الوسم: الليتورجيا
الليتورجيا من أجل الإنسان – القس إبراهيم القمص عازر PDF
الليتورجيا من أجل الإنسان – القس إبراهيم القمص عازر PDF
الليتورجيا من أجل الإنسان – القس إبراهيم القمص عازر PDF
كتب القس إبراهيم القمص عازر
مدخل إلى الليتورجيا والطقس الكنسي – القس إبراهيم القمص عازر PDF
مدخل إلى الليتورجيا والطقس الكنسي – القس إبراهيم القمص عازر PDF
مدخل إلى الليتورجيا والطقس الكنسي – القس إبراهيم القمص عازر PDF
كتب القس إبراهيم القمص عازر
الأزهري وإشكالية الخلق ردًا على محمد هنداوي في “أوريجانوس وإشكالية الخلق”
الأزهري وإشكالية الخلق ردًا على محمد هنداوي في “أوريجانوس وإشكالية الخلق”
نقل (الازهري) ما لم يعقله في هذه المسألة بخصوص أوريجانوس في كتابه (ص 255 – 277) خصوصا السبع صفحات الأولى، فزعم ان “اوريجانوس لا قائل بأزلية الإبن فحسب بل بأزلية الخليقة” ص 261، أي أنه يقول إن أوريجانوس يؤمن بأن الابن والخليقة (المخلوقات) متساويان، وبالتالي فهو نفس كلام أريوس الذي كان يؤمن أن المسيح إله نعم ولكنه إله مخلوق، خلقه الله الآب ليخلق به بقية المخلوقات، وبهذا يكون التقليد لصالح أريوس لا الكنيسة!
الرد من اربعة اوجه
الوجه الأول: الفرق بين الله والمخلوقات عند (أوريجانوس)
يفرق (اوريجانوس) صراحة بين الأقانيم والمخلوقات، فينقل من رسالة الراعي لـهرماس مقرًا بما نقله:
“خلق كل شيء ورتبه، وأعطى الكون وجوده من العدم“[1]
وهنا يؤكد أوريجانوس بوضوح أن الكون موجود من العدم creatio ex nihilo، بينما يقول في نفس الصفحة عن الأقانيم الإلهية:
“يلد الآب الإبن وينفث الروح القدس، [لا كأنهما كائنان لم يوجدا من قبل]، ولكن من حيث أن الآب هو أصل الابن ومصدرهما مادمنا لا نقوى على الاعتقاد بان فيهما ما قبل وما بعد“
فينفي اوريجانوس بوضوح أيضا سبق العَدم على الابن والروح، أي أنه ينفي أن يكون للإبن عدمًا سابقًا أو لاحقًا لوجوده، وهكