التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ديسمبر 2024

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفهرست

التجسد قصد الله منذ الأزل. 1

الفصل الأول: التجسد تدبير الله الأزلي. 4

ق. أثناسيوس الرسولي. 6

الفصل الثاني: حالة الإنسان قبل السقوط. 8

ق. يوستينوس الشهيد 8

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 8

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 9

ق. كليمندس الإسكندري.. 10

العلامة ترتليان الأفريقي. 11

ق. ميثوديوس الأوليمبي. 11

ق. ديونيسيوس الإسكندري.. 11

ق. أثناسيوس الرسولي. 12

ق. غريغوريوس النزينزي.. 12

ق. غريغوريوس النيسي. 13

ق. كيرلس الإسكندري.. 13

أوغسطينوس أسقف هيبو. 13

الأب يوحنا الدمشقي. 14

مار يعقوب الرهاوي.. 14

مار ديونيسيوس بن الصليبي. 15

مار غريغوريوس بن العبري.. 15

مار سويروس يعقوب البرطلي. 16

الفصل الثالث: التأله غاية خلق الإنسان. 18

ق. يوستينوس الشهيد 19

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 20

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي. 21

العلامة أثيناغوراس الأثيني. 22

العلامة ترتليان الأفريقي. 23

نوفاتيان الأفريقي. 23

ق. أثناسيوس الرسولي. 23

ق. كيرلس الأورشليمي. 26

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان. 27

ق. غريغوريوس اللاهوتي. 28

ق. غريغوريوس النيسي. 28

ق. يوحنا ذهبي الفم 29

ق. مكاريوس الكبير. 29

ق. كيرلس الإسكندري.. 30

أوغسطينوس أسقف هيبو. 34

الأب مكسيموس المعترف.. 35

الأب يوحنا الدمشقي. 36

الفصل الرابع: التأله غاية التجسد الإلهي. 39

ق. إيرينيؤس أسقف ليون. 44

نوفاتيان الأفريقي. 45

ق. أثناسيوس الرسولي. 46

ق. كيرلس الأورشليمي. 48

ق. هيلاري أسقف بواتييه. 49

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان. 50

ق. غريغوريوس اللاهوتي. 51

ق. غريغوريوس النيسي. 52

ق. يوحنا ذهبي الفم 52

مار أفرام السرياني. 54

ق. كيرلس الإسكندري.. 54

أوغسطينوس أسقف هيبو. 55

مار فيلوكسينوس المنبجي. 56

مار يعقوب السروجي. 57

الأب مكسيموس المعترف.. 58

الفصل الخامس: استعلان الثالوث القدوس في التجسد الإلهي. 62

ق. أثناسيوس الرسولي. 64

الفصل السادس: المسيح هو شجرة الحياة 74

ق. أثناسيوس الرسولي. 75

ق. كيرلس الإسكندري.. 75

ق. مكاريوس الكبير. 75

ق. غريغوريوس النيسي. 76

مار أوغريس البنطي. 76

مار غريغوريوس بن العبري.. 77

الفصل السابع: تفسير عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“. 79

ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس.. 79

ق. كيرلس الإسكندري.. 80

الفصل الثامن: التجسد غير المشروط في الدراسات اللاهوتية الأكاديمية. 85

جوهانس كواستن. 85

توماس تورانس.. 85

جوستاف ألين. 91

لورانس جرينستيد 92

هستنجس راشدال. 92

التجسد قصد الله منذ الأزل

سوف نُناقِش في هذا البحث كيف أن التجسُّد الإلهيّ هو قصد الله منذ الأزل، وذلك في سياق عقيدة التأله، أو الخلود، أو شركة الطبيعة الإلهية، وعلاقة التأله بخلق الإنسان، وبالتجسُّد، وارتباط التأله بالتجسُّد غير المشروط بخطية آدم، وذلك من خلال دراسة عدة محاور رئيسية، أهمها:

التجسُّد هو تدبير الله الأزليّ قبل إنشاء العالم، فالتجسُّد موجودٌ في فكر وخطة الله منذ الأزل، وبالتالي، التجسُّد لم يكن مشروطًا بالسقوط في الخطية، بل كان التجسُّد سيتمُّ حتى لو لم يخطئ آدم، لأن تدبير الله للتجسُّد نابعٌ من صلاحه ومحبته وليس عن اضطرار.

المحور الثاني هو توصيف حالة الإنسان قبل السقوط وحاجته إلى الاتحاد بالله من أجل التأله والخلود، فالتأله هو غاية خلق الإنسان من البدء، وهذا هو المحور الثالث، حيث قصد الله للإنسان أن يتأله منذ أن خلقه، وكانت هذه الغاية النهائية للإنسان أن يتأله ويتَّحد بالله من خلال التجسُّد الإلهيّ، فالاتحاد بالله لا يكون بدون التجسُّد. والمحور الرابع سيكون التأله هو غاية التجسُّد الإلهيّ كتأكيد على المحور السابق، من أن تجسُّد الكلمة واتحاد بالطبيعة البشرية نفسًا وجسدًا، كان القصد منه هو تأليه الإنسان من خلال الاتحاد بالله في المسيح عن طريق التجسُّد الإلهيّ لأقنوم الكلمة، الذي وحَّد الاثنين معًا، الله والإنسان، وذلك من خلال تجسُّده وتأنُّسه.

أمَّا عن المحور الخامس فهو استعلان الثالوث القدوس في التجسُّد الإلهيّ، وذلك من أجل التأكيد على أنه بدون التجسُّد الإلهيّ لا يمكن للبشرية أن تتعرَّف على طبيعة وجوهر الله كثالوث مبارك في ثلاثة أقانيم، لذا كان من الضروريّ أن يتجسَّد الله من أجل أن يُعلِن عن طبيعته وجوهره كثالوثٍ مُباركٍ في ثلاثة أقانيم مُتساوية في الجوهر والطبيعة والألوهة.

بينما يهدف المحور السادس من هذا البحث إلى التأكيد على أن المسيح هو شجرة الحياة التي كانت موجودة في جنة عدن، وكان الإنسان مدعو للأكل من شجرة الحياة وهو في الجنة، لكي ينال الحياة الأبدية والخلود من شجرة الحياة، التي هي المسيح نفسه، وبالتالي، كان ينبغي للإنسان الأول أن يتَّحد بالمسيح شجرة الحياة في الفردوس لكي ينال الخلود والحياة الأبدية، وهذا الاتحاد بين الإلهيّ والإنسانيّ هو التجسُّد الإلهيّ عينه، وليس أيّ شيء آخر، لذا كان من الضروريّ للإنسان أن يتجسَّد الله لينال بواسطته ومن خلال الاتحاد به بالأكل من شجرة الحياة، التأله، والخلود، وعدم الموت، وشركة الطبيعة الإلهية.

ويأتي المحور السابع في نفس السياق وهو تفسير عبارة ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ في الجزء الخاص بالتجسُّد في قانون الإيمان النيقاويّ القسطنطينيّ، الذي تتلوه كنيستنا في كل قداس، مُؤكِّدةً على حقيقة أن الله الكلمة تجسَّد من أجلنا، وليس فقط من أجل خلاصنا، وتحمل عبارة ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ الكثير من المعاني والمفاهيم اللاهوتية التي سوف نستعرضها في هذا البحث، وكيف فهم آباء الكنيسة وفسَّروا عبارة ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ في قانون الإيمان الأرثوذكسيّ، وتأكيدهم على حتمية التجسُّد الإلهيّ من أجل استعلان الله للبشرية، واتحاد الإنسان بالله في المسيح، وتأليه الإنسان، ونواله الحياة الأبدية والخلود وحياة عدم الفساد وعدم الموت. ثم سوف نستعرض في المحور الثامن الآراء اللاهوتية الأكاديمية من كبار الأساتذة والباحثين اللاهوتيين حول التجسُّد غير المشروط بخطية آدم.

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – ديسمبر 2024

 

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الأول

التجسد تدبير الله الأزلي

الفصل الأول: التجسد تدبير الله الأزلي

تدبير التجسُّد هو تدبير أزليّ حتميّ بشهادة آيات الكتاب المقدس التالية:

  • يُشِير بولس الرسول إلى تدبير ملء الأزمنة في المسيح الجامع في ذاته كل الأشياء مما في السماء ومما على الأرض، وهذا التدبير هو تدبير تجسُّده الإلهي العجيب قائلاً: ”لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ فِي ذَاكَ“ (أف10:1).
  • يتحدَّث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور في الله بالمسيح يسوع، قاصدًا سر تجسُّده الإلهيّ غير المشروط بسقوط آدم أو خطيئته، بل هو تدبير أزليّ كائن في الله قبل كل الدهور قائلاً: ”وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (أف9:3).
  • يتحدَّث بولس الرسول عن سر حكمة الله المكتومة، أي سر التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالبشرية في المسيح يسوع الذي عيَّنه الله قبل كل الدهور والأزمنة من أجل البشرية قائلاً: ”بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا“ (1كو 7:2).
  • يتحدَّث بولس الرسول عن السر المكتوم منذ الدهور، أي سر التجسد الإلهيّ الذي كان في فكر الله وتدبيره قبل كل الدهور، وغير المشروط بالسقوط والعصيان، بل نابع من صلاح الله ومحبته للبشرية قائلاً: ”السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ“ (كو ١: ٢٦).
  • يتحدَّث بولس الرسول أيضًا عن إعلان السر المكتوم في المسيح منذ الأزمنة الأزلية، أي سر التجسُّد قائلاً: ”وَلِلْقَادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُمْ، حَسَبَ إِنْجِيلِي وَالْكِرَازَةِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ إِعْلاَنِ السِّرِّ الَّذِي كَانَ مَكْتُومًا فِي الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ، وَلكِنْ ظَهَرَ الآنَ، وَأُعْلِمَ بِهِ جَمِيعُ الأُمَمِ بِالْكُتُبِ النَّبَوِيَّةِ حَسَبَ أَمْرِ الإِلهِ الأَزَلِيِّ، لإِطَاعَةِ الإِيمَانِ، للهِ الْحَكِيمِ وَحْدَهُ، بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ“ (رو 16: 25-27).
  • يُشِير بولس الرسول إلى أزلية تدبير التجسُّد الإلهيّ الذي أُعطِيَ لنا في المسيح قبل الأزمنة الأزلية، وغير المشروط بخطية آدم وسقوطه، بل بمقتضى قصد ونعمة الله التي أُعطِيَت لنا في المسيح يسوع قائلاً: ”[الله] الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ“ (2تي 1: 9).
  • يتحدَّث بولس الرسول أيضًا عن رجاء الحياة الأبدية الذي وعد به الله البشرية قبل الأزمنة الأزلية، وهو غير مشروط بسقوط الإنسان أو خطيئته، بل مرتبط ومشروط بصلاح الله المنزَّه عن الكذب، والذي لا يرجع في وعوده الأزلية قائلاً: ”عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ“ (تي 1: 2).

جميع هذه الآيات كانت إشارات كتابية واضحة إلى أزلية وحتمية تدبير سر التجسُّد الإلهيّ، ولكن يدَّعي البعض أن هذا التدبير الإلهيّ الأزليّ كان من أجل علاج نتائج سقوط الإنسان، أي مشروط بسقوط الإنسان، بمعنى لو لم يسقط الإنسان في التعدي، لما حدث سر التجسُّد الإلهيّ. وهنا نتساءل: كيف يكون تدبير أزليّ حتميّ، ويكون مشروطًا في نفس الوقت بالسقوط؟ هل الله مُقيَّد بضرورة وحتمية السقوط ليُعلِن تدبيره وسره الأزليّ؟ هل الله يُدبِّر أموره وفقًا لمتغيرات المخلوقات؟ هل تدبير الله يتغيَّر وفقًا لمشيئة وإرادة مخلوقاته؟ هل يوجد في مشيئة الله وإرادته تغيُّر وتبدُّل وتحوُّل، ذاك الذي قيل عنه: ’الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ تَغْيِيرٌ وَلاَ ظِلُّ دَوَرَانٍ‘ (يع 1: 17)؟ بالتأكيد، لا، حاشا!

ق. أثناسيوس الرسولي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أزلية إرادة التجسُّد الإلهي عند الله، وليس بسبب سقوط الإنسان تفاجأ الله فدبَّر التجسُّد، أو دبَّر التجسُّد أزليًا وأنتظر سقوط الإنسان، أو دبَّر التجسُّد أزليًا وكان سيتراجع عنه لو لم يخطئ الإنسان، فالتجسُّد تدبير أزلي حتمي من أجل تكميل الخلق واستمرار الخليقة كالتالي:

”كما أن تجديد خلاصنا قد تأسَّس في المسيح قبلنا، لكي يمكن إعادة خلقتنا من جديد فيه، فالإرادة والتخطيط قد أُعِدَ منذ الأزل، أما العمل فقد تحقَّق عندما استدعت الحاجة وجاء المخلِّص إلى العالم“.[1]

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الفصل الثاني

حالة الإنسان قبل السقوط

 

 

الفصل الثاني: حالة الإنسان قبل السقوط

سوف نتحدَّث في هذا الفصل عن طبيعة آدم قبل السقوط وما هو مصير الإنسان قبل السقوط بحسب تعاليم آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا، لندرك مدى العلاقة الوثيقة بين التجسُّد غير المشروط وحالة آدم قبل السقوط، حيث لم يكن آدم كاملاً منذ خلقته، بل كان في مرحلة طفولة ومرحلة متوسطة بين العظمة والوضاعة، وكان في حالة نمو نحو الكمال والتأله والخلود، فالإنسان لم يكن خالدًا ومتألهًا بطبيعته، بل كان سيترقى ويتأله ويخلد بنعمة خالقه، لو أنه أبقى الله في معرفته وحفظ الوصية. لذلك كان الإنسان في احتياج للتجسُّد قبل السقوط من أجل الوصول إلى غايته وهي الكمال والتأله والخلود من خلال الاتحاد بالله في التجسُّد الإلهيّ، أعمق درجات الاتحاد والشركة مع الله.

ق. يوستينوس الشهيد

نبدأ بالقديس يوستينوس الشهيد الذي يرى أن الإنسان قبل السقوط كان مدعو للاشتراك في الخلود لو أنه حفظ الوصية، فالإنسان لم يكن خالدًا بالطبيعة، بل كان سينال الخلود كنعمة ومكافأة إلهية على طاعته للوصية كالتالي:

”عندما شكل الله الإنسان في البداية، فقد أرجأ أمور الطبيعة بإرادته، وجرَّب بوصية واحدة. لأنه قضى بأنه، إذا حفظ هذه الوصية، فإنه سوف يشترك في الخلود“.[2]

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

ويتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي أن آدم كان في مرحلة الطفولة والنمو عند خلقته قائلاً:

كان آدم في عمر رضيع. ومن ثمَّ، لم يكن قادرًا بعد على اكتساب المعرفة بشكل صحيح. […] لذلك، لم يكن الله يشعر بالغيرة، كما يفترض البعض في أمره لآدم بألا يأكل من شجرة المعرفة. كذلك أراد الله أن يختبره ليرى هل سيظل بسيطًا ومخلصًا لوقت أطول محافظًا على طفولته“.[3]

ويُوضِّح ق. ثيؤفيلوس أن الإنسان لم يُخلق خالدًا أو فانيًا، بل في حالة وسطية بين الفناء والخلود كالتالي:

لذا لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا. لكن كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما. فإنْ توجَّه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله، ربح الخلود كمكافأةٍ منه وصار إلهيًا. ولكن إنْ توجَّه إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته“.[4]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

ويُؤكِّد ق. إيرينيؤس الليونيّ أن الله لم يخلق الإنسان كاملاً في البدء، بل كان الإنسان في مرحلة طفولة ونمو نحو الكمال قائلاً:

”ماذا إذًا ألم يكن يستطيع الله أن يُظهر الإنسان كاملاً من البدء؟ […] أما المخلوقات فيجب أن تكون أقل منه هو الذي خلقها […] ولكن بقدر أنها ليست غير مخلوقة، فلهذا السبب بالذات تقصر عن أن تكون كاملةً. لأنه بسبب أن هذه الأشياء هي من تاريخ متأخر، لذلك، فهي طفولية، وهي لم تتعود على النظام الكامل ولم تتدرب عليه“.[5]

ويُؤكِّد ق. إيرينيؤس أن الإنسان سيد الخليقة عند خلقته، كان لا يزال صغيرًا، وكان عليه أن ينمو ليُحقِّق كماله قائلاً:

”ولكن بينما كانت هذه الكائنات الأخيرة في قمة قوتها، كان سيدها، أيّ الإنسان، لا يزال صغيرًا، كان طفلاً عليه أن ينمو لكي يُحقِّق كماله“.[6]

ويشير ق. إيرينيؤس إلى أن الله لم يخلق الإنسان كاملاً من الأول، لكونه لا يزال طفلاً، لم يكن يستطيع أن ينال هذا الكمال كالتالي:

”كان ممكنًا لله نفسه أن يخلق الإنسان كاملاً من الأول، ولكن الإنسان لم يكن يستطيع أن ينال هذا الكمال، لكونه لا يزال طفلاً“.[7]

ق. كليمندس الإسكندري

ويُؤكِّد ق. كليمندس الإسكندريّ في نفس السياق أن الإنسان لم يكن كاملاً في خلقته، بل كان مهياءً لقبول الفضيلة كالتالي:

”هل خُلِقَ آدم كاملاً أم ناقصًا؟ حسنًا، إذا كان ناقصًا، فكيف يمكن أن يكون عمل الله الكامل […] وإذا كان كاملاً، فكيف تعدى الوصايا؟ لأنهم سوف يسمعون منا أنه لم يكن كاملاً في خلقته، بل مهياءً لقبول الفضيلة“.[8]

العلامة ترتليان الأفريقي

ويرى العلامة ترتليان القرطاچني في الغرب أن الإنسان كان عرَّضةً للموت بسبب حالته، ولكن كان رجاء التأله محفوظًا له في المستقبل كالتالي:

”والآن، على الرغم من أن آدم كان عرضةً للموت بسبب حالته تحت الناموس، إلا أن الرجاء كان محفوظًا له بقول الرب: هوذا آدم يصير كواحدٍ منا (تك ٣: ٢٢)، أيّ نتيجة اتخاذ الإنسان إلى الطبيعة الإلهية في المستقبل“.[9]

ق. ميثوديوس الأوليمبي

وهكذا يُؤكِّد ق. ميثوديوس الأوليمبي أن الإنسان لم يكن كاملاً، لذلك لم يكن مستعدًا لتقبل فكرة الكمال، أي البتولية كالتالي:

ولأن الإنسان في الأزمنة القديمة لم يكن كاملاً، لذلك لم يكن مستعدًا لتقبل فكرة الكمال، التي هي البتولية“.[10]

ق. ديونيسيوس الإسكندري

ويرى ق. ديونيسيوس الإسكندري أن آدم خُدع في بداية خلقته لأنه لم يكن إنسانًا كاملاً كالتالي:

خُدِعَ آدم لأنه لم يكن إنسانًا كاملاً، كان نفسًا حيةً (تك ٢: ٧)، ولم يصر بعد روحًا محييًا (١كو ١٥: ٤٥)“.[11]

ق. أثناسيوس الرسولي

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن الإنسان فانٍ بطبيعته لأنه مخلوقٌ عدميٌّ، وكان مدعو لأن يقاوم قوة فنائه الطبيعي ويبقى في عدم فناء، لو أنه أبقى الله في معرفته كالتالي:

فالإنسان فانٍ بطبيعته لأنه خُلِقَ من العدم، إلا أنه بسبب خلقته على صورة الله الكائن كان ممكنًا أن يقاوم قوة الفناء الطبيعي، ويبقى في عدم فناء، لو أنه أبقى الله في معرفته“.[12]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن البشر كانوا بالطبيعة فاسدين، لكن كانت لديهم إمكانية الإفلات من الفساد الطبيعيّ بنعمة اشتراكهم في الكلمة لو أنهم بقوا صالحين، مما يُوضِّح أن نعمة الاشتراك في الكلمة هي شرطٌ أساسيٌّ وضروريٌّ للإفلات من الفساد الطبيعيّ، الذي كان من طبيعة الإنسان قبل السقوط، مما يُؤكِّد على ضرورة تجسُّد الكلمة من أجل أن يشترك الإنسان في نعمته قبل السقوط لكي ما يفلت من الفساد الطبيعيّ الذي كان في طبيعته قبل السقوط كالتالي:

”لأنهم كانوا – كما ذكرت سابقًا – بالطبيعة فاسدين لكنهم بنعمة اشتراكهم في الكلمة كان يمكنهم أن يفلتوا من الفساد الطبيعيّ لو أنهم بقوا صالحين“.[13]

ق. غريغوريوس النزينزي

ويُقرِّر ق. غريغوريوس النزينزيّ الحالة الوسطية للإنسان عند خلقته بين العظمة والوضاعة، وبين العدمية والخلود، مما يؤكد احتياجه للاتحاد بالله من أجل نوال الخلود والحياة الأبدية، وذلك لا يمكن أن يحدث بدون تجسُّد الكلمة قبل السقوط ليُؤمِّن للإنسان الخلود وعدم الموت كالتالي:

”لذلك خلق الإنسان. […] ولكنه في نفس الوقت تحت سلطان الملك السمائيّ، أرضيّ وسماويّ، زمنيّ وخالد، منظور وعقليّ، موجود في منزلة بين العظمة والوضاعة“.[14]

ق. غريغوريوس النيسي

ويُؤكِّد ق. غريغوريوس النيسيّ أن الطبيعة البشرية منذ خلقتها تحتل الوسط بين الطبيعة الإلهية والطبيعة الحيوانية غير العاقلة كالتالي:

الطبيعة البشرية تحتل الوسط بين طرفين متناقضين: أعني بين الطبيعة الإلهية التي لا جسد لها وبين حياة الحيوانات غير العاقلة“.[15]

ق. كيرلس الإسكندري

ويُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن الإنسان لم يُخلَق في حالة عدم فساد وعدم فناء مثل الله كالتالي:

”وعندما خلق الله الإنسان، أتى به من العدم إلى الوجود، دون أن يكون في طبيعة الإنسان عدم فساد وعدم فناء؛ لأن هاتين الصفتين من صفات الله وحده“.[16]

أوغسطينوس أسقف هيبو

وهذا هو ما يُؤكِّده أوغسطينوس أسقف هيبو في الغرب، فيرى أن الله لم يخلق الإنسان في البدء مساويًا للملاك، بل لو أطاع وظل أمينًا، كان سينتقل ويترقى كالملاك إلى حالة عدم الموت والخلود والسعادة الأبدية، فلم يكن الإنسان خالدًا بالطبيعة بل بالنعمة كالتالي:

”علمًا بأن الله لم يخلق الإنسان في البدء مُساويًا للملاك الذي لم تقدر الخطيئة أن توجهه إلى الموت، لو أطاع وبقي أمينًا، لانتقل، كالملاك، إلى حالة لا يعرف فيها الموت، شبيهةٍ بحالة الملاك، ومن ثم، إلى الخلود والسعادة الأبدية. لكنه عصى فأنزل به قرار الموت“.[17]

الأب يوحنا الدمشقي

ويشير يوحنا الدمشقيّ إلى حالة الإنسان الوسطية عند خلقته بين العظمة والضعة قائلاً:

”إذًا، لقد خلق الله الإنسان خاليًا من الشرِّ […] أرضيًا وسماويًا، وقتيًا وخالدًا، منظورًا ومعقولاً، وسطًا بين العظمة والضعة[18]

مار يعقوب الرهاوي

ويستشهد مار يعقوب الرهاوي، الأب السرياني الكبير، بكلمات ق. غريغوريوس النزينزي عن حالة الإنسان المتوسطة وانتقاله بعد ذلك وارتقائه إلى التأله بجنوحه نحو الله قائلاً:

”خلق [الله] الإنسان، إذ أخذ الجسد من المادة الموجودة من قبل، ووضع من ذاته الحياة التي تُعرف بالنفس العاقلة وصورة الله كعالمٍ ثانٍ […] يستمد سلطانه من فوق، أرضي وسماوي، زمني وغير مائت، منظور وعاقل، يتوسط العظمة والوضاعة […] حيوان يوجد وينتقل إلى مكان آخر، وختام السر، إنه يتأله بجنوحه نحو الله“.[19]

مار ديونيسيوس بن الصليبي

ويُؤكِّد مار ديونيسيوس بن الصليبي، الأب السرياني المعروف، أن آدم خُلق مائتًا في طبيعته لكنه لو حفظ الوصية لكان الله سينعم عليه بامتياز الخلود كالتالي:

خُلِقَ آدم مائتًا قابلاً للموت في طبيعته لكنه لو حفظ الوصية لكان تعالى أنعم عليه بامتياز الخلود. ونحن نتبع هذا المذهب لأننا نعتقده صحيحًا“.[20]

مار غريغوريوس بن العبري

وهذا عين ما يُؤكِّده مار غريغوريوس بن العبري، مفريان المشرق، داحضًا رأي الزاعمين بأن آدم خُلِق غير قابل للموت كالتالي:

ونقول ضد الزاعمين أن آدم خُلِقَ غير قابل للموت، أن الموت يُقال بنوعين، كما سبق فقلنا أعلاه، الموت الطبيعي وهو انفصال النفس عن الجسد، وموت الخطية، وهو انفصال النفس عن الله. فآدم إذًا خُلِقَ قابل للموت بحسب النوع الأول. لأنه خُلق إنسانًا، وكل إنسان مائت، وغير قابل للموت بحسب النوع الثاني [موت الخطية]، لأن الخطية لا تُخلق بالطبيعة، بل الإرادة تتسلط على الأهواء بقدر استطاعتها ليخطئ، وهكذا يمكنه أن لا يخطئ“.[21]

مار سويروس يعقوب البرطلي

وأخيرًا، يُشدِّد مار سويروس يعقوب البرطلي، الأب السرياني الكبير، أن آدم خُلق مائتًا بطبعه، وإنه كان سيُمنح عدم الموت لا في طبيعته، بل بنعمة خالقه، لو حفظ الوصية كالتالي:

”اتَّضح إذًا من خلال هذه كلها أن آدم خُلِقَ مائتًا بطبعه، ولكننا نقول: أنه كان سيُمنح عدم الموت لا بطبعه، بل بنعمة خالقه، لو أنه حفظ الوصية“.[22]

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

 

الفصل الثالث

التأله غاية خلق الإنسان

 

الفصل الثالث: التأله غاية خلق الإنسان

ينبغي أن نضع نصب أعيننا بعض الحقائق الكتابية قبل أن نناقش حقيقة أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان.

  • يتحدَّث بولس الرسول عن أن الله فقط الذي له عدم الموت وحده، والخلود وعدم الموت في حالة المخلوقات هو مُجرَّد هبة أو عطية ممنوحة من الله الذي له عدم الموت وحده قائلاً: ”الْمُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ“ (1تي 6: 15، 16).
  • يتحدَّث سفر الحكمة عن أن الله خلق الإنسان من أجل أن يحيا حياةً أبديةً، وصنعه على صورته الخالدة، ولكن الخلود في الإنسان ليس بالطبيعة، بل هو نعمة وعطية من الله كالتالي: ”خلق الله الإنسان لحياةٍ أبديةٍ، وصنعه على صورته الخالدة“ (حك 2: 23 مشتركة).
  • يتحدَّث يشوع ابن سيراخ عن أنه لا يوجد كمال في البشر، وأن الإنسان لا يخلد بدون الشركة مع الله قائلاً: ”ما من كمال عند البشر، لأن الإنسان لا يخلد“ (سي 17: 30 مشتركة).
  • يتحدَّث بولس الرسول أيضًا عن رجاء الحياة الأبدية الذي وعد به الله البشرية قبل الأزمنة الأزلية، وهو غير مشروط بسقوط الإنسان أو خطيئته، بل مُرتبط ومشروط بصلاح الله المنزَّه عن الكذب، والذي لا يرجع في وعوده الأزلية قائلاً: ”عَلَى رَجَاءِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، الَّتِي وَعَدَ بِهَا اللهُ الْمُنَزَّهُ عَنِ الْكَذِبِ، قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ“ (تي 1: 2).
  • ويُصرِّح المسيح نفسه له كل المجد أن الحياة الأبدية ما هي إلا معرفة الإنسان لله الآب الإله الحقيقيّ ويسوع المسيح ابنه الوحيد الذي أرسله لأجل البشرية ليمنحها الحياة الأبدية، وبالتالي، الحياة الأبدية مشروطة ومُرتبِطة بالاتحاد بالمسيح، والاتحاد بالمسيح غير مشروط بخطية آدم، بل هو قصد الله الأزليّ للبشرية كالتالي: ”وَهذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ“ (يو 17: 3).
  • يُؤكِّد يوحنا الرسول أن المسيح هو وحده الإله الحق والحياة الأبدية، لذا بدون الاتحاد بالمسيح في سرّ التجسُّد الإلهيّ، لا يمكن للمخلوقات أن تحيا للأبد قائلاً: ”وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هذَا هُوَ الإِلهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ“ (1يو 5: 20).
  • يُوضِّح يوحنا الرسول أن المسيح هو الحياة الأبدية التي كانت عند الآب وأُظهِرت لنا قائلاً: ”فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ [المسيح] الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا“ (1يو 1: 2).

ق. يوستينوس الشهيد

يشير ق. يوستينوس إلى أن البشر قبل السقوط حُسِبوا مُستحقين أن يصيروا آلهةً، وأن يكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العليّ، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والدينونة، كما حدث مع آدم وحواء، فالإنسان كان مدعو للتأله والتبني منذ البدء، ولا يمكن حدوث ذلك إلا من خلال الاتحاد بالله في التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لقد بيَّن لنا المزمور (مز 82: 1-8) أنهم حُسِبوا مُستحِقين أن يصيروا آلهةً، ويكون لهم السلطان أن يصيروا أبناء العليّ (يو 1: 12)، إلا أنهم سقطوا تحت الحكم والديونة كما حدث مع آدم وحواء“.[23]

كما يُؤكِّد ق. يوستينوس أن تأليه البشر يحدث فقط من خلال قوة الكلمة [اللوغوس]، فهو الوحيد القادر على أن يهبنا الخلود ويجعل منَّا آلهةً، ويمنحنا الارتقاء من الأرض إلى الأماكن العليا، وهذا لا يمكن حدوثه بدون اتحاد اللوغوس بنَّا في التجسُّد، مما يُؤكِّد على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم كالتالي:

”إن قوة الكلمة [اللوغوس] هذه لا تصنع منَّا شعراءً أو فلاسفةً مُثقَّفين، أو خطباءً فصحاءً، ولكنها تُعطِينا الخلود، وتجعل منَّا آلهةً، وتنقلنا من الأرض إلى أماكن أعلى من أولمبوس“.[24]

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يتحدَّث ق. إيرينيؤس، أسقف ليون بفرنسا والملقَّب بـ ”أبي التقليد الكنسيّ“، عن أن غاية الله من خلق الإنسان هي تأليه الإنسان بالنعمة، وأنه كان سينال ذلك بعد وقت طويل من خلقته، وليس أنه قد خُلِقَ مُتألهًا وخالدًا، بل كان مُجرَّد بشر ثم يتدرج بعد وقت ليصير إلهًا كالتالي:

”لأن هذه الحيوانات العجماوات، لا تتهم خالقها لأنهم لم يُخلَقوا بشرًا، بل كل منها بحسب ما خُلِقَ يُقدِّم الشكر؛ لأنه قد خُلِقَ. حيث أننا نحن نُوجِّه اللوم لله، لأننا لم نُخلَق آلهةً من البداية، ولكن خُلِقنا أولاً مُجرَّد بشر، ثم بعد وقت طويل آلهةً“.[25]

يتحدَّث ق. إيرينيؤس عن أن تألُّه الإنسان يحدث فقط من خلال اتحاد الله بالإنسان، وبالتالي يُؤكِّد على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم، لأنها جميعًا أمور مرتبطة ببعضها البعض، فتكميل خلق الإنسان ليصير إلهًا بالنعمة، لا يمكن حدوثه من دون اتحاد الله بالإنسان عن طريق سر التجسُّد الإلهيّ، ليجعل الله الإنسان شريكًا في عدم الفساد وعدم الموت (التألُّه)، وهذا لا يُمكِن حدوثه بدون الوسيط بين الله والناس، أيّ الإنسان يسوع المسيح. حيث يقول التالي:

ولو لم يكن الإنسان قد اتَّحد بالله، لما صار شريكًا في عدم الفساد إطلاقًا، لأنه كان إلزامًا على الوسيط بين الله والناس، من خلال علاقته بكل منهما أن يُحضِر كليهما إلى الصداقة، والوئام، ويُقدِّم الإنسان إلى الله، بينما يصير الله مُعلَنًا للإنسان“.[26]

ونستنتج مما سبق تأكيد ق. إيرينيؤس على أن التألُّه، أيّ حياة عدم الفساد، والخلود، وعدم الموت، كان الغاية من خلق الإنسان منذ البدء. كما أكَّد ق. إيرينيؤس أيضًا على أنه لا يوجد وسيلة أخرى لنوال الاتحاد بالله والشركة معه، ومن ثم نوال حياة عدم الفساد وعدم الموت والتألُّه إلا عن طريق تجسُّد الكلمة الابن الوحيد، مُؤكِّدًا على حقيقة التجسُّد غير المشروط للابن قبل السقوط ليُعطِي للإنسان الذي خُلِقَ ناقصًا منذ البدء وغير كامل كماله، وخلوده، وتألُّهه.

ق. ثيؤفيلوس الأنطاكي

يتحدَّث ق. ثيؤفيلوس الأنطاكيّ، وهو أحد الآباء المعلِّمين في كنيسة أنطاكية في القرن الثاني، عن خلق الله للإنسان في حالة متوسطة بين الفناء والخلود، وكان عليه أن يسلك بحكمة حسب الوصية ليصير خالدًا وإلهيًا، وبالطبع لا يمكن أن يتم ذلك بدون الاتحاد بالله عن طريق التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لكن قد يقول أحدهم لنا: هل خُلِقَ الإنسان فانيًا بالطبيعة؟ لا على الإطلاق. هل خُلِقَ الإنسان إذًا خالدًا؟ ولا نقول هذا أيضًا. ولكن سيقول أحدهم: هل خُلِقَ إذًا كلا شيء على الإطلاق؟ نحن لا نقول هذا أيضًا. في واقع الأمر، لم يكن الإنسان فانيًا أو خالدًا بالطبيعة. لأنه لو خلقه الله خالدًا من البداية، لكان جعله إلهًا. مرةً أخرى، لو خلقه فانيًا، كان سيبدو أن الله مسئول عن موته. لذا لم يخلقه الله خالدًا أو فانيًا. لكن كما قلنا في السابق، قادرًا على كليهما. فإن توجه إلى حياة الخلود بحفظه وصايا الله، ربح الخلود كمكافأة منه وصار إلهيًا. ولكن إنْ توجه إلى أعمال الموت عاصيًا الله، صار مسئولاً عن موته“.[27]

العلامة أثيناغوراس الأثيني

يتحدَّث الفيلسوف المسيحيّ أثيناغوراس الأثينيّ، والذي يُقَال إنه كان أحد مُديري مدرسة الإسكندرية اللاهوتية في عصره، عن أن الإنسان لم يكن خالدًا بطبيعته، وأن الخلود كان سيُمنَح له كعطية لو عاش بالشريعة والعدالة كالتالي:

”ولذلك فإنْ كان الإنسان قد خُلِقَ لا بدون سبب ولا هباءً (إذ ليس أيٍّ من أعمال الله هباءً، على الأقل على حد علم غاية صانعهم)، ولا لمنفعة الصانع، أو أيّ من الأعمال الخارجة عنه، فمِن الواضح بحسب الرؤية الأولى والأشمل للموضوع، أنه على الرغم من أن الله جبل الإنسان لنفسه وخلقه في سعي للخير والحكمة المتجلين في الخليقة، إلا أنه بحسب الرؤية المتلامسة مع الكائنات المخلوقة بشكل أقرب، فهو جبلهم لأجل حياة تلك المخلوقات […] لكن هؤلاء الحاملين في أنفسهم صورة الخالق ذاته، والمزوَّدة بعقل، ومُباركةٌ بتفكير عقلاني، فقد عيَّن الخالق لها وجودًا أبديًا، ذلك لكي يتعرفوا على صانعهم، وقوته، وقدرته، مُرشَدين بالشريعة والعدالة، لعلهم يتخطون وجودهم كله بلا معاناة حائزين تلك الصفات التي بها قد عاشوا بشجاعة حياتهم السابقة، على الرغم من أنهم عاشوا في أجساد مادية وقابلة للفساد“.[28]

العلامة ترتليان الأفريقي

يُؤكِّد العلامة ترتليان على أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان، وإن الإنسان لو لم يسقط، كان سيُؤخَذ في المستقبل إلى الطبيعة الإلهية كالتالي:

”والآن، على الرغم من أن آدم كان عُرضةً للموت بسبب حالته تحت الناموس، إلا أن الرجاء كان محفوظًا له بقول الرب: ’هوذا آدم يصير كواحد منا‘ (تك٣: ٢٢)، أي نتيجة اتخاذ الإنسان إلى الطبيعة الإلهية في المستقبل. إذًا، ما الذي يلي ذلك؟ ’والآن، لئلا يمد يده، ويأخذ أيضًا من شجرة الحياة، (ويأكل)، ويحيا إلى الأبد‘. وبالتالي، يُظهِر بإضافة الجزء عن الوقت الحاضر ’والآن‘، أنه قد خلقه للوقت، وللحاضر، ولاستمرار حياة الإنسان“.[29]

نوفاتيان الأفريقي

يُؤكِّد نوفاتيان الأفريقيّ، أحد الآباء اللاتين، أن كل إنسان مُقيَّد بقوانين الفناء، ولا يمكنه أن يجعل نفسه حيًا إلى الأبد، ولكن المسيح فقط هو الذي يُعطِي الخلاص إلى الأبد كالتالي:

”وبالتالي، فكل إنسان مُقيَّد بقوانين الفناء، وبالتالي، لا يمكنه أن يجعل نفسه حيًا إلى الأبد. غير أن المسيح يعد أن يُعطِي الخلاص إلى الأبد“.[30]

ق. أثناسيوس الرسولي

يرى ق. أثناسيوس أن الإنسان لو حفظ الوصية والنعمة في الفردوس كان سينال وعد الله له بالخلود في السماء، فالإنسان لم يُخلَق خالدًا بالطبيعة في بداية الخلق وقبل السقوط، بل خُلِقَ في مسيرة نمو وتقدم نحو الخلود والتألُّه، كما قال الآباء السالف ذكرهم، وهذا أيضًا ما سوف يذكره ق. غريغوريوس اللاهوتيّ أيضًا في عظته الفصحية الثانية عن أن الإنسان كان مدعو ليصير إلهًا وينتقل لعالم آخر، وهنا نتساءل: كيف كان سيحدث هذا الخلود، سوى باتحاد الإلهيّ مع الإنسانيّ في التجسُّد الإلهيّ، لكي يُؤلِّه الإنسان مانحًا إياه الخلود، وهذا هو ببساطة تعليم التجسُّد غير المشروط بخطية آدم كالتالي:

”ولكن لعلمه أيضًا أن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر) سبق فأمَّن النعمة المعطَاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذَا حفظوا النعمة واستمروا صالحين، عاشوا في الفردوس بغير حزن ولا ألم ولا هم بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء“.[31]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على ضرورة التجسُّد الإلهيّ وذلك من أجل تكميل الخليقة، فالبعض يعتقد عن دون وعي أن الله خلق الإنسان قبل السقوط كاملاً دون النمو في هذا الكمال، ولكن الإنسان خُلِقَ منذ البدء في مسيرة نمو وتقدم نحو الكمال والتأله، ولا يمكن أن يصل الإنسان إلى الكمال والتأله بدون الاتحاد بالله والشركة معه في سر التجسُّد الإلهيّ، فالإنسان حتى قبل السقوط، وحتى بعد القيامة من الأموات ودخوله للملكوت، يظلّ في مسيرة تأله ونمو وتقدم نحو الكمال بصورة لا نهائية وغير مُنقطِعة، بل حتى الملائكة أنفسهم في نفس هذه المسيرة والرحلة من التأله والتقدم نحو الكمال بصورة لا نهائية ودائمة وبدون انقطاع كالتالي:

”إنَّ الأعمال التي يتحدَّث عنها هنا أن الآب قد أعطاها له ليُكمِّلها، هي تلك التي خُلِقَ من أجلها كما يقول في الأمثال: الرب خلقني أول طرقه لأجل أعماله“.[32]

يُشدِّد ق. أثناسيوس على حتمية وضرورة التجسُّد الإلهيّ من أجل الاتحاد بالله، لأنه بدون الاتحاد بالله لا يمكن للإنسان أن ينال الخلود والتأله والحياة الأبدية، ولم يكن الإنسان قبل السقوط يمتلك كل هذه الأمور، بل كان مدعو لذلك إنْ ثبت على محبة الله والشركة معه وإطاعة الوصية، والاستمرار في معية الله، فكان سينال كل هذه الأمور كمكافأة له على طاعته للوصية، ولم يكن يمتلك كل هذه الأمور قبل ذلك كالتالي:

”هذا لأن كلمة الله الذاتيّ عينه، الذي من الآب، قد لَبِسَ الجسد وصار إنسانًا، لأنه لو كان مخلوقًا ثم صار إنسانًا، فإن الإنسان يبقى كما كان دون أن يتَّحد بالله“.[33]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم وسقوطه، لأن حالة الإنسان في الجنة قبل العصيان، كان يلزمها تجسُّد الكلمة واتحاده بالجسد لكيلا تصير النعمة فقط من الخارج، بل مُتَّحِدةً بالجسد أيضًا من الداخل كالتالي:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة – بسبب قدرته – وأبطل بها اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر، ولكن الإنسان كان سيظل كما كان آدم قبل العصيان، لأنه كان سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متَّحِدةً مع الجسد – فهذه كانت الحالة عندما وُضِعَ في الجنة – بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلَّم كيف يعصي“.[34]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم من أجل ضمان النعمة وعدم ضياعها أو فقدانها مثلما أخذ آدم وفقد النعمة كالتالي:

”فهو رغم أنه ليس مُحتاجًا إلا أنه يُقَال عنه إن ما أخذه، قد أخذه إنسانيًا، وأيضًا لكي تبقى هذه النعمة مضمونة ما دام الرب نفسه قد أخذ، لأن الإنسان المجرَّد حينما يأخذ، فهو مُعرَّض لأن يفقد أيضًا كما ظهر في حالة (آدم)، لأنه أخذ وفَقَدَ. ولكن لكي تبقى النعمة غير مُتغيَّرة وغير قابلة للضياع وتظل محفوظة للبشر بشكلٍ أكيد، لذلك فهو يمتلك العطية لنفسه، ولهذا يقول إنه أخذ سلطانًا كإنسان، وهو السلطان الذي كان له دائمًا كإله“.[35]

ق. كيرلس الأورشليمي

يُؤكِّد ق. كيرلس الأورشليميّ على أن الخلود وعدم الفساد هما عطية من الله للنفس، وأنها ليست خالدةً بالطبيعة، لذا تحتاج للاتحاد بالله من خلال التجسُّد لتنال الخلود وعدم الفساد كالتالي:

”وعلاوة على ذلك، اعلم أن لك نفسًا حرةً هي أجمل صنائع الله، خلقها الله على صورته، إنها خالدةٌ لأن الله يمنحها الخلود. إنها كائن عاقل غير فاسد، لأن الله يمنحها عدم الفساد“.[36]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يُفرِّق ق. أمبروسيوس بين عدم الموت الخاص بطبيعة الله، وبين عدم الموت الخاص بنا، ويؤكد على أن النفس البشرية تموت، وأن الملاك ليس خالدًا بصورةٍ مطلقةٍ، بل خلودهما يعتمد على مشيئة الخالق، فكل مخلوق في داخله إمكانية الفساد والموت، حتى لو لم يرتكب خطية، وبالتالي الخلود هو هبة من الله يهبها للإنسان والملاك، ولا يمكن أن يحدث الخلود في حالة الإنسان بدون اتحاده بالله من خلال التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”ولكن عدم الموت الخاص بطبيعته [أي بطبيعة الله] شيء، وعدم الموت الخاص بنا شيء آخر، لأن الأشياء القابلة للفناء لا يمكن مقارنتها بالطبيعة الإلهية. إن الألوهية هي الجوهر الوحيد الذي لا يمكن أن يلحقه الموت، ولذلك، فإنه الرسول مع أنه يعلم أن أرواح البشر والملائكة لا تموت، فإنه يُعلِن أن الله وحده هو الذي له عدم الموت (بطبيعته)، لأنه في الحقيقة حتى النفس يمكن أن تموت بحسب المكتوب: ’النفس التي تخطئ تموت‘ (حز 18: 20)، والملاك ليس خالدًا بصفةٍ مطلقةٍ، فخلوده يعتمد على مشيئة الخالق. […] فكل مخلوق، إذًا، يوجد في داخله إمكانية الفساد [الاضمحلال] والموت، حتى ولو كان في الوقت الحاضر لا يموت، أو لا يرتكب خطيةً، وحتى لو أنه لم يُسلِّم ذاته إلى الخطية، فإن هذا لا يكون بسبب طبيعته الخالدة، ولكن بسبب الجهاد النسكيّ أو النعمة. إذًا، فالخلود الناتج عن الهبة هو شيء، والخلود الذي ليست فيه أي قابلية للتغيير هو شيء آخر“.[37]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس اللاهوتي أيضًا على حقيقة أن التأله هو غاية خلق الإنسان، ويشير إلى انتقال الإنسان الأول قبل السقوط إلى عالم آخر في نهاية المطاف، ليصير إلهًا بشوقه لله كالتالي:

”هو نفسه [الإنسان] روح وجسد: روح بحسب النعمة، وجسد لكي يستطيع أن يسمو به. [بالروح] ليحيا ويُمجِّد [الله] المحسِن إليه، و[بالجسد] لكي يتألم ويُؤدَّب بوجعه، راميًا إلى الارتقاء نحو العظمة. كائن حيّ يُقِيم في الأرض، ولكنه ينتقل إلى عالم آخر، وفي نهاية المطاف، يصير إلهًا بشوقه إلى الله. لأنه حسب رأيي: إن نور الحق المعتدِل الذي يظهر لنا على الأرض يقودنا لنرى ونختبر بهاء الله، الذي كوَّننا [من الروح والمادة]، ولذي سيحلّ مُركَّبنا ثم يُعِيد تكوينه على وجه أبهى وأمجد“.[38]

ق. غريغوريوس النيسي

ويشير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن الإنسان خُلِقَ مهيئًا كي يتمتع بالصالحات الإلهية، ومن ثم كان يجب أن يكون في حال قرابة بطبيعته مع ما دُعِيَ لأن يشترك فيه، أي الأبدية الإلهية، وبالتالي، لم يكن الإنسان خالدًا بطبيعته منذ خلقته، بل كان مدعوًا لأن ينال الأبدية والتأله فيما بعد من خلال اتحاده بالله في المسيح كالتالي:

”وبالمثل فالإنسان قد خُلِقَ مهيئًا كي يتمتع بالصالحات الإلهية، ومن ثمَّ، كان يجب أن يكون في حال قرابة بطبيعته مع ما دُعِيَ لأن يشترك فيه. لذلك، فإنه قد تزين بالحياة وبالكلمة وبالحكمة، وبكل ما يليق بصلاح الله حتى ما يستطيع بواسطة كل هذا أن يكون له الرغبة نحو ما له صلة بالصلاح الإلهيّ. وواحدة من تلك الصالحات التي تخص الطبيعة الإلهية هي الأبدية، فينبغي على كل حال ألا يكون تكوين طبيعتنا المخلوقة بلا نصيب من تلك الصالحات، بل أن تملك عدم الموت في ذاتها، حتى أنه بسبب القوة الكامنة تستطيع أن تتعرف على ما هو سامٍ، وأن تبغي الأبدية الإلهية“.[39]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يُؤكِّد ق. يوحنا ذهبيّ الفم أنه كما دُعِيَ المسيح ابن الله وإلهًا، كان ينبغي أن يصير الإنسان ابن لله وإلهًا كالتالي:

”حيث إن المسيح دُعِيَ ابن الله ودُعِيَ أيضًا إلهًا، فالإنسان الذي دُعِيَ أيضًا ابن لله ينبغي أن يكون إلهًا، لأن الكتاب يقول: ’أنا قُلتُ إنكم آلهةٌ وبنو العليّ كلكم‘ (مز 82: 6)“.[40]

ق. مكاريوس الكبير

يرى ق. مكاريوس الكبير، أحد الآباء النساك العظام، أن النفس رغم خلقتها على صورة الله، إلا أنها لا تملك النور الإلهيّ، لأنه هكذا دبَّر الله لها وسُرَّ بأن تنال الحياة الأبدية، ولكن ليس من طبيعتها الخاصة، بل من لاهوته ومن روحه القدوس ومن نوره الخاص، وبالتالي، يؤكد ق. مكاريوس الكبير على حقيقة أن النفس البشرية لا تنال الحياة الأبدية بدون الاتحاد باللاهوت من خلال التجسُّد الإلهيّ، الذي هو أسمى وأعلى درجات الاتحاد بين الله والإنسان كالتالي:

”على نفس المنوال النفس أيضًا، فرغم خلقتها على صورة الله، إلا أنها لا تملك النور الإلهيّ، لأنه هكذا قد دبَّر الله لها وسُرَّ بأن تنال الحياة الأبدية، لكن ليس من طبيعتها الخاصة؛ بل من لاهوته هو ومن روحه ومن نوره الخاص تنال طعامًا وشرابًا روحانيًا ولباسًا سماويًا – الأمور التي هي حياة النفس بالحقيقة. فكما أن حياة الجسد – كما سبق وقلنا – لا تكون من ذاته، بل من خارجه، أي من الأرض، وبدون الأشياء الخارجة عنه لا يستطيع هذا الجسد أن يحيا؛ كذلك النفس أيضًا بدون أن تُولَد منذ الآن لأرض الأحياء تلك (مز 27: 13)، وتغتذي روحيًا من هناك، وتنمو وتتقدَّم في الربِّ، وتكتسي من اللاهوت بثياب البهاء السماويّ التي تفوق الوصف – بدون ذلك الغذاء لا تستطيع النفس أن تحيا في تمتُّع وراحة بغير فساد […] الويل كذلك للنفس إنْ هي اكتفت بطبيعتها وحدها، واتكلت على أعمالها فقط، ولم تقتن شركة الروح القدس، فسوف تموت لأنها لن تُحسَب أهلاً لحياة اللاهوت الأبدية“.[41]

ق. كيرلس الإسكندري

يشير ق. كيرلس الإسكندريّ إلى أن الخلود لم يكن من طبيعة الإنسان عند خلقته، لأن عدم الفساد وعدم الفناء ليسا من طبيعة الإنسان، بل هما صفتان لله وحده، يمنحهما الله للإنسان بالنعمة، لذا كان من الضروريّ أن يتجسَّد الله لكي ما يتَّحد الإنسان به فينال الخلود والحياة الأبدية كالتالي:

”الإنسان مخلوق عاقل، ومُركَّب من النفس، ومن جسد ترابيّ قابل للفناء. وعندما خلق الله الإنسان، أتى به من العدم إلى الوجود، دون أن يكون في طبيعة الإنسان عدم فساد وعدم فناء؛ لأن هاتين الصفتين من صفات الله وحده. ولكن الإنسان خُتِمَ بروح الحياة، أي الاشتراك في الحياة الإلهية، فنال الإنسان بذلك الصلاح الذي يفوق الطبيعة الإنسانية، ولذلك قيل إن الله نفخ في أنفه نسمة حياة، فصار الإنسان نفسًا حيةً (تك 2: 7). وعندما عُوقِب الإنسان على معصيته، قيل له بالحق: ’لأنك تراب وإلى ترابٍ تعود‘ (تك 3: 19). فتعرى من النعمة أي نسمة الحياة، أي روح ذاك الذي يقول: ’أنا هو الحياة‘، ففارق الروح القدس الجسد الترابيّ، وسقط الإنسان فريسةً للموت، أي موت الجسد وحده. أما النفس فلم تمت. لأنه قيل عن الجسد وحده: ’أنت تراب وإلى التراب تعود‘“.[42]

يُوضِّح ق. كيرلس الإسكندريّ أن أقنوم الكلمة وحده هو مَن يعطي المخلوقات نعمة الوجود، ونعمة البقاء، ويمنحها الأبدية من عنده، لأن الكائنات بطبيعتها غير أبدية، لذا كان ينبغي أن يتَّحد الله بها من خلال التجسُّد لكي تنال الخلود والحياة الأبدية كالتالي:

”فليس من الكائنات جميعًا كائن واحد دُعِيَ للوجود من العدم بدون الكلمة. وحيث إنه يمنح الخليقة نعمة الوجود، فهو يُعطِي أيضًا نعمة البقاء، ويمنح من عنده الأبدية، لكل الكائنات التي بطبيعتها ليست أبديةً، فيصبح بذلك هو الحياة لكل مَن جاء إلى الوجود لكي يبقى في الحياة حسب حدود طبيعته“.[43]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن كل ما دُعِيَ من العدم إلى الوجود، فإنه بالضرورة يتداعى وينحلّ، وكل ما له بداية يُسرِع نحو النهاية ماعدا الواحد وحده، أيّ الطبيعة الإلهية الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرةٌ تمامًا من النهاية، لذلك بحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبديةً، فيبدو أن حكمة الخالق التي تصنع أبديةً للمخلوقات الضعيفة كانت تجسُّد الكلمة غير المشروط بخطية آدم من أجل تأبيد المخلوقات ومنحها الحياة الأبدية من خلال تجسُّده واتحاده بها كالتالي:

”وحيث إن كل ما دُعِيَ من العدم إلى الوجود بالضرورة يتداعى وينحلّ، وكل ما له بداية، يُسرِع نحو النهاية، ما عدا الواحد وحده، أيّ الطبيعة الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرةٌ تمامًا من النهاية، وبحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبديةً“.[44]

يُفرِّق ق. كيرلس الإسكندريّ بين صورة الله ومثاله في الإنسان، حيث يرى أن لصورة الله معاني كثيرة، بينما المثال هو حياة عدم الفساد وعدم الاضمحلال، كما يؤكِّد على أن الإنسان لم يكن خالدًا بالطبيعة منذ خلقته، بل كان سينال الخلود بعد ذلك كعطية من الله على طاعته للوصية وثباته في الله كالتالي:

”ورغم أن حديثي أقل من المستوى اللازم، إلا أنني يجب أن أُواصِل مُوضِّحًا الحالة الأولى لطبيعتنا. فإني أعرف أننا إذ نقصد بإخلاص أن نُدرِك معنى الكلمات التي أمامنا، فإننا سنتجنب الأخطار الناتجة عن الكسل. إذًا، فهذا المخلوق العاقل أي الإنسان، قد خُلِقَ من البداية على صورة ذاك الذي خلقه حسب المكتوب (أنظر كو٣: ١٠). وصورة لها معاني مُتعدّدة. فيمكن أن تكون الصورة ليس حسب معنى واحد، بل حسب معاني كثيرة، أمَّا عنصر مُماثلة الله الذي خلقه، الذي يعلو الكل، فهو عدم الفساد وعدم الاضمحلال. فنحن نعرف أن المخلوق لا يمكن أن يكون كفوًا في ذاته أن يكون هكذا كالله بمُجرَّد قانون طبيعته الخاصة، لأنه كيف يمكن لذاك الذي هو من الأرض بحسب طبيعته الخاصة، أن يملك مجد عدم الفساد، إنْ لم يحصل على ذلك من الله الذي هو بالطبيعة عديم الفساد، وعديم الفناء، وهو دائم هكذا كما هو إلى الأبد، والله هو الذي يُغنِي الإنسان بهذه الهبة كما يهبه كل العطايا الأخرى؟“.[45]

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على حقيقة أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان من البدء، لو لم يسقط في التعدي والعصيان، فالله كان سيجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، كما يؤكِّد أيضًا على أن النفخة التي نفخها الله في الإنسان هي الروح القدس، روح الابن، وليس كما يُنكِر البعض بأن النفخة في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس كالتالي:

”فكما يقول بولس الملهم بكل عقل وحكمة: وأيّ شيء لك لم تأخذه (١كو٤: ٧). لذلك، فلكي لا يتلاشى ذلك الذي خُلِقَ من العدم، ويعود إلى العدم مرةً أخرى، بل بالحري يُحفَظ على الدوام -كما كان قصد الذي خلقه- لذلك فإن الله يجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، لأنه ’نفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك٢: ٧)، أي روح الابن، لأن الابن نفسه مع الآب هو الحياة، وهو يضبط كل الأشياء معًا في الوجود. لأن كل الكائنات التي تنال الحياة ’به تحيا وتتحرك‘ حسب كلمات بولس الرسول (أنظر أع١٧: ٢٨)“.[46]

ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفخة في بداية الخلق هي نفخة الروح القدس، ويقول إنه مَنْ يفترض أن نفخة الله في بداية الخلق صارت نفسًا مخلوقة هو إنسان لا يملك تفكيرًا سليمًا، ويشرح ذلك كالتالي:

”فإننا يجب أن نُكرِّر مرةً أخرى ونقول – لا يوجد أيّ إنسان ذو تفكير سليم، يمكن أن يفترض أن النسمة التي صدرت من الجوهر الإلهيّ صارت نفسًا مخلوقةً، بل إنه بعد أن صار للمخلوق نفسًا، أو بالحري بعد أن بلغ إلى كمال طبيعته بوجود النفس والجسد معًا، فإن الخالق طبع عليه ختم الروح القدس أي ختم طبيعته الخاصة أي نسمة الحياة، والتي بواسطتها صار المخلوق مُشكَّلاً بحسب الجمال الأصليّ، واكتمل على صورة ذاك الذي خلقه. وهكذا وُهِبت له الإمكانية لكل شكل من أشكال السمو بفضل الروح الذي أُعطِي له ليسكن فيه“.[47]

ويُؤكِّد ق. كيرلس على أن كل شيء له بداية، يُسرِع نحو النهاية، ما عدا الله الخالق وحده الذي لا تسبقه بداية، وهو حر تمامًا من النهاية، ولأنه يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبدية كالتالي:

”ولأنه واحد فقط هو الحياة، فهو الذي يُقدِّم الحياة للكل بالشكل الذي يتناسب مع طبيعة كل كائن وبالشكل الذي يليق به للاشتراك في حياة الكلمة. وحيث إن كل ما دُعِيَ من العدم إلى الوجود بالضرورة يتداعى وينحَّل، وكل ما له بداية، يُسرِع نحو النهاية، ما عدا الواحد وحده، أي الطبيعة الفائقة التي لم تسبقها بداية، وهي حرةٌ تمامًا من النهاية، وبحكمة الخالق الذي يعلم ضعف المخلوقات يصنع لهم أبدية“.[48]

يتضَّح من هنا تأكيد ق. كيرلس الإسكندري على أن التألُّه هو غاية خلق الإنسان كما قصد الله، أي أن يصير شريكًا للطبيعة الإلهية، ويُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن نفخة الله في بداية الخلق لم تكن نسمة الحياة المخلوقة في الإنسان، بل ختم الروح القدس أي ختم طبيعته الخاصة في الإنسان، وليس كما ينكر البعض ويدَّعون أن نسمة الله في بداية الخلق هي مُجرَّد نسمة الحياة أو النفس المخلوقة في الإنسان.

أوغسطينوس أسقف هيبو

يتحدَّث أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، مثله مثل الآباء السابقين، عن أن التألُّه هو غاية الله من خلق الإنسان منذ البدء، وإنه كان سيصير إلهًا لو لم يسقط بالتعدي والعصيان، وذلك لو لم نجحد نعمته، ولم نتخلف عن الاتحاد به، ويُؤكِّد أوغسطينوس هنا على أن الوسيلة الوحيدة لتأليه الإنسان هي الاتحاد بالله، وأن هذا الاتحاد لا يمكن أن يحدث بدون الاتحاد الحميم جدًا بين الله والإنسان في سر التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”هنالك في الراحة سوف ترى أنه هو الله، طبيعة سامية ادَّعيناها لنا حينما هبطنا من أعالي عهده على صوت الشيطان الذي أغوانا قائلاً: ’تصيران كآلهة‘، لم نحفظ الأمانة لهذا الإله الذي كان قادرًا على أن يجعل منا آلهةً، لو لم نجحد نعمه، ونتخلف عن الاتحاد به“.[49]

ويشير أوغسطينوس إلى أن الإنسان المخلوق بطبيعته ليس إلهًا، لكنه يصير إلهًا بدخوله شريكًا فيمَّن هو وحده الإله الحق، وهذا لا يمكن تحقيقه بدون التجسُّد الإلهي كالتالي:

”والحال إن الإنسان المخلوق ليس بطبيعته إلهًا، لكنه يصير إلهًا بدخوله شريكًا فيمَّن هو وحده الإله الحق. فإما أن يكون الربّ نصيبنا على نحو ما يختار البشر أنصبتهم، أو يتفق أن يحظى هذا أو ذاك بما يُبقِيه على قيد الحياة؛ أو أن يكون الربُّ نصيب الأبرار الذي يهبهم الحياة الأبدية“.[50]

الأب مكسيموس المعترف

يرى الأب مكسيموس المعترف أن غاية خلق الله للإنسان هي أن يصير شريكًا للطبيعة الإلهية، وأن يشترك مع الله في الأبدية، وبذلك يمكن أن يكون الإنسان مثله من خلال التأله بالنعمة كالتالي:

لقد خلقنا الله حتى يمكن أن نُصبح ’شركاء الطبيعة الإلهية‘ (2بط 1: 4)، ونُشارِكه في الأبدية، وبذلك يمكن أن ننكون مثله (1يو 3: 2) من خلال التأله بالنعمة. من خلال هذا التأله كُل الأشياء يُعَاد تشكيلها وتُحقِّق دوامها؛ ومن أجله ما هو غير موجود يأتي للوجود ويُعطَى وجودًا“.[51]

الأب يوحنا الدمشقي

يُؤكِّد الأب يوحنا الدمشقيّ، مثلما أكَّد الآباء السابقين عليه، على خلقة الإنسان في حالة وسطية بين الأرض والسماء، الزمن والخلود، العظمة والضعة، ويشير إلى حقيقة أن التأله هو غاية خلق الإنسان منذ البدء، ولا يمكن أن يحدث ذلك بدون اتحاد الإنسان بالله من خلال التجسُّد الإلهيّ قائلاً:

”إذًا، لقد صنع الله الإنسان خاليًا من الشرّ، مُستقِيمًا فاضلاً، لا غم ولا هم، زاهيًا بكل فضيلة، مُزدانًا بالصالحات كلها […] أرضيًا وسماويًا، وقتيًا وخالدًا، منظورًا ومعقولاً، وسطًا بين العظمة والضِعة، روحًا وجسدًا معًا، روحًا بالنعمة وجسدًا بالأصل، ذاك ليبقى ويُمجِّد المبدِع، وهذا ليشقى، وبشقائه يفطن ويرتدع عن الطموح إلى العظمة هنا – أي في الحياة الحاضرة – حيوانًا خاضعًا للتدبير، وهناك، في الدهر الآتيّ حيث المكافأة، ونهاية السرّ، يتألَّه بانقطاعه إلى الله بإشارة رضى منه تعالى. وتألهه اشتراك في الضياء الإلهيّ، لا انتقال إلى الجوهر الإلهيّ“.[52]

ويُؤكِّد المتروبوليت إيروثيؤس فلاخوس أن التأله هو الغاية الأخيرة لخلق الإنسان كالتالي:

”في التعليم الآبائيّ أنه في التجسُّد اتَّحد ابن الله وكلمته أقنوميًا بالطبيعة البشرية وهكذا تألهت هذه الطبيعة وصار الدواء الحقيقيّ والوحيد لخلاص الإنسان وتألهه. يستطيع الإنسان من خلال المعمودية المقدَّسة أن يصير عضوًا في جسد المسيح ويستطيع من خلال المناولة المقدَّسة أن يشترك في الجسد المؤله للمسيح، الجسد الذي أخذه من والدته السيدة. لو لم تتمَّ هذه الوحدة الأقنومية بين الطبيعتين الإلهية والبشرية، لما كان التأله ممكنًا. لهذا السبب، كان التجسُّد الغاية الأخيرة لخلق الإنسان. إن آلام المسيح وصليبه هي الأمور التي أضافها سقوط آدم. يقول الأب مكسيموس [المعترف] أن التجسُّد كان لخلاص الطبيعة، والآلام كانت بهدف تحرير أولئك الذين بالخطيئة امتلكهم الموت“.[53]

ويتَّضح مما سبق إجماع آباء الكنيسة الجامعة شرقًا وغربًا على أن التأله هو الغاية الأخيرة للإنسان عندما خلقه الله، فقد أراد الله له أن يستمر في مسيرته الطبيعية نحو التأله والخلود من خلال الاتحاد به في التجسُّد الإلهيّ. فالتجسد الإلهيّ هو الوسيلة الوحيدة التي أعلن الله عنها من أجل الاتحاد به، وهذا ما سنراه في الفصل التالي.

 

 

الفصل الرابع

التأله غاية التجسد الإلهي

الفصل الرابع: التأله غاية التجسد الإلهي

يلزمنا قبل أن نُناقِش حقيقة أن تأليه الإنسان هو غاية التجسُّد الإلهيّ، أن ننتبه إلى بعض الحقائق الكتابية التي تُشِير إلى أن تأليه الإنسان كان في قصد الله منذ الأزل، وأعلنه عبر الكتاب المقدَّس من خلال عدة إشارات كتابية في العهدين القديم والجديد، وأن هذا التأليه أو مشتقاته من مصطلحات كالخلود وعدم الموت والحياة الأبدية وشركة الطبيعة الإلهية، لا يمكن أن يحدث بدون التجسُّد الإلهيّ واتحاد الله بالبشرية في هذا السر العظيم.

  • يدعو الله البشر صراحةً في المزمور بأنهم آلهة، وهنا لا يجب الخلط بين تأله الله بالطبيعة، وهذا شيء خاص وحصريّ بالله الثالوث القدوس وحده، وبين تأليه البشر والملائكة الأبرار بالنعمة الممنوحة من الله لهم، وبين التأله الباطل والكاذب للأصنام والشياطين، فينبغي عدم الخلط بينهم، وتوخي الحذر عند الحديث عنهم. التأله الكاذب والباطل هو التأله بمعزل عن الله، أمَّا تأليه الإنسان فهو نعمة إلهية ممنوحة من الله للإنسان بمسرته من خلال تجسُّده واتحاده بالبشرية في المسيح، ولا يجب الخلط بينه وبين تأله الله بالطبيعة والتأله الكاذب للشياطين والأصنام كالتالي: ”أَنَا قُلْتُ: إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ“ (مز 82: 6).
  • ويُلقِّب الله موسى النبيّ بلقب ”الإله“ لأخيه هارون، ولا يجد الله غضاضة في ذلك، ولم يشعر الله بانتقاص لمجد ألوهيته عندما دعا موسى إلهًا لأخيه هارون، فلا يوجد مثل هذه الأمور في الله، حاشا! قائلاً: ”أَلَيْسَ هَارُونُ اللاَّوِيُّ أَخَاكَ؟ أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ يَتَكَلَّمُ، وَأَيْضًا هَا هُوَ خَارِجٌ لاسْتِقْبَالِكَ. فَحِينَمَا يَرَاكَ يَفْرَحُ بِقَلْبِهِ، فَتُكَلِّمُهُ وَتَضَعُ الْكَلِمَاتِ فِي فَمِهِ، وَأَنَا أَكُونُ مَعَ فَمِكَ وَمَعَ فَمِهِ، وَأُعْلِمُكُمَا مَاذَا تَصْنَعَانِ. وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا، وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهًا“ (خر 4: 14-16)
  • ويُلقِّب الله نفسه موسى النبيّ بلقب ”الإله“ لفرعون، فلا ينتقص هذا من مجد ألوهية الله في شيء، حاشا! بل بمسرته ونعمته أعطى هذا اللقب ”إله“ لموسى النبيّ كالتالي: ”فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: انْظُرْ! أَنَا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ. وَهَارُونُ أَخُوكَ يَكُونُ نَبِيَّكَ. أَنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ مَا آمُرُكَ، وَهَارُونُ أَخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ لِيُطْلِقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِهِ“ (خر 7: 1، 2).
  • يتحدَّث بطرس الرسول عن نعمة الله المعطاة لنا من خلال تجسُّده وتأنُّسه لكي نكون شركاء الطبيعة الإلهية دون أيّ انتقاص من ألوهيته أو مجده الإلهيّ على الإطلاق قائلاً: ”كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى، بِمَعْرِفَةِ الَّذِي دَعَانَا بِالْمَجْدِ وَالْفَضِيلَةِ، اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ، لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ“ (2بط 1: 3، 4).
  • ويرى يوحنا الرسول أن الله الآب سُرَّ أن يمنحنا عطية التبني، وأن نُدعَى أولاده، بل ويعدنا أننا نصير مثله، أي نتأله بنعمته، متى أُظهِر، لأننا سنراه كما هو في مجده وبهائه في المسيح يسوع ربنا كالتالي: ”اُنْظُرُوا أَيَّةَ مَحَبَّةٍ أَعْطَانَا الآبُ حَتَّى نُدْعَى أَوْلاَدَ اللهِ! مِنْ أَجْلِ هذَا لاَ يَعْرِفُنَا الْعَالَمُ، لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ. أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ“ (1يو 3: 1، 2)
  • يشير بولس الرسول إلى غايتنا جميعًا نحن البشر وهي أن ننتهي إلى الإنسان الكامل، أي إلى قامة ملء المسيح، وهذا لا يحدث بدون الاتحاد بالله في التجسُّد الإلهيّ بواسطة المسيح كالتالي: ”لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ“ (أف 4: 12، 13)
  • يُؤكِّد بولس الرسول على حقيقة نمونا اللانهائيّ نحو رأسنا يسوع المسيح، لأنه ينبغي علينا أن يصير كل واحد منَّا مسيحًا من خلال الاتحاد بالمسيح في سر تجسُّده الإلهيّ غير المشروط بخطية آدم أو سقوطه قائلاً: ”صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ“ (أف 4: 15، 16)
  • ويحثنا بولس الرسول على معرفة محبة المسيح الفائقة المعرفة التي يمكن من خلالها أن نمتلئ إلى كُل ملء الله، وهذا الملء هو ملء لانهائيّ وغير محدود بالنسبة لنا، فنحن مدعوين إلى الامتلاء بكل ملء الله، وهذا بالطبع لن ينتقص من ملئه غير المحدود، لأننا لا نمتلئ بمعزل عنه، بل بنعمته ومسرته ومشيئته الصالحة لنا كالتالي: ”وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ“ (أف 3: 19)
  • يُعلِن المسيح علانيةً للآب أنه مُمجَّد فينا وذلك من فيض وغنى نعمته، ولم ينتقص هذا الإعلان من مجد وكرامة المسيح، بل هو من فيض محبته وصلاحه نحونا قائلاً: ”وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ، وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي، وَأَنَا مُمَجَّدٌ فِيهِمْ“ (يو 17: 10)
  • يُؤكِّد المسيح له المجد أنه كائنٌ فينا ويطلب من الآب أن يكون فينا الحب الذي أحبه الله الآب له، وهنا لم يجد المسيح أي غضاضة في أن يمنحنا هذا الحب اللانهائيّ الذي يحبه الآب له، ولم ينتقص هذا من مقدار الحب الأزليّ واللانهائيّ بينه وبين الآب، بل بمشيئته سُرَّ أن يهبنا ويمنحنا ويُشرِكنا في هذا الحب اللانهائيّ وغير المحدود قائلاً: ”وَعَرَّفْتُهُمُ اسْمَكَ وَسَأُعَرِّفُهُمْ، لِيَكُونَ فِيهِمُ الْحُبُّ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي بِهِ، وَأَكُونَ أَنَا فِيهِمْ“ (يو 17: 26)
  • يُصرِّح بولس الرسول بل ويترجى أن يتصوَّر ويتشكَّل المسيح في داخلنا، ويأتي مَن يرفض هذا الفيض الجزيل من النعمة والحب، ويُزِايد على بولس الرسول وعلى المسيح نفسه، وكأنه يرفض هبة المسيح، أو لا يقبل ولا يصدق كلام بولس الرسول، أو يتجرأ ليُجاهِر أنه يعلم أكثر منهما كالتالي: ”يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ“ (غلا 4: 19) المسيح بنفسه مُتصوِّر فينا نحن البشر.
  • يُصرِّح بولس الرسول أن المسيح الرأس يملأ كليًا الكنيسة جسده من ملء نعمته وفيضه الجزيل قائلاً: ”وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ، الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ“ (أف 1: 22، 23).
  • يطلب الابن الوحيد من الآب أن تصير وحدتهما فينا، ونصير نحن واحدًا مثلهما قائلاً: ”أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ“ (يو 17: 11).
  • يُصرِّح المسيح نفسه أنه يُقدِّس ذاته، أي بشريته، لأجلنا، لكي ما يُقدِّس بشريتنا نحن المتَّحِدة به، ونصير مُقدَّسين في الحق، الذي هو المسيح نفسه قائلاً: ”وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ“ (يو 17: 19).
  • يطلب الابن الوحيد من الآب لأجلنا لكي ما نصير واحدًا ومُتَّحِدين في شركة حقيقة مع الثالوث القدوس، شركة الوحدة والتأله بالنعمة، قائلاً: ”لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا“ (يو 17: 21).
  • لا يمكننا أن نتَّحد بالله الذي هو رأس المسيح بدون الاتحاد بالمسيح نفسه، ولا يمكن أن نتَّحد بالمسيح نفسه بدون التجسُّد الإلهيّ، وبالتالي، التجسُّد الإلهيّ غير مشروط بخطية آدم، بل مشروط ومرتبط بحقيقة وضرورة ارتباطنا واتحادنا بالله من خلال المسيح في تجسُّده وتأنُّسه قائلاً: ”وَلكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُل هُوَ الْمَسِيحُ، وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ، وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ“ (1كو 11: 3)
  • لم يستح المسيح أن يُعطِينا مجده الذي أعطاه له الآب، أي التأله بالنعمة، ولم ينتقص هذا من مجده الإلهيّ غير المحدود وغير المتناهي قائلاً: ”وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ“ (يو 17: 22). فالمسيح قد أعطانا بنفسه المجد الذي أعطاه الآب له، وهذا المجد هو مجد التألُّه، فالمسيح هو الابن الوحيد للآب بالطبيعة، وله المجد بالولادة الأزلية من الآب، أمَّا نحن فقد سُرَّ المسيح أن يمنحنا ويهبنا هذا المجد الذي له بالطبيعة كهبة وعطية لنا من أجل تأليهنا وتمجيدنا فيه وبه من خلال اتحاده بنا في تجسُّده وتأنُّسه، والذي لولاه لما حصلنا على أيّ شيء مما نحن فيه لا قبل السقوط ولا بعد السقوط.
  • يُصرِّح بولس الرسول أن حياتنا نحن البشر مُستترة ومخفية ومكنونة مع المسيح في الله، حياتنا البشرية التي تألهت وتمجَّدت بالاتحاد بالله من خلال المسيح في تجسُّده وتأنُّسه كالتالي: ”لأَنَّكُمْ قَدْ مُتُّمْ وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ“ (كو 3: 3، 4). حياتنا نحن البشر رغم الموت مخفية ومُستترة ومحفوظة مع المسيح في الله نفسه، لذا حينما سيظهر المسيح سنتمجَّد معه، ونظهر معه وفيه وبه مُمجَّدين.
  • يُعلِن بولس الرسول أن الله لم يستح، ولم يغير، ولم ينتقص هذا من مجده، أن يُقِيمنا معه، وأن يُجلِسنا معه في السماويات في المجد في المسيح يسوع قائلاً: ”وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ“ (أف 2: 6) وهكذا يُجلِسنا الله معه في المجد في السماويات، ويا لا عظم هذا المجد الذي يمنحه الله لنا في المسيح يسوع، نحن المتَّحِدين به وفيه!

جميع الأمور السابقة هي بركات ونعم تأليه الإنسان التي صارت من خلال تجسُّد الابن الوحيد، والتي لا يمكن أن تحدث بدون التجسُّد الإلهيّ، سواء قبل السقوط أو بعده.

