ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

الجزء الثاني: ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج2

1. بعض الملاحظات التمهيدية:

كان هناك في القسطنطينية ـ كما في المدن الكبيرة الأخرى بالإمبراطورية ـ حزبين ميدانيين، حزب ’الزُرق‘ (Blues) وحزب ’الخُضر‘ (Greens)، وكان حزب ’الزُرق‘ بكامله يؤيد الموقف الخلقيدوني، أما حزب ’الخُضر‘ فكان بصورة أو بأخرى يتعاطف مع الموقف غير الخلقيدوني. وكان وجود هذين الحزبين في العاصمة إنما يدل على أنه حتى ذلك الوقت لم يكن هناك قبول كامل لمجمع خلقيدونية من الكنيسة كلها. وقد ناضل كل حزب من الاثنين في سبيل وجهة نظره بحماس كبير كلما حانت له الظروف لذلك.

ففي أثناء فترة حكم الإمبراطور أناستاسيوس قام حزب ’الزرق‘ بشغب ضد الإمبراطور ولكنه نجح في التعامل مع الموقف. أما في فترة حكم الإمبراطور جوستنيان فقد اشترك حزب ’الخضر‘ في ثورة ضد الإمبراطور عام 532م، وكان الإمبراطور ينوي أن يتحاشاهم ولكن الإمبراطورة أشارت عليه باتخاذ إجراءات حاسمة ضد المتمردين لكي يخمد تلك الثورة.

ومات الإمبراطور أناستاسيوس في ليل يوم 8 يوليو عام 518م[1] عن عمر يصل إلى 88 سنة. ولم يكن أناستاسيوس قد دبر أي ترتيب لتعيين خليفة بعده، ومع ذلك أُعلن في اليوم التالي لوفاته تنصيب يوستين الأول (Justin I) إمبراطوراً للبلاد. ويرى رونسيمان (Runciman) أن “الخداع الماكر غير الشريف أصعد على العرش ضابط جاهل، هو يوستين الأول”.[2]

وبهذا الاختيار أصبح لحزب ’الزرق‘ اليد العليا في الدولة، كما ابتدأ عصر جديد في التاريخ البيزنطي ظهر فيه ما يُسمى بكنيسة الدولة أو الكنيسة الرسمية (state Church) في الإمبراطورية ـ تمشياً مع الخطة التي كان قد وضعها كل من ماركيان و بولخريا في مجمع خلقيدونية ـ وصار تعريف الإيمان الخلقيدوني هو ميثاقها الأرثوذكسي العظيم (magna carta).

ومن الجدير بالذكر أن السلالة الحاكمة الجديدة قامت بتبني هذه الخطوات ليس من قبيل إدراكها لخطأ الاعتراضات الكنسية على مجمع خلقيدونية عام 451م، ولكن من قبيل الضرورة التي رأوها في سبيل تعزيز طموحاتهم السياسية.

وكان جوستينيان، المخطط الرئيسي للأسرة الحاكمة الجديدة، متلهف لأن يعيد الغرب ـ الذي كان قد أصبح تحت حكم القوطيين (Goths) والوندال (Vandals) ـ مرة ثانية إلى الإمبراطورية، ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان جوستينيان يحتاج إلى تأييد البابا الروماني الذي كان تمسكه المتشدد بخلقيدونية عاملاً حاسماً في تحديد سياسة جوستينيان الكنسية.

ولم تكن لدى العائلة السابقة (عائلة ليو) ـ التي وصلت إلى السلطة بعد موت ماركيان ـ مثل تلك الطموحات، ومن ثم كان أعضاؤها مستعدين لرفض مجمع خلقيدونية وتوحيد الجزء الشرقي من الإمبراطورية. ومنذ عام 533م، بدأ جوستينيان في مخططه لإخضاع الغرب،[3] واستغرق تحقيق هذا الهدف أكثر من عشرين عاماً من الزمن، حيث دخل في حرب من أكثر الحروب خراباً تحت قيادة القائد بليساريوس (Belisarius) ومن بعده القائد نارسس (Narses).

وفي عام 554م استطاع جوستينيان أن يعيد كل من إيطاليا ودالماتيا (Dalmatia) وصقلية (Sicily) إلى داخل حدود الإمبراطورية، ولكن هذا الأمر لم يتم إلا على حساب حياة الملايين من البشر، وكم لا يُحصى من الذهب، بالإضافة إلى معاهدة مخزية مع فارس (Persia) تم فيها التعهد بدفع مبلغ هائل من المال في صورة جزية سنوية.

وحتى بعد كل هذا التبديد الإجرامي للبشر وللموارد، ما لبث الجزء الغربي من الإمبراطورية ـ والذي شعر جوستينيان بالرضا بعد ضمه إلى أراضي الإمبراطورية ـ أن انفصل في غضون عامين بعد موت الإمبراطور، ولم يذرف أحد دمعة واحدة على كل ما فُقد.

2. الإمبراطور يوستين الأول:

لقد كانت هناك في الحقيقة مجموعة من الأمور لها آثارها السلبية على الشئون الكنسية في الشرق.

أولاً، تنصيب الإمبراطور يوستين الأول بمساندة حزب ’الزرق‘.[4]

ثانياً، ولع ابن أخته ـ الذي كان يوجِّه خاله منذ البداية ـ بفكرة إعادة بناء إمبراطورية قسطنطين العظيم.

ثالثاً، لم يكن يوجد لأي أحد من رجال الكنيسة ـ بما في ذلك بابا روما والبطريرك ساويروس الأنطاكي ـ رؤية عامة للكنيسة (ككل) بخلاف رؤيته الخاصة المحدودة.

وقد ظهر الإمبراطور العجوز ـ بتحريض من الجانب الخلقيدوني[5] ـ كمؤيد لا يلين لمجمع خلقيدونية وطومس ليو، وتبنى إجراءات قاسية وصارمة من أجل تقوية الخلقيدونيين في كل مكان في الشرق ومن أجل قمع الحركة غير الخلقيدونية. ولكنه استبعد مصر من هذه الإجراءات لأنها كانت تعتبر مخزن القمح الخاص بالعاصمة، لذلك هرب الكثير من قادة الكيان المعارض لمجمع خلقيدونية إلى هذه المنطقة.

ويذكر (Chronicon Anonymum) قائمة بأسماء أربعة وخمسين أسقفاً من كيليكية وكبادوكيا وسوريا وآسيا كان عليهم إما أن يتعرضوا للنفي أو أن يتخفوا ويختبئوا.[6] وبحسب مصدر يوحنا أسقف أفسس، يقدِّم ميخائيل السرياني نفس قائمة الأساقفة ويضيف عليها أسماء عدد كبير من قادة الرهبان،[7] وقد تعرض معظم هؤلاء الرجال لتجارب شديدة وماتوا في أرض غريبة.

وكان من بين أولئك الرجال بولس أسقف الرها (Edessa) الذي غيَّر موقفه بعد فترة وجيزة وانضم للجانب الخلقيدوني، وأصبح مضطهداً قاســياً للمــعارضين لمجمع خلقيدونية. وقـد قدَّم كل من (Chronicon Anonymum) وميخائيل السرياني بياناً تفصيلياً عن نشاط ذلك الرجل.

ويُذكر عن بولس هذا أنه قد دعا الشاعر السرياني العظيم يعقوب السروجي لمناقشته من أجل تغيير موقفه الكنسي، ولكن الرجل صلى إلى الله لكي لا يدعه يرى بولس بعد أن انضم إلى الجانب الخلقيدوني، فمات يعقوب السروجي بعد ذلك بيومين فقط.[8] وأدت جهود بولس أسقف الرها في فرض مجمع خلقيدونية على الرهبان والراهبات والشعب في منطقته إلى حدوث حالة من الاضطراب والمعاناة، ولكنهم على الرغم من ذلك ظلوا على رفضهم لقبول المجمع.[9]

وحيث إن الإمبراطور يوستين لم يتدخل في شئون المؤسسة الدينية بمصر، فقد صار بطريرك الإسكندرية مطلق الحرية في التمسك بعقيدته غير الخلقيدونية، بل استطاع حتى أن يوفر ملاذاً لكثير من القادة الذين فروا من مناطق أخرى في الشرق. وكان البطريرك أثناسيوس* هو الذي خلف البابا بطرس مُنجوس على كرسي الإسكندرية، وجاء بعده البطاركة يوحنا الأول ويوحنا الثاني وديسقوروس الثاني.

وحين تقلد الإمبراطور يوستين الأول السلطة، كان البطريرك تيموثاؤس الثالث الذي خلف البابا ديسقوروس الثاني عام 517م هو الذي يجلس على كرسي الإسكندرية. أما في القسطنطينية فقد صار يوحنا بطريركاً بعد البطريرك تيموثاؤس قبل أن يصبح يوستين إمبراطوراً، وكان يوحنا قد وقَّع وثيقة يدين فيها مجمع خلقيدونية،[10] بل وقام كما يذكر هور (Hore) باضطهاد الجانب الخلقيدوني.[11]

ولكن يبدو أن يوحنا رجع عن توجهه وأذعن للجانب الخلقيدوني بعد تغير الإمبراطور ـ كما فعل أناتوليوس عام 450م ـ وحصل على لقب ’البطريرك المسكوني‘.[12] وهكذا أصبحت كل الأمور تحت السيطرة، لذلك وجَّه الإمبراطور اهتمامه إلى تسوية الخلاف والمصالحة مع روما.

ولم يكن ذلك بالأمر العسير لأن الإمبراطور كان مستعداً لعمل أي شيء من أجل تحقيق هذا الهدف، وفي 28 مارس عام 519م تمت إعادة العلاقات على أساس وضع مهين للغاية طالب به البابا هورميسداس (Hormisdas) وهو أن يتم حذف أسماء البطاركة أكاكيوس وفرافيتا وإفميوس وتيموثاؤس وكذلك الأباطرة زينو وأناستاسيوس من الدبتيخا. وكان على البطريرك يوحنا أن يوافق على هذا الطلب ولكنه مات في عام 520م، وخلفه البطريرك إبيفانيوس (Epiphanius) الذي جلس على كرسي القسطنطينية حتى عام 535م وكان مؤيداً للمجمع الخلقيدوني.

وكان جلوس الإمبراطور يوستين الأول على العرش قد أثر على البطريرك ساويروس الأنطاكي بصورة سلبية، ففي خلال الأسبوع الأول الذي تلا هذا الحدث جرت أمور كثيرة في القسطنطينية حيث قامت زوجة يوستين الإمبراطورة لوبوسينا (Lupucina) بإبلاغ البطريرك يوحنا أنه إذا لم يقبل الأربعة مجامع فإنها لن تذهب إلى الكنيسة ولن تقبل الشركة من يديه،[13] كما صار للرهبان المؤيدين لخلقيدونية الحرية في تنظيم حركة معارضة ضد البطريرك ساويروس.

وبحلول يوم الأحد التالي لتولي يوستين السلطة كان يوحنا قد أعلن إذعانه للجانب الخلقيدوني، وتم عقد مجمع مكاني يوم 20 يوليو (عام 518م) بحضور 43 أو 44 أسقفاً وقرروا عزل البطريرك ساويروس،[14] رغم أن اختصاص المجمع وأهليته كانا في الحقيقة أقل من أن يتخذ قراراً مثل هذا ضد بطريرك أنطاكيا. وأعلنت أورشليم على الفور وبطريقة هادئة قبول المجامع الأربعة، وكذلك فعل إبيفانيوس أسقف صور نفس الأمر في يوم 16 سبتمبر.

وقيل أن الإمبراطور نفسه قد أمر بالقبض على البطريرك ساويروس وقطع لسانه،[15] فسافر البطريرك ساويروس إلى الإسكندرية حتى لا يعطي الفرصة للإمبراطور للاستمتاع بقتله، ووصل إلى هناك يوم 29 سبتمبر. وقضى البطريرك ساويروس بقية حياته في مصر، باستثناء الفترة الوجيزة التي زار فيها القسطنطينية استجابة للطلب المتكرر من الإمبراطور جوستينيان في منتصف الثلاثينات من القرن السادس.

وطوال هذا الوقت استمر البابا سايروس يدافع عن الموقف اللاهوتي للكيان غير الخلقيدوني ككل، كما ظل على اتصال بكنيسته في سوريا من خلال الخطابات وزيارات الأصدقاء المؤتمنين.

وقامت السلطات بتعيين شخص آخر ليحل محل البطريرك ساويروس (بعد عزله) هو بولس الملقب بـ ’اليهودي‘ (Paul the Jew)، الذي كان موظفاً مدنياً في القسطنطينية. وقام بولس هذا باضطهاد الموالين للبابا ساويروس في سوريا بقسوة استحق معها اللقب الذي أُطلق عليه. ورغم أن الإجراءات التي تبناها قد تبدو ضرورية بالنسبة لشعبية البطريرك ساويروس في تلك المنطقة، إلا إن الإمبراطور نفسه شعر أن بولس قد تصرف بأكثر مما ينبغي فأُجبر على الاستقالة في عام 521م.

وجاء بعده إفراسيوس (Euphrasius) الذي جلس على الكرسي حتى عام 526م ثم مات في حادثة زلزال.[16] وتم تعيين الكونت إفرايم (Ephraim) خلفاً لإفراسيوس، وشغل المنصب حتى عام 545م، وقد فعل إفرايم كل ما في وسعه ليوطد ويرسخ مجمع خلقيدونية في منطقة سوريا.

3. اضطراب في المعسكر غير الخلقيدوني:

وبينما كان الإمبراطور يوستين يطبق سياسته الدينية الرامية إلى فرض مجمع خلقيدونية بالقوة في كل مكان في الشرق، نشأ خلاف في الجانب غير الخلقيدوني بين البطريرك ساويروس ويوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus).[17]

(أ) يوليان أسقف ’هاليكارنيسوس‘ (Halicarnassus):

كان يوليان واحداً من الأساقفة الذين تم إبعادهم عن كراسيهم في فترة حكم الإمبراطور يوستين الأول بسبب معارضته لمجمع خلقيدونية. وكان ليوليان بعض النفوذ وسط الفريق الذي ينتمي إليه بسبب تقدمه في العمر، وقد قام بتأليف كتاب عن شخص المسيح وأرسله إلى البطريرك الأنطاكي في منفاه مع خطاب منه،[18] حيث كان متأكداً من قبول البطريرك ساويروس للأفكار الواردة في هذا الكتاب.

وأشار يوليان في هذا الخطاب إلى أنه استناداً إلى ثلاث فقرات من كتابات البابا كيرلس، فإن بعض الناس يؤمنون بأن جسد ربنا كان قابلاً للفساد (corruptible[19] فعلى سبيل المثال كتب ق. كيرلس إلى سكسينسوس (Succensus) أسقف ديوقيصرية يقول: “فالجسد بعد القيامة كان هو نفس الجسد الذي تحمل الآلام، على الرغم من أنه لم يعد بعد له نفس الضعفات البشرية وغير قابل للفساد”.

وفي رسالته إلى الإمبراطور ثيؤدوسيوس أشار ق. كيرلس إلى نفس الأمر بقوله: “إنها أعجوبة ومعجزة أن الجسد الذي هو قابل للفساد بحسب الطبيعة، قام ثانية بغير فساد”، ومرة أخرى ذكر ق. كيرلس في كتابه السابع والستين عن العذراء ’والدة الإله‘: “إن جسد ربنا لم يكن بأي حال من الأحوال خاضعاً للخطية التي تخص الفساد، ولكنه كان قابلاً للموت والدفن الحقيقي، وهو قد أبطله فيه (أي أبطل الموت في جسده)”.

وقد أكد يوليان أن جسد ربنا كان غير قابل للفساد سواء قبل القيامة أو بعدها، وحيث إن الفقرات المأخوذة عن البابا كيرلس تتعارض مع هذه الفكرة فقد اعتبر أن ذلك بسبب ’خطأ في النساخة‘. وحاول يوليان أن يبين في كتابه أن جسد المسيح كان على الدوام غير قابل للفساد (incorruptible)، وقد قام بإرسال نسخة من الكتاب إلى البطريرك ساويروس ليحظى بموافقته.

وتأخر البطريرك ساويروس في رده على الكتاب لكي لا يُظهر صديقه وزميله كهرطوقي، ولكنه عاد وخشي أن يتولد انطباع بأن أفكار يوليان هي انعكاس لتعليم الكنيسة[20] ـ الذي كان ساويروس يهتم بالحفاظ عليه ـ ولذلك كتب ساويروس رده[21] بعد بعض الوقت وأظهر أن أفكار يوليان غير مقبولة لديه، وأن أناساً آخرين في القسطنطينية كانت لديهم أفكاراً مماثلة وقد قام هو نفسه بدحضها. ولم يعجب يوليان برد البطريرك ساويروس فكتب خطاباً ثانياً،[22] وقام بنشر كتابه، مما اضطر ساويروس إلى القيام بتفنيده.

واليوليانية ـ مثل الأوطيخية ـ تعبر عن نزعة ما في العبادة المسيحية الصوفية، حيث تكمن الفكرة التي وراء كلتيهما في التأكيد على ألوهة المسيح، ليس من خلال تجاهل إنسانيته ـ وهو المفهوم الخاطئ الشائع عن تلك البدعتين ـ ولكن من خلال رؤية نوع من الاختلاف في إنسانية المسيح الحقيقية والكاملة عن إنسانيتنا.

فإنسانية المسيح بحسب مفهومهم تختلف عنا نحن البشر في كونها اتحدت منذ اللحظة الأولى لنشأتها في رحم العذراء بالله الابن بغير انفصال ولا انقسام، ولذلك فينبغي أن تكون تلك الإنسانية التي اتحدت بالله القدوس هي الآخرى مقدسة (ومختلفة عنا). وكان أوطيخا قد حاول أن يؤكد أنه بسبب أن المسيح هو الله، وبرغم أنه كإنسان وُلد من أم إنسانية، فلا يمكن أن نتكلم عنه بكونه واحد معنا في الجوهر (consubstantial with us).[23]

أما يوليان فقد رأى أن الفرق بين المسيح كإنسان وبيننا (نحن البشر) هو في عدم اتصال المسيح الجذري بالسقوط (والفساد) الخاص ببشريتنا، وهذا ما جعل تعليمه جذاباً في تقدير كثير من الناس في كلا الجانبين.

ومثلما حدث مع أبوليناريوس في القرن الرابع، استطاع يوليان في القرن السادس أن يحظى بتأييد الكثيرين لوجهة نظره، ويحفظ لنا ميخائيل السرياني قصة انضمام بروكوبيوس (Procopius) أسقف أفسس إلى الفريق اليولياني في حوالي منتصف القرن السادس.

وعلى الرغم من أن يوليان نفسه لم يكن يريد أن يقيم أساقفة آخرين بدون حضور أسقفين معه ليكتمل النصاب القانوني اللازم، فقد اضطره أنصاره أن يقيم خلفاً له وهو على فراش الموت بوضع يده على أحد الأشخاص، وقام هذا الشخص برسامة عشرة أساقفة وأرسلهم إلى الأجزاء المختلفة من الشرق لنشر تعليم يوليان.[24] ومن الجدير بالذكر أن الإمبراطور جوستينيان نفسه قد تبنى الفكر اليولياني وآمن به قرب نهاية حياته.[25]

ونجح أتباع يوليان في نشر أفكارهم في أرمينيا بل واستطاعوا أن يكسبوا تأييد الكنيسة هناك إلى جانبهم. ولم تكن الكنيسة في أرمينيا ضالعة في الخلاف الدائر بين المؤيدين والمعارضين لمجمع خلقيدونية، فمنذ أوائل القرن السادس قررت كنيسة أرمينيا في مجمع دوين (Dwin) أن تتبرأ من مجمع خلقيدونية وطومس ليو، ويذكر ساركيسيان[26] (Sarkissian) أنه قد تكرر اتخاذ نفس هذا القرار في المجامع اللاحقة للكنيسة.

ولكن كان للموالين للفكر اليولياني أثرهم على كنيسة أرمينيا،[27] وعلى الرغم من ذلك لدينا سجل لمجمع عُقد في أرمينيا عام 726م أوقف هذا التوجه، وقد حضر ذلك المجمع ستة من الأساقفة السريان، وكبير أساقفة أرمينيا مع واحد وعشرين من الأساقفة المساعدين وقادة رجال الكنيسة، واتخذ المجمع قراراً  بالابتعاد عن الانحياز للتعليم اليولياني، واعتبار البطريرك ساويروس وبقية الآخرين معه قديسين في الكنيسة.

[28] وكانت هناك أيضاً كنيسة يوليانية في سوريا، وكان لتلك الكنيسة في نهاية القرن الثامن رئيس يُدعى جبرائيل، وكان يريد إعادة الوحدة بين كنيسته والكيان الكنسي السرياني. وفي أيام البطريرك كرياكوس (792م – 817م) عُقد مجمع للكنيسة السريانية عام 798م لمناقشة أمر تلك الوحدة، وعلى الرغم من أن البطريرك كان يرغب في تقديم كل التسهيلات الممكنة، إلاّ أن بعض الأساقفة السريان لم يكونوا بهذا التساهل مما أدى في النهاية إلى فشل ذلك الأمر.[29]

(ب) خلاف في الإسكندرية:

وكان للجدال اليولياني أثره السلبي على الكنيسة في مصر، فقد استطاع يوليان أن يضم مجموعة من الانفصاليين وعدد كبير من الناس والرهبان في القطر المصري إلى وجهة نظره، وعندما رقد البابا تيموثاؤس الثالث* في 7 فبراير عام 535م، استطاع الموالون ليوليان أن يقيموا مرشحهم قيانوس (Gaianus) بطريركاً في 10 فبراير، غير أن الفريق الذي كان في جانب البطريرك ساويروس قام بسيامة ثيؤدوسيوس# خلفاً لتيموثاؤس الثالث.

واستطاع قيانوس أن يشغل الكرسي حتى 24 مايو إلى أن تم طرده بأوامر من الإمبراطور جوستينيان، وقُبض عليه وسط اضطراب من مؤيديه، وراح في هذه الفوضى ـ كما يذكر ميخائيل ـ  ثلاثة آلاف نفس من المصريين. وفي أثناء تولي قيانوس لمقاليد الأمور كانت هناك قوة عسكرية إمبراطورية تقوم بحراسة البطريرك ثيؤدوسيوس، وبعد طرد قيانوس أُعيد البابا ثيؤدوسيوس إلى الكرسي مرة أخرى.

ولم يمر شهر بعد ذلك حتى كان البابا ثيؤدوسيوس قد عقد مجمعاً أعلن فيه أن مجمع نيقية ومجمع أفسس وحروم البابا كيرلس الإثني عشر كانت بإلهام إلهي، وأن مرسوم الإتحاد ’الهينوتيكون‘ هو وثيقة تهدف إلى استبعاد مجمع خلقيدونية وطومس ليو من الكنيسة.[30] وقد أرسل المجمع خطاباً إلى البطريرك ساويروس معبراً عن اتفاقه معه، فرد البطريرك ساويروس في 25 يوليو موافقاً على الموقف الذي تبناه المجمع ومؤيداً للبابا ثيؤدوسيوس في مساندته له ضد يوليان.

وكان الإمبراطور جوستينيان يأمل في أن يرد البابا ثيؤدوسيوس على حمايته له بقبوله لمجمع خلقيدونية، وعندما لم يتحقق هذا الأمر، طلب الإمبراطور من البابا ثيؤدوسيوس وأساقفته أن يسافروا إلى القسطنطينية، فذهبوا بالفعل في ديسمبر عام 536م، ولكن في نفس الوقت قام البطريرك بوضع الأساس الذي يضمن الاستمرار القوي للتقليد غير الخلقيدوني في مصر من خلال رسامة الأساقفة وترتيب الكنيسة بشتى الطرق.

وقضى البابا ثيؤدوسيوس في العاصمة حوالي سنة، وأدى رفضه التام لقبول مجمع خلقيدونية لأن يأمر جوستينيان بأن يؤخذ البطريرك إلى ثراكي (Thrace) ويُسجن في حصن (Derkos). ولم يبقى البابا ثيؤدوسيوس هناك طويلاً حيث أحضرته الإمبراطورة مرة أخرى إلى العاصمة وعاش مع أعوانه تحت الحراسة في قصر هورميسداس (Hormisdas).

[1] Vasiliev, Justin the First, op. cit., pp. 68f.

[2] Steven Runciman, Byzantine Civilization, Edward Arnold, 1959, p. 35.

[3] يشرح روبرت براوننج (Robert Browning) في دراسته المتميزة عن جوستنيان وثيؤدورا (Justinian and Theodora) كيف قام جوستينيان يشن حروبه. انظر:

(Weidenfeld and Nicolson, 1971)

[4] تعد معالجة فاسيليف لانتخاب يوستين (مرجع سابق صفحة 68 وما يليها) هي محاولة للدفاع عن هذه الحادثة، ولكنه أقر بأن الانتخاب كان يجب أن يتم بعناية كبيرة.

[5] Frend, op. cit., p. 234.

[6] C. S. C. O., vol. 104 (Syriac), pp. 17-19.

[7] Michael le Syrien, vol. IV (Syriac), pp. 266-270.

[8] C. S. C. O., vol. 104, ibid., p. 26.

[9] Chronicon Anonymum, op. cit., p. 27.

* البابا الثامن والعشرون في عداد بطاركة الإسكندرية

[10] Vasiliev, Justin the First, op. cit., p. 76.

[11] Hore, op. cit., p. 280.

[12] استُخدم هذا اللقب في التماس المجمع المكاني في يوليو عام 518م.

[13] Chronicon Anonymum, op. cit., pp. 16f.

[14] Frend, op. cit., p. 234.

[15] Zacharia, op. cit., II, pp. 62 and 63.

ويذكر هذا المؤرخ أن فيتاليان (Vitalian) الإبن الروحي لفلافيان بطريرك أنطاكيا كان لديه حقد كبير نحو البطريرك ساويروس، وأنه هو الذي حرَّض يوستين لإصدار مثل هذه الأوامر.

[16] Zacharia, op. cit., II, p. 83.

[17] هاليكارنيسوس (Halicarnassus) هي مدينة في (Caria) إحدى المقاطعات الساحلية في الجنوب الغربي لأسيا الصغرى.

[18] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 102-103)

[19] إن كلمة ’قابل للفساد‘ محملة بالمعاني. والتعليم بأنه بعد القبر قام جسد ربنا ثانية من الأموات بدون أن يعاني فساداً، هي ما أشار إليه العهد الجديد (انظر أعمال الرسل 2: 27؛ 13: 35)، وكان هذا هو التعليم المقبول في الكنيسة. ومع ذلك لم تكن هذه هي الفكرة المقصودة هنا. للرجوع إلى التعليم المشار إليها هنا انظر صفحة  وما يليها.

[20] لقد تمت إدانة المذهب اليولياني (اليوليانية) رسمياً من قبل جميع الكنائس الشرقية المعارضة لخلقيدونية، ولذا لا يمكن ضمه ضمن تلك الكنائس بصفته منتمياً لها.

[21] للإطلاع على الخطاب انظر (Zacharia, op. cit., II, pp. 103-104)

[22] للإطلاع على هذا الخطاب مع رد البطريرك ساويروس انظر: (المرجع السابق صفحة 104-112).

[23] انظر صفحة .

[24] Michael le Syrien, op. cit., pp. 319f.

[25] انظر صفحة .

[26] Sarkissian, op. cit., p. 215.

[27] See T. Nersoyan, op. cit., and Sarkissian, ibid.

[28] لقد أورد ميخائيل السرياني المؤرخ عرض كامل عن هذا المجمع بالإضافة إلى الحروم العشرة التي وافق عليها. انظر (مرجع سابق صفحة 457-461).

[29] Michael le Syrien, ibid., p. 485.

* البابا الثاني والثلاثون في عداد بطاركة الإسكندرية

# البابا الثالث والثلاثون في عداد بطاركة الإسكندرية

[30] Frend, op. cit., p. 270.

يعلق فرند هنا بأن المجمع المكاني الذي عقده ثيؤدوسيوس لم يذكر مجمع أفسس الثاني مع مجمعي نيقية وأفسس الأول. ويمكن أن ينطبق نفس هذا التعليق على تقريباً كل قرار عقائدي أو عبارة وضعها الجانب غير الخلقيدوني. وكانت وجهة نظرهم هي أن مجمع عام 449م لم يفعل غير أنه كرر نفس موقف مجمع 431م، ولهذا لا يتعين أن يتم ذكره بشكل خاص.

ترسيخ مجمع خلقيدونية ومحاولة إعادة الوحدة ج1

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

الجزء الأول: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج1

الجزء الثاني: قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج2

6. تبرئة ثيؤدوريت وإيباس:

إن عدم الاتفاق الحقيقي على مجمع خلقيدونية بالنسبة للأمور التي يشدد عليها السكندريون، يرتبط بتعامل المجمع مع ثيؤدوريت وإيباس. وكانت القوتان المسيطرتان على المجمع (روما والقسطنطينية) وكذلك الفريق الأنطاكي يريدون فقط أن يثبتوا أن الحكم الذي أعلنه مجمع عام 449م ضد كل من ثيؤدوريت وإيباس كان ببساطة حكماً غير مسئولاً.

ولكن لم يشاركهم في هذه النظرة قسم كبير من الحاضرين في مجمع خلقيدونية، حيث كان هؤلاء المعارضون مقتنعين بأن هذين الرجلين هما في الحقيقة نسطوريين، وأنهما أُدينا بإنصاف، وأنه لا ينبغي أن يُسمح للفريق القوي في المجمع أن يصدر قراره بخصوصهما ما لم يقم الرجلين بإدانة نسطوريوس وتعليمه بوضوح.

 

(أ) قضية ثيؤدوريت أسقف قورش:

لقد تمت معالجة مسألة ثيؤدوريت في مجمع خلقيدونية على مرحلتين،[1] ففي يوم 8 أكتوبر وفور قراءة تفويض الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني في محاضر مجمع عام 449م، والذي يمنع فيه مشاركة ثيؤدوريت في ذلك المجمع، أدخل ممثلو الإمبراطور أسقف قورش إلى مجمع خلقيدونية،[2] متجاهلين إدانته بواسطة المجمع السابق ومتذرعين بأن ليو بابا روما كان قد أعاده إلى رتبة الأسقفية.[3]

وبمجرد دخول ثيؤدوريت إلى المجمع أعلن أساقفة مصر وإيليريكم وفلسطين عن اعتراضهم الشديد وصاحوا قائلين: “ارحمونا، إن الإيمان يتحطم! إن القوانين تطرده! اطردوا معلم نسطوريوس!”، وهنا رد الأساقفة في الجانب الآخر بأن الرجل الذي كان يجب أن يُطرد هو ديسقوروس. وفي وسط هذه الجلبة، تحرك أسقف قورش إلى وسط المجمع وقال أنه قد قدَّم التماسات إلى ’سادة العالم‘ وأنه يناشد تعطف المجمع لكي تتم قراءتها، ولم يؤتِ هذا الكلام بأية نتيجة واستمر الجانبان في صياحهما كل ضد الآخر.

وهتف المعارضون له قائلين: “إنه ليس أسقفاً، اطردوا محارب الله؛ اطردوا اليهودي”! وكان السكندريون يقاومون ثيؤدوريت على نفس المستوى الذي قاوم به الأنطاكيون البابا ديسقوروس. وبعد هذا المشهد الصاخب، حكم ممثلو الإمبراطور بأن يبقى ثيؤدوريت في المجمع بصفته مقدم التماساً.

وتعرض المجمع للمرة الثانية لمسألة ثيؤدوريت يوم 26 أكتوبر،[4] وبمجرد أن ذُكرت القضية، تجاهل الأساقفة تصرف البابا ليو معه وصاحوا: “إن ثيؤدوريت مازال محروماً”، فرد عليهم أسقف قورش بأنه كان قد قدَّم دعاوى (التماسات) إلى الإمبراطور وإلى مندوبي روما ويمكن أن تتم قراءتها إذا أراد الأساقفة، ولكن من الواجب أن نتذكر أن تلك الدعاوى لم تكن مُرسلة إلى المجمع.

وكان رد الأساقفة أنهم لا يريدون أن يقرأوا أي شيء، ولكن ما يريدونه منه هو أن يدين نسطوريوس، فأجابهم ثيؤدوريت: “لقد تربيت على أيدي الأرثوذكس، وتعلمت بواسطة الأرثوذكس،[5] وأنا أعظ وأبشر بالأرثوذوكسية؛ وأتجنب وأحسبه مخالفاً ليس فقط نسطوريوس وأوطيخا ولكن كل واحد ليس لديه الفكر الصحيح”، وهنا طالبه الأساقفة قائلين: “تكلم بصراحة ووضوح، وقل ليُحرم نسطوريوس وعقيدته، ليُحرم نسطوريوس وهؤلاء الذين يدافعون عنه”.

وعندئذ حاول ثيؤدوريت أن يقدِّم شرحاً لموقفه فقال: “الحق إني لا أقول إلاّ ما أعرف أنه يرضي الله. وفي البداية أريد أن أوضح أنني ما جئت إلى هنا لأنني أهتم بمدينتي أو أبحث عن رتبتي، ولكن بما إنني قد اتُهمت باطلاً لذلك أتيت لكي أوضح أنني أرثوذوكسي، وأنني أدين نسطوريوس وأوطيخا، وكل من يعترف بابنين”، وهنا تدخل الأساقفة وطالبوه ثانية بأن يحرم نسطوريوس وحسب، ومرة أخرى حاول أسقف قورش أن يدافع عن موقفه، فصاح الأساقفة: “إنه هرطوقي! إنه نسطوري! اخرجوا الهرطوقي”، وأمام هذا قال ثيؤدوريت مدفوعاً: “ليُحرم نسطوريوس، ليُحرم من لم يعترف أن القديسة مريم هي ’والدة الإله‘ (ثيؤتوكس)، ليُحرم من يقسم الابن الواحد الوحيد إلى ابنين.

لقد قمت بالفعل بالتوقيع على تعريف الإيمان وكذلك على طومس ليو، وفكري يتفق معهما”. وتُظهر عبارات ثيؤدوريت السابقة كيف كان حريصاً في موافقته على حرم نسطوريوس. ووجدت هذه الكلمات قبولاً لدى ممثلي الإمبراطور، وعلقوا عليها قائلين إن ثيؤدوريت قد حرم نسطوريوس وقبل طومس ليو ووقع على اعتراف الإيمان الخاص بالمجمع، فما هو حكم الأساقفة بخصوص الرجل، فأجاب الأساقفة “إن ثيؤدوريت يستحق الكرسي، لتدم الأرثوذكسية للكنيسة”. وبهذه الطريقة تمت إعادة ثيؤدوريت لشركة الكنيسة وكذلك إلى أسقفيته.[6]

وتدعونا قصة تبرئة ثيؤدوريت إلى التعليق بأن أسقف قورش لم يكن مقتنعاً بأنه أو بأن أي أحد من قادة التقليد الأنطاكي بما فيهم نسطوريوس كان لديه فكراً هرطوقياً. وكان ليو ومندوبو روما ـ الذين يزعمون أنهم قد حرموا نسطوريوس ـ يساندون ثيؤدوريت، بدون أن يوضحوا الأساس الذي بنوا عليه هذا التصرف.

ونحن في تعليقنا هذا، لا نعني أن ثيؤدوريت كان يجب عليه أن يحرم نسطوريوس أو اللاهوتيين الأنطاكيين أمثال ثيؤدور أسقف موبسويستا، وسوف نعرض وجهة نظرنا في هذه المسألة لاحقاً في هذه الدراسة، ولكن ما نريد أن نلاحظه هنا هو أن ليو بابا روما في إعلانه أن نسطوريوس هرطوقياً من ناحية، وفي تأييده لثيؤدوريت الذي كان حليفاً لنسطوريوس والذي لم يحرم نسطوريوس من الناحية الأخرى، كان يتمسك بمعيارين في الجدل الخريستولوجي الدائر. ويستطيع الناقدون لليو أن يروا وراء تصرفه هذا خطة مدبرة لإضعاف الثقة في مجمع أفسس عام 431م وكذلك في التقليد اللاهوتي لآباء الإسكندرية.

ولم يشارك الأساقفة الشرقيون ليو في وجهة نظره، حيث طلبوا من ثيؤدوريت أن يعلن رفضه لنسطوريوس في تعبيرات واضحة، وذلك رغم أن التحالف بين روما والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية في ذلك الوقت قد جعلهم عاجزين عن التعبير عن وجهة نظرهم بصورة مؤثرة في المجمع. ووجهة نظر هؤلاء الأساقفة الشرقيين ـ وليست التي لبابا روما ـ هي التي سادت في الشرق في القرن السادس، وقد تم التصديق عليها واعتمادها بواسطة مجمع عام 553م،* حيث أعلن ذلك المجمع ـ الذي اعتُبر رسمياً أنه مجمع مسكوني حتى من قبل روما ـ أن كتابات ثيؤدوريت الهجومية ضد مجمع أفسس عام 431م وضد موقف ق. كيرلس اللاهوتي هي كتابات هرطوقية.

وبتبنيه لهذا القرار يكون مجمع عام 553م ـ ولو لم يقر بذلك ـ قد تتبع تاريخه العقائدي* من خلال هؤلاء الأساقفة الشرقيين وصولاً إلى مجمع أفسس الثاني عام 449م الذي كان قد حرم ثيؤدوريت على أساس أن كتاباته تلك تضمَّنت مخالفة للإيمان الذي ترسخ في مجمع عام 431م ثم صُدِّق عليه في صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

 

(ب) تبرئة إيباس أسقف الرها:

ويمكننا أيضاً من تسوية قضية إيباس، أن نتبين أن الفريق الأقوى في المجمع حاول بصورة واضحة أن يضعف الثقة في مجمع أفسس عام 431م. وقد تناول مجمع خلقيدونية قضية إيباس يوم 26 أكتوبر وتم اتخاذ القرار في اليوم التالي.

كان إيباس بالفعل شخصاً مثيراً للجدل، وهو رجل كنسي أنطاكي صاحب الوفد السرياني إلى مجمع أفسس عام 431م كراهب. ولكنه وعلى خلاف ثيؤدوريت قبل في ذلك الوقت صيغة إعادة الوحدة عام 433م، وكتب رسالته إلى ماريس (Maris) أسقف أرداشير (Ardaschir) في بلاد فارس مقدماً تعليقه على مجمع أفسس وصيغة إعادة الوحدة من وجهة النظر الأنطاكية.

وكتب إيباس في رسالته هذه:[7] أنه كان هناك خلاف بين نسطوريوس وكيرلس، وقد تمسك نسطوريوس بأن العذراء الطوباوية لم تكن والدة الإله ’ثيؤطوكس‘ وبالتالي أعطى الانطباع بأنه يتبع بولس السموساطي.

ولكن كيرلس في محاولته أن يفند آراء نسطوريوس، وقع في هرطقة أبوليناريوس، فقد أكد على سبيل المثال أن الله الكلمة صار إنساناً بحيث لا يوجد فرق بين الهيكل والذي يسكن فيه، وقد بدا أنه يحاول أن يبرهن من خلال حرومه الإثني عشر أن طبيعة لاهوت ربنا وطبيعة ناسوته كانتا واحدة، وأنه بالنسبة للأقوال والأفعال ـ سواء التي قالها أو التي نسبها إليه الإنجيليون ـ فلا ينبغي أن يكون هناك أي تمييز بينها،* “وأنا متأكد إنك ستعرف مدى الشر في كل هذا”.

ويكمل إيباس كلامه قائلاً: وتعليم الكنيسة هو على العكس من ذلك، فالابن الواحد الرب يسوع المسيح، هو طبيعتين، وقدرة واحدة، وبروسوبون واحد. وقد اجتمع مجمع أفسس ليحكم بين موقفي نسطوريوس وكيرلس، ولكن الأخير اغتصب الرئاسة وقام بحرم الأول بوازع من العداوة الشخصية، وحتى قبل أن يصل يوحنا الأنطاكي وأساقفته إلى المجمع.

وبعد ذلك بيومين دخل الوفد القادم من الشرق إلى أفسس، وعلم أنه قد تم الاعتراف بأرثوذكسية حروم كيرلس الإثني عشر، فأدى ذلك إلى جدل كبير تم حله في النهاية بالتوصل إلى اتفاقية، فرب الكنيسة قد ألان قلب المصري (ق. كيرلس)، ولهذا وبدون مجهود كبير وافق أن يقبل الإيمان ويتخلى عن أولئك الذين ليس لهم نفس إيماننا.

وختم إيباس رسالته بإرشاد ماريس بأن يُعرِّف الذين يعتبرهم محبين للسلام بأن النزاع قد انتهى، وبأنه ينبغي على أولئك الذين رفعوا أنفسهم بتطرف فوق الأحياء والأموات[8] أن يخجلوا الآن من موقفهم السابق ويعتذروا عن حماقتهم؛ لأنه لا أحد الآن يتجرأ أن يقر بأن لاهوت وناسوت المسيح هما واحد، ولكنهم يعترفون بأن الهيكل والذي يسكن داخله هما ابن واحد يسوع المسيح.

ويُظهر لنا الملخص السابق أن إيباس كان رجلاً يشجب مجمع أفسس عام 431م، والموقف اللاهوتي لآباء الإسكندرية، وتعليم ق. كيرلس. وكان رجلاً مؤيداً لنسطوريوس، وبحسب كلمات تيكسورنت (Tixorent) كان إيباس أيضاً عدواً أكيداً لكيرلس وقد اتهم فكره اللاهوتي بالأبولينارية.[9] وتمثل رسالة إيباس نموذجاً لوجهة النظر الأنطاكية في صيغة إعادة الوحدة عام 433م.

وقد رأى الجانب الأنطاكي أن كاتب تلك الرسالة يعتبر سنداً قيماً للقضية، ولذلك تم تنصيبه على كرسي الرها عام 435م خلفاً للأسقف رابولا (Rabbula) الذي سبب لهم إخلاصه للفكر اللاهوتي الكيرلسي مشاكل كثيرة. وقد لاقى الموقف العقائدي للأسقف الجديد وكذلك سلوكه الشخصي في الأمور الكنسية، معارضة كبيرة على المستوى الكنسي الرسمي والشعبي في المنطقة.[10] وعلى الرغم من أن شكواهم ضده لم يُحكم فيها في بريتُس وصور،[11] فإن مجمع عام 449م قام بفحصها وحكم بعزل إيباس بتهمة الهرطقة وسوء الإدارة للممتلكات الكنسية.[12]

ونعود إلى خلقيدونية، فعندما شرع المجمع في تناول قضية إيباس،[13] تقدم الرجل وقال إنه قد حُرم بواسطة مجموعة من الأوطيخيين، ولكنه بالحقيقة أورثوذوكسي. وهنا سأل ممثلو الإمبراطور الأساقفة عن رأيهم، وفي هذا السياق ذُكرت الدعاوى التي كانت ضده في بريتُس وفي صور وكذلك رسالته إلى ماريس، ولكن محاكمته التي كانت في مجمع عام 449م لم تُؤخذ في الاعتبار.

