الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

الجزء الأول: الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج1

(د) البطريرك ساويروس الأنطاكي:

يعتبر البطريرك ساويروس الأنطاكي بالفعل هو اللاهوتي الأبرز في الجانب غير الخلقيدوني في القرن السادس، وربما أيضاً في كل الكنيسة في الشرق، إذا لم يكن في الكنيسة بأكملها في عصره.

وفي اثنين من أكبر كتبه ـ ’محب الحق‘ (philalethes) و’ضد النحوي غير التقي‘ (Contra Impium Grammaticum) ـ وكذلك في العديد من رسائله وعظاته العقائدية، دافع البطريرك ساويروس بشدة وبثبات ضد كل من طومس ليو ومجمع خلقيدونية. وقد ذكر البطريرك ساويروس لتأييد موقفه اللاهوتي، حججاً من التقليد ومن الأسس اللاهوتية، وأصر على أن المفهوم الأنطاكي ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ ـ الذي تبناه المجمع من خلال استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ هو مفهوم بغيض ومرفوض.

أولاً: في ضوء التقليد

لقد أقر البطريرك ساويروس أنه من الممكن أن نجد دليلاً على استخدام تعبير ’طبيعتين‘[1] في أعمال الآباء الأولين، ولكنه دفع بأن استخدام أولئك الآباء لم ينطوي على أي فكرة للتقسيم؛ ولكنهم كانوا يقصدون فقط من ذلك أن المسيح هو إله وإنسان في آنٍ واحد. ومع ذلك فمنذ ظهور النسطورية تغيرت الأمور تماماً، فتم استبعاد التعبيرات غير المحددة والبريئة التي كانت تُستخدم في الماضي (قبل ظهور النسطورية)، وتم ترسيخ تقليد لاهوتي مؤسس على قانون الإيمان النيقاوي حسبما أكده وفسره مجمع عام 381م، ومجمع عام 431م.[2]


ورغم هذا الموقف، أصر ليو بابا روما ـ وبدون أن يعير أي اهتمام للتقليد الذي اتُفق عليه في الكنيسة ـ على استخدام عبارة ’في طبيعتين‘ في الطومس الخاص به، وتبناها مجمع خلقيدونية بعد ذلك معتمداً على مرجعية هذا الطومس.[3] ومن هنا كان البابا ليو ومجمع خلقيدونية مذنبين في تعديهما على التقليد العقائدي المستقر في الكنيسة.

وفي ضوء هذا السياق، نستطيع أن نفهم الاقتباسات من كتابي’محب الحق‘ و’ضد النحوي غير التقي‘ اللذين وضعهما البطريرك ساويروس في وضعها الصحيح. وقد أكد البطريرك ساويروس في كلا الكتابين ـ مستشهداً بآباء الكنيسة من ق. إغناطيوس الأنطاكي وق. إيرينيوس أسقف ليون وصولاً إلى ق. كيرلس السكندري ـ أن الفكرة التي وراء عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تتعارض بشدة مع تعاليم الآباء.

وأكد البطريرك ساويروس[4] أن جميع الآباء قد أقروا أن المسيح هو وحدة (unity)، وفي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، اقتبس ساويروس فقرات من عدد من هؤلاء الآباء وانتهى إلى قوله:[5]

“انظر إلى آباء الكنيسة، فإن جميعهم يعترفون باتفاق، أن الله الكلمة قد حُبل به في رحم العذراء ’والدة الإله‘، وأنه اتحد هيبوستاسياً (أقنومياً) مع الجسد الذي كان يُحبل به في ذلك المكان. وبينما ظل هو نفسه بلا تحول ولا تغيير، فإنه جعل الجسد خاصاً به (جسده الخاص)، دون أن يكون هناك أي وقت كان فيه هذا الجسد منفصلاً عنه”.

ولهذا فإن المسيح هو شخص واحد، الله الكلمة المتجسد. وكان هذا هو تعليم الآباء الذي أكد بنفس القوة أن الكلمات والأعمال التي سُجلت عنه في البشائر ينبغي أن تُنسب كلها للشخص الواحد. ولذلك كتب البطريرك ساويروس:[6]

“فأن يمشي جسدياً على الأرض ويتحرك من مكان لمكان فهذا بالفعل (أمر) بشري، ولكن أن يجعل أولئك العرج الذين لا يستطيعون أن يستعملوا أرجلهم يمشون فهذا (أمر) لائق بالله. ورغم ذلك فإنه نفس الله الكلمة المتجسد* هو الذي كان يعمل في كليهما. وكان هذا هو الأساس المنغرس في التقليد والذي وضعه الآباء، وهو ما قد تم انتهاكه في عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘”

وكان البطريرك ساويروس ـ كما ذكرنا ـ قد وضع مؤلفه ’محب الحق‘[7] لكي يفند كتاباً خلقيدونياً يحتوي على اقتباسات من كتابات البابا كيرلس السكندري جُمعت من أجل إظهار أن اللاهوتي السكندري الكبير كان قد سبق مجمع خلقيدونية[8] (في تبنيه لنفس الفكر والتعبير اللاهوتي الذي تبناه المجمع).

وأوضح البطريرك ساويروس في كتابه ’محب الحق‘ أمرين رئيسين، أولاً أكد على أن مؤلف الكتاب الخلقيدوني بذل جهده في وضع الكتاب وهو متوهم أن الجانب غير الخلقيدوني لا يقبل مبدأ وجود اختلاف بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد، وهذا ليس بالأمر الصحيح على الإطلاق؛[9] لأننا بالفعل لا نقول أن الله الكلمة قد تغير إلى إنسان مكوَّن من جسد وروح.

ولكننا على العكس من ذلك نعترف أنه بينما يظل كما هو، وحَّد بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً) جسداً له روح عاقل،[10] وبالتالي فإن اتحاد الطبيعتين لم يؤثر على حقيقة وكمال وسلامة أي من الطبيعتين اللتين استمرتا بصورة ديناميكية[11] في المسيح الواحد.

وقد اتفق الآباء على هذه النقطة بدون الإقرار بـ ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبالتالي لا يكون ضرورياً بأي حال من الأحوال استخدام عبارة “في طبيعتين” من أجل التأكيد على تلك الفكرة، ويكون إدعاء الخلقيدونيين أن البابا كيرلس قد سبق المجمع (في قوله هذا) ليس له أساس من الصحة.[12]

أما الأمر الثاني الذي دفع به ساويروس في كتابه، فهو أن المؤلف الخلقيدوني في محاولته إثبات نظرية أن ق. كيرلس قد سبق المجمع في تبنيه لنفس الفكر والتعبير ـ والتي هي بالفعل أبعد من أي دليل ـ قام في مواضع عدة بتشويه أو تحوير الفقرات التي اقتبسها، عن أصلها الموجود في كتابات البابا كيرلس.[13]

وماذا إذاً عن صيغة إعادة الوحدة عام 433م، والتي اعترف فيها البابا كيرلس بتعبير ’طبيعتين‘؟ ألا يعد هذا الموقف تغييراً عن التقليد الراسخ الذي أشار إليه ساويروس؟.

لقد اهتم البطريرك ساويروس في إجابته على هذه النقطة بالسياق التاريخي لتلك الوثيقة بالإضافة إلى المعنى الفعلي للفقرة موضع التساؤل التي ورد فيها ذلك التعبير. وقد أكد البطريرك ساويروس[14] أن صيغة إعادة الوحدة عام 433م كانت قد وضعت في ظروف وجود شقاق في الكنيسة، وكان هذا الشقاق نفسه نتيجة عدم استطاعة الجانب الأنطاكي فهم الإيمان على نحو سليم.

وفي هذا السياق ومن أجل استعادة الوحدة في الكنيسة ـ وبالتالي مساعدة الأنطاكيين لكي يدركوا تدريجياً التقليد الآبائي في تفسير العقيدة ـ قام ق. كيرلس، كطبيب حكيم، بقبول الوثيقة التي أُرسلت إليه من يوحنا الأنطاكي. وكانت تلك الوثيقة هي التي تحوي العبارة محل السؤال، والتي أيَّدها البابا كيرلس من أجل السلام داخل الكنيسة.

وأكد البطريرك ساويروس أن ق. كيرلس على الرغم من ذلك، لم يوافق على تلك الصيغة إلا بعد صون كل المبادئ الأساسية التي يتعين المحافظة عليها. وهكذا رأى البابا كيرلس فيها أن الأنطاكيين قبلوا مجمع عام 431م دون أي شروط، ووقعوا على إدانة نسطوريوس بتعبيرات قاطعة وواضحة، وأكدوا أن العذراء هي والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ بدون إضافة أنها كانت أيضاً والدة الإنسان ’أنثروبوطوكس‘ أو والدة المسيح ’خريستوطوكس‘.

وبناءً عليه لا تكون صيغة إعادة الوحدة قد قدمت أي أساس لاستخدام عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘، وبتعبير آخر فإن البطريرك ساويروس أصر على أنه لا يمكن الاستشهاد بمرجعية وسلطة صيغة إعادة الوحدة، إلاّ بعد أن نأخذ في الاعتبار بنود الاتفاق الأخرى التي رافقتها.

وأضاف البطريرك ساويروس[15] أن هذه الحقيقة ستتضح أكثر إذا نظرنا إلى المعنى الفعلي للعبارة موضع التساؤل، فقد ذكرت أن اللاهوتيين يأخذون بعضًا من أقوال وأعمال ربنا باعتبارها تشير إلى البروسوبون الواحد، ويقسّمون الأخرى بين الطبيعتين.

ولم يكن القصد هنا هو تقسيم الأقوال والأفعال “بين الطبيعتين بحيث أن بعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة اللاهوتية بمفردها، وبعضاً منها تُنسب إلى الطبيعة البشرية وحدها: لأنها كلها للطبيعة الواحدة المتجسدة لله الكلمة، وإنما نحن ندرك الاختلاف في الكلمات والأفعال؛ فالبعض لائق بالله والبعض لائق بالإنسان والبعض يليق باللاهوت والناسوت معاً”.[16]

والحقيقة أن تلك العبارة الواردة في صيغة إعادة الوحدة لا تتعارض مع المبدأ الكيرلسي في رؤية الفرق بين اللاهوت والناسوت في المسيح الواحد ’على مستوى الفكر والتأمل فقط‘. وكان البطريرك ساويروس يريد أن يؤكد أن مجمع خلقيدونية قد ذهب إلى أبعد مما يتضمنه هذا الفكر بإقراره لعبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.

ثانياً: في ضوء الأساس اللاهوتي

كان البطريرك ساويروس قد أكد مرات ومرات أن عبارة “’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تحمل ضمنياً مفهوم أن الجنين البشري قد تكوَّن بذاته أولاً في الرحم ثم اتخذه الله الكلمة فيما بعد.”[17]

وطبقاً لهذا المفهوم، فإن الإنسان يظل إنساناً والله الابن يظل الله الابن في حالة من التواجد المشترك، ولكن بدون أن يكونا متحدين بالمعنى الحقيقي في يسوع المسيح. وقد أكد ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين أن هذا الموقف اللاهوتي كان هو الموقف الذي أقره رجال مدرسة أنطاكيا والذي أُعلن أنه موقف هرطوقي بواسطة مجمع عام 431م.[18]

ولكي يثبت البطريرك ساويروس أن الأنطاكيين كانوا بالحقيقة يتمسكون بذلك الموقف نفسه، اقتبس بصورة مكثفة من كتابات رجال أمثال ديودور الطرسوسي، وثيؤدور الموبسويستي، ونسطوريوس، وثيؤدوريت أسقف قورش وغيرهم. وسنقوم فيما يلي بعرض فقرة واحدة من كتابات كل من أولئك الرجال:

من ديودور الطرسوسي[19]

“وحيث إن الجسد كان من مريم قبل أن يُتخذ، فهو من الأرض وغير مختلف عن أي جسد آخر بأي شكل من الأشكال. ومثل لاوي الذي أخذ الأعشار بينما كان في صلب أبيه ثم تقبل هذه الكرامة حين وُلد،* فإن الرب أيضاً حين كان في رحم العـــذراء كان من جـوهرها   (her ousia) ولم يكن له كرامة البنوة، ولكن حين تكوَّن وأصبح هيكل الله الكلمة واقتبل المولود الوحيد، فقد مُنح كرامة الاسم وبالتالي استلم أيضاً منه المجد”.

وذكر البطريرك ساويروس أن البابا كيرلس السكندري كان قد عارض هذه الفقرة في الكلمات التالية:[20]

“إنك تعبِّر بكلمات تدل على الجهل وهي ضارة جداً، فذلك الجسد المقدس كان بالفعل من مريم، ولكنه منذ أول بداية تكوينه، أي منذ (لحظة) وجوده في الرحم، كان مقدساً بكونه جسد المسيح، ولا أحد يتصور أنه كانت هناك لحظة واحدة لم يكن فيها (ذلك الجسد) جسده. ولكن مع كل ما ذكــرت، فإنه ـ كما تقول أنت ـ كان (جسداً) عاماً مثل أي جسد آخر”.

ومن الواضح أن كلاً من ق. كيرلس والبطريرك ساويروس قد فهم الفقرة المأخوذة من ديودور على أنها تؤكد أن الطفل البشري قد تكوَّن في رحم العذراء بمعزل عن اتحاده مع الله الكلمة، ومن ثم كان هناك وقت ـ بصرف النظر عن قصر فترة ذلك الوقت ـ كان فيه ذلك الطفل في الرحم كائناً (مستقلاً) بذاته بدون أن يكون متحداً مع الله الابن.

ولا يستطيع موقف لاهوتي مثل هذا أن يعترف باتحاد إلاّ في نطاق (أو على مستوى) البروسوبون فقط، كما أنه لا يعتبر موقفاً لاهوتياً كافياً لتأكيد المفهوم الحقيقي للتجسد. وفي ضوء هذه النظرة (للتجسد) قام الأنطاكيون برفض تعبير والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ عند الإشارة إلى العذراء مريم. وقد وجد البطريرك ساويروس نفس الفكرة عند كل من ثيؤدور الموبسويستي ونسطوريوس وثيؤدوريت أسقف قورش.

من ثيؤدور الموبسويستي:[21]

“وعندما يسألون هل كانت مريم ’والدة الإنسان – أنثروبوطوكس‘ أو ’والدة الإله – ثيؤطوكس‘، نجيب بأنها كانت كلتيهما ـ (اللقب) الأول بسبب طبيعة ما حدث بالفعل، أما الثاني فعلى أساس الإعلاء. فبالطبيعة كانت ’أنثروبوطوكس‘ لأن ذاك الذي كان في رحم مريم كان إنساناً وهو قد وُلد من هناك، كما أنها كانت ’ثيؤطوكس‘ لأن الله كان في الإنسان الذي وُلد. وهذا ليس معناه أن الله انحصر فيه بالطبيعة، وإنما كان فيه بواسطة شركة الإرادة”.

من نسطوريوس:[22]

“إن مريم لم تلد اللاهوت، ما أعظمه. فالذي وُلد من الجسد هو جسد، والمخلوق لا يلد غير المخلوق. والآب لم يلد الله الكلمة ثانية من العذراء، ولكنها ولدت الإنسان الذي كان أداة للاهوت. والروح القدس لم يخلق الله الكلمة حيث إن الذي كان فيها قيل إنه من الروح القدس، ولكن الروح القدس كوَّن من العذراء هيكلاً لله الكلمة. والله لم يمت بكونه صار إنساناً، ولكنه أقام ذاك الذي فيه صار إنساناً”.

من ثيؤدوريت أسقف قورش:[23]

“ومن الصحيح بنفس الطريقة أن نعترف ببروسوبون واحد، المسيح والابن، ولكن (بـ) هيبوستاسين إثنين وهما اللذين اتحدا،أي الطبيعتين”.

“نحن نشير إلى المسيح بكونه إنساناً يلبس الله، ليس بمعنى أنه تقبل العطية الإلهية جزئياً، ولكن بكونه واحداً اتحد به كل اللاهوت”.

وبناءً على تلك الفقرات والعديد من الفقرات الأخرى المقتبسة من كتاباتهم، توصل البطريرك ساويروس إلى أن رجال التقليد الأنطاكي لم يقروا بإتحاد حقيقي للطبيعتين؛ ولكنهم اعترفوا فقط بالوجود المشترك لله الابن والإنسان، في المسيح، ولكي يؤكدوا هذا الموقف أصروا على ’طبيعتين بعد الإتحاد‘. ومن ثم لا يمكن لمجمع خلقيدونية ـ في سياقه التاريخي هذا ـ أن يكون قد عني بعبارة ’في طبيعتين‘ أي شيء أكثر مما أكده التقليد الأنطاكي.[24]

ومن الجدير بالذكر أننا هنا لسنا بصدد الدفاع عن وجهة نظر ساويروس، ولكن ما أردنا تأكيده فقط هو أن البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين في انتقادهم لعبارة ’في طبيعتين‘ ـ الواردة في تعريف الإيمان الخلقيدوني ـ لم يكونوا متبنين موقفاً ’مونوفيزايت‘ (أي موقفاً ينادي بطبيعة وحيدة للمسيح). ويتضح لنا من السياق التاريخي لمجمع خلقيدونية أن القادة الذين تربوا على التقليد اللاهوتي السكندري كانت لديهم الفرصة ليعبِّروا عن اعتراضهم على عبارة ’طبيعتين بعد الاتحاد‘ أو عبارة ’في طبيعتين‘، ولكن الحقيقة الجلية هي أن الجانب الخلقيدوني لم يتعامل مع تلك الاعتراضات بصورة جدية على الإطلاق.

وقد أكد البطريرك ساويروس أنه على أحسن الأحوال يمكن لعبارة مجمع عام 451م ’في طبيعتين‘ أن تعني ’طبيعتين متحدتين بعد الاتحاد‘،[25] وكان هذا التفسير مقبولاً حتى من نسطوريوس نفسه ومن مؤيديه. ولذلك لا يستطيع مجمع خلقيدونية ـ الذي يزعم بأنه قد استبعد النسطورية ـ أن يبرر نفسه في تبنيه لعبارة ’في طبيعتين‘.

وماذا أيضاً عن الاتحاد الهيبوستاسي، والهيبوستاسيس الواحد؟ هل لم يوافق مجمع خلقيدونية عليهما، مع أن النسطورية كانت قد رفضتهما؟.

يقول البطريرك ساويروس، إنه من الصحيح أن مجمع خلقيدونية تكلم عن ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكن ماذا كان يعني المجمع بذلك التعبير؟، وهنا يصر ساويروس أن تعبيري ’الاتحاد الهيبوستاسي‘ و ’الهيبوستاسيس الواحد‘ لا يمكن أن يتفقا مع عبارة ’في طبيعتين‘ أو ’طبيعتين بعد الإتحاد‘.[26]

ولهذا السبب فإن مجمع خلقيدونية في تأكيده على هذين التعبيرين (أي الإتحاد الهيبوستاسي والهيبوستاسيس الواحد) لم يستطع أن يحافظ على المعنى الحقيقي الذي قصده الآباء منهما. وأشار البطريرك ساويروس كتأييد لحجته إلى خطاب أرسله ثيؤدوريت أسقف قورش إلى يوحنا أسقف (Agae)، كما أشار كذلك إلى طومس ليو.

ويُظهر خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)[27] كيف كان كاتبه يفهم معنى تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الوارد في تعريف الإيمان الخلقيدوني. وكان يوحنا هذا متمسكاً بالتقليد الأنطاكي، لذلك اعترض على تبني مجمع خلقيدونية لتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘. فكتب له ثيؤدوريت خطاباً جاء فيه:

“ومن هنا فإن أولئك الذين أشاروا إلى طبيعتين، (قد أكدوا) الاتحاد غير المختلط. ومن الواضح أيضاً أنهم لم يأخذوا تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ بمعنى الجوهر (الأوسيا) ولا بمعنى الطبيعة (الفيزيس)، ولكن بمعنى البروسوبون”. وفي فقرة ثانية كتب ثيؤدوريت: “وهكذا أكد المجمع المقدس على تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، ولكنه ـ كما قلت ـ لم يأخذ كلمة ’هيبوستاسيس‘ بمعنى ’الطبيعة‘ ولكن بمعنى ’البروسوبون‘، وهذا يتضح من تعريف الإيمان لأن ’بروسوبون‘ و’هيبوستاسيس‘ هما مصطلحان شقيقان”.[28]

ويذكر البطريرك ساويروس أن “طومس ليو قد أشار إلى ’الإتحاد‘ ثلاث مرات، ولكنه لم يصون في أي مرة منها المعنى الذي يفيد الاتحاد الهيبوستاسي أو أن الطبيعتين الإلهية والبشرية قد إنجمعا معاً في وحدة، ولم يقر الطومس إلا بالاتحاد في (نطاق) البروسوبون فقط.[29] ومن الواضح على أية حال أن طومس ليو لم يُظهر فهمه للإتحاد الهيبوستاسي، وبالتالي ناقض التقليد العقائدي للكنيسة.

وارتكب مجمع خلقيدونية نفس الخطأ، لأنه من غير الممكن تبرير استخدامه لعبارة ’في طبيعتين‘ لا في ضوء التقليد ولا في ضوء المبادئ اللاهوتية المستقرة.

ولم تكن حجج البطريرك ساويروس التي ساقها ضد مجمع خلقيدونية ـ كما ذكرنا قبلاً ـ هي نتيجة تمسكه بهرطقة ’المنوفيزايت‘ (أو هرطقة الطبيعة الوحيدة)، ولكن أي واحد في القرنين الخامس والسادس من الذين تربوا على التقليد السكندري ـ وغير منساق في الدفاع عن مجمع خلقيدونية ـ كان يستطيع أن يتبنى بسهولة نفس وجهة النظر التي تمسك بها البطريرك ساويروس.

(هـ) القادة غير الخلقيدونيين الآخرين:

وبعد عصر البطريرك ساويروس وحدوث الانقسام الدائم بين الخلقيدونيين وغير الخلقيدونيين، صدرت سلسلة من الوثائق من جانب غير الخلقيدونيين.[30] ونجد أنه في جميع تلك الوثائق، حينما كانت تأتي الإشارة إلى مجمع خلقيدونية، كان أحد أسباب رفض المجمع التي يذكرها الشخص أو المجموعة أن المجمع تعدى تقليد الكنيسة الثابت. وكان الدليل الذي يُذكر على ذلك هو تبني عبارة ’في طبيعتين‘ وطومس ليو الذي أعلنه المجمع كوثيقة للإيمان.

(و) بعض الملاحظات الختامية:

إن الفحص الدقيق للشروح اللاهوتية وتصريحات الإيمان التي أصدرها القادة غير الخلقيدونيين منذ وقت مجمع خلقيدونية، يُظهر بوضوح الحقائق التالية:

  • لا يمكن لأي ناقد أن يشير إلى فقرة واحدة في الإنتاج الضخم لغير الخلقيدونيين، ويثبت من خلالها أنه في وقت ما كان هناك واحد من القادة ـ الذين يعتبرهم التقليد غير الخلقيدوني لاهوتيين وآباء للكنيسة ـ قد انتقد مجمع خلقيدونية بسبب تأكيد المجمع على كمال وحقيقة ناسوت المسيح.

     

  • لقد عارض القادة غير الخلقيدونيين عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ بسبب خوفهم الصادق من كونها عبارة غير كافية لتأكيد وحدة المسيح.
  • لم يزد اعتراض غير الخلقيدونيين عن مجرد طلب تعديل في الصياغة العقائدية التي تبناها مجمع خلقيدونية. ولكن لا القوى التي سيطرت على المجمع، ولا القيادة الخلقيدونية بعد ذلك، أظهرت من طول الأناة ما يسمح بالاستماع لما تعين على غير الخلقيدونيين أن يقولوه ثم اقتراح طريقة لعلاج انقسام الكنيسة.

     

  • وأمام النقد الذي واجهه الخلقيدونيون من معارضيهم، شرعوا في إعطاء تفسير لعبارة’في طبيعتين‘، وأوضحوا أن تلك العبارة إنما تؤكد: الاستمرار الديناميكي للطبيعتين ـ مع كمال وحقيقة وسلامة خواصهما وملكاتهما ـ في المسيح الواحد بغير اختلاط. وحيث إن هذا التفسير كان هو نفس الموقف الذي طالما أكده الجانب غير الخلقيدوني، فلم يرى القادة غير الخلقيدونيين أي داعٍ لعبارة ’في طبيعتين‘ التي وضعها المجمع.

3. الاعتراضات الأخرى على المجمع:

أما الأسباب الأخرى التي أشار إليها الجانب غير الخلقيدوني في رفضه لمجمع خلقيدونية، فكانت تؤخذ في الأغلب كدليل إضافي يؤيد حجتهم في أن المجمع كان مخطئاً بالفعل ومتسرعاً في قراراته. وكانت هذه الأسباب تدور حول:

– قبول المجمع لطومس ليو

– صياغة المجمع لتعريف (جديد) للإيمان

– تبرئة المجمع لثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس

وقد قام الجانب الخلقيدوني بالتسليم ضمنياً بقناعته بكل تلك الاعتراضات، فعلى سبيل المثال أدى التفسير الذي قدَّمه الجانب الخلقيدوني لعبارة ’في طبيعتين‘، إلى توضيح المعنى الذي يجب أن يؤخذ عليه طومس ليو. كما أظهرت حقيقة كون الجانب الخلقيدوني لم يحاول على الإطلاق استبدال قانون إيمان نيقية بصيغة مجمع خلقيدونية، أن خوف الجانب غير الخلقيدوني في هذا الشأن لا ينبغي أن يدوم.

هذا بالإضافة إلى أن قرار مجمع عام 553م بخصوص ’الثلاثة فصول‘، كان إقراراً واضحاً بأن مجمع عام 451م قد ارتكب خطأ في قضية ثيؤدوريت وإيباس. ولو كان الجانب الخلقيدوني والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية، مستعدون فقط للاعتراف صراحة بأن مجمع خلقيدونية يحتاج إلى مراجعة، لكان من الممكن لتاريخ الكنيسة في الشرق أن يكون مختلفاً.

[1]  Contra Grammaticum, op. cit., III, p. 12.

[2]  يشير البطريرك ساويروس إلى التعبيرات غير المحددة التي استخدمها الآباء أمثال ق. أثناسيوس وق. غريغوريوس النزينزي وحتى ق. كيرلس قبل إندلاع الجدل النسطوري. انظر:

(Severi Antiocheni Orationes ad Nephalium, C. S. C. O. Tomus VII, ed. J. Lebon, 1949, Syriac, pp. 3f and Contra Grammaticum, op. cit., III, pp. 1f).

[3]  هذه النقطة يكررها البطريرك ساويروس بإستمرار في كل كتاباته تقريباً التي تتعرض لهذا الموضوع.

[4]  يرى الباحثون المعاصرون أن الفقرات التى اقتبسها البطريرك ساويروس والقادة غير الخلقيدونيين الآخرين هي من مصادر أبولينارية ملفقة. وهذا الأمر لم نتجاهله هنا، ويمكن الرجوع إلى تعليقاتنا عليه في صفحة 350 وما يليها.

[5]  Philalethes, op. cit., p. 137.

[6]  Ad Nephalium, op. cit., p. 83.

*  انظر نفس هذا المفهوم عند ق. كيرلس في الحاشية صفحة 507.

[7]  للرجوع إلى مناقشة حول الكتاب الخلقيدوني وكتاب ساويروس ’محب الحق‘، انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 284f, with the notes).

[8] النسخة السريانية لكتاب ’محب الحق‘ (Philalethes) التي نُشرت في (C. S. C. O.) غير كاملة، حيث إنها تفتقد لأجزاء عديدة منه.

[9] وهذا يُظهر أنه كان يتم الدفاع عن مجمع خلقيدونية من خلال تحريف موقف منتقديه.

[10] Philalethes, op. cit., p. 187.

[11]  لقد كرر البطريرك ساويروس هذه النقطة مراراً، ففي كتابه ’محب الحق‘ على سبيل المثال، وبعد شرحه لعبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة”، كتب البطريرك ساويروس: “وهذا يدل على الوحدة غير المنقسمة، لأن الجسد استمر على ما هو عليه بدون أن يتحول إلى طبيعة الكلمة؛ ولا تغيرت طبيعة الكلمة إلى الجسد، ولكن التجسد حدث حقاً بدون أي تغيير أو خيالية”. (المرجع السابق صفحة 133).

وفي كتابه ’ضد النحوي‘ حينما كان يناقش معنى مصطلحي ’هيبوستاسيس‘ و’بروسوبون‘، وبعد إشارته إلى تشبيه ’الجسد – الروح‘، كتب البطريرك ساويروس: “وبنفس الأسلوب، من اللاهوت والناسوت، أي من الجسد البشري المحيَّ بنفس عاقلة، وكل (منهما) بكماله وحسب أصل مبدأه، فإن عمانوئيل هو ’بروسوبون‘ واحد من خلال الوجود المتزامن لكليهما في الإتحاد بدون تغيير أو اختلاط”. (مرجع سابق، 1: صفحة 77).

[12]  ينبغي أن نتذكر أن جهود المؤيدين لخلقيدونية في القرن السادس من أجل الدفاع عن مجمع عام 451م، كانت ترتكز على الإدعاء بأن مجمع خلقيدونية قد تبنى نفس تعليم ق. كيرلس الذي كان قد استبق المجمع بهذا التعليم.

[13]  لقد شكا البطريرك ساويروس “أن مؤلف الكتاب قد شوّه بمكر كلمات ق. كيرلس، حيث قام في بعض المواقف بإضافة أشياء وفي البعض الآخر بحذف أشياء أخرى”. انظر:

(Philalethes, op. cit., p. 129)

[14] ناقش البطريرك ساويروس مسألة إعادة الوحدة عام 433م بالتفصيل في كتابيه ’محب الحق‘ و’ضد النحوي‘، وأشار إلى رسائل البابا كيرلس إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية. انظر:

(Philalethes, pp. 197f, and Contra Grammaticum, II, pp. 10f) 

[15]  للرجوع إلى هذا الموضوع انظر صفحة 36 وما يليها. وقد اقتبس البطريرك ساويروس الفقرة محل التساؤل في كتاب ’محب الحق‘ صفحة 201 وفي كتاب ’ضد النحوي‘ 2: صفحة 33.

[16] Philalethes, op. cit., pp. 200-201.

[17]  كتب البطريرك ساويروس: “إن عبارة ’طبيعتين بعد الإتحاد‘ تعني بالنسبة للمتمسكين بها أن الإنسان قد تكوَّن بنفسه أولاً في الرحم، ثم سكنه الكلمة فيما بعد. وهم يصفون هذه السكنى  بكلمة ’الاتحاد‘، وطبقا لهذا هم ينسبون طبيعتين لعمانوئيل، ويستخدمون عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد” للتعبير عن ذلك”. انظر: (Philalethes, op. cit., p. 138).

[18]  ولم تكن نظرة البطريرك ساويروس للموقف الأنطاكي ـ كما سنرى ـ نظرة خاطئة.

[19] Philalethes, p. 140 and Contra Grammaticum, I, p. 182.

*   يشير ديودور في هذه العبارة إلى (عب 7: 7 – 10)، حيث قيل أن لاوي قبل ولادته كان له نفس وضعه الذي ناله فيما بعد، لأنه أُعتبر أنه كان في صلب أبيه إبراهيم حتى قبل الولادة.

[20] Philalethes, p. 140.

[21] Contra Grammaticum, I, pp. 134-135.

[22] Philalethes, pp. 140-141.

[23]  المرجع السابق صفحة 148-149.

[24]  يؤكد البطريرك ساويروس أنه إذا أُخذ تعبير ’هيبوستاسيس واحد‘ الذي ورد في تعريف الإيمان الخلقيدوني بمعنى ’بروسوبون واحد‘، فلن يكون هناك عندئذ أي شيء يمكن أن يرفضه نسطوريوس.

[25] Contra Grammaticum, I, pp. 118f.

اقتبس البطريرك ساويروس قول نسطوريوس: “أنا أجسد الكنيسة، وأتحدث عن نفس الشيء لكل واحد. أنا، المسيح، إله كامل وإنسان كامل، ليس كطبيعتين مختلطتين الواحدة مع الأخرى، ولكن كطبيعتين متحدتين”. (ص 119).

[26] هذا التأكيد كان البطريرك ساويروس قد شدد عليه في أماكن عديدة. انظر على سبيل المثال: (Contra Grammaticum, I, pp. 178f)

[27]  للإطلاع على إشارة البطريرك ساويروس للخطاب انظر: (Philalethes, pp. 177-78).

[28]  يشير سيلرز إلى خطاب ثيؤدوريت إلى يوحنا أسقف (Agae)، في كتابه:

(The Council of Chalcedon, op. cit., p. 213, n. 2).

وقد علق بأن ثيؤدوريت حاول أن يقنع يوحنا بأن مصطلح ’هيبوستاسيس واحد‘ الخلقيدوني لم يعني ’جوهر واحد‘ (one substantia)، ولكن سيلرز مع ذلك لم يبين ماذا كان يعني هذا المصطلح عند أسقف قورش. ويرى شارلز موللر أن محاولة ثيؤدوريت لجعل معنى ’هيبوستاسيس‘ يتوازى مع معنى ’بروسوبون‘ هي مساهمة لاهوتية منه. انظر: (Das Konzil Von Chalkedon, op. cit., I, p. 658)

[29] Contra Grammaticum, I, p. 294.

[30]  عدد كبير من هذه الوثائق تضمنته أعمال ’زكريا الخطيب‘، و’يوحنا أسقف أفسس‘، و’ميخائيل السرياني‘. وقد ذكرنا العديد منها في دراستنا الحالية.

الاعتراضات على مجمع خلقيدونية ج2

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

الجزء الأول: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

الجزء الثاني: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

6. تبرئة ثيؤدوريت وإيباس:

إن عدم الاتفاق الحقيقي على مجمع خلقيدونية بالنسبة للأمور التي يشدد عليها السكندريون، يرتبط بتعامل المجمع مع ثيؤدوريت وإيباس. وكانت القوتان المسيطرتان على المجمع (روما والقسطنطينية) وكذلك الفريق الأنطاكي يريدون فقط أن يثبتوا أن الحكم الذي أعلنه مجمع عام 449م ضد كل من ثيؤدوريت وإيباس كان ببساطة حكماً غير مسئولاً.

ولكن لم يشاركهم في هذه النظرة قسم كبير من الحاضرين في مجمع خلقيدونية، حيث كان هؤلاء المعارضون مقتنعين بأن هذين الرجلين هما في الحقيقة نسطوريين، وأنهما أُدينا بإنصاف، وأنه لا ينبغي أن يُسمح للفريق القوي في المجمع أن يصدر قراره بخصوصهما ما لم يقم الرجلين بإدانة نسطوريوس وتعليمه بوضوح.

 

(أ) قضية ثيؤدوريت أسقف قورش:

لقد تمت معالجة مسألة ثيؤدوريت في مجمع خلقيدونية على مرحلتين،[1] ففي يوم 8 أكتوبر وفور قراءة تفويض الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني في محاضر مجمع عام 449م، والذي يمنع فيه مشاركة ثيؤدوريت في ذلك المجمع، أدخل ممثلو الإمبراطور أسقف قورش إلى مجمع خلقيدونية،[2] متجاهلين إدانته بواسطة المجمع السابق ومتذرعين بأن ليو بابا روما كان قد أعاده إلى رتبة الأسقفية.[3]

وبمجرد دخول ثيؤدوريت إلى المجمع أعلن أساقفة مصر وإيليريكم وفلسطين عن اعتراضهم الشديد وصاحوا قائلين: “ارحمونا، إن الإيمان يتحطم! إن القوانين تطرده! اطردوا معلم نسطوريوس!”، وهنا رد الأساقفة في الجانب الآخر بأن الرجل الذي كان يجب أن يُطرد هو ديسقوروس. وفي وسط هذه الجلبة، تحرك أسقف قورش إلى وسط المجمع وقال أنه قد قدَّم التماسات إلى ’سادة العالم‘ وأنه يناشد تعطف المجمع لكي تتم قراءتها، ولم يؤتِ هذا الكلام بأية نتيجة واستمر الجانبان في صياحهما كل ضد الآخر.

وهتف المعارضون له قائلين: “إنه ليس أسقفاً، اطردوا محارب الله؛ اطردوا اليهودي”! وكان السكندريون يقاومون ثيؤدوريت على نفس المستوى الذي قاوم به الأنطاكيون البابا ديسقوروس. وبعد هذا المشهد الصاخب، حكم ممثلو الإمبراطور بأن يبقى ثيؤدوريت في المجمع بصفته مقدم التماساً.

وتعرض المجمع للمرة الثانية لمسألة ثيؤدوريت يوم 26 أكتوبر،[4] وبمجرد أن ذُكرت القضية، تجاهل الأساقفة تصرف البابا ليو معه وصاحوا: “إن ثيؤدوريت مازال محروماً”، فرد عليهم أسقف قورش بأنه كان قد قدَّم دعاوى (التماسات) إلى الإمبراطور وإلى مندوبي روما ويمكن أن تتم قراءتها إذا أراد الأساقفة، ولكن من الواجب أن نتذكر أن تلك الدعاوى لم تكن مُرسلة إلى المجمع.

وكان رد الأساقفة أنهم لا يريدون أن يقرأوا أي شيء، ولكن ما يريدونه منه هو أن يدين نسطوريوس، فأجابهم ثيؤدوريت: “لقد تربيت على أيدي الأرثوذكس، وتعلمت بواسطة الأرثوذكس،[5] وأنا أعظ وأبشر بالأرثوذوكسية؛ وأتجنب وأحسبه مخالفاً ليس فقط نسطوريوس وأوطيخا ولكن كل واحد ليس لديه الفكر الصحيح”، وهنا طالبه الأساقفة قائلين: “تكلم بصراحة ووضوح، وقل ليُحرم نسطوريوس وعقيدته، ليُحرم نسطوريوس وهؤلاء الذين يدافعون عنه”.

وعندئذ حاول ثيؤدوريت أن يقدِّم شرحاً لموقفه فقال: “الحق إني لا أقول إلاّ ما أعرف أنه يرضي الله. وفي البداية أريد أن أوضح أنني ما جئت إلى هنا لأنني أهتم بمدينتي أو أبحث عن رتبتي، ولكن بما إنني قد اتُهمت باطلاً لذلك أتيت لكي أوضح أنني أرثوذوكسي، وأنني أدين نسطوريوس وأوطيخا، وكل من يعترف بابنين”، وهنا تدخل الأساقفة وطالبوه ثانية بأن يحرم نسطوريوس وحسب، ومرة أخرى حاول أسقف قورش أن يدافع عن موقفه، فصاح الأساقفة: “إنه هرطوقي! إنه نسطوري! اخرجوا الهرطوقي”، وأمام هذا قال ثيؤدوريت مدفوعاً: “ليُحرم نسطوريوس، ليُحرم من لم يعترف أن القديسة مريم هي ’والدة الإله‘ (ثيؤتوكس)، ليُحرم من يقسم الابن الواحد الوحيد إلى ابنين.

لقد قمت بالفعل بالتوقيع على تعريف الإيمان وكذلك على طومس ليو، وفكري يتفق معهما”. وتُظهر عبارات ثيؤدوريت السابقة كيف كان حريصاً في موافقته على حرم نسطوريوس. ووجدت هذه الكلمات قبولاً لدى ممثلي الإمبراطور، وعلقوا عليها قائلين إن ثيؤدوريت قد حرم نسطوريوس وقبل طومس ليو ووقع على اعتراف الإيمان الخاص بالمجمع، فما هو حكم الأساقفة بخصوص الرجل، فأجاب الأساقفة “إن ثيؤدوريت يستحق الكرسي، لتدم الأرثوذكسية للكنيسة”. وبهذه الطريقة تمت إعادة ثيؤدوريت لشركة الكنيسة وكذلك إلى أسقفيته.[6]

وتدعونا قصة تبرئة ثيؤدوريت إلى التعليق بأن أسقف قورش لم يكن مقتنعاً بأنه أو بأن أي أحد من قادة التقليد الأنطاكي بما فيهم نسطوريوس كان لديه فكراً هرطوقياً. وكان ليو ومندوبو روما ـ الذين يزعمون أنهم قد حرموا نسطوريوس ـ يساندون ثيؤدوريت، بدون أن يوضحوا الأساس الذي بنوا عليه هذا التصرف.

ونحن في تعليقنا هذا، لا نعني أن ثيؤدوريت كان يجب عليه أن يحرم نسطوريوس أو اللاهوتيين الأنطاكيين أمثال ثيؤدور أسقف موبسويستا، وسوف نعرض وجهة نظرنا في هذه المسألة لاحقاً في هذه الدراسة، ولكن ما نريد أن نلاحظه هنا هو أن ليو بابا روما في إعلانه أن نسطوريوس هرطوقياً من ناحية، وفي تأييده لثيؤدوريت الذي كان حليفاً لنسطوريوس والذي لم يحرم نسطوريوس من الناحية الأخرى، كان يتمسك بمعيارين في الجدل الخريستولوجي الدائر. ويستطيع الناقدون لليو أن يروا وراء تصرفه هذا خطة مدبرة لإضعاف الثقة في مجمع أفسس عام 431م وكذلك في التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية.

ولم يشارك الأساقفة الشرقيون ليو في وجهة نظره، حيث طلبوا من ثيؤدوريت أن يعلن رفضه لنسطوريوس في تعبيرات واضحة، وذلك رغم أن التحالف بين روما والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية في ذلك الوقت قد جعلهم عاجزين عن التعبير عن وجهة نظرهم بصورة مؤثرة في المجمع. ووجهة نظر هؤلاء الأساقفة الشرقيين ـ وليست التي لبابا روما ـ هي التي سادت في الشرق في القرن السادس، وقد تم التصديق عليها واعتمادها بواسطة مجمع عام 553م،* حيث أعلن ذلك المجمع ـ الذي اعتُبر رسمياً أنه مجمع مسكوني حتى من قبل روما ـ أن كتابات ثيؤدوريت الهجومية ضد مجمع أفسس عام 431م وضد موقف ق. كيرلس اللاهوتي هي كتابات هرطوقية.

وبتبنيه لهذا القرار يكون مجمع عام 553م ـ ولو لم يقر بذلك ـ قد تتبع تاريخه العقائدي* من خلال هؤلاء الأساقفة الشرقيين وصولاً إلى مجمع أفسس الثاني عام 449م الذي كان قد حرم ثيؤدوريت على أساس أن كتاباته تلك تضمَّنت مخالفة للإيمان الذي ترسخ في مجمع عام 431م ثم صُدِّق عليه في صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

 

(ب) تبرئة إيباس أسقف الرها:

ويمكننا أيضاً من تسوية قضية إيباس، أن نتبين أن الفريق الأقوى في المجمع حاول بصورة واضحة أن يضعف الثقة في مجمع أفسس عام 431م. وقد تناول مجمع خلقيدونية قضية إيباس يوم 26 أكتوبر وتم اتخاذ القرار في اليوم التالي.

كان إيباس بالفعل شخصاً مثيراً للجدل، وهو رجل كنسي أنطاكي صاحب الوفد السرياني إلى مجمع أفسس عام 431م كراهب. ولكنه وعلى خلاف ثيؤدوريت قبل في ذلك الوقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م، وكتب رسالته إلى ماريس (Maris) أسقف أرداشير (Ardaschir) في بلاد فارس مقدماً تعليقه على مجمع أفسس وصيغة إعادة الوحدة من وجهة النظر الأنطاكية.

وكتب إيباس في رسالته هذه:[7] أنه كان هناك خلاف بين نسطوريوس وكيرلس، وقد تمسك نسطوريوس بأن العذراء الطوباوية لم تكن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ وبالتالي أعطى الانطباع بأنه يتبع بولس السموساطي.

ولكن كيرلس في محاولته أن يفند آراء نسطوريوس، وقع في هرطقة أبوليناريوس، فقد أكد على سبيل المثال أن الله الكلمة صار إنساناً بحيث لا يوجد فرق بين الهيكل والذي يسكن فيه، وقد بدا أنه يحاول أن يبرهن من خلال حرومه الإثني عشر أن طبيعة لاهوت ربنا وطبيعة ناسوته كانتا واحدة، وأنه بالنسبة للأقوال والأفعال ـ سواء التي قالها أو التي نسبها إليه الإنجيليون ـ فلا ينبغي أن يكون هناك أي تمييز بينها،* “وأنا متأكد إنك ستعرف مدى الشر في كل هذا”.

ويكمل إيباس كلامه قائلاً: وتعليم الكنيسة هو على العكس من ذلك، فالابن الواحد الرب يسوع المسيح، هو طبيعتين، وقدرة واحدة، وبروسوبون واحد. وقد اجتمع مجمع أفسس ليحكم بين موقفي نسطوريوس وكيرلس، ولكن الأخير اغتصب الرئاسة وقام بحرم الأول بوازع من العداوة الشخصية، وحتى قبل أن يصل يوحنا الأنطاكي وأساقفته إلى المجمع.

وبعد ذلك بيومين دخل الوفد القادم من الشرق إلى أفسس، وعلم أنه قد تم الاعتراف بأرثوذكسية حروم كيرلس الإثني عشر، فأدى ذلك إلى جدل كبير تم حله في النهاية بالتوصل إلى اتفاقية، فرب الكنيسة قد ألان قلب المصري (ق. كيرلس)، ولهذا وبدون مجهود كبير وافق أن يقبل الإيمان ويتخلى عن أولئك الذين ليس لهم نفس إيماننا.

وختم إيباس رسالته بإرشاد ماريس بأن يُعرِّف الذين يعتبرهم محبين للسلام بأن النزاع قد انتهى، وبأنه ينبغي على أولئك الذين رفعوا أنفسهم بتطرف فوق الأحياء والأموات[8] أن يخجلوا الآن من موقفهم السابق ويعتذروا عن حماقتهم؛ لأنه لا أحد الآن يتجرأ أن يقر بأن لاهوت وناسوت المسيح هما واحد، ولكنهم يعترفون بأن الهيكل والذي يسكن داخله هما ابن واحد يسوع المسيح.

ويُظهر لنا الملخص السابق أن إيباس كان رجلاً يشجب مجمع أفسس عام 431م، والموقف اللاهوتي لآباء الإسكندرية، وتعليم ق. كيرلس. وكان رجلاً مؤيداً لنسطوريوس، وبحسب كلمات تيكسورنت (Tixorent) كان إيباس أيضاً عدواً أكيداً لكيرلس وقد اتهم فكره اللاهوتي بالأبولينارية.[9] وتمثل رسالة إيباس نموذجاً لوجهة النظر الأنطاكية في صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وقد رأى الجانب الأنطاكي أن كاتب تلك الرسالة يعتبر سنداً قيماً للقضية، ولذلك تم تنصيبه على كرسي الرها عام 435م خلفاً للأسقف رابولا (Rabbula) الذي سبب لهم إخلاصه للفكر اللاهوتي الكيرلسي مشاكل كثيرة. وقد لاقى الموقف العقائدي للأسقف الجديد وكذلك سلوكه الشخصي في الأمور الكنسية، معارضة كبيرة على المستوى الكنسي الرسمي والشعبي في المنطقة.[10] وعلى الرغم من أن شكواهم ضده لم يُحكم فيها في بريتُس وصور،[11] فإن مجمع عام 449م قام بفحصها وحكم بعزل إيباس بتهمة الهرطقة وسوء الإدارة للممتلكات الكنسية.[12]

ونعود إلى خلقيدونية، فعندما شرع المجمع في تناول قضية إيباس،[13] تقدم الرجل وقال إنه قد حُرم بواسطة مجموعة من الأوطيخيين، ولكنه بالحقيقة أورثوذوكسي. وهنا سأل ممثلو الإمبراطور الأساقفة عن رأيهم، وفي هذا السياق ذُكرت الدعاوى التي كانت ضده في بريتُس وفي صور وكذلك رسالته إلى ماريس، ولكن محاكمته التي كانت في مجمع عام 449م لم تُؤخذ في الاعتبار.

وعندما انتهت القراءة أعطى مندوبو روما حكمهم قائلين أن الأدلة التي ضد إيباس لا تبرر مسألة حرمه ومن ثم يجب تبرئته، وهنا تكلم أناتوليوس وجوفينال وثالاسيوس معلنين موافقتهم على حكم مندوبي روما. وتستحق العبارة التي نطق بها جوفينال في تلك المناسبة أن نذكرها هنا كما أوردها هونيجمان (Honigman) حيث قال: “إن الكتب المقدسة تعلمنا أن نقبل المهتدون، ومن هنا نحن نقبل حتى الهراطقة السابقين. ولهذا السبب فأنا أيضاً أوافق معكم على تلك الرحمة (“محبة البشر”) التي قد مُنحت لهذا الأسقف الجليل إيباس، حيث سيأخذ كرامة الأسقفية مادام هو الآن أرثوذوكسياً”.[14]

وقبل أن يتم التوصل إلى القرار النهائي قال مندوبو روما: “نحن بقراءة الأوراق ندرك أن قرار الأساقفة[15] (السابق) بخصوص إيباس لم يكن قراراً مسئولاً. وبعد قراءة رسالته،[16] نعرف أنه أرثوذوكسي”.[17] وبعد ذلك عبَّر ستة عشر أسقفاً عن موافقتهم كل بصورة شخصية، كما هتف المجمع: “كلنا نوافق.

فقد حرم (إيباس) بالفعل نسطوريوس وأوطيخا”[18]، وهنا رد إيباس بأنه قد حرم نسطوريوس وتعليمه كتابةً، وبأنه كان يحرمه مليون مرة،[19] ثم أضاف إيباس قائلاً: ليُحرم نسطوريوس وأوطيخا، وكل من يعترف بطبيعة واحدة، وكذلك كل من لا يقبل تعليم (هذا) المجمع. وهنا تمت إعادة قبول إيباس من المجمع.

ونجد في مسألة تبرئة إيباس أيضاً، أنه كان هناك رأيين بين الحاضرين، فبينما رأى مندوبو روما ومؤيدوهم الشرقيون تبرئته على أساس أن الحكم الذي صدر ضده من مجمع عام 449م لم يكن حكماً مسئولاً، فإن بقية المجمع وافقوا على تبرئته لأنه أدان بالفعل نسطوريوس وأوطيخا. وكان هذا الرأي الأخير هو ما ساد في الجانب الخلقيدوني في الشرق  في القرن السادس، وهو أيضاً ما أكده مجمع عام 553م.

ويتضح من ذلك أنه بالنسبة لثيؤدوريت وإيباس فإن التقليد الخلقيدوني قد أزاح جانباً ـ وبطريقة لطيفة ـ الموقف الذي كان يسعى الطرف الأقوى في خلقيدونية لأن يثبته، كما أن القرار الذي أصدره مجمع عام 553م باعتبار خطاب إيباس إلى ماريس هرطوقياً، قد أكد حكم مجمع عام 449م وليس حكم مندوبي روما.[20]

 

7. بعض الملاحظات الختامية:

كانت أهم القرارات التي اتُخذت في خلقيدونية ـ من وجهة نظر دراستنا هذه ـ هي: (1) القرارات المتعلقة بالأشخاص، أي عزل البابا ديسقوروس من جهة وتبـــــرئة ثيـؤدوريت وإيبــــاس من جــهة أخرى؛ (2) الموافقة على طومس ليو كوثيقة للإيمان؛ (3) تبني تعريف (صيغة) للإيمان. ولكن لم يكن هناك بالفعل اتفاق حقيقي بين أعضاء المجمع بالنسبة لأي من تلك القرارات.

فعلى سبيل المثال، تم عزل البابا ديسقوروس بواسطة فريق من الحاضرين، ثم اضطُر بقية المجمع لقبول القرار بشيء من الصعوبة. وبالنسبة إلى كل من ثيؤدوريت وإيباس، فبالرغم من أن الفريق الأقوى في المجمع سعى لإثبات أنهما لم يكونا مستحقين لأية عقوبة، فإن الأساقفة الآخرون أصروا على أنهما كانا في الحقيقة هرطوقيين، وأنه يمكن قبولهما فقط إذا قاما بحرم نسطوريوس بعبارات واضحة لا تُخطَئ.

أما طومس ليو، فقد حاولت القوى المسيطرة على المجمع أن تعلنه المقياس العقائدي للكنيسة، ولكن كثير من الأساقفة الشرقيين قبلوه فقط كتنازل من أجل الوفاق. وأيضاً بالنسبة لتعريف الإيمان الذي تبناه المجمع، فقد تمت كتابته بحيث يمكن للرجال الذين ينتمون للتقاليد المختلفة في الكنيسة أن يفسروه كل بحسب طريقته الخاصة.

وحتى بالنسبة لتأييد المجمع للتقليد المبكر للكنيسة، لم يكن هناك أيضاً اتفاق حقيقي بين الأعضاء. فبينما أقرت القوى المسيطرة على المجمع، بسلطة مجمع أفسس عام 431م بحسب مفهوم الجانب الأنطاكي فقط، فإن بقية المجمع أصرت على القبول المطلق غير المشروط لمجمع عام 431م ولقراراته بكاملها.

ومن وجهة النظر السكندرية، كان الموقف الذي اتخذه الجانب المنتصر في المجمع يشكل تعدياً على التقليد الثابت للكنيسة، حيث إنه يخالف بنود الاتفاق الذي تم بين ق. كيرلس السكندري والبابا يوحنا الأنطاكي قبل صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وعلى الرغم من أن الموالين للجانب السكندري لم يتمكنوا من توضيح وجهة نظرهم بصورة فعالة، بل واضطُروا حتى إلى الاستسلام إلى الجانب القوي ـ الذي استطاع أن يستخدم أوطيخا كورقة رابحة ـ إلاّ أن موقفهم كان له تأثير كبير في الشرق، وهذا ما تأكد بعد انتهاء المجمع.

وينبغي على أي تقييم لمجمع خلقيدونية أن ينتبه بشكل كافٍ لحقيقة أن الأمر الفعلي الذي تسبب في انقسام الشرق عملياً إلى معسكرين منذ صيغة إعادة الوحدة عام 433م، لم يكن هو أوطيخا أو فلافيان، ولكنه كان التفسير المختلف تماماً لمجمع عام 431م نفسه، فالرجلان لم يكونا سوى كبشي فداء، وضع المعارضون لكل واحد منهما الاتهامات على الشخص الذي يخالفهم، وحاولوا أن يجهزوا عليه كتعبير عن رفضهم للفريق الذي ينتمي إليه ذلك الشخص.

وكانت القوى المسيطرة على المجمع ـ وهي بالتحديد روما من جهة والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية من جهة أخرى ـ قد استخدمت مجمع خلقيدونية لتحقيق خططها الخاصة، فروما كانت تريد أن تؤكد زعمها في السيادة الشاملة على الكنيسة، أما السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية فكانت تحاول أن تجمع الكنيسة كلها في الشرق تحت سلطة كرسي القسطنطينية.

ولم يكن لدى أي من هاتين القوتين الصبر من أجل فحص المشكلة التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت بصورة موضوعية و تقديم الحل الذي يرضي جميع الأطراف، ولعل ذلك الأمر كان مستحيلاً من الوجهة البشرية. وعلى أية حال، فإن الجماعات الكثيرة التي كانت تتبع التقليد السكندري في الشرق، استمرت متمسكة بموقفها بصورة شديدة، وتحدت سلطة المجمع متخذة موقفها بثبات على أساس الفهم السكندري لمجمع أفسس عام 431م.

 

[1] للاطلاع على تقييم إيجابي لثيؤدوريت انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., vol. III). وكان ثيؤدوريت لاهوتي مشبع بالفكر الأنطاكي، وكان يؤمن أن نسطوريوس لم يكن يستحق الإدانة، وكان قد رفض التوقيع على الحكم الصادر ضد الرجل إلى أن أُجبر على ذلك يوم 26 أكتوبر. وقد أبعد نفسه حتى عن قبول إعادة الوحدة عام 433م، ولكنه قبلها بعد ذلك في عام 435م، واستمر في صحبة يوحنا الأنطاكي صانعاً سلاماً غير مستقر مع ق. كيرلس.

وفي وقت التوتر الذي حدث بين الجانبين السكندري والأنطاكي بعد إعادة الوحدة، لعب دوراً فعالاً في جانب الأخير. وبعد موت يوحنا عام 441م، صار هو القائد الفعلي للفريق الأنطاكي، ومن ثم جعل نفسه مبغضاً في عيون السكندريين بسبب أفعاله وبسبب كتاباته. ولهذا تزايدت الشكاوى ضده، وأمره الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني أن يبقى ملتزماً بكرسيه. وبعد ذلك بوقت قصير تمت إدانته من قبل مجمع عام 449م. للاطلاع على الإجراءات التي اتُخذت ضده في ذلك المجمع، انظر:

Akten der Ephesenischen Synode Jahre 449, ed. Johannes Fleming, Berlin, 1917 (Syriac), pp. 84 – 112.

وعلى الفور تقدم بدعوى لليو بابا روما ورتب قضية مشتركة معه، وبعد موت الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني تقدم بالتماس للأباطرة الجدد.

[2] ACO. II, i, pp. 69-70: 25-46.

[3] المرجع السابق صفحة 69: 26.

[4] للاطلاع على وقائع تبرئة ثيؤدوريت انظر ACO. II, i, pp. 368f: 4-25.

[5] من الواضح أن ثيؤدوريت كان يشير إلى رجال مثل ثيؤدور المبسويستي الذين كانوا قد شرحوا الإيمان في التقليد الأنطاكي، ولكن السكندريون كانوا يعتبرونهم هراطقة.

[6] وبعد إعادة (تبرئة) ثيؤدوريت، صوَّت المجمع من أجل تبرئة ثلاثة رجال هم صفرونيوس أسقف قنسطنطينا ويوحنا أسقف جرمانيكيا وأمفيلوخيوس أسقف سيدا. وآخر هؤلاء الرجال مشار إليه في صفحة . وقد طلب المجمع من يوحنا أسقف جرمانيكيا أن يدين نسطوريوس بالتحديد لكي يتم تبرئته. ومع ذلك كان يوحنا هذا رجلاً له دور قيادي بارز في المجمع خلال جلساته الأولى وبالأخص في اجتماع يوم 13 أكتوبر.

وكان واحداً من الرجال الذين أرسلهم المجمع لاستدعاء البابا ديسقوروس في ذلك اليوم. (انظر صفحة ) وفي يوم 22 أكتوبر، عارض يوحنا تبني مسودة التعريف الذي وضعه الأساقفة. (انظر صفحة ) وقد أعطى المشورة لممثلي الإمبراطور (انظر صفحة ).

* هذا المجمع هو الملقب بالمجمع المسكوني الخامس عند الخلقيدونيين، وقد انعقد في القسطنطينية عام 553م.

* أي تتبع الجذور التاريخية العقائدية لهذا القرار

[7] الرسالة في أصلها السرياني موجودة في (Johannes Fleming, op. cit., pp. 48-50). للاطلاع على النسخة اليونانية التي تم تقديمها في مجمع عام 451م انظر:

ACO. II, i, pp. 391-93: 138.

* كان ق. كيرلس يطالب بألا يكون بين هذه الأقوال والأفعال أي تمييز في كون بعضها إلهي وبعضها بشري لأن الذي قال أو فعل هو المسيح الواحد.

[8] من الواضح أن إيباس كان يشير هنا إلى قادة التقليد اللاهوتي الأنطاكي أمثال ثيؤدور أسقف مبسويستا.

[9] History of Dogma, op. cit., p. 52.

[10] بالرغم من أن الرها كانت جزءاً من سوريا، إلا إنها كانت تعارض بشدة التقليد اللاهوتي الأنطاكي، وكانت تؤيد التقليد السكندري.

[11] للإطلاع على مناقشة حول الإجراءات التي تمت ضد إيباس انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 49f).

[12] يحتوي كتاب (Johannes Fleming, op. cit., pp. 12-68) على محاضر مجمع عام 449م مع إشارة إلى بحث قضية إيباس. وقد قرأ هذا المجمع تقريراً عن التحقيقات السابقة كما قرأ خطاب إيباس إلى ماريس. وقد وقَّع واحد وعشرون أسقفاً بما فيهم ديسقورس وجوفينال وثالاسيوس وستيفن أسقف أفسس، مقرين بأن إيباس يستحق الحرم. وهنا قال الأساقفة: “نحن جميعاً نوافق على القرار. نحن جميعاً نستبعد مقاوم الله بالإجماع”. (المرجع السابق، صفحة 68).

[13] للإطلاع على الإجراءات في مجمع خلقيدونية انظر (ACO. II, i, pp. 372-401)

[14] Honigman, Juvenal of Jerusalem, op. cit., pp. 246-247.

[15] الإشارة هنا إلى مجمع أفسس الثاني عام 449م.

[16] ذكر هنا خطاب إيباس إلى ماريس.

[17] ACO. II, i, pp. 69-70: 25-46.

وكانت وجهة نظر مندوبي روما أنه بالرغم من الخطاب، فإن كاتبه كان أرثوذكسياً ولا يمكن أن يكون قد كُتب ـ في السياق العام للقرن الخامس ـ بعيداً عن التوجه الإيجابي تجاه مجمع عام 431م والفكر اللاهوتي لكيرلس السكندري.

[18] المرجع السابق صفحة 399: 179.

[19] المرجع السابق صفحة 399: 180.

[20] عندما انتهت قراءة الخطاب في مجمع أفسس عام 449م، هتف المجمع: “هذه الأشياء تلوث السمع. وهى تلائم الوثنيين،…”. انظر (J. Fleming, op. cit., p. 52). أما في خلقيدونية، فقد عبر مندوبو روما عن وجهة نظرهم بأنه بالرغم من كتابة الخطاب محل التساؤل، فإن إيباس كان أرثوذكسياً. وقد أعلن مجمع عام 553م بطريقة لا لبس فيها بأن الخطاب كان هرطوقياً، وأن أى شخص يدافع عنه سواء جزئياً أو كلياً فيجب إدانته. (انظر حروم المجمع: 14).

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

الجزء الأول: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

الجزء الثالث: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

5. المجمع يتبنى صيغة للإيمان:

وبعد نجاح السياسة الإمبراطورية في انتزاع موافقة المجمع على طومس ليو، كانت هناك خطة أخرى أيضاً لدى الإمبراطورين (ماركيان وبولخريا) لكي يجعلا المجمع يقر صيغة عقائدية يتم بواسطتها توحيد الكنيسة في الشرق تحت القيادة العليا لكرسي القسطنطينية. ورغم أنه في 10 أكتوبر كان الأساقفة مجمعين عملياً على معارضة فكرة صياغة تعريف (جديد) للإيمان، لكن ممثلو الإمبراطور أصروا على ذلك، ولهذا حضر الأساقفة الشرقيون في جلسة يوم 22 أكتوبر ومعهم مسودة صياغة لإقرارها من المجمع.

(أ) توتر الموقف:

وبمجرد أن بدأ الاجتماع (22 أكتوبر)، حتى شرع الشماس أسكلبيادس (Asclepiades) في قراءة مسودة تعريف الإيمان (التي أحضرها الأساقفة الشرقيون)، وحيث إن هذه الوثيقة غير موجودة الآن فلا نستطيع أن نتحقق من محتوياتها على وجه الدقة، ولكن على الرغم من ذلك يمكننا من خلال الجدال الذي دار بعد قراءتها أن نستنتج:

أنها لم تكن تحتوي على عبارة الأنطاكيين “طبيعتين بعد الإتحاد” ولا على عبارة “في طبيعتين” التي في طومس ليو، ولكنها كانت تحتوي فقط على عبارة البابا ديسقوروس “من طبيعتين”؛ كما إنها لم تستخدم كذلك مصطلح ’ثيؤطوكس‘ في الإشارة إلى العذراء مريم؛ ومن الواضح أيضاً أن الأساقفة الذين أقروا تعريف الإيمان الثاني أوضحوا أنهم كانوا يريدون أن يستقروا على الأول.

وعندما انتهت قراءة المسودة، اعترض يوحنا أسقف جرمانيكيا (Germanicia) على إقرارها،[1] وهنا تقدم أناتوليوس محاولاً أن يدفع الموضوع وسأل المجمع قائلاً: “هل هذا التعريف يرضيكم؟”، وفي الحال رد الأساقفة باستثناء مندوبي روما وبعض الشرقيين بأنه تعريف مقبول، وأنهم يريدون إقراره،[2] وسأل أناتوليوس ثانية: “هل هذا التعريف أرضاكم جميعاً بالأمس؟”، فرد عليه الأساقفة بالإيجاب الشديد، وأضافوا أنه ينبغي إقرار مسودة الصيغة بدون أي حذف، ولكن مع إدخال مصطلح ’ثيؤطوكس‘ في الإشارة إلى العذراء مريم.[3]

وأحس مندوبو روما بخيبة أمل شديدة، فوجهوا كلامهم إلى ممثلو الإمبراطور قائلين: “إذا كانوا لا يتفقون مع الرجل الرسولي، كلي الطوبى رئيس الأساقفة ليو، فاسمح لنا أن نقدِّم استقالتنا رسمياً لكي نعود (إلى بلادنا) ويكتمل المجمع”.[4]

وكان هذا بالفعل تهديداً لم يكن ممثلو الإمبراطور يسمحون بحدوثه دون تدخل، فاقترحوا تعيين لجنة تقوم بوضع صياغةٍ ثانيةٍ، ولكن المجمع لم يذعن لهذا الاقتراح وهتف قائلاً: “إن تعريف الإيمان هذا قد أرضى كل واحد، وهذه الكلمات هي إلى الإمبراطور، هذا هو تعريف الأرثوذكس”.[5] وعندئذ صعد يوحنا أسقف جرمانيكيا إلى ممثلي الإمبراطور ليحدثهم حديثاً خاصاً، وهنا فقد المجمع طول أناته وهو يرى هذا المشهد وعبَّر الأساقفة بحرية عن معارضتهم الشديدة لنسطوريوس، الذي يعتقدون أن يوحنا كان يؤيده.[6]

وبدأ ممثلو الإمبراطور يجادلون الأساقفة قائلين: “لقد قال ديسقوروس أنه تم عزل فلافيان لأنه كان قد أقر بطبيعتين؛ وتعريف الإيمان هذا يتضمن عبارة ’من طبيعتين‘ (التي قالها ديسقوروس)”،[7] وهنا كانت لدى أناتوليوس إجابة سريعة حيث قال لهم إن ديسقوروس لم يُحرم بسبب أمر يتعلق بالإيمان، ولذلك فليس من الخطأ في شيء أن نحتفظ بالموقف الذي أكده هو![8]

وجادل ممثلو الإمبراطور ثانية قائلين: “ألم تقبلوا رسالة رئيس الأساقفة ليو؟”، فأجابهم الأساقفة: “نعم، لقد قبلناها وصدَّقنا عليها”، فاستمر ممثلو الإمبراطور: “ولكن ما كانت تحتويه ليس موجوداً في هذا التعريف الحالي”. ورغم أن هذه النقطة كانت منطقية تماماً، إلاّ إن الأساقفة لم يكونوا يريدون أن يستسلموا (ويقوموا بصياغة تعريف ثانٍ)، فصاحوا قائلين: “لا ينبغي صياغة تعريف آخر، لن يتخلى أحد عن هذا التعريف”، وأضاف الأساقفة بعنف بما فيهم يوسابيوس أسقف دوريليم ألد أعداء البابا ديسقوروس: “لن يتم عمل تعريف آخر”.

وقام الأساقفة بالإجابة على النقطة التي أثارها ممثلو الإمبراطور فقالوا” لقد أكد التعريف على الرسالة (التي لبابا روما). إن رئيس الأساقفة ليو  يؤمن كما نؤمن نحن. لنوقع على تعريف الإيمان؛ هذا التعريف هو للجميع. لقد أقر ليو  بتعليم كيرلس؛ إن كولستين (Coelestine) وكيرلس قد أكدا الإيمان؛ زيستوس (Xystus) وكيرلس قد أكدا الإيمان.

معمودية واحدة، رب واحد، إيمان واحد. أزيلوا ما يشوب هذا التعريف”.[9] وكانت النقطة التي أكدها الأساقفة هنا في غاية الوضوح، فقد كانت مسودة تعريف الإيمان تتضمن أن طومس ليو  هو وثيقة مقبولة، ولذلك كانوا يتوقعون من ليو  نفس التصرف بإقراره أرثوذوكسية وثيقتهم، وكان هذا يعني بالتأكيد أن الأساقفة الشرقيين لم يقبلوا الطومس كمقياسهم العقائدي.

وهنا وبالاعتماد على قوة التفويض الإمبراطوري، حاول ممثلو الإمبراطور إقناع الأساقفة بالموافقة على تعيين لجنة لإعداد صيغة تعريف جديد للإيمان غير التعريف الأول، ولكن لم تأتِ هذه المحاولة بنتائجها المرجوة، حيث صاح الأساقفة: “ليعش الإمبراطور لسنين عديدة، فإما أن يُقبل هذا التعريف، أو أننا سنرحل”.

وقد وجَّه سِسروبيوس (Cecropius) أسقف سيباستوبوليس ـ وهو أحد الرجال الذين ذهبوا في المرة الثانية لاستدعاء البابا ديسقوروس يوم 13 أكتوبر ـ هذا التهديد بحدة شديدة قائلاً: “نحن نعتقد أنه تعريف مناسب، ونحن قد قرأنا التعريف، فأولئك الذين يعارضونه ولا يستطيعون أن يوقِّعوا عليه يمكنهم الرحيل. نحن نتفق أنه قد كُتب بدقة، ولا يوجد أحد بيننا لديه أي شكوك من جهته”.[10] وعبَّر أساقفة إيليريكم أيضاً عن وجهة نظرهم بحرية وصاحوا: “إن أولئك المعارضين هم مكشوفون؛ إنهم نساطرة. فلندعهم يمضون في طريقهم إلى روما”.[11]

ومن المحيِّر أن نجد ممثلو الإمبراطور ـ الرجال العلمانيين الذين بحسب رأي الأساقفة يوم 13 أكتوبر، لم يكن من المطلوب وجودهم أثناء سماع قضية البطريرك ديسقوروس[12] ـ يبذلون هنا قصارى جهدهم، فقد أشاروا إلى أن البابا ديسقوروس قال أنه يقبل ’من طبيعتين‘ ولكنه لم يعترف بـ ’طبيعتين‘، وقد أكد ليو أن طبيعتين قد اتحدتا بغير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال في المسيح ربنا الابن الوحيد، فأي منهما تتبعونه: القديس ليو أم ديسقوروس؟.

وكان هذا السؤال غير متوقع بالمرة، ولم يكن الأساقفة مستعدين له تماماً. وهنا لم يصبح الأمر أمام الأساقفة هو الاختيار بين ’من طبيعتين‘ أو ’في طبيعتين‘، ولكن بين البابا ديسقوروس الذي تم التصديق بالفعل على إدانته وليو  بابا روما الذي أعلنوا رسالته كوثيقة للإيمان. وعندما وُضع السؤال على هذا النحو، كانت الإجابة المباشرة التي أقروها هي: “نحن نؤمن كما يؤمن ليو، وأولئك المعارضون هم أوطيخيون. إن ليو قد حفظ الأرثوذوكسية”.[13]

 

(ب) الأساقفة يصلون إلى اتفاق:

كان خضوع الأساقفة بالفعل أمراً مفاجئاً وغير متوقع، وهذا ما دعا هيفلي (Hefele) لأن يتخيل أن هناك جزء مبتور في محاضر الجلسات.[14] ورغم أن هذه الحادثة يمكن تفسيرها ـ في رأينا ـ بدون الالتجاء لمثل هذا التخمين، إلاّ إنها تدعو في وجهة نظرنا إلى تعليق أهم من ذلك بكثير.

فالعبارة التي نطق بها ممثلو الإمبراطور والتي انتزعت تنازل الأساقفة، كانت تتضمن مفهوم أن البابا ديسقوروس قد عارض تأكيد اتحاد الطبيعتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال، وهذا في الحقيقة يعد تحريف وتشويه غير مبرر، لأنه في يوم 8 أكتوبر ـ وبالتحديد قبل خمسة عشر يوماً من كلامهم هذا ـ قال البابا ديسقوروس بوضوح لا لبس فيه أنه هناك اتحاد للطبيعتين، وأن هذا الاتحاد لم يُحدث اختلاطاً، ولا تغييراً، ولا انفصالاً، ولا امتزاجاً.[15]

وقد كان البابا ديسقوروس هو أول من أقر بهذا في خلقيدونية، وبالتالي كان أسبق في تأكيده لهذه الكلمات الأربعة من تعريف الإيمان الخلقيدوني نفسه.

وبعد أن أعطى الأساقفة موافقتهم، طلب ممثلو الإمبراطور منهم أن يصيغوا تعريفاً جديداً، على أن يحافظوا فيه على “تأكيد الأب الأقدس ليو  بأن هناك اتحاداً للطبيعتين في المسيح بدون تغيير أو انفصال أو اختلاط”.[16] وهنا ذهب ممثلو الإمبراطور مع أناتوليوس وخمسة عشر رجلاً آخرين إلى المصلى الخاص لكنيسة ق. أوفيمية ووضعوا صيغة جديدة، وقُرئت تلك الصيغة على المجمع وتمت الموافقة عليها، وكان هذا هو تعريف الإيمان الخلقيدوني.

(ج) بعض التعليقات:

إن هناك شيء ما جعل تعريف الإيمان الخلقيدوني يتبنى عبارة ’في طبيعتين‘ بدلاً من عبارة ’من طبيعتين‘ التي كانت في مسودة الأساقفة، وحيث إنه لم تكن هناك مناقشات في المجمع ـ من خلال المحاضر ـ حول عبارة ’في طبيعتين‘، فلا سبيل لدينا لمعرفة السبب وراء موافقة الأساقفة على هذه العبارة بدلاً من عبارة ’من طبيعتين‘.

ويرى النقاد الشرقيون للمجمع أن في ذلك خيانة لمعيار (أو تقليد) الإيمان الراسخ،[17] وأمام هذا الاعتراض يحاول المؤيدون للمجمع أن يزعموا أن العبارتين تعنيان نفس الفكرة.[18] ولو كان هذا الكلام صحيحاً، أي أنه لو لم يكن هناك فرق حقيقي بين عبارة البابا ديسقوروس ’من طبيعتين‘ وعبارة المجمع ’في طبيعتين‘، ومع قليل من الصبر من جانب الفريق المنتصر، كان من الممكن تجنب حدوث الانقسام.

ومن المثير حقاً أن الأساس الذي تمت عليه إدانة البابا ديسقوروس لم يكن أنه رفض إقرار عبارة ’في طبيعتين‘ أو أنه أصر على عبارة ’من طبيعتين‘. كما أن ممثلي الإمبراطور لم يعتبروا الموقف الذي يتمسك به البابا ديسقوروس موقفاً هرطوقياً، ولكن ما فعلوه هو أنهم أخبروا الأساقفة أن ما يشددون عليه (في مسودتهم) هو نفس ما كان البابا ديسقوروس ـ الذي تخلوا عنه ـ يتمسك به على الدوام.

وهكذا وبدون أن ينسبوا هرطقة للبابا ديسقوروس، نجح ممثلو الإمبراطور بطريقة بارعة في أن يفوزوا بالنقطة التي كانت السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية في ذلك الوقت ترغب في أن تحفظها دفاعاً عن بابا روما.

وسوف نولي تعريف الإيمان الخلقيدوني الاهتمام المناسب فيما بعد، لكن ما يهمنا أن نلاحظه في السياق الحالي هو أن الإمبراطورين (ماركيان وبولخريا) كانا يريدان بالفعل أن تكون هناك صيغة للإيمان تخرج من المجمع وكان هدفهما أن تكون الكنيسة كلها في الشرق تحت قيادة القسطنطينية.