ق. إيرينيؤس أسقف ليون

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وبدون التجسُّد لا يُمكِن أن يصير الإنسان في حياة عدم الفساد والخلود والتأله، وبالتالي، كان لا بد لله أن يتجسَّد سواء قبل السقوط أو بعده، لكي يتَّحد الإنسان بالله وينال الخلود والتأله وشركة الطبيعة الإلهية، فالتجسُّد الإلهيّ هو أعلى درجات الاتحاد بالله، ولا يضاهيه أي اتحاد، وهناك حقيقة واضحة أن الاتحاد بالله هو درجات ومراتب يصعدها الإنسان إلى ما لانهاية دون انقطاع، وأعظم وأسمى درجات الاتحاد بالله هي في تجسُّد الكلمة الذي اتَّحد بالطبيعة البشرية ليهبها التأله والخلود كالتالي:

لأنه لهذا الهدف، قد صار الكلمة إنسانًا، الذي هو ابن الله صار ابن الإنسان، ذلك الإنسان الذي إذ قد أُخِذَ في داخل الكلمة، وإذ نال التبني، يصير ابن الله، لأنه لم يكن ممكنًا أن نبلغ إلى عدم الفساد والخلود بأية وسيلة أخرى، لو لم نتَّحد بعدم الفساد. ولكن كيف كان ممكنًا أن نتَّحد بعدم الفساد وعدم الموت. لو لم يصر عدم الفساد وعدم الموت أولاً، هما ذلك الذي هو نحن أيضًا، حتى أن الفاسد يُبتلَع في عدم الفساد، والمائت يُبتلَع في عدم الموت لكي ننال تبني البنين“.[54]

يُؤكِّد ق. إيرينيؤس أيضًا أنه لا يوجد طريق آخر لنصير في شركة مع الله ونتأله سوى تجسُّد الابن الوحيد، مما يُؤكِّد حتمية التجسُّد غير المشروط بخطية آدم كالتالي:

”فبأية طريقة كان يُمكِننا أن نصير شركاء تبني البنين، لو لم نكن قد نلنا منه تلك الشركة معه هو نفسه من خلال الابن، لو لم يكن الكلمة الذي صار جسدًا قد دخل في شركة معنا؟“.[55]

نوفاتيان الأفريقي

يرى نوفاتيان الأفريقيّ، أحد الآباء اللاتين، أنه كان على الكلمة أن يصير جسدًا لكيما يُوحِّد في اتحاد الأرضيات مع السماويات، وبناءً على ذلك، يمكن لابن الله أن يصير ابن الإنسان، وأن يصير ابن الإنسان ابنًا لله، مؤكدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان ونواله التبني، وأنه لا توجد وسيلة أخرى ممكنة لحدوث ذلك إلا التجسُّد الإلهيّ، وبالتالي، لا يمكن أن يكون التجسُّد الإلهيّ مشروطًا بخطية آدم، بل من أجل تأليه الإنسان كغاية نهائية له، لأن التجسُّد هو تدبير أزليّ من الله للبشرية قبل الأزمنة، بلغ تمامه في الربِّ يسوع المسيح، الذي هو الله والإنسان، لكي ما يُحضِر الجنس البشريّ إلى التمتُّع بالخلاص الأبديّ كالتالي:

”كان على الكلمة أن يصير جسدًا لكيما يُوحِّد في نفسه اتحاد الأرضيات والسمائيات بدمج تعهدات كلا الطرفين في ذاته، وهكذا يتَّحد الله بالإنسان والإنسان بالله. وبناءً على ذلك، يمكن لابن الله أن يصير ابن الإنسان بأخذه جسدًا، ويصير ابن الإنسان ابنًا لله بقبول كلمة الله. هذا السرّ العميق والعويص، والذي تعيَّن لخلاص الجنس البشريّ قبل الأزمنة، بلغ تمامه في الربِّ يسوع المسيح، الذي هو الله والإنسان، لكيما يُحضِر الجنس البشريّ بواسطته إلى التمتُّع بالخلاص الأبديّ“.[56]

ق. أثناسيوس الرسولي

يُؤكِّد ق. أثناسيوس على أن غاية التأنُّس والتجسُّد هي تأليه الإنسان في عبارته الشهيرة التي تقف حجرة عثرة أمام كثيرين كالتالي:

”لأن كلمة الله صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور“.[57]

ويُكرِّر ق. أثناسيوس نفس الأمر في موضع آخر مُؤكِّدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان كالتالي:

”فإن هذا الأمر لا يُسبِّب لنا عارًا، بل على العكس مجدًا ونعمةً عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا في ذاته“.[58]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أن الوسيلة الوحيدة لتأليه الإنسان هي اتحاد الكلمة بالإنسان المخلوق في التجسُّد، فلا يمكن أن يدخل الإنسان المخلوق إلى ملكوت السموات بدون اتحاد الله به وتأليهه ليكون على مثال صورته كالتالي:

”ولذلك، فقد لبس الجسد البشريّ المخلوق، لكي بعد أن يُجدِّده كخالقٍ، فإنه يُؤلِّه هذا الجسد في ذاته هو نفسه، وهكذا يُدخِلنا جميعًا إلى ملكوت السموات على مثال صورته. لأنه ما كان للإنسان أن يتأله لو أنه اتَّحد بمخلوقٍ أو لو أن الابن لم يكن إلهًا حقيقيًا. وما كان للإنسان أن يقف في حضرة الآب لو لم يكن الذي لبس الجسد هو بالطبيعة كلمته الحقيقيّ“.[59]

ويرى ق. أثناسيوس أن الكلمة أخذ الإنسان في داخله وكانت هذه الرفعة والارتقاء من أجل تأليه الإنسان، فلا يمكن أن يتأله الإنسان بدون الاتحاد بالمسيح في التجسُّد كالتالي:

”وبحسب هذه الرفعة، إذًا، أخذ الإنسان في داخله، وكانت هذه الرفعة من أجل تأليه الإنسان، أمَّا اللوغوس فله خاصية التأليه هذه بحسب الألوهية والكمال الأبويّ الخاصين به“.[60]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس أننا نتألَّه بواسطة الاتحاد بالكلمة ولهذا فنحن نرث الحياة الأبدية وبدون اتحادنا بالكلمة في التجسُّد لا يمكننا أن نتألَّه ولا أن نرث الحياة الأبدية، وهذا كان وضع آدم أيضًا قبل السقوط، فلو لم يكن المسيح قد اتحد به لما كان سيتأله ويرث الحياة الأبدية، لأنه لم يكن خالدًا ومتألهًا بطبعه عند خلقته كالتالي:

”لأنه كما أن الربَّ بلبسه الجسد قد صار إنسانًا، هكذا نحن البشر فإننا نتأله بالكلمة باتحادنا به بواسطة جسده، ولهذا فنحن سنرث الحياة الأبدية“.[61]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أنه كان من المستحيل بالنسبة للإنسان الاتحاد بالله بدون التجسُّد الإلهيّ، مما يُؤكِّد على حتمية التجسُّد الإلهيّ من أجل اتحاد الإنسان بالله، وأنه بدون التجسُّد الإلهيّ يستحيل على الإنسان الاتحاد بالله، وبالتالي، فقد كان التجسُّد الإلهيّ ضرورةٌ حتميةٌ سواء قبل السقوط أو بعده من أجل توحيد الإنسان بالله في شخص الكلمة المتجسِّد كالتالي:

”وإنْ كان من المستحيل أن يتَّحد الإنسان بالله، إلا أنه هو [الكلمة] الذي جعل هذا ممكنًا أن يحدث، بأن صار هو إنسانًا“.[62]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس، في حضه للعذارى على البتولية، أنه لو لم يصر اللوغوس جسدًا لما اتَّحدن به والتصقن به، ولكن لما لبس الربُّ جسد البشرية، صار الجسد مستودعًا للوغوس، ولذلك، فقد صارت العذارى عرائس للمسيح باتحاد الكلمة بالجسد البشريّ، مما يُؤكِّد على ضرورة تجسُّد الكلمة سواء قبل السقوط أو بعده من أجل الاتحاد والالتصاق بالله كالتالي:

فلو لم يصر اللوغوس [الكلمة] جسدًا، كيف كُنتن ستتَّحدن به وتلتصقن به الآن؟ لكن لمَّا لَبِسَ الربُّ جسد الناسوت، صار الجسد مستودعًا للوغوس. من أجل ذلك، قد صرتن الآن عذارى وعرائس للمسيح“.[63]

ق. كيرلس الأورشليمي

يرى ق. كيرلس الأورشليميّ أن البشر ينبغي أن يشتركوا في جسد الحمل الروحيّ، أيّ المسيح، لا بد من أن يشتركوا في الرأس، الذي هو الألوهية، وأن يشتركوا في القدمين، أيّ الطبيعة البشرية التي اتَّخذها، مما يُؤكِّد على ضرورة التجسُّد الإلهي من أجل اشتراك الإنسان في المسيح كله لاهوتًا وناسوتًا، ومن ثمَّ، ينال التأله من خلال التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”ونحن الذين أُهِّلنا للاشتراك في جسد الحمل الروحيّ، لنشترك في الرأس والقدمين (خر 12: 9): يعني الرأس الألوهية والقدمان الطبيعة البشرية التي اتَّخذها“.[64]

ق. هيلاري أسقف بواتييه

يسير ق. هيلاري أسقف بواتييه، الملقَّب بـ ”أثناسيوس الغرب“، على نفس النهج الذي نهجه الآباء السابقون عليه، في أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وأنه لا يمكن تأليه الإنسان بدون اتحاد الله بالإنسان في التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”فالخطية الموجَّهة ضد الروح هي إنكار كمال قوة الله، ونقض للجوهر الأزلي في المسيح، الذي صار من خلاله الله في الإنسان، ليصير الإنسان إلهًا“.[65]

يُؤكِّد ق. هيلاري في نفس السياق على الحقيقة السابقة بأن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، ولا يمكن أن يحدث هذا التأليه بدون اتحاد الله بالطبيعة البشرية في سر التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”فإنه حينما وُلِدَ الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية، يجب على الإنسان أن يُولَد ليصير إلهًا“.[66]

يُشدِّد ق. هيلاري أيضًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وأنه لا يمكن حدوث تأليه الإنسان بدون التجسُّد الإلهي، واتحاد الله بالإنسان في التجسُّد كالتالي:

”فإنه حينما وُلِدَ الله ليكون إنسانًا، لم يكن الغرض هو فقدان الألوهية، بل ببقاء الألوهية يُولَد إنسانًا كي يكون إلهًا. فمِن ثم إن اسمه هو عمانوئيل الذي تفسيره الله معنا (مت١: ٢٣)، كي لا يُقلِّل من شأن الله إلى مستوى الإنسان، بل يُرفَع من شأن الإنسان إلى الاتحاد بالله. وعندما طلب [المسيح] أن يتمجَّد، لم يكن هذا تمجيدًا لطبيعته الإلهية بأيّ شكل، بل للطبيعة الأقل التي اتَّخذها؛ فإنه يطلب هذا المجد، الذي كان له قبل تأسيس العالم“.[67]

ق. أمبروسيوس أسقف ميلان

يرى ق. أمبروسيوس أسقف ميلان أن المسيح هو الوحيد الذي يمكنه أن يمنحنا شركة الطبيعة الإلهية، أي التأله، لأنه بواسطة الابن فقط يمكننا أن نمضي في شركة الطبيعة الإلهية، مما يجعل من الضروريّ أن يتجسَّد الله سواء قبل السقوط أو بعده كالتالي:

”حسنًا، طالما بواسطة الابن نمضي في شركة الطبيعة الإلهية، ربما يمكنه أن يمنح هذا الذي لا يملكه؟ إذًا، لا يوجد شك في أنه يمنح مما له، وهكذا لديه الطبيعة الإلهية، هذا الذي يمنحنا الشركة في الطبيعة الإلهية، وأن نكون شركاء الطبيعة الإلهية“.[68]

ويستخدم ق. أمبروسيوس صيغة التأله التبادلية الشهيرة، أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له، ليؤكِّد على حتمية وضرورة التجسُّد الإلهيّ من أجل تأليه الإنسان قائلاً:

”لك أن تُميِّز ما هو خاصٌ بي، ولك أن تُميِّز ما هو خاص باللوغوس [الكلمة]. فما كان لذاك، لم يكن لديَّ، وما كان خاصًا بيّ لم يكن لديه. أخذ ما هو خاصٌ بي [البشرية]، لكي يمكنه أن يُوزِّع ما هو خاصٌ به [الألوهة]. لم يأخذ لكي يمزج، بل ليُكمِّل“.[69]

ق. غريغوريوس اللاهوتي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس اللاهوتيّ على نفس كلام الآباء السابقين عليه أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان قائلاً:

والإنسان الأرضيّ الذي اتَّحد بالجسد بوساطة روح، صار إلهًا عندما امتزج بالله، وصار واحدًا يغلب فيه الأفضل والأرفع، وبذلك أُصبِح أنا إلهًا بقدر ما أصبح هو إنسانًا“.[70]

ويُشدِّد ق. غريغوريوس اللاهوتيّ في موضع آخر على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، ولا يمكن أن يحدث تأليه الإنسان بدون اتحاد الله بالطبيعة الإنسانية في التجسُّد الإلهيّ قائلاً:

”وكما تشبَّه المسيح بنا، فلنتشبَّه نحن أيضًا به؛ صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا، قَبِلَ كل ما هو قابل للفساد حتى يهبنا الأسمى“.[71]

ويستخدم ق. غريغوريوس نفس صيغة التأله الشهيرة ليُؤكِّد على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، حيث تنازل أقنوم الابن إلى درجة البشرية حتى ترتفع البشرية إلى عتبات الألوهة قائلاً:

”تنازل [الابن] إلى درجة البشرية حتى ترتفع أنت إلى عتبات الألوهة“.[72]

ق. غريغوريوس النيسي

يُؤكِّد ق. غريغوريوس النيسي أيضًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، وأنه لا يمكن تأليه الإنسان بدون التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”وبما أن هذا الجسد الذي صار وعاءً للألوهة، قد نال ذلك أيضًا لكي يستمر في الحفاظ على وجوده، كما أن الله الذي أظهر ذاته، قد مزج نفسه بطبيعتنا المائتة حتى بهذه الشركة مع اللاهوت، يتيسر للبشرية أن تصير مُؤلَّهةً في نفس الوقت“.[73]

ق. يوحنا ذهبي الفم

يستخدم ق. يوحنا ذهبي الفم الصيغة التبادلية الشهيرة، التي استخدمها من قبله ق. إيرينيؤس وق. أثناسيوس الرسوليّ، ليُؤكِّدوا على أن هدف التجسُّد الإلهيّ هو تأليه البشر ونوالهم التبني لله الآب كالتالي:

”إن الإنجيليَّ قال: ’والكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا‘، وإذ قد أعلن أن الذين قبلوه وُلِدوا من الله، وصاروا أولادًا لله، فهو أقام العلة والسبب لهذا الشرف الذي لا يُنطَق به. إن السبب هو ’إن الكلمة صار جسدًا‘، والسيد أخذ شكل العبد وصار ابن الإنسان، مع أنه هو الابن الحقيقيّ لله [الآب]؛ لكي يجعل أبناء البشر أولادًا لله. وبالحق إذَا خلطنا العالي مع الوضيع، فهذا الأمر لا يُسبِّب أي نقصان لكرامة العالي، بل يرتفع بالوضيع من حالته المنحطة. بناءً على ذلك، فهذا الأمر حقيقيّ أيضًا في حالة المسيح. إنه بهذا النزول لم يحط أبدًا من قدر طبيعته [الإلهية]، بل رفعنا نحن الذين كُنَّا في حالة ظلمة وخزي إلى مجدٍ لا يُنطَق به“.[74]

ويدحض ق. يوحنا ذهبيّ الفم إنكار الهراطقة لألوهية الابن الوحيد مُستخدِمًا عقيدة التأله، حيث يتعجب كيف لا يكون إلهًا حقيقيًا، ذاك الذي يجعلنا آلهةً وأبناءً لله الآب، وهكذا يربط أيضًا بين التبني لله الآب وبين عقيدة التأله كغاية لتأنس الابن الوحيد. ويدحض ق. يوحنا ذهبيّ الفم مُنكِري عقيدة تأليه الإنسان في العصر الحديث بنفس الحجة التي استخدمها ق. أثناسيوس الرسوليّ مع الآريوسيين والمنحرِفين الهراطقة في دفاعه عن ألوهية الكلمة والروح القدس، وهي حجة تأليه الإنسان بواسطة اتحاد الكلمة الإلهيّ بطبيعتنا البشرية وسُّكنى الروح القدس فينا أقنوميًا كالتالي:

”لعلني أتساءل: ومَن هو ليس إنسانًا حقيقيًا، فماذا نُسمِّيه؟ بالطبع، لن نُسمِّيه إنسانًا. وهكذا لو أن الابن ليس إلهًا حقيقيًا، فكيف يكون إلهًا؟ علاوة على ذلك، كيف يجعلنا هو آلهةً وأبناءً، إنْ كان هو ليس إلهًا حقيقيًا؟ لكن أنا قد ناقشت هذه الأمور بتفصيلٍ أكثر في موضع آخر، لذلك فلنكمِل الحديث مع النص الذي يلي ذلك“.[75]

مار أفرام السرياني

يتحدَّث مار أفرام السريانيّ أيضًا عن حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان، فالله في تجسُّده صنع معنا مُبادلةً، حيث وهب لنا اللاهوت، ووهبنا نحن له الناسوت كالتالي:

”الشكر لمَّن آتى بالبركة، وأخذ منا الصلاة، المسجود له نزل إلينا، أصعد منا السجود، وهب لنا اللاهوت، فوهبنا له الناسوت، آتى إلينا بالمواعيد، فوهبنا له إيمان ابراهيم حبيبه، اقترضنا منه الصدقات، نقود أيضًا وبطلبها منه“.[76]

ق. كيرلس الإسكندري

يُردِّد ق. كيرلس الإسكندريّ، نفس كلمات ق. أثناسيوس، وصيغة التأله التبادلية الشهيرة، مُشِيرًا إلى أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان كالتالي:

”إنه عندما صار واحدًا منَّا كإنسانٍ، لكي يجعلنا نحن أيضًا نصير مثله، أيّ آلهةً وأبناءً“.[77]

ويُؤكِّد ق. كيرلس أنه لا يستطيع أحدٌ إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح، لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فمن خلاله وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله، وهذه حقيقةٌ لا تتغيَّر قبل سقوط الإنسان أو بعده كالتالي:

ولن يستطيع أحدٌ إطلاقًا أن يتَّحد بالله الآب إلا عن طريق وساطة المسيح. لأنه هو الوسيط بين الله والناس، فهو من خلال نفسه وفي نفسه يُوحِّد البشرية بالله“.[78]

ويُوضِّح ق. كيرلس أنه باتحاد البشر بالمسيح يصيرون آلهةً لأن المسيح هو الله، فالوسيلة الوحيدة للتأله هي الاتحاد بالمسيح في التجسُّد، سواء قبل السقوط أو بعده كالتالي:

”عندما لَبِسَ الكلمة وضاعتنا لكي يُصعِدنا إلى علوه، لا لكي يظلَّ هو أسفل مثلنا نحن على الجانب الآخر، بينما نحن من جهة الطبيعة بشرٌ، صرنا آلهةً (1يو 3: 1)؛ لأننا باتحادنا بالمسيح نكون آلهةً؛ لأن المسيح هو الله“.[79]

ويؤكد ق. كيرلس أن كلمة الله وحَّد ذاته بنا بسبب محبته العظيمة والفائقة لا لكي يصير مثلنا، بل اتَّحد بنا بذاته لكي يُغيِّرنا نحن إلى ما هو عليه، فعندما سكن داخل الجسد دُعِيَنا أبناءً وآلهةً بحسب النعمة وليس بحسب الطبيعة كالتالي:

بسبب محبته العظيمة والفائقة اتَّحد كلمة الله ذاته بنَّا، لا لكي يصير مثلنا؛ لأنه هو غير المتحوِّل ولا يعرف التغيير، لكنه اتَّحد بنَّا بذاته لكي يُغيِّرنا نحن إلى ما هو عليه. لأنه مثلما أصبح لدينا نحن الذين قَبِلَناه كل ما يخصه؛ لأنه سكن في داخل الجسد إذ قد دُعِيَنا ’أبناءً‘ (1يو 3: 1) و ’آلهةً‘ (مز 82: 6؛ يو 10: 34)، ليس بحسب الطبيعة مثله، بل بحسب النعمة“.[80]

أوغسطينوس أسقف هيبو

ويُردِّد أوغسطينوس، أسقف هيبو بشمال أفريقيا، نفس الصيغة الشهيرة التبادلية لتأليه الإنسان بواسطة تجسُّد الله، مُؤكِّدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان قائلاً:

”لأنه صُلِبَ بحسب صورة العبد، ولكنه رب المجد المصلوب؛ لأن هذا الاتخاذ [أيّ التجسُّد] قد جعل الإله إنسانًا، والإنسان إلهًا“.[81]

يتحدَّث أوغسطينوس عن حقيقة أن تأليه الإنسان والشركة في اللاهوت هي غاية الإخلاء والتجسُّد الإلهيّ، مُستخدِمًا صيغة التألُّه التبادلية الشهيرة كالتالي:

”لكن المسيح، مُعلِّم التواضع، الذي جعل نفسه شريكًا لنا في سقمنا، ليجعلنا شركاءً في لاهوته، ونزل من السماء ليُعلِّمنا الطريق، ويكون هو طريقنا (يو١٤: ٦)“.[82]

ويُؤكِّد أوغسطينوس على حقيقة أن تأليه الإنسان لا يمكن أن يحدث بدون التجسد الإلهيّ، حيث ينفي إمكانية أن نُشارِك الله في ألوهته، لو لم يُشارِكنا هو في بشريتنا كالتالي:

والحال أننا ما كُنَّا لنُشارِكه ألوهته، لو لم يُشارِكنا بشريتنا. وفي الإنجيل أننا دُعِينا لنُشارِكه في الألوهة: ’والذين يُؤمنون باسمه أعطاهم سلطانًا أن يكونوا أولاد الله، الذين لا من دم ولا من مشيئة لحم ولا من مشيئة رجل، بل من الله وُلِدوا‘ (يو 1: 12، 13)“.[83]

مار فيلوكسينوس المنبجي

يستخدم مار فلوكسينوس المنبجيّ صيغة التألُّه التبادلية الشهيرة مُوضِّحًا معاني تأليه الإنسان من إعادة خلق الطبيعة البشرية من جديد في المسيح، ونوال التبني لله الآب، ويُؤكِّد على حقيقة أن تأليه الإنسان هو غاية التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لأن الكلمة، الذي هو الله، رغب أن يجعل البشر أبناء الله، فنعترف بأنه أخلى ذاته، وصار جسدًا، ولَبِسَ طبيعة إنسانية كاملة لكي يُعِيد خلق الكيان الإنسانيّ بالكامل في نفسه، ولأنه أصبح إنسانًا فينا، نحن أيضًا تألَّهنا وأصبحنا أبناء الآب“.[84]

يتحدَّث مار فلوكسينوس المنبجيّ أيضًا عن أننا صِرنا أبناءً للآب في الابن، وصِرنا مُتألِّهين في الله الذي صار إنسانًا لأجلنا، مُؤكِّدًا على حقيقة أن تأليه الإنسان هو غاية سر التجسُّد الإلهيّ، وأنه لا يمكن أن يتألَّه الإنسان بدون الاتحاد بالله والشركة معه في التجسُّد الإلهيّ كالتالي:

”لقد أصبحنا جميعًا أولادًا في الابن الذي صار إنسانًا، لقد تألَّهنا جميعًا في الله الواحد الذي أصبح إنسانًا“.[85]

مار يعقوب السروجي

يتحدَّث مار يعقوب السروجيّ، الملقَّب بـ ”كنارة الروح القدس وقيثارة السريان“، بنفس صيغة التأله الشهيرة الخاصة بالقديس أثناسيوس ”صار كلمة الله إنسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن“، مُؤكِّدًا بذلك على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهي هي تأليه الإنسان كالتالي:

”لما نزل، أنزل معه من العلويين، ولما صعد، أصعد معه من السفليين، أنزل الروح وأصعد الجسد، وكمَّل الأمرين: صار إنسانًا، وجعل الكثيرين آلهةً“.[86]

ويستخدم مار يعقوب السروجيّ مُجدَّدًا صيغة التأله التبادلية المشهورة للتأكيد على أن غاية التجسُّد الإلهيّ وهدفه هو تأليه الإنسان، ولا يمكن حدوث تأليه الإنسان بدون التجسُّد الإلهيّ قائلاً:

”ولهذا آتى الكلمة الذي شاء أن يصير لحمًا، لينتمي إلى جنس الناس ويُخلِّصهم، هو صار منَّا من بطن الممجَّدة، وجعلنا منه من ميلاد المعمودية، صار ابن الإنسان وجعل البشر آلهةً، وأصعدهم ليدعوا السماويّ: أبانا“.[87]

الأب مكسيموس المعترف

ويُؤكِّد الأب مكسيموس المعترف أن كلمة الله الآب صار إنسانًا وابنًا للإنسان لكي ما يجعل البشر آلهةً وأبناءً لله، مشيرًا إلى حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان كالتالي:

”إذَا أصبح كلمة الله الآب ابنًا للإنسان وإنسانًا، فهو قادرٌ على أن يجعل الناس آلهةً وأبناءً لله“.[88]

يُشِير الأب مكسيموس المعترف إلى حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ واتحاد اللوغوس بالطبيعة البشرية هو تأليه الإنسان، ولا توجد وسيلة أخرى لتأليه الإنسان سوى عن طريق تجسُّد الكلمة واتحاده بطبيعتنا البشرية كالتالي:

لأنه يصبح حقًا إنسانًا حتى يجعلنا بالنعمة آلهةً“.[89]

ويُوضِّح الأب مكسيموس المعترف أن هدف الإخلاء غير المدرَك للابن الوحيد هو من أجل تأليه طبيعتنا البشرية، وأن هدف المشورة الإلهية هو تأليه طبيعتنا البشرية، مُؤكِّدًا على حقيقة أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه طبيعتنا البشرية، وأنه لا يمكن تأليه الإنسان قبل أو بعد السقوط بمعزل عن تجسُّد ابن الله الوحيد كالتالي:

”يقول داود: ’وأفكار قلبه من جيلٍ إلى جيل‘ (مز 33: 11). ربما تكون مشورة الله الآب التي يُشير إليها داود هنا هي إخلاء الذات غير المدرَك الذي للابن الوحيد الذي قام به من أجل تأليه طبيعتنا [البشرية]، والذي وضع حدًا للدهور؛ […] إذَا كان هدف المشورة الإلهية هو تأليه طبيعتنا [البشرية]، وغاية الأفكار الإلهية هي إمداد حياتنا بالمتطلبات الأساسية، فبناءً على ذلك، يجب أن نعرف ونُنفِذ قوة الصلاة الربانية والكتابة عنها بطريقةٍ لائقةٍ“.[90]

ويُشدِّد المتروبوليت إيروثيوس فلاخوس على استقلالية سر التجسُّد عن سقوط الإنسان قائلاً:

”هذه النظرة اللاهوتية مقبولةٌ إذَا افتكرنا أن المسيح هو بداية خلق العالم وتأله الإنسان ووسطهما ونهايتهما. فقط من هذا المنظار يمكننا أن نرى أن سرَّ التجسُّد مستقلٌ عن سقوط الإنسان. يقول الأب مكسيموس المعترف أن ربنا يسوع المسيح هو ’بداية الأجيال ووسطها ونهايتها، الماضية والحاضرة والمستقبلة‘. وفي تفسير هذا الكلام يقول الأب نيقوديموس الآثوسيّ أن هذا السرّ هو بداية الخلائق، لأن هدف هذا السرّ كان بداية المعرفة السابقة لخلق كل الخلائق وسبب هذه المعرفة وهذا الخلق. إنه الوسط لأنه منح الملء لمعرفة الله المسبقة وبالتالي، الثبات للملائكة وعدم الموت وعدم الفساد والخلاص للبشر. إنه أيضًا النهاية لأن هذا السرّ صار الكمال والتأله والمجد والبركة للملائكة والبشر ولكل الخليقة“.[91]

يتضَّح من أقوال مُعلِّمي الكنيسة المقدَّسة شرقًا وغربًا أن غاية التجسُّد الإلهيّ هي تأليه الإنسان سواء قبل السقوط أو بعده، وبالتالي، كان التجسُّد سيحدث حتى لو لم يخطئ آدم، لكي يُؤلِّه الله الإنسان باتحاده به في التجسُّد ليهبه الخلود والحياة الأبدية أي حياة الله، لأنه يجعلني اشترك فيها معه باتحادي به في المسيح الكلمة المتجسِّد، ولا يوجد وسيلة أخرى أعلنها الله من أجل تحقيق ذلك سوى التجسُّد الإلهيّ.

 

 

الفصل الخامس

استعلان الثالوث القدوس في التجسد الإلهي

الفصل الخامس: استعلان الثالوث القدوس في التجسد الإلهي

ينبغي أن نضع نصب أعيننا بعض الحقائق الكتابية التي يُقرها الكتاب المقدَّس بخصوص استعلان الله الثالوث القدوس للبشرية، فالطريقة الوحيدة والأكمل والأوضح لاستعلان الثالوث القدوس للبشرية كانت من خلال تجسُّد الكلمة واتحاده بالطبيعة البشرية. وبالتالي، يُؤكِّد ذلك على حقيقة التجسُّد الإلهيّ غير المشروط بخطية آدم وسقوطه من أجل استعلان الثالوث القدوس للإنسان، فبدون التجسُّد الإلهيّ لا يمكن للإنسان أن يعرف أن الله ثالوث.

  • يُقرِّر يوحنا الرسول في افتتاحية إنجيله أن الوحيد الذي يمكنه أن يُعرِّف البشر بالله الآب ويُخبِّر عنه هو الابن الوحيد نفسه الكائن في حضن الآب، وهذا لم يحدث إلا من خلال تجسُّده وتأنُّسه قائلاً: ”اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ“ (يو 1: 18).
  • ويُؤكِّد يوحنا الرسول على نفس الحقيقة أنه لا أحد يمكن أن يرى ويعرف الله الآب إلا الذي من الله الآب، أي الابن نفسه، الذي رأى وعَرِف الآب ويُخبِّر عنه للبشر في تجسُّده وتأنُّسه كالتالي: ”لَيْسَ أَنَّ أَحَدًا رَأَى الآبَ إِلاَّ الَّذِي مِنَ اللهِ. هذَا قَدْ رَأَى الآبَ“ (يو 6: 46).
  • ويحصر البشير متى معرفة الآب في الابن فقط، فلا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومَن أراد الابن أن يُعلِن له، وهذا الإعلان من قِبَل الابن لم يتمَّ إلا من خلال تجسُّده وتأنسه فقط، ولا توجد وسيلة أخرى للإعلان عن الآب إلا بتجسُّد ابنه كالتالي: ”وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ“ (مت 11: 27).
  • يُصرِّح المسيح له المجد بكل وضوح أنه لا يستطيع أحد أن يأتي ويتَّحد بالله الآب إلا من خلاله، وهذا لا يمكن حدوثه إلا من خلال تجسُّد الابن نفسه واتحاده بالبشرية في التجسُّد سواء قبل السقوط أو بعده، فذلك حقيقة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده كالتالي: ”قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي“ (يو 14: 6).
  • يُقرِّر المسيح نفسه حقيقة الاحتواء المتبادل بينه وبين أبيه، لأنه في الآب والآب فيه منذ الأزل، وبالتالي، الطريق الوحيد للاتحاد بالله هو من خلال الاتحاد بالمسيح، وحيد الآب، وذلك لا يمكن إلا من خلال تجسُّده سواء قبل السقوط أو بعده، لأن هذا الأمر حقيقة واقعة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده، ولا تتوقف على سقوط الإنسان من عدمه كالتالي: ”وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ، فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ، لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ“ (يو 10: 38).
  • يُؤكِّد المسيح له كل المجد على حقيقة أن رؤية ومعاينة الله الآب لا تتمّ إلا من خلاله لأنه مَن يرى الابن فقد رأى الآب، ولا يمكن معاينة الآب ورؤيته إلا من خلال الابن، وذلك لا يتمّ إلا من خلال تجسُّده وتأنُّسه، وهذا الأمر حقيقة واقعة مُرتبِطة بالله سواء قبل السقوط أو بعده، وبالتالي، يصير تجسُّد الابن أمرًا ضروريًا وحتميًا من أجل معاينة ورؤية الآب كالتالي: ”قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟“ (يو 14: 9).
  • يُقرِّر المسيح له المجد حقيقة الاحتواء المتبادل بينه وبين أبيه، لأنه في الآب والآب فيه منذ الأزل وقبل كل الدهور، وبالتالي، الطريق الوحيد للاتحاد بالله هو من خلال الاتحاد بالمسيح، وذلك لا يمكن إلا من خلال تجسُّده سواء قبل السقوط أو بعده، لأن هذا الأمر حقيقة واقعة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده، ولا تتوقف على سقوط الإنسان من عدمه كالتالي: ”أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ؟“ (يو 14: 10).
  • يُؤكِّد المسيح له كل المجد على نفس الأمر السابق، ويُشدِّد على حقيقة الاحتواء المتبادل بينه وبين أبيه، لأنه في الآب والآب فيه منذ الأزل، وبالتالي، الطريق الوحيد للاتحاد بالله هو من خلال الاتحاد بالمسيح، وحيد الآب، وذلك لا يمكن إلا من خلال تجسُّده سواء قبل السقوط أو بعده، لأن هذا الأمر حقيقة واقعة أزلية سواء قبل السقوط أو بعده، ولا تتوقف على سقوط الإنسان من عدمه قائلاً: ”لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ. صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ“ (يو 14: 10، 11).

ق. أثناسيوس الرسولي

يُشِير ق. أثناسيوس إلى ضرورة تجسُّد الكلمة من أجل أن تعرف الخليقة الآب، وذلك من خلال الكلمة في تجسُّده، لذا كان التجسُّد حتميّ وضروريّ قبل السقوط وبعده من أجل استعلان جوهر وطبيعة الثالوث القدوس في ثلاثة أقانيم كالتالي:

”ولكن إنْ اعترفوا بوجود كلمة الله، وأنه المهيمن على الكون، وأن الآب خلق به الخليقة كلها، وأن الكل ينالون النور والحياة والوجود بعنايته، وأنه يملك على الكل، ولهذا فلأنه يُعرَف من أعمال عنايته، وبواسطته يُعرَف الآب“.[92]

يُوضِّح ق. أثناسيوس أن الله الآب بسبب صلاحه خلق البشر على صورته ومثاله، أيّ يسوع المسيح ابنه الوحيد، فهكذا عندما يرون تلك الصورة، أيّ كلمة الآب، يمكنهم عن طريقه أن يصلوا إلى معرفة الآب، وهكذا يعرفون خالقهم، فيحيون حياةً حقيقيةً مغبوطةً، مما يُؤكِّد على أنه بدون تجسُّد الكلمة لا يمكن للبشر معرفة الله الآب، فالابن الوحيد هو الوسيلة الوحيدة من أجل إدراك ومعرفة الآب، ولا يمكن أن تصل البشرية إلى معرفة الآب خالقهم بدون الاتحاد بالكلمة صورته، وذلك لا يمكن أن يحدث بأيّ طريقة بدون تجسُّده واتحاده بالبشرية في التجسُّد كالتالي:

”ولأنه صالحٌ في ذاته، فقد جعل لهم نصيبًا في صورته الذاتيّ [الذي هو] ربنا يسوع المسيح، وخلقهم على صورته ومثاله، حتى أنه – بسبب تلك النعمة – فإنهم عندما يرون تلك الصورة، أيّ كلمة الآب، يمكنهم عن طريقه أن يصلوا إلى معرفة الآب، وإذ يعرفون خالقهم، فإنهم يحيون حياةً سعيدةً مغبوطةً“.[93]

ويُشدِّد ق. أثناسيوس على حاجة البشرية إلى تجسُّد كلمة الله الذي يعرف النفس والعقل، وهو المحرِّك لكل ما في الخليقة التي يجعل الآب من خلالها معروفًا، فهو الذي يُجدِّد التعليم والمعرفة عن الآب فينا بتجسُّده واتحاده بنا كالتالي:

”فإلى مَن، إذًا، كانت الحاجة إلا إلى كلمة الله الذي يُبصِر ويعرف النفس والعقل، وهو المحرِّك لكل ما في الخليقة، والتي من خلالها يجعل الآب معروفًا؟ لأن ذلك الذي – بأعمال عنايته وتدبيره لكل الأشياء – يُعلِّم عن الآب، هو الذي يستطيع أيضًا أن يُجدِّد ذلك التعليم عينه“.[94]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على حقيقة وضرورة التجسُّد غير المشروط بخطية آدم، وضرورة التجسُّد الإلهيّ قبل وبعد السقوط، حيث استخدم الكلمة الجسد كأداة ليُعلِن الآب به للإنسان، ومن ثم، يُعلِن عن طبيعة الله وجوهره كثالوث كالتالي:

”وبنفس الطريقة، لا يمكن أن يكون أمرًا غير معقول – إنْ كان الكلمة وهو الذي يضبط كل الأشياء ويُعطِيها الحياة وأراد أن يجعل نفسه معروفًا للبشر – قد استخدم جسدًا بشريًا كأداةٍ له يُظهِر فيه الحق ويُعلِن الآب، لأن البشرية أيضًا هي جزء حقيقي من الكل“.[95]

ويُوضِّح ق. أثناسيوس أن غاية تجسُّد الكلمة هي تأليه الإنسان وحصول البشر على معرفة الآب غير المنظور، فلا توجد وسيلة أخرى لكي يعرف البشر أن الله ثالوث بدون تجسُّد الابن واتحاده بالجسد لكي يُعلِن الآب غير المنظور، الذي لم يره أحدٌ قط، ولا يقدر أحد أن يراه إلا من خلال تجسُّد الابن الوحيد صورة الله غير المنظور، لأن الابن في الآب، والآب في الابن، ومَن رأى الابن فقد رأى الآب، والابن يُعلِن الآب غير المنظور في تجسُّده للبشرية قائلاً:

”لأن كلمة الله صار إنسانًا لكي يُؤلِّهنا نحن، وأظهر نفسه في جسد لكي نحصل على معرفة الآب غير المنظور“.[96]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس على احتياج البشر إلى تجسُّد الكلمة قبل السقوط أو بعده كالتالي:

”لأنه حتى وإنْ لم تكن الأعمال قد خُلِقَت، إلا أن كلمة الله كان كائنًا، و ’كان الكلمة الله‘. أمَّا صيرورته إنسانًا فما كانت لتحدث لو لم تكن حاجة البشر هي السبب“.[97]

يرى البروفيسور توماس تورانس أنه كان لابد من التجسُّد سواء قبل أو بعد سقوط آدم لكي يمكن للجنس البشريّ أن يدخل إلى معرفة الله بطريقة عملية من خلال التجسُّد الإلهيّ، أي من خلال معرفة ذاته كثالوث من خلال نقطة في ذاته وفي كياننا كمخلوقات، حيث يقول التالي: ”الأمر الأول: أنه إذَّا أرادنا حقًا أن نعرف الله فلابد أن يكون قد أُعطِيت لنا نقطة للدخول إليه، بحيث تكون هذه النقطة في كل من الله ذاته، وفي كياننا نحن كمخلوقات. وهذا هو بالتحديد ما حصلنا عليه في التجسُّد، حيث إعلان الله عن ذاته ’كآب‘ يتم من خلال إعطائه ذاته لنا في يسوع المسيح ابنه، وعندما يُعطِينا الله أن نصل إلى معرفته بهذه الصورة فهو يفعل هذا في إطار ظروف المكان والزمان؛ أي داخل حدود ما يمكن أن نفهمه نحن البشر. وفي نفس الوقت، فإن المعرفة التي يُعطِيها لنا الله عن ذاته في ابنه المتجسِّد يكون مركزها في الله ذاته، وبالتالي، يكون كل فهمنا البشريّ لله، وكل تصوراتنا عنه يمكن فحصها وضبطها وفقًا لطبيعته الإلهية. لذلك عندما نقترب إلى الله ’كآب‘ من خلال الابن، فإن معرفتنا للآب في الابن يكون أساسًا قائمًا في صميم كيان الله، كما أن هذه المعرفة تتحدَّد بما هو الله بالحقيقة في طبيعته الذاتية. وبما أننا في يسوع المسيح، نستطيع بالحقيقة أن نعرف الله وفقًا لطبيعته الذاتية كآب وابن، فإننا من الممكن أن نعرفه بطريقة تقوية ودقيقة معًا“.[98]

كما يُؤكِّد الأب چورچ فلوروفسكي على أن هناك الكثير من اللاهوتيين الكاثوليك المدرسيين، مثل: روبرت من دويتش، وأونوريوس أسقف أوتون، ودنس سكوتس؛ الذين تحدَّثوا عن التجسُّد غير المشروط، حيث يقول التالي: ”يبدو أن روبرت من دويتش[99] Rupert of Deutz (توفي عام 1135 القرن الثاني عشر) هو الأول من بين اللاهوتيين في العصر الوسيط الذي أثار وبشكلٍ رسمي السؤال عن دافع التجسُّد الإلهيّ، وكانت نظريته أو قناعته أن التجسُّد الإلهيَّ يخص التصميم الأصيل للخلق، ومن ثم كان مُستقلاً عن السقوط، كان التجسُّد الإلهيّ بحسب تفسيره ورؤيته، هو تمام وكمال تحقيق غاية الله الأولى من الخلق أصلاً، وهو هدف في حد ذاته، وليس مُجرَّد علاج بالفداء والخلاص للفشل البشريّ. وكان أونوريوس أسقف أوتون[100] Honorius of Autun (توفي عام 1152 في القرن الثاني عشر) يتبع نفس القناعة. أما علماء القرن الثالث عشر العظماء، مثل: ألكسندر أسقف هيلز[101]، وألبرت ماجنوس[102]، فقد تبنيا فكرة التجسُّد مُستقلاً عن السقوط كأكثر الحلول إقناعًا ومُوائمةً للمشكلة. أمَّا دنس سكوتس[103] (Duns Scotus 1266-1308) فقد شرح وفسَّر المفهوم بأكمله بمنتهى الحيطة والحذر والرصانة المنطقية“.[104]

ثم يستطرد الأب چورچ فلوروفسكي شارحًا مفهوم التجسُّد غير المشروط عند دنس سكوتس كالتالي: ”فإن التجسُّد الإلهيّ بالنسبة له وبمعزل عن السقوط، لم يكن مُجرَّد افتراض موائم ومناسب، بل تجسُّد ابن الله كان بالنسبة له هو السبب ذاته لظهور فعل وتدبير الخلق. وإلا كما فكَّر هو؛ فإن هذا الفعل الفائق الذي أتمَّمه الله يُفترض أنه كان مُجرَّد شيء ما عارض، أو حادث، أو ظرفي. مرةً أخرى، فإنْ كان السقوط هو علة وسبب ما سبق أن عيَّنه الله لمجيء المسيح، لنجم تبعًا لذلك، إنْ كان العمل الأعظم لله هو مُجرَّد فعل عارض، أو حادث، أو ظرفي، أو طارئ، فإن مجد الكل لن يكون بهذه الكثافة التي لمجد المسيح، ولبدا الأمر غير معقول، وغير منطقيّ التفكير فيه أن الله قد سبق وأتَّم مثل هذا العمل بسبب خير آدم أو عمله الصالح، إنْ لم يكن آدم قد أخطأ. إن السؤال بأكمله بالنسبة للباحث دنس سكوتس كان وبالضبط حول أمر ’سبق التعيين‘، أو الهدف الإلهيّ أي ترتيب وفق الأفكار التي في المشورة الإلهية للخلق. وكان المسيح، ذلك المتجسِّد هو أول موضوع وهدف مشيئة الله الخالقة، ولكان لأجل المسيح أيّ شيء آخر قد تم خلقه لأجل الجميع“.[105]

ويقتبس الأب فلوروفسكي فكرة دنس سكوتس عن أسباب التجسُّد غير المشروط كالتالي: ”إن تجسُّد المسيح لم يكن قد تمَّ النظر فيه هكذا عرضيًا أو بشكلٍ طارئ، بل قد تمَّ النظر إليه كغايةٍ فورية وحاسمة بواسطة الله منذ الأزل، هكذا، وحين نتحدَّث عن أمور قد سبق، وأن عيَّنها الله، فإن المسيح بالطبيعة البشرية، كان قد سبق وعَيَّن مثل الآخرين، إذ هو الأقرب إلى نهاية وقصد ما“.[106]

ويُؤكِّد الأب فلوروفسكي أن توما الأكوينيّ تبنَّى فكرة التجسُّد غير المشروط مُعتمِدًا على أوغسطينوس كالتالي: ”وقد ناقش الأكويني أيضًا (1224- 1274) تلك المشكلة بإفاضة طويلة. وقد رأى الثقل كله للمجادلات لصالح الرأس بأنه، حتى بمعزل عن السقوط: ’فإنَّ الله رغم ذلك سيتجسَّد‘، وقد اقتبس عبارة أوغسطينوس: ’في تجسُّد المسيح، لابد من اعتبار أمور أخرى إلى جانب غفران الخطايا ورفعها‘ (الثالوث13: 17)“.[107]

يُعطِي الأب فلوروفسكي تقريرًا عن حرص بونافنتورا وذلك عند مناقشة التجسُّد غير المشروط أو التجسُّد المشروط بالسقوط كالتالي: ”وقد اتبع بونافنتورا (1221-1274م) نفس الحرص؛ مُقارِنًا الرأيين – أحدهما لصالح التجسُّد بمعزل عن السقوط، والآخر مُعتمِدًا عليه، وخَلُصَ إلى أن: كلا الرأيين يُحفِّز النفس على التكريس بعدة اعتبارات مختلفة: الأول [أي التجسُّد غير المشروط]، رغم ذلك، والأكثر توافقًا مع حُكم المنطق والعقل، ومع ذلك يبدو أن الأمر الثاني أكثر قبولاً لتقوى الإيمان“.[108]

يسرد الأب فلوروفسكي العديد من اللاهوتيين الكاثوليك (خاصةً الرهبان الفرنسيسكان) والبروتستانت المؤمنين بالتجسُّد غير المشروط كالتالي:

”وبالإجمال، فإن دنس سكوتس قد تبعته الأغلبية من اللاهوتيين في النظام الفرنسيسكانيِّ، بل وبواسطة عدد ليس بالقليل خارجه، على سبيل المثال: يوتيسيوس كارتوسيانوس، وجابرييل بييل، وچون فيسيل، وفي عصر مجمع ترنت بواسطة چياكومو ناتشيانتي أسقف تشيوزان، وچاكوبوس ناكلانتوس، وأيضًا بواسطة بعض المصلحين الأوائل، على سبيل المثال: بواسطة أندرياس أوسياندر […] ومن بين الأبطال الكاثوليك الغربيين عن القانون المطلق للتجسُّد الإلهيّ [أيّ التجسُّد غير المشروط]، على المرء أن يذكر وبصفة خاصة فرانسوا دو سال، ومالبرانش، ولقد أصرَّ مالبرانش وبشدة على الضرورة الميتافزيقية لسر التجسُّد بمعزل نهائيّ عن السقوط، وإلا هكذا يزعم، لما صار هنا من سبب مقبول ومضبوط أو هدف لفعل الخلق ذاته […] ومن بين الأنجليكان، وفي القرن الأخير، فإن الأسقف ديسكوت يتذرع وبقوة بما يُسمَى ’الدافع المطلق‘ في مقاله الرائع المثير للإعجاب حول ’إنجيل الحق‘. أما الأب الراحل سيرچي بولجاكوف، فقد كان من المؤيِّدين بشدة للرأي القائل بأن سر التجسُّد الإلهيّ لابد أن نعتبره قانونًا مُطلقًا وضعه الله، حتى قبل كارثة ومأساة السقوط“.[109]

 

 

الفصل السادس

المسيح هو شجرة الحياة

الفصل السادس: المسيح هو شجرة الحياة

لا بد أن نضع في أذهاننا بعض الإشارات الكتابية التي تُؤكِّد على حقيقة أن المسيح هو شجرة الحياة في الفردوس، التي كان ينبغي أن يأكل الإنسان منها، بمعنى أن يتَّحد بالمسيح، لكي يحيا إلى الأبد. وهذا يُؤكِّد على حقيقة التجسُّد الإلهيّ غير المشروط بخطية آدم وسقوطه، لأن غاية الإنسان أن يأكل من شجرة الحياة لكي يحيا إلى الأبد، أي أن يتَّحد بالمسيح شجرة الحياة، سواء قبل السقوط أو بعده.

  • يشير سفر التكوين إلى أن الله وضع شجرة الحياة في وسط الجنة قائلاً: ”وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ، وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ“ (تك 2: 9)
  • يُوضِّح سفر التكوين حقيقة أن الأكل من شجرة الحياة يمنح الحياة الأبدية، وما الحياة الأبدية إلا المسيح نفسه، الطريق والحق والحياة كالتالي: ”وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ“ (تك 3: 22).
  • لذا عندما طرد الله الإنسان من الجنة وضع الكروبيم ولهيب سيف مُتقلِّب لحراسة الطريق إلى شجرة الحياة، لئلا يأكل الإنسان منها ويحيا إلى الأبد في الشرّ والخطية كالتالي: ”فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ“ (تك 3: 24).
  • ويظهر في سفر الرؤيا وعد الله للبشر الغالبين بأن يأكلوا من شجرة الحياة الموجودة في وسط أو مركز فردوس الله، ليحيوا إلى الأبد، وما شجرة الحياة الكائنة في وسط فردوس الله إلا المسيح نفسه كالتالي: ”مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي وَسَطِ فِرْدَوْسِ اللهِ“ (رؤ 2: 7).

ق. أثناسيوس الرسولي

يُشِير ق. أثناسيوس إلى أن المسيح ابن الآب بالحقيقة هو شجرة الحياة مثلما قيل عنه أنه الكرمة والطريق والباب كالتالي:

”أمَّا مَن هو ابن بالحقيقة، فيقولون عنه إنه كلمة بالاسم فقط، مثلما قيل إنه كرمةٌ، وطريقٌ، وبابٌ، وشجرة حياة“.[110]

ق. كيرلس الإسكندري

يُشِير ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا إلى أن المسيح هو شجرة الحياة التي كانت موجودةً في الجنة قبل السقوط كالتالي:

المسيح هو الذي دُعِيَ شجرة الحياة. […] إذًا، فبالمسيح شجرة الحياة يصير كل ما هو مرٌ حلوًا“.[111]

ق. مكاريوس الكبير

يُؤكِّد ق. مكاريوس الكبير على أن المسيح هو شجرة الحياة والفردوس، وهكذا كان الإنسان مدعو في الفردوس للاتحاد بالمسيح من خلال الأكل من شجرة الحياة ليحيا إلى الأبد قائلاً:

”يُعلِّمك [المسيح] هكذا ويُعطِيك الصلاة الحقيقية، والمحبة الحقيقية التي هي هو نفسه صائرًا فيك كل شيء: الفردوس، وشجرة الحياة (رؤ 2: 7؛ 22: 14)، الجوهر والإكليل، البنَّاء والفلاح، المتألم والمنزَّه عن الألم، الإنسان والإله، الخمر والماء الحيّ، الحمل والعريس، رجل الحرب والسلاح، المسيح الكل في الكل“.[112]

ق. غريغوريوس النيسي

يشير ق. غريغوريوس النيسيّ إلى أن سليمان يدعو الربَّ يسوع المسيح، الذي هو أقنوم الحكمة، بشجرة الحياة كالتالي:

”فداود يقول: ’ولتنعم بالربِّ نفسك‘ (مز 36: 4)، وسليمان يدعو الحكمة التي هي الربّ ’شجرة الحياة‘ (أم 3: 18)“.[113]

مار أوغريس البنطي

يشير مار أوغريس أو إيفاجريوس البنطيّ إلى أن المسيح هو شجرة الحياة، التي كان ينبغي على آدم أن يأكل منها لكي ينال الخلود والحياة الأبدية قائلاً:

”الثالوث المبارك هو علامة المياه المباركة، وشجرة الحياة هي المسيح الذي يشربه“.[114]

ويطلب مار أوغريس منَّا أن نستشير المسيح شجرة الحياة ولن نموت أبدًا، في إشارة إلى أن شجرة الحياة هي مصدر الحياة الأبدية في الفردوس، وشجرة الحياة هي المسيح كالتالي:

يسوع المسيح هو شجرة الحياة (أم 3: 18)، استشره كما يجب، ولن تموت أبدًا“.[115]

مار غريغوريوس بن العبري

يستعرض مار غريغوريوس بن العبريّ مصير الإنسانين الأولين قبل السقوط في تعدي الوصية، حيث يرى أنهما كانا سيعيشان حياةً بعيدةً عن الشقاء والضيق والعذاب والحاجات الضرورية، وكان سينجبان بلا زواج وهكذا يمتلئ الفراغ الحاصل بين الملائكة بسقوط الشيطان، ويصلان إلى الملكوت شيئًا فشيئًا، ويرتفعان بجسديهما إلى الملكوت مثل الروحانيين الذين كانوا سعداء مع الذي تجسَّد كالتالي:

”لو لم يتعد أبونا آدم الوصية بل حفظها لعاشا حياةً بعيدةً عن الشقاء والضيق والحاجات الضرورية، وينعم بأطايب مزارع الفردوس دون تعب وعذاب مقتاتين من شجرة المعرفة بترخيصٍ من الشريعة، ومن شجرة الحياة متسامين عن موت الخطيئة، ولأنجبا من دون زواج ولامتلأ الفراغ الحاصل بين الملائكة بسقوط الشيطان، ووصلا إلى الملكوت شيئًا فشيئًا، وبذلك يكونان قد ارتفعا بجسديهما إلى الملكوت حتى الآن، مثل الروحانيين الذين كانوا سعداء مع الذي تجسَّد، وكما كانا بحاجة إلى القيامة مع الأموات، ولا ذاقا الموت بنوعيه الجسديّ والروحيّ. وبعد القيامة صارا في وسط ملكوت الله. لا يمكن خوض أعماق الله لكي يحصلا على الدرجة المناسبة. وقد أشار الابن إلى أن الفردوس قد يكون أحد هذه“.[116]

 

 

الفصل السابع

تفسير عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“

الفصل السابع: تفسير عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“

نرى في هذا الجزء من قانون الإيمان الأرثوذكسيّ: ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“، أن الله لم يتجسَّد فقط من أجل الخلاص، بل من أجلنا أولاً نحن البشر، وهذا يضعنا أمام حقيقة واضحة، وهي أن التجسُّد والتأنُّس هو من أجل الإنسان قبل كل شيء، وبالتالي، لا يتوقف التجسُّد على الخلاص من خطية آدم فقط، بل التجسُّد هو تدبير من أجل الإنسان أولاً وأخيرًا.

ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس

يرى ق. إبيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص، والملقَّب بـ ”صائد الهرطقات“، أن أقنوم الكلمة صار في جسدٍ له نفس لأجلنا، وهذا يتفق مع الحقيقة المعلَنة في قول قانون الإيمان: ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“ كالتالي:

”فإن أولى طرق الاستقامة بحسب الإنجيل هي أن الكلمة لأجلنا قد صار جسدًا له نفس، في جسد مريم، لكي يُظهِر الأمور الأعلى لاحقًا“.[117]

يُشِير ق. إبيفانيوس إلى أن المسيح هو ”الطريق“ لأننا نسير من خلاله نحو الملكوت وإلى الآب، وهو ”الباب“ لأننا ندخل من خلاله، فلا يوجد وسيلة أخرى للوصول إلى الملكوت وإلى الآب إلا بالمسيح، سواء قبل السقوط أو بعده. فلا يوجد عند الله مثل هذه التقسيمات، فالله ليس ردة فعل لشيء، ولم يتفاجئ بشيء، بل كل الأمور مكشوفة أمامه منذ الأزل، وهكذا بدون التجسُّد الإلهيّ في المسيح لا يمكننا أن نصل إلى الملكوت وإلى الآب كالتالي:

”فنحن نعرف سبب كتابة تلك الأشياء: ’الطريق‘ لأننا نسير من خلاله [المسيح] نحو الملكوت، إليه وإلى الآب؛ ’الباب‘ لأننا ندخل من خلاله“.[118]

ق. كيرلس الإسكندري

يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندريّ عبارة قانون الإيمان ”هذا الذي من أجلنا نحن البشر“، بأن الابن تجسَّد من أجل إعلان أن الربَّ هو فوق الكل بالطبيعة والمجد، وتجسَّد من أجلنا، بمعنى أنه أراد أن يأتي إلى مشابهتنا ويُضِيء على العالم بالجسد، فالابن هو الوحيد المخبِر عن الآب الذي لم يره أحد قط، فكان لا بد أن يتجسَّد الابن سواء قبل السقوط أو بعده من أجل إعلان الله الثالوث القدوس في شخصه كالتالي:

”وبسبب هذا قالوا [آباء مجمع نيقية]: ’الذي لأجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا نزل وتجسَّد وتأنس‘. لاحظوا كيف تصير هذه العبارة بنظامٍ وترتيبٍ مناسبٍ جدًا. قد قالوا إنه نزل لكي نعرف بهذا أن الربَّ هو فوق الكل بالطبيعة وبالمجد، ونزل أيضًا من أجلنا، وأنا أعني أنه كانت له الرغبة في أن يأتي إلى مُشابهتنا، ويُضِيء على العالم بالجسد. لأنه مكتوب في سفر المزامير: ’سيأتي الله إلهنا ظاهرًا ولن يصمت‘ (مز 49: 3 سبعينية)“.[119]

لذا يُناقِش الأب سرجيوس بولجاكوف Sergius Bulgakov موضوع التجسُّد غير المشروط، مُستخدمًا نص قانون الإيمان النيقاوي القسطنطينيّ للتأكيد على تعليم التجسُّد غير المشروط كالتالي: ”السؤال الأعم والأكثر استباقية الذي ينشأ هنا هو هل التجسُّد هو وسيلة فقط للفداء ومصالحة الله مع الإنسان؛ أي هل بهذا المعنى هو نتيجة السقوط: ’فيا لا ذنب آدم السعيد‘، وفعل سوتيريولوچيّ [خلاصيّ]، أم هل بمعنى مُحدَّد هو مستقل عن السوتيريولوچيّ، وفعل مُحدَّد مسبقًا في حد ذاته. بمعنى آخر، كيف يُطرَح هذا السؤال عادةً في علم اللاهوت والآبائيات، ويتمُّ الإجابة عليه بالطريقتين، بالرغم من هيمنة التفسير السوتيريولوچيّ [الخلاصيِّ] للتجسُّد (خاصةً في علم الآبائيات). كما يُقدَّم التجسُّد عادةً أيضًا في الكتاب المقدَّس بعيدًا عن النصوص المقدَّمة أعلاه،[120] على أنه لخلاص الإنسان من الخطية، ورفع حمل الله خطايا العالم على نفسه على نحوٍ ذبائحيّ. ويتفق ذلك مع التحقيق الحقيقيّ والثابت للتجسُّد: ’من أجلنا، ومن أجل خلاصنا‘. ولكن الجزء الأول من صيغة قانون إيمان نيقية: ’من أجلنا‘ له معنى عام أكثر من استعماله المحدَّد في الجزء الثاني: ’من أجل خلاصنا‘. علاوة على ذلك، لا تشير النصوص المعروضة أعلاه إلى الهدف المباشر والفدائيّ [الخلاصيّ] للتجسُّد، بل إلى غايته النهائية والعالمية: غاية اتحاد وانجماع كل شيء سماويّ وأرضيّ في المسيح“.[121]

كما يُناقِش الأب سرجيوس بولجاكوف موضوع هل كان تدبير التجسُّد الأزليّ لسبق علم الله بسقوط الإنسان، فأعدَّ له التجسُّد أم أنه كان سيحدث سواء أخطأ أو لم يخطئ؛ حيث يرى أن القائلين أنه بسبب علم الله السابق بالسقوط فأعدَّ التجسُّد بأنهم يُقحِمون تصوراتهم البشرية، ويفرضونها على الله، ما يَعتبره أنثروبومورفيزم Anthropomorphism [أنسنة اللاهوت أو إقحام تصوُّرات بشرية على اللاهوت] كالتالي: ”ولا يوجد إما/أو بمحاذاة هاتين الغايتين، بل يوجد فقط كلاهما/و. فعلى وجه التحديد أكثر، المعضلة السوتيريولوچية [الخلاصية] مُتضمَنة في المعضلة الأسخاتولوچية [الأخروية] كالوسيلة في الغاية: فالفداء هو الطريق إلى ’مجدنا‘. لذلك ربما أفضل طريقة للإجابة على سؤال: هل كان من الممكن حدوث التجسُّد دون السقوط هي الاعتراض على السؤال نفسه كسبب غير منطقيّ، أو كأنثروبومورفيزيم Anthropomorphism [أنسنة اللاهوت] غير لائق من جهة أعمال الله“.[122]

يشرح الأب سرجيوس بولجاكوف عدم منطقية السبب أي أن السقوط فقط هو علة تجسُّد الله، حيث يقول التالي: ”يتشكَّل السبب غير المنطقيّ هنا في الاعتقاد بأنه لو لم يخطئ الإنسان، فكان من الممكن أن يترك الله نفسه بدون تجسُّد. وهكذا صار التجسُّد مُعتمِدًا على الإنسان، وبالأخص على سقوطه، وعلى خطيته الأولى، وبالتحليل النهائيّ، حتى على الحية [أي الشيطان]. ولكن تُشِير شهادات الكتاب المقدَّس المقتبَسة أعلاه إلى العكس، حيث كان سر التجسُّد مُعَدَّ ’قبل إنشاء العالم‘، أي أنه يُعبِّر عن العلاقة المقرَّرة والضرورية أكثر بين الله والعالم، وليس فقط بحدث مُعيَّن في حياة العالم، حتى لو كان حدثًا له أهمية ضرورية لأجلنا. فلم يستخدم العالم سقوط الإنسان لإجبار الله على أن يجعل نفسه مُتجسِّدًا (لأنه كيف يمكن للعالم أن يضطر الله على فعل أي شيء؟)، بل بالأحرى خلق الله العالم من أجل التجسُّد“.[123]

يُشِير الأب كاليستوس وير Kallistus Ware إلى تعليم الآباء الشرقيين بالتجسُّد غير المشروط كالتالي: ”التجسُّد هو فعل محبة الله للبشر. ويدَّعي العديد من المؤلفين الشرقيين بأنه حتى لو لم يكن الإنسان قد تعرَّض للسقوط، فإن الله في محبته للبشر، كان سيصير إنسانًا. ويقولون أيضًا إنه يقتضي فهم التجسُّد على أنه جزء من قصد الله الأزليّ، وليس مُجرَّد رد فعل على السقوط. تلك كانت وجهة نظر مكسيموس المعترف ومار اسحاق السريانيّ، وكذلك آراء بعض اللاهوتيين الغربيين، ولا سيما دنس سكوتس (1265-1038)“.[124]

 

الفصل الثامن

التجسد غير المشروط في الدراسات اللاهوتية الأكاديمية

الفصل الثامن: التجسد غير المشروط في الدراسات اللاهوتية الأكاديمية

سوف نستعرض في هذا الفصل موضوع التجسد غير المشروط بخطية آدم كما جاء في الدراسات الحديثة والمعاصرة لنرى موقف العالم الأكاديميّ من هذا الأمر.

جوهانس كواستن

يُؤكِّد عالم الآبائيات المعروف چوهانس كواستن على أن أساس التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس المتعلِّق بعقيدة الفداء والخلاص يرتبط بالتأله كالتالي:

”إن أساس ما كان يدافع عنه ق. أثناسيوس فيما يخص اللوغوس هو عقيدة الفداء والعبارات التالية تعبر عن التعليم اللاهوتي للقديس أثناسيوس: ’لقد صار (كلمة الله) إنسانًا لكي ما يؤلهنا θεοποιηθώμεν […]‘ (تجسد الكلمة: ٥٤) […] لذلك يستدل ق. أثناسيوس على ضرورة تجسد الكلمة وموته من مشيئة الله لفداء البشر، فلم يكن ممكنًا أن نحصل على الفداء، إذا لم يكن الله نفسه قد صار إنسانًا، وإذا لم يكن المسيح هو الله، ولذا فإن اللوغوس باتخاذه الطبيعة البشرية، قد آلّه البشر، وقد غلب الموت ليس من أجل نفسه، بل من أجلنا كلنا“.[125]

توماس تورانس

يستفيض أكثر عالم الآبائيات المعروف توماس تورانس في التأكيد على حقيقة التعليم بالتجسد غير المشروط عند القديس أثناسيوس، وارتباطه بتكميل عقيدة الخلق من العدم عند الآباء، حيث يقول:

”لقد لعبت عقيدة التجسد دورًا إضافيًا في عقيدة (الخلق من العدم) عند الآباء، إذ كشفت أن العالم كان في وضع غير مستقر وغير ثابت تمامًا، مما استدعى من الله الابن أن يوحده بذاته لكي يحفظه وينقذه […] وهكذا بالنظر إلى التجسد بهذه الطريقة، فإنه ينبغي أن يُفهم على أنه (أي التجسد) يكمل عمل الخلق ويُتمِّم علاقة الخليقة (الاعتمادية) بالله، إذًا، فبصورة ما يجب اعتبار أن الخليقة من البداية كانت متوقفة على (أو مشروطة بـ) التجسُّد“.[126]

وبالتالي، يؤكد البروفيسور توماس تورانس على أن التعليم بالتجسد غير المشروط هو تعليمٌ أصيلٌ عند ق. أثناسيوس.

وهكذا يُفرِّق توماس تورانس بين أمرين هما قانون الموت وحكم الموت، فيرى أن:

  • قانون الموت؛ أيّ أننا مخلوقون من العدم وإننا نؤول إلى العدم والفناء بحسب طبيعتنا العرضية الاعتمادية؛ التي تعتمد على الحياة المأخوذة من الله، وبدون الله نصير عدمًا كما كنا قبل الخلق، وآدم حتى وهو في الفردوس كان مُعرَّضًا لهذا الموت الطبيعيّ بحسب القانون الطبيعيّ لطبيعته العدمية.
  • حُكم الموت أي ”يوم أن تأكل منها موتًا تموت“؛ وهنا المقصود هو رفض معية الله والإبحار في الله، وأستبدل الإنسان ذلك بالإبحار في ذاته بعيدًا عن معية وشركة الله، فأوقع نفسه بإرادته تحت حكم الموت؛ كما قال ق. غريغوريوس اللاهوتي: ”أنا اجتذبت لي قضية الموت“.

يشرح القديس أثناسيوس هذه المسألة في واحدة من أهم فقرات كتاب ”تجسد الكلمة“، فيقول:

”الله صالح، بل هو بالحري مصدر الصلاح. والصالح لا يمكن أن يبخل بأي شيء وهو لا يحسد أحدًا حتى على الوجود. ولذلك خلق كل الأشياء من العدم بكلمته يسوع المسيح ربنا، وبنوع خاص تحنن على جنس البشر. ولأنه رأى عدم قدرة الإنسان أن يبقى دائمًا على الحالة التي خُلق فيها، أعطاه نعمة إضافية، فلم يكتف بخلق البشر مثل باقي الكائنات غير العاقلة على الأرض، بل خلقهم على صورته، وأعطاهم شركة في قوة كلمته حتى يستطيعوا بطريقة ما – ولهم بعض من (ظل الكلمة) وقد صاروا عقلاء – أن يبقوا في سعادة ويحيوا الحياة الحقيقية، حياة القديسين في الفردوس“. [127]

يُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا، في سياق شرحه لطبيعة آدم عند خلقه وقبل السقوط، على عدة أمور:

  • خلقة الإنسان من العدم بواسطة اللوغوس أي يسوع المسيح ربنا.
  • أعطى الله الإنسان نعمة إضافية وليس كما خلق الحيوانات العجماوات، بل خلقه على صورته في البر والقداسة والحكمة وإلخ.
  • أعطاه شركة في قوة الكلمة، وأسماها أيضًا ظل الكلمة، وأسماها أيضًا بذرة اللوغوس Σπερματικός λόγος في كتابه ”ضد الوثنيين“، حيث يقول:

”لا أقصد باللوغوس (الأقنوم) تلك القوة الغريزية المودعة في كل الأشياء المخلوقة – التي أعتاد البعض أن يدعوها ببذرة الكلمة – والعديمة النفس والتي لا تملك المنطق والتفكير، لكنها تعمل من الظاهر حسب فطنة مَن يستخدمها“. [128]

  • لو حفظ هذه النعمة الإضافية سيبقى في سعادة وحياة حقيقية وحياة القديسين في الفردوس، كلها مرادفات لمفهوم الشركة والمعية مع الله في الفردوس. ثم يكمّل ق. أثناسيوس قائلاً:

”ولكن لعلمه إن إرادة البشر يمكن أن تميل إلى أحد الاتجاهين (الخير أو الشر). سبق فأمَّن النعمة المعطاة لهم بوصية ومكان، فأدخلهم في فردوسه وأعطاهم وصية حتى إذا حفظوا النعمة واستمروا صالحين عاشوا في الفردوس بدون حزن أو ألم أو هّم، بالإضافة إلى الوعد بالخلود في السماء“.[129]

ويؤكد ق. أثناسيوس هنا أيضًا على عدة أمور:

  • حرية الإرادة الإنسانية في اختيار الخير أي اختيار المعية والشركة الإلهية أو الشر الانفصال عن الله.
  • تأمين النعمة السابقة المعطاة لهم (قوة/ظل/بذرة اللوغوس) بوصية ومكان.
  • لو حافظوا على النعمة يستمرون صالحين في الفردوس بدون نتائج السقوط والعصيان (الحزن والألم والهم؛ وهي آلام نفسية صعبة أختبرها الإنسان بعد السقوط، لم تكن من قبل في طبيعته).
  1. ويشير ق. أثناسيوس هنا لنقطة محورية وهي ”الوعد بالخلود في السماء“، هل لو كان الإنسان مخلوق خالد بطبيعته هل يسمي ق. أثناسيوس هذا ”وعدًا“ أم يسميه حقيقة أصيلة في طبيعة الإنسان؟ ولكنه يسميه وعدًا؛ والوعد هو ما سيتحقق في المستقبل وليس في الحاضر، مما يؤكد أن الإنسان لم يكن خالدًا في الفردوس، بل كان مُعرضًا لقانون الموت الطبيعي؛ كما أسمَّاه توماس تورانس في الفقرة أعلاه.

ثم يكمّل ق. أثناسيوس في نفس السياق قائلاً:

”أمَّا إذا تعدوا الوصية وارتدوا (عن الخير) وصاروا أشرارًا فليعلموا أنهم سيجلبون الموت على أنفسهم بحسب طبيعتهم ولن يحيوا بعد في الفردوس، بل يموتون خارجًا عنه ويبقون إلى الأبد في الفساد والموت“. [130]

ويفرق ق. أثناسيوس هنا بين نوعين من الموت وهما:

  • أ‌- الموت الطبيعي الذي اسماه ق. أثناسيوس ”بحسب طبيعتهم“، وأسماه تورانس ”قانون الموت“، بمعنى أن موت الإنسان كان سيحدث حتى لو لم يكن قد أخطأ لأنه بطبيعته مائت وعدمي وعرضي واعتمادي الوجود.
  • ب‌- الموت الأبدي وهو الانفصال التام والنهائي عن الشركة الإلهية، والبقاء الأبدي في ذلك الموت خارج الفردوس؛ أي معية الله وشركته.

يكمل ق. أثناسيوس أيضًا في نفس السياق قائلاً:

”وهذا ما سبق وحذرنا منه الكتاب المقدس بفم الله قائلاً ’من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتًا تموت‘ و ’موتًا تموت‘ لا تعني بالقطع مجرد الموت فقط، بل البقاء في فساد الموت إلى الأبد“. [131]

ويفرق ق. أثناسيوس هنا أيضًا بين نوعين من الموت هما:

  • الأول اسمَّاه ”الموت فقط“ وهو قانون الموت الطبيعي مما يؤكد موت الإنسان الأول في الفردوس بسبب طبيعته العدمية العرضية الاعتمادية.
  • الثاني اسماه ”البقاء في الموت إلى الأبد“ وهو حكم الموت الأبدي بالانفصال عن الله بتعدي الإنسان وعصيانه.

أخيرًا، يؤكِّد ق. أثناسيوس على حتمية التجسد غير المشروط بعصيان وخطية آدم -والذي قال عنه تورانس: ”أن الخليقة من البداية متوقفة على أو مشروطة بالتجسد“- في قوله:

”ولو أن الله قال كلمة واحدة – بسبب قدرته – وأبطل اللعنة، لظهرت قوة الذي أعطى الأمر ولكن الإنسان كان سيظل كما كان قبل العصيان لأنه سيحصل على النعمة من الخارج دون أن تكون متحدة مع الجسد – فهذه كانت الحالة عندما وُضِعَ في الجنة – بل ربما صارت حالته الآن أسوأ مما كان في الجنة بسبب أنه قد تعلم كيف يعصي. فلو كانت حالته هكذا وأغوي مرة أخرى بواسطة الحية لصارت هناك حاجة أخرى أن يأمر الله ويبطل اللعنة وهكذا تستمر الحاجة إلى ما لانهاية. وتظل البشر تحت الذنب بسبب استعبادهم للخطية إذ هم يقترفون الآثم. ولظلوا على الدوام لمَن يعفو عنهم ولما خلصوا قط. ولكونهم أجسادًا بحسب طبيعتهم فإنهم يظلون مقهورين دائمًا بالناموس بسبب ضعف الجسد“. [132]

ويُؤكِّد ق. أثناسيوس هنا على قانون الموت الطبيعي الذي خُلِق الإنسان به في الفردوس، حيث كانت له وهو في الجنة نعمة خارجية (ظل اللوغوس أو بذرة اللوغوس أو قوة اللوغوس)، ولكنه كان محتاجًا للتجسد الإلهي ليعطيه النعمة داخليًا ويتَّحد بها، وإنه كان سيموت بحسب القانون الطبيعي (قانون الموت) حتى لو لم يخطأ، ولم يأكل من الشجرة، ويتعدى على الوصية (حكم الموت)، وهكذا بتجسُّد الكلمة أزال كل من قانون الموت، وحكم الموت عن البشرية كلها في جسده، وضفَّر نعمة الحياة الأبدية والخلود والتأله بالنعمة بطبيعة جسدنا؛ وهكذا نلنا الشركة الأبدية مع الله في الكلمة المتجسِّد.

جوستاف ألين

يتحدَّث بروفيسور جوستاف ألين أيضًا عن تعليم التجسد غير المشروط عند ق. أثناسيوس كالتالي:

”لذلك يتساءل [أثناسيوس] في موضع ما (تجسد الكلمة: ٧) هل كان من الممكن أن يتخذ الله طريق آخر غير طريق التجسد، ويجيب [أثناسيوس] أنه من أجل الحصول على الخلاص، كان من الممكن أن يكفي جدًا أن يتوب الإنسان، إن كانت المشكلة الوحيدة هي مشكلة الخطية، وليس مشكلة الفساد والموت كنتيجة للخطية، ولكن بما أنه عن طريق الخطية، قد فقد البشر الصورة الإلهية، وصاروا خاضعين للموت، فلهذا السبب، كان ينبغي على الكلمة أن يأتي ويخلصهم من سلطان الفساد. يبدو أنه من مثل هذه الفقرات أن الحاجة إلى مجيء المسيح وعمله الفدائيّ قد نشأت بشكل خاص وحصريّ من نتائج الخطية، وليست من الخطية نفسها، وبالتالي، كان عمل المسيح له فقط علاقة غير مباشرة بالخطية. أما مثل هذا التفسير لم يكن فقط سواء لأثناسيوس، أو للآباء اليونانيين الآخرين. حيث لم يعتبر ق. أثناسيوس الخطية في الحقيقة هي السبب بشكل مجرّد للفساد، الذي أحتاج البشر الخلاص منه، بل لأنهم متجانسون ومتَّحِدون معه. وربما يمكن القول بأن عمل المسيح له علاقة مباشرة بالخطية، بحيث أنه جاء لكي ما يحطّم سلطان الخطية على الحياة البشرية. لقد جاء ’لكي ما يحرر الجميع من الخطية ولعنة الخطية، ولكي ما يحيا الجميع في الحق إلى الأبد أحرارًا من الموت، وليلبسوا عدم الفساد وعدم الموت‘ [ضد الآريوسيين ٢: ٦٩]، ويمكن القول حقًا أن غفران الخطايا لم يتمَّ التأكيد عليه بنفس القوة كما بواسطة المصلحين، فلم يتعمق اللاهوتيون اليونانيون مثل لوثر في ذلك. ولكن لا يبرر هذا الزعم بأن فكرة الخطية تأخذ مرتبة أدنى فقط، حيث أن مفهومه [أي أثناسيوس] عن الخلاص هو ببساطة ’مادي‘ و ’طبيعي‘، وهبة عدم الموت في الطبيعة البشرية هي من خلال طبيعة المسيح اللاهوتية“. [133]

لورانس جرينستيد

يوضح البروفيسور لورانس جرينستيد التقارب بين تعليم أثناسيوس بالتجسد غير المشروط وبين تعليم جون دانس سكوتس اللاهوتي اللاتيني عن نفس الموضوع، حيث يقول التالي:

”يبدأ الاختلاف بين النظامين [أيّ الأكوينيّ والسكوتيّ] من رأيهما عن التجسُّد، حيث يجادل سكوتس ضد أي صلة بين التجسد وسقوط الإنسان. حيث الرأي القديم للآباء اللاتين أن المسيح أخذ ناسوتًا لكي ما يسدّد دَّين الإنسان [أيّ التعليم اللاتينيّ الغربيّ]، فهو [دنس سكوتس] هنا يعطي مكانًا للرأي الذي يشبه كثيرًا جدًا رأي بعض الآباء اليونانيين الأوائل، وبشكلٍ دقيق رأي ق. أثناسيوس. ولكنه بالرغم من ذلك، لم يكن سكوتس مستيكيًا بالكفاية ليجعل رأيه الخاص هو المفهوم اليوناني للاتحاد الأبديّ بين الكلمة وخليقته. ولكن بالنسبة له أيضًا، التجسد هو حقيقة أزلية. على كل حال، كان ينبغي أن يأتي [الكلمة] ليكون الرأس الثاني للجنس البشري. حيث سبق تعيين واختيار طبيعته البشرية منذ كل الأزل، وكانت بشكل ما سابقة على السقوط“. [134]

هستنجس راشدال

يؤكد البروفيسور هستنجس راشدال على تعليم القديس أثناسيوس بعقيدة التجسد غير المشروط من أجل إعطاء الإنسان هبة عدم الفساد وعدم الموت كالتالي:

”يحاول ق. أثناسيوس أن يبين أن القابلية للفساد ليست عقوبةً جزائيةً فرضها الله، بل هي نتيجةٌ طبيعيةٌ وحتميةٌ للخطية. لم يكن الإنسان بالطبيعة غير قابل للفساد أو غير قابل للموت، بل كان جسده، وكما يبدو بوضوحٍ حتى نفسه العاقلة، قابلين للموت بالطبيعة. ولكن خُلق الإنسان فقط بين الحيوانات على ’صورة الله‘، وينبغي القول بأنه هو الوحيد الممنوح هبة العقل، التي تحمل معها فرصة الفوز بعدم الفساد من خلال الفعل الحر بحسب العقل، وكانت هذه الهبة بسبب الشركة مع اللوغوس (تجسد الكلمة ٣: ٣)“. [135]

ويُعلِّق راشدال على الفقرة السابقة في حاشية رقم (3) ومفهوم ق. أثناسيوس عن حالة الإنسان قبل السقوط وبعده قائلاً:

”يبدو أن الفقرات التالية تفترض أن أثناسيوس ظن أنه بعد السقوط، توقف الإنسان بالفعل عن أن يكون خالدًا، وأن نفوس البشر ماتت مع أجسادها، وظلت مائتةً حتى أعاد عمل المسيح عدم الموت (الخلود) إلى النفس والجسد على حد السواء، بينما لا يدعم أثناسيوس (مثل أوغسطينوس) إنه لن يكون هناك موت جسدي إلا بسبب السقوط (تجسد الكلمة ٣: ٤)“. [136]

يُؤكِّد البروفيسور راشدال في الحاشية السابقة على أن ق. أثناسيوس يختلف في تعليمه عن ق. أوغسطينوس، حيث يعلم الأخير بأنه لا يوجد أي موت سواء جسدي أو روحي قبل السقوط، وأن الموت الجسدي والروحي بسبب السقوط، بينما يعلم ق. أثناسيوس أن الموت الجسدي كان موجود قبل السقوط، طالما أخذ الإنسان جسد مُتغيِّر طبيعي يأكل ويشرب وينمو ويتكاثر ويثمر، فهو بالتالي قابل للفساد الطبيعي، وبالتالي قابل للموت الطبيعيّ (البيولوجيّ الإكلينيكيّ)، وإلا كان جسد غير طبيعي أو فوق الطبيعي، وهذا لا يتفق مع كونه خاضعًا للاحتياجات البشرية العادية، وقابل للموت البيولوجي الطبيعي، حيث يؤكد أثناسيوس والآباء السابقين واللاحقين له أن الإنسان لم يكن خالد بالطبيعة، بل كان سيُعطى نعمة الخلود وعدم الموت باتحاد الكلمة به لكي يهبه الحياة الأبدية وعدم الموت.

