فلترموني أولاً بحجر – كارولين كامل

فلترموني أولاً بحجر – كارولين كامل

كارولين كامل

على مدار أيام بعد مقالتي “لن يختبر القسيس عذريتي” عاتبني عدد كبير من الأصدقاء المقربين، سواء مسلمون أو مسيحيون، إما لأنهم لم يتعرضوا إطلاقا لمثل هذه الأفكار أو لخوفهم من أن يتم تصنيفي ككاتبة مسيحية؛ نظرًا لتكرار مقالاتي في هذا المجال، كما شتمني الكثيرون ممن أعرفهم ولا أعرفهم لمجرد اختلافهم معي.

لم يثير خوفي أي من هذه المجادلات سوي أن يلتصق بي تعريف “كاتبة مسيحية” فأنا في الواقع لست معنية بالكتابة في الشأن المسيحي أو البحث والتعمق في العقيدة، ولست بصدد تكريس وقتي أو ما أكتبه للدفاع عن الدين وتفنيده كباحثه في الدين المسيحي.

أنا في الثلاثين، ولكن في هذه المقالة لن أروي سوى مقتطفات من 22 عاما من عمري ظلت راسخة في ذهني وأثارت تساؤلاتي، هي إقرار واقع شاء من شاء وأبى من أبى، لن تكون مقتطفات فريدة ولكن يشاركني فيها الآلاف، وبالطبع سيختلف معي فيها آلاف آخرون، فهذه سُنة الحياة.

حصة الدين

لا أعرف من أين أبدأ فيض الذكريات، ولكن يبدو أن نقطة انطلاقي ستكون من مرحلة الابتدائي، قضيت سنة واحدة في مدرسة “الفرير” الخاصة كانت السنة الأولي من الحضانة، ثم نقلني والدي بعدها لعدة مدارس حكومية حتى استقريت في السنة الثانية من الابتدائي في مدرسة تابعة للجمعية الشرعية وكان أخي برفقتي وأصغر مني بعام واحد، ومازلت أتعجب من قرار والدي نظرًا لقلة عدد المسيحيين في هذه المدرسة، والذي يمكن إحصاؤه على أصابع اليد.

في وقت وجيز اكتسبت عدد كبير من الأصدقاء بنات وبنين، وقمت أنا وأخي بتربية دودة القز، فكانت وسيلتي لإحضار زملاء المدرسة لرؤيتها والحصول عما يريدونه مجانًا لأني اعتدت بيعها للمحل المجاور لمنزلنا، لم يمنعني أبواي أبدًا في هذه المرحلة من عمري عن مصادقة المسلمين ولكن رويدًا اكتشفت بعض الاختلافات، هل أروي لكم عن حصة الدين التي كنا نقضيها في “حوش المدرسة” حيث تطل نوافذ “الجمعية الشرعية” عليه فكنا ممنوعين من إصدار صوت، فكان الحل هو إيجاد فصل أو حجرة خالية لأجلنا، وكانت هذه الحجرة هي حجرة “فرّاش” المدرسة ولم نكن ندخلها لأنها أقل من متر مربع ولكن نجلس على “المصطبة” أمامها.

وفي حال توفر لنا مدرس مسيحي متفرغ فيقرر أن يجلس معنا في “أوضة الصيانة” إن كانت متوفرة، هل يجوز أن أروي عن “الإيشارب” الذي كنت احمله أحيانا في حقيبتي لأن الشيخ الضرير الذي يتفقد المدرسة من وقت لآخر بصحبة شباب ملتحين يخبرونه عن غير المحجبات حتى لو مسيحيات فينهرنا ويسبنا، فكان لابد أن أضعه على رأسي خلال زيارته.

لن أنكر إطلاقا أننا كنا نعشق حصة الدين وكان يحسدنا على حريتنا زملاؤنا المسلمين، وظلت هكذا حصة الدين حتى المرحلة الثانوية فرصة للمرح وننتظرها بفارغ الصبر حتى وإن كنا نقضيها أحيانًا في “المراحيض”، لأن لا مكان آخر فارغ ووجودنا في الفراغ هكذا يشكل عبء على المدرسة، إما للضوضاء أو لأنه يسئ لمظهر الانضباط العام للمدرسة.

للمسلمين فقط

أتذكر أن أول كلمة “بحبك” قالها لي زميل مسلم في الصف الخامس الابتدائي، في الواقع لم تثر ذعري ولكنها أثارت الغرور والبهجة لأنه قال لي “انتِ أجمل بنت في الفصل”، لم أخشه ولم أخبر أسرتي، ولكن في المرحلة الجامعية مثلًا عندما أرسل لي زميل مسلم، لم نكن تبادلنا سوى بعض التحيات، قصيدة شعر كتبها لأجلي شعرت بالهلع وأخبرت أمي وأبي، فأصرا على أن يرافقني دومًا صديقي المسيحي الذي تربيت معه ويدرس بالكلية نفسها، ما الذي تغير إذن؟ !

منذ المرحلة الإعدادية وحتى الثانوية تعرفت بالطبع على زميلات مسلمات كنا نتناول الطعام سويًا ونلهو ونكسر القواعد ونشاغب، ولكنها للأسف زمالة تنتهي بانتهاء اليوم المدرسي، ولكن مشكورًا “مارك” أعاد ترميمها من خلال “فيس بوك” الذي جمعنا مرة أخرى، نرى بعض بعيون أخرى أكثر نضجًا كما أظن.

في المرحلة الدراسية كنا كفتيات مسيحيات نتحرك في مجموعات مسيحية عادة يتم تكوينها وفق الكنيسة التي ننتمي لها، بحكم المنطقة السكنية، نعود لمنازلنا ونلتقي في الكنيسة للصلاة وفي الإجازة لقضاء الصيف في الأنشطة الكنسية، وفي المرحلة الجامعية تفرقنا على كليات مختلفة، ولكن كانت كنيسة “كلية التجارة” تجمع شتات الكل، ولمن لا يعرف فإن في كل جامعة وكلية تجمع يعرف بـ “الكنيسة” يضم غالبية المسيحيين ويهتم أعضاؤها القدامى باستقبال الأعضاء الجدد والعناية بهم وإرشادهم وحمايتهم، هكذا نظن.

لم أكن من محبي المحاضرات أو الكلية بالأساس، فكانت المرات القليلة التي أزورها فيها أصطدم ببعض المواقف، “معلش أحنا حاجزين لأصحابنا، وهما جايين” تنتهي المحاضرة ولا يأتي أحد من أصدقائهن، ولكن ربما تأتي بعدي فتاة محجبة فيضغطن أنفسهن ويجلسنها بجوارهن، فهن لا يسمحن بجلوس المسيحيات أو السافرات.

النصارى الخنازير

لن أنسى عشرات الشكاوي التي تقدم بها والدي في خطيب المسجد الذي كنا نسكن بجواره، والذي اعتاد الصراخ في صلاة الجمعة “عليك باليهود والنصارى الخنازير” وتتبعها دعاوى من فئة تشتيت الشمل وترمل النساء وغيرها، فيردد المئات أمين بصوت واحد، وأتذكر نهر أمي لشكاوى والدي “هتودينا في داهية، احنا مش ناقصين”، ولكن بعد عشرات الشكاوى لأمن الدولة نجح أبي في أن يحذف “النصارى” من دعاء الخطيب، ولأني كنت أرى ناس أعرفهم وأصدقاء لأسرتي يخرجون من الجامع كنت أتساءل، هل يردد هؤلاء “آمين” بكل حماس كما نسمع على مثل هذه الدعاوى !

كانت الرحلة من المحطة للكلية التي تم نقلها من المدينة لأطراف بعيدة هي الأسوأ على الإطلاق في يومي إذا ما قررت الذهاب للكلية، حيث اعتاد سائقو “الميكروباص” تنغيص حياتنا بشرائط كاسيت تتحدث علنا عن المسيحيين وعوراتهم المكشوفة في نسائهن السافرات الخليعات، والبكاء والعويل الذي يصدح من الكاسيت يرجو فيه شباب المسلمين أن يحترسوا من فتنة المسيحيات التي يثيرونها في الجامعات بملابسهن وشعرهن وعطرهن، ووسائلهن لجرهم للرذيلة التي يعشقها النصارى الكفار.

مع المسيحيين فقط

نشأت في أسرة غالبية أصدقاء والديَّ مسلمين، نزورهم ونقضي نهارًا بأكمله نركض ونلعب بفرح، وبالرغم من ذلك كان يخشى والديَّ أي صداقات لنا من المسلمين في المرحلة الجامعية، ولسان حالهم دائما “مسلمين دلوقت مش زي مسلمين زمان”، نعم، المسيحيون يخشون المسلمين ولا يعنيني من يردد “ده أعز صديق لي مسلم”، “ده احنا اتربينا في بيت مسيحي”، فما أعيشه الآن وأراه ولا يقوى أحد على التصريح به هو خوف المسيحيين من المسلمين، كما يخجل البعض من التصريح به أو يعيشون حالة من الإنكار نظرًا لتجربتهم وحدها التي لم يشبها مثل هذه المنغصات فيصرون على أن حياتهم وحدها كفيلة لدحض النماذج الأخرى.

بدأت حياتي في القاهرة مغتربة على قواعد أساسية حتى يسمحوا لي بالسكن لوحدي، أولا منطقة ذات غالبية مسيحية فكانت “شبرا”، ثانيًا عمارة يملكها مسيحي وكل سكانها مسيحيين فعشت على مدار 6 سنوات انتقلت فيهم لشقتين مختلفتين في شبرا برفقة وجيرة مسيحيين، حتى تغير حالي منذ سنتين، ثالثًا الانتماء لكنيسة قريبة من منزلي ووضع علاقاتي مع المسلمين في إطار محدد وضيق.

لم أكن أخشى الغربة ولكن كنت أخشي المسلمين، فكانت أيام عملي الأولى متحفظة صارمة، حتى تهت مرة في شوارع القاهرة فوجدت نفسي أتصل بزميلي في العمل، وكان مسلمًا، أبكي وأخبره أني ضائعة فطلب مني أركب تاكسي وهو سيتحدث للسائق وظل هكذا حتى وصلت منزلي بأمان، بكيت مرة أخرى لأن كلفة التاكسي كانت كبيرة.

في اليوم التالي ذابت جبال من الجليد بعد أن تندر على بكائي كطفلة وأصبحنا أصدقاء، ومن هنا دخلت “دائرة الخطر”ـ كما وصفها بعض المقربين لي وأصدقاء الطفولة في ما بعد عن حياتي التي اكتظت بمسلمين على مدار 8 سنوات.

ذاتية وعامة

22 عامًا تشكلت خلفيتي عن الآخر وخوفي منه، أينعم صححتها 8 سنوات لاحقة، ولكن هل يحق لأي أحد أن ينكر على تجربتي أنا وآخرين، تجربة يخوضها الآن أجيال جديدة وأن كانت تتخذ هيئة أكثر بشاعة وبؤسًا، حدث ولا حرج وعلى سبيل المثال وليس الحصر عما يحدث في الصعيد للمسيحيين، لست بصدد عرض حقيقة النسيج المتهرئ الذي يصر البعض على ترقيعه فيزداد قبحًا، وكأن نفي ما يحدث سيجعل الواقع أفضل، وإنما فقط رصد الواقع ربما ننقذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.

تتشابه تجربتي مع آخرين أعرفهم ولا أعرفهم، ومازال كثيرون يغوصون في بركة المخاوف ذاتها ويعيشون خبرات مختلفة زادت حدتها أو نقصت عما اختبرته وتشغلهم الأسئلة، لكن أنت مسيحي عشت أنت وأسرتك ولم تلمس أي من هذا “العبث” هنيئًا لك، أنت مسلم لم تسأل إطلاقًا عن دين جارك، وعرفت بالصدفة أنه مسيحي وتخجل من هذا “الخرف” تحية لك، أنت مثقف ترى الحديث عن هذه الأمور “هراء” لا تتحدث فيها لأن وقتك أثمن، أنت مناضل ترى أن الوطن في حاجة لأحاديث أكثر عمقًا فلتحفر أنت عميقًا وتُثرينا، لكن اتركوا لنا هذه المساحة للحكي ربما أزاحت الكلمات قدرًا كبيرًا من الاستفهام واستقامت علاقات مشبوبة بالخوف والحذر، وإن كانت كلماتي تُغضبكم فليحمل كل منكم حجرًا ويُلقيني به.

لن يختبر القسيس عذريتي – كارولين كامل

لن يختبر القسيس عذريتي – كارولين كامل

كارولين كامل لن يختبر القسيس عذريتي

كارولين كامل لن يختبر القسيس عذريتي 

منذ سنتين وبعد أيام من خطبتي وعودتي من الإجازة للعمل مرة أخرى، وأحسب العاملين في المجال الصحفي على أحد التيارات المستنيرة في مصر، وبعد التهاني والأماني استأذنت زميلة لي في سؤال “هو أنا ممكن أسألك ومن غير زعل.. هو خطيبك يوم الفرح هيبات فين؟”، بكل عفوية جاوبتها “للأسف مفيش فلوس نعمل شهر عسل.. هنبات في شقتنا أو ممكن نسافر بعد كدة كام يوم أي مكان فيه بحر”، امتعض وجهها ويبدو أن إجابتي لم تقنعها وظنت أني أخاف الحسد على “شهر عسلي” المزمع قضائه في هاواي.

نظراً لعملنا معاً أكثر من سنتين، كانت المساحة بيني وبينها تسمح بأن يستمر الحديث بعد أن انتبه الزملاء لنا، “يا بنتي افهميني.. أنا بتكلم عن أول ليلة.. عريسك هيبات فين”، ضحكت رغما عني “يعني هيطفش من أول ليلة.. هيبات في البيت.. إيه الأسئلة العجيبة دي..”، فردت بسرعة “بصراحة من الآخر أنا عارفة إن القسيس هو اللى بيبات مع العروسة أول يوم عشان عذراء وكدة..”، ربما كانت هذه أكثر لحظات حياتي اندهاشا فانفجرت في حالة ضحك هيسترية، بينما ظل زملائي في حالة صمت مطبق.

“والنبي ما تزعلي يا كارول.. أنا معظم أصحابي في إسكندرية مسيحيين.. بس عمر ما جت لي الجرأة أسألهم”، جاوبتها بكل صراحة أني لم أغضب على الإطلاق ولكنها المرة الأولى التي أتعرض فيها لهذا السؤال، ومنبع دهشتي أنه صدر من صحفية تتميز برجاحة عقل أكثر من آخرين يكون الجهل سبب في تولد وتصديق مثل هذه الأفكار في أوساطهم.

كانت المفاجأة أن كل زملائي عقبوا على دهشتي بأن هذا السؤال راودهم كثيراً وليست هذه الزميلة وحدها، ومنهم من تقبل الفكرة كما هي نظراً لأنها من طقوس وممارسات العقيدة المسيحية كما أخبروني، ومنهم من قرر تغليب المنطق والعقل ولكن ظل من حولهم يصدقون ويرددون مثل هذه الأفكار.

لن يختبر القسيس عذريتي – كارولين كامل

أسئلة مشروعة

على مدار العامين تجنبت الكتابة عن هذا الموقف، ولكن ظل سؤالها يلح في بالي، كيف ينظر من يصدقون هذه الأساطير للمسيحيين، هل يعتقدون حقاً أن العروسة تقضي ليلتها الأولى مع القسيس، بينما ينام زوجها قرير العين في منزل أسرته، ويأتي في الصباح لإعداد الإفطار لهما مثلا! –

كيف حضرت زميلتي عشرات الزيجات المسيحية وفي كل مرة تعود إلى منزلها وهي تتخيل أن صديقتها العروسة ستنتهي من الحفل التي تعقب الإكليل أو حتى دون حفل، ليأخذها والدها وزوجها “ذبيحة قربان” لرجل الدين تطبيقاً لنصوص مسيحية علي حد ظنها.

أي دين شاذ ينص على هذا! أي أب مريض وزوج عديم الرجولة يسمحان بهذا! أي فتاة تقبل هذه الجريمة حتى ولو باسم الدين..! 

استطلاع رأي

منذ فترة ومن المنصة ذاتها كتبت مقالاً عن حقيقة القبلات داخل الكنيسة، فتلقيت ردودا عدة وكان أبرزها “أيوة مش بتبوسوا بعض.. لكن العروسة بتنام مع القسيس”، فعاد الموضوع إلى ذهني مرة أخري، فقررت أن أرجع لوالدي وأسأله هل سمع من قبل عن مثل هذه الأفكار الغريبة، فجاوبني أنه لم يسمعها مطلقاً في شبابه أو من أبناء جيله، ولكنه سمعها لأول مرة في منتصف الثمانينات بعد حمى البترول والسفر للسعودية.

قررت أن استطلع رأي من حولي قبل الكتابة فطرحت السؤال أولاً على أكبر عدد ممكن من زملائي وأصدقائي المسلمين وكانت النتيجة صادمة حقاً، الأصغر مني بعشر سنوات وأكثر، كلهم أكدوا تداولهم لهذه الفكرة ويشعرون بفضول شديد حول حقيقة هذه الطقوس المخيفة، من كانوا في مثل عمري وأكبر قليلا منهم من لم يسمع إطلاقاً بهذا الكلام، ومن سمع به لم يكن يعرفه منذ الصغر وإنما منذ سنوات قليلة، ومن هم في عمر والدي أو أقل بقليل سمعوا بها مؤخراً أيضاً كحال والدي. 

في حال أصدقائي ومعارفي المسيحيين انقسموا لقسمين فقط، إما من يعرف نظراً لأنه اشتبك في مشاجرات دامية بسبب هذا السؤال، أو من لم يسمع إطلاقاً بمثل هذا الكلام وسبب سؤالي هذا صدمة حقيقية لهم، وبناء على هذه النتيجة والحوارات التي استمعت لها شعرت أني مستعدة للكتابة لتوضيح حقيقة هذه الفكرة السقيمة التي تشوه بالتأكيد نظره المسلم للمسيحي. 

اقرأ أيضًا للكاتبة: 

أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة!

عقوبة الزنا في المسيحية

جاءت ما تُعرف بـ “الأديان السماوية” بالذات بعد شوط كبير من الحضارة الإنسانية، ارتقى فيها الإنسان بذاته وقيمه وأخلاقه دون عقيدة سماوية، ومن قبل الحضارات كانت فطرة الإنسان قابلة لفرز الطيب والخبيث من الممارسات، ومنها الرجولة والنخوة أو حتى في أسوأ الظروف كان الامتلاك جزءًا من طبيعة الإنسان فلا يقبل أن يقاسمه أحد ممتلكاته، ولا يتقبل العقل تقديم الرجل لزوجته لرجل آخر ولو باسم الدين، حتى في معشر الحيوانات يذود الذكر عن وليفته ولا يقدمها هبة لذكور آخرين.

ربما شهدت بعض مما تُعرف بـ “الأديان الوضعية” كما يلقبها البعض ممارسات مشابهه في المعابد مثل تقديم العذارى للكاهن، أو ندر الفتيات لأنفسهن للخدمة في المعبد، وغيرها، إلا أن العقيدة المسيحية تنص صراحة على تحريم الزنا فقال المسيح “قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزنِ، وأما أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه”، إنجيل متي إصحاح 4. 

وفي  رسالة بولس الرسول لأهل كورنثوس الإصحاح السادس يقول “لا تضلوا: لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون، ولا مضاجعو ذكور، ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله”، وتابع يؤكد “اهربوا من الزنا. كل خطية يفعلها الإنسان هي خارجة عن الجسد، لكن الذي يزني يخطئ إلى جسده، الجسد ليس للزنا بل للرب والرب للجسد، ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح، أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية”. 

إن كانت المسيحية تُحرم النظرة وتقول صراحة عن اشتهاء الرجل لامرأة زنا، وتُغلق “أبواب السماء” في وجه الزناة، أيُعقل أن تسمح به لرجل الدين..؟

المسؤولية

الأديرة وما تخفيه من أسلحة، حيث يمارس الرهبان اللواط سوياً، والراهبات يضاجعن القساوسة، وغيرها من الأساطير التي روجها كثير ممن يلقبون أنفسهم بـ “الدعاة” أبناء الوهابية وهم المسؤولون عن اعتناق الكثيرين لأفكارهم المريضة التي تشوه العلاقات بهذه التساؤلات المختلة وهي السبب الرئيسي في زيادة الاضطرابات بين المسيحيين والمسلمين في مصر بعد عصر الانفتاح وترويج شيوخ “البرميل النفطي” لهذه الخيالات المريضة.

الأكثر سخرية هي استشهاد الكثيرون ممن يصدقون هذا العبث بالفيلم الأمريكي “القلب الشجاع..The Brave Heart”  للمثل ميل جيبسون والذي يروي ممارسات الجيش الانجليزي أثناء احتلاله إسكتلندا ومنها أحقية السيد وهو قائد الجند في فض بكارة العذارى في الليلة الأولي من زواجهن، وحاول جيبسون حماية زوجته من هذا المصير فماتت بعد أن ذبحها السيد.

ولا أعرف ما سر الربط بين هذا الفيلم وبين العقيدة المسيحية، ولكن يبدو أن عادة مروجي مثل هذه الأفكار الشاذة يستقون معلوماتهم عن الدين من “هوليوود” وأفلامها باعتبارها الناطق الرسمي للغرب المسيحي الكافر، ويعشقون ربط الخيال بالواقع ولم يستحي كثيرون منهم وهم يشيرون لأفلام وقصص غريبة تؤكد أفكارهم. 

لست أمام محكمة، ولا أشعر بالخجل أو أني مدانة أو متهمة بشيء، وكلماتي ليست معنية بالدفاع عن الدين، وإنما دفاع عن إنسانيتي وكرامتي ونخوة كل من هم في حياتي ويهمهم أمري، إن كان عدد لا بأس به من المقربين لي كان يراودهم هذا الهاجس بخصوص ليلة زفافي وخجلوا من أن يسألوني، فأنا أدعوهم لحضور زفافي وصلاة “الإكليل” في الكنيسة ويشاطروني البهجة دون أن تكدر صفوهم أفكار مغلوطة.

اقرأ أيضًا للكاتبة: 

أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة!

المصدر: اليوم الجديد

شيخ سلفي يُفسر قول المسيح “الله محبة” بأن الزنا في المسيحية ليس حراماً (فيديو غريب وكوميدي)

أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة! – كارولين كامل

أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة! – كارولين كامل

كارولين كامل

“هو انتوا بتبوسوا بعض في الكنيسة.. ليلة رأس السنة..؟”

سؤال بدأت أسمعه منذ الصف الخامس الابتدائي من زملائي المسلمين في المدرسة، وكنت أغضب بشدة وأصرخ في وجه السائل أن هذا لا يحدث وأجزم وأقسم، فيخبرني باستفزاز أني ما زالت صغيرة ولا أعرف شيء، لأن أبواه أخبراه أن المسيحيين يقبّلون بعضهم نساءً ورجالًا في الكنيسة، وخاصة في احتفالية “ليلة رأس السنة” وما خفي كان أعظم.

وعندما بدأت العمل في الصحافة، تغير السؤال قليلًا ولكن ليس للأفضل بل للأسوأ، هل هناك حفلات مجون تحدث داخل الكنائس، خاصة في ليلة رأس السنة، والأدهى مبررات البعض بأن أسوار الكنيسة عالية حتى يستطيع المسيحيون ممارسة طقوس قبلاتهم وفجورهم دون إزعاج، ودون أن يتلصص عليهم المسلمون ويزعجون خلوتهم أو ينزعجوا هم منا، ولم أملك حينها سوي قول “اللعنة علي الأفلام الأجنبي.. بوظت دماغ الناس.. والأسوار العالية بتاعت الكنايس يروحوا يسألوا عليها الأمن مش إحنا”.

وبعد أن اقتربْت من عامي الثلاثين لم يعد الإنكار يفيد، وحان الوقت للإدلاء بالحقيقة، خاصة لزملاء طفولتي الذين حاولت أن أضرب أحدهم عندما قال لي “إنتو بتبوسوا بعض من بقكم زي الأفلام الأجنبي”، صديقي أينعم نحن بالفعل نقبل بعضنا بعض في الكنيسة، وليس في ليلة “رأس السنة” فقط، وإنما في صلاة كل قداس، “شوف إنت بقي كام قداس في الأسبوع.. وأحيانًا أكتر من قداس في اليوم.. أيام الصوم الكبير.. إحنا بنتعب بصراحة”.

وكانت إحدى أحلام طفولة أصدقائي هو زيارة الكنيسة لرؤية القبلات المجانية، والتي تحذفها القناة الثانية في الأفلام الأجنبي، ولكن الصدمة للأسف أن الزائر لن يري قبلات ساخنة بالشفاه، خاصة وأن تبادل القبلات يكون بالأيدي، “أيون إحنا بنبوس بإيدينا.. مسيحيين بقى”، والصدمة الأكبر أن الكنائس مقسمة قسمين، قسم للرجال وقسم للنساء، وبالتالي لا مكان للقبلات اليدوية حتى بين الرجال والنساء، “هيطلع لي حد تاني يسأل عن الانحراف.. وده بقي هسيبه لخيالاته.. لا يستحق عناء الرد”.

“قبلوا بعضكم بعض.. بقبلة مقدسة. يارب ارحم. يارب ارحم. يارب بارك.. أمين” هكذا يطالبنا “الشماس” من داخل الهيكل أن نفعل، وذلك بعد أن يقول الكاهن “اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا، أن يُقًّبل بعضُنا بعضًا بقبلةٍ طاهرة”، وهي دعوة مصالحة قبل أن يستكمل المسيحي صلواته في القداس، لأنه من غير المقبول أن يتقدم المسيحي للتناول أو الصلاة وهو في خصام مع أخيه، والأخ هنا المقصود به كل إنسان.

قال المسيح: “إذا قدمت قربانك على المذبح. وهناك تذكرت أن لأخيك شيئًا عليك، أترك قربانك قدام المذبح، واذهب أولًا اصطلح مع أخيك..” (مت 5: 23، 24)، ولهذا تم تخصيص هذا الجزء في صلاة القداس، في حال نسي الإنسان خصامه مع أخيه تُذكره هذه الطلبة بألا يتقدم للتناول حتى ينهي خصامه ويتسامح مع كل الناس.

والقبلة الكنسية هي أن يضع كل واحد يديه بين يدي من يجلس بجواره ويسحبها ويقبلها ويكرر هذه الفعل مع من أمامه وخلفه، وهكذا، وهو إعلان صريح أمام الله بأنه لا يكن أي ضغينة تجاه أي من أخواته داخل الكنيسة وخارجها، وفي حال لم يكن الإنسان صادقًا فالله وحده يعلم ويجازيه، خاصة وأن الكنيسة قد ذكرته خلال القداس بأن يتقدم للتناول وهو في خير وسلام مع كل من حوله.

كم من خصومات في الطفولة تم حلها بهذه القبلة المقدس، شجارات المدارس واللعب بين أصدقاء الطفولة، كانت تُحل أحيانًا بأن يضع كل منا يده في الآخر ويسحبها ثم يقبلها، ولكن لم يمنع هذا محاولتنا كثيرًا تجنب الجلوس بجوار أصدقاء وقع بيننا شجار ولا نريد تجاوزه بقبلة كنسية، بالإضافة إلى خصامنا مع آخرين خارج الكنيسة، مخاصمات وضعت على عاتقنا كثير من القبلات الكاذبة أمام الله، فكيف يخاطب الإنسان الله غير المرئي، إن لم يكن يُحسن الكلام مع البشر الذي يعيشون بجواره.

يا مصريين قبلوا بعضكم بعضًا بقبلة المحبة..

المصدر: اليوم الجديد

أيوة إحنا بنبوس بعض في الكنيسة! – كارولين كامل

Exit mobile version