ومن هذا المنطلق كانا حريصين أن تكون هناك لجنة تضم أعضاءً من مختلف التقاليد الموجودة في الكنيسة لكي تقوم بإعداد الوثيقة التي يتبناها المجمع. وقد تبدو هذه الفكرة العاطفية جديرة بالإطراء، ولكن الإمبراطوران كانا في الحقيقة ضد الإسكندرية وضد ق. كيرلس، وكانا بلا شك حريصين على أن يُسقطا الإسكندرية من السيادة التي تتمتع بها في الشرق وأن يضعا القسطنطينية مكانها، أضف إلى هذا حقيقة أن المجمع كانت تسيطر عليه قوى لم تكن على وفاق مع تعاليم آباء الإسكندرية.

ولكن في نفس الوقت، كان للتقليد السكندري وبخاصة ق. كيرلس تأييد كبير في الشرق، وكان هناك رجال ضمن اللجنة المجمعية التي صاغت تعريف الإيمان متمسكين بهذا التقليد، وقد نجح هؤلاء الرجال في أن يدخلوا بعض التأكيدات القليلة النابعة من تقليدهم داخل تعريف الإيمان الخلقيدوني، وقد سمح هذا الأمر للاهوتيين الخلقيدونيين في القرن السادس في الشرق أن يتبنوا موقفاً عقائدياً معارضاً للنسطورية على نفس مستوى موقف غير الخلقيدونيين المعارضين للمجمع.

وقد زعم تعريف الإيمان الخلقيدوني تواصله مع التقليد الثابت المبكر للكنيسة، وبالأخص مع مجمع أفسس عام 431م. وكان كل من المجمع المكاني عام 448م ومجمع أفسس الثاني عام 449م قد زعم نفس التواصل أيضاً ولكن كل منهما بمفهومه الخاص، ولذلك فالسؤال الهام يتعلق بالمفهوم الذي على أساسه يُقال عن خلقيدونية أنه متواصل مع مجمع عام 431م.

ومن الواضح أن مندوبي روما، وممثلي الإمبراطور، والرجال المنتمين للتقليد الأنطاكي، كانوا كلهم متمسكين فقط بالفهم الأنطاكي لصيغة إعادة الوحدة عام 433م، وكان تحالفهم قوياً لدرجة أن السكندريين لم يتمكنوا من عرض وجهة نظرهم بأي طريقة مؤثرة. ولهذا تم وضع تعريف الإيمان ليكون غامضاً مبهماً عن عمدٍ، لكي يمكن للرجال ذوي التقاليد المختلفة أن يؤيدوه، كما لم يشيروا فيه كذلك لأي مدلول متفق عليه.

وهذه المرونة التي أظهرها تعريف الإيمان الخلقيدوني، كانت أيضاً في نفس الوقت نقطة ضعفه الواضحة. فقد كان هناك رجال في الشرق متأصلين في تعليم آباء الإسكندرية، وهؤلاء وجدوا هذا التعريف غير كافٍ ليصون تراث الكنيسة العقائدي، كما رأوا أيضاً أن تعامل المجمع مع الأشخاص ـ أي إدانة البابا ديسقوروس من ناحية، وتبرئة ثيؤدوريت أسقف قورش وإيباس أسقف الرها من الناحية الأخرى ـ من المتعذر تبريره، ولهذا عارض هؤلاء الرجال مجمع خلقيدونية بتصميم وثبات لا تثنيه أي قوة على الأرض.

 

[1] المرجع السابق صفحة 319: 4. قال يوحنا أسقف جرمانيكيا: “لم يوضع التعريف بشكل جيد ويحتاج أن يكون صحيحاً”. لمراجعة تعليقنا على يوحنا انظر صفحة  المرجع رقم .

[2] المرجع السابق صفحة 319: 6. صاح الأساقفة: ” التعريف يستوفي كل شيء؛ هذا هو إيمان الآباء. ومن لديه فكر آخر فهو هرطوقي، وإذا فكر أي شخص على نحو مختلف فليكن محروماً (أناثيما). ليُطرد النساطرة. هذا التعريف يستوفي كل شيء. ومن لا يدين نسطوريوس فليطرد من هذا المجمع.”

[3] المرجع السابق صفحة 319: 7-8. يبدو أن الأساقفة الذين وقعوا على الطومس كانوا قد اجتمعوا في اليوم السابق على هذه الجلسة، حيث قاموا بإعداد المسودة عازمين على الضغط على المجمع للتصديق عليها في اليوم التالي.

[4] لقد وضحت هنا وجهة نظر روما في النزاع الدائر، فالأمر ليس أن المجمع ينبغي عليه أن يقوم بصياغة الإيمان في ضوء التقليد الراسخ، ولكنه يتعين عليه أن يتبنى وجهة النظر اللاهوتية التي قالها البابا سواء كانت تتفق مع التقليد أو لا.

[5] المرجع السابق صفحة 319: 11. كان موضوع تعيين لجنة (تقوم بصياغة ثانية) هي من اقتراح الأباطرة.

[6] المرجع السابق صفحة 319: 12. صرخ الأساقفة: “فليُطرد النساطرة، فليُطرد المحاربون ضد الله. التعريف الذي وضع بالأمس يرضي كل واحد. الإمبراطور أرثوذكسي والإمبراطورة أرثوذكسية وقد قامت الإمبراطورة بإبعاد نسطوريوس. وممثلو الإمبراطور هم أيضاً أرثوذكس. فلتحيا الإمبراطورة، وليحيا الإمبراطور وليحيا ممثلو الإمبراطور. نحن نريد أن نوقع على التعريف وهو فوق البشائر (الإنجيل). هذا التعريف يرضي كل واحد. فلتأمروا بتوقيع هذا التعريف. ويجب ألا يُسمح بأي حذف في هذا التعريف.

ومن لا يوقع على هذا التعريف فهو هرطوقي. والقديسة مريم هي والدة الإله (ثيؤطوكس)، ومن لا يفكر على هذا النحو فهو هرطوقي… الروح القدس هو الذي أملى هذا التعريف، ومن لا يوقع عليه فهو هرطوقي. مريم هي والدة الإله (ثيؤطوكس)؛ فليوضع هذا فى التعريف. وليُطرد النساطرة. المسيح هو الله.”

[7] كانت حجة ممثلي الإمبراطور هي، أنه بينما كان ديسقوروس يعارض عبارة “طبيعتين بعد الإتحاد”، كان يصر على “من طبيعتين “. وكانت مسودة الأساقفة تحتوي فقط على “من طبيعتين”، ولذلك فإن عزل ديسقوروس كان غير مبرر.

[8] انظر صفحة . للإطلاع على العبارة الكاملة انظر صفحة المرجع رقم .

[9] ACO. II, i, p. 320: 20.

[10] المرجع السابق صفحة 321: 24.

[11] المرجع السابق صفحة 321: 25.

[12] انظر صفحة المرجع رقم .

[13] ACO. II, i, p. 321: 26.

[14] A History of the Councils…, op. cit., p. 345.

الواضح من العرض المذكور في المحاضر أن أساقفة الشرق كانوا يعرفون فقط فن الصياح، ولكن ليس فن التفكير الواضح، أو الدفاع عن الفكرة بحجج سليمة.

[15] انظر صفحة .

[16] ACO. II, i, p. 321: 28.

يجب أن نتذكر أنه بالنسبة للبابا ديسقوروس، فإن إتحاد الطبيعتين لم يكن فقط بدون تغير أو انقسام أو اختلاط ولكنه أيضاً بدون امتزاج .

[17] كان هذا هو الأساس الذي بنى عليه البابا ديسقوروس رفضه لعبارة “طبيعتين بعد الإتحاد”. انظر صفحة .

[18] كانت هذه الحجة قد وُضعت في الأزمنة القديمة بواسطة إفاجريوس (Evagrius)، وفي الوقت المعاصر يذكرها بول جاتييه (Paul Galtier) في مقاله المنشور في:

(Des Konzil von Chalkedon)

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

 

ملخص كتاب مجمع خلقيدونية إعادة فحص – الأب ف سي صموئيل (بيشوي طلعت)

 

الجزء الثاني: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

الجزء الثالث: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

بعد عملية عزل البابا ديسقوروس التي تمت في اجتماع يوم 13 أكتوبر عام 451م، اتخذ المجمع قرارين لهما صلة بالإيمان، فمن ناحية أعلن المجمع طومس ليو كوثيقة (رسمية) للإيمان، ومن ناحية أخرى قدَّم المجمع تعريفاً (صيغة) للإيمان.

ولكن الحاضرون في المجمع لم يتقبلوا أياً من هذين القرارين بصورة تلقائية ولا بشكل مطلق، فعلى سبيل المثال رغم أنه قد تم الإعلان عن قبول طومس ليو يوم 17 أكتوبر بعد أن وقَّع عليه أعضاء المجمع بصورة شخصية، إلا أن كثير من الشرقيين كانوا قد وافقوا على ذلك الطومس فقط كتساهل (أو تنازل) من أجل بابا روما الذي تسانده السلطة الإمبراطورية.

وكذلك الحال أيضاً مع تعريف الإيمان الخلقيدوني، فقد تمت صياغته بعد عراك عنيف بالكلمات بين فريقين مختلفين في المجمع، وصيغ في صورته النهائية بالشكل الذي يسمح للحاضرين الذين ينتمون للتقاليد الثلاثة الموجودة في الكنيسة ـ وهي التقليد السكندري والأنطاكي والغربي ـ أن يفسروه بطرق مختلفة.

وكانت السلطة الإمبراطورية ـ كما رأينا ـ تسيطر على مجمع خلقيدونية من خلال ممثلي الإمبراطور من ناحية، ومن خلال مندوبي روما من الناحية الأخرى، ولكن الاثنان بالرغم من ذلك لم يكونا على اتفاق كامل في جميع الأمور.

فبينما كان مندوبو روما مهتمين بأن يثبتوا أن البابا ـ بكونه الرأس الأعلى للكنيسة قاطبة ـ قد أعطى المجمع الأساس العقائدي القياسي له، فإن ممثلو الإمبراطور كان لهم خطط أخرى لتنفيذها من خلال المجمع. ولذلك عندما  كان مندوبو روما يتكلمون بعبارات تعتمد على أقوال البابا، كان ممثلو الإمبراطور يصمتون بتحفظ، ولكن عندما لاحت لهم الفرصة، أخذوا المبادرة من أجل تبني تعريف للإيمان من خلال السلطة المجمعية ـ متجاهلين في ذلك تماماً رغبة المجمع كله، بما فيهم أيضاً مندوبي روما ـ ومن أجل إجازة قرار يتعلق بكرسي القسطنطينية.

وقد سعى الإمبراطور والإمبراطورة، من خلال هذين القرارين (تعريف الإيمان والقرار الخاص بكرسي القسطنطينية) إلى الوصول إلى وحدة العالم المسيحي الشرقي تحت رعاية كرسي القسطنطينية، ولكن بدون قطع العلاقات الودية مع روما.

 

2. قبول طومس ليو بواسطة المجمع:

بعد الاجتماع الجانبي الملتف يوم 13 أكتوبر، عقد المجمع جلسته العادية يوم 17 أكتوبر، وقد افتتح ممثلو الإمبراطور الجلسة بتذكير الحاضرين بالقرارات التي تم اتخاذها في الجلستين الأولى (8 أكتوبر) والثانية (10 أكتوبر).[1] ولكن لم تُذكر كلمة واحدة عن اجتماع يوم 13 أكتوبر، ولم تُقرأ حتى وقائعه.[2]

وذكر ممثلو الإمبراطور أنهم كانوا قد طلبوا من الوفود التي كانت لا تزال لديها شكوك حول طومس ليو أن يتقابلوا مع أناتوليوس ويصلوا إلى فكر مشترك، وهنا سأل ممثلو الإمبراطور أن يخبروهم عما حدث فيما يخص هذا الأمر.

وأجاب باسكاسينوس عن ذلك بقوله أن إيمان نيقية قد تم التأكيد عليه في مجمع القسطنطينية، وكذلك تم التصديق على نفس الإيمان ثانية بواسطة مجمع أفسس في حرم نسطوريوس، وفي ضوء هذا الإيمان استبعد ليو الآن نسطوريوس وأوطيخا مرة واحدة.[3] وعندئذ هتف المجمع: “كلنا نؤمن بذلك (الإيمان)، وكلنا اعتمدنا عليه؛ وهكذا نحن نمارس التعميد. هذا ما آمنا به؛ وهذا ما نؤمن به”.[4]

وكان ممثلو الإمبراطور في غاية الرضا، وقد أمروا الأساقفة أن يتقدموا ويقولوا أمام الإنجيل الذي في الوسط، بأنهم يقروا بالإيمان الذي يتوافق مع قانون نيقية، والقسطنطينية، وطومس ليو .[5] وابتداءً من أناتوليوس أسقف القسطنطينية، وبعده مندوبو روما، ثم مكسيموس أسقف أنطاكيا، عبَّر مئة وثمان وخمسون رجلاً عن قبولهم لطومس ليو  بأحاديث قصيرة.[6]

وكان من بين هؤلاء، أساقفة إيليريكم وفلسطين بما فيهم أتيكوس أسقف نيكوبوليس (Atticus of Nicopolis) الذي كانت له يوم 10 أكتوبر شكوك حول سلامة الفكر اللاهوتي للطومس. وقال أساقفة إيليريكم: “نحن نتمسك بالإيمان المخلص الذي للثلاثمائة والثمانية عشر، (الذين اجتمعوا في نيقية عام 325م) والذي قد أكد عليه المئة والخمسون (الذين اجتمعوا في القسطنطينية عام 381م) ، ونفس هذا الإيمان تم التصديق عليه بواسطة مجمع أفسس عام 431م.