 

 

 

[1] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٢: ٢٢: ٧٧، ص 272، 273.

[2] Justin Martyr, Fragment 5, Otto, Corpus Apologet. Christian. Vol. III, p. 250ff & see Clark, ANF03, p. 358

[3] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، ٢٠١٩)، ٢: ٢٥، ص ٨٠.

[4] المرجع السابق، ٢: ٢٧، ص ٨٢.

[5] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، ٤: ٣٨: ١، ص ٢٥٨-٢٥٩.

[6] إيرينيؤس (قديس)، برهان الكرازة الرسولية، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٩)، فصل ١٢، ص ٧٨.

[7] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٩)، ٤: ٣٨: ١، ص ٢٥٩.

[8] Clement of Alexandria, ANF02, trans. by Alexander Roberts & James Donaldson, ed. Philip Schaff, CCEL, Stromata 6: 12, p. 1069.

[9] Tertullian, ANF03, trans. by Dr. Holmes, Ed. by Philip Schaff, CCEL, Against Marcion 2: 25, p. 444.

[10] ميثوديوس الأوليمبي (قديس)، الكتابات النسكية المسيحية الأولى (وليمة العشر عذراى)، ترجمة: الراهب تيموثاوس المحرقي، (القاهرة، ٢٠٠٩)، ١: ٤، ص ٩٨.

[11] ديونيسيوس الإسكندري (قديس)، القديس ديونيسيوس السكندري الكبير: معلم الكنيسة الجامعة، ترجمة وإعداد: أمجد رفعت رشدي، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، شذرات على سفر أيوب، ص ٢٢٩.

[12] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠٠٣)، ٤: ٦، ص 11-12.

[13] المرجع السابق، 5: 1، ص 13.

[14] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات عيد القيامة، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز القبطي الأرثوذكسي، ٢٠١٥)، العظة الفصحية الثانية : 7، ص ٢٣.

[15] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ٢٠٢١)، فصل ١٦، ص ٨٦-٨٧.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ١٣١-١٣٢.

[17] أوغسطينوس أسقف هيبو، مدينة الله مج٢، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٥)، ١٣: ١، ص ١٠٩.

[18] يوحنا الدمشقي (أب)، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، ١٩٨٤)، ٢: ٢٦: ١٢، ص ١١٥-١١٦.

[19] يعقوب الرهاوي (مار)، الأيام الستة، ترجمة: متروبوليت غريغوريوس صليبا، ١٩٩٠، مقالة ٧، ص ٢٢٨-٢٢٩.

[20] ديونيسيوس بن الصليبي (مار)، الدر الفريد في تفسير العهد الجديد ج٢، ترجمة: الراهب عبد المسيح الدولباني السرياني، (لبنان، ٢٠١٧)، تعليق على (يو ٣: ١٣)، ص ٣٦٣.

[21] غريغوريوس بن العبري (مار)، منارة الأقداس، ترجمة: مار ديونيسيوس بهنام، (سوريا: دار ماردين للنشر، ١٩٩٦)، ٣: ١، ص ٣٦٣.

[22] سويروس يعقوب البرطلي (مار)، الكنوز، ترجمة: الشماس بهنام دانيال، (سوريا: دار ماردين للنشر، ٢٠٠٧)، فصل ٣٢، ص ٢٤٢.

[23] يوستينوس الشهيد (قديس)، القديس يوستينوس الفيلسوف والشهيد (الدفاعان والحوار مع تريفون ونصوص أخرى)، ترجمة: أ. آمال فؤاد، (القاهرة: مركز باناريون للتراث الآبائي، 2012)، الحوار مع تريفون اليهودي : 124، ص 299.

[24] المرجع السابق، خطاب إلى اليونانيين : 5، ص 387.

[25] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، ٤: ٣٨: ٤، ص 261.

[26] المرجع السابق، ٣: ١٨: ٧، ص ٩٤.

[27] ثيؤفيلوس الأنطاكي (قديس)، الرد على أتوليكوس، ترجمة: عادل ذكري، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2019)، ٢: ٢٧، ص 82.

[28] أثيناغوراس الأثيني (فيلسوف)، أثيناغوراس الفيلسوف الأثيني، ترجمة: مارك ألفونس، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2017)، مقالة عن قيامة الأموات، الفصل ١٢، ص 143، 144.

[29] Tertullian, ANF03 (Against Marcion), Trans. by Dr. Holmes, Edit. By Phillip Schaff, (Grand Rapids, MI: Christian Classics Ethereal Library, 1845- 1916), 2: 25, p. 444.

[30] نوفاتيان (الأفريقي)، عن الثالوث، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: دار رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 15: 9، ص 76.

[31] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٣: ٤، ص 8، 9.

[32] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: د. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٢: ٢١: ٦٦، ص 256.

[33] المرجع السابق، ٢: ٢١: ٦٧، ص 257.

[34] المرجع السابق، 2: 21: 68، ص 259.

[35] المرجع السابق، ٣: ٢٧: ٣٨، ص 344.

[36] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات للموعوظين، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: جامعة الكسليك، 1982)، عظة 4: 18، ص 63.

[37] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، شرح الإيمان المسيحي، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، 3: 3: 19، 20، ص 164، 165.

[38] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات عيد القيامة (العظة الفصحية الثانية)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015)، عظة 45: ٧، ص 23.

[39] غريغوريوس النيسي (قديس)، تعليم الموعوظين، ترجمة: د. چورچ فرج، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2022)، 2: 5: 5-6، ص 124، 125.

[40] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 3، ص 36.

[41] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، إشراف: نيافة الانبا إبيفانيوس المقاري، (وادي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 1: 10-12، ص 133، 134.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 131، 132.

[43] المرجع السابق، ص 83.

[44] المرجع السابق، تعليق على (يو 1: 4)، ص 83-84.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج٢، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص ٢١٤.

[46] المرجع السابق.

[47] المرجع السابق، ص ٢١٥.

[48] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي الدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 83، 84.

[49] أوغسطينوس أسقف هيبو، مدينة الله ج٣، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، ٢٢: ٣٠، ص ٤١٣.

[50] أوغسطينوس أسقف هيبو، العظات على المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، عظة 16 على (مز 118) : 1، ص 399.

[51] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا يسطس، (القاهرة، 2017)، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة 1: 42، ص 167.

[52] يوحنا الدمشقي، المائة مقالة في الإيمان الأرثوذكسي، ترجمة: الأرشمندريت أدريانوس شكور، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1984)، 2: 26: 12، ص 115، 116.

[53] إيروثيوس فلاخوس (متروبوليت)، الأعياد السيدية، ترجمة: الأب أنطوان ملكي، (لبنان: مكتبة البشارة، بانياس، 2017)، القسم الثاني، ص 362.

[54] إيرينيؤس (قديس)، ضد الهرطقات ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، ٣: ١٩: ١، ص ٩٥، ٩٦.

[55] المرجع السابق، ٣: ١٨: ٦، ص ٩٤.

[56] نوفاتيان (الأفريقي)، عن الثالوث، ترجمة: د. عادل ذكري، (القاهرة: دار رسالتنا للنشر والتوزيع، 2022)، 23: 6-8، ص 111.

[57] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٥٤: ٣، ص 159.

[58] أثناسيوس (قديس)، المسيح في رسائل القديس أثناسيوس، ترجمة: أ. صموئيل كامل ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، الرسالة إلى أدلفيوس المعترف : 4، ص 27.

[59] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 2: 21: 70، ص 261-262.

[60] المرجع السابق، 1: 11: 45، ص 116.

[61] المرجع السابق، 3: 26: 34، ص 338.

[62] أثناسيوس الرسولي (قديس)، إطلالات على تراث الأدب القبطيّ ج1 (الرسالة إلى العذارى)، ترجمة: د. صموئيل قزمان معوض، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2022)، مقطع 40، ص 165.

[63] المرجع السابق، مقطع 43، ص 166-167.

[64] كيرلس الأورشليمي (قديس)، العظات للموعوظين، ترجمة: الأب چورچ نصور، (لبنان: جامعة الكسليك، 1982)، عظة 12: 1، ص 182.

[65] Hilary of Poitiers, The fathers of the church vol. 125 (Commentary on Mathew), Trans. By D. H. Williams, Edit. By David G. Hunter, (Washington DC: The catholic University of America Press, 2012), on Mt 5: 15, p. 84.

[66] هيلاري أسقف بواتييه (قديس)، عن الثالوث، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2017)، ١٠: ٧، ص 690.

[67] المرجع السابق، ١٠: ٧، ص ٦٩٠.

[68] أمبروسيوس أسقف ميلان (قديس)، سر تجسد الرب، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، 8: 85، ص 106.

[69] المرجع السابق، 4: 23، ص 53، 54.

[70] غريغوريوس النزينزي (قديس)، الخطب 27- 31 اللاهوتية، ترجمة: الأب حنا الفاخوري، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 1993)، خطبة ٢٩: ١٩، ص 100.

[71] غريغوريوس النزينزي (قديس)، عظات على عيد القيامة (العظة الفصحية الأولى)، ترجمة: القس لوقا يوسف، (القاهرة: المركز الثقافي القبطي الأرثوذكسي، 2015) 44: 5، ص 15.

[72] غريغوريوس النزينزي (قديس)، مختارات من القديس غريغوريوس النزينزي اللاهوتي، ترجمة: الأسقف استفانوس حداد، (لبنان: منشورات النور، 1994)، عظة المعمودية والمعمدين، ص 164.

[73] Gregory of Nyssa, Or. Cat: 37, PG 45.97b.

[74] يوحنا ذهبي الفم (قديس)، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج1، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 11، ص 107.

[75] يوحنا ذهبي الفم (قديس، شرح وعظات إنجيل يوحنا ج3، ترجمة: الشماس نشأت مرجان، (القاهرة: مكتبة المحبة، 2008)، عظة 80، ص 128.

[76] أفرام السرياني (مار)، أناشيد الإيمان ج١ (١- ٤٠)، ترجمة: الخوري بولس الفغالي، (لبنان: منشورات الجامعة الأنطونية، ٢٠٠٧)، نشيد ٥: ١٧، ص ٤٣.

[77] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، تعليق على (يو 20: 17)، ص 497.

[78] المرجع السابق، تعليق على (يو 14: 5-6)، ص 150.

[79] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، مقالة 23: 11، ص 356.

[80] المرجع السابق، مقالة 24: 13، ص 370.

[81] أوغسطينوس أسقف هيبو، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، تقديم: نيافة الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، ١: ١٣: ٢٨، ص 153.

[82] أوغسطينوس أسقف هيبو، عظات في المزامير ج٢، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، ٢٠١٤)، عظة ٥٨: ٧، ص ٥٥٨.

[83] أوغسطينوس أسقف هيبو، العظات على المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، عظة 16 على (مز 118) : 6، ص 402.

[84] Tractatus tres de trinitate et incarnatione, 299: 15 = 15- 129: 2.

[85] Ibid, 8- 243. 7.

[86] يعقوب السروجي (مار)، ميامر مار يعقوب السروجي مج١، ترجمة: الأب د. بهنام سوني، (بغداد، ٢٠٠٣)، ميمر ٦: ٤٨٦، ٤٨٧، ص ٤٨٦.

[87] المرجع السابق، ميمر ٩٤: ١٦٥- ١٦٧، ص ١٤٩٨.

[88] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا يسطس، (القاهرة، 2017)، مئتا نص في علم معرفة الله والتدبير الإلهي لتجسد ابن الله كُتِبَت إلى طلاسيوس، 2: 25، ص 138، 139.

[89] المرجع السابق، نصوص متنوعة في علم معرفة الله والتدبير الإلهي والفضيلة والرذيلة، 2: 26، ص 187.

[90] مكسيموس المعترف (أب)، الفيلوكاليا مج2، ترجمة: الراهب أغاثون الأنطوني، مراجعة: نيافة الأنبا يسطس، (القاهرة، 2017)، في الصلاة الربانية (تفسير مختصر مرسل إلى مسيحي ورع)، ص 278.

[91] إيروثيوس فلاخوس (متروبوليت)، الأعياد السيدية، ترجمة: الأب أنطوان ملكي، (لبنان: مكتبة البشارة، بانياس، 2017)، القسم الثاني، ص 369.

[92] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، 41: 4، ص 119.

[93] المرجع السابق، 11: 3، ص 29.

[94] المرجع السابق، 14: 6، ص 42.

[95] المرجع السابق، 42: 6، ص 122، 123.

[96] المرجع السابق، 54: 3، ص 159، 160.

[97] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 2: 20: 56، ص 242.

[98] توماس ف. تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة: د. عماد موريس، (القاهرة: باناريون للتراث الآبائي، 2010)، ص75، 76.

[99] يناقش روبرت من دويتش قضية التجسُّد غير المشروط على النحو التالي: ”هنا من المناسب أولاً أن نسأل هل كان ابن الله، الذي يتناوله الخطاب، سيصير إنسانًا أم لا، حتى لو لم تدخل الخطيئة التي يموت بسببها الجميع. لا شك أنه لم يكن ليصير مائتًا ويتَّخذ جسدًا مائتًا لو لم تحدث الخطيئة وتسبَّبت في أن يصبح الإنسان مائتًا؛ فلا يمكن إلا لغير المؤمن أن يجهل هذا الأمر. والسؤال هو: هل كان هذا ليحدث؟ وهل كان من الضروريّ بطريقةٍ ما للبشرية أن يصير الله إنسانًا، رأسًا وملكًا للجميع، كما هو الآن؟ وما هي الإجابة؟“. ثم يقتبس روبرت من أوغسطينوس بخصوص سبق التعيين الأزليّ للقديسين (مدينة الله 14: 23)، ويتابع قائلاً: ”بما أنه فيما يتعلَّق بالقديسين وجميع المختارين، فلا شك أنهم سيوجدون جميعًا حتى العدد المعيَّن في خطة الله، الذي يقول عنه في البركة قبل الخطيئة: ’اثمروا وأكثروا‘، فمن السخافة أن نعتقد أن الخطيئة كانت ضروريةً للوصول إلى هذا العدد، فما ينبغي أن نفكر في رأس وملك كل المختارين، الملائكة والبشر، إلا أنه لم يكن لديه حقًا سببًا ضروريًا ليصير إنسانًا، ولكن ’لذات محبته ستكون مع بني البشر‘ (أم 8: 31). لذلك، نقول على الأرجح، وليس أكثر، أن الإنسان [خُلِقَ] ليُشكِّل عدد الملائكة [أيّ هؤلاء الساقطون]، ولكن الملائكة والبشر قد خُلِقوا بسبب إنسان واحد، يسوع المسيح، حتى أنه، كما وُلِدَ هو نفسه إلهًا من إله، وكان لا بد أن يوجد إنسانًا، وكان لديه عائلةً مُعدّةً من كلا الجانبين […] فمنذ البداية، قبل أن يخلق الله أيّ شيء، كان في خطته أن يتجسَّد كلمة الله [اللوغوس]، الله الكلمة [اللوغوس]، ويسكن بين البشر بحبٍ عظيمٍ وأعمق اتضاع، وهما مسراته الحقيقية (أم 8: 31)“.

See Rupertus Tuitensis, De Gloria et honore Filii hominis super Matthaeum, lib. 13, (M., P.L. 148, col. 1628); Cf. also Glorijicatione Trinitatis, lib. 3, 20 (M., P.L. 169, col. 72).

[100] يرفض أونوريوس من أوتون أن تكون خطيئة آدم هي سبب تجسد المسيح، ويرى أن سبب تجسد المسيح هو تحديد الله مسبقًا منذ الأزل أن يتأله الإنسان من خلال التجسد الإلهيّ قائلاً: ”ولذلك، فإن خطيئة الإنسان الأول لم تكن سبب تجسد المسيح، بل كانت سبب الموت والدينونة. كان سبب تجسد المسيح هو تحديد تأليه الإنسان مسبقًا. لقد كان الله قد حدَّد مسبقًا منذ الأزل أن يتأله الإنسان، لأن الربَّ قال: ’أيها الآب، لقد أحببتهم قبل إنشاء العالم‘ (يو 17: 24)، أيّ أولئك الذين يتألهون بواسطتي […] كان من الضروريّ، إذًا، أن يتجسَّد، حتى يمكن تأليه الإنسان، وبالتالي، لا يتبع ذلك أن الخطيئة كانت سبب تجسُّده، ولكن يتبع ذلك بشكلٍ أكثر منطقيةً أن الخطيئة لا يمكن أن تُغيِّر خطة الله لتأليه الإنسان؛ لأن سلطة الكتاب المقدس والمنطق الواضح يعلنان في الواقع أن الله كان ليتَّخذ إنسانًا حتى لو لم يخطئ الإنسان أبدًا“.

See Honorius of Autun, Libellus Octo quaestionum de angelis et bomine, Cap. 2 (M., P.L. 172, col. 72).

[101] Alexander Halensis, Summa Theologica, ed. ad. Claras Aquas, dist. 3, q. 3, m. 3.

[102] يقول ألبرتوس ماجنوس التالي: ”وفيما يتعلَّق بهذا السؤال، لا بد من القول أن الحل غير مؤكَّد، ولكن بقدر ما أستطيع التعبير عن رأيي، فأنا أعتقد أن ابن الله كان ليصير إنسانًا حتى لو لم تكن الخطيئة موجودةً أبدًا“.

See Albertus Magnus, In 3, 1. Sententtarum, dist. 20, art. 4, ed. Borgnet, t. 28, 361.

[103] يناقش دنس سكوتس قضية التجسد غير المشروط بخطية آدم في سياق عقيدة سبق التعيين والاختيار الأزلي كالتالي: ”ولكني أقول مع ذلك إن السقوط ليس سببًا في سبق تعيين المسيح. فحتى لو لم يسقط ملاكٌ واحدٌ أو إنسانٌ واحدٌ، لكان الله قد اختار المسيح مسبقًا على هذا النحو – حتى لو لم يخلق غيره بل المسيح فقط. وأنا أثبت ذلك على هذا النحو: إن كل مَن يريد بنظامٍ يريد أولاً غايةً، ثم يريد على الفور تلك الأشياء التي تؤدي إلى الغاية فورًا. ولكن الله يريد بنظامٍ أكثر؛ ولذلك فهو يريد على هذا النحو: فهو أولاً يريد ذاته وكل ما هو جوهريّ بالنسبة له؛ وبصورةٍ مباشرةً أكثر، فيما يخص الأمور الخارجية، فهي روح المسيح. ولذلك، فإنه فيما يتعلَّق بأيّ استحقاق وقبل أيّ استحقاق متوقع، فإنه يرى مسبقًا أن المسيح لا بد وأن يتَّحد به في اتحادٍ جوهريّ […] فيكون التدبير وسبق التعيين كاملين أولاً فيما يتعلَّق بالمختارين، ثم يتمُّ عمل شيءٌ ما من ناحية المرفوضين كعملٍ ثانويّ، لئلا يفرح أحدٌ كما لو كان فقدان آخر مكافأةً لنفسه؛ لذلك، قبل السقوط المتوقع، وقبل أيّ خلل، كانت العملية برمتها الخاصة بالمسيح متوقعةً […] لذا أقول هذا: أولاً، يحب الله ذاته؛ ثانيًا، يحب ذاته من خلال الآخرين، وهذا الحب نقيّ؛ ثالثًا، يريد أن يحبه شخصٌ آخر، شخصٌ يمكنه أن يحبه لأقصى درجة (عند الحديث عن محبة شخص خارجيّ)؛ رابعًا، يرى اتحاد تلك الطبيعة التي ينبغي أن تحبه إلى أقصى درجة، على الرغم من عدم سقوط أحد (أيّ حتى لو لم يسقط أحدٌ) […] وبالتالي، في الحالة الخامسة، يرى وسيطًا قادمًا سيتألم ويفدي شعبه؛ لم يكن ليأت وسيطًا ليتألم ويفدي، لو لم يخطئ أحدٌ أولاً، ولو لم ينتفخ مجد الجسد بالكبرياء، ولو لم يكن هناك شيءٌ يحتاج إلى الفداء؛ وإلا لكان على الفور هو المسيح الممجَّد بالكامل“.

See John Duns Scotus, Opus Oxoniense 13, dist. 19, ed. Wadding, t. 7, p. 415; Cf. Reportata Parisiensia, lib. 3, dist. 7, q. 4, Schol. 2, ed. Wadding, t. 11. 1, p. 451.

[104] چورچ فلوروفسكي (أب)، التجسد والفداء (مقالات لاهوتية)، ترجمة: د. جرجس كامل يوسف، (القاهرة: جذور للنشر، 2016)، ص 105، 106.

[105] المرجع السابق، ص 106.

[106] المرجع السابق، ص106، 107.

[107] المرجع السابق، ص 107.

[108] المرجع السابق، ص108.

[109] المرجع السابق، ص 108، 109.

[110] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، 2: 18: 37، ص 211.

[111] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، مقالة 5، ص 202-203.

[112] مكاريوس الكبير (قديس)، العظات الخمسون، ترجمة: الراهب يونان المقاري، إشراف: نيافة الأنبا إبيفانيوس المقاري، (وداي النطرون: دير القديس أبو مقار، 2019)، عظة 31: 4، ص 470.

[113] غريغوريوس النيسي (قديس)، خلق الإنسان، ترجمة: المطران كيرلس سليم بسترس والأب نقولا بسترس، (لبنان: منشورات المكتبة البولسية، 2021)، الفصل 19، ص 104.

[114] أوغريس البنطي (مار)، مار أوغريس البنطي، إعداد: الراهب أوغريس البنطي، مراجعة: نيافة الأنبا إيسيذورس، (وادي النطرون: دير السيدة العذراء البرموس، 2021)، كيفالايا غنوستيكا أو فصول غنوسية، 5: 69، ص 214.

[115] المرجع السابق، أقوال روحية 3: 17، ص 594.

[116] غريغوريوس بن العبري (مار)، الأشعة، ترجمة: المطران صليبا شمعون، (سوريا، 2016)، 7: 10: 4، ص 209.

[117] إبيفانيوس أسقف سلاميس (قديس)، أنكوراتوس (المثبَّت بالمرساة)، ترجمة: راهب من دير أنبا أنطونيوس، تقديم: نيافة الأنبا يسطس، (البحر الأحمر: دير أنبا أنطونيوس، 2018)، 43: 9، ص 249.

[118] المرجع السابق، 45: 5، ص 253.

[119] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس ود. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم 55 في شرح قانون الإيمان : 19، ص 244.

[120] يقصد النصوص التالية: (1بط1: 19-20؛ 1كو2: 7؛ أف1: 4؛ أف1: 5، 6؛ يو3: 16-17؛ 1يو4: 9، 19).

[121] Sergius Bulgakov, The Lamb of God, Trans. by Boris Jakim, (USA & U.K: Grand Rapids, Michigan/Cambridge, 2008), p.180.

[122] Ibid.

[123] Ibid.

[124] كالستوس وير (أب)، الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة، (القاهرة: جذور للنشر، 2016)، ص35.

[125] چوهانس كواستن، علم الآبائيات ”باترولوجيا“ مج٣، ترجمة: الراهب غريغوريوس البرموسي ود. نارد مدحت، (القاهرة: إصدار باناريون للتراث الآبائي، 2022)، ص ٩٢، ٩٣.

[126] توماس تورانس، الإيمان بالثالوث، ترجمة: د. عماد موريس، (القاهرة: إصدار باناريون، ٢٠١٠)، ص ١٤٥، ١٤٧.

[127] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٣: ٣.

[128] أثناسيوس (قديس)، ضد الوثنيين، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٤٠: ٤.

[129] أثناسيوس (قديس)، تجسد الكلمة، ترجمة: د. جوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2003)، ٣: ٤.

[130] المرجع السابق، ٣: ٤.

[131] المرجع السابق، 3: 6.

[132] أثناسيوس (قديس)، المقالات الثلاثة ضد الآريوسيين، ترجمة: أ. صموئيل كامل وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، ٢: ٦٥.

[133] Aulén, Gustaf, Christus Victor, trans. by A. G. Hebert, (London: S. P. C. K, 1975), p. 43 & 44.

[134] Grensted, L. W., A short History of The Doctrine of Atonement, (London & New York: Manchester University Press, 1920), p. 158.

[135] Rashdal, Hastings, The Idea of Atonement in Christian Theology, (London: MACMILLAN & CO., 1919), Lect 4, p. 296.

[136] Ibid, p.296, n.3.

 

 

التجسد قصد الله منذ الأزل – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

 

عبادة يسوع في المسيحية المبكرة[1]

الكلمة والحكمة والروح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج2 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الذبائح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج3 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

المسيح الإله/الله – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج4 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

إنَّ لغة العبادة ليست سوى أحد المجالات التي يجب فحصها إذا أردنا أن نجد إجابة لسؤالنا (هل كان المسيحيون الأوائل يعبدون يسوع؟) تكون صادقة في عبادة المسيحيين الأوائل وتعكس بشكل حقيقي تأكيدات ومخاوف كُتَّاب العهد الجديد. والأمر الأكثر أهمّيّة على نفس القدر، وربما أكثر أهمّيّة، هو موضوع كيفية ممارسة المسيحيّين الأوائل للعبادة. ومهما كانت الطريقة التي استخدموا بها لغة العبادة، فهل عبدوا يسوع حقًّا؟ وهل عبّروا عمَّا وصفه لاري هورتادو بـ “التفاني الطقسيّ” ليسوع؟ والواقع أنّ مناقشة لاري هورتادو الشاملة لبدايات الخريستولوجي وأصول العبادة المسيحيّة هِيَ التي تطرح سؤالنا بوضوح. ذلك أنّ اكتشافه هو أنّ “التفاني في المسيح” أو “التفاني في يسوع” كان يُعبَّر عنه منذ الأيام الأولى للمسيحيّة.[2]

ما هي الممارسة التعبدية أو الطقسية المقصودة؟ وإذا رجعنا خطوة إلى الوراء، فما الذي كان يُشكِّل ممارسة العبادة في زمن يسوع؟ وماذا كان يفعل العابدون؟ بالعودة مرة أخرى إلى رد يسوع على مجربه، “للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد” (متى 4: 10/لوقا 4: 8)، إلى أي ممارسات كان يسوع يشير؟ الجواب هو أنه في زمن يسوع كانت ممارسة العبادة تشمل على الأقل أربعة عناصر:

  1. كانت الصلاة في قلب العبادة[3] كما هو الحال اليوم، مع صلوات العبادة، والتوبة والاعتراف، والالتماس والشفاعة، وكلها تشير إلى اعتماد الأدنى (المخلوق) على الخالق القدير والمخلص والرب.
  2. كانت الترانيم التي تُغنى لله وتمجده تعبيرًا عن العبادة منذ زمن سحيق.
  3. كان تخصيص مساحة مُقدَّسة مُخصّصة للإله حيث يجب تقديم العبادة، وتعيين أفراد مُقدّسين لإجراء العبادة، والأوقات المُقدّسة للعبادة الطقسيّة في الحرم المُقدَّس يُنظر إليها دائمًا على أنها جزء لا يتجزأ من العبادة الفعَّالة.
  4. إنَّ الصدقة أي التنازل عن السلع المادية، المخصّصة لله، كان أيضاً أمراً أساسياً. ففي زمن يسوع، كانت عبادة التضحية برمتها، بما في ذلك التضحية الدموية بالحيوانات، تُشكِّل الفعل المركزيّ للعبادة الطقسية.

ويمكننا أن نجيب على سؤالنا بدقة أكبر إذا ما سألنا ما إذا كان المسيحيون الأوائل قد عبروا عن عبادة طقسية بهذا الشكل أو قدموها ليسوع. وسوف نواصل بحثنا من خلال فحص ما يشهد به العهد الجديد فيما يتصل بكل من العناصر الأربعة للعبادة الموضحة أعلاه.

 

 

1- الصلاة

في كتب إسرائيل المُقدَّسة، نجد إشارات منتظمة إلى الصلاة التي تُقدَّم إلى الله. وتظهر عبارة “صَلَّى س إلى الرب”،[4] أو ​​إلى الله،[5] بشكل مُتكرِّر. ومن المُفترض أنَّ الله وحده هو الذي ينبغي أن “يُصلَّى” إليه.[6] وتتضح أهمّيّة الصلاة إلى الرب الإله من خلال القواعد الدينيّة التي تطوَّرت لضمان تقديم صلاة العبادة الطقسيّة بالوقار والرسميّة الواجبة.[7]

في العهد الجديد، يتمّ وصف تقديم الصلاة بُطرق مختلفة. دعونا الآن نفحص بالترتيب المصطلحات المستخدمة والصلاة التي تشير إليها، بدءًا من الأناجيل.

 

أ- الأناجيل

إن الإشارات الأكثر شيوعاً إلى الصلاة تتضمن الفعل proseuchesthai والاسم المقابل له proseuchē. في الأناجيل الإزائية يتحدث يسوع في عدة مناسبات عن الصلاة (proseuchesthai)، مع افتراض أن الصلاة موجهة إلى الله. ومن بين تعليماته الأكثر شهرة بشأن الصلاة تلك التي تدعو إلى الصلاة بشكل خاص ومن دون تكديس عبارات فارغة، كما في الصلاة الربانية (متى 6: 5-13؛ لوقا 11: 1-4). يلاحظ كُتَّاب الأناجيل، وخاصة لوقا، أن يسوع نفسه كان يصلي بانتظام، وغالبًا ما كان يذهب إلى جبل أو مكان صحراوي ليصلي بمفرده.[8] يولي متى ومرقس ولوقا الكثير من الاهتمام لصلاة يسوع في بستان جثسيماني، قبل خيانته (مرقس 14: 32-39).

يمكن استخدام المصطلح الأقل شهرة deesthai، “الذي يعني بالأكثر الطلبات” لكل من الطلبات المقدمة إلى الأفراد الآخرين والطلبات المقدمة إلى الله. في روايات متى ومرقس ولوقا نجد كلا الاستخدامين، حيث تُقدَّم طلبات إلى يسوع[9] وتحدث يسوع عن تقديم طلبات إلى الله.[10]

وهناك كلمة أخرى ذات نطاق مماثل من الاستخدام وهي “aitein” أي “الطلب” أيضًأ. ففي نفس الأناجيل، تُستخدم هذه الكلمة، على سبيل المثال، في طلبات الحصول على رأس يوحنا المعمدان (مرقس 6: 22-25)، وفي طلب الحشد الحصول على باراباس (متى 27: 20)، وفي طلب يوسف الحصول على جسد يسوع (مرقس 15: 43 فقرة). ومن المفترض أن طلب يعقوب ويوحنا من يسوع الحصول على المقاعد العليا في مجده يندرج ضمن نفس الفئة (مرقس 10: 35، 38). ولكن يسوع يستخدمها أيضًا في طلبات الصلاة إلى الله.[11]

إن المرادف القريب لكلمة erōtan هو erōtan، والذي يغطي أيضًا مجموعة من الطلبات – في الأناجيل، والذي يعني: طرح سؤال على شخص ما،[12] أو السؤال بمعنى الطلب/الدعوة.[13] وأخيرًا، يجب ملاحظة أن كلمة parakalein يمكن استخدامها في مجموعة من المعاني – “الاستئناف”، “الحث، التشجيع”، “الطلب، التوسل، الالتماس”، أو “الراحة، التشجيع، البهجة”. في الأناجيل، تظهر عادةً بمعنى “الاستئناف، الالتماس” – أفراد مختلفون يتوسلون إلى يسوع طلبًا للمساعدة، أو الجراسيون Gerasenes يتوسلون إليه بالرحيل.[14] في أحد مقاطع الأناجيل الإزائية، يستخدم يسوع نفس الكلمة للنداء إلى الآب، عندما يقول إنه يستطيع أن يلجأ إلى أبيه وأنه سيرسل أكثر من اثني عشر جيشًا من الملائكة لمساعدته (متى 26: 53).

لا يستخدم إنجيل يوحنا أيًا من الكلمات الشائعة للصلاة (proseuchesthai, proseuchē, deesthai, deēsis)، لكن استخدامه لكلمتي aitein وerōtan كان أكثر جرأة. كان بإمكان المرأة السامرية أن تطلب من يسوع (aitein) الماء الحي (يوحنا 4: 10). يعد يسوع بالطلب (erōtan) من الآب أن يعطي تلاميذه شفيعًا آخر (14: 16)، وفي صلاته العظيمة إلى الآب يطلب (erōtan) نيابة عنهم (17: 9، 15، 20). يعد مرارًا وتكرارًا بأن كل ما يطلبه تلاميذه (aitein) باسمه سيعطيهم الآب (15: 16؛ 16: 23-24)، حتى أنه يعد بأنه (نفسه) سيفعل كل ما يطلبه تلاميذه (aitein) باسمه، “لكي يتمجد الآب” (14: 13).

ويضيف قائلاً: “إن سألتموني شيئاً باسمي فإني أفعله” (14: 14). إن الطلبات الموجهة إلى الآب باسم يسوع هي جزء من الطلبات الموجهة إلى يسوع نفسه؛ والعامل المشترك هو “باسمه”. “في ذلك اليوم تطلبون (aitein) باسمي. لا أقول لكم إني سأطلب (erōtan) من الآب لأجلكم؛ لأن الآب نفسه يحبكم” (16: 26-27). إذا ثبت التلاميذ فيه وثبتت كلماته فيهم، فيمكنهم أن يطلبوا (aitein) ما يريدون وسوف يتم لهم (15: 7).

 

 

(ب) بقية العهد الجديد

في أماكن أخرى من كتابات العهد الجديد، تُقدَّم “الصلاة” بحد ذاتها (proseuchesthai, proseuchē)، صراحةً أو ضمناً، دائمًا إلى الله.

تُستخدَم Deesthai بمعنى “طلب معروف” من شخص آخر،[15] ولكن أيضًا لطلب الصلاة.[16] ومن المثير للاهتمام في أعمال الرسل 8: 22، 24، حيث يُحث سمعان على “الصلاة (deesthai) إلى الرب” حتى يُغفر له، أن الإشارة إلى “الرب” غامضة. ولكن deēsis تُستخدم في الرسائل دائمًا للصلاة؛ أي الصلاة إلى الله.

في أعمال الرسل aitein، “اطلب”، وerōtan، “اطلب، التمس”، تظهر في الغالب في الاستخدام اليومي، على الرغم من أن الطلب (aitein) موجه إلى الله في أعمال الرسل 7: 46. ولكن في الرسائل، تُستخدم aitein حصريًا تقريبًا في سياقات الصلاة. على سبيل المثال، “أصلي (aitoumai) ألا تكلوا بسبب آلامي” (أف 3: 13)؛ “الله قادر أن يعمل أكثر بكثير مما يمكننا أن نطلب (aitoumetha) أو نفتكر” (3: 20)؛ “لم نتوقف عن الصلاة (proseuchomenoi) من أجلكم والطلب (aitoumenoi) لكي تمتلئوا بمعرفة إرادة الله” (كو 1: 9)؛ أولئك الذين يفتقرون إلى الإيمان يجب أن يطلبوا (aitein) من الله، ولكن بالإيمان (يعقوب 1: 5-6؛ وبالمثل 4: 2-3)؛ وبالمثل تشجع رسالة يوحنا الأولى قراءها على أن يطلبوا (aitein) من الله بجرأة في الصلاة (1 يوحنا 5: 14-16).

وعلى الرغم من ظهور كلمة erōtan في الرسائل عادةً بالمعنى اليومي لـ “اطلب، التمس”، مرة أخرى في رسالة يوحنا الأولى 5: 16 يكون الطلب إلى الله (نيابة عن أخ مخطئ). ومع ذلك، فمن الجدير بالملاحظة أنه عندما تستخدم كلمتا aitein وerōtan في الصلاة، فإنهما تشيران دائمًا إلى الطلب أو الطلب الموجه إلى الله، وليس إلى يسوع أبدًا.

إن كلمة باراكالين Parakalein تطرح المثال الأكثر إثارة للاهتمام. ففي أعمال الرسل والرسائل يظهر هذا المصطلح بانتظام بالمعنى اليومي “حث، يحفز”. على سبيل المثال، يحث بولس متلقي رسائله، “أحثكم/أطلب منكم (باراكالين)”،[17] وفي رسالة كورنثوس الثانية يتأمل مرتين وببعض التفصيل في فكرة “التعزية” (2 كورنثوس 1: 3-7؛ 7: 4-7، 13). والحالة الواضحة الوحيدة لاستخدام باراكالين في سياق الصلاة هي رسالة كورنثوس الثانية 12. يتحدث بولس عن “الشوكة المؤلمة في الجسد”، والتي يسميها “رسول الشيطان لتعذيبي”.

ثلاث مرات توسلت parekalesa إلى الرب بخصوص هذا الأمر.. (2كو 12: 8).

إن ما يثير الاهتمام هنا ليس فقط حقيقة أن كلمة باراكالين تُستخدم بمعنى “نداء” يُقدَّم في الصلاة، بل إنها تُقدَّم بوضوح إلى الرب يسوع المسيح. ويمكننا أن نستنتج ذلك بأمان ليس فقط لأن “الرب” في بولس هو الرب يسوع دائمًا تقريبًا (بصرف النظر عن ظهوره في الاقتباسات الكتابية) ولكن أيضًا لأن النعمة والقوة التي يعد بها الشخص الذي يُستدعى بولس في إجابة على نداءه يتم تحديدها على وجه التحديد على أنها “قوة المسيح”. ومهما كان ما قد نستنتجه من اللغة المحدودة للصلاة والطلب، فمن الواضح أن بولس فهم المسيح الممجد باعتباره شخصًا يمكن اللجوء إليه للمساعدة، وهو طلب أو التماس يمكن فهمه بسهولة على أنه صلاة.[18]

هُناك فقرة أخرى تستحق الانتباه وهي الفقرة الختامية من رسالة كورنثوس الأولى. ففي هذه الفقرة، في خضم الحث والبركات الأخيرة التي يقدمها بولس، يدرج العبارة الآرامية “ماران آثا” (1 كورنثوس 16: 22؛ قارن رؤيا 22: 20). وحقيقة ظهورها بالآرامية تُشير بقوة إلى أنها أصبحت سمة منتظمة في الطقوس الدينية المبكرة ــ مثل الاستخدام المستمر للعبارة الآرامية “أبا، الآب” في صلوات الكنائس الناطقة باللغة اليونانية (رومية 8: 15؛ غلاطية 4: 6).

وربما كان من الواجب ترجمة العبارة الآرامية في 1 كورنثوس 16: 22، “يا ربنا، تعال”. فهل هذه صلاة إلى يسوع؟ لا شك أن هذا يُعَد بمثابة نداء موجه إلى يسوع المرتفع إلى السماء لكي يأتي الآن (مرة أخرى) من السماء ــ وهو جزء من الاعتقاد المكثف داخل المسيحية الأولى بأن يسوع سوف يعود (قريباً) إلى الأرض.[19] ولكن ربما ينبغي لنا أن نتذكر أنه وفقاً للأناجيل، عندما صرخ يسوع على الصليب، ظن بعض الحاضرين أنه ينادي (phōnei) إيليا؛ أي يدعوه ليأتي ويساعده (مرقس 15: 35-36).

إن إيليا، كما ينبغي لنا أن نتذكر، قد أُخِذ إلى السماء دون أن يموت (2 ملوك 2: 11-12)، وكان هناك توقع واسع النطاق بأنه سيعود من السماء قبل يوم الرب.[20] ومع ذلك، ليس لدينا أمثلة على النداءات الموجهة إلى إيليا في اليهودية في الهيكل الثاني للتشفع به على العودة أو مساعدة شخص ما،[21] رغم أنه ينبغي لنا أيضًا أن نتذكر ملاحظة آلان سيجال بأن النصوص الصوفية اليهودية تتشفّع بجميع أنواع الكائنات الملائكية.

ومع ذلك، إذا أخذنا رواية صلب المسيح على محمل الجد، فقد توفر دليلاً على أن معاصري المسيح قد يتصورون جيدًا نداءً موجهًا إلى شخص انتقل إلى السماء ليأتي (مرة أخرى) إلى الأرض. هل يُعَد هذا بمثابة صلاة، أم نداءً إلى شخص تم تعظيمه لتحقيق الآمال المعلقة عليه؟ هل يجب علينا التمييز بين الأمرين في أي حال؟[22] ليس من السهل التوصل إلى إجابة واضحة على مثل هذه الأسئلة.

ولكن قبل كل شيء، ينبغي لنا أن نتذكر ما لاحظناه فيما يتعلق باستخدام epikaleisthai (‘الدعاء’) فيما يتصل بيسوع. وهُنا يمكننا أن نلاحظ حالة استفانوس في لحظات احتضاره: “ورجموا استفانوس وهو يدعو (epikaloumenon) ويقول: “أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي” (أعمال الرسل 7: 59). ولا ينبغي لنا أن ننسى وصف المسيحيين بأنهم “الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ” (1 كورنثوس 1: 2). ومن الواضح أن الدعاء إلى يسوع (في الصلاة) كان سمة مميزة ومحددة للعبادة المسيحية الأولى. وتقدم رسالة تسالونيكي الأولى، التي ربما كانت أقدم كتابات العهد الجديد، مثالاً جيدًا للدعاء إلى الرب يسوع (بروح 1 كورنثوس 16: 22):

وَاللهُ نَفْسُهُ أَبُونَا وَرَبُّنَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ يَهْدِي طَرِيقَنَا إِلَيْكُمْ. 12 وَالرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي الْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ، كَمَا نَحْنُ أَيْضًا لَكُمْ، 13 لِكَيْ يُثَبِّتَ قُلُوبَكُمْ بِلاَ لَوْمٍ فِي الْقَدَاسَةِ، أَمَامَ اللهِ أَبِينَا فِي مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِ قِدِّيسِيهِ. (1تس3: 11- 13)

وتحتوي رسالة تسالونيكي الثانية على أمثلة عديدة للدعاء إلى الرب يسوع: “ليعزيكم الرب/يرشدكم/يعطيكم…” (2 تسالونيكي 2: 16-17؛ 3: 5، 16).[23]

إن الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذه المجموعة من الأدلة، إذن، إن لغة الصلاة الأكثر وضوحًا تُستخدم حصريًا للصلاة إلى الله. يُذكَر أن يسوع نفسه كان يصلي بانتظام إلى الله ويعطي تعليمات بشأن الصلاة إلى الله. مع لغة الصلاة الأقل وضوحًا “السؤال والالتماس والطلبة” فإن الصورة مختلفة بعض الشيء. مرة أخرى، حيث يظهر في الصلاة، فإن الطلب موجَّه عادةً إلى الله. ولكن في إنجيل يوحنا، يضع يسوع التأكيد المتكرر على أن تلاميذه سيصلون إلى الله في المستقبل “باسمه [يسوع]”. يلجأ بولس مباشرة إلى يسوع طلبًا للمساعدة من السماء ويعكس نداءً شائع الاستخدام للرب المسيح ليأتي (مرة أخرى) من السماء.

ولقد عُرِف المسيحيون الأوائل بأنهم “أولئك الذين يدعون أو يتضرعون باسم يسوع”.[24] وإذا كان من الواضح أن “الصلاة” بحد ذاتها لم تكن تُقَدَّم عادة إلى يسوع في عبادة الجماعات المسيحية الأولى، فقد كان يُنظَر إليه على الأقل باعتباره شخصاً جالساً عن يمين الله، يمكن أن يُصلى إليه ويمكن توجيه الطلبات إليه.[25] فهل كان هذا أشبه بالالتماس إلى إيليا أم مثل الالتماسات/الشفاعة التي وُجِّهَت فيما بعد إلى القديسين؟ أم ينبغي لنا أن ننظر إليه باعتباره تعبيراً نموذجياً عن العبادة المسيحية الأولى؟ والإجابة ليست واضحة تماماً كما نود.[26]

 

 

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

 

عبادة المسيح تاريخيًا – الأدلة الأثرية على لاهوت المسيح – ترجمة: أمجاد فايز

2- التسابيح والترانيم

يُمكن اعتبار مزامير العهد القديم نموذجيّة للترانيم أو الأغاني التي غناها بنو إسرائيل في تمجيد الله. ومن مخطوطات البحر الميت نعلم أيضًا أنّ الترانيم والمزامير استمرت في الكتابة والغناء كجزء لا يتجزأ من عبادة الله في قمران في الفترة التي سبقت يسوع.[27] من الواضح أنّ المسيحيين الأوائل اتبعوا نفس الممارسة. على سبيل المثال، قبل مغادرة العُليّة للذهاب إلى جبل الزيتون، غنى يسوع والتلاميذ “ترنيمة” (مرقس 14: 26)؛ عندما سُجن بولس وسيلا في فيلبي “صليا وغنوا ترانيم لله” (أعمال 16: 25)؛ وكانت “المزامير والتسابيح والأغاني الروحية لله” جزءًا منتظمًا من العبادة المسيحية (كو 3: 16).[28]

المقطع الموازي لكولوسي 3: 16 في أفسس يشرح كولوسي بإضافة “الغناء (أدونتس adontes) وصنع اللحن (بسالونتس psallontes) للرب في قلوبكم، شاكرين (إفخارستيونتس eucharistountes) الله الآب.. باسم ربنا يسوع المسيح” (أف 5: 19-20). هُنا “الرب” هو على الأرجح المسيح؛ من الواضح أنّ فكرة الغناء بالمديح للمسيح كانت تُرى كجزء من تقديم الشكر لله باسم المسيح. ورغم أنّ هذا البحث يمتد إلى ما هو أبعد من العهد الجديد، فينبغي لنا أن نُلاحظ أيضاً الوصف الذي قدّمه بليني، حاكم بيثينيا، للإمبراطور تراجان في حوالي عام 112م، فيما يتصل بالمسيحيين الذين استجوبهم:

“كان من عادتهم في يوم محدد أن يجتمعوا قبل طلوع النهار ويغنوا ترنيمة متناغمة للمسيح باعتباره إلهاً” (Eph. 4:1–2).

وفي نفس الوقت تقريباً، كتب إغناطيوس، أسقف أنطاكية، يتحدث عن التسبيح (في مديح) يسوع المسيح، والترنم “بصوت واحد من خلال يسوع المسيح للآب” (رسالته إلى أفسس 4: 1-2)، والغناء “للآب في يسوع المسيح” (رسالته إلى روما 2: 2).

ومن المثير للاهتمام للغاية أن نُدرك أنّ الترانيم التي غناها المسيحيّون الأوائل كانت موجهة إلى المسيح.[29] وعلى وجه الخصوص، تشير رسالة العبرانيين 1: 8-12 إلى أنّ المزامير 45: 6-7 و102: 25-27 ربما كانت مفهومة على هذا النحو، ويتساءل بوخام Bauckham عما إذا كان هذا هو نوع الترانيم التي يشير إليها أفسس 5: 19 وتقرير بليني.[30] من ناحية أخرى، قد يُفهم الاستعداد لرؤية المسيح في المزامير أو الإشارة إليه فيها على أنه دليل على الممارسة الوعظية أكثر من الممارسة الليتورجية. في الواقع، يسلط تطبيق المزامير على المسيح في رسالة العبرانيين الضوء على التنوُّع الغني فيما يخص الخريستولوجي.

على سبيل المثال، قد نتذكر أن رسالة العبرانيين 1: 6 تستخدم المزمور 97: 7 كدعوة لملائكة الله لعبادة ابنه. يستشهد العبرانيون 1: 8-9 بالمزمور 45: 6-7، حيث يخاطب الابن باعتباره “الله” ويؤكد أن إله الابن قد مسحه. يتبع العبرانيون الممارسة المسيحية المبكرة المنتشرة في الإشارة إلى المزمور 110: 1 (“قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك”) إلى المسيح الممجد (عبرانيين 1: 13)، ثم بعد بضعة آيات يشير أيضًا إلى المسيح بحسب المزمور 8: 4-6 (المسيح كمحقق لغرض الله في خلق البشرية). وكما لاحظ مارتن هينجل، في عبرانيين 2: 12 يبدو أنّ المؤلف قد فهم المزمور 21: 13 على أنه يشير إلى “الابن الممجد (يسبح) بحمد الآب في وسط اجتماع الجماعة المُخلَّصة، إخوته”.[31]

ومن الأمور التي تثير قدراً كبيراً من الاهتمام أيضاً احتمال احتواء العهد الجديد على بعض الترانيم أو التراتيل الأصلية التي غناها المسيحيون الأوائل. وأكثرها وضوحاً هي التراتيل أو القصائد الدينية الواردة في سرد ​​لوقا لميلاد السيد المسيح. مثل ترنيمة مريم العذراء، وترنيمة زكريا (لوقا 1: 46-55، 68-79). وقد غنت هذه التراتيل في الكنائس المسيحية لقرون عديدة، وربما حتى في الجيل الأول أو الثاني من المسيحية. وهي تراتيل تسبيح لله، وليس للمسيح، وإن كان المسيح (ويوحنا المعمدان) يمكن اعتبارهما السبب للتسبيح. وينطبق الشيء نفسه على ترنيمة المجد the Gloria ـ “المجد لله في الأعالي” (لوقا 2: 14)؛ وترنيمة نونك ديميتيس the Nunc Dimittis ـ “الآن تطلق عبدك يا ​​سيد بسلام” (2: 29-32).

إن القصائد أو المقاطع التي تم تحديدها في رسائل بولس (على الرغم من أنها لم يتم التركيز عليها إلا في القرن العشرين) هي أكثر إثارة للجدل (كترانيم). وأشهرها هي فيلبي 2: 6-11 وكولوسي 1: 15-20. وقد كانت بارزة في كل المحاولات الأخيرة لفهم أقدم دراسات المسيحية في العهد الجديد، ولذا يجب اقتباسها بالكامل:

“الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ،

لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للهِ.

لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ،

آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ،

صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.

وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ،

وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ.

لِذلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا،

وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ

لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ،

وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ.”

(في 2: 6-11).

 

 

الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.

فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشًا أَمْ سِيَادَاتٍ أَمْ رِيَاسَاتٍ أَمْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ.

الَّذِي هُوَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَفِيهِ يَقُومُ الْكُلُّ

وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّمًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.

لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ،

وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ، عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ، بِوَاسِطَتِهِ، سَوَاءٌ كَانَ: مَا عَلَى الأَرْضِ، أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.

(كو1: 15- 20)

من الواضح أنّ المسيح هو موضوع هذه الترانيم؛ ويمكن أن نطلق عليها بشكل صحيح “ترانيم المسيح”. ولكنها ليست مُقدّمة للمسيح.[32] وإذا كانت تراتيل للمسيحيين الأوائل (وهذا الادعاء محل نزاع)، فإنّها تراتيل لله، تُمجِّد الله من أجل المسيح. وينطبق نفس الشيء على المقاطع الأخرى التي تمّ تحديدها على أنّها تراتيل مسيحية مُبكِّرة.[33] ليس من المُستغرب بالطبع أنّ ما فعله المسيح، أو ما أنجزه الله من خلال المسيح، كان موضوع العبادة المسيحيّة الأولى.

كما أنّه ليس من المُستغرب أن يكون المسيح هو سبب العبادة المسيحيّة الأولى وأنّ المسيحية الأولى افتتحت نوعًا جديدًا تمامًا من الترانيم. وعلاوة على ذلك، يمكن القول إنَّ تقديم التسبيح لتمجيد يسوع المسيح باعتباره اليد اليمنى لله والمفوَّض يستلزم منطقيًّا وطبيعيًّا تقديم التسبيح أيضًا للمفوَّض نفسه.[34] ومع ذلك، ليس من الواضح متى اتُخذت هذه الخطوة وما إذا كانت الترانيم الواضحة في رسائل بولس تُقدِّم دليلاً على أنّ وصف بليني للعبادة المسيحيّة في أوائل القرن الثاني كان تأكيدًا لما بدأ قبل رسالته بخمسين عامًا.

 

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

 

الأمثلة الواضحة الوحيدة في العهد الجديد للترانيم التي تُغنى للمسيح هي صيحات التسبيح في سفر الرؤيا. حيث نجد هتافات لله – بشكل نموذجي:

“«أَنْتَ مُسْتَحِقٌ أَيُّهَا الرَّبُّ

أَنْ تَأْخُذَ الْمَجْدَ وَالْكَرَامَةَ وَالْقُدْرَةَ،

لأَنَّكَ أَنْتَ خَلَقْتَ كُلَّ الأَشْيَاءِ،

وَهِيَ بِإِرَادَتِكَ كَائِنَةٌ وَخُلِقَتْ».”

(رؤ 4: 11).[35]

 

فبالإضافة إلى هتافات الله هناك هتافات للحمل (المسيح) – عادة:

“قَائِلِينَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:

«مُسْتَحِقٌ هُوَ الْخَروُفُ الْمَذْبُوحُ

أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ

وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ!»”

(رؤ 5: 12).[36]

 

علاوة على ذلك، هُناك هُتافات لله وللحمل معًا – بشكل نموذجي:

«لِلْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ وَلِلْخَرُوفِ

الْبَرَكَةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ

إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ».

(رؤ 5: 13).[37]

 

إنَّ تصنيف كلّ هذه الترانيم على أنّها “تسابيح” أمر غير ضروريّ. ولكن من الواضح أنّ المسيح كان مرتبطًا بالله في الترانيم أو صيحات التسبيح التي لا تُـقَدَّم إلَّا لله في أماكن أُخرى. وليس من الصعب، أو المبالغة في تقدير البيانات المتوفرة لدينا، أن نتصوَّر أنّ لغة الرائي تعكس الممارسة الليتورجيّة لمجتمعه.[38] كما ليس من الصعب أن نتخيّل المسيحيّين الذين جُلِبوا للاستجواب في بيثينيا، ربّما بعد عقد أو عقدين فقط، يتذكرون مثل هذه الترانيم والهتافات عندما أدلوا بالشهادة التي وصفها بليني بأنّها تراتيلهم للمسيح باعتباره (إلهًا).

 

 

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

 

 

[1] James D. G. Dunn, Did the First Christians Worship Jesus?: The New Testament Evidence (London; Louisville, KY: Society for Promoting Christian Knowledge; Westminster John Knox Press, 2010). 29.

[2] يؤكد هورتادو على أهمية نمط الممارسة التعبدية المسيحية المبكرة في مناقشته (How on Earth 27). بدأ النقاش الرئيسيّ حول ما إذا كان يمكننا التحدث عن “عبادة المسيح” ومتى يمكن أن يحدث ذلك W. Bousset, Kyrios Christos (1913, 1921; ET; Nashville: Abingdon, 1970)، الذي أكد أنّ التفاني الطقسي ليسوع نشأ نتيجة لتعيينه كيريوس (“الرب”) في المجتمعات المسيحية الهلنستية.

كان هدف هورتادو هو مراجعة بوسيه من خلال القول بأن التفاني الطقسي كان يتم التعبير عنه بالفعل في المجتمعات المسيحية المبكرة / الأقدم (الفلسطينية). ينكر هوربيري أيضًا أن عبادة المسيح كانت لها أصول وثنية، لكنه يزعم أن التأثير الرئيسي كان المسيانية اليهودية، بما في ذلك التكريم الطقسي الممنوح للملك والملائكة (Jewish Messianism Ch. 4). كما يزعم أن تطوُّر عبادة المسيح تأثَّر بالاحترام الذي كان يحظى به قديسو إسرائيل؛ The Cult of Christ and the Cult of the Saints’, NTS 44 (1998) 444–69. His thesis is disputed with some effect by Hurtado, Origins 72–3 n. 23, and Bauckham, Jesus and the God of Israel 228–32..

[3] It occasions no surprise that the term proseuchē (‘prayer’) was regularly used in the extended sense of ‘prayer house’ for synagogues or ‘place of prayer’; see further BDAG 878–9; and my Jesus Remembered (Grand Rapids: Eerdmans, 2003) 304 n. 226.

[4] على سبيل المثال، العدد 11: 2؛ التثنية 9: 26؛ 1 صم 1: 10؛ الملوك الثاني 4: 33؛ أخبار الأيام الثاني 32: 24؛ إشعياء 37: 15؛ إرميا 37: 3؛ دانيال 9: 4؛ يونان 2: 1.

[5] تكوين 20: 17؛ أيوب 33: 26؛ نحميا 2: 4؛ مزمور 5: 2؛ 64: 1.

[6] ولكن من الغريب أن يروي يوسيفوس أنّ: “الأسينيّين قبل أن تُشرق الشمس قدّموا صلوات مُعيّنة (euchas)، والتي انتقلت إليهم من أجدادهم، وكأنّهم يتوسلون إلى الله أن ينهض” (Jewish War 2.133). ويعود هذا التقليد على الأقل إلى حزقيال 8: 16، حيث يذكر حزقيال أنّه رأى حواليّ 25 رجلاً “وظهرهم إلى الهيكل، متوجهين نحو الشرق، ساجدين للشمس نحو الشرق”. ويستشهد Mishnah Sukkah 5.5 بنفس المقطع.

[7] See e.g. G. J. Botterweck and H. Ringgren (eds), Theological Dictionary of the Old Testament (ET; Grand Rapids: Eerdmans, 1974–2006) 574–5.

[8] متى 14: 23؛ مرقس 1: 35؛ 6: 46؛ لوقا 3: 21؛ 5: 16؛ 6: 12؛ 9: 18، 28-29؛ 11: 1.

[9] لوقا 5: 12؛ 8: 28، 38؛ 9: 38

[10] متى 9: 38؛ لوقا 10: 2؛ لوقا 21: 36؛ 22: 32 (يسوع يطلب بالنيابة عن سمعان بطرس). يُستخدم اسم deēsis حصريًا للطلبات المقدمة إلى الله (لوقا 1: 13؛ 2: 37؛ 5: 33).

[11] مرقس 11: 24؛ متى 7: 7-11/لوقا 11: 9-13؛ متى 6: 8؛ 18: 19.

[12] كما في متى 16: 13؛ 19: 17؛ متى 21: 24/لوقا 20: 3؛ مرقس 4: 10؛ 8: 5؛ لوقا 9: ​​45؛ 19: 31؛ 22: 68؛ 23: 3؛ يوحنا 1: 19، 21، 25؛ 5: 12؛ 8: 7؛ 9: 2، 15، 19، 21؛ 16: 5؛ 18: 19، 21

[13] لوقا 5: 3؛ 7: 36؛ 8: 37؛ 11: 37؛ يوحنا 4: 40؛ 12: 21؛ 19: 31، 38.

[14] مثلًا مرقس 1: 40؛ 5: 17، 23؛ 7: 32؛ 8: 22.

[15] أعمال الرسل 8: 34؛ 21: 39؛ 26: 3؛ 2 كورنثوس 5: 20؛ 8: 4؛ 10: 2؛ غلاطية 4: 12.

[16] أعمال الرسل 4: 31؛ 10: 2؛ رومية 1: 10؛ 1 تسالونيكي 3: 10.

[17] رومية 12: 1؛ 15: 30؛ 16: 17؛ 1 كورنثوس 1: 10؛ 4: 16؛ 16: 12، 15؛ ​​2 كورنثوس 2: 8؛ 6: 1؛ 9: 5؛ 10: 1؛ 12: 18؛ أفسس 4: 1؛ فيلبي 4: 2؛ 1 تسالونيكي 4: 1، 10؛ 5: 14؛ 2 تسالونيكي 3: 12؛ 1 تيموثاوس 1: 3؛ 2: 1؛ تيطس 2: 6؛ فل 9، 10؛ وبالمثل عب 13: 19، 22؛ 1 بط 2: 11؛ 5: 1؛ يهوذا 3.

[18] إن سرد بولس السهل لأفعاله يشير إلى أنه يتوقع من قرائه أن يكونوا على دراية بالتوسلات بالصلاة إلى يسوع باعتبارها سمة مقبولة مجتمعيًا للممارسة التعبدية المسيحية (Hurtado, Origins 75).

[19] انظر على سبيل المثال أعمال الرسل 1: 11؛ 3: 19-21؛ 1 كورنثوس 15: 51؛ 1 تسالونيكي 4: 15-17؛ رؤيا 22: 20

[20] ملا 4: 5؛ قارن مرقس 6: 15؛ 8: 28؛ يوحنا 1: 21.

[21] Hurtado, Origins 77.

[22] يتساءل كيسي عن مقدار ما يمكن استخلاصه من 1 كورنثوس 16: 22.

Monotheism, Worship and Christological Development in the Pauline Churches’, in Newman, et al. (eds), Jewish Roots 223–5

[23] See also Hurtado, Origins 74–5.

يستنتج في أن بولس وجه صلاته إلى المسيح بنفس القدر الذي وجه فيه صلاته إلى الله الآب  (Pauline Christology 493–4).

[24] ما الفرق بين “استدعاء اسم يسوع” والصلاة “باسم يسوع”؟ هل يتصور كلاهما أن الصلاة إلى الله التي تذكر اسم يسوع تعطي القوة الحقيقيّة للصلاة؟

[25] ومن الجدير بالملاحظة ملاحظة جونجمان J. A. Jungmann في كتابه “مكانة المسيح في الصلاة الليتورجية” (The Place of Christ in Liturgical Prayer (London: Chapman, 1965):

“إذا نظرنا إلى القرون الأولى من العصر المسيحي، فقد نصل إلى هذا الاستنتاج: إذا حكمنا بناء على ما بقي في الوثائق والروايات عن حياة الكنيسة في هذه الفترة، فإن الصلاة الليتورجية، فيما يتعلق بشكل خطابها، تتوافق بإجماع كبير مع قاعدة التوجُّه إلى الله (الذي يوصف مرارًا وتكرارًا بأنه أب يسوع المسيح) من خلال المسيح رئيس الكهنة… لم نلتق إلَّا في نهاية القرن الرابع على سبيل الاستثناء بصلوات الصلاة إلى المسيح الرب، وهذه ليست ضمن الاحتفال الإفخارستي المناسب، بل في القداس السابق (قداس الموعوظين) وفي المعمودية.

من ناحية أخرى، نعلم أنه في الصلوات الخاصة، سواء في العصر الرسولي أو بعده، كانت الصلاة إلى المسيح معروفة ومألوفة” (ص 164-166). وهذا يذكرنا أيضًا أن الموضوع الأكثر بروزًا في العهد الجديد هو أن يسوع هو الشخص الذي يصلي من أجل أتباعه وليس الشخص الذي يُصلى إليه!

[26] ويشير هورتادو إلى أنه في العهد الجديد “يجب أن تكون أي صلاة مباشرة أو نداء إلى المسيح دائمًا في إطار سيادة الإله الواحد، وهي في الواقع محدودة للغاية في نطاقها وتواترها” (Origins 104).

[27] See e.g. G. Vermes, The Complete Dead Sea Scrolls in English (London: Allen Lane/Penguin, 1997) 243–332.

[28] انظر أيضًا 1 كو 14: 26؛ يع 5: 13.

[29] “ربما يمكن تفسير تأثير المزمور 110 والمزامير الأخرى المنعكسة في العهد الجديد من خلال افتراض مألوفيتها من خلال الاستخدام الواسع والمتكرر في العبادة المسيحية المبكرة” (Hurtado, Origins 88–9). حول هذا الموضوع بالكامل، انظر بشكل خاص:

Hengel, ‘Hymns and Christology’, Between Jesus and Paul (London: SCM Press, 1983) 78–96; also ‘The Song about Christ in Earliest Worship’, Studies in Early Christology (Edinburgh: T&T Clark, 1995) 227–91. Both have been republished in German in M. Hengel, Studien zur Christologie: Kleine Schriften IV (WUNT 201; Tübingen: Mohr Siebeck, 2006) 185–204, 205–58. For fuller bibliography see Hurtado, Origins 86 n. 55, and Lord Jesus Christ 147 n. 161.

[30] Bauckham, Jesus and the God of Israel 137–8; see further M. Daly-Denton, ‘Singing Hymns to Christ as to a God (cf. Pliny, Ep. X, 96)’, in Newman, et al. (eds), Jewish Roots 277–92.

ويشير هوربيريHorbury  إلى القبول المتزايد بأن “المسيح الذي كانت الترانيم تُغنى له باعتباره إلهًا في عهد تراجان كان يُكرم بالفعل بنفس الطريقة قبل عام 70م بين اليهود المسيحيين في الجليل واليهودية”.

Jewish Messianism 116–17.

[31] Hengel, ‘Song’ 237–8.

[32] يجمع هينجل بين هذه الترانيم كلها باعتبارها “ترانيم للمسيح” ويخلص إلى أن: “ترانيم المسيح نشأت من الخدمات المبكرة للمجتمع بعد عيد الفصح، أي أنها قديمة قدم المجتمع نفسه”.

(‘Hymns and Christology’ 93); similarly Hurtado, Lord Jesus Christ 142. R. Deichgräber, Gotteshymnus und Christushymnus in der frühen Christenheit (Göttingen: Vandenhoeck & Ruprecht, 1967), draws his conclusions with greater circumspection (207-8).

 

[33] ولا سيما يوحنا 1: 1-18؛ 1 تيموثاوس 3: 16؛ عب 1: 3؛ 1 بط 3: 18-19، 22.

[34] يشير هنجل إلى أنه إذا كان بليني يقصد “تسابيح عن المسيح تُشير إليه كإله”، فإنَّ هذا سيكون مشابهًا لمقدمة يوحنا (يوحنا 1: 1-18) والترنيمة في فيلبي 2: 6-11.

(Song’ 263).

[35] انظر أيضًا رؤيا 4: 8؛ 7: 12؛ 11: 17-18؛ 15: 3-4؛ 16: 7؛ 19: 1-3، 5.

[36] انظر أيضًا رؤ5: 9- 10: وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ، 10 وَجَعَلْتَنَا لإِلهِنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً، فَسَنَمْلِكُ عَلَى الأَرْضِ».

[37] وأيضاً 7: 10؛ 11: 15؛ 12: 10-12؛ 19: 6-8.

[38] Hengel, ‘Hymns and Christology’ 81–2; Hurtado, Origins 90.

الصلوات والتسابيح – عبادة يسوع في المسيحية المبكرة ج1 – جيمس دن – ترجمة: أ. أمجد بشارة

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

إعداد

د. أنطون جرجس عبد المسيح

القاهرة – أكتوبر 2023م

 

الفهرست

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس… 1

الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري.. 1

الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة. 1

عدمية الشهوة الدنسة. 2

دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر… 2

دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني.. 4

دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط.. 4

دحض فكرة وراثة ذنب آدم. 5

تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“. 8

الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة. 10

دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة. 11

دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح.. 11

نحن نرث نتائج عصيان آدم. 12

الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس… 15

دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية. 16

الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث.. 17

اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. 18

عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان. 19

تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) 20

نفي وراثة خطية آدم. 21

مفهوم ناموس الخطية المتوحش… 24

ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية. 26

ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت.. 27

الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله…. 27

ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط.. 29

إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال. 29

وراثة حكم الموت في آدم. 30

النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية. 30

براءة الأطفال من الخطية الأصلية. 32

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) 35

سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء. 35

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو. 37

وراثة وزر عقاب خطية آدم. 37

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية. 37

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني.. 38

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط.. 42

نحن بشر مجبولون بالشر… 45

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر… 45

الشهوة الجنسية شرّ… 46

هلاك الأطفال غير المعمدين.. 47

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم. 49

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني.. 51

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية. 52

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة. 52

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر… 53

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط.. 54

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج.. 55

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية. 56

ماهية الخطية الأصلية. 56

الشرور الموروثة من آدم. 58

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان. 60

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي… 61

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) 62

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك.. 63

الخلاصة. 66

 

 

 

 

 

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس

سنقوم في هذا البحث بتسليط الضوء على الاختلافات الكبيرة والعميقة بين المفهوم الشرقيّ الأرثوذكسيّ للخطية الجدية، ممثلاً في ق. كيرلس الإسكندريّ، وبين المفهوم الغربيّ اللاتينيّ، ممثلاً في أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي كان المحرِّك الرئيسيّ وراء مفاهيم مجامع قرطاچنة الثلاثة التي ناقشت الهرطقة البيلاجية، وقضت بحرمها. وبالتالي، نرى أن المفهوم الغربيّ مختلف تمامًا عن المفهوم الشرقيّ للخطية الجدية، وذلك بسبب تأثير كتابات أوغسطينوس أسقف هيبو على الغرب اللاتينيّ بقوةٍ، وهكذا سوف نرى في هذا البحث الاختلاف الشديد والعميق بين المفهومين الشرقيّ والغربيّ للخطية الجدية.

الخطية الجدية عند ق. كيرلس الإسكندري

الشر فعل إرادي مرتبط بالإرادة

يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى ماهية الشر باعتباره اختيار خاطئ وقاتل للنفس.[1] وهكذا يؤكد ق. كيرلس الإسكندري على أن الشر هو عمل إرادي مرتبط بالإرادة الإنسانية في النفس، ولا يمكن أن يكون بأي حال من الأحوال شيء موروث كما علَّم المانويون ومن بعدهم أوغسطينوس كالتالي:

”فكوننا لا نريد أن نُظهِر بأسًا شديدًا، أن نكون غير مهتمين بالابتعاد عن السيئات، وكون أن العقل لا يريد أن ينقطع عن الأشياء العتيقة، أو يبتعد بطريقةٍ ما عن كل دناءة، أو يتردد في فعل ما هو نافع، كل هذا لا يعني شيئًا آخر سوى أن الشخص يتوقف بإرادته في دائرة الشر، في الوقت الذي كان يجب عليه فيه أن يخرج مُسرِعًا“.[2]

عدمية الشهوة الدنسة

يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشهوة ليس لها وجود في حد ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه، داحضًا بذلك أية ادعاءات بوجود تعليم وراثة الخطية الأصلية في تعليمه اللاهوتي كالتالي:

فالشهوة مثلاً التي تنادينا وتجبرنا على فعل أي شيء، ليس لها وجود في ذاتها، بل هي مُدركَة فقط فيمَّن يتقبلها لتعمل فيه: لهذا فالخضوع الذي يسير إلى التأرجح نحو الإرادة عن واجب الخضوع لأي فرد آخر، لا يمكن أن يُدرَك في طبيعته ذاتها، بل يُعتبر بالحري شهوةً أو إرادةً أو رغبةً في أحد الأمور الموجودة بجانب اسم وحقيقة الخضوع الذي نتحدث عنه بشكلٍ مطلقٍ، فإنه لن يُفهَم أنه منسوب لأيٌ منها، ولن يعرف المرء إن كان الخضوع صالحًا أم رديئًا، إنْ لم يكن مضافًا لأولئك الذين يتم الخضوع لهم: فالإنسان خاضع لله، لكنه يخضع أيضًا للشيطان“.[3]

دحض تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيدة بالشر

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن الإرادة الحرة في الإنسان العاقل هي التي تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس، داحضًا أي تعليم عن الإرادة المقيَّدة بالشر وسبق التعيين للخطية والهلاك الناتج بدوره عن التعليم بوراثة الخطية الأصلية، الذي ابتدأه أوغسطينوس في صراعه مع البيلاجية، وانتشر بصورة كبيرة في لاهوت العصر الوسيط والإصلاح البروتستانتي، خاصةً في الكالفينية كالتالي:

”ليس بالإرادة الذاتية يستطيع الإنسان أن يصبح إنسانًا عاقلاً، لأنه يكون له ذلك بالطبيعة، ولكن مَن يكون إنسانًا يمكنه بإرادته الخاصة أن يكون صالحًا أو شريرًا، فالإرادة قادرة على أن تجعل الإنسان يحب الصلاح أو العكس“.[4]

ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت من بعده بتعليم الإرادة المقيَّدة بالشر، مُؤكدًا على أن المشيئة تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وبمثابة جذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة كالتالي:

”كيرلس: مثل المشيئة، فمع أنها تنحدر من العقل، طالما أن العقل هو منبعها وكجذر وقاعدة لها، تتجه إليه بالفكر. لأن العقل هو العلة الأولى للحركات والأفكار الكائنة فيه. أمَّا نوعية الحركات والأفكار، فهي تؤول إلى المشيئة التي تتشكل كثيرًا حسب الحالة، والتي يمكن أن تصل إلى النقيض. لأن ما يجعلنا نفعل الخير ليس هو ما يجعلنا نفعل الشرّ، وأن ما يجعلنا نختار أن نكون حكماء، ليس هو ما يجعلنا أن نختار ما هو عكس ذلك“.[5]

وهكذا يختلف ق. كيرلس الإسكندريّ تمامًا مع الطرح الأوغسطينيّ، بل يعتقد ق. كيرلس الإسكندريّ بأن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها الإنسان نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا، بل ويؤكد ق. كيرلس على أن مرض الميل إلى الخطية أصاب الطبيعة البشرية بعد السقوط، وليس كأنَّ الخطية صارت جزءًا من طبيعة الإنسان كما يدَّعي البعض خطاءً وعن جهل. حيث يقول التالي:

لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحملاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِيَ للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة، التي تسمح له بالابتعاد عن الصلاح، حتى لو أنه فضَّل أن يعمل ما ليس صالحًا. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا، حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرة للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مُفيدة وُجِدَ الموت الجسديّ الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[6]

دحض مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ مفهوم خطية الطبيعة، الذي أطلقه أوغسطينوس أثناء صراعه مع الهرطقة البيلاجية، وهو تعبير مانويّ في الأصل، ويرى أن الخطية قد صارت جزءًا من الطبيعة البشرية، وهذا الفكر هو فكر غنوسيّ مانويّ غير أرثوذكسيّ، يدحضه ق. كيرلس موضحًا أن إمكانية الإنسان أن يصير صالحًا أوشريرًا تتوقف على إرادته، وليس على طبيعته كالتالي:

”الإنسان لديه إمكانية أن يصير أبًا لأولاده بحسب طبيعته، وهو لا يصير أبًا بإرادته، مثلما يمكن أن يكون شريرًا أو صالحًا بإرادته. فالأول [إمكانية الولادة] توجد فيه بحسب طبيعته، بينما الثاني [أن يكون شريرًا أو صالحًا] فيعتمد على إرادته. في الحالة الثانية نتسيَّد، بينما في الحالة الأولى نخضع لناموس الطبيعة الذي لا يُخترَق“.[7]

دحض الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

ويدحض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس والبروتستانت بالفساد الكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وانعدام الخير فيها انعدام كليّ وتام قائلاً:

”كيرلس: إذ أن طبيعتنا البشرية مكونة من أجزاء متعددة. ونحن من التراب فيما يخص الجسد، وهذا يعني أننا معرضون للفساد والزوال مثل الأعشاب، بينما الله فوق كل ذلك، والنفس الإنسانية عرضة لتقلبات كثيرة من الصالح إلى الطالح، ومن الطالح إلى الصالح، ولكن الله هو هو دائمًا، صالح إلى الأبد، ولا يتحول ولا يتغير من حال إلى حال، وعدم تغير الله ليس صفة عرضية، بل يرجع إلى جوهره. وهكذا أصبح من الواضح أن البشر الذين أتوا إلى الوجود من العدم، لا يتشابهون مع الله حسب الطبيعة، بل يمكن أن يتشابهوا معه في نوعية الحياة الجديدة والسلوك المستقيم.

إرميا: إن حديثنا يسير في الطريق السليم، وذلك رغم سقوطنا، إلا أنه لا نحن ولا الملائكة الذين سقطوا لم ننحرف كليةً عن طبيعتنا، ولم ننحدر إلى العدم الكليّ، رغم عدم اقتناءنا للفضيلة، فلقد فقدنا القدرة على المعرفة الصحيحة وفن الحياة، وذلك بسبب ميلنا للشر، ولكن المسيح جاء ودعانا إلى أن نتشكل من جديد حسب الصورة الأولى بكل بهائها. ولا نقول أبدًا إن الوصول إلى هذا المجد يعني أن الطبيعة البشرية تصير طبيعة أخرى، ولكن الأمر يتعلق باختيار الإرادة في أن يتغير الإنسان من حياة شريرة إلى حياة مُقدَّسة في القول والفعل.

