنه بالحقيقة قد أُنقذنا من الجحيم وابتعدنا عن الشر وولدنا مرة أخرى من الله. وقد قمنا، مادام أن إنساننا القديم قد دُفن، وخُلصنا وتبررنا وصرنا أبناءً وتقدّسنا وصرنا اخوة للابن الوحيد الجنس وورثة معه واتحدنا معه في جسد واحد، وإلى هذا الجسد نحن ننتمى. وكما أن الجسد متحد بالرأس هكذا اتحدنا نحن أيضًا به (أى بالابن).

          كل هذا دعاه الرسول بولس ” فيض النعمة ” مُظهرًا هكذا أننا لم نحصل فقط على ما يُضمد الجرح، لكن حصلنا على شفاء وجمال وكرامة وعلى رُتب تفوق كثيرًا طبيعتنا الفانية. وكل أمر على حدة من هذه الأمور كان كافيًا أن يُبطل الموت، إلاّ أنه عندما يتضح أن كل هذه الأمور قد ساعدت معًا في إبطاله، فلن يكون له أثر بعد ذلك ولن يكون ممكنًا أن يخيم بظلاله حولنا طالما أنه قد انتهى كلية. تمامًا كما لو أن شخصًا قد وضع آخر في السجن لأنه مديون له بعشرة فلسات وليس هذا فقط بل ووضع في السجن أيضًا زوجته وأولاده وخدامه بسبب هذا الدين، ثم أتى شخص آخر ودفع ليس فقط عشرة فلسات بل ومنح آلاف العملات الذهبية وقاد السجين إلى الحاشية الملكية وإلى عرش السلطة العليا وجعله شريكًا في الكرامة السامية وفي الأمور الأخرى المشرقة، فيصير من غير الممكن أن يتذكر بعد ذلك الفلسات التي اقترضها. هذا ما حدث لنا، لأن المسيح دفع أكثر جدًا من قيمة الدين الذي كان علينا. وما دفعه كان عظيمًا جدًا، بقدر اتساع البحر إذا ما قُورن بنقطة ماء صغيرة. إذًا ينبغى عليك أيها الإنسان ألا تشك في شئ عندما ترى كل هذا الغنى الوفير من الخيرات ولا تفحص كيف انطفأت شرارة الموت والخطية، عندما غمر هذا البحر الكبير من الهبات الوفيرة هذه الشرارة المتقدة. وهذا ما أشار إليه القديس بولس قائلاً: ” الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة“.

          3 ـ ولأنه قد برهن على هذا بكل وضوح (أى أن أولئك الذين ينالون فيض النعمة سيملكون في الحياة)، فإنه يُقدم نفس الرؤية السابقة مرة أخرى مؤكدًا عليها من خلال التكرار بقوله إن كان بخطية واحد قد أُدين الكثيرون، فقد تبرروا للحياة بالواحد. ولهذا يقول:

 

” فإذًا كما بخطية واحد صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة هكذا ببر واحد صارت الهبة إلى جميع الناس لتبرير الحياة ” (رو18:5).

          ويستمر في محاولته هذه للتأكيد على هذه الرؤية مرة أخرى، فيقول:

 

” لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبرارًا ” (رو19:5).

          إن ما يقوله القديس بولس هنا ـ بحسب الظاهر ـ يخلق مشكلة كبيرة، إلاّ أنه إذا انتبه المرء بدقة لما يقوله، فإن هذه المشكلة ستُحل بسهولة. وما هى هذه المشكلة؟ هى أنه قال ” بمعصية الإنسان الواحد جُعل الكثيرون خطاة “. لأنه أن يكون ذاك (أى آدم) قد أخطأ وصار فانيًا وأن كل مَن انحدر منه قد أخطأوا وصاروا فانيين فهذا لا يُعد أمرًا غير طبيعى على الإطلاق ولكن أن يصير آخر (المسيح) خطية بسبب معصية ذاك (آدم)، فأى علاقة طبيعية يمكن أن تقوم هنا؟ لأن هكذا سيُعتبر هذا الإنسان خاطئًا، دون أن يكون مسئولاً عن الحكم، طالما أنه لم يصر من ذاته خاطئًا.

          إذًا ماذا تعنى هنا كلمة “خطاة”؟ من ناحيتى يبدو لى أنهم تحت حكم الدينونة ومحكوم عليهم بالموت. ومن حيث أن بموت آدم قد صرنا جميعًا فانيين فهذا قد بيّنه الرسول بولس بوضوح وبطرق كثيرة، لكن السؤال المطروح: هو لأى سبب صار هذا (أى أن الموت صار إلى جميع الناس)؟ وهنا نجد أن القديس بولس لم يشر إليه بعد، لأن هذا لم يكن ليعينه في مسعاه، لأن المعركة كانت ضد اليهودى الذي كان تنتابه الشكوك وكان يسخر من موضوع البر بالواحد. ولهذا بعدما أظهر كيف أن بخطية الواحد قد صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، لم يقل لأى سبب صار هذا، لم يتكلم عنه بعد، لأنه كان يتجنب الأمور غير الجوهرية ويهتم فقط بالأمور الضرورية. لأن ناموس الأعمال كان يُلزم اليهودى بالأكثر أن يتكلم عن (البر بالأعمال)، على أن يتكلم عن بر المسيح. ولهذا تحديدًا فقد ترك المشكلة بلا حل. لكن لو أن أحدكم طلب أن يعرف السبب فسنتكلم عن هذا. بمعنى أننا لم نُضار مطلقًا من أن الموت قد ملك على الجميع، بل إننا قد ربحنا بكوننا قد صرنا فانيين، أولاً لأنه لو كان لنا جسدًا غير قابل للموت فإن هذا سيكون دافع للاستمرار في ارتكاب الخطية، ثانيًا لكى تكون لدينا دوافع غير محدودة في جهادنا لتحقيق التقوى.

          لأنه بالحقيقة عندما يكون الموت حاضرًا وعندما ننتظره فإنه يُقنعنا أن نكون متواضعين ومُتعقلين وبسطاء وأن نتخلص من كل شر. ومع هذا فمن الأفضل أن نقول أولاً أننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة. لأنه من هنا أُستعلنت أكاليل الشهداء ومكافآت الرسل. هكذا تبرر هابيل وهكذا تبرّر إبراهيم الذي قدّم ابنه ذبيحة وهكذا أيضًا تبرّر يوحنا الذي مات لأجل المسيح وأيضًا الثلاثة فتية، كما تبرّر دانيال. لأنه لو أردنا (البر) فلن يستطيع الموت ولا الشيطان نفسه أن يُسبب لنا ضررًا أو أذى. وفوق كل هذا فإننا نستطيع القول بأن الأبدية تنتظرنا، وطالما أننا قد نلنا تعليمًا أو إرشادًا لزمن قصير، سنتمتع بخيرات الدهر الآتى بدون خوف كما لو أنه قد تم إعدادنا في مدرسة الحياة الحاضرة، من خلال المرض والضيقات والتجارب والآلام ومن خلال الأمور الأخرى التي تُعد مُحزنة ومؤسفة، لكى نكون مستعدين ولائقين لاستقبال خيرات الدهر الآتى.

 

4 ـ ” وأما الناموس فدخل لكى تكثر الخطية ” (رو20:5).

          بعدما بيّن كيف أنه بخطية آدم صار الحكم إلى جميع الناس للدينونة، بينما بعطية المسيح صارت الهبة لجميع الناس لتبرير الحياة وأن جميع الناس قد خلصوا وأُنقذوا من الدينونة، نجده ينشغل فيما بعد بموضوع الناموس مُقللاً مرة أخرى من وقع تأثيره. إذ أن الناموس لم ينفع ولم يعين الإنسان في خلاصه، بل وجدنا أنه عندما أُعطى الناموس ازداد الضعف. وهنا فإن تعبير “لكى” (gia na)، لا يعنى السبب، لكن يعنى النتيجة. بمعنى أن الناموس لم يُعط لكى تزداد الخطية لكن لكى تقل وتُمحى، لكن العكس قد حدث، لا بسبب طبيعة الناموس بل بسبب لا مبالاة أولئك الذين أخذوا الناموس. ولكن لماذا لم يقل في الآية أن الناموس أُعطى لكنه قال   ” أما الناموس فدخل“؟ ذلك لكى يظهر أن الاحتياج له هو أمر مؤقت وليس أمرًا أساسى أو هام، وهذا ما نجده في رسالته إلى أهل غلاطية عندما أعلن عن نفس الشئ ولكن بأسلوب آخر بقوله: ” لكن قبلما جاء الإيمان كنا محروسين تحت الناموس مُغلقًا علينا إلى الإيمان العتيد أن يُعلن[1].

          وبناء على ذلك فإن إهتمامه بحفظ الرعية لم يكن لأجل ذاته بل لأجل الآخرين. لأن بعض اليهود كانوا بلا حس، صغار النفوس وبلا رجاء من جهة نفس العطايا، ولهذا السبب أُعطى الناموس لكى يشهد على هؤلاء بالأكثر، ولكى يُعلّمهم بكل وضوح في أى حالة هم يحيون ويوسع من مساحة الإدانة (أى أن الخطية ازدادت بسبب لا مبالاة اليهود)، حتى يجعلهم أكثر إدراكًا. ولكن لا تخف، لأن هذا لم يحدث بهدف أن تصير العقوبة أكبر، بل لكى تظهر النعمة أكثر. ولهذا أضاف: ” ولكن حيث كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا “. ولم يقل ازدادت النعمة فقط، لكن     ” ازدادت النعمة جدًا “. لأنه لم يخلّصنا من الجحيم فقط، لكن ومن الخطايا أيضًا ووهبنا الحياة وتلك الأمور الأخرى التي تكلمنا عنها مرات عديدة. تمامًا كما لو أن شخصًا كان مريضًا بارتفاع في درجة الحرارة وأتى آخر ولم يخلصه فقط من المرض لكن جعله في وضع بهى وقوى ومُمجد، وأيضًا لو كان شخص جائعًا ثم أشبعه آخر وليس هذا فقط بل جعله مالكًا لأموال كثيرة ثم قاده إلى سلطة كبيرة.

          وكيف يقول كثرت الخطية؟ قال هذا لأن الناموس أعطى وصايا غير محدودة ولأنهم خالفوها كلها، فقد كثرت الخطية. أرأيت مدى التباعد بين النعمة والناموس؟ لأن الناموس صار سببًا للوم والإدانة، بينما النعمة صارت سببًا لهبات وفيرة جدًا.

          وبعدما تكلم عن السخاء في العطايا التي لا يُعبّر عنها، تكلّم مرة أخرى عن النعمة، عن سبب الموت وعن الحياة. إذًا ما هو سبب الموت؟ سبب الموت هو الخطية. ولهذا قال:

 

” حتى كما ملكت الخطية في الموت هكذا تملك النعمة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا ” (رو21:5).

          قال هذا لكى يقدّم الخطية كما لو كانت ملكًا والموت مثل جندى يخضع لأوامره ويأخذ مؤونته منه. وبناء على ذلك فلو أن الخطية قدمت مؤونة للموت فمن الواضح جدًا أن البر الذي لاشى الخطية والذي أتى بالنعمة لم يجرد الموت فقط من أسلحته بل وقضى عليه أيضًا وأنهى على كل مملكة الخطية تمامًا، وذلك على قدر عظمة البر مقارنة بالخطية وهذا البر قد أتى لا بمساعدة إنسان أو شيطان، لكنه أتى من خلال معونة الله ونعمته حتى يقود حياتنا إلى الوضع الأسمى وإلى خيرات لا تُحصى، خاصةً وأن حياة الدهر الآتى هى بلا نهاية، لكى تعرف من الآن امتياز هذه الحياة. لأن الخطية انتزعتنا خارج الحياة الحاضرة، لكن عندما أتت النعمة لم تهبنا فقط الحياة الحاضرة، لكنها قد وهبتنا أيضًا الحياة الأبدية. كل هذا قد منحنا إياه المسيح. إذًا لا تشك في الحياة الأبدية، طالما أنك تبررت، لأن البر هو أسمى من الحياة، طالما أنه هو الذي يلد الحياة الحقيقية.

[1] غل23:3.

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة11 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب   

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

بقية العظة العاشرة:  

     4 ـ إذًا فلنتبع نحن أيضًا القوات السمائية ولنهتم ليس فقط بأن نقف بالقرب من العرش، بل لأن نحمل داخلنا ذاك الذي يجلس فوق العرش، لأنه أحب حتى الذين أبغضوه ومازال يُحبهم إذ أنه: ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويُمطر على الأبرار الظالمين[1]. إلاّ أنه ينبغى عليك أنت أن تحبه، على الأقل طالما أنه أحبك. لكن كيف يستطيع ذاك الذي يحب أن يُهدد بجهنم والجحيم والعقاب؟ يهدد بهذا من أجل المحبة ذاتها. لأنه يريد أن يجتث خطيتك بالترهيب الذي يستخدمه كلجام يضبط به اندفاعك نحو الأمور الأكثر سوءًا، وهو يصنع كل شئ لكى يضبط سلوكك ويوجهك نحو الطريق المستقيم، سواء عن طريق الوعد بالخيرات أو بالتحذير من الانحدار إلى الأمور المحزنة، فيعود بك إلى الطريق المؤدى إليه مُبعدًا إياك عن كل الشرور التي هى أكثر فزعًا من الجحيم ذاته.

          لكن لو أنك تسخر مما أقوله وتريد أن تحيا في الخطية على الدوام اعتمادًا على مجرد إدانتك لنفسك يومًا واحدًا، فهذا لا يُعد أمرًا غريبًا على الإطلاق. هذا هو بالحقيقة دليل على إرادة تفتقر للكمال وعلى غياب الوعى وعلى مرض غير قابل للشفاء. لأن الأطفال الصغار عندما يرون الطبيب وهو يكوى جرحًا[2]، أو يقوم بإجراء عملية، فإنهم يهربون مبتعدين عن المكان وهم يصرخون صرخات قوية مُفضلين بالأكثر أن يعانوا باستمرار من تلك الآلام التي ألمت بجسدهم على تدخل الطبيب حتى وإن أدى تدخله إلى الشفاء والتمتع بصحة جيدة، طالما أنهم قادرون على احتمال الألم مؤقتًا. لكن أولئك الذين لديهم إدراك يعرفون جيدًا أن المرض هو أكثر رعبًا من الجراحة، تمامًا كما أن الخطية هى أكثر سوءًا من العقوبة. إذًا فأحد الأمرين يعنى الشفاء والصحة، بينما الآخر يعنى البلية والمرض المستمر.

          أما من حيث إن الصحة هى أفضل من المرض، فهذا أمر واضح للجميع. كما أنه يحق لنا أن نُرثي اللصوص، لا عندما يمزقون جيوبهم، بل عندما ينقبون الحوائط ويقتلون. فإن كانت النفس هى أفضل من الجسد وهى هكذا بالفعل، فإذا ما فسدت يكون أمرًا مبررًا أن نتنهد ونحزن عليها، لكن لو أنها لم تشعر بأنها فسدت، فإنه لهذا السبب بالتحديد يجب أن نحزن عليها بالأكثر. لأنه ينبغى حقًا أن نحزن بالأكثر على أولئك الذين يرغبون في ممارسة الفجور والفسق وأولئك الذين يسكرون. وقد يتساءل المرء لماذا نفضل هذه الأمور (الفسق والفجور)، إذا كانت هى الأكثر فزعًا؟ لأنه وفقًا للنموذج الشائع فإن بعض الناس يُعجبون بالأمور المشينة ويفضلونها ويحتقرون الأمور الصالحة ويُرذلونها. هذا الأمر من الممكن أن نراه في كل شئ، في المأكولات وفي المدن وفي محاكاة أساليب حياة معينة وفي الاستمتاع بالشهوة وعند النساء وفي البيوت وعند المقيدين وفي الحقول وفي كل الأمور الأخرى.

أخبرنى، أيهما أكثر سعادة، هل هى العلاقة الجنسية مع نساء أم مع رجال؟ وأيهما أفضل أن تكون العلاقة مع نساء أم مع حيوانات؟ لكننا نجد أن الكثيرين يحتقرون النساء ويأتون في علاقات جسدية مع حيوانات ومع رجال مثلهم، مع أنه من المؤكد أن العلاقات الطبيعية هى أكثر سعادة من العلاقات الشاذة. لكن يوجد كثيرون يسعون نحو هذه الأمور المدانة والمنفّرة والمثيرة للسخرية كما لو كانت تجلب سعادة أكثر وهم بذلك يجلبون على أنفسهم العقاب. فهذه الأمور الفاضحة تبدو لهؤلاء على أنها مُفرحة، من أجل هذا تحديدًا هم تعساء، لأنهم يعتقدون أن الأمور التي ليست بالمفرحة، هى مُفرحة. هكذا يعتبرون أن الدينونة هى أشر من الخطية. والأمر ليس كذلك بل هو على العكس تمامًا، إذ أن الخطية هى أكثر فزعًا من أى عقوبة. لأنه إن كان العقاب شرًا لأولئك الذين يخطئون، فلن يضيف الله شرًا على شرورهم (بواسطة عقابه) ولن يجعلهم أكثر شرًا. لأن ذاك الذي فعل كل شئ لكى يمحو الشر، لا يمكن أن يكون سببًا في زيادته. وبناء عليه فإن العقوبة ليست شرًا لذاك الذي يخطئ، بيد أن الشر هو ألاّ يُعاقب الخاطئ في الحالة التي يوجد فيها، لأن هذا يشبه تلك الحالة التي فيها نوصى بألاّ يُشفى المريض من مرضه.

          إذًا لا يوجد أشر من الشهوة الفاسدة. وعندما أقول الفاسدة أقصد شهوة اللذة وشهوة المجد الباطل وشهوة السلطة وبشكل عام شهوة كل الأمور غير الهامة وغير الضرورية. لأن مثل هذا الإنسان الذي يحيا في اللذة أو حب الشهوة وفي حياة الرخاوة يعتقد أنه أكثر سعادة من الجميع، إلاّ أنه في الحقيقة هو أكثر تعاسة من الجميع وقد جعل نفسه مُثقّلة بآلام مخيفة. ولهذا فإن الله جعل هذه الحياة الحاضرة صعبة لكى يُخلّصنا من تلك العبودية (عبودية الشهوة) ويقودنا إلى الحرية الكاملة. ولذلك فقد هدّد بالعقاب وربط حياتنا بالأتعاب لكى يقضى على خمولنا وتوانينا. هكذا فإن اليهود عندما كانوا مُخصصين لصناعة الأوانى الفخارية والأرميد وقد كانوا أبرارًا كانوا يُصلّون إلى الله بشكل مستمر، ولكن عندما نالوا الحرية تذمروا وأغضبوا الله وأصابوا أنفسهم بشرور كثيرة.

إذًا بماذا تصف هؤلاء الذين يُغيرون آرائهم مرات كثيرة بسبب الضيقات؟ نقول إن التغيير ليس بسبب الآلام، لكن بسبب ضعف أو مرض فيهم. لأنه إن كان هناك مرضًا ما أصاب معدة شخص ورفض أن يتناول دواءًا مر المذاق كان من الممكن أن يشفيه، فتدهورت حالته، فإننا لن نتهم الدواء بل المرض الذي أصاب العضو المريض، وهذا ينطبق أيضًا على إلقاء اللوم على سذاجة الفكر. فإن مَن يغيّر رأيه بسهولة بسبب الضيقات، سيعانى الضيقات بصورة أكثر سهولة حتى في حالة الراحة والرخاء، إذ أنه يسقط مُقيدًا أى بالخطية (هذا هو الضيق)، وبالأكثر جدًا سيسقط صريعًا لو أنه وهو في حالة الضيق قد غير رأيه، لأنه سيُغير رؤيته بالأكثر عندما يكون في حالة رخاوة وكسل. وقد يقول المرء كيف يمكننى أن أثبت على رأيي عندما أكون في حالة ضيق؟ يمكنك أن تكون ثابت الرأى لو أدركت أنك ستعانى الضيق أو الآلام سواء أردت أم لم تُرد، فلو أنك تجوز الآلام بشكر ستربح الكثير، ولكن لو كنت تعانى هذه الآلام بيأس وانزعاج وتجديف، فلن تجعل الضيقة أو النكبة أقل، بل ستغرق أكثر في الضيقات والمتاعب.

          فلنفكر إذًا في كل هذه الأمور ونجعل الذي يأتى نتيجة اضطرار يأتى نتيجة إختيار. وما أقصده هو الآتي: قد يفقد شخص ما ابنه وآخر يخسر كل ثروته فنقول لمثل هؤلاء: إن كنت تدرك استحالة تصحيح ما حدث إلاّ أنك من الممكن أن تربح شيئًا من وراء هذه النكبة التي لا شفاء منها، بأن تحتمل هذه الكارثة بشجاعة وبدلاً من كلام التجديف، تُعطى المجد لله عندئذٍ فإن الضيقات التي ألمت بك ستصير سبب عزاء عندما تقبلها بالشكر. أرأيت أن ابنك مات وهو صغير السن؟ لتقل: ” الرب أعطى الرب أخذ[3]. ورأيت كيف فُقدت ثروتك؟ لتقل ” عريانًا خرجت من بطن أمى وعريانًا أعود إلى هناك[4]. إن رأيت كيف أن الأشرار ينعمون بينما الأبرار يتألمون ويعانون ضيقات لا حصر لها ولا تعرف كيف تجد سببًا لكل ما يحدث؟ لتقل ” صرت كبهيم عندك ولكن دائمًا معك[5].

          ولكن إذا كنت تبحث عن السبب، فكّر في أن الله قد عيّن يومًا فيه يدين كل المسكونة وسينزع كل شك، لأنه في ذلك الوقت سينال كل أحد ما يستحقه (عن أعماله التي عملها) تمامًا مثل لعازر والغنى. تذكّر الرسل لأنهم بينما جُلدوا وطُردوا وجازوا ضيقات وآلام لا حصر لها، إلاّ أنهم كانوا فرحين لأنهم حُسبوا مستحقين أن يهانوا من أجل اسم المسيح. وأنت أيضًا لو أنك مرضت فليكن قبولك للألم برضى وشجاعة، ولتشكر الله على كل حال وهكذا ستأخذ نفس المكافأة مع أولئك الذين تألموا من أجل اسمه. لكن كيف يحدث بينما أنت مريض وتعانى، يمكنك أن تشكر الله؟ يمكنك أن تفعل ذلك لو أنك تحبه بالحقيقة. إن الثلاثة فتية أُلقوا في أتون النار وآخرون عانوا آلامًا كثيرة داخل السجون ومع هذا لم يتوقفوا عن شكرهم لله، فبالأولى كثيرًا أولئك الذين يعانون من أمراض شديدة ينبغى أن يشكروا الله.

          لأن رغبة الإنسان القوية تستطيع أن تنتصر على كل شئ. فالشوق الإلهى عندما يلتهب فى داخلنا فإنه يتفوق على كل شئ، ولن يعوق هذه الرغبة أى شئ، لا نار ولا قيود ولا فقر ولا مرض ولا موت. وطالما أن الإنسان يحتقر كل شئ فسيرتفع إلى السماء ولن يكون أقل من الساكنين هناك ولن ينظر لأى شئ آخر، لا سماء ولا أرض ولا بحر لأن نظره يكون معُلّقًا بأمر واحد فقط الذي هو جمال المجد السمائى. إن الأمور المحزنة أيضًا لا يمكنها أن تُثبّط من عزيمة الإنسان وهو يسلك في هذه الحياة الحاضرة، ولا الأمور المادية ستجعله يتباهى ويفتخر. إذًا فليكن لدينا شوق لهذا العشق الإلهى (لأن لا شئ يساويه) من خيرات هذه الحياة أو الخيرات المستقبلية، من الأفضل أن نقول قبل كل هذا إنه لا يوجد شئ يعادل طبيعة هذا العشق الإلهى. لأننا (بهذا العشق الإلهي) سننجو من عقوبات الحياة الحاضرة وعقوبات الدهر الآتى وسنتمتع بملكوت الله. وقبل ذلك نقول إن لا الخلاص من جهنم ولا التمتع بالملكوت يعتبر أمرًا ذى قيمة كبيرة إذا ما قورن بذاك الذي سنراه في الدهر الآتى. لأن الأعظم من كل هذا هو محبة المرء للمسيح وتمتعه بمحبة المسيح. لو ساد هذا على حياة البشر فهو أسمى من كل اعتبار. وعندما يتحقق هذا فأى حديث وأى فكر يمكن أن يُعبّر عن طوباوية هذه النفس؟ لا يوجد شئ آخر، سوى اختبار تذوق هذه السعادة.

          ومادمنا قد هجرنا كل شئ لا يُرضى صلاح الله سنصل إلى إدراك مذاقه هذا الفرح الروحى والحياة الطوباوية وكنز الخيرات التي لا تُحصى، إذًا فلنكرس أنفسنا للسلوك بمحبة من أجل سعادتنا وإعلان مجد الله الذي نشتهيه، لأنه يليق به المجد والقوة مع ابنه وحيد الجنس والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] مت45:5.

[2] كان هذا من الإجراءات الطبية المألوفة في ذلك الوقت (القرن الرابع).

[3] أي21:1.

[4] أي21:1.

[5] مز22:73.

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج3 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب   

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

” فإذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح ” (رو1:5).

          1 ـ ماذا تعنى عبارة ” لنا سلام”؟ يقول البعض إن ” لنا سلام” تتعلق بالالتزام بأعمال الناموس، إلاّ أنه يبدو لى وكما هو واضح من الكلام، أنه يتحدث عن كيفية السلوك. لأنه قد تكلم كثيرًا عن الإيمان والبر بالأعمال، لذلك نجده هنا يبدأ بالكلام عن السلام. ولكى لا يظن أحد أن هذا الكلام ليس له أهمية، يقول: ” لنا سلام” وهذا يعنى أنه لا ينبغى أن نُخطئ بعد، ولا أن نعود للأمور السابقة، لأننا إن فعلنا هذا نكون مقاومين لمشيئة الله. وكيف نستطيع ألاّ نخطئ أبدًا؟ أُجيب، ألم نحصل على السلام من قبل؟!! لأنه وإن كُنا مسئولين عن هذا القدر الكبير من الخطايا، إلاّ أننا قد تخلّصنا منها كلها بالمسيح، ولهذا بالأولى جدًا الآن سيمكننا بالمسيح أن نبقى في ذلك الوضع (أى حالة البر) التي كانت لنا في الماضى.

          لأن اكتساب السلام الذي لم يكن موجودًا والاحتفاظ بالسلام الذي أُعطى لنا لا يعتبرا شيئًا واحدًا، لأنه من المؤكد أن اكتسابه هو أكثر صعوبة من الاحتفاظ به. بيد أن ما هو أكثر صعوبة، صار سهلاً وقد تحقق. وبناء على ذلك فإن الأكثر سهولة، سيكون سهلاً أكثر فأكثر بالنسبة لنا لو أننا تبعنا ذاك الذي حقق لنا البر والسلام. لكن يبدو لى هنا أنه لا يقصد فقط الأمر الأسهل، بل أيضًا الأمر المنطقى أو الصحيح. لأنه إن كان المسيح قد صالحنا ونحن بعد أعداء، فمن المنطقى أن نحافظ الآن على استمرارية هذا الصلح، وأيضًا أن ننسب الفضل فيما تم للمسيح، حتى لا يبدو أن أولئك الذين صالحهم مع الآب لازالوا قساة وجاحدين. 

 

” قد صار لنا الدخول بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون” (رو2:5).

إذًا إن كنا ونحن بعيدين قد جعلنا قريبين، فبالأكثر جدًا سيُثّبتنا فيه، إن بقينا بالقرب منه.

          2 ـ لكن لاحظ ـ من فضلك ـ كيف أن الرسول بولس يُشير في كل موضع إلى الأمرين، إلى الأمور الخاصة بالله وتلك الأمور الخاصة بنا. بيد أنه من المؤكد أن الأمور الخاصة بالله هى متنوعة وكثيرة، لأنه مات لأجلنا وصالحنا، وجعلنا قريبين منه ووهبنا نعمة لا يُعبر عنها، هذا ما قدّمه هو لنا أما ما قدمناه نحن هو الإيمان فقط. ولهذا قال ” بالإيمان إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون“. أخبرنى، عن أى نعمة يتحدث؟ إنه يتحدث عن نعمة أن نكون مستحقين لمعرفة الله وأن نُنقذ من الخداع وأن نعرف الحقيقة جيدًا وأن نحصل على كل الخيرات بواسطة المعمودية. لقد قادنا نحو البر لكى نحصل على كل هذه العطايا. ومن المؤكد بالطبع أن كل هذا لم يصر لمجرد الغفران والتخلص من الخطايا فقط، بل لكى نتمتع بامتيازات لا تُحصى. ولم يتوقف عند الوعد بهذه الخيرات، لكنه وعد بخيرات أخرى غير مُعلنة وهى التي تفوق كل فكر وكل لغة والتي لا يُعبر عنها. ولهذا عينه أشار إلى الاثنين. لأنه عندما يتحدث عن “النعمة” فهو يقصد الخيرات الحاضرة التي حصلنا عليها، ولكن عندما يقول: ” ونفتخر على رجاء مجد الله” فإنه يكشف عن غنى خيرات الدهر الآتى. وحسنًا قال ” التي نحن فيها مقيمون“. لأن هكذا تكون نعمة الله، لا نهاية لها، ولا تعرف التوقف عند حد معين، لكنها تقود دومًا نحو الأمور الأسمى، الأمر الذي هو خارج قدرات البشر. بمعنى أنه يمكن أن يكتسب شخص ما مبادئ معينة ومجدًا وسلطة، إلاّ أنه لا يستطيع أن يُقيم فيها على الدوام، لأنه سيفقدها سريعًا، حتى لو لم ينزعها منه إنسان، لأن الموت عندما يأتى سينزعها منه على كل حال، بيد أن الخيرات الإلهية لا تخضع لمثل هذه التحولات. لأنه لا الإنسان ولا الزمن ولا الظروف العارضة ولا الشيطان نفسه ولا الموت عندما يأتى سيستطيع أن يُبعدنا عن هذه الخيرات، بل عندما ننتقل من هذا العالم سنملك المزيد من هذه الخيرات وسنتمتع بها أكثر.

          وبناء على ذلك ينبغي ألاّ ينتابك أى شك من جهة خيرات الدهر الآتي لأنها استعلنت بالفعل في الخيرات التي نلناها في هذه الحياة الحاضرة. لهذا قال: ” ونفتخر على رجاء مجد الله“. هذا لكي تعرف ماهية الحالة الروحية التي ينبغي أن يكون عليها المؤمن. لأننا تأكدنا ليس فقط من جهة الخيرات التي أُعطيت لنا بل أيضًا من جهة الخيرات التي ستُعطى لنا في الدهر الآتى كما لو كانت قد أُعطيت بالفعل، لأن الإنسان يفتخر بتلك التي أُعطيت بالفعل. إذًا طالما أن الرجاء في خيرات الدهر الآتى هو أمر مؤكد وواضح، تمامًا مثلما تحقق الرجاء في الخيرات التي أُعطيت لنا في الحياة الحاضرة، فلذلك يجب أن نفتخر بهذا الرجاء (أى المتعلق بخيرات الدهر الآتى) بطريقة مشابهة، ولهذا فإنه أطلق كلمة مجد على هذه الخيرات. لأنه إن كانت هذه الخيرات تُساهم في اعلان مجد الله، فإنه من المؤكد أنها ستتحقق، وإن لم يكن لأجلنا فقط بل لحساب مجد الله أيضًا. ماذا أقول، هل أن خيرات الدهر الآتى هى فقط التي تستحق الافتخار؟ بالطبع لا، بل أن الضيقات الحاضرة قادرة أيضًا على أن تجعلنا نفتخر بها ونزهو بسببها. ولهذا فقد أضاف: ” وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا في الضيقات“. تأمل إذًا كم ستكون خيرات الدهر الآتى عظيمة ومهمة، وذلك عندما نفتخر بتلك الأمور التي تبدو أنها محزنة لأن عطية الله هى عظيمة ولا يوجد فيها أى شئ مُحزن. لأن الجهاد فيما يختص بأمور هذا العالم الحاضر، يحمل مشقة وألم وتعب، لكن فيما يختص بالأمور الروحية، لا يحدث نفس الشئ بل إن الجهاد بالنسبة لنا، ليس أقل بهجة من المكافآت. فالتجارب آنذاك كانت كثيرة، ومع هذا فقد تجلى الملكوت بالرجاء الذي فينا، وكان يُنظر للخيرات على رجاء تحقيقها في الدهر الآتي، مع أن الضيقات أيضًا كانت حقيقة واقعة، وهذا ما جعل الضعفاء يتشددون. هكذا يُقدم الرسول بولس فعليًا المكافآت قبل التتويج، بقوله: ” إنه ينبغي أن نفتخر في الضيقات “. ومن الملاحظ أنه لم يقل إنه يجب أن تفتخروا، لكنه قال “نفتخر”، مقدمًا النصح لشخصه أيضًا. ثم بعد ذلك لأن الكلام يبدو أنه غير مُعتاد وغريب على الآذان ـ إذ أنه يجب أن يفتخر كل مَن يُصارع الجوع والمقيد والذي يُعذب وأيضًا مَن يُحتقر ويُستهزئ به ـ ولذلك فهو يقدم شرحًا لهذا المفهوم فيما بعد. والأمر المهم هنا هو أن ما يستحق الافتخار ليس هو فقط خيرات الدهر الآتى التي تنتظرنا، بل وخيرات الحياة الحاضرة أيضًا. فالضيقات نفسها هى أمرًا صالح. ولماذا تعتبر أمر صالح؟ لأنها تُنشئ صبرًا. ولهذا تحديدًا، فبعدما قال ” نفتخر في الضيقات”، أضاف السبب (الذي من أجله، نفتخر في الضيقات)، قائلاً:

 

” عالمين أن الضيق يُنشئ صبرًا ” (رو3:5).

          انظر إلى إصرار الرسول بولس، فإنه يحول كلمته مرة أخرى في الاتجاه الآخر. لأن الضيقات جعلت هؤلاء يتعبون، فعلى الرغم من أنهم كانوا يترجون خيرات الدهر الآتى إلاّ أنها قادتهم لليأس، فيقول لهم إنه يجب من جهة هذه الضيقات أن نتحلى بالشجاعة ولا نيأس لأن خيرات الدهر الآتى هى أمر مؤكد:

 

” لأن الضيق يُنشئ صبرًا والصبر تزكية والتزكية رجاء والرجاء لا يخزى” (رو4:5ـ5).

          فالضيقات إذًا لا تستطيع أن تمحى هذا الرجاء بل على العكس فإنها تُزيده. لأنه من المؤكد أن الضيق له ثمر عظيم حتى قبل الحصول على خيرات الدهر الآتى، هذا الثمر هو الصبر الذي يجعل مَن يتذوقه إنسانًا كاملاً، بل ويُساهم أيضًا في التطلع نحو خيرات الدهر الآتى، طالما أنه يجعل الرجاء يزدهر داخلنا. لأنه لا يوجد شيئًا يجعلنا نترجى خيرات الدهر الآتى أكثر من الضمير الصالح.

          3 ـ ولا يوجد أحد ممن عاشوا في حياة مستقيمة يمكن أن يشك في خيرات الدهر الآتى، تمامًا كما أن هؤلاء الذين أهملوا وتهاونوا كثيرًا في حياتهم إذ قد صاروا مأسورين من جهة ضميرهم الشرير، فإنهم لا يريدون أن تكون هناك دينونة ولا مجازاة. إذًا ماذا يحدث؟ هل ما ننتظره من خيرات يتحقق بالرجاء؟ من المؤكد أنه يتحقق بالرجاء، لكن ليس في الرجاء الإنسانى، لأنه رجاء كاذب. وكثيرًا ما تخيب آمال مَن وضع رجائه في إنسان، فقد يحدث أن يفارق الحياة ذاك الذي كان يُنتظر منه تحقيق هذا الرجاء، أو قد يغير رأيه وهو لا يزال على قيد الحياة. إلاّ أن الخيرات التي تنتظرنا ليست هكذا، إذ الرجاء فيها مؤكد وثابت. لأن ذاك الذي وعد هو حى على الدوام، أما من جهتنا نحن الذين سنتمتع بهذه الخيرات، حتى وإن متنا، إلاّ أننا سنقوم مرة أخرى. وبشكل عام لا يوجد شئ يمكن أن يُخزينا، كما لو أننا قد تباهينا بلا داعٍ في أمور لا طائل منها.

إذًا بعدما أزال الرسول بولس كل شك فيما يتعلق بالخيرات الإلهية كما أوضح في كلامه السابق، فإنه لم يكتفِ بالحديث عن خيرات الحياة الحاضرة بل أخذ يتكلّم مرة أخرى عن خيرات الدهر الآتى، لأنه يعرف أن الضعفاء في الإيمان يطلبون أمور الحياة الحاضرة، لكنهم لا يكتفوا بها. ولذلك يؤكد على تحقيق خيرات الدهر الآتى من خلال الخيرات التي أُعطيت في هذه الحياة بالفعل. ولكى لا يقول أحد، ماذا لو أن الله لم يُرد أن يمنحنا هذه الخيرات؟ لأنه من حيث إنه يستطيع وإنه باقٍ، وأنه حى (إلى الأبد)، فهذا نعرفه جميعًا، لكن ما الذي يجعلنا مُتيقنين من أنه يريد (أن يهبنا هذه الخيرات)؟ نستطيع أن نتيقن من هذا من خلال الخيرات التي أُستعلنت لنا بالفعل وأين أُستعلنت؟ أُستعلنت في المحبة التي أظهرها لنا. وهل ما يقوله يفعله؟ بالطبع لأن هذا ظاهر من خلال وعده بعطية الروح القدس. ولهذا فبعد أن قال: ” والرجاء لا يُخزى” أضاف الدليل على هذا بقوله: ” لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المعطى لنا“. ولم يقل أُعطيت، لكن ” انسكبت في قلوبنا“، لكى يُظهر فيض هذه المحبة. لأن تلك العطية العظمى التي وهبها ليست هى السماء والأرض والبحر، بل هى أكثر غنى من كل هذه الأمور، إذ جعل من البشر ملائكة وأولادًا لله وإخوة للمسيح. وما هى هذه العطية؟ هى عطية الروح القدس. لأنه إن كان لا يشاء أن يهبنا تيجانًا مُنيرة بعد كل الأتعاب، لما كان قد أعطانا خيرات وفيرة قبل هذه الأتعاب. والآن هو يظهر دفء محبته في الحياة الحاضرة لأنه لم يكرمنا رويدًا رويدًا وقليلاً قليلاً، لكنه سكب كل مصدر الخيرات التي صارت لنا قبل أن نجتاز في الجهادات.

          وبناء على ذلك حتى وإن كنت غير مستحق لا تيأس لأن لديك مُدافعًا عظيمًا، التي هى محبة الديان. ولهذا بعدما قال: ” الرجاء لا يخزى“، نسب كل شئ لمحبة الله وليس لإمكانيات خاصة بنا. لكنه بعدما أشار إلى هبة الروح القدس، ينتقل مرة أخرى إلى الكلام عن الصليب قائلاً الآتى:

 

” لأن المسيح إذ كنا بعد ضعفاء مات في الوقت المعين لأجل الفجار. فإنه بالجهد يموت أحد لأجل بار. ربما لأجل الصالح يجسر أحد أيضًا أن يموت لكن الله بيّن محبته لنا ” (رو6:5ـ7).

إن ما يقوله يعنى إن كان من أجل إنسان صالح لا يُفضل أحد أن يموت على الفور، فانظر إلى محبة الرب الذي صُلب لا من أجل أتقياء، بل من أجل خطاة وأعداء. وبعد هذا قال:

 

” لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا. فبالأولى كثيرًا ونحن متبررون الآن نخلص به من الغضب. لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه. فبالأولى كثيرًا ونحن مصالحون نخلص بحياته” (رو8:5ـ10).

          إن هذا الكلام يبدو كأنه نفس الكلام السابق، إلاّ أنه يبدو مختلفًا بالنسبة  للشخص المدقق الذي يفحص المعنى بعناية. انتبه، فهو أولاً يريد أن يؤكد لهم على الخيرات التي تنتظرهم في الدهر الآتى. ويوضح كيف كان إبراهيم البار ينظر إلى إمكانية حصوله على تلك الخيرات، قائلاً إنه ” تيقن أن ما وعد به هو قادر أن يفعله أيضًا[1]،وهذه الخيرات قد تحققت بعد ذلك من خلال النعمة التي أُعطيت لنا، ثم من خلال الضيقات لأنها تقودنا إلى الرجاء، وأيضًا من خلال عمل الروح القدس الذي أخذناه. لكنه يُبرهن فيما بعد على هذا الأمر من خلال الحديث عن الموت الذي ملك علينا وخطايانا السالفة. الواضح ـ وهو الأمر الذي أشرت إليه سابقًا ـ أن الكلام يحمل بُعدًا واحدًا ولكنه في الحقيقة يحمل أبعاد ثانية وثالثة وأكثر من ذلك. أولاً أنه مات. ثانيًا أنه مات لأجل الخطاة. ثالثًا أنه صالحنا وخلصنا وبررنا وجعلنا أبناءً وورثة.

          الواضح أننا لن نكون أقوياءً فقط في مواجهة الموت، بل نحن أقوياء بواسطة هذا الذي أُعطى لنا بالموت. وإن كان من المؤكد أنه ونحن بعد خطاة قد مات المسيح لأجلنا، فهذا في حد ذاته يعد دليلاً على محبة الله التي لا توصف، أما من حيث أنه مات ونحن بعد خطاة وأعطى عطايا لا يُعبّر عنها، فإن هذه العطايا تفوق كل امتياز وتقود إلى الإيمان حتى بالنسبة لمَن فقد الحس تمامًا. لأنه ليس آخر هذا الذي خلّصنا، لكنه هو ذاك الذي أحبنا بشكل فائق، على الرغم من أننا كنا خطاة، حتى أنه قدّم نفسه للموت لأجلنا. أرأيت كم يُساهم هذا الكلام المشار إليه في التطلع نحو خيرات الدهر الآتى؟ لأنه قبل أن يتحقق هذا كان هناك أمران يتسمان بالصعوبة يعوقان نوالنا الخلاص، لقد كنا خطاة وكان ينبغى أن يموت الرب عنا لكى نخلص، وهذا يعنى أن الخلاص كان يستحيل إتمامه بالفعل قبل (موت الرب). وأن الخلاص كان يحتاج لمحبة غامرة، فإن كان كل هذا قد تحقق فما يتبقى يكون سهل التحقيق، فلن يسود علينا الموت فيما بعد، لأننا صرنا محبوبين جدًا.

          إذًا فذاك الذي قهر الأعداء وأذلهم، ألا يُقدم لنا العون؟ الآن وقد صرنا محبوبين وحيث لا توجد حاجة بعد لأن يُسلّم ابنه للموت ثانية، فنحن نرى أن المرء لا يُقدم على إنقاذ الآخر لاعتبارات كثيرة، إما لأنه لا يريد أو لأنه لا يستطيع حتى ولو أراد، وهى أمور لا نستطيع بالطبع أن ننسبها لله لأنه قد سلم ابنه (للموت). فمن حيث إنه يستطيع، فهذا ما أظهره لأنه قد برّرنا ونحن بعد خطاة. إذًا هل هناك عائق يمكن أن يمنعنا بعد ذلك أن نتمتع بخيرات الدهر الآتى؟ لا يوجد.

ثم بعد ذلك أيضًا، ولكى لا تشعر بالخجل في المستقبل، إذ أنك قد سمعت كلمات مثل خطاة وأعداء وضعفاء وجاحدين، فاسمع ما يقول:

 

” وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة ” (رو11:5).

          ماذا يعنى بعبارة “وليس ذلك فقط”؟ يعنى أننا لم ننل فقط الخلاص، بل أننا نفتخر أيضًا بهذا الخلاص، وتحديدًا بالخلاص الذي قد يتخيله البعض، أننا نخجل منه. لأننا عندما نخلص، بينما كنا نحيا في الشرور فهذا دليل قوى جدًا على أن ذاك الذي خلّصنا قد أحبنا بشكل يفوق الوصف (وهذا ما يدعو للافتخار). لأنه لم يخلّصنا بملائكة أو رؤساء ملائكة، بل بابنه وحيد الجنس[2]. وليس هذا فقط بل أنه قد ضفر لنا تيجان افتخار كثيرة جدًا بدم ابنه. لأنه لا يوجد شيئًا يعادل ـ إذا ما تحدثنا عن سبب المجد والافتخار ـ حقيقة محبة الله لنا ومحبتنا نحن لذاك الذي أحبنا. هذا (الحب) جعل الملائكة والرئاسات والقوات في بهاء، وهذا الحب هو أعظم من مجرد التمتع بالملكوت. ولهذا فإن الرسول بولس قد وضعه قبل الملكوت. ومن أجل ذلك فإنى أطوّب القوات غير المرئية لأنهم يُحبون الله ويخضعون له في كل شئ. ولهذا السبب أيضًا فإن النبى قد أُعجب بهم، قائلاً: ” باركوا الرب يا ملائكته المقتدرين قوة الفاعلين أمره[3]. ولهذا السبب فإن إشعياء قد امتدح خدمة السيرافيم[4]، مشيرًا إلى فضيلتهم العظيمة من حيث إنهم يقفون بالقرب من العرش الإلهى، الأمر الذي يُعد دليلاً على المحبة الكبيرة.

[1] رو21:4.

2 هذا ما يُصليه الأب الكاهن في صلاة الصُلح قائلاً: ” لا ملاك ولا رئيس ملائكة ولا رئيس آباء ولا نبي إئتمنتهم على خلاصنا، بل أنت بغير استحالة تجسدت وتأنست .. ” (القداس الغريغوري).

[3] مز20:103.

[4] إش1:6ـ7.

رسالة رومية الأصحاح5 – عظة10 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version