أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

الأحد الأول (أحد الكنوز)

من تفسير للقديس يوحنا ذهبي الفم

(على إنجيل متى19:6ـ33)

 

 

”  لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزًا عَلَى الأَرْضِ ” (مت19:6)

وبعد أن أخرج السيد المسيح من نفوسنا مرض التفاخر والعُجب، نراه يبدأ في الوقت المناسب حديثه عن الفقر الاختياري. إذ أنه لا يوجد شئ يشجّع المرء على محبة المال أكثر من حب المجد الباطل.

          وفيما سبق اكتفى الربُّ بأن يوصينا أن نصنع الرحمة. أما هنا فبيّن لنا كيف تكون هذه الرحمة، بقوله: ” لا تكنزوا لكم كنوزًا“، وذلك لأنه لم يكن ممكنًا في بداية حديثه أن يُركَز الكلام كله دفعة واحدة حول ازدراء الثروات وذلك بسبب طغيان حب المال. لذا نراه يُجزّئ الحديث إلى مقاطع صغيرة، ويقدّمه قطرة قطرة للنفوس كي يصبح كلامه مقبولاً، لهذا فقد قال في البداية ” طوبى للرحماء” (مت7:5). وبعد هذا ” كن مراضيًا لخصمك” (مت25:5)، ثم أضاف: ” من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك اترك له الرداء أيضًا” (مت40:5).

          وهنا ما هو أعظم بكثير، إذ لا يُفترض وجود خصم أو طرف آخر، بل إنه يريد أن يعلّمنا ازدراء الثروات نفسها ويوضّح لنا أنه يَسِنّ هذه الشرائع لا من أجل الذين ينالون الصدقة بل من أجل الذين يعطون الصدقة. وفي هذا الموقف أيضًا لم يَقُل السيّد كل ما أراد، بل تكلّم بلطف لأن الوقت لم يكن قد حان، وهو هنا يفحص الأفكار فقط، متخذًا موقف الناصح أكثر منه موقف المُشرّع من جهة أقواله حول هذا الموضوع.

          وبعد أن قال ” لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض” أضاف:

 

حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ ” (19:6).

          حيث إنه يلمّح إلى الأمور التي يخافون منها بالأكثر، إذ يقول:   ” مما تخاف؟ هل تخاف أن تنفد أموالك إن أنت تصدّقت بها؟ لا، إعط صدقة وتأكد أن أموالك لن تنفد، بل ستزداد بشكل عظيم حقًا، لأن الخيرات السماوية ستُضاف إليها. لقد شدَّ انتباههم بقوله لهم إن كنزهم لن يُنفق بل سيبقى هكذا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جَذَبَ انتباههم إلى أمر آخر، إذ أنه لم يقل فقط:       ” سيحفظ كنزكم إن تصدقتم”، بل هدّد بالشيء المعاكس أيضًا، وهو أنه سيَفَنى إن لم تتصدقوا… وكيف؟ أسيَفنَى السوسُ الذهَب؟ بالطبع لا، لكنهم اللصوص. وهل صار الجميع ضحايا للسرقة؟ إن لم يكن الجميع فعلى الأقل الأكثرّية منهم. ولهذا فإننا نجد الربّ، وكما قلت سابقًا قد طرح أمرًا آخرً بقوله: ” لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا” (مت21:6)[1]. حتى ولو لم يحدث أي من هذه الأشياء، فإنك ستتعّرض لأذى ليس بالقليل لأنك قد وضَعَتَ كل اهتمامك في الأشياء السفلّية، وصرت عبدًا بعد أن كنت حُرًا، ولأنك نحيّت جانبًا الأمور السماوية، وأصبحت غير قادر على أن تدرك أي شئ منها، وصار كل تفكيرك يدور حول المال والربا والقروض والأرباح والأمور التجارية الخسيسة، فهل هناك ضياع أكثر من هذا؟

          إن شخصًا كهذا يكون أسوأ من أي عبد ـ إذ أنه تخلّى عن أهم شئ، أي عن سمو الإنسان وحريته.

          فمهما تحدّث معك أي شخص فأنت عاجز عن سماع الأمور التي تهم خلاصك، إذ أن ذهنك كله منحصر في التفكير في المال، ومُقيد بواسطة طغيان الثروة، مثل كلب مربوط بسلسلة قوية إلى قبر، تنبح على كل من يقترب منك، وبغير توقف تحرس ثروات غيرك. أيوجد حماقة أكبر من هذه؟

          ولأن حديثه هذا كان أعلى من مستوى سامعيه، ولم يكن من السهل لكثيرين أن يروا من أول نظرة أين تكمن العلّة، وبالتالي لم تكن الفائدة واضحة، لكن كانت الحاجة إلى مستوى روحي يَقدْر على التمييّز، ومع أن هذا كان واضحًا من حديثه عندما قال: ” حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك“، إلاّ أنه أوضحه أكثر عندما وجّه الحديث لا عن الأشياء المعقولة، بل عن الأشياء المحسوسة بقوله إن: ” سراج الجسد هو العين” (22:6)، ومعنى قوله هذا هو ما يلي:

          لا تدفن الذهب أو أي شئ من هذا القبيل في الأرض، لأنك ستكنز هذا كله، ثم يمتد إليه العث والصدأ وأيادي اللصوص، وحتى إن لم تتعّرض كنوزك لمثل هذه الأضرار، فإنك لن تنجو من استعباد قلبك واستمالته إلى كل ما هو أرضّي، إذ ” حيث يكون كنزك يكون قلبك أيضًا“. أما إن وضعت كنزك في السماء، فإنك لن تجنى هذا الثمر فقط الذي هو الحصول على المكافآت عن هذه الأمور، بل ستكون قد نُلت مجازاتك هنا على الأرض وستأخذ أجرك معك إلى هناك لأنك وضعت اهتماماتك فيما هو في السماء، لأنه من الواضح إنه حيث يكون كنزك سيكون هناك اهتمامك أيضًا.

          لكن إن كان هذا الكلام غامضًا بالنسبة لك فاسمع ما يلي:

 

سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا، فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَمًا فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ ” (22:6ـ23).

          إن السيد يوّجه الحديث نحو الأمور التي هي في متناول حواسنا بصورة أكبر فيقول: إن كنت لا تعلم مقدار الضرر الذي يصيب (الذهن) فتعلّم من أمور الجسد، إذ مثلما العين بالنسبة للجسد هكذا الذهن بالنسبة للنفس تمامًا، فبالتأكيد إنك لن تفضّل التحلّي بالذهب وارتداء الملابس الحريرّية عن أن تكون عيناك سليمّتين، إذ تحسب أن سلامة عينيك هو أمر أكبر أهمية من كل أمر آخر. إذ عندما تكون العينان ضريرتين تضعف معظم طاقة الأعضاء الأخرى. هكذا أيضًا عندما يُفسَد الذهن ستمتلئ حياتك بشرور لا تحصى. وكما أنه في اهتمامنا بالجسم نهدف إلى جعل عيوننا صحيحة، هكذا أيضًا في نفوسنا، يجب أن يكون اهتمامنا بأن يكون الذهن صحيحًا. فإن شوّهنا الذهن[2]، الذي ينير على بقية الأعضاء، فكيف سنرى بشكل أوضح؟ فكما أن الذي يدّمر النبع يجفّف النهر أيضًا، هكذا الذي يُطفئ الذهن (الفهم)، فإنه يُخزِى كل أعماله في هذه الحياة، لهذا يقول السيد: ” إن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون“.

          إن الله قد أعطانا الفهم كيّ نطرد كل جهل ولنحكم بالصواب على الأمور، وعندما نعمل بهذا الفهم كنوع من السلاح والنور ضد كل ما هو خطر أو ضار، يمكننا أن نبقى سالمين، لكننا نبذّر هذه النعمة في أمور عديمة النفع ونافلة.

          إن من يوجد في مكان مظلم، لا يستطيع أن يتحرك منه إلاّ إن سطعت الشمس. أما من لديه مشكلة في نظره فإنه لن ينظر حتى وإن أشرقت الشمس. هذا ما يحدث بالضبط لِمْنَ نتكلّم عنهم هنا. فإنهم لا يدركون ولا حتى شمس البّر الذي أشرق عليهم ويدعوهم، إذ أن الغِنَى قد أعمى أبصارهم، ولأجل هذا فهم يكونون في ظلام مضاعف: الأول ظلام في داخلهم، والثاني ظلام بسبب عدم اتباع وصيّة المعلّم.

          فلنتبع نحن المعلّم بكل حرص، حتى نستطيع أن نجد النور الحقيقي مرّة أخرى.

 

سبب العَمَى:

          وكيف يمكن أن نبصر مرّة أخرى؟، هذا ممكن عندما تعرف كيف صرت أعمى. وكيف صرت أعمى؟ بالتأكيد بسبب شهواتك الباطلة. لأنه كما أن هناك سوائل تؤذى العين، هكذا شهوة المال فإنها تؤذى النظر مسببة عتامة كثيفة له. غير أن هذه العتامة يمكن أن تنقشع إن نحن قَبلنا شعاع تعاليم المسيح، إن نحن سمعنا وصاياه وكلماته القائلة: ” لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض“. وربما يتساءل شخص قائلاً: وأي شئ سأربح من السماع في الوقت الذي تتملكّني فيه الشهوة؟

 

تأثير كلام الله:

          إن سماع كلمة الله باستمرار قادر على إزالة الشهوة. أما إن كنت تُصّر على أن تسيطر عليك هذه الشهوة، فإعرف إن الأمر ليس هو مجرّد شهوة. فما هي هذه الشهوة التي تجعلك في عبودية ثقيلة، تئن تحت نير ثقيل ومحاصر كما في سجن، تعيش في ظلام مملوء بالاضطراب، تحتفظ بالأموال للآخرين وباستمرار، من أجل أعدائك؟ مع أي شهوة تتفق كل هذه الأمور؟ ألاّ يناسب هذه الأمور أن نبتعد عنها ونهرب منها؟ أي شهوة هذه التي تجعلك أن تترك كنوزك بين اللصوص؟ إن كنت ترغب في أموالك بالحقيقة فيجب أن تحفظها في مكان آمن. لأن ما تفعله الآن لا يدّل على إنسان يرغب في حفظ المال، لكن يدّل على حالة الاستعباد والضياع والقلق المستمر التي تسيطر عليه.

          فإن دلّك شخص على مكان غير مطروق هنا على الأرض وآمن، وإن ذهب بك إلى الصحراء وأعطى لك وعودًا بحماية أموالك، فإنك لا تترّدد ولا تتحفظ، بل تُظهر ثقة في كلامه وتنقل  أموالك حيث يرشدك. أما إن وعدك الله وليس إنسان بنفس هذه الوعود واقترح عليك لا الصحراء بل السماء مكانًا لحفظ كنوزك، فإنك لا تفعل الشيء نفسه ولا تُظهر ثقة بوعوده أو تَتَبع كلامه. وحتى وإن كانت كنوزك محفوظة تمامًا هنا على الأرض، فإنك لن تقدر أن تتحرّر من حمل الهموم بسببها، وحتى وإن كنت لن تفقدها فإنك لن تُعتَق من القلق خوفًا من فقدها. أما إن كان كنزك في السماء فإنك لن تعاني شيئًا من هذا بالمرّة، بل وأكثر من هذا فإنك ستربح لأنك لن تخفي ذهبك بل إنك تزرعه. حيث إنه لن يصير كنزًا فقط بل بذرة أيضًا وأكثر من الاثنين معًا.

          لأن البذرة لن تبقى دائمًا، أما إن كان كنزك في السماء فإنه سيبقى دائمًا، وبينما الذهب لا يثمر، فإن كنزك هذا الذي في السماء سيعطيك ثمرًا لا يفنى. وإن حاولت أن تتعلّل بطول الزمن الذي ستحصل بعده على المكافأة، فإني أستطيع أن أبيّن لك أنك تربح الكثير هنا في حياتك على الأرض وخلاف ذلك فإني سأحاول أن أبيّن لك أن كثير مما تفعله في حياتك هنا على الأرض يكون بدون فائدة على الإطلاق.

          إنك تتعب كثيرًا وتعمل أشياء عديدة في هذه الحياة، غير أنك لن تتمتع أنت نفسك بها. وإن وجّه إليك أحد اللوم على هذا، فإنك تجيب بأنك تفعل هذا لأولادك ولأحفادك ظانًا أنك بهذا قد أُعِّطَيَت تبريرات لعمل المزيد من هذه الأفعال. فعندما تبني القصور وأنت في شيخوخة عارمة وغالبًا ما تنتهي أعوامك قبل أن تسكن فيها. وعندما تزرع أشجارًا تعطى ثمارًا بعد سنوات عديدة، وعندما تشتري أراضي وعقارات بالتقسيط وتحوز ملكيتها بعد مدد طويلة، وعندما تفعل أشياء أخرى مماثلة ولا تتمتع بها، فهل تفعل ذلك لنفسك أم للآخرين؟

          أفليس إذن من الحماقة أن لا تتضايق بالمرّة هنا بسبب تأخر نهاية الأزمنة في الوقت الذي ستخسر فيه مكافآت بسبب هذا التأخير؟

 

الوقت قريب:

          وغير هذا فإن نهاية الأزمنة ليست ببعيدة أطلاقًا، والوقت قريب جدًا ولا نعرف، فربما في جيلنا هذا تكون نهاية الأزمنة ويأتي ذلك اليوم المخوف حيث الدينونة الرهيبة. إن علامات كثيرة قد تحققّت، والإنجيل بُشر به في كل المسكونة، والحروب والزلازل والمجاعات قد وقعت، والمسافات لم تعد بعد بعيدة. ألاّ تشاهد العلامات؟ هذه هي العلامة الكبرى أن الناس في زمن نوح لم يأخذوا بالتحذيرات بالفناء وبينما هم يمزحون ويأكلون ويفعلون كل ما اعتادوا عليه، فعندئذٍ فاجأهم العقاب الرهيب. وحدث نفس هذا الأمر مع أهل سدوم. فبينما كانوا يعيشون في حياة اللهو غير متوقعين شيئًا بالمرّة، أصابتهم الصواعق التي وقعت عليهم. فلنضع هذه الأمور إذن أمام أعيننا ونوجّه نفوسنا للاستعداد للرحيل من هنا. لأنه وحتى إن لم يكن قد جاء موعد رحيلنا جميعًا معًا، فإن نهاية كل واحد فينا هي قريبة، شيخًا كان أم شابًا. وعندما نرحل لن نستطيع أن نشترى لا زيتًا أو حتى نطلب سماحًا من الآخرين. ولن يستطيع إبراهيم أو نوح أو أيوب أو دانيال أن يشفع فينا.

          وفي الوقت المُتاح لنا فلنعد أنفسنا لتلك المدينة السمائية، ولنجمع لأنفسنا زيتًا وفيرًا ولنكنز كل ما نملك في السماء، حتى نتمتع بها في الوقت المناسب وعندما نحتاج إليها، بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين[3].

 

لا تقدرون أن تخدموا الله والمال:

لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ ” (24:6)[4].

          ألاّ ترون أن السيّد يبعدنا قليلاً قليلاً عن الأمور المادية، وبالتفصيل يحدّثنا عن وصيّة الفقر الاختياري والنصرة على طغيان شهوة المال؟ لأنه لم يكتفِ بما سبق أن قاله، رغم أنه هام وليس بالقليل، بل أضاف أمورًا أخرى. لأنه أي شئ أفظع من الأمور التي ذُكرت الآن..

          انتبهوا إذن بأي طريقة يوضّح السيّد ما سوف نربحه وكيف يبيّن الخسارة التي تعود علينا لو لم نفعل ما يوصينا به. لأنه يقول لنا إن الثروة لن تؤذيكم في هذا فقط، بل إنها سوف تكون  سبب مهاجمة اللصوص لكم، وإنها سوف تجعل ذهنكم معتمًا إلى أقصى درجة، وتبعدكم عن خدمة الله، جاعلة إياكم أسرى الثروات. وفي الحالتين هي تؤذيكم، بدفعكم لتكونوا عبيدًا للأشياء التي يُفترض أن يكون لكم أنتم سلطانًا عليها، ومن ناحية أخرى، بإقصائكم عن خدمة الله الذي يجب أن تخدموه أكثر من أي أحد آخر. لأنه كما كان قد أوضح هناك[5] أن الضرر هو مُضاعف وذلك عندما يضع إنسان كنزه هنا على الأرض حيث يفسده السوس ولا يضعه في السماء حيث يضمن حفظه. هكذا هنا يذكر أن الخسارة هي مزدوجة حيث إنه يتحدث عن الأشياء التي تجعلنا عبيدًا للشياطين. ولكن السيد لا يتحدّث عن هذه الأمور مباشرة بل بطريقة بسيطة عندما يقول: ” لا يقدر أحد أن يخدم سيدين” ويقصد أن السيدّين الاثنين يفرضان أمورًا كلُّ عكس الآخر، إذا لو لم يكن الحال هكذا لما كانا اثنين بل سيدًا واحدًا. كما كان ” لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة” (أع32:4)، وبالرغم من أنهم كانوا أشخاصًا عديدين إلاّ أن اتفاقهم في الرأي جعلهم وكأنهم شخص واحد. وبعد ذلك شرح هذا قائلاً إنه لن يخدمه بل إنه سيبغضه ويحتقره. وذلك ” لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر“. ويبدو أن في هذا القول تكرار، لكن الواقع هو أنه قصد أن يقول إن التغييّر إلى الأفضل هو ممكن، وذلك لئلا تقول: لقد صرت عبدًا وانتهى الأمر، لقد وقعت تحت طغيان الثروة. هو يريد إذن أن يقول إن تغييّر الحال ممكن ومن المستطاع أن يغيّر المرء ذاته من الحالة الأولى إلى الثانية والعكس.

          وبعد أن تكلّم بصورة عامة على هذا النحو كي يقنع السامع وليقيّم ما قد سمعه، وكي يحكم وفقًا لطبيعة الأمور، يكشف السيّد أمرًا جديدًا بقوله: ” لا تقدروا أن تخدموا الله والمال“. لنرتعد عندما ندرك ماذا فعلنا حتى يقول السيّد المسيح هذا ويضع ما هو من ذهب في نفس مقام الله. ولكن إن كان هذا يصدمنا، فإن حدوثه في أفعالنا وفي تفضيلنا لطغيان الذهب على خوف الله هو أمر يصدم أكثر بكثير.

          ماذا إذن؟ ألم يكن هذا الأمر ممكنًا بين الأقدّمين؟ على الإطلاق. قد يقول المرء ” كيف إذن تقدّم إبراهيم وأيوب في هذه الفضيلة؟ لا تقل لي عن الذين هم أغنياء، وإنما عن الذين كانوا مستعبدين للثروات. لأن أيوب كان غنيًا ومع ذلك لم يكن يخدم المال، وإنما كان يملكه ويتحكم فيه، لقد كان أيوب سيّدًا لا عبدًا. وكأنه كان وكيلاً على أموال شخص آخر. وهكذا كان يملك كل تلك الأشياء ولم يكن يشتهي أموال الآخرين، بل حتى أمواله كان يهبها لمن كانوا في احتياج وعوز. والأمر الأهم بالطبع، أنه لم يكن يفرح بما يملك كما عبّر هو عن ذلك بقوله: “… إن كنت قد فرحت إذ كثرت ثروتي” (أي25:31). لهذا لم يحزن عندما ضاعت. لكن الذين هم أغنياء الآن ليسوا كما كان أيوب. بل بالحرى هم في حالة أسوأ من أي عبد يدفع الجزية لمستبد قاسٍ. لأن ذهنهم مثل قلعة على حافة المدينة قد احتلها حب المال وشهوته. ومن هناك يرسل لهم كل يوم بأوامر تخالف القوانين ولا يوجد مَنْ يَعصى هذه الأوامر.

          لا تكونوا مفرطى الحذق، لا، لأن الله صرّح مرّة واحدة وإلى الأبد وأعلن أنه أمر مستحيل أن تخدم الواحد وتوافق الآخر. فالواحد يأمرك بأن تأخذ ما ليس لك، والآخر يدعوك بأن تعطى حتى الذي تملكه. فالواحد يأمرك أن تكون عفيفًا، والآخر أن ترتكب الزنى. الواحد يوصيك أن تضبط معدتك، والآخر أن تكون ثملاً مترفًا. الواحد أن تكون مهتمًا بالأمور الحاضرة والآخر ينصحك باحتقارها. الواحد يجعلك تُعجب بالرخام والجدران والمباني الفخمة والآخر يعطيك ألاّ تهتم بهذه الأمور، بل بحياة التقوى. فكيف يتفق السيّدان؟ وفي هذه الحالة فإنه يدعو الشيطان “ربًا”، ليس بسبب أنه ربّ بالطبيعة، لكن بسبب تعاسة الذين يحنون أنفسهم لنيره. وبنفس هذه الطريقة فإنه يدعو البطن “إلهًا” (في19:3)، لا بسبب سلطته، بل بسبب حماقة الذين يُستعبدون له. وهذا الأمر هو أشر من أي عقاب وقادر على معاقبة كل من يقع في شراكة حتى قبل الجحيم.

          وبعد أن يبيّن السيّد للكل الفائدة التي يحصل عليها المرء من احتقار الثروات، تحدّث عن الطريقة التي يستطيع بها الإنسان أن يحفظ ثروته وأن يكتسب إمكانية العمل بهذه الوصية، لأن أفضل التشريع لا يتعلّق بفرض ما هو مناسب، بل يجعله ممكنًا على حد سواء، لهذا أضاف قائلاً:

لا تهتموا:

لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ [6] بِمَا تَأْكُلُونَ ” (25:6).

          ولكي لا يتعجّبوا ويتساءلوا قائلين: ” كيف نستطيع أن نحيا إن طرحنا عنا كل شئ؟”. وأمام هذا التناقض الظاهري فإن السيّد أعطى إجابة مناسبة، فلو قال في البداية ” لا تهتموا “، لبدا الكلام بالتأكيد صعبًا، لكن بعد أن أظهر الضرر الناتج عن اشتهاء المال، فإن نصيحته صارت سهلة القبول.

          ويقول السيد: ” لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون“، فما معنى قوله ” لذلك “، يعنى الخسارة غير الموصوفة التى تصيب منْ يكون له هذا الاهتمام الزائد، لأن الخسارة التي تلحق به ليست هي فقط في ثرواته، بل بالأكثر في أهم شئ في حياة الإنسان وهو خلاصه، حيث إن هذه الأمور تبعده عن الله الذي خلقه والذي يهتم به والذي يحبه وهذا هو معنى قوله ” لذلك أقول لكم لا تهتموا “.

          وهو لا يأمرنا فقط بأن ننبذ كل ما لنا، بل أيضًا ألاّ نهتم حتى بطعامنا الضروري قائلاً: ” لا تهتموا لأنفسكم بما تأكلون“، لا لأن النفس تحتاج إلى طعام لكونها غير جسدانية، إذ أنها رغم احتياجها للطعام فمع ذلك لا يمكنها أن تبقى في الجسد ما لم يُقات الجسد. وبعدما قال هذا، أوضحه بما يجري في حياتنا وأيضًا بأمثال قائلاً:

أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ (النفس) أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ ”        (25:6).

          فالذي يمنح ما هو أعظم كيف لا يمنح ما هو أقل؟ فالذي خلق الجسد الذي يُقات كيف لا يمنح الطعام؟ ولهذا لم يتحدّث السيّد بصورة مجرّدة قائلاً: ” لا تهتموا … بما تأكلون وبما تشربون“، إنما تحدّث عن “الجسد” و”النفس”، لأنه بصدد أن يدلّك على ما يقوله بالإشارة إليهما على سبيل المقارنة. فالنفس هي عطيّة وهبة من الله، مرةً، وهي تبقى كما هي، أما الجسد فإنه ينمو كل يوم. لهذا فهو يشير إلى هذين الأمرين، خلود النفس وضعف الجسد، عندما يضيف قائلاً: ” من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا” (27:6)، وبما أن النفس لا تنال زيادة فإنه يتحدّث عن الجسد فقط، وأن الطعام ليس هو الذي ينمي الجسد بل عناية الله.

          وهذا الأمر يُظهره بولس الرسول بقوله: ” إذن ليس الغارس شيئًا ولا الساقي بل الله الذي يُنمّي” (1كو7:3). وبهذه الطريقة وبأمثلة أخرى مما يدور حولنا، يحثنا السيّد المسيح وينصحنا بقوله:

 

انظروا إلى طيور السماء:

اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا ” (26:6).

          وحتى لا يقول أحدهم: ” نحن نفعل حسنًا بالاهتمام”، فإنه يوضّح لهم خطأهم سواء بالحديث عن النفس والجسد، أو بالإشارة إلى طيور السماء، لأنه يقول إن كان الله يهتّم كل هذا الاهتمام بالطيور الصغيرة، فكيف لا يُظهر اهتمامًا بالإنسان نفسه؟. ورغم أن مَثَلْ طيور السماء الذي أشار إليه السيّد له أهمية في إيضاح محبة الربَ وعنايته بالبشر، إلاّ أن بعض عديَمّي التقوى يمكن أن يصل عدم فهمهم إلى درجة كبيرة، فيهاجمون هذا المثل ويقولون: إنه ليس من اللائق الإشارة إلى الأمور التي تحدث في الطبيعة للحض على السلوك المستقيم أو على حياة التقوى، ولأن المَثَلّ يشير إلى أعمال تعملها الطيور بطبيعتها.

          وللرّد على هؤلاء نقول: إنه وحتى إن كانت هذه الأمور هي في عالم الطبيعة فإنه يمكننا نحن أيضًا أن نفعل مِثلها باختيارنا، إذ لم يقل السيد المسيح: انظروا كيف تطير الطيور فهذا أمر مستحيل على الإنسان، بل إنه قال: انظروا كيف تقتات بدون اهتمام وهو نوع من الأمور التي يسهل علينا تحقيقها إن شئنا. فلو أشار السيّد المسيح إلى موسى وإيليا ويوحنا وآخرين مثلهم ممن لم يهتموا كيف يقتاتوا، لكان ممكنًا القول: ” لم نعد بعد مثلهم”، لكنه يتجاوزهم صامتًا الآن ويورد مثلاً بطيور السماء ليقطع كل عذر محاكيًا في هذا الموضوع العهد القديم أيضًا، حيث يورد أمثلة من حياة النحلة والنملة (انظر أم6:6)، والسلحفاة والسنونة (انظر إر7:8)، وعندما نستطيع نحن أن نفعل أمورنا باختيارنا، وهي في نفس الوقت أمور تفعلها الطيور بطبيعتها، فإن هذا لا يكون دليلاً عظيمًا على كرامتنا. فإن كان هو يعتني بالكائنات التي يسود عليها، فكيف لا يعتني بالإنسان نفسه وهو سيدها. ولهذا قال:      ” انظروا طيور السماء” لأن هذا القول هو غير مقبول، ولكنه قال إن الطيور: ” لا تزرع ولا تحصد“. قد يُقال: ماذا إذن؟ هل يجب ألاّ نزرع؟ لم يقل السيد إنه يجب ألاّ نزرع، بل ” يجب ألاّ نهتم “، ولم يقل إنه يجب ألاّ نعمل، بل ألاّ ننشغل كلّية بالاهتمامات، لأنه أوصانا أيضًا أن نقتات وأن لا نهتم.

          هذا ما قاله داود أيضًا من قَبِل ” تفتح يدك فيمتلئ كل حي سرورًا ” (مز16:145) وفي موضع آخر يقول: ” المعطى للبهائم طعامها ولفراخ الغربان التي تصرخ” (مز9:147).

          وقد يتساءل أحد: من هم الذين لم يهتموا؟ ألم تسمع كم من الأبرار قد أوردت أسمائهم؟ ألاّ ترى معهم يعقوب راحلاً من بيت أبيه مُعدمًا من كل الأشياء؟ ألاّ تسمعه يصلي قائلاً: ” إن كان الله معي … وأعطاني خبزًا لآكل وثيابًا لألبس” (تك20:28)؟ وصلاته هذه تعكس لا اهتمامه، بل إيمانه بالله، الأمر الذي نراه واضحًا أيضًا في حياة الرسل الذين تركوا كل شئ ولم يهتموا، وفي ” الثلاثة آلاف” و”الخمسة الآلاف” (انظر أع4:4، 41:2).

          ولكن إن كنتم لا تحتملون أن تسمعوا أقوالاً أكثر كي تحرروا أنفسكم من هذه القيود الثقيلة، فاطرحوا عنكم الاهتمام إذ أن الاهتمام هو في الواقع حماقة كبيرة. فالسيّد يقول: ” من منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعًا واحدًا؟” (27:6).

          من الواضح إنه لا اجتهادنا وإنما عناية الله هي التي تفعل كل شئ حتى عندما نبدو أننا نحن الفاعلون. فلو تخلّى الله عنا، فلا عناية ولا اهتمام ولا تعب ولا أي شئ آخر سينفع، لأن كل الأشياء سوف تزول.

          فلا تفترض إذًا أن وصاياه مستحيلة التنفيذ، لأنه يوجد العديدون ممن ينفذون وصاياه بشكل صحيح. وليس من المُستغرب ألاّ تعرفوا عنهم شيئًا. فإن إيليا أيضًا قد افترض أنه كان وحيدًا. لكنه سمع ” أبَقْيَتَ … سبعة آلاف” (1مل18:19). وبالتالي فإنه واضح أنه يوجد الآن الكثيرون الذين يعيشون كما كان الرسل يعيشون وكما كان الثلاثة آلاف والخمسة آلاف يتصرّفون. وإن كنا لا نصدق، فهذا ليس معناه أنه لا يوجد مَنْ يفعل الصلاح، بل لأننا نخاف أن نفعل هذا. تمامًا مثل الذي يسكر فإنه لا يقدر أن يصدّق بسهولة إنه يوجد مَنْ لا يشرب حتى الماء قط، الأمر الذي يمارسه الكثيرون من الرهبان عندنا. ومثل الذي له علاقات جنسّية عديدة لا يستطيع أن يصدّق أنه يمكن أن يكون للمرء حياة عذراوية. والذي ينهب أموال الآخرين يتوقع دائمًا أن يسرق آخر أمواله بسهولة.

          هكذا من يسرفون في الاهتمام بدقائق الأمور لا يصدقون أنه من الممكن للمرء أن لا يهتم وبالتالي فهم لن يقبلوا نصيحة السيّد الرب بألاّ يهتموا. أما إنه يوجد كثيرون قد نجحوا في هذا، فهذا يمكن إدراكه من خلال النظر لسلوك مَنْ يعيشون حياة التقوى في وسطنا.

          أما أنتم فيكفي أن تتعَلّموا أن لا تكونوا محبّي المال، وأن الصدقة هي أمر حسن وأنه يجب أن تعطوا الآخرين مما لكم. لأنكم يا أحبائي، إن نجحتم في هذا فإنكم سريعًا ستتقدّمون في فضيلة عدم الاهتمام. وبداية كل شئ أن نترك عنا الترف الزائد ونتمسّك بالاعتدال ولنتعلّم بصفة عامة كيف نعتني فقط بما هو ضروري لنا. لأن الطوباوي يوحنا عندما كان يتكلّم مع العشارين والجنود أوصاهم بأن يكتفوا بعلائفهم (انظر لو12:3ـ14). وذلك لأنه أراد أن يقودهم إلى الحكمة العالية. ولأنهم لم يكونوا مستعدين لهذا، فإنه أوصاهم بأمور أصعب من هذه لما انتبهوا إلى فعل هذه ولم يقدروا أن يطبقوا الوصية تمامًا. ولهذا عينه لن أطلب منكم ما هو أرفع من هذا لأني في الواقع أعرف جيدًا أن أمر الفقر الاختياري هو حمل لن تنؤوا بحمله الآن.

          وبالتالي فلننشغل الآن بهذه الأمور البسيطة وهي ستُعطِى لنا تعزية ليست بقليلة. وعلى الرغم من أن الفقر الاختياري هو أمر يمارسه بعض الوثنيين وإن كان ليس من أجل هدف مناسب. غير أني سأكون سعيدًا إن أنتم قدّمتم صدقتكم بوفرة إذ أننا هكذا سنصل إلى تنفيذ وصية الرب بعدم الاهتمام سريعًا. وإن لم نفعل هذا فأي رحمة ومغفرة سنكون مستحقين نحن الذين أخذنا وصيّة بأن نكون أفضل من الناموسيين ونسبق فلاسفة اليونانيين؟ لأنه ماذا نستطيع أن نقول عندما يجب أن نكون كالملائكة وأبناء الله ونحن لا نتصرف حتى كبشر؟ لأنه عندما ينهب المرء ويصير نهمًا فإنه يعكس لا خصائص البشر، بل خصائص الحيوانات المفترسة. غير أن ما تفعله الوحوش هو من طبيعتها، أما نحن فرغم أننا قد كُرّمنا بموهبة العقل، فإننا نفعل ما لا يناسب طبيعتنا، وعلى هذا فأي مغفرة نستحق؟

          فطالما فهمنا تلك الحكمة العالية التي أمامنا فلنجاهد لنَصلْ إلى قمة الصالحات التي أتمنى أن نصل إليها جميعًا بالنعمة ومحبة البشر التي لربنا وإلهنا يسوع المسيح الذي له المجد والإكرام والعزة إلى الأبد . آمين[7].

 

وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا[8] (28:6ـ29)

          وبعد أن تكلّم السيّد عن الطعام الضروري وعن وجوب حتى عدم الاهتمام من أجله، ينتقل إلى ما هو أسهل، لأن اللباس أقل أهمية من الطعام. ولأي سبب لم يتخذ هنا مثلاً من حياة الطيور ولا أشار إلى الطاووس والأوز والخراف؟ لأنه أراد الإشارة إلى أن هناك أشياء بالرغم من تفاهتها إلاّ أنها تتميّز بنوع من الجمال، ولهذا فإنه بعد أن ذَكَرَ الزنابق، لم يسمها زنابق بل ” عشب الحقل” (31:6)، ولم يكن راضيًا حتى بهذا الاسم، بل أضاف وصفًا لحالتها يدّل بالأكثر على ضعفها وتفاهتها بقوله:  ” الذي يوجد اليوم” (30:6)، ولم يقل “الذي يوجد غدًا” بل ذكر كلامًا يبرز تفاهة هذا الشيء بالأكثر بقوله إنه ” يُطرح في التنور” ولم يقل مجرّد تعبير ” يُلبسه “، بل ” يُلبسه .. هكذا” (30:6)، أي على أحسن وجه.

          أرأيتم كيف يُكثر السيّد من إعطاء التشبيهات الضخمة دائمًا ويعضّد كلامة بالتأكيدات. إنه يفعل ذلك كي يردهم إلى صوابهم؛ لهذا أضاف قائلاً: ” أفليس بالحرى يلبسكم أنتم” (30:6). وفي هذا القول تأكيد قوي، لأن كلمة “أنتم” لا تليق إلاّ بالقيمة الكبيرة لجنسنا، وعلى الاهتمام به، كما لو كان قد قال لهم:     ” أنتم، الذين منحكم الله نَفْسًا، الذين خلق الله لكم جسدًا، الذين من أجلكم خلق كل الأشياء المنظورة، الذين من أجلكم أرسل الأنبياء وأعطى الناموس، وصنع تلك الخيرات التي لا تُحصى، الذين من أجلكم أعطى ابنه الوحيد ومن خلاله نُلْتُم الهبات غير المُحصاة. وبعدما أعطى لهم البراهين الكافية على عناية الله وبخّهم قائلاً: ” يا قليلي الإيمان” لأن ذلك الذي ينصح الآخرين، لا يقدم النصيحة فقط بل يوبخ أيضًا، كي ينبه الناس بالأكثر حتى يؤمنوا بقّوة كلامه.

          بكلام الرب هذا نتعلّمه، ليس فقط ألاّ نهتم، بل ألاّ ننبهر بفخامة الملابس، لأن زنابق الحقل تتمتّع بألوان أفخم منها ومع ذلك فهي تتساوى مع عُشب الحقل. ولماذا تفتخر أنت بأشياء يفوقها في الجمال عشب الحقل الذي لا قيمة له، والذي يُحرق بالنار؟

          وانظروا كيف يوضّح منذ البداية على أن الأمر سهل، ويرشدهم إلى عدم الاهتمام باستخدام الأضداد أيضًا وبواسطة الأمور التي كانوا خائفين منها، لأنه بعدما قال ” تأملوا زنابق الحقل” أضاف إنها ” إنها لا تتعب“، وذلك رغبه منه في عتقنا من التعب. فالتعب لا يكمن في عدم الاهتمام بل في الاهتمام بهذه الأشياء.

          وكما في قوله ” لا تزرع“، فليس الزرع هو ما أراد أن نتخلّص منه، بل الاهتمام المُقلق. هكذا أيضًا في القول ” لا تتعب ولا تغزل” فإنه لا يُنهي عن العمل بل عن الاهتمام (أي عن حمل الهموم).

          جمال زنابق الحقل لا يفوق مَلِبسَ سليمان مرّة واحدة ولا مرتين، بل ” طوال فترة حكمه”. ولم يقل إن سليمان كان يلبس أفضل من أحدها أو شابهت ملابسه زنبقًا آخر بل قال إنه لم يكن يلبس       ” كواحدة منها ” لأنه كما أنه هناك اختلاف كبير بين الحقيقة والزّيف، هكذا أيضًا هناك اختلاف كبير بين جمال زنابق الحقل وملابس سليمان.

          إذن، إن كان مَلِبس سليمان أقل منها، مع أنه كان أكثر مجدًا من كل ملوك عصره، فمتى ستقدر أن تتفوّق، أو بالحرى أن تقترب ولو لدرجة صغيرة من جمال مثل هذا؟

          بعد هذا يعلّمنا السيد ألاّ نسعى على الإطلاق إلى مثل هذا النوع من الجمال، لأنه يجدر بنا أن نلاحظ نهاية هذه الزنابق، فبعد نضارتها وجمالها ” تُطرح … في التنور“. فإن كان الله قد أظهر عناية عظيمة جدًا بتلك الأشياء التافهة، وذات الاستعمال البسيط، فكيف سيتخلّى عنكم، أنتم الأهم من كل المخلوقات الحيّة؟

          ولماذا إذًا خلقها هكذا جميلة جدًا؟ لكي يُظهر حكمته وعظمة قوّته، وحتى يُعرف مجده عن طريق كل الأشياء. فليس فقط ” السموات تحدث بمجد الله“(مز1:19)، بل الأرض أيضًا، وهذا ما أعلنه داود قائلاً: سبحي الرب.. الشجر المثمر وكل الأرز” (مز7:148). فالبعض منها بثمارها والبعض بضخامتها والبعض بجمالها يرسلون إليه التسبيح، أي إلي الذي خلقها. وهناك أيضًا علامة على عظمة حكمته الفائقة، عندما يغدق الله جمالاً عظيمًا كهذا على الأشياء التافهة جدًا، إذ أنه لا يوجد أتفه من الشيء الذي يوجد يومًا واحدًا وغدًا لا يكون.

          فإن كان الله قد أعطى للعشب هذا الجمال الذي لا يحتاج إليه (لأنه ما فائدة الجمال طالما ستأكله النيران؟) فكيف لا يعطيكم ما تحتاجون إليه؟. إن كان قد زيّن بسخاء ما هو أتفه من كل الأشياء وإن كان قد فعل هذا لا للضرورة بل من أجل جُودِهِ، فكم بالحرى  جدًا أن يكرّمكم وأنتم أفضل كل المخلوقات، بأمور هي ضرورية لكم؟

          وبعد أن بيّن السيد كيف أن عناية الله  عظيمة جدًا، وكان يَلَزمْ بعد ذلك أن يوبخهم، إلاّ أنه كان رحيمًا معهم بقوله إنهم قليلي الإيمان ولم يقل عديمي الإيمان.

 

فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَدًا فِي التَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ اللهُ هكَذَا، أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدًّا يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ ” (مت30:6)

بالتأكيد إن الرّب (يسوع) نفسه يصنع كل هذه الأشياء إذ أن      ” كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان” (يو3:1). غير أنه في البداية لا يذكر شيئًا عن نفسه، لأنه كان كافيًا في البداية أن يبيّن سلطانه الكامل بقوله في كل وصية من وصاياه: ” سمعتم أنه قيل للقدماء.. وأما أنا فأقول لكم” (مت21:5). فلا تتعجبوا إذن عندما يحجب المسيح ذكر نفسه في الأمثلة التالية، أو عندما يذكر شيئًا قليلاً عن نفسه، إذ أن في البداية كان هدفه أن يجعل كلامه مقبولاً من الجميع، وبكل ما يقوله يُظهِر أن له فكر واحد مع الآب وأنه يعمل باتفاق مع مشيئته، وهذا ما نراه في حديثه هنا أيضًا.

          فمن خلال كلمات كثيرة جدًا قالها السيّد لم يكف عن إظهار الآب لنا مشيرًا إلى حكمته وعنايته الإلهية واهتمامه الحنون بكل الأشياء الصغيرة والعظيمة معًا. لأنه حينما تكلّم عن أورشليم مانحًا إياها اسم ” مدينة الملك العظيم” (مت35:5)، وعندما ذكر السماء لَقبّهَا بـ ” كرسي الله ” (مت34:5). وعندما كان يتحدّث عن تدبير الآب في العالم، عزا إليه كل الأشياء قائلاً: ” إنه يُشرق شمسه.. ويُمطر..” (مت45:5). وفي الصلاة (الربانية) علّمنا أن نقول إن له ” المُلك والقوة والمجد” (مت13:6)، وهنا عن عناية الآب يقول إنه:    ” يكسو عُشب الحقل“، وفي الصلاة (الربانية) أيضًا لا يدعو المسيح، الآب بأنه أباه هو بل أباهم، حتى أنه عندما يخبرهم بما نالوه من كرامة فإنهم يخجلون من أنفسهم، وعندما يناديه أباه هو، لا يتضايقون منه.

          فإن كان من واجب المرء ألاّ يهتم بالأشياء البسيطة أو حتى الضرورية. فأي عذر يكون للذين يهتمون بالأشياء الفاخرة؟ وكيف يكون هناك عذر للذين يسهرون لكي ينهبوا أموال غيرهم؟.

 

فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ فَإِنَّ هذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. ” (31:6ـ32)

          أرأيتم كيف أخجلهم أكثر وأظهر لهم أنه لم يأمر بعمل مرهق أو ثقيل الحمل؟ تمامًا فإنه عندما سبق أن قال لهم ” إن أحببتم الذين يحبونكم” (مت46:5ـ47)، فإنه كان يحثّهم ويشجّعهم على فعل ما هو أفضل وأعظم ممّا تفعله الأمم. هكذا هنا أيضًا في هذه الآية يورد ذكر “الأمم” ليوبخنا وليدّل على أن ما يطلبه منا هو واجب ضروري علينا. والسيّد لم يكتفِ بتوبيخهم فقط، بل إنه بعدما جعلهم يشعرون بالخجل الشديد فإنه أخذ يشجعهم بكلمات أخرى قائلاً: ” لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها” (مت32:6). ولم يقل ” الله يعلم ” بل ” أباكم .. يعلم“، كي ينشئ فيهم رجاءً أكبر. فإن كان هو أبًا، وأبًا كهذا، فلن يقدر أن يتغاضى عن احتياجات أولاده وهم في مِحَنْ الشرور وهو يري أنه حتى البشر العاديون لكونهم آباء، لا يحتملون أن يفعلوا هكذا.

          وبعد ذلك أضاف حجة أخرى قائلاً: ” إنكم تحتاجون إلى هذه” (32:6). ومعنى قوله الآتي: إن كنت تهتم بهذه الأشياء بحجة أنها ضرورية، فأنا أقول لك عكس ذلك، بمعنى أنه لهذا السبب نفسه يجب ألاّ تهتم، لأنها ضرورية. إذ أنه أي نوع من الآباء هو ذلك الأب الذي يمكنه أن يتغافل عن تلبية حاجات أولاده الضرورية؟ أقول إنه لهذا السبب عينه فإن الله سيمنحكم بلا ريب أكثر من هذا بكثير، حيث إنه هو خالق طبيعتنا البشرّية ويعلم بالضبط احتياجاتها أكثر منكم، ولأجل هدف معين وضع أن تكون لها مثل هذه الاحتياجات. لهذا لن يمنع الله نفسه عن أن يعطيها فيما أراد لها، أولاً هو لن يخضعهم لعَوَزْ عظيم هكذا، وثانيًا فهو يسد أي احتياج ضروري لها.

          فلا نهتم إذن، لأننا لن نربح شيئًا بالاهتمام سوى أننا سوف نعذب أنفسنا بالأكثر. لأن الله سوف يعطينا ما نحتاج عندما نهتم وعندما لا نهتم على حد سواء، وسوف تكون عطيّته أكثر عندما لا نهتم.

          لأنه ماذا ستربح من اهتمامك سوى العقاب الشديد لنفسك؟ إذ أنك  عندما تُدعى إلى مائدة غنيّة فإنك لا تهتم بتوفر الطعام للمائدة، ولا عندما تذهب إلى النبع لتستقى تهتم بوجود المياه في النبع.

          فلَندَع نحن أيضًا عنّا هذه الهموم، فإن عطايا الربّ لنا هي أغنى من هذه الموائد وأوفر من كل الينابيع.

 

اطلبوا أولاً ملكوت الله:

لكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ، وَهذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ ” (33:6)

          هكذا عندما اعَتَقَ النفس من الاهتمام، ذكر عندئذٍ السماء أيضًا، حقًا قد أتي السيّد ليحررّنا من الأمور العتيقة وليدعونا إلى موطن أعظم.

          إنه يفعل كل الأشياء ليعتقنا من الأمور غير الضرورية، ومن انجذابنا نحو الأمور الأرضيّة، لهذا السبب ذكر الأمميّن قائلاً: ” إن هذه كلها تطلبها الأمم” (32:6)، الذين يتعبون من أجل الحياة الحاضرة فقط، والذين لا يبالون بالنعم العتيدة وليس لديهم فكرة عن الأمور السماوية. أما بالنسبة لكم، فليست هذه الأمور الحاضرة هي الأشياء  الرئيسية لكن أشياء أخرى، لأننا لم نُخلق لنأكل ونشرب ونلبس، بل لكي نرضي الله ونبلغ الخيرات العتيدة، لهذا فكما أن الأشياء التي هنا على الأرض هي ثانوية بالنسبة لنا، هكذا أيضًا اجعلوها ثانوية في صلواتنا، لهذا قال السيد: ” اطلبوا أولاً ملكوت الله وهذه كلها تُزاد لكم“.

          ولم يقل ” تُعطى ” بل ” تُزاد” كي تتعلّموا أنه مهما عَظُمَت العطايا التي نأخذها هنا الآن فإنها لا تُقارن بما سوف نأخذ من خيرات عتيدة. لهذا فهو ينصحنا بألاّ نطلب هذه الأمور الحاضرة بل العتيدة، وليكن لنا الإيمان بأن هذه ستُزاد إلى تلك. وبالتالي أطُلبْ الأمور العتيدة وستحصلون أيضًا على الأمور الحاضرة.. لا تطلبوا الأشياء المنظورة، إذ إنه حتمًا ستحصلوا عليها أيضًا.

          قد يُقال: ” ألم يأمرنا بأن نسأل من أجل الخبز “، لا ، فقد أضاف “اليومي”[9]، وإلى هذا أضاف “اليوم”، هذا الأمر يستخدمه هنا في هذه الآية إذ أنه لم يقل ” لا تهتموا ” بل ” لا تهتموا للغد” (34:6)، وهو بهذا يعتق نفوسنا من الاهتمام بالأمور غير الضرورية ووجّه أنظارنا إلى أن نطلب الأمور العتيدة، لا كأن الله محتاج أن نذكّره بل لكي نتعلّم أنه بمعونة الربّ نَصِلْ إلى ما تصبوا إليه نفوسنا من صالحات وأن نعتاد على الصلاة من أجل الحصول عليها دائمًا.

+++++++

 

 

 

 

 

 

 

1  ورد نص الآية في عظة ذهبي الفم على هذا النحو: ” حيث يكون كنز الإنسان يكون قلبه أيضًا“.

[2]  يستخدم ذهبي الفم كلمة الذهن أيضًا بمعنى القلب، كما في شرحه لـ (مت21:5ـ22).

[3] انتهت هنا عظة رقم 20 (التي تشمل تفسير مت16:6ـ23)

[4] من هذه الآية تبدأ العظة 21 (التي تشمل تفسير مت24:6ـ27).

[5] انظر مت19:6ـ20.

[6] الكلمة اليونانية لـ ” حياة ” هنا هي Yuc» والتي تعنى نفسًا أيضًا، ويميل ذهبي الفم إلى استعمالها بمعنى نفس أكثر من معنى حياة.

[7] انتهت هنا عظة رقم 21 (التي تشمل تفسير مت24:6ـ27)

[8] من هنا تبدأ العظة 22(التي تشمل تفسير مت28:6ـ34).

[9] وفي ترجمة أخرى: خبزنا كفافنا أو خبزنا الجوهري.

 

أحد الكنوز – ق. يوحنا ذهبي الفم – د. جوزيف موريس فلتس

ميمر الروح القدس للأسقف بولس البوشى – د. جوزيف موريس فلتس

ميمر الروح القدس للأسقف بولس البوشى – د. جوزيف موريس فلتس

ميمر الروح القدس للأسقف بولس البوشى – د. جوزيف موريس فلتس

 

الروح القدس

ميمر عيد العنصرة

 

مناجاة للروح القدس[1]:

” أيها الروح القدس المنبثق من الأب،

الملك السماوي روح الحق،

الحاضر في مكان،

مالئ الكل كنز الصالحات ورازق الحياة،

هلّم وأسكن فينا وطهرّنا من كل دنس أيها الصالح وخلّص نفوسنا.

يا مَن مَنَحَ التلاميذ حكمة فاضلة حتى صاروا معلّمين ومرشدين لكل المسكونة،

امنح أيها الروح المحيى عبيدك تدبيرًا يؤول إلى الحياة الأبدية حتى نحيا بك.

هبني أنا الحقير أن أتكلّم بكرامتك يا روح الحق المتكلّم في الناموس والأنبياء والقديسين إلى الأبد.

أعطني معرفة يا من يعطي كل المواهب الفاضلة لكي أعلن مجدك أيها المساوى للآب والابن في الجوهر والقِدم والأزلية.

ألهمني منطقًا يا من وَلَدّتنا ميلادًا ثانيًا لا يبلى لرجاء حياة لا تفنى، وبك نجسر أن ندعو الله أبانا، لكي أنطق بجلال كرامتك وقوة أفعالك الكائنة في كل مكان.

 

الأمانة الأرثوذكسية كما سُلمت إلينا:

         أيها الروح القدس المنبثق من الآب أبديًا والمستقر في الابن أزليًا سرمديًا بوحدانية الجوهر بلا ابتداء ولا انتهاء.

         أنت هو روح الحياة، روح الطهارة، روح العفاف، روح القوة، روح المواهب الفاضلة الكثيرة الأنواع، روح الرسالة، روح النبوة، روح القداسة، روح المعرفة، روح الحكمة، روح الثبات، روح الصبر، روح الإيمان، الفاعل بكل سلطان وقدرة وجبروت ليس كالخادم بل كمن له سلطة، الحاضر مع كل أحد، وكائن في كل مكان. المحتوى على كل شيء ولا شيء يحويه. القوى الذي لا يمانع والفاعل في الملكوت، الذي لا يحد، البسيط في طبعه[2]، العظيم في أفعاله، الجبار في اقتداره، معدن العطايا الفاضلة، وينبوع المواهب العالية، المعطي نطقًا للأنبياء، وبشرى للرسل وتشجيعًا للشهداء، وعفة للبتوليين، ونسكًا للقديسين، الفاعل في رتبة الكهنوت، الوالد المعمّدين بنين الله، وبواسطته نكمّل الذبيحة من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن شمالها إلى جنوبها. روح البر والحق، الباراقليط المعزى المنبثق من الآب. نسجد له ونمجده مع الآب والابن. كما سُلمّت إلينا الأمانة الأرثوذكسية، لأننا هكذا نؤمن أن الثالوث القدوس لاهوت واحد.

 

فعل الروح القدس في العهد القديم:

 إن الروح القدس هو المتكلّم في الناموس والأنبياء كما هو مكتوب في بدء سفر الخليقة في البدء خلق الله ذات السماء وذات الأرض وكانت الأرض خالية خاوية وكانت الظلمة غاشية وجه الغمر وروح الله يرف على وجه المياه (انظر تك1:1ـ2).

ومكتوب أيضًا في السفر الأول وكلّم الله نوحًا قائلاً: ” إن روحي لا يحل في هؤلاء القوم” (انظر تك3:6)، ومكتوب أيضًا في السفر الأول إن فرعون قال لعبيده لأجل يوسف بن يعقوب إسرائيل: “ هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله” (انظر تك38:41)، ومكتوب في السفر الثاني: “وكلّم الرب موسى وقال له أعلم أني انتخبت بصلئيل بن أورى بن حور من سبط يهوذا وأسبغت عليه روح الله وملأته من الحكمة والعلم في كل عمل ليعمل الصناعات في عمل آنية الذهب والفضة والنحاس وفي نقش الحجارة التي في القبة ونظمها وكمالها ونجارة الخشب ليعمل كل الأعمال التي أمرتك لصنع القبة” (انظر خر31: 2ـ5) ومكتوب في السفر الرابع: ” وكلّم الله موسى وقال له اجمع سبعين شيخًا من شيوخ بني إسرائيل الذين تعرف أنهم رؤساء الشعب فقدمهم إلى قبة الشهادة  وهناك أقدّمك وأفيض عليهم من الروح الذي عليك” يعنى روح النبوة لأنه روح واحد فاعل في الكل  ـ ” فيحملون معك ثقل هذا الشعب…

وجمع موسى سبعين شيخًا من شيوخ بني إسرائيل وأقامهم أمام الله، ونظر الله وكلّمه من الغمام ثم أفاض من الروح الذي عليه وجعل على السبعين شيخًا. فلما حلّ عليهم الروح تنبأوا وتأخر منهم اثنان في المحلة، اسم أحدهما ألداد واسم الآخر ميداد لم يأتيا إلى القبة وتنبآَ في المحلة، فجاء الخبر إلى موسى أن ألداد وميداد يتنبآن فى المحلة. فقال يشوع ابن نون خادم موسى بنقاوة لموسى يا سيدي اقمعهما فقال له موسى هل تغار أنت لى ليت الله جعل شعبه كله أنبياء، لأن الله قد أفاض روحه عليهما فتنبآ“(انظر عد16:11و17و24-29).

         ومكتوب أيضًا في آخر السفر الخامس بعد موت موسى أن يشوع بن نون امتلأ من روح الحكمة من أجل أن موسى جعل عليه اليد فأطاعه بنو إسرائيل وفعلوا كما أوصى الله موسى (انظر تث9:34).

ومكتوب أن صموئيل النبي كان عليه روح الله ودبر الشعب جيدًا وكان الله معه وحافظًا للشعب كل أيام حياة صموئيل. ولما مسح صموئيل النبي شاول بن قيس ملكًا قال له هذه علامة أن الله يكمّل لك ذلك، هوذا تذهب في الطريق فتلقى جماعة أنبياء يتنبأون ويحلّ عليك الروح وتتنبأ معهم. ولما ذهب وجد كما قال له وحلّ عليه الروح القدس وتنبأ معهم (انظر 1صم5:10ـ10) لأن هذا الروح الواحد الفعّال في النبوة والمُلك والكهنوت.

         وأيضًا مكتوب لما مَسَحَ صموئيل داود بن يسى ملكًا ووضع عليه اليد وصلى عليه حلّ عليه الروح القدس فتنبأ (انظر 1صم13:16)، وبدأ يقول المزامير من ذلك اليوم، وأن روح الله انتُزع من شاول الملك عندما خالف كلمة الله ولم يعمل بها (انظر 1صم14:16)، ولأجل هذا الروح كان داود يتضرع إلى الله عندما أخطأ أن يجدّده فيه بالتوبة لئلا يناله ما أصاب شاول الذي تقدمه. فتاب بقوة ورجع رجعة فاضلة وكان يتضرع قائلاً: ” قلبًا طاهرًا أخلق فيّ يا الله وروحًا مستقيمًا جدده في أحشائي، لا تطرحني من يديك ولا تنزع عني روح قدسك، أعطني بهجة خلاصك وبروحك القادر ثبتني” (انظر مز10:51). وقال:    “ روحك الصالح يهديني إلى سبل الاستقامة” (انظر مز10:143)، وقال من أجل الروح أيضًا: ” فتحت فمي واستنشقت روحًا لأني أحببت وصاياك” (انظر مز131:119).

         وإشعياء يقول ” منذ بدأت لم أتكلّم في خفية… بل أرسلني وروحه” (انظر إش16:48) وقال: “ ويحلّ عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (انظر إش2:11) وقال: “ روح الرب علىَّ من أجل هذا مسحنى وأرسلني” (انظر إش1:61). وقال ” هذا عهدي معهم يقول الرب روحي الذي هو عليك وكلامي الذي وضعته في فمك” (انظر إش21:59)، وقال أيضًا في إشعياء عن اليهود ” إنهم أغاظوني وأغضبوا روحي القدوس“.

         وحزقيال يقول:” وأخذني الرب بالروح إلى وادي مملوء عظامًا… وقال لي تنبأ يا ابن آدم وقل لها أيتها العظام اليابسة اسمعي كلمة الرب” (حز1:37و4).

         وقال حزقيال أيضًا: “ فحل علىّ روح الله وقال قل هكذا يقول الرب” وقال أيضًا ” وحملنى إلى أرض الكلدانيين في السبي في الرؤيا بروح الله” (انظر حز24:11)، وقال أيضًا ” أنضح عليكم ماء نقيًا وأجعل لكم قلبًا جديدًا فأعطيكم روحًا جديدًا وأمنحكم روحي” (انظر حز36: 26،25).

ويقول الرب في دانيال: ” مكتوب لأجل سوسنة أن الله نبه روحًا قدوسًا في فتى يدعى دانيال” (انظر دا45:13)، ودانيال النبي يقول لنبوخذ نصر ملك بابل إن حكماء بابل ليس فيهم روح الله، ولذلك لا يعرفون الغيب ولا يقدرون أن يقصوا الرؤيا التي رأيت أيها الملك” (انظر دا2: 28،27).

وأيضًا مكتوب ” إن الروح القدس الذي كان على إيليا تضاعف دفعتين على إليشع تلميذه” (انظر 2مل9:2)، وكيف يفسر ذلك وإيليا إلى اليوم أكبر من إليشع؟! فاعلم إذًا أن الكتاب لم يقل شيئًا باطلاً وإنما تضاعف الروح في فعل الآيات وذلك أن إيليا صنع سبع آيات مشهورة، وصنع إليشع أربع عشرة آية معلومة!! لقد أقام إيليا بصلاته ميتًا واحدًا وأقام إليشع اثنين. إلا أن فعل الآيات ليس كما يشاء النبي بل كما يشاء الروح الفاعل فيه.

وقال ميخا النبي ” لكنني أنا ملآن قوة روح الرب” (انظر مى8:3).

وقال حجي النبي ” من أجل أني معكم يقول الرب ضابط الكل وروحي حال في وسطكم” (انظر حج5:2).

وقال الله في زكريا ” اقبلوا كلامي وشرائعي وكل ما أوحيت إلى عبيدي الأنبياء بروحي” (انظر زك12:7).

وقد أردت أن أتكلّم عن فعل الروح القدس، كما ورد في الأنبياء لكن خشيت من التطويل، هذا الروح الذي منه تُعطى كل المواهب الفاضلة كما يقول بطرس الرسول” لأنه لم تأت نبوة قط بمشيئة إنسان بل تكلّم أناس الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (2بط21:1).

 

فعل الروح القدس في الرسل الأطهار:

         ولنختصر الآن في ذكر الأنبياء ونتكلّم عن فعل الروح القدس مع الرسل الأطهار ونبيّن ما هو التفاضل الذي بينهم وبين الأنبياء لأن أولئك كانوا يتكلّمون ـ حين كان الروح يحلّ عليهم ـ بما هو مزمع أن يكون وأما الرسل فكان الروح حالاً فيهم دائمًا مستمرًا وذلك لأنهم تقلدوا تدبير كل المسكونة بالبشرى الإنجيلية والتعليم والتعمير ووضع يد الرئاسة وفعل الآيات كما شهد لهم الرب بذلك قائلاً: ” إني معطيكم الباراقليط يثبت معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يطيق العالم أن يقبله لأنهم لم يروه ولم يعرفوه، أما أنتم فتعرفونه لأنه مقيم عندكم وهو فيكم” (انظر يو16:14) فقد صح أنه ثابت معهم إلى الانقضاء.

         ثم منحهم رئاسة وقوة أفضل من الأنبياء كما شهد بولس الرسول قائلاً: ” أما نحن الذين لنا باكورة الروح” (رو23:8)، أعني أن الله شرّف الرسل فوق كل الرتب كما قال ” إن الله ربنا يسوع المسيح الذي سيظهر في وقته، الله المبارك العزيز وحده ملك الملوك ورب الأرباب الذي وحده لا يتغير ساكنًا في نور لا يدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه. الذي له الكرامة والقدرة إلي أبد الآبدين أمين” (1تي 15:6).

لذلك فإن الروح القدس لا يستطيع أحد أن يراه كما قال الرب: ” إن الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها ولا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب” (يو8:3).

         لقد اختار الرسل كما هو مكتوب ” ولما شاء الله الذي أفرزني من بطن أمي ودعاني بنعمته لكي أبشر به بين الأمم” (غلاطية15:1).

وقال الرب لحنانيا عن بولس الرسول: أمض إليه فأنا انتخبته ليكون لي إناءًا مختارًا ليحمل اسمي في الأمم والشعوب وبني إسرائيل (انظر أع15:9).

         وجاء في سفر الأعمال ” وفيما هم يصومون ويصلون، قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وبولس للخدمة التي دعوتهما إليها” (أع2:13).

         والآب دعا الشعوب كما يقول الرسول: “ إن الله بحق صادق والذى به دُعيتم إلى مشاركة ابنه يسوع المسيح ربنا” (انظر 2تس14:2)، وقال: ” أنتم أيضًا مدعوو يسوع المسيح ربنا. إلى جميع من برومية أحباء الله مدعوين قديسين” (انظر رو6:1).

         وقال رب المجد: ” ليس أحد يعرف الآب إلاّ الابن ولا الابن إلا الآب. ومن أراد الابن أن يُعلن له” (متى27:11).

وقال عن الروح: “ إذ جاء ذاك فهو يشهد من أجلي ويخبركم من أجل الآب علانية” والرسول يقول: “ لأن مَن مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه. هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلا روح الله” (1كو11:2) وقال أيضًا ” الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1كو10:2)، وهو تعالى فاحص القلوب والكُلى كما هو مكتوب، وكذلك الابن لا يحتاج إلى أحد يشهد له عن الإنسان لأنه يعرف ما في الإنسان، ويقول الرسول ” لأن كلمة الله حيّة وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة أفكار القلب ونياته، وليست خليقة غير ظاهرة قدامه. بل كل شيء عريان ومكشوف لعيني ذلك الذي معه أمرنا” (عب12:4). والروح القدس فاحص القلوب والكلى كما يقول الرسول” أما نحن فإن الله أظهر لنا ذلك بروحه لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله” (1كو10:2) والرب يقول عنه: ” إنه يأخذ مما لي ويخبركم” (يو15:16)، والرب يقول ” كل غرس لم يغرسه أبى السماوي يُقلع” (متى3:15) وقال أيضًا: ” لا يقدر أحد أن يقبل إلىّ إن لم يجتذبه الآب الذي أرسلني” (يو44:6) وقال أيضًا ” كل ما يعطيني الآب فإلىّ يقبل، ومن يقبل إلىّ لا أخرجه خارجًا” (يو37:6) وقال: ” يا أبتاه الذين أعطيتني حفظتهم ولم يهلك منهم أحد إلا ابن الهلاك” (يو12:17)، وقال لبطرس” إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك، لكن أبى الذي في السموات” (متى17:16)،  وقال عن ذاته الواحد مع الآب “ بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا” (يو5:15)، وقال ” أنا هو الطريق والحق والحياة. لا يقدر أحد أن يأتي إلى الآب إلا بي” (يو6:14)، والرسول يقول: ” ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح” (أف13:2)، وقال: ” لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحدًا ونقض حائط السياج المتوسط” (أف 14:2).

وعن الروح يقول الرب: “ وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق” (يو13:16)، والرسول يقول ” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس” (1كو 3:12)، وقال أيضًا إن هذه الأشياء التي يتكلّم بها لم يتعلّمها من كلام الناس بل من الروح إذ قال: ” أنتم لستم فى الجسد بل فى الروح” (انظر رو5:8).

         وهنا نعلم مساواة الثالوث الأقدس. الابن مولود من الآب، والآب بلا ابتداء، ومنبثق منه الروح أزليًا وهو باق دائم بلا انتهاء. وهو المتكلّم عن الآب الأخذ مما للابن المرشد إلى الحق الناطق في الناموس والأنبياء والرسل والقديسين جيلاً بعد جيلٍ بلا انقضاء، واضع ناموس كامل روحاني، معلّم الرسل، منير بشرى الإنجيل، الذي يجددّ في الأطهار خلقة جديدة. الذي يعطي بسعة واقتدار بغير أمتنان، الفاعل في كل مكان وكل زمان، الذي يهب الصلاة للمصلّين، والبركة للقديسين، الذي هو فصاحة الرسل الأطهار في النداء بالبُشرى حتى بلغ قولهم إلى كل الأرض وسمع صوتهم في أقطار المسكونة في مدة يسيرة من الزمان، وخضع لهم الملوك العتاة والولاة الجبابرة والحكماء والفلاسفة والبسطاء والأمييّن بما أُعطى لهم من القوة، وأخذوه من المعونة. كما هو مكتوب إن الله يعطي كلمة للمبشرين بقوة عظيمة، وأيضًا مكتوب إني أنطق بشهاداتك أمام الملوك ولا أخزى، وأيضًا مكتوب بشرّت بعدلك في بيعة كبيرة ولم أمنع شفتي. وأيضًا قال عنهم: ” خرجت أصواتهم في كل الأرض وبلغ كلامهم أقطار المسكونة” (مز4:19).

هؤلاء هم بحق أنهار الحياة الخارجة من أورشليم الذين رووا كل الأرض كما تنبأ حزقيال. فما أجملهم في إنذارهم بالخيرات العتيدة، كما أنبأ إشعياء النبي قائلاً “ما أجمل أقدام المبشرين بالخيرات”. الينابيع الحلوة التي أخبرنا بها موسى أول الأنبياء قائلاً إنهم لما عبروا بحر سوف نزلوا على أثنى عشر عين ماء وسبعين نخلة (انظر خر27:15)، هى نبوة عن الأثنى عشر رسولاً والسبعين تلميذًا الذين منهم استقى العالم التعاليم الروحية. هم فرسان الرب الإله ومركبته الذين حملوا اسمه القدوس في أقطار الأرض. الجند المخلصون للملك السمائي الذين جاهدوا بقوة في مكافحة أعداء سيدهم وهدموا كل علم مضاد للحق، ونقضوا الحصون المنيعة التي أقامتها الشياطين في نفوس البشر. لقد سبى الرسل كل رأى كان مخالفًا وأتوا به إلى معرفة المسيح، رسل الرب الخصيصون الذين أرسلهم ليدعوا المدعوين إلى العُرس السمائي.. خدامه الفاضلون الذين خدموا باهتمام في الشعب المسيحي.. أهل بيته المطلعون على سره الخفي.. ملح الأرض ونور العالم الذين أناروا ظلمتنا القصوى وأرشدونا إلى نور الهداية.. آباء كل المسكونة الذين ولدوا الجميع في بدء البشرى.. الرعاة الذين اؤتمنوا على القطيع الروحاني.. الصخور الثابتة الذين عليهم وضع المسيح أساس كنيسته. مهندسوا الميناء الوثيق الذي للبيعة كما شهد الرسول قائلاً: ” أنا وضعت الأساس وأخر يبني عليه، فإنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح” (1كو10:3). نجدهم فلاحين لأنهم نقوا أرض قلوبنا وزرعوا فيها البذر الإلهي، نجدهم سقاة للمسيح الملك لأنهم سقوا نفوسنا من ماء ينبوع الروح القدس. نجدهم كرامين لأنهم تعبوا وعملوا في كرم نفوسنا. نجدهم خاطبين لأنهم خطبوا نفوسنا نقية للختن السمائي المسيح كما يقول الرسول ” إني أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح” (2كو2:11). نجدهم شفعاء عنا عند المسيح.. نجدهم هم الذين أعطوا الحياة للبشر في بشرى الإيمان وصبغة المعمودية ووضع يد الرئاسة وتناول الأسرار المقدسة. وبالجملة نجدهم كاملين في اقتناء الفضائل والمواهب المختلفة.

هم رسل وأنبياء، ورؤساء ومعلّموا البيعة، وشهداء وقديسون، بل إن كل الفضائل والمواهب المتفرقة في الناس نجدها مجتمعة فيهم حتى لا يفوتهم شيء من الفضائل أو يعلوهم أحد من البشر، لأنه هكذا قد سُر الرب الإله أن لا يكون المبشرون باسمه فلاسفة من حكماء هذا العالم. لأنهم لو كانوا كذلك لكانت أقوالهم متناقضة بعضها مع بعض. كما نجد أقوال الفلاسفة قول الواحد منهم يبطل قول الآخر ويزدري به ويعظّم نفسه عليه. وذلك لأن حكمتهم ليست من الله، ولو كان الإيمان بحكمة الناس وتدبيرهم لما كانت له جدوى ولا منفعة، لأن بطرس الرسول يعلّمنا في هذا المعنى قائلاً

لأننا لم نتبع خرافات مصنعة إذ عرفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح” (2 بط16:1).

 

         وبولس الرسول الذي كان حجة في الناموس يكتب قائلاً ” وأنا لما أتيت إليكم أيها الأخوة أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديًا لكم بشهادة الله. لأني لم أعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا” (1كو2: 1و2).

         ثم أن كرازة الرسل أيضًا لو كانت تعتمد على قوة السيف وسطوة الإرهاب حتى يرغموا الناس على الدخول إلى الإيمان، شاءوا ذلك أو لم يشاءوا، لكان ذلك مشابهًا لعبادة الأوثان التى انتشرت بقوة منذ نحو ثلاثة آلاف سنة من بعد الطوفان إلى مجيء ربنا يسوع المسيح. بل نجد الشهداء الأطهار، وقد استشهدوا وضربت أعناقهم وهم صابرين ثابتين على الإيمان بربنا يسوع المسيح.

         ولقد أختار الله رسله قومًا أميين ضعفاء، لا بصيرة لهم بشيء مما في هذا العالم، فقواّهم وعضّدهم بما منحهم من موهبة الروح القدس، وقهر بهم الفلاسفة، حتى خضعوا لهم، وغلب بهم سطوة الملوك والولاة أصحاب السيف حتى أذعنوا لكرازتهم. ولهذا يقول الرسول ” ولكن لنا هذا الكنز في أوان خزفيةً. أعني في جسم حقير ضعيف. ثم قال لكي تكون عظمة الموهبة من الله لا منا. فهذا الإيمان كان نعمة صادقة من قِبَل الروح. وقد سمّى روح الآب وروح القدس لأنه واحد في اللاهوت، كما يقول بولس الرسول ” إن لم يكن روح الله فيكم” أنتم إذن مرذولين لأنه إن لم يكن في الإنسان روح المسيح فليس هو من الله.

         وبطرس يقول ” ذلك الخلاص الذي التمسه الأنبياء وجعلوا يفحصون بروح المسيح، وقدموا الشهادة على آلام المسيح وعلى مجده” (انظر 1بط1: 11،10). فهو هذا الروح الواحد المتكلّم في الناموس والأنبياء والرسل، وكافة القديسين إلى الأبد.

 

ضرورة إكرام الأعياد الإلهية:

         فلنعّيد لهذا العيد الآن بفرح روحاني كما يلائمه، حتى نستحق موهبة الروح مع الرسل الأطهار، ولنتأمل كيف أن الرسل الأفاضل الكاملين الذين لم تبق عليهم قيود الناموس لأن أعمالهم هي فوق الناموس، ومع هذا كانوا يكرّمون الأعياد الإلهية جيدًا. لقد كتب بولس الرسول لأهل كورنثوس (1كو16: 8،7) يقول” سأبقى في أفسس إلى عيد البنطقستى، أعني هذا العيد الشريف، ولم يرتض أن ينتقل إلى مكان آخر حتى يعيّد به كما يليق. وكتب القديس لوقا في سفر الأعمال أنه لما أقبل بولس إلى جزيرة خيوس ينادي بالبشارة قال “كان الرسول مجتهدًا أن يعبر أفسس حتى لا يبطئ في أسيا، لأنه كان يريد أن يعمل يوم عيد البنطقستي في أورشليم” (انظر أع16:20).

تأمل أنه مع مشاغل الخدمة في الكرازة ومصاعبها التي كان يتحملها الرسول، كان مع كل هذا مجتهدًا في إكرام الأعياد الإلهية الشريفة لعلمه بكرامتها. فكم بالأحرى ينبغي لنا أن نهتم بها بنقاوة القلب لكي نتقدّس بتذكارها الصالح. لأن بعض لابسي الروح قالوا ” كما أن الملك يُنعم بعطاياه في المناسبات الملّكية وأيام الأفراح والمواسم على خواصه، كذلك يفيض الله بمواهبه الروحانية على أولاده الصانعين وصاياه في الأعياد الإلهية الشريفة. 

كيف نعيّد ونفرح بالعيد:

فينبغي لنا أن نعيّد الآن بنقاوة روحانية، موافقة للروح في عيد حلول الروح المعزى حتى يحلّ فينا ويطهّرنا وينقينّا من آثامنا. لنحفظ الجسد طاهرًا، لأنه هيكل الله للروح القدس حتى يحلّ فينا. لنحفظ النفس وكل الحواس نقيّة لكي تشارك أرواحنا الروح القدس، ونستحق ميراث البنّوة في الملكوت الأبدي.

         والرسول يعلّمنا بمثل هذه التعاليم قائلاً:” فلنعش الآن بالروح ونوافقه بروح ضميرنا” ونحذر أن نصنع عكس ذلك لئلا يسخط الروح القدس، إذ يقول ” لا تسخطوا روح الله الذي به ختمتم ليوم النجاة، بل كل تذمر وفرية فلينزع ذلك منكم مع بقية الشرور” (انظر أف30:4و31).

         لنرحم أهل الفاقة لكي نكمل مشورة الروح ونستحق الرحمة لأن الرحمة تفتخر في الدينونة، كما يقول يعقوب الرسول. لنصنع سلامًا وصلحًا مع إخوتنا لكي يصنع الروح سلامًا وصلحًا في نفوسنا المقاتلة مع أوجاع أجسادنا. ولنعزِ المتضايقين والمحبوسين بافتقادنا حتى يعضّدنا الروح القدس المعزى ويقوّينا في شدائدنا، فقد كتب “شجعوا صغار الروح”[3] بكلمة تسندك اليمين القوية. ولنغار على السيرة الروحانية التي فيها سلك الآباء الأفاضل لابسي الروح ونتشّبه بهم ليكون لنا ميراث ونصيب معهم في المظال الأبدية.

         ونحن نسأل ربنا يسوع المسيح الذي افتقدنا بتحنن رحمته من علوه القدوس أن يجدّد فينا موهبة الروح ويطهر نفوسنا، ويغفر لنا خطايانا، ويتجاوز عن سيئاتنا ويسامحنا عن هفواتنا، ويمنحنا سيرة روحانية بقية أيام حياتنا، وينيح أنفس أمواتنا من كافة بني المعمودية الذين رقدوا على رجاء الإيمان باسمه القدوس. ويجعلنا مستحقين سماع صوته المملوء فرحًا القائل ” تعالوا إلي يا مباركي أبى رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء العالم… بشفاعة سيدتنا الطاهرة البتول القديسة مريم. وشفاعة الرسل الأطهار وكافة الشهداء والقديسين الأبرار. آمين.

 

[1] العناوين الجانبية من وضع مُعد النص.

[2] لاحظ تأثر البوشى بنصوص القداس الإلهى.

[3] انظر 1تس14:5.

 

ميمر الروح القدس للأسقف بولس البوشى – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

عيد الخمسين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

عيد الخمسين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

عيد الخمسين

عظتان فى

عيد حلول الروح القدس

للقديس يوحنا ذهبى الفم

 

عيد الخمسين

العظة الأولى عن

عيد حلول الروح القدس

 

          1 ـ مرة أخرى نعيّد، مرة أخرى نحتفل، والكنيسة، تلك الأم المحبة جدًا ـ كثيرة الأولاد ـ تفتخر بكل هذا العدد من أولادها. ولكن ما فائدة تلك المحبة، إذا كانت لا ترى الأوجه المحببة لأولادها باستمرار، بل تراها فى الأعياد فقط، مثل من يملك ثوبًا رائعًا ولكن لا يسمحون له بارتدائه باستمرار؟ لأن ثوب الكنيسة هو هذا الجمع الذى يأتى إلى الكنيسة، كما يقول النبى بالوحى الإلهى: ” إنك تلبسين كلهم كحلى وتتنطقين بهم كعروس” (إش18:49).

 

          وبالضبط كما أن المرأة العاقلة والحرة داخليًا تظهر أكثر احترامًا وأكثر احتشامًا عندما ترتدى الملابس الطويلة حتى قدميها، هكذا فالكنيسة تبدو اليوم أكثر بهجة لأنها محاطة بالعدد الغفير من أجسامنا ورداؤها طويل، ولا يمكن أن ترى اليوم جزءً منها عاريًا (خاليًا منا)[1] كما فى الأيام السابقة، حيث كان الذين حضروا اليوم فقط سببًا فى عرى الكنيسة بالأمس، هؤلاء الذين لا يهتموا بالأمر. ولكى نعرف أنه ليس بالخطر البسيط أن تُترك الأم عارية، علينا أن نتذكر قصة قديمة. لنتذكر ذلك الذى نظر والده عاريًا وعُوقب من أجل هذا فقط (تك20:9ـ27) ومع أنه لم يكن هو الذى عرى أبيه بل فقط نظره وهو عارٍ فإنه مع ذلك لم يُعف من العقاب. لكن الذين أتوا اليوم فقط ولم يأتوا فى الأيام السابقة لم ينظروا الأم عارية، لكنهم هم الذين عروها. فإن كان ذاك الذى نظر العرى فقط لم يفلت من العقاب، فكيف يُصفح عن هؤلاء الذين كانوا سببًا فى العرى.

 

          وما أقوله هنا لا أريد به أن أوبخكم بل أريد أن أجنبكم العقوبة، لكى تتجنبوا لعنة “حام”، ولنتمثل بمحبة “سام” و”يافث” ونوقر نحن أيضًا أمنا دائمًا.

 

          إن التقاليد اليهودية كانت تحتم علي الشعب اليهودى أن يظهروا أمام الله ثلاث مرات فى السنة. فقد قال لهم الرب ” ثلاث مرات فى السنة يظهر جميع ذكورك أمام السيد الرب” (خر7:23).

 

          أما نحن فالرب يريدنا أن نظهر أمامه دائمًا. فهؤلاء كانوا يجتمعون ثلاث مرات فقط بسبب بُعد المسافات إذ أن عبادة الله حينذاك كانت محدودة فى موضع معين، ولهذا كان ظهورهم أمام الله قليلاً، لأنه كان من الضرورى أن يحجوا لأورشليم وليس لموضع آخر. ولهذا فقد أعطاهم وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فى السنة، وكان بُعد المسافات عذرًا معقولاً بالنسبة لهم. الأمر الذى لا نعانى نحن منه. فقد كانوا مشتتين فى كل أرجاء الأرض إذ يقول ” وكان يهود رجال أتقياء من كل أمة تحت السماء ساكنين أورشليم” (أع5:2).

 

          أما نحن، وإن كنا لا نقطن كلنا فى مدينة واحدة، إلاّ أنه تجمعنا أسوار واحدة وفى كثير من الأحيان لا يفصلنا عن الكنيسة ولا حتى شارع ضيق، ومع ذلك فنحن نأتى إلى هذا الاجتماع المقدس مرات قليلة مثل هؤلاء الذين كانت تفصلهم بحار.

 

          لهؤلاء أعطى الرب وصية أن يظهروا أمامه ثلاث مرات فى السنة، أما لنا نحن فقد أوصانا أن نعيّد دائمًا، لأن لدينا عيدًا دائمًا ولكى تعلموا أن لدينا عيدًا دائمًا سأقول لكم عن موضوع كل عيد وستعرفون أن كل يوم هو عيد عندنا.

 

          عيدنا الأول هو عيد الأبيفانيا: فما هو موضوع هذا العيد؟ يقول باروخ النبى: ” وبعد ذلك تراءى على الأرض ومشى بين الناس” (باروخ38:3)، لأن ابن الله الوحيد هو معنا وإلى الأبد لأنه يقول     ” انظروا هاأنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” (مت20:28)، ولهذا فمن الممكن أن نعيّد الثيوفانيا (عيد الظهور الإلهى) كل الأيام.

          ولأى سبب نحتفل بالبصخة؟ (عيد القيامة) وما الداعى لهذا العيد؟،

          فى ذلك العيد نبشر الكل بموت الرب، وهذا هو معنى البصخة، إلاّ أنه ولا حتى هذا نفعله فى وقت معين.

          والرسول بولس يريد أن يعفينا من التقيد بالتحديدات الزمنية، ولكى يبرهن لنا على أنه يمكننا أن نحتفل دائمًا بالبصخة فإنه يكتب قائلاً ” لأنه فى كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب” (1كو26:11).

          فطالما نستطيع دائمًا أن نبشر علنًا بموت الرب، فإننا نستطيع دائمًا أن نحتفل بالبصخة (بعيد القيامة).

          أتريدون أن تعلموا أنه يمكن الاحتفال كل يوم بالعيد الذى نعيّد له فى هذا اليوم؟ لنرى سبب هذا العيد ودواعى احتفالنا به: نحتفل بهذا العيد لأن الروح القدس قد أتى إلينا، لأنه كما أن ابن الله الوحيد هو مع المؤمنين، هكذا فإن الروح القدس هو أيضًا بالتمام معكم. ومن أين نعرف هذا؟ يقول السيد المسيح إن “من يحبنى“، ويكمل قائلاً “سيحفظ وصاياى وأنا سأطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر ليمكث معكم إلى الأبد” (يو15:14ـ 17). كما قال السيد المسيح عن نفسه ” إنى سأمكث معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر” ولهذا نستطيع أن نعيّد لعيد الظهور الإلهى[2]، هكذا قال عن الروح القدس إنه معكم إلى انقضاء الدهر ولهذا نستطيع أن نعيّد دائمًا عيد الخمسين.

          2 ـ أرأيت أنه لم يقيدك بوقت معين، لكنه يشجعك على أن يكون لك خمير نقى؟

          وأريد أن أخصص كل عظتى لهذا الأمر لأن أولئك الذين يقبضون على آخرين بعد جهد كبير لا يخلون سبيلهم بسهولة. ولأنى أمسكتكم فى شباكى بعد زمن طويل، أنتم الذين جئتم إلى هنا بعد غياب، فإنى لا أريد أن أترككم اليوم. ولكى لا تمضوا بدون أن تسمعوا شيئًا عن هذا العيد، فإنى سأخصص حديثى الآن عن سبب هذا العيد.

          لقد أُعطى الجنس البشرى كله خيرات كثيرة من السماء ولمرات عديدة، أما مثل خيرات هذا العيد فلم يُعطَ أبدًا قبل هذا اليوم.

          اعلموا إذن ما هى الخيرات السابقة وما هى خيرات اليوم لتعرفوا الفرق بينهما. يقول المزمور ” وأمطر عليكم منًا للأكل، وبَرُّ السماء أعطاهم” (مز24:78).

          إذن فقد أكل الإنسان خبز الملائكة. إن هذا الأمر عظيم وجدير بمحبة الله للبشر. ثم بعد هذا أرسل نارًا وأعاد شعب إسرائيل إلى طريق الرب بعد أن كانوا قد ابتعدوا عنه ، ثم أصعد ذبيحتهم من على المذبح. ثم سقط المطر مرة أخرى عندما كادوا يهلكون من الجوع وجعل حصاد ذلك العام وفيرًا.

          عظيمة هى هذه المعجزات، لكن أعظم منها هى معجزات اليوم. لأن اليوم لم يسقط مَنّ ولا نار ولا مطر من السماء، لكن هطلت بركات روحية غزيرة. سقط من السماء مطر لا لكى يجعل الأرض تفيض بالأثمار، بل لكى يقنع الجنس البشرى فيقدم ثمار الفضيلة لفلاّح البشرية (المسيح). وهؤلاء الذين تقبلوا قطرة من هذا المطر السماوى، أنكروا ذواتهم على الفور، وفجأة امتلأت الأرض كلها بملائكة، ملائكة ليست سماوية لكن مظهرين بأعمال أجسادهم البشرية فضائل القوات غير المتجسدة. لأن الملائكة لم تهبط من السماء، لكن الأمر الأكثر عجبًا هو أن البشر قد صعدوا إلى مرتبة فضائل الملائكة. وأعنى أنهم لم يتجولوا كنفوس مجردة عارية، بسبب إهمالهم الاهتمام بأجسادهم، لكنهم وهم فى الجسد صاروا ملائكة فى الفضيلة.

          ولكى تعلم أن العقاب الأول (لآدم) لم يكن عقابًا، أى عندما قال الله ” أنت تراب وإلى التراب تعود” (تك19:3) فقد تركك لتبقى على الأرض، لكى تظهر بالأكثر قوة الروح القدس، وذلك حينما يصل هذا الجسد الترابى إلى مثل تلك الإنجازات (الروحية). (إذًا بواسطة عمل الروح القدس فى الإنسان) أمكن للمرء أن يرى لغة تخرج (من فم) ترابى وتقدر أن تشفى المرض، وأكثر من هذا، فإنه لم تُرَ اليد فقط، لكن أشياء أكثر أعجازًا، فظلال الأجساد التى هى من طين أمكنها أن تنتصر على الموت وعلى قوات الشر غير المتجسدة، وأعنى الشياطين.

          لأنه كما ينقشع الظلام بشروق الشمس وكما تختبئ الوحوش الكاسرة داخل جحورها وكما يهرب القتلة واللصوص ونباّش القبور إلى قمم الجبال، هكذا عندما بدأ بطرس الرسول كلامه، انقشع ظلام الضلالة وهرب الشيطان، وفرت قوات الشر واختفت الأمراض الجسدانية، وشُفيت النفوس المريضة، وتلاشت كل الشرور وعادت الفضيلة إلى الأرض.

 

          وكما أنه إن استطاع أحد العاملين بالخزائن الملّكية التى تحوى الذهب والأحجار الكريمة أن يحصل بموافقة المختصين على إحدى هذه الجواهر أو الأحجار حتى ولو كانت صغيرة، فإنه يصير غنيًا جدًا. هكذا صار أيضًا للكلمات التى خرجت من أفواه الرسل، إذ أن أفواههم كانت خزائن ملكية حُفظ فى داخلها كنز شفى أمراضًا كثيرة. وكل كلمة خرجت كانت سببًا فى ثراء روحى كبير.

          فقد كان ممكنًا حينذاك أن يرى المرء بالفعل أن كلمات الرب كانت تمثل مشتهى كثيرين أكثر من الذهب والأحجار الكريمة. إذ أن الأمر الذى استعصى تنفيذه بواسطة الذهب والأحجار الكريمة تحقق بكلام بطرس الرسول. فبالفعل كم هى عدد الدراهم التى كان يمكن أن تشفى ذلك الذى كان مقعدًا منذ ولادته؟ لكن استطاعت كلمات بطرس أن  تقيمه من عجزه الطبيعى هذا. فقد قال له “ باسم يسوع المسيح قم وامش” (أع6:3) وقوله تحقق فى الحال.

أرأيت كيف أن كلمة الرب هى مشتهاة أكثر من الذهب والأحجار الكريمة؟ أرأيت كيف أن أفواه الرسل كانت خزائن ملكية؟

بالفعل كان الرسل أطباء، وزرّاع، وربانية سفن؛

كانوا أطباء، لأنهم شفوا مرضى،

وزرّاع، لأنهم بذروا كلمة التقوى،

وربانية، لأنهم أسكتوا نوات الضلال.

 

          ولهذا فقد قال لهم الرب مرة ” اذهبوا واشفوا المرضى” (مت8:15). كما لو أنه يتحدث إلى أطباء،

          ومرة أخرى قال لهم ” أرسلكم الآن لتحصدوا ما لم تتعبوا فى غرسه” (يو38:4)، كما لو كان يتكلم مع زرّاع ،

          وفى موضع آخر قال لهم “سأجعلكم صيادى الناس” (مت19:4)، وقال لبطرس ” لا تخف، من الآن تكون تصطاد الناس” (لو10:5) وكأنه يتحدث إلى ربانية سفن وصيادين. وهكذا فقد كان من الممكن أن يرى المرء معجزة تلى معجزة.

          لقد صعدت الطبيعة البشرية قبل عشرة أيام إلى عرش الله الملوكى واليوم حلّ الروح القدس عليها. لقد أصعد الرب باكورتنا وأرسل لنا الروح القدس. والروح أيضًا هو رب، وهو واهب هذه العطايا. فهو والآب والابن يدبرون كل احتياجاتنا.

          فقبل عشرة أيام صعد المسيح إلى السماء، وأرسل لنا مواهب روحية، وعطايا هذه المصالحة. ولكى لا يشك أحد إذن، أو يتساءل: ” ماذا فعل المسيح عندما صعد إلى السماء، هل صالحنا مع الآب؟ هل جعل الآب يسامحنا ؟ ولكى يُظهر لنا أنه قد صالح الجنس البشرى بالآب، فقد أرسل لنا مباشرة عطايا هذه المصالحة، لأنه عندما يتصالح الأعداء، فإنهم حالاً ما يتبادلون كلمات الأمنيات الطيبة والولائم والهدايا.

لقد قدمنا نحن إيماننا، وأخذنا عطايا سماوية، قدمنا طاعة، وأخذنا تبريرًا.

 

          3 ـ ولكى تعلموا أننا أخذنا الروح القدس كعطية تصالح الله معنا. سأحاول أن أقنعكم من الكتاب المقدس. وسأبدأ أولاً بمحاولة إثبات العكس وإثبات أن الله لا يرسل نعمة الروح القدس إذا كان غاضبًا منا، لكيما إذا اقتنعت بأن غياب الروح القدس هو دليل غضب الله، تتأكد أن إرساله مرة أخرى هو دليل المصالحة ، لأنه لو لم تكن المصالحة قد تمت لَما أرسل الروح القدس . من أين لنا أن نعرف ذلك ؟

 

          كان عالى (الكاهن) إنسانًا متقدمًا فى السن وكان صالحًا وتقيًا فى كل شئ، غير أنه لم يكن يعرف كيف يُصلح أخطاء أولاده، إذ كان يحبهم بطريقة مبالغ فيها، واسمعوا أنتم يا من لديكم أبناء، وليكن لديكم المعايير المناسبة فى محبتكم لأولادكم (حتى لا تفسدوهم) وليكون الاحترام قائم بينكم.

          لقد أثار عالى، بفعله هذا، غضب الله جدًا إلى الحد الذى جعل الله يصرف وجهه عن كل جنس عالى الكاهن. ولكى يُظهر كاتب السفر موقف الله الغاضب قال “ وكانت كلمة الرب عزيزة فى تلك الأيام لم تكن رؤيا كثيرًا” (1صم1:3)، ومعنى أن الكلام عزيز هو ندرته، إذ بقوله هذا أوضح أن النبوات كانت نادرة. وشخص آخر كان يبكى وينتحب لأجل غضب الله ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك” (دا38:3)، والإنجيلى يقول أيضًا “ لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد” (يو39:7). بمعنى أنه لم يكن “قد صُلب” بعد، فإن الروح لم يكن قد أُعطى بعد للبشر وذلك لأن “قد صُلب” معناها ” قد مُجد” ورغم أن عملية الصلب بطبيعتها عملية مهينة، لكن لأنها تمت لأجل من أحبهم، فلهذا يدعوها المسيح “مجد”. لكن ما هو السبب فى أن الروح القدس لم يُعط قبل الصلب؟ لأن البشرية كانت تعيش فى الخطية وفى العثرات، وفى البغضة والضلال، إذ أن الحمل الذى حمل خطايا العالم، لم يكن قد قُدم ذبيحة بعد. المسيح لم يكن قد صُلب، لذلك لم تكن هناك مصالحة، وبما أنه لم تكن هناك مصالحة، كان من المناسب عدم إرسال الروح القدس. وبالتالى، بما أنه أرسل الروح القدس فهذا يعنى أن المصالحة قد تمت. ولهذا قال السيد المسيح ” إنه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى” (يو7:16). إن لم أنطلق ـ يقول ـ لا تتم المصالحة مع الآب، ولذلك لن أرسل لكم المعزى.

          أرأيتم بكم من البراهين أشرنا إلى أن غياب الروح القدس من بين البشر كان علامة على غضب الله ؟ ” كانت كلمة الرب عزيزة، ولم تكن رؤيا كثيرًا“، ” ليس لنا في هذا الزمان رئيس ولا نبي ولا قائد ولا محرقة ولا ذبيحة ولا تقدمة ولا بخور ولا موضع لتقريب البواكير أمامك“، لماذا “لأن الروح لم يكن قد أُعطى بعد لأن يسوع لم يكن قد مُجد بعد“. ” خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى“. وعندما ترى أن الروح القدس يأتى بغنى فلا تشك إطلاقًا فى أن هذه المصالحة قد تمت.

 

          ويمكن أن يسأل أحد: أين هو الروح القدس الآن؟. لأنه عندما كانت تحدث المعجزات، ويقوم الأموات، ويتطهر البرّص، كان يمكن التحدث عن عمل الروح القدس، أما الآن كيف نثبت أن الروح القدس معنا؟ لا تخافوا لأنى سأبين لكم كيف أن الروح القدس معنا الآن. كيف وبأى طريقة؟ إن لم يكن الروح القدس معنا الآن بالفعل، كيف يتطهر الذين تعمدوا من خطاياهم فى تلك الليلة المقدسة لأنه لا يقدر أحد أن يتخلص من خطاياه بدون فعل الروح القدس.

 

          واسمعوا الرسول بولس الذى يقول ” لأننا نحن أيضًا كنا أغبياء وغير طائعين ضالين مستعبدين لشهوات ولذّات مختلفة عائشين فى الخبث والحسد ممقوتين مبغضين بعضنا بعضًا، ولكن حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه لا بأعمال في بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تيطس3:3ـ5). وفى موضع آخر يقول ” لا تضلوا لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مابونون ولا مضاجعو ذكور ولا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10)، أرأيت كل هذه الشرور “وهكذا كان أناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

 

          كيف تم هذا ؟ هذا ما نريد أن نعرفه. هل غُفرت الخطايا بعمل الروح القدس ؟ فلنسمع ” لكن اغتسلتم بل وتقدستم لأنكم اعتمدتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا“. أرأيت إذن أن الروح القدس يمحو كل هذه الخطايا؟

          4 ـ أين هم الآن الذين يجدفون على الروح القدس؟ لأنه إن كان لا يمحو الخطية، فستكون المعمودية بلا هدف، وإن كان يمحو الخطايا، فباطل إذن تجديف الهراطقة.

 

          وإن لم يكن هناك الروح القدس، فلم نكن لنستطع الاعتراف بأن يسوع هو رب “ ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس” (1كو3:12). ولو لم يكن الروح القدس موجودًا لما استطاع المؤمنون أن يتضرعوا قائلين ” أبانا الذى الذى فى السموات” (مت9:6). ومثلما لم نكن نقدر (بدون الروح القدس) أن نشهد أن المسيح رب، هكذا أيضًا لم نكن نقدر بدونه (بدون الروح) أن ندعو الله أبانا. وبماذا نثبت قولنا هذا ؟ من قول الرسول نفسه ” وبما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخًا يا أبا الآب” (غلا6:4)، حتى أنك عندما تدعو الله قائلاً: ” أبانا” فتتذكر أنك استحققت أن تدعو الله أباك بسبب أن الروح قد دفعك إلى هذا.

 

          وإن لم يكن الروح القدس موجودًا لما كان فى الكنيسة روح الحكمة والمعرفة “ لأنه لواحد يعطى بالروح كلام حكمة ولآخر كلام علم بحسب الروح الواحد ” (1كو8:12). ولو لم يكن الروح موجودًا فى الكنيسة لما كان فيها رعاة ومعلمين. إذ أن هؤلاء يقيمهم الروح القدس كما يقول بولس الرسول ” … ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه” (أع28:20). وأنظر أيضًا فإنه حتى ما يحدث هنا هو من عمل الروح القدس. فإن لم يكن الروح القدس فى أبينا ومعلمنا هذا[3] والذى صعد منذ قليل على المنبر وبارككم جميعًا قائلاً “السلام لجميعكم” لِما قلتم له جميعًا ” ولروحك أيضًا”. وأنتم لا تجاوبونه هكذا فقط عندما يصعد إلى المنبر، أو عندما يعظكم أو يصلى لكم، ولكن أيضًا عندما يقف بجانب هذه المائدة المقدسة وهو مزمع أن يقدم عليها هذه الذبيحة المهوبة، والمرتلين يعرفون ما أقوله. فهو لا يمس القرابين الموضوعة أمامه قبل أن يدعو لكم بنعمة الرب، وأنتم تجاوبونه قائلين “ومع روحك أيضًا”. وبهذه الإجابة تذكرون أنفسكم بأن هذه الجواهر ليست من صنعه أو من صنع إنسان، بل هى هكذا بواسطة نعمة الروح القدس، الحاضر والذى يرفرف فوق الجميع، ليعد تلك الذبيحة  السرية. لأنه حتى وإن كان الذى يقف هناك هو إنسان، غير أن الله هو العامل فيه. فلا تنشغل إذن بالإنسان الذى تراه، بل اهتم بأن تعى عمل نعمة الله غير المنظورة. فلا شئ مما يحدث فى هذا الهيكل المقدس هو بشرى، فلو لم يكن الروح القدس حاضرًا لما تأسست الكنيسة، وطالما أنه توجد الكنيسة فهذا بفضل حضور الروح القدس.

 

          وربما يتساءل أحد، لماذا لا تحدث معجزات اليوم ؟ هنا أرجوكم أن تنتبهوا بشدة، لأنى أسمع عن هذا الأمر من كثيرين وفى كل مكان وباستمرار يطلبون تفسيرًا له. لماذا كان الذين تعمدوا حينذاك يتكلمون بألسنة عديدة والآن لا يحدث نفس هذا الأمر؟ فلنعرف أولاً ماذا يعنى أنهم كانوا يتكلمون بألسنة وبعد ذلك سنتحدث عن سبب ذلك. ماذا يعنى إذن أنهم كانوا يتكلمون بألسنة غريبة؟. فالذى تعمد حينذاك كان يتكلم مباشرة بلغات الهنود والمصريين والفرس والعرب وكان الشخص الواحد منهم يتكلم عدة لغات. ولو كان الذين قد تعمدوا اليوم، قد تعمدوا حينذاك لسمعناهم يتكلمون مباشرة لغات مختلفة. لأن بولس يقول إنه تقابل مع جماعة كانوا قد تعمدوا بمعمودية يوحنا فقال لهم ” هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم ؟ فأجابوا: ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس” (أع2:19). فأشار عليهم مباشرة أن يتعمدوا “ ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس فطفقوا يتكلمون بألسنة” (أع6:19).

          فلماذا إذن رُفعت هذه الموهبة وغابت من بين البشر؟ ليس بسبب أن الله لا يُكرّمنا ، بل على العكس لأنه يُكرّمنا جدًا، كيف؟ سأقول لكم.

          لقد كانت تصرفات البشر حينذاك أكثر مجونًا إذ لم يكن قد مضى وقت طويل على تركهم لعبادة الأوثان، وكانت أذهانهم أكثر بُعدًا عن فهم الأمور الروحية بل وغير حساسة لما يحدث أمامهم فصاروا مندهشين لما يدور حوله. ولم يكن لديهم أى معرفة عن المواهب الروحية أو حتى عن ماهية النعمة الروحية التى يستطيع المرء بالإيمان فقط أن يدركها، ولهذا حدثت المعجزات. لأنه من بين العطايا، يوجد ما هو غير مرئى ويمكن إدراكه بالإيمان فقط، والبعض الآخر مصحوب بعلامات لكى يراها المؤمنين. وكمثال لما أقصده هو الآتى: غفران الخطايا، هو أمر روحى، هو عطية غير مرئية، إذ أننا لا نرى بعيون الجسد كيف نتطهر من خطايانا. لكن لماذا؟ لأن النفس هى التى تتطهر والنفس لا ترى بعيون الجسد.

 

          التطهير من الخطايا إذن، هى إحدى العطايا الروحية ولا يمكن رؤيتها بعين الجسد، وأن يتكلم شخص بألسنة غريبة هو بالطبع أيضًا عطية روحية من فعل الروح القدس، ولكنه يُعطى بعلامة حسية يدركها المؤمنين بسهولة. فاللغة لأننا نسمعها ، فهى إظهار ودليل على الطاقة غير المرئية التى تحدث داخل نفوسنا “  لكنه لكل واحد يعطى إظهار الروح للمنفعة” (1كو7:12). فأنا إذن لست بحاجة إلى دليل أو علامة، ولماذا؟ لأنى تعلمت أن أؤمن بالرب بدون أن يُعطينى أية آية، لأن ذلك الذى لا يؤمن يحتاج إلى ضمان، أما أنا فلا أحتاج إلى ضمان لأنى أؤمن، ولا حتى إلى علامة، ولكن حتى وإن كنت لا أتكلم بلسان غريب، فأنى أعرف أنى قد تطهرت من الخطية. فهؤلاء الذين تعمدوا حينذاك، لم يكونوا ليؤمنوا إن لم يكونوا قد حصلوا على علامة. لهذا فقد أعطاهم آية كضمان للإيمان الذى آمنوا به. وبالتالى فقد أعطاهم آية ليس لأنهم كانوا مؤمنين بل لأنهم كانوا غير مؤمنين ولكى يصيروا مؤمنين، هكذا يقول بولس الرسول ” إذًا الألسنة آية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1كو22:14). أرأيتم أن توقف الله عن عمل المعجزات هو دليل ليس على عدم تكريم الله لنا بل على تكريمه لنا؟. ولماذا فعل هذا معنا؟ لأنه يريد أن يُظهر إيماننا، إننا نؤمن به بدون ضمانات أو معجزات. إن أولئك الذين تعمدوا حينذاك، لو لم يكونوا قد حصلوا على بعض الضمانات والإثباتات أولاً، لَما كان فى استطاعتهم أن يؤمنوا بالله بواسطة أمور لا تُرى. أما أنا فبدون هذه الأمور (المرئية) فإنى أؤمن بكل قلبى. وهذا هو السبب إذن فى عدم حدوث معجزات الآن.

          5 ـ أود أن أتكلم أيضًا عن سبب هذا العيد وأن أبيّن بالضبط ما هو عيد الخمسين ولماذا أُعطيت مواهب الروح القدس على هيئة ألسنة نار فى ذلك اليوم، ولماذا كان ذلك بعد صعود المسيح بعشرة أيام .غير أنى أرى إنى أطلت الحديث، ولهذا سأتوقف بعد أن أضيف شيئًا صغيرًا ” ولِمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع معًا بنفس واحدة، وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأ كل البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرت على كل واحد منهم” (أع1:2ـ3). ليست ألسنة من نار، لكن كأنها من نار، لئلا تعتقد أن الروح القدس هو شئ محسوس، مثلما فى نهر الأردن حيث حل، ليس كحمامة، لكن فى شبه حمامة. وهكذا هنا ظهر لا نار (فعلاً) بل فى شبه نار. وأيضًا يذكر سفر الأعمال أنه ” صار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة” (أع2:2)، لا يقول إنه هبوب ريح، بل يقول “ كما من هبوب ريح عاصفة “.

          وما هو السبب فى أن حزقيال لم يأخذ موهبة النبوة بشكل مماثل وعلى هيئة نار لكن أخذه فى درج (حز9:2)، بينما أخذ الرسل المواهب بواسطة ألسنة كأنها من نار؟

          بالنسبة لحزقيال، يقول الكتاب إن الله أعطى له درج مكتوب فيه مراثى ونحيب وعويل، وكان مكتوبًا من الداخل ومن قفاه (حز10:2). فأكل حزقيال الدرج فصار فى فمه كالعسل حلاوة (حز3:3). أما عن الرسل فلا يقول هكذا بل يقول “ وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار” . فلأى سبب إذن ظهر هناك درج وهنا ألسنة كأنها من نار ؟ لأن حزقيال كان سيذهب ليرثى خطايا اليهود وينتحب على خرابهم ، أما الرسل فإنهم كانوا سيذهبون فى شتات الأرض ليغفروا خطايا جميع الناس. ولهذا فإن حزقيال قد أخذ درجًا كتب فيه الخراب الذى كان مزمعًا أن يحدث لليهود، أما الرسل فقد أخذوا نارًا ليحرقوا خطايا البشر ويغفروها . لأنه كما أن النار تقع على الأشواك فتمحوها ، هكذا تمحو نعمة الروح القدس خطايا البشر.

          لكن اليهود ، عديمى الإحساس، عندما حدث هذا ، بينما كان عليهم أن يتعجبوا وفى رهبة يسجدون لذلك الذى منح هذه المواهب ، نراهم قد أظهروا مرة أخرى عدم فهمهم متهمين الرسل الذين نالوا بغنى مواهب الروح القدس ، بأنهم سكارى إذ قالوا “ وكانوا آخرون يستهزئون قائلين إنهم قد امتلأوا سلافة ” (أع13:2). لاحظ هنا كيف ينكر البشر المعروف وكيف يقدره الملائكة ، إذ أن الملائكة عندما نظروا باكورتنا[4] وهو صاعد إلى السماء ، فرحوا وقال “ ارتفعن أيتها الأبواب الدهريات فيدخل ملك المجد ” (مز8:24). أما البشر فعندما رأوا نعمة الروح القدس وهى تحل علينا قالوا إن هؤلاء الذين تقبلوا هذه النعمة سكارى . بل أن هؤلاء اليهود لم يعرفوا حتى مواسم السنة الزراعية، لأنه من غير الممكن أن يتواجد فى فصل الربيع (وقت الاحتفال بعيد الخمسين حينذاك) هذا النوع من العنب حلو المذاق الذى يصلح لعمل هذا النوع من الخمر .

          لكن لنترك هؤلاء ، ولنفحص نحن عطية الله محب البشر لنا . لقد أخذ المسيح طبيعتنا وأعطانا فى المقابل نعمة الروح القدس. وكما يحدث فى الحرب التى يطول مداها أنه عندما تتوقف المعارك ويحل السلام، فإن الأعداء يتبادلون الضمانات والأسرى، هكذا صار بين الله والبشر، فلقد أصعد المسيح باكورة طبيعتنا إلى السماء، إلى الله كعربون وضمان، وأرسل لنا الله الروح القدس كضامن. وما يبين أن ما لدينا هو عهد وضمان ما يأتى. المتعهد والضامن لابد أن يكونا من جنس ملوكى . ولهذا أرسل الروح القدس إذ هو من جوهر ملوكى فائق ، وأيضًا ما قُدم من جهتنا كان من جنس ملوكى ، إذ كان من نسل داود ولهذا فنحن لا نخاف بعد ، طالما أن باكورتنا هى فى السماء . وحتى إن هددنى شخص بالعذاب الأبدى وبالنار التى لا تُطفأ أو بأى عقاب آخر ، فلن أخاف إذن . أو بالحرى سأخاف غير أنى لن أكون يائسًا من خلاصى . لأنه لو كان الله لم يَرِد خيرات عظيمة للإنسان ، لما كان قد قَبِلَ باكورتنا فى السماء .

 

          فقبل ذلك ـ عندما كنا نتطلع إلى السماء ونفكر فى القوات السمائية غير المتجسدة، كنا نتأكد بالأكثرـ بالمقارنة مع هذه القوات ـ من ضعفنا. أما الآن، فعندما نريد أن نرى ما صار لنا من كرامة فإننا نتطلع عاليًا نحو السماء إلى عرش الله نفسه لأن هناك تجلس باكورتنا. وهكذا سيأتى ابن الله من السماء ليديننا. فلنستعد إذن لكى لا نخسر ذلك المجد لأن سيدنا قادم بالتأكيد ولن يتأخر . سيأتى ومعه قوات وطغمات الملائكة وأرباب ورؤساء ملائكة ، وأجيال الشهداء وجماعات الأتقياء ، وكثير من الأنبياء والرسل ووسط هذه الكوكبة سيظهر الملك بمجد لا يُوصف ولا يُعبر عنه .

 

          6 ـ لنفعل إذن كل ما فى جهدنا لكى لا نخسر ذلك المجد. أتريدون أن أقول لكم عن الأشياء المخيفة أيضًا ؟ لا لكى أحزنكم بل لكى أًصلِحَكم. حينذاك سوف يجرى نهر من نار قدامه (دانيال 10:7) وسوف تُفتح الأسفار. وستكون محاكمة رهيبة . فكما فى المحكمة تُقرأ عرائض تخص أعمالنا، وهكذا يتكلم الأنبياء عن هذه الأسفار . فيقول موسى ” والآن إن غفرت خطيتهم . وإلاّ فامحنى من كتابك الذى كتبت” (خر32:32). كما أن السيد المسيح قال لتلاميذه ” لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحرى أن أسماءكم كُتبت فى السموات ” (لو20:10) وداود أيضًا كتب قائلاً ” رأت عيناك أعضائى وفى سفرك كلها كتبت ” (مز16:138). وأيضًا قال “ليُمحو من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يُكتبوا” (مز29:69).

          أترى أن البعض تُكتب أسمائهم والبعض تمحى أسمائهم ؟ أتريد أن تعلم أنه ليس فقط أسماء الأبرار هى التى تُكتب فى هذه الأسفار بل وأيضًا خطايانا؟

اليوم عيد واليوم نتعلم أمورًا تقدر أن تنجينا من الهلاك . الكلمات مرعبة لكنها مفيدة ونافعة ، إذ هى قادرة أن تنقذنا من التهاون فى حياتنا الروحية. ولنعلم إذن أن خطايانا تُسجل ، وأيضًا ما نقوله هنا فى الحال يُكتب هناك . لكن من أين عرفنا هذا ؟ لأنه ليس من اللائق أن نتكلم باستخفاف فى أمور هكذا . يقول ملاخى لليهود ” لقد أتعبتم الرب بكلامكم” وبأى طريقة ؟ يقول “بقولكم كل من يفعل الشر فهو صالح فى عينى الرب” (ملاخى17:2). هذه الكلمات هى أقوال عبيد ينكرون المعروف ومع هذا فقد قبلهم الله إذ يقول الكتاب إنه قَبِل هؤلاء الذين لم يخدموه بل قالوا عنه ” عبادة الله باطلة وما المنفعة من أننا حفظنا شعائره وأننا سلكنا بالحزن قدام رب الجنود والآن نحن مطوبون المستكبرين ” (ملاخى14:3ـ15)، أى يقولون إنهم طوال النهار يعملون وآخرين يتمتعون بالخيرات . مثل هذه الأقوال يرددها العبيد دائمًا أمام سادتهم . وأن يقولها إنسان لإنسان آخر مثله ، فهذا أمر ليس بهذه الخطورة ، أما أن يقول شخص مثل هذه الكلمات لرب الكون كله ـ الذى هو رحيم ومحب البشر ـ فهذا أمر خطير فعلاً ويفوق كل حكم ويستحق أشد العقاب. لكن لنعلم أن هذه الأقوال تُدون ، أسمع ما يقوله النبى “والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين في اسمه” (ملاخى16:3). وهذه الأقوال تُدون، لا لأن الله سيذكّرنا باليوم الذى قلناها فيه لكن لكى يحضر لنا السفر كشهادة علينا لإدانتنا .

 

          ربما أكون قد أثرت مشاعر الخوف فى نفوسكم ، وليس فقط نفوسكم بل بالحرى فى نفسى أنا أولاً أيضًا. وهيا لأختم عظتى، بل بالحرى لأوقف الخوف، والأفضل من ذلك، أنى لا أوقف الخوف فقط، بل أتكلم بكلمات معزية لنفوسكم. لأنه حتى إن بقى الخوف، فليبق ليطهر ولينقى نفوسنا، ولنجعله أكثر احتمالاً. فكيف سنستطيع إذن أن نحدّ من هذا الخوف؟ إن نحن بيّنا أن الخطايا لا تُدون فقط لكنها أيضًا تُمحى. ففى المحاكم هنا تدون الأقوال التى يُدان بها المتهم، فى صحائف فورًا، ولا يمكن أن تُمحى هذه الأقوال بعد ذلك. أما فى ذلك السفر حتى وإن فعلت بعض الشرور وأردت أن تمحى فإنها تُمحى .

          ومن أين نعرف هذا ؟ من الكتاب المقدس إذ يقول ” استر وجهك عن خطاياى وامح كل آثامى ” (مز9:51). ولن يستطيع شخص أن يمحو شيئًا لم يُكتب وبالتالى إذا كانت هذه الآثام قد دونت، فالآن هو يصلى أن تُمحى.

          وشخص آخر يعلّم كيف تُمحى هذه الآثام فيقول ” بالرحمة والحق يستر الإثم ” (أم6:16). فهى لا تُشطب فقط بل تُمحى تمامًا حتى أنه لا يتبقى لها أثر. وليست الخطايا التى عملناها بعد المعمودية فقط هى التى تُمحى ؛ بل والتى عُملت قبلها أيضًا. فكل الخطايا قد مُحيت بمياه المعمودية وبصليب المسيح. تمامًا كما يقول الرسول بولس ” إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضدًا لنا وقد رفعه من الوسط مسمرًا إياه بالصليب” (كو14:2). أرأيت كيف أن ذلك الصك قد مُحى ولم يُمح فقط بل قد تمزق إذ مزقته مسامير الصليب، فأصبح بلا قيمة .

 

          فتلك الخطايا قد انمحت كلها بنعمة وقوة المسيح الذى صُلب عنا لأجل محبته لنا، أما خطايانا نحن بعد المعمودية فإنها تحتاج إلى جهاد عظيم لكى نتطهر منها، وإذ لا توجد معمودية ثانية، بل يتم ذلك بدموعنا، بتوبتنا، بأعمال الرحمة، بالصلاة وبكل سبل التقوى. وهكذا فبعد المعمودية تتنقى الخطايا بكثير من الجهد وبكثير من التعب. فلنحاول إذن بكل طريقة أن نتطهر منها فى هذه الحياة (هنا) حتى نفلت من الخجل والعقاب فى الدهر الآتى (هناك). لأنه وحتى إن كنا قد فعلنا خطايا لا تحصى، فإننا إن أردنا، نستطيع أن نلقى عنا كل حمل هذه الخطايا. فلتكن لنا هذه الإرادة إذن، لأنه من الأفضل جدًا أن نتعب قليلاً هنا وأن نعتق من العقاب الشديد بدلاً من أن نهمل أثناء فترة حياتنا القصيرة ونعبر إلى ذلك العقاب الأبدى.

 

          7 ـ والآن قد حان الوقت لنلخص ما قلناه: نلوم هؤلاء الذين يأتون إلى هنا مرة واحدة فى السنة (فى العيد) لأنهم يقبلون أن يعّروا أمهم (الكنيسة). وذكّرناهم بحدث قديم، ببركة ولعنة. تحدثنا عن أعياد اليهود ولماذا أعطاهم الرب وصية أن يظهروا أمام الرب ثلاث مرات فقط فى العام. وقلنا أن أعياد الخمسين والقيامة والظهور الإلهى هى أعياد دائمة. وشرحنا كيف أن العيد يُحتفل به بقلب نقى وليس بتحديدات زمنية.

          وبعد ذلك كان حديثنا عن العطايا التى أتت إلينا من السماء وبيّنا أنها دليل على المصالحة بين الله والإنسان. وأثبتنا أن الروح القدس هو العامل فى غفران الخطايا، فى جوابنا على قول الكاهن فى الصلاة ” السلام لجميعكم”، وفى كلام الحكمة (الإلهية)، فى معرفتنا (لله)، فى السيامات، وفى الذبيحة السرائرية. وقلنا إن المسيح كباكورة لنا هو عربون، والروح القدس هو ضمان. ثم ذكرنا الأسباب التى من أجلها لا تحدث معجزات الآن. وبعد ذلك ذكّرناكم بالدينونة وبالأسفار التى ستُفتح وأن كل خطايانا تُدون، كما بيّنا أنه لو أردنا فإن هذه الخطايا يمكن أن تُمحى أيضًا.

          فلتتذكروا كل هذا إذن، وإن كان من الصعب تذكرها جميعًا، فعلى الأقل فلتتذكروا الكلام عن تلك الأسفار (التى تُدون  فيها الخطايا). وبكل ما سوف تجيبون به وكأنكم أما شخص يدون ما تقولونه، لذلك فليكن كلامكم بحذر ولتذكروا دائمًا ما قد قيل. حتى أن من كانت أسمائهم مسجلة فى سفر الأبرار يجاهدون بالأكثر، ومن كانت لديهم خطايا مدونة عليهم، يتطهرون منها هنا على الأرض بدون أن يعرف أحد، حتى يتجنبوا التشهير بهم فى يوم الدينونة. لأنه، وحسبما بيّنا أنه من الممكن حقيقة أن نمحو بالصلاة والتقوى والجهاد كل الخطايا المدونة علينا.

          ولنهتم كل لحظة لكى نستطيع الحصول على الغفران الآن حتى أننا عندما نذهب إلى الحياة الأخرى، نتجنب كلنا العقاب الشديد، ولنأمل أن نكون مستحقين لملكوت السموات بنعمة ربنا يسوع المسيح ومحبته للبشر الذى له المجد والقوة مع الآب والروح القدس، الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العظة الثانية

عيد الخمسين

 

مواهب الروح القدس:

          يا أحبائى كم هى عظيمة مواهب الروح التى أغدقها علينا الله محب البشر، تلك المواهب التى تفوق العقل الإنسانى. لذلك، لنفرح جميعًا معًا ونبتهج مسبحين الرب. لأنه بالنسبة لنا، فإن هذا اليوم هو يوم عيد واحتفال عظيم. وكما تتتابع الفصول الواحد بعد الآخر، هكذا تأتى الاحتفالات فى الكنيسة الواحد تلو الآخر، فنذهب من الواحد إلى الآخر.

          منذ أيام قليلة احتفلنا بآلام المسيح وصليبه وقيامته، ثم بعد ذلك احتفلنا بصعود ربنا يسوع المسيح إلى السموات. اليوم وصلنا إلى قمة الخيرات، إلى تاج الأعياد، اليوم نتمتع بوعد الرب فى الإنجيل: ” لكنى أقول لكم الحق، إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى ولكن إن ذهبت أرسله إليكم” (يو7:16).

          أرأيتم كم هو عظيم هذا الاعتناء الأبوى؟

          أرأيتم كم هى محبته التى لا توصف؟

          قبل أيام قليلة صعد المسيح إلى السموات وجلس على العرش الملوكى، عن يمين الآب، واليوم يرسل لنا مواهب الروح القدس. وبهذه الطريقة يهبنا الخيرات السماوية التى لا تُحصى. اخبرنى، هل يوجد أى خير من الخيرات التى تساهم فى خلاصنا لم تُعطَ لنا بواسطة الروح القدس؟ إننا بنعمته نتخلص من عبودية الشيطان وندخل إلى حرية المسيح، وننقاد إلى نعمة التبنى الإلهى، ونُولد ولادة ثانية، ونلقى عن كاهلنا ثقل خطايانا ونيرها الذى لا يُطاق. بنعمة الروح القدس صار كثيرون كهنة وآخرون معلمون فى الكنيسة. كل التعاليم الغنية ومواهب الشفاء تنبع من هذا المصدر. نعم، كل النِعم الأخرى التى تزين كنيسة الله، تأتى من الروح القدس. لذا ينادى الرسول بولس قائلاً: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء” (1كو11:12).

          يقول “كما يشاء”، أى لا يأخذ أمرًا من غيره بأن “يقسم” أو “لا يقسم”، الروح له سلطان ولا يتسلط عليه أحد. لأن بولس الرسول يقول كيف إن الروح القدس له نفس السلطان الذى للآب: ” ولكن الله واحد الذى يعمل الكل فى الكل“، هكذا أيضًا يقول عن الروح القدس: ” ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء“،

          أرأيت السلطة الكاملة التى للروح القدس؟ إذ أن الأقانيم الثلاثة التى لها نفس الطبيعة والجوهر هى أيضًا لها نفس السلطة والمكانة والقدرة الواحدة.

          إن قوة الروح القدس تخلصنا من الخطايا، بهذه القوة تغتسل نفوسنا من أى دنس. وبينما نحن بشر، صرنا بعطية الروح القدس ملائكة دون أن تتغير طبيعتنا. وهذا ما يستحق كل إعجاب، إن نعمة الروح القدس تعطينا أن نسلك سلوك الملائكة. بينما طبيعتنا البشرية لا يعتريها أى تغيير. كم هى عظيمة قوة الروح القدس!.

          وكما أن الفخّار الليّن عندما يتعرض للنار يصير قرميدًا صلبًا، هكذا بالضبط نار الروح القدس عندما تحل على النفس العاقلة تجعلها أقوى من الحديد حتى ولو كانت لينة وضعيفة، وأيضًا تصير أكثر نقاوة من الشمس. وقد أراد بولس الرسول أن يعلمنا هذه الحقيقة قائلاً: ” لا تضلوا. لا زناة ولا عبدة أوثان ولا فاسقون ولا مأبونون ولا مضاجعوا ذكور ولا سارقون ولا طامعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله” (1كو9:6ـ10).

          وحيث إنه أحصى كل أنواع الشرور وعلّمنا أن كل الذين يفعلونها يبتعدون تمامًا عن ملكوت السموات، أضاف مباشرةً قائلاً: ” وهكذا كان أُناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح إلهنا” (1كو11:6).

          هل رأيت، يا عزيزى، قوة الروح القدس؟.

          هل رأيت أن الروح القدس يُزيل كل هذه الشرور، وأن أولئك الذين كانوا سابقًا مستعبدين لخطاياهم رفعهم إلى مكانة وكرامة سامية جدًا؟

 

ضد محاربى الروح:

          مَنْ يستطيع أن يبكى ويحزن حزنًا يتناسب مع هول الكارثة، على هؤلاء الذين شرعوا فى إهانة الروح القدس، هؤلاء الذين سقط عليهم هوس رهيب وأُصيبوا بعدم التبصر فبدلاً من تَذَكُّر إحسانات وخيرات الروح القدس تجرأوا على فعل كل ما يدمر هذه الخيرات محاولين بقدر استطاعتهم رفض الروح القدس، منكرين مكانته وسلطته منزلين إياه إلى مستوى مخلوقات الله؟

          وأنا أريد أن أسألهم: لأى سبب أنتم تحاربون الروح القدس بهذا الهوس؟ أو بالأحرى: لماذا تحاربون خلاصكم ولا تريدون فهم أقوال الرب التى قالها للتلاميذ ” اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت19:28).

          أرأيت الكرامة الواحدة التى لأقانيم الثالوث القدوس؟!

          أرأيت مدى التوافق الكامل فيما بينهم؟

          ربما رأيت اختلافًا ما أو شيئًا غائبًا فيما بينهم ؟!! لماذا تتجرأ على تزييف أقوال الرب ؟

          هل تجهل أنه فى المسائل البشرية إذا شَرِع شخص وتجرأ على إضافة شيئًا أو حذف شيئًا من أوامر ملك ما ـ الذى هو أيضًا مثلنا ـ يعاقبونه بأسوا عقاب ولا أحد يستطيع أن يخلصه من هذا العقاب؟ إذن طالما هناك أخطار كثيرة بالنسبة للمسائل البشرية، كيف يكون من الممكن أن يُغفر لأولئك الذين يظهرون البلادة محاولين أن يُحرِّفوا أقوال مخلصنا ولا يريدون أن يسمعوا حتى لبولس الذى كان يتحدث إليه المسيح بصوت واضح نقى فى داخله: ” ما لم تره عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه” (1كو8:2ـ9).

          إن كانت العين البشرية لا تستطيع أن ترى، ولا الأذن أن تسمع ولا الخاطر البشرى أن يتخيل كل الذى يعده الله لأولئك الذين يحبونه، كيف يكون فى استطاعتنا (يا بولس الطوباوى) أن نعرفها؟ لكن أقول: انتظر قليلاً وسوف تسمع الرسول بولس يعلن لك قائلاً: ” أعلنه الله لنا نحن بروحه” (1كو10:2) ولم يتوقف عند ذلك بل أظهر قوة الروح القدس وأنه مساوٍ للآب فى الجوهر قائلاً: ” لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله” (1كو10:2).

          ثم أراد الرسول بولس أن يجعلنا نفهم فهمًا صحيحًا فاستخدم أمثلة من الحياة البشرية وقال: ” لأن مَنْ مِن الناس يعرف أمور الإنسان إلاّ روح الإنسان الذى فيه، هكذا أيضًا أمور الله لا يعرفها أحد إلاّ روح الله” (1كو11:2).

          ألا ترى أن ما قاله بولس هو تعليم كامل؟

          حقًا هذا هو البرهان الأعظم والأكثر قوة عن الروح القدس لأنه قدم لنا مثالاً يوضح لنا تمامًا أنه من المستحيل أن لا يعرف الإنسان ما يجول فى فكره. إذن طالما أن هذا لا يمكن أن يكون إلاّ هكذا، كذلك أيضًا فإن الروح القدس يعرف أعماق الله. لكننى لا أعرف لماذا لم يضع كلمات الرسول بولس هذه أولئك الذين بإرادتهم يؤذون أنفسهم صانعين حربًا ضد خلاصهم وضد الروح القدس، إذ يبعدونه بقدر ما يستطيعون من مكانته وسلطانه وينزلونه إلى مكانة أدنى مع مخلوقات الله. لكن رغم أن هؤلاء يتصرفون بعداوة ويقاومون أقوال الكتاب المقدس، إلاّ أننا نحن الذين قَبِلنا الإيمان المُعلن إلينا من السماء نقدم إلى الرب المجد اللائق به ونبرهن على دقة التعليم الإلهى بالإيمان والحق المستقيم، وبالرغم من أن كل ما قلناه هو كافى للرد على أولئك الذين تجرأوا على المناداة بتعاليم مضادة لتلك التى قالها الروح القدس. إلاّ أننى أرى من الضرورى أن أقدم لكم أيها الأحباء، الإجابة على سؤالٍ: لماذا لم يرسل الرب الروح القدس بعد صعوده إلى السموات مباشرة؟

          هذا الأمر لم يحدث عبثًا وبدون سببٍ. إذ أن الرب يعرف أن الجنس البشرى لا يُقدِّر ـ كما ينبغى ـ الخيرات التى يملكها، ويعلّمنا دائمًا الأمور المفرحة اللائقة بوجود المتضادات وأستطيع أن أشرح هذه الحقيقة بطريقة أفضل.

          فذاك الذى هو مُعافى وقوى جسديًا لا يشعر بهذه العافية والقوة إن لم يختبر المرض والضعف الجسدى. وذاك الذى يرى النهار لا يُقدِّر النور كما يليق إن لم يعقب هذا النور ظلام الليل. حقًا، إن خبرة الأمور المتضادة هى دائمًا خبرة تربوية تعليمية نكتسبها بفرح. هكذا على نفس القياس استمتع التلاميذ بخيرات كثيرة عندما كان المسيح معهم وكانوا فرحين بالحياة معه. أيضًا شهد لهم سُكان فلسطين بأنهم أقاموا موتى وطهروا بُرص وطردوا شياطين وشفوا مرضى وتمموا معجزات كثيرة أخرى. لذلك كان من الضرورى أن يتركهم فترة زمنية صغيرة بدون القوة التى كانت تعينهم حتى يدركوا بأنفسهم مدى أهمية عطية حضور الرب عندما كان بينهم، حينئذٍ يفهمون قيمة الخيرات السابقة ويقبلون بكل شوق واستعداد عطية المعزى.

          إذن عزّاهم الله فى ضيقتهم وأنارهم بنوره بينما كانوا عابسين ومكتئبين لانفصالهم عن معلمهم وبينما هم شبه موتى أقامهم وأزال سحابة الحزن، حينما سمعوا قول الرب: ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم” (مت19:28). وكانوا من قبل فى حيرة ولم يعرفوا أين ينبغى أن يذهب كل واحد منهم، وفى أى منطقة من الأرض يجب أن يكرز بكلمة الله، حتى جاء الروح القدس على شكل ألسنة نار وقسم لكل واحد المنطقة التى كان يجب أن يعلّم فيها وصار معروفًا باللغة التى أعطاها لكل واحد، لذلك حلّ الروح على شكل ألسنة نار، وبهذا أيضًا يذكرنا بقصة قديمة. فعندما انحرف الناس ذهنيًا فى القديم وأرادوا أن يبنوا برجًا يصل إلى السماء، أحدث الله بلبلة فى ألسنتهم وهكذا أبطل تخطيطاتهم الغبية. لأجل هذا السبب يحلّق فوق رؤوسهم الروح القدس على شكل ألسنة نارية، لكى يوّحد ـ بهذه الطريقة ـ المسكونة التى كانت منقسمة. وهكذا حدث شئ غريب وغير معتاد، لأنه قديمًا كانت الألسنة تُفرِّق المسكونة، وأما الآن فالألسنة النارية توّحدها وتقود إلى الوفاق بين الأمور التى كانت متضادة ومنفصلة فيما بينها. إذن، فقد حلّ الروح القدس على شكل الألسنة وحسنًا أخذ شكل ألسنة نارية وذلك لكى تُحرق أشواك الخطية التى نبتت داخل نفوسنا. لأنه كما أن الأرض التى هى غنية وخصبة ولا تُفلّح تمتلئ من الأشواك الكثيرة، هكذا يكون لنا نحن البشر نفس الأمر. نحن الذين خلقنا الله صالحين وقادرين على أعمال الفضيلة ولكن بسبب أننا لم نقبل فلاحة التقوى ولا بذرة الإيمان بالله امتلأت نفوسنا من أشواك عدم الإيمان ونباتات أخرى غير مفيدة، وكما أنه فى مرات كثيرة يتغطى سطح الأرض ويختفى من جراء الأشواك الكثيفة والنباتات البرية، هكذا لا يظهر نقاء نفوسنا وتأدبها إذ قد غطتها أشواك الخطية، حتى أتى الكلمة خالق الجنس البشرى الذى وضع نار الروح القدس ليطهرنا من الأشواك ويجعلنا مناسبين لقبول بذرة السماء.

 

المحبة هى الثمرة الأولى للروح القدس:

          لقد اكتسبنا فى هذا العيد خيرات كثيرة، لذلك أرجوكم أن نحتفل كما يليق بهذه الخيرات الصالحة التى حصلنا عليها ليس بتزيين المدينة بالأكاليل، لكن بتجميل نفوسنا بالفضيلة. أقول ليس بتزيين الأسواق بستائر ملونة لكن بأن نجعل نفوسنا تتلون وتلمع بالفضيلة حتى نستطيع هكذا قبول نعمة الروح القدس ونجنى ثماره التى سوف يقدمها لنا.

          لكن ما هى ثمار الروح القدس؟

          ليتنا ننصت إلى ما قاله بولس: ” أما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام…” (غل22:5).

          لاحظ بدقة إنه يقدم لنا هذا التعليم ويضع فى البداية المحبة وبعد ذلك يذكر فضائل أخرى. فهو زرع الشجرة وبعد ذلك أظهر لنا الثمرة. وضع الأساسات ثم بنى المبنى. بدأ من المنبع ثم جاء إلى الأنهار. لأنه ليس من الممكن أن يشعر المرء بالفرح إن لم يعتبر أولاً أن فرحه هو سعادة الآخرين، وإن لم يرى أن الصالحات والخيرات الخاصة قريبه كأنها خاصة به. فلكى نستمتع بكل الثمار يجب أن تتملك المحبة على نفوسنا.

          المحبة هى جذر  ومنبع وأم الصالحات،

          لأنها كجذر تُنبت آلاف الفروع من الفضائل،

          وكمنبع  يتدفق منها ماء كثير ونقى،

          وكأم تحتضن كل أولئك الذين يلجأون إليها.

          هذا بالتأكيد يعرفه جيدًا بولس الطوباوى، لذلك دعا المحبة ثمرة الروح القدس. واعتبرها أسمى جدًا، حتى دعاها تكميل الناموس ” المحبة هى تكميل الناموس” (رو10:13). لذلك اعتبر رب الجميع أن المحبة هى الملمح الصادق الذى يتصف به تلاميذه: ” بهذا يعرف الناس أنكم تلاميذى إن كان لكم حب بعضكم نحو بعض” (يو35:13).

          لذلك من فضلكم، دعونا جميعًا نسرع إلى المحبة ونحتضنها ونمسك بها بشدة ونُعيّد هذا العيد. لأنه حيث توجد المحبة تموت شهوات النفس. حيث توجد المحبة تتوقف حركات الشهوات الجامحة للنفس. فالمحبة كما يقول بولس الرسول: ” تتأنى وترفق. المحبة لا تحسد. المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء” (1كو4:13ـ5).

          المحبة لا تفعل شيئًا شرًا للآخر.

          حيث توجد المحبة لا يوجد أى قايين آخر يقتل أخاه.

          اخرج الحسد من قلبك فتكون قد أخرجت نهر الشرور.

          اقطع جذر شجرة الخطية وسوف تختفى ثمارها مباشرة.

          وأقول ذلك، بسبب أننى حزين جدًا على أولئك الذين يحسدون إذ يؤذون ذواتهم ويدمروها بينما من يقع عليهم فعل الحسد ينالون مكافأة من الله. لذا نمدح هابيل ونذكر دائمًا أنه بسبب الحسد اكتسب مجدًا. إذ أن قايين قتله وظلّ عائشًا هائمًا مرتعبًا من الفزع. لكن هابيل الذى قُتِلَ تحدث بأكثر شجاعة بعد موته ” وإن مات يتكلم بعد” (عب4:11). وكما جعلت الخطية قايين يحيا وهو أكثر عارًا من الأموات، هكذا جعلت الفضيلة هابيل ممجدًا بعد موته.

 

تحذيرات وتوصيات:

          إذن، لكى نكتسب ثقة أعظم فى هذه الحياة وفى الحياة الأخرى، ولكى نستمتع جدًا بالفرح الذى يقدمه لنا هذا العيد ليتنا نخلع عنا ملابس نفوسنا القذرة خاصة لباس الحسد. لأنه إن كنا نفعل أعمالاً صالحةً لا تحصى سوف نفقد كل شئ إن كان يوجد فى داخلنا هذا الخطأ المر والممقوت (الحسد)، والذى علينا أن نتجنبه كلنا، خاصة أولئك الذين خلعوا بالمعمودية اليوم لُباس الخطايا العتيق ويلمعون الآن باللباس الجديد مثل أشعة الشمس.

          إذن من فضلكم، يا من صرتم اليوم أبناء الله، أنتم الذين لبستم هذا الثوب البهى، احفظوا الفرح الذى نلتموه الآن، طالما أعقتم الشيطان وعلّيتم الجدار حتى لا يأتى إلى نفوسكم من الباب. وطالما أنتم تستمعون بغنى الروح القدس فإنكم ترون الثمار الروحية ثلاثون وستون ومائة، وبذلك تستحقون الحضور بدالة أمام الملك السماوى عندما يأتى ويُقسم الخيرات التى لا تُحصى على أولئك الذين عاشوا بتقوى وفضيلة هنا على الأرض بحسب وصايا ربنا يسوع المسيح الذى له المجد والقوة الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

1 بسبب كثرة عدد المؤمنين المتواجدين بالكنيسة.

2  يقصد به عيد الميلاد .

3  ويقصد به الأسقف فلافيانوس، أسقف مدينة إنطاكية.

4 ويقصد الطبيعة البشرية فى شخص المسيح. أنظر القداس الغريغورى “أصعدت باكورتى إلى السماء ” .

 

عيد الخمسين – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

الصليب – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

الصليب – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

الصليب – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

 

 

 

1 ـ الصليب

عظة عن الصليب، واعتراف اللص، والصلاة من أجل الأعداء

 

مجد الصليب وفخره [1]:

          1 ـ اليوم يا أحبائى نُعيّد ونحتفل إذ أن السيد على الصليب والشمس متوارية. ولا تتعجب من أن الأمور التى تسبب التجهم والعبوس هى نفسها التى نحتفل بها، إذ أن كل الأمور الروحية تختلف عن الأمور الجسدية المعتادة . ولتعلم هذا بالتمام.

كان الصليب فى السابق اسمًا للقصاص والعقاب، أما الآن فهو اسم للفخر والاحترام،

كان الصليب في السابق موضع عار وعذاب، أما الآن فأصبح سبب مجد وشرف.

وكون أن الصليب هو مجد يؤكده قول المسيح ” أيها الآب مجدنى بالمجد الذى كان لى عندك قبل تأسيس العالم” (يو5:17).

فالصليب هو قمة خلاصنا،

الصليب هو مصدر عشرات الآلاف من الخيرات،

بواسطته صار المنبوذين والساقطين مقبولين فى عداد الأبناء.

به لم نعد بعد مُضللين بل للحق عارفين.

بالصليب أصبح الذين كانوا فيما مضى يعبدون الأخشاب والأحجار، يعرفون خالق الكل.

بالصليب نال عبيد الخطية عتق الحرية بالبر.

به صارت الأرض سماءً،

فهكذا (بالصليب) تحررنا من الضلال، وهكذا نلنا الإرشاد إلى الحق.

هكذا تمم الله أمرًا يليق به تجاه البشر.

هكذا أقامنا من عمق الخطية ورفعنا إلى قمة الفضيلة.

هكذا أباد ضلال الشياطين وهكذا كشف الخداع.

بالصليب لم يعد هناك دخان[2]، ولا دماء حيوانات مهرقة، بل فى كل مكان نجد الاحتفالات الروحية والتسابيح والصلوات.

بالصليب هربت قوات الشر وفر الشيطان.

بالصليب تتسابق الطبيعة البشرية لتنضم إلى محفل الملائكة.

بالصليب صارت البتولية مستوطنة على الأرض. فحيث أتى المسيح من عذراء فقد فتح طريق هذه الفضيلة أمام طبيعة البشر.

بالصليب أنارنا نحن الجلوس فى الظلمة.

بالصليب حرَّرنا من الأسر، وبعد أن كنا بعيدين صرنا منه قريبين.

هكذا بالصليب خلُصنا، وصار لنا هذا الفداء بالفعل.

هكذا بالصليب بعد أن كنا غرباء صرنا مواطنين سمائيين.

هكذا بالصليب بعد أن كنا نُحارب صار لنا السلام والأمن.

وبالصليب لم نعد نخاف سهام الشيطان، فقد وجدنا نبع الحياة.

بواسطة الصليب لا نحتاج فيما بعد الزينة الخارجية لأننا نتمتع بالعريس .

وبه لم نعد نخاف الذئب فقد عرفنا الراعى الصالح ” أنا هو الراعى  الصالح ” (يو11:10).

وبه لن نرهب الطاغية إذ صرنا فى جانب الملك .

 

لماذا نحتفل بالصليب ؟ :

أرأيت كم هى الخيرات التى قدمها الصليب لنا ؟ إذن يحق لنا أن نقيم عيدًا له. ولهذا أوصانا بولس الرسول أن نُعيّد قائلاً ” فلنعيّد لا بالخمير العتيق.. بل بفطير الاخلاص والحق” (1كو8:5).

          ولماذا توصينا أيها الرسول المغبوط بولس أن نحتفل بالصليب ؟

          لقد أوضح السبب “ إن فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا” (1كو7:5).

أرأيت كيف يكون الصليب عيدًا للمسيح؟ أعرفت أنه يجب أن نعيّد للصليب؟ لقد ذُبح المسيح على الصليب، وحيث تكون الذبيحة هناك عتق من الخطايا، هناك مصالحة مع الرب، هناك عيد وفرح.

 

المسيح : الذبيحة والكاهن

          لقد قيل إن فصحنا المسيح ذُبح من أجلنا. فقل لى أين ذُبح؟ لقد ذُبح مرفوعًا على الصليب. المذبح جديد ومختلف عن أى مذبح، لأن الذبيحة جديدة ومختلفة عن أى ذبيحة، فهو نفسه الذبيحة والكاهن. أما كونه ذبيحة فبحسب الجسد، أما كونه كاهن فبحسب الروح، وهو نفسه المقدِّم والمُقدَّم. فاسمع أيضًا ما يقول بولس “ إن رئيس الكهنة الذى يؤخذ من بين الناس إنما يُقام من أجل الناس ليقدم عنهم (ذبائح) لله، أما المسيح فلم تكن له حاجة إلى ذلك إذ قرَّب ذاته” (عب8:5، 3:8). ويقول بولس الرسول فى موضع آخر ” إن المسيح قُدِّم مرة واحدة ليحمل خطايا كثيرين” (عب 28:9). لقد قُدِّم ههنا، أما هناك فقدَّم ذاته. أرأيت كيف صار ذبيحة وكاهنًا معًا، وكيف كان الصليب مذبحًا له؟

 

لماذا صُلب المسيح خارج المدينة ومرتفعًا على الصليب :

          ومن الضرورى أن تعلم لأى سبب لم تُقدم الذبيحة داخل الهيكل اليهودى، لكن خارج المدينة، خارج الأسوار. لقد صُلب خارج المدينة مثل أثيم حتى يتم ما قيل بالنبى ” إنه أُحصى مع الأثمة” (إش12:53).

          ولماذا صُلب خارج المدينة مرتفعًا على الصليب، وليس تحت سقف ما؟ لكى يطهر طبيعة الهواء. فهناك وهو مرفوع على الصليب لم يكن يظلله سقف بل سماء، لكى يطهرها مرة بذبح الخروف هناك عاليًا على الصليب. وكما تطهرت السماء، فإنه طهّر الأرض أيضًا. فعندما سال الدم من جنبه تطهرت الأرض من كل دنس.

ولماذا لم تقدم ذبيحة الصليب تحت سقف أو فى هيكل يهودى؟ أعلم أن هذا أيضًا ليس أمرًا بسيطًا، فقد حدث ذلك لكى لا يدّعى اليهود أن الذبيحة تخصهم وحدهم، أو يُظن أنها قُدمت عن هذا الشعب فقط، ولهذا قُدمت خارج المدينة والأسوار لكى تُعلِمهم أن الذبيحة هى مسكونية، وأيضًا أنها قُدمت عن الكل.

          وأن تطهير الطبيعة شامل لكل الأرض، بعكس اليهود الذين أمرهم الله أن يتركوا الأرض كلها ويُبقوا لأنفسهم مكانًا واحدًا للصلاة وتقديم الذبائح، بسبب أن الأرض كلها كانت مدنسة بدخان ودماء ذبائح الوثنيين وأدناس اليونانيين.

          أما بالنسبة لنا فقد جاء المسيح وتألم خارج المدينة وطهّر كل المسكونة وجعل كل موضع مكانًا للصلاة. أتريد أن كيف أن الأرض كلها أصبحت هيكلاً وأن كل مكان أصبح مكانًا للصلاة؟ أسمع أيضًا ما يقوله المُطوب بولس “ فأريد أن يصلى الرجال فى كل مكان رافعين أيادى طاهرة بدون غضب ولا جدال” (1تى8:2). أرأيت أن المسكونة كلها تطهرت، إننا نستطيع أن نرفع أيادى طاهرة فى كل مكان؟ فلقد صارت إذن الأرض بأسرها مقدسة، بل بالحرى أقدس من قدس أقداس اليهود. وكيف يكون هذا؟ هناك فى قدس الأقداس يُقدم خروف من الحيوانات غير العاقلة أما هنا فالخروف عاقل (ناطق). وبمقدار ما تفوق الذبيحة العاقلة الذبيحة غير العاقلة، هكذا يفوق تقديس الأرض (بالصليب) على أقداس اليهود. وبالتالى فالصليب هو عيد حقًا.

 

بالصليب فـُتح الفردوس :

          2 ـ أترغب فى معرفة إنجاز عظيم آخر للصليب يفوق إدراك العقل البشرى؟ إن الفردوس الذى كان مغلقًا قد فُتح اليوم. اليوم دخل اللص إليه. هناك إنجازان عظيمان، فتح الفردوس ودخول اللص إليه، إعادته لوطنه القديم، واسترداده إلى بلده الأم.

اليوم تكون معى فى الفردوس” (لو43:23). ماذا تقول (يارب)؟ هل وأنت مصلوب ومُسمّر على الصليب تَعِدُ بالفردوس؟ كيف بالحقيقية تهبُ ذلك؟

          يقول بولس الرسول “ إنه صُلب عن ضعف ” لكن فلتسمع ما تلاه “لكنه حى بقوة الله ” وفى موضع آخر يقول ” لأن قوتى فى الضعف تكمل” ولهذا يقول: إنى أعد وأنا على الصليب، لكى تعلم من هذا أيضًا قوتى. فهذا الأمر المحزن لم يحدث ليبعدك عن التفكير فى طبيعة الصليب بل لتعلم قوة المصلوب عليه والمعجزة التى تمت فوقه، تلك المعجزة التى تشير إلى قوة المصلوب، فاللص لم يؤمن به وهو يقيم الموتى أو ينتهر أمواج البحر ويطرد الشياطين، بل عندما كان مصلوبًا ومسمّرًا وهو مُعرّض للشتم والبصق والهزء والتعذيب.

          أنظر إذن الوجهين اللامعين لقوة المصلوب: إنه قد هزّ أركان الطبيعة وشقق الصخور، من ناحية، وإنه جعل نفس اللص التى كانت أقسى وأصعب من الصخر، تصير وديعة.

          أتقول يارب، ” اليوم تكون معى فى الفردوس“؟ الشاروبيم يحفظون الفردوس وهناك يجول سيف نارى وأنت تَعِدُ اللص بأن تُدْخِله هناك؟

          نعم يقول (المسيح): فأنا هو رب الشاروبيم، ولىّ سلطة على اللهيب والجحيم والحياة والموت. ولهذا يقول “اليوم تكون معى فى الفردوس“. فإن كان الرب له هذه القدرة فقد متع بها الآخرين مباشرة، ومع أن الملك لا يرض لنفسه أن يجالس لصًا أو أحدًا من عبيده ولا أن يرافقه إلى المدينة، إلاّ أن السيد محب البشر فعل ذلك وأدخل معه اللص إلى الوطن المقدس. وفى هذا فإن اللص لا يهين الفردوس بأن يطئه بقدمه بل بالحرى يشرّفه. فشرَف الفردوس أن يكون له مثل هذا السيد القوى محب البشر الذى جعل اللص جديرًا بالتنعم فيه. وهو عندما دعا العشارين والزناة إلى الملكوت فهو لم يُحقِر من هذا الملكوت بل بالحرى كرّمه وأظهر أنه رب ملكوت السموات الذى جعل العشارين والزناة أهلاً لمجد وعطية الملكوت هناك. وكما أننا نُعجب بالطبيب عندما نراه يشفى الناس من الأمراض المستعصية ويأتى بهم إلى الصحة التامة، هكذا يا أحبائى، يجب أن نُعجب بالمسيح ونُدهش إذ هو يشفى أمراض نفوس الناس المستعصية، ويعتقها من الشرور المسيطرة عليها، جاعلاً أولئك الذين سيطرت عليهم الشرور إلى أبعد الحدود، أهلاً لملكوت السموات.

 

إيمان اللص واعترافه :

          ” اليوم تكون معى فى الفردوس: شرف عظيم ، محبة للبشر فائقة، صلاح يعجز اللسان عن وصف إفراطه، فالدخول إلى الفردوس له شرف عظيم جدًا إذ هو دخول مع السيد.

          ماذا حدث؟ هلاّ تقول لى ما الذى أظهره اللص حتى يكون مستحقًا للفردوس وليس للصليب؟ أتريد فى اختصار أن أقول وأُظهر لك فضل اللص؟

          فالرب الذى أنكره بطرس هامة الرسل، مع أنه لم يكن على الصليب،  اعترف به اللص وهو معلق على الصليب. وأنا لا أقول هذا لأتهم بطرس، حاشا، لكن أريد أن أُظهر عظمة نفس اللص وفلسفته الفائقة. فذاك (التلميذ) لم يحتمل تهديد رخيص من بنت صغيرة، أما اللص وهو يرى الجمهور كله يهتف ويُجن ويصرخ بالتجديفات والسخريات على المصلوب، فإنه لم يلتفت إلى إهانات المصلوب، لكنه بعيون الإيمان، لم يبال بكل هذا وترك عنه هذه العثرات، واعترف بأنه سيد السموات قائلاً تلك الكلمات التى جعلته مستحقًا للفردوس: ” أذكرنى فى ملكوتك” (لو42:23).

          فلا تتجاوز هذا اللص ببساطة ولا تخجل أن تتخذه معلمًا فإن سيدنا نفسه قبلنا، لم يستح منه بل ادخله إلى الفردوس. لا تخجل أن تتخذ الإنسان الذى استحق ـ قبل الناس جميعًا ـ أن يكون أهلاً لنعيم الحياة فى الفردوس، معلمًا لك. ولنفحص كل هذه الأمور بدقة لنتعرف من الآن فصاعدًا قوة الصليب.

          لم يقل له كما قال لبطرس وأندراوس ” هلم ورائى لأجعلكما صيادى الناس ” (مت19:4)، ولم يقل له كما قال للاثنى عشر تلميذًا “ تجلسون على اثنى عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر” (مت28:19). لم يجعله أهلاً لسماع أقوال كهذه، لم يرَ أية معجزة، أو ميتًا قام، أو شياطين مطرودة ولا بحرًا طائعًا، لم يذكر له شيئًا عن الملكوت، فمن أين عرف اسم الملكوت؟

          كان اللص الآخر يشتمه، فقد صُلب معه لص آخر ليتم القول ” وأُحصى مع أثمة” (إش12:53). لقد حاول اليهود ناكرى الجميل تشويه مجد المسيح وبكل طريقة كان لهم تأثيرًا على مجرى الأحداث. غير أن الحقيقة كانت تسطع من كل ناحية ويزداد بهائها كلما زادت المقاومة ضدها.

          كان اللص الآخر يشتمه. وقال أحد البشيرين إن اللصين كانا يستهزئان بالمسيح وهذه حقيقة، زادت من فضل اللص (اليمين)، فمن الطبيعى أن يستهزئ أولاً، غير أن ما قد فعله بعد ذلك هو صواب، عكس الآخر الذى استمر فى استهزائه.

          فهل رأيت الفرق بين لص ولص؟ كل منهما معلق على الصليب، وكل منهما كان شريرًا، وكل منهما عاش حياة اللصوصية، لكن مصيرهما لم يكن واحدًا. الأول ورث الملكوت، والآخر أُرسل إلى الجحيم، وما حدث بالأمس مشابه لما يحدث اليوم فهناك فرق بين تلميذ وتلاميذ. فالأول دبر لتسليمه والآخرون استعدوا لخدمة المائدة. الأول قال للفريسيين ” ماذا تعطونى وأنا أسلمه لكم” (مت15:27) والآخرون قالوا للمسيح ” أين تريد أن نعد لك لتأكل الفصح” (مت17:26).

          هكذا الحال هاهنا فالواحد لص والآخر لص، لكن الأول يشتم والآخر ينطق بشهادة الإيمان، الأول يجدف والثانى يمدح بينما يرى المسيح مصلوبًا ومسمّرًا والجموع من أسفل تشتم وتهتف عاليًا، ولم يمنعه كل هذا من أن يعلن ما يليق بهذا المجد ، لكنه يهاجم اللص (اليسار) بشدة قائلاً:    ” أما تخاف الله؟” (لو40:23ـ41).

          3 ـ أرأيت جرأة اللص (اليمين) فى إبداء رأيه جهرًا؟ أرأيت أنه لم ينسَ مهنته الأولى، حتى أنه باعترافه (بالمسيح) قد سرق أيضًا الملكوت؟.

قال للص اليسار: ” أما تخاف الله“، أرأيت شجاعته وحكمته وورعه على الصليب؟ وإلاّ يستحق منك التعجب وأنت تراه متمالكًا نفسه رغم آلامه على الصليب؟ وهو لا يستحق التعجب فقط بل وأيضًا التطويب إذ هو لم يلتفت لآلامه الشخصية بل انصرف عنها للاهتمام بآلام الآخر، ذلك الذى ضل. فصار معلمًا وهو على الصليب، فانتهر اللص اليسار قائلاً “أما تخاف الله أنت؟” وليس هذا فقط بل قال له: لا تهتم بالمحاكمة الأرضية، ولا بما سوف يقرروه، لا تنظر فقط إلى ما يجرى الآن. فهناك قاض آخر غير منظور، نزيه ـ بدون شك ـ على تلك المحكمة. لا تبال بما يتم الحكم به هنا (أسفل) فهناك (فوق) الحكم مختلف. ففى المحكمة الأرضية يُدان أبرار كثيرين، ويترك مدانين أحرارًا، هناك أبرياء يُتهمون، ومتهمين يهربون. بالشدة يعاملون البعض وباللين البعض الآخر. يجهلون القانون فيُخدعون، أو تُفسد الرشوة ضمائرهم فلا يتمسكون بالحق ويحكمون ضد الأبرياء. هناك فى السماء الأمور ليست هكذا. فالله هو قاض عادل، وحكمه يسطع كنور، لا عتامة فيه ولا كتمان ولا تضليل. وبماذا تُعزّى هذا اللص (اليمين) حتى لا يقول إنه قد حُكم عليه طبقًا لقوانين المحكمة الأرضية؟. وجِّهْ نظره إلى المحكمة السمائية، إلى المنبر المخوف، إلى الحكم العادل، وإلى القاضى غير المُضلّل، ذّكره بالحكم المخوف، قل له: تطلّع إلى هذه الحقائق السمائية ولا تبالى بقرار الحكم الأرضى ولا تتبنى موقف الناس الأرضيين ، لكن تعجب وتأمل فى الحكم الصادر من فوق.

          قال اللص (اليمين) اللص اليسار: ” ألاّ تخاف الله أنت؟”. أرأيت تعليمه؟ لقد قفز قفزة واحدة من الصليب إلى السماء. أنظره وقد أتم القانون الرسولى ولم يفكر فى نفسه فقط بل فكر وعمل كل ما فى استطاعته من أجل الآخر، حتى إنه أراد إنقاذ اللص الآخر من الضلال وإرشاده إلى معرفة الحق.

          وبعدما سأله قائلاً: ” أما تخاف الله أنت؟” استتبع سؤاله بقوله: ” إننا تحت القضاء عينه“، يا له من اعتراف تام. ماذا يعنى أننا تحت القضاء عينه؟! بالطبع إننا تحت العقاب. وهانحن بالفعل نُعاقب بالصليب. فمن يعيّر غيره يهين نفسه أولاً. لأن من يكون مخطئًا بالفعل ويدين غيره، هو يدين نفسه أولاً. ومن يكون فى نكبة ويعيّر آخر على محنته، يعيّر نفسه أولاً.

          وفى قوله ” إننا تحت القضاء عينه” كأنما يردد القانون الرسولى والأقوال الإنجيلية ” لا تدينوا لكى لا تُدانوا” (مت1:7) .

إننا تحت القضاء عينه” (ماذا تقول أيها اللص؟) أو ماذا تفعل؟ هل جعلت بقولك هذا نفسك واللص الآخر شريكين للمسيح؟ كلا ـ يقول اللص ـ إنى سأُصلح كلامى على هذا النحو: نحن بعدل جُزينا (لو41:23).

          أرأيت اعترافًا أكمل من هذا على الصليب؟ أرأيت كيف أن اعترافاته قد رَفعت خطاياه؟ أرأيت كيف أنه أكمل القول النبوى “ اعترف بخطاياك أولاً لكى تتبرر” (إش26:43س)، لم يُرغمه أحد، ولم يشتك عليه أحد فيما يقول بل كان شاكيًا لنفسه، ولهذا أقر قائلاً “ أما نحن فعقابنا عدل لأننا نلقى ما تستوجبه أعمالنا، أما هو فلم يعمل شرًا ” (لو41:23).

          أرأيت تقوى أعمق من هذه؟ حين أدان نفسه وحين لم يستح أن يكشف أعماقه وحين دافع عن السيد قائلاً: ” أما نحن فعقابنا بعدل.. أما هو فلم يعمل شرًا“.

وحين فعل هذا، حينئذِ استطاع أن يبتهل قائلاً ” أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك“. إنه لم يجرؤ أن يقول ” أذكرنى فى ملكوتك” إلاّ بعد أن اعترف فتطهرت نفسه من الخطايا، وبعد أن أدان نفسه، فرُفعت الأحكام التى أدانته.

          أرأيت قوة الاعتراف؟ فاسمع أيها الحبيب، وتشجع ولا تيأس بل يلزم أن تعى مقدار محبة الله للبشر والتى لا يمكن التعبير عنها، ولتسرع لإصلاح خطاياك.

لأنه إن كان قد اعتبر اللص وهو على الصليب جديرًا بذلك الشرف، فكم بالحرى يعتبرنا نحن ـ إن كانت لنا الإرادة أن نعترف بخطايانا ـ جديرين بمحبته. فلنعترف بخطايانا ولا نخجل منها. فعظيمة هى قوة الاعتراف بالخطايا، وكبيرة هى قدرته. فبمجرد أن اعترف اللص، فُتح له الفردوس، اعترف فنال شجاعة عظيمة ودالة حتى إنه وهو لص قد طلب الملكوت. نعم فى تلك اللحظة فقط استطاع أن يطلب الملكوت.

 

الصليب رمز ملكوت السموات :

          من أين لك أن تتذكر ملكوت السموات أيها اللص؟ قل لى هل ترى شبيهًا منه الآن؟ إن ما هو ظاهر للعين هو المسامير والصليب والاتهامات والهزء والشتائم.

          نعم يقول: فالصليب هو رمز ملكوت السموات. ولهذا فإنى أدعو المصلوب عليه ملكًا. ملكًا إذ هو يموت من أجل رعاياه، فقد قال عن نفسه إنه ” الراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو11:10). حقًا والملك الصالح يضع نفسه من أجل رعاياه. ولأنه وضع نفسه بالفعل لهذا فأنا أدعوه ملكًا. واهتف ” أذكرنى يارب متى جئت فى ملكوتك”.

          4 ـ أتريد أن تعرف كيف أن الصليب رمز لملكوت السموات؟ وما هى دلالاته؟ إن المسيح لم يترك الصليب على الأرض بل أخذه وأصعده معه إلى السماء. من أين استدللت على ذلك؟ لأنه سيُحضره معه فى المجيء الثانى.

لكن دعنا نرى كيف سيحضر الصليب معه ولنسمع قول المسيح ” إن قيل لكم هاهو فى البرية فلا تخرجوا، هاهو فى المخادع فلا تصدقوا” (مت26:24)، فإنه يتكلم عن مجيئه الثانى، مشيرًا إلى المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة، وإلى ضد المسيح، لكى لا يضل أحد ويسقط فى يديه. لأن ضد المسيح سيأتى قبل المسيح (فى مجيئه الثانى) وقد أخبرنا بذلك حتى لا يقع أحد بين أنياب الذئب وهو يبحث عن الراعى (المسيح). وأنا أقول لك هذا حتى تستطيع أن تميز علامات حضور الراعى. فإن كان حضوره الأول[3] قد تم بطريقة خفيّة، فلا تظنوا أن مجيئه الثانى سيكون كذلك. كان حضوره الأول خفيّة، لأنه أتى ليطلب وليفتش عن الضال، أما مجيئه الثانى فلن يكون كذلك. لكن كيف؟ ” كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون مجيء ابن الإنسان” (مت27:24) سيظهر للجميع معًا. فلا تعود هناك حاجة إلى التساؤل (عما إذا كان المسيح هنا أو هناك). فكما أننا لا نحتاج إلى التساؤل عندما يحدث البرق، هكذا عند مجيئه لن نحتاج عما إذا كان المسيح قد حضر أم لا.

والآن نتكلم عن إنه سيُحضر الصليب معه. فأسمع ما قاله بوضوح: حينئذٍ، عندما آتى تُظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوءه، لأن بهاء النور سيكون عظيمًا جدًا، حتى أن نور الكواكب الكبيرة المشعة يختفى بإزاء ذلك النور، وعندئذ تسقط النجوم وتظهر علامة ابن الإنسان فى السماء (مت 29:24ـ30).

 

علامة الصليب :

أرأيت تَفوّق العلامة (الصليب)، كيف هى مبهجة؟ كيف هى مشرقة؟ فالشمس تُظلم والقمر لا يظهر، النجوم تسقط، أما تلك العلامة (الصليب) فإنها وحدها تظهر، لكى تعلم أن نورها أشد قوة من الشمس وأبهج من القمر. وكما يستقبل الجنود الملك عند دخوله إلى المدينة بالرايات المحمولة على أكتافهم معلنين دخوله، هكذا يحمل الملائكة ورؤساء الملائكة تلك العلامة عند نزول الرب من السماء معلنين دخوله الملوكى لنا (للبشر). “وعندئذ تتزعزع قوات السموات”، ويعنى بذلك الملائكة ورؤساء الملائكة وكل القوات غير المرئية. فهذه سيمتلكها الخوف والرعب، فهلاّ قلت لى لماذا؟ لأن ذلك الحكم سيكون رهيبًا، فالطبيعة البشرية بأسرها ستُحاكم وتُسأل عن مسئوليتها أمام المنبر المخوف.

          لكن لماذا تخاف الملائكة حينذاك، ولماذا تَرهب القوات غير المتجسدة؟ طالما أنها لن تُحاكم. لأنه كما أن القاضى الأرضى عندما يجلس عاليًا على المنبر للحكم، لا يرتعد منه المذنبون وحدهم بل الحراس أيضًا، لا من تأنيب الضمير بل بسبب خوفهم من القاضى، هكذا فعندما ستكون طبيعتنا (البشرية) ماثلة للحكم معطيةً حسابًا عن أخطائها، تكون الملائكة وباقى القوات مرتعبة، لا بسبب تأنيب ضميرها بل لخوفها من القاضى.

 

سيأتى حاملاً الصليب والجراحات :

والآن وقد عرفنا هذا الأمر فلنعرف إذن لماذا سيظهر الصليب؟ لماذا سيحضره المسيح معه؟. اعرف أن السبب هو أن يعرف صالبوه مقدار جحودهم ، إذ أن الصليب يُظهر وقاحتهم. وأسمع الإنجيلى القائل، واعلم لماذا يحمل صليبه معه ” وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان فى السماء، وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض” (مت30:24)، إن شعوب الأرض ستنوح لأنها سترى الذى أُدين (بسببها) وتعى خطيتها.

          ولماذا تتعجب من أن المسيح سيأتى حاملاً الصليب؟ إنه سيأتى أيضًا حاملاً جراحاته. وكيف نستدل على أنه سيأتى حاملاً جراحاته؟ اسمع النبى وهو يقول ” لأنهم سينظرون إلى الذى طعنوه” (رؤ7:1). فكما فعل مع توما التلميذ عندما رغب فى إصلاح قلة إيمانه، فأراه أماكن المسامير وهذه الجراحات قائلاً ” هات أصبعك إلى هنا وأبصر يدى وهات يدك وضعها فى جنبى لأن الروح لا لحم له ولا عظم” (يو27:20، لو39:24)، وذلك ليُثبت له أنه قد قام بالحقيقة. وهكذا سيأتى (فى حينه) بجراحاته وصليبه معه ليثبت للجميع أنه هو الذى صُلب. فما اعظم صلاحه وخلاصه بالصليب. إنه دليل واضح على محبة الله للبشر.

 

الصلاة من أجل الأعداء : محبة وغفران

          5 ـ غير أن محبته غير الموصوفة للبشر لم تُرى فى الصليب فقط، بل أيضًا فى كلماته التى تفوه بها على الصليب.

          فلتسمع هذه الكلمات. عندما كان على الصليب معرضًا للهزء والسخرية والإهانة قال: “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو34:23).

          أرأيت محبة الرب للبشر؟ كان مصلوبًا لكنه صلى من أجل صالبيه، أما هؤلاء فقد كانوا يهزأون به قائلين ” إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب” (مت40:27). أما هو فلم ينزل عن الصليب إذ هو ابن الله، ولأجل هذا جاء لكى يُصلب من أجلنا.

          قالوا : ” أنزل عن الصليب لنرى ونؤمن بك“.

أرأيت سفاهة الأقوال وحجج عدم الإيمان. فقد عمل ما هو أعظم من نزوله عن الصليب ولم يؤمنوا، والآن يقولون أنزل عن الصليب لنؤمن بك.

          فالقيامة من الأموات والقبر مغلق بالأختام، كانت أعظم من النزول عن الصليب. وإقامة لعازر من القبر بعد أربعة أيام وهو ملفوف بالأكفان، كانت أعظم من النزول عن الصليب.

          أرأيت الكلام الهزلى، أرأيت الهَوس المتشامخ. لكن انتبه بشدة أرجوك لكى ترى أن محبة الله للبشر هى عظيمة. وأن المسيح اتخذ من اهانتهم له سببًا لكى يصفح عنهم، إذ قال “ يا أبتاه، اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون“. ولم يكتفوا بهذا بل كانوا يقولون “ إن كنت ابن الله فخلص نفسك” أما هو فقد عمل كل شئ لكى يخلص معيّريه وشاتميه وقال: ” أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون“.

          فماذا حدث؟ هل غُفرت لهم خطيتهم، نعم غُفرت خطية كل من أراد أن يتوب. فإنه لو لم يترك لهم خطيتهم لما صار بولس رسولاً، ولو لم يترك لهم خطيتهم لما آمن به فى الحال الثلاثة آلاف والخمسة آلاف، وعشرات الألوف من اليهود بعد ذلك. فأسمع ما كان يقوله التلاميذ لبولس (أع20:21) ” أنت ترى أيها الأخ، كم يوجد ربوة من اليهود الذين آمنوا..“.

 

الاقتداء بالمسيح :

          أرجو يا أحبائى أن نقتدى به، نعم نقتدى بالرب، ولنصلِ من أجل الأعداء. وإن كنت قد نصحتكم بفعل هذا الأمر بالأمس، إلاّ أنى أكرر النصح الآن، فطالما أنك عرفت مقدار عظمة هذه الفضيلة، اقتدِ بسيدك إذن لأنه وهو مصلوب صلى من أجل صالبيه.

قد تتساءل: كيف يمكننى الاقتداء بالمسيح؟ أعلم أنك تستطيع ذلك إذ أردت ، فلو لم يكن بإمكانك أن تقتدى به لما قال ” تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب” (مت29:11). وإن لم يكن فى مقدور الإنسان أن يقتدى به، لما قال بولس الرسول ” تمثلوا بى كما أنا أيضًا بالمسيح” (1كو 29:11). وإن لم ترد أن تقتدى بالسيد ، اقتد بخادمه وأعنى استفانوس، الذى كان أول من استشهد، لقد اقتدى بالمسيح. إن الرب وهو مصلوب بين اللصين، قد تشفع إلى الآب من أجل صالبيه، هكذا أستفانوس خادمه الذى كان وسط الراجمين والحجارة تنهال عليه من الجميع فإنه احتمل الرجم ولم يبال بالأوجاع الناجمة عنه وقال “يارب لا تقم لهم هذه الخطية” (أع59:7).

          أرأيت كيف يتكلم الابن؟ أرأيت كيف يصلى الخادم؟ قال الابن ” يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” وقال خادمه أستفانوس ” يارب لا تقم لهم هذه الخطية“. وأعلم أيضًا أنه لم يصلِّ وهو واقف، بل ركع على ركبتيه وصلى بحرارة وخشوع كثير.

          أتريد أن أريك إنسانًا آخر صلى صلاة عظيمة من أجل أعدائه؟ أسمع بولس المُطوب يقول ” من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة، ثلاث مرات ضربت بالعصي، مرة رجمت، ثلاث مرات انكسرت بي السفينة، ليلا ونهارًا قضيت في العمق” (2كو24:11ـ25). ومع هذا قال ” فإني كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد” (رو3:9).

          أتريد أن أريك أيضًا آخرين من العهد القديم لا من العهد الجديد، يفعلون نفس الأمر؟ ويستحقون كل تقدير إذا أن وصية محبة الأعداء لم تكن قد أُعطيت لهم بعد بل كانت عندهم وصية العين بالعين والسن بالسن، ومجازاة الشر بالشر، ولكنهم بلغوا قامة مسلك الرسل، فأسمع ما قاله موسى عندما كان اليهود مزمعين أن يرجموه ” والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحنى من كتابك الذى كتبت” (خر32:32).

          أرأيت كيف أن كل واحد من هؤلاء الأبرار كان مهتم بخلاص الآخرين قبل خلاصه؟! ولنسأل أى واحد منهم، إن كنت لم تخطئ، فلماذا تريد أن تشترك معهم فى القصاص؟ وسوف تكون إجابته ” لا أشعر مطلقًا بالسعادة عندما يتألم الآخرون”.

وستجد آخرين فعلوا هكذا؟ وأنا أسوق هذه الأمثلة لكى نُصلح من أنفسنا ولكى نستأصل هذا المرض الخبيث والذى هو بغضة الأعداء، من داخلنا.

          فالسيد المسيح يقول ” يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون“، ويقول أستفانوس ” يارب لا تقم لهم هذه الخطية“، ويقول بولس الرسول      ” كنت أود لو أكون أنا نفسي محرومًا من المسيح لأجل اخوتي أنسبائي حسب الجسد“، ويقول موسى “ والآن إن غفرت خطيتهم وإلاّ فأمحنى من كتابك الذى كتبت“.

          فقل لى، أى غفران سننال نحن إذا كان السيد وخدامه فى العهدين القديم والجديد، كلهم يحثوننا على الصلاة من أجل الأعداء، بينما نحن نفعل العكس ونصلى ضدهم؟ إن ما أرجوه هو ألاّ تهملوا هذا لأنه بمقدار ما تزداد النماذج التى يجب أن نقتدى بهم، بقدر ذلك يزداد عذابنا إن نحن لم نتمثل بهم.

          الصلاة من أجل الأعداء مرحلة أسمى من الصلاة من أجل الأحباء. لأن الثانية لا تكلفنا مثل الأولى: ” فإن أحببتم الذين يحبونكم فأى فضل لكم؟” إذا صلينا من أجل الأحباء فلن نكون أفضل من الأمم والعشارين. أما إذا أحببنا الأعداء فإننا نصبح متشبهين بالله بقدر ما تسمح به طبيعتنا البشرية فإن الله ” يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين” (مت45:5).

          فطالما لدينا أمثلة مما فعله المسيح وأيضًا خدامه، فلنتشبه بهم، ولنقتنى هذه الفضيلة، لنكون أهلاً لملكوت السموات، مستعدين دائمًا لنقترب بدالة أكثر وبضمير نقى تمامًا إلى المائدة المهيبة، ولنتمتع بما وعدنا به الرب من خيرات بنعمة ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح ومحبته للبشر، الذى له المجد والعزة مع الآب والروح القدس. الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور. آمين.

 

 

 

2 ـ الصليب

عظة عن صليب ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح

وعن تسمية المرقد

الموت هو رقاد ” نوم ”

1 ـ سُئلت مرات كثيرة عن السبب الذي لأجله ترك أجدادنا الكنائس الموجودة في المدن، وأوصونا أن نجتمع اليوم[4] هنا فى كنائس خارج المدينة. ولا أعتقد أنهم فعلوا هذا بدون سبب، لذلك اجتهدت في التفتيش عن السبب واكتشفت بنعمة الله أن هذا الترتيب هو سليم ومُحِق ويتمشى مع هذا العيد[5].

          حسنًا، فما هو السبب؟

إننا نُعيّد للصليب، فالرب قد صُلب خارج المدينة، لذلك ذهبوا بنا خارج المدينة. لأنه يقول: الخراف تتبع الراعي، وحيث يوجد الملك هناك القادة والجنود. لأجل هذا السبب نجتمع الآن خارج المدينة. لكن من الأفضل أن نرى هذا الأمر من الكتب المقدسة. وحتى لا تظنوا أن هذا الفكر هو خاص بي، أقدم لكم بولس الرسول كشاهد. حسنًا، ماذا يقول بولس عن الذبائح؟    ” فإن الحيوانات التي يُدخل بدمها عن الخطية إلى الأقداس بيد رئيس الكهنة تحرق أجسامها خارج المحلة” (عب11:13)، لذا لكي يطهر المسيح العالم بدمه، صُلب خارج أبواب المدينة. إذن، ليتنا نأتي إلى المسيح، ونقابله خارج المدينة، حاملين العار الذي قَبِله. لقد حثنا بولس بأن نخضع له ونأتي إليه خارج المحلة. لذلك نجتمع في الخارج. لكن لأي سبب نجتمع في هذا المكان “نصب الشهادة[6]“، وليس في مكان آخر، إذ أن مدينتنا بنعمة الله هي محاطة من كل ناحية بعظام القديسين؟. وبالتالي لماذا حدد أجدادنا هذا المكان بالذات لنأتي إليه وليس إلى مكان آخر؟ لأنه يوجد هنا أموات كثيرون يستريحون وأيضًا لأن المسيح نزل إلى الموت فى هذا اليوم، لذا نجتمع في هذا المكان ولأجل هذا السبب أيضًا دُعي هذا المكان الذي يدفن فيه الأموات مرقدًا، لكي تعلم أن الذين ماتوا ودُفنوا هنا، لم يموتوا في الحقيقة بل رقدوا واستراحوا. لأن الموت دُعي موتاً قبل مجيء المسيح:    ” لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت” (تك7:2)، وفي موضع آخر ” النفس التي تخطئ تموت” (مز20:18). وأيضًا ” الشر الذي يُميت الشرير” (مز34: 21)، و”عزيز في عيني الرب موت أتقيائه” (مز116: 15). وقيل عنه ليس فقط موتاً لكن أيضاً هاوية. اسمعوا ماذا قال داود: ” الله سوف يفدي نفسي من قبضة الهاوية عندما خطفتني” (مز49: 16)، ويعقوب أيضاً قال:        ” تنزلون شيبتي بحزن إلى الهاوية” (تك42: 38).

هكذا كانت توصف نهاية حياتنا بمثل هذه الأوصاف، وذلك قبل مجيء المسيح. لكن عندما أتى المسيح ومات لكي يحيى العالم توقف الموت عن أن يدعي موتًا، وصار يُدعى نومًا ورقاداً. وهذا ما قاله المسيح: ” لعازر حبيبنا قد نام” (يو11:11). ولم يقل مات، بالرغم من أنه قد مات. ولكي تدرك كيف أن هذه التسمية “رقاد” كانت تسمية لها مفهوم آخر غير معروف آنذاك، فإن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح وقالوا: ” أن كان قد نام فهو يشفى” (يو11: 12)، وأيضًا يقول بولس: ” إذاً الذين رقدوا في المسيح أيضًا هلكوا. إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقى جميع الناس” (1كو15: 18ـ19). وأيضا يقول عن الأموات: ” نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين” (اتس4: 15).

وأيضًا: ” استيقظ أيها النائم” (أف5: 14). ولكي نعرف أن ما يقوله عن المائت، يضيف: ” قم من الأموات“. لاحظ أن الموت يُدعى دائمًا نومًا. لذلك هذا المكان الذي يُدفن فيه الشهداء يُدعى “مرقد”.

إذن، هذه الكلمة “مرقد”، هي تعليمية وتشير إلى عمق معرفتنا وإيماننا. لذلك عندما تُشيّع شخصًا مائتًا محبوبًا لك إلى هذا المكان، لا تحزن لأنك لا تُشيعه إلى الموت بل إلى “المرقد”. هذه الكلمة كافية لتعزيتك في فراق محبوبك.

فإلى أين تشيعه؟!            

إلى المرقد!

ومتى تشيعه؟

بعد “موت” المسيح حيث انكسرت أشواك الموت.

هكذا تستطيعون أن تتعزوا كثيرًا في هذا المكان. وهذه الأقوال هي مناسبة جدًا للنساء إذ يتأثرن ويشعرن بالحزن أكثر. إذن لديك دواء جيد لحزنك، أقصد تسمية هذا المكان ” المرقد “، لذا نجتمع هنا اليوم.

 

قاهر الموت

2 ـ اليوم يجتاز الرب في الهاوية. اليوم يحطم الأبواب النحاسية ومتاريسها الحديدية. لاحظ الدقة، فهو لم يقل فتح الأبواب لكن “سحق الأبواب النحاسية” (مز107: 16)، لم يخلع المتاريس لكن سحقها لكي يُبطل السجن.

من يستطيع أن يفعل شيئا أمام قوة المسيح؟ من يصحح ما قد دمره الله؟

فالملوك عندما يحررون المسجونين لا يفعلون ما فعله المسيح، لكن يعطون أوامرهم بعتق المسجونين ويبقون الأبواب والحراس، مظهرين هكذا إمكانية أن يستخدم هذا السجن مرة ثانية ليدخل إليه ـ إذا اقتضى الأمر ـ أولئك الذين تحرروا بأمر الملك أو آخرون بدلاً  منهم. لكن المسيح لا يعمل بهذه الطريقة. إذ سحق الأبواب النحاسية قاصدًا أن يُبطل الموت. ودعاها “نحاسية” لكي يُظهر مدى صلابتها وعدم سهولة انحلال الموت. ولكي تعلم أن النحاس والحديد يشيران إلى الصلابة، اسمع ماذا يقول الله لشخص وقح:

لمعرفتي أنك قاس وعضل من حديد عنقك وجبهتك نحاس” (إش48: 4). وعبّر هكذا لا لأنه له عضل من حديد أو جبهة من النحاس، لكن بسبب أنه أراد أن يشير إليه بأنه صارم ووقح وقاسي.

 

هل تريد أن تعلم كم أن الموت قاسي ومؤلم وعديم الشفقة؟

إنه لم ينتصر عليه أحد وتحرر منه، حتى أتى رب الملائكة وانتصر عليه. حسنًا، لقد أخذ الرب أولاً الشيطان وحبسه وانتصر عليه. لذلك مكتوب ” وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابئ” (إش45: 3). بالرغم من أنه أشار إلى مكان واحد (الظلمة)، إلاّ أن له أهمية مزدوجة. فتوجد أماكن مظلمة لكنها يمكن أن تصير منيرة إذا وضعنا فيها مصابيح. وأماكن الهاوية كانت مظلمة جداً ومؤلمة ولم تدخلها أشعة النور مطلقًا، لذلك توصف بأنها مظلمة وغير منظورة. كانت مظلمة حتى اللحظة التي نزل فيها لبر وأضاء الهاوية بنوره فجعلها سماء. لأنه حيث يوجد المسيح يتحول المكان إلى سماء. وحسنا سُمّي ما بهذا المكان بـ “ذخائر الظلمة”، لأنه يوجد به غنى وفير. إذ أن  كل الجنس البشري الذي هو غنى الله (ذخائر) كان قد سُرق بواسطة الشيطان الذي خدع الإنسان الأول واستعبده للموت. وحقيقة كون الجنس البشري هو بمثابة غنى الله، قد أشار إليه بولس حين قال: ” لأن رباً واحداً للجميع غنياً لجميع الذين يدعون به” (رو10: 12). ومثل لص سرق المدينة ونهبها واختفى في كهف واضعًا فيه كل الأشياء الثمينة، فقبض عليه الملك ثم بعد ذلك سلّمه للعقاب ونقل كنوزه إلى المخازن الملوكية. هكذا فعل المسيح، إذ بموته سجن اللص وقيده أي الشيطان والموت، ونقل الكنوز، أعني الجنس البشري، إلى الخزائن الملوكية. هذا ما يعلنه بولس الرسول بقوله: ” الذي أنقذنا من سلطان الظلمة ونقلنا إلى ملكوت ابن محبته” (كو1: 13). والأهم هو أن ملك الملوك (المسيح) قد انشغل بهذا الحدث، في الوقت الذى فيه لا يقبل أي ملك آخر فعل هذا الأمر، بل يكتفي بإعطاء أمر إلى عبيده لكي يحرروا المسجونين. لكن ـ كما قلنا ـ لا يحدث هنا مثل هذا الأمر، بل جاء ملك الملوك نفسه إلى المسجونين، ولم يخجل سواء من السجن أو المسجونين. لأنه كان من المستحيل أن يخجل من خليقته. فسحق الأبواب وحلّ المتاريس وفرض سيادته على الهاوية. ونقل الطاغية أسيراً والقوي مقيداً. الموت نفسه ألقى أسلحته وأسرع مستسلمًا وأعلن طاعته إلى الملك.

هل رأيت النصرة الجديرة بالإعجاب؟

هل رأيت مآثر الصليب؟

هل أقول لك شيئًا آخر جدير بالإعجاب؟

إذا عرفت بأي طريقة انتصر المسيح، سوف يصير إعجابك أعظم. فبنفس الأسلحة التي غلب الشيطان بها الإنسان، انتصر المسيح عليه. واسمع كيف؟ عذراء[7] وخشبة وموت هي رموز هزيمتنا. العذراء كانت حواء، لأنها لم تكن قد عرفت رجلها. الخشبة كانت الشجرة (التي أوصى الله آدم بألا يأكل منها) والموت كان عقاب آدم. لكن العذراء والخشبة والموت كانت رموزًا لهزيمتنا، صارت رموزًا للانتصار. لأن لدينا مريم العذراء بدلاً من حواء، ولدينا خشبة الصليب بدلاً من شجرة معرفة الخير والشر، ولدينا موت المسيح بدلا من موت آدم. هل رأيت، فالشيطان هُزم بنفس الأسلحة التي انتصر بها قديمًا؟!!

لقد حارب الشيطان آدم وانتصر عليه بالقرب من الشجرة، والمسيح انتصر على الشيطان فوق خشبة الصليب.

الشجرة الأولى قادت البشر إلى الجحيم، أما الثانية فقد حملتهم من الهاوية إلى الحياة.

أيضا الشجرة الأولى أخفت الأسير إذ كان عاريا، أما الثانية فأظهرته للجميع جهاراً، أى المسيح المنتصر الذي كان عارياً معلقاً فوقها.

وأيضًا الموت الأول أدان كل الذين وُلدوا من بعده، بينما الثاني، أي موت المسيح، قد أقام أولئك الذين عاشوا قبل المسيح: ” من يستطيع أن يصف بالأقوال قوة الرب” (مز106: 2س). كنا أموات وها قد صرنا أحياء.

هذه هي مآثر الصليب. هل عرفت هذه النصرة؟! عرفت بأي طريقة تحققت؟ انظر الآن كيف تحققت بدون تعب. لم تتخضب أسلحتنا بالدم، لم نصطف في المعركة، لم نُجرح، ولا شاركنا في أي معركة ولكن انتصرنا. حارب الرب ونحن أخذنا التيجان. ولأن النُصرة هي مِلك لنا، فدعونا نرنم جميعا اليوم ترنيمة النصرة: ” أين شوكتك يا موت أين غلبتك يا هاوية؟” (هوشع14:13، اكو15: 54ـ55).

هذا ما حققه الصليب لنا.

الصليب الذي هو رمز النصرة على الشياطين، هو سكين ضد الخطية، وسيف طعن به المسيح الحيّة.

الصليب هو إرادة الآب،                                 زينة الملائكة،

ضمان الكنيسة،                                                  فخر الرسول بولس،

حامي القديسين،                                                            نور كل المسكونة.

لأنه مثلما يطرد إنسان الظلام من بيته، عندما يضيئ مصباحًا ويرفعه عاليًا، هكذا أضاء المسيح الصليب كمصباح ورفعة عاليًا، لينقشع كل الظلام الذي كان يغطي الأرض.

ارتعبت الخليقة عندما رأته معلقاً فوق الصليب، والأرض تزلزلت والصخور تشققت. وبالرغم من أن الصخور تشققت، إلا أن إحساس اليهود لم ينتابه أي تغيير. حجاب الهيكل انشق، إلا أن اتفاقهم الفاسق لم ينحل.

لماذا انشق حجاب الهيكل؟ لأن الهيكل لم يقوَ على رؤية الرب مصلوبًا. وكأن الهيكل يتحدث إلينا وينصحنا: مَن يريد أن يدخل إلى قدس الأقداس فليدخل بكل حرية. لأنه ما فائدة هذا الحاجز، طالما أن الذبيحة قُدمت خارجًا؟ أي فائدة يمكن أن يقدمها الناموس؟ لا فائدة كما علمتكم مرارًا. هذا ما علّمه النبي داود عندما قال: ” لماذا ارتجت الأمم وتفكر الشعوب في الباطل” (مز2: 1). وقد سمعوا: ” كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامته أمام جازيها لم يفتح فاه” (أش53: 7). وبينما قد درسوا هذه النبوة أزمنة عديدة إلا أنها بعد أن تحققت لم يؤمنوا بها. رأيت انهم تفكروا باطلاً؟ لذلك انشق من الوسط حجاب الهيكل، وهكذا أنبأ عن زمن خرابه الذي كان عتيداً أن يكون بعد هذه الأحداث.

 

كيف ينبغي أن نأتي إلى سر الشركة الإلهية؟

3 ـ إذن، لأنه علينا أن نرى الرب ـ هذه الليلة[8] ـ معلقاً على الصليب كحمل مذبوح، أرجوكم أن نقترب إليه بخوف وتقوى. ألم تروا كيف وقفت الملائكة أمام القبر، بينما لم يوجد فيه جسد المسيح بل كان فارغًا؟ ولكن لأنه قد سبق ووُضع فيه جسد الرب لذلك قدموا له كل الاحترام والوقار. ان الملائكة التي هي أعظم منا وقفت باحترام ووقار أمام القبر الفارغ، ونحن الذين نقف أمام المائدة المقدسة التي عليها الحمل نتصرف بضوضاء وضجة؟ كيف ننال إذن الغفران؟!! إنني أرى كثيرين هذ الليلة يسببون ضجه ويصرخون ويزاحمون بعضهم بعضاً ويتعاركون ويشتمون ويجلبون بالأكثر على أنفسهم عقاباً بدلاً من الخلاص. لذلك أتحدث عن هذه الأمور من أجل خلاصهم.

ماذا تفعل أيها الإنسان؟ عندما تقف أمام المائدة المقدسة، والكاهن يرفع يديه إلى السماء داعياً الروح القدس لينزل ويقدس التقدمات الموجودة على المائدة، علينا بالهدوء والسكون. عندما تحضر نعمة الروح القدس وتنزل وتقدس التقدمات، عندما ترى الحمل المذبوح والمكسور، هل تفعل ضجة وإزعاج ومشاجرات وشتائم؟ كيف تستطيع أن تستمتع بهذه الذبيحة وأنت تُقبل على هذه المائدة بطريقة مزعجة؟ ألا يكفي أننا خطاه ونشترك في هذه الذبيحة ولا نريد أن نتخلص حينئذٍ من خطايانا؟ لأنه كيف نحفظ أنفسنا بعيداً عن الخطايا حين نتشاجر، ونفقد هدوئنا، ويضايق الواحد الآخر؟

اخبرني لماذا تُسرع وتزاحم الآخرين عندما ترى الحمل المذبوح؟ لماذا إن كنت طول فترة الليل تحفظ صيامك, هل أتعبك هذا؟ انتظرت بإصرار طول النهار، ومعظم الليل قد مرَّ، وأنت في هذه اللحظة تجعل تعبك هباءً؟

ينبغي عليك أن تعى ما يحدث أمامك ولأي سبب صار؟

فالمسيح قد ذُبح لأجلك وأنت تتجاهله بينما تراه مذبوحًا، وإن كان قد قيل: ” حيث الجثة هناك تجتمع النسور” (مت24: 28). فعلينا أن نفهم كنسور ما هذا الذي سال؟

إنه الدم الذي محا الصك الذي كان مكتوبًا عليه خطايانا، دم يطهّر النفس،

دم يغسل أوساخ الخطية، دم انتصر على السلاطين ورؤساء الشر.

لأنه يقول: ” إذ جرّد الرياسات والسلاطين وأشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه” (كو15:2). فكما أن النُصب التذكاري (للملوك) يزين بأدوات وأسلحة النصرة. الغنائم عُلقت عالية فوق الصليب. لأنه مثل ملك عظيم انتصر في معركة عظيمة, فإنه يضع فوق النُصب التذكاري، في مكان عالٍ: الدرع والترس وأسلحة العدو، هكذا المسيح إذ انتصر على الشيطان علق عاليًا على الصليب ـ كمثل نُصب تذكاري ـ أسلحة الشيطان أي الموت واللعنة، لكي يرى الجميع هذا النصب: القوات الملائكية التي هي في السموات والبشر الذين على الأرض، والشياطين الشريرة التي هُزمت، الجميع يرونه.

 

ليتنا نبرهن بكل قدرتنا أننا جديرون بهذه الخيرات التي قدمها لنا المسيح، حتى نكسب الملكوت السماوي بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح مع الأب والروح القدوس الذي له المجد والكرامة من الآن وإلى أبد الآبدين آمين.

1  العناوين الجانبية وتقسيم الفقرات من وضع المُترجم .

1  ربما يقصد الدخان الناتج عن تقدمات الذبائح والبخور .

2  التجسد .

[4]  يقصد يوم الجمعة العظيمة.

[5]  يقصد الاحتفال بصلب المسيح يوم الجمعة العظيمة، وكان يتم في زمن ذهبي الفم خارج المدينة.

[6] كانت تبنى الكنائس فوق قبور الشهداء.

[7] هنا يشير ذهبى الفم بكلمة عذراء إلى حواء التى خُدعت بواسطة الحية.

[8] كنيستنا القبطية تحتفظ بهذا التقليد إذ تسهر ليلة أبوغالمسيس لتسبح المسيح الذى داس الموت وتختم هذه الليلة بالقداس الإلهى.

 

الصليب – ق. يوحنا ذهبى الفم – د. جوزيف موريس فلتس

كتاب رسائل الارطستيكا تاريخيا وعقيديا PDF – د. جوزيف موريس فلتس – الأخ وديع الفرنسيسكاني

كتاب رسائل الارطستيكا تاريخيا وعقيديا PDF – د. جوزيف موريس فلتس – الأخ وديع الفرنسيسكاني

كتاب رسائل الارطستيكا تاريخيا وعقيديا PDF – د. جوزيف موريس فلتس – الأخ وديع الفرنسيسكاني

كتاب رسائل الارطستيكا تاريخيا وعقيديا PDF – د. جوزيف موريس فلتس – الأخ وديع الفرنسيسكاني

تحميل الكتاب PDF

كتاب الإنسان وغاية وجوده PDF – جوزيف موريس

كتاب الإنسان وغاية وجوده PDF – جوزيف موريس

كتاب الإنسان وغاية وجوده PDF – جوزيف موريس

كتاب الإنسان وغاية وجوده PDF – جوزيف موريس

تحميل الكتاب PDF

كتاب الميلاد المجيد PDF – بولس البوشى – د. جوزيف موريس

كتاب الميلاد المجيد PDF – بولس البوشى – د. جوزيف موريس

كتاب الميلاد المجيد PDF – بولس البوشى – د. جوزيف موريس

كتاب الميلاد المجيد PDF – بولس البوشى – د. جوزيف موريس

تحميل الكتاب PDF

كتاب العقيدة فى النصوص الليتورجية PDF – جوزيف موريس فلتس

كتاب العقيدة فى النصوص الليتورجية PDF – جوزيف موريس فلتس

كتاب العقيدة فى النصوص الليتورجية PDF – جوزيف موريس فلتس

كتاب العقيدة فى النصوص الليتورجية PDF – جوزيف موريس فلتس

تحميل الكتاب PDF

كتاب شرح أناجيل السنة التوتية 1 توت PDF – جوزيف موريس

كتاب شرح أناجيل السنة التوتية 1 توت PDF – جوزيف موريس

كتاب شرح أناجيل السنة التوتية 1 توت PDF – جوزيف موريس

كتاب شرح أناجيل السنة التوتية 1 توت PDF – جوزيف موريس

تحميل الكتاب PDF

Exit mobile version