رسالة رومية الأصحاح1 – عظة4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الرابعة:

” لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم ” (18:1).

1ـ لاحظ الطريقة التي يتكلم بها الرسول بولس، فبعدما نصح هؤلاء بممارسة الأمور الأكثر نفعًا، تحول بحديثه إلى الأمور المخيفة. لأنه بعدما قال إن البشارة هى سبب الخلاص والحياة، كما أنها إعلان لقوة الله وأنها تقود إلى الخلاص وإلى البر، نجده يتكلم عن الأمور التي من الممكن أن تسبب خوفًا لأولئك الذين لا يحترسون. لأن العديد من الناس في كثير من الأحيان لا ينجذبون إلى حياة الفضيلة عن طريق الوعد بالخيرات الآتية ولا عن طريق الترهيب من الأمور المخيفة والمحزنة، بل إن ما يجذبهم فقط هو كلا الأمرين معًا. وبهذا فإن الله لم يعد البشر بالملكوت فقط، بل حذّر بالعقاب في جهنم. وهكذا تكلم الأنبياء إلى اليهود مشيرين إلى الأمرين معًا، فدائمًا ما كانوا يذكرون الخيرات والدينونة. ولذلك ليس مصادفة أن يغيّر الرسول بولس أسلوب حديثه، وقد فعل ذلك بترتيب ولياقة، لأنه يذكر أولاً الأمور النافعة، ثم بعد ذلك يتحدث عن الأمور المحزنة، موضحًا أن الأمور النافعة تأتي من الله. بينما الأمور المحزنة تأتي من المتهاونين المتغافلين، هكذا أيضًا نجد أن إشعياء النبى يشير أولاً إلى الخيرات ثم بعد ذلك إلى الأمور المحزنة قائلاً: ” إن شئتم وسمعتم تأكلون خير الأرض. وإن أبيتم وتمردتم تؤكلون بالسيف لأن فم الرب تكلم[1]. وهو ما أشار إليه القديس بولس أيضًا (عندما تحدث أولاً عن الخيرات ثم تبع ذلك بالحديث عن الدينونة). لاحظ أن المسيح أتى لكى يهب الغفران والبر والحياة، لا بالكلام، بل بصليبه. إذًا فالأمر العظيم والذي يدعو إلى الإعجاب، ليس أنه قدم كل هذه العطايا، بل لأنه عانى آلام الصليب.

فلو إنكم ازدريتم بهذه العطايا، فإنكم ستتعرضون للدينونة. وانتبه كيف يواصل حديثه إذ يقول ” لأن غضب الله مُعلن من السماء“. فغضب الله يمكن أن يُستعلن مرات كثيرة هنا في الحياة الحاضرة، مثلما يحدث في المجاعات، والأمراض، والحروب، حيث يُعاقب الجميع بشكل فردى وجماعى أيضًا. وهل في هذا ما يدعو للدهشة؟ إن العقاب فيما بعد سيكون أكبر وأشمل، فما يحدث الآن يهدف إلى التصحيح والتقويم، لكن فيما بعد يكون العقاب، الأمر الذي عرضه الرسول بولس قائلاً:” ولكن إذ قد حكم علينا نؤدب من الرب لكي لا ندان[2]. وإن كان بعض الناس الآن يعتقدون أن أمورًا كثيرة محزنة تحدث في الحياة بسبب سلوك الناس السيئ وليس بسبب غضب الله. لكن في الدينونة الأخيرة سيكون عقاب الله علنى، عندما يأمر الديان المخوف الجالس علي عرشه، بطرح البعض في البحيرة المتقدة بالنار، والبعض إلى الظلمة الخارجية، وآخرين لعقوبات أخرى أشد وأصعب.

          ولأي سبب لم يتكلم القديس بولس بوضوح ويقول إن ابن الله سيأتي مع ملائكة كثيرين، ويجازي كل أحد بحسب أعماله؟ بل قال: ” لأن غضب الله معلن“. لأن المستمعين إليه كانوا من المعمدين الجدد. ولهذا فإنه يوجههم أولاً من خلال الأمور التي آمنوا بها وقبلوها. وأيضًا يبدو لى أنه يتوجه بكلامه كذلك إلى الوثنيين، ولذلك فمن هنا يبدأ كلامه عن (غضب الله المعلن). بينما فيما بعد يوجه كلامه إلى موضوع الدينونة فيقول ” على جميع فجور الناس واثمهم الذين يحجزون الحق بالاثم ” هنا يوضح أن طرق الاثم كثيرة، بينما طريق الحقيقة واحد، لأن الخداع متنوع ومتعدد الأشكال وغير واضح، بينما الحقيقة هى واحدة.

ولما كان قد تكلم عن الأمور الخاصة بالإيمان، نجده الآن يتكلم عن أمور هذا العالم، مشيرًا لفجور الناس ومظالمهم. لأن المظالم أيضًا كانت كثيرة ومتنوعة. بعضها متعلق بالمال، مثلما يحدث عندما يظلم أحد قريبه ويسلب هذا المال، والبعض الآخر يتعلق بالنساء، حينما يترك الرجل امرأته ويقوض زواج الآخر بأن يطمع في زوجة الآخر. وهذا يسميه الرسول بولس طمع قائلاً: ” أن لا يتطاول أحد ويطمع على أخيه في هذا الأمر لأن الرب منتقم لهذه كلها[3]، والبعض الآخر يتعلق بالنساء والمال معًا، وهم بهذا يدمرون حياة القريب. وهذا يعد ظلمًا، لأنه بالحقيقة         ” الصيت أفضل من الغنى العظيم والنعمة الصالحة أفضل من الفضة والذهب[4]. لكن البعض يقول إن هذا أيضًا (أى الحديث عن مظالم الناس) قد قاله الرسول بولس من جهة الأمور الإيمانية، لكن لا يوجد ما يمنعه أن يقوله من جهة الأمور الإيمانية والعملية. ومعنى قوله ” يحجزون الحق بالإثم” توضحه الآية اللاحقة ” لأن معرفة الله ظاهرة فيهم لأن الله أظهرها لهم” لكن هذا المجد (الخاص بمعرفة الله باطنيًا) نسبوه إلى الخشب والحجارة.

 

2ـ مثل ذاك الذي استؤمن على أموال الملك، ولديه أوامر أن ينفقها لأجل مجد الملك، فلو أنه أنفقها على لصوص، ونساء ساقطات، وأناس مخادعين وجعلهم في مظهر مبهر بأموال الملك، فإنه يُعَاقب لأنه بسلوكه الشائن هذا يكون قد ظلم الملك جدًا. هكذا هؤلاء أيضًا قد اقتنوا معرفة الله ومجده، ثم بعد ذلك نسبوها إلى الأوثان، وبالظلم يحجزون الحق، فهؤلاء اذًا قد صنعوا الظلم، لأنهم لم يستخدموا المعرفة في الأمور التي كان ينبغي لهم أن يستخدموها فيها. إذًا ما معنى كل هذا؟ يعني أن معرفة الله قد وضعها الله في البشر منذ البداية، لكن هذه المعرفة نسبها عبدة الأوثان لخشب وحجارة، وهكذا حجزوا الحق، لأن الحقيقة تظل ثابتة، لأن مجدها أيضًا ثابت غير متغير. فمن أين عرفت يا بولس أن الله قد وضع معرفته فيهم؟ لأنه يقول:

” إذ معرفة الله ظاهرة فيهم ” (رو19:1)

غير أن هذا لا يعتبر دليل بقدر ما يمثل هذا دينونة عليهم. لكن وضح لي كيف أن معرفة الله كانت ظاهرة فيهم، وأنهم بإرادتهم قد احتقروها، من أين إذًا يتضح أنها كانت ظاهرة؟ هل نادى إليهم من السموات؟ لم يحدث هذا، لكن الله الذي استطاع أن يجذب هؤلاء بواسطة أقواله، قد وضع أمامهم الكون حتى أن الحكيم والجاهل، السكيثي والبربري، يستطيع أن يرى بعيونه ويفهم جمال الأشياء المرئية. وهذا كله يقوده إلى معرفة الله ولهذا قال:

 

” لأن أموره غير المنظورة تُرى منذ خلق العالم مدركة  بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته ” (20:1).

إن كان النبي  قد نطق قائلاً: ” السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه[5]. فماذا سيقول إذًا عبدة الأوثان يوم الدينونة الأخيرة؟ هل سيقولون إننا لم نكن نعرفك؟ أو إننا لم نصغ لصوت السماء حينما تحدثت بمجد الله؟ إنه صوت النظام الكونى المتناسق، الذي ينادى بقوة أعظم من صوت النفير. ألم تروا قوانين الليل والنهار، فهى باقية في ثبات وبشكل مستمر، ونظام الشتاء والربيع والصيف والخريف الذي هو ثابت وغير متحرك؟ ألا يسبحه البحر بكل هذه الأمواج؟ إن كل شئ يتم في نظام، وبجمال وعظمة لتمجيد الخالق. كل هذا وأكثر منه، يلخصه الرسول بولس قائلاً: ” لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم، مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى أنهم بلا عذر” وعلى الرغم من أن الله لم يخلق الكون لهذا الهدف (أى لكى يُعلن عن وجوده)، إلاّ أن هذا الهدف قد تحقق، ولا أنه أيضًا قد منحهم المعرفة الكثيرة لكى يحرمهم من كل عذر، ولكن الهدف هو أن يعرفوه جيدًا. ثم بعد ذلك يوضح كيف أنهم (أى عبدة الأوثان) فقدوا كل عذر فيقول لهم:

 

” وأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم” (21:1).

إنها أول مخالفة، حيث أن عبدة الأوثان لم يمجدوا الله وهذا إثم عظيم، والثانية أنهم سجدوا للأوثان، والتي بسببها اتهمهم إرميا قائلاً: ” هذا الشعب عمل شرّين. تركوني أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم آبارًا مشققة لا تضبط ماء[6]. ثم بعد ذلك يقدم دليلاً على أنهم عرفوا الله، لكنهم لم يستخدموا هذه المعرفة كما ينبغي. ولذلك فإنه يقدم الدليل على أنهم عرفوا آلهة أخرى. ومن أجل هذا أضاف  ” لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه“.

ويشير إلى السبب في ذلك، أي السبب الذي لأجله سقطوا في الحماقة. وما هى هذه الحماقة؟ هى إنهم أخضعوا كل شيء لأفكارهم. ثم بعد ذلك، وجّه لهم ضربة قوية، لأنه قال:

 

” حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبي ”.

وكما يحدث في ليلة غير مقمرة لو شرع شخص في السير في طريق غير معروف، أو في أن يصارع أمواجًا، فإنه لن يصل إلى هدفه بل بالحرى يضيع تمامًا. هؤلاء أيضًا بعدما شرعوا في السير في الطريق الذي يقود إلى السماء، أطفأوا النور بأنفسهم، وتخلّوا عن الله، ووثقوا في أنفسهم، وبدلاً من الثقة في الله خضعوا لأفكارهم غير المستقيمة لأنهم حاولوا أن يحصروا الغير جسدى في أشكال وتماثيل. والغير محدد في شكل معين، وضعوا له أشكال محددة[7]. ولذلك سقطوا في هوة عقيمة. وبالإضافة إلى كل ما ذكره، يشرح سبب آخر لرؤيتهم الخاطئة قائلاً:

 

” وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء ” (22:1).

لأنهم تخيلوا أنفسهم في وضع عظيم، ولم يقبلوا أن يسيروا في الطريق الذي حدده الله لهم، واستسلموا لأفكارهم الغبية. ثم بعد ذلك يشرح ويصف الأنواء والاضطرابات، كيف أنها مخيفة، وأن المتسببين فيها سيُحرمون من الغفران قائلاً:

 

” وأبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات ” (23:1).

3ـ إن أول مخالفة أنهم لم يعرفوا الله، والثانية أنهم لم يعرفوه رغم أن الشواهد على وجوده كثيرة وواضحة، والثالثة أنهم لم يعرفوه على الرغم من أنهم وصفوا أنفسهم بأنهم حكماء، والرابعة أنهم لم يكتفوا بعدم معرفته، بل أنزلوه إلى مستوى التماثيل والخشب والحجارة. وهنا نجد أن بولس الرسول قد قضى على افتخارهم ـ كما في الرسالة إلى أهل كورنثوس ـ وإن لم يكن بنفس الأسلوب لأنه في تلك الرسالة قال: ” لأن جهالة الله أحكم من الناس[8] أما هنا فبدون أي مقارنات، يسخر من حكمتهم هذه، مظهرًا أنها تافهة وسخيفة وتدل على تكبرهم وافتخارهم.

ولكي تعلم أنه على الرغم من أن معرفة الله ظاهرة فيهم، إلاّ أنهم خانوا هذه المعرفة، قال “أبدلوا”، وهذا يعنى أنه كان لديهم شيئًا أرادوا إبداله بشئ آخر، فهم إذًا قد أرادوا أن يحصلوا على شئ أكثر، ولم يقبلوا النواميس التي أعطيت لهم. ولهذا خسروا هذه النواميس، لأنهم ارتأوا أمورًا أخرى بعيدة عن الحق الإلهى.

إن مثل هذه الأفعال نجدها منتشرة بين الفلاسفة اليونانيين، فلقد كانوا مقاومين بعضهم لبعض، فأرسطو وقف في وجه أفلاطون، والرواقيون غضبوا من أفلاطون، والواحد صار عدوًا لغيره وبناء عليه لا ينبغي أن نعجب بهم من أجل ما ينادون به من حكمة بشرية، بل ينبغي أن ندير لهم ظهورنا. لأن أولئك الذين وثقوا في منطق هؤلاء الفلاسفة وأفكارهم وحكمتهم، صاروا حمقى وعانوا كل هذه المعاناة. إذ أن الذين يبدّلون “مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والدواب والزحافات” هؤلاء يستحقون السخرية. فبأي شئ أبدلوا مجد الله، ولمَن نسبوا هذا المجد؟ لقد تخيلوا أن المادة إله وأنها ضابط الكل، وخالقهم، وهى تهتم بهم وترعاهم. أرأيت إذًا لمَن نسبوا هذا المجد. ليس للبشر، بل لتماثيل بشبه صورة الإنسان الذي يفنى. ولم يقفوا عند هذا الحد بل وصلوا إلى مستوى الحيوانات المتوحشة أو بمعنى أفضل إلى صور هذه الحيوانات. لكن من فضلك انتبه إلى حكمة الرسول بولس، حيث أشار إلى الطرفين المتباعدين تمامًا، ونعنى حديثه عن الله غير الموصوف الذي لا يُعبّر عنه، وحديثه عن الزحافات، لكى يُبيّن إلى أى حد وصل جنونهم وحماقتهم. لأن المعرفة التي كان ينبغى عليهم اقتناؤها عن ذاك الذي لا يقارن بأى شئ في الوجود، قد نسبوها للمخلوقات الدنيئة.

وقد يتساءل المرء ما هى علاقة هذه الأمور بالفلاسفة؟ العلاقة واضحة حيث أن كل الأمور التي ذكرناها مرجعها نظريات الفلاسفة. لأن هؤلاء الفلاسفة اتخذوا المصريين الذين علّموا بعبادة الأوثان معلّمين لهم. حتى أفلاطون الذي يبدو أنه الأفضل، كان مولعًا بهذه الأمور، وكان معلّمه[9] متأثرًا بهذه الأوثان. لأنه هو الذي نصح بأن تقدم ذبيحة من الطيور في معبد الأسكليبيوس[10].

إن المرء يستطيع أن يرى في هذا المعبد أيقونات لحيوانات متوحشة وزحافات، بل إنهم  كانوا يقدمون العبادة لكل من أبوللو وديونيسيوس مع هذه الزواحف. كما أن بعض الفلاسفة رفعوا من مكانة الثيران والعقارب وحيوانات أسطورية أخرى إلى مستوى الآلهة. وهكذا نجد في كل مكان أن الشيطان يهتم بأن يُسقط البشر في عبادة تماثيل وصور الزحافات بل وأن يخضعهم  لهذه الحيوانات غير العاقلة مع أن هؤلاء البشر هم أولئك الذين أراد الله أن يرفعهم أعلى من السموات. وليس هنا فقط، بل في مواضع أخرى، سترى أن هذا الفيلسوف (أفلاطون) ـ الذي يُعَد قمة بين الفلاسفة ـ هو مسئول عن هذه الأمور التي ذُكرت. وهو (أى أفلاطون) عندما يستشهد بأقوال الشعراء، وينادى بضرورة أن يؤمن الإنسان بأفكارهم عن الله، لأن لديهم معرفة كبيرة وجيدة ـ حسب رأيهم ـ فهو لا يقدم شيئًا آخر سوى حماقة هؤلاء الشعراء. وهذه الأمور المضحكة، يطالبنا بأن نعتبرها أمورًا حقيقية.

 

” لذلك أسلمهم الله أيضا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم ” (رو24:1)

ما يذكره الرسول بولس هنا، يُظهر أن الإفتقار إلى التقوى قد صار سببًا للإنحراف ولمخالفة قوانين الطبيعة. وكلمة ” أسلمهم” هنا تعني تركهم. فكما أن قائد الجيش إذا ترك جنوده في الساعة التي يشتد فيها وطيس المعركة، فإنه بهذا يسلمهم إلى الأعداء، لا لأنه هو الذي دفعهم بين أياديهم، بل لكونه قد حرمهم من مساعدته. هكذا يحرم الله من عطاياه، أولئك الذين لا يقبلوا كل ما هو له. فهو قد منحهم عقلاً وفكرًا وفهمًا يستطيعون من خلاله إدراك الصواب، غير أنهم لم يستخدموا شيئًا من كل هذا لأجل خلاص نفوسهم، بل استخدموا هذه المنح في أمور غير لائقة بالمرة.

إذًا هل كان هناك شئ ينبغى على الله أن يفعله؟ هل يجذبهم إليه بعنف وقوة؟ هذا لا يفعله ولا حتى البشر الأتقياء. لكنه تركهم، الأمر الذي صار بالفعل حتى يتجنبوا على الأقل هذه الحماقة، كي يتعلموا من خبراتهم الشهوانية السيئة. فلو قرر ابن للملك أن يعيش مع قطّاع طرق وقتلة ونباشى قبور، مهينًا بهذا أباه ومفضلاً غنائمهم عن خيرات بيت أبيه، فإن أباه سيتركه حتى يستطيع ـ من خلال هذه الخبرة السيئة ـ أن يدرك حجم ما اقترف من حماقة.

 

4ـ ولكن لماذا لم يشر بولس الرسول إلى خطية أخرى مثل القتل والشراهة وباقي الخطايا المشابهة، لكنه أشار فقط إلى النجاسة بقوله: “وأسلمهم الله أيضًا في شهوات قلوبهم إلى النجاسة لإهانة أجسادهم بين ذواتهم[11]. يبدو لى أنه يقصد المتلقين للرسالة والمستمعين إليها في ذلك الوقت. ثم يقول ” لإهانة أجسادهم بين ذواتهم” لاحظ كيف يهاجم بقوة أمورًا أخرى، إذ أنهم اشتهوا النجاسات التي سلمها لهم الأعداء، هذه فعلوها لإهانة ذواتهم. ثم بعد ذلك يفحص السبب ويقول: ” الذين استبدلوا حق الله بالكذب وعبدوا المخلوق دون الخالق[12].

لاحظ أن الأمور التي تثير السخرية يُصنفها بحسب نوعها، بينما تلك التي يعتبرها أكثر وقار من تلك الأمور، يشير إليها بشكل شامل، وفي كل هذا يظهر أن الإنسان الذي يعبد ” المخلوق دون الخالق” هو متأثر بالأعراف اليونانية. انتبه لطريقة عرضه، لأنه لم يقل فقط “عبدوا المخلوق” لكنه أضاف ” دون الخالق” مشددًا في كل موضع على خطيتهم هذه، ويستبعدهم بهذه العبارة من نوال الصفح.

 

” الذي هو مبارك إلى الأبد آمين ” (رو25:1)

هنا يقول إن الله لا يناله أى أذى، ولا يطاله شئ مما يفعل البشر لأنه مبارك في كل الدهور. الله لا يدافع عن نفسه، لأنه حتى لو أنهم تصرفوا وسلكوا بشكل مهين، فإن الله لا يُهان، ولا يفقد شئ من مجده، بل يظل مباركًا على الدوام.

فإن كان الإنسان الذي يسلك بحكمة لا يُصاب بأي أذى من قِبل مَن يوجه له الإهانة، فبالأولى لا يمكن تصور أن الخالق يُهان من أمور مثل هذه. فمجد الله ثابت غير مُتغير ودائم. والبشر الحكماء يصيرون مشابهين لله في هذا الشأن، إذ هم أيضًا لا يعانون شيئًا عندما يساء إليهم ولا تلحق بهم الإهانة عندما يُشتمون، ولا يُصابوا بأي أذى من الهجوم عليهم، ولا يصيرون محتقرين عندما يحتقرهم الآخرون.

وقد يتساءل المرء كيف يحدث هذا؟ بالطبع يحدث هذا وأكثر منه عندما لا نتضايق أو نحزن من هذه الإهانات، وكيف يمكن ألاّ يتضايق الإنسان؟ أخبرني إذًا هل تعتبر تجاوز ابنك في حقك إهانة؟ أبدًا، وهكذا ينبغي أن نسلك بمحبة تجاه القريب، وعندما نسلك هكذا فلن يُصيبنا أى ضرر أو ضيق. لأن المُسيئين هم حمقى، ولا ينبغى أيضًا أن نطالبهم بالكف عن إهانتنا، وعند احتمالنا لهذه الإهانات نكتسب فخرًا وكرامة واكليلاً يتوج هاماتنا. ألا ترى أن الماس لا يُخدش عند احتكاكه بشئ صلب؟ فهذه هى طبيعته وخاصيته، وأنت تستطيع أن تصير مثل هذا الماس بإختيارك وبكامل إرادتك الحرة. ألم تر الفتية الثلاثة في آتون النار وهم لا يحترقون؟ ودانيال الذي لم يُصب بأي أذى في جب الأسود؟ فبالأولي جدًا أن يحدث أمر مثل هذا الآن. فإنه يوجد بالقرب منا أسود مخيفة، أي الغضب والشهوة ولها أسنانًا قوية تفتك بذاك الذي يسقط فريسة لها. فلتكن مثل دانيال، ولا تسمح للشهوات أن تخدش نفسك الثمينة, لكن قد يقول قائل إن دانيال كانت ترافقه نعمة الله. هذا صحيح، لكن رغبته وإرادته النقية كانت قد سبقت هذه النعمة. وبناء عليه لو أردنا أن نصير مثل دانيال، فإن النعمة ستكون حاضرة الآن أيضًا، حتى ولو كانت الوحوش جائعة فلن تقترب منا. فإذا كانوا قد احترموا جسد العبد (دانيال)[13]، فبالحرى لن تقترب منا، لأننا صرنا أعضاء جسد المسيح. لكن لو حدث وهاجمتنا الأسود فهذا يرجع إلى إرتكاب الآثام. لأنه بالحقيقة هناك أناس ارتبطوا بنساء ساقطات وقوضوا زيجات، ومن أجل هذا لاقوا انتقام الأعداء، لكن هذا لم يحدث لدانيال، ولن يحدث لنا إن أردنا، فالأسود لم تُصب دانيال بأذى، ونحن أيضًا لو كنا نحيا في الروح، فإن إهانة أولئك الذين يضمرون لنا الشر وظلمهم سيعود بالفائدة علينا.

وهكذا صار الرسول بولس أكثر شهرة من أولئك الذين أرادوا أن يصيبوه بضرر وأضمروا له الأذى، وأيوب أيضًا تجاوز التجارب الكثيرة التي ألمّت به، وإرميا جاز الجب المملوء قذارة، ونوح أُنقذ من الطوفان، وهابيل صار معروفًا من خلال المكيدة التي دُبرت له وأدت إلى قتله، وموسى النبى أيضًا تحمّل تذمر وعصيان اليهود، كما أن اليشع وكل هؤلاء الأنبياء العظام لم يلبسوا الأكاليل المشرقة كنتيجة للراحة والتمتع، لكنهم جازوا ضيقات وتجارب كثيرة. ولهذا قال السيد المسيح لتلاميذه ” في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم[14]. فيجب علينا إذًا أن نُصارع مع التجارب حتى المنتهى، والله قادر أن يسند الجميع ويمد يده لخلاص الكل، ولنتمتع بإشراقة المنتصرين ونحصل على الأكاليل الأبدية بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب  والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] إش19:1ـ20.

[2] 1كو32:11.

[3] اتس6:4.

[4] أم1:22.

[5] مز1:19.

[6] إر13:2.

[7] ربما يقصد الأوثان التي أقامها البشر لأنفسهم ثم عبدوها.

[8] 1كو25:1.

[9] معلّم أفلاطون هو الفيلسوف اليونانى المعروف سقراط الذي وُلد سنة 469 قبل الميلاد. ويُعد سقراط هو مؤسس “علم الأخلاق” كما يقول أرسطوتاليس، وأول مَن وضع عدة تساؤلات حول “ماهية الفضيلة” و”من أى شئ يتألف الصلاح”. وقد تعلّم أفلاطون في مدرسة سقراط لمدة تسعة سنوات كاملة.

“ qrhskeutik» kaˆ hqik» egkuklopa…deia “ Aq¾na 1963, tomoj 11,sel 618-621.

[10] أسكليبيوس (asklhpiÒj) هو إله الطب عند اليونان. وكان طبيب بارع ومتميز في عمله. وقد أٌُقيم لهذا الإله العديد من المعابد في كل أنحاء اليونان وخارجها أيضًا، حيث كانت توجد في آسيا الصغرى في مدينتى سميرنا، وبرغامس، وفي إيطاليا أيضًا وخاصةً في مدينتى تارندا وروما.  وكانت الاحتفالات تُقام في هذه المعابد بتقديم الذبائح تكريمًا لهذا الإله. بالإضافة إلى ممارسة مهنة الطب فيها، والأرجح أن هذه الممارسة كانت تتم في غرف ملحقة بالمعبد، كان يقيم فيها المرضى طوال فترة علاجهم.

“ qrhskeutik» kaˆ hqik» egkuklopa…deia “ Aq¾na 1963, tomoj 3, sel 379.

[11] رو24:1.

[12] رو25:1.

[13] إذ أن دانيال عاش قبل تجسد المسيح الذي حررنا من العبودية ووهبنا نعمة التبنى وصيّرنا أعضاء في جسده.

[14] يو33:16.

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة4 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

تابع العظة الثالثة:

5ـ وقد تمكن بولس الرسول من توضيح قصده، بمعنى أنه مُنع، على الرغم من رغبته في رؤيتهم والإشتياق الشديد إليهم. ولم تكن هذه مجرد رغبة عابرة، فقد أكد لهم على أن إشتياقه لرؤيتهم يفوق بكثير إشتياقهم لرؤيته. ومن خلال أمور أخرى كثيرة، بيّن محبته لهم. فلم يتوقف عن محاولته الذهاب إليهم على الرغم من أنه مُنع، فقد كان دومًا يحاول الذهاب إليهم، وكان دومًا يُمنع، لكنه لم يتوقف أبدًا عن المحاولة، وهو في هذا لم يقاوم إرادة الله، فقد كان يحمل لهم كل حين، محبة كبيرة. وهو بهذه النية وأيضًا في محاولاته المستمرة الذهاب إليهم، قد أظهر محبته نحوهم، كما أنه أظهر محبة كاملة لله عندما أُعيق عن الذهاب ولم يقاوم إرادة الله.

 ” ليكون لي ثمر فيكم” وعلى الرغم من أنه كان قد أعلن سبب اشتياقه إليهم كما سبق الاشارة، لكنه هنا يركز على إيضاح هذا السبب، لكي يزيل أي شكوك في نفوسهم. لأن مدينتهم كانت ذات شهرة ومتميزة في كل المسكونة،  فكان الكثيرون يتكالبون على زيارة  هذه المدينة فقط.

ولكي يزيل أي ظن في نفوسهم أو أي شك من نحوه، وأن زيارته لهم لم تكن بسبب شهرة المدينة وتميزها، بل بسبب اشتياقه لهم وارتياحه لمسيرتهم الإيمانية، فكان دائمًا  يُذكّرهم بسبب اشتياقه لهم.

وكما سبق وقال لهم ” لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم” هنا أيضًا يقول لهم بكل وضوح ” ليكون لي ثمر فيكم كما في سائر الأمم” بمعنى أن الثمر هو للجميع. فبرغم كل الإنتصارات العظيمة والغنائم الكثيرة ورغم الرتب والمناصب التي كانت للنبلاء، فإنه لا يفرّق بين الرؤساء وبين المواطنين البسطاء، وهو محق في هذا لأن عطية الإيمان عندما توهب، لا يكون هناك فرق بين يوناني وبربري ولا بين مواطن وأجنبي، الكل متساوون وفي نفس المرتبة السامية. لاحظ كيف يتكلم الرسول بولس باعتدال، لأنه لم يقل لكي أعلّمكم أو لكي أعظكم، لكن        ” ليكون لي ثمر فيكم”  وهو لم يقل فقط ثمر بل ” ثمر فيكم“. هو هنا لم يعظّم من شأنه، وأيضًا لم يعظّم من شأن أهل رومية. لأنه يقول ” كما في سائر الأمم” أي لا لأنهم أغنياء أو لأنهم على ثراء أكثر من الآخرين، يُبدي لهم اهتمامًا أكثر من الآخرين، لأنه لا يطلب منهم غنى، بل يطلب إيمانًا فقط. ولعلنا نتساءل أين تأثير فلاسفة اليونان الآن، الذين كان لهم لحى كثيفة ويرتدون ملابس ثمينة، ويفتخرون كثيرًا بأنفسهم؟ إن كل بلاد اليونان وكل بلاد البربر قد قادها الخيّام (بولس) إلى حظيرة الإيمان. بل إن أفلاطون الذي نال شهرة واسعة وحاز ثناء الكثيرين، عندما أتى إلى صقلية ليس لمرة أو مرتين بل لثلاث مرات، وكان الجميع متلهفين لسماع كلماته، لم يستطع أن يؤثر في أي حاكم مستبد، بل إنه رحل عنهم وهو يجر أذيال الخيبة والمهانة[1]. وعلى العكس نجد أن الخيّام (بولس) قام بالتبشير ليس فقط في صقلية وإيطاليا بل وفي بلاد كثيرة. والجدير بالذكر أنه عندما كرز، لم يتوقف عن عمله، بل إنه استمر في نشاطه كصانع للخيام. وعمله هذا لم يقف حجر عثرة أمامه في كرازته للنبلاء، فلا الحِرَف ولا المهن المختلفة هى التي تقلل من شأن المعلّمين، لكن الذي يجعلهم بلا قيمة هو الكذب والتعاليم المضلة.

وبينما يلتف أهل أثينا حول هؤلاء المعلّمين الكذبة نجد أن الرسول بولس يذهب إلى البربر والغير متعلمين والبسطاء، لأن الكرازة هى للجميع. وهو لم ينظر إلى  الرتب المختلفة، ولا لأجناس متميزة ولا شئ من كل هذا، بل هو يحتاج فقط إلى إيمان، لا إلى الأفكار الفلسفية.

ولذلك فإن كرازته تستحق كل الإعجاب، ليس فقط لأنها أتت بثمر وقادت إلى الخلاص، بل لأنها بسيطة وسهلة ويفهمها الجميع، هذه الكرازة هى ثمر عناية الله الذي يغدق على الجميع بلا حدود. وهذه العناية نجدها في خلق القمر والأرض والبحر والأشياء الأخرى، فعطايا الله ليست هى للأغنياء فقط، بل هى للفقراء أيضًا، فالجميع يتمتعون بخليقة الله بنفس القدر. هكذا أيضًا دبر الله الكرازة للجميع. إذ أن الكرازة هى أكثر أهمية من هذه الأمور.

ولهذا نجد المطوب بولس يقول باستمرار ” في سائر الأمم“. ثم بعد ذلك يوضح لهم، كيف أنه لم يقدم لهم أي شئ من عنده، لكنه ينفذ وصية الرب فقط ويشكر الله من جهة جميعهم ويقول:

 

” إني مديون لليونانيين والبرابرة والحكماء والجهلاء ” (14:1).

وما يكتبه هنا إلى أهل رومية قد كتبه أيضًا إلى أهل كورنثوس. وفي كل الحالات يعترف بهذا الدين لله.

 

” فهكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية أيضًا ” (15:1). 

6ـ كم هى عظيمة خدمة القديس بولس، إذ أنه وضع على عاتقه عمل ضخم ملىء بأخطار كثيرة، أخطار بحار، تجارب متنوعة، هجوم، ومواجهات عنيفة. وكان من الطبيعي أن يعبر على هذه التجارب الكثيرة، ما دام قد عقد النية على الكرازة في هذه المدينة الكبيرة التي إفتقرت إلى التقوى. هذا وقد انتهت حياته في هذه المدينة واستشهد بقطع رأسه على يد الإمبراطور نيرون”[2].

وعلى الرغم من أنه عانى ولاقى عذابات كثيرة، إلاّ أنه لم يحاول تجنب هذه الآلام مطلقًا. ومع كل هذه الآلام لم تخر عزيمته، ولم يتوان عن كرازته، بل كان دائمًا مستعدًا للبشارة. ولهذا يقول: “ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية[3].

 

” لأني لست استحي بإنجيل المسيح ” (16:1).

ماذا تقول يا بولس؟ لأنه كان ينبغي أن تقول ” إني افتخر وأزهو ” لكنه قال ” لست استحي” إذًا لأي سبب تكلم هكذا وما معنى ذلك؟ ومع أنه كان يفرح لأجل الإنجيل، فقد كتب إلى أهل غلاطية قائلاً ” أما من جهتي فحاشا لي أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح[4]. إذًا فلأي سبب هنا يقول ” لست استحي” ولا يقول إني افتخر؟ السبب أن أهل رومية كانوا محصورين في أمور هذا العالم الحاضر، بسبب الغنى الذي كانوا يتمتعون به، وبسبب السلطة والانتصارات الكثيرة، هذا بالإضافة إلى أنهم اعتبروا ملوكهم مساوين للإلهة، ولهذا أيضًا بنوا لهم هياكل ومذابح وقدموا لهم الذبائح. ولأنهم كانوا يفتخرون بوضعهم هذا، ولأن الرسول بولس كان ينوي أن يبشر بيسوع الذي اعتقدوا أنه ابن النجار الذي تربى في اليهودية في منزل بسيط، بلا حراس حوله ولا تبدو عليه علامات الثراء، بل إنه مات وأُدين مع لصوص وصبر على أمور كثيرة مهينة. من أجل هذا كله كان من الطبيعي أن يشعروا نحوه بالخجل، طالما أنهم لم يكونوا قد عرفوا بعد أي شئ عن الأمور السامية والتي لم تُستعلن لهم بعد. ولهذا قال ” لست أستحى” معلّمًا إياهم، خطوة خطوة، ألا يستحوا، لأنه يدرك أنه إذا تحقق هذا، فإنهم سوف يتقدمون سريعًا وسيصلون إلى مرحلة الإفتخار.

وأنت أيضًا إن سمعت أحد يقول لك، هل تسجد للمصلوب؟ لا تخجل ولا تنظر إلى أسفل، بل يجب أن تفتخر وتزهو وتعترف بإيمانك برأس مرفوعة ولا تستحى. ولو قالوا لك هل تسجد للمصلوب؟ أجبهم إننى لا أسجد لشخص زانى ولا قاتل لأبيه ولا قاتل لأبنائه، لأن هذه الأمور تصنعها آلهتهم. لكن المسيح بصليبه أسكت الشياطين وأعوانهم وقضى على أعمالهم المضللة. لأن الصليب بالنسبة لنا هو عمل محبة الله نحو البشر، تلك المحبة التي لا يُعبّر عنه. فالصليب هو رمز العناية الغير محدودة بنا. ولأن أهل رومية افتخروا بصناعة الكلام جدًا، وانتفخوا بالحكمة العالمية، أتى الرسول بولس يبشرهم بالصليب وهو لا يخجل من ذلك.

لأن الإنجيل هو ” قوة الله للخلاص ” كما أنه هو قوة الله للدينونة. لأن الله عندما عاقب المصريين قال “جيشى العظيم الذي أرسلته عليكم[5]. وأيضًا يقول ” خافوا بالحرى من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم[6]. ولهذا فالرسول بولس يقول لهم بأننى لم آت لأبشركم بالأمور الخاصة بالدينونة، لكن لأبشركم بالأمور المختصة بالخلاص. ماذا إذًا؟ ألم يبشر الإنجيل بهذه الأمور الخاصة بالدينونة؟ بلا، فالإنجيل يخبرنا أيضًا عن الدينونة. وإن كانت هناك دينونة، فكيف يقول إذًا إن الإنجيل هو ” قوة الله للخلاص“. اسمع ما يقوله فيما بعد ” لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني“. إذًا فالإنجيل ليس للجميع بشكل عام، ولكن لكل من يقبله. لأنه لو أنك يوناني، ولو فعلت كل شر، أو أنك سكيثي، أو بربري، ولو أنك ملىء بكل جهالة، محمل بخطايا كثيرة، فعندما تقبل البشارة بالصليب والمعمودية، فإن كل هذه الأمور سوف تختفي.

لكن لماذا قال هنا ” لليهودي أولاً ثم بعد ذلك لليوناني؟” ماذا يريد بهذا الترتيب؟ فعلى الرغم من أنه في مواضع كثيرة قال: ” لا الختان ينفع شيئًا ولا الغرلة” فكيف يُميز هنا، واضعًا اليهودي أولاً ثم بعد ذلك اليوناني؟ وماذا يعني هذا؟ الترتيب هنا هو ترتيب شرفي فقط، فهذا لا يعني أن اليهودي حاصل على نعمة أكثر لأنه أولاً، لأن نفس العطية أُعطيت لليهودي واليوناني. كما في حالة المعمدين، فإن الجميع يذهبون للمعمودية، لكن ليس في الوقت نفسه، بل إن واحدًا يذهب أولاً والآخر بعده. لكن الأول لا يأخذ نعمة أكثر من الثاني، بل الجميع يتمتعون بنفس النعمة. إذًا فكلمة (الأول) هنا هى كلمة شرفية وليس المقصود بها نعمة أكثر.

بعد ذلك، عندما قال ” إنه قوة الله للخلاص” فإنه يعنى أن العطية تتزايد، مظهرًا أنه لا يتحدث عن الأمور الحاضرة، لكنه فقط يشير إلى أمور الدهر الآتى. لأن هذا قد أوضحه قائلاً:

 

” لأن فيه معلن بر الله بإيمان لإيمان. كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا” (17:1).

إذًا فهذا الذي صار بارًا بالإيمان، سيحيا ليس فقط في هذا الدهر، ولكن في الدهر الآتي أيضًا. كما أنه يشير إلى شئ آخر، وهو أن هذه الحياة هى حياة مشرقة وممجدة. لأنه من الممكن أن يُنقذ المرء وهو غير مستحق، مثلما يُنقذ الكثيرون ولا يتعرضون لعقاب بسبب إحسان الملك لهم، ولكي لا يتشكك أحد في هذا عندما يسمع عن الخلاص، يضيف كلمة “البر” والبر ليس برًا ذاتيًا، لكنه بر من الله، مشيرًا إلى أن هذا البر يمنح بإغداق.

وبكل تأكيد، فإن المرء يحصل على هذا البر لا بجهد وتعب بل كمنحة من الله. وهذه المنحة التي يقدمها الله هى عطية الإيمان.

وعندما يتحدث عن الزناة ومضاجعى الذكور ونباش القبور، والمخادعين، بأنهم سينجون من العقاب، وليس هذا فقط، بل أنهم سيصيرون أبرارًا وفي أعلى درجات البر، فإن حديثه هذا يبدو صعب التصديق. ولهذا فإنه يؤكد كلامه باستخدام شواهد من العهد القديم بقوله:   ” كما هو مكتوب أما البار فبالإيمان يحيا[7] ونراه هنا يُحيل المستمع لتدبير الله الذي اتضح في العهد القديم، ثم يشرحه بكل حكمة، عندما يكتب أيضًا إلى العبرانيين، موضحًا كيف أن الأبرار والخطاة، حينذاك قد تبرروا. ولهذا أشار إلى راحاب وإبراهيم. وهو لم يشر إلى ذلك فقط، لكنه أكد كلماته أيضًا من أقوال الأنبياء، لأنه أشار إلى حبقوق في حديثه الذي نادى وقال ” والبار بإيمانه يحيا“. إذًا لأن هذه الأمور التي يمنحها الله تتجاوز كل منطق، فإننا في احتياج إلى إيمان.

فليسمع الهراطقة هذا الصوت الروحي. لأن طبيعة أفكارهم تشبه طُرقات مظلمة كما أن أقوالهم معقدة، ولا يوجد فيها ما يبني، فهى تبدأ بالتعالي والزهو لأنهم يشعرون كما لو أن قبول الإيمان يجلب الخجل، ويعتقدون أنهم لا يعرفون شيئًا عن الأمور السمائية، وهم في ذلك يلقون أنفسهم في سحابة من غبار الأفكار الكثيفة. أيها التعس والبائس، المستحق البكاء عليك لو سألك أحد، كيف صارت السماء؟ وكيف جاءت الأرض؟ ولماذا أتكلم عن السماء والأرض؟ كيف وُلدتَ أنت نفسك؟ وكيف تربيت وكبرت، ألا تخجل لجهلك؟ وإذا جاء حديث عن الابن الوحيد الجنس، فإنه بسبب خجلك من قبول الإيمان بالمسيح، فإنك تلقى بنفسك إلى حافة الهلاك، وهل تظن أن عدم معرفتك بكل الأشياء هو أمر لا يستحق منك الاهتمام؟ لكن ما لا يستحق الاهتمام هو الرغبة في المشاجرة والانشغال بموضوعات عديدة وغريبة في وقت غير مناسب.

ولماذا أتحدث عن الأمور الإيمانية؟ لأننا لن نتخلص من شرور هذه الحياة الحاضرة إلاّ بالإيمان. ولهذا فقد تميّز كل مَن عاش بالإيمان، إبراهيم واسحق ويعقوب، وهكذا أُنقذت راحاب الزانية، وهؤلاء الذين وردت أسماءهم في العهد القديم وأيضاً الذين وردت أسماؤهم في العهد الجديد. لأنه يقول: ” بالإيمان راحاب الزانية لم تهلك مع العصاه إذ قبلت الجاسوسين بسلام[8].  ولم تفكر في نفسها، كيف سيستطيع هؤلاء الأسرى والمنفيون والمهاجرون الذين يعيشون حياة ترحال “حياة البدو”، أن ينتصروا علينا نحن الذين نملك مدينة وأسوار وأبراج؟ لأنها لو قالت هذا، لدمرت نفسها وهؤلاء معًا، الأمر الذي كابده أجداد هؤلاء عندما أُنقذوا آنذاك. لأن الجواسيس ـ في القديم ـ بسبب عدم الإيمان، عندما رأوا أناس طوال القامة وعمالقة، انهزموا بدون حرب، لأنهم قالـوا ” لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم أشد منا. فأشاعوا مذمة الأرض التي تجسسوها في بني إسرائيل قائلين الأرض التي مررنا فيها لنتجسسها هى أرض تأكل مكانها. وجميع الشعب الذي رأيناه في هذه الأرض هم أناس طوال القامة فكنا في أعيننا كالجراد وهكذا كنا في أعينهم[9]. أرأيت كيف أن هوة عدم الإيمان هى عميقة، وكيف أن سور الإيمان هو عظيم؟ لأن عدم الإيمان أهلك آلاف، بينما الإيمان لم ينقذ راحاب فقط، بل جعلها أيضًا حامية لكثيرين.

ولأنكم تعرفون هذه الأمور بل وأكثر منها، فلا ينبغي لنا أن نطلب من الله مسئوليته عن هذه الأمور التي تحدث، بل يجب أن نقبل ما يأمر به، لا أن نُحلله ونفحصه كثيرًا، حتى لو كان الأمر يبدو كأنه غير معقول بالنسبة للفكر البشرى. لأنه هل يوجد أمر يبدو غير معقول أكثر من أن يذبح الأب ابنه الوحيد؟ لكن إبراهيم البار عندما أُمر، لم يفحص هذا كثيرًا، لكنه قَبِلَ وأطاع. وعندما أمر شخص آخر أن يضرب أحد الأنبياء في وجهه، ولم يخضع، فقد عوقب بالموت[10]، لأنه فحص هذا الأمر ورأى أن هذا المطلب هو أمر غير معقول. بينما الآخر الذي أطاع وضربه شعر بالفرح. وعندما أنقذ شاول أناس بغير إرادة الله، خسر مملكته وعانى من أمراض لا تُشفى[11].

وأمثلة أخرى كثيرة يستطيع المرء أن يجدها. ولذلك ـ فمع كل ما تعلمناه ـ علينا ألاّ نطلب سبب أو دافع لتنفيذ أوامر الله، بل علينا أن نسمع ونخضع فقط. كما أنه من الخطورة أن نحلل الأوامر التي يأمر بها، إذ أن أولئك الذين يدققون كثيرًا في أوامر الله سيتعرضون لعقاب أشد. وبالحرى أولئك الذين يفحصون أمورًا تفوق قدرات العقل البشري، أى كيف تم ميلاد الابن وبأي طريقة وما هو جوهره، أي دفاع سيقدمون عن أنفسهم وقتها؟ ولأننا نعلم هذه الأمور، فلنقبل الإيمان الذي هو تاج كل الفضائل، بكل امتنان وشكر، حتى أننا كمثل من يبحر في ميناء هادئ، نحفظ الإيمان المستقيم، ونقود حياتنا في أمان، ونحصل على الخيرات الأبدية بالنعمة ومحبة البشر اللواتى لربنا يسوع المسيح الذي يليق به المجد والقوة والكرامة مع الآب  والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

 

[1] لقد زار أفلاطون (427 ـ 347 ق.م) مدينة صقلية وطالب أهلها بإصلاحات سياسية، لكن دون أن يحقق نجاح يذكر.

[2] غير معروف على وجه الدقة تاريخ استشهاد ق. بولس لكن بحسب تقليد الكنيسة، فإن القديس بولس قد استشهد في زمن اضطهاد نيرون (64ـ68).

[3] أو بحسب النص اليونانى ” ومن هنا رغبتى في أن أبشركم “.

[4] غلا14:6.

[5] يوئيل25:2.

[6] مت28:10.

[7] حبقوق 4:2.

[8] عب31:11.

[9] عد31:13ـ33.

[10] انظر عد35:20ـ36.

[11] 1صم9:15ـ11.

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الثالثة:

” أولا أشكر إلهي بيسوع المسيح من جهة جميعكم أن إيمانكم ينادى به في كل العالم ” (8:1).

1ـ يبدأ الرسول حديثه بشكر لله قبل أى حديث آخر، وهذه البداية تليق بنفس الرسول بولس الطوباوية وهو قادر أن يعلّم الجميع أن يقدموا أعمالهم الصالحة وأقوالهم وباكوراتهم لله، وأن لا يفرحوا فقط لأجل ما حققوه لأنفسهم بل أيضًا لأجل الغرباء، لأن هذا الأمر ينقي النفس من الفساد والكلام البذيء، ويجلب عطف الله على أولئك الذين يشكرونه. ولهذا فإنه يقول في موضع آخر ” مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية[1]. ويجب أن يشكره ليس فقط الأغنياء، بل الفقراء أيضًا، وليس الأصحاء فقط، بل المرضى أيضًا، وليس فقط المتيسرين، بل المعوزين أيضًا. فالأمر ليس بمستغرب عندما يشكر المرء وهو في حالة متيسرة. لكن عندما توجد أمواج عاتية والقارب معرض للانقلاب وللخطر، وقتها يظهر البرهان الكبير على الصبر والامتنان. ولهذا فإن أيوب بسبب هذا الصبر تُوّج إذ سد فم الشيطان، وبرهن بكل وضوح أنه لم يشكر الله عندما كان غنيًا لأجل الأموال الكثيرة، ولكنه يشكره دومًا بسبب محبته الكبيرة نحو الله.

لاحظ لأي الأمور يشكر بولس الرسول الله؟ لا لأجل الأمور الأرضية والفانية ولا لأجل السلطة والمُلك والمجد. لأن لا شيء من كل هذا يستحق الشكر عنه. لاحظ أيضًا كيف يشكر. لأنه لم يقل “أشكر الله” لكن “أشكر إلهي” وهو أمر قد فعله الأنبياء اذ جعلوا الله خاصتهم أو إلههم. وهل يعد أمرًا غريبًا لو فعل الأنبياء هذا لأن الله ذاته كان يدعو نفسه إله إبراهيم واسحق ويعقوب؟

” إن إيمانكم ينادى به في كل العالم” ماذا إذًا؟ هل كل العالم كان قد سمع بإيمان أهل رومية؟ نعم لقد سمع الجميع عن إيمان أهل رومية من بولس الرسول، وهذا يعد أمرًا منطقيًا. لأن مدينة روما كانت مشهورة ومعروفة جدًا، ومكانتها كانت تبدو من جميع الجوانب كما لو كانت فوق قمة عالية. ولاحظ من فضلك قوة الكرازة وقوة الكلمة، وكيف أنه في مدة زمنية بسيطة ساد العشارون والصيادون على هذه المدينة التي هى قمة المدن، وكيف صار رجال سوريون معلّمين ومرشدين لأهل رومية[2].

إذًا فلقد حقق أهل رومية إنجازين، أنهم آمنوا وأن ايمانهم قد أُستعلن مجاهرة وبلا خوف، حتى أن شهرتهم امتدت إلى كل الأرض لأنه يقول    ” لأن ايمانكم ينادي به في كل العالم“.

إن الإيمان هو الذي يُنادىَ به، وليست المعارك الكلامية ولا المناقشات ولا الأفكار. لقد ساد الإيمان على الرغم من أن معوقات الكرازة كانت كثيرة، لأن أهل رومية كانوا قد سادوا المسكونة قبل ذلك بقليل، أى قبل إيمانهم، مفتخرين عائشين في الغنى والمتع. ثم قام صيادون يهود من أمة منبوذة بتبشيرهم بالمسيح، ودعوهم أن يسجدوا للمصلوب الذي عاش في اليهودية. ومن خلال الإيمان بدأ المعلّمون يعظون الناس ويحثونهم على حياة الزهد، وهم الذين تعودوا أن يعيشوا في رفاهية، ويشتهون الخيرات الأرضية بشكل كبير. مع أن هؤلاء الذين بشروا أهل رومية، كانوا أناسًا فقراء وبسطاء ومجهولين، ومن آباء مجهولين، لكن لا شئ من كل هذا أعاق طريق الكرازة. بل إن قوة المصلوب كانت عظيمة جدًا، حتى أنها نقلت البشارة إلى كل مكان، ثم قال إن إيمانهم ” ينادى به في كل الأمم” ولم يقل إنه “ظهر”، لكن “ينادى” كما لو كان إيمانهم على كل الألسنة. هذا ما أكده أيضًا لأهل تسالونيكي عندما كتب يقول: ” لأن من قبلكم قد أذيعت كلمة الرب ليس في مكدونية وأخائية فقط بل في كل مكان أيضًا قد ذاع إيمانكم بالله حتى ليست لنا حاجة أن نتكلم شيئا[3] لأن التلاميذ أخذوا مكانة المعلمين، مُعلّمين الجميع بكل مجاهرة، وجاذبين الكل إليهم. لأن البشارة لم تتوقف في مكان ما،  لقد كانت أقوى من النار، ووصلت إلى كل المسكونة. ولهذا حسنًا قال عن الإيمان إنه ” يُنادى به” فظهر أنه لا يجب أن يضيف أو ينزع شيئًا مما أعلنته الكرازة. لأن عمل المبشر هو نقل الرسالة فقط، ولهذا فإن الراعى يسمى مبشرًا، لأنه لا يعلن عن نفسه أو تعاليمه هو، ولكنه يعلن عن مَن يرسله.

 

” فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه، شاهد لي كيف بلا انقطاع أذكركم ” (9:1).

2ـ هذا الكلام خارج من أحشاء الرسول المملوءة رأفة ويكشف عن روح تتمتع بالرعاية والأبوة. لكن ما معنى هذا الذي قاله ولأي سبب يدعو الله شاهدًا؟ لقد أراد أن يُعبّر لهم عما بداخله، ولأنه لم يكن قد رآهم حتى ذلك الوقت، فإنه لم يدع أي إنسان لكى يكون شاهدًا، ولكن دعي ذاك الذي يفحص القلوب ” شاهد”.

إذًا بعدما قال إنهم محبوبون، أراد أن يدلّل على هذا، لذا قال إنه يصلي لهم بلا انقطاع، وأنه يأمل أن يأتي إليهم، ولما كانت هذه الدلائل غير معلنة فإنه لجأ إلى شهادة أمينة. وهنا يمكن أن نتساءل هل يستطيع أحد منكم أن يزعم بأنه يتذكر كل ملء الكنيسة عندما يصلي في بيته؟ لا أعتقد، لكن القديس بولس يصلي إلى الله، لا لأجل مدينة واحدة، ولكن لأجل كل المسكونة، وهذا حدث لا مرة واحدة أو مرتين أو ثلاث مرات، لكن بلا انقطاع. ولن يحدث أن يتذكر المرء إنسانًا معينًا، إلاّ اذا كانت هناك محبة كبيرة له، ولهذا يذكره دوما في صلواته. أرأيت إذًا أن صلواته هذه هى دليل واضح على محبته الكبيرة تجاه الجميع.

وعندما يقول إن الله هو ” الذي أعبده بروحي في إنجيل ابنه” يوضح لنا تواضعه تحت نعمة الله، لأن نعمة الله سمحت له بأمر عظيم جدًا وهو أن يُبشر، بينما يظهر تواضعه بوضوح، لأنه ينسب كل شيء لمعونة الروح لا لإمكانياته الخاصة. واستخدامه تعبير ” إنجيل ابنه” قصد به إظهار نوع الخدمة. وبالحقيقة إن طرق الخدمة كثيرة ومتنوعة، تمامًا مثل طرق العبادة. بالضبط كما في حالة الممالك، فالجميع خاضعون لواحد فقط هو الذي يملك، ولا يقدمون جميعهم نفس الخدمات، لكن واحد تكون مهمته خدمة وإدارة الجيوش، وواحد يدبر المؤن، وآخر يحفظ أموال الخزانة، هكذا أيضًا في الأمور الروحية؛ واحد يعبد الله بأن يخدم ويدبر حياته حسنًا، وآخر يتعهد خدمة الغرباء، وآخر يقوم برعاية من لهم احتياج. ومثل هذا الأمر نجده في حالة الرسل أنفسهم، هؤلاء الذين كانوا مع استفانوس ويخدمون الله، البعض في رعاية الأرامل، وآخرون في التعليم. ومن بين الرسل أيضًا كان الرسول بولس يخدم الله بواسطة كلمة الإنجيل. وهذا كان أسلوب خدمته ولهذه الخدمة أُرسل.

ولهذا فإنه لا يدعو الله شاهدًا فقط، لكنه يتكلم عن خدمته التي تعهد بها، موضحًا أن قيامه بهذه الخدمة العظيمة لا يجعله يدعو ذاك الذي استأمنه على هذه الخدمة شاهدًا إن لم يكن لديه هذا اليقين وهذه الثقة. بل أراد فوق هذا أن يوضح أن محبته ورعايته لهم هو أمر ضروري. ولكي لا يقولوا له مَن أنت ومن أين أتيت، وكيف تقول أنك تعتني بمدينة كبيرة، ولها مكانة قيادية بين المدن نجد أنه أوضح أن قيامه بمثل هذه الرعاية وهذا الإهتمام هو أمر مُلّح بالنسبة له. إذ كانت الضرورة موضوعة عليه لكي يكرز هناك بالإنجيل. وكان يشعر باحتياج أن يذكر هؤلاء الذين كرز لهم بلا انقطاع.

الله الذي أعبده بروحي” هذه العبادة هى أسمى بكثير من العبادة الوثنية والعبادة اليهودية. لأن العبادة الوثنية هى عبادة كاذبة وجسدية، بينما العبادة اليهودية هى عبادة حقيقية، لكنها هى أيضًا جسدية، لكن العبادة الكنسية هى عكس العبادة الوثنية وشيء أسمى بكثير من العبادة اليهودية. لأن عبادتنا ليست بذبائح وعجول ودخان ورائحة شواء، لكن هى عبادة روحية. هذا ما أعلنه لنا المسيح قائلاً: ” الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا[4]

في إنجيل ابنه “: لقد قال سابقًا ” المفرز لإنجيل الله (الآب)“، هنا يقول “إنجيل ابنه” أي أن هذا الإنجيل هو إنجيل الابن. لأنه تعلّم من السيد له المجد أن كل ما للآب هو للابن وكل ما للابن هو للآب. لأن المسيح يقول ” كل ما هو لي فهو لك. وما هو لك فهو لي[5].

كيف بلا انقطاع أذكركم متضرعًا في صلواتي “: هذا دليل محبة حقيقية. وما يقوم به الرسول بولس هو أمر واحد له عدة جوانب: “أنه يذكرهم” وذكره إياهم هو “بلا انقطاع”، وهذا التذكر هو محور “صلاته” وأخيرًا أنها لأجل أمور عظيمة.

 

” متضرعًا دائمًا في صلواتي عسى الآن أن يتيسر لي بمشيئة الله أن آتي إليكم. لأني مشتاق أن أراكم ” (10:1).

هكذا نرى أنه يشتاق لرؤيتهم ولا يريد أن يحدث هذا بدون مشيئة الله، بل أن تكون هذه الرغبة مقترنة بمخافة الله. لقد أحبهم وكان متعجلاً للذهاب إليهم، لكنه لم يُرد أن يراهم بدون أن يتأكد أن هذه هى مشيئة الله، وهو في هذا مدفوع بمحبته لهم. هذه هى المحبة الحقيقية وليست كالمحبة التي يكون الأنا هو مركزها، أقصد أن هناك مسارين للسلوك فيما يختص بأسلوب محبتنا: فإما أن لا نحب أحدًا، أو عندما نحب فإننا نحب على عكس مشيئة الله[6] والحالتين هما ضد الناموس الإلهي. لكن لو كان مجرد الكلام عن المحبة يثير في نفس المستمع ضيقًا، فهذا يعنى أن ممارسة هذه المحبة ستسبب له ضيقًا أكثر.

 

3ـ ويمكن للمرء أن يتساءل كيف نحب ويكون هذا على عكس مشيئة الله؟ ونُجيب عندما نغض البصر عن المسيح الذي يتضور جوعًا، بينما نعطي لأولادنا ولأصدقائنا ولأقاربنا أكثر مما يحتاجونه. الأمر يحتاج إلى أن نسترسل في حديثنا أكثر من ذلك. لأنه لو فحص كل واحد منا ضميره جيدًا لوجد أن هذا الشيء واردًا في أمور كثيرة. لكن المطوّب بولس لم يكن هكذا، لكنه عرف وتعلّم كيف يُحب، وأن تكون محبته كما ينبغي، وكما يليق. لاحظ إذًا أن مخافة الله والاشتياق لرؤية أهل رومية موجودين بشكل كبير في قلب القديس بولس، لأن صلاته لهم بلا انقطاع، دون توقف، هى دليل محبته الكبيرة، كما أن استمرار خضوعه لمشيئة الله في محبته لهم هو دليل على تقواه العظيمة. تلك التقوى التي اتضحت في موضع آخر عندما تضرع إلى الرب ثلاث مرات لكي تفارقه شوكة الجسد، ومع هذا لم يُستجاب له، وبالرغم من ذلك، فقد شكر الله كثيرًا لأنه لم يسمع له[7]. وهكذا نجده في كل الأمور كان ينظر نحو الله ويخضع لمشيئته. لكن هنا نجد أن الله قد سمع له، ليس عندما طلب ولكن فيما بعد. وهذا يوضح أن عدم إستجابة الله لطلبه في الحال لم يسبب له أى ضيق.

هذه الأمور أقولها، لكي لا نتضايق عندما لا تُستجاب صلواتنا في الحال. لأننا لسنا أفضل من الرسول بولس الذي يشكر في الحالتين. وهو إذ يصنع هذا يفعل حسنًا جدًا. لأنه وضع نفسه في يد ضابط الكل وتحت سلطانه بخضوع كامل، مثل الطينة اللينة في يد صانعها، مُسلّمًا قيادة حياته لله. وبعدما قال إنه يصلي لكي يراهم، يوضح سبب هذا الاشتياق لرؤيتهم. وما هو هذا السبب؟

 

” لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم ” (11:1)

فالقديس بولس لم يقم برحلات بلا هدف أو بلا معنى كما يصنع الكثيرون الآن. لكن لضرورات ولأجل موضوعات ملّحة جدًا. وهو لم يُرد أن يوضح سبب رحلته، لأنه لم يقل لكي أُعلمكم أو أعظكم أو أكمّل ما نقص، لكن قال ” لكي أمنحكم هبة روحية” موضحًا أنه لا يعطيهم شيئًا مما له، لكنه يهبهم ما قد أخذه من الله. وقد فعل هذا من أجل ثباتهم.

فثباتهم وعدم إهتزازهم هو من عمل النعمة. وعندما تسمع عن عمل النعمة، فلا تظن أن أجر تعب الخدمة قد ضاع، بسبب ذكر عمل النعمة، إذ أنه أراد فقط أن يقضى على الإفتخار بتعب الخدمة والتباهى به. فالحديث عن النعمة، لا يعني احتقار جهد الرغبة في الخدمة، وما أراده فقط، هو أن يقضي على الافتخار والزهو غير المقبول. إذًا يجب ألا تعتمد على قوتك، لأن الرسول بولس دعى هذا التعب في الخدمة بالموهبة أو العطية. لأنه يعترف وبتواضع أن تعب الخدمة لا يرجع إلى إمكانياته الشخصية بل إلى الموهبة المعطاة له، لأن هذه المواهب تحتاج إلى دعم وسند من الله. غير أنه بقوله “لثباتكم” أراد أن يوضح بشكل غير معلن أنهم محتاجون إلى تقويم. فما أراد أن يقوله هو: إننى كنت أصلي ومشتاق أن أراكم، لا لسبب آخر، إلا لأن أسندكم وأقويكم وأثبّتكم في مخافة الله باستمرار. لكي لا تتزعزعوا. وبالتأكيد هو لم يتكلم هكذا لكي يجرح مشاعرهم، لكنه بأسلوب آخر يشير إلى هذا المعنى بدون تشديد أو تأكيد على هذا، إذ أنه عندما يقول ” لثباتكم” فإنه يقصد هذا المعنى المشار إليه.

ثم بعد ذلك ـ لأن قوله كان ثقيلاً على نفوسهم ـ لاحظ كيف يجعل قوله مقبولاً، وحتى لا يقولوا ماذا إذًا؟ هل نحن مهتزين، ألسنا ثابتين، هل نحن في حاجة إلى كلامك لكي نثبت؟ لذا نجده يضيف قائلاً ” لنتعزى بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا إيمانكم وإيماني” وبهذه الإضافة فإنه يزيل أي ارتياب يعتريهم. كما لو كان يقول لهم لا ترتابوا، فأنا أتكلم لا لكي أتهمكم، فكلامي لا يحمل هذا المعنى. لكن ما أريد أن أقوله هو إنكم عانيتم كثيرًا من المضايقات والاضطهادات والعذابات من قِبل الحكّام والولاة، لذلك أردت أن أراكم لكي أعزيكم، بل من الأفضل أن أقول، لا لكى أعزيكم فقط، لكن لكي أتعزى أنا أيضًا معكم.

 

4ـ أرأيت حكمة المعلم؟ قال أولاً ” لثباتكم” ولأنه يعرف أن هذا ثقيل ويضايق تلاميذه، فإنه أضاف ” لنتعزى“، ولم يكتفِ بهذا فقط، لكنه يقدم علاجًا أكبر قائلاً:

 

” لنتعزى بالإيمان الذي فينا جميعًا إيمانكم وإيماني ” (12:1).

يالعظمة الإتضاع. فبولس الرسول بقوله هذا يوضح أنه هو نفسه في احتياج لهم وليس هم الذين كانوا في احتياج إليه. إنه قد وضع التلاميذ في موضع المعلّم، دون أن يحتفظ لنفسه بأي امتياز، بل إنه أكد أيضًا على المساواة الكاملة بينه وبينهم لأن الربح سيكون مشترك، وذلك بقوله: إنه محتاج إلى تعزيتهم كما أنهم محتاجون إلى تعزيته.

وبأي وسيلة يتم هذا ” بالإيمان الذي فينا جميعًا إيمانكم وإيماني ” فكما أنه من الممكن أن يجمع المرء أكثر من شعلة لكى يوقدها ليحصل على نار أشد، هكذا أيضًا بالنسبة للمؤمنين. فكما أنه عندما نوجد متفرقين في أماكن مختلفة، فإننا نكون حزانى أو متضايقين، لكن حينما يرى الواحد منا الآخر ونتعانق، فإننا نتعزى تعزية كبيرة. ولذلك يجب ألاّ تقارن ما يحدث الآن بما كان يحدث فيما قبل، فالآن توجد شركة بين المؤمنين في كل مدينة وقرية، بل وفي الصحراء حيث انتشرت التقوى وتلاشي غضب الله. لكن تأمل في ذاك العصر عندما كان يرى المعلّم تلاميذه وأيضًا الأخوة يرون أخوة لهم آتين من مدن أخرى بعيدة، كم كانت فرحة اللقاء عظيمة.

ولكي أجعل ما أقوله أكثر وضوحًا، سأتكلم بمثال، فلو حدث أن ذهبنا إلى بلاد الفرس أو السيكيثيين أو بلاد البربر وتوزعنا اثنين اثنين أو ثلاثة ثلاثة في هذه البلاد،  ثم بعد انقضاء فترة من الزمن، رأينا فجأة شخص قد أتى من هنا، تخيل كم تكون التعزية التي سنحصل عليها. ألا ترون المسجونين عندما يرون أحد أقاربهم، كيف أنهم يمتلئون حيوية وفرح؟ فلو أننا شبهنا الظروف التي عاش فيها أهل رومية بالسجن والأسر، فيجب عليك ألا تندهش، لأنهم عانوا أمورًا أكثر مرارة وقسوة مما يحدث في هذا السجن والأسر. لقد عانوا التشرد والاضطهاد، عانوا الجوع والحروب، وتعرضوا للموت كل يوم، والشك فيهم من قبل أصدقاء، ومعارف وأقارب، وعاشوا كغرباء في بلادهم. ولهذا قال ” لثباتكم، لنتعزى  بينكم بالإيمان الذي فينا جميعًا“. كما أنه قال هذا الكلام، لا لأنه يحتاج إلى مساعدتهم، فهذا الأمر كان مستبعد تمامًا. لأنه كيف يحتاج مَن هو عمود الكنيسة، ومَن كان في إيمانه أقوى من الحديد والصخر، ومَن كان روحيًا أصلد من الماس، ومَن كان يملك قوة لحكم وإدارة مدن كثيرة؟ ولكن قال إنه هو أيضًا محتاجًا لتعزيتهم كي لا يجعل كلمته قاسية وشديدة. و لو تساءل أحدكم قائلاً: طالما أن الرسول بولس مشتاق لرؤية أهل رومية، وأنه يصلى ويتضرع إلى الله من أجل ذلك وأنه سيتعزى هو نفسه وسيعزيهم، فما هو العائق من أن يذهب إلى هناك؟ وهل أراد أن يرد على هذا التساؤل بما أضافه قائلاً:

 

” ثم لست أريد أن تجهلوا  أيها الأخوة أنني مرارًا كثيرة قصدت أن آتي إليكم ومنعت حتى الآن ” (13:1).

أرأيت مثل هذا الخضوع الكبير ودليل الامتنان العظيم. يقول أنه مُنع،  لكن لأي سبب مُنع؟ هو لا يجيب، وذلك لأنه لا يفحص أمر الرب، لكنه يخضع له فقط، وإن كان من الطبيعي أن نتساءل بدهشة كيف يمنعه الله عن الذهاب إلى مدينة مثل رومية تتمتع بحظ وافر من سبل الراحة والبذخ وعظيمة جدًا كما أن نظر كل المسكونة كان يتجه إليها. ولعلنى أقول لقد منعه الله من الذهاب حتى لا تتمتع هذه المدينة المتشامخة بمثل هذا المعلم العظيم ولوقت طويل.

          وهو لم يهتم بأى شيء، بل سلّم نفسه لعناية الله غير المحدودة، مظهرًا بذلك تقوى وحكمة ومعلّمًا إيانا ألاّ نُحمّل الله مسئولية ما يحدث حولنا، حتى وإن كان ما يحدث يبدو أنه يسبب ضيق للكثيرين.

لأن عمل الله هو أن يعطي وصايا، وعمل العبيد هو الطاعة ولهذا فهو يقول لا تسألني عن قرار أو فكر الله ” بل مَن أنت أيها الإنسان الذي تجاوب الله. ألعل الجبلة تقول لجابلها لماذا صنعتني هكذا[8] إذًا لأي سبب تطلب أن تعرف؟ ألا تعرف أن الله يعتني بكل شيء وأنه كلّى الحكمة، وأن عمله دائمًا بتدبير وليس بلا سبب، أو بدون هدف؟ وأنه يحبك محبة فائقة الوصف، وهذه المحبة تتجاوز رعاية الأب وحنان الأم بكثير. إذًا يجب عليك الآن ألاّ تطلب أكثر من هذا، لأن هذا يكفي للعزاء. لأنه حتى مطلب أهل رومية حينذاك كان قد تم تدبيره بحكمة كبيرة.

فعدم معرفة طرق الله في تعامله مع أبنائه، لا يدعو للتذمر، بل إن ذلك يبعث على الإيمان، بمعنى أن يقبل المرء الكلام عن تدبير الله، على الرغم من أنه غير مدرك لطريقة التدبير.

[1] أف3:1.

[2] يقصد هؤلاء الذين بشروا أهل رومية بالإنجيل.

[3] 1تس8:1.

[4] يو24:4.

[5] يو10:17.

[6] يقصد المحبة التي يكون مصدرها الأنا وليست مشيئة الله.

[7] انظر 2كو8:12.

[8] رو20:9.

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة3 ج1 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الثانية:

” بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا المفرز لإنجيل الله. الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة ” (1:1ـ2).

          بينما كتب موسى النبى خمس أسفار، إلاّ أننا لا نجد ما يشير إلى أنه هو كاتب أي من هذه الأسفار الخمسة، وهذا أيضًا ما فعله الكتّاب الذين أتوا بعده وكتبوا الأسفار اللاحقة. أيضًا لا متى ولا مرقس ولا لوقا أو يوحنا أشاروا إلى أسماءهم على أنهم هم الذين كتبوا هذه الأناجيل. لكننا نجد المطوّب بولس يضع اسمه في مقدمة رسائله، إذًا ما هو السبب؟ السبب أن هؤلاء كتبوا إلى أناس عاشوا بينهم، واعتبروا أن كتابة أسمائهم يعد أمرًا زائدًا لا مبرر له. بينما نجد أن الرسول بولس قد أرسل كتاباته من أماكن بعيدة ومتفرقة علي شكل رسائل، ولهذا كان من الضروري إضافة اسمه في هذه الرسائل.

غير أنه لم يكتب اسمه في الرسالة إلى العبرانيين، والسبب في ذلك يرجع إلى أنهم كانوا يقاومونه، فلكي يتجنب معارضتهم ومقاومتهم اذا ما وجدوا اسمه في مقدمة الرسالة، فإنه قد لجأ إلى عدم كتابة اسمه حتى يسمح لكلمته أن تنتشر وتجد لها صدى لدى المستمعين إليها من العبرانيين، ولو أن بعض الأنبياء وسليمان كانوا قد وضعوا أسماءهم على كتاباتهم، فهذا أمر أتركه لكم لكي تفحصوه وتبحثوا لأي سبب وضع بعض الأنبياء أسماءهم ولم يضع البعض الأخر أسماءهم. لأنه لا ينبغي أن أخبركم بكل شيء بل يجب أن تتعبوا وتبحثوا من أجل المعرفة.

          ” بولس عبد ليسوع المسيح ” دعنا نعرف السبب الذي لأجله غيّر الله اسم شاول ودعاه بولس، السبب أن الله أراد لبولس ألاّ ينقصه شيئًا عن باقي الرسل حتى في الاسم، لكى ينال ما حظى به أحد التلاميذ المختارين وأكبرهم[1]، وبذلك يكون لديه دافع لمحبة أكبر. أمر آخر نلاحظه وهو أن بولس لم يدع نفسه ” عبد ليسوع المسيح ” هكذا مصادفة، لأنه في الحقيقة توجد طرق كثيرة للعبودية ـ منها على سبيل المثال ـ أننا كائنات مخلوقة ” لأن الكل عبيدك[2] وأيضًا يقول إرميا النبي ” هاأنذا أرسل فأخذ كل عشائر الشمال يقول الرب وإلى نبوخذ نصر عبدي ملك بابل[3]، لأن المخلوق هو عبد لخالقه. هناك طريقة أخرى للعبودية تأتي من الإيمان والتي بحسبها يقـول ” فشكرًا لله أنكم كنتم عبيدًا للخطية، ولكنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التي سمعتموها، واذ أعتقتم من الخطية صرتم عبيدا لله[4] وعندما يقول ” موسى عبدى قد مات[5]، فهذه العبودية كانت بسبب فرادة موسى، لأنه وإن كان كل اليهود عبيدًا، لكن موسى على وجه الخصوص هو الذي تميز عنهم بنشأته وتربيته.

وفقًا لكل هذه المعانى كان الرسول بولس عبدًا، وبدلاً من أن يعطى لنفسه أعظم الرتب قال ” بولس عبد ليسوع المسيح ” ثم أخذ يستعرض الأسماء الخاصة بالتدبير الإلهي، صاعدًا من أسفل إلى أعلى لأن اسم يسوع قد أحضره الملاك من السموات عندما بشّر العذراء. وسمى بالمسيح من المسح، والذي كان يحصل للجسد أيضًا. وقد يتساءل المرء وبأي زيت يُمسح؟ إنه لم يُمسح بالزيت لكنه مُسح بالروح. وأين دُعوا مسحاء هؤلاء الذين لم يمسحوا بالزيت، عندما قال ” لا تمسوا مسحائي و لا تسيئوا إلى أنبيائي[6] لأن وقتها أيضًا لم يكن إجراء المسح يتم بالزيت؟

المدعو رسولا ” في كل موضع يصف القديس بولس نفسه “بالمدعو” مظهرًا شكره وامتنانه للمسيح، لأنه لم يَسْعَ ولم يبحث عن المسيح، بل إن المسيح نفسه هو الذي دعاه، أما بولس فقد أطاعه لأن الدعوة هى من الله. بل إن المؤمنين أيضًا يدعوهم القديس بولس هكذا ” مدعوين قديسين“. غير أن دعوة هؤلاء هى أن يصيروا مؤمنين، أما هو فقد استأمنه المسيح على عمل آخر. أى على العمل الرسولي المليء بالخيرات السمائية غير المحدودة وبكل المواهب وبالسمو اللائق. وما هو الإحتياج لأن أتكلم أكثر؟ سأشير فقط، لما تكلم به المسيح عندما أتى وعندما سلّم الرسل عمل الخدمة وتركهم قائلاً لهم: ” اذهبوا إلى العالم أجمع اكرزوا بالإنجيل إلى الخليقة كلها[7]، وكان عليهم أن يتمموا خدمتهم. هذا هو أيضًا ما يعلنه الرسول بولس، مُرفّعا رتبة الرسل قائلاً: ” إذ نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا[8].

المفرز لإنجيل الله” ومثلما يحدث داخل البيت الواحد، أن لكل شخص عمل معين يقوم به، هكذا داخل الكنيسة توجد خدمات متنوعة، لكن يبدو لي هنا أن الرسول بولس لا يشير فقط لاختياره ضمن خدامه لأجل عمل الخدمة، بل لاختياره الإلهي منذ البداية لهذا العمل الكرازى. هذا بالضبط ما جاء بإرميا النبي ” وقبلما صورتك في البطن عرفتك وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيًا للشعوب[9].

والرسول بولس عندما يكتب ” المفرز لإنجيل الله ” هو يعلن أنه يكتب إلى أهل رومية الذين يتباهون ويتفاخرون بأنفسهم، مما دفعه لأن يُبين للجميع أن تعيينه للخدمة أتى من الله نفسه. لأن الله هو الذي دعاه والله هو الذي أفرزه. وهو يشير إلى هذا لكي يجعل رسالته أكثر قبولاً وتصديقًا لديهم.

لإنجيل الله” فكما أن متى ومرقس ليسا فقط من الإنجيليين، بل هما أيضًا من الرسل، هكذا فإن بولس ليس رسولاً فقط بل هو إنجيلى أيضًا، إذ هو مفرز ” لإنجيل الله“. ولذلك يصف عمله وخدمته بأنها بشارة مفرحة أى ” إنجيل“. ليس فقط لأجل الخيرات التي أُستعلنت، بل أيضًا لأجل الخيرات التي ستستعلن في الدهر الآتي. لكن كيف يقول إنه يبشر بالله عندما يقول   ” المُفرز“، ” لإنجيل الله“؟ ذلك لأن (الله) كان ظاهرًا قبل أن يُبشر به، ومع أنه كان ظاهرًا لليهود، لكنه لم يكن ظاهرًا للأمم. وحتى في ظهوره لليهود لم يكن ظاهرًا كما ينبغي، لأنهم لم يعرفوا أنه هو الآب، وتخيلوا أمور لا تليق به. لهذا أشار المسيح إلى أن الساجدون الحقيقيون يسجدون للآب بالروح والحق، وأن ” الآب طالب مثل هؤلاء الساجدين له[10]. وفي ملء الزمان عُرف الآب مع ابنه في كل المسكونة، لأن هذا ما شهد به المسيح   ” أن يعرفوك أنت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته[11] ولذلك وصف الرسول بولس كرازته بأنها ” إنجيل الله“، وذلك لكي يبعث الفرح في نفوس المستمعين منذ البداية. لأنه لم يأتِ لكي يبشر بظلال كما صنع الأنبياء، أو ليتحدث عن جرائم أو عن مراثي، بل لكي يعلن أخبارًا مفرحة عن الله، وعن عطايا لا تحصي وخيرات أكيدة لا تنتهي، تلك التي وعد الله بها أنبياءه في الكتب المقدسة. لأنه يقول ” الرب يعطي كلمة المبشّرات بها جند كثير[12]. وأيضًا ” ما أجمل على الجبال قدمي المبشّر المخبر بالسلام المبشّر بالخير[13].

2ـ أرأيت كيف يشير العهد القديـم بشكل صريح ومحدد للدعوة الخاصة بهذه البشارة والطريقة التي ستتم بها؟ وهكذا يؤكد الرسول بولس أيضًا على أن الكرازة بالإنجيل لم تكن بالكلام فقط، لكن بالأعمال أيضًا، فالعمل هو عمل إلهي ومعجزى ويفوق كل قدرات البشر. ولأن البعض يدَّعون أن “البشارة” بالإنجيل هو أمر مستحدث نقول لهم إن “البشارة” بشخص المسيح هى أقدم من عبادات الوثنيين، وكيف أن الأنبياء قد تكلموا عن “البشارة” في أسفارهم. لكن لو أن الإنجيل أي البشارة المفرحة بشخص المسيح لم تعط منذ البداية، فهذا راجع إلى ردود أفعال أولئك الذين لم يريدوا قبوله، لكن الذين قبلوه رأوا وسمعوا. هكذا يقول رب المجد ” أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح[14] وإلاّ فكيف يقول: ” إن أنبياء وأبرارا كثيرين اشتهوا أن يروا ما أنتم ترون ولم يروا، وأن يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا[15]. وأنت يجب عليك أن تنتبه، منذ كم من السنين قيل هذا الكلام؟ لأنه حقًا عندما يريد الله أن يُعد لأمر عظيم، فإنه يتحدث عنه قبل ذلك بسنوات عديدة، لكي يهيئ السامعين لقبوله.

” الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة ” (2:1).

فالأنبياء لم يتكلموا فقط، لكن سجلوا هذا الذي تكلموا به، ولم يكتبوا فقط، بل أعلنوه بأعمالهم، مثلما فعل إبراهيم، عندما قاد اسحق للذبح، ومثلما رفع موسى الحيّة في البرية ورفع يديه في مقابل عماليق، وذبح خروف الفصح.

” عن ابنه الذي صار من نسل داود من جهة الجسد ” (3:1).

ماذا تفعل يا بولس؟ لقد ارتفعت بنفوسنا إلى أعلى وجعلتنا نتطلع لأمور عظيمة فائقة، وتحدثت ليس فقط عن الإنجيل، بل إنجيل الله، وقدمت لنا أعمال الأنبياء، وكيف أن جميعهم كرزوا منذ سنوات بعيدة بهذا الذي سوف يحدث في أجيال لاحقة، إلاّ أنك تهبط بنا مرة أخرى إلى داود. أخبرني عن أي إنسان أنت تتحدث وكيف تتساوى هذه الأمور في القيمة مع كل ما قيل؟ نعم تتساوى وبشكل كامل، لأنه يقول إن الكلمة المتجسد ليس هو إنسان عادي ولهذا فقد أضاف “من جهة الجسد”، مشيرًا إلى أن هناك ميلاد أزلى له. لكن لأي سبب بدأ بعبارة  “من جهة الجسد” وليس من الميلاد الروحي؟ ولماذا لم يبدأ من أعلى وبدأ من أسفل؟ لأن متى ومرقس ولوقا أيضًا بدأوا من ميلاده الجسدي، حيث أن هذا الميلاد الجسدي هو الذي يقود إلى السماء. لقد كان هناك احتياج وضرورة أن يقود الجميع من أسفل إلى أعلى.

فالبشر رأوا المسيح في البداية كإنسان على الأرض، لكنهم عرفوه كإله. كما أعلن هو عن ذاته. هكذا أيضًا فإن التلميذ (بولس) قد تبع نفس الطريق الذي يقود إلى أعلى. لذلك فهو يتحدث عن الميلاد الجسدي، لا لأنه كان أولاً، بل لأن الميلاد الجسدي لكلمة الله يقودنا لمعرفة ميلاده (الأزلى).

” وتعين ابن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات. يسوع المسيح ربنا ” (4:1).

بعدما قال ” من نسل داود من جهة الجسد” يقول ” وتعين ابن الله” هذا الامر أضحى غير واضحٍ بسبب تداخل الكلمات، ولذلك فالضرورة تفرض علينا أن نحلل ونشرح هذا الأمر. كونه آتي من نسل داود من جهة الجسد هو أمر واضح. لكن من أين يظهر أن هذا الذي صار إنسانًا، هو ابن الله ؟

أولاً: من الأنبياء، ولهذا قال ” الذي سبق فوعد به بأنبيائه في الكتب المقدسة” وهذا الدليل يسمى بالدليل العادي البسيط.

ثانيًا: من خلال طريقة الميلاد ذاتها، لأن ميلاده فاق قوانين الطبيعة.

ثالثًا: من خلال المعجزات التي صنعها، وهذا ما يعنيه بكلمة (تعين بقوة). رابعًا: من خلال الروح الذي أعطاه لأولئك الذين آمنوا به، لأن من خلاله صاروا قديسين. ولهذا يقول ” من جهة روح القداسة” فالله وحده هو القادر أن يمنح هذه العطية.

خامسًا: من خلال قيامة السيد لأنـه هو فقط أول من قام. فهو الذي قال    ” انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه[16] وأيضًا ” متى رفعتم الإنسان فحينئذٍ تفهمون أني أنا[17] وقال لهم ” جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلاّ آية يونان النبي[18]. إذًا فماذا تعني كلمة ” تعيّن”؟ تعنى ذاك الذي أُستعلن، الذي اعترف به الجميع، وتنبأ عنه الأنبياء، ووُلِدَ بشكل معجزى كإنسان، وتأيد بقوة صنع المعجزات، أعطى الروح القدس الذي بواسطته منح القداسة لآخرين، وأخيرًا أُستعلن من خلال قيامته التي بها أبطل سلطان الموت.

” يسوع المسيح ربنا الذي به لأجل اسمه قبلنا نعمة ورسالة لإطاعة الإيمان في جميع الأمم ” (5:1).

انتبه إلى امتنان العبد (بولس) الذي لا يريد أن ينسب لنفسه أي شئ،  بل هو يؤكد على أن كل الأشياء هى من الله. خاصة وأن الروح القدس هو عطية الله. ولهذا يقول السيد له المجد ” إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع فيتكلم به ويخبركم بأمور آتية[19].

وأيضًا ” قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل[20] وفي رسالة الرسول بولس إلى أهل كورنثوس يقول ” فإنه لواحد يُعطي بالروح كلام حكمة، ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد[21] وأن ” هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء[22] ويقول لقسوس أفسس ” احترزوا اذًا لأنفسكم ولجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها أساقفة[23].

هل لاحظت أن الرسول ينسِب للابن ما يُنسَب للروح، وما يُنسَب للروح يُنسَب للابن. ويقول: ” قبلنا نعمة ورسالة ” أي أننا لم نَصِرْ رسلاً بواسطة إمكانياتنا، ولم نَصِرْ رُسلاً لأننا عانينا كثيرًا وتعبنا، ولكن لأننا أخذنا نعمة، وهذه الإمكانيات هى نتيجة العطية الإلهية التي تهدف ” لإطاعة الإيمان”.

3ـ وعليه فليس الرسل هم الذين تمكنوا من نشر الرسالة، ولكن النعمة هى التي مهدت الطريق. لأن عملهم كان أن يجولوا وأن يكرزوا وأن يقنعوا، لكن نعمة الله هى التي عملت معهم، كما يقول لوقا ” ففتح ذهنهم[24] وفي موضع آخر يقول ” لكم قد أعطى أن تعرفوا أسرار ملكوت الله[25] وهذه المعرفة هى “لإطاعة الإيمان” ولم يقل للبحث وأداء العمل، ولكن “لإطاعة” لأنه لم يرسلنا لكي نجمع مجموعة من الناس، بل لكي ينتشر عمل الله الذي استؤمنا عليه. وعندما يقول الرب شيئًا، ينبغى على أولئك الذين يسمعون أن يقبلوه ببساطة، بدون أن يفحصوا ويبحثوا في هذا القول بارتياب، وكذلك لا يضيفوا شيئًا من أنفسهم. فالرسل قد أُرسلوا لأجل هذا، أى لكى ينقلوا ما سمعوه، ثم بعد ذلك لكي نؤمن نحن. وأتساءل بأي شيء نؤمن؟ وأقول نؤمن باسمه، ولا ننشغل بأمور تفوق العقل، بل نؤمن باسمه فقط. لأن باسم يسوع المسيح صارت المعجزات ” باسم يسوع المسيح الناصري قم وأمش[26] هذه الأمور تحتاج إلى إيمان، فلا يوجد شئ من هذه الأمور كلها يمكن أن نفهمها بالمنطق فقط. 

ويضيف قائلاً: لإطاعة الإيمان في جميع الأمم“. هل كرز الرسول بولس لكل الأمم؟ لقد جال من أورشليم حتى خليج إلليريكون، ومن هناك وصل حتى أقاصي الأرض، وهذا الأمر واضح من خلال ما كتبه إلى أهل رومية بقوله ” لإطاعة الإيمان في جميع الأمم” فهو لا يتكلم عن نفسه فقط، ولكن عن الاثنى عشر رسولاً، وكل من بشّر بكلمة الإنجيل من بعدهم. كما يُلاحظ أنه يسمو بهذه العطية (أن الإيمان وصل إلى جميع الأمم)، ويظهرها أنها عطية عظيمة وأسمى بكثير من العطية القديمة السابقة. فلو كانت العطايا القديمة قد صارت لأمة واحدة، فإن هذه النعمة الجديدة تمثل دعوة لكل المسكونة.

ولاحظ من فضلك أن للقديس بولس نفسًا نقية لا تعرف التملق أو المداهنة. فعلى الرغم من أنه يكتب لأهل رومية تلك المدينة التي تمثل المركز الحضارى لكل المسكونة في ذلك الوقت، فإنه لم يفضلّهم عن باقي المسكونة. ولم يقل أنهم متميزون عن غيرهم في الروحيات، أو أنهم يسودون لأنهم يمتلكون القوة لكنه يقول، كما نكرز بالإيمان لجميع الأمم، هكذا نكرز لكم. فهو يتحدث إليهم كما يتحدث إلى السكيثيين وإلى أهل ثراكي، معتبرًا إياهم مثل غيرهم من الأمم من جهة الدعوة والإيمان، ولهذا نجده يخاطبهم قائلاً:

 

الذين بينهم أنتم أيضًا مدعوو يسوع المسيح (6:1).

أى أن مع هؤلاء الذي دعاهم من بين الأمم، هم أيضًا (أهل رومية) مدعوين لهذا. لم يقل إنه دعى الآخرين (الأمم) معهم. حتى لا يشعروا بتميزهم على الآخرين وبقوله أنتم أيضًا مدعوو يسوع المسيح” قصد أن يوضح أنه إن كان في المسيح لا يوجد عبد ولا حر، فبالأولى كثيرًا لا يوجد فرق بين ملك ومواطن عادي، لهذا فأنتم وهؤلاء قد دعيتم ولم تأتوا من تلقاء أنفسكم.

 

إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين قديسين. نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح (7:1).

لاحظ كيف أنه باستمرار يستخدم عبارة ” المدعو“، فيقول ” المدعو رسولاً“، وأيضًا ” الذين بينهم أنتم أيضًا مدعوون“، ثم ” إلى جميع الموجودين في رومية أحباء الله مدعوين” وهو لا يفعل هذا بدون هدف يخدم كرازته، لكنه يريد أن يذكّرهم بالدعوة الموجهة للجميع. لأنه كان طبيعيًا أن يوجد بين المؤمنين قوم في رتب عسكرية، ونبلاء، وفقراء، ومواطنين بسطاء، وهو فعل ذلك لكي ينزع جذور التمييز بين الرتب والمناصب. فهو يكتب في رسالته تحية واحدة موجهة للجميع. فإن كان في الأمور الأكثر أهمية أي في الأمور الروحية كل شيء مشترك بين العبيد والأحرار، مثل محبة الله، الدعوة، البشارة المفرحة والتبني والنعمة والسلام، والقداسة وكل الأمور الأخرى، فكيف لا يكون التمييز بين الناس على أساس الأمور الأرضية دليلاً على الحماقة الشديدة، خصوصًا إن كان الله قد وحدّهم وجعلهم متساوين في منحهم العطايا الأكثر سموًا؟ لذلك نجد أن المطوّب بولس ـ منذ البداية ـ يُبعد هذا المرض المخيف ويقود الجميع نحو الاتضاع الذي هو أساس كل صلاح. فهذه المساواة في الأمور الروحية قد جعلت العبيد يشعرون بالإرتياح والرضا، لأنهم أدركوا أنهم لن يتضرروا من كونهم عبيدًا، طالما قد امتلكوا الحرية الحقيقية. وأيضًا جعلت السادة الأحرار معتدلين، لأنهم أدركوا أن أعمال الإيمان لابد وأن تسبق الحرية وإلاّ فإنهم لن يحققوا أية فائدة من وراء تلك الحرية، وهو يعرف كيف يختار أقواله بشكل واضح ومحدد. ولذلك فإنه لم يوجه رسالته إلى جميع الذين في روما، لكن بالتحديد إلى ” أحباء الله“، وهذا هو أفضل تحديد إذ أيضًا يُظهر من أين تأتي القداسة.

4ـ حسنًا فمن أين تأتي القداسة؟ تأتي من المحبة، لهذا قال ” أحباء الله” وحينئذٍ أضاف ” مدعوين قديسين ” موضحًا أن من خلال المحبة نقتني كل الخيرات وكل صلاح. وهو يدعو كل المؤمنين قديسين ” مدعوين قديسين نعمة لكم وسلام” هذه هى المحبة التي تحمل خيرات غير محدودة، وهذه هى التحية التي طلب المسيح من الرسل أن يقولوها عندما يدخلوا البيوت، ولهذا فإن الرسول بولس كان على الدوام يبدأ بهذه التحية، أي بالنعمة والسلام. لأن المسيح لم يبطل حربًا صغيرة، لكن حربًا طويلة الأمد متعددة الأشكال والأساليب وأتى لنا بالسلام، ولذلك فهذا السلام لا يأتى بجهادنا نحن، لكن من خلال نعمته.

إذًا فما دامت المحبة قد منحت النعمة والنعمة منحت السلام، فقد تمني لهم أن يقيموا فيها دومًا وبثبات، لكي لا تنشب الحرب مرة أخرى. ثم يترجى من ذاك الذي أعطى النعمة والسلام أن يحفظهما على الدوام بقوله:     ” نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب يسوع المسيح“. وهنا هو يطلب من الآب وابنه يسوع المسيح معًا. لأنه لم يقل لتكن لكم النعمة والسلام من الله الآب من خلال ربنا يسوع المسيح، لكن قال من الله الآب والرب يسوع المسيح. عجيبة هى محبة الله القوية. فالأعداء والفجّار صاروا قديسين وأبناء. وعندما يدعو المسيح قائلاً إن الله ابيه، فإن هذا يمثل إعلانًا عن بنوته لله، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن تعبير “أبناء” يكشف عن عمق غنى صلاح الله. إذًا فلنتبع السلوك الحسن بالنعمة ولنحفظ السلام والقداسة. لأن الرتب والمناصب الأخرى هى وقتية وستختفي مع الحياة الحاضرة، بل وتشترى بالمال. وعليه فإن كيان الشخص الحقيقي لن يأتي بتقلد المناصب، لأن الرتب والمناصب لها فقط قوة في الزي وفي تملق الحراس، بينما النعمة والسلام، لأنهما قد أعطيا من الله، فلن يستطيع ولا حتى الموت أن يوقفهما. فإن النعمة والسلام يجعلانا مشرقين هنا في هذه الحياة، وترافقانا في الدهر الآتي أيضًا. لأن الذي يحافظ على عطية التبني والقداسة بكل تدقيق هو حقًا مشرق وأكثر سعادة من ذاك الذي يرتدي التيجان وله الرداء الملوكي. بل إنه في هذه الحياة الحاضرة أيضًا يتمتع بهدوء عظيم، متمسكًا بالرجاء الصالح، دون أن يتملك عليه القلق والاضطراب، كما أنه ينعم بالفرح والشكر على الدوام. لأن المسرة والفرح لا تجلبهما ـ عادةً ـ السلطة الكبيرة، ولا الأموال الكثيرة، ولا حجم المُلك، ولا قوة الجسد ولا المأكولات الشهية والملابس المزينة، أو أي شيء من هذه الأمور العالمية الأرضية، بل فقط النمو الروحي والضمير الصالح هما اللذان يمنحان هذا الفرح وهذه المسرة. كما أن ذاك الذي يحمل ضميرًا نقيًا، حتى وإن كان يرتدي ملابس رثة ويتضور جوعًا، فهو أكثر سعادة من أولئك الذين يحيون في غنى فاحش، وبالعكس فمن يحمل ضميرًا شريرًا، حتى ولو مَلكَ كل الأموال فهذا يكون الأكثر تعاسة من الجميع.

ولهذا فإن القديس بولس على الرغم من أنه عاش زاهدًا في عوز مستمر وتجرد، وكان يعاني من الآلام بشكل يومي، إلاّ أنه كان فرحا أكثر من ملوك عاشوا في عصور سابقة، وأعني آخاب على سبيل المثال. فعلى الرغم من أنه كان ملك وعاش في غنى كثير وافر، لكن لأنه صنع الشر، فقد أصيب بالاكتئاب والضيق، وكان وجهه حزينًا قبل وبعد الخطية. إذًا فلو أردنا أن نتمتع بالفرح، فيجب علينا ـ قبل كل شئ ـ أن نتجنب الشر وأن نسعى نحو الفضيلة. فبدون هذا لن نستطيع أن نشترك في هذا الفرح الروحي. ولهذا فان الرسول بولس يقول في موضع آخر إن ” ثمر الروح هو محبة فرح سلام[27]. هذا الثمر إذًا يجب أن نبتغيه ونغذي به أنفسنا حتى نتمتع بفرح هذه الحياة، ونقتني الملكوت الآتي بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] يقصد القديس بطرس الذي قال له السيد المسيح ” أنت سمعان بن يونا، أنت تدعى صفا الذي تفسيره بطرس ” (يو42:1).

[2] مز91:119.

[3] إر9:25.

[4] رو17:6ـ18.

[5] انظر يش2:1.

[6] مز15:105.

[7] مر15:16.

[8] 2كو20:5.

[9] إر5:1.

[10] يو23:4.

[11] يو3:17.

[12]  مز11:68.

[13] إش7:52، انظر أيضًا ناحوم 15:1.

[14] يو56:8.

[15] مت17:13.

[16] يو19:2.

[17] يو28:8.

[18] مت39:12.

[19] يو12:16.

[20] أع2:13.

[21] 1كو8:12.

[22] 1كو11:12.

[23] أع28:20.

[24] لو45:24.

[25] لو10:8.

[26] أع6:3.

[27] غلا22:5.

رسالة رومية الأصحاح1 – عظة2 – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة بولس الرسول إلى رومية – عظة1 ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة بولس الرسول إلى رومية – عظة1 ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

رسالة بولس الرسول إلى رومية – عظة1 ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

العظة الأولى:

مقدمة الرسالة للقديس يوحنا ذهبي الفم

1ـ نسمع دائمًا أن رسائل المُطوّب بولس تُقرأ مرتين، وفي مرات كثيرة ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع الواحد، وذلك عند الاحتفال بتذكار الشهداء القديسين.

 

وبكل تأكيد يمتلكني فرح عظيم وأنا أستمع لهذا الصوت الروحاني ـ صوت القديس بولس ـ وأشعر بالسمو وبدفء الروح وكثيرًا ما أتخيله حاضرًا أمامي، وأعتقد أنني أراه يتكلم. ولكنني في الوقت نفسه ينتابني حزن وألم، لأن هذا الرجل لا يعرفه الكثيرون حق المعرفة. كما أن البعض يجهله بشكل كبير، بل إنهم لا يعرفون ولا حتى كم تكون عدد رسائله. وهذا يحدث لأنهم لا يرغبون في الانشغال بهذا القديس.

 

ونحن إن كنا نعرف بعض الأشياء عنه، فهذا لا يرجع إلى استنارة الفكر ويقظته، بل باستمرار كان أمامنا هدف، هو التواصل مع هذا الرجل، فقد إنشغلنا به زمانًا طويلاً. والذين يحبون أشخاصًا يشتاقون دائمًا لمعرفة أمورهم أكثر من الآخرين لأن هذه الأمور تعنيهم. وهذا بالضبط ما يعلنه لنا الرسول بولس اذ يقول لأهل فيلبي ” كما يحق لي أن أفتكر من جهة جميعكم، لأني حافظكم في قلبي وفي وثقي وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته أنتم الذين جميعكم شركائي في النعمة[1].

 

ولهذا اذا توخيتم الدقة في قراءتكم، فلن يكون لديكم احتياج لأي شيء آخر. صادقة هى كلمة المسيح الذي قال ” اسألوا تعطوا اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم[2]. لكن لأن الكثيرين من المجتمعين هنا معنا، تعهدوا مسئولية تربية الأولاد والاهتمام بالزوجة والعناية بشئون الأسرة، فإنهم لن يستطيعوا أن يكرسوا كل جهدهم لهذا العمل.

 

ولهذا إذا أردتم أن تتمتعوا بما يعرفه الآخرون، اعتنوا جيدًا أن تُظهروا اهتمامًا لسماع الأقوال الالهية، على قدر ما تهتمون بجمع واكتناز الأموال، على الرغم من أنه ليس من المفترض أن أطلب منكم أن تفعلوا ذلك، لأنه سيكون أمرًا مفرحًا أكثر، لو أنكم أبديتم من أنفسكم اهتمامًا أوفر. فالواقع أنه بسبب الجهل بالكتب المقدسة، قد نتجت شرور لا حد لها. ولنفس السبب أيضًا كانت تلك النتائج المدمرة للهرطقات الفاسدة. وهذا راجع لعدم المبالاة والجهد الضائع في أمور لا فائدة منها.

 

فالذين حُرموا من نعمة البصر لا يستطيعون السير بشكل طبيعي، هكذا أيضًا أولئك الذين لا يتطلعون نحو بهاء الكتب المقدسة، فإنهم يسقطون حتمًا في خطايا كثيرة لأنهم يسيرون في ظلام مخيف. ولكي لا يحدث كل ذلك، علينا أن نفتح عيون أذهاننا نحو شعاع الكلمة الرسولية. لأنه بالحقيقة قد أشرقت كلمة الرسول بولس أكثر من الشمس، وحُسب أفضل من الجميع من جهة تعاليمه، ونال نعمة الروح القدس بوفرة إذ أنه قد تعب أكثر من جميعهم. وهذا يظهر لا من خلال رسائله فقط، بل أيضًا من خلال سفر أعمال الرسل، لأنه عندما كانت تسنح له الفرصة بالكلام، لم يكن يتردد في إعطاء كلمة، إذ كان لديه دائمًا ما يقدمه.

ولهذا، فقد اعتبره أهل لسترة أنه هرمس (Erm»j)[3] لأنه كان المتقدم في الكلام ” فكانوا يدعون برنابا زفس وبولس هرمس إذ كان هو المتقدم في الكلام[4].

 

2ـ لكن لأن الأمر هنا يتعلق بالرسالة إلى أهل رومية، فهناك احتياج أن نحدد زمن كتابتها، لأنها ليست كما يظن البعض مكتوبة قبل الرسائل الأخرى. لكنها كتبت قبل تلك الرسائل التي كُتبت من روما. لأن الرسالتين إلى أهل كورنثوس، أُرسلتا قبل رسالة رومية، وهذا واضح مما كتبه في نهاية الرسالة قائلاً: ” ولكن الآن أنا ذاهب إلى أورشليم لأخدم القديسين. لأن أهل مكدونية وأخائيه استحسنوا أن يصنعوا توزيعًا لفقراء القديسين الذين من أورشليم[5]. وفي رسالته إلى أهل كورنثوس يقـول ” وإن كان يستحق أن أذهب أنا أيضًا فسيذهبون معي[6]. قال ذلك لأولئك الذين أحضروا المساعدات إلى هناك. إذًا فمن الواضح أنه عندما كتب الرسالة إلى أهل كورنثوس كان في رحلته هذه. وعليه تكون رسالة رومية قد كتبت بعد رسالتي كورنثوس. ومن الواضح أيضًا أن الرسالة إلى أهل تسالونيكي قد كتبت قبل الرسالة إلى أهل كورنثوس، لأنه تكلم عن أعمال الرحمة عندما قال ” وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن أكتب إليكم عنها لأنكم أنفسكم متعلّمون من الله أن يحب بعضكم بعضًا[7]. ووقتها كتب إلى أهل كورنثوس موضحًا هذا الأمر قائلاً: ” لأنى أعلم نشاطكم الذي افتخر به من جهتكم لدى المكدونيين أن أخائية مستعدة منذ العام الماضي. وغيرتكم قد حرّضت الأكثرين[8].

 

إذًا، بينما رسالة رومية تعتبر لاحقة على هذه الرسائل، إلاّ أنها سابقة على الرسائل التي كتبت من روما، لأنه لم يكن قد انتقل بعد إلى روما عندما كتبت هذه الرسالة وهذا يوضحه قائلاً: ” لأني مشتاق أن أراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم[9]. ومن روما كتب إلى أهل فيلبي، ولهذا يقـول ” يسلّم عليكم جميع القديسين ولاسيما الذين من بيت قيصـر[10]، وإلى العبرانيين كتب يقول: ” سلّموا على جميع مرشديكم وجميع القديسين، يسلّم عليكم الذين من إيطاليا[11]. والرسالة الثانية إلى تيموثاوس أرسلها من روما، بينما كان مسجونًا، وهذه الرسالة كما يتضح لي قد كتبت آخر الرسائل وهذا واضح من نهايتها ” فإني أنا الآن أسكب سكيبًا ووقت انحلالى قد حضر[12]. وفيما يتعلق بأمر انتهاء حياته هناك، فهذا أمر واضح وأكيد للجميع.

أيضًا الرسالة إلى فليمون، تُعد من الرسائل الأخيرة، لأنه كان قد كتبها وهو في سن متقدم جدًا ولهذا يقول: ” من أجل المحبة أطلب بالحري إذ أنا إنسان، هكذا نظير بولس الشيخ والآن أسير يسوع المسيح أيضًا[13]. لكنها كانت سابقة على الرسالة إلى كولوسي، وهذا واضح من ختام رسالة كولوسي “جميع أحوالي سيعرفكم بها تيخيكيس الأخ الحبيب والخادم الأمين والعبد معنا في الرب الذي أرسلته اليكم لهذا عينه ليعرف أحوالكم ويعزي قلوبكم مع أنسيمس الأخ الحبيب الذي هو منكم. هما سيعرفانكم بكل ما ههنا[14]. وأنسيمس هو الشخص الذي من أجله كُتبت الرسالة إلى فليمون. وأنسيمس ليس شخصًا يحمل اسم آخر، وهذا واضح من أرخبس، الذي أخذه الرسول بولس مساعدًا له. وهو يوجه له النصح عندما يكتب إلى أهل كولوسي قائلاً: ” وقولوا لأرخبس انظر إلى الخدمة التي قبلتها في الرب لكي تتمها[15].

 

ويتضح لي أيضًا أن رسالة غلاطية سابقة على الرسالة إلى أهل رومية. لكن إن كانت هذه الرسائل لها ترتيب آخر مختلف، فهذا لا يعتبر أبدًا شيئًا غريبًا. فالأنبياء الاثني عشر على الرغم من أنهم زمنيًا لا يأتون الواحد بعد الآخر، بل يفصل بينهم مسافات زمنية بعيدة، نجد أنهم يأتون في الترتيب الواحد بعد الأخر. فحجي وزكريا وآخرون تنبأوا بعد حزقيال ودانيال وكثيرون بعد يونان وصفنيا والأنبياء الآخرين، ومع هذا فهم في وحدة واحدة مع أولئك الذين تفصلهم عن بعضهم البعض مسافات زمنية بعيدة.

3ـ ونرجو ألا يعتبر أحدكم أن هذا العرض السابق هو أمر غير مهم، أو هو نوع من الإسترسال الذي يتجاوز موضوع البحث في هذه الرسالة لأن زمن كتابة الرسائل يساعدنا كثيرًا في موضوعنا هذا. لأنه عندما يكتب إلى أهل رومية وإلى أهل كولوسي عن نفس الموضوعات، فإنه لا يكتب بالأسلوب نفسه. فهو عندما يكتب إلى أهل رومية نلاحظ نبرة الود الشديد في كلامه، فنجده يقول: ” من هو ضعيف في الإيمان فاقبلوه لا لمحاكمة الأفكار. واحد يؤمن أن يأكل كل شيء، وأما الضعيف فيأكل بقولا[16]. بينما نجده وهو يكتب إلى أهل كولوسي عن نفس الموضوعات، أن هناك نبرة متشددة في كلامه فيقول: ” إذًا إن كنتم قد قمتم مع المسيح عن أركان العالم. فلماذا كأنكم عائشون في العالم تفرض عليكم فرائض لا تمس ولا تذق ولا تجس التي هى جميعها للفناء في الاستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس التي لها حكاية حكمة بعبادة نافلة، وتواضع وقهر الجسد ليس بقيمة من جهة إشباع البشرية[17].

 

وأنا لا أجد سببًا آخر لهذا الاختلاف في الكلام، إلاّ زمن كتابة هذه الرسائل ورده على تساؤلات خاصة، ويمكن للمرء أن يجد أن الرسول بولس يصنع هذا الأمر في مواضع أخرى من رسائله.

هذا أيضًا ما يفعله كل من الطبيب والمعلم. فالطبيب لا يعامل مرضاه الذين هم في بداية المرض بنفس الطريقة مع مرضى آخرين، قد اقتربوا من مرحلة الشفاء. ولا المعلّم أيضًا يتعامل مع الأولاد الراغبين في تعلّم الحروف الأولى، بنفس الطريقة مع أولئك الذين لهم احتياج لتعاليم أكمل. ولذلك فالمطوّب بولس عندما يكتب نجد أن لديه دافعًا لكى يكتب. لكن ما هو الدافع لكتابة رسائله؟ هو نفسه يوضح هذا وهو يكتب لأهل كورنثوس قائلاً: ” وأما من جهة الأمور التي كتبتم لي عنها[18]، بينما لأهل غلاطية يكتب عن نفس الأمور من بداية الرسالة إلى نهايتها، أما بالنسبة لأهل رومية، فلأي سبب ولأي هدف كتب إليهم؟ ولماذا يؤكد لهم أنهم مملوءون من كل صلاح ومن كل معرفة، وقادرون على تقديم النصح للآخرين؟

لأي سبب إذًا كتب الرسالة؟ بسبب نعمة الله إذ يقول: ” ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيًا أيها الأخوة، كمذّكر لكم بسبب النعمة التي وهبت لي من الله حتى أكون خادمًا ليسوع المسيح[19].

 

   ولهذا قال منذ البداية: ” وإني مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء. فهـكذا ما هو لي مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية أيضًا[20]

لقد أراد، أن يقدم النصح للآخرين، لكن في الوقت نفسه كان من الضروري أن يصحح الأوضاع عن طريق رسائله، لأنه لم يكن قد وصل بعد إلى روما. فهو يقدم النصح لهم على رجاء حضوره الشخصي فيما بعد.

 

لقد احتضن الرسول بولس كل المسكونة وحمل الجميع داخله. واعتبر أن الإتحاد بالله هو أهم وأعظم بكثير من أي قرابة أخرى. لقد كان هدفه هو أن يلدهم جميعًا من أجل أن يتصور المسيح فيهم. هكذا أحبهم، وبمعنى أفضل، لقد أظهر أحشاء رأفة أكثر جدًا من أي أب جسدي. هذه هى نعمة الروح القدس التي تنتصر على الآلام الجسدية وتظهر شوقًا روحيًا ملتهبًا. وهذا ما يراه المرء بشكل خاص جدًا في شخص الرسول بولس الذي من أجل محبته للجميع، صار مثل طائر ينتقل من مكان إلى آخر دون  أن يبقى في مكان واحد. لأنه سمع المسيح يقول لبطرس ” أتحبني ارع خرافي[21] وأخذ على عاتقه هذا الأمر كأعظم قانون للمحبة، وقدمه بأسلوب فاق الجميع.

 

4ـ ومادمنا نسير على خطى هذا المحب، دعونا أن يصحح كل واحد منا ـ لا أقول مسيرة الكون كله أو مدن أو أمم بأكملها ـ لكن على الأقل بيته وزوجته وأولاده وأصدقاءه وجيرانه. ولا يقل لي أحد أنه عاجز أو أنه إنسان بسيط، فلا يوجد مَن هو عديم العلم أكثر من بطرس أو مَن هو أبسط من الرسول بولس. هو نفسه اعترف ولم يخجل أن يقول: ” إن كنت عاميًا في الكلام فلست في العلم[22]. لكن هذا البسيط والآخر غير المتعلم انتصرا على فلاسفة كبار وأفحما العديد من الخطباء، وتفوقا في كل شيء بضميرهم النقى وبعمل نعمة الله داخل نفوسهم.

 

وأي جواب سنعطي إن كنا لا نقدم عونًا لأحد ولا حتى لعشرين شخصًا، ومادمنا غير نافعين حتى للمقيمين معنا؟ فالتذرع بالجهل أو بالبساطة هى إذًا أمور لا مبرر لها لأن عدم التعليم ونقص الثقافة لن يعوق الكلمة، ما يعوقها هو الكسل والخمول وعدم اليقظة، وطالما قد نفضنا عن أنفسنا هذا الكسل واهتممنا برعاية الآخر، سنتمتع بالهدوء والسلام الداخلي، وسنصحح مسيرة أحبائنا بمخافة الله، حتى نتمتع في الحياة الأبدية بخيرات لا تحصى بالنعمة ومحبة البشر اللواتي لربنا يسوع المسيح الذي له المجد مع الآب والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين.

[1] في7:1.

[2] مت7:7.

[3] هرمس ـ حسب المعتقدات الوثنية ـ هو إله اليونانيين القدماء الذي كان يقوم بتوصيل رسائل مفهومة من الآلهة إلى البشر والمزارعين والمسافرين والرياضيين والأدباء والعلماء والفنانيين.

[4] أع13:14.

[5] رو25:15.

[6] 1كو4:16.

[7] 1تس9:4.

[8] 2كو2:9.

[9] رو11:1.

[10] 1تي22:4.

[11] عب24:13.

[12] 2تيمو6:4.

[13] فليمون9:1.

[14] كو7:4ـ9.

[15] كو17:4.

[16] رو1:14ـ2.

[17] كو20:2ـ23.

[18] 1كو1:7.

[19] رو15:15.

[20] رو14:1ـ15.

[21] يو15:21.

[22] 2كو6:11.

 

رسالة بولس الرسول إلى رومية – ع1 ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

التعاليم اللاهوتية للرسالة:

في تعاليم هذه الرسالة والتي تُعد بمثابة تعاليمًا لاهوتية خاصة بالموضوع المحورى في الحياة المسيحية، والذي هو المكانة الجديدة للإنسان عند الله، تلك المكانة التي تأسست بتجسد المسيح، يعلن الرسول بولس رفضه التمسك بأحكام الناموس.

لقد جمع الرسول بولس حوله أصدقائه المقربين والمخصصين للخدمة، عند كتابة هذه الرسالة، وهؤلاء كان ينبغى أن يكونوا حاضرين، خاصةً وهو يخرج كل ما في نفسه، من أجل تأصيل الحقائق الإيمانية لمواجهة أى انحرافات في التعليم من الممكن أن تهدد سلام الكنيسة ووحدتها فيما بعد. وقد نال ترتيوس أحد تلاميذ الرسول بولس، شرفًا عظيمًا بأن يكون هو مَن أملاه الرسول بولس رسالته هذه، وقد سجل هو نفسه هذا الأمر بكل افتخار في نهاية الرسالة ” أنا ترتيوس كاتب هذه الرسالة أسلم عليكم في الرب” (رو22:16).

 

          وبعد هذه المقدمة، يُعلن الرسول بولس أمرًا له الأهمية القصوى في حياة المسيحيين وهو أن إنجيل المسيح هو قوة الله للخلاص ” لست أستحى بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل مَن يؤمن” (رو16:1). ومثلما كانت حياة القديس بولس مُقسمة إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل معرفة المسيح، ومرحلة ما بعد إيمانه بالمسيح، هكذا فإنه يرى أن تاريخ الإنسانية مُقسّم إلى قسمين، مرحلة ما قبل التجسد، ومرحلة ما بعد التجسد الإلهى. ففي مرحلة ما قبل المسيح، كانت البشرية بلا خلاص، ثم تمتعت الإنسانية بهذا الخلاص بعد تجسد المسيح، الذي رد لها مكانتها الأولى. ” لأنه إن كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالأولى كثيرًا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح” (رو17:5).

 

          لقد كان الجميع، سواء اليهود أو الأمم، تحت غضب الله ” لأن غضب الله مُعلن من السماء على جميع فجور الناس واثمهم الذين يمزجون الحق بالإثم” (رو18:1). ولم تستطع الحضارات المختلفة ولا التيارات الثقافية والفلسفية ولا التقدم الاجتماعى ولا التقدم الأخلاقى، أن يوقف سقوط الإنسان وانحداره نحو الخطية.