كيرلس: يبدو لي أن الأمر واضح يا صديقي إرميا، فإن صفات الله تضيء في صورتنا لأننا اخترنا بملء حريتنا أن نسير في الصلاح، ولكننا، وكما ذكرت ذلك أنت نفسك، لسنا واحدًا مع الله في الجوهر“.[8]

دحض فكرة وراثة ذنب آدم

يرفض ق. كيرلس الإسكندري رفضًا باتًا فكرة وراثة الخطية الأصلية بالتناسل من آدم إلى ذريته قائلاً:

”والدليل على ذلك الطبيعة الإنسانية الواحدة نفسها؛ التي رأسها آدم أبينا جميعًا وهو واحد في الجوهر مع ابنه المولود منه، ولكن هذه الوحدة في الجوهر، لا تجعل آدم ابنًا كما لا تجعل ابن آدم أبًا لآدم، بل كل فرد في الطبيعة الإنسانية يحتفظ بما له من صفات وقدرات، حتى أن الأب يظل أبًا والابن يظل ابنًا. أما إذا كنتم تظنون أنكم تهيئون برهانًا ذكيًا، وتحاولون أن تفرضوا الاختلاط وانعدام التمايز على وحدة الجوهر، حتى لا يبقى كل أقنوم كما هو، بل يذوب ويختفي في الآخر، فما الذي سوف يمنع ديَّان الكل من أن يعاقب الابن على ذنب أبيه. أو الأب على ذنب ابنه، مع أن النبي يقول: ’النفس التي تخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الأب والأب لا يحمل من إثم الابن‘ (حز 18: 20). ولكن الذي يقضي بالعدل لا يعاقب الأب على ذنوب ابنه، رغم أن الأب والابن من جوهر واحد. لأن الأب ليس ابنًا، والابن كذلك ليس أبًا، وكل منهما له مسئولية خاصة به في الأبوة والبنوة، والله يعرف كلٌّ منا كفرد في ذاته، فلا يتحول أحد إلى الآخر ويرتفع إلى ذات مكانة الآخر، كما أنه لا ينحدر أيضًا إلى مكانة الآخر“.[9]

ويرفض ق. كيرلس تعليم وراثة الذنب الأبويّ في موضع آخر، حيث لا يقول ق. كيرلس إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم كالتالي:

”لقد قال يجب أن يهلك أيضًا مع الأم التي زنت، الأولاد بدون رحمة. ولأي سبب؟ لأنهم أولاد زنا، ولكننا لا نقول بالتأكيد إن الولد يكون مسئولاً عن خطايا الأم، لأن ما قاله حزقيال هو ما سيحدث لنا: ’النفس التي تُخطئ هي تموت. الابن لا يحمل من إثم الآب، والأب لا يحمل من إثم الابن. بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون‘ (حز 18: 20). غير أنه يجب أن نعرف، أنه بما أن الأم التي زنت، أُخِذَت كمثال للمجمع، فإن الآتين منه لن يكونوا في حالٍ أقل منه. وعندما قيل إنهم أولاد زنا، فقد أظهر بوضوحٍ، أنهم صاروا مذنبين جراء ما اقترفوه من جرائم الزنا الذهنيّ، وإن عدم إيمانهم هذا بدأ من القماط ومن رحم أمهاتهم، وأنهم لم يلمسوا أعمال التقوى، ولم ينشغلوا أبدًا بالفضيلة، ولم يُقدِّروا الطريق الذي يُسَرُّ به الله“.[10]

وينفي ق. كيرلس وراثة الذنب الأبويّ في سياق تفسيره لمعجزة شفاء المولود أعمى، حيث يرى أن الإنسان لا يُولَد أعمى ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع له هو شخصيًا، أو إلى أبويه، مؤكدًا على أن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء كالتالي:

”فالإنسان لا يُولَد أعمى،ولا يُولَد بأية عاهة جسدية أخرى لسبب يرجع إليه هو، أو إلى أبويه. وإضافةً إلى ذلك، فإن الله لا يفتقد خطايا الآباء في الأبناء“.[11]

ويدحض ق. كيرلس فكرة وراثة الذنب، وفكرة الوجود السابق للنفس قبل الجسد، ويرفض فكرة أن النفس خاطئة من قبل ولادتها، وهنا يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب خطية آدم، على العكس من أوغسطينوس، الذي يرى أن النفس تُولَد حاملةً للخطية الأصلية رأسًا من آدم أصل الجنس البشريّ، فالنفس عند ق. كيرلس ليست خاطئةً ولا وارثةً لخطية قبل ولادتها كالتالي:

”ولكن ليس من السهل أن ندرك ما هو نوع الشرح الذي يمكن أن يقدِّمه أي أحد بطريقةٍ مقنعةٍ بخصوص أولئك الذين يتألمون بآلامٍ مرعبةٍ منذ ولادتهم وسنوات حياتهم الأولى، أو حتى يُصابون بأمراضٍ وهم لا يزالون في الرحم، فنحن لا نؤمن أن النفس موجودة قبل الجسد، ولا يمكن أن نظن أنها أخطأت قبل الجسد، فكيف يمكن أن تخطئ وهي لم تكن قد وُلِدَت بعد؟ […] وهذا كأنه قد قال بأسلوب مختلف وأكثر بساطة إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب خطاياه الشخصية، أو بسبب خطايا والديه“.[12]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق أن نفس الإنسان ليست مذنبةً بخطايا قبل ولادتها بالجسد، كما يقول أوريجينوس والأوريجانيون، ويدحض أيضًا تعليم أوغسطينوس بوراثة النفس المولودة من الأبوين لخطية آدم الأصلية، لأنه نفس الأمر يسري عليه فهي ليست خاطئة بالولادة في جسد بشريّ قائلاً:

”وقد سبق أن أوضحنا أن الله لا يجلب خطايا الآباء على الأبناء ما لم يكونوا مشاركين لهم في شرهم، كما سبق أن أوضحنا أيضًا أن وجود الإنسان بجسدٍ ليس هو بسبب خطايا سبق أن أرتكبتها النفس قبل وجود الجسد. لأن المسيح بحديثه ضد هاتين الضلالتين أسقطهما بطريقةٍ عجيبةٍ، حيث إنه بلا شك هو يعرف كل شيء كإله، أو بالحري هو نفسه الحاكم الأعلى لكل أمورنا، وهو الذي يعيِّن تلك الأشياء التي تناسب كل إنسان، والتي يستحقها كل إنسان، لأنه بقوله إن الأعمى لم يخطئ ولا هو يعاني العمى لهذا السبب، فإنه يبين أنه من الحماقة الافتراض أن تكون نفس الإنسان مذنبةً بخطايا قبل ولادتها في الجسد، وأكثر من ذلك، فحينما يقول صراحةً إن أبويه لم يخطئا حتى يُولَد ابنهما أعمى، فهو يدحض شكوك اليهود السخيفة [بوراثة الذنب الأبويّ]“.[13]

تفسير عبارة ”أخطأنا في آدم“

يفسر ق. كيرلس عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“، بعيدًا عن أي تفسير ساذج بأن هذه العبارة تشير إلى وراثة الجنس البشري لخطية آدم الأصلية، حيث يرى أن جدنا آدم حاد بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، ولم يحفظ نعمة [نفخة] الروح القدس، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، فلا توجد أية إشارة لا من قريب ولا من بعيد إلى انتقال خطية آدم بالتناسل إلى ذريته، ولا أصبحت الخطية الأصلية جزء من تكوين الطبيعة البشرية، كما يدَّعي المانويون الجدد عن دون دراية، معتقدين جهلاً أن ق. كيرلس يعلِّم بـ ”خطية الطبيعة“، كما علَّم به أوغسطينوس في الغرب متأثرًا في ذلك بالمانوية التي كان أحد أتباعها ومريديها في يوم من الأيام كالتالي:

”لأنه إذ قد حاد آدم بالخديعة فسقط في العصيان والخطية، فلم يحفظ نعمة الروح [القدس]، وهكذا فقدت فيه الطبيعة البشرية كلها الخير المعطَى لها من الله، لهذا لزِم أن الله الكلمة غير المتحوِّل أن يصير إنسانًا، حتى إذَا ما نال كإنسان، يمكنه أن يحفظ الصلاح في طبيعتنا على الدوام“.[14]

ويفسر ق. كيرلس أيضًا عبارته الشهيرة ”أخطأنا في آدم“ في موضع آخر، حيث يرى أن طبيعة الإنسان قد أُدينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وهكذا نقل انحراف الإنسان الأول خسران الصالحات إلى الطبيعة الإنسانية كلها، لأنه في آدم فسد الجنس البشريّ كله. ونؤكد أن البشر بأشخاصهم وإرادتهم الحرة لم يكونوا موجودين مع آدم وقت عصيانه، وهذا ما صرَّح به ق. كيرلس في الشذرات المتبقية من تفسيره لرسالة رومية، عندما فسر أننا صرنا ”خطأة في آدم“ رغم أننا لم نكن موجودين معه وقت خطيته وعصيانه، وها هو هنا يفسر أننا كنا موجودين في آدم كـ ”طبيعة بشرية“ عاجزة عن الثبات، فاقدةً لكل الخيرات المعطَى لها من الله، وهكذا صارت طبيعة ساقطة ومنحرفة، وليست وارثة لذنب خطية آدم، كما يفسر الغنوسيون والمانويون الجدد عن دون دراية وعن جهل بمفاهيم ومعاني عبارات ق. كيرلس. وقد جاء الجنس البشريّ من الوجود إلى العدم في آدم الأول، ولكنه فَسَدَ، عندما كسر الناموس الإلهيّ كالتالي:

”لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم كطبيعة عاجزة عن الثبات، إذ قد سقطت وانحرفت، وكان سقوطها سهلاً للغاية. فكما أنه في انحراف الأول انتقل خسران الصالحات إلى الطبيعة كلها، هكذا وبنفس المنوال، أحسب أن فيه أيضًا ذاك الذي لا يعرف انحرافًا، كي يحفظ لجنسنا كله ربح سكنى المواهب الإلهية. […] لأنه في آدم الأول، جاء الجنس البشريّ إلى الوجود من العدم، وإذ قد جاء إلى الوجود، فَسَدَ، لأنه كسر الناموس الإلهيّ، ففي آدم الثاني، المسيح، قد قام هذا الجنس مرةً أخرى إلى بداية ثانية، وأُعيد تشكيله مرةً أخرى إلى جدة الحياة وإلى عدم الفساد“.[15]

الخطية الجدية هي غياب عدم فساد الطبيعة

يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي غياب عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البدء، وهكذا أعاد المسيح ما غاب عن الطبيعة البشرية باتحاده بها في تجسُّده. فالطبيعة البرية كانت مأسورة للموت، واحتاجت للكلمة المحيي أن يلبس هذه الطبيعة البشرية المأسورة للموت لكي يتوقف الموت عنها كالتالي:

”إذًا، لأنه كان من المستحيل أن يبطُل الموت بالنسبة لطبيعة الإنسان، لأنه كان أسيرًا للموت، جالبًا تلك اللعنة القديمة [الفساد والموت]، فكان حتميًا أن يلبس الكلمة المحيي الطبيعة المأسورة للموت، أي طبيعتنا البشرية، لكي يتوقف الموت، الذي – كأحد الوحوش المفترسة – انقضَّ أيضًا على جسده، فأبطل سلطانه الطاغيّ علينا بكونه الله. إذًا، فهذا هو الذي كُمِّل جسديًا لأجلنا بكونه إنسانًا، أكملنا نحن بكونه الله بأن أبطل سلطان الموت. لأن عدم الفساد الذي كان للطبيعة البشرية منذ البداية غاب عنها. لأنه يقول: ’إذ ليس الموت من صُنع الله ولا هلاك الأحياء يسره؛ لأنه إنما خلق الجميع للبقاء. فمواليد العالم إنما كُوِّنَت معافاةً وليس فيها سم مهلك ولا ولاية للجحيم على الأرض‘ (حك 1: 13-14)، ’لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم‘ (حك 2: 24). وإذ قادنا هكذا إلى الكمال، قال لأبيه السماويّ: ’أنا مجَّدتك على الأرض. العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته‘ (يو 17: 4). لأنه حقًا مجد الله الآب الذي أبطل بابنه ذاته الموت. إذَا، فقد تحقَّق كماله بواسطة الآلام، وما غاب عنَّا، أُضِيفَ لنا. لأنه بالمسيح صار خلقًا جديدًا (2كو 5: 17)“.[16]

دحض القدرية ووراثة الخطية بالولادة

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا فكرة وراثة الخطية الأصلية عن طريق التناسل، حيث يقر بأنه ليس القدر ولا الولادة هما ما يجعلان الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس، الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين كالتالي:

لذلك ليس صحيحًا، إذًا، أن كل من القدر والولادة هما اللذان يتحكمان في كل شخص كما يُعتقد، وتجعل الإنسان فاعلاً للشر أو فاعلاً للخير، بل على العكس من ذلك، فإن الجميع يسيرون بحريةٍ في كلا الاتجاهين، ولا يوجد شيء يمنع بالضرورة أي شخص من توجيه مسيرته في أي اتجاه يقرِّره“.[17]

وهذا ما يؤكده ق. كيرلس في موضع آخر، حيث يرى أن الذين ينسحبون عن الضلال السابق ويسرعون إلى الحق كثمرة لحرية إرادتهم هم مستحقون بالحقيقة للمديح كالتالي:

”وإذ يُفطَّمون من ضلالهم السابق الذي تسلَّموه من آبائهم، فإنهم يقبلون كلمة الإنجيل المخلِّصة. ونحن نؤكد أن مثل أولئك هم الذين يُدعون من السياجات، فإنهم بالحقيقة أكثر عظمةً وجدارةً بالمديح حينما يكون الانسحاب من الضلال السابق والإسراع إلى الحق هو ثمرة حرية الإرادة“.[18]

دحض وراثة الخطية والوجود السابق للأرواح

يرفض ق. كيرلس الإسكندري تعاليم كل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير بخصوص الوجود السابق للنفس في سياق شرحهم للسقوط والخطية الجدية، كما يتضح إن تعليمهما لا يتفق من قريب أو من بعيد مع تعليم وراثة الخطية الأصلية عند أوغسطينوس، بل ولا يتفق مع تعاليم الآباء الإسكندريين اللاحقين كالقديسين أثناسيوس وكيرلس اللذين رفضا التعليم بالوجود السابق للأرواح وانحباسها في أجسادها بسبب السقوط من عالم الغبطة، وفي نفس الوقت رفضا وراثة الخطية والذنب من آدم أو ارتكاب خطايا وذنوب قديمة سابقة في حياة سابقة للنفس قبل انحباسها في أجسادها كعقوبة على خطاياها السابقة.

وسوف نستعرض رأي ق. كيرلس الإسكندري الذي أفرد جزءًا من تفسيره على إنجيل يوحنا، يمكن الرجوع إليه، لدحض تعليم الوجود السابق للأرواح وتعليم وراثة ذنب وخطية آدم بسبب التعليم السالف الذكر لكل من العلامة أوريجينوس والعلامة ديديموس الضرير. حيث يقول التالي:

”ولكنني أفترض أنه من الحماقة الادعاء أن النفوس وُجِدَت قبل الأجساد، وإنها بسبب ذنوب قديمة أُرسِلَت لكي تُحبَس في أجساد ترابية. وسوف أُبرهِن على قدر استطاعتي بعدة براهين من الأسفار الإلهية، لأنني أعرف ما هو مكتوب: ’أعط حكيمًا فيكون أوفر حكمةً. علَّم صديقًا فيزداد علمًا‘ (أم٩: ٩)“.[19]

نحن نرث نتائج عصيان آدم

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ التعليم بالوجود السابق للأرواح مُؤكِّدًا على أننا نرث نتائج عصيان آدم ألا وهي الفساد والموت، ولا نرث خطية آدم نفسها، لأن وراثة خطية آدم كانت أحد البراهين التي كان يستند عليها القائلون بالوجود السابق للأرواح وسقوطها بسبب وراثة خطية آدم من عالم الغبطة وانحباسها في أجسادها. حيث يقول التالي:

”يقول بولس مُوضِّحًا أن الفساد قد انتشر وامتد إلى كل جنس آدم بسبب عصيان آدم: ’لكِنْ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ‘ (رومية14:5). فكيف يقول إن الموت ملك حتى على الذين لم يخطئوا، إذَّا كان الجسد الميت قد أُعطِي لنا بسبب خطايا سابقة؟ وأين هؤلاء الذين لم يخطئوا إنْ كان الوجود في الجسد هو عقاب على خطايا سابقة، وكأنَّ وجودنا في الجسد في هذه الحياة هو اتهام مُسبق قائم ضدنا؟ إن قول المخالفين ينم عن عدم دراية بالأسفار المقدَّسة“.[20]

ويرى ق. كيرلس أننا كُنا مُتَّحِدين بآدم عندما جلب على نفسه عقوبة الموت، وليس الله هو مُعاقِبه بالموت، لأن الموت ليس من صُنع الله، وهكذا نحن مُتَّحِدون بالمسيح عندما جلب لنا الحياة وعدم الفساد. وهنا يؤكد ق. كيرلس أننا نرث من آدم الموت والفساد وليس ذنب خطيئته نفسها، لأننا كُنا مُتَّحِدين به من خلال الطبيعة البشرية الواحدة التي تجمعنا به كبشر مولودين من نسل بشريّ آدميّ، وهكذا جلب آدم علينا نتائج خطيئته أي عقوبة الموت كالتالي:

”لأنه صار مثلنا، وكسى ذاته بجسدنا، لكيما بإقامته إياه [الجسد] من الموت، يُعدّ – من الآن فصاعدًا – طريقًا يمكن به للجسد الذي وُضِعَ [أُذِلَ] حتى الموت، أن يعود من جديد إلى عدم الفساد [الانحلال]. لأننا مُتَّحِدون به مثلما كُنا أيضًا مُتَّحِدين بآدم، عندما جلب على نفسه عقوبة الموت. وبولس يشهد لذلك، إذ كتب هكذا في أحد المرات: ’فإنه إذ الموت بإنسانٍ، بإنسانٍ أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، ويقول أيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22). لذلك فإن الكلمة إذ وحَّد مع ذاته ذلك الجسد الذي كان خاضعًا للموت، فلكونه الله والحياة، فقد طرد منه الفساد [الانحلال]، وجعله أيضًا يصير هو مصدر الحياة؛ لأنه هكذا ينبغي أن يكون جسد ذاك الذي هو الحياة“.[21]

ويوضح ق. كيرلس أننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وهكذا سقطنا في مصيدة الموت، متروكين من قِبَل الله، فيؤكد على أننا نرث نتيجة مخالفة آدم وهي السقوط في مصيدة الموت، وليس المشاركة في ذنب خطية آدم. ويعطي ق. كيرلس معنى آخر للخطية الجدية وهي أنها هجران النعمة من الطبيعة البشرية كالتالي:

”لأننا صرنا ملعونين بسبب مخالفة آدم، وسقطنا في مصيدة الموت متروكين من قِبَل الله، ولكن الكل بالمسيح صار جديدًا، وعاد ثانيةً كل ما يخصنا كما كان في بداية الخليقة، كان ينبغي لآدم الثاني، الذي أتى من السماء، وكان أسمى وفوق الخطية، الجذر الثاني لجنسنا كليّ القداسة وغير الدنس، أن يُخلِّص [يُحرِّر] الطبيعة البشرية من الإدانة، وصار لها أن تستدعي ثانيةً نعمة الصلاح من السماء ومن الآب، فوقها، وتُبطِل هجران النعمة لها بواسطة طاعة يسوع المسيح التي حدثت مرةً واحدةً وإلى الأبد. لأنه لم يفعل خطيةً (إش 53: 9؛ 1بط 2: 22)، وأيضًا الطبيعة البشرية، وهي متَّحِدة به، صارت بلا لوم وبريئة“.[22]

ويشير ق. كيرلس بوضوح إلى أن آدم، الجذر الأول، قد أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، لم يقل ق. كيرلس أن آدم أنبت خطيئته في الطبيعة البشرية، كما يدَّعي الغنوسيون والمانويون الجدد، بل قال نتائج الغضب، حيث الموت الذي ملك من آدم إلى موسى على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، ويقارن ق. كيرلس بين عبور نتائج الغضب أي الموت من الجذر الأول للبشرية، آدم، وبين عبور النتائج الآتية من جذرنا الثاني، المسيح، في كل الجنس البشريّ. فأين الخطية الأصلية الموروثة التي يدَّعي هؤلاء أن ق. كيرلس يؤمن بها؟! حيث يقول التالي:

”كما أن الجذر الأول، أقصد آدم، أنبت في الطبيعة البشرية كل نتائج الغضب، حيث ملك الموت من آدم إلى موسى وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي آدم، هكذا مرتَّ [عبرت] أيضًا النتائج الآتية من جذرنا الثاني، أي المسيح في كل الجنس البشريّ، الأمر الذي يؤكده بولس الرسول قائلاً: ’لأنه إنْ كان بخطية واحد مات الكثيرون، فبالأولى كثيرًا نعمة الله والعطية بالنعمة التي بالإنسان الواحد يسوع المسيح قد ازدادت للكثيرين‘ (رو 5: 15)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيُحيَا الجميع‘ (1كو 15: 22)“.[23]

الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس

يشرح ق. كيرلس ماهية الجدية وهي انعطاف الإنسان نحو الشر، وقطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس الساكن في طبيعة الإنسان منذ أن خلقه الله ونفخ فيه نفسًا حيةً كالتالي:

”كيرلس: لقد هرب العالم من خالقه، وابتعد عن الاتصال به، لأنه لم يعرف الخالق الذي هو أسمى من الخليقة. ولأنه أنعطف نحو الشرّ، فإنه قطع علاقته بالخالق، تلك العلاقة التي كانت عن طريق الروح القدس. لأنه بمجرَّد أن خُلِقت طبيعة الإنسان بواسطة روح الخالق غير الموصوف، زُيِّنت في الوقت نفسه بهبة العلاقة بالروح القدس، لأنه مكتوب: ’ونفخ في أنفه نسمة حياة‘ (تك 2: 7). لأنه – كما أعتقد – لا يستطيع الكائن الحيّ أن تكون له هذه الدالة وهذا التقديس بأيّ طريق آخر، سوى شركة الروح القدس؛ فعندما تجسَّد الابن الوحيد، وجد أن طبيعة البشر خالية من الصلاح، الذي وهبه الله إليها في القديم عند خلقتها؛ لهذا أسرع بأن يشركها في ملئه مثلما من نبعٍ، قائلاً: ’اِقبلوا الروح القدس‘ (يو 20: 22)، ومُبيِّنًا نفخة روحه عندما نفخ في وجوههم. وهكذا كان تجديد البشرية وإعادتها إلى رتبتها الأولى، مماثلاً لما قد حدث عند خلقها في البدء، بينما نجد أن انفصال الطبيعة المخلوقة لا يُفهَم أنه ابتعاد مكانيّ، بل بالحري أنه ابتعاد هذه الخليقة عن الله وعن شركة الابن والروح القدس. لهذا فيمكن أن ترجع إلى حالتها الأولى لو أردت – طالما أنها وُهِبت التجديد الروحيّ، وهي مدعوةٌ لشركة الطبيعة الإلهية عن طريق الروح القدس“.[24]

ويشرح ق. كيرلس المفهوم السابق بأكثر تفصيلاً بأن الإنسان فقد في آدم عدم فساده بعد مفارقة الروح القدس للإنسان بالسقوط، وانحرف الإنسان نحو الخطية، ولكن لم ينحرف تمامًا بإرادته نحو الخطية، كما يدَّعي أوغسطينوس ولوثر وكالڨن بالفساد التام والكليّ للطبيعة البشرية بعد السقوط بسبب خطية آدم الموروثة، التي تعمل ديناميكيًا في الطبيعة البشرية وتجعلها مُقيَّدةً دائمًا بفعل الشر والخطية حتى لو أرادت الخير فهي تفعل الشر تلقائيًا بسبب الإرادة المقيَّدة قدرًا ووراثيًا بالشر. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان تتابع تدريجيًا في الغلو في الخطايا، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، وهذا يؤكد أن ق. كيرلس يؤمن بالفساد الجزئيّ للطبيعة البشرية والإرداة الإنسانية، وليس كما يُعلِّم اللاهوت الغربيّ بقيادة أوغسطينوس وأتباعه من المصلحين البروتستانت بالفساد والانحراف الكلي والتام للطبيعة البشرية والإرادة البشرية. فيرى ق. كيرلس أن الإنسان عانى من فقدان الروح القدس، وصار تدريجيًا خاضعًا للفساد ولكل الخطايا كالتالي:

”فإن هذا الكائن الحيّ العاقل على الأرض، أعني الإنسان، قد خُلِقَ منذ البدء في عدم فساد. وكان السبب في عدم فساده وفي بقائه في كل فضيلة، هو على وجه اليقين أن روح الله كان يسكن فيه، لأن الله ’نفخ في أنفه نسمة حياةٍ‘ كما هو مكتوب (تك 2: 7). لكنه وبسبب تلك الخدعة القديمة قد انحرف إلى الخطية، ثم تتابع تدريجيًا في الغلو في هذه الأمور، ورغم ما تبقى لديه من أمور صالحة، عانى من فقدان الروح، وفي النهاية، أصبح خاضعًا ليس فقط للفساد، بل عُرضةً أيضًا لكل الخطايا“.[25]

دحض تعليم وراثة الخطية الأصلية

يدحض ق. كيرلس الإسكندريّ أيضًا التعليم بوراثة الخطية الأصلية وتعليم الوجود السابق للأرواح وانحباسها في الأجساد المترتب عليه. حيث يقول التالي:

”ولكن بعبارة واحدة قصيرة فإن المسيح أبطل حماقات هذين الفريقين، وأكَّد تمامًا أن لا المولود أعمى ولا أبواه أخطأ، وهو يدحض تعاليم اليهود بقوله إن الرجل لم يُولَد أعمى بسبب أية خطية سواء منه أو من أجداده، ولا حتى من أبيه أو أمه، وهو يطرح بعيدًا حماقة الآخرين السخيفة الذين يقولون إن النفوس تخطئ قبل وجودها في الجسد“.[26]

ونستنتج من هنا أن تعاليم ق. كيرلس الإسكندري بخصوص الخطية الجدية، ونتائجها، وآثارها، على الجنس البشري لا يمكن أن تتفق وتعاليم أوغسطينوس عن وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج، حيث يُعدّ هذا في نظره ارتدادًا ورجوعًا للتعاليم الأوريجانية عن الوجود السابق للأرواح، وسقوطها من الشركة مع الله بسبب وراثة خطية آدم، وانحباسها في أجسادها الترابية كعقوبة لها على ذنوب سابقة لها بسبب وراثة خطية آدم.

الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث

يرى ق. كيرلس الإسكندريّ أن الخطية مرتبطة بحرية إرادة الإنسان سواء وجَّهها نحو الفضيلة أو نحو الرذيلة، وليست شيئًا موروثًا. حيث يقول التالي:

”لقد خُلِقَ الإنسان منذ البداية مُتحمِلاً مسئولية إرادته وحرية اختيار الشيء الذي يُفضِّله. ولأن الله خلقه على مثاله لذلك خُلِقَ حرًا. وأعتقد أنه بهذه الطريقة، أُعطِي للإنسان أن يكون جديرًا بالإعجاب، إذَا أظهر بإرادته أنه يميل إلى الفضيلة، وأعماله هذه تكون ثمرة إرادته الحرة، وليست نتيجة حتمية لطبيعته غير الحرة،. وهكذا، فالإنسان لديه منذ البداية إرادة حرة غير محدودة ليعمل كل الأعمال، ولكنه انقاد بطيش بغواية التنين إلى فعل الأمور التي لا تليق، إذ أنه لم يحترس من الوقوع في العصيان. هكذا حكم على الانسان بالموت والفساد، لأن الله رأى أن هذا الحكم هو لصالحه. بمعنى أنه طالما مال الإنسان مرةً للخطيئة، وأصاب طبيعته مرض الميل للشر، مثل الأرواح النجسة، وانعطف نحو الشر، حسنًا، فبطريقة مفيدة وجد الموت الجسدي الذي لم يؤد بالإنسان إلى الدمار الكامل، حتى يمكننا القول إن الإناء المكسور حُفِظَ لكي يصير جديدًا بطريقة ما، طالما سيتم إعادة تصنيعه في الوقت المناسب“.[27]

اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية

ويُؤكِّد ق. كيرلس على اجتياز مرض الموت وليس الخطية الأصلية إجباريًا من بداية الجنس البشري كجذر إلى الفروع التي تفرعت منه كالتالي:

”كيرلس: إذًا، لأن بداية الجنس البشري بسبب الخطية انتهت إلى مرض الموت، وهذا الموت اجتاز إجباريًا إلينا، فمن الجذر امتد إلى الفروع التي تفرعت منه. لأن الثمر الفاسد هو من الأصل الفاسد. وهكذا ملك الموت على الجميع، وحتى على موسى نفسه، أي حتى ذاك العصر الذي كان فيه الناموس ساريًا“.[28]

يشرح ق. كيرلس كيف نقل آدم اللعنة، أي لعنة الفساد والموت، إلى نسله من جراء مُخالفته، فيقول:

”بما أننا آتينا من (الطبيعة) الفاسدة، نحن وارثون لعنة آدم بهذه الطريقة. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية التي أُوصِيَ بها ذاك، لكن -كما قلت- لأنَّ الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة للأولاد الذين وَلدَهم؛ أي صرنا فانين من الفاني. لذلك صار ربنا يسوع المسيح آدم الثاني، وبدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. أعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مهينًا الموت، ومبطلاً إياه في جسده. بالمسيح إذًا انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا يقول بولس الحكيم أيضًا: ’فإنه إذ الموت بإنسان، بإنسان أيضًا قيامة الأموات‘ (1كو 15: 21)، وأيضًا: ’لأنه كما في آدم يموت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع‘ (1كو 15: 22). نستنتج إذًا، أنَّ اللعنة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل (الجامع) للكل تحقق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يثقلها؛ لأن الإنسان الأول صار فاسدًا“.[29]

ويُؤكِّد هنا ق. كيرلس على وراثة الفساد والموت من جراء مخالفة آدم، ويرفض بشكلٍ واضحٍ وراثة الذنب الشخصيَ أو الأخلاقيّ من آدم إلى بنيه.

عدم وراثة الخطية في يوحنا المعمدان

يُفسِّر ق. كيرلس كيفية امتلاء يوحنا المعمدان من الروح القدس وهو في بطن أمه، بأنه وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، داحضًا بذلك التعليم عن وراثة الخطية الأصلية؛ لأنه لو كان يوحنا المعمدان وارثًا للخطية الأصلية من والديه، فكيف يقول الإنجيل عنه إنه كان مُمتلئًا بالروح القدس من بطن أمه، ويتحدَّث ق. كيرلس عن أنه قد وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا البشرية، حيث يقول التالي:

”لأن المخلِّص يقول: ليس بين المولودين من النساء مَن هو أعظم من يوحنا (مت 11: 11)، وهذا حق، ولكننا نرى أن الذي وصل إلى قمة المجد والفضيلة الخاصة بطبيعتنا، يُكرِّم المسيح بكرامةٍ لا يمكن مقارنتها. فهو يقول: ’الذي لست أهلاً أن أنحني وأحلَّ سيور حذائه‘ (مر 1: 7). فكيف لا يبدو غير معقول، بل بالحري عدم تقوى، أن نؤمن أن يوحنا ’امتلأ من الروح القدس من بطن أمه‘ (لو 1: 15)، ثم نفترض أن سيده، بل بالحري سيد ورب الكل قَبِلَ الروح القدس فقط عندما اعتمد، مع أن جبرائيل يقول للعذراء القديسة: ’الروح القدس يحل عليك، وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يُدعَى ابن الله‘ (لو 1: 35)، وعلى محب المعرفة أن يرى قوة الكلمات التي تتمخض بالحق. لأنه يقول عن يوحنا ’يمتلئ‘ من الروح القدس، لأن الروح القدس صار فيه كعطية وليس بالجوهر، أما عن المخلص، فالملاك لا يقول عنه إنه ’سوف يمتلئ‘ بالمعنى الدقيق للكلمة، بل ’القدوس المولود منك‘، ولم يقل ’المولود منك سوف يصير قدوسًا‘، فهو دائمًا قدوس بالطبيعة لأنه إله“.[30]

تفسير آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12)

يُفسِّر ق. كيرلس فقرة (رو5: 12) ”واجتاز الموت لجميع الناس“ دون أي ذكر لوراثة الخطية الأصلية، حيث يقول التالي:

”لقد بيَّن ربنا يسوع المسيح المحبة الحقيقة اللافتة التي أظهرها لنا الله الآب من خلال تتميم تدبيره [الابن] في الجسد وآلامه على الصليب، إذ قيل: ’هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكيلا يهلك كل مَنْ يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية‘. وتأكيدًا لذلك، فقد بذل [الآب] بالحقيقة ابنه الوحيد من أجلنا، وبذلك افتُدِينا وتحرَّرنا من الموت والخطيئة. ’فالكلمة قد صار جسدًا وحلَّ بيننا‘ ليس لسبب آخر سوى احتمال الموت في الجسد، ولكي يتمكن من الانتصار على القوات والسلاطين، ولتحييد ذاك الذي ’له سلطان الموت، أي ابليس‘، ولكي ينزع الفساد ومعه يزيل الخطيئة التي تقهرنا. بهذه الطريقة قد محى أيضًا تلك اللعنة القديمة التي تحملتها الطبيعة البشرية في آدم باعتباره باكورة جنسنا وأصل نشأتنا. فعندما خالف آدم الوصية، فقد أخطاء تجاه الخالق. وهذا هو السبب في أنه قد صار ملعونًا وخاضعًا للموت. ولكن رب الكون قد تحنن على أولئك الذين هلكوا تمامًا؛ فنزل الابن من السماء، ومحا الاتهامات، مُبررًا الفاجر بالإيمان. كإله، أعاد تشكيل الطبيعة البشرية ليجعلها غير فاسدة رافعًا إياها إلى حالتها الأصلية. فكل ما في المسيح هو ’خليقة جديدة‘، لأنه قد جعل نفسه كأصل جديد وصار آدم الثاني. ولكن هذا لا يعني أنه قد صار سببًا لغضب الله كما كان آدم، أو سببًا لابتعاد المولودين منه عن فوق؛ بل على العكس، فهو المحسِن الذي منحنا أن نصير أقرباء لله من خلال التقديس، وعدم الفساد، والتبرير الذي بالإيمان. ويشرح لنا بولس الحكيم هذا الأمر في كلمات المقطع الذي نحن بصدده، فيقول: ’كأنما بإنسان واحد‘، ثم يُكمِل قائلاً: ’دخلت الخطية إلى العالم وبالخطية الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘. إذًا، فقد دخل الموت بالخطيئة – كما قُلتُ – في الإنسان الذي خُلِقَ أولاً، في مصدر جنسنا. ثم تم أسر [نهب] الجنس البشري بأكمله لاحقًا. وعندما تسيَّدت الحية، مُخترِعة الخطيئة، على آدم بطرق المكر، اخترقت العقل البشري. ’الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس مَنْ يعمل صلاحًا‘. في الواقع، عندما ابتعدنا عن وجه الله كلي القداسة، إذ أن العقل البشري شغل نفسه باجتهاد بالشر لأنه ’شرير منذ حداثته‘، بدأنا نعيش حياة خالية أكثر من المنطق، و ’ساد الموت وابتلعنا‘ كما يقول النبي [إشعياء]، والهاوية ’وسعت نفسها وفغرت فاها‘. فعندما صرنا متبعين لآدم في تعديه، الذي بحسبه ’أخطأ الجميع‘، صرنا مستحقين لنفس العقوبة التي كانت عليه. لكن الأرض تحت السماء لم تبقَ بدون مساعدة. فالخطيئة انتُزِعَت، وسقط الشيطان، والموت ذهب هباءً“.[31]

نفي وراثة خطية آدم

ويستطرد ق. كيرلس في سياق شرحه لفقرة (رو5: 18-19) من أجل إثبات عدم توارث ذرية آدم معصيته الأولى كذنب موروث، لأننا لم نكن مولودين وموجودين لنخطئ معه، بل يتحدَّث عن انتقال مرض الخطية إلى طبيعتنا البشرية، ويشرح الأمر كالتالي:

”يُضِيف بولس الموحَى إلهياً إليه، نوعاً من الاستنتاج حول الافكار السابقة عندما يقول: ’وهكذا بمعصية الواحد‘ وما يَتْبَع ذلك. فلقد تم إدانتنا جميعاً في آدم، كما قلت سابقاً. وعندما حَلَّت لعنة الموت، انتشرت النتيجة إلى الكل من الجذر الأصلي. ولكننا أيضاً أصبحنا مُبَرَّرين وأشرقنا مرةً أخرى للحياة عندما تبرَّرنا في المسيح. لَقَدْ عَصَى جَدُّنَا الوصية الممنوحة له. وأساء إلى الله وعانى من عواقب الغضب الإلهي، ومِنْ ثَمَّ سقط في الفساد. وهنا انتقلت الخطية إلى طبيعة البشرية، وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ والتي تعني كل شخص علي الارض. والآن قد يقول شخص ما: نعم آدم سقط، وعصى الوصية الإلهية وقد أُدِينَ للموت والفساد. ولكن كيف ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ بسببه؟ ولماذا تؤثر سقطته علينا؟ لماذا تم إدانتنا معه ونحن لم نكن مولودين بَعْدٌ؟ وعلي النقيض، يقول الله: ’لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ‘، وَلاَ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ، و ’اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ‘، كيف إذًا سندافع عن موقفنا؟ بالفعل، فإنَّ النفس التي تخطئ يجب أن تموت. ومع ذلك، لقد أصبحنا خطاةً بواسطة عصيان آدم بالطريقة التالية: لقد خُلِقَ -آدم- في الحياة وعدم الفساد، وعاش حياة مقدَّسة في فردوس النعيم. وكان عقله بالكامل وعلى الدوام يتمتع برؤية الله، وجسده كان هادئًا وغير مضطرب حيث أن كل الملَذَّات المخْزِيَّة كانت في خمولٍ. ولم يكن فيه أيّ اضطرابٍ البتة من الدوافع الغريبة. ولكن عندما سقط تحت الخطية غرق في الفساد واجتاحت الشهوات النجسة طبيعة جسده، وتُوَلِّد ناموس الشر في أعضائنا. فالْتَقَطَتْ طبيعتنا مرض الخطيئة ’بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ‘ -أي آدم- وهكذا ’جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً‘ ليس لأننا أخطئنا معه -إذ لم نكن موجودين بعد- بل لأننا من نفس طبيعته، التي سقطت تحت ناموس الخطية. وهكذا، كما اكتسبت الطبيعة البشرية الفساد في آدم بسبب عصيانه واجتاحتها الأهواء الشريرة، تحرَّرت مرةً اخري في المسيح، الذي كان طائعًا لله الآب، ولم يرتكب خطيةً“.[32]

يشرح ق. كيرلس في موضع آخر كيف نقل لنا آدم الأول لعنته وعقابه الذي لحق به من جراء العصيان ردًا على سؤال تيبريوس الشماس حول ذلك الأمر، حيث يقول التالي:

”سؤال: لماذا عن طريق الموت في آدم، علينا أن نُوفِي عقوبة جَدِّنَا الأول؟ ولماذا يكون كل واحد منَّا مديونًا بسبب مخالفة ذاك؟ لماذا لم أرث الطهارة حين وُلِدتُ، بالرغم من أن والدي صار طاهرًا، كلٍّ من: عقوبة الجد الأول ومن تعديه الخاص، وصار حيًا في المسيح بواسطة الروح القدس؟ لماذا لم تَفِدْني نعمة البر التي قَبِلَها هو ذاته، بالرغم من أن هذه النعمة هي أقوى جدًا من الخطية؟

جواب: ينبغي أن نفحص كيف نقل لنا آدم الأب الأول العقاب الذي لحقه من جراء مُخالفته، فقد سمع: ’أَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ‘ (تك ٣: ١٩). وهكذا صار فاسدًا من كونه غير فاسدٍ، وخضع لقيود الموت. ولكن بما أنه أنجب أولاداً بعد السقوط في هذه الحالة، فقد وُلِدْنَا نحن فاسدين بما أننا أتينا من الفاسد، وهكذا نحن وارثون لعنة آدم. لكن على أية حال لم نُعاقَب لأننا مُذنِبين مع آدم وخالفنا الوصية الإلهية التي أُوصِي بها ذاك، لكن – كما قلت – لأن الإنسان حين صار مائتًا نقل اللعنة لذريته، إذ أننا وُلِدنا مائتون من أصلٍ مائتٍ. بينما صار ربنا يسوع المسيح -آدم الثاني- بدايةً ثانيةً لجنسنا بعد آدم الأول. وأعاد تشكيلنا وقادنا إلى عدم الفساد مُهِينَاً الموت ومُبْطِلاً إياه في جسده. بالمسيح إذن انحلَّت قوة اللعنة القديمة. لأجل هذا أيضاً يقول بولس الحكيم: ’فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ‘. (١ كو ١٥: ٢١)، وأيضًا: ’لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ‘. (١ كو ١٥: ٢٢). نستنتج إذًا أن العقوبة الجامعة والعامة لمخالفة آدم هي الفساد والموت، وبالمثل الفداء الشامل للكل قد تحقَّق في المسيح. أي أن الطبيعة البشرية في المسيح قد خلعت الموت الذي كان يُثَقِّلُهَا من خلال الإنسان الأول الذي صار فاسدًا. لكن والد كل واحد مِنَّا، بالرغم من أنه قُدِّس من الروح القدس ونال غفران خطاياه، إلَّا أنه لا يمكنه أن ينقل لنا أيضًا العطية؛ لأن واحدًا هو الذي يُقدِّس ويُبرِّر جميعنا، ويُحضِرنا ثانيةً إلى عدم الفساد، هو ربنا يسوع المسيح. وبواسطة المسيح، هذه العطية تأتي بالتساوي لجميعنا. فإنَّ مغفرة الخطية وانحلال الموت، شيئان مختلفان. فكل واحد مِنَّا يحصل على مغفرة خطاياه الخاصة في المسيح من خلال الروح القدس. بينما نتحرَّر جميعاً على حد سواء، من العقوبة الأولى المفروضة علينا، أعني عقوبة الموت التي امتدت إلى الجميع على مثال الإنسان الأول الذي سقط في الموت. لأجل هذا أيضاً يشير بولس الحكيم إلى أن الموت ’قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ مِنْ آدَمَ إِلَى مُوسَى، وَذلِكَ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يُخْطِئُوا عَلَى شِبْهِ تَعَدِّي آدَمَ، الَّذِي هُوَ مِثَالُ الآتِي‘. (رو ٥: ١٤). لكن فيما بعد، عندما أشرق المسيح، أتى البر الذي برَّرنا بنعمة الله وأبعد الفساد عن أجسادنا“.[33]

مفهوم ناموس الخطية المتوحش

يوجد أيضًا تعبير ”ناموس الخطية المتوحش“ الذي فسَّره ق. كيرلس بأنه الحركات المغروسة في الجسد التي تتم بالفكر والإرادة، فهو يقصد القدرة على فعل الخطية، وليس ممارسة الخطية نفسها، بمعنى أن القدرة على فعل الخطية شيء، أما ممارسة الخطية شيء آخر، لأن الخطية فعل إرادي وليست فعلاً موروثًا. لقد آتت المعرفة الاختبارية للشر والخطية بعد العصيان والسقوط. وبالتالي لا يعني ”ناموس الخطية المتوحش“ أبدًا وراثة الخطية الأصلية بالتناسل، ولا تتساوى الفكرتين مع بعضهما البعض. فالإنسان بعد السقوط لديه طبيعة تميل للخطية، ولكن الطبيعة البشرية الفاسدة والمائتة بالانفصال عن الله، تحتاج أن يحملها شخص عاقل مُريد لكي يُمارِس الخطية، وهكذا الطبيعة لديها ميل للخطية، ولكنها تحتاج لشخص ليقوم بممارسة هذه الخطية، لكن الطبيعة البشرية لا تمارس الخطية من تلقاء ذاتها، فقبل السقوط كان الإنسان لديه القدرة على فعل الخطية، ولكنه بعد السقوط وبعدما أختبر وعرف الشر ومارسه صار له ميل للخطية أي ”ناموس الخطية المتوحش“، أو الحركات المغروسة في الجسد، أو الفكر الذي يتسلط عليه لذات الجسد. ولكنه يُمارِس الخطية بإرادته، وليس رغمًا عنه كنتيجة حتمية طبيعية بسبب خطية أصلية موروثة في طبيعته، وكأنها جزء من أجزاء الطبيعة، أو مكون من مكونات الطبيعة البشرية، لأنه هذه هي الهرطقة المانوية، بل يُمارِس الخطية بمحض إرادته وبإرادة حرة كاملة. وهكذا يُعرِّف ق. كيرلس ”ناموس الخطية المتوحش“ كالتالي:

”لذلك نقول إنه، حيث أن الطبيعة البشرية أصابها الفساد من تعدي آدم، وحيث أن الفكر الذي فينا قد تسلطت عليه لذات الجسد، أي حركاته المغروسة فينا، فقد صار من الضروري لأجل خلاصنا نحن الذين على الأرض، أن يتأنس كلمة الله لكي يجعل الجسد الإنساني الذي كان خاضعًا للفساد ومريضًا بحب اللذة، خاصًا به وحيث أنه الحياة ومُعطِي الحياة، فإنه يبيد الفساد في الجسد وينتهر حركاته المغروسة فيه، تلك الحركات التي تميل نحو حب اللذة. لأنه هكذا صار ممكنًا أن تُمات الخطية التي فيه. ونحن ذكرنا أيضًا أن المغبوط بولس دعا هذه الحركة المغروسة فينا ’ناموس الخطية‘. حيث أن الجسد الإنساني صار خاصًا بالكلمة، لذلك فالخضوع للفساد قد توقف. وحيث أنه كإله ’لم يعرف الخطية‘، فإنه اتَّحد بالجسد وأعلنه خاصًا به كما قلت، فوضع نهاية لمرض حب اللذة. وكلمة الله الوحيد الجنس لم يفعل هذا لأجل نفسه، لأنه هو كما هو دائمًا. بل واضح أنه لأجلنا لأنه حتى ولو أننا كنا خاضعين للشرور من تعدي آدم، فإن أمور المسيح التي هي عدم الفساد وإماتة الخطية، أيضًا تأتي إلينا كلها معًا“.[34]

ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية“ في موضع آخر موضحًا أن ناموس الخطية يكمن مختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، فناموس الخطية هو ميل إراديّ يقودنا نحو ما هو ضد الناموس كالتالي:

”فما معنى قوله إن الابن أُرسِلَ في شبه جسد الخطية؟ هذا هو المعنى: أن ناموس الخطية يكمن مُختفيًا في أعضائنا الجسدية مُصاحِبًا تحرُّك الشهوات الطبيعية المخجلة، ولكن حينما صار كلمة الله جسدًا، أي إنسانًا، واتَّخذ شكلنا، فإن جسده كان مُقدَّسًا ونقيًا نقاوة كاملة، وهكذا كان حقًا في شبه جسدنا، ولكن ليس بنفس مستواه. لأنه كان حرًا من ذلك الميل الذي يقودنا إلى ما هو ضد الناموس“.[35]

ويشرح ق. كيرلس معنى ”ناموس الخطية المتوحش“ بصورة أوضح مشيرًا إلى أن هناك ناموس الخطية الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، فهناك صراع داخلي بين ميل الجسد لفعل الخطية وبين ميل العقل لفعل الصلاح كالتالي:

”فإنه توجد عوائق كثيرة في طريق أولئك الذين يسعون أن يعيشوا حياة مستقيمة – فهناك الشيطان الذي يُبغِض كل ما هو جميل. وكذلك حشد الأرواح الشريرة، وهناك أيضًا ناموس الخطية نفسه الذي يعمل في أعضائنا الجسدية، والذي يُقاوم ميول العقل نحو الصلاح، وشهوات أخرى كثيرة تسيطر على عقل الإنسان – إذَا فماذا نفعل – وهناك مثل هذه الصعوبات العظيمة تضغط علينا؟“.[36]

ويوضح ق. كيرلس أن ناموس الخطية في الأعضاء الجسدية يقاوم بضراوة ومرارة. ولكنه يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضل وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة، فالصراع هنا صراع نحو امتلاك الإرادة نحو الخير أو نحو الشر، وليس انقياد لا إرادي وإجباريّ وطبيعيّ نحو ممارسة الخطية والشر، كما في المنظومة الغربية الأوغسطينية والكالڨينية كالتالي:

وناموس الخطية الذي في الأعضاء يقاوم بضراوة ومرارة. لأني أعرف أن بولس الذي كان متعلمًا في الناموس يناقش هذه الأمور بروعة، لأنه قال: ’فإني أُسرَّ بناموس الله حسب الإنسان الباطن، ولكني أرى ناموسًا آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي‘ (رو 7: 22، 23). ويقول أيضًا: ’إذًا، أنا نفسي بذهني أخدم ناموس الله ولكن بالجسد ناموس الخطية‘ (رو 7: 25). وإلى جانب ذلك، يوجد ميل قوي في عقل الإنسان يجعل الإرادة تضلّ وراء اللذات ويُولِّد سرورًا بالشهوات العالمية، ويُبعِد الإرادة عن حب التعب في سبيل الفضيلة“.[37]

ناموس الشهوة الطبيعي المرادف لناموس الخطية

ويُسمِّي ق. كيرلس ”ناموس الخطية“ في موضع آخر بـ ”ناموس الشهوة الطبيعيّ“ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا، وهذا يدل على أن ق. كيرلس لا يقصد بوراثة الخطية الأصلية وراثة ناموس الخطية المتوحش كما يُعلِّم البعض عن تشويش وتخبط واضح وعدم فهم للاهوت ق. كيرلس وأنثروبولوچيته كالتالي:

”لأن الحية المتعددة الرؤوس تضايقنا كثيرًا، وتُورِّطنا أحيانًا في صعوبات غير متوقَّعة، حتى تحدرنا إلى الحضيض وإلى الخطية بأنواعها. زذ على ذلك، فهناك أيضًا ناموس الشهوة الطبيعيّ المختبئ في أعضائنا الجسدية والذي يحارب ناموس ذهننا كما يقول الكتاب (رو 7: 23)“.[38]

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

ناموس الخطية الناتج عن لعنة الموت

يرى ق. كيرلس أن الفساد دبَّ في البشرية بسبب آدم، ودخلت فينا لعنة الموت بسبب آدم، ودخل ناموس الخطية فينا بواسطة لعنة الموت، وهنا يؤكد ق. كيرلس على أن ناموس الخطية هو نتيجة للعنة الموت، وليس كما أكَّد أوغسطينوس، أن ناموس الخطية بسبب وراثة خطية آدم الأصلية في البشر، فصارت خطية آدم الموروثة هي مصدر الخطية في الطبيعة البشرية. بل الإنسان، بحسب ق. كيرلس، بسبب وجوده في حالة الموت والتغرُّب عن الله دخل فيه ناموس الخطيئة وتغلغَّل في أعضائه الجسدية كالتالي:

”وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أيّ آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. […] فنحن ترابيون بسبب آدم الذي من تراب، وقد دخلت فينا لعنة الموت، التي بواسطتها دخل فينا ناموس الخطية الموجود في أعضائنا“.[39]

الخطية الجدية هي التغرُّب عن وجه الله

يرى ق. كيرلس أن المسيح هو محطم الموت والفساد الذي أصاب طبيعة الإنسان، وردَّه مرةً أخرى إلى ما كانت طبيعته عليه في الأصل، لأن جسدنا كان مشحونًا بالموت، فحرَّر المسيح جسدنا من رباطات الموت. معصية آدم جعلتنا وجوهنا محجوبة ومتغربة عن الله وصرنا نموت ونعود إلى التراب، فقصاص الله على الطبيعة البشرية هو الموت، أي العودة إلى التراب، ولكن جاء التجديد من خلال الثالوث القدوس الواهب الحياة للراقدين كالتالي:

”كان الإنسان الميت في طريقه إلى الدفن، وكان أصدقاء كثيرون يُشيِّعونه إلى قبره، ولكن هناك يقابله الحياة والقيامة، أعني المسيح نفسه، لأنه هو مُحطِّم الموت والفساد، هو الذي ’به نحيا ونتحرك ونوجد‘ (أع 17: 28). هو الذي أعاد طبيعة الإنسان إلى ما كانت عليه أصلاً، فهو الذي حرَّر جسدنا المشحون بالموت من رباطات الموت. […] لأنه بمعصية آدم صارت وجوهنا محجوبة عن الله وصرنا نعود إلى التراب. لأن قصاص الله على الطبيعة البشرية هو: ’لأنك تراب وإلى التراب تعود‘ (تك 3: 19)، ولكن في نهاية هذا العالم، فإن وجه الأرض سيتجدَّد لأن الله الآب بالابن في الروح القدس سوف يعطي حياة لكل أولئك الراقدين في داخلها. إن الموت هو الذي أتى بالناس إلى الشيخوخة والاضمحلال، لذلك فالموت كما لو كان قد صيَّرنا شيوخًا وجعلنا نضمحل، لأن ’ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال‘، كما يقول الكتاب (عب 8: 13). ولكن المسيح يُجدِّد لأنه هو الحياة“.[40]

ويؤكد ق. كيرلس على هجران وتغرُّب الطبيعة البشرية عن الله بعد السقوط، وهكذا قَبِلَت الطبيعة البشرية لعنة الفساد والموت، وصارت أسيرةً للموت، فالفساد دخل الطبيعة البشرية من الخارج بسبب الهجران الذي أختبرته الطبيعة البشرية من الله بعد السقوط كالتالي:

”نقول: لأن أبونا الأول داس على الوصية التي أُعطِيَت له، ولم يبالِ بالناموس الإلهيّ (تك 3: 1 وما بعده)، هُجِرَت الطبيعة البشرية من الله، ولأجل هذا قَبِلَت اللعنة، وصارت أسيرةً للموت، لكن عندما أتى الابن الوحيد كلمة الله إلى العالم ليعيد تشكيلها إلى عدم الفساد، وأخذ الطبيعة البشرية من نسل إبرام، وصار مثل إخوته (عب 2: 16-17)، كان يجب، كما وضع حدًا لتلك اللعنة الأولى القديمة، والفساد الذي دخل من الخارج، أن يضع أيضًا حدًا للهجران الذي اختبرته الطبيعة البشرية من البداية“.[41]

ميل الطبيعة البشرية للخطية بعد السقوط

يشير ق. كيرلس إلى أن الطبيعة البشرية صارت في آدم لها ميل وقابلية للخطية، فالطبيعة البشرية لا يمكن أن تخطئ من تلقاء نفسها بدون أن تكون موجودة في شخص كائن عاقل له إرادة لكي يمارس بها الخطية، فالطبيعة البشرية ليس لها وجود واقعيّ حقيقيّ لو لم تكن موجودة ومتشحصنة ومتأقنمة في شخص عاقل مريد يمارس الخطية بإرادته الحرة كالتالي:

”هكذا قد محا ذنب العصيان الذي بواسطة آدم، هكذا أُبطِلَت قوة اللعنة، وأُبيدت سيادة الموت. وهذا ما يُعلِّمه بولس أيضًا قائلاً: ’لأنه كما بمعصية الإنسان الواحد جُعِلَ الكثيرين خطاةً، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعَل الكثيرين أبرارًا‘ (رو 5: 19). لأن طبيعة الإنسان كلها صارت خاطئةً [ميَّالة للخطية أو عُرضة للخطية] في شخص الذي خُلِقَ أولاً [هذا يؤكد أنها ينبغي أن تتشخصن في شخص لتصبح موجودة وفاعلة]، ولكنها الآن قد تبرَّرت كليةً من جديد في المسيح“.[42]

إدانة الطبيعة البشرية في آدم وسقوطها في الانحلال

يرى ق. كيرلس أنه قد تمَّت إدانة الطبيعة البشرية في آدم وكانت النتيجة أنها سقطت في الانحلال أي للموت بسبب تعديه للوصية التي أُعطِيَت له كالتالي:

لأن طبيعة الإنسان قد أُدِينت في آدم وسقطت في الانحلال، لأنه تعدى الوصية التي أُعطِيت له“.[43]

وهذا يُفسِّر لنا لماذا قال ق. كيرلس في موضع آخر: ”أننا أخطأنا في آدم“، وقال أيضًا: ”أننا لم نخطئ معه لأننا لم نكن موجودين آنذاك“، وهكذا ”لا نُحسَب مذنبين بذنبه وحاملين وز خطيئته“، فالمقصود من تعبير ق. كيرلس ”أخطأنا في آدم“ هو إدانة الطبيعة البشرية في آدم، وليس إدانة شخوص البشر في آدم، لأن آدم مسئول عن خطيئته وحده، ولكن لا يُحاسَب البشر بذنب خطية آدم. إلا أن الطبيعة البشرية صارت تحت الدينونة في آدم، وسقطت في الانحلال، لأن الطبيعة صارت متغربة ومحجوبة عن الله وانفصلت عن مصدر حياتها، فسقطت في الانحلال.

وراثة حكم الموت في آدم

ويُفسِّر ق. كيرلس في موضع آخر إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم، حيث يرى أننا صرنا وارثين حكم الإدانة [أي حكم الموت] التي كانت لآدم الأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه كالتالي:

”لأن طبيعة الإنسان كان محكومًا عليها بالموت بسبب عصيان المخلوق الأول، فكان يجب أن تعود ثانيةً إلى حالتها الأولى مُظهِرةً طاعتها. غير أن هذا كان بالفعل أكبر وأسمى من القدرات البشرية؛ لأنه ليس أحدٌ طاهرًا من الخطايا. لأنه إذَا كان المخلوق الأول قد سقط مرةً واحدةً في الخطية، وصار أسير ضعفه، وتغذت طبيعته بشهوات الجسد الذي أصبح جذرًا وحاملاً لناموس الخطية المتوحش، فكيف له أن يتجنب هذا تمامًا؟ […] لكي يأخذ – هذا الذي لم يعرف خطيةً – جسدًا مثلنا، ويجعله خاصًا به، حتى يوجد على الأرض بكونه إنسانًا، فيبرِّر طبيعة الإنسان بذاته ويُحرِّره من قيود الموت، مُتوَّجًا من الله الآب بتاج البراءة. وإلا يكون غريبًا، أن نصير وارثين حكم الإدانة التي كانت للأول والتي دفعتنا إلى الفساد بعصيانه، دون أن نُصبِح مشاركين برّ الثاني، الذي أحضرنا ثانيةً إلى الحياة بطاعته التامة!“.[44]

النفس المخلوقة غير الحاملة للخطية الأصلية

يُؤكِّد ق. كيرلس الإسكندريّ على أن النفس مخلوقة في سياق مُقاومته لبدعة ”تجسيم أو أنسنة اللاهوت“، التي تفشت في عصره بين رهبان برية شيهيت بمصر، وبين رهبان سوريا وفلسطين، وفي سياق مقاومته لتعاليم أوريجينوس والأوريجانيين بالوجود السابق للأرواح قبل انحباسها في أجسادها بعد السقوط من عالم الغبطة في معية الله. حيث يقول التالي:

“ولا أظن أن أحدًا سيفترض أن النفس لها طبيعة الجسد، أو أنها تتكوَّن معه، وإنما الله -بطريقة غير معروفة- يغرسها في الجسد وتُولَد معه. ولذلك، نحن نُحدِّد أن الكائن الحي الواحد المولود هو من اثنين”.[45]

ويشير ق. كيرلس الإسكندريّ في سياق حديثه عن تجسُّد الرب إلى أن الأمهات يمنحن الجسد اللحميّ فقط، ولكن يُرسِل الله النفس بكيفيةٍ معروفةٍ له فقط في اللحم البشريّ لتتَّحد به، وتُكوِّن إنسانًا كاملاً مُركَّبًا، بحيث تلد الأمهات على الأرض إنسانًا كاملاً مُكوَّنًا من جسد ونفس عاقلة. وبالتالي، يُؤكِّد ق. كيرلس على أن النفس في أصلها مخلوقة مُباشرةً من الله، ولا تُولَد مثل الجسد اللحميّ من الأم والأب قائلاً:

“إن سر تجسُّده هو بكيفيةٍ ما مماثل لولادتنا، لأن أمهات أولئك الذين على الأرض الخاضعات لقوانين الطبيعة فيما يخص الولادة، لهم لحم يثبت في الرحم، وهو الذي ينمو قليلاً قليلاً بحسب أفعال الله غير المدرَكة، ويصل إلى النضوج في هيئة إنسان. ويرسل الله الروح في الكائن الحي بكيفيةٍ معروفةٍ له، وهذا بحسب قول النبي: ‘وجابل روح الإنسان في داخله’ (زك 12: 1). وإن الكلام عن الجسد شيء، والكلام عن النفس شيء آخر، ومع ذلك فحتى لو كانت هؤلاء النسوة هن فقط أمهات للأجساد التي على الأرض، إلا أنهن يلدن الكائن الحيّ كله، وأنا أعني كائنًا مُكوَّنًا من جسد ونفس، ولا يُقال عنهن أنه يلدن جزاءًا من الكائن، ولن يقول أحد إن أليصابات، مثلاً كانت أمًا للجسد فقط، وليست أمًا ولدت نفسًا في العالم إلى جانب الجسد. لأنها ولدت المعمدان إنسانًا ذا نفس، وكائنًا حيًا مُكوَّنًا من الاثنين. وأنا أعني إنسان له نفس وجسد معًا”.[46]

براءة الأطفال من الخطية الأصلية

يشير ق. كيرلس الإسكندري إلى وجود معمودية الأطفال في عصره، حيث يُؤكِّد على إحضار الاشبين المسئول عن الطفل به لينال مسحة الموعوظين، ثم يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، ولم يأت ق. كيرلس الإسكندري على ذكر أية خطية موروثة تمحوها المعمودية المقدَّسة في الأطفال، بل كانت إشارته إلى نوال المسحة المقدَّسة في المعمودية كالتالي:

”لأنه حينما يُحضِرون طفلاً مولود حديثًا لكي ينال مسحة الموعوظين، أو يحصل على المسحة الكاملة بالمعمودية المقدَّسة، فإن مَنْ يُحضِره إلى المعمودية [أي الاشبين] يُكرِّر بصوتٍ عالٍ قائلاً: ’آمين‘ نيابةً عنه“.[47]

يتحدَّث ق. كيرلس الإسكندري عن مصير اﻷطفال غير المعمَّدين، ويُذكِّرنا موقفه هذا بموقف كل من كاتب عظة ”صوم المسيح“ المنسوب إلى ق. أثناسيوس، وموقف ق. غريغوريوس النيسي في عظته عن ”الموت المبكر للأطفال غير المعمدين“. حيث يقول ق. كيرلس في رده على سؤال الشماس انثيموس (منشور القول في بردية crum حقَّقها وعلَّق عليها العالم Ehrhard) التالي:

”انثيموس: هل يدخل الأطفال الصغار إذَا ماتوا قبل أن ينالوا المعمودية الملكوت؟ كيرلس: حقًا الملكوت هو لهم، لأنهم عندما تكوَّنوا في بطون أمهاتهم قد حُسِبوا للملكوت. وبالإضافة إلى ذلك، إذَّا كان الجذر مُقدَّسًا، هكذا تكون الأغصان“.[48]

نجد هنا ق. كيرلس الإسكندري لم يقل إن الأطفال غير المعمَّدين لن يدخلون الملكوت بسبب عدم معموديتهم، ولا بسبب الخطية الأصلية الموروثة كما يقول أوغسطينوس، بل الملكوت هو لهم من بطون أمهاتهم، لأنهم مُقدَّسون من البطن بلا خطية.

ويشدد ق. كيرلس، على العكس من أوغسطينوس واللاهوت الغربيّ، على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية قائلاً:

”ولكن الولد الذي قد أخذه لأيّ شيء جعله مثالاً ورسمًا؟ لقد كان مثالاً لحياة بريئة غير طامعة، لأن عقل الطفل خالٍ من الخداع، وقلبه مُخلِص وأفكاره بسيطة، وهو لا يطمع في الدرجات […] في قلبه وعقله توجد صراحة كبيرة ناشئة من البساطة والبراءة. وقال المخلص نفسه مرةً للرسل القديسين، أو بالحري لكل الذين يحبونه: ’الحق أقول لكم، إنْ لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تقدروا أن تدخلوا ملكوت الله‘ (مت 18: 3)“.[49]

ويستطرد ق. كيرلس في نفس السياق مؤكدًا على بساطة وبراءة الأطفال من أيّ خطية كالتالي:

”وكما سبق أن قلت، فإن المسيح أحضر الولد كنموذج للبساطة والبراءة، ’وأقامه عنده‘، مبينًا بذلك – كما في رسمٍ توضيحيّ – أنه يقبل الذين مثل هذا الولد ويحبهم، ويحسبهم مستحقين أن يقفوا إلى جواره لكونهم يُفكِّرون مثله ويتوقون للسير في خطواته. لأنه قال: ’تعلَّموا مني لأنيّ وديع ومتواضع القلب‘ (مت 11: 29)“.[50]

يشير ق. كيرلس إلى معمودية الأطفال، حيث يُقرَّب الأطفال ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل، أي تكريس الأطفال بالمعمودية ومسحة الميرون، لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، لأنه منحدر بالأساس من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة، ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقة غير لائقة أو مُشوشة، بل بترتيب ووقار ومخافة. وهنا لم يأت ق. كيرلس على ذكر تقديم الأطفال للمعمودية من أجل مغفرة الخطية الأصلية المورثة، بل للتقريب والبركة من المسيح والتكريس بالأيادي المكرَّسة قائلاً:

والأطفال إلى الآن يُقرَّبون ويُباركون من المسيح عن طريق الأيادي المكرَّسة، ونموذج هذا الفعل لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، وقد انحدر إلينا من عادة المسيح كينبوع لهذه البركة. ولكن لا يتمّ تقديم الأطفال بطريقةٍ غير لائقةٍ أو مُشوشةٍ، بل بترتيبٍ ووقارٍ ومخافةٍ“.[51]

يؤكد ق. كيرلس على قلة معرفة الأطفال أو عدم معرفتهم على الإطلاق، ولذلك يتمّ إعفائهم بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ، وهنا يؤكد ق. كيرلس على براءة الأطفال من أي شر أو انحراف أو خطية سواء خطية أصلية موروثة أو خطية فعلية. وهذا عكس الموقف الذي اتَّخذه أوغسطينوس والغرب من بعده من الأطفال، وخاصةً الأطفال غير المعمَّدين، الذين اعتبره أوغسطينوس والغرب مذنبين بسبب خطية آدم الأصلية التي ورثوها بالولادة من أبويهما، ويرى أوغسطينوس أن مصير الأطفال غير المعمَّدين هو الجحيم أو الليمبوس، وهو درجة من درجات الجحيم أخف وطأةً وتعذيبًا من درجات تعذيب الأشرار والخطاة البالغين كالتالي:

”ولكن مِن الضروريّ أن نفحص ما معنى أن نكون أطفالاً في الشرّ، وكيف يصير الإنسان هكذا، أمَّا في ذهنه فيكون كاملاً. فالطفل بسبب أنه يعرف القليل جدًا أو لا يعرف أيّ شيء مطلقًا، يُعفَى بعدلٍ من تهمة الانحراف والشرّ. هكذا أيضًا من واجبنا أن نسعى للتمثل بهم بنفس الطريقة، بأن نطرح عنَّا تمامًا عادات الشرّ، لكي نُعتبر كأناس لا يعرفون حتى الطريق المؤدي للخداع، بل كمَّن لا يعرفون الخبث والاحتيال، وهكذا يعيشون بأسلوبٍ بسيطٍ وبريء، ويمارسون اللطف والاتضاع الفائق الثمن، كما يمتنعون بسهولةٍ عن الغضب والحقد. ونحن نؤكد أن هذه الصفات هي التي توجد في أولئك الذين لا يزالون أطفالاً. لأنه بينما تكون صفاتنا هكذا في البساطة والبراءة، فإنه ينبغي أن نكون كاملين في الذهن، فيكون لنا ذهنًا مؤسَّسًا بثباتٍ في المعرفة الواضحة للذي هو بالطبيعة وبالحق خالق الكون، وهو الإله والربّ“.[52]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5)

يُفسِّر ق. كيرلس الإسكندري آية (مز٥١: ٥/ مز٥٠: ٥)، فلو كان يؤمن كما يعتقد البعض بوراثة الخطية الأصلية، لكان أنتهز الفرصة وفسَّر هذه الآية كما فسَّرها أوغسطينوس كدليل كتابي صريح على وراثة الخطية الأصلية، ولكن لأن ق. كيرلس الإسكندري لا يعرف شيء اسمه وراثة الخطية الأصلية، فقد فسَّر آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“، بل يدحض فكرة وراثة الخطية الأصلية كالتالي:

ويقول [داود] هذا ليس لأن فعل الخطية طبيعيّ، لأنه لو كان كذلك ما كان مُستحق لعقابٍ، بل لأنه ورث بالطبيعة الانزلاق، ولكنه ينتصر بالإرادة والأتعاب (الجهاد)، غير أنه لا ينضبط إجباريًا لأنه حر الإرادة. ووفقًا لبعض الناس والبابليين، يُوجِّهون كلامهم إلى الله قائلين: ’إنْ أردت أن تُحاكِمنا على الخطايا التي فعلناها في حقك، فإنها ساعتك (أي الوقت المناسب لك) أن تُحاكِم أجدادنا، لأن أولئك لم يظهروا مُعترِفين لك بالجميل، وبطريقة ما قد ورثتُ منهم الجحود، وكُوني أخطئ فهذا بسبب أولئك الأجداد‘. لذا توجد عادة عند القديسين في تهدئة غضب الله، بأنهم يدعونه لكي ما يشفق عليهم بصرخات كثيرة جدًا، بل أيضًا يسرعون إلى إلقاء اللوم على ضعف الطبيعة البشرية، لذا يمكننا أن نسمعهم وهم يصرخون: ’تذكر أننا تراب، وأيام الإنسان كمثل العشب‘ (مز١٠٣: ١٤، ١٥/ مز١٠٢: ١٤، ١٥ سبعينية)، وأيضًا ’تذكر ما هو وجودي‘ (مز٨٩: ٤٧/ مز٨٨: ٤٧ سبعينية)، ويشرح أيضًا أيوب محتمل الألم هذا الأمر بوضوحٍ صارخًا لله: ألم تصبُني كاللبن، وخثرتني كالجبن؟ كسوتني جلدًا ولحمًا، فنسجتني بعظامٍ وعصبٍ. منحتني حياةً ورحمةً (أي١٠: ١٠- ١٢)“.[53]

سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء

لم يشر ق. كيرلس لا من قريب ولا من بعيد إلى الخطية الأصلية الموروثة من آدم في سياق تعليله لميلاد المسيح البتوليّ من العذراء القديسة مريم، ولم يقل كما فسَّر أوغسطينوس والغرب من بعده أن ميلاد المسيح البتوليّ من العذراء مريم كان ليمحو الخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرث المسيح خطية آدم الأصلية من العذراء القديسة، والذي أدى بعد ذلك إلى ظهور تعليم الحبل بلا دنس في الغرب اللاتينيّ من بعد أوغسطينوس، والذي يقول بأن العذراء القديسة لم تُولَد من أبويها يواقيم وحنة حاملةً للخطية الأصلية الموروثة من آدم، حتى لا يرثها المسيح نفسه بعد ذلك عند ولادته منها بالروح القدس، فكان دور الروح القدس بحسب هذا المعتقد الغريب أن يمنع وراثة المسيح للخطية الأصلية من العذراء القديسة مريم عند الحبل البتوليّ منها، وقد منع الروح القدس من قبل أن ترث العذراء القديسة مريم الخطية الأصلية الموروثة من آدم عند الحبل بها من أبويها يواقيم وحنة. فيقول ق. كيرلس التالي:

”كيرلس: ولكن ما دام الله لم يحتقر الزواج، بل بالحري كرَّمه بمباركته، فلماذا إذًا جعل الكلمة – الذي هو الله – من عذراء أمًا لجسده بحملٍ من الروح القدس؟

المحاور: لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال.

كيرلس: بالرغم من أن المبرِّر غير ظاهر للكل، لكن إذَا فحصنا بتدقيق، نجد أن الابن أتى، أي تأنس لكي يُعيد تشكيل وضعنا داخل نفسه منذ البداية بولادةٍ وحياةٍ عجيبةٍ ومدهشةٍ حقًا؛ لهذا صار هو نفسه الأول الذي وُلِدَ من الروح القدس (أقصد من جهة الجسد)، حتى أنه صار بمثابة طريق تأتي لنا النعمة بواسطته، ليجعلنا نُولَد ثانيةً ولادةً روحيةً، ليس من دم ولا من مشيئة جسد، ولا من إرادة رجل، لكن من الله بواسطة الروح (يو 1: 13)، وبتشبُّهنا الروحيّ بالابن الحقيقيّ بالطبيعة، ندعو الله يا أبانا. وهكذا نظلّ غير فاسدين، طالما أننا لسنا من الأب الأول، أي آدم، والذي منه دبَّ الفساد فينا. لذلك قال المسيح: ’لا تدعوا لكم أبًا على الأرض لأن أباكم واحد وهو الذي في السموات (مت 23: 9)“.[54]

 

 

الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو

سوف نبحث في هذا الجزء الاختلافات العميقة والكبيرة بين فكر ق. كيرلس الإسكندريّ، كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ، فيما يتعلق بالخطية الجدية ونتائجها على الجنس البشريّ، وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو بشمال أفريقيا، كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ، حول وراثة الخطية الأصلية ونتائجها على الجنس البشريّ، لنرى الاختلاف العميق والشديد بين النظرة الشرقية المتفائلة والنظرة الغربية التشاؤمية لمسألة العصيان والسقوط. وسوف يتضح لنا عمق الاختلاف الشديد بين المنظومة اللاهوتية الشرقية حول قضية الإنسان وسلوكه وعصيانه وسقوطه وآثار ذلك، وبين المنظومة اللاهوتية الغربية حول نفس الصدد.