وعندما انتهت القراءة أعطى مندوبو روما حكمهم قائلين أن الأدلة التي ضد إيباس لا تبرر مسألة حرمه ومن ثم يجب تبرئته، وهنا تكلم أناتوليوس وجوفينال وثالاسيوس معلنين موافقتهم على حكم مندوبي روما. وتستحق العبارة التي نطق بها جوفينال في تلك المناسبة أن نذكرها هنا كما أوردها هونيجمان (Honigman) حيث قال: “إن الكتب المقدسة تعلمنا أن نقبل المهتدون، ومن هنا نحن نقبل حتى الهراطقة السابقين. ولهذا السبب فأنا أيضاً أوافق معكم على تلك الرحمة (“محبة البشر”) التي قد مُنحت لهذا الأسقف الجليل إيباس، حيث سيأخذ كرامة الأسقفية مادام هو الآن أرثوذوكسياً”.[14]

وقبل أن يتم التوصل إلى القرار النهائي قال مندوبو روما: “نحن بقراءة الأوراق ندرك أن قرار الأساقفة[15] (السابق) بخصوص إيباس لم يكن قراراً مسئولاً. وبعد قراءة رسالته،[16] نعرف أنه أرثوذوكسي”.[17] وبعد ذلك عبَّر ستة عشر أسقفاً عن موافقتهم كل بصورة شخصية، كما هتف المجمع: “كلنا نوافق.

فقد حرم (إيباس) بالفعل نسطوريوس وأوطيخا”[18]، وهنا رد إيباس بأنه قد حرم نسطوريوس وتعليمه كتابةً، وبأنه كان يحرمه مليون مرة،[19] ثم أضاف إيباس قائلاً: ليُحرم نسطوريوس وأوطيخا، وكل من يعترف بطبيعة واحدة، وكذلك كل من لا يقبل تعليم (هذا) المجمع. وهنا تمت إعادة قبول إيباس من المجمع.

ونجد في مسألة تبرئة إيباس أيضاً، أنه كان هناك رأيين بين الحاضرين، فبينما رأى مندوبو روما ومؤيدوهم الشرقيون تبرئته على أساس أن الحكم الذي صدر ضده من مجمع عام 449م لم يكن حكماً مسئولاً، فإن بقية المجمع وافقوا على تبرئته لأنه أدان بالفعل نسطوريوس وأوطيخا. وكان هذا الرأي الأخير هو ما ساد في الجانب الخلقيدوني في الشرق  في القرن السادس، وهو أيضاً ما أكده مجمع عام 553م.

ويتضح من ذلك أنه بالنسبة لثيؤدوريت وإيباس فإن التقليد الخلقيدوني قد أزاح جانباً ـ وبطريقة لطيفة ـ الموقف الذي كان يسعى الطرف الأقوى في خلقيدونية لأن يثبته، كما أن القرار الذي أصدره مجمع عام 553م باعتبار خطاب إيباس إلى ماريس هرطوقياً، قد أكد حكم مجمع عام 449م وليس حكم مندوبي روما.[20]

 

7. بعض الملاحظات الختامية:

كانت أهم القرارات التي اتُخذت في خلقيدونية ـ من وجهة نظر دراستنا هذه ـ هي: (1) القرارات المتعلقة بالأشخاص، أي عزل البابا ديسقوروس من جهة وتبـــــرئة ثيـؤدوريت وإيبــــاس من جــهة أخرى؛ (2) الموافقة على طومس ليو كوثيقة للإيمان؛ (3) تبني تعريف (صيغة) للإيمان. ولكن لم يكن هناك بالفعل اتفاق حقيقي بين أعضاء المجمع بالنسبة لأي من تلك القرارات.

فعلى سبيل المثال، تم عزل البابا ديسقوروس بواسطة فريق من الحاضرين، ثم اضطُر بقية المجمع لقبول القرار بشيء من الصعوبة. وبالنسبة إلى كل من ثيؤدوريت وإيباس، فبالرغم من أن الفريق الأقوى في المجمع سعى لإثبات أنهما لم يكونا مستحقين لأية عقوبة، فإن الأساقفة الآخرون أصروا على أنهما كانا في الحقيقة هرطوقيين، وأنه يمكن قبولهما فقط إذا قاما بحرم نسطوريوس بعبارات واضحة لا تُخطَئ.

أما طومس ليو، فقد حاولت القوى المسيطرة على المجمع أن تعلنه المقياس العقائدي للكنيسة، ولكن كثير من الأساقفة الشرقيين قبلوه فقط كتنازل من أجل الوفاق. وأيضاً بالنسبة لتعريف الإيمان الذي تبناه المجمع، فقد تمت كتابته بحيث يمكن للرجال الذين ينتمون للتقاليد المختلفة في الكنيسة أن يفسروه كل بحسب طريقته الخاصة.

وحتى بالنسبة لتأييد المجمع للتقليد المبكر للكنيسة، لم يكن هناك أيضاً اتفاق حقيقي بين الأعضاء. فبينما أقرت القوى المسيطرة على المجمع، بسلطة مجمع أفسس عام 431م بحسب مفهوم الجانب الأنطاكي فقط، فإن بقية المجمع أصرت على القبول المطلق غير المشروط لمجمع عام 431م ولقراراته بكاملها.

ومن وجهة النظر السكندرية، كان الموقف الذي اتخذه الجانب المنتصر في المجمع يشكل تعدياً على التقليد الثابت للكنيسة، حيث إنه يخالف بنود الاتفاق الذي تم بين ق. كيرلس السكندري والبابا يوحنا الأنطاكي قبل صيغة إعادة الوحدة عام 433م. وعلى الرغم من أن الموالين للجانب السكندري لم يتمكنوا من توضيح وجهة نظرهم بصورة فعالة، بل واضطُروا حتى إلى الاستسلام إلى الجانب القوي ـ الذي استطاع أن يستخدم أوطيخا كورقة رابحة ـ إلاّ أن موقفهم كان له تأثير كبير في الشرق، وهذا ما تأكد بعد انتهاء المجمع.

وينبغي على أي تقييم لمجمع خلقيدونية أن ينتبه بشكل كافٍ لحقيقة أن الأمر الفعلي الذي تسبب في انقسام الشرق عملياً إلى معسكرين منذ صيغة إعادة الوحدة عام 433م، لم يكن هو أوطيخا أو فلافيان، ولكنه كان التفسير المختلف تماماً لمجمع عام 431م نفسه، فالرجلان لم يكونا سوى كبشي فداء، وضع المعارضون لكل واحد منهما الاتهامات على الشخص الذي يخالفهم، وحاولوا أن يجهزوا عليه كتعبير عن رفضهم للفريق الذي ينتمي إليه ذلك الشخص.

وكانت القوى المسيطرة على المجمع ـ وهي بالتحديد روما من جهة والسلطة الإمبراطورية في القسطنطينية من جهة أخرى ـ قد استخدمت مجمع خلقيدونية لتحقيق خططها الخاصة، فروما كانت تريد أن تؤكد زعمها في السيادة الشاملة على الكنيسة، أما السلطة الإمبراطورية في القسطنطينية فكانت تحاول أن تجمع الكنيسة كلها في الشرق تحت سلطة كرسي القسطنطينية.

ولم يكن لدى أي من هاتين القوتين الصبر من أجل فحص المشكلة التي كانت تواجه الكنيسة في ذلك الوقت بصورة موضوعية و تقديم الحل الذي يرضي جميع الأطراف، ولعل ذلك الأمر كان مستحيلاً من الوجهة البشرية. وعلى أية حال، فإن الجماعات الكثيرة التي كانت تتبع التقليد السكندري في الشرق، استمرت متمسكة بموقفها بصورة شديدة، وتحدت سلطة المجمع متخذة موقفها بثبات على أساس الفهم السكندري لمجمع أفسس عام 431م.

 

[1] للاطلاع على تقييم إيجابي لثيؤدوريت انظر: (N. & P.N.F., sec. ser., vol. III). وكان ثيؤدوريت لاهوتي مشبع بالفكر الأنطاكي، وكان يؤمن أن نسطوريوس لم يكن يستحق الإدانة، وكان قد رفض التوقيع على الحكم الصادر ضد الرجل إلى أن أُجبر على ذلك يوم 26 أكتوبر. وقد أبعد نفسه حتى عن قبول إعادة الوحدة عام 433م، ولكنه قبلها بعد ذلك في عام 435م، واستمر في صحبة يوحنا الأنطاكي صانعاً سلاماً غير مستقر مع ق. كيرلس.

وفي وقت التوتر الذي حدث بين الجانبين السكندري والأنطاكي بعد إعادة الوحدة، لعب دوراً فعالاً في جانب الأخير. وبعد موت يوحنا عام 441م، صار هو القائد الفعلي للفريق الأنطاكي، ومن ثم جعل نفسه مبغضاً في عيون السكندريين بسبب أفعاله وبسبب كتاباته. ولهذا تزايدت الشكاوى ضده، وأمره الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني أن يبقى ملتزماً بكرسيه. وبعد ذلك بوقت قصير تمت إدانته من قبل مجمع عام 449م. للاطلاع على الإجراءات التي اتُخذت ضده في ذلك المجمع، انظر:

Akten der Ephesenischen Synode Jahre 449, ed. Johannes Fleming, Berlin, 1917 (Syriac), pp. 84 – 112.

وعلى الفور تقدم بدعوى لليو بابا روما ورتب قضية مشتركة معه، وبعد موت الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني تقدم بالتماس للأباطرة الجدد.

[2] ACO. II, i, pp. 69-70: 25-46.

[3] المرجع السابق صفحة 69: 26.

[4] للاطلاع على وقائع تبرئة ثيؤدوريت انظر ACO. II, i, pp. 368f: 4-25.

[5] من الواضح أن ثيؤدوريت كان يشير إلى رجال مثل ثيؤدور المبسويستي الذين كانوا قد شرحوا الإيمان في التقليد الأنطاكي، ولكن السكندريون كانوا يعتبرونهم هراطقة.

[6] وبعد إعادة (تبرئة) ثيؤدوريت، صوَّت المجمع من أجل تبرئة ثلاثة رجال هم صفرونيوس أسقف قنسطنطينا ويوحنا أسقف جرمانيكيا وأمفيلوخيوس أسقف سيدا. وآخر هؤلاء الرجال مشار إليه في صفحة . وقد طلب المجمع من يوحنا أسقف جرمانيكيا أن يدين نسطوريوس بالتحديد لكي يتم تبرئته. ومع ذلك كان يوحنا هذا رجلاً له دور قيادي بارز في المجمع خلال جلساته الأولى وبالأخص في اجتماع يوم 13 أكتوبر.

وكان واحداً من الرجال الذين أرسلهم المجمع لاستدعاء البابا ديسقوروس في ذلك اليوم. (انظر صفحة ) وفي يوم 22 أكتوبر، عارض يوحنا تبني مسودة التعريف الذي وضعه الأساقفة. (انظر صفحة ) وقد أعطى المشورة لممثلي الإمبراطور (انظر صفحة ).

* هذا المجمع هو الملقب بالمجمع المسكوني الخامس عند الخلقيدونيين، وقد انعقد في القسطنطينية عام 553م.

* أي تتبع الجذور التاريخية العقائدية لهذا القرار

[7] الرسالة في أصلها السرياني موجودة في (Johannes Fleming, op. cit., pp. 48-50). للاطلاع على النسخة اليونانية التي تم تقديمها في مجمع عام 451م انظر:

ACO. II, i, pp. 391-93: 138.

* كان ق. كيرلس يطالب بألا يكون بين هذه الأقوال والأفعال أي تمييز في كون بعضها إلهي وبعضها بشري لأن الذي قال أو فعل هو المسيح الواحد.

[8] من الواضح أن إيباس كان يشير هنا إلى قادة التقليد اللاهوتي الأنطاكي أمثال ثيؤدور أسقف مبسويستا.

[9] History of Dogma, op. cit., p. 52.

[10] بالرغم من أن الرها كانت جزءاً من سوريا، إلا إنها كانت تعارض بشدة التقليد اللاهوتي الأنطاكي، وكانت تؤيد التقليد السكندري.

[11] للإطلاع على مناقشة حول الإجراءات التي تمت ضد إيباس انظر:

(R.V. Sellers, The Council of Chalcedon, op. cit., pp. 49f).

[12] يحتوي كتاب (Johannes Fleming, op. cit., pp. 12-68) على محاضر مجمع عام 449م مع إشارة إلى بحث قضية إيباس. وقد قرأ هذا المجمع تقريراً عن التحقيقات السابقة كما قرأ خطاب إيباس إلى ماريس. وقد وقَّع واحد وعشرون أسقفاً بما فيهم ديسقورس وجوفينال وثالاسيوس وستيفن أسقف أفسس، مقرين بأن إيباس يستحق الحرم. وهنا قال الأساقفة: “نحن جميعاً نوافق على القرار. نحن جميعاً نستبعد مقاوم الله بالإجماع”. (المرجع السابق، صفحة 68).

[13] للإطلاع على الإجراءات في مجمع خلقيدونية انظر (ACO. II, i, pp. 372-401)

[14] Honigman, Juvenal of Jerusalem, op. cit., pp. 246-247.

[15] الإشارة هنا إلى مجمع أفسس الثاني عام 449م.

[16] ذكر هنا خطاب إيباس إلى ماريس.

[17] ACO. II, i, pp. 69-70: 25-46.

وكانت وجهة نظر مندوبي روما أنه بالرغم من الخطاب، فإن كاتبه كان أرثوذكسياً ولا يمكن أن يكون قد كُتب ـ في السياق العام للقرن الخامس ـ بعيداً عن التوجه الإيجابي تجاه مجمع عام 431م والفكر اللاهوتي لكيرلس السكندري.

[18] المرجع السابق صفحة 399: 179.

[19] المرجع السابق صفحة 399: 180.

[20] عندما انتهت قراءة الخطاب في مجمع أفسس عام 449م، هتف المجمع: “هذه الأشياء تلوث السمع. وهى تلائم الوثنيين،…”. انظر (J. Fleming, op. cit., p. 52). أما في خلقيدونية، فقد عبر مندوبو روما عن وجهة نظرهم بأنه بالرغم من كتابة الخطاب محل التساؤل، فإن إيباس كان أرثوذكسياً. وقد أعلن مجمع عام 553م بطريقة لا لبس فيها بأن الخطاب كان هرطوقياً، وأن أى شخص يدافع عنه سواء جزئياً أو كلياً فيجب إدانته. (انظر حروم المجمع: 14).

قرارات مجمع خلقيدونية المتصلة بالإيمان ج3

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

(أ) بعض الملاحظات التمهيدية:

في مجال الخلاف بين التقليد اللاهوتي السكندري والأنطاكي، كان مجمع أفسس يعتبر انتصاراً حاسماً للسكندريين. ولم يقدم هذا المجمع أي تعريف عقائدي (نص إقرار إيمان)، ولكنه أدان نسطوريوس أسقف القسطنطينية على أساس أن تعليمه يتعارض مع إيمان نيقية الذي أكدَّ على أن يسوع المسيح هو الله الابن، الأزلي، الذي له ذات الجوهر الواحد مع الآب، الذي تجسد وتأنس من مريم العذراء بالروح القدس.

وكان قادة الجانب السكندري ـ كما أظهر جريلميير (Aloys Grillmeier) ـ يفسِّرون اعتراف الإيمان النيقاوي على أساس تعليمهم الخريستولوجي الذي يُطلق عليه ’خريستولوجي (الكلمة ـ جسد)‘* (‘Word-flesh’ Christology).[1] وكان أبوليناريوس (Apollinarius) أسقف اللاذقية قد حاول في السبعينات من القرن الرابع أن يضع منهجاً لهذا التعليم الخريستولوجي على طريقته الخاصة.

وإذ كان كل همه هو الحفاظ على وحدة الفادي في ضوء مفاهيم نيقية، فقد أصرَّ على أن المسيح هو هيبوستاسيس واحد[2] وطبيعة واحدة، وأن كل شيء سُجل عنه (في الإنجيل) قد أتمه الله الكلمة أو الله الابن. وتمشياً مع هذا الخط من التفكير، أنكر أبوليناريوس وجود ’المبدأ العاقل الإنساني‘* في جسد المسيح، وقد تم الحكم على وجهة نظر أبوليناريوس بالهرطقة وأُدين من جميع الأطراف.

وعلى الرغم من ذلك استمر السكندريون في تمسكهم بالمصطلحات التي استخدمها أبوليناريوس، حيث احتفظوا بتعبير ’طبيعة واحدة‘ وتعبير ’هيبوستاسيس واحد‘، كما احتفظوا كذلك بتأكيدهم على أن أقوال وأفعال المسيح كانت تعبيرات (expressions) لأقنومه الواحد.[3]

أما الأنطاكيون على الجانب الآخر، فلم يقبلوا الأسلوب السكندري في استخدام الكلمات والتعبيرات (phraseology)، والذي كان قد استخدمه مذهب أبوليناريوس. وكان تعليمهم الخريستولوجي يُطلق عليه ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘* (‘Word-man’ Christology)[4] والذي كان قد أسسه ثيؤدور أسقف مبسويستيا (Theodore of Mopsuestia) في كيليكيا الذي مات عام 428م. وقد نجح ثيؤدور بالفعل في استبعاد الأبولينارية، ولكنه لم ينجح في تأكيد وحدة المسيح بطريقة مرضية.[5]

وهكذا وفي أثناء الربع الأول من القرن الخامس، صار هناك نوعان من التعليم الخريستولوجي في الشرق وكان كل منهما يؤكد تواصله مع إيمان نيقية ويعبِّر عن رفضه للأبولينارية، ولكن مع ذلك لم يكن لأي منهما فكرة حقيقية عن الآخر.[6] فالأنطاكيون على سبيل المثال، قد يخلطون بسهولة بين التقليد السكندري والأبولينارية، والسكندريون كذلك قد لا يرون إلاّ عقيدة وجود ’ابنين‘ في التقليد الأنطاكي.

 

(ب) الصدام بين نوعي التعليم الخريستولوجي:

كان نسطوريوس رجلاً تربى على التقليد الخريستولوجي الأنطاكي الذي يرتكز على ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘ (‘Word-man’ Christology)، وقد صار بطريركاً على القسطنطينية في 10 أبريل عام 428م. وبعد ذلك ببضعة شهور، قدَّم كاهنه أنسطاسيوس (Anastasius) عظة انتقد فيها استخدام لقب “والدة الإله ـ θεοτόκος” التي أطلقه الكثيرون في الكنيسة على العذراء (مريم) منذ حوالي القرن الثاني.[7] وعلى عكس التوقع الشعبي، أيَّد نسطوريوس نفسه الكاهن أنسطاسيوس.

وعندما تم إبلاغ البابا كيرلس بطريرك الكرسي السكندري بالحادثة، كتب أولاً رسالة تمهيدية تلاها برسالة عقائدية يُشار إليها عادة بالرسالة الثانية لكيرلس إلى نسطوريوس.[8] وقد حاول ق. كيرلس أن يقنع بطريرك الكرسي البيزنطي بأن مصطلح “والدة الإله ـ θεοτόκος” له تأثير هام على إيمان الكنيسة.

ودفع ق. كيرلس بأن قانون الإيمان  النيقاوي ـ معيار الأرثوذوكسية الحصين ـ يؤكد أن الله الابن نفسه “نزل، وتجسد، وعاش كإنسان، وتألم، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى السموات”، ومن هنا فإن الله الابن (في حالته المتجسدة) كان هو الشخص الفاعل (subject) في حياة المسيح. ولا يعني هذا رغم ذلك، أن الله الابن قد تغير إلى إنسان، ولكن يؤكد أنه بكونه قد “وحَّد بنفسه، في شخصه الذاتي، جسداً مُحيَّاً بروح عاقل”، فإن الله الابن “قد صار إنساناً، ودُعي ابن الإنسان”.

وبهذا الاتحاد، إنجمعت الطبيعتان الإلهية والإنسانية ـ والتي تختلف كل منهما عن الأخرى ـ في الرب الواحد يسوع المسيح، في وحدة غير قابلة للانقسام. وحيث إن الله الابن الأزلي، قد وحَّده (أي الجسد) بنفسه هيبوستاسياً (أقنومياً)[9] منذ  اللحظة الأولى للحبل به في رحم العذراء، فتكون العذراء قد ولدت الله الابن المتجسد، وبالتالي فإنها تُدعى والدة الإله (ثيؤطوكس)، ويصبح لهذا اللقب مركزاً محورياً في أي تعليم خريستولوجي صحيح.

ورفض نسطوريوس أن يقبل الإرشاد، وشرع يتهم ق. كيرلس بتعليم الهرطقة، مما أدى إلى ازدياد الفجوة بين الرجلين. وفي نفس الوقت، كان مهاجمة نسطوريوس للقب “والدة الإله ـ θεοτόκος” قد أثار انتباه كل من البابا كليستين (Coelestine) بابا روما والبطريرك يوحنا الأنطاكي، فعقد الأول مجمعاً في روما* وقرر الوقوف ضد نسطوريوس، كما قام الأخير بنصح صديقه (نسطوريوس) أن يقبل هذا اللقب (والدة الإله) لينهي تلك الأزمة، ولكن نسطوريوس لم يكن عازماً أن يأخذ بنصيحته.

وهنا بدأ ق. كيرلس ـ الذي شكك بطريرك القسطنطينية في أرثوذكسيته ـ يعد نفسه لمواجهة جادة حول ذلك الأمر. وإذ تأكد من تعاطف بابا روما مع موقفه، دعا إلى مجمع (في الإسكندرية عام 430م) وحدد فيه إثني عشر حرماً لكي يقرِّها نسطوريوس، الذي كان تلقائياً بمقتضى هذه الحروم (وبحسب تعليمه السابق) ينبغي أن يكون محروماً.

وكانت هذه الحروم هي عبارات صارمة تعبِّر عن ’خريستولوجي (الكلمة – جسد)‘ (‘Word-flesh’ Christology) السكندري، وتقدِّم الأفكار الموجودة في الرسالة الثانية (لكيرلس إلى نسطوريوس) بصورة أكثر وضوحاً.

وأُرسلت هذه الحروم إلى نسطوريوس ومعها رسالة توضيحية وهي التي تُعرف بالرسالة الثالثة لكيرلس إلى نسطوريوس،[10] وكانت هذه الوثيقة تُصِّر على أن اتحاد الطبيعتين لم يكن فقط اتحاداً هيبوستاسياً (أقنومياً)، ولكنه أيضاً هو طبيعة واحدة، كما أكدَّت هذه الرسالة كذلك على أن “كلا الأقوال الإنسانية والأقوال الإلهية قد قيلت بواسطة شخص واحد”،[11] وقد وُضعت نفس هذه النقطة في الحرم الرابع من الحروم الإثني عشر.

وهكذا كان ق. كيرلس يقبل نفس المبادئ الثلاثة التي أكدها أبوليناريوس (مع اختلاف الأساس اللاهوتي بينهما)، ولكنه في نفس الوقت أوضح بصورة قاطعة أن ناسوت المسيح كان له روح عاقل. وكان رد نسطوريوس على هذه الرسالة هو الرفض أيضاً.

 

(ج) إدانة نسطوريوس:

دعا الإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني إلى عقد مجمع لتسوية النزاع. وكانت أولى جلسات المجمع يوم 22 يونيو 431م حيث تأخرت عدة أيام عن الموعد الذي كان محدداً من قبل (7 يونيو). وكان هذا التأخير نتيجة عدم تمكن البطريرك يوحنا الأنطاكي والأساقفة المرافقين له من الوصول إلى أفسس في الموعد المحدد، ومع ذلك لم يتم تأجيل المجمع لحين وصولهم ولكنه بدأ بدون يوحنا وبقية الوفد الأنطاكي، مما جعل المندوب الإمبراطوري كانديديان (Candidian) يعترض ويغادر المجمع.

ورأس المجمع البابا كيرلس نفسه، وكان هناك مائتا عضو يحضرون الجلسات، وقد قام المجمع على الفور بتناول القضية المتعلقة بنسطوريوس. وحيث إنه لم يكن حاضراً هناك تمت دعوته رسمياً ولكنه رفض الحضور، فابتدأ المجمع في فحص الكتابات التي كان قد تم تبادلها بينه وبين ق. كيرلس بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الأدلة.

وتوصَّل المجمع في النهاية إلى قراره بإدانة نسطوريوس بتهمة الهرطقة، ولتوضيح إيمان الكنيسة الذي في ضوئه تم اتخاذ هذا القرار، أعلن المجمع تأييده الشديد لرسالة ق. كيرلس الثانية إلى نسطوريوس، كما وافق كذلك على الرسالة (الثالثة) مع الحروم باعتبارها وثيقة مقبولة.[12]

وفي يوم 26 يونيو وصل الوفد الأنطاكي الذي كان من المتوقع تأخر وصوله، وحين رأوا أن نسطوريوس قد تمت إدانته بالفعل، وأن الفكر اللاهوتي السكندري ـ الذي انعكس في رسائل ق. كيرلس ـ قد تم تأكيد أرثوذوكسيته، امتلأوا من الغضب واحتجوا على قرار المجمع، وقاموا بعقد مجمع مضاد برئاسة يوحنا الأنطاكي حضره ثلاثة وأربعون عضواً، وتبنى هذا الاجتماع حكماً بعزل البابا كيرلس السكندري وممنون (Memnon) أسقف أفسس، وكل الذين قبلوا حروم ق. كيرلس الإثني عشر.

ورفع كل جانب دعواه إلى الإمبراطور ساعياً لكسب تأييده. وتأزم الأمر جداً، لدرجة أن المجمع نفسه امتد إلى 11 سبتمبر من نفس العام، وفي ذلك الحين أعطى الإمبراطور أوامره بعزل كل من ق. كيرلس وممنون ونسطوريوس، ولكن بعد ذلك بفترة قصيرة أُعيد ق. كيرلس وممنون وأُرسل نسطوريوس إلى دير إيبريبيوس (Euprepius).

وفي عام 435م نُفي نسطوريوس إلى البتراء (Petra) في صحراء العربية (الأردن حالياً)، وبعد ذلك إلى صحراء مصر حيث مات هناك حوالي عام 449م. وبهذه الطريقة تمت إدانة نسطوريوس وهو اللاهوتي الأنطاكي الذي كان يؤمن بـ ’خريستولوجي (الكلمة – إنسان)‘ (‘Word-man’ Christology)، وذلك ببساطة لأنه ظل متمسكاً بشدة بفهمه للتقليد اللاهوتي الأنطاكي، ومن الجدبر بالذكر أن الأرثوذوكسية السكندرية كانت هي الأساس الذي بُني عليه الحكم بإدانته.

 

(د) إعادة الوحدة عام 433م:

غير أن التخلص من نسطوريوس لم يحل المشكلة بين الطرفين، فقد كانت أواصر الشركة قد تحطمت بينهما. وحاول الإمبراطور نفسه استخدام نفوذه ليعيد السلام وبالفعل أتت جهوده بثمارها، ففي عام 433م أرسل البطريرك يوحنا الأنطاكي بولس أسقف حمص إلى الإسكندرية ومعه وثيقة اعتراف بالإيمان،[13] فقبلها البابا كيرلس وأرسل إلى يوحنا رسالته المشهورة (Laeteutur Caeli).[14]

وتضمَّنت هذه الرسالة فقرة من اعتراف يوحنا الأنطاكي تؤكد على وحدة شخص المسيح والإستمرارية غير المختلطة للاهوت والناسوت فيه.* وتذكر هذه الفقرة أن “ربنا يسوع المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، .. وأنه مولود من الآب قبل كل الدهور بحسب لاهوته، وأنه هو نفسه في الأيام الأخيرة … وُلد من العذراء بحسب ناسوته، وهو نفسه له ذات الجوهر الواحد مع الآب، وله ذات الجوهر الواحد معنا”.

وينبغي علينا هنا أن نذكر الظروف التي تمت فيها إعادة الوحدة. وكان الأنطاكيون قد أثاروا ثلاثة اعتراضات ضد مجمع أفسس هي: (1) أن الموقف اللاهوتي للبابا كيرلس ـ كما يظهر في كتاباته وبالأخص في الحروم الإثني عشر ـ هو موقف هرطوقي؛ (2) أن نسطوريوس لم يكن هرطوقياً، وبالتالي فإن إدانته كانت غير مبررة؛ (3) أن مجمع أفسس الذي أعلن أن الأول (أي كيرلس) أرثوذكسي، وحكم بإدانة الثاني (أي نسطوريوس)، كان تجمعاً هرطوقياً.

وكان الاعتراض الأول هو بالفعل أهم تلك الاعتراضات الثلاثة، وقد حاول الأنطاكيون بشدة أن يجعلوا البابا كيرلس يسحب كتاباته، وبالأخص حرومه الإثني عشر، ولكن البابا كيرلس ـ وبدون التخلي عن هذه النقطة ـ  وجَّه الأنطاكيين إلى تفسيره الخاص لهذه الحروم،[15] وأظهر لهم أنها لا تتضمَّن أي أفكار هرطوقية، بل كانت تهدف ـ كما قال ـ إلى تجنب “فساد الهرطقة النسطورية”.

وقد اقتنع يوحنا والأنطاكيون بطريقة تفكير البابا كيرلس، كما أن البابا كيرلس من جانبه لم يصِّر على ضرورة القبول الكامل لأي من كتاباته كشرط لإعادة الوحدة. وهكذا، بالرغم من أن الأنطاكيين لم يقبلوا الحروم بصورة إيجابية، إلاّ أنهم اتفقوا على أن كيرلس صاحب تلك الحروم كان أرثوذكسياً. أما بالنسبة للاعتراضين الثاني والثالث، فقد أيد الأنطاكيون إدانة نسطوريوس ووافقوا على قبول مجمع عام 431م بدون أية شروط.[16]

وقد تحرك يوحنا أيضاً عن الموقف التقليدي الأنطاكي في نقطة رابعة (بالإضافة للاعتراضات الثلاثة التي رجع عنها الأنطاكيون)، فالأنطاكيون كانوا ـ على الأقل منذ أيام ثيئودور أسقف مبسويستيا ـ  يعترفون بأن مريم العذراء هي بالطبيعة فقط ’أنثروبوطوكس‘ أو ’خريستوطوكس‘ كما يمكن الإشارة إليها أيضاً بلقب ’ثيؤطوكس‘ لأن الإنسان الذي حملته كان يسكنه الله.[17] أما الآن فقد وافق البطريرك الأنطاكي أن يؤكد على أن العذراء هي ’ثيؤطوكس‘ (والدة الإله) بدون إضافة أي من المصطلحات الأخرى.[18]

وهناك عبارة واحدة في اعتراف يوحنا الأنطاكي كان من الممكن أن تكون لها عواقب بعيدة المدى وهي: “وفيما يخص أقوال البشيرين والرسل عن الرب، فنحن نعرف أن اللاهوتيين يجعلون بعضاً منها عاماً باعتبارها تخص شخص واحد، ويميزون البعض الآخر باعتبارها تخص طبيعتين، فيفسرون تلك التي تليق بالله بأنها تخص لاهوت المسيح، أما تلك المتواضعة فتخص ناسوته”.

ومن الواضح أن هذه العبارة كانت لتخفيف الصعوبة التي أحس بها الأنطاكيون بالنسبة للحرم الرابع،[19] ولكن العبارة في الحقيقة لا تتعارض مع موقف ق. كيرلس، لأنها تؤكد فقط أن اللاهوتيين يميِّزون الأمور التي تخص ربنا بثلاثة طرق. وتتصف هذه العبارة بالحذر الشديد، فهي لم تقل أن المسيح كائن في ثلاث مراكز للوجود والفعل، ولكنها قالت فقط أن أقوال وأعمال المسيح من الممكن تمييزها بثلاث طرق.

وكما سنرى فإن ق. كيرلس نفسه كان قد أعطى تعليماً يمكن أن يقبل هذه الاحتمالية، فقد رأى أننا في تأملنا للمسيح، يمكننا أن نميِّز في أذهاننا بعض كلمات وأفعال المسيح باعتبارها إلهية وبعضها الآخر باعتبارها إنسانية.

ومن هنا فإن الفحص المتأني للحقائق سوف يُظهر شرعية وجهة النظر السكندرية التي ترى أن صيغة إعادة الوحدة لا تلغي أي قرار من قرارات مجمع عام 431م، وإنما ساعدت رجال، من الذين كانوا يجدون صعوبات في مسألة الحروم مثل يوحنا الأنطاكي، لكي يقبلوا المجمع بدون ضغط زائد على قناعاتهم.

(هـ) موقف الجانبين في إيجاز:

كان السكندريون يؤمنون أن الله الابن تجسد من العذراء مريم بالروح القدس، وفي التجسد وحَّد الابن بنفسه ناسوتاً حقيقياً وكاملاً له روح عاقل خاص به. وبهذه الطريقة، قبل الله الابن في نفسه حالةً متجسدةً، اتحد فيها اللاهوت والناسوت في شخص واحد هو ربنا يسوع المسيح. والطبيعتان الإلهية والإنسانية متحدتان فيه بدون أن تتغير أي منهما إلى الأخرى، وبدون أن تكوِّنا معاً شيئاً (جديداً) ثالثاً (tertium quid). وكان هذا الشخص الواحد هو الذي يتكلم الأقوال وينجز الأفعال التي سُجلت عن المسيح في البشائر.