وفيما يخص طومس ليو، فقد زالت شكوكنا بواسطة باسكاسينوس ولوسنتيوس عندما تقابلنا مع أناتوليوس. ونحن نؤمن أن يسوع المسيح المولود من القديسة العذراء ’والدة الإله‘، له في ذاته الألوهة والبشرية متحدتين بغير اختلاط ولا تغيير ولا انفصال. ونحن إذ نرى أن رسالة البابا ليو تتفق مع هذا الإيمان، فإننا نقر بها”.[7]

وقدَّم أساقفة فلسطين كذلك عبارات مشابهة وعبروا عن قبولهم للطومس. وعندما أفاد المئة والثمان والخمسون رجلاً بقبولهم للطومس، سأل ممثلو الإمبراطور بقية المجمع أن يعبروا عن رأيهم بالهتاف، ففعلوا ذلك. وبهذه الطريقة تم إعلان قبول مجمع خلقيدونية لرسالة البابا ليو العقائدية يوم 17 أكتوبر عام 451م، وذلك بعد مدة طويلة من الصراع والجهود المتنوعة منذ أن صدرت هذه الرسالة عام 449م.

وتظهر العبارات التي قدَّمها كل من أساقفة إيليريكم وفلسطين، أنهم لم يقبلوا الطومس بكونه في الواقع اعتراف ضروري بالإيمان، ولكن ببساطة بكونه إعلان (مجاهرة) بالإيمان يمكنهم ـ في ضوء تأكيدات مندوبي روما لهم ـ أن يقبلوه،[8] وهذا في الحقيقة أمر في غاية الأهمية لأن أساقفة إيليريكم، كما سنرى، كانوا لا يزالون لديهم شكوكاً عنيفة حول هذا الطومس.[9]

 

3. العفو عن الخمسة رجال، ورفض البابا ديسقوروس:

وفور الموافقة على الطومس، طالب المجمع بإعادة قبول الخمسة رجال الذين أُدينوا مع البابا ديسقوروس، وصرخ المجمع: “ليعود الآباء إلى المجمع، ليرجع أولئك الذين لهم نفس الإيمان إلى المجمع؛ ليعود أولئك الذين وقَّعوا إلى المجمع. ليحيا الإمبراطور لسنوات عديدة، ليعود الخمسة الذين وقَّعوا إلى المجمع. إنهم يؤمنون كما يؤمن ليو”.[10]

ومن الواضح أن الأساس الذي عليه طالب الحاضرون بإعادة الخمسة رجال لم يكن أنه قد تم العفو عنهم، واستمروا في الشركة غير المنفصلة مع أسقف روما،[11] ـ كما قال مندوبو روما في حكمهم على البابا ديسقوروس ـ ولكن هو أنهم قاموا بين يوم 10 أكتوبر و17 أكتوبر بالتوقيع على طومس ليو .

وأجاب ممثلو الإمبراطور على طلب المجمع، بأنهم قد أحالوا قضية الرجال المدانين إلى الإمبراطور، وأنهم في انتظار رده. ومع ذلك أضافوا بقولهم: “إن حرمكم لديسقوروس لم يُخبر به الإمبراطور ولا نحن. وبالنسبة لأولئك الرجال الخمسة الذين ترفعون دعوى من أجلهم، وفيما يخص كل الأمور التي تُصنع في المجمع المقدس، فستكون تلك مسئولية أمام الله”.[12]

وقد أخذ الأساقفة كلام ممثلي الإمبراطور بمثابة اعتراض، لذا أجابوا بقولهم: “لقد تخلى الله عن ديسقوروس؛ وقد أُدين ديسقوروس بعدل؛ لقد خذل المسيح ديسقوروس”.[13] وهكذا صدَّق المجمع على الحكم الذي صدر ضد بطريرك الإسكندرية، فحيث إن الأساقفة كانوا في جانب الله، والعدل، والمسيح، فلم يكن بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً لرجل قد تخلى عنه كل هؤلاء.

 

4. التعامل مع الأساقفة المصريين:

وتمت الموافقة على طلب المجمع بإعادة قبول الخمسة رجال بعد ساعات قليلة، حيث أرسل الإمبراطور كلمته بإجازة هذا التصرف، وجاء هؤلاء الرجال إلى المجمع وسط تهليل عظيم من قبل الوفود.

وهنا وجد المصريون أنفسهم في موقف دقيق ومعقد للغاية، ورأوا بكونهم مساعدين للبطريرك المعزول أن الكنيسة في مصر لن تقبل قرارات المجمع، ولذا قدَّموا التماساً يطلبون فيه إبعادهم عن أمور المجمع.

وكان هذا الالتماس يحتوي على تصريح بالإيمان، وفي نهايته يسألون المجمع أن يعفيهم من تأييد أو رفض قرارات المجمع. ووقع على الالتماس ثلاثة عشر أسقفاً من مصر، ولم يتضمَّن هذا التصريح اسم أوطيخا بين الهراطقة المستبعدين، ولم يعبِّر كذلك عن قبوله لطومس ليو.[14]

وأصر الأساقفة القادة في المجمع الواحد تلو الآخر، بأنه يجب أن يحرم الأساقفة المصريون أوطيخا بالاسم، وأن يؤيدوا طومس ليو . وحاول المصريون رغم ذلك التملص من الأمر، ولكن أساقفة المجمع صرخوا متهمين إياهم بأنهم أوطيخيين، وبعد حديث محتد جداً قال المصريون: “ليكن أوطيخا محروماً، وكل من يؤمن مثله”.

أما بخصوص طومس ليو، فقد أوضح المصريون أنه لا يمكنهم قبوله بدون وجود رئيس أساقفتهم معهم. ولم يرضى المجمع بهذا الكلام، وبذل مع المصريين جهوداً كبيرة لانتزاع موافقتهم على الوثيقة، فأعاد المصريون كلامهم مرة ثانية بأنهم لا يستطيعون فعل هذا إلاّ في وجود رئيس أساقفتهم معهم.

ولم يقبل المجمع هذه الحجة، فرد المصريون بأن الإيمان المتضمَّن في اعترافهم الذي قدموه هو أرثوذكسي، فلم يكف المجمع عن محاولته، بل صاح واحد من أعضائه بأن المجمع المسكوني أكبر من رئيس أساقفة مصر، ولذلك ينبغي على المصريين أن يطيعوا المجمع. وهنا بدأ المصريون يسألون الرحمة قائلين: “سوف نُقتل عندما نعود إلى بلدنا”، فرد عليهم المجمع بحسم: “كونوا شهداء لأجل الإيمان”، أما المصريون فقالوا: “سوف نموت عند أقدامكم، ولكن ليس في مصر”.

وفي النهاية، أمر ممثلو الإمبراطور ـ وهم موظفو الحكومة البيزنطية المدنيون ـ بأن يؤجل توقيع الأساقفة المصريين على الطومس إلى أن يُعين رئيس أساقفة لمصر. ولم يقتنع باسكاسينوس مندوب روما بهذا القرار، وطالب بأن يُمنح لهم هذا الامتياز (التأجيل) بشرط ألاّ يُسمح لهم بمغادرة المدينة إلاّ فقط بعد التوقيع على الطومس، ولكن ممثلو الإمبراطور أعادوا تلاوة قرارهم كما هو. وكان مجمع خلقيدونية يريد بهذه الطريقة أن يثبِّت مبدأ أن قبول طومس ليو هو أمر لا مفر منه للعضوية داخل الكنيسة، ولكن أساقفة مصر أوضحوا أنه من غير المحتمل للكنيسة في بلدهم أن تقبل تلك الوثيقة.[15]

 

[1] ACO. II, i, p. 288: 2-3.

[2] هذه واحدة من الحقائق التي تجعل كاتب هذه الدراسة غير قادر على موافقة شفارتز في وضع محاضر اجتماع يوم 13 أكتوبر قبل محاضر جلسة يوم 10 أكتوبر.

[3] المرجع السابق صفحة 288: 4-5.

[4] المرجع السابق صفحة 289: 7.

[5] المرجع السابق صفحة 289-90: 8. كان ممثلو الإمبراطور يحاولون التأكد من أن الأساقفة مخلصين بالفعل في قبولهم للطومس. وهذا ما يكشف في الحقيقة مدى حساسية الموقف، وكيف أحسن الموظفون المدنيون في الحكومة البيزنطية التعامل معه.  

[6] المرجع السابق صفحة 290-305.

[7] المرجع السابق صفحة 298: 9 (98).

[8] من المثير للاهتمام أن نذكر أن كلاً من مندوبي روما وأساقفة إيليريكم قد اعتبروا أن الطومس يتوافق مع قانوني إيمان نيقية والقسطنطينية ومع قرارات مجمع عام 431م. وبالرغم من أن البابا ديسقوروس كان يرى أن إيمان الكنيسة يكمن في قانون نيقية حسبما أكده مجمع أفسس عام 431م (كما أنه لم يكن يعترض على قانون مجمع القسطنطينية)، لكن بالنسبة له لم يكن الطومس يتوافق مع ذلك. إذاً فالمشكلة كانت تكمن في الطومس.

[9] انظر صفحة .

[10] المرجع السابق صفحة 305: 11.

[11] انظر صفحة .

[12] المرجع السابق صفحة 305: 12. اعتبر هيفلي أن عبارة ممثلي الإمبراطور هي بمثابة تحذير للأساقفة بأنهم ينبغي أن يتحملوا مسئولية الخمسة رجال. وفي الواقع أنه اقتبس من مانسي (Mansi) الفقرة التالية: “لقد كتبنا عن هؤلاء الخمسة للإمبراطور، ونحن في انتظار تعليماته. ومع ذلك فأنتم مسئولون أمام الله عن أولئك الرجال الذين توسطتم لهم كما أنكم مسئولون عن جميع وقائع هذا المجمع” انظر:

(Charles Joseph Hefele, A History of the Councils of the Church, Eng. tr., T & T. Clark, 1833, vol. 111, p. 332)

وعلى الرغم من أن هيفلي يذكر مرجع محدد لتلك الفقرة، إلا أنها غير موجودة في أي مكان آخر سواء في مانسي أو شفارتز. وكل منهما يذكر فقرة من المحتمل أن تكون قد تحورت عن الأصل اليوناني على هذا النحو: “لقد طلبنا من الإمبراطور المقدس والخائف الله نيابة عنهم (أي عن الخمسة رجال)، ونحن في انتظار رده.

ولكن أمر عزلكم لديسقورس فلم يكن معروفاً لا عند الإمبراطور، ولا عندنا. أما بخصوص هؤلاء الخمسة الذين قدمتم الالتماس لأجلهم، وكذلك بخصوص كل الأمور التي حدثت في المجمع المقدس، فستكون مسئولية أمام الله”. وبهذه العبارة يكون ممثلو الإمبراطور قد تهربوا من المسئولية تجاه هذا القرار وتجاه طلب العفو عن الرجال الخمسة بدون البطريرك السكندري. وتعد تلك العبارة برهاناً قاطعاً على أن السلطة الإمبراطورية كانت تريد فقط توحيد الأحزاب التي داخل الكنيسة.

[13] ACO. II, i, p. 305: 13.

ويعد هذا برهاناً إضافياً على أن هيفلي قد أخطأ في قراءته لعبارة ممثلي الإمبراطور.

[14] للإطلاع على الالتماس انظر المرجع السابق صفحة 306: 25. وقد قالوا في اعتراف إيمانهم: “لقد تسلمنا الإيمان الأرثوذوكسي منذ البداية من آبائنا القديسين الممتلئين بالروح, وهم مرقص الإنجيلي، وبطرس الشهيد، وآبائنا القديسين أثناسيوس وثيؤفيلس وكيرلس.

ونحن نتبرأ من جميع الهرطقات الخاصة بأريوس وإفنوميوس والمانيين ونسطوريوس وأولئك الذين يقولون أن جسد ربنا كان من السماء وليس من القديسة العذراء مريم والدة الإله (ثيؤطوكس). كما أننا نعترف أنه (أي المسيح) كان مثلنا في كل شيء ماعدا الخطية. ومن ثم فنحن نرفض جميع الهرطقات، ونتمسك بالإيمان الجامع”.

[15] للإطلاع على الجزء الخاص بالأساقفة المصريين في المجمع، انظر المرجع السابق صفحة 306-310: 262.

 

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

Exit mobile version