وراثة وزر عقاب خطية آدم

يؤكد أوغسطينوس، على عكس تعليم ق. كيرلس الإسكندريّ، بأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها كالتالي:

”لأننا نحمل وزر العقاب الذي يعاني منه آدم في ذريته كلها“.[55]

وراثة عبء دَّين الخطية الأصلية

يشير أوغسطينوس إلى أننا نرث عبء دَّين خطية آدم، فالطفل ابن يوم حامل للخطيئة الأصلية، ونحن وصلتنا الخطيئة من الخطيئة الأولى، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس الإسكندريّ، فلم يُعلِّم ق. كيرلس بوراثة عبء دين خطية آدم وذنبه كالتالي:

”يخبر الكتاب أن ذاك التنين أغوى المرأة الأولى حواء فأعطاها مشورة موت، حين تسلل إلى قلبها الضعيف مثل حية، وأغواها بحيلةٍ ماكرةٍ؛ فكان ما كان مما نعرفه ويؤلمنا من جراء فعلتها وفعلتنا نحن أيضًا. والحال أن أبوينا هما أصل الجنس البشريّ كله: منهما انتقل الموت إلينا، ومنهما الخطيئة التي انتقل عبء دَّينها إلى الأبناء. يقول الكتاب: ’مَن يأتي بطاهرٍ من نجسٍ؟‘ (أي 14: 4). مَن طاهرٌ في عينيك، يا ربّ؟ لا أحد، ولا حتى طفلٌ ابن يومه. من الخطيئة الأولى، وصلتنا الخطيئة، ومن الحكم الأول بالموت وصلنا الموت وانتقل إلينا من جيلٍ إلى جيل. وتعرفون أيضًا ماذا قيل للمرأة، أو بالأحرى، للحية، عندما عاقب الله خطيئة الإنسان الأول: ’نسلها يسحق رأسك، وأنت ترصدين عقبه‘ (تك 3: 15)“.[56]

تعليم القدرية والجبرية الأوغسطيني

يقول أوغسطينوس في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية إن الإنسان عندما يتألم رغمًا عنه بإرادة الآخرين، فذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير. لأنه لو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة. وهذا التعليم لا نجد لأه أيّ أثر عند ق. كيرلس الإسكندري ولا عند آباء الشرق، فهم لم يُعلِّموا أبدًا عن القدرية والحتمية الإلهية بهذا الشكل الأوغسطينيّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وهكذا حين نقول: من الضروري أن نريد بحريتنا، نقول حقيقة لا شك فيها، علمًا بأننا لا نُخضِع اختيارنا الحر إلى الضرورة التي تقضي على حريتنا. بل إرادتنا ملك لنا، وتعمل ما نعمل بإرادتنا، وما لا نعمل، لأننا نرفض عمله. وعندما يتألم إنسان، رغمًا عنه بإرادة الآخرين، وذاك أيضًا بفعل الإرادة، وليس بإرادة مَن يتألم، بل بإرادة الله القدير، ولو كانت المسألة مسألة إرادة عاجزة عن التأثير، فهذا يعني أنها وجدت عائقًا أمامها في إرادة أقوى قد تكون الإرادة الشخصية لهذا الإنسان وإنْ عجز عن إتمامها، وليس عليه أن ينسبها إلى البشر، ولا إلى إرادة الملائكة، ولا إلى أرواح مخلوقة، بل إلى إرادة الله الذي وحده يُولِي الإرادات القدرة“.[57]

يؤكد أوغسطينوس على أن الله هو العلة الأولى لجميع الأشياء سواء الصالحة أو السيئة، وذلك في إطار تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، ولكننا لا نجد هذا التعليم بالقدرية والجبرية عند ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسيّ كالتالي:

”فأتساءل: هل هناك أية علة أخرى لكل هذه العلل والحقائق المرئية والمتغيرة سوى إرادة الله الخفية غير المتغيرة التي تستخدم كل هذا سواء الأنفس العاقلة السيئة والأجساد المائتة، وسواء هذه الأجساد التي تتنفس وتحيا بهذه الأنفس، أو الأجساد المجرَّدة من كل إحساس بواسطة هذه النفس المستقيمة كمقر لحكمته الإلهية“.[58]

يرى أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية، أن الله يحرك جميع الأشياء من خلال الملائكة التي تنشر ذاتها في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً كالتالي:

”حيث إرادة الله ’الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبةً‘ (مز 104: 4)، وحيث يملك الله وسط الأرواح المتحدة والمترابطة في سلام كامل، وتشترك في مشيئة واحدة بلهيب المحبة الروحية في موضع عالي مقدس وسريّ، أي في بيتها الخاص، أو في هيكلها الخاص، وتنشر ذاتها من هذا الموضع في كل الأشياء بالحركات المخلوقة الأكثر كمالاً وتدبيرًا، فتستخدم الجميع بحسب السعادة في غايتها الروحية الثابتة أولاً ثم في غايتها المادية، سواء في الروحيات أو في الماديات، سواء في الأنفس العاقلة أو غير العاقلة، سواء في الأنفس الصالحة بنعمة الله، أو الشريرة بإرادتها الخاصة، وكما أن الأجسام الأكثر طمعًا ودونيةً محكومة بالتدبير الحسن من البشر الأكثر مهارةً وقوةً، هكذا أيضًا كل الأجسام محكومة بالروح الحي، وبالروح الحي غير العاقل، وبالروح الحي العاقل، حيث يرتكب الروح الحي العاقل الضعفات والخطايا، أما الروح الحي العاقل البار والصالح فمحكوم من الله نفسه، حيث الخليقة العالمية الجامعة والشاملة محكومة من خالقها الذي ’منه وبه وفيه خُلِقَ الكل وتأسس‘، لذلك إرادة الله هي العلة الأولى والأسمى لجميع الظهورات والحركات المادية، فلا يوجد شيء مصنوع ظاهريًا أو حسيًا إلا بسلطان وبإذن من البلاط الملكيّ السريّ وغير المرئيّ والعقليّ للحاكم الأعلى بحسب العدل غير الموصوف للمكافأة والعقوبات وللنعمة والجزاء في الاتحاد اللامتناهي والصعب المنال للخليقة كلها“.[59]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليم القدرية والحتمية الإلهية، على أن طريق البر الذي تسير فيه حياتنا هو الطريق الذي هيأه الله لنا، وهو يجعل ما له كأنه طريقنا نحن، فهو يمنحنا ما يريده هو، وكل ما فينا هو من الله كالتالي:

الله يمنحنا ما يريده هو، فكل ما فينا هو من الله، أمَّا لو كانت فينا أمور لا يرضاها، وليست بحسب مشيئته، فينبغي ألا نرضى بها نحن أيضًا كما قال الإنجيل: ’ما نسيناك (يارب) ولا خُنا في عهدك، لم يرتد قلبنا إلى الوراء، ولا مالت خطواتنا عن طريقك‘ (مز 44: 18؛ إش 63: 17). فالطريق الذي تسير فيه حياتنا هو طريق البر الذي هيأه الله لنا، وهو ما يجعل ما له كأنه طريقنا نحن! فالمسيح هو الذي يعطينا امتياز الإيمان به، والرجاء بأنه سيُوصِّلنا إلى كمال البرّ“.[60]

يؤكد أوغسطينوس، في سياق تعليمه عن القدرية والحتمية الإلهية، على أن جميع الأفعال التي يفعلها الملائكة سواء الأبرار أو الأشرار هي بسماح من الله كالتالي:

”وبالتالي، يكون اعتقاد خاطئ أن الملائكة الأشرار أو حتى الملائكة الأبرار هم خالقون، ولكنهم رغم ذلك يعرفون بذور الأشياء الأكثر غموضًا بالنسبة لنا بسبب دقة إدراكهم وجسدهم، وتنشرها سريًا بالتفاعلات المناسبة للعناصر، فتزيد فرص انتاج الأشياء وتسريع فرص نموها. ولكن لا يفعل الملائكة الأبرار هذه الأشياء إلا بسماح من الله، ولا يفعل الملائكة الأشرار هذه الأشياء بشكلٍ جائرٍ وظالمٍ، بل بسماح من الله لغاية صالحة. لأن شر الإنسان الشرير يجعل إرادته شريرة وفاسدة، ولكنه يستمد القوة لفعل ذلك بالعدل سواء لعقابه الخاص أو في حالات أخرى لمعاقبة الأشرار أو لمكافأة الأبرار“.[61]

ويرى أوغسطينوس أن المسيح هو مخلصنا وخالقنا، لذا فكما خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة على أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا، مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة، وهذا يتسق مع تعليمه عن القدرية والجبرية كالتالي:

”إن مخلِّصنا لا يقل في شيء عن خالقنا، فكما أنه خلقنا بدون مشاركة منا، هكذا يخلصنا بدون الحاجة إلى طبيعتنا غير القادرة أن تشاركه أو تعوقه عن خلاصنا مهما دافعت بأنها عاقلة ولها قدرات كاملة وشاملة!“.[62]

يتحدث أوغسطينوس أيضًا، في سياق تعليمه عن القدرية والجبرية الإلهية، عن أن كل الأعمال سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة وللبشر، أو لأيّ نوع من الحيوان، تكون بحسب سلطان الله المطلق كالتالي:

”وبالتالي، كما في الحالة الروحية نفسها، لا يعرف أحد ما في أذهاننا إلا الله، لذلك يستطيع البشر الكرازة بالإنجيل كوسيلة خارجية للصلاح فقط بإخلاصٍ، بل أيضًا للشر بعلةٍ (في 1: 18)، كذلك في خلق وإبداع الأشياء المنظورة يعمل الله في الداخل، أما الأعمال الخارجية سواء أعمال صالحة أو أعمال شريرة للملائكة أو للبشر أو حتى لأيّ نوع من الحيوان، فتكون بحسب سلطان الله المطلق لتوزيع القدرات والرغبات المتعددة للأمور السعيدة، والتي قد علمها الله وخصَّصها بنفسه لطبيعة هذه الأشياء، حيث خلق الله كل الأشياء في داخلها بالمثل كما يحدث في الزراعة بالنسبة للتربة“.[63]

الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك بعد السقوط

يرى أوغسطينوس أن إرادة الإنسان بعد السقوط لم يكن في وسعها إلا أن تهلك، وذلك في إطار تعليمه عن الإرادة المقيَّدة بالشر والهلاك، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ، بل يؤكد ق. كيرلس على وجود حرية الإرادة وممارستها بعد السقوط كالتالي:

”بل هو يتحدث باستمرار كما لو كانت الطبيعة البشرية قادرة على شفاء نفسها بإرادتها الذاتية بدون الرب يسوع. في حين أن إرادتها تلك التي يتشدق بها لم يكن بوسعها إلا أن تهلك“.[64]

يتحدث أوغسطينوس عن أن الله جعل السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئة الإنسان، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، مشيرًا بذلك إلى الإرادة المقيَّدة بفعل الشر بعد السقوط كالتالي:

”إن الإنسان، لشدة تعاظم الإثم يستسهل السقوط في الخطيئة عن أن يتجنبها. ونظرًا لعدم وجود علاج فعَّال يناسبه، جعل الله السقوط في الإثم عقوبةً عادلةً تتناسب مع نوع خطيئته، حيث يفقد الإنسان الساقط سيطرته على جسده، وكان من المفروض أن يكون جسده خاضعًا ومطيعًا له، ولكنه تهاون حينما كان جسده مطيعًا في البداية وهو يستخدمه فيما للرب، ولكنه هزأ بجسده وذلك بجره إلى العصيان. ونحن نُولَد الآن بجسد العصيان هذا، حيث يسكن ناموس الخطيئة في أعضائه ويُقاوِم ناموس ذهننا، فلا ينبغي علينا أن نتململ على الله، ولا أن نجادل مقاومين الحق الناصع، بل نطلب ونصلي ملتمسين مراحمه عوضًا عن العقوبة“.[65]

ويشير أوغسطينوس إلى الإرادة المقيَّدة بالشر، حيث يرى أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة. لأن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا. فعندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات كالتالي:

”لأنه ليس هو الذي يصنع الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فيه. لكن حل هذه المسألة يطرح مسألة أصعب؛ إذ كيف يعمل إنسان ما ليس يعمل؟ وهذا ما قاله الرسول: ’الشر الذي لا أريده إياه أعمل، ولست أنا الذي أعمله، بل الخطية الساكنة فيَّ‘. من هنا علينا أن نعرف أنه عندما تعمل الخطيئة الساكنة فينا، لا نكون نحن الذين نعمل، إنْ لم نرد، وإنْ منعنا أعضاء جسدنا وحواسنا من الانسياق وراء الشهوات التي تدغدغها. وهل تجرنا الخطيئة، رغمًا عنَّا، إلا إلى الأهواء الفاسدة؟ إنْ لم نرضخ لها بإرادتنا، نخنقها في مهدها. وهذا ما يوصي به الرسول عندما يقول: ,لا تملك الخطيئة في جسدكم المائت، فتطيعون شهواته، ولا تجعلوا أعضاءكم سلاح إثم للخطيئة‘ (رو 6: 12، 13). إن للجسد شهوات، يمنعنا الرسول من أن نطيعها. وتلك الشهوات تُولِّد الخطيئة، فإنْ أطعناها، صنعنا الشر بإرادتنا؛ أمَّا إذَا عملنا بوصية الرسول، ولم نطع تلك الشهوات، فلسنا نحن الذين نعمل الشرّ، بل الخطيئة الساكنة فينا. فإن ْ لم تملك فينا تلك الشهوات الفاسدة، لا نصنع شرًا، لا نحن، ولا الخطيئة الساكنة فينا. وعندما نواجه إغراء شهوةٍ فاسدةٍ تعمل فينا ولا نطيعها، نقول، مع ذلك، بأنها من صُنعنا، بمعنى أنها ليست فعل طبيعة غريبة، بل من ضعف طبيعتنا، الذي سنتخلص منه نهائيًا عندما يصبح جسدنا غير مائت كما هي حال نفسنا. وعليه، فبما أننا نسير في طرق الربّ، فإننا لا نطيع شهوات الخطيئة؛ وبما أننا لسنا بلا خطيئة، فإننا نتحسس شهوات الخطيئة. لكننا عندما لا نطيع تلك الشهوات، لا نكون نحن الذين نعمل، بل هي الخطيئة الساكنة فينا تُحرِّك تلك الشهوات. بهذا المعنى، ’صانعو الإثم‘، أي الذين يطيعون شهوات الخطيئة، ’لا يسيرون في طريق الربّ‘“.[66]

ويتحدث أوغسطينوس عن الإرادة المستعبَدة للشر والخطية، حيث يستنكر متسائلاً: كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرَّروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن إنْ كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مُستعبَد أيضًا، ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا قائلاً:

”إذًا، كيف يجرأ هؤلاء الناس المساكين أن يفتخروا سواء بإرادتهم الحرة قبل أن يتحرروا، أو بقوتهم الذاتية لو كانوا قد تحرَّروا؟ إنهم لم يدركوا أن مُجرَّد ذكرهم للإرادة الحرة، فإنهم ينطقون اسم الحرية. ولكن ’حيث روح الرب هناك حرية‘ (كو3: 17). لذلك لو كانوا عبيدًا للخطية، فلماذا يفتخرون بالإرادة الحرة؟ لأنه ما انغلب منه أحد فهو له مستعبد أيضًا (2بط2: 19) ولكن إذَا تحرَّروا، فلماذا يفتخرون بأنفسهم كما لو كان هذا من فعلهم، ويفتخرون كما لو لم يأخذوا؟ أو هل يتحرَّرون لدرجة أنهم لا يختارون الله ربًا لهم الذي يقول لهم: ’بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا‘ (يو15: 5)، ’وإنْ حرَّركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارًا؟‘ (يو8: 36)“.[67]

ويرفض أوغسطينوس أن يظن الإنسان أنه قوي في ذاته، ولكن الله جعله ضعيفًا، لكي يقويه بقوته، بعد أن يكون قد فَقَدَ قوته، ولكننا نتساءل هنا: كيف يجعل الله الإنسان ضعيفًا ليُظهِر له قوته، هل يحتاج الله لمثل هذا الأمر ليُظهِر قوته للإنسان بأن يضعفه أولاً ثم يُظهِر له قوته؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

كُنت تريد أن تكون قويًا في ذاتك، فجعلك الله ضعيفًا، لكي يقويك بقوته، بعد أن تكون قد فقدت القوة التي تنبع منك“.[68]

نحن بشر مجبولون بالشر

يرى أوغسطينوس أننا البشر مجبلون بالشر، وهذا لم يعلم به ق. كيرلس الإسكندري، ولا أي أب من أب الشرق بأننا مجبلون بالشر، كما لو كان الشر طبيعة نُجبَل عليها وهكذا لسنا في ذاتنا بشيء، بل كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله كالتالي:

”إنه يُعرِّفنا بنعمة الله؛ ويُعرِّفنا أننا لسنا في ذاتنا بشيءٍ؛ ويُعرِّفنا أن كل ما نحن عليه، إنما نلناه من رحمة الله، وما نحن في ذاتنا إلا بشرٌ مجبولون بالشرّ“.[69]

استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر

ويرى أوغسطينوس أن الله هو الذي يشأ فعل الأشياء حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم أو بأمرهم أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق، لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندري كالتالي:

”لأنه كيف تفعل الملائكة هذه الأشياء، أو بالحري كيف يفعل الله هذه الأشياء بواسطة ملائكته. وإلى أيّ مدى يشأ فعلها حتى بواسطة الملائكة الأشرار سواء بالسماح لهم، أو بأمرهم، أو بإجبارهم من الموضع السريّ لسلطانه الذاتيّ الفائق“.[70]

ويشير أوغسطينوس صراحةً إلى أن الله يستخدم الشر كأداة عقابية لإصلاح الإنسان، وهذا ما لانجده عند ق. كيرلس الإسكندري الذي يؤكد على صلاح الله الدائم، وأن الشر والخطية مجرد مرض أو وهم أو اختراع أصاب البشرية الساقطة كالتالي:

”حقًا إن كثيرين انصلح حالهم بالعقاب، ولكن ليست نتيجة العقاب هي خير على طول الخط. فمراحم الله العجيبة قد تستعمل الشرور التي تصيب الإنسان لإصلاح حاله على أي وجه“.[71]

الشهوة الجنسية شرّ

يرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرًا، حيث يشير أوغسطينوس إلى أن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكل في إنجاب الأولاد، بعكس ق. كيرلس الذي يرى أن الشهوة عدم تحتاج إلى شخص لكي يمارسها كالتالي:

”لأن اسم الزوجة يضع في أفكار الرجل العلاقة الفاسدة التي تتشكَّل في إنجاب الأولاد“.[72]

يرى أوغسطينوس أن المسيح وُلِدَ من العذراء بدون زواج، أي بدون شهوة الجسد التي تحركها الخطية الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر كالتالي:

”ولكن رأى الله إنه من الأنسب والأفضل كلا الأمرين معًا؛ أي أن يتخذ له إنسانًا يهزم به عدو الجنس البشريّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا من عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح وليس بالجسد، بالإيمان وليس بالشهوة (لو 1: 26-32). وفعل هذا بدون تدخل شهوة الجسد التي تحركها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان – بدون شهوة تمامًا – لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول، أصل الجنس الوحيد، بدون خطية أيضًا“.[73]

ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية هي شهوة شريرة، بالرغم من الاستعمال اللائق بالزواج، وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء مريم، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت قائلاً:

”لذلك، رغم الاستعمال اللائق بعفة وطهارة الزواج للشهوة المادية التي في أعضائنا، ولكنها عُرضة للدوافع اللاإرادية، التي تبين بها أنها كانت لا تقدر مطلقًا على الوجود في الفردوس قبل الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فإنها لا تقدر أحيانًا على مقاومة تلك الرغبة. ولكننا نشعر بها الآن كذلك في مقابل ناموس الذهن، لأنه مما لا شك فيه أن رغبة الانجاب تعمل فينا، وتحثنا على العلاقة الجنسية التي يخضع لها البشر ويشبعونها بفعل الخطية، وإنْ كانوا لا يريدون فعلها، فتصير مُقيَّدة بفعل الرفض: ومَن يشك بأن هذين الأمرين كانا غريبين عن الفردوس حتى قبل الخطية؟ لأن العفة لا تفعل أيّ شيء باطل، ولا تعاني السعادة من أيّ اضطراب أيضًا. وبالتالي، كان من الضروري غياب هذه الشهوة [الجنسية] المادية تمامًا عند الحبل بنسل العذراء، لكي لا يجد فيه مَن له سلطان الموت [علة الموت] أيّ شيء يستحق الموت“.[74]

وبالرغم من أن أوغسطينوس يرى أن الزواج شيء شريف وشرعي، إلا أنه يسعى إلى مكان وحدوي وسري بسبب الخجل الذي يُعتبر بمثابة عقاب كالتالي:

”ماذا أقول؟ المجامعة الزوجية تهدف بحسب ترتيبات القانون المدنيّ إلى إنجاب الأولاد؛ وهي بالرغم من أنها شريفة وشرعية، ألا تسعى إلى اتخاذ مكان وحدويّ وسريّ؟ […] العملية شرعية تتخفى عن نور النهار وتطلب نظر الروح؛ بطبيعتها شرعية، ولكن الخجل تابع لها بمثابة عقاب“.[75]

هلاك الأطفال غير المعمدين

يرفض أوغسطينوس دخول الأطفال غير المعمَّدين إلى الملكوت، معتبرًا إياهم مذنبين لأنهم وارثون ذنب آدم، بعكس ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقي الأرثوذكسي، الذي يرى أنهم سوف يدخلون الملكوت، لأنهم أبرياء وخاليون من أي نوع من الخطية قائلاً:

”في حالة ولادة طفل في أوضاع لا يُسمَح له فيها بنوال معمودية المسيح، ثم مات طفلاً بدون حميم الميلاد الجديد، فأنظروا بماذا يفتي صاحبكم (بيلاجيوس)، في مثل هذه الحالة، إنه يعطيه حلاً، فاتحًا له ملكوت السماوات، ومؤكدًا أن لا دينونة عليه، هذا على الرغم من دينونة الله له. على أية حال إن الرسول بولس لا يعطي حلاً لمثل هذا الطفل، حيث قال: ’بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم وبالخطيئة الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع‘ (رو 5: 12)، فهذا الاستذناب الوحيد فقط يسري على الكل بما فيهم ذلك الطفل، ولذلك لا يُسمَح له بالدخول إلى ملكوت السماوات ليس لأنه غير مسيحي فقط، بل وحتى لأنه غير قادر أن يكون مسيحيًا“.[76]

يرى أوغسطينوس أيضًا أن الأطفال يُحسَبون من بين الخطاة منذ المولد، لأنهم يحملون الخطيئة الأصلية، وهذا عكس ما يقوله آباء الشرق عامةً وق. كيرلس الإسكندريّ خاصةً، حيث يرون أننا نُولَد مائتين من المائت، ولا نُولَد خاطئين من الخاطئ كالتالي:

وبين الخطاة يُحسَب الأطفال، من حيث أنهم يحملون الخطيئة الأصلية؛ وبالتالي، فإن الجميع بحاجة إلى نعمة الله“.[77]

يُؤكِّد أوغسطينوس على عدم دُخُول الأطفالِ الذين يموتون قبْل المعمُوديّة لِلملكُوت بِسبب وِراثة الخطيّة الأصليّة، حيْث يُخاطِب القِديس جِيروم قائِلاً:

”أسأل أيْن تُصاب النّفس بِالخطيئة الّتي بِنتيجتِها تسقُط في الهلاك الّذي لا يُعفى مِنه طِفل يموت بِدون نوال نِعمة المسيح بِالعِماد؟ لِأنّك لست مِن أولئِك الّذين ينطِقون بِأشياء جديدة، ويَذهبون إلى حدّ القوْل بِأنّه ليْس مِن خطيئة أصليّة يُعفَى مِنها الطِّفل بِالعِماد“.[78]

وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم

يرى أوغسطينوس أن الأطفال هم شركاء آدم في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، وهذا عكس ما علَّم به ق. كيرلس تمامًا، حيث أكد أننا لم نكن موجودين عندما أخطأ آدم وتعدى الوصية، بل انتقلت لنا نتائج خطيئته فقط، أي الفساد والموت. ويشير أوغسطينوس أيضًا إلى اتصال الأطفال بالخطيئة الأصلية لآدم لكونهم أبناء آدم وشركائه في خطيئته الأولى بتعديه للوصية، أي يُعلِّم أوغسطينوس بوراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، هذا التعليم المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”فإذَا كان علينا أن نفهم من عبارة ’جميع منافقي الأرض متعدون‘ أنها تشمل الأطفال أنفسهم بسبب اتصالهم بالخطيئة الأصلية – وهذا حق – اتضح لنا أنهم، لكونهم أبناء آدم، فإنهم شركاء له في خطيئته الأولى بتعديه الوصية التي أُعطيت له في الفردوس. وعليه، فإن جميع الخطأة في الأرض، بلا استثناء، يُعتبرون، بحقٍ، متعدون“.[79]

ويؤكد أوغسطينوس أيضًا على وراثة الأطفال الرضع ذنب خطيئة آدم في حديثه مع ق. چيروم، وتعليم وراثة الذنب هو تعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق كالتالي:

”ولهذا أتساءل كيف يمكن للروح، حتى لو روح رضيع اختطفه الموت، أن تحمل الذنب الذي يستوجب الدينونة، ما لم تنقذه نعمة المسيح بسر المعمودية، الذي يُقدَّم حتى للرضع؟ أعلم أنك لست ممن تلفظوا مؤخرًا بآراء وبدع عبثية، زاعمين أنه لا يوجد ذنب موروث من آدم والذي يُمحَى بالمعمودية في حالة الأطفال. […] ولهذا ليس من غير المناسب طرح عليك السؤال: كيف تحمل الروح، حتى لو روح رضيع، الذنب الذي يجب الخلاص منه خلال سر النعمة المسيحية“.[80]

ويؤكد أوغسطينوس على وراثة ذنب آدم، على العكس من تعليم ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق الرافض لوراثة ذنب خطية آدم، قائلاً:

”لأن الخطأ لا يكون على الولد الذي يقضي الله حكمه عليه؛ لأن ليس هو الذي يخالف عهد الله بل أولياؤه الذين يهملون ختانته؛ وعليه يجب الاعتراف بأن الأولاد أنفسهم مجرمون، لا بسبب الاستعمال الشخصيّ لحياتهم، بل بحسب الأصل المشترك للجنس البشريّ، لأنهم جميعهم خطئوا بمخالفتهم لعهد الله في شخص الإنسان الأول الذي به قد خطئوا؛ […] فكيف يمكن التوفيق بين ذاك الكلام وكلام المزمور: حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘ (مز 118/119)، إنْ لم يكن كلّ مرتبط بخطيئةٍ ما مخالفًا لشريعةٍ ما؟ وعليه فإنْ يكن الأطفال أنفسهم كما يُعلِّم الإيمان الحقيقيّ مولودين تحت نير الخطيئة، لا خطيئتهم الشخصية، بل الخطيئة الأصلية، ولهذا نعترف بأن نعمة مغفرة الخطايا ضرورية لهم، فلا شك أنهم كسواهم قد خالفوا الشريعة المعطاة في الفردوس بالقدر عينه، وقد تحقَّقت كلمات الكتاب المقدَّس القائل: ’حسبتُ جميع منافقي الأرض خبثًا‘، ’وحيث لا يكون ناموس لا يكون تعدّ‘. وعلى هذا النحو، فإن الختان، بصفته علامة التجدُّد نرى بحقٍ أن وصمة الخطيئة الأصلية التي هي تعدٍّ على العهد الأول تُشوِّه ولادة الطفل إنْ لم تُخلِّص منها الولادة الجديدة. […] ومع ذلك، فإن الشجب للولد غير المختون البريء من كل إهمال تجاه نفسه قد يكون ظالمًا لو لم يكن أسيرًا للخطيئة الأصلية“.[81]

تعليم النفس المولودة الأوغسطيني

يعلم أوغسطينوس، على العكس من تعليم النفس المخلوقة لآباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ، بأن النفس مثل أجسادنا تتوالد وتأتي إلينا من أبوينا، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من آباء الشرق، حيث يرون أن النفس الإنسانية هي مخلوقة على صورة الله، والله هو جابلها وخالق، الله هو أبو الأرواح، وهو الذي يرسل نفس جديدة بالخلق المباشر لكل إنسان مولود في الحياة، ويحرم ويرفض آباء الشرق التعليم عن النفس المولودة، ويَعتبرونه أنه يجعل من النفس كيان ماديّ يُورَّث مثله مثل الأجساد، وبالتالي، تكون صورة الله صورة مادية بحسب هذا الرأي، وأَعتبروا أن ذلك هو التعليم عن هرطقة أنسنة اللاهوت أو تجسيم اللاهوت أو الأنثروبومورفيزم Anthropomorphism المرفوض تمامًا من آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندريّ. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن بينما نعترف أن جسد الإنسان من صُنع الله، في الوقت ذاته لا ننكر أن الأجساد تتوالد. لذلك عندما يُبرهَن على أن أرواحنا نتاج بذار روحية [يقصد نظرية العلل البذرية]، وهي كأجسادنا تأتي إلينا من أبوينا، إلا أنها مازالت أرواحًا من صُنع الله، فهدم هذا البرهان لا يصح أن يكون على أساس الحدس البشريّ، بل يجب دحضه بشهادة نصوص من الكتاب المقدَّس. يوجد فعلاً الكثير من النصوص الإلهية القانونية يمكن الاستشهاد بها لكي نثبت أن الله هو خالق الأرواح. ولكن نستخدم هذه الآيات ضد مَن ينكرون أن أرواحنا ليست من صُنع الله؛ وليس ضد مَن يقولون إن أرواحنا تتكوَّن بفعلٍ إلهيّ، لكن من الوالدين. لكي تدحض هذا الفكر يجب أن تستشهد بنصوص صريحة تنادي بغير ذلك، وإنْ وجدت، فعرفني بها لأني بحثت بشغفٍ عنها ولم أستطع الوصول إليها“.[82]

اتهام أوغسطينوس لرافضي النفس المولودة بالبيلاجية

ويتهم أوغسطينوس الذي لا يؤمن بالنفس المولودة بالسقوط في الهرطقة البيلاجية، ألعله يتهم آباء الشرق ومنهم ق. كيرلس الإسكندري بالهرطقة البيلاجية بسبب تعليمهم بالنفس المخلوقة ورفضهم للنفس المولودة؟! حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وفي تناول المشكلة الثانية أريدك أن تكون متأنيًا ويقظًا. فربما من خلال رفضك لتوالد الأرواح تقع دون أن تدري في بدعة بيلاجيوس. الجميع يعرفون أن الأجساد تتوالد من جيل إلى جيل؛ فنكون على صواب أيضًا إن قولنا إن كل الأرواح – ليس فقط آدم وحواء – يخلقها الله، ومن الواضح أن تأكيد توالدها ليس إنكارًا لخلقتها من الله. فمن خلال هذه النظرة، الله يخلق الأرواح بالطريقة نفسها التي يخلق بها الأجساد؛ أي بطريقة غير مباشرة وبالتوالد. وإدانة هذا الرأي تتطلب حوارًا جديدًا“.[83]

وراثة الخطية الأصلية بواسطة النفس المولودة

يرى أوغسطينوس، على العكس من آباء الشرق جميعًا وق. كيرلس الإسكندريّ بالخصوص، أنه لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض. فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذلك ينبغي أن ينال الأطفال الرضع الولادة الجديدة في المعمودية. يرى آباء الشرق وق. كيرلس الإسكندري أن نفوس الأطفال ليست شريرة ولا تُولَد نفوس الأطفال خاطئةً، بل هم بلا خطية، وهم أبرار وطاهرين في أذهانهم وأرواحهم وفكرهم، وعندما يموت الأطفال الرضع غير المعمدين، بحسب آباء الشرق وليس أوغسطينوس والغرب، فإنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا، لأن الملكوت هو لهم كما قال ق. كيرلس، وقاله أيضًا آباء الشرق معه، فلم يقل أي أب من آباء الشرق بأن الأطفال الذين يموتون قبل المعمودية، يذهبون إلى الجحيم، كما قال أغسطينوس والغرب من بعده، بل يقولون بأنهم يذهبون إلى الملكوت فورًا لينالوا نصيبهم من السعادة. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”وأيضًا لا توجد أي روح في أي جسد من دون خطية حتى لو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض (أي 14: 5). فليس إنسان بلا خطية من كل نسل آدم، لذا فمِن المهم جدًا حتى للأطفال الرضع أن يُولَدوا ولادة جديدة في المسيح بنعمة التجديد [المعمودية]. […] تحمل سؤالي أنا أيضًا في المقابل: هل يمكن أن ترث الروح البشرية الخطية الأصلية من دون أن تتوالد هي نفسها من هذا الجد [آدم]؟ فإذَا لم نرد أنا أو أنت أن نقع في هرطقة بيلاجيوس المقيتة، يجب علينا أن نؤمن بأن كل الأرواح البشرية ورثت الخطيئة الأصلية من آدم. وإنْ لم تستطع الإجابة على سؤالي، أرجوك أن تعفيني أنا أيضًا من الإجابة على سؤالك. […] وعندما حثَّني على بذل الجهد والعناء أكثر في القضاء على هذه الهرطقة المميتة، أشار إلى خطأ بيلاجيوس، الشيء الذي أتوسل بشدة إليك يا أخي أن تتجنبه بمنتهى الحرص. يجب أثناء التأمل والنقاش في مسألة أصل الأرواح ألا تدع مجالاً لهذه الهرطقة مطلقًا سواء هي أو استنتاجاتها الشريرة؛ لأنه لا توجد روح بشرية إلا روح الوسيط بين الله والناس [يسوع المسيح] لم ترث الخطية الأصلية من آدم. الخطية الأصلية الملتصقة بالروح منذ ولادتها، ولا توجد وسيلة للتخلص منها سوى بالولادة الجديدة [المعمودية]“.[84]

خطية الطبيعة والإرادة المقيَّدة بالشر

ويرى أوغسطينوس أن طبيعتنا البشرية أصبحت خاطئة، لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، فيرى هنا أن الخطية تنتقل من خلال جسد المعصية الأول إلى أجسادنا نحن البشر، ويشدد على الإرادة المقيدة بالشر، حيث لا تستطيع طبيعتنا البشرية الوارثة لطبيعة جسد المعصية الأول أن تتمم ناموس الله من تلقاء نفسها، ولا تستطيع أن تكمل في البر. لا نجد مثل هذا التعليم عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:

”إن طبيعتنا البشرية أصبحت مريضة وخاطئة؛ لأنها نابعة من طبيعة جسد المعصية الأول، الذي لا يقدر من تلقاء نفسه أن يتمِّم ناموس الله، ولا يستطيع أن يكمل في البر“.[85]

ويرى أوغسطينوس أن جميع قدرات الطبيعة البشرية الطبيعية من ذكاء وأحاسيس صارت معتمة وضعيفة تمامًا بسبب التيار الكاسح الناتج من وراثة الخطيئة الأصلية التي أرتكبها آدم بمحض إرادته الحرة، فأصبحت الطبيعة البشرية بسبب الخطية الأصلية الموروثة مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل. لا نجد هذا التعليم الغريب عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق كالتالي:

”حقًا مازال بلا شك في الطبيعة البشرية قدرات صالحة باقية منذ تكوينها كالحياة والأحاسيس والذكاء…إلخ. كل هذه كانت من الله العلي، مُكوِّنها وجابلها. ولكن تيارًا جارفًا اكتسح هذه الطبيعة، فعتم وأضعف كل تلك القدرات الطبيعية، حتى أنها في حاجة إلى الاستنارة والشفاء من ذلك التيار الكاسح، الذي لم يكن مصدره الله طبعًا، لأن الخالق منزَّه عن أي خطأ. ولكنها كانت خطيئة الإنسان الأصلية التي أرتكبها بمحض إرادته الحرة. وبناءً عليه، أصبحت الطبيعة البشرية مذنبة ومحرمة وتستحق حكم الدينونة والعقاب العادل“.[86]

الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط

يؤكد أوغسطينوس على الفساد الكلي للطبيعة البشرية المقيدة بفعل الشر وارتكاب المزيد من الخطايا، وهذا عكس ما رأيناه عند ق. كيرلس الإسكندريّ الذي شدَّد على الفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط، وأكَّد على بقاء عمل حرية الإرادة في الإنسان حتى بعد السقوط كالتالي:

”وردنا هو: إن الخاطئ هو الإنسان مرتكب الخطيئة، ولكن الفساد الذي في الإنسان الذي به تُرتكَب الخطيئة صار ثابتًا في طبيعتنا البشرية، وهو نبع دائم لتصرفاتنا الخاطئة. هذا العطب الغائر في الطبيعة الإنسانية هو المحتاج إلى الشفاء، وكلما تأخر هذا الشفاء كلما استشرى العطب الفساد وارتكب خطايا أكثر بسبب ما يُحدِثه الفساد من ضعف وعمى حتى إن الإنسان لا يرى ولا يقوى على عمل البر الواجب عليه“.[87]

تعليم القدرية وسبق التعيين المزدوج

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![88] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![89]

ويستكمل أوغسطينوس في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[90]

يشير أوغسطينوس إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[91] ويستكمل أوغسطينوس بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[92]

وراثة الخطية الأصلية جسديًا بالعلل البذرية الجسدية

يُوضِّح أوغسطينوس أننا كنا في صُلب آدم عندما أخطأ وأننا خرجنا مِن بذرة آدم المشوَّهة بالخطيئة، وأنه نقل إلينا فساده وعقابه، وهنا يستخدم أوغسطينوس نظرية العلل البذرية الرواقية عن الخلق، ليُفسِّر بها كيفية انتقال خطية آدم منه إلى بنيه، وهذا التعليم لا نجده عند ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق. حيث يقول أوغسطينوس التالي:

”ولكن الإنسان قد أخطأ بحريته، فعُوقِبَ بعدلٍ، وانتقل إلى ذريته فساده والعقاب، لأننا جميعنا كنا فيه عندما كان وحده يُمثِّلنا جميعًا. لقد سقط في الخطيئة بواسطة المرأة التي أُؤخِذَت مِن جنبه قبل الخطيئة […] بيد أنَّ البذرةَ التي كَاَن عَلينا أن نخرج منها قد شوَّهتها الخطيئة، وحَمَلت أثقال الموت بحُكمٍ عادلٍ، جَعَلت الإِنسان مولود الإنسان في الحَالَة عينها“.[93]

ماهية الخطية الأصلية

يتحدَّث أوغسطينوس عن الخطية الأصلية ونتائج السقوط مؤكِّدًا على تعرُّض الإنسان لنوعين من الموت، وهما: موت النفس وهو الفجور بسبب الخطيئة الأصلية (تعدي الوصية)، وانفصالها الإراديّ عن الله بالخطية، وموت الجسد وهو القابلية للفساد نتيجة انفصال النفس عن الجسد لا إراديًا بسبب عقوبة الخطيئة الأصلية.[94] ويتحدَّث عن وصول البشر إلى الحالة البائسة للطبيعة الناشئة عن الخطيئة الأولى، وأنهم برفضهم خلاص المسيح لهم سيُطرَحون إلى الموت الثاني الأخير (الأبديّ) مع إبليس؛ لأنهم فضَّلوا الشيطان على المسيح.[95] لقد صرنا غير ثابتين في الأبديات، لأنَّ فساد الخطية يجذبنا لأسفل، وصرنا تحت قبضة الفساد بمحبة الزمنيات المغروسة فينا، كما لو كان فساد الخطية مغروس بالطبيعة من جذر الموت. يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا إنه بعدما أسقط الشيطان الإنسان في الخطية، تم إبعاد رؤية الحقائق الأزلية عن رأس الإنسان، فصار الرأس يتغذى على المحرَّمات، وهكذا صارا أبوينا مُجرَّدين من استنارة الحقيقة، وانفتحت عينا ضميريهما للنظر في عريهما وخزيهما.[96] كما يتحدَّث عن شهوة الإنسان الفاسدة للتألُّه بالطبيعة ومُشابهة الله، وصولاً إلى مُشابهة البهائم، والعري من حلتهما الأولى، ونالا بالموت الأقمصة الجلدية، وهكذا أفتقد الإنسان الفخر الحقيقيّ المتمثل في صورة وشبه الله، لأنه كلما أحب الإنسان ذاته أكثر ابتعد عن الله. أسقط الإنسان نفسه في شهوة اختبار قوته، فنزل إلى مرتبة متوسطة بين الملائكة والبهائم، وهكذا عندما أراد أن يصير كالله، دفع ذاته إلى العدم، وسقط في منزلته المتوسطة. صار بالعقوبة إلى المنزلة الأدنى أي الأمور البهيمية.[97]

يشرح أوغسطينوس ماهية الخطية إنها القبول بالاستمتاع الشرير بالأمور المدرَكة بالحواس الجسدية، ودفع الإحساس الحيوانيّ لغاية الذهن التي تستخدم القوة الحيوية للعقل في الزمنيات والجسديات، لتنفيذ وظائفه بباعث إمتاع ذاته كما لو كان خير خاص بذاته، وليس خير عام ثابت ومشترك وصالح، وهكذا قبلت حواء الإغراء بالآكل من الشجرة المحرَّمة.[98]

ثم يتحدَّث أوغسطينوس عن سماح الله بتسليم الجنس البشريّ إلى سلطان إبليس بالعدل الإلهيّ بشكل ما، وعبور خطيئة الإنسان الأول إلى كل الجنسين أصلاً، وفي ولادتهما عن طريق التناسل والزواج، وهكذا قيَّد إبليس نسلهما جميعًا.[99] لقد صار البشر جميعًا تحت سلطان إبليس أصلاً، أي بالطبيعة الفاسدة بالخطية صاروا أبناء الغضب، كما قال بولس الرسول، سمح الله بعدلٍ بتسليم الإنسان إلى سلطان إبليس. لم يفصل الله الإنسان عن سيادة سلطانه وصلاحه، عندما سمح أن يكون في سلطان إبليس، لأنَّ إبليس نفسه تحت سلطان الله، حيث لا تحيا الشياطين بدون الله، الذي يحيي كل شيء، وهكذا أخضع ارتكاب الخطايا الإنسان إلى سلطان إبليس بسبب غضب الله العادل. ولكن هذا يتعارض مع ما قاله الآباء اليونانيون عن تسليم الإنسان نفسه إراديًا بالعصيان إلى الشيطان، وليس لله دخل في ذلك! وهكذا بحسب تعليم أوغسطينوس استخدم الله الشر والشيطان كأداة عقابية للإنسان.[100]

الشرور الموروثة من آدم

ويُوضِّح أوغسطينوس أننا مُقيَّدين بخطية وموت آدم الإنسان الأول كشرور موروثة؛ لأنَّ إبليس من أجل الواحد قيَّد جميع المولودين من شهوته (الجنسية) المادية الفاسدة.[101] ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس على مفهوم وراثة الخطية الأصلية بتقييد آدم لجنسه البشريّ بخطيته، لذلك رأي الله إنه من الأفضل أن يتخذ له إنسان يهزم به عدو الجنس البشرىّ من نفس الجنس المهزوم نفسه، وأن يفعل هذا مِن عذراء يعلو ويفوق حبلها بالروح لا بالجسد، بالإيمان لا بالشهوة. وفعل هذا بدون تدخُّل شهوة الجسد التي تُحرِّكها الخطيئة الأصلية التي يتوالد ويحبل بها باقي البشر، بل صارت العذراوية المقدَّسة حُبلى لا بالزواج بل بالإيمان -بدون شهوة تمامًا- لكي يقود ذاك المولود من جذر الإنسان الأول؛ أصل الجنس الوحيد بدون خطية أيضًا، لأنَّ ذاك المولود كان بدون الطبيعة الفاسدة بمرض الخطية وكان العلاج الوحيد لكل فساد.[102]

ويُؤكِّد ق. أوغسطينوس هنا على انتقال الخطية الأصلية بالشهوة الجنسية من الآباء للأبناء، وأنَّ الله بتجسُّده من العذراء بدون شهوة، قد أوقف هذه السلسلة من توارُّث وانتقال الخطية، وصار أصلاً جديدًا للبشرية المنتصِرة على إبليس في شخصه بهذا الحبل المقدَّس. وإنْ كان أوغسطينوس يُؤكِّد أيضًا على طهارة الزواج والاستخدام السليم لهذه الشهوة المادية الكائنة في أعضائنا، ولكنها للأسف تحت الضغوط اللاإرادية للشهوة، لم تكن قادرة على البقاء في الفردوس حتى قبل السقوط في الخطية، أو إنْ فعلت ذلك، فلا تقدر أحيانًا على مُقاومة تلك الرغبة.[103] كما يُشِير أوغسطينوس إلى غلبة المسيح آدم الثاني على قاهر آدم الأول المقيِّد للجنس البشريّ؛ مُحرِّرًا الجنس البشريّ من الذنب البشريّ.[104] وهكذا يؤكِّد أوغسطينوس هنا على وراثة الذنب البشريّ التي رفضها الآباء اليونانيون؛ لأنَّ الذنب البشريَّ هو فعل إراديُّ يُحاسَب عليه فاعله إراديًا فقط، وليس نسله.

يتحدَّث أوغسطينوس عن أنَّ الإيمان ليس من فعل الإرادة الحرة فقط دون أن يكون عطية من الله، ويتساءل لماذا الصلاة لأجل الذين لا يريدون أن يؤمنوا لكي يؤمنوا؟ فهذا يكون باطلاً، ما لم نؤمن إيمانًا كاملاً أنَّ الله القدير يستطيع أن يُغيِّر الإرادات المضادة المقاومة للإيمان حتى تؤمن![105] تتضح من هنا ملامح تعليم أوغسطينوس بالجبرية والقدرية وسبق التعيين، حيث يتدخل الله مانح حرية الإرادة لتغيير إرادات البشر؛ فأين تكون حرية الإرادة بتدخُّله في إرادات البشر؟! ويتساءل أوغسطينوس كيف يكون عمل الإرادة الحرة والنعمة في تغيير القلب؟ كيف يُوصِي الله بأمر لعمله ما دام هو الذي يعطيه؟ ولماذا يُعطِي إنْ كان الإنسان هو العامل إلا إذَّا كان يُعطِي ما يأمر به بإعانته للإنسان حينما يأمره به؟![106] نتساءل هنا أين هو دور الإنسان إنْ كان الله يأمر وينفذ أمره في الإنسان؟! ويستكمل في نفس السياق إننا نحن نريد بالتأكيد حينما نريد، لكن الرب هو الذي يجعلنا نريد، إذ الإرادة تُعد من قِبل الرب، فنحن بالتأكيد نعمل حينما نعمل، ولكن الرب هو الذي يجعلنا نعمل بطلب قوة فعَّالة لإرادتنا، هو الذي يجعلنا نعمل ذاك الذي يريد الإنسان فعله، ويصلي لأجله مُتوسِلاً.[107] يشير إلى عمل الرب في البداية فينا، حتى تكون لنا الإرادة، ويُكمِّل معنا العمل حتى تكون لنا الإرادة القوية الكاملة، يعمل بدوننا لكي نريد، وإذ نريد لكي نعمل، يشترك هو معنا في العمل في داخلنا؛ نحن لا نستطيع بأنفسنا أن نفعل شيئًا صالحًا بدونه. وبالتالي، يؤدي هذا التعليم بالضرورة إلى التواكل والاتكالية على الله في كل شيء، وهذا ما رفضه آباء الشرق جملةً وتفصيلاً.

استخدام الله للشر لمعاقبة الإنسان

يشير أوغسطينوس إلى أنَّ هناك بعض الخطايا بمثابة عقوبة لخطايا أخرى يسمح بها الله باعتبارهم أوان للغضب! مثل تقسية الله لقلب فرعون.[108] ولكن هذا التعليم ضد صلاح الله. وهكذا يُورِد أوغسطينوس مثال ابن جيرا البنيامينيّ الذي سب داود، ويُؤكِّد أنَّ الله لم يأمره بسب داود بوصية، وإلا كان مستحقًا المديح؛ لأنه أطاعه، بل الله مال بإرادة ذلك الإنسان التي انحطت بضلاله لكي يرتكب هذه الخطية، وكان ذلك بأحكام الله السرية وعدله. يستخدم الله حتى قلوب الأشرار لمدح الصالحين وإعانتهم.[109] يذكر أوغسطينوس استخدام الله يهوذا لخيانة المسيح، واستخدامه اليهود في صلبه لبركة الأمم المؤمنة، واستخدامه لأشر عدو – الشيطان نفسه – لكن بأفضل وسيلة لامتحان إيمان الصالحين وورعهم لا لنفسه. استخدم الله إبليس لإتمام مشورته الصالحة.[110] يستخدم الله شر الأشرار للخير دون إعفائهم من مسئوليتهم عن شرهم. كل شيء شرير تم بإرادة الإنسان واختياره، ولكن السبب كان من قِبل الرب، يعمل الله في القلوب البشرية ليُغيِّر إرادتهم لما يريده، سواء للخير بحسب رحمته، أو للشر بحسب استحقاقاتهم، ويحدث هذا بعدله الواضح أحيانًا، والخفي أحيان أخرى.[111] كما يؤكِّد على وراثة الذنب والشر المرفوضة من الآباء اليونانيين، حيث يدعو إلى النظر إلى الحالة الأولى التي يشترك فيها جميع الأطفال الصغار بالطبع، الذين يرثون الشر من آدم.[112] يتحدَّث أوغسطينوس أيضًا أنَّ الله سيجازي كل واحد حسب عمله الشر بشرٍ، لأنه عادل، والشر بالخير؛ لأنه صالح، والخير بالخير؛ لأنه صالح وعادل.[113]

يتحدَّث أوغسطينوس عن القدرية وخضوع الأجساد بعضها لإرادتنا، والبعض الآخر للملائكة الخاضعة جميعًا لإرادة الله السامية التي تتعلق بها كل إرادة، ومنها تستمد القوة التي يمدها بها، فالله هو العلة المطلقة غير المخلوقة التي تعمل كل شيء.[114] ويستكمل بأنَّ إرادتنا لا تتمتع بالقدرة بقدر ما أراد الله لها ورسم، ولهذا فكل ما تستطيع بكل تأكيد، وكل ما عليها عمله تعمله بحقٍ، لأنَّ كل ما لها من قدرة وفعل، فمنه (أي من الله) استمرت كل ذلك، ولو كان لي استعمال كلمة ”قدر“ لقلت قدر الضعيف إرادة الأقوى الذي يتعلق الضعيف به.[115]

يناقش أوغسطينوس ماهية الغضب الإلهيّ، وإنه لا توجد فيه شهوة البتة، بل الغضب الإلهيّ هو تعبير عن الانتقام، ولا يعني اضطراب النفس بالشهوة. يا لها من نظرة مأساوية جدًا لله![116]

تناقض بين الكسمولوجي والأنثروبولوجي

ولكن يعترف أوغسطينوس بأنَّ الخطية ليست مادة ولا كيان لها، بل اسمها ينطوي على مُجرَّد فعل يتسم بِالخطأ، ولكن على الرغم من اعترافه بعدمية الشر في الكسمولوچي، إلا أنه يؤكد على كينونة الشر في شرحه الأنثروبولوچيّ لوراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. حيث يقول التالي:

”كيْف أَمكن لِهَذا الفساد أن يحدُث بِالخطيئة، عِلمًا بِأنّ الخطيئة ليْست مَادة وَلَا كيانًا؟ فلنُوضِّح المسألة بِمثل آخَر قد يقرب المعنى: هل عدم أكل الطعام مادّة وكيان؟ بِالطّبع لا، لِأنّ الطّعام في حدّ ذاته هو المادّة والكيان، فعدم الأكل إذًا ليْس مادّة ما، ولكِنّ اِستِمرار العُزوف عَن الطّعام بِصورة حادّة يُحدِث سوء التغذية، وذبولاً في البدن، وتدهورًا في الصِّحّة، ووهنًا في القوة، والضعف الشديد ثم الإعياء فالاِنهيار، هذا لو أستطاع الإنْسَان الاِستِمرار على قيْد الحيَاة، وحتى لو حاوَل بعْد هذا استعادة صِحّتِه باستعمال الأطعمة التي عزفَ عَن تناولها، فقد يتأذى وتزدَاد حَالتُه سوءًا، لأنَّ جهازه الهضميَّ قد اعترته الأمراض والفساد، هكَذا بِنفس الطريقة: حقًا إن الخطيئة ليْست كيانًا ولا هي وجود، ولكن الله هو الكيان الواجِب الوُجود، وحِينمَا عزفَ الإنسان عَن الله بِالعِصيان زمنًا طويلاً، دب الفساد في طبعه البشريّ، حتى أنه لم يعد قادرًا أنْ يبتهج بإلهه مِن شدة الضعف“.[117]

تفسير آية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5)

يعتمد أوغسطينوس على آية (مز٥١: ٥) ”هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي“ كدليل كتابي على وراثة الخطية الأصلية بالتناسل والتزاوج بحسب مفهومه، حيث يُفسِّر الآية على عكس تفسير ق. كيرلس الإسكندريّ وآباء الشرق لنفس الآية كالتالي:

”يجيب داود باسم الجنس البشري، وهو يتفحص القيود التي تُكبِّل جميع الناس، ويتأمل كيف يتفشى الموت، ويُلاحِظ أصل الخطيئة، ويصرخ: ’هأَنَذَا بِالآثْامِ حُبِلَ بِي‘. هل بالآثام حُبِلَ بداود؟ هل بالإثم حُبِلَ بابن يسى البار وامرأته؟ (راجع ١مل١٦: ١٨). فلمَ يقول إنه حُبِلَ به بالإثم؟ لأن الإثم ورثناه من آدم. وما الخضوع للموت إلا ثمرة الإثم. لا يأتي أحد إلى العالم إلا حاملاً عقابه، أي وهو يُجرجِر الخطيئة التي تستحق العقاب. يقول الكتاب في سفر أيوب: ’ليس من بار أمامك؟ حتى ولا طفل على الأرض ابن يومه‘ (أي١٤: ٥ سبعينية). ونحن نعرف أن الخطايا تُمحَى بمعمودية المسيح، وأن معمودية المسيح لها القدرة على محو الخطايا. وإذَّا كان الأطفال يُولَدون أبرارًا، فلماذا تحملهم أمهاتهم مُسرعات إلى الكنيسة عندما يمرضون؟ فما الذي تمحوه تلك المعمودية الغافرة؟ أرى ذاك البريء يبكي ولا أراه يغضب. فما الذي يمحوه العماد؟ أيّ قيد تحله تلك النعمة؟ تحل قيد الخطية الموروثة. لو كان للطفل أن يتكلم لنطق، ولو كان له معرفة داود لأجاب: لماذا لا ترون فيَّ إلا الطفل؟ لماذا لا ترون في الحقيقة أني لم أرتكب أيّ خطيئة؟ ’إني بالآثام حُبِلَ بي، وبالإثم اغتذيت في بطن أمي‘. ولم يكن رابط الإثم هذا موجودًا في المسيح المولود من العذراء التي حبلت به من الروح القدس. لا يسعنا أن نقول إنه بالإثم حُبِلَ به، ولا يسعنا أن نقول إن أمه غذَّته بالإثم في أحشائها، تلك التي قال لها الملاك: ’الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تُظلِّلك‘ (لو١: ٣٥). فإذَّا كان البشر يُحبَل بهم بالآثام، ويغتذون بالآثام في الحشا الوالدي، فهذا لا يعني أن اتحاد الزوجين خطيئة، بل لأن الذي يحدث إنما هو فعل جسد يحمل عقاب الخطيئة، والحال، فإن عقاب الجسد الموت، والموت مُقِيم فيه على الدوام. ولهذا لا يقول الرسول إن الجسد مائت، بل إنه ميت: ’في الحقيقة، الجسد ميت بسبب الخطيئة، أما الروح فحي بفعل البر‘ (رو٨: ١٠). فكيف بجسدٍ حُبِلَ به بالإثم، والزرع في جسدٍ قضت عليه الخطيئة بالموت، أن يُولَد مُتحررًا من قيود الخطيئة؟ لا إثم في ثمرة الاتحاد الزوجي العفيف. إلا أن أصل الخطيئة يجلب القصاص المستحق. ليس الزوج غير مائت لأنه زوج، وليس مائتًا إلا بسبب الخطيئة. والرب نفسه خضع للموت، لكن ليس بسبب الخطيئة. ارتضى أن يحمل قصاصنا، فحلنا من خطيئتنا. عدل، إذًا، أن يموت الجميع في آدم، وأن يحيا الجميع في المسيح (١كو١٥: ٢٢). يقول ق. بولس: ’دخلت الخطيئة إلى العالم، وبالخطيئة الموت، وهكذا جاز الموت على جميع الناس بواحدٍ، خطئوا كلهم فيه‘ (رو٥: ١٢). إنه حكم بلا استئناف، يقول الرسول: جميعهم خطئوا في آدم. بينما وُلِدَ واحد بلا خطيئة، لأنه لم يُولَد من آدم“.[118]

سبق التعيين المزدوج للخلاص والهلاك

يعتقد أوغسطينوس بأن إرادة الإنسان بعد السقوط مُقيَّدة تمامًا بالشر بسبب وراثة الخطية الأصلية، وبناءً على ذلك، يعتقد بأن الله يُعيِّن ويختار سواء الأشرار أو الأبرار منذ الأزل، وهذا التعليم مرفوض تمامًا من ق. كيرلس الإسكندري وآباء الشرق عمومًا. حيث يقول التالي:

”أليس ما يدعو إلى التصديق أن عدد القديسين المعيَّن لملء المدينة الطوباوية يصل إلى ما هو عليه اليوم، حتى ولو لم يخطئ إنسان فتختار نعمة الله، التي تلقي شبكتها في بحر هذا العالم عددًا ضخمًا من الخطأة المولودين والمنجبين؟“.[119]

يرى أوغسطينوس أن هناك مَن خلقهم الله وسبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك، ولكنه شاء ذلك، ولا يمكن لعقلنا أن يبحث في هذ الأمر لأنه يستحيل علينا استيعابه كالتالي:

لقد خلق الله مَن سبق فعرف أنهم يؤولون إلى الهلاك. حدث ذلك لأنه قد شاءه. أمَّا لماذا شاءه، فليس لعقلنا أن يبحث فيه، لأنه يستحيل علينا أن نستوعبه“.[120]

ويستطرد أوغسطينوس في نفس السياق مؤكدًا على أن هناك آنية هُيئت للكرامة ولكنها ليست بارةً في حد ذاتها، بل هيئت هكذا برحمة الله، وهناك آنية أخرى صُنِعَت للهوان والدينونة كالتالي:

”حيث إنه في آدم الأول وقعت الدينونة على كتلة الجنس البشريّ بأسره، لم تكن تلك الآنية التي هُيئت للكرامة بارةً في حد ذاتها […] بل هُيئت هكذا برحمة الله، أما غيرها فقد صُنِعَ للهوان (رو 9: 21)، ولا يخضع للاستجواب، بل للدينونة“.[121]

ويؤكد أوغسطينوس على ضرورة التعليم والوعظ بالاختيار المسبق للخلاص والهلاك، ويستنكر موقف القائلين بأنه حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب كالتالي:

”إذًا، إذَا فعل الرسل ومَن خلفهم من مُعلِّمي الكنيسة هذين الشيئين – التعامل مع الاختيار الإلهيّ بالوقار، والحفاظ على المؤمنين تحت نظام حياة التقوى والاستقامة – لماذا يظن هؤلاء من أبناء زماننا أنهم، على الرغم من أنهم مُقيَّدون بقوة الحق الذي لا يُقهَر، من الصواب أن يقولوا: ’حتى لو كان ما يُقَال عن الاختيار المسبق حقيقيًا، ينبغي على الرغم من ذلك، ألا يُوعَظ به للشعب؟‘ لا ريب وبكل يقين، ينبغي أن يُوعَظ به حتى ’يسمع مَن له أذنان للسمع‘ (مت 11: 15). ولكن مَن له هاتان الأذنان، إنْ لم يكن قد تقبلهما ممَّن وعد بهما؟ فمِن المؤكَّد أن مَن لا يتقبل يمكنه أن يرفض، بينما مَن يتقبل فله أن يأخذ ويشرب، وله أن يشرب ويحيا. فإذَا وجب أن يُنادَى بالتقوى لكي يُعبَد الله بالحق، […] فهكذا أيضًا ينبغي أن يُوعَظ بالتعيين المسبق […] لكي يتفاخر مَن له أذنان للسمع بنعمة الله، لا بذاته، بل بالله“.[122]

 

 

الخلاصة

نستخلص النقاط التالية من هذا البحث المقارن بين فكر ق. كيرلس الإسكندري كممثِّل عن اللاهوت الشرقيّ اليونانيّ وبين فكر أوغسطينوس أسقف هيبو كممثِّل عن اللاهوت الغربيّ اللاتينيّ حول الخطية الجدية ونتائجها:

يرى ق. كيرلس الإسكندري أن الشر هو فعل إرادي مرتبط بالإرادة، وليس فعل طبيعي موروث بالطبيعة من آدم، كما يشير ق. كيرلس إلى عدمية الشهوة الدنسة، وأنها تحتاج للإرادة البشرية العاقلة المريدة لكي توجد وتُفعَّل. يرفض ق. كيرلس تعليم أوغسطينوس بالإرادة المقيَّدة والمستعبَدة للشر والخطية، بل يؤكد على وجود وممارسة حرية الإرادة حتى بعد السقوط. يرفض ق. كيرلس رفضًا تامًا مفهوم خطية الطبيعة الأوغسطيني، فهو يرى أن الخطية مرض دخيل على الطبيعة البشرية، مرتبط ظهورها بوجود إرادة حرة عاقلة مُريدة. يدحض ق. كيرلس تعليم الفساد الكلي للطبيعة البشرية بعد السقوط، وينادي بالفساد الجزئيّ والتدريجيّ للطبيعة البشرية بعد السقوط.

يرفض ق. كيرلس فكرة وراثة ذنب آدم، ويرى أننا لم نكن مذنبين مع آدم في خطيته، بل إننا صرنا مائتين من المائت، ولسنا خطاةً من الخاطئ. يفسر ق. كيرلس عبارة ”أخطأنا في آدم“ – التي يُدَّعَى باطلاً أنها تدل على اعتقاد وراثة خطية آدم عند ق. كيرلس – بأنها تدل على أننا كنا في آدم كطبيعة بشرية عاجزة عن الثبات وفقدنا الصالحات التي كانت مُعطَى لنا من الله. يشير ق. كيرلس إلى مفهوم الخطية الجدية باعتباره غياب عدم فساد الطبيعة البشرية وتفشي الفساد فيها بعد السقوط، والفساد هنا معناه حالة عدم الثبات والانحراف من حالة لأخرى، وليس الفساد بمعناه الأخلاقيّ أو الأدبيّ. يدحض ق. كيرلس التعليم بالقدرية ووراثة الخطية بالولادة، ويشدد على تعليم حرية الإرادة في الإنسان.

يدحض ق. كيرلس التعليم والمفهوم الأوريجانيّ لوراثة الخطية الأصلية باعتبارها سقوط الأنفس من العالم الطوباويّ السابق على وجودها في الجسد، وانحباسها في الجسد كعقوبة لها عن الخطية التي اقترفتها في عالم الغبطة السابق، وهكذا يرفض الوجود السابق للأرواح قبل ولادتها في أجسادها. يرى ق. كيرلس أننا نحن نرث نتائج عصيان آدم، وليس خطيئة آدم نفسها، كما يدَّعي أوغسطينوس وأتباعه. يرى ق. كيرلس أن الخطية الجدية هي فقدان العلاقة بالروح القدس، الذي كان متحدًا بالإنسان في بداية خلقه بنفحة الحياة التي نفخها فيه الله. وهكذا صارت الطبيعة البشرية فاقدة ومجرَّدة من الروح القدس الذي فارقها تدريجيًا بعد السقوط.

يشدد ق. كيرلس على أن الخطية فعل إرادي وليست فعل موروث، ويرى اجتياز الموت إلى الجنس البشري وليس الخطية الأصلية. يذكر ق. كيرلس عدم وراثة الخطية الأصلية في يوحنا المعمدان، الذي كان ممتلئًا من الروح القدس من بطن أمه. يفسر ق. كيرلس آية ”واجتاز الموت لجميع الناس“ (رو 5: 12) تفسيرًا مختلفًا تمامًا عن تفسير أوغسطينوس، الذي قرأ هذا النص في ترجمة لاتينية خاطئة، واستنتج منه أن الخطية موروثة من آدم لبنيه الذين أخطئوا فيه كشركاء له في ذنبه وخطيئته بتعدي الوصية. حيث يرى ق. كيرلس انتقال الفساد والموت للطبيعة البشرية، أي انتقال نتائج عصيانه إلى طبيعته البشرية ونسله من بعده. يفسر ق. كيرلس أن ناموس الخطية المتوحش هو كامن في أعضائنا الجسدية بعد السقوط، ولكنه ناموس إرادي خاضع لحرية إرادتنا وليس ناموسًا إجباريًا أو إلزميًا موروثًا يجبر الإنسان على ممارسة الشر والخطية رغمًا عنه، كما يدَّعي البعض عن سوء فهم وتشوش في الفكر. يسمِّي ق. كيرلس ناموس الخطية بـ ”ناموس الشهوة الطبيعي“ كمرادف لناموس الخطية الساكن في أعضائنا الجسدية، لارتباط ممارسة الخطية بالشهوة والشهوة بممارسة الخطية.

يشير ق. كيرلس إلى أن ناموس الخطية هذا ناتج عن لعنة الموت، فبسبب تغرب واغتراب وانفصال الإنسان عن الله سيطر عليه ناموس الخطية، وهكذا ناموس الخطية غير موروث من آدم بالتناسل والتزاوج كما يدَّعي البعض عن جهل ودون وعي. يُعرِّف ق. كيرلس الخطية الجدية بأنها تغرُّب واغتراب وابتعاد عن وجه الله. يرى ق. كيرلس أن الطبيعة البشرية أصابها مرض الميل للخطية بعد السقوط، وليس أن الخطية صارت جزءًا لا يتجزأ من تكوين الطبيعة البشرية كما قال بذلك الغنوسيون والمانويون وأوغسطينوس وأتباعه . يشير ق. كيرلس إلى إدانة الطبيعة البشرية بحكم الموت في آدم وسقوطها في الانحلال، فنحن نرث حكم الموت في آدم. يُعلِّم ق. كيرلس بأن النفس الإنسانية هي نفس مخلوقة خلقًا مباشرًا من الله الذي يغرسها في الجسد بكيفية يعلمها هو وحده، وأنها غير حاملة للخطية الأصلية من آدم بالتناسل. يشدد ق. كيرلس مثله مثل جميع آباء الشرق على براءة الأطفال من أي خطية سواء خطية أصلية أو خطية فعلية.

يفسر ق. كيرلس آية ”هأنذا بالإثم حُبل بي …“ (مز 51: 5) تفسيرًا بعيد كل البعد عن التفسير الأوغسطيني المعت باعتبارها دليل كتابيّ على وراثة الخطية الأصلية. ويشرح ق. كيرلس سبب الميلاد البتولي للمسيح من العذراء بأنه من أجل تقديس طبيعتنا بالروح القدس، ولم يأت على ذكر منع الروح القدس لانتقال الخطية الأصلية من العذراء القديسة إلى المسيح، كما يدَّعي البعض متبعين في ذلك تعليم أوغسطينوس وأتباعه.

نأتي إلى مفهوم الخطية الأصلية عند أوغسطينوس أسقف هيبو، الذي يؤمن أننا نرث وزر عقاب خطية آدم، ونرث أيضًا عبء دَّين الخطية الأصلية. ويعلِّم أوغسطينوس تعليم غريب عن القدرية والجبرية والحتمية الإلهية لجميع أفعال المخلوقات. كما يرى أوغسطينوس أن الإرادة البشرية مُقيَّدة ومُستعبَدة تمامًا للشر والهلاك بعد السقوط، بحيث أنه حتى عندما يريد الإنسان أن يصنع خيرًا تغليه خطيته الكامنة والساكنة في أعضائه رغمًا عنه، فيرى نفسه يفعل الشر حتى لو أراد فعل الخير. ويشير أوغسطينوس إلى أن نحن كبشر مجبولون بالشر بسبب خطيئة آدم الموروثة. ويناقش أوغسطينوس استخدام الله للشيطان كأداة عقابية للبشر. ويرى أوغسطينوس أن الشهوة الجنسية شرّ، وأنها تلد أولادًا حاملين لخطية آدم في الزواج. يشدد أوغسطينوس في أكثر من موضع بالخلاف مع آباء الشرق على هلاك الأطفال غير المعمَّدين، لأنهم دنسين وحاملين لخطية آدم الموروثة.

ويشير أوغسطينوس في هذا الإطار إلى وراثة الأطفال لذنب خطيئة آدم، ويلجأ إلى التعليم عن النفس المولودة بالتناسل من آدم وحواء لنسلهما من بعدهما. وهكذا يتهم أوغسطينوس الرافضين لتعليم النفس المولودة بالهرطقة البيلاجية، لأنه يرى أن التعليم عن وراثة الخطية الأصلية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتعليم عن النفس المولودة الحاملة لخطية آدم الموروثة من جيل إلى جيل. ويشير إلى مفهوم ”خطية الطبيعة“ غير الأرثوذكسيّ، حيث يصف الطبيعة البشرية بأنها صارت مذنبةً ومحرمةً وخاطئةً في شخص آدم بعد السقوط. ويشدد أوغسطينوس على الفساد الكليّ والتام للطبيعة البشرية بعد السقوط في شخص آدم. ويستعين أوغسطينوس بالنظرية الرواقية عن العلل البذرية الروحية والجسدية المادية لدعم وراثة الخطية الأصلية جسديًا من خلالها. وينادي أوغسطينوس بالشرور الموروثة من آدم وكأن الشر صار له كيان أو جوهر يُورَّث من جيل إلى جيل، بل ويستخدم الله الشر من أجل معاقبة الإنسان. فعلى الرغم من أنه يقول بعدمية الشر في إطاره تعليمه الكسمولوچي تفاديًا للاتهام بالهرطقة الغنوسية والمانوية، إلا أنه أنزلق فيهما أثناء تعليمه الأنثروبولوجي عن وراثة الخطية الأصلية نفسًا وجسدًا. يعطي أوغسطينوس تفسيرًا مخالفًا لآية ”هأنذا بالإثم حُبِلَ بي …“ (مز 51: 5) يدعم به تعليمه عن وراثة الخطية الأصلية وانتقالها من آدم وحواء لأولادهما عن طريق التزواج والتناسل. ويستنكر أوغسطينوس موقف الرافضين للتعليم والوعظ بسبق الاختيار أو التعيين المزدوج للخلاص والهلاك من قِبل الله للبشر، ويشدد على ضرورة الوعظ والتعليم به في الكنيسة.

 

 

[1] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 1، ص 59.

[2] المرجع السابق، ص 59، 60.

[3] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 383.

[4] المرجع السابق، ص 104.

[5] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الخامس، ص 229.

[6] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص ١١٣- ١١٥.

[7] كيرلس الإسكندري (قديس)، الكنوز في الثالوث، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2011)، المقالة 7: 27، ص 94.

[8] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الأول، ص 15، 16.

[9] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 68، 69.

[10] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح سفر هوشع، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، المقالة 2، ص 67، 76.

[11] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج 1، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرين، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، ص 699.

[12] المرجع السابق، ص 664، 665.

[13] المرجع السابق، ص 663.

[14] المرجع السابق، ص 530.

[15] المرجع السابق، ص 531.

[16] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 238، 239.

[17] كيرلس الإسكندري (قديس)، الرسائل الفصحية الخمسة الأولى، ترجمة: د. ميشيل بديع عبد الملك، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2021)، الرسالة 5: 4، ص 125، 126.

[18] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 45، ص 211.

[19] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ١: ٩، ص١١٦.

[20] المرجع السابق، ص ١٢١.

[21] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 142، ص 691، 692.

[22] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 119.

[23] المرجع السابق، ص 120، 121.

[24] كيرلس الإسكندري (قديس)، حوار حول الثالوث، ترجمة: د. چوزيف موريس فلتس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، الحوار الرابع، ص 195.

[25] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 528، 529.

[26] المرجع السابق، ص ٦٥٥.

[27] كيرلس الإسكندري (قديس)، الجلافيرا على سفر التكوين، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2018)، المقالة الأولى، ص 113- 115.

[28] كيرلس الإسكندري (قديس)، السجود والعبادة بالروح والحق، ترجمة: د. چورچ عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2017)، المقالة 2، ص 112، 113.

([29]) كيرلس الإسكندري (قديس)، ضد الذين يتصورون أن الله له هيئة بشرية، ترجمة: د. جورج عوض، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2013)، الفصل 8، ص.67، 68.

[30] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح إنجيل يوحنا مج١، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، ٢٠١٥)، ص 164.

[31] Cyril of Alexandria, Commentaries on Romans, 1-2 Corinthians, and Hebrews, ed. Joel C. El owsky et al., trans. David R. Maxwell, Ancient Christian Texts (Downers Grove, IL: IVP Academic: An Imprint of InterVarsity Press, 2022), p. 4–5.

[32] Ibid.

[33] Cyril of Alexandria, Select Letters (The Answers to Tiberius, Doctrinal Questions), Edit. & Trans. by Lionel R. Wickham, (Oxford: Clarendon Press, 1983), p. 201, 203.

[34] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. موريس تاوضروس و د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، رسالة 45: 9، ص 185، 186.

[35] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 2، ص 39.

[36] المرجع السابق، العظة 6، ص 57.

[37] المرجع السابق، العظة 34، ص 149، 150.

[38] المرجع السابق، العظة 78، ص 376، 377.

[39] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 76، 77.

[40] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 36، ص 158-160.

[41] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 222، 223.

[42] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 42، ص 196.

[43] المرجع السابق، العظة 118، ص 565.

[44] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسالتان عن الإيمان القويم إلى الملكات، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2019)، الرسالة الثانية، ص 229، 230.

[45] كيرلس الإسكندري (قديس)، شرح تجسد الابن الوحيد، ترجمة: د. جورج حبيب بباوي، (القاهرة: جذور للنشر، ٢٠١٥)، الفصل ٢٨، ص ٦٨.

[46] كيرلس الإسكندري (قديس)، رسائل القديس كيرلس الإسكندري، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد ود. موريس تاوضروس، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2020)، الرسالة رقم (1) إلى الرهبان: 20، ص 9.

[47] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل يوحنا ج2، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد وآخرون، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2015)، تعليق على (يو11: 26)، ص 46.

[48] A. Ehrhard, Der PapyrusCodex Saec. VI- VII Der Philipusbibliothek in Cheltenham Koptische theologische Schriften, Herausgegeben und ubersetzt von W. E. Crum, (StraBbrugh: Karl J. Trubner, 1915), pp. 43-48.

[49] كيرلس الإسكندري (قديس)، تفسير إنجيل لوقا، ترجمة: د. نصحي عبد الشهيد، (القاهرة: المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية، 2016)، العظة 54، ص 264.

[50] المرجع السابق، ص 265.

[51] المرجع السابق، العظة 121، ص 582.

[52] المرجع السابق، ص 583، 584.

[53] Cyrillus Alexandrinus, Expositio in Psalmos PG 69, 1089-1092.

[54] كيرلس الإسكندري (قديس)، المسيح الواحد، ترجمة: د. چورچ عوض إبراهيم، (القاهرة، 2017)، ص 75، 76.

[55] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 122، ص 551.

[56] المرجع السابق، العظة في مز 103: 6، ص 98، 99.

[57] أوغسطينوس، مدينة الله مج1، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: ١٠، ص 237.

[58] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 3: 7، ص 218.

[59] المرجع السابق، 3: 4: 9، ص 220.

[60] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 36، ص 50.

[61] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 13، ص 226.

[62] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 49، ص 68.

[63] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2022)، 3: 8: 14، ص 226.

[64] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1997)، الفصل 25، ص 38.

[65] المرجع السابق، الفصل 28، ص 41.

[66] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز118: 1، ص 328.

[67] On the Spirit and the Letter xxx. 52 (MPL 44. 234).

[68] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج2، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، العظة في مز 45: 13، ص 234.

[69] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج3، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2015)، العظة الأولى في مز 70: 2، ص 284.

[70] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 3: 10: 21، ص 233.

[71] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 27، ص 40.

[72] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 12: 5: 5، ص 484.

[73] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[74] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547، 548.

[75] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 14: 18، ص 195، 196.

[76] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 9، ص 17، 18.

[77] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في مز 118، ص 448.

[78] أوغسطينوس، الرسائل المتبادلة بين هيرونيموس وأوغسطينوس، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2011)، رسالة 166: 6، ص116.

[79] أوغسطينوس، العظات على سفر المزامير ج5، ترجمة: سعد الله سميح جحا، (لبنان: دار المشرق، 2018)، العظة في 118: 5، ص 453.

[80] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، خطاب 131 من أوغسطينوس إلى چيروم، 3: 6، ص 323.

[81] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 16: 27، ص 329، 330.

[82] چيروم (قديس)، خطابات ق. چيروم ج5، ترجمة: القمص يوحنا عطا، (القاهرة: مدرسة الإسكندرية للدراسات المسيحية، 2023)، الخطاب من أوغسطينوس إلى أوبتاتوس 144: 5، ص 430.

[83] المرجع السابق، 144: 7، ص 432.

[84] المرجع السابق، خطاب 144: 9، 10، ص 434-436.

[85] أوغسطينوس، الطبيعة البشرية وعمل النعمة، ترجمة: الأنبا إيساك، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج،1997)، الفصل 2، ص 9.

[86] المرجع السابق، الفصل 3، ص 11، 12.

[87] المرجع السابق، الفصل 34، ص 48.

[88] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[89] المرجع السابق، ص 56.

[90] المرجع السابق، ص 60.

[91] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[92] المرجع السابق، ص 236.

[93] أوغسطينوس، مدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 14، ص 126.

[94] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 3: 5، ص 250. ومدينة الله مج2 (الكتب 11- 17)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، 13: 23، ص143، 144.

[95] أوغسطينوس، الثالوث، ترجمة: د. أنطون جرجس، مراجعة: الأنبا أنجيلوس الأسقف العام، (القاهرة، 2021)، 4: 13: 18، ص 271.

[96] المرجع السابق، 4: 18: 24، ص 279.

[97] المرجع السابق، 12: 11: 16، ص 495.

[98] المرجع السابق، 12: 12: 17، ص 496.

[99] المرجع السابق، 13: 12: 16، ص 532.

[100] المرجع السابق، ص 533.

[101] المرجع السابق، 13: 16: 21، ص 543، 544.

[102] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[103] المرجع السابق، 13: 18: 23، ص 547.

[104] المرجع السابق، ص 548.

[105] أوغسطينوس، النعمة والإرادة الحرة، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، (الإسكندرية: كنيسة مار جرجس سبورتنج، 1969)، ص54.

[106] المرجع السابق، ص 56.

[107] المرجع السابق، ص 60.

[108] المرجع السابق، ص 69.

[109] المرجع السابق، ص 70.

[110] المرجع السابق، ص 71.

[111] المرجع السابق، ص 73.

[112] Augustine, On Grace and Free Choice & others, Edit. & Trans. by Peter King, (Cambridge University Press, New York: 2010), 23: 45, P. 183.

[113] Ibid, P.184.

[114] أوغسطينوس، مدينة الله مج1 (الكتب 1- 10)، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2014)، 5: 9، ص 235.

[115] المرجع السابق، ص 236.

[116] المرجع السابق، 9: 5، ص 427.

[117] المرجع السابق، ص32-33.

[118] أوغسطينوس، عظات على المزامير ج2، ترجمة: سعد الله جحا، (لبنان: دار المشرق، 2014)، عظة في المزمور 50: 10، ص 362، 363.

[119] أوغسطينوس، مدينة الله مج2، ترجمة: الخورأسقف يوحنا الحلو، (لبنان: دار المشرق، 2015)، ١٤: ٢٣، ص 201.

[120] Letter clxxxvi. 7. 23 (PL 33. 824).

[121] Letter clxxxvi. 7. 22; 6. 18 (PL 33. 823).

[122] On the Gift of Perseverance xiv. 37; xiv. 38; xiv. 40 (PL 45. 1016-1018).

 

الخطية الجدية بين ق. كيرلس الإسكندري وأوغسطينوس – د. أنطون جرجس عبد المسيح

من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس

من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس

من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس

 

لا نقول ان الله قد تحول إلى انسان بل ظل اللاهوت لاهوت والناسوت ناسوت. بل اتحاد بغير امتزاج ولا تغيير ولا تحول. فالموت يقع على الجسد المادي زي مبنقطع ايدك روحك مش بتتالم جسدك بيتألم فالله وحده له عدم الموت.

امثلة لتوضيح اتحاد اللاهوت والناسوت

الوردة تكون فيها ريحها وخارجها ريحة هل الريحة يحصرها الوردة ولا الريحة فواحة وغير ملموسة فخرجت عن إطار المادة والمرقة فلما نشمها هل انفصلت على الوردة ولا ما زالت في الوردة وتنتشر في الغرفة كلها؟

الهواء داخل الرئتين في جسم الانسان هل وجوده جوه الرئتين يمنع وجوده بره الرئتين؟ الهواء داخل كل خلية في جسمنا هل وجود الهواء داخل الخلايا يمنع وجود الهواء خارج جسمنا؟

الانترنت منتشر في كل مكان ولكن يمكن تصفحه في الموبايل هل عندما تتصفح الانترنت في الموبايل هل يعني هذا ان الانترنت محدود في جهازك واخذت جميع الارسال المنتشر ام يظل الانترنت منتشر على الرغم من كونه في جهازك.

اللمبة يخرج منها نور هل النور محدود داخل اللمبة لأنها مغلقة بالزجاج امام اعيننا ولا النور خارج اللمبة ومنتشر على الرغم انه داخلها؟

في كتاب تجسد الكلمة الفصل 17 يقول القديس أثناسيوس:

كيف أن التجسد لم يحدّ من وجود الكلمة في كل مكان ولم ينقص من نقاوته. (تشبيه الشمس).

1 لأنه لم يكن محصورًا[1] في الجسد كما قد يتوهم البعض أو أنه بسبب وجوده في الجسد كان كل مكان آخر خاليًا منه، أو أنه بينما كان يحرّك الجسد كان العالم محرومًا من أفعال قدراته وعنايته. غير أن الأمر العجيب والمدهش جدًا هو أنه مع كونه هو الكلمة الذي لا يحويه شيء فإنه هو نفسه يحوي كل الأشياء[2]. وبينما هو موجود في كل الخليقة فإنه بحسب جوهره هو متميز عن كل الخليقة. فهو حاضر في كل الأشياء بقدرته فقط (وليس بجوهره)، ضابطًا كل الأشياء ومظهرًا سيادته على كل شيء، وعنايته بكل شيء، وواهبًا الحياة لكل شيء. ومع أنه يحوي كل الأشياء ولا يحتويه شيء، إلاّ أنه كائن كلية في أبيه وحده[3].

2 وهكذا حتى مع وجوده في جسد بشري معطيًا الحياة له فقد كان من الطبيعي أن يمنح الحياة للكون كله في نفس الوقت. ومع كونه حاضرًا في كل جزء (من الخليقة بقدرته) فهو خارج كل شئ (بجوهره). وبينما صار معروفًا بأعماله التي عملها في الجسد فإنه كان في نفس الوقت ظاهرًا أيضًا بواسطة أعماله في الكون كله.

3 إن عمل النفس أن تدرك الأشياء الخارجة عن جسدها بأفكارها[4] ولكنها لا تستطيع أن تعمل خارج نطاق جسدها أو أن تحرك الأشياء البعيدة عن الجسد. ولن يستطيع أي إنسان أن يحرك الأشياء البعيدة أو ينقلها بمجرد التفكير فيها. وأيضًا فأى إنسان لا يستطيع وهو جالس في بيته، بمجرد التفكير في الأجرام السماوية، أن يحرك الشمس أو يجعل السماء تدور، لكنه يرى أنها تتحرك وأنها قد وجدت[5]، دون أن يكون له أى قدرة للتأثير عليها.

4 أما كلمة الله فلم يكن كذلك في جسده (البشري)[6]، إذ لم يكن مقيدًا بسبب الجسد، بل بالحرى كان يستخدم جسده، ولذلك فهو لم يوجد في الجسد فقط بل كان موجودًا بالفعل في كل شيء. وبينما كان خارج الكائنات فقد كان في أبيه وحده مستقرًا[7].

5 وهذا هو الأمر العجيب، أنه بينما كان يتصرف كإنسان كان ككلمة الله يُحيي كل الأشياء وكابن كان كائنًا مع أبيه. ولذلك عندما ولَدَته العذراء لم يعتريه أي تغير (من جهة طبيعته الإلهية)[8]، ولا تدّنس بحلوله في الجسد، بل بالعكس فهو قد قدّس الجسد أيضًا.

6 ورغم وجوده في كل الأشياء إلا أنه لم يستمد منها شيئًا، بل العكس فإن كل الأشياء تستمد منه الحياة وتعتمد عليه في بقائها[9].

7 لأنه أن كانت الشمس التي خلقها هو والتي نراها وهى تدور في السماء لا تتدنس عندما تلمس أشعتها الأجسام الأرضية، ولا تفقد نورها بسبب ظلمة هذه الأجسام، لكنها بالعكس تنيرها وتطهرها أيضًا؛ فبالأولى جدًا كلمة الله كليّ القداسة، خالق الشمس وربها[10]، لا يتدنس بمجيئه في الجسد، بل بالعكس، فلكونه عديم الفساد، فقد أحيا الجسد المائت وطهّره[11]، فهو الذى كُتب عنه ” الذي لم يفعل خطية و لا وُجدَ في فمه مكر”[12].

——————————————————————————–

1محصورًا perikekleismšnoj لقد استخدم القديس أثناسيوس مصطلحات متنوعة لوصف علاقة الكلمة بالجسد. وأكثر هذه المصطلحات شيوعًا هى: جعله “جسدًا” خاصًا …diopoie‹sqai، لبس labe‹n، اتخذ ™nduesqai انظر على سبيل المثال فصول 8/4، 10/1، 14/8، 31/4، 43/4

2 هذا التعبير من التعبيرات الشائعة عند القديس أثناسيوس. انظر فصل 42، وأيضًا ضد الوثنيين فصل42،41، الدفاع عن مجمع نيقية. فصل 11.

3 انظر المقالة الثالثة ضد الأريوسيين. فقرة 1.

4 والإنسان فقط هو الذي يستطيع أن يفعل هذا. انظر ضد الوثنيين. فصل 31/1.

5 انظر ضد الوثنيين. فصل 35.

6 الكلمة يختلف عن النفس البشرية. انظر ضد الوثنيين. فصل 33.

7 انظر ضد الوثنيين 42/4.

8 انظر فصل 54/3.

9 انظر فصل 43/6.

10 انظر المقالة الأولى ضد الأريوسيين. فقرة 27.

11 انظر الفصول من42ـ45.

12 1بط 22:2، انظر إشعياء9:53 وردت هذه الآية أيضًا في الفصل 34 ضمن الشاهد المستخدم هناك من إشعياء النبى كتنبؤات عن آلام المسيح وموته. وهنا جاءت في الآية كلمة “خطية” وفي الفصل 34 جاءت كلمة “شر”، وهذا يوضح أن تعبير” الذي لم يفعل خطية” يتمشى مع تعبير أن الكلمة” لا يتدنس بمجيئه في الجسد “.

من كان يُدير الكون عندما صُلب المسيح؟ سؤال الأطفال – الأخ إغريغوريوس

ان كان المسيح الها فالشيطان ايضا دعي اله هذا الدهر

ان كان المسيح الها فالشيطان ايضا دعي اله هذا الدهر

 

ان كان المسيح الها فالشيطان ايضا دعي اله هذا الدهر

 

يدعو بولس الشيطان إله هذا الدهر، ليس لوضع الشيطان على مستوى الله، ولكن لإظهار أن الشيطان هو حاكم هذا العالم.[1] 

في القرون القليلة الأولى من العصر المسيحي، نشرت الغنوصية مذهبها القائل بأن الشيطان هو إله هذا الدهر.

 ليس الله الحقيقي، بل إله شرير هو الذي خلق هذا العالم ويسيطر عليه الآن. معارضة لهذا التعليم، أراد العديد من اللاهوتيين حرمان الشيطان من لقب الإله ونسبه إلى الله فقط. وهكذا اقترحوا الترجمة: “لأولئك غير المؤمنين في هذا الدهر الذين أعمى الله عقولهم.”[2] لكن ترتيب الكلمات اليوناني لن يدعم هذه الترجمة. الله لا يريد موت أحد، بل يريد أن يتوب الجميع ويحيوا (حزقيال ١٨: ٢٣، ٣٢؛ ٢ بطرس ٣: ٩). الشيطان هو عدو الله وشعبه. وعلى هذه الأرض، يمارس السلطان المعطى له (لوقا 4: 6).

  فقد استخدم ماركيون هذا النص ليدلل على وجود إلهين في العالم، واحد صالح والآخر شرير، وهذه واحدة من اهم عقائد الغنوصيين،[3] لذا فإن كثير من آباء الكنيسة قد رفضوا تفسير هذا النص على أنه يعود على الشيطان، بل على الله ذاته الذي أعمى أذهان غير المؤمنين الرافضين له، أي أنه اسلمهم لذهن مرفوض، أو كما قسى الله قلب فرعون في القديم. (انظر ذهبي الفم:

 PG 61 col. 455: οὕτως ἀναγνωστέον, ὅτι τῶν ἀπίστων τοῦ αἰῶνος τούτου ἐτύφλωσεν ὁ θεὸς τὰ νοήματα،

والذي ترجمته: “يجب أن تُقرأ هكذا؛ “لقد أعمى الله أذهان غير المؤمنين في هذا العالم”. وليس ذهبي الفم وترتليان فحسب بل غالبية الآباء الأولين.[4]

لكن هذا التفسير مرفوض تمامًا، لإنه يحل مشكلة واحدة ويخلق مشاكل أُخرى، كما أنه متأثر بالرد على الهرطقة الغنوصية فقط! وأخيرًا فإن الله ليس إله هذا الدهر فقط، بل هو إله كل الدهور![5]

لم يتحدث معلمون يهود آخرون صراحة عن الشيطان باعتباره “إله هذا الدهر”، لكن معظمهم أدركوا أن الأمم (الجميع ما عدا أنفسهم) كانت تحكمها قوى روحية تحت قيادة الشيطان[6]. وحتى في المصادر الرابينية[7] نجد أن المعلمين اليهود يدعون الشيطان أحيانًا بالإله الغريب، أو الإله الآخر.[8] كما يوضح بعض الرابيين أن الإله الأول هو الإله الحق، أم الإله الثاني فهو الشيطان Samael.[9]

وليست هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الكتاب المقدس عن شيء بتعبير “إله”، فالإنسان يصنع إلهه الخاص الذي يعبده ويتبعه ويعطيه السلطان على حياته ومصيره، كما جاء في فيلبي: “الَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ الْهَلاَكُ، الَّذِينَ إِلهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، الَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي الأَرْضِيَّاتِ.” (في 3: 19).[10] ومكتوب أيضًا: “لأَنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ مَا يُسَمَّى آلِهَةً، سِوَاءٌ كَانَ فِي السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يُوجَدُ آلِهَةٌ كَثِيرُونَ وَأَرْبَابٌ كَثِيرُونَ.” (1 كو 8: 5).

كما أن الشيطان قادر على أن يتحول إلى ملاك نور (11: 14) ليخدع الناس. ومن خلال المعجزات والآيات والعجائب المزيفة، يستخدم مكائده الشريرة لخداع الهالكين (2 تسالونيكي 2: 9). إنه يجول كأسد زائر باحثًا عن فريسة ليأكلها (1 بط 5: 8). وكروح (إله) الدهر، لديه القدرة على أن يعمي أذهان غير المؤمنين.

والتناقض هُنا مذهل: فالوعاظ يطردون ظلمة العالم بإنجيل المسيح المنير؛ يضرب الشيطان غير المؤمنين بالعمى، حتى لا تتمكن عقولهم من رؤية نور الإنجيل. فالحجاب يغطي أذهانهم، مثلما رفض شعب إسرائيل رؤية وجه موسى يشع بمجد الله، وكما لم يتمكن اليهود من فهم رسالة الكتاب المقدس (3: 13-15).

وعلى العكس من ذلك، يرسل المسيحيون نور إنجيل المسيح ويعكسون مجده. ليس للشيطان سلطان على المؤمنين الثابتين في إيمانهم، على الرغم من أنه يحاول خداعهم – إذا كان ذلك ممكنًا (متى 24: 24؛ مرقس 13: 22). لا يرى المؤمنون مجد المسيح من خلال إنارة الإنجيل فحسب، بل يعكسون مجده أيضًا في حياتهم اليومية.[11]

يضع بولس ثلاثة مضافين بعد إنارة الاسم، وهي “الإنجيل”، “المجد”، “المسيح”. يشرح كل مضاف ويؤكد الاسم الذي يسبقه. ومن ثم، لدينا هذا التسلسل: الإضاءة التي يصدرها الإنجيل مستمدة من المجد الذي للمسيح.[12]

وخاتمة هذه الآية هي بيان حقيقة: “”المسيح… هو صورة الله”” (1كو 11: 7؛ كولوسي 1: 15؛ قارن رومية 8: 29؛ 2كو 3: 18؛ فيلبي 1: 15؛ 2: 6؛ عب 1: 3). إن مفهوم صورة الله يوجه انتباهنا إلى الله الذي خلق الإنسان على صورته ومثاله (تكوين 1: 26-27). وهنا علاقة الأب والطفل التي تنطوي على تشابه أحدهما مع الآخر. في حين أن آدم هو حامل صورة الله فقط عن طريق القياس، فإن المسيح هو “التمثيل الدقيق لوجوده” (عبرانيين 1: 3).

علاوة على ذلك، فإن ابن الله يعكس مجد الله ببراعة وبالتالي في جوهره يمتد مجد الآب.[13] من خلال يسوع المسيح، أصبح مجد الآب مرئيًا لعالم البشرية (يوحنا 1: 14ب؛ 14: 9). وهذا بالضبط ما يوضحه بولس في السياق التالي: “لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ:«أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ»، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (الآية 6).

هل قام بولس بتأليف العبارة صورة الله؟ يرى العديد من اللاهوتيين أن هذا السطر كان جزءًا من صيغة اعترافية أو ترنيمة كانت مستخدمة عندما كتب بولس رسائله.[14] وهذا يثير سؤالًا مثيرًا للاهتمام حول ما إذا كان من الممكن أن يكون بولس هو مؤلف هذه الصيغة أو الترنيمة.[15] يبقى أن نرى ما إذا كانت الأدلة كافية لإثبات أن بولس ليس هو المؤلف. والبحث في هذه النقطة يتجاوز نطاق هذا التعليق.[16]

 

 

[1] يؤكد رودولف بولتمان أن بولس يستعير هنا بعض المصطلحات الغنوصية للرد عليها، دون الإشارة إلى أن هذه الهرطقة كانت منتشرة في كنيسة كورنثوس.

See Theology of the New Testament, 2 vols., trans. K. Grobel (London: SCM, 1952–55), vol. 1, pp. 170–72.

[2] Consult the survey by Norbert Brox, “‘Non huius aevi deus’ (Zu Tertullian, adv. Marc. V 11, 10),” ZNTW 59 (1968): 259–61.

[3] Tertullian, Adv. Marc. V xi; PL 2 col. 499 (cited by MacRae, ‘Anti-Dualist Polemic’, p. 420)

[4] Irenaeus (Haer. iv. 48), Origen, Tertullian (contra Marc. iv. 11), Chrysostom, Augustine (c. advers. leg. ii. 7. 8), Oecumenius, Theodoret, Theophylact.

[5] “وَمَلِكُ الدُّهُورِ الَّذِي لاَ يَفْنَى وَلاَ يُرَى، الإِلهُ الْحَكِيمُ وَحْدَهُ، لَهُ الْكَرَامَةُ وَالْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.” (1 تي 1: 17).

Margaret E. Thrall, A Critical and Exegetical Commentary on the Second Epistle of the Corinthians (London;  New York: T&T Clark International, 2004). 307.

[6] Craig S. Keener and InterVarsity Press, The IVP Bible Background Commentary: New Testament (Downers Grove, Ill.: InterVarsity Press, 1993). 2 Co 4:3.

[7] Heinrich August Wilhelm Meyer, ed. William P. Dickson, trans. D. Douglas Bannerman, David Hunter and William P. Dickson, Critical and Exegetical Commentary on the New Testament (Edinburgh: T&T Clark, 1879). 228.

[8] Jalkut Rubeni, f. 10. 4, ad Gen. 1:27. Comp. the passages in Eisenmenger, Entdecht. Judenth. I. p. 827.

[9] Alfred Plummer, A Critical and Exegetical Commentary on the Second Epistle of St. Paul to the Corinthians. (New York: Scribner, 1915). 115.

[10] Robert Jamieson, A. R. Fausset, A. R. Fausset, David Brown and David Brown, A Commentary, Critical and Explanatory, on the Old and New Testaments (Oak Harbor, WA: Logos Research Systems, Inc., 1997). 2 Co 4:4.

[11] Derk W. Oostendorp, Another Jesus: A Gospel of Jewish-Christian Superiority in II Corinthians (Kampen: Kok, 1967), p. 48.

[12] Compare J. H. Moulton and Nigel A. Turner, A Grammar of New Testament Greek (Edinburgh: Clark, 1963), vol. 3, Syntax, p. 218.

[13] Refer to Herman Bavinck, Gereformeerde Dogmatiek, 4 vols. (Kampen: Kok, 1928), vol. 2, p. 241.

[14] See, among others, Jacob Jervell, Imago Dei: Gen 1, 26f im Spätjudentum und in den paulinischen Briefen, FRLANT 76 (Göttingen: Vandenhoeck und Ruprecht, 1960), pp. 198, 209, 214.

[15] Kim, Origin of Paul’s Gospel, pp. 143–45.

[16] Simon J. Kistemaker and William Hendriksen, New Testament Commentary: Exposition of the Second Epistle to the Corinthians, New Testament Commentary (Grand Rapids: Baker Book House, 1953-2001). 141.

 

 

ان كان المسيح الها فالشيطان ايضا دعي اله هذا الدهر

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

 

المسيح باكورة الراقدين

 

رجاء الحياة الأبدية:

   ” إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس” (19:15). ماذا تقول يا بولس؟ كيف يكون لنا رجاء في هذه الحياة فقط، إن كانت الأجساد لا تقوم، بينما  تبقى النفس خالدة؟ فإذا بقيت النفس خالدة بدون الجسد، فهي لن تتمتع بتلك الخيرات المدخرة لنا، وبالطبع لن يعذب الإنسان؟ ثم يقول “لأنه لابد أننا جميعًا نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيرًا كان أم شرًا”[1]. ومن أجل هذا يقول “إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس. لأنه إن لم يقم الجسد فلن تحصل النفس على الأكاليل، وستبقى خارج دائرة التطويب والغبطة السماوية، ولن تتمتع بأي شيء هناك، وحينئذٍ تقتصر المكافآت على هذه الحياة الحاضرة فقط. فهل هناك ما هو أشقى من هذا.   

    يتكلم بهذه الأمور، لكي يؤكد على عقيدة قيامة الأموات، ويقنع أهل كورنثوس بالحياة الأبدية، حتى لا يتصوروا أن الحياة الإنسانية، تنتهي بإنتهاء هذه الحياة الحاضرة. وهكذا أراد أن يشرح لهم أنه إذا كان أحد يريد أن يتعلم العقائد الأساسية المستقيمة، فعليه أن يؤمن بها أولاً، ويتحرر من الدافع الأخلاقي الناتج عن الخوف.

    وهو بهذا العرض السابق، قد وضعهم في حالة صراع، لأنه إن كان بعد كل هذا الجهاد، والميتات الكثيرة، والكوارث العديدة، سنسقط ونفقد جميع هذه الخيرات الأبدية، وننال مكافآتنا في هذه الحياة الحاضرة، فما الفائدة، لأننا هكذا سنكون “أشقى جميع الناس”.

 

باكورة الراقدين:

   ” لكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين” (20:15)، وبعدما أظهر كم الشرور الذي ينشأ جرّاء عدم الإيمان بالقيامة، يكرر مرة أخرى الحديث ذاته، ويقول “الآن قد قام المسيح من الأموات”. وهو على الدوام يضيف عبارة “من الأموات”، وذلك لكي يسد أفواه الهراطقة. “وصار باكورة الراقدين”، وطالما هو باكورة الراقدين، فينبغي أن يقوم الراقدين أيضًا. أما من حيث أنهم دعوا التحرر من الخطية، قيامة، فهناك رد على ذلك، إذ لا يوجد أحد خارج نطاق الخطية، لأن ق. بولس يقول: “لست أحكم في نفسي أيضًا.. لكنني لست بذلك مبررًا”[2]. أرأيت أن مجمل كلامه يشير إلى قيامه الأجساد؟ ولكي يجعل كلامه موضع تصديق، فإنه يشير دائمًا إلى قيامة المسيح بالجسد. ثم بعد ذلك يتحدث عن إثبات صحتها، لأنك إذا كنت تعلّم عن حقيقة ما ولا تبرهن على صحتها، فهذا التعليم لا يصير مقبولاً من الكثيرين. إذًا ما هو الدليل الذي يثبتها؟ يقول “فإنه إذ الموت بإنسان. بإنسان أيضًا قيامة الأموات” (21:15). فقوله بإنسان، يعني، إنسانًا نفسًا وجسدًا.

    لنرَ إذًا أي موت يقصد، بقوله “كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع” (22:15). ماذا إذًا؟ أخبرني: هل الجميع ماتوا موت الخطية في آدم؟ إذًا كيف كان نوح بارًا في جيله؟ وكيف كان إبراهيم أيضًا؟ وكيف كان يعقوب؟ وكيف يتكلم عن الجميع؟ وأخبرني: كيف سيحيا الجميع في المسيح؟ وأين هم هؤلاء الذين سيلقون في جهنم؟ فإذا كان هذا الكلام يخص الجسد فقط، فإنه يكون كلامًا صحيحًا، أما إذا كان قد قيل عن القداسة والخطية، فإنه لن يُقبل على الإطلاق.   

    وحتى لا تعتقد أن الخطاة أيضًا يخلصون، لأنك سمعت أن الجميع سيحيون في المسيح، أضاف بعد ذلك “ولكن كل واحد في رتبته” (23:15). ولا تتصور إذًا، بعدما سمعت عن القيامة، أن الجميع سيتمتعون بمكانة واحدة. لأنه الجميع لن توقع عليهم عقوبة واحدة في الدينونة الأخيرة، بل ستكون هناك فروق كبيرة، فبالأكثر جدًا ستكون المسافة شاسعة بين الأبرار والخطاة.

    “المسيح باكورة ثم الذين للمسيح في مجيئه” أي المؤمنين الذين نموا في الفضيلة. “وبعد ذلك النهاية” (24:15).

    أي عندما يقوم البشر، ستكون النهاية، فهو يتكلم عن المجيء الثاني، لذلك أضاف “في مجيئه”. ثم يقول “متى سلم الملك لله الآب. متى أبطل كل رياسة وكل سلطان وكل قوة”. لنسأل هؤلاء أولاً عن معنى “متى سلم الملك لله الآب”، لأنه إذا كان المقصود هو المعنى الإنساني، وليس المعنى الذي يليق بالله، حينئذ يجب أن تكون خلاصة ذلك ما يلي: أنه بعدما سلّم الملك، لن يكون لديه مُلكًا، لأن من يسلّم شيئًا لأخر، لن يكون مالكًا لهذا الشيء فيما بعد. وليس هذا فقط، بل إن الآب أيضًا الذي يتسلم الملك، سيظهر أنه لم يكن ملكًا، قبل أن يتسلم هذا الملك، وهذا أمر غير معقول ولا مقبول. وبحسب ما يقوله هؤلاء الهراطقة، لم يكن الآب ملكًا من قبل، ولا الابن سيبدو ملكًا، بعد أن يسلم الملك. إذًا كيف يقول الابن عن الآب “أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل؟”[3]، وعن الآب يقول دانيال النبي “يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض.. وهي تثبت إلى الأبد”[4].

    أرأيت كم تقال أمور غير معقولة، تتعارض مع الكتاب المقدس، وتنسب ذلك للبعد الإنساني؟ ثم ما هي الرئاسة التي يقول عنها هنا أنها ستبطل؟ هل هي رئاسة الملائكة؟ حاشا. هل هي رئاسة المؤمنين؟ ولا هذه أيضًا. فما هي هذه الرئاسة التي ستبطل؟ يقصد رئاسة الشياطين، والتي يقول عنها “فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم. بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر”[5].. فهي لم تبطل نهائيًا، بل تنشط في مواضع كثيرة، إلا أنه كل رئاسة ستبطل في القيامة الأخيرة. “لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه” (25:15).

    ويجب أن تُفهم هذه الكلمات فهما لائقًا بها، لأن كلمة “حتى” تعني وجود نهاية وتحديد في الله، الأمر الذي لا وجود له في الله.

    “وأخر عدو يبطل هو الموت” (26:15).

    وما معنى أخر عدو؟ أي بعد كل شيء، وبعد الأشياء الأخرى. فالموت آتى أخر شيء في الخليقة. إذ أن النصيحة قد أُعطيت أولاً من قبل الشيطان، ثم تبعها العصيان، ثم آتى الموت أخيرًا.

    “لكن يقول قائل كيف يُقام الأموات وبأي جسم يأتون. يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت” (35:15).

 

كيف يُقام الأموات:

   بينما نجد أن الرسول بولس هادئ ومتواضع في كل موضع، نجده هنا يستخدم الكلمات القاسية، بسبب عدم لياقة هؤلاء المعترضين. فهو لم يكتف بهذا، بل يقدم أفكارًا، ويسوق أمثلة، ويُخضع بهذه الطريقة أكثر الكل إعتراضًا. وفيما سبق كتب يقول: “فإنه الموت بإنسان. بإنسان أيضًا قيامة الأموات”، لكنه هنا يجيب على اعتراض طُرح من قِبل الوثنيين. ولاحظ كيف أنه يُلطّف من قسوة الإتهام. أي أنه لم يقل، ربما ستقولون، بل أشار إلى المعترضين بصورة غير محددة، حتى يكون حرًا في إستخدامه للكلمة، وأيضًا كي لا يهين المستمعين إليه، ويضعهم في حيرتين، الأولى تخص طريقة القيامة، والأخرى تخص نوعية الأجساد التي تقوم. لأنهم قالوا من جهة الحديث عن الجسد، كيف يُقام هذا الذي يتحلل؟ “وبأي جسم يأتون”؟ هل بهذا الجسم الذي يفسد، الذي يتلاشى، أم بجسم آخر؟

    بعد ذلك لكي يبيّن أنهم يطلبون إجابة لأمور ليست مثارًا للشكوك، بل التي إعترفوا هم بها بالفعل، فإنه يجيب على الفور وبقسوة قائلاً: “يا غبي الذي تزرعه لا يحيا إن لم يمت”. ولماذا تحوّل هكذا وبصورة مباشرة إلى الحديث عن قوة الله؟ فعل هذا لأنه يتكلم مع غير المؤمنين، لأنه حين يكلم المؤمنين، لا يكون في حاجة لأن يقدم أفكارًا كثيرة. ومن أجل هذا عندما قال في موضع أخر أنه “سيغيّر شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده”[6]، وأوضح أمرًا يفوق قيامة الأجساد، فهو لم يذكر أمثلة، بل استعرض القوة التي بها يستطيع أن يخضع كل شيء لنفسه، قائلاً “بحسب عمل إستطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء”. ولكنه هنا هو يقدم حججًا وأمثلة، ويقول “يا غبي الذي تزرعه”، بمعنى أنه لديك الدليل على قيامة الأجساد من خلال ممارساتك في الحياة اليومية. ولاحظ كيف يستخدم الكلمات كما يليق بالموضوع الذي يتكلم عنه، إذ يقول “لا يحيا إن لم يمت”. أي أنه بعدما ترك الكلمات التي تتناسب مع الزروع، مثل يزرع، ويغرس، ويتحلل، فقد جعل أسلوبه يتماشى مع حديثه عن الجسد، بكلمات مناسبة، مثل كلمة “يحيا” و “يمت”، الأمر الذي لا يختص بالزروع بشكل أساسي، بل بالأجساد. أرأيت كيف أنه يعيد طرح كلمته بطريقة عكسية؟ أي أن ما يستخدمه هؤلاء المعترضين على قيامة الأموات كدليل على أن الإنسان لن يقوم من الموت، يستخدمه هو كدليل، لكي يبرهن على أن الإنسان سيقوم حتمًا من الموت. لقد قال المعترضون أنه لن يقوم، لأنه قد مات. فماذا كان رد الرسول بولس على حجتهم؟ قال إن لم يمت الإنسان، فلن يقوم، إذًا فهو يقوم لأنه مات. هذا ما أشار إليه المسيح له المجد، حين قال: “إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير”[7]. وقد أخذ ق. بولس المثل الذي قاله، من هذا الكلام، مشيرًا إلى قوة الله، ومبيّنًا أن الله هو الذي يعمل كل شيء، وليست طبيعة الأرض.

    تُرى لماذا لم يذكر ذلك الأمر الذي يتناسب بالأكثر مع البذرة الإنسانية؟ إن ولادتنا تبدأ بالفساد، مثل حبة الحنطة. ذلك لأن البذرة الإنسانية ليست مثل حبة الحنطة، بل إن المثل الذي ساقه كان أفضل. لأنه كان يبحث عن شيء يموت تمامًا، ويتحلل، بينما البذرة الإنسانية تموت جزئيًا. ومن ناحية أخرى البذرة الإنسانية تأتي من أعضاء جسمية حية، وتسقط في بطن حية، ولكن المثل الذي ساقه الرسول بولس يوضح أن البذرة تقع على الأرض، وتتحلل في باطن هذه الأرض، مثل الجسد الذي مات. ولهذا فإن هذا المثل يتناسب أكثر مع هذه الحالة.

    “والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير” (37:15). إذًا ما سبق وقاله الرسول بولس، هو إجابة على التساؤل، كيف يُقام الأموات؟ ولكنه هنا يُزيل الشكوك، ويرد على تساءل أخر وهو بأي جسم يأتون للحياة الأخرى. وماذا يعني قوله “لست تزرع الجسم الذي سوف يصير؟” يعني أنه ليس سنبلة كاملة، ولا هو نباتًا جديدًا. فهو هنا لم يتحدث عن القيامة، بل عن طريقة القيامة، وعن طبيعة الجسد الذي سيقوم، فهل سيظل كما هو بعد القيامة، أم سيُصبح في حالة أفضل، أم أكثر بهاءً. ويقدم الإجابتين من المثل نفسه ويبيّن أنه سيكون أفضل جدًا. إلا أن الهراطقة لا يفهمون ويهاجمون قائلين إن الجسد الذي يُدفن، ليس هو الذي يقوم. إذًا كيف يمكن أن تكون هناك قيامة؟ لأن القيامة تحدث في الجسد الذي دُفن. ولأجل أي شيء تحديدًا، يكون هذا الاحتفال المدهش والعجيب ببطلان الموت، طالما أن الجسد الذي يقوم، ليس هو الذي يُدفن؟ لأن الذي أخذ الجسد أسيرًا لن يرده إلى الحياة. وكيف لا يتناسب المثل مع كل ما قيل؟ لأن الجسد الذي زُرع ليس من طبيعة مختلفة عن الذي يقوم، بل هو من نفس الطبيعة وأفضل. لأنه إن لم يكن الأمر هكذا، فلا ينبغي أن نؤمن بأن المسيح حين صار باكورة الراقدين، قد أخذ نفس الجسد، عندما قام. فبحسب أقوالكم يكون قد أخذ جسدًا أخرًا، وإن كان لم يخطئ مطلقًا. من أين إذًا أخذ هذا الجسد الآخر؟ لأننا نعرف أن الجسد المولود به قد أخذه من العذراء، لكن الذي قام به إذًا من أين قد أخذه؟ أرأيت مقدار الحماقة في هذا الكلام الذي ينطلق بلا ضابط؟ لأنه لماذا تظهر كل الجراحات في الجسد المُقام؟ أليس لأنه يريد أن يبرهن على أن هذا الجسد هو الذي صُلِبَ، وهو نفسه الذي قام أيضًا؟ ماذا يريد أن يقول في هذا الإطار، بإشارته إلى يونان النبي؟ يريد أن يوضح أن الذي خرج من جوف الحوت ليس هو يونان آخر غير الذي إبتلعه الحوت. أيضًا لماذا قال المسيح “إنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه”[8]. من الواضح إذًا، أن ما سيُنقض، سيقيمه المسيح. ولهذا أضاف ق. يوحنا الإنجيلي “وأما هو فكان يتكلم عن هيكل جسده”[9].

    إذًا ماذا يعني الرسول بولس بقوله “الذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير؟” يعني أن الذي قام هو الجسد ذاته، وفي نفس الوقت ليس كما كان تمامًا، لأنه صار أفضل، وحبة الحنطة أيضًا تقوم جديدة. لأنه إن لم يحدث هذا، فلا حاجة للقيامة، إن لم يقم الجسد بصورة أفضل. فما الهدف وراء هدم هيكل الجسد، إن لم يكن يهدف إلى أن يعيد بناءه مرة أخرى بصورة أكثر بهاءً؟

    بعد ذلك ولكي لا يعتقد أحد أنه تكلّم هنا عن جسد أخر في القيامة، فإنه يُزيل هذا الغموض ويفسر ما قيل، حتى لا يترك المستمع يذهب بالمعنى إلى موضع آخر. إسمعه وهو يشرح ما قاله “لست تزرع الجسم الذي سوف يصير” ثم يضيف مباشرةً “بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقي”. أي ليس الجسم الذي سوف يصير” ، ليس هو بوص جاف، ولا سنابل، “بل حبة مجردة ربما من حنطة أو أحد البواقي”.

    “والله يعطيها جسمًا كما أراد” (1كو38:15). وقد يجيب أحدهم ويقول أن الأمر مختص بعمل الطبيعة الخاصة بالبذور. أخبرني عن أي طبيعة تتحدث؟ لأن الله هو الذي يصنع كل شيء، وليست الطبيعة، ولا الأرض، ولا المطر. من أجل هذا تحديدًا فإن ق. بولس عندما يتحدث عن هذه الأمور، بعدما يتحول بالحديث عن الأرض، والمطر، والهواء، والشمس، والأيدي الصالحة فهو يضيف “والله يُعطيها جسمًا كما أراد”. إذًا لا تفحص كثيرًا عن كيف وما الشكل الذي يصبح عليه (الجسد بعد القيامة)، حين تسمع أنه يصير بهيًا بقوة الله. “ولكل واحد من البذور جسمه”. إذًا ما الغريب في هذا؟ لأنه يعطي جسمًا لكل أحد حتى أنه عندما يقول “والذي تزرعه لست تزرع الجسم الذي سوف يصير”، فهو لا يقصد أن جوهرًا أخرًا هو الذي يقوم بدلاً من الحالي، بل أن الجسد فقط سيكون أفضل وأكثر بهاءً. لأنه يقو “ولكل واحد من البذور جسمه”؟

    لا تتصور أن كل البذور ستكون واحدة لأنكم قد زرعتم حنطة، ونبتت سنابل، بل أن البعض منها سيكون أفضل، والبعض الأخر سيكون بمستوى أقل، هكذا يكون الوضع في القيامة. ولهذا أضاف “ولكل واحد من البذور جسمه”. ولم يكتف بهذا فقط، بل إنه أراد أن يقدم رؤية أكثر وضوحًا، حتى لا تعتقد حين تسمع أن الجميع يقومون، أنهم يتمتعون جميعًا بنفس المكانة، وقد تحدث مسبقًا عن البذور بهذا المعنى، حين قال “ولكل واحد من البذور جسمه”. لكنه جعل هذا أكثر وضوحًا هنا أيضًا، بقوله “ليس كل جسد جسدًا واحد” (1كو39:15).

    ولماذا يتحدث عن البذور؟ تحدث هكذا حتى نطبق ما قاله على الأجساد، ولهذا أضاف “بل للناس جسد واحد وللبهائم جسد أخر وللسمك أخر، وللطير أخر. وأجسام سموية وأجسام أرضية. لكن مجد السمويات شيء ومجد الأرضيات أخر. ومجد الشمس شيء ومجد القمر أخر ومجد النجوم أخر لأن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد” (42:3).

 

نجم يمتاز عن نجم في المجد:

   ماذا يريد أن يقول بهذا الكلام؟ ولماذا إنتقل بحديثه من قيامة الأجساد إلى النجوم والشمس؟ لم ينتقل ولم يبتعد عن الموضوع، حاشا، فهو مازال في صُلب الموضوع. فبعدما تحدث عن القيامة، بيّن أن الفرق في المجد سيكون كبيرًا في ذلك الحين، وإن كانت القيامة عامة للجميع، وعند هذا الحد أو هذه النقطة يقسم الرسول بولس كل شيء إلى أثنين، إلى السماويات والأرضيات.

    إذًا فبالنسبة لقيامة الأجساد، فهذا ما برهن عليه، بمثل حبة الحنطة، ومن حيث إن الجميع لن يكونوا في نفس المجد، فهذا ما برهن عليه هنا. لأنه كما أن عدم الإيمان بالقيامة يجعل الناس متهاونين، هكذا أيضًا الإعتقاد بأن الجميع سيكونوا مستحقين لنفس المجد، يجعلهم خاملين وغير مبالين. ولهذا فهو يصحح كلا الرؤيتين، ويميز بين مستويين، بين الأبرار والخطاة، ونجد التمييز بينهما في مواضع كثيرة، وهو يفعل هذا لكي يبيّن أن الخطاة لن يستحقوا نفس إستحقاق الأبرار، بل ولا الأبرار أنفسهم سيكونوا مستحقين لدرجة واحدة من المجد، ولا الخطاة سينالون عقابًا متساويًا. إذًا فهو يُميز أولاً بين أبرار وخطاة “أجسام سموية وأجسام أرضية”، ويقصد بالأجسام الأرضية، الخطاة، والأجسام السموية، الأبرار. ثم يميز بعد ذك بين الخطاة والخطاة، ويقول “ليس كل جسد جسدًا واحد.. للبهائم جسد آخر وللسمك آخر وللطير آخر”. وإن كان للجميع أجسام، إلا أن للبعض له أجسام ضخمة الحجم، والبعض الآخر له أجسام ضئيلة. وبعدما تحدث عن هذا، تحدث مرة أخرى عن السماء، قائلاً: “مجد الشمس شيء ومجد القمر آخر”، فكما يوجد إختلاف بين الأجسام الأرضية، هكذا يوجد إختلاف أيضًا بين الأجسام السموية. والإختلاف ليس بين الشمس والقمر فقط، ولا بين القمر والنجوم فقط، بل بين النجوم والنجوم أيضًا. لأنه وإن كان جميعهم في السماء، ولكن البعض يشرق ببهاء أكثر، والبعض الآخر أقل بهاءً. إذًا ماذا نتعلم هنا؟ نتعلم أنه: إذا كان جميع الأبرار سيدخلون ملكوت الله، إلا أنهم لن يتمتعوا بنفس القدر من المجد، وإن كان جميع الخطاة سيدخلون جهنم، إلا أنهم لن يُعانوا بنفس القدر من العذاب. ولهذا أضاف “هكذا أيضًا قيامة الأموات” (42:15). يقول “هكذا”، لكن كيف سيحدث ذلك؟ ستكون هناك فروق كبيرة فيما بينهم.  

    ثم يتطرق إلى الحديث عن هذا الدليل وللكيفية التي تتم بها القيامة، قائلاً “يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد”. لاحظ مقدار الحكمة التي للرسول بولس، فهو يستخدم أسماء الأجساد عندما يتكلم عن البذور، عندما يقول “لا يحيا إن لم يمت”، من ناحية أخرى يسمي الأجساد زروعًا، قائلاً “يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد”، ولم يقل ينبت، لكي لا تعتقد أن الإنسان من نتاج الأرض، بل قال، يُقام. ولا يقصد بالزرع أو البذرة هنا، الحمل في الرحم، بل يقصد الدفن في الأرض وتحلل الأجساد، التي تموت، في التراب. ومن أجل هذا عندما قال “يزرع في فساد ويُقام في عدم فساد” أضاف “يزرع في هوان..وضعف”. وهل هناك ما هو أكثر نفورًا وسؤًا من ميت يتعفن ويتحلل؟. ثم يقول “يزرع في هوان ويُقام في مجد. يزرع في ضعف ويُقام في قوة”. إذ لا تمر ثلاثون يومًا، إلا ويكون الجسد قد إنتهى تمامًا، ولا يستطيع أن يحتفظ بشكله، لأنه يكون قد تحلل تمامًا.

    “يُقام في قوة” لأنه لا يستطيع شيء أن يهزمه عندما يقوم. إذًا فقد كانت هناك حاجة لهذه الأمثلة، حتى لا يظن البعض وهم يسمعون هذه الأمور، أنه لا توجد أي فروق بين أولئك الذين سيُقامون، عندما يُقامون في عدم فساد، وفي مجد، وفي قوة. إن الجميع سيقومون حقًا في قوة، وعدم فساد، وفي مجد، ولكنهم لن يتمتعوا جميعًا بدرجة واحدة من الكرامة.

    “يزرع جسمًا حيوانيًا ويُقام جسمًا روحانيًا” (42:15). ماذا تقول؟ هل هذا الجسم الذي لنا ليس روحانيًا؟ هو روحاني نعم، ولكن الجسم الذي سيُقام سيكون أكثر روحانية. لأنه في هذه الحياة الحاضرة قد يحدث أن تنسحب نعمة الروح القدس من البعض عندما يرتكبون خطية كبيرة. غير أن ذلك لن يحدث مطلقًا بعد القيامة، بل سيبقى الروح القدس إلى الأبد في جسد الأبرار، وسيعطي للجسد قوته الخاصة. إذًا فهو يشير إلى هذا المعنى حين يقول “روحانيًا”، إما من حيث أن الجسد سيكون أكثر خفة وبهاءً، فربما يكون الرسول بولس يشير إلى المعنيين معًا. فإن كنت لا تؤمن بهذا الكلام، فلتلاحظ الأجسام السمائية التي هي في بهاء فائق ولم تشيخ حتى الآن، ولتؤمن بسبب هذا، فالله قادر أن يجعل هذه الأجسام الفاسدة، عديمة الفساد، وأفضل بكثير من تلك الأجسام المرئية. هكذا هو مكتوب أيضًا:”صار آدم الإنسان الأول نفسًا حية وآدم الأخير روحًا محييًّا” (45:15).

 

آدم الأول وآدم الأخير:

   ولكن فيما يختص بآدم الأول، فقد كُتِبَ عنه في العهد القديم: أما آدم الأخير فلم يُكتب عنه (بالمثل)، إذًا فكيف يقول “هكذا هو مكتوب”. هو يشرح هذا على اعتبار ما سيكون، الأمر الذي اعتاد أن يفعله دومًا. بل إن الأنبياء قد اعتادوا هذا التوجه، فإشعياء قال عن أورشليم أنها ستُدعى مدينة البر، ولم تُدعَ هكذا؛ ماذا إذًا؟ هل كذب النبي؟ لم يكذب أبدًا، لأنه كان يتكلم عن خاتمة الأمور. وقال عن المسيح، أنه سيُدعى عمانوئيل، لكن لم يُدعى المسيح هكذا، لكن الأحداث ذاتها تعبر عن هذا المعنى بشكل صارخ (أن الله معنا). هكذا هنا أيضًا يقول “آدم الأخير روحًا مُحيّيًا”. تكلّم بهذه الأمور لكي تَعلم أن الرموز، وعربون الحياة الأبدية، والحياة الأبدية، قد تحققت بالفعل. لأنه يرى أن خيرات الحياة الأبدية هي أفضل بكثير من خيرات الحياة الحاضرة، وأن بداية هذه الحياة الأبدية قد تحققت بالفعل، وأن الأصل والمصدر قد إستُعلنا. فينبغي ألا نتشكك أبدًا من جهة الثمار. من أجل هذا يقول “آدم الأخير روحًا مُحيّيًا”، لكنه في موضع أخر يقول “سيُحيي أجسادكم المائتة أيضًا بروحه الساكن فيكم”[10]. إذًا فالروح القدس يُحيي.

    ” لكن ليس الروحاني أولاً بل الحيواني وبعد ذلك الروحاني ” (46:15). ولم يقل لماذا الحيواني أولاً ثم بعد ذلك الروحاني، بل إكتفى بالإشارة إلى النظام الذي وضعه الله، لأن الأمور الحياتية ذاتها تشهد لعناية الله، ولكي يُظهر أن هناك تقدم ونمو في حياتنا الروحية بإستمرار، وهو يملك من الخبرة ما يؤهله للتأكيد على هذه الأمور. وهكذا سنكون مستعدين لنوال الحياة الأبدية. إذًا فلنلاحظ أنفسنا مادمنا نحيا داخل هذا النظام الإلهي المشرق كالشمس، حتى نكون مؤهلين للدخول في الحياة الأبدية ونتمتع بالخيرات المعدة للأبرار.

 

سر يفوق كل عقل:

   ثم يأتي لموضوع قيامة الأجساد، ويقول “هوذا سر أقوله لكم” (1كو51:15)، هو سر لا يعرفه الجميع، فهو يريد أن يقول شيئًا، يُظهر به أنه يقدرهم جدًا، إذ يكشف لهم هذا السر. ما هو إذًا هذا السر؟ هو أننا “لا نرقد كلنا ولكن كلنا نتغير”. ما يقصده هو الآتي: من ناحية، فإننا لن نرقد كلنا، بل سيتغير جسدنا، ومن ناحية أخرى فالذين لم يرقدوا سيتغير جسدهم، لأن أجسادهم فاسدة. لا تخف إذًا من هذا، أي لا تخف لئلا لا تقم من الموت. ويوجد البعض ممن لن يجتازوا الموت، ولكن هذا لن يكفِ، بل لابد لتلك الأجساد التي لن ترقد أن تتغير وتصير غير فاسدة.

    “في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير”. أي أن ما يدعو للإعجاب والدهشة، ليس فقط هو أن الأجساد تتعفن ثم بعد ذلك تقوم، ولا أيضًا أن هذه الأجساد التي ستقوم هي أفضل من الأجساد التي لنا الآن، ولا لأنها ستنتقل إلى ميراث لا يفنى، وأن كل واحد سيتمتع بما له، ولا أحد سيأخذ ما للأخر، بل لأن كل هذه الأمور التي تفوق كل عقل ستحدث في لحظة في طرفة عين.

    ثم يبرهن على ذلك بقوله “فإنه سيُبوق فيُقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير”، لفظة “نحن” لا يقولها عن نفسه، بل تشمل كل مَنْ سيكون على قيد الحياة في ذلك الوقت. “لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد” (53:15).

    إذًا لكي لا يعتقد أحد أن لحمًا ودمًا لا يرث ملكوت الله، أضاف “هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت“. إنه يقصد بالفاسد والمائت، الجسد. فالجسد سيبقى، لأنه هو الذي سيلبس عدم فساد، ولكن الفساد والموت سيبطلان، إذ سيصير الجسد إلى عدم فساد وعدم موت. إذًا ينبغي ألا تشك في أنك ستحيا إلى الأبد، لأنه يقول “سيلبس عدم فساد”. “ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت. فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة أبتلع الموت إلى غلبه” (54:15)، يحدث هذا حين يختفي هذا الجسد الفاسد والمائت تمامًا ولا يبقى منه أثر، ولا يكون هناك رجاء في عودته، إذ أن عدم الموت قد لاشى الموت.

    “أين شوكتك يا موت. أين غلبتك يا هاوية” (1كو55:15). أرأيت النفس الشجاعة؟ أنه يتساءل وكأنه يحتفل بالغلبة، وهو مملوء حماسًا، ناظرًا للأبدية كأمر حدث بالفعل، محتقرًا للموت الذي بطل، ويصرخ صرخة الغلبة من أعلى رأس الموت الذي داسه، وينادي قائلاً: “أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية؟”. لقد جرّده، وغلبه، بل ولاشاه، وجعله غير موجود، لا كيان له.

    “أما شوكة الموت فهي الخطية. وقوة الخطية هي الناموس” (1كو56:15). أرأيت أن الكلام قد صار عن الموت الجسدي؟ وبناء على ذلك، فإن الكلام عن القيامة، هو أمر يختص بالجسد. لأنه إن لم يقم الجسد، فكيف يُبتلع الموت؟ وليس هذا فقط، بل كيف يعتبر الناموس قوة الخطية؟ لأنه من حيث أن شوكة الموت هي الخطية، وأنها أسوأ من الموت، أما أن قوة الموت هى في الخطية، فهذا أمر واضح، ولكن كيف يكون الناموس هو قوة الخطية؟ لأنه بدون الناموس كانت الخطية ضعيفة، ولم يكن للناموس قوة ليدينها. لأن الشر قد حدث، غير إنه لم يكن واضحًا بشكل كبير، حيث ساهم الناموس، مساهمة ليست بالقليلة، في أن تعرف الخطية أكثر.

    وبعد ما أظهر الخطية، بهدف أن يمنع سقوط الإنسان فيها بشكل أسوأ، بات واضحًا أن المسئولية لا تقع على عاتق الطبيب، بل من يستخدم الدواء بطريقة غير صحيحة. لأن ظهور المسيح بالجسد وضع مسئولية أكثر على اليهود، فعندما صاروا مُبغَضين أكثر فذلك يرجع لأنهم فقدوا الكثير، من خلال كل ما كان ينبغي أن ينتفعوا به. فالناموس لم يجعل الخطية أقوى، لأن المسيح نفسه أكمل الناموس، وكان بلا خطية. لاحظ كيف أنه إنطلاقًا من هنا هو يؤكد على القيامة. لأنه إن كانت خطية الإنسان هي سبب الموت، فإن المسيح بعدما جاء أبطل الخطية، وحررنا منها بالمعمودية، وأبطل قوة الناموس، فلماذا تشك في القيامة إذًا؟ وكيف سيسود الموت إذًا؟ هل بالناموس؟ فقد أُبطل. هل بالخطية؟ لقد نُقضت.

    “لكن شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح” (57:15). فالمسيح قد غلب وقهر الموت وأبطل سلطانه، وجعلنا شركاء في التمتع بالأكاليل، ليس عن اضطرار، بل فقط بسبب محبته الفائقة للبشر. وهكذا وجّه لهم هذه النصيحة قائلاً: “إذًا يا أخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين” (58:15).

    لأنه لا شيء يهز كيان المرء بهذا القدر الكبير، سوى أن يعتقد أنه يتعب باطلاً وبلا هدف. ثم يضيف “مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب”. أنه يشير هنا إلى الحياة النقية التي يجب أن نحياها. ولم يقل عمل الصلاح، بل “عمل الرب كل حين” لكي نتمم عمل الرب بغيرة وحماس شديدتين. “عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب”، ماذا تقول؟ ولماذا تتحدث مرة أخرى عن التعب؟ نعم هو تعب، ولكنه يتوج بالأكاليل، ويصير لأجل ملكوت السموات. لأن التعب السابق الذي نتج بعد الطرد من الفردوس، كان عقابًا على الخطية، إلا أن هذا التعب (في الرب)، هو أساس للمكافآت التي سننالها فيما بعد. إذًا فذلك لا يعد تعبًا، طالما أن الجهاد يصير من أجل الرب، وإننا سنتمتع فيه بمساعدة كبيرة من السماء، ومن أجل هذا أضاف “في الرب”. لأن التعب القديم أدى إلى العقاب والإدانة، أما هذا التعب فهو من أجل أن ننال الخيرات الأبدية.

    إذًا لا ينبغي أن نبقى خاملين أيها الأحباء. لأنه من غير الممكن، نعم من غير الممكن، أن يرث ملكوت السموات مَنْ هو خامل، ولا أيضًا الذين يُسلّمون أنفسهم للمتع وللكسل والتراخي. أم أنكم لا ترون كم هي عظيمة هذه المسافة بين الأرض والسماء، وكم يميل الإنسان بشدة إلى الخطية، وكيف تحيطه الخطية بقوة، وكم من الفخاخ تصادفه؟ إذًا لماذا لا نهتم بما يعلو على الماديات الزائلة، ونثقّل كاهلنا بإهتمامات ومتع فانية، ونجعل الحمل أثقل؟ ألا يكفي أن تعتني بالطعام والملبس والمسكن؟ ألا يكفي أن نهتم بالإحتياجات الضرورية؟ وإن كان المسيح، قد طلب منا أن لا نهتم بهذه الأمور أيضًا، حيث قال “لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون”[11].

    إذًا فطالما ينبغي علينا أن لا نهتم بالمأكل والملبس الضروري، ولا حتى بالمستقبل فمتى سيفيق إذًا الذين يثيرون كل هذا الصخب في الحياة، ويدفنون أنفسهم أحياء؟ ألم تسمع ق.بولس وهو يقول “ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي مَنْ جنده”[12]. إلا إننا دائمًا ما نسلّم أنفسنا للمتع، وللشراهة، وللسكر، ونهتم بأمور عالمية ونتعب من أجل تحقيقها، بينما نتكاسل ونتراخى فيما يختص بالأمور السمائية. ألا تعلمون أن الوعد يتجاوز الإنسان؟ لذلك فلا يمكن لمن إلتصق بالأرضيات، أن يصعد إلى السماء. إننا لا نحاول أن نعيش كبشر، لكننا صرنا أسوأ من الحيوانات. ألا تعرفون كيف سنقف أمام الله؟ ألا تفهمون أننا سنُُعطى حسابًا عن أقوالنا وأفعالنا، فكيف لا نهتم بأن نتحرر من كل أخطائنا؟ إن “مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه”[13]. وبكل أسف فحتى أولئك الذين ينظرون النظرة الرديئة، لا يطلبون غفرانًا، بل ويتعفنون في خطيئتهم.

    إن من يقول لأخيه في الإنسانية، يا أحمق، فسيُلقى في جهنم، بينما نحن لا نكف عن إدانة شركائنا في الإنسانية، بإدانات لا حصر لها، ونكيد لهم بطرق مختلفة. وذاك الذي يُحَب من أخيه، لم يفعل شيئًا أكثر مما يفعله الوثني، لكن نحن لا زلنا نحقد عليه. إذًَا أي غفران سنحصل عليه، حين تكون حياتنا قد وصلت إلى مستوى لا يرقى حتى إلى مستوى العهد القديم؟ وأي كلام سيخلّصنا؟ ومَن سينقذنا عندما نُلقى في الجحيم؟ بالطبع لا أحد، بل إن هؤلاء الأشرار الذين يسلكون ضد إرادة الله، سينوحون ويبكون، ويصرّون بأسنانهم، وسينقادون إلى الظلمة الشديدة، وإلى العقاب الذي لا خلاص منه.

    من أجل هذا أتضرع إليكم وأترجاكم أن تنسحقوا وترجعوا لله وتتوبوا لكي تصيروا أفضل، حتى لا يكون مصيرنا مثل الغني الغبي. فالله سيحاسبك عن أعمالك، أقول هذا الكلام لا لكي أحزنكم، أو ألقيكم في اليأس، بل لكي لا نهمل ممارسة الفضيلة، مستندين على رجاء باطل وكاذب، معتمدين على هذا القديس أو غيره. لأننا إن صرنا خاملين فلن يساعدنا لا بار، ولا نبي، ولا رسول. أما إذا جهادنا الجهاد الحسن، ورفعنا صلوات، وعملنا أعمالاً صالحة، فإننا سننال الخيرات المعدة للذين يحبون الله.

    هذه هى مفاعيل القيامة التي تحققت في حياة الكثيرين، بعد أن تأكدت بشهود كثيرين أيضًا. هكذا سُلِّم الإيمان بالقيامة، كما تسلّمه الرسل، وهذا ما سبق وأشار إليه الرسول بولس في بداية حديثه إذ يقول: ” فإنني سلّمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضًا أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دُفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب” (1كو15ـ1).

 

مات من أجل خطايانا:   

    قد يتساءل البعض ماذا يعني بقوله: “فإنني سلّمت إليكم في الأول؟”، يعني منذ البداية، وليس الآن. فهو يقول هذا الكلام حتى يستدعي الزمن كشاهد أيضًا، ولأن الإيمان بهذا كان يثير خجلاً شديدًا، إذ أنهم عاشوا كل هذا الزمن بإيمان معين مختلف، والآن يحيدون عنه، وليس هذا فقط، بل لأن الإيمان بهذه العقيدة كان أمرًا هامًا جدًا، ولذلك فقط “سلّم” منذ البداية وعلى الفور ومن أول لحظة. وماذا سلّمت؟ أخبرني. أنه لم يتكلم عن هذا مباشرةً، ولكنه يقول ما قبلته. وماذا قبلت؟ “أن المسيح مات من أجل خطايانا”. ولم يقل مباشرةً أن الأجساد ستقوم، لكنه يمهد للحديث عنه مع موضوعات أخرى. يقول أن المسيح مات، بعدما وضع قاعدة عظيمة  وأساسًا متينًا لا يهتز، بشأن الحديث عن القيامة. لأنه لم يقل فقط أن المسيح مات، وإن كان هذا كافيًا لكي يُعلن القيامة، ولكنه أضاف أن المسيح مات من أجل خطايانا.

    لكن يجدر بنا أولاً أن نسمع ماذا قال هنا أولئك الذين أصابهم مرض المانويين، الذين هم أعداء الحقيقة، ويحاربون خلاصهم ذاته. إذًا ماذا قال هؤلاء؟ قالوا أن الموت الذي تحدث عنه بولس هنا ليس سوى سقوط الإنسان في الخطية، وأن القيامة ليست إلا التحرر من الخطية. أرأيت كيف أن الخداع يُعد أخطر مرض، لاحظ كيف أن هؤلاء يحاولون أن يفسدوا أنفسهم بكل ما قالوه لأنه إذا كان هذا هو الموت (أي السقوط في الخطية)، وأن المسيح لم يأخذ جسدًا بحسب رأيهم، فحينئذ يكون المسيح قد أخطأ بحسب أقوالهم. لكنني حين أقول أنه أخذ جسدًا، أقول أنه مات بالجسد، بينما أنت حين ترفض هذا، ستضطر أن تقول ما سبق وأشرت إليه من قبل (أنه أخطأ). فإن كان المسيح قد أخطأ، فكيف يقول “من منكم يبكتني على خطية؟”[14] و”رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء”[15] وأيضًا “أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله”[16]. فكيف يموت من أجل الخطاة، إن كان هو خاطئًا؟ لأن الذي يموت من أجل الخطاة، ينبغي أن يكون هو نفسه بلا خطية، كذلك إذا كان قد أخطأ، فكيف يموت من أجل خطاة آخرين؟ فإن كان قد مات من أجل خطايا الآخرين، فإنه يكون قد مات وهو بلا خطية. وإن كان قد مات وهو بلا خطية، فإنه لا يكون قد مات موت الخطية، لأنه كيف يكون قد مات موت الخطية، وهو بلا خطية؟ لكنه مات بالجسد. وإن كان قد مات بالجسد، حينئذٍ تكون القيامة بالجسد. ومن أجل هذا فإن ق. بولس لم يقل فقط “مات” بل أضاف “من أجل خطايانا”، وذلك لكي يجعلهم، وبدون أن يريدوا، يعترفوا بالموت الجسدي، ولكي يُظهر بهذا أنه كان بلا خطية قبل الموت. لأنه كان لابد لمن يموت من أجل خطايا الآخرين، أن يكون بلا خطية.

    بل أنه لم يكتف بهذا أيضًا، بل أضاف “حسب الكتب” لكي يضفي مصداقية على حديثه، ويعلن عن أي موت كان قد تكلّم. لأن الكتب تكرز بموت الجسد في كل موضع. فيقول على سبيل المثال: “ثقبوا يديّ ورجليّ”[17] و أيضًا “فينظرون إلى الذي طعنوه وينوحون”[18]، ونبؤات أخرى كثيرة، ويضم الكتاب عددًا كبيرًا من الآيات التي تتحدث عن أن السيد المسيح قد ذُبح من أجل خطايانا بالجسد، مثل لأنه “قطع من أرض الأحياء أنه ضرب من أجل ذنب شعبي”[19] و “الرب وضع عليه إثم جميعنا”[20] و “مجروح لأجل معاصينا”[21]. وإذا لم تقتنع بما جاء بالعهد القديم، إسمع يوحنا الذي يصرخ ويظهر الأمرين، ذبح الجسد، وسبب الذبح، قائلاً “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”[22]، وإسمع بولس الذي يقول “أنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه”[23]. وأيضًا “المسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا”[24] وأيضًا “إذ جرد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارًا ظافرًا بهم فيه”[25]. وهناك جوانب أخرى كثيرة إتضحت خلال ذبح الجسد من أجل خطايانا. فالمسيح ذاته يقول “لأجلهم أقدس أنا ذاتي”[26] و “رئيس هذا العالم قد دين”[27]. وهكذا أوضح أنه ذُبح وهو بلا خطية. “وأنه دُفن” وهذا يبرهن على ما سبق، لأن هذا الذي يُدفن، هو على كل الأحوال جسد. وهنا لم يضف عبارة “حسب الكتب”. على الرغم من أن عبارة “بحسب الكتب” قد ذُكرت، فلماذا لم يضفها؟ إما لأن القبر كان معروفًا للجميع آنذاك، وإما أنه معروف للكافة “بحسب الكتب”. إذًا لماذا أضاف “بحسب الكتب” في قوله “وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب” ولم يكتف بما ورد سابقًا وبشكل عام؟ لأن هذا الأمر كان مجهولاً للكثيرين. ومن أجل هذا يذكر هنا عبارة حسب الكتب، ملهمًا بالروح، بعدما أدرك هذا المعنى الحكيم والإلهي. كيف إذًا يصنع نفس الشيء فيما يتعلق بموت المسيح؟ خاصةً وأن الصليب كان واضحًا للجميع في ذلك الوقت، والسيد المسيح قد صُلِبَ أمام الكل، إلا أن السبب لم يكن معروفًا. لأنه من حيث أنه مات، فهذا يعرفه الجميع، ولكن من جهة أنه مات من أجل خطايا كل البشر، فهذا ما لم يعرفه الكثيرون قط، ولذلك فهو يستشهد بالكتب.

 

شهود القيامة:       

    ما قيل يعد دليلاً كافيًا بالنسبة لنا، لكن أين تقول الكتب أنه دُفن وقام في اليوم الثالث؟ هذا ورد في حادثة يونان النبي، والذي أشار إليها المسيح نفسه، عندما قال “لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاثة ليال هكذا يكون إبن الإنسان”[28]. وورد أيضًا في العليقة المشتعلة في البرية، فرغم أنها كانت مشتعلة إلا أنها لم تحترق، هكذا جسد المسيح، فمن ناحية قد مات، إلا أن الموت لم يسد عليه إلى الأبد. بل والتنين في سفر دانيال، يشير إلى هذا أيضًا فكما أن ذاك قد أخذ الطعام الذي أعطاه له النبي، وأنشق من وسطه، هكذا الجحيم عندما إبتلع جسد المسيح، إنشق، لأن جسده شق بطنه وقام. لكن إن أردت أن تسمع كلمات تعبر عن الأمثلة التي ذُكرت عن (يونان، والعليقة، والتنين)، فإسمع ما يقوله إشعياء “قطع من أرض الأحياء”[29] و”أما الرب فسر بأن يسحقه بالحزن”[30]، وداود قبل إشعياء يقول “لأنك لن تترك نفسي في الهاوية. لن تدع تقيك يرى فسادًا”. ومن أجل هذا فإن بولس يرجعك إلى الكتب، لكي تعلم أن كل ذلك لم يحدث مُصادفة، لأنه كيف كان ممكنًا لكل هؤلاء الأنبياء أن يصفوا كل هذا ويعلنوا عنه على مدى قرون طويلة قبل أن تحدث، ولكي تعلم أنه لم يَرِد مطلقًا في الكتاب المقدس ما يشير إلى أن موت المسيح هو سقوط في الخطية، فعندما يُذكر موت الرب، يُذكر الموت، والدفن، وقيامة الجسد.

    “وأنه ظهر لصفا”. ويذكر مباشرةً بعد ذلك بطرس الذي كان يحظى بثقة أكثر من الجميع. “ثم للأثنى عشر وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ أكثرهم باق إلى الآن ولكن بعضهم قد رقدوا. بعد ذلك ظهر ليعقوب ثم للرسل أجمعين وأخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” (1كو5:15ـ8).

    ولأنه ذكر الدليل، الذي يثبت القيامة من الكتب المقدسة، أضاف ما قد حدث بالفعل وهو شهادة الرسل عن القيامة، وشهادة مؤمنين آخرين، بعدما قدم شهادة الأنبياء. فإن كان التحرر من الخطية يُدعى قيامة، فسيكون تزّيد منه أن يقول أنه ظهر لهذا وذاك. لأن هذا يؤكد قيامة الجسد، ولا يشير إلى التحرر من الخطية. ولذلك فهو لم يقل كلمة “ظهر” مرة واحدة، على الرغم من أن ذِكرها مرة واحدة دون تكرارها كان كافيًا للتعبير عن كل هذه الظهورات. ولكنه يذكرها مرة، ومرتين، وثلاثة، عندما يتحدث عن كل شخص رأى المسيح بعد قيامته. لأنه يقول، ظهر لصفا، وظهر لأكثر من خمسمائة أخ، وظهر ليعقوب، وظهر لي. غير أن الإنجيل يذكر العكس، أنه ظهر أولاً لمريم المجدلية، نعم ولكنه ظهر لصفا أولاً بين الرجال، لأنه كان يشتهي بشدة أن يراه، ولم يذكر الرسول بولس اسم متياس وهو أحد الأنثى عشر، وذلك لأن متياس قد أُختير بعد صعود المسيح وليس بعد القيامة مباشرةً. إن هذا الرسول دُعي أن يرى المسيح بعد الصعود، وعن هذا الأمر، لم يشر لزمن محدد، لكنه أحصى بشكل عام وغير محدد، عدد الظهورات. لأنه ظهر مرات عديدة، ومن أجل هذا قال يوحنا “هذه مرة ثالثة ظهر يسوع”[31].

    “وبعد ذلك ظهر دفعة واحدة لأكثر من خمسمائة أخ”. البعض قالوا أنه يقصد أنه ظهر من السماء، لأنه لم يظهر ماشيًا على الأرض، بل ظهر فوق رؤوسهم، لأنه أراد أن يؤكد ليس فقط حقيقة القيامة، بل وحقيقة الصعود أيضًا. لكن البعض الأخر يقول أن عبارة “لأكثر من خمسمائة أخ”، تعني أكثر من خمسمائة. “أكثرهم باقٍ إلى الآن”. فهو يقول وإن كنت أروي أحداثًا قد حدثت في الماضي، إلا أنني لدىّ شهودًا لا يزالوا أحياء حتى الآن. “ولكن بعضهم قد رقدوا”. لم يقل قد ماتوا، بل قال “رقدوا”. وهذه الكلمة “رقدوا” تؤكد أيضًا حقيقة القيامة. “وبعد ذلك ظهر ليعقوب” أنا أعتقد أنه يقصد يعقوب أخوه (أخو الرب). ويُقال أن المسيح نفسه رسمه وجعله أسقفًا لأورشليم. “ثم للرسل أجمعين”. لأنه كان يوجد رسل آخرين، مثل السبعين رسولاً. “وأخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا”. هذا حديث يعكس تواضعًا كبيرًا. كذلك فإن ظهوره له آخر الكل، لا يعني أنه لم يكن مستحقًا لأنه وإن كان قد دعى نفسه أخر الكل فهذا ما يثبت أنه الأكثر بهاءًا، فمن المؤكد أن الخمسمائة أخ لم يكونوا أفضل من يعقوب لأنه ظهر أولاً لهم.

 

الإيمان بالقيامة:

    ولماذا لم يظهر للجميع معًا؟ فعل هذا لكي ينثر بذار الإيمان مسبقًا. فإن من يراه أولاً سيخبر بالقيامة بثقة مطلقة وسيعلنها للآخرين. وبعدما تصل كلمة الخبر أولاً، سيجعل الذي يسمعها يترجى هذه المعجزة العظيمة، وهكذا سيُمهد الطريق للظهور بواسطة الإيمان. لهذا السبب لم يظهر للجميع معًا، ولا لهم مجتمعين منذ البداية، بل ظهر أولاً لواحد فقط، ثم لصفا والذي هو أكثر إيمانًا من الجميع. لأن الأمر يحتاج إلى نفس مؤمنة جدًا لكي تقتنع أولاً بهذا الظهور. لأن أولئك الذين سيرونه، بعدما يسمعون أولاً عن القيامة من أولئك الذين رأوه، سيساهمون بدورهم في إعداد نفوس الآخرين لقبول الإيمان. لكن مَنْ يستحق أن يراه أولاً، يحتاج كما قلنا، إيمانًا كبيرًا، حتى لا يخف من المعجزة العظمى التي سيراها. لأن الذي إعترف أولاً بالمسيح، سيكون مستحقًا أن يرى القيامة، وهذا أمرًا منطقيًا.

    لكنه لم يظهر لبطرس لهذا السبب فقط، بل لأن بطرس كان قد أنكره ولهذا ظهر له لكي يعزيه، ولكي يطمئنه أنه ينبغي ألا ييأس من أجل هذا الأمر، فقد كرّمه بأن جعله مستحق أن يرى أولاً هذا الظهور، وسلّم له أولاً المؤمنين كخراف. وظهر للمرأة (مريم المجدلية)، لأن جنس النساء أهين، ومن أجل هذا، فالمرأة هي التي تمتعت أولاً بهذه النعمة في الميلاد وفي القيامة، ثم ظهر لكل واحد على حدى بعد ظهوره لبطرس، مرة للبعض، ومرة لكثيرين، وجعل هؤلاء شهودًا ومعلمين، وجعل الرسل جديرين بالثقة في كل ما تكلموا به. “وآخر الكل كأنه للسقط ظهر لي أنا” ما هي أهمية وقيمة الحديث المتواضع هنا؟ ولماذا قيل؟ لأنه إن كان يريد أن يظهر كمحل ثقة وأن يحصي كل شهود القيامة، فحينئذ كان ينبغي أن يفعل عكس ما يريد. أي أنه كان ينبغي أن يرفع نفسه وأن يظهر أنه عظيم، الأمر الذي فعله في مواضع كثيرة عندما كانت الضرورة تدعوه إلى هذا. إذًا فقد ظهر متواضعًا هنا، لأن هذا هو ما ينوي أن يفعله، لكن ليس بشكل مباشر، بل بحكمة وتعقل يليق بالرسول بولس. تُرى، لماذا وصف نفسه هكذا؟ فعل هذا لكي يجعل كلامه مقبولاً بصورة أسهل.

    “ولكن إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات. فكيف يقول قوم بينكم إنه ليس قيامة أموات؟” (1كو12:15).

    أرأيت كيف أن الرسول بولس يضع أساسًا للتفكير بطريقة صحيحة، ويبرهن على حقيقة القيامة من الأموات، من خلال قيامة المسيح، وذلك بعدما برهن على قيامة المسيح بطرق عديدة؟ إذ يقول إن الأنبياء أيضًا تنبأوا بهذه القيامة، التي برهن المسيح عليها بظهوراته بعد قيامته من الموت. ونحن من جانبنا نبشر بها، أما أنتم فقد أمنتم ونلتم غفران الخطايا. صدقتم نبؤات الأنبياء، وشهادة الرسل، بخصوص حياة الدهر الآتي.

    وبعدما برهن على قيامة المسيح، إتجه نحو إثبات قيامة الموتى بشكل عام. وهو إذ يتحدث عن حقيقة مؤكدة، فإنه يدين البعض، وفي ذات الوقت يتعجب منهم، قائلاً: “إن كان المسيح يكرز به أنه قام من الأموات. فكيف يقول قوم بينكم إن ليس قيامة أموات؟”. وبهذه الكلمات يتصدى لوقاحة الذين يقولون أنه لا توجد قيامة للأموات. لأنه لم يقل كيف تقولوا أنتم، بل قال: “كيف يقول قوم بينكم؟” وهو بهذا لا يوجه إتهامًا للجميع، ولا يحدد مَنْ هم الذين يتهمهم، حتى لا يزدادون سفاهة، وأيضًا لم يحجبهم تمامًا، وذلك لكي يُصلحهم. ولذلك، فبعدما أفرزهم عن جموع المؤمنين، واجههم، وأضعف حججهم، وأصابهم إصابة قوية، وهكذا حفظ الآخرين سالمين في الحقيقة التي يؤمنون بها، بجهاده ضد هؤلاء المعترضين. وجعلهم ثابتين في مواجهة هؤلاء المفسدين.

    بعد ذلك وحتى لا يقولوا أن الأمر لا يتعلق بقيامة المسيح، إذ هي حقيقة لا يشك أحد فيها وهي واضحة للجميع، وقد سبق التنبؤ بها، وشهد بها الكثيرون من خلال ظهورات المسيح بعد القيامة. إلا أن هؤلاء يرون أن قيامة المسيح لا تؤكد حقيقة قيامة البشر، لذلك فقيامتنا نحن هي موضع شك بالنسبة لهم بل وهي مجرد رجاء وليست حقيقة. لاحظ ماذا قال “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام” (1كو13:15).

    أرأيت مدى قوة الرسول بولس، كيف أنه لا يبرهن فقط على المشكوك فيه، من خلال هذه الحقيقة الواضحة (أي قيامة المسيح)، بل أنه، بواسطة ما هو مشكوك فيه، يبرهن للمعترضين على هذا الأمر الحقيقي والواضح؟، ليس لأن ما حدث (أي قيامة المسيح) يحتاج إلى برهان، بل لكي يظهر أن قيامة البشر، تستحق أيضًا التصديق بنفس القدر مثل قيامة المسيح.

 

بموته أبطل الموت:

    وقد يسأل البعض وما هي النتائج المترتبة على ذلك؟ النتيجة هي إن لم يكن المسيح قد قام، فلا يقوم آخرون. لكن كيف يستقيم منطقيًا أن نقول، إن لم يقم آخرون، فالمسيح لا يقوم؟ أنظر كيف يعالج هذا الأمر، ويجعله واضحًا لأن ما طرحه لم يكن مقنعًا بشكل كاف، حيث أنه ألقى البذور مسبقًا، من خلال التعاليم التي حملتها تلك الكرازة، مثل قوله، بعدما مات لأجل خطايانا وقام، وأنه باكورة الراقدين. لأنه لمن كانت هذه الباكورة الأولى، إن لم تكن لأولئك الذين قاموا؟ فإن لم يقوموا، فلماذا قام المسيح؟ لماذا أخذ جسدًا إن لم يكن في تدبيره أن يقيم الجسد؟ فالمسيح لم يكن محتاجًا لذلك، لكنه تأنس من أجلنا، وقام من أجلنا. ولذلك يقول “فإن لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام”، فقيامتنا مرتبطة بقيامة المسيح. ومن أجل هذا إن لم يكن في تدبير المسيح أن يقوم، ما كان له أن يتجسد. أرأيت كيف أن عدم إيمان هؤلاء بالقيامة، يؤدي إلى رفض خطة الله من أجل خلاص البشر؟ لكنه هنا لم يتكلم عن التجسد، بل تكلّم عن القيامة، لأنه بالموت أبطل الموت.

    ثم يضيف “وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا..” (1كو14:15). يريد هنا أن يحرك نفوسنا، فإن لم يكن المسيح قد قام، فهذا معناه أننا قد فقدنا كل شيء. أرأيت كم هو عظيم هذا السر، سر التدبير الإلهي لخلاص البشر؟ لأنه إن كان المسيح لم يستطع أن يقوم بعد موته، فهذا يعني أن الخطية لم تُنقض، ولا الموت أُبطل، ولا اللعنة رُفعت، ونكون نحن، ليس فقط قد كرزنا باطلاً، بل أنتم أيضًا قد آمنتم باطلاً. ثم يتوجه نحو هؤلاء المعترضين  قائلاً: “ونوجد نحن أيضًا شهود زور لله. لأننا شهدنا من جهة الله أنه أقام المسيح وهو لم يقمه. إن كان الموتى لا يقومون” لأنه إن كان الموتى لا يقومون فلا يكون المسيح قد قام، وإن لم يكن المسيح قد قام فباطل إيمانكم” (1كو15:15ـ17).

    هكذا تجده دائمًا يركز على القيامة، ويؤكد حقيقتها، منطلقًا من قيامة المسيح، كحدث حقيقي قد شهد به الكثيرون، كي يجعل ما قد يبدو ضعيفًا ومشكوك فيه (أي قيامة البشر)، أمرًا واضحًا وموضع تصديق.

    ثم يقول “وأنتم بعد في خطاياكم”. لأنه إن لم يكن قد مات وقام، فيكون سلطان الخطية لا زال قائمًا والخطية لم تبطل بعد، لأن موته أبطل الخطية. هكذا قال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم”[32]. ولكن كيف يرفع الخطية؟ يرفعها بالموت، ومن أجل هذا دعاه حملاً. لأنه كان في تدبيره أن يُذبح. فإن لم يكن قد قام، فلا يكون هناك ذبح، وإن لم يكن قد ذبح، فلا تكون الخطية قد أُبطِلت، وإن لم تكن قد أُبطِلت، أنتم بعد في خطاياكم، وباطلة هي كرازتنا، وإن كانت كرازتنا باطلة، فباطل إيمانكم، لكنكم قد تحررتم من الخطية، بقيامة المسيح. ومن ناحية أخرى إن لم يكن المسيح قد قام، فسيبقى الموت إلى الأبد. وإن كان الموت قد ساد على المسيح، فكيف خلّص الآخرين من براثنه، بينما هو أسيرًا له؟ ولذلك أضاف “إذًا الذين رقدوا في المسيح أيضًا هلكوا” (18:15)، فهل هؤلاء الذين لم يخضعوا بعد للشكوك (من جهة قيامة الأموات)، قد هلكوا جميعًا؟ بالطبع لا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن عبارة “في المسيح” تعني إما الإيمان بالمسيح، أو الموت من أجل المسيح، أي أولئك الذين إحتملوا الأتعاب الكثيرة، وتعرضوا للمخاطر، وساروا في الطريق الضيق.

    أين هي الآن تلك الأفواه الخبيثة التي للمانويين، التي تقول إن ق. بولس يقصد بالقيامة هنا، الخلاص من الخطية؟ لأن هذه الأفكار الكثيرة تثبت في تتابعها عكس ذلك. من المؤكد إن إقامة من سقط، تُدعى قيامة. ولذلك حتى يفرق بين هذه وتلك، يقول إن المسيح ليس فقط قد قام، بل قام من بين الأموات. والكورينثيون حين يتشككون فإن تشكُكَهم لا يتعلق بمسألة غفران الخطايا، بل بقيامة الأجساد. فهل كان لابد أن يكون المسيح غير بار، حتى يقوم (من خطيئته)؟ فإن لم يكن ينوي القيامة من الموت، فلماذا تجسد إذًا؟ ومع هذا، فسواء كان البشر خطاة، أم أبرارًا، تبقى صفة البر وعدم الخطية أمرًا ثابتًا في الله.

1 2كو10:5.

2 1كو3:4.

3 يو17:5.

4 دا 42:2.

5 أف12:6.

6 في21:3.

7 يو24:12.

8 يو19:2.

9 يو21:2.

10 رو11:8.

11 مت25:6.

12 2تيمو4:2.

13 مت28:5.

14 يو46:8.

15 يو30:14.

16 يو34:4.

17 مز16:22.

18 زك10:12.

19 إش8:53.

20 إش6:53.

21 إش5:53.

22 يو29:1.

23 2كو21:5.

24 غل13:3.

25 كو15:2.

26 يو19:17.

27 يو11:16.

28 مت40:12.

29 إش8:53.

30 إش10:53.

31 يو21:14.

32 يو29:1.

 

المسيح باكورة الراقدين – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. سعيد حكيم يعقوب

لاهوت المسيح في الأناجيل الإزائية

لاهوت المسيح في الأناجيل الإزائية

لاهوت المسيح في الأناجيل الإزائية

لاهوت المسيح في الأناجيل الإزائية (1): تهدئة العاصفة: “من هو هذا؟ فإن الريح والبحر يطيعانه!” – برانت بيتري

الحدث الأول الذي بدأ فيها يسوع الكشف عن هويته الإلهية في الأناجيل الإزائية مرتبط بالرواية الشهيرة لتهدئة العاصفة، والتي تم تسجيلها في أناجيل متى ومرقس ولوقا. تأمل التقرير التالي:

وَقَالَ لَهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ: «لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ». فَصَرَفُوا الْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ. وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضًا سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. فَأَيْقَظُوهُ وَقَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، أَمَا يَهُمُّكَ أَنَّنَا نَهْلِكُ؟» فَقَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيحَ، وَقَالَ لِلْبَحْرِ: «اسْكُتْ! اِبْكَمْ!». فَسَكَنَتِ الرِّيحُ وَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ هكَذَا؟ كَيْفَ لاَ إِيمَانَ لَكُمْ؟» فَخَافُوا خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!». (مرقس 4: 35-41)

على الرغم من بعض الاختلافات الطفيفة في التفاصيل والصياغة، فإن الروايات الثلاثة لهذا الحدث هي نفسها إلى حد كبير (انظر متى 8: 23-27؛ لوقا 8: 22-25).[1] هبت عاصفة على بحيرة طبريا، وخاف التلاميذ من الهلاك فأيقظوا يسوع من نومه.

رداً على ذلك، انتهر يسوع الريح والبحر، مما أدى إلى تهدئة العاصفة، ودفع التلاميذ إلى التساؤل: “من هو هذا؟” بالنظر إلى تركيزنا، قفز سؤالان على الفور: ما الذي كان سيعنيه تهدئة العاصفة ليهود القرن الأول مثل تلاميذ يسوع؟ وماذا يكشف هذا الحدث عن هوية يسوع؟

من ناحية، يمكن لأي شخص أن يجادل في أن كل ما لدينا هنا هو سرد لمعجزة قام بها نبي يهودي. معجزة بحد ذاتها لا تشير بالضرورة إلى هوية يسوع الإلهية. كما يعلم أي شخص مطلع على الكتاب المقدس، فإن العديد من الأشخاص في العهد القديم يصنعون العجائب، وهذا لا يدفع أي شخص إلى الادعاء بأن صانع المعجزات كان إلهًا. على سبيل المثال، يستخدم موسى عصاه لتقسيم مياه البحر الأحمر (خروج 14: 21-31)، لكن لا أحد يدعي أنه هو الإله الحقيقي الوحيد. وبالمثل، عندما يعبر يشوع والإسرائيليون إلى أرض الموعد، ينقسم نهر الأردن عندما تلمس أقدام الكهنة الماء (يشوع 3: 14-17).

لكن لا يبدو أن أحداً قد أخذ هذا على أنه يعني أن الكهنة كانوا إلهيين. أخيرًا، صلى النبي إيليا من أجل أن يتوقف المطر، وتوقف فعلاً لمدة ثلاث سنوات؛ ثم صلى لكي يأتي المطر مرة أخرى، وينتهي الجفاف الذي دام ثلاث سنوات (انظر الملوك الأول 17-18). لكن لا يبدو أن هذا قد دفع أي شخص إلى الاعتقاد بأن إيليا هو الله.

من ناحية أخرى، إنها ليست مجرد معجزة يصنعها يسوع هنا. وهي ليست فقط أي قوة يظهرها في تهدئة العاصفة. إذا عدت إلى الكتاب المقدس اليهودي وقراءته مع وضع هذه الرواية في الاعتبار، فسوف تكتشف شيئًا في غاية الأهمية. يؤكد العهد القديم مرارًا وتكرارًا على كيفية إظهار إله الكون لقوته من خلال التحكم في اثنتين من أقوى القوى في الخليقة: الريح والبحر.[2]

على سبيل المثال، في سفر أيوب، أظهر الله قوته عندما “انتهر البحر” في “توبيخه” و “بقوته” (أيوب 26: 11-12). وبالمثل، يُظهر سفر المزامير مدى “عظمة” الرب بإعلانه أن له سلطانًا على “الرياح” وأنه “انتهر” “مياه” البحر عندما صنع العالم (مزمور 104: 1-7). وعلى نفس المنوال، كشف إله إسرائيل عن “قوته الجبارة” عندما “انتهر البحر الأحمر” في الخروج من مصر (مزمور 106: 8-9). أخيرًا، والأكثر إثارة للدهشة، يصف المزمور 107 الرب بأنه يمتلك القدرة على إنقاذ شعبه من خلال تهدئة العاصفة وتهدئة أمواج البحر:

اَلنَّازِلُونَ إِلَى الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ،

الْعَامِلُونَ عَمَلًا فِي الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ،

هُمْ رَأَوْا أَعْمَالَ الرَّبِّ

وَعَجَائِبَهُ فِي الْعُمْقِ.

أَمَرَ فَأَهَاجَ رِيحًا عَاصِفَةً

فَرَفَعَتْ أَمْوَاجَهُ.

يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، يَهْبِطُونَ إِلَى الأَعْمَاقِ.

ذَابَتْ أَنْفُسُهُمْ بِالشَّقَاءِ.

يَتَمَايَلُونَ وَيَتَرَنَّحُونَ مِثْلَ السَّكْرَانِ،

وَكُلُّ حِكْمَتِهِمِ ابْتُلِعَتْ.

فَيَصْرُخُونَ إِلَى الرَّبِّ فِي ضِيقِهِمْ،

وَمِنْ شَدَائِدِهِمْ يُخَلِّصُهُمْ.

يُهْدِئُ الْعَاصِفَةَ فَتَسْكُنُ،

وَتَسْكُتُ أَمْوَاجُهَا.

فَيَفْرَحُونَ لأَنَّهُمْ هَدَأُوا،

فَيَهْدِيهِمْ إِلَى الْمَرْفَإِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ. (مزمور 107: 23-30)

إن أوجه التشابه بين ما يفعله إله إسرائيل في هذا المزمور وما يفعله يسوع في تهدئة العاصفة رائعة حقًا:

تهدئة العاصفة ولاهوت يسوع

يهوه يهدئ العاصفة

يسوع يهدئ العاصفة

البحارة في السفينة                   

التلاميذ في السفينة

رياح وأمواج عاصفة

رياح وأمواج عاصفة

تذوب أنفسهم بالشقاء

التلاميذ خائفون

يصرخون إلى يهوه

يصرخون إلى يسوع

يهوه يهدئ العاصفة                        

يسوع يهدئ العاصفة

أمواج البحر “تسكت”

صار هدوء عظيم

(مزمور 107)

(متى 8؛ مرقس 4؛ لوقا 8)

هل يمكن حقاً أن يُعزى هذا العدد الكبير من المتوازيات إلى مصادفة؟ لا أعتقد ذلك. بدلاً من ذلك، يبدو واضحًا أن أناجيل متى ومرقس ولوقا تصور يسوع على أنه يمتلك قوة الله على البحر والماء. على حد قول علماء العهد الجديد جوزيف فيتزماير وجون ماير:

كما أسس يهوه النظام على الفوضى وأنقذ شعبه من الكوارث المائية، لذلك يتم تقديم يسوع الآن على أنه يلعب دورًا مشابهًا في مصيرهم.[3]

باختصار، ما فعله يهوه لإنقاذ طاقم السفينة على البحر في المزمور 107، فعله يسوع لإنقاذ تلاميذه في السفينة على بحر الجليل.[4]

كيف يمكن للإنسان يسوع الناصري أن يكون له مثل هذه القوة والسيطرة على الخليقة -القوة التي يحتفظ بها العهد القديم للرب وحده؟ أفضل تفسير هو أن يسوع هو إله إسرائيل الآتي في شخص إنسان.

هل ينبغي أن يكون هناك أي شك بشأن الآثار المترتبة على أفعال يسوع، فنحن بحاجة فقط إلى أن ننتقل إلى رد فعل تلاميذ يسوع اليهود: ” مَنْ هُوَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيحَ أَيْضًا وَالْبَحْرَ يُطِيعَانِهِ!” (مرقس 4: 41). في السياق، يشير هذا السؤال إلى أن يسوع لم يفعل مجرد معجزة رائعة. علاوة على ذلك، فقد أظهر قوة ينسبها العهد القديم مرارًا وتكرارًا إلى الله وحده. كما كتب الباحث في العهد الجديد فرانسوا بوفون:

إنهم [التلاميذ] يعرفون من الكتاب المقدس أن الله وحده هو الذي يمتلك كلمة مؤثرة إلى هذا الحد…. هنا يتسع مدى القوة المسيانية: رب الجماعة بل وحتى رب الكون.[5]

تصبح الآثار الإلهية لعمل يسوع أكثر وضوحًا عندما ندرك أنه لا يصلي إلى الله لإيقاف الريح والبحر. إنه لا يعطي أي انطباع بأنه يعتمد على أي قوة خارجية لتزويد هذه القوة الإلهية.[6] بدلا من ذلك، هو ببساطة يأمر الريح والبحر بنفسه. ويطيعونه. على حد تعبير جويل ماركوس:

الآن الطاعة للمسيح ليس فقط من قبل البشر ولكن أيضًا من قبل القوى غير الحية. الشخص المعترف به ليس مجرد إنسان بل شخصية كونية. إذا كان هو المسيا، فهو مسيا يحمل علامات الألوهية.[7]

على عكس ما يدعي البعض، تكشف روايات تهدئة العاصفة عن هوية يسوع باعتباره الرب، خالق الكون. وهذا يحدث في الأناجيل الثلاثة الإزائية. من المؤكد أن يسوع يكشف عن هويته الإلهية بطريقة يهودية للغاية: من خلال إظهار نفس القوة على الريح والبحر التي أظهرها الله عندما خلق العالم وأنقذ إسرائيل في الخروج. لكنها تظل مع ذلك مظهرًا من مظاهر الألوهية.

أخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن أفعال يسوع أثناء العاصفة لا تعني أنه ليس إنسانًا بالكامل. بعد كل شيء، ينام في القارب! لكن تهدئة العاصفة تثير بالفعل سؤالًا مركزيًا سيتعين على أتباعه أن يحسبوا له حسابًا في أكثر من مناسبة – أي، مسألة هوية يسوع. كما يقول التلاميذ في إنجيل متى: ” أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعًا تُطِيعُهُ!” (متى 8: 27).

 

 

[1]  بعض العناصر تنفرد بها روايات إنجيلية معينة. على سبيل المثال، يحتوي تقرير متى فقط على سؤال يسوع “لماذا تخافون أيها الرجال ضعاف الإيمان؟” (متى 8: 26)، ورواية مرقس هي الوحيدة التي تحتوي على وصية يسوع للبحر: “اسكت! إبكم “(مرقس 4: 39) وسؤاله للتلاميذ” لماذا أنتم خائفون؟ ” (مرقس 4: 40). يتم صياغة العناصر الأخرى أو تحريرها بشكل مختلف. على سبيل المثال، في تقرير مَرقُس، يطرح التلاميذ سؤالاً: “يا معلّم، ألا تهتم إذا هلكنا؟” (مرقس 4: 38)، بينما في متى ولوقا، يصرخون ببساطة، “نحن نهلك!” (متى 8: 25؛ لوقا 8: 24). انظر

Kurt Aland, ed., Synopsis of the Four Gospels, English Edition (New York: United Bible Society, 1982), 77–78. For a summary of the basic content, see Meier, A Marginal Jew, 2.925–28.

[2] Levine and Brettler, The Jewish Annotated New Testament, 69:

يستحضر فعل يسوع الفكرة القديمة المتمثلة في “الإله الذي ينتصر على البحر (على سبيل المثال، مزمور 65: 7؛ 89: 9؛ 107: 29).”

[3] Fitzmyer, The Gospel According to Luke, 2.728.

[4] Meier, A Marginal Jew, 2.932.

[5] Bovon, Luke, 1.321.

[6]  Grindheim, God’s Equal, 41–42. See also Eric Eve, The Jewish Context of Jesus’ Miracles, Journal for the Study of the New Testament Supplements 231 (Sheffield, UK: Sheffield Academic Press, 2002), 386.

[7] Marcus, Mark, 1.340.

لاهوت المسيح في الأناجيل الإزائية

إنجيل مرقس: دليلك لشهادة بطرس

 

إنجيل مرقس: دليلك لشهادة بطرس

 

إنجيل مرقس: دليلك لشهادة بطرس

 

 

 

الفهرس

مقدمة 2

بطرس ويوحنا مرقس_ 2

إعلان أم تاريخ؟ 4

تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس_ 5

الدليل على شهادة شاهد عيان_ 8

يسوع في أورشليم 12

هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟ 13

نظرية الأناجيل مجهولة الاسم 15

لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان_ 16

سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول 19

لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟ 22

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

على الرغم من أن الإنجيل الثاني لا يذكر من كتبه، إلا أن مسيحيي القرن التالي لم يكن لديهم أدنى شك. كان رأيهم بالإجماع أن مَرقُس كتبه على أساس المعلومات التي قدمها بطرس. وقت كتابته حوالي عام 110 م في هيرابوليس في آسيا الصغرى، قال بابياس، “سامع يوحنا”:

 مرقس. . . بعد أن كان مترجم بطرس، كتب. . . كل ما تذكره مما قاله الرب أو فعله. لأنه لم يسمع الرب ولم يكن من أتباعه بل في وقت لاحق. . . من بطرس. (مقتبس في تاريخ الكنيسة ليوسابيوس 3. 39)

 وهذا أيضًا رأي يوستينوس الذي كتب في روما حوالي 150 م، ورأي إيريناوس في بلاد الغال حوالي 170 م وإكليمندس السكندري حوالي 180 م. ولكن هل كان بطرس ومرقس قادرين على كتابة إنجيل مرقس؟ يعتقد العديد من العلماء المعاصرين الآن أن هذا الإنجيل، على الرغم من بساطته الواضحة، هو قطعة أدبية عميقة ومكتوبة بمهارة. هل كان قوم متواضعون مثل بطرس ومرقس قادرين على إنشاء وثيقة كهذه؟

 

بطرس ويوحنا مرقس

هل كان بطرس هو الشخص الفقير والأمي الذي يُفترض في كثير من الأحيان أنه كان كذلك؟ في الواقع، كان يشارك في صيد الأسماك (لوقا 5: 10)، وكان يمتلك، مع أخيه أندراوس، منزلاً في كفرناحوم (مرقس 1: 29). اسمه الأصلي، سمعان، هو اسم يوناني؛ جاء من منطقة جليل الأمم، وهي منطقة ثنائية اللغة. نظرًا لأنه كان شخصًا ذا إمكانيات متواضعة على الأقل، فقد يُفترض أنه كان متعلمًا، لأن الناس من فئته الاجتماعية والاقتصادية كانوا متعلمين عادةً إلى حد ما.

بعد فترة من قيامة يسوع، انتقل بطرس إلى أورشليم، حيث ظل لمدة عشر سنوات (33-43) زعيمًا للجماعة المسيحية في أورشليم والمتحدث باسمها أمام الجموع (أعمال الرسل 2: 14-42؛ 3: 12-26) وكذلك لرؤساء الكهنة (أعمال الرسل 4: 8-12؛ 5: 29-32). لا شك أن بعض التطور الشخصي والفكري حدث عندما انتقل بطرس من شركة صيد الأسماك في كفرناحوم إلى أورشليم، عاصمة العالم للشعب اليهودي، حيث شارك في أنشطة مثل القيادة والوعظ والتعليم (أعمال الرسل 2: 40، 42؛ 6: 2).

لكن خلال هذه الفترة، لم يكن بطرس محصوراً في أورشليم؛ بعد مقتل إسطفانوس وتشتت المسيحيين الهيلينيين، سافر بطرس (مع يوحنا زبدي) إلى السامرة (أعمال الرسل 8: 14-25) للتحقق من كرازة فيليبس للسامريين وتعزيزها. في وقت لاحق، زار مجموعات مسيحية في لُدة ويافا (أعمال الرسل 9: 32-43)، وربما زار مجموعات أخرى في الشريط الساحلي ثنائي اللغة من أزوت إلى قيصرية حيث كان فيليبس نشطًا (أعمال الرسل 8: 40). في النهاية جاء إلى قيصرية، المدينة الحامية الرومانية حيث استقر فيليبس (أعمال الرسل 8: 40؛ 21: 8) وتحدث في منزل مسئول روماني كبير، كرنيليوس (أعمال الرسل 10: 24-48).

في حوالي 43 م، انتقلت قيادة كنيسة أورشليم إلى يعقوب، شقيق الرب، منذ أن أجبر بطرس على الفرار بسبب اضطهادات هيرودس أغريباس (أعمال الرسل 12: 1-3، 17).

ومع ذلك، فقد بقي في مدار كنيسة أورشليم، يشار إليه على أنه أحد “أعمدتها”، على الرغم من أنه بحلول ذلك الوقت (حوالي 47) ورد اسمه بعد اسم يعقوب (غلاطية 2: 9).

في اجتماع “القمة” التبشيري حوالي 47 م (غلاطية 2: 7-9) تم الاتفاق على أن يذهب بطرس ويعقوب ويوحنا إلى اليهود بالرسالة المسيحية. من الواضح أن هذا ما شرع بطرس في فعله. نسمع عنه في أنطاكية حوالي 49 م (غلاطية 2: 11-14) وفي كورنثوس حوالي 53 م (1 كورنثوس 1: 12؛ 9: 5). يبدو أن الرسالة الأولى لبطرس قد كُتبت من روما (بطرس الأولى 5: 13 “بابل” = روما) في أوائل الستينيات.

إن قصة بطرس هي قصة رائعة. بدأ كصياد مغمور في كفرناحوم النائية وعندما سُمِعَ عنه آخر مرة كان في روما، عاصمة الإمبراطورية. في العقود الثلاثة الفاصلة، رافق يسوع في الجليل واليهودية، وقاد الكنيسة في أورشليم، وكان قائدًا إرساليًا متجولًا في فلسطين، وسافر كمبشر إلى يهود الشتات في سوريا واليونان وإيطاليا. هل من غير المعقول حقًا أن يقوم شخص يتمتع بهذا الاتساع من الخبرة، على الرغم من أصوله المتواضعة نسبيًا، بتوفير المعلومات الأساسية للإنجيل الثاني؟

ماذا عن يوحنا مرقس؟ كان منزل والدته على ما يبدو مكانًا رئيسيًا للقاء لكنيسة أورشليم، أو ربما ذلك الجزء منه الذي كان ينظر إلى قيادة بطرس على عكس يعقوب (أعمال 12: 12-17؛ راجع غلاطية 1: 18-19). تشير الإشارة إلى “بيت مريم” إلى أنها كانت أرملة؛ لم يتم ذكر والد مرقس أبدًا. كان منزلًا كبيرًا على ما يبدو لأن “الكثيرين اجتمعوا معًا. . . يصلون “(أعمال 12: 12). إن وجود الخادمة (أعمال الرسل 12: 13) يضيف إلى صورة مؤسسة كبيرة، ربما ثرية، ينتمي إليها يوحنا مرقس. إسميه، يوحنا (بالعبرية) ومرقس (باليونانية أو اللاتينية)، جنبًا إلى جنب مع خلفية غنية على الأرجح، يجعلان من المرجح أن هذا الرجل كان متعلمًا وثنائي اللغة، مع اليونانية كلغته الثانية.

كان يوحنا مرقس مرتبطًا بقادة مشهورين. كان ابن أخت برنابا (كولوسي 4: 10)، الذي رافقه حوالي 50 في ما كان على الأرجح جولة تبشيرية في قبرص (أعمال الرسل 15: 39). في وقت سابق، حوالي 47، كان الزميل الأصغر لبرنابا وبولس في الجزء الأول من الرحلة التبشيرية لقبرص وجنوب غلاطية (أعمال الرسل 13:13). تم حل الخلاف بين بولس ويوحنا مرقس (أعمال الرسل 15: 37-39) فيما بعد، حيث أشار بولس إليه لاحقًا على أنه “زميل عامل” (فيليمون 23) وكشخص يحتاج إلى مساعدته (2 تيموثاوس 4: 11). بطرس، الذي يكتب من روما حوالي 63، يشير بمودة إلى مرقس على أنه “ابني” (1 بطرس 5: 13)، ربما يعكس علاقة أب بديل تعود إلى أورشليم في الثلاثينيات والأربعينيات.

يحتوي الإنجيل الذي يحمل اسم مرقس على تفاصيل لا توجد بشكل ملحوظ في أي إنجيل آخر. عند القبض على يسوع في أورشليم، “تبعه شاب، ولم يكن في جسده سوى قماش من القماش؛ فأمسكوه وترك القماش وركض عريانا “(مرقس 14: 51-52). هذا، وفقًا لوليام باركلي، “حادث تافه للغاية وغير ذي صلة لإدخاله في المأساة الكبيرة للأحداث في البستان.”[1] يقتبس من تي زان: “يرسم مرقس صورة صغيرة لنفسه في زاوية عمله”. لو كان مَرقُس في الواقع “الشاب”، فهل نقول، عشرين عامًا في حوالي العام 33 م، بحلول أوائل الستينيات عندما افترض الكثيرون أنه كتب إنجيله، لكان قد بلغ الخمسين عامًا تقريبًا.

كان يوحنا مرقس، إذن، من خلفية مالية قوية، وبالتالي فهو متعلم وثنائي اللغة. لقد كان زميلًا مقربًا لبرنابا وبولس وبطرس، وبحلول الوقت الذي بلغ الخمسين من عمره كان قد عمل كزميل تبشيري مع قادة الكنيسة المشهورين لمدة عقد ونصف.

دعونا نفكر في معلومة أخرى. في مقدمة كتابه المكون من مجلدين، يقر لوقا أنه تلقى معلومات مكتوبة عن يسوع من “خدام” معينين قبله، ومن المؤكد أن أحدهم كان كاتب مرقس، حيث أن الكثير من إنجيله مدرج في الإنجيل بحسب لوقا. الكلمة اليونانية التي تعني خادم هي ὑπηρέτης هوبيراتس، والتي عرّفها جيرهارد كيتل بأنها “مساعد للآخر كأداة لإرادته” وهي كلمة استخدمها لوقا ليوحنا مرقس في الجولة التبشيرية الأولى. برنابا وبولس كان يوحنا كـ ” ὑπηρέτης “-خادمهما أو مرافقهما. هل يُطابق لوقا يوحنا مرقس ὑπηρέτης (أعمال الرسل 13: 5) بمؤلف النص الذي اعتمد عليه (لوقا 1: 2)؟

استنتاجنا هو أنه فيما يتعلق بالتعليم والخبرة، كان من الممكن أن يكتب بطرس ويوحنا مرقس الإنجيل الثاني، كما ادعى كتّاب مسيحيون في القرن الثاني. لكن هل فعلوا ذلك؟ لسوء الحظ، كما رأينا، لا يذكر هذا الإنجيل من كتبه، إلا ربما للإشارة إلى أن المؤلف كان “الشاب” في أورشليم الذي فر عارياً في الظلام ليلة القبض على يسوع. إن مسار التحقيق الوحيد المتاح لنا هو أن نقرر ما إذا كانت المعلومات الواردة في الإنجيل وطريقة تقديمها متوافقة مع سلطة بطرسية-مرقسية. إذا كان بطرس هو مصدر المعلومات التي استخدمها مرقس، فإننا نتوقع اكتشاف عناصر السيرة والتاريخية. لكن هل نجدهم؟

 

إعلان أم تاريخ؟

“بداية إنجيل يسوع المسيح، ابن الله” -هذه هي الكلمات التي بدأ بها الإنجيلي الثاني كتابه وأصبح عنوانه. ما كتبه هو “إنجيل”، وهو الوحيد من بين الأربعة التي ندعوها أناجيل الذي أطلق على نفسه اسم الإنجيل. في أماكن أخرى من العهد الجديد، الإنجيل هو “إعلان” أو “كلام”؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي تمت كتابته فيها. لذلك فإن إنجيل مرقس هو إعلان مكتوب وإنجيل مكتوب.

يوجد عدد من ملخصات الإنجيل “المُعلَن” في أعمال الرسل، على سبيل المثال، عندما تحدث بطرس إلى كرنيليوس وعائلته في قيصرية (أعمال الرسل 10: 34-43). كانت النقاط الرئيسية التي ذكرها بطرس لهم هي:

  • بعد المعمودية التي أعلنها يوحنا المعمدان
  • مَسَحَ الله يسوع الناصري بقوة
  • حتى أعلن الإنجيل ابتداءً من الجليل وفي جميع أنحاء اليهودية.
  • كان الله معه وهو يتجول في شفاء كل من يضطهده الشيطان.
  • صلبه أهل أورشليم
  • ولكن الله أقامه في اليوم الثالث

في عام 1932، لاحظ سي إتش دود أن هذا الملخص لخطاب بطرس يشبه إلى حد بعيد تسلسل وهيكل “الإنجيل” المكتوب، وخاصة إنجيل مرقس. وفقًا لدود، كان الإنجيل المكتوب نسخة موسعة من الإنجيل المنطوق.

كتب الإنجيلي الثاني إنجيله للقراءة العامة للكنيسة. وهذا واضح من تعليمات المؤلف لقارئ الكنيسة لشرح مادة غامضة (“دع القارئ يفهم” مر 13: 14). هل من المناسب أن يكون طول ثلثي أحداث هذا الإنجيل أقل من عشر جمل؟ من المؤكد أن السرد سريع الحركة وجذاب، مع حد أدنى من الكلام المسجل. كان أحد أكثر العروض المسرحية نجاحًا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لندن، والذي تم عرضه ليلاً في منازل ممتلئة، يتألف من طاقم من شخص واحد كان نصه الوحيد هو نص إنجيل مرقس. بالرغم من كتابته، يظل إنجيل مرقس بطريقة ما “إعلان”. هل المقصود هو إثارة عواطفنا وتحريك إرادتنا للإيمان بيسوع؟

لا توجد طريقة يمكن اعتبارها مجرد “حياة يسوع”. يدخل يسوع البالغ ببساطة القصة بالقرب من البداية ويكون محور الاهتمام في الحلقات التالية. هناك غياب شبه كامل لتفاصيل السيرة مثل اسم والده أو مكان ولادته أو تعليمه أو عمره أو مظهره.[2] تُروى القصة بإحساس كبير بالدراما، بحيث أنه على الرغم من أن يسوع كان سيزور أورشليم للاحتفال بالأعياد اليهودية تسع أو عشر مرات خلال فترة الثلاث سنوات من حياته العامة، إلا أن هذا الإنجيلي جعله يذهب إلى هناك مرة واحدة فقط -ليموت!

 

تاريخية وجغرافية إنجيل مرقس

هل هذا الإنجيل، إذن، لا علاقة له بالسيرة وغير تاريخي؟ الجواب هو أنه على الرغم من أنه يأتي بشكل أساسي في شكل “إعلان”، إلا أن هناك أيضًا أربعة عناصر تاريخية على الأقل تميز إنجيل مرقس.

السياق التاريخي العام. يسمح لنا إنجيل مرقس بوضع يسوع في سياق تاريخي معروف. بدأ حياته العامة في الجليل بعد إلقاء القبض على النبي الشهير يوحنا المعمدان (مر 1: 14). مهمته، وكذلك مهمة تلاميذه، حدثت خلال الفترة التي كان هيرودس أنتيباس رئيس رباعي الجليل وبيرية (6: 14). حوكم من قبل حاكم اليهودية الروماني، بيلاطس البنطي، وصلب بقراره (15: 15). هؤلاء الثلاثة هم علامات تاريخية لخدمة يسوع في إنجيل مرقس، لأنهم معروفون جيدًا في مصادر تاريخية أخرى -يوحنا موجود في يوسيفوس؛ أنتيباس في يوسيفوس وتاسيتوس؛[3] وبيلاطس في فيلو ويوسيفوس وتاسيتوس.

يعطي مرقس ويوسيفوس أسماء مختلفة لزوج هيروديا السابق قبل أن تتزوج من أنتيباس (مرقس 6: 17؛ الآثار 18. 136)،[4] ولكن هذه تفاصيل ثانوية نسبيًا ولا تنتقص من التوافق الكلي لمرقس في سياق تاريخي معروف.

الهيروديون. يشير إنجيل مرقس إلى جماعة تعرف باسم الهيروديين،[5] عارضوا يسوع بشدة في كل من الجليل وأورشليم (مر 3: 6؛ 12: 13). على الرغم من أن العلماء غير متأكدين من تكوينهم الدقيق ومنطقهم، إلا أن تاريخيتهم ليست موضع تساؤل. من المهم أن إنجيل مرقس هو المصدر الأساسي الوحيد للمعلومات التاريخية لهذه المجموعة. من الواضح أن إشارة متّى الوحيدة مشتقة من مَرقُس (متى 22: 16 = مر 12: 13). لم يرد ذكر الهيروديين في لوقا أو يوحنا.

التفاصيل الجغرافية. يصور إنجيل مرقس يسوع على أن مقره في كفرناحوم (انظر أيضًا متى 4: 13) على الشاطئ الشمالي للجليل، لكنه يذكر أنه احتاج بشكل متزايد إلى الانسحاب خارج الجليل لأسباب مختلفة وعلى ما يبدو لفترات طويلة أكثر فأكثر.[6] على الرغم من أن المؤلف لم يوضح ذلك، إلا أن القراءة المتأنية تجعل الأمر على الأرجح كذلك.

بعد أنشطته الأولية والمذهلة في كفرناحوم (مرقس 1: 28، 33) انسحب يسوع بسبب الجموع (1: 37 -38) إلى “كل الجليل، يكرز في مجامعهم” (1: 39).

بالعودة إلى كفرناحوم (2: 1) أصبح من الضروري المغادرة بسبب مؤامرة الفريسيين والهيروديين (3: 6). انخرط في الخدمة العامة على ضفاف بحيرة طبريا (3: 7) وذهب إلى جبل غير معروف لتعليم الاثني عشر (3: 13).

مرة أخرى في كفرناحوم (3: 19)، بعد خلاف مع الكتبة من أورشليم، انسحب إلى شاطئ البحر للتعليم العام (3: 22 -4: 1). مكث في القارب الذي كان يتحدث منه وسافر مباشرة إلى ديكابوليس [المدن العشر] (4: 1، 35 -36؛ 5: 1). بعد أن عبروا البحر إلى المدينة التي عاش فيها يايرس (5: 21 -43)، زار الناصرة (6: 1-6) ثم زار قرى الجليل (6: 6).

عندما عاد يسوع إلى كفرناحوم، أرسل الاثني عشر لمهمتهم في القرية (6: 7)؛ رجعوا إليه (6: 30)، تبعهم رجال من “جميع المدن” (6: 33)، بعد أن لفتت مهمتهم انتباه هيرودس أنتيباس (6: 14). انسحب مرة أخرى، وأخذ تلاميذه معهم، إلى الجانب الشمالي الشرقي من البحيرة عند بيت صيدا أو بالقرب منها (انظر لوقا 9: 10) حيث سعى الشعب إلى جعله ملكًا (انظر يو 6: 14-15).

تم العثور على يسوع بعد ذلك في جينيسارت في الجليل (مر 6: 53)، حيث عاد إلى كفرناحوم وانخرط في نزاع خطير مع الفريسيين المحليين وكتبة أورشليم (7: 1). غادر مرة أخرى، وتوجه هذه المرة إلى مناطق صور وصيدا على الساحل البعيد لفينيقيا (7: 24)، ومن هناك إلى منطقة ديكابوليس (7: 31)، حيث أطعم أربعة آلاف (8: 1-9).

كانت زيارة يسوع التالية للجليل قصيرة. عندما ذهب هو والتلاميذ من ديكابوليس إلى دلمانوثة (8: 10)، كان هناك خلاف آخر مع الفريسيين (8: 11-12)، لذلك غادروا على الفور على متن قارب إلى بيت صيدا (8: 13، 22)، مع تحذير يسوع لتلاميذه من “خميرة الفريسيين و. ..هيرودس [أنتيباس] “(8: 15)، مصدرا المقاومة اللذان دأبا على إجباره على الخروج من الجليل. من بيت صيدا سافروا إلى المناطق الشمالية والجبلية من قيصرية فيلبي (8: 27)، بالقرب من منبع الأردن. بعد ستة أيام من إعلان بطرس أن يسوع هو “المسيح” (8: 29)، أخذ يسوع ثلاثة من التلاميذ إلى “جبل عالٍ” (من المحتمل أن يكون جبل حرمون، على مقربة من ارتفاع ميلين وحوالي اثني عشر ميلاً ونصفًا شمال شرق قيصرية فيليبي). – نصف ميل شمال شرق قيصرية فيليبي)، حيث حدث التجلي (9: 2-8). من هناك انطلقوا إلى أورشليم، عائدين إلى الجليل، لكن في سرية شديدة (9: 30)، ورجعوا إلى “البيت” في كفرناحوم (9: 33). ثم تبع يسوع والإثني عشر وادي الأردن (10: 1)، وأتوا في النهاية إلى أريحا (10: 46) وفي النهاية إلى أورشليم (11: 1، 11).

وهكذا ينقل إنجيل مرقس إحساسًا قويًا بالنشاط المكثف في الجليل، ومقره كفرناحوم ولكن مع فترات انسحاب إجباري إلى المناطق المجاورة في الغرب والشرق والشمال. رواية مَرقُس، التي تُروى من منظور المعارضة المستمرة للفريسيين المحليين والأورشليميين ومع التهديد الدائم لرئيس الربع هيرودس أنتيباس (والهيروديين)، يُعبَّر عنها بمصطلحات حركة جغرافية محددة داخل الجليل وخارجه، وبالتالي فهي معقولة تاريخياً.

الروابط بين الأحداث. إن إنجيل مرقس، على الرغم من ادعاءات بعض العلماء بأنه مجموعة عشوائية من الأحداث بدون قصة متطورة، إلا أنه يحتوي في الواقع على عدد من روابط السيرة والتاريخ بين الأحداث.

أحد الأمثلة على ذلك هو المنزل في كفرناحوم الذي كان يخص سمعان (وشقيقه أندراوس؟) الذي جاء إليه يسوع (مر 1: 29) وحيث أقام في البداية (1: 33، 35-36). عاد إلى هذا المنزل بعد انسحاباته الطوعية والقسرية المختلفة من كفرناحوم (2: 1؛ 3: 19؛ [7: 17]؛ 9: 33). من الواضح أن هذا المنزل أصبح منزله الخاص وقاعدة عملياته للخدمة في الجليل الأكبر والمناطق خارج الجليل.[7] تشير إشارات “بيت” كفرناحوم هذا، والتي تمتد عبر أحداث مختلفة لأكثر من نصف الإنجيل، إلى أن إنجيل مرقس، بشكل عام، له طابع تاريخي.

مثال آخر هو علاقة يسوع بأناس في بلدة أخرى -مدينته، الناصرة. غادر الناصرة ليعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن (مرقس 1: 9)، واستقر بعد ذلك في كفرناحوم (1: 29؛ متى 4: 13). يُشار إليه بانتظام باسم “يسوع من الناصرة” (1: 24؛ 10: 47؛ 16: 6) أو “يسوع الناصري” (14: 67). بصرف النظر عن زيارته إلى الناصرة بعد معموديته (لوقا 4: 16-30)، يبدو أنه لم يعد هناك لبعض الوقت. عندما عاد، كان أهل الناصرة متشككين للغاية (مر 6: 2) لدرجة أنه أدلى بملاحظته الشهيرة أن “النبي ليس بلا كرامة إلا في بلده” (6: 4). أولئك الذين لم يكرّموا هذا النبي هم أبناء “وطنه” (مقاطعة أو منطقة)، و “أقاربه” (العائلة الممتدة) و “بيته” (عائلته المباشرة، كما في 6: 3 -مريم،[8] والدته وإخوته يعقوب ويوسى ويهوذا وسمعان وأخواته [الذين لم يذكروا بالاسم]). كانت شكوك الناصرة شاملة، وامتدت من عائلته المباشرة عبر شبكة الأقارب إلى المجتمع الأوسع.

لم يكن هذا الشك في الناصرة جديدًا. في وقت سابق “عائلته” (مر 3: 21)، أي أمه وإخوته (3: 31)، انطلقوا من الناصرة إلى كفرناحوم “ليأخذوه” (3: 21) لأنهم اعتقدوا أنه “فاقد لصوابه “(3: 21 NRSV). عند وصولهم وقفوا “في الخارج” (3: 31)، على الأرجح خارج المنزل في كفرناحوم، حيث علق يسوع على ذلك بأن أمه (الحقيقية) وإخوته هم الذين فعلوا مشيئة الله (3: 35).

هنا إذن رابط آخر، يمتد على أربعة فصول، يشير إلى عدم إيمان أهل الناصرة، بما في ذلك عائلته، على عكس “العائلة” الجديدة في كفرناحوم، كما كان الحال في منزل سمعان وأندراوس. هذان المثالان المتقاطعان للمراجع التي تغطي عدة فصول وأحداث هما دليل على الطابع التاريخي الكامن وراء إنجيل مرقس.

في الختام نسأل: هل للإعلان المكتوب أيضًا خصائص سيرة الحياة وله تاريخية تتوافق مع تأليف بطرسي-مرقسي؟ والدليل على الإجابة الإيجابية هو أن قصة مرقس تتوافق مع سياقها التاريخي؛ أنها تشير إلى وجود مجموعة “الهيروديين”؛ أن انسحاب يسوع يتوافق مع الظروف التاريخية للجليل ومع جغرافيته؛ وأن بعض الروابط الدقيقة بين الحلقات تشير إلى أن السرد يقوم على الحقيقة التاريخية. لكن هل هناك المزيد الذي يمكن قوله؟

 

الدليل على شهادة شاهد عيان

سنحاول في هذا القسم أن نبين أنه بالإضافة إلى المعلومات ذات الطابع التاريخي، هناك أيضًا آثار للأدلة التي من المحتمل أن تعود إلى شاهد عيان.

تفاصيل حية. هناك العديد من الأمثلة على التفاصيل الحية في إنجيل مرقس. من أين أتوا؟ هل نشأوا من خيال المؤلف المفعم بالحيوية أم من تذكره لأشياء تركت انطباعًا في ذاكرته؟ إذا كانت الأمثلة عبارة عن مقاطع وصفية طويلة، فسنميل إلى أن ننسبها إلى خياله. ومع ذلك، نظرًا لأنها محصورة في التفاصيل الصغيرة، فمن المرجح أنها نشأت من تذكره للأحداث المذهلة والمفعمة بالحيوية. دعونا نتأمل بعض الأمثلة.

وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ، إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ. وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا مُجْتَمِعَةً عَلَى الْبَابِ. (مر 1: 32-33).

تأمل الحشد المواجه للباب عند غروب الشمس أثار إعجاب شاهد عيان. وإلا كيف يمكننا شرح هذه الكلمات؟

وَقَالَ لَهُمْ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ لَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ: «لِنَجْتَزْ إِلَى الْعَبْرِ». فَصَرَفُوا الْجَمْعَ وَأَخَذُوهُ كَمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ. وَكَانَتْ مَعَهُ أَيْضًا سُفُنٌ أُخْرَى صَغِيرَةٌ. فَحَدَثَ نَوْءُ رِيحٍ عَظِيمٌ، فَكَانَتِ الأَمْوَاجُ تَضْرِبُ إِلَى السَّفِينَةِ حَتَّى صَارَتْ تَمْتَلِئُ. وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا. (مر 4: 35-38)

يعكس هذا المقطع مشاعر الرعب والخوف من أن يسوع كان نائماً عندما امتلأ القارب بالماء.

وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ لِلْوَقْتِ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْقُبُورِ إِنْسَانٌ بِهِ رُوحٌ نَجِسٌ، كَانَ مَسْكَنُهُ فِي الْقُبُورِ، وَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَرْبِطَهُ وَلاَ بِسَلاَسِلَ، لأَنَّهُ قَدْ رُبِطَ كَثِيرًا بِقُيُودٍ وَسَلاَسِلَ فَقَطَّعَ السَّلاَسِلَ وَكَسَّرَ الْقُيُودَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُذَلِّلَهُ. وَكَانَ دَائِمًا لَيْلًا وَنَهَارًا فِي الْجِبَالِ وَفِي الْقُبُورِ، يَصِيحُ وَيُجَرِّحُ نَفْسَهُ بِالْحِجَارَةِ. (مر 5: 2-5)

إليكم صورة قاتمة لسلاسل تتدلى من اليدين والساقين والجسد المصاب بالكدمات بالإضافة إلى تقارير عن ضوضاء ليلية غريبة طبعت نفسها على ذكرى شخص كان حاضراً.

فَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَئِيسِ الْمَجْمَعِ وَرَأَى ضَجِيجًا. يَبْكُونَ وَيُوَلْوِلُونَ كَثِيرًا. فَدَخَلَ وَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تَضِجُّونَ وَتَبْكُونَ؟ لَمْ تَمُتِ الصَّبِيَّةُ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ». فَضَحِكُوا عَلَيْهِ. أَمَّا هُوَ فَأَخْرَجَ الْجَمِيعَ، وَأَخَذَ أَبَا الصَّبِيَّةِ وَأُمَّهَا وَالَّذِينَ مَعَهُ وَدَخَلَ حَيْثُ كَانَتِ الصَّبِيَّةُ مُضْطَجِعَةً، وَأَمْسَكَ بِيَدِ الصَّبِيَّةِ وَقَالَ لَهَا: «طَلِيثَا، قُومِي!». الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا صَبِيَّةُ، لَكِ أَقُولُ: قُومِي! (مر 5: 38-41)

تبرز الكلمات الآرامية مقابل ذكرى أصوات النحيب والضحك المهين كالكلمات ذاتها التي استخدمها يسوع للفتاة الميتة.

فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْجَمِيعَ يَتَّكِئُونَ رِفَاقًا رِفَاقًا عَلَى الْعُشْبِ الأَخْضَرِ. فَاتَّكَأُوا صُفُوفًا صُفُوفًا: مِئَةً مِئَةً وَخَمْسِينَ خَمْسِينَ. (مر 6: 39-40)

هذه صورة فوتوغرافية تقريبًا لأشخاص يجلسون في مجموعات، وتعطي ثيابهم الملونة مظهر أسرة الزهور الموضوعة على العشب الأخضر.

كلمات مرقس هذه تقفز من الصفحة. في رأيي لا يمكن أن تأتي إلا من ذكرى شخص صدمته دراما المشهد أو لونه أو صوته أو غرابته. وراء هذه الكلمات ذكريات شخص كان حاضرا.

عواطف يسوع. من أبرز التفاصيل الحية في إنجيل مَرقُس ردود أفعال يسوع العاطفية والشخصية في مواقف معينة. كيف نفسر هذه في الإنجيل؟ هل هي نتيجة خيال المؤلف أم من ذكرياته؟ المؤلف لا يطورها بشكل منهجي، وليس هناك ما يدل على أنها قد اختلقت بأي شكل من الأشكال. بدلا من ذلك، يذكرها الكاتب بشكل عابر. وفيما يلي بعض الأمثلة أدناه.

  • فَأَتَى إِلَيْهِ أَبْرَصُ يَطْلُبُ إِلَيْهِ جَاثِيًا وَقَائِلًا لَهُ: «إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي» فَتَحَنَّنَ يَسُوعُ وَمَدَّ يَدَهُ وَلَمَسَهُ وَقَالَ لَهُ: «أُرِيدُ، فَاطْهُرْ!». فَلِلْوَقْتِ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ ذَهَبَ عَنْهُ الْبَرَصُ وَطَهَرَ. فَانْتَهَرَهُ وَأَرْسَلَهُ لِلْوَقْتِ (مر 1: 40-43)
  • ثُمَّ دَخَلَ أَيْضًا إِلَى الْمَجْمَعِ، وَكَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ. فَصَارُوا يُرَاقِبُونَهُ: هَلْ يَشْفِيهِ فِي السَّبْتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ. …فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ، حَزِينًا عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: «مُدَّ يَدَكَ». فَمَدَّهَا، فَعَادَتْ يَدُهُ صَحِيحَةً كَالأُخْرَى. (مر 3: 1-2، 5)
  • وَاجْتَمَعَ الرُّسُلُ إِلَى يَسُوعَ وَأَخْبَرُوهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، كُلِّ مَا فَعَلُوا وَكُلِّ مَا عَلَّمُوا. فَقَالَ لَهُمْ: «تَعَالَوْا أَنْتُمْ مُنْفَرِدِينَ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَاسْتَرِيحُوا قَلِيلًا». لأَنَّ الْقَادِمِينَ وَالذَّاهِبِينَ كَانُوا كَثِيرِينَ، وَلَمْ تَتَيَسَّرْ لَهُمْ فُرْصَةٌ لِلأَكْلِ. فَمَضَوْا فِي السَّفِينَةِ إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ مُنْفَرِدِينَ. فَرَآهُمُ الْجُمُوعُ مُنْطَلِقِينَ، وَعَرَفَهُ كَثِيرُونَ. فَتَرَاكَضُوا إِلَى هُنَاكَ مِنْ جَمِيعِ الْمُدُنِ مُشَاةً، وَسَبَقُوهُمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَلَمَّا خَرَجَ يَسُوعُ رَأَى جَمْعًا كَثِيرًا، فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا كَخِرَافٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا، فَابْتَدَأَ يُعَلِّمُهُمْ كَثِيرًا. (مر 6: 30-34)
  • وَلِلْوَقْتِ أَلْزَمَ [= أجبر] تَلاَمِيذَهُ أَنْ يَدْخُلُوا السَّفِينَةَ وَيَسْبِقُوا إِلَى الْعَبْرِ، إِلَى بَيْتِ صَيْدَا، حَتَّى يَكُونَ قَدْ صَرَفَ الْجَمْعَ. (مر 6: 45)
  • وَقَدَّمُوا إِلَيْهِ أَوْلاَدًا لِكَيْ يَلْمِسَهُمْ. وَأَمَّا التَّلاَمِيذُ فَانْتَهَرُوا الَّذِينَ قَدَّمُوهُمْ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ ذلِكَ اغْتَاظَ وَقَالَ لَهُمْ: دَعُوا الأَوْلاَدَ يَأْتُونَ إِلَيَّ وَلاَ تَمْنَعُوهُمْ، لأَنَّ لِمِثْلِ هؤُلاَءِ مَلَكُوتَ اللهِ. …فَاحْتَضَنَهُمْ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ وَبَارَكَهُمْ. (مر 10: 13-14، 16)
  • وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ إِلَى الطَّرِيقِ، رَكَضَ وَاحِدٌ وَجَثَا لَهُ وَسَأَلَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» …فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ، وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ: اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلًا الصَّلِيبَ». (مر 10: 17، 21)
  • ثُمَّ أَخَذَ مَعَهُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَابْتَدَأَ يَدْهَشُ وَيَكْتَئِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ! اُمْكُثُوا هُنَا وَاسْهَرُوا». (مر 14: 33-34)
  • “وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟” (مر 15: 34).

وإلا كيف نفسر هذه الإشارات إلى السلوك البشري والعاطفي الشديد ليسوع -شفقته، وغضبه، وتعبه، واهتمامه بالآخرين، وغيظه، ومحبته، وخوفه، وإحساسه بالتخلي -أكثر من ردود أفعال سجلت بقوة مع شخص كان حاضراً في ذلك الوقت؟ يبدو من غير المحتمل أن تكون مثل هذه الإشارات قد نشأت من خيال المؤلف.

يذكر هذا المؤلف في خمس مناسبات أن يسوع “نظر حوله” (كما في دائرة): في المجمع عندما كانوا يشاهدون ما إذا كان سيشفى يوم السبت (3: 5)؛ في بيت كفرناحوم مع والدته وإخوته في الخارج (3: 34)؛ عند الحشد، ليرى من لمسه (5: 32)؛ للتلاميذ عندما قال مدى صعوبة دخول الأثرياء إلى ملكوت الله (10: 23)؛ وعند وصوله إلى الهيكل (11: 11). هذه “النظرة” التي حدثت في المناسبات الدرامية لم يسجلها متى ولم يسجلها لوقا سوى مرة واحدة. تكمن وراء رواية مَرقُس ذكرى شخص رأى -وتأثر بعمق -بالطريقة التي “نظر بها” يسوع في هذه الأوقات الدرامية العالية.

مقاطع “هم”. في عام 1928، لاحظ سي إتش تيرنر C. H. Turner، في تعليقه على مرقس، أن الإنجيلي الثاني كثيرًا ما استخدمهم في روايته، متحدثًا عن التلاميذ، في حين أن متى ولوقا كثيرًا ما حذفاهم، مشيرين فقط إلى يسوع والشخص الآخر في القصة. مع الأخذ في الاعتبار تصريح بابياس بأن مَرقُس كتب ما سمعه من بطرس، اقترح تيرنر أن بطرس غالبًا ما قال “نحن”، متحدثًا عن نفسه وعن التلاميذ الآخرين الحاضرين مع يسوع. بما أن مَرقُس لم يكن حاضرًا مع بطرس والآخرين، فلا يمكنه أن يكتب “نحن”؛ يجب أن يكتب “هم”. عندما تولى متى ولوقا مسؤولية مادة مرقس، تم حذف الكلمة، تاركين المفرد “هو” أي يسوع. وهكذا، في إعادة بناء تيرنر، كانت العملية

 

 

تعليم بطرس لعناصر القصة

كتابة مرقس لعناصر القصة

تكميل وتكييف متى ولوقا لمادة مرقس

نحن + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة

هم + يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة

يسوع + الشخص (الأشخاص) في القصة

 

هناك العديد من قصص مرقس التي يمكننا فيها بسهولة تخيل “هم” على أنها في الأصل، من فم بطرس تعني “نحن”، على سبيل المثال:

وَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْمَجْمَعِ جَاءُوا لِلْوَقْتِ إِلَى بَيْتِ سِمْعَانَ وَأَنْدَرَاوُسَ مَعَ يَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا، وَكَانَتْ حَمَاةُ سِمْعَانَ [حماتي] مُضْطَجِعَةً مَحْمُومَةً، فَلِلْوَقْتِ أَخْبَرُوهُ [أخبرناه] عَنْهَا. فَتَقَدَّمَ وَأَقَامَهَا مَاسِكًا بِيَدِهَا، فَتَرَكَتْهَا الْحُمَّى حَالًا وَصَارَتْ تَخْدِمُهُمْ. (مر 1: 29-31)

لاحظ أن متى 8: 14-15 أزال جميع صيغ الجمع بينما قام لوقا 4: 38-39 بتغيير اثنين من صيغ الجمع الثلاثة. من الأمثلة الأخرى في إنجيل مَرقُس:

وأتوا [أتينا] إلى بيت صيدا. فقدموا إليه رجل أعمى. (8: 22 NIV)

“وَخَرَجُوا [خرجنا] مِنْ هُنَاكَ وَاجْتَازُوا الْجَلِيلَ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ،” (مر 9: 30).

“وَجَاءُوا [جئنا] إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَّبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.” (مر 11: 15).

في حين أنه من غير الممكن إثبات تصريح بابياس بأن مرقس كان “مترجم بطرس” (وهو تصريح يوافق عليه كل كاتب من القرن الثاني يغامر برأيه حول مؤلف الإنجيل الثاني)، الأدلة الداخلية متوافقة تمامًا مع هذا البيان. في حين أن وجهة نظر C.H. Turner يجب ألا تكون أكثر من احتمال مثير للاهتمام، يبدو لي أن التفاصيل الحية والإشارات إلى مشاعر يسوع تتطلب أن تكمن وراء النص المكتوب شهادة شاهد عيان.

 

يسوع في أورشليم

يتكون إنجيل مرقس من ستة عشر إصحاحاً، ستة منها على الأقل مخصصة لما حدث ليسوع في أورشليم. من حيث الكلمات الفعلية، يخصص مَرقُس ثلث إنجيله تقريبًا لأحداث تلك الأيام القليلة في أورشليم. قد يكون من المهم أن تكون هذه الفصول دقيقة للغاية ومفصلة في مسائل الزمان والمكان والناس. يقدم الجدول القادم أمثلة على تفاصيل وقت ومكان مرقس.

تفاصيل الأشخاص. بصرف النظر عن هؤلاء التلاميذ الذين تم تسميتهم والحاكم الروماني بيلاطس البنطي، يذكر مرقس الأسماء التالية: باراباس، قاتل شارك في “التمرد” (15: 6-15)؛ سمعان القيرواني “والد ألكسندر وروفس” (15: 21)؛ مريم المجدلية، وكذلك “مريم أم يعقوب الأصغر ويوسى” و “سالومة” (15: 40؛ 16: 1)؛ ويوسف الرامي (15: 43-46).

تفاصيل الزمان

تفاصيل المكان

فدخل اورشليم ودخل الهيكل. . .. وكان الوقت قد أمسى. (مر 11: 11)

في الغد. . . (11: 12)

في الصباح أذ كانوا مجتازين. . . (11: 20)

وجاءوا أيضاً الى اورشليم. (11: 27)

كان الآن قبل عيد الفصح بيومين. (14: 1)

وفي اليوم الأول من الفطير. . . (14: 12)

وعندما كان المساء. . . (14: 17)

وبمجرد أن كان الصباح. . . (15: 1)

وكانت الساعة الثالثة. (15: 25)

ولما جاءت الساعة السادسة. . . (15: 33)

ولما حل المساء. . . (15: 42)

ولما كان السبت قد مضى. . . (16: 1)

وقربوا من اورشليم الى بيت فاجي وبيت عنيا على جبل الزيتون. (مر 11: 1؛ 11: 15، 27؛ 14: 16)

خرج إلى بيت عنيا. (11: 11؛ 14: 3)

ولما خرج من الهيكل. . . (13: 1)

وبينما هو جالس على جبل الزيتون مقابل الهيكل. . . (13: 3؛ 14: 26).

وذهبوا الى مكان يقال له جثسيماني. (14: 32)

وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى دار رئيس الكهنة. (14: 54)

واقتادوه الجنود بعيدًا داخل القصر (أي دار الولاية). (15: 16)

وأتوا به إلى الموضع الذي يقال له الجلجلة. . .. وصلبوه. (15: 22، 24)

وهو [يوسف الرامي] . . . وضعه في قبر [قبره] المنحوت في الصخر. (15: 46)

نظرًا لوجود الكثير من التفاصيل في تلك الإصحاحات الستة الأخيرة، فقد اقترح أنها كانت موجودة في الأصل منفصلة باعتبارها الجزء الأول من الإنجيل الذي يتخذ شكلًا مكتوبًا. يشير هذا الجزء من إنجيل مرقس خمس مرات إلى رئيس الكهنة (14: 53، 54، 60، 61، 63) دون ذكر اسمه. وتم افتراض أن قيافا كان لا يزال رئيس الكهنة عندما كُتبت القصة، ولم تكن هناك حاجة لذكر اسمه. بما أن قيافا كان رئيس كهنة حتى عام 37 بعد الميلاد، فمن المحتمل أن يكون إنجيل أورشليم هذا قد ظهر قبل ذلك التاريخ.

أما بالنسبة للمؤلف، فإننا نخمن أنه إذا كان بطرس في تلك المرحلة مرتبطًا بمنزل يوحنا مرقس (انظر أعمال الرسل 12: 12-17)، من المحتمل جدًا أن يكون هذا الجزء من الإنجيل قد نشأ عن جهد تعاوني لبطرس ومرقس في منتصف الثلاثينيات.

عند الفحص، وجد أن إنجيل مرقس يتوافق مع تصريح بابياس بأن مرقس استخدم بطرس كمصدر له. بالنظر إلى هذا الإنجيل ككل، يتوافق هذا الإنجيل مع مخطط وعظ بطرس كما في الخطاب الذي ألقاه على كرنيليوس. بالنظر إلى الأجزاء المكونة له، وجد أنه غني بالمعلومات التاريخية والتفاصيل الحية، مما يدعم الافتراض بأن شاهد عيان كتب أو كان مصدر إنجيل مرقس.

 

هل كانت الأناجيل مجهولة العناوين؟

تخيل للحظة أنك تتصفح أرفف مكتبتك المحلية، ووجدت سيرتين للبابا فرانسيس. كتب أحدها صديق قديم ومعاصر للبابا. السيرة الأخرى مجهولة. أي واحدة سوف تشتري؟ معظم الناس، أجرؤ على التخمين، سيختارون التي كتبها شخص قضى وقتًا معه بالفعل، شخص كان صديقًا لـ جورج بيرجوجليو Jorge Bergoglio، الرجل الذي أصبح البابا فيما بعد.[9] في الوقت نفسه، أعتقد أن معظم الناس قد ينظرون أيضًا إلى السيرة المجهولة بدرجة من الشك. من كتب هذا؟ من أين حصلوا على معلوماتهم؟ لماذا يجب أن أثق في أنهم يعرفون ما الذي يتحدثون عنه؟ وإذا كانوا يريدون أن يصدقهم أحد، فلماذا لم يضعوا اسمهم في الكتاب؟

عندما يتعلق الأمر بسيرة يسوع الناصري -أو أي شخصية تاريخية في هذا الصدد -نجد أنفسنا في موقف مشابه. السؤال الأول الذي يجب أن نجيب عليه هو كيف نعرف ما نعرفه عن يسوع؟ كيف يمكن لأناس القرن الحادي والعشرين أن يعرفوا بأي قدر معقول من اليقين ما فعله وقاله في القرن الأول؟ من الواضح أنه لم يكن أحد منا هناك عندما سار يسوع على الأرض. فكيف نصل إليه كشخص تاريخي؟

بالنسبة للكثير من الناس، الإجابة على هذا السؤال بسيطة: افتح كتابك المقدس واقرأ إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا؛ يخبروننا بما فعله يسوع وقاله. في الواقع، منذ ما يقرب من تسعة عشر قرنًا، اعتقد معظم المسيحيين -وكل شخص آخر تقريبًا في هذا الصدد -أن إنجيلي متى ويوحنا كتبهما شهود عيان وتلاميذ ليسوع وأن إنجيلي مرقس ولوقا قد كتبهما رفقاء الرسولين بطرس وبولس.

ومع ذلك، كما ذكرت في الفصل الأول، في القرن الماضي أو نحو ذلك، ظهرت نظرية جديدة على الساحة. وفقًا لهذه النظرية، فإن الأفكار المسيحية التقليدية حول من كتب الأناجيل ليست صحيحة في الواقع. بدلاً من ذلك، بدأ العلماء في اقتراح أن الأناجيل الأربعة كانت في الأصل مجهولة. على وجه الخصوص، تم صياغة هذه النظرية في أوائل القرن العشرين من قبل العلماء المعروفين باسم “نقاد الشكل”، الذين اعتقدوا أن الأناجيل لم تكن سيرة بل هي فولكلور.[10] على حد تعبير عالم العهد الجديد ريتشارد باوكهام:

الافتراض بأن تقاليد يسوع كانت تُنشر بشكل مجهول في الكنيسة الأولى، وبالتالي فإن الأناجيل التي تم جمعها فيها وتسجيلها كانت أيضًا مجهولة في الأصل كانت شائعة جدًا في دراسات الأناجيل في القرن العشرين. تم نشره من قبل نقاد الشكل كنتيجة طبيعية لاستخدامهم لنموذج الفولكلور، الذي تم تمريره بشكل مجهول من قبل المجتمعات. كانوا يعتقدون أن الأناجيل كانت أدبًا شعبيًا، كما أنها مجهولة الاسم/المصدر. هذا الاستخدام لنموذج الفولكلور قد فقد مصداقيته … ويرجع ذلك جزئيًا إلى وجود اختلاف كبير بين التقاليد الشعبية المتوارثة عبر القرون والفترة الزمنية القصيرة -أقل من عمر الفرد – التي انقضت قبل كتابة الأناجيل. ولكن من اللافت للنظر إلى أي مدى كانت فكرة أن ليس فقط التقاليد ولكن الأناجيل نفسها كانت في الأصل مجهولة المصدر.[11]

 

“عنيد” هي الكلمة الصحيحة فقط. بحلول نهاية القرن العشرين، عندما كنت طالبًا، كان الافتراض بأن الأناجيل الأربعة في العهد الجديد لم تُنسب في الأصل إلى أي شخص واسع الانتشار لدرجة أنه نادرًا ما تمت مناقشته على الإطلاق، ناهيك عن التشكيك فيه. نتيجة لذلك، يعتقد العديد من العلماء اليوم أننا لا نعرف من كتب الأناجيل الأربعة، وهي مصادرنا التاريخية الأساسية لما فعله يسوع وقاله.

ماذا سنفعل من هذه النظرية؟ ما الدليل على أن الأناجيل كانت في الحقيقة مجهولة المصدر؟ في هذا الفصل، سوف نلقي نظرة فاحصة على النظرية ونرى سبب وجود بعض الأسباب الوجيهة للشك فيها.

 

نظرية الأناجيل مجهولة الاسم

في كتابه الأخير كيف أصبح يسوع إلهًا، يقدم بارت إيرمان ملخصًا موجزًا لنظرية الأناجيل المجهولة. يمكن تقسيمها إلى أربع ادعاءات أساسية.

أولاً، وفقًا لهذه النظرية، تم نشر جميع الأناجيل الأربعة في الأصل دون أي عناوين أو ألقاب تحدد هوية المؤلفين.[12] هذا يعني عدم وجود “الإنجيل حسب متى”، ولا “الإنجيل حسب مرقس”، ولا “الإنجيل بحسب لوقا”، ولا “الإنجيل حسب يوحنا”. ليس لأحد الأربعة. فقط الفراغات. وفقًا لهذه النظرية، على عكس العديد من السير القديمة الأخرى المنشورة تحت اسم مؤلف حقيقي، اختار المؤلفون الأصليون للأناجيل عمداً إخفاء هوياتهم.[13]

ثانيًا، من المفترض أن الأناجيل الأربعة تم تداولها دون أي ألقاب لمدة قرن تقريبًا قبل أن ينسبها أي شخص إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا.[14] تذكر أنه في العالم القديم، كانت جميع الكتب نسخًا يدوية الصنع تُعرف باسم المخطوطات. وهكذا، وفقًا لهذه الفرضية، في كل مرة يُنسخ فيها أحد الأناجيل يدويًا لعقد بعد عقد، لم يضيف أحد أي ألقاب.

ثالثًا، لم يتم إضافة العناوين أخيرًا إلى المخطوطات إلا بعد وقت طويل -في وقت ما بعد موت تلاميذ يسوع ودفنهم. وفقًا للنظرية، كان سبب إضافة الألقاب هو إعطاء الأناجيل الأربعة “سلطة مطلوبة بشدة”.[15] بمعنى آخر، كان إدراج العناوين محاولة متعمدة لخداع القراء للاعتقاد الكاذب بأن الأناجيل كتبها الرسل وتلاميذهم. كما كتب بارت إيرمان في مكان آخر، فإن عناوين الأناجيل الأربعة هي شكل “ليس بريئًا على الإطلاق” من الإسناد أو التزوير القديم – وهي ممارسة يدينها على نطاق واسع كل من الوثنيين والمسيحيين.[16]

رابعًا وأخيرًا، وربما الأهم من ذلك كله، وفقًا لهذه النظرية، نظرًا لأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة الاسم، فمن المنطقي الاستنتاج أن أيا منها لم يكتبه شاهد عيان.[17] على سبيل المثال، بالنسبة لإيرمان، فإن الأناجيل الأربعة هي الحلقات الأخيرة في سلسلة طويلة من كتابات رواة القصص المجهولين الذين لم يكونوا هم أنفسهم شهود عيان ليسوع والذين ربما لم يلتقوا أبدًا بأي شاهد عيان.

هذه باختصار نظرية الأناجيل المجهولة.[18] تنتشر النظرية بشكل ملحوظ بين العلماء وغير العلماء على حد سواء. وقد تم التأكيد عليه بشكل خاص من قبل أولئك الذين يرغبون في إثارة الشكوك حول المصداقية التاريخية لصورة يسوع في الأناجيل الأربعة.[19] المشكلة الوحيدة هي أن النظرية تكاد تكون بلا أساس. لا أساس لها في أقدم مخطوطات الأناجيل، ولا تأخذ على محمل الجد كيفية نسخ الكتب القديمة وتداولها، وتعاني من نقص عام في المعقولية التاريخية. دعونا نلقي نظرة فاحصة على كل من نقاط الضعف هذه.

 

لا توجد مخطوطات للأناجيل بدون اسم/عنوان

المشكلة الأولى وربما الأكبر لنظرية الأناجيل المجهولة هي: لم يتم العثور على نسخ مجهولة من متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا. لا وجود لها. على حد علمنا، لم يوُجدوا أبدًا.

بدلاً من ذلك، كما أوضح الباحث في العهد الجديد سيمون جاثركول، فإن المخطوطات القديمة مُجمعة على نسب هذه الكتب إلى الرسل ورفاقهم. تأمل، على سبيل المثال، الجدول التالي للعناوين الموجودة في أقدم المخطوطات اليونانية لكل من الأناجيل.[20]

عناوين الأناجيل

المخطوطات اليونانية الأقدم

التاريخ[21]

الإنجيل بحسب متى

بردية 4

القرن الثاني

الإنجيل بحسب متى

بردية 62

القرن الثاني

بحسب متى

السينائية

القرن الرابع

بحسب متى

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب متى (مجزأة)

واشنجتون       

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب متى

السكندرية     

القرن الخامس

الإنجيل بحسب متى

الإفرايمية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب متى (النهاية)

بيزا

القرن الخامس

بحسب مرقس

السينائية

القرن الرابع

بحسب مرقس

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب مرقس

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب مرقس (مجزأة)

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب مرقس (النهاية)

الإفرايمية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب مرقس

بيزا

القرن الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

بردية 75

القرن الثاني-الثالث

بحسب لوقا

السينائية

القرن الرابع

بحسب لوقا

الفاتيكانية

القرن الرابع

الإنجيل بحسب لوقا

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب لوقا

بيزا

القرن الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا

بردية 66

أواخر القرن الثاني

الإنجيل بحسب يوحنا

بردية 75

القرن الثاني-الثالث

بحسب يوحنا

السينائية

القرن الرابع

بحسب يوحنا

الفاتيكانية

القرن الرابع

بحسب يوحنا (النهاية)

واشنجتون

القرن الرابع-الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا (النهاية)

السكندرية

القرن الخامس

الإنجيل بحسب يوحنا

بيزا

القرن الخامس

لاحظ ثلاثة أشياء بخصوص هذا الدليل.

أولاً، هناك غياب صارخ لأية مخطوطات إنجيلية مجهولة الاسم/المصدر. هذا لأنهم غير موجودين. ولا واحدة. السبب وراء أهمية هذا الأمر هو أن إحدى القواعد الأساسية في دراسة مخطوطات العهد الجديد (وهي ممارسة تُعرف بالنقد النصي) هي أنك تعود إلى أقدم وأفضل النسخ اليونانية لترى ما تقوله بالفعل. ليس ما كنت ترغب في قوله، ولكن ما يقولونه بالفعل. عندما يتعلق الأمر بعناوين الأناجيل، ليس فقط أقدم وأفضل المخطوطات، ولكن جميع المخطوطات القديمة – بدون استثناء، في كل لغة – تنسب الأناجيل الأربعة إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا.[22]

ثانيًا، لاحظ أن هناك بعض الاختلاف في شكل العناوين (على سبيل المثال، بعض المخطوطات اللاحقة تحذف كلمة “الإنجيل”). ومع ذلك، كما يلاحظ الباحث في العهد الجديد مايكل بيرد، هناك “اتساق مطلق” في المؤلفين الذين يُنسب إليهم كل كتاب.[23] أحد أسباب أهمية ذلك هو أن بعض العلماء سيدعون أن المخطوطات اليونانية تدعم فكرة أن عناوين الأناجيل قد أضيفت لاحقًا. على سبيل المثال، كتب بارت إيرمان:

نظرًا لأن المخطوطات اليونانية الباقية توفر مجموعة متنوعة من العناوين (المختلفة) للأناجيل، فقد أدرك علماء النصوص منذ فترة طويلة أن أسمائهم المألوفة (على سبيل المثال، “الإنجيل بحسب متى”) لا تعود إلى عنوان “أصلي” واحد، ولكن أضيف لاحقًا بواسطة الكتبة.[24]

انظر إلى الرسم البياني الذي يظهر عناوين أقدم المخطوطات اليونانية. أين هو “التنوع الكبير” للألقاب الذي يتحدث عنه؟ الاختلاف الوحيد المهم هو أن كلمة “الإنجيل” مفقودة في بعض النسخ اللاحقة، ربما بسبب اختصار العنوان.[25] في الواقع، هي بالضبط الأسماء المألوفة لمتى ومرقس ولوقا ويوحنا التي توجد في كل مخطوطة واحدة لدينا! ووفقًا للقواعد الأساسية للنقد النصي، إذا كان هناك شيء أصلي في العناوين، فهو أسماء المؤلفين.[26] هي على الأقل أصلية مثل أي جزء آخر من الأناجيل التي لدينا أدلة مخطوطة بالإجماع عليها.

ثالثًا – وهذا مهم – لاحظ أيضًا أن العناوين موجودة في أقدم نسخ كل إنجيل لدينا، بما في ذلك الأجزاء الأولى، المعروفة باسم البرديات (من أوراق البردي التي صنعت منها). على سبيل المثال، تحتوي المخطوطة اليونانية الأولى لإنجيل متى على العنوان “الإنجيل بحسب متى” (اليونانية euangelion kata Matthaion) (بردية 4). وبالمثل، فإن أقدم نسخة يونانية من بداية إنجيل مرقس تبدأ بالعنوان “الإنجيل بحسب مرقس” (اليونانية euangelion kata Markon). تعتبر هذه المخطوطة الشهيرة – التي تُعرف باسم المخطوطة السينائية لأنها اكتُشفت على جبل سيناء – على نطاق واسع واحدة من أكثر النسخ القديمة الموثوقة للعهد الجديد التي تم العثور عليها على الإطلاق. على نفس المنوال، تبدأ أقدم نسخة معروفة من إنجيل لوقا بكلمات “الإنجيل بحسب لوقا” (اليونانية euangelion kata Loukan) (بردية 75). أخيرًا، المخطوطة الأولى الموجودة لإنجيل يوحنا ليست سوى جزء صغير من الإنجيل. لكن لحسن الحظ، تم حفظ الصفحة الأولى ونصها: “الإنجيل بحسب يوحنا” (اليونانية euangelion kata Iōannēn) (بردية 66).

باختصار، تُنسب النسخ الأولى والأفضل من الأناجيل الأربعة بالإجماع إلى متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا يوجد دليل مخطوطي على الإطلاق – وبالتالي لا يوجد دليل تاريخي فعلي – لدعم الادعاء بأن الأناجيل “في الأصل” ليس لها ألقاب. في ضوء هذا النقص الكامل في النسخ المجهولة، كتب عالم العهد الجديد مارتن هينجل:

دعوا أولئك الذين ينكرون العصر العظيم وبالتالي الأصالة الأساسية في عناوين مخطوطات الأناجيل من أجل الحفاظ على ضميرهم النقدي “الصالح” يعطون تفسير أفضل للإجماع الكامل والشهادة المبكرة نسبيًا لهذه العناوين وأصلها وأسماء المؤلفين المرتبطين بها. لم يتم تقديم مثل هذا التفسير بعد، ولن يتم تقديمه أبدًا.[27]

 

سيناريو مجهولية كُتّاب الأناجيل غير معقول

المشكلة الرئيسية الثانية في نظرية الأناجيل المجهولة هي اللامعقولية المطلقة بأن كتابًا يدور حول الإمبراطورية الرومانية بدون عنوان لما يقرب من مائة عام يمكن أن يُنسب بطريقة ما إلى المؤلف نفسه بالضبط من قبل الكتبة في جميع أنحاء العالم ولا يترك أي أثر للخلاف في أي مخطوطات.[28] وبالمناسبة، من المفترض أن هذا لم يحدث مرة واحدة فقط، ولكن مع كل واحد من الأناجيل الأربعة.

فكر في الأمر لدقيقة واحدة. وفقًا لنظرية الأناجيل المجهولة الاسم، فإن إنجيل متى كان “في الأصل” الإنجيل وفقًا لأي شخص. نُسخ هذا الكتاب المجهول باليد، وأعيد نسخه، وأعيد نسخه، ووزع في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية لعقود. وبالمثل، فإن إنجيل مرقس، الذي كان أيضًا “في الأصل” إنجيلًا بالنسبة لأي شخص، تم نسخه وإعادة نسخه وتعميمه وإعادة نسخه لعقود. وهكذا بالنسبة للإنجيل الثالث المجهول، ثم الإنجيل الرابع المجهول. بعد ذلك، في وقت ما في أوائل القرن الثاني الميلادي، من المفترض أن العناوين نفسها تمت إضافتها ليس إلى واحد، أو اثنين، أو ثلاثة، ولكن جميع هذه الكتب الأربعة المختلفة والمجهولة الاسم. علاوة على ذلك، من المفترض أن يكون سبب التأليف هذا قد حدث على الرغم من أن الأناجيل الأربعة قد انتشرت بالفعل في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية بحلول القرن الثاني: في الجليل وأورشليم وسوريا وأفريقيا ومصر وروما وفرنسا وغيرها، أينما وجدت النسخ.

هذا السيناريو لا يصدق تماما. حتى لو كان من الممكن كتابة إنجيل واحد مجهول ونشره ومن ثم نسبه بأعجوبة إلى نفس الشخص من قبل المسيحيين الذين يعيشون في روما وإفريقيا وإيطاليا وسوريا، فهل من المفترض حقًا أن أصدق أن الشيء نفسه لم يحدث مرة واحدة، وليس مرتين، ولكن مع أربعة كتب مختلفة، مرارًا وتكرارًا، في جميع أنحاء العالم؟ كيف عرف هؤلاء الكتبة المجهولون الذين أضافوا العناوين لمن ينسبون الكتب؟ كيف تواصلوا مع بعضهم البعض بحيث انتهت جميع النسخ بنفس العناوين؟

علاوة على ذلك، فإن الفكرة القائلة بأن إضافة العناوين كانت ستستغرق ما يقرب من مائة عام لا تأخذ في الاعتبار حقيقة أنه منذ اللحظة التي كان هناك حتى أكثر من إنجيل واحد متداول، كان القراء بحاجة إلى طريقة ما لتمييزهم. من بعضنا البعض. على حد تعبير جراهام ستانتون:

بمجرد أن تستخدم المجتمعات المسيحية بانتظام أكثر من رواية مكتوبة لأفعال يسوع وتعاليمه، كان من الضروري التمييز بينها من خلال شكل من أشكال العنوان، لا سيما في سياق القراءات في العبادة.[29]

الآن، نعلم من إنجيل لوقا أن العديد من الروايات عن حياة يسوع كانت متداولة بالفعل بحلول الوقت الذي كتب فيه (انظر لوقا 1: 1-4). لذا فإن الإيحاء بعدم إضافة أي عناوين على الإطلاق إلى الأناجيل حتى أواخر القرن الثاني الميلادي يفشل تمامًا في مراعاة حقيقة أن العديد من الأناجيل كانت متداولة بالفعل قبل أن يضع لوقا قلمًا على ورق البردي، وأنه ستكون هناك حاجة عملية لتحديد هوية هذه الكتب.

أخيرًا، إذا حدثت الأشياء بالطريقة التي تقترحها النظرية المجهولة، فلماذا لا تُنسب بعض النسخ إلى متى أو مرقس أو لوقا أو يوحنا، ولكن نُسبت نسخ أخرى إلى شخص آخر – على سبيل المثال، أندراوس، أو بطرس، أو يهوذا؟ إذا كانت الأناجيل قد حصلت بالفعل على عناوينها من الكتبة الذين أضافوها زورًا إلى المخطوطات حتى قرن من الزمان، فإننا نتوقع العثور على (1) نسخ مجهولة الهوية – والتي، كما رأينا بالفعل، غير موجودة – وكذلك ( 2) عناوين متناقضة، حيث ينسب بعض الكتبة نسخة واحدة من الإنجيل إلى متى وتنسب أخرى نفس الإنجيل إلى بطرس أو يسوع أو أي شخص آخر.

إذا كان هناك أي شك حول هذا الأمر، فمن المهم مقارنة الدليل المخطوطي للأناجيل الأربعة بالدليل المخطوطي لرسالة العهد الجديد إلى العبرانيين. على عكس الأناجيل الأربعة، فإن الرسالة إلى العبرانيين هي في الواقع مجهولة. لم تحدد أبدًا مؤلفها صراحةً، ولا حتى في العنوان.[30] لذا خمن ماذا يحدث عندما يكون لديك كتاب حقيقي مجهول الاسم؟ ينتهي الأمر إما بالبقاء مجهول الهوية أو يُنسب إلى مؤلفين مختلفين، كما هو موضح في الجدول التالي.

العنوان

المخطوطة اليونانية

التاريخ[31]

إلى العبرانيين

بردية 64

القرن الثاني

إلى العبرانيين

السينائية

القرن الرابع

إلى العبرانيين

الفاتيكانية

القرن الرابع

إلى العبرانيين، مكتوبة من روما

السكندرية

القرن الخامس

إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا

مخطوطة بورفيريان

القرن التاسع

إلى العبرانيين، مكتوبة من إيطاليا، على يد تيموثاوس

مخطوطة الخط الصغير 1739

القرن العاشر

إلى العبرانيين، مكتوبة من روما، على يد بولس للذين هم في أورشليم

مخطوطة الخط الصغير 81

القرن الحادي عشر

 

إلى العبرانيين، مكتوبة بالعبرية من إيطاليا، مجهولة الهوية على يد تيموثاوس

مخطوطة الخط الصغير 104

القرن الحادي عشر

لاحظ تنوع المؤلفين المقترحين: بعض المخطوطات تظل مجهولة المصدر، والبعض يقول أن العبرانيين كتبها “تيموثاوس”، والبعض الآخر كتبها “بولس”. يشير عنوان إحدى المخطوطات صراحةً إلى أنها كُتبت “مجهول الهوية” (اليونانية anonymōs)! نفس الشيء ينطبق على الكتاب المسيحيين القدماء: يقول بعض كتّاب الكنيسة الأوائل أن بولس كتب العبرانيين لكنه لم يعرّف عن نفسه ؛ ويقول آخرون إن لوقا ترجم رسالة بولس من العبرية إلى اليونانية ؛ ويقول آخرون إن العبرانيين كتبها برنابا رفيق بولس ؛ ولا يزال آخرون يقولون إن الرسالة كتبها كليمندس أسقف روما.[32] في أواخر القرن الثاني بعد الميلاد، رفع أوريجانوس السكندري يديه ببساطة وصرح: “أما من كتب الرسالة [إلى العبرانيين]،” فقط “الله أعلم” (يوسابيوس، تاريخ الكنيسة، 6. 25. 14).

هذا ما تحصل عليه مع كتاب مجهول حقًا من العهد الجديد: مخطوطات فعلية مجهولة، ومناقشات قديمة فعلية حول من كتبه. ولكن هذا هو بالضبط ما لا تجده عندما يتعلق الأمر بإنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا. لا توجد نسخ مجهولة، و-كما سنرى في المقال القادم-لا جدال بين المسيحيين القدماء حول من كتب الأناجيل. العلماء الذين يستمرون في الادعاء بأن الأناجيل كانت في الأصل مجهولة لا يمكنهم تفسير سبب عدم وجود نفس التنوع من المؤلفين المقترحين كما يحدث مع الرسالة إلى العبرانيين. مرة أخرى، على حد تعبير مارتن هينجل:

إذا كانت [الأناجيل] قد عممت لأول مرة بشكل مجهول ولم تُمنح ألقابها إلا في مرحلة ثانوية وبصورة مستقلة عن بعضها البعض في المجتمعات المختلفة، لأن العنوان كان ضروريًا لإعلان القراءة في العبادة، يجب أن يكون هذا قد أدى بالضرورة إلى مجموعة متنوعة من العناوين، كما يتضح من العديد من الأمثلة من العصور القديمة…. لا يوجد أي أثر لمثل هذه المجهولية.[33]

باختصار، لا تعاني نظرية الأناجيل المجهولة من نقص الأدلة المخطوطة فحسب، بل تعاني أيضًا من نقص المنطق. إنها ببساطة لا تنجح عندما يتعلق الأمر بالمعايير الأساسية للمعقولية التاريخية.

 

لماذا تنسب مرقس ولوقا إلى غير شهود العيان؟

المشكلة الرئيسية الثالثة في نظرية الأناجيل المجهولة تتعلق بالادعاء بأن الأنساب الخاطئة قد أضيفت بعد قرن من الزمان لمنح الأناجيل “السلطة المطلوبة بشدة”.[34] إذا كان هذا صحيحًا، فلماذا يُنسب اثنان من الأناجيل الأربعة إلى غير شهود العيان؟ لماذا يختار الكتبة القدامى مرقس ولوقا، من بين كل الناس، والذين لم يعرفوا يسوع أبدًا؟

مرة أخرى، ضع نفسك مكان الكتبة القدامى الذين من المفترض أنهم أضافوا عن قصد ألقابًا مزيفة إلى الأناجيل. إذا أردت إعطاء السلطة لكتابك المجهول، فهل ستختار لوقا، الذي لم يكن شاهد عيان بنفسه ولا من أتباع شاهد عيان، بل رفيق بولس، الذي لم يلتق بيسوع أبدًا خلال حياته الأرضية؟ وإذا أردت أن تمنح السلطة لسيرة حياة يسوع المجهولة، فهل ستختار مرقس، الذي لم يكن هو نفسه تلميذاً ليسوع؟ إذا كانت السلطة هي ما كنت تبحث عنه، فلماذا لا تنسب إنجيلك المجهول الهوية مباشرة إلى بطرس، رئيس الرسل؟ أم لأخيه أندراوس؟ في هذا الصدد، لماذا لا تذهب مباشرة إلى القمة وتنسب إنجيلك إلى يسوع نفسه؟

كما سنرى في المقالات القادمة، فإن مثل هذه الصفات إلى الرسل وشهود العيان الآخرين هي بالضبط ما نجده عندما ننظر إلى ما يسمى بـ “الأناجيل المفقودة” – المعروفة أيضًا باسم الأناجيل الملفقة (من الكلمة اليونانية apocryphon، والتي تعني ” كتاب مخفي”). يتفق جميع العلماء تقريبًا على أن الأناجيل الملفقة – مثل إنجيل بطرس وإنجيل توما وإنجيل يهوذا – هي مزيفة نُسبت زورًا إلى تلاميذ يسوع بعد فترة طويلة من موت الرسل.[35] لاحظ أنه لا يوجد أي من الأناجيل الملفقة اللاحقة تُنسب إلى غير شهود العيان مثل مرقس ولوقا.[36] تُنسب الأناجيل الكاذبة اللاحقة إلى أشخاص لديهم إمكانية الوصول المباشر إلى يسوع: أشخاص مثل بطرس، أو الرسول توما، أو مريم المجدلية، أو يهوذا، أو حتى يسوع نفسه. لا يُنسبون أبدًا إلى مجرد أتباع أو رفقاء الرسل. لماذا؟ لأن مؤلفي الأناجيل الملفقة هم الذين أرادوا إعطاء السلطة المطلوبة بشدة لكتاباتهم عن طريق نسبها زورًا إلى أشخاص لديهم أقرب صلات ممكنة بيسوع.

باختصار، فشلت نظرية الأناجيل المجهولة في تفسير ليس فقط عدم وجود أدلة مخطوطة ولكن أيضًا لماذا لا تُنسب إنجيلا مرقس ولوقا إلى شهود عيان ورفاق يسوع. في الواقع، عند إخضاعها للتدقيق النقدي، فإن اللامعقولية الكلية للنظرية تكون لافتة للنظر.

 

 

 

 

 

[1] William Barclay, The Gospels and Acts, vol. 1 (London: SCM Press, 1976), p. 116.

[2]  يقصد بارنيت السيرة الحديثة ولكن السير اليونانية الرومانية القديمة لم تكن فيها هذه العناصر مهمة.

[3]  التاريخ Histories 5. 9. لم يتم ذكر أنتيباس بالفعل بالاسم.

[4] Harold Hoehner, Herod Antipas (Grand Rapids: Eerdmans, 1980), pp. 131-36.

[5]  المرجع نفسه، ص 331-42.

[6]  المرجع نفسه، ص 317-30.

[7]  للمناقشة حول اكتشاف بيت بطرس في كفرناحوم انظر

Meyers and James F. Strange, Archaeology, the Rabbis and Early Christianity, (London: SCM Press, 1981), pp. 59-60, 128-30.

[8]  يرى بعض الدارسين ان مريم أمه أتت معهم لتهدئتهم لكيلا تحدث مشاجرات بين يسوع وإخوته

[9] Compare Alejandro Bermúdez, Pope Francis: Our Brother, Our Friend: Personal Recollections about the Man Who Became Pope (San Francisco: Ignatius, 2013). See also Georg Ratzinger, My Brother, the Pope, trans. Michael Hesemann (San Francisco: Ignatius, 2012).

[10] Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 65, 162n1.

وفقًا لهينجل، تعود النظرية في المقام الأول إلى اثنين من العلماء الألمان البارزين في أواخر القرن التاسع عشر: أدولف فون هارناك وثيودور زان، الذين توصلا (بالخطأ) إلى هذا الاستنتاج قبل اكتشافات القرن العشرين لأوراق البردي من القرن الثاني كاملة العناوين. انظر

Theodor Zahn, Introduction to the New Testament, trans. John Moore Trout et al., 3 vols. (repr., Minneapolis: Klock & Klock, 1977), 2.386–400.

[11] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2006), 300.

لسوء الحظ، لا يقوم باوكهام بدمج دليل المخطوطة بشكل كافٍ على أصالة عناوين الإنجيل في نظريته الشاملة عن أصول الإنجيل. وبدلاً من ذلك، فهو يعتمد بشدة على نظرية مشكوك فيها حول إدراجات شهود العيان الضمنية في الأناجيل كمؤشرات على أصالة التأليف. ومع ذلك، إذا كان باوكهام محقًا ولم تكن الأناجيل في الأصل مجهولة المصدر، فستعمل العناوين نفسها كإشارات كافية للقراء فيما يتعلق بالتأليف، وسيبدو استخدام مثل هذه الإضافات الدقيقة زائداً عن الحاجة.

[12] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[13] Ehrman, The New Testament, 79.

[14] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[15] المرجع نفسه.

[16] Bart D. Ehrman, Forgery and Counterforgery: The Use of Literary Deceit in Early Christian Polemics (Oxford: Oxford University Press, 2013), 51–52, 6.

[17] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[18] في عمله السابق، تضمن بارت ايرمان حجة خامسة، ادعى فيها أن شكل العناوين -“الإنجيل حسب X” – يثبت أن العناوين قد أضافها “شخص آخر” غير المؤلف. انظر

Bart D. Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet of the New Millennium (Oxford: Oxford University Press, 1999), 42.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا مقنعًا للقراء المعاصرين الذين اعتادوا على المؤلفين الذين يشيرون إلى أنفسهم حصريًا بصيغة المتكلم. لكن من منظور تاريخي، فشلت الحجة في ثلاث نقاط: (1) كما سنرى لاحقاً، الأناجيل هي شكل من أشكال السيرة اليونانية الرومانية القديمة. كما أشار خبراء في السير القديمة، “مؤلفو السير… عادة ما يتم تسميتهم”.

Craig S. Keener, The Gospel of Matthew: A Socio-Rhetorical Commentary (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2009), 40.

علاوة على ذلك، كانت إحدى “السمات الافتتاحية” القياسية للسيرة اليونانية الرومانية القديمة عادةً نوعًا من “العنوان”.

Richard Burridge, What Are the Gospels?, 156–57.

تحدد هذه العناوين أحيانًا المؤلف بصيغة الغائب، على سبيل المثال.

(Josephus, Life of Josephus; Tacitus’s Agricola; Diogenes Laertius, Lives of Eminent Philosophers).

هذا منطقي تمامًا، لأنه عندما يتعلق الأمر بالسيرة ، سيرغب القارئ في معرفة من الذي يقدم سردًا لحياة الشخص، وكيف حصل على معلوماته. في الواقع، حتى مؤلفو السير الذاتية الذين يشيرون إلى أنفسهم بصيغة المتكلم لا يذكرون أسمائهم في نص الكتاب.

(Josephus, Life 1–2, 430; Lucian, Demonax, 1–2).                                     

لكن هذا لا يحول أعمالهم إلى كتب “مجهولة”. باختصار، لم تعد الأناجيل “مجهولة تمامًا” من السير القديمة الأخرى التي لا توجد فيها معلومات صريحة عن التأليف في متن الكتاب. غالبًا ما يتم الاحتفاظ بالمعلومات حول تأليف مثل هذه الأعمال للعنوان.

(2) لدينا إشارات إلى كتب قديمة تتشابه عناوينها بشكل لافت مع عناوين الأناجيل، مثل “المذكرات بحسب نحميا” (اليونانية tois hypomnēmatismois tois kata ton Neemian)  (مكابيين الثاني 2: 13) أو “ولادة وحياة أبقراط وفقًا لسورانوس “(اليونانية Hippokratous genos kai bios kata Sōranon) أو” التواريخ وفقًا لهيرودوت “(اليونانية hē kat ‘hērodoton history).

في إحدى الحالات، يشير يوسيفوس إلى تاريخ ثيوسيديدس على أنه “عمله التاريخي” (اليونانية tēn kat’ auton historian) (يوسيفوس ضد أبيون، 1. 18). انظر

Martin Hengel, Studies in the Gospel of Mark (London: SCM, 1985), 163n8.

في ضوء هذه المتوازيات، لا يوجد شيء غير قابل للتصديق حول استخدام الإنجيليين لعنوان “الأخبار السارة وفقًا لـ [المؤلف]”، خاصةً إذا رأوا أنفسهم على أنهم يعلنون الأخبار السارة عن يسوع باستخدام شكل السير التاريخية. علاوة على ذلك، تُظهر هذه الأمثلة أيضًا أن الادعاء أحيانًا بأن “وفقًا لـ” (اليونانية kata) لا تشير إلى التأليف هو ادعاء خاطئ. (3) حتى إذا تمت إضافة عنوان أول إنجيل مكتوب من قبل كاتب عرف هوية المؤلف بعد فترة وجيزة من نشر الكتاب أو بالتزامن مع نشره، فإن هذا لا يزال مختلفًا عن كتاب “مجهول تمامًا”. علاوة على ذلك، بمجرد إضافة العنوان الأول إلى الإنجيل الأول، فإنه من السذاجة القول بأن مؤلفي الإنجيل اللاحقين سيقلدون وينسخون من كل شيء تقريبًا في الكتاب باستثناء العنوان. على العكس من ذلك، فمن المعقول تمامًا أن نقترح أن كتّاب الإنجيل اللاحقين سيقلدون شكل العنوان (“الأخبار السارة حسب …”) لكنهم يغيرون اسم المؤلف. إذا كنا نعرف شيئًا عن مؤلفي الإنجيل، فهو أنهم لم يكن لديهم أي تأنيب على الإطلاق عن نسخ المواد من بعضهم البعض! لا يوجد سبب لا ينبغي أن يكون هذا صحيحًا بالنسبة للعناوين أيضًا. حول كل هذا، راجع.

Michael F. Bird, The Gospel of the Lord: How the Early Church Wrote the Story of Jesus (Grand Rapids, MI: Eerdmans, 2014), 257–58.

[19] Reza Aslan, Zealot: The Life and Times of Jesus of Nazareth (New York: Random House, 2014).

أحد الأشياء الأولى التي يقوم بها أصلان هو الإصرار على أنه “لم يكتب أي من الأناجيل الشخص الذي سميت باسمه” (xxvi). هذا يحرره ليبني يسوع الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن الذي تقدمه الأناجيل.

[20] Simon J. Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” Zeitschrift für die Neutestamentliche Wissenschaft 104 (2013): 33–76.

[21] لمناقشة تواريخ المخطوطات، انظر

Bruce M. Metzger and Bart D. Ehrman, The Text of the New Testament: Its Transmission, Corruption, and Restoration (Oxford: Oxford University Press, 2005), 52–94. See also D. C. Parker, An Introduction to the New Testament Manuscripts and Their Texts (Cambridge: Cambridge University Press, 2008).

[22] Martin Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, trans. John Bowden (Harrisburg, PA: Trinity Press International, 2000), 48–56. See also Hengel, Studies in the Gospel of Mark, 64–84.

[23] Bird, The Gospel of the Lord, 259:

“هناك اتساق مطلق في المؤلفين المنسوبين إلى الأناجيل الأربعة. يُطلق على متى دائمًا اسم “متى”، ويُطلق على لوقا دائمًا اسم “لوقا”، وهكذا دواليك “.

[24] Ehrman, Jesus: Apocalyptic Prophet, 248–49n1.

[25] Gathercole, “The Titles of the Gospels in the Earliest New Testament Manuscripts,” 71:

“يبدو أن النسخة الأطول كانت أقرب إلى العنوان” الحقيقي “، والنسخة الأقصر هي اختصار، بدلاً من أن تستشهد الحواشي السفلية العلمية اليوم أولاً بالعنوان بالكامل ثم تختصره بعد ذلك.” أنظر أيضا

David E. Aune, “The Meaning of Euangelion in the Inscriptiones of the Canonical Gospels,” in Jesus, Gospel Traditions and Paul in the Context of Jewish and Greco-Roman Antiquity: Collected Essays, Wissenschaftliche Untersuchungen zum Neuen Testament 303 (Tübingen: Mohr-Siebeck, 2013), 24.

[26] Bart D. Ehrman, Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed the Bible and Why (San Francisco: HarperOne, 2005), 130:

“ربما يكون المعيار الخارجي الأكثر أهمية الذي يتبعه العلماء هو هذا: لكي تُعتبر القراءة” أصلية “، يجب عادةً العثور عليها في أفضل المخطوطات وأفضل مجموعات المخطوطات.” في الواقع، لم يتم العثور على عناوين الأناجيل فقط في “أفضل المخطوطات” و “أفضل مجموعات المخطوطات” ؛ تم العثور عليها في جميع المخطوطات – دون استثناء واحد. ومن ثم، وفقًا لمعيار إيرمان النقدي للنص، يجب اعتبار عناوين الأناجيل أصلية.

[27] Hengel, The Four Gospels and the One Gospel of Jesus Christ, 55.

[28] Bird, The Gospel of the Lord, 258–59.

[29] Graham Stanton, Jesus and Gospel (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), 79.

[30] Harold Attridge, The Epistle to the Hebrews, Hermeneia (Minneapolis: Fortress, 1989), 1–2, 410n87; see also Barbara and Kurt Aland et al., Novum Testamentum Grace, 27th ed. (Stuttgart: Deutsche Bibelgesellschaft, 1993), 587.

 [31] لتواريخ المخطوطات، انظر

Metzger and Ehrman, The Text of the New Testament, 52–94

[32] Eusebius, Church History, 6.1–3, 20.3; 25.13–14; Jerome, Lives of Illustrious Men, 5.59.

[33] Hengel, The Four Gospels, 54.

[34] Ehrman, How Jesus Became God, 90.

[35] Ehrman, Forgery and Counterforgery, 324–44. See also John P. Meier, A Marginal Jew: Rethinking the Historical Jesus, 4 vols., Anchor Yale Bible Reference Library (New Haven: Yale University Press, 1991, 1994, 2001, 2009), 1.112–66.

 [36] يتم تجاهل هذه النقطة باستمرار من قبل العلماء الذين يزعمون أن الإسناد الخاطئ لمرقس ولوقا لا يمثل مشكلة. انظر، على سبيل المثال، Ehrman, in Forgery and Counterforgery, 51–52 حيث فشل في شرح سبب عدم قيام الكتبة بنسب الأناجيل إلى بطرس وبولس أنفسهم فقط بدلاً من تلاميذ بطرس وبولس.

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج3 – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج3 – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج3 – د. نصحى عبد الشهيد

 

رسالة القديس أثناسيوس
إلى أبكتيتوس
 
مقدمة

 

          كتب القديس أثناسيوس هذه الرسالة إلى أبكتيتوس أسقف كورنثوس سنة 369م ، وذلك ردًا على مذكرات كان أبكتيتوس قد أرسلها إلى أثناسيوس تحوى عدة أسئلة أثيرت فى إيبارشيته من مجموعات آريوسية وغيرها لها آراء خيالية (دوسيتية) من جهة التجسد ، وعلاقة جسد المسيح بلاهوته الأزلى من جوهر الآب.

          ويرد القديس أثناسيوس على هذه التصورات والآراء الخيالية ، ويوضح الإيمان السليم فيما يخص علاقة لاهوت المسيح بناسوته. وهذه الرسالة صارت لها شهرة كبيرة عند آباء الكنيسة فى القرنين الرابع والخامس ويستند إليها القديس إبيفانيوس فى الرد على بدعة أبوليناريوس ، كما كانت مرجعًا يُستند إليه فى مواجهة بدعة نسطور فى القرن الخامس ، ولما حاول النساطرة أن يزيفوا نص هذه الرسالة بحيث يؤدى إلى خدمة بدعتهم ، فإن القديس كيرلس الأسكندرى كشف تزيفيهم (فى رسالة 40)[1] وأظهر النص السليم لها .

 

 

رسالة أبينا القديس أثناسيوس الرسولى
إلى أبكتيتوس
 
ضد الهراطقة

 

          إلى سيدى وأخى المحبوب ، المشتاق إليه جدًا ، وشريكى فى الخدمة أبكتيتوس ، أثناسيوس يرسل تحياته فى الرب .

          1 ـ كنت أظن أن كل كلام بطاّل لجميع الهراطقة ، مهما كان عددهم، قد توقف ، منذ المجمع الذى انعقد فى نيقية . لأن الإيمان المعترف به فى هذا المجمع من الآباء ، بحسب الكتب الإلهية ، كافٍ لطرد كل كفر خارجًا، ولتوطيد إيمان التقوى فى المسيح .

          ولذلك فقد أقيمت فى هذه الأونة ، مجامع مختلفة فى كل من الغال (فرنسا) وأسبانيا وروما العظمى ، وجميع المجتمعين ـ كما لو كان يحركهم روح واحد ـ حرموا بالإجماع، أولئك الذين كانوا لا يزالون، وهم مستترون ، يعتقدون بآراء آريوس وأولئك الأشخاص هم : أوكسنتيوس من ميلانو ، وأورساكيوس وفالنس وغاريوس من بانونيا .

          وجميع هؤلاء المجتمعين كتبوا فى كل مكان (إذ لأن مثل هؤلاء الرجال يخترعون أسماء مجامع لمساندتهم) ، ألاّ يُذكر أى مجمع فى الكنيسة الجامعة سوى ذلك المجمع وحده الذى عُقِدَ فى نيقية الذى كان انتصارًا عظيمًا على كل هرطقة ، ولا سيما الهرطقة الاريوسية ـ والتى بسببها ـ فى الحقيقة اجتمع ذلك المجمع وقتئذٍ .

          فكيف إذن بعد هذه الأمور ، لا يزال البعض يحاول أن يثير مجادلات أو تساؤلات ؟ فلو كانوا ينتمون إلى الآريوسيين فلا يكون هناك غرابة فى الأمر ، إذن كانوا يذمون ما كُتب ضدهم ، مثلهم مثل اليونانيين الذين حينما يسمعون القول ” أصنام الأمم فضة وذهب عمل أيدى الناس” (مز4:115)، فإنهم يعتبرون التعليم الخاص بالصليب الإلهى جهالة .

          أما الذين يريدون أن يبحثوا كل شئ عن طريق إثارة الأسئلة ، فإن كانوا من الذين يظنون أنهم مؤمنون ، وأنهم يحبون ما جاهر به الآباء ، فإنهم لا يعملون شيئًا آخر سوى ما جاء فى الكتاب ” إنهم يسقون صاحبهم حثالة الخمر ” (حب15:2) وينازعون حول ما هو غير نافع ، أو ما يؤدى إلى هدم المستقيمين .

          2 ـ إننى أكتب هذا ، بعد اطلاعى على المذكرات التى كتبتها قدسك، التى ما كان يجب أن تُكتب كى لا يكون هناك ذِكر لهذه الأمور لمن يأتون بعدنا. لأن من سمع بمثل هذه الأمور قط ؟ من هو الذى علَّم هذا أو تعلّمه؟ ” لأنه من صهيون ستخرج شريعة الله ، ومن أورشليم كلمة الرب ” (إش3:2) ولكن من أين خرجت هذه الأمور . وأى عالم سفلى تقيأ القول بأن الجسد الذى من مريم هو من نفس جوهر لاهوت الكلمة ؟ أو بأن الكلمة قد تحوّل إلى لحم وعظام وشعر وكل الجسد ، وتغيّر عن طبيعته الخاصة ؟ أو من سمع فى الكنيسة أو بين المسيحيين على العموم ، بأن الرب لبس جسدًا خياليًا وليس طبيعيًا ؟ أو من كفر إلى مثل هذه الدرجة حتى يقول ، وهو فى نفس الوقت يعتقد أيضًا بأن اللاهوت ذاته الذى من نفس جوهر الآب ، قد صار ناقصًا خارجًا من كامل ، والذى سُمِرَ على الخشبة لم يكن هو الجسد بل هو جوهر الحكمة الخالق ذاته ؟ أو من سمع بأن الكلمة حوّل لنفسه جسدًا قابلاً للتألم ، (هذا الجسد) ليس من مريم بل من جوهره الذاتى. فهل يمكن أن يُدّعى مسيحيًا من يقول هذا ؟ أو من الذى اخترع هذا الكفر الشنيع ، حتى يدور فى مخيلته أن من يُعلِّم بأن جسد الرب هو من مريم إنما يعتقد أنه لا يوجد فى اللاهوت ثالوث فقط بل رابوع . لذلك فالذين يكفرون هكذا ، يقولون إن الجسد الذى لبسه المخلص من مريم إنما هو من جوهر الثالوث . ومرة أخرى ، فمن أين تقيأ البعض ذلك الكفر المساوى للكفر السابق ذكره، حتى يقولون بأن الجسد ليس أحدث من لاهوت الكلمة، بل هو مساوٍ له فى الأزلية وهو معه على الدوام ، حيث إنه قد تكوّن من جوهر الحكمة ؟

          أو كيف يتجاسر أولئك الذين يُدعون مسيحيين ، أن يَشُكوا فيما إذا كان الرب المولود من مريم ، بينما هو ابن الله بالجوهر والطبيعة ، فإنه من نسل داود من جهة الجسد ومن جسد القديسة مريم ؟

          أو من هم إذن هؤلاء الذين تجاسروا هكذا حتى يقولوا ، بأن المسيح المتألم بالجسد والمصلوب ، ليس هو الرب والمخلص والإله وابن الآب .

          أو كيف يريدون أن يُدعوا هؤلاء الذين يقولون بأن الكلمة قد حلّ على إنسان قديس كما كان يحلّ على أى واحد من الأنبياء ، ولم يصر هو نفسه (الكلمة) إنسانًا باتخاذه الجسد من مريم ، (ويقولون) إن المسيح هو شخص وأن كلمة الله الموجود قبل مريم ، وهو ابن الآب من قبل الدهور ، هو شخص آخر ؟ .

          3 ـ هذه هى التساؤلات المُشار إليها فى المذكرات، وهى رغم تباينها، لكنها تحوى فكرًا واحدًا يهدف بفاعليته نحو عدم التقوى . ولأجل هذه الأمور ، كان الذين يتفاخرون باعتراف الآباء فى المجمع المنعقد فى نيقيا، يتجادلون ويتطاحنون بعضهم مع بعض.

          ولكنى تعجبت لمعناة واحتمال تقواكم ، وأن قدسكم لم يوقف هؤلاء الذين يقولون هذه الأشياء ، بل شرحت لهم الإيمان المستقيم، حتى إذا سمعوا يهدأون ، أما إذا قاوموا فإنهم يُعتبرون هراطقة . لأن ما قالوه لا يمكن أن يُقال أو يُسمع من مسيحيين ، بل هى أقوال غريبة من كل ناحية عن التعليم الرسولى . لذلك ، وكما سبق ان قلت ، قد أدرجت فى رسالتى، ما قاله هؤلاء ، وذلك فقط لكى يدرك كل من يسمع ، ما تحويه من عار وكفر ، رغم أنه كان من اللازم أن نتهم ونفضح بشدة حماقة أولئك الذين اعتقدوا مثل تلك الأفكار . ولقد كان من المستصوب أن يكتفى خطابى بهذه الكلمات فلا أكتب أكثر من ذلك لأنه ليس من الواجب ممارسة واختبار مثل تلك الأمور التى من الواضح أنها شريرة هكذا جهارًا ، لئلا تبدو بالنسبة للمتنازعين كأنها أمور محتملة . فإنه يكفى أن أقول مجيبًا على مثل تلك الأقوال بما يلى :

          يكفى أن هذا ليس تعليم الكنيسة الجامعة ، ولا اعتقد الآباء بهذه الأمور. ولكن لئلا يجد ” المبتدعون شرورًا ” حجة لصفاقتهم بسبب صمتنا التام ، فإنه حسن أن نذكر بعض الأقوال من الكتب الإلهية ، وبالتأكيد ، بعد أن يخجلوا ، فإنهم يكّفون عن هذه الحيل النجسة .

          4 ـ من أين طرأ عليكم يا هؤلاء ، أن تقولوا إن الجسد واحد فى الجوهر مع لاهوت الكلمة . (لأنه من الحسن أن نبدا بهذه النقطة لكى عندما يظهر أن هذا الرأى غير سليم ، فإن جميع الآراء الأخرى أيضًا تتضح أنها غير سليمة كذلك) . كما أن ما يقولونه لا يوجد منه شئ فى الكتب الإلهية .

          وهم يقولون إن الله قد صار فى جسد بشرى . أما الآباء الذين اجتمعوا فى نيقية فقد قالوا أيضًا إن الابن نفسه ـ وليس الجسد ـ هو من نفس جوهر الآب (أو واحد مع الآب فى الجوهر)، وإنه بينما هو (الابن) من جوهر الآب، فإنهم اعترفوا أيضًا بحسب الكتب ، بأن الجسد هو من مريم.

          فإمّا أن تنكروا إذن ، المجمع المنعقد فى نيقيا ، وكهراطقة يجلبون تعليمًا بالإضافة إلى (ما قرره المجمع) ، وإمّا ، إن أردتم أن تكونوا أبناء الآباء ، فلا تعتقدوا بغير ما كتبه هؤلاء الآباء.

          ومن هذا أيضًا تستطيعون أن تروا كم هو سخيف هذا الرأى : فإنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد الذى هو من طبيعة أرضية ، فى حين أن الكلمة هو من نفس جوهر الآب ، بحسب اعتراف الآباء ، فإن الآب نفسه أيضًا يكون من نفس جوهر الجسد الصائر من الأرض . فلماذا تلومون الآريوسيين الذين يقولون إن الابن مخلوق ، وأنتم أنفسكم تزعمون أيضًا أن الآب من نفس جوهر المخلوقات ، فأنتم تذهبون بعيدًا إلى كفر آخر ، مدّعين أن الكلمة تحول إلى لحم وعظام ، وشعر وأعصاب والجسد كله ، وأنه تحول عن طبيعته الخاصة . لقد حان الوقت لكم ، لكى تقولوا علانية ، إنه قد صار من الأرض ، لأن طبيعة العظام بل والجسد كله من الأرض . إذن ماذا يكون هذا الهذيان حتى تتشاجروا فيما بينكم أيضًا ؟ لأن الذين يقولون إن الكلمة هو من نفس جوهر الجسد ، إنما ” يقصدون الواحد عندما يشيرون للآخر ” .

          أما الذين يحوّلون الكلمة إلى جسد فإنهم يتخيلون تغيير الكلمة ذاته . ومن سيظل يحتملكم إذن ، وأنت تتشدقون بهذه الأقوال . فأنتم انحرفتم إلى الكفر أكثر من كل هرطقة .

          لأنه لو كان الكلمة من نفس جوهر الجسد ، فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهما ، إذ أنه كان من المستطاع أن يكون موجودًا أزليًا قبل مريم ، كما أن الكلمة ذاته أزلى أيضًا . فلو كان الكلمة حقًا من نفس جوهر الجسد حسبما تقولون ، فأية حاجة كانت هناك لكى يقيم الكلمة بيننا، لكى يلبس ما هو من نفس جوهره الخاص، أو أن يتحول عن طبيعته الذاتية فيصير جسدًا؟ لأن اللاهوت لم يأتِ لمساعدة نفسه حتى يلبس ما هو من نفس جوهره، كما أن الكلمة لم يخطئ فى شئ وهو يفتدى خطايا الآخرين، حتى يصير جسدًا ويقدم ذاته ذبيحة لأجل نفسه وفتدى نفسه .

5 ـ لكن حاشا له أن يكون هكذا. لأنه كما قال الرسول جاء لمساعدة[2] نسل إبراهيم، من ثمّ كان ينبغى أن “يشبه اخوته فى كل شئ”(عب17،16:2) ويتخذ جسدًا مشابهًا لنا. ولهذا السبب أيضًا كانت مريم فى الحقيقة مفترضة من قبل[3]. ليأخذ الكلمة منها (جسدًا) خاصًا به ويقدمه من أجلنا .

          وقد أوضح إشعياء هذا متنبئًا فقال: “هاهى العذراء” (إش14:7) وأرسل الله جبرائيل إليها، ليس إلى مجرد عذراء، بل “إلى عذراء مخطوبة لرجل” (لو27:1) لكى يتبين من كونها مخطوبة ، أن مريم كائن بشرى بالحقيقة. ولهذا السبب ذكر الكتاب أيضًا أنها ولدته ، وأنها ” قمطته ” (لو7:2) ولذلك فإن الثديين اللذين رضعهما، يُعتبران مباركين (قارن لو27:11). وقد قدم ذبيحة ، لأنه بولادته فتح الرحم (أنظر لو23:2) وهذه كلها براهين على أن العذراء هى التى ولدته .

          وجبرائيل حمل إليها البشارة بيقين كامل ولم يقل مجرد “المولود فيك” ، حتى لا يُظن أن الجسد غريب عنها ومجلوب إليها من الخارج ، بل قال “المولود منك ” لكى يعتقد الجميع أن المولود خارجًا منها ، إذ أن الطبيعة تبين هذا بوضوح ، فمن المستحيل على عذراء أن تدر لبنًأ إن لم تكن قد ولدت. ومن المستحيل أن الجسد يتغذى باللبن ويُقمط إن لم يكن قد وُلد بصورة طبيعية قبل ذلك .

          وهذا هو المقصود بالختان فى اليوم الثامن بعد ولادته: إن سمعان تلقاه فى أحضانه وهذا يدل على أنه قد صار طفلاً ، وأنه نما حتى صار له من العمر اثنتا عشر سنة (أنظر لو21:2ـ42) إلى أن بلغ الثلاثين عامًا (أنظر لو23:3). وليس كما يظن البعض أن جوهر الكلمة نفسه قد خُتِنَ بعد أن تحوّل. لأنه لا يقبل التحوّل ولا التغيّر . لأن المخلص نفسه يقول ” أنظروا، أنظروا ، لأنى أنا هو ، وأنا ما تغيرت ” (ملاخى6:3س).

          أما بولس فيكتب قائلاً : ” يسوع المسيح هو هو بالأمس واليوم وإلى الأبد ” (عب8:13) ولكن كلمة الله غير المتألم والذى بلا جسد ، كان فى الجسد الذى خُتِنَ وحُمِلَ ، والذى أكل وشرب ، والذى تعب ، والذى سُمِرّ على الخشبة وتألم .

          هذا الجسد هو الذى وُضِعَ فى قبر ـ عندما تخلى عنه الكلمة ـ ولكنه لم ينفصل عنه ـ وذلك ” ليكرز للأرواح التى فى السجن ” كما يقول بطرس (1بط19:3).

          6 ـ وهذا يبين بالأكثر ، هوس الذين يقولون إن الكلمة قد تحوّل إلى عظام ولحم ـ فلو كان الأمر كذلك ، لَما كانت هناك حاجة إلى قبر ، ولكان الجسد ذاته قد مضى بنفسه ليكرز للأرواح التى فى الهاوية . أما الآن فإنه مضى هو بنفسه ليكرز ، أما الجسد فبعد أن كفنه يوسف بالكتان (قارن مر46:15) ، وضعه فى الجلجثة . وهكذا اتضح أن الجسد لم يكن الكلمة، وإنما هو جسد الكلمة. وإنه عندما قام الجسد من بين الأموات لمسه توما ورأى فيه آثار المسامير (قارن يو25:20) التى احتملها الكلمة ذاته، والتى رآها (توما) مخترقة جسد (الكلمة) ذاته ، والتى كان فى استطاعته أن يمنعها ولكنه لم يمنعها، بل بالعكس فإن الكلمة الذى بلا جسد خصص لنفسه خصائص الجسد باعتباره جسده ذاته . فلماذا حينما ضرب العبد ، الجسد ، تألم الكلمة نفسه وقال ” لماذا تضربنى ” (يو23:18) ورغم أن الكلمة بطبيعته لا يمكن لمسه، إلاّ أنه قال “أسلمت ظهرى للسياط، وخدى للطمات، ولم أرد وجهى عن خزى البصقات ” (إش6:50).

          لأن تلك الأشياء التى كان يتألم منها ، جسد الكلمة ، البشرى ، كان الكلمة الذى سكن فى الجسد ينسبها لنفسه ، لكى نستطيع نحن أن نشترك فى لاهوت الكلمة .

          ومن الغريب ، أن الكلمة نفسه كان متألمًا وغير متألم ، فمن ناحية ، كان (الكلمة) يتألم لأن جسده هو الذى كان يتألم وكان هو المتألم فيه، ومن الناحية الأخرى ، لم يكن الكلمة يتألم ، لأن الكلمة ـ إذ هو إله بالطبيعة ـ فهو لا يقبل التألم. وكان الكلمة غير الجسدى موجودًا فى الجسد الذى يتألم، وكان الجسد يحوى فيه الكلمة غير المتألم الذى كان يبيد العلل التى قبلها فى جسده. وكان يصنع هذا ، وهكذا كان يصير ، كى ، بعد أن يأخذ ما لنا (أى الجسد) ويقدمه كذبيحة ، يقضى على (العلل والضعفات) كلها. وهكذا يلبسنا ما له ، وهذا ما يجعل الرسول يقول : ” لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت ” (1كو53:15).

          7 ـ وهذه الأشياء لم تحدث بالظن ، حاشا ! كما يفترض البعض ، أيضًا : بل فى الواقع فإنه بصيرورة المخلص إنسانًا بالحقيقة، صار الخلاص للإنسان كله .

          فلو كان الكلمة فى الجسد بمجرد الظن، كما يقول أولئك، فإن هذا الظن يكون ضربًا من الخيال ، وبناء على ذلك فإن خلاص الإنسان وقيامته يعتبران مجرد إدعاء غير حقيقى ، بحسب ما يقول مانى أشد الكافرين .

          إلاّ أن خلاصنا ، فى واقع الأمر ، لا يُعتبر خيالاً ، فليس الجسد وحده هو الذى حصل على الخلاص ، بل الإنسان كله من نفس وجسد حقًا ، قد صلار له الخلاص فى الكلمة ذاته .

          وهكذا فإن المولود من مريم هو بشرى بالطبيعة، بحسب الكتب الإلهية. وأن جسده هو جسد حقيقى، وهو حقيقى لأنه هو نفس جسدنا، حيث إن مريم هى أختنا، لأننا نحن جميعًا (هى ونحن) أيضًا من آدم .

          ولا يجب أن يرتاب فى هذا، حينما يتذكر ما كتبه لوقا. لأنه بعد القيامة من بين الأموات، ظن البعض أنهم لن يشاهدوا الرب فى الجسد المأخوذ من مريم، بل ظنوا بدلاً من هذا، أنهم نظروا روحًا، فكتب لوقا يقول : “أنظروايدى ورجلى ” ومواضع المسامير، إنى أنا هو، جسونى وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لى، وعندما قال هذا، آراهم يديه ورجليه” (لو40،39:24) ومن هذا الكلام نستطيع أن نفند كلام الذين يتجاسرون مرة أخرى أن يقولوا إن الرب قد تغير إلى لحم وعظام، لأنه لم يقل كما تشاهدوننى وأنا لحم وعظام، بل قال “كما ترون إنه لى” لكى لا يعتقد أحد بأن الكلمة نفسه قد تحول إلى هذه الأشياء قبل الموت، وبعد القيامة.

          8 ـ وإذ قد تم إثبات هذه الأشياء هكذا، فإنه يكون من نافلة القول أن نتعرض للموضوعات الأخرى، وندخل فى جدل حولها ، إذ أن الجسد الذى كان فيه الكلمة لم يكن من نفس جوهر اللاهوت ، بل هو حقًا مولود من مريم. والكلمة نفسه لم يتحول إلى عظام ولحم بل قد صار فى الجسد . لأن ما قيل فى إنجيل يوحنا ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1) له هذا المعنى ، كما يمكن أن نجد هذا فى موضع مشابه ، فقد كتب بولس ” المسيح صار لعنة لأجلنا ” (غلا13:3). وكما أنه لم يصر هو نفسه لعنة، بل قيل إنه قد صار لعنة لأنه احتمل اللعنة من أجلنا، هكذا أيضًا ، فإنه قد صار جسدًا لا بتحوله إلى جسد ، بل باتخاذه لنفسه جسدًا حيًا من أجلنا، وصار إنسانًا . لأن القول ” الكلمة صار جسدًا ” هو مساوٍ أيضًا للقول “الكلمة صار إنسانًا”. حسب ما قيل فى يوئيل “إنى سأسكب من روحى على كل جسد” (يو28:2) لأن الوعد لم يكن ممتدًا إلى الحيوانات غير الناطقة، بل هو للبشر الذين من أجلهم قد صار الرب إنسانًا .

          وبما أن هذا هو معنى النص المُشار إليه ، فإنهم يدينون أنفسهم أولئك الذين يظنون أن الجسد المولود من (مريم) كان موجودًا قبل مريم، وأن الكلمة كانت له نفس بشرية قبلها (قبل مريم) ، وأن هذه النفس كانت فيه دائمًا حتى قبل مجيئه . وهكذا سيكف أيضًا الذين يقولون إن الجسد لم يكن قابلاً للموت، وإنه كان من طبيعة غير مائتة. لأنه لو لم يكن قد مات، فكيف إذن سلّم بولس إلى الكورنثيين ما قبله هو أيضًا : ” أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب ” (1كو3:15)، وكيف قام مطلقًا إن لم يكن قد مات أيضًا ؟ وسيحمّر بالخجل العظيم كل من يدور فى مخيلته عمومًا أى احتمال لأن يكون هناك رابوع بدلاً من ثالوث، وذلك فى حالة القول إن الجسد إنما هو من مريم .

          فهم يزعمون إننا نقول ، إن الجسد من نفس جوهر الكلمة ، وهكذا يبقى الثالوث ثالوثًا . لأنه لا يكون هناك شئ غريب قد أُضيف إلى الكلمة، ولكن إن قلنا إن الجسد المأخوذ من مريم إنما هو بشرى، فمن الضرورى حيث إن الجسد غريب فى جوهره عن الكلمة ، والكلمة كائن فيه، فإن إضافة الجسد تجعل هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث (حسب ظنهم).

          9 ـ إن الذين يتناولون هذه الأمور بهذه الطريقة ، لا يدركون أنهم يقعون فى تناقض مع أنفسهم ، لأنهم حتى وإن قالوا إن الجسد ليس من مريم بل إنه من نفس جوهر الكلمة، (وهذا ما يتظاهرون أنهم يفكرون به، وذلك لكى لا يظهر حقيقة ما يفكرون به)، فإنه بحسب تفسيرهم هذا، يمكننا ان نوضح أنهم يقولون برابوع . لأنه كما أن الابن، بحسب الآباء ، هو من نفس جوهر الآب، وليس هو الآب نفسه، بل يُقال إنه ابن من نفس جوهر الآب، هكذا جسد الكلمة (الذى يقولون) إنه من نفس جوهر الكلمة لا يكون هو الكلمة ذاته بل هو آخر بالنسبة للكلمة .. ولكونه آخر (غير الكلمة) ، فإنه بحسب رأيهم يكون ثالوثهم رابوعًا .

          لأن الثالوث الحق ، والكامل بالحقيقة، وغير المنفصل لا يقبل إضافة ، بل إن فكرة (الإضافة) قد اختلقها هؤلاء الأشخاص .

          وكيف يمكن أن يظلوا مسيحيين أولئك الذين يخترعون إلهًا آخر مختلفًا عن الإله الكائن . ومرة أخرى فإنه فى الإمكان أن نرى فى سفسطتهم الأخرى منتهى الحماقة .

          لأنهم يظنون أنه بسبب ما هو موجود فى الكتب وما قيل فيها من أن جسد المخلص هو من مريم وأنه بشرى، فإنهم يعتبرون بذلك أن هناك رابوعًا بدلاً من ثالوث، كما لو كانت قد حدثت إضافة بسبب الجسد، وهكذا فإن الذين يساوون الخالق بالخليقة يضلون كثيرًا ، إذ أنهم يتوهمون بأنه من الممكن أن يقبل اللاهوت إضافة . وعجزوا عن أن يدركوا ، أن الكلمة صار جسدًا ، ليس لأجل إضافة (شئ ما) إلى اللاهوت، بل من أجل أن ينال الجسد قيامة. ولم يأتى الكلمة من مريم لكى يرتقى هو، بل لكى يفدى الجنس البشرى. فكيف إذن يفكرون أن الجسد وهو الذى افتداه الكلمة وأحياه، يقوم بإضافة شئ ما من ناحية اللاهوت إلى الكلمة الذى أحياه ؟ بل بالعكس فإن الجسد البشرى ذاته هو الذى حدثت له زيادة كبيرة ، بسبب شركة الكلمة معه واتحاده به ، لأنه (الجسد) صار غير مائت بعد أن كان مائتًا ، ورغم أن الجسد كان حيوانيًا (نفسانيًا) فقد صار روحانيًا ، ورغم أنه من تراب الأرض فقد اجتاز الأبواب السماوية .

          إذن فالثالوث هو ثالوث، رغم أن الكلمة حصل على جسد من مريم، والثالوث كامل لا يقبل زيادة ولا نقصانًا ، ولا نعرف إلاّ لاهوتًا واحدًا فى الثالوث، وهكذا يكرز فى الكنيسة بإله واحد هو أب الكلمة .

          10 ـ ومن أجل هذا فسيصمت أولئك الذين سبق أن قالوا إن الذى جاء من مريم ليس هو المسيح والرب الإله. لأنه لو لم يكن إلهًأ فى الجسد ، فكيف بمجرد ولادته من مريم دُعىَ ” عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا ” (مت23:1) وأيضًا لو لم يكن هو الكلمة فى الجسد ، فكيف كتب بولس إلى أهل رومية : ” ومنهم المسيح حسب الجسد الكائن على الكل إلهًا مباركًا إلى الأبد آمين ” (رو5:9). وأولئك الذين سبق لهم أن أنكروا أن المصلوب هو إله ، فليعترفوا بأنهم قد أخطأوا، لأن الكتب الإلهية تحضهم ـ وبنوعٍ خاص ـ توما ، الذى بعد أن رأى فيه آثار المسامير، صرخ قائلاً ” ربى وإلهى ” (يو28:20). لأن الابن إذ هو الله ورب المجد، كان فى الجسد الذى سُمِرَ وأُهين بخزى، أما الجسد فكان يتألم وهو على الخشبة، وكان يسيل من جنبه (المطعون) دم وماء. ولكن بسبب أنه كان هيكل الكلمة بالحقيقة، فقد كان مملوءًا من اللاهوت . ولهذا السبب إذن عندما رأت الشمس خالقها وهو يتألم فى الجسد المُهان ، سحبت أشعتها ، وأظلمت الأرض ولكن الجسد نفسه ، وهو من طبيعة مائتة ، قام بطبيعة تفوق طبيعته بسبب الكلمة الذى فيه، وتوقف فساده (إضمحلاله) الطبيعى ، وإذ قد لبس الكلمة الذى هو فوق الإنسان هذا الجسد ، فقد صار (الجسد) غير فاسد (غير مضمحل).

          11 ـ أما بخصوص ما يتخيله بعض (الناس) الذين يقولون إنه كما صار الكلمة إلى كل واحد من الأنبياء ، هكذا جاء (الكلمة) إلى إنسان واحد معين هو الذى وُلِدَ من مريم ، فمن العبث أن نجادل هذا القول ، حيث إن جنونهم يحوى فى طياته دنيونته الواضحة . لأنه لو كان قد جاء بهذه الطريقة ، فلماذا جاء هذا الإنسان من عذراء ولم يُولد هو أيضًا من رجل وامرأة ؟ فإن جميع (الأنبياء) القديسين وُلدوا هكذا (من رجل وامرأة) أما وقد جاء الكلمة هكذا (من عذراء) ، فلماذا لا يُقال إن موت كل واحد (من الأنبياء) قد حدث لأجلنا، بل (يُقال هذا فقط) على موت هذا الإنسان وحده؟ وإن كان الكلمة قد سكن بيننا لفترة قصيرة ، والأنبياء مثله قد أقاموا أيضًا فترة على الأرض، فلماذا يُقال عن المولود من مريم إنه استوطن بيننا “مرة واحدة عند إنقضاء الدهور ” (عب26:9) وإن كان قد جاء هو ، كما سبق أن جاء فى القديسين (الذين قبله) ، فلماذا مات جميع هؤلاء القديسين الآخرين ولم يقوموا بعد ، فى حين أن المولود من مريم وحده ، قام فى خلال فترة الثلاثة أيام ؟ .

          وإن كان الكلمة قد جاء بطريقة مماثلة لتلك التى (سبق) أن جاء بها فى الآخرين، فلماذا يُدعى المولود من مريم وحده ، عمانوئيل ، أى الذى وُلِدَ منها جسدًا مملوءًا بالألوهية ؟ لأن عمانوئيل تفسيره ” الله معنا ” .

          وإن كان قد جاء هكذا (أى بنفس الطريقة التى جاء بها فى الأنبياء) فلماذا لا يُقال عن كل واحد من (الأنبياء) القديسين ، عندما كان يأكل ويشرب ويتعب ويموت ، إن (الكلمة) نفسه أكل وشرب وتعاب ومات ، بل يُقال هذا فقط عن المولود من مريم وحده ؟ لأن ما تألم به هذا الجسد (جسد الكلمة) يُعتبر أن الكلمة قد تألم به .

          وبينما يُقال عن الآخرين إنهم فقط وُلدوا متناسلين يُقال فى حالة المولود من مريم وحده إن ” الكلمة صار جسدًا ” (يو14:1).

          12 ـ من كل هذا تبين أن الكلمة جاء إلى جميع الآخرين (الأنبياء) لكى يتنبأوا ، أما الكلمة نفسه الذى وًلد من مريم فقد اتخذ منها جسدًا وصار إنسانًا ، إذ هو بطبعه وجوهره كلمة الله ، أما من جهة الجسد فهو إنسان من نسل داود ومن جسد مريم كما قال بولس (أنظر رو3:1).

          وقد أظهره الآب فى الأردن وعلى الجبل قائلاً ” هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت ” (مت13:3). والآريوسيون أنكروه ، أما نحن فنعترف به ونعبده ولا نفصل الابن عن الكلمة ، بل نعرف أن الابن هو نفسه الكلمة ، الذى به قد كان كل شئ ، والذى به افتُدينا نحن .

          ولهذا السبب دُهشنا حقًا أن يحدث بينكم نزاع على الإطلاق حول هذه الأمور الواضحة جدًا. ولكن شكرًا للرب، إنه بقدر حزننا عند قراءة مذكراتكم، بقدر ما فرحنا بما انتهت إليه (هذه المذكرات). لأنهم مضوا بعد اتفاق وتصالح على الاعتراف بالإيمان الأرثوذكسى الحسن العبادة .

          وهذا فى الواقع ما دفعنى أيضًا أن أكتب هذه الكلمات القليلة بعد أن أمعنت الفكر كثيرًا أولاً ، خوفًا من أن يسبب صمتى ألمًا بدلاً من الفرح لأولئك الذين سببوا لنا فرحًا باتفاقهم معًا. لذلك أرجو أولاً من قدسكم وثانيًا من المستمعين لهذه الرسالة أن تتقبلوا ما فيها من كلمات بضمير نقى ، وإن كان فيها أى عجز من جهة التقوى فأرجو أن تصوبوه وتفيدونى. أما إن كنت قد كتبت كإنسان عامى فى الكلام (2كو6:11)، أو إن كان الحديث غير جدير أو غير كامل ، فاستميحكم جميعًا عذرًا بسبب ضعفى فى التعبير .

          سلّم على جميع الاخوة الذين معك . وكل الذين معى يسلمون عليك ، ولتكن حياتك فى الرب فى تمام الصحة ، أيها المحبوب والمشتاق إليه جدًا.

 

1 تُرجمت هذه الرسالة عن اليونانية ضمن الجزء الثالث لرسائل القديس كيرلس (ترجمة الدكتور موريس تاوضروس والدكتور نصحى عبد الشهيد) ، ونشرها مركز دراسات الآباء بالقاهرة سنة 1995م .

1  أى يمسك نسل إبراهيم (أنظر عب17،16:2).

2  كانت مضمنة فى خطة الخلاص فى قصد الله ليأخذ منها الكلمة جسدًا .

 

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج3 – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج2 – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج2 – د. نصحى عبد الشهيد

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج2 – د. نصحى عبد الشهيد

 

رسالة القديس أثناسيوس
إلى أدلفيوس
 
مقدمة

 

          كتب القديس أثناسيوس هذه الرسالة إلى أدلفيوس المعترف أسقف أونوفيس سنة 370م . وأدلفيوس أسقف مصرى كان الآريوسيون قد نفوه قبل ذلك إلى صعيد مصر ولذلك يُسمى المعترف . ورسالة أثناسيوس هذه إلى أدلفيوس هى رد على خطاب أرسله أدلفيوس إلى أثناسيوس يذكر فيه اتهام الآريوسيين للمستقيمى الرأى الذين يعترفون بإيمان مجمع نقية ، بعبادة المخلوق.

          ويقرر القديس أثناسيوس إننا فى عبادتنا للمسيح ، لا نعبد مخلوقًا ، ولكننا نعبد كلمة الله المتجسد ، وأنه لا يمكن الفصل بين إنسانية المسيح وبين ألوهيته.

          كما يوضح القديس أثناسيوس الهدف من التجسد قائلاً ” وإن كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة ، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا بل على العكس مجدًا ونعمة عظمى . لأنه قد صار إنسانًا لكى يؤلهنا فى ذاته ، ووُلد من عذراء كى ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضُلِّلنا ، ولكى نصبح بذلك جنسًا مقدسا ونصير شركاء الطبيعة الإلهية ـ كما كتب بطرس المُطوب “.

 

 

رسالة أبينا القديس أثناسيوس
إلى
أدلفيوس المعترف
 
ضد الآريوسيين

 

          1 ـ لقد قرانا ما قد كتبته قدسك ، ونوافق حقًا على تقواك من نحو المسيح . وقبل كل شئ مجدّنا الله الذى اعطاك هذه النعمة ، حتى يكون لك أيضًا فكر مستقيم ، وحتى لا تجهل حيل الشيطان ، بقدر المستطاع .

          إننا ندهش لسوء نية الهراطقة ، ونحن نرى كيف قد سقطوا إلى هوة الكفر (عدم التقوى) حتى هذه الدرجة حتى أنهم لم يعودوا بعد يحفظون بصائرهم ، بل قد فسد ذهنهم من كل ناحية .

          ولكن هذه المحاولة إنما هى من إيحاء الشيطان ، ومحاكاة لليهود المخالفين للشريعة . وكما أن هؤلاء (اليهود) حينما نالوا التوبيخ من كل ناحية ، ظلوا يخترعون ذرائعًا لضرر أنفسهم ، لكى ينكروا الرب ويجلبوا على أنفسهم ما سبق أن تنبأ به الأنبياء ، فبنفس الطريقة فإن هؤلاء الناس ، إذ يرون أنفسهم محرومين من كل ناحية ، ولأنهم رأوا أن هرطقتهم قد صارت كريهة جدًا لدى الجميع فقد صاروا ” مخترعين شرورًا ” لكى يظلوا بالحقيقة أعداء للمسيح ، إذ أنهم لا يكفون فى محاربتهم ضد الحق .

          فمن أين نبع لهم إذن هذا الشر أيضًا ؟ وكيف تجاسروا على أن ينطقوا بهذا التجديف الجديد ضد المخلص بمثل هذه الجسارة الكلية ؟. ولكن كما يبدو ، فإن الرجل المجدف هو شرير ، ومرفوض حقًا من جهة الإيمان    (2تيمو8:3).

          لأنهم قبل ذلك بينما هم ينكرون ألوهية ابن الله الوحيد الجنس ، تظاهروا بأنهم يعترفون بمجيئه فى الجسد . أما الآن ، فإنهم تراجعوا تدريجيًا ، وسقطوا فى فكرهم الوهمى ، وصاروا كافرين من جميع النواحى ، حتى أنهم لا يعترفون به بأنه إله ، ولا يؤمنون بأنه قد صار إنسانًا . لأنهم لو كانوا يؤمنون بهذا ، لَما نطقوا بمثل تلك الأقوال التى كتبتَ قدسك ضدهم بخصوصها .

          2 ـ لذلك فأنت أيها الحبيب ، والمشتاق إليه جدًا بالحق ، قد صنعت ما هو موافق لتقليد الكنيسة ، ومناسب للتقوى نحو الرب ، بتوبيخك ونصحك وتعنيفك لمثل هؤلاء . ولكن حيث إنهم مُحرَّكون من أبيهم الشيطان ، فإنهم ” لا يعرفون ولا يفهمون ” كما هو مكتوب بل ” فى الظلمة يتمشون ” (مز5:81).

          فليتعلموا من قدسك أن ضلال فكرهم هذا إنما هو خاص بفالنتينوس وماركيون ومانى[1] فالبعض من هؤلاء استبدلوا (فى الشرح) المظهر بالحقيقة ، والبعض الآخر قسموا ما لا ينقسم . وأنكروا حقيقة أن ” الكلمة صار جسدًا  وسكن فينا (يو14:1).

          وحيث إنهم يفكرون بأفكار هؤلاء الناس ، فلماذا إذًا لا يكونون ورثة لأسمائهم أيضًا ؟ فماداموا يعتنقون آراءهم الخاطئة ، فمن المعقول أن يتخذوا أسماءهم أيضًا ، لكى يُطلق عليهم من الآن فصاعدًا : فالنتينيون ، وماركيونيون ومانويون . وربما إذا كان الأمر كذلك ، فبسبب إحساسهم بالعار من نتانة أسماء (هؤلاء)، فربما يستطيعون أن يدركوا مدى الكفر (عدم التقوى) الذى سقطوا فيه . ويكون من حقنا ألاّ نرد عليهم إطلاقًا بحسب التحذير الرسولى ” الرجل المبتدع بعد الإنذار مرة ومرة ثانية ، أعرض عنه ، عالمًا أن مثل هذا قد انحرف وهو يخطئ محكومًا عليه من نفسه ” (تى11،10:3) وبنوعٍ خاص ما يقوله النبى عن مثل هؤلاء ” لأن الغبى (اللئيم) يتحدث تفاهات ، وقلبه يتفكر فى أمور باطلة ” (إش6:32).

          ولكن بما أنهم مثل زعيمهم (آريوس) ، يجولون كأسود ملتمسين من يبتلعونه (قارن 1بط8:5) من بين المستقيمى القلوب ـ لأجل ذلك صار لزامًا علينا ، أن نكتب لقدسك ثانية ، حتى أن الاخوة بعد أن يتعلموا ثانية من نصائحك ، يستطيعون أن يدينوا أكثر ، تعاليم هؤلاء الناس الباطلة .

          3 ـ نحن لا نعبد مخلوقًا ، حاشا ! لأن مثل هذا الضلال إنما هو خاص بالوثنيين والآريوسيين . ولكننا نعبد رب الخليقة كلمة الله المتجسد . لأنه إن كان الجسد نفسه، فى حد ذاته هو جزء من عالم المخلوقات ، إلاّ أنه صار جسد الله . فنحن من ناحية ، لا نفصل الجسد عن الكلمة ، ونعبد مثل هذا الجسد فى حد ذاته ، ومن ناحية أخرى ، عندما نريد أن نعبد الكلمة ، فإننا لا نفصل الكلمة عن الجسد ، ولكننا ـ كما سبق أن قلنا ـ إذ نعرف أن “الكلمة صار جسدًا ” فإننا نعرفه كإله أيضًا ، بعد أن صار فى الجسد. وتبعًا لذلك ، فمن هو أحمق إلى هذه الدرجة حتى يقول للرب ” انفصل عن الجسد لكى أعبدك ؟” . أو من هو عديم التقوى لدرجة أن يقول له مع اليهود الحمقى ” لماذا وأنت إنسان تجعل نفسك إلهًا ” (يو33:10). ولكن الأبرص لم يكن من هذا النوع ، فإنه عَبَدَ الله فى الجسد ، وعرف أنه الله قائلاً “يارب، إن أردت تقدر أن تطهرنى ”  (مت3:8) ، فهو من ناحية لم يظن أن كلمة الله مخلوق، بسبب الجسد ، ومن الناحية الأخرى لم يحتقر الجسد الذى كان يلبسه (الكلمة) بسبب أن الكلمة هو خالق الخليقة . ولكنه عَبَدَ خالق الكون كما فى هيكل مخلوق ، وهكذا تطهر. وهكذا أيضا المرأة نازفة الدم لأنها آمنت ، فقد اكتفت بلمس هدب ثوبه وشفيت (مت20:9ـ22). والبحر المضطرب بأمواجه ، سمع الكلمة المتجسد ، فكفت العاصفة (مت11:8). والأعمى منذ ولادته قد شُفى بتفلة الجسد من الكلمة (يو6:9). وما هو أعظم وأكثر غرابة (لأن هذا ربما يكون قد أعثر أكثر الناس كفرًا) فإنه حينما عُلق الرب على الصليب فعلاً (لأن الجسد كان جسده، وكان الكلمة فى الجسد)، فقد أظلمت الشمس والأرض تزلزلت ، والصخور تشققت ، وانشق حجاب الهيكل (لو45:23)، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين (مت52،51:27).

          4 ـ إن هذه الأشياء قد حدثت ، ولم يجادل أحد من أولئك ـ مثلما يتجاسر الآريوسيون الآن أن يجادلوا فيما إذا كان يجب على الإنسان أن يؤمن بالكلمة المتجسد . بل عند رؤيتهم إياه إنسانًا عرفوا أنه هو الذى خلقهم . وحينما سمعوا صوتًا بشريًا ، لم يكونوا يقولون إن الكلمة مخلوق بسبب بشريته . بل بالعكس كانوا يرتعدون ، ولم يعرفوا شيئًا أقل من أنه كان ينطق به من هيكل مقدس. فكيف إذن لا يخاف عديمو التقوى ، لئلا كما أنهم لم يستحسنوا أن يبقوا الله فى معرفتهم ، ربما يسلمهم إلى ذهن مرفوض ليفعلوا تلك الأشياء التى لا تليق (أنظر رو28:1) لأن الخليقة لا تعبد المخلوق ، وأيضًا هى لم ترفض أن تعبد ربها بسبب الجسد . ولكنها كانت ترى خالقها فى الجسد ، ” وانحنت كل ركبة ” باسم يسوع ، حقًا ، “وستنحنى (كل ركبة) ممن فى السموات ومن على الأرض ومن تحت الأرض وسيعترف كل لسان ـ حتى لو كان هذا لا يروق للآريوسيين ـ أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب (فى11،10:2)، لأن الجسد لم يقلّل من مجد الكلمة، حاشا : بل بالأحرى فإن الجسد نفسه قد تمّجد بالكلمة.

          والابن الكائن فى صورة الله ، أخذ صورة عبد ، وهذا لم يُنقص من ألوهيته ، بل هو بالأحرى قد صار بذلك مخلصًا لكل جسد ولكل خليقة .

          وإن كان الله قد أرسل ابنه مولودًا من امرأة ، فإن هذا الأمر لا يسبب لنا عارًا بل على العكس مجدًا ونعمة عظمى. لأنه قد صار إنسانًا لكى يؤلهنا فى ذاته . وقد صار (جسدًا) من امرأة ووُلد من عذراء كى ينقل إلى نفسه جنسنا (نحن البشر) الذين ضُلِّلنا، ولكى نصبح بذلك جنسًا مقدسًا ، ونصير شركاء الطبيعة الإلهية (2بط4:1) كما كتب بطرس المُطوب . وما ” كان الناموس عاجزًا عنه إذ أنه كان (الناموس) ضعيفًا بواسطة الجسد ، فإن الله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية ، ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد ” (رو3:8).

          5 ـ إذن ، فالكلمة أخذ جسدًا ، لأجل تحرير كل البشر ، ولإقامة الجميع من بين الأموات ، ولكى يصنع فداءً من الخطايا . فأولئك الذين يستخفون بهذا الأمر (الجسد) ، أو الذين بسبب الجسد يتهمون ابن الله بأنه مصنوع أو مخلوق ، كيف لا يظهر أنهم جاحدون للنعمة ومستحقون لكل اشئمزاز ونفور؟ فكأنهم بذلك يصرخون قائلين لله : لا ترسل ابنك الوحيد الجنس فى الجسد ، ولا تجعله يتخذ جسدًا من عذراء لكى لا يفتدينا من الموت ومن الخطيئة ، ولا نريده أن يصير فى الجسد لكى لا يقاسى الموت من أجلنا ، ولا نرغب فى أن يصير فى الجسد لئلا يصير بهذا الجسد وسيطًا لنا للدخول إليك فنسكن فى المنازل التى فى السموات. فلتغلق أبواب السموات، لكيلا يكرّس لنا كلمتك الطريق فى السموات بواسطة الحجاب الذى هو جسده. هذه هى الأقوال التى يتفوه بها أولئك الناس بجرأة شيطانية، وهى إدعاءات اخترعوها لأنفسهم نابعة من حقدهم. لأن الذين يرفضون أن يعبدوا الكلمة الصائر جسدًا ، هم جاحدون لنعمة صيرورته إنسانًا .

          والذين يفصلون الكلمة عن الجسد ، لا يحسبون أنه قد حدث فداء واحد من الخطيئة ، ولا يحسبون أنه قد تم اندحار للموت .

          ولكن على وجه العموم، أين سيجد الكافرون ، الجسد الذى اتخذه المخلص ، منفصلاً عنه ، حتى يتجاسروا أن يقولوا أيضًا : إننا لا نعبد الرب متحدًا بالجسد بل نفصل الجسد ونعبد الكلمة وحده ؟

          لقد رأى اسطفانوس المغبوط ، الرب واقفًا فى السموات ، عن يمين (الله) (أع55:7)، والملائكة قالوا للتلاميذ ” سيأتى هكذا بنفس الطريقة التى رأيتموه بها منطلقًا إلى السماء ” (أع11:1) والرب نفسه يقول مخاطبًا الآب ” أريد أن يكونوا هم أيضًا معى على الدوام حيث أكون أنا ” (قارن يو24:17) وفى الواقع ، إن كان الجسد غير منفصل عن الكلمة ألاّ يكون من اللازم ، أن يتخلى هؤلاء الناس عن ضلالهم ، ومن ثم يعبدون الآب باسم ربنا يسوع المسيح ، أو ، إن كانوا لا يعبدون ويخدمون الكلمة الذى جاء فى الجسد ، فينبغى أن يُطرحوا خارجًا من كل ناحية ، وأن لا يُحسبوا فيما بعد مسيحيين ، بل بالأحرى يُعدوا بين اليهود .

          6 ـ هذا هو إذن ، كما شرحنا قبلاً ، هَوْس (جنون) أو جسارة أولئك الناس . أما إيماننا فمستقيم وهو نابع من تعليم الرسل وتقليد الآباء ويؤكده كل من العهد الجديد والعهد القديم، حيث يقول الأنبياء “أرسل كلمتك وحقك” (مز3:42) ” هوذا العذراء ستحبل وتلد ابنًا وسيدعون اسمه عمانوئيل ” (إش14:7) ” الذى تفسيره الله معنا ” (مت23:19 ولكن ماذايعنى هذا إن لم يكن أن الله قد جاء فى الجسد ؟ .

          فإن التقليد الرسولى يعلّم فى قول المغبوط بطرس ” إذا قد تألم المسيح لأجلنا بالجسد ” (1بط1:4) بينما يكتب بولس ” متوقعين الرجاء المبارك وظهور مجد الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح . الذى بذل نفسه لأجلنا لكى يفدينا من كل إثم ويطهر لنفسه شعبًا خاصًا غيورًا فى أعمال حسنة ” (تى14،13:2) فكيف إذن قد بذل نفسه لأجلنا ، لكى ، بقبوله الموت فى هذا الجسد ، يبيد ذلك الذى له سلطان الموت أى إبليس (عب14:2). ولذلك فإننا نقدم الشكر على الدوام باسم يسوع المسيح ، ولا نبطل النعمة التى صارت إلينا بواسطته . فإن مجئ المخلص متجسدًا قد صار فدية للموت وخلاصًا لكل الخليقة .

          لذا أيها الحبيب والمشتاق إليه جدًا ، فليضع محبو الرب هذه الأقوال فى عقولهم ، أما أولئك الذين يتمثلون بسلوك يهوذا ، ويتخلون عن الرب ليكونوا مع قيافا ، فليتهم يتعلمون من هذه الأقوال ، إن أرادوا ، وإن كانوا يستحون ؛ وليعلموا ، أنه بعبادة الرب فى الجسد ، فإننا لا نعبد مخلوقًا ، بل كما قلنا قبلاً ، فإننا نعبد الخالق الذى لبس الجسد المخلوق .

          7 ـ ولكننا نود من قدسك أن تستقصى منهم عن هذا الأمر . فإن إسرائيل حينما كان يصدر إليه الأمر أن يصعد إلى أورشليم لكى يسجد فى هيكل الرب ، حيث يوجد التابوت ، وفوقه كاروبا المجد مظللين الغطاء ، فهل كانوا يتصرفون حسنًا أم العكس ؟ فإن كانوا يفعلون خطأ ، فأى عقاب كان يتعرض له الذين يزدرون بهذا الناموس ؟ لأنه مكتوب إن الذى استهان بالأمر ولم يصعد ” يُقطع ذلك الإنسان من الشعب ” (قارن لا9:17) وإن كانوا يصنعون صوابًا ، وكانوا بهذا مقبولين لدى الله ، أليس الآريوسيين وهم أنجس وأبشع من كل هرطقة ـ مستحقين ـ للهلاك عدة مرات ، لأنهم بينما يقبلون الشعب القديم ويوافقونه فى الكرامة التى كان يقدمها للهيكل ، فإنهم لا يريدون أن يعبدوا الرب الذى هو فى الجسد كما فى هيكل . وبالرغم من ذلك فإن الهيكل القديم الذى كان مشيدًا من حجارة ومن ذهب ، لم يكن إلاّ مجرد ظل . ولكن عندما جاءت الحقيقة ، بطل المثال منذ ذلك الحين ، ولم يبق فيه حجر على حجر لم يُنقض ، حسب النطق الربانى .

          فلما رأى (الشعب القديم) الهيكل من حجارة لم يظنوا أن الرب ـ الذى تحدث فى نفس الهيكل ـ مخلوق ، ولم يزدروا بالهيكل ولم يعتزلوا بعيدًا للعبادة . ولكنهم جاءوا إلى الهيكل ـ بحسب الشريعة ، وخدموا الله الذى نطق بوحيه من الهيكل . وإن كان الأمر هكذا فكيف لا ينبغى أن يُعبد جسد الرب ، الكلى القداسة والكلى الوقار حقًا ، والذى بشر به رئيس الملائكة جبرائيل ، لكى يتم تشكيل الجسد من الروح القدس ويصير رداءً للكلمة .

            فالكلمة بمد يده الجسدية أقام (حماة سمعان) التى أخذتها الحمى الشديدة (لو39:4) وبصراخه بصوت بشرى أقام لعازر من بين الأموات (يو43:11) ، ومرة أخرى حينما بسط ذراعيه على الصليب، فقد قهر رئيس سلطان الهواء ، الذى يعمل الآن فى أبناء المعصية (أف2:2)، وجعل لنا الطريق إلى السموات نقيًا (ومفتوحًا) .

          8 ـ إذن ، فالذى يهين الهيكل ، فإنما يهين الرب فى الهيكل ، والذى يفصل الكلمة عن الجسد ، إنما يبطل النعمة المعطاة لنا فى جسده. أما المتهوسون بالآريوسية، الشديدو الكفر ، فلا تدعهم يحسبون أنه ، بما أن الجسد مخلوق ، يكون الكلمة مخلوقًا أيضًا ، وكذلك لا تدعهم أيضًا يحتقرون جسد الكلمة ، بسبب أن الكلمة ليس مخلوقًا ، لأن شرهم (حقدهم) يثير الدهشة ، إذ أنهم يبلبلون الأفكار ويخلطون كل شئ ويخترعون إدعاءات وذلك كله فقط لكة يَعدّوا الخالق بين المخلوقات .

          ولكن فليسمعوا ، لأنه لو أن الكلمة كان مخلوقًا ، لما اتخذ جسدًا مخلوقًا لكى يهبه الحياة ، لأنه أية معونة تحصل عليها المخلوقات من مخلوق هو نفسه يحتاج إلى الخلاص ؟ . ولكن حيث إن الكلمة خالق ، فقد تمم خلقة المخلوقات .

          لذلك فإنه عند اكتمال الدهور أيضًا فقد لبس هو نفسه ما هو مخلوق (أى الجسد) لكى يجدده بنفسه مرة أخرى كخالق ؛ ولكى يستطيع أن يقيمه.

          لا يستطيع مخلوق أن يخلص مخلوقًا على الإطلاق ، كما أن المخلوقات لم تُخلق بواسطة مخلوق ، وذلك إن لم يكن الكلمة هو الخالق (كما يدّعى الآريوسيون) . ولذلك دعهم لا يفترون على الكتب الإلهية ولا تدعهم يسيئون إلى المستقيمين من الاخوة . ولكن إن كانوا يرغبون ، فليغيروا فكرهم هم أيضًا ولا يعودوا يعبدون المخلوق دون الله خالق كل الأشياء (أنظر رو25:1).

          أما إن كانوا يريدون أن يتشبثوا بتجديفاتهم فليشبعوا بها وحدهم ، وليصرّوا على أسنانهم مثل أبيهم الشيطان ، لأن إيمان الكنيسة الجامعة يقر بأن كلمة الله هو خالق كل الأشياء ، ومبدعها ، ونحن نعرف أنه ” فى البدء كان الكلمة ، والكلمة كان عند الله ” (يو1:1) فإننا نعبد ذلك الذى صار هو نفسه أيضًا إنسانًا لأجل خلاصنا ، لا كما لو كان هذا الذى صار جسدًا هو مساوٍ للجسد بالمثل ، بل (نعبده) كسيد آخذًا صورة عبد ، كصانع وخالق صائرًا فى مخلوق أى (الجسد) لكى بعد أن يحرر به كل الأشياء ، يقرّب العالم إلى الآب ، ويصنع سلامًا لكل المخلوقات سواء التى فى السموات أو التى على الأرض .

          ولذلك فنحن نعترف أيضًا بألوهيته التى من الآب .

          ونعبد حضوره المتجسد ، حتى ولو مزق الآريوسيون المجانين أنفسهم.

          سلّم على كل من يحبون ربنا يسوع المسيح .. ونرجو أن تكون بصحة جيدة ، وأن تذكرنا أمام الرب ، أيها المحبوب والمشتاق إليه جدًا بالحق . وإن احتاج الأمر ، فلتقرأ هذه الرسالة لهيراكاس القسيس .

 

1  فالنتينوس مبتدع من الغنوسيين (أصحاب مذهب الخلاص بالمعرفة) ظهر فى القرن الثانى الميلادى، وكان يعلم بوجود عدة كائنات سماوية وسيطة بين الله وبين يسوع، يسميها أيونات أى عصور ـ يبلغ عددها ثلاثون كائنًا ـ وأن الكلمة هو رابع هذه الأيونات ، وأحد هذه الأيونات هو المسيح السماوى وهو غير الكلمة ، وغير المسيح الذى ظهر من شعب إسرائيل ، وأن المسيح هو شخص آخر غير يسوع ، وأن جسد يسوع ليس جسدًا طبيعيًا حقيقيًا بل جسم خيالى أو ظاهرى .

            وقد حاول فالنتينوس نشر تعاليمه فى روما حوالى سنة 140م ولكنه لم ينجح وقد حرمته الكنيسة .

            وواضح من تعليمه أنه ينكر حقيقة أن ” الكلمة صار جسدًا ويسكن فينا ” كما يقول القديس أثناسيوس .

            ماركيون : مبتدع ظهر حوالى منتصف القرن الثانى فى روما، وأصله من البنطس فى آسيا وكان يُعلّم أن إله العهد القديم ليس هو إله العهد الجديد ـ وإله العهد القديم إله العدل وإله العهد الجديد هو إله الصلاح والنعمة، وأن المسيحية لا علاقة لها بإعلان العهد القديم، بل هبطت فجأة من السماء ، وأن المسيح لم يُولد من العذراء ولم يُولد بالمرة بل نزل فجاة من السماء فى مدينة كفر ناحوم فى السنة 15 من سلطنة طبياريوس قيصر ، وظهر كمعلن للإله الصالح الذى أرسله . وأن المسيح ليس هو الماسيا الذى تنبأ عنه العهد القديم . وأن جسد المسيح ليس جسدًا حقيقيًا طبيعيًا بل هو مجرد مظهر ، وأن المسيح لم يمت حقيقة. وكان يعتقد أن المادة شريرة ، وكان يحرّم الزواج ، ورفض وحى أسفار العهد القديم وعمل له قانونًا خاصًا لأسفار الكتاب يحوى 11 سفرًا فقط من العهد الجديد : عبارة عن إنجيل لوقا بعد أن شوهه و10 من رسائل بولس الرسول .

            وقد حرمته الكنيسة وحرمت تعاليمه وقاومتها بشدة منذ البداية .

            مانى : مبتدع ظهر فى القرن الثالث ، من بلاد فارس ، أدعى الوحى وقال إنه ” رسول يسوع المسيح ” وأنه هو الروح القدس ” الباراقليط ” الذى وعد به المسيح . وكان يعلّم أن المادة شريرة وأن الإنسان مخلوق على صورة الشيطان ، وأن الجسد شرير فى جوهره والزواج نجس . وأنكر أن جسد المسيح حقيقى ، وقال إن آلام المسيح على الصليب وهمية وليست آلام حقيقية، وأن المسيح ليس له دم . وكان لا يؤمن بالكتاب المقدس بعهديه كمصدر للتعليم بل ببعض الأناجيل المزورة وبعض الكتب الأخرى من تأليفه هو .

            وقد حرمت الكنيسة بدعة مانى وأتباعه فى عدة مجامع منذ القرن الرابع فصاعدًا .

 

المسيح في رسائل القديس اثناسيوس ج2 – د. نصحى عبد الشهيد

Exit mobile version