ولكن حينما نتأمل في المسيح بأذهاننا يمكننا حينئذ أن نقول عن بعض تلك الكلمات والأفعال أنها إلهية، وعن البعض الآخر أنها إنسانية. وكانت قوة هذا الموقف السكندري تكمن في تأكيده وتركيزه على وحدة المسيح.

وقدَّم السكندريون عدداً من المصطلحات اللاهوتية لكي يؤكدوا بها موقفهم اللاهوتي.

فأولاً، أقروا أن الاتحاد كان ’من طبيعتين‘، موضحين أن الناسوت أُحضر إلى الوجود فقط في الاتحاد مع الله الابن، وأنه (أي الناسوت) لم يتعرض في الاتحاد لأي تغيير أو نقصان.

ثانياً، هذا الاتحاد كان اتحاداً هيبوستاسياً (أقنومياً) وطبيعياً، وهو اتحاد حقيقي وداخلي. وكان السكندريون يريدون بذلك أن يستبعدوا فكرة أن يسوع الناصري كان مجرد إنسان عاش في شركة حميمة مع الله الابن.

ثالثاً، بما أن الاتحاد كان هيبوستاسياً وطبيعياً، فإن المسيح هو هيبوستاسيس ’واحد‘ وطبيعة ’واحدة‘ متجسدة لله الكلمة، وكلمة ’واحد‘ هنا سواء بالنسبة للهيبوستاسيس أو للطبيعة لا تعني واحداً بسيطاً (مفرداً) ولكنه واحد ’مركب‘.[20] وقد استخدم السكندريون عبارة “طبيعة واحدة متجسدة لله الكلمة” كأداة لغوية ملائمة تؤكد مفهومهم عن وحدة المسيح.

رابعاً، إن المسيح هو في آنٍ واحد إله كامل وإنسان كامل، وكإنسان كان مثل أي واحد منا مع استثناء وحيد هو أنه بلا خطية. وكان السكندريون يصرون على أنه لا ينبغي الحديث عن المسيح بكونه ’طبيعتين بعد الاتحاد‘، أو أنه كائن ’في طبيعتين‘،[21] لأن هذا الأمر قد يحمل ضمنياً معنى أن الاتحاد كان شيئاً خارجياً، وبالتالي يكون المسيح مجرد شخص مثل واحد من القديسين أو الأنبياء.

أما الأنطاكيون على الجانب الآخر، فقد كانت الفكرة المحورية في تعليمهم الخريستولوجي هي أن المسيح ’طبيعتين بعد الاتحاد‘،[22] ولكنهم في نفس الوقت، لم يؤمنوا بأن المسيح كان فقط مثل أي قديس أو نبي. وقد أكد الأنطاكيون أيضاً أنه كان هناك اتحاد بين الطبيعتين، ولكنهم لم يقبلوا التفسير السكندري للاتحاد، فبينما رأى السكندريون أنه اتحاد في الهيبوستاسيس، كان الأنطاكيون يرون أنه اتحاد في البروسوبون.[23]

فالحقيقة إذن أنه بعد النزاع مع الأبولينارية، سعى كل جانب من الجانبين السكندري والأنطاكي لبناء موقف خريستولوجي خاص به، ولكن لم يتفق الجانبان معاً في تفسيراتهما الخاصة.

* أي المبني على أساس مفهوم أن الكلمة صار جسداً

[1] لقد ذكر جريلميير في كتابه (Grillmeier: op. cit., pp. 193-f.) أن السكندريين اعتمدوا على العبارة التي وردت في إنجيل يوحنا (1: 14) “والكلمة صار جسداً وسكن بيننا” لكي يؤكدوا وحدة المسيح من خلال منطق ’الكلمة – جسد‘

[2] سيتم شرح مصطلح هيبوستاسيس بالتفصيل في صفحة وما يليها ولكن المعنى المبدئي الذي نستطيع أن نذكره هنا أنه هو (الكيان) الخاص المحدد وبالتالي فهو الشخص.

لدراسة موضوع ’الأبولينارية‘ بالتفصيل ارجع إلى:

(J. N. D. Kelly, Early Christian Doctrines, op. cit., pp. 289f; Grillmeier, Christ in Christian Tradition, op. cit., pp. 220f)

* أي الروح الإنسانية العاقلة

[3] كان التشابه في المصطلحات بين السكندريين والأبولينارية (رغم اختلاف المفهوم وراء هذه المصطلحات لدى كل منهما) هو أحد الأسباب التي دعت الأنطاكيين إلى مهاجمتهم.

* أي المبني على أساس مفهوم أن الكلمة اتخذ إنساناً

[4] كان مرجعنا هنا أيضاً هو جريلميير.

[5] تم في الفترة الأخيرة نشر عدة دراسات عن التعليم الخريستولوجي عند ثيؤدور وقد تعرضنا لهذا الموضوع في صفحة وما يليها حيث قدمنا ملخصاً عن تعاليمه.

[6] لقد ذكر فرانسيس سوليفان (Francis A. Sullivan) هذه الحقيقة في كتابه:

(The Christology of Theodore of Mopsuestia, Rome, 1965) 

[7] للإطلاع على ملخص تاريخي عن هذا المصطلح، انظر مجموعة “آباء نيقية وما بعد نيقية” السلسلة الثانية، مجلد 14 صفحة 208.

[8] يمكن الإطلاع على الرسالة الثانية للقديس كيرلس إلى نسطوريوس في:

 (T. H. Bindley, The Oecumenical Documents of the Faith, Methuen)

[9] لمزيد من الشرح حول ’الاتحاد الهيبوستاسي (الأقنومي)‘ انظر صفحة وما يليها.

* عٌقد هذا المجمع عام 430 م.

[10] للإطلاع على هذه الوثيقة انظر أيضاً المرجع السابق:  (T. H. Bindley)

[11] يقول ق. كيرلس “وحيث إنه اتحد بحسب الطبيعة، ولم يتحول إلى جسد”، فإن الله الابن سكن فينا بنفس الطريقة التي يسكن بها روح الإنسان في الجسد. ورداً على الذين انتقدوا ذلك المعنى، شرح ق. كيرلس العبارة وقال أن الاتحاد كان حقيقياً وصادقاً. وبالنسبة للهيبوستاسيس الواحد، أوضح أنه كان الهيبوستاسيس المتجسد الواحد للكلمة.

[12] لم يرد في وقائع جلسات المجمع ـ والتي لم تكن في الحقيقة كاملة ـ أي ذكر لهذه الرسالة الثالثة، وعلى هذا الأساس تساءل البعض عما إذا كانت تلك الرسالة قد قُبلت بالفعل في مجمع عام 431م. وسيظهر لنا فيما بعد أن التاريخ اللاحق للجدل الخريستولوجي قد أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك الرسالة قد قُبلت بالفعل من قبل المجمع.

[13] هناك رأي يرى أن تلك الوثيقة كانت هي إعتراف الإيمان الذي قدمه الأنطاكيون للإمبراطور ثيؤدوسيوس الثاني عام 431م وأنها من وضع ثيؤدوريت أسقف قورش. انظر:

(J. Tixorent, History of Dogma, Herder, 1916, vol. III, p. 47, n. 131).

[14] هذه الوثيقة التي عادة ما يُشار إليها بـ ’صيغة إعادة الوحدة عام 433م‘ نجدها في المرجع السابق:

(T. H. Bindley, The Oecumenical Documents of the Faith)

* رغم أن كلمة كلمة ’استمرارية‘ في عبارة “الاستمرارية غير المختلطة للاهوت والناسوت فيه” قد توحي بالوجود المسبق لللاهوت والناسوت قبل الاتحاد، لكن المقصود بها هو “الوجود غير المختلط للاهوت والناسوت فيه”، لأن الوجود المسبق لا ينطبق إلاّ على اللاهوت فقط إنما الناسوت فقد وُجد في الإتحاد. لذلك فكلمة استمرارية هنا تُستخدم لتعني أنه لم يحدث أي تغيير أو زوال لأي منهما في الإتحاد وأنهما استمرا بغير اختلاط أيضاً في الاتحاد.

[15] كان البابا كيرلس يدرك أن للأنطاكيين اعتراضات شديدة على حرومه الإثني عشر، لذلك كتب تفسيراً لتلك الوثيقة حينما كان في السجن بعد أمر ثيؤدوسيوس الثاني بعزله مع ممنون ونسطوريوس. ومع ذلك كتب كل ثيؤدوريت أسقف قورش وأندراوس أسقف سموساطا يفندان تلك الحروم، وقد كتب البابا كيرلس رده على كل منهما على حدة.

[16] ذكر البابا كيرلس هذه الأمور في رسائله إلى أكاكيوس أسقف ميليتين وفالريان أسقف إيقونيوم وسكسينسوس أسقف ديوقيصرية.

[17] إن مصطلح ’أنثروبوطوكس‘ يعني ’والدة الإنسان‘، ومصطلح ’خريستوطوكس‘ يعني ’والدة المسيح‘، ومصطلح ’ثيؤطوكس‘ يعني ’والدة الإله‘.

[18] كتب البابا كيرلس إلى فالريان أسقف إيقونيوم: “لأنهم (أي الأنطاكيين) يعترفون أيضاً ـ كما نفعل نحن ـ بأن العذراء القديسة هي ’ثيؤطوكس‘، بدون إضافة أنها ’خريستوطوكس‘ أو ’أنثروبوطوكس‘ التي كان يقولها نسطوريوس”.

[19] يقول الحرم الرابع: “إذا نسب أحد، كلمات الإنجيليين أو الكتابات الرسولية سواء تلك التي قالها القديسون عن المسيح أو التي قالها هو عن نفسه، إلى شخصين أو هيبوستاسيسين (أقنومين)، ناسباً بعضها كما لو كان إلى إنسان منفصل عن الله، وناسباً البعض الآخر الذي يلائم الله كما لو كان إلى الكلمة وحده الذي من الله الآب، فليكن محروماً”.

[20] يرى جون ماكينتير (John McIntyre) أن مفهوم ’هيبوستاسيس مركب‘ من وضع إفرايم الأنطاكي في القرن السادس

(The shape of Christology, S.C.M., 1966, p. 100)، ولكن هذه المقولة خاطئة تماماً.

[21] هذه الحقيقة أكدها الدارسون أمثال بول جالتييه كما جاء في بحثه:

(Saint Cyrille d’Alexandrie et Saint Leon le Grand a Chalcedone – Das Konzil von Chalkedon, op. cit., vol. 1.)

[22] انظر الجزء الخاص بمناقشة الخريستولوجي الأنطاكي صفحة  وما يليها.

[23] يُترجم ’البروسوبون‘ مثل ’الهيبوستاسيس‘ بمعنى ’الشخص‘، ولكن ’البروسوبون‘ لا يعني الشخص بالمعنى الكامل للمصطلح، وإنما يدل على الناحية الخارجية للكائن التي تميِّز الواحد عن الآخر. انظر هذا الموضوع بالتفصيل في صفحة  وما يليها.

مجمع أفسس عام 431م وعلاقته بمجمع خلقيدونية

Exit mobile version