فقد كان لدى الوثنيين، الناموس الطبيعى الذي يمكّنهم من معرفة الله، وكان لديهم أيضًا تلك الهبة الممنوحة من الله للجميع، أى العقل، والذي به يستطيع الإنسان إدراك الحقائق، المرئية منها وغير المرئية. هؤلاء عرفوا الله، لكنها كانت معرفة نظرية وعقيمة. فالعقل والضمير أُعطيا للإنسان كأداة لمعرفة الله، والطبيعة أيضًا تُمثل مرآه يستطيع الإنسان أن يرى فيها الحضور الإلهى، ويمكنه من خلالها أن يختبر قوة هذا الحضور. ومع ذلك ” لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا في أفكارهم واظلم قلبهم الغبى. وبينما يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء” (رو21:1).

 

لقد كان الرسول بولس يعرف محاولات الفلاسفة الحثيثة للبحث عن ماهية الله والوصول إلى معرفته. لكن هذه المعرفة النظرية لم تستطع أن تُغيّر شيئًا من طبيعة الإنسان. فلا ينبغى أن نعرف الله فقط، بل علينا أن نعترف به أيضًا، فمعرفة الله لا تنحصر في مجرد العلم ببعض الأشياء عنه، بل يجب أن نؤمن به وأن نقدم له الإكرام والسجود والمحبة. لأن معرفة الله هى معرفة اختبارية، فيها يتذوق الإنسان جمال الحضور الإلهى داخله. لكن العالم الوثنى اتبع طرقًا خدّاعة وسلوكًا آثمًا، وأقاموا من عناصر الطبيعة، من نجوم وحيوانات وتماثيل، آلهة لهم. هذا هو السبب الذي من أجله، رفع الله عنهم نعمته المُرشدة، وأولئك هم الذين ” لم يستحسنوا أن يبقوا الله في معرفتهم لذلك أسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق” (رو28:1).

 

          وقد أدان القديس بولس بكل قوة هذا الفكر وهذا السلوك الآثم. ويستطيع المرء أن يتفهم حجم هذه الإدانة، إذا ما نظر إلى الظلام الذي ساد الفكر الإنسانى في تلك الفترة. حيث انتشرت عبادة إلهة العالم السفلى ذو المائة ثدى في أسيا الصغرى ، وتماثيل البعل ذو الأعضاء التناسلية في سوريا، والمعابد المصرية بحيواناتها المخيفة، وأسرار معابد ايلفسينا[1] بممارساتها الشاذة، وتأليه الرموز والآثار الخاصة بالمذابح المقدسة للإله أبيوس[2]. هكذا صارت حكمة العالم حماقة، لأنهم ” أبدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الإنسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات” (رو23:1). كل هذا قد عرفه الرسول بولس، وكان أمام عينيه كل يوم، إذ أنه كان يكرز في كل مكان، مُبشّرًا بالإله الحى. ولأن العبادة الوثنية هى ـ في الأصل ـ نتاج الخطية، فقد كانت تلد الخطية باستمرار، بل إنها قادت الناس خطوة خطوة نحو ظلام العقل، ونحو إضعاف الحس الأخلاقى لديهم. وقد اتضح هذا من خلال سلوكهم الجنسى المنحرف والشاذ سواء بين النساء أم بين الرجال ” لأن إناثهم استبدلن الاستعمال الطبيعى بالذي على خلاف الطبيعة وكذلك الذكور … اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورًا بذكور ونائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق ” (رو26:1ـ27).

          يرى القديس بولس أن هناك ثلاثة خطوط عامة شكلّت وأثرت في تلك العبادات الوثنية كالكذب والانحدار الاجتماعى وعدم الثبات الداخلى وغياب المحبة. وبالتالى فإنه كان يعرف أن عبارات مثل ” لطف الله ـ أو محبة الله للبشر” ستكون جديدة وغريبة على الأسماع.

 

          أما بالنسبة لليهود، فقد وجّه لهم الرسول بولس، إتهامًا آخرًا لأنه بالإضافة إلى العقل الذي منحه الله للجميع، كان لديهم أشياء أخرى كان من الممكن أن تقودهم إلى معرفة الله معرفة حقيقية، وهى:

1 ـ الإعلان الإلهى.                                      2 ـ الناموس.

3 ـ الأنبياء.                                                       4 ـ الكتب المقدسة.

5 ـ الوعود المسيانية.

 

إلاّ أنهم شعروا بأن كل هذا يعطيهم الحق في التفاخر، باعتبار أن كل هذه الامتيازات، هى خاصة بجنس اليهود دون غيرهم من باقى الأمم. لكن الرسول بولس لم يعترف لهم بأى امتياز فيما يختص بموضوع الخلاص لذلك يقول ” فأين الافتخار قد انتفى… إذًا نحسب أن الإنسان يتبرر بالإيمان بدون أعمال الناموس. أم الله لليهود فقط. أليس للأمم أيضًا. بلى للأمم أيضًا” (رو27:3ـ29).

 

لقد لجأ اليهود إلى وصايا الناموس، ظانين أن فيها خلاصهم. وتمسكوا بممارسات شكلية بلا محتوى روحى، لذلك سقطوا في هوة البر الذاتى، ولم يخضعوا للبر الإلهى: ” لأنهم إذ كانوا يجهلون بر الله ويطلبون أن يثبتوا بر أنفسهم لم يخضعوا لبر الله” (رو3:10)، ولم يفهموا أن البر هو بالإيمان فقط.

قد يستطيع الإنسان أن يربح كل شئ جميل وعظيم في هذا العالم بمحاولاته الفردية سواء كان ذلك في العلوم أو الفنون أو في المناصب الاجتماعية أو في الثقافات المتنوعة، ويستطيع أن يفتخر بهذه الإنجازات التي يحققها، لكن في الأمور الخاصة بملكوت الله، لا يستطيع الإنسان أن يحقق أية إنجازات بمعزل عن عطية الله. فالعلاقة الحيّة بالله، بأن تكون ابنًا لله، يمكن أن تحصل عليها فقط كمنحة محبة من الله. لأن الخلاص ونعمة الله، أُعطيا للإنسان دون أن يقدم من جانبه أى شئ ” الله بيّن محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح من أجلنا” (رو8:5). في شخص المسيح أنقضى كل زهو وكل افتخار من الإنسان على أخيه الإنسان. لأن كل شئ قد صار جديدًا في شخص المسيح. والإيمان بهذه الحقيقة هو الذي يبرر الإنسان ويحرره ويقوده نحو هذه الحياة الجديدة. لكن هذا الإيمان ليس ثمرة نتاج عقلى، بل هو عطية الروح القدس.

 

          هذا التعليم عن التبرير بالإيمان، الذي يوجهه الرسول بولس إلى اليهود، يعتمد فيه على التاريخ المملوء بنماذج حية للإيمان، فقد أشار إلى إبراهيم ليؤكد من خلال إيمان إبراهيم على أهمية هذا التعليم: ” فآمن إبراهيم بالله فحسب له برًا” (رو3:4)، ” وأخذ علامة الختان ختمًا لبر الإيمان الذي كان في الغرلة ليكون أبًا لجميع الذين يؤمنون وهم في الغرلة كى يُحسب لهم أيضًا البر وأبًا للختان للذين ليسوا من الختان فقط. بل أيضًا يسلكون في خطوات إيمان أبينا إبراهيم الذي كان وهو في الغرلة. فإنه ليس بالناموس كان الوعد لإبراهيم أو نسله أن يكون وارثًا للعالم بل ببر الإيمان” (رو11:4ـ13).

 

          ثم تحدث إلى الأمم عن موت المسيح وقيامته وعن فيض النعمة وعطية البر التي بالمسيح، وعن الخبرة المسيحية الباطنية، وعن شهادة الروح القدس.

          إذًا التركيز عنده هو على الإيمان بشخص المسيح، والإنسان ينال هذا البر بإيمانه بالمسيح فقط، وليس بأعمال الناموس كى لا يفتخر أحد. ويُشير الرسول بولس إلى أن عمل المسيح يشمل كل الخليقة المرئية وغير المرئية، وهو بالأساس عمل تصالحى ” لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه” (رو10:5). ويقول في رسالته إلى أهل كولوسى ” وأن يُصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته سواء كان ما على الأرض أم ما في السموات” (كو20:1).

 

إن رؤية الرسول بولس بشأن سقوط الإنسان تتسع لتشمل الكون كله، فقد حدث شرخ في الكون كله، ولذلك يكتب أن ” كل الخليقة تئن وتتمخض معًا إلى الآن” وأنها ” ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله” (رو21:8). إذًا فالإنسان والطبيعة معًا يتوجهان إلى الله بالصلاة. لذلك فهو ينظر للإنسان في خضوعه لعمل روح الله داخله، ليراه رافعًا يديه متضرعًا إلى الله ومترجيًا إياه أن يحرره من عبودية الفساد والموت. وهذا لن يتأتى إلاّ بالإيمان بصليب المسيح وموته وقيامته وبعمل الروح القدس المحيي، هذا هو الذي يعطى للإنسان الدخول إلى الحياة الجديدة في المسيح ولا يستطيع الناموس أن يصنع ذلك لأننا قد “ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف ” (رو6:7).

 

ولهذا فهو يفرق بين حالة الإنسان تحت الناموس، وحالته تحت النعمة. ويشير إلى حالة التشتت الداخلى التي تصيب الإنسان في صراعه ضد الخطية، وصولاً إلى التمتع بالخلاص الممنوح مجانًا للجميع ” ويحى أنا الإنسان الشقى مَن ينقذنى من جسد هذا الموت ” (رو24:7). هذا تعبير عن خبرة داخلية، والرسول بولس هنا يضع نفسه كنموذج ينوب عن شعبه الذي يعيش تحت الناموس، ويُعبر عن الفترة التي عاشها قبل أن يعرف المسيح لكنه يجد الحل في ساحة الحرية الحقيقية، تلك التي يمنحها روح الله للإنسان لأن ” ناموس روح الحياة للمسيح يسوع قد أعتقنى من ناموس الخطية والموت” (رو2:8). وقد أراد الرسول بولس بهذه الرسالة أن يؤكد على أن هناك رباطًا قويًا يجمع الكل معًا سواء كانوا من اليهود أو من الأمم، وهو رباط الروح القدس، وهو بهذا يدفع عن نفسه تهمة التعاطف مع المسيحيين من الأمم، وأنه بدافع الرغبة في هذا التعاطف، أراد أن يحرم اليهود من بركة الوعود الإلهية.

 

إن ما يحزن نفس الرسول بولس هو أن هؤلاء اليهود والذين هم إسرائيليون ولهم التبنى والمجد والعهود والاشتراع والعبادة والمواعيد ومنهم المسيح بالجسد (رو4:9ـ7) يفقدون خلاصهم الآن ” لأنه إن كان الذين من الناموس هم ورثة فقد تعطل الإيمان وبطل الوعد” (رو14:4). ولا يمكن أن يُساء استخدام اسم الله من أجل أهداف قومية ضيقة، ولا يستطيع أحد أن يحد نهر محبة الله الذي يتدفق بقوة، في قناة قومية ضيقة. الوعود الإلهية لا تسرى على إسرائيل بحسب الجسد  (kata s£rka isra»l) بل تسرى على إسرائيل الله (ton isra»l tou qeoÚ). وقد استخدم الله عدم إيمانهم، لكى يُخلّص الأمم، لكن بعد ذلك سيخلص جميع إسرائيل ” فإنى لست أريد أيها الاخوة أن تجهلوا هذا السر. إن القساوة قد جعلت جزئيًا لإسرائيل إلى أن يدخل ملؤ الأمم وهكذا سيخلص جميع إسرائيل” (رو25:11ـ26). وهذا الخلاص سيتم بالطبع على المستوى الفردى وليس على مستوى الأمة كلها. وقد تأثر الرسول بولس بهذا القصد الإلهى الفائق الوصف، والذي كان في فكر الله قبل الدهور، فيقول: ” يا لعمق غنى الله وحكمته وعلمه” (رو33:11).

 

ثم يختم الجزء العقيدى لهذه الرسالة بدعاء قائلاً: ” لأن منه وبه وله كل الأشياء” (رو36:11). وهذا الدعاء كان الرسول بولس يستخدمه في رسائله باستمرار كما جاء في رسالته إلى أهل كورنثوس ” لكن لنا إله واحد الآب الذي فيه جميع الأشياء ونحن له” (1كو6:5)، وفي رسالته إلى أهل كولوسى ” الكل به وله قد خلق” (16:1)، وإلى أهل أفسس ” إله وأب واحد للكل الذي على الكل وبالكل وفي كلكم” (6:4)، وإلى العبرانييـن يقـول: ” لأنه لاق بذاك الذي من أجله الكل وبه الكل وهو آت بأبناء كثيرين إلى المجد” (10:2).

 

ثم يوجه لهم بعض النصائح الأخلاقية، ويبيّن لهم بأن النتائج المرجوة من هذا السلوك المستقيم، تنبع من الروح الجديدة للإيمان. ويفسر عبارة القديس يوحنا ” الساجدون الحقيقيون يسجدون لله بالروح والحق ” (يو 23:4)، عندما يشير إلى العبادة العقلية ” فأطلب إليكم أيها الاخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية” (رو1:12). هذا المعنى الفريد الخاص بالعبادة، نجده يتكرر مرة واحدة في الرسالة الأولى للقديس بطرس “… لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح” (1بط5:2). السلوك المستقيم إذًا لا يعتمد على مُسلمات موجودة، بل هو سلوك ينبع من الروح الجديدة للمحبة ” المحبة فلتكن بلا رياء… وادين بعضكم بعض بالمحبة الأخوية مقدمين بعضكم بعض في الكرامة” (رو9:12ـ10).

          لقد بدأ عصر جديد، تحدّد فيه موقف المسيحى من الدولة، حيث كان الفكر اليهودى الرؤيوى، يعتبر أن السلطة الزمنية، محصورة في الشر. ولذلك أخذوا موقف سلبى تجاه الدولة. أما الرسول بولس فقد كان أول مَن أظهر موقف إيجابى تجاه الدولة الرومانية، على الرغم من موقفه الواضح من أمور هذا العالم الحاضر. سلطة الدولة هى سلطة خادمة لله، ودور الحاكم هو أن يُحد من تفشى الفساد وانتشار الشر ” لأنه خادم الله للصلاح. ولكن إن فعلت الشر فخف. لأنه لا يحمل السيف عبثًا إذ هو خادم الله منتقم للغضب من الذي يفعل الشر” (رو4:13). وعندما كتب الرسول بولس هذه العبارات الودية، كان العالم الرومانى في عامه الرابع تحت حكم نيرون[3]. وعندما تغيّر موقف الدولة الرومانية تجاه المسيحيين وبدأت فترة اضطهادات، لم يغير الرسول بولس موقفه تجاه الدولة، لأنه يقول ” لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة. ليس سلطان إلاّ من الله والسلاطين الكائنة هى مرتبة من الله“. وفي رسالته الأولى إلى تيموثاوس يقول: ” فاطلب أول كل شئ أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرات لأجل جميع الناس. لأجل الملوك وجميع الذين هم في منصب لكى نقضى حياة مطمئنة هادئة في كل تقوى ووقار” (1تى1:2).

 

          وفي رسالته إلى تيطس يقول: ” ذكّرهم أن يخضعوا للرياسات والسلاطين ويطيعوا ويكونوا مستعدين لكل عمل صالح ” (تى1:3).

          وهو هنا يعكس تعاليم المسيح له المجد الذي قال ” اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” هكذا قال الرسول بولس ” اعطوا الجميع حقوقهم. الجزية لمَن له الجزية، الجباية لمَن له الجباية والخوف لمَن له الخوف والإكرام لمَن له الإكرام” (رو7:13). لقد تأسست مملكة جديدة، مغايرة لمالك هذا العالم، هى مملكة الروح فملكوت الله هو ” بر وسلام وفرح في الروح القدس ” (رو17:14).

          ثم يختم رسالته بدعاء وتمجيد قائلاً: ” وللقادر أن يثبتكم حسب إنجيلى والكرازة بيسوع المسيح حسب اعلان السر الذي كان مكتومًا في الأزمنة الأزلية، ولكن أظهر الآن واعلم به جميع الأمم بالكتب النبوية حسب أمر الله الأزلى لإطاعة الإيمان. لله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد آمين” (25:16ـ27).

          وبنظرة سريعة على الإصحاحين الأخيرين نجد أن الرسول بولس قد استخدم أربع عبارات كختام لرسالته، هى كالآتى:

1 ـ ” إله السلام معكم أجمعين آمين” (33:15).

2 ـ ” نعمة ربنا يسوع المسيح معكم آمين” (20:16).

3 ـ ” نعمة ربنا يسوع المسيح مع جميعكم آمين” (24:16).

4 ـ ” لله الحكيم وحده بيسوع المسيح له المجد إلى الأبد أمين” (27:16).

 

السلام الرسولى:

          أرسل الرسول بولس سلامه إلى 26 شخص في نهاية الرسالة، سواء بذكر أسمائهم أو بدون أن يذكر، وهؤلاء الذين لم يذكر أسمائهم لهم علاقة مباشرة بهذه الأسماء المشار إليها. مثل (وعلى أمه أمى) (وعلى أخته) (وعلى جميع القديسين الذين معهم). وقد تساءل البعض من الباحثين في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، من أين للرسول بولس بكل هذه العلاقات؟ وهل حقًا كان يعرف كل هؤلاء الأشخاص الذين وردت أسمائهم بالإصحاح السادس عشر من الرسالة؟ خاصةً وهو يكتب لكنيسة لم يقم بزيارتها بعد[4]. والواضح أن التعبيرات المكتوبة تُشير إلى متانة العلاقة التي تربط بينه وبينهم، مثل ” سلموا على أمبلياس حبيبى في الرب” (28:16)، ” سلموا على هيروديون نسيبى” (11:16)، ” وعلى أمه أمى” (13:16). أيضًا فإن أكيلا وبرسكيلا “اللذين وضعا عنقيهما من أجل حياتى” (13:16)، لم يكونا هناك في ذلك الوقت، كما نعرف من خلال مواضع أخرى في العهد الجديد. يُشير سفر الأعمال إلى أن الرسول بولس “لبث أيضًا أيامًا كثيرة ثم ودع الاخوة وسافر في البحر إلى سورية ومعه بريسكلا وأكيلا. فأقبل إلى أفسس وتركهما هناك” (أع18:18ـ28).

          في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يكتب “تسلم عليكم كنائس أسيا. يُسلم عليكم في الرب كثيرًا أكيلا وبريسكلا مع الكنيسة التي في بيتهما” (1كو19:16).

          ويكتب إلى تيموثاوس ” سلم على فرسكا وأكيلا وبيت أنيسيفورس” (2تى19:4). كما أن الشخصين اللذين  يوجه لهما الرسول بولس سلامه:            ” اندرونيكوس وبونياس نسيبى المأسورين معى” (7:16)، من المرجح أن لهم علاقة بالأسر في أفسس. كما أن ما جاء بالأعداد من (17ـ20)، يشير إلى أنه يتوجه إلى كنيسة تربطه بها علاقة ود ومعروفة جدًا لديه: ” الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافًا للتعليم الذي تعلمتموه” أى أن هناك تعليم قد تلقوه قبل كتابة هذه الرسالة.

 

الإصحاح السادس عشر:

هناك عدة آراء حول الإصحاح السادس عشر:

1 ـ أن الإصحاح السادس عشر هو رسالة خاصة وجهها الرسول بولس إلى كنيسة أفسس، وأن سجل الأسماء الوارد بهذا الإصحاح ينتمى لكنيسة أفسس حيث توجد علاقة محبة وود شديد يربط بينهم وبين الرسول بولس.

2 ـ الرأى الآخر يقول إن الشماسة فيبى حاملة هذه الرسالة وهى في طريقها إلى روما، عبرت بأفسس وتركت نسخة من الرسالة إلى رومية تشتمل على الإصحاح السادس عشر، حيث السلام الرسولى، ثم نسخة أخرى حملتها إلى روما من إصحاح 1ـ15. وبحسب هذا الرأى فإن الشكل الأوّلى للرسالة كان مكونًا من نسختين نسخة لكنيسة أفسس من 1ـ16 وأخرى لكنيسة رومية من 1ـ15.

3 ـ الرأى الثالث يقول إن هذه الرسالة هى رسالة دورية وكانت تُرسل إلى كنائس رومية، أفسس، تسالونيكى، وكنائس أخرى. لكنها كانت تحمل فقط عنوان الرسالة إلى رومية، ثم أُضيف إليه الختام الخاص بالنسخ الأخرى.

4 ـ الرأى الأخير يقول إن الرسالة بالكامل من الإصحاح 1ـ16 موجهة إلى كنيسة رومية، وأن كل الأشخاص الوارد أسمائهم بالإصحاح السادس عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت في روما، وقد ذكرهم الرسول بالاسم لكى يؤكد على قوة العلاقة التي كانت تربطه بهم، وهم أعضاء الكنيسة التي كان ينوى زيارتها بعد وقت قليل من وصول الرسالة إليهم[5].

 

          تلك هى الآراء الخاصة بالإصحاح السادس عشر من هذه الرسالة وقد أوردناها هنا، لكى يطّلع القارئ على الآراء المختلفة التي قيلت بشأن السجل الخاص بالأسماء التي وردت بهذا الإصحاح، وهل حقًا كل هؤلاء الأشخاص كانوا في روما وقت وصول الرسالة إلى هناك، أم أنهم كانوا في أفسس كما يرى البعض.

          وأخيرًا نستطيع القول بأنه لا توجد رسالة أخرى قد لعبت دورًا هامًا في تاريخ المسيحية في الغرب مثلما لعبت الرسالة إلى رومية، لأن فيها قد ظهر بوضوح موقف الرسول بولس اللاهوتى الخاص بموضوع البر الحقيقى، وأن هذا البر يناله الإنسان عن طريق الإيمان بالمسيح فقط وليس بأعمال الناموس حسب اعتقاد اليهود في ذلك الوقت أى أن الإيمان بالمسيح قد أوجد حالة سلام دائم مع الله من خلال التبرير الذي نلناه بالشركة في موت المسيح وقيامته. لقد نلنا الغفران وتحررنا من عبودية الفساد والموت، والآن صار لنا الدخول إلى الحياة الجديدة، والتمتع بكل عطايا الله في المسيح.

 

IIIـ تعليق على مقدمة القديس يوحنا ذهبى الفم لرسالة رومية

ليس من المعتاد في كتابات الآباء التفسيرية وجود مقدمة للنص الذي يفسرونه، إلاّ أن القديس يوحنا ذهبى الفم قد بدأ تفسيره لرسالة رومية بمقدمة وافية واضعًا دراسة متميزة لهذا النص الكتابى.

ومن الجدير بالملاحظة أن ما فعله القديس يوحنا ذهبى الفم في القرن الرابع الميلادى، قد صار منهجًا لعلماء الكتاب المقدس فيما بعد. فلقد بدأ القديس يوحنا ذهبى الفم مقدمته هذه بوضع أسس ارتكز عليها منهجهه التفسيرى ورؤيته للنص. ومن هذه الأسس:

 

أ ـ تحديد زمن كتابة الرسالة:

لقد حاول القديس يوحنا ذهبى الفم تحديد زمن كتابة الرسالة مستعينًا ليس فقط بما جاء في هذه الرسالة بل أيضًا ما ورد في نصوص الرسائل الأخرى للقديس بولس. وقد أوضح هو نفسه الأهمية الشديدة لتحديد زمن كتابة الرسالة وعلاقة ذلك بتفسير النص إذ يقول: [ ونرجو ألا يعتبر أحدكم أن هذا العرض السابق هو أمر غير مهم، أو هو نوع من الإسترسال الذي يتجاوز موضوع البحث في هذه الرسالة، لأن زمن كتابة الرسالة يساعدنا كثيرًا في موضوعنا هذا] [6].

 

فهو يرى أن زمن كتابة الرسائل يؤثر في الطريقة التي يكتب بها الرسول بولس عن موضوع معين، مثلما حدث مثلاً عندما كتب إلى أهل كولوسى وأهل رومية عن موضوعات واحدة، ومع ذلك كتب لكل منهم بطريقة مختلفة. لهذا يلاحظ القديس يوحنا ذهبى الفم أن هناك نبرة ود في كلام القديس بولس عندما يكتب لأهل رومية. هذا الود يتحول إلى شدة عندما يكتب إلى أهل كولوسى عن نفس الموضوعات ويرجع القديس يوحنا ذهبى الفم هذا الإختلاف إلى زمن كتابة الرسالة، إذ يقول: [وأنا لا أجد سببًا آخر للإختلاف إلاّ زمن كتابة هذه الرسائل ][7].

 

ب ـ الدافع لكتابة الرسالة:

نقطة أخرى حاول القديس يوحنا ذهبى الفم أن يجد لها إجابة، وكانت عاملاً مساعدًا له في تفسيره، ليس فقط لهذه الرسالة، بل ولرسائل الرسول بولس الأخرى، هى محاولة إكتشافه الدافع لكتابة هذه الرسائل. ولذلك نجده يتساءل: ما هو الدافع لكتابة هذه الرسائل؟[8].

 

ج ـ فهم شخصية الكاتب:

          بجانب العلاقة الروحية الحميمة التي كانت تجمع القديس يوحنا ذهبى الفم بالرسول بولس كما سبق وأشرنا، إلاّ أنه حاول أيضًا في ختام هذه المقدمة أن يُلخص لنا ملامح وأبعاد هذه الشخصية والخدمة الكبيرة التي قامت بها. لقد كان ينظر إلى الرسول بولس كمثال يُحتذى به في الخدمة وفي محبته للجميع بغض النظر عن الحدود والأوطان ودون الإهتمام بالأتعاب الجسدية أو الأخطار أو الآلام التي من الممكن أن يتعرض لها المرء. ولهذا فقد وصفه قائلاً: [ لقد احتضن القديس بولس الرسول كل المسكونة وحمل الجميع داخله. واعتبر أن الإتحاد بالله هو أهم وأعظم بكثير من أى قرابة أخرى. لقد أظهر أحشاء رأفه أكثر من أى أب جسدى … ومن أجل محبته للجميع، صار مثل طائر يتنقل من مكان لآخر دون أن يبقى في مكان واحد ][9].

          لقد أراد القديس يوحنا ذهبى الفم أن يسلّط الضوء على رغبة الرسول بولس الشديدة في أن يتصور المسيح في الجميع، وأنه قد أخذ على عاتقه أن يُتمم هذا الهدف في كل مكان ذهب إليه. وهو كأب للجميع كان يُتابع أحوال المؤمنين ونموهم الروحى، وذلك عن طريق رسائله، وتصحيح ما قد يستجد من أوضاع قد يُثار حولها سوء فهم معين في أمور تخص الإيمان. لقد كان إحساسه بالمسئولية نحو مخدوميه ومحبته الكبيرة لهم، أمرًا لا يمكن إهماله. وقد ركز القديس يوحنا ذهبى الفم على هذا البُعد ليكشف عن ملامح شخصية هذا الكارز العظيم.

 

 في هذا الكتاب ننشر العظات الست الأولى والجزء الأكبر من العظة السابعة. وهذه العظات تحوى المقدمة وتفسير الاصحاحين الأول والثانى كما سبق وأشرنا. وسنوالى تباعًا بنعمة الله ترجمة العظات التالية.

نص هذه العظات موجود في باترولوجيا مينى Migne PG 60,391-682. وتمت الترجمة عن النص اليونانى المنشور في مجموعة آباء الكنيسة اليونانية (EPE) سلسلة رقم71، 75 الصادرة في تسالونيكى 1973م المجلد رقم16، ص304ـ647، والمجلد رقم17، ص10ـ735 مع الاحتفاظ بأرقام الفقرات. وقد قام د. جوزيف موريس فلتس بمراجعة الترجمة.

أرجو أن يستخدم المسيح إلهنا هذا الكتاب لبنيان شعبه بصلوات القديس بولس الرسول والقديس يوحنا ذهبى الفم وجميع الآباء القديسين وصلوات قداسة البابا شنودة الثالث والمجد والتسبيح والسجود للآب والابن والروح القدس الآن وإلى الأبد آمين.

[1] ايلفسينا: ‘eleusina هى من أكبر مراكز العبادات اليونانية القديمة التي اتخذت الشكل الرسمى، وكانت تمارس فيها تلك العبادات منذ القرن الـ 15 قبل المسيح واستمرت حتى سنة 393م، وكانت هذه العبادات تؤدى بشكل منتظم. حتى جاء الإمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير وأبطل العبادة الوثنية.

انظرqrhskseutik» kai hqik» egkuklopa…deia, tÒmoj 5, Aq»na 1964,sel. 575-577.

[2] تأسست عبادة هذا الإله في منطقة بوليبونيسوس في جنوب اليونان. وكان التمثال الذي يُجسد الإله أبيوس عند اليونانيين القدماء يأخذ شكل ذئب متوحش، وعندما أسس البطالمة مملكتهم في مصر، حمل بطليموس الأول هذه العبادة إلى أرض مصر، حيث أسس معبد سيرابيس (السيرابيوم) ودعى هذا الإله باسم زفس ـ سيرابيس (ZeÚj – S£rapij). وهذه العبادة تقابل عبادة الثور أبيس عند المصريين القدماء. هذا الثور المقدس الذي كان رمز الاخصاب كان يُعبد في منطقة منف، وكان إله هذه المدينة هو بتاح. وسرعان ما اقترن أبيس بذلك الإله وصار رمزه (روحه المباركة) ثم استعار ذلك الثور قرص الشمس من رع وحمله بين قرنيه. انظر:

qrhskseutik» kai hqik» egkuklopa…deia, tÒmoj 2, Aq»na 1964,sel. 1055-1058.

[3] J.Holzner “ paÚloj “ met¦frash T. ierwnÚmou ArciepiskÒpou Aqhnën kai p£shj ell£doj, Aq»na 1996, sel.359.

[4] المرجع السابق ص 359ـ360.

[5]  Iw£nnhj karabidÕpouloj. ” Eisagwg» Sthn kain» Diaq»kh “. qes/n…kh 1991 sel.287-289.

[6] انظر مقدمة القديس يوحنا ذهبى الفم، ص48.

[7] المرجع نفسه، ص48.

[8] المرجع نفسه، ص49.

[9] المرجع نفسه، ص49.

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج2 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ج1 – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

مقدمة

 

          سنتناول في هذه المقدمة شخصية القديس يوحنا ذهبى الفم وحياته، ثم نستعرض ـ بصفة عامة ـ كتاباته وأخيرًا سنتحدث عن علاقته بالقديس بولس وتفسيره لرسائله وخصوصًا رسالة رومية التي سنكتب بالتفصيل عن كنيستها ومَن أسسها والهدف من كتابة الرسالة لها والتعاليم اللاهوتية لهذه الرسالة… الخ. وأخيرًا سنعلّق على المقدمة التي كتبها القديس يوحنا ذهبى الفم في بداية شرحه لهذه الرسالة.

 

I ـ القديس يوحنا ذهبى الفم

          وُلد القديس يوحنا ذهبى الفم في مدينة أنطاكية سنة 354م، في عصر استشرى فيه الفساد وانتشرت فيه الآثام والمعاصى، حيث كانت تشيع فيه روح البذخ والتنعم والافتخار بالثروة، وامتلاك القصور والعبيد والإماء، والانهماك في الشهوات والملذات. وكان القديس يوحنا ذهبى الفم يراقب كل هذا عن كثب، ورغم أن المناخ كان يتسم بالفساد، إلاّ أنه سلك بالتقوى التي نشأ عليها، وكرّس حياته لنشر كلمة الإيمان، وتحقيق حياة الفضيلة، والسعى في خلاص النفوس بلا فتور. وفي كل هذا لم يكن يخشى أحدًا مهما كانت مكانته، بل إنه هاجم أباطرة بسبب سلوكهم غير المستقيم، وأيضًا لم يكن يتردد لحظة في مقاومة الظلم مهما كلفه هذا من متاعب ولم يثنيه الاضطهاد عن التمسك بمبادئه والتشبث بالحق.

كان والده قائدًا للجيش، أما أمه وتدعى “أنثوسا” فقد ترملت في سن مبكر جدًا، وقد رفضت هذه الأرملة الشابة التقية الزواج مرة أخرى وكرّست كل حياتها لتربية يوحنا تربية روحية مستقيمة. ولقد كان لهذه النشأة الروحية أكبر الأثر في حياته فيما بعد. فقد مارس حياة النسك فعليًا حتى أثناء تواجده مع أمه. لكن بعد انتقالها، ترك منزله وتوجه إلى البرية ليقضى 4 سنوات في النسك إلى جوار ناسك سورى، ثم قضى سنتين بمفرده في احدى المغائر في جبال أنطاكية. لكن تدهور حالته الصحية أجبره على العودة إلى المدينة (أنطاكية). وقد تعمق في العلوم اللاهوتية أثناء فترة تنسكه تعمقًا كبيرًا، ظهرت نتائجه في تعاليمه اللاهوتية حتى أنه لُقب بذهبى الفم[1].

 في عام 381م رسم شماسًا، وفي عام 386م رسم كاهنًا، ومن هذه اللحظة بدأ خدمته الحقيقية ونشاطه المكثف، وصارت له شهرة واسعة، حيث ذاع صيته من خلال عظاته المتميزة وقدرته على الخطابة. ولم تقتصر خدمته فقط على عمله الوعظى والتبشيرى، لكنه انشغل أيضًا وبشكل أساسى بأعمال الرحمة في خدمة الفقراء والمعوزين، ولهذا فقد كرّس جزءً كبيرًا من حياته في خدمة كل مَن له احتياج، الأمر الذي جعله محبوبًا جدًا في كل أنطاكية. وقد عاش حياة متقشفة، وكان ملبسه خشنًا ومأكله بسيطًا وكان يدوام على افتقاد الفقراء في بيوتهم ويزور المرضى والمسجونين ليخفف من آلامهم، وبهذا السلوك قد أكد على أن الحياة التعبدية لا يمكن ولا ينبغى أيضًا أن تكون في عزلة عن الحياة العملية، وبمعنى آخر لم تكن التقوى عنده بديلاً عن العمل.

في عام 397م ـ وبأمر من الإمبراطور أركاديوس ـ ذهب إلى القسطنطينية، لتقلد الكرسى البطريركى، فقد أجمع القسوس وكل الشعب على تزكيته لهذا المركز الرفيع على غير رغبته. وقام برسامته البابا ثافيلوس الأسكندرى سنة 398م. ومنذ ذلك الحين عاد النظام إلى بطريركية القسطنطينية، فاعتنى بالحياة الروحية للمؤمنين وكثف من عمله التبشيرى ونجح في ضم كثيرين من الهراطقة والوثنيين إلى الطريق الأرثوذكسى القويم. وبسبب استقامة رأيه وجرأته في الحق، تصادم مع كثيرين منهم الإمبراطورة أفذوكسيا والوزير الأول في الإمبراطورية أفتروبيوس. وقد وُجهت له اتهامات عدديدة وأُجبر على النفى ولكن بسبب زلزال أصاب المدينة (القسطنطينية) ـ قال البعض إنه حدث بسبب نفيه ـ أمرت الإمبراطورة بعودته من المنفى. لكن بعد شهرين من عودته اختلف مرة أخرى مع أفذوكسيا، وأُقتيد إلى المنفى، وكانت أول محطة له هى مدينة كوكوسوس الأرمنية، وبعد وقت قليل صدر أمر آخر بإرساله إلى مدينة بيتوندا في الضفة الشرقية للبحر الأسود. لكنه لم يصل إلى هناك لأن الطريق كان طويلاً وشاقًا. وبسبب المتاعب الكثيرة والمعاملة السيئة التي لاقاها، تنيح في الطريق سنة 407م[2].

وتحتفل الكنيسة بتذكار نياحته في 17 هاتور 27 نوفمبر.

 

كتابات القديس يوحنا ذهبى الفم:

القديس يوحنا هو من أكثر الآباء إنتاجًا، حيث تقع مؤلفاته في 17 مجلدًا في مجموعة الآباء باللغة اليونانية P.G. 47-64. وقد تنوعت كتاباته بين:

 

عظات تفسيرية:

+ على سفر التكوين: 8 عظات، تشكل تفسيرًا شاملاً للسفر.

+ شرح المزامير: 58 مزمورًا.                                      + سفر إشعياء (6 عظات).

+ إنجيل متى (90 عظة)، تشكل تفسيرًا كاملاً.

+ إنجيل لوقا (7 عظات).                                                   + إنجيل يوحنا (88 عظة).

+ أعمال الرسل (63 عظة).

+ عظاته على رسائل القديس بولس وهى تشكل نصف عظاته تقريبًا وتشغل الرسالة إلى رومية النصيب الأكبر من هذه العظات.

 

كتابات عقائدية:

          + ضد الأنوميين 12 عظة خُصصت للحديث عن الطبيعة الإلهية غير المدركة (‘Akat¦lhpto tÁj qe…aj fÝshj)

+ 12 عظة ” للمعمدين الجدد”.       + 8 عظات ” ضد اليهود”.

 

عظات في موضوعات متفرقة:

+ عن الرحمة.                                           + عن المجد الباطل وكيفية تربية الأولاد.

+ ثم عظات عن الكهنوت (6 كتب عن سمو الكهنوت والمواهب والواجبات التي ينبغى توافرها فيمَن يتقدمون لنوال سر الكهنوت).

+ عن الحياة الرهبانية       .                            + عن الزواج والبتولية

 

عظات في الأعياد والمواسم:

+ عن ميلاد المخلّص.                + عن الظهور الإلهى.                + عن عيد الخمسين.

+ عن صلب المخلّص.      + عن القيامة.                                  + عن الصعود.

+ ثم عظة عن خيانة يهوذا.

 

مديح للشهداء والأبرار القديسين:

مثل أيوب، المكابيين، الشهداء الأساقفة القديسين، القديس بولس.

 

رسائل:

+ كتب 236 رسالة ومعظمها أُرسلت من المنفى.

+ 17 رسالة إلى الشماسة أولمبيا والتي كانت تعاونه في خدمته.

لقد اهتم القديس يوحنا ذهبى الفم بدراسة رسائل القديس بولس دراسة مستفيضة وقام بتفسير كل رسائله. ووجد فيها الكثير من التعاليم السامية النافعة لحياة المؤمنين ونموهم الروحى. وكان لتفاسيره العميقة أكبر الأثر في إنارة أذهان المؤمنين بالكثير من الحقائق الإيمانية والروحية التي شكّلت طريقة سلوكهم في هذه الحياة، وتمتعهم بالخلاص الذي أتمه المسيح، وأيضًا بالإطلاع على أسرار ملكوت الله، وحياة الدهر الآتى، والمكانة العظيمة التي تنتظرهم في ملكوت الله، وغيرها من الأمور الروحية والإيمانية الهامة. وكان لهذه التفاسير أيضًا أثر كبير في توضيح وشرح بعض المواضع عسرة الفهم في هذه الرسائل. ولم يقتصر دور القديس يوحنا ذهبى الفم على مجرد توضيح معانى الرسائل، لكنه كان يتعرض أيضًا لموضوعات إيمانية وعملية من خلال شرحه لها.

 

لقد كان القديس يوحنا ذهبى الفم بالحقيقة شغوفًا بتفسير رسائل القديس بولس، حيث عكف على دراساتها دراسة جيدة جدًا، إذ أنها تحوى الكثير من التعاليم المفيدة والنافعة للجميع. وعلى الرغم من أنه قد درس الفلسفة عند أندراغاثيوس والخطابة عند لبيانيوس[3]، ونبغ فيهما إلاّ أن أسلوبه في التفسير كان يتميز بالبساطة والوضوح، وفي نفس الوقت يتسم بالرصانة والدقة. وقد تجنب ذهبى الفم استخدام المصطلحات الفلسفية المعقدة والعبارات اللاهوتية عسرة الفهم. كما أنه كان يميل إلى استخدام الأمثلة ليجعل معانى الجزء الذي يشرحه أكثر وضوحًا وأعمق فهمًا.

ومن المحتمل أن يكون قد بدأ تفسير هذه الرسائل بحسب ترتيبها من البداية حتى النهاية.

 

إعجاب القديس يوحنا ذهبى الفم بشخصية القديس بولس وشغفه لتفسير رسائله:

للقديس يوحنا ذهبى الفم عظات احتفالية تحوى موضوعات خاصة بحياة القديسين وأعمالهم وجهاداتهم بعضها يخص شخصيات في العهد القديم مثل (أيوب، والمكابيين)، وبعضها خاص بشهداء مثل (رومانوس، ويوليانوس، وبرلعام، وبلاجية، يوفيندينوس ومكسيميانوس، لوكيانوس، ذورسيدا، ودومنينا فرنيكى وبروسدوكى)، وبعضها خاص بأساقفة مثل (أغناطيوس، فافيلاس، فيلوغونيوس، آفستاسيوس، ملاتيوس).

ضمن هذه المجموعة من العظات، تنفرد وتتميز عظاته السبع الرائعة عن القديس بولس[4]. وقد عبّر القديس يوحنا ذهبى الفم في هذه العظات عن تقديره البالغ واعجابه الشديد بشخصية الرسول بولس. في العظة الأولى يعرض الفضائل الكثيرة التي كان يتمتع بها الرسول بولس. وفي العظة الثانية أكد على أن القديس بولس قد أظهر من خلال حياته وأعماله إلى أى مدى من السمو يمكن أن تصل الطبيعة الإنسانية. وفي العظة الثالثة يصف العقبات الكثيرة والمشاكل المتعددة التي واجهها الرسول بولس بشجاعة نادرة، وأيضًا المحبة التي أظهرها تجاه كل مخدوميه. وفي العظة الرابعة يتحدث عن العودة من دمشق، والعمى الروحى الذي أصاب العبرانيين. أما في العظتين الخامسة والسادسة فيتحدث عن النصرة على الشهوات وعلى الخوف من الموت. في العظة السابعة والأخيرة يُقدِّم الرسول بولس  كارزًا بالمسيح المصلوب ومفتخرًا بعلامة الصليب في كل مكان ذهب إليه.

 

لقد كانت غيرة القديس يوحنا ذهبى الفم لتفسير رسائل الرسول بولس غيرة قوية جدًا، وهذا راجع إلى إعجابه الشديد بشخصية هذا الكارز العظيم. وفي الواقع لا نجد أحد قد درس كتابات القديس بولس وارتبط بشخصه كما فعل ذهبى الفم. حتى أنه في تفسيره لرسالة رومية يقول:     ” كثيرًا ما اتخيله حاضرًا أمامى واعتقد أننى أراه يتكلم[5] وقد كانت هناك بالفعل بعض أوجه الشبه بين القديس بولس والقديس يوحنا ذهبى الفم، فقد كان ذهبى الفم يحمل نفس كارزة كنفس القديس بولس، كما كانت لديه الغيرة عينها لخلاص النفوس مثل تلك التي كانت لمعلمه القديس بولس، كما كانت له نفس الجرأة في مواجهة المتسلطين، وله ذات الرحمة بالفقراء والمحتاجين. أيضًا كان كل منهما قد قضى عدة سنوات في العزلة والتوحد، القديس بولس في الصحراء (العربية)، والقديس يوحنا في البرية لمدة أربع سنوات، ثم متوحدًا لمدة سنتين[6].

قدم القديس يوحنا ذهبى الفم تفسيرًا لرسالة بولس الرسول إلى أهل رومية في مجموعة عظات كانت قد أُلقيت بمدينة أنطاكية ربما في عام 394م. وقد خصص الست عظات الأولى والجزء الأكبر من العظة السابعة للمقدمة ولتفسير الاصحاحين الأول والثانى.

 

+ في العظة الأولى: تعرض لزمن كتابة الرسالة بالإشارة إلى باقى رسائل الرسول بولس، وفيها أيضًا يؤكد على أن الجهل بالكتب المقدسة يثير كثير من المشاكل ويخلق كثير من الأزمات ويُنهى العظة بحث المؤمنين على أداء مسئولياتهم من جهة الخدمة سواء بالتعليم أو بتصحيح أفكار كل مَن نعرفهم وبالأخص الزوجة والأولاد والأصدقاء والأقارب والجيران، مقتدين في ذلك بالرسول بولس، ذلك الكارز العظيم الذي احتضن كل المسكونة وجال يبشر بخلاص المسيح المقدم مجانًا لكل البشرية.

 

+ في العظة الثانية (رو1:1ـ7): يتكلم عن محبة الله، عن التبنى، وعن هبات الله وأن هذه الهبات هى هبات ثابتة لا تتغير بل تبقى حتى بعد الموت، وعلى العكس من ذلك، يشير إلى الأمور الإنسانية التي هى بطبيعتها أمورًا مؤقتة ومتغيرة. ثم يحث المؤمنين على تجنب الشرور واقتناء الفضيلة.

 

+ في العظة الثالثة (رو8:1ـ17): يُشدد القديس يوحنا ذهبى الفم على ضرورة أن نقبل كل شئ بإيمان، وعلى أهمية أن ننفذ وصايا الله بدون أن نفحصها كثيرًا، بل أن نخضع لها خضوعًا تامًا، حتى ولو بدت هذه الوصايا غير مقبولة للفكر البشرى.

 

+ في العظة الرابعة (رو18:1ـ25): يتوجه بكلامه للفلاسفة الوثنيين متحدثًا عن مراحم الله وطول أناته ويُنهى العظة بالحث على ضبط الإنفعالات وخاصةً الغضب والشهوة.

 

+ في العظة الخامسة (رو26:1ـ27): يُشير إلى مضاجعى الذكور والعقاب الذي يستحقونه، والعلاقات الشاذة سواء بين الرجال أو بين النساء، ثم يتحدث عن الدينونة وعن جهنم، ويعطى مثالاً بدينونة أهل سدوم وعمورة وما حدث فيها من تدمير، وذلك بسبب الشر الذي تزايد أمام الله. ويُنهى العظة بضرورة تجنب الحياة الرخوة، وأن نضع في قلوبنا مخافة الله على الدوام.

+ في العظة السادسة (رو28:1ـ16:2): يستكمل الحديث عن الدينونة وعن الجحيم، وعن كيفية الخلاص منهما، وفيها أيضًا يتحدث عن محبة الله الغنية لكل البشر.

 

+ في العظة السابعة (رو17:2، 8:3): يتحدث عن معلّمى الناموس، وعن ضرورة أن يقترن التعليم بحياة الفضيلة، حتى ينجح العمل. وأيضًا يشير إلى المعنى الحقيقى للختان، وأن الختان في الظاهر في اللحم ليس ختانًا حقيقيًا، بل أن ختان القلب بالروح هو الختان الحقيقى.

يقع تفسير الرسالة إلى رومية في 33 عظة، وهذه العظات تُشكّل، أروع تفسير لهذه الرسالة في العصر الآبائى[7]. وقد كتب إيسيذورس الفرمى (القرن الرابع) ” أن القديس يوحنا ذهبى الفم في تفسيره لهذه الرسالة قد فتح كل كنوز حكمته وأفاض علينا منها، حتى أن القديس بولس نفسه لو أنه أراد تفسير هذه الرسالة فإنه لن يفسرها بصورة تختلف عن تفسير القديس يوحنا ذهبى الفم لها “[8].

          يبدأ هذا التفسير وينتهى بمديح للقديس بولس، وفي الوسط تظهر عظمة القديس يوحنا ذهبى الفم كمفسر، وكراعى مهتم ليس فقط بأمور شعبه الروحية بل بطريقة سلوكهم المسيحى في المجتمع الذي يعيشون فيه.

 

ترجمة مبكرة لهذه العظات

وفي محاولات القديس أغسطينوس كى يبرهن على أن القديس ذهبى الفم لم يكن له أفكار بيلاجية[9] ـ كما ادعى خصومه ـ عرض أجزاء من العظة العاشرة من تفسيره لرومية، الأمر الذي يعنى أنه ربما كانت هناك ترجمة لاتينية لتفسير هذه الرسالة تمت في وقت لاحق[10]. وبالإضافة إلى التفسير الكامل للرسالة توجد خمسة عظات أخرى على بعض الشواهد المتفرقة من نفس الرسالة في مجموعة الآباء اليونانيين (P.G. 51,155-208).

 

II ـ رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

أ ـ مَن أسس كنيسة رومية:

          غير معروف على وجه التحديد مَن الذي أسس كنيسة رومية، هناك رأى يقول بأن أكيلا وبرسكيلا هما اللذان نشرا المسيحية في روما، وكانا قد اكتسبا خبرة كبيرة في طريق الرب كما جاء بسفر الأعمال أنهما شرحا لأبولس “.. طريق الرب بأكثر تدقيق” (أع26:18ـ27). وقد أقاما في روما زمنًا قبل أن يُصدر كلوديوس أمرًا بطرد اليهود من هناك، فتركا روما وجاءا إلى كورنثوس، وهذا ما يؤكده سفر الأعمال “وبعد هذا مضى بولس من أثينا وجاء إلى كورنثوس فوجد يهوديًا اسمه أكيلا بنطى الجنس قد جاء حديثًا من إيطاليا وبريسكلا امرأته لأن كلوديوس كان قد أمر أن يمضى جميع اليهود من رومية” (أع1:18ـ2).   لكن بعد موت الإمبراطور كلوديوس سنة 54م، عادا مرة أخرى إلى رومية، بعد أن التقيا بالرسول بولس، واستمرا يمارسان معًا عملهما التبشيرى هناك. وهذا يعنى أنهما قد ساهما معًا في نشر المسيحية في روما.

هذا الرأى ضعيف ولا يستند إلى معلومات دقيقة، فعلى الأرجح أنهما بقيا في أفسس، عندما ذهبا إلى هناك مع الرسول بولس، وذلك بعد رحيله من كورنثوس (انظرأع18:18ـ26، 2تى19:4).

 

          وهناك رأى آخر يقول بأن الرومانيين الذين كانوا ضمن جنسيات مختلفة مجتمعين في وقت حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين، واستمعوا إلى عظة الرسول بطرس، هؤلاء هم الذين نشروا المسيحية في روما (انظر أع10:2).

          كما أن المؤرخ اللاتينى سوتونيوس (Soutonios) يخبرنا عن وجود مسيحيين في روما سنة 49م، ويتضح هذا من خلال الأمر الذي أصدره كلوديوس بطرد اليهود من إيطاليا، حتى يوقف الاضطرابات التي حدثت فيما بينهم، والتي نشأت بسبب التبشير بالمسيح. هكذا ـ بعد صدور أمر كلوديوس ـ اضطر كثير من اليهود المسيحيين إلى ترك روما، لكنهم عادوا بعد موته سنة 54م. وهذا يؤكد الرأى القائل بوجود كثير من المسيحيين في روما في ذلك العصر[11].

          الرأى الثالث ينادى بأن القديس بطرس هو مؤسس كنيسة رومية، وأصحاب هذا الرأى هم بشكل أساسى من الباحثين المنتمين لكنيسة روما الكاثوليكية، لكن هذا الرأى ما لبث أن رُفض حتى من الكاثوليك أنفسهم، لأن سفر الأعمال يُخبرنا بأن القديس بطرس بعد خروجه المعجزى من السجن قد “.. ذهب إلى موضع آخر” (أع7:12). ومن المستبعد أن يكون هذا المكان الآخر هو روما. ومن ناحية أخرى لو أن القديس بطرس كان هناك، وقت أن أرسل الرسول بولس رسالته إلى كنيسة رومية لكان بالطبع قد أرسل له السلام، مثلما أرسل إلى أشخاص كثيرين وردت أسمائهم في الإصحاح السادس عشر. ولا يمكن أن يقال بأنه بشّر في روما قبل ذلك الوقت، وهذا يُفهم مما قاله الرسول بولس ” كنت محترصًا أن أبشر هكذا ليس حيث سُمّى المسيح لئلا أبنى على أساس آخر” (رو20:15). فقد اعتاد كما هو واضح أن يذهب إلى أماكن لم يُبشر فيها بالمسيح بعد، حتى يبنى على أساس جديد. والأرجح أن القديس بطرس قد ذهب إلى روما بعد سنتين من سجن الرسول بولس (61ـ63م).

 

          إذًا فمن غير المعروف على وجه التحديد، مَن أسّس كنيسة رومية. ومن الأمور الجديرة بالذكر، إشارة أحد المؤرخين اللاتين في القرن الرابع، والذي يمتدح أهل رومية المسيحيين لأنهم آمنوا بالمسيح ” بدون أن يروا معجزة واحدة، ولا حتى واحد من رسل السيد له المجد”[12].

          إذًا فالرسالة إلى رومية موجهة إلى كنيسة لم يؤسسها القديس بولس. هذه الرسالة تُعد أهم رسائل القديس بولس من حيث المحتوى اللاهوتى، وأكبرها من حيث الحجم، وتوصف عادةً “بإنجيل القديس بولس”. أكد الرسول بولس في هذه الرسالة على أن البر هو بإيمان يسوع المسيح، وليس بأعمال الناموس، وهو الموضوع الذي سبق وكتبه إلى كنيسة غلاطية، قبل ان يكتب رسالته إلى رومية بعامين. لكنه في رسالته إلى غلاطية كانت نغمة الرسالة حادة في مواجهة اليهود، لكن في رسالته إلى رومية كانت اللهجة هادئة وكان عرضه للأفكار بطريقة منظمة.

 

لقد مهّد الرسول بولس بهذه الرسالة الطريق، للقيام بزيارته إلى روما. لأنه عرّف أهل رومية وشرح لهم الإنجيل الذي بشر به، وتطور الأحداث يشير إلى ذلك، لأن هدفه هذا قد تحقق بالفعل. فعندما قُبض عليه في أورشليم ذهب إلى روما لكى يُحاكم هناك، بحسب ما يخبرنا سفر أعمال الرسل، حيث يشير السفر إلى أن هناك اخوة من روما جاءوا لاستقبال الرسول بولس “ومن هناك لما سمع الاخوة بخبرنا خرجوا لاستقبالنا إلى فورن ابيوس والثلاثة الحوانيت” (أع15:28). لقد تحقق اشتياقه لرؤية أهل رومية لأنه يقول: ” لأنى مشتاق أن أراكم لكى أمنحكم هبة روحية لثباتكم” (رو11:1)، وكان مستعدًا لتبشير أهل رومية بكل ماله ” فهكذا كل ما هو لى مستعد لتبشيركم أنتم الذين في رومية” (رو15:1).

 

ب ـ هدف الرسالة إلى رومية:

لقد كانت هناك بالفعل رغبة قوية لدى الرسول بولس لأن يذهب إلى روما، لرؤية المسيحيين هناك، لكى يمنحهم هبة روحية لثباتهم، وأيضًا لكى يحقق امتدادًا لخدمته في كل إيطاليا وإلى أسبانيا أيضًا ” فمتى أكملت ذلك وختمت لكم هذا الثمر فسأمضى مارًا بكم إلى أسبانيا” (رو28:15). وكان قد بشّر بالإنجيل في الجزء الشرقي من الإمبراطورية الرومانية، لكنه أراد تحقيق تلك الرغبة الملّحة بالتبشير في الجزء الغربى من الإمبراطورية، حتى يتمم الخدمة التي أُئتمن عليها من الله. والأكثر احتمالاً أنه أراد أن يجعل من روما مركزًا لخدمته هذه.

 

          كتب الرسول بولس هذه الرسالة كتمهيد لزيارته المزمع القيام بها في أقرب وقت ممكن. وكان ينتظر الوقت الذي فيه تبدأ الرحلات البحرية حتى يتمكن من إرسالها. ولما كانت الشماسة فيبى مزمعة أن تسافر إلى هناك في فصل الربيع، فقد طلب منها أن تحمل رسالته إلى كنيسة رومية[13].

          لقد أراد ـ بهذه الرسالة ـ أن يؤكد على أن البر الذي يتمتع به الإنسان يأتى من الإيمان بالمسيح فقط وليس بأعمال الناموس، وأنه لا فرق بين اليهودى واليونانى فيما يختص بموضوع الخلاص، فالخلاص هو للجميع. وشدّد على روح المحبة التي ينبغى أن تسود بين الجميع ـ يهودًا وأممًا ـ وعلى الروابط الروحية التي تتجاوز الأمور الشكلية والممارسات التي تنتمى للعهد قديم.

 

ومع نجاح خدمته واتساعها كما يؤكد هو على ذلك ” حتى إنى من أورشليم إلى إلليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح ” (رو19:15)، شعر بمسئولية مشتركة مع آخرين مما خدموا معه على التأكيد على موضوع وحدة الكنيسة الجامعة. ففي أورشليم كان هناك تمسك بوصايا وأحكام الناموس من قِبَل بعض أعضاء الكنيسة، وفي الغرب كانت كنيسة رومية تلعب دورًا مهمًا في هذه المنطقة، وكان الحضور اليهودى فيها قويًا وأهم ما كان يميّز هؤلاء اليهود هو حفظهم لأحكام الناموس بكل تدقيق. هذا الضمير الناموسى كان سببًا في زرع الخوف في نفوسهم، بإعتبار أن عدم التدقيق في ممارسة أحكام الناموس، قد يُعرّضهم للعقاب الإلهى. هذا ما جعله يكتب لهم على أنه “بأعمال الناموس كل ذى جسد لا يتبرر أمامه” (رو20:3). وأن البار أمام الله هو الذي يحيا بالإيمان، ولا فرق في هذا بين اليهودى واليونانى ” لأنه لا فرق بين اليهودى واليونانى لأن ربًا واحدًا للجميع غنيًا لجميع الذين يدعون به لأن كل مَن يدعو باسم الرب يخلص” (رو12:10). وأنه لا يوجد أحد خارج نطاق الوعود الإلهية. وأن بطلان الناموس الموسوى، لا يعنى نقضًا للوعود الإلهية. ومن أجل هذا يتوجه إلى أبناء أمته الذين يتمسكون بالحرف ويخضعون لأحكام الناموس ويفتخرون بهذا في مواجهة الجميع قائلاً: ” إن لى حزنًا عظيمًا ووجعًا في قلبى لا ينقطع … لأجل اخوتى أنسبائى حسب الجسد” (رو3:9). لأنهم لم يدركوا بعد حقيقة أن البر غير مرتبط بأعمال الناموس، لكنه هبه أُعطيت للجميع مجانًا ” متبررين مجانًا بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح” (رو24:3). إذًا فهو يريد أن يؤكد على أنه الآن في المسيح ” قد ظهر بر الله بدون الناموس مشهودًا له من الناموس والأنبياء بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون” (رو21:3ـ22). فغاية الناموس “هى المسيح للبر لكل مَن يؤمن” (رو4:10). فقد كان يهدف إلى تحرير أذهان الكل من هذا الخلط في التعليم، ليجعل من شخص المسيح له المجد، المركز الذي تتمحور حوله، حياة الجميع في كل العالم، لأن به ” قد صار لنا الدخول بالإيمان (وليس بأعمال الناموس) إلى هذه النعمة التي نحن فيها مقيمون ونفتخر على رجاء مجد الله” (رو2:5). ولذلك يطلب من الاخوة هناك أن يلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافًا للتعليم الذي تعلموه وأن يعرضوا عنهم (انظر رو17:16).

 

          من جهة أخرى نجد أن ارتباط الرسول بولس بكل الكنائس التي أسسها خلال فترة خدمته الممتدة كل هذه السنين الطويلة، كان ارتباطًا روحيًا قويًا لا ينفك، كما أنه كان دائم التواصل معهم سواء عن طريق الرسائل أو بتفقده الشخصى لأحوال الرعية التي ائتمنه الله على خدمتها، أو بتغطية احتياجات الكنائس من جهة الأمور المادية. لكنه في بعض الأحيان كان لديه احساس داخلى بأن تقدماته إلى أورشليم لن تكون مقبولة من القديسين، بالطريقة التي كان يتمناها، بل كان لديه شعور بأنه ذاهب نحو “فم الأسد” واضعًا في إعتباره ما سوف يلاقيه من غير المؤمنين، لذا نجده يطلب من المؤمنين قائلاً: ” فأطلب إليكم أيها الاخوة بربنا يسوع المسيح وبمحبة الروح أن تجاهدوا معى في الصلوات من أجلى إلى الله لكى أُنقذ من الذين هم غير مؤمنين في اليهودية. ولكى تكون خدمتى لأجل أورشليم مقبولة عند القديسين” (رو30:15ـ31).

 

          كما أنه كان قد شعر باقتراب الشيخوخة، وأنها الأوقات الأخيرة التي يستطيع فيها أن يترك لكل الكنائس المسيحية تعاليمه اللاهوتية الواضحة، وأن يؤّمن حصاده الروحى من أى تعاليم أخرى زائفة ومضللة، بعد هذه الرحلة الطويلة المليئة بالمتاعب والمشقات. فقد بشر الجميع بطرق الله المعلنة وغير المعلنة من أجل الخلاص، هذا الخلاص الذي كان في قصد الله قبل الأزمنة الأزلية.

[1] D.G.Tsamhj. “ Ekklhsiastik» Grammatolog…a “. Qes/n…kh 1992, sel.163-164.

[2] المرجع السابق، ص165.

[3] لبيانيوس (Lib¦nioj) فيلسوف سورى وُلد في أنطاكية سنة 315، ومات سنة 391 وعُرف عنه انه من الفلاسفة السوفسطائيين. عندما سُئل لبيانيوس وهو على فراش الموت أيًا من تلاميذه يستحق أن يخلفه؟ قال: ” يوحنا لو لم يكن المسيحيون قد سرقوه منا ” (د. نصحى عبد الشهيد، “الكتاب الشهرى”، إصدار بيت التكريس لخدمة الكرازة، سنة 1985م، ص22).

[4] P.G. 50, 473-514.

5 انظر مقدمة القديس يوحنا ذهبى الفم، ص 43.

[6] عن كتاب “في الكهنوت أحاديث عن الزواج …” منشورات النور بيروت 1982، ص9، 10.

[7] P.G. 60,391-682.

[8] (E… p£uloj o qespšsioj attik»n e…lhfe glîttan, êste eautÒn ermhneàsai oÚk an ¥llwj hrm¾neusen ½ wj o e„rhmšnoj ao…dimoj an¾r. oÞtw kaˆ enqum»masi kaˆ k£llei kaˆ kuriolez…a kekÒsmh tai ¹ ermhneˆa). O is…dwroj o phlousièthj Epistol» 5,32

[9] البيلاجية: نسبة إلى بيلاجيوس وهو راهب بريطانى ذو ثقافة يونانية واسعة. الموضوع الذي شغل بيلاجيوس كان هو الخطية الأصلية. وبحسب رأيه فإن هذه الخطية لم تُحدث في الطبيعة والإرادة الإنسانية أى تحول يذكر. فهى تشكل فقط نموذج سئ لسلوك الأجداد الأولين (آدم وحواء)، وبناء عليه لا يوجد أى وراثة للفساد والذنب. والمعمودية هى مجرد إعلان لتصحيح الأخطاء الشخصية لكل إنسان، والدور الأساسى في هذا التصحيح تلعبه إرادة الإنسان من خلال اقتفاء آثار المثال الروحى الذي هو المسيح.

[10] Adv.Julianum 1,27.

[11] Iw£nnhj karabidÕpouloj. ” Eisagwg» Sthn kain» Diaq»kh “. qes/n…kh 1991 sel.282.

[12] المرجع السابق ص283.

[13] J.Holzner “ paÚloj “ met¦frash T. ierwnÚmou ArciepiskÒpou Aqhnën kai p£shj ell£doj, Aq»na 1996, sel.349.

 

مقدمة تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

يقول القديس يوحنا ذهبي الفم إن كثيرين يحتفلون ويعرفون أسماء الأعياد، ولكنهم يجهلون الأسباب التي من أجلها صارت هذه الأعياد.

إن احتفال اليوم كما يقول، يسمى “أبيفانيا” أي ظهور، وهو معروف للجميع، ولكن هذه الأبيفانيا، هل هي واحدة أم أثنين. هذا ما لا يعرفونه. فبينما يحتفلون بهذا العيد كل عام، إلاّ أنهم يجهلون أمره.

هكذا أراد القديس يوحنا ذهبي الفم أن يوضح بعض الحقائق الغائبة عن الشعب فيما يختص بعيد الظهور الإلهي. فالأمر بحسب رؤيته لا يتعلق بظهور واحد، بل بظهورين، واحد هو الذي حدث في مثل هذا اليوم، والثاني سيحدث بطريقة مجيدة في المستقبل، في المجيء الثاني. ويستند في هذا إلى ما قاله الرسول بولس، عن كل ظهور من الاثنين. فيما يختص بالظهور الأول، يقول: ” لأنه قد ظهرت نعمة الله المُخلِّصة لجميع الناس معلِّمة إيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى في العالم الحاضر” وعن الظهور الثاني في المجيء الثاني يكتب “منتظرين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح” (تي11:2ـ13).

ويقول يوئيل النبي وعن هذا الظهور الثاني ” تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف” (يوئيل2ـ31).

ثم يتساءل ق. يوحنا ذهبي الفم لأي سبب سُمى ”أبيفانيا“؟ يقول بسبب أن المسيح صار معروفاً للجميع، عندما تعمد، لأنه حتى ذلك اليوم، لم يكن معروفاً من الكثيرين. هذا ما يتضح من قول يوحنا المعمدان ” وأنا لم أكن أعرفه لكن الذي أرسلني لأعمد بالماء ذاك قال لي. الذي ترى الروح نازلاً ومستقراً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس” (يو1ـ33). ثم يطرح القديس يوحنا ذهبي الفم تساءل أخر، وهو لأي سبب آتى المسيح ليعتمد، وما هو نوع معموديته؟ ويجيب على ذلك بالآتي:

كانت توجد المعمودية اليهودية، وهذه المعمودية كانت معنية بنظافة الجسد فقط، وليس بخطايا الضمير، مثل مس عظام الأموات، تناول الأطعمة المحرمة، الاقتراب من الأموات، مثل هذا كان عليه أن يغتسل، ويبقي دنساً حتى المساء، بعد ذلك يتطهر، هكذا جاء بسفر اللاويين ” من مس فراشه (الذي له السيل) يغسل ثيابه ويستحم بماء ويكون نجساً إلى المساء” (لا15ـ5). وبعد ذلك يتطهر. وقد أعدهم الله بهذه الممارسات لتلك اللحظة، لكي يكونوا أكثر استعداداً، وفي صورة أفضل لفهم الأمور الأكثر سمواً.

إذاً فالمعمودية اليهودية لم تكن تخلِّص من الخطايا، ولكنها فقط كانت معنية بالتطهير من النجاسة الجسدية. ثم كانت هناك معمودية يوحنا والتي هي بالتأكيد أفضل من المعمودية اليهودية، لكنها أقل من معموديتنا.

فهي بمعنى ما تمثل جسراً بين المعموديتين. لأن يوحنا لم يقد الشعب نحو حفظ التطهيرات الجسدية، لكنه نصحهم ووعظهم أن يبتعدوا عن هذه الأمور (الخاصة بالجسد فقط) وعن الخطية، ويعودوا إلى الفضيلة، وأن يعتمدوا، ويترجون خلاصهم بالأعمال الحسنة وليس بنظافة الجسد بالماء. فهو لم ينصح بغسل الملابس وغسل الجسد، لكي يصيروا في حالة نظيفة، بل قال: ” أصنعوا ثماراً تليق بالتوبة” (مت8:3).  

أما من جهة أن معمودية يوحنا هي أفضل من المعمودية اليهودية، وأقل من معموديتنا نحن، فهذا راجع إلى أن معمودية يوحنا لا تمنح الروح القدس، ولا تهب غفران الخطايا، الذي يعطى بالنعمة الإلهية، لأن يوحنا كان يكرز بالتوبة فقط، ولا يملك سلطان غفران الخطايا. ومن أجل هذا قال: ” أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني هو سيعمدكم بالروح القدس ونار” (مت11:3).

وهنا تحديداً يطرح سؤال آخر، حول معنى عبارة ” بالروح القدس ونار“؟ في الحقيقة هذا الأمر مرتبط بحادثة حلول الروح القدس يوم الخمسين، حيث ظهرت ألسنة من نار أمام الرسل وحلّتْ على كل واحد منهم.

أما من جهة أن معمودية يوحنا لم تكن تملك منح الروح القدس، ولا غفران الخطايا، فهذا واضح من اللقاء الذي تم بين الرسول بولس وبعض التلاميذ، فعندما سألهم: ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم. قالوا ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم فبماذا اعتمدتم. فقالوا بمعمودية يوحنا. فقال بولس إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة” (أع2:19ـ4).   

هكذا يظهر من هذا الحوار القصير، أن معمودية يوحنا، كانت للتوبة فقط، ولم تكن معمودية غفران.

السؤال الآخر المطروح، لأي هدف كان يوحنا يعمد؟ كان يوحنا يعمد تمهيداً لمجيء المسيح الذي كان يعمد بالروح بحسب شهادته هو شخصيًا ” الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع والذي من الأرض فهو أرضي ومن الأرض يتكلم” (يو31:3). ثم يكمل ” الذي يؤمن بالابن له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يري حياة بل يمكث عليه غضب الله” (يو36:3).

ولذلك يخبرنا سفر الأعمال، في الحوار الذي أشرنا إليه، والذي دار بين ق. بولس والتلاميذ، أن التلاميذ ” لما سمعوا من بولس اعتمدوا باسم الرب يسوع ولما وضع يديه عليهم حل الروح القدس عليهم” (أع4:19ـ6). وهكذا كما هو واضح أن معمودية يوحنا كانت ناقصة، وإلاّ لما كان ق. بولس قد عمّدهم ووضع عليهم يديه.

الظهور الإلهي عند القديس يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

Exit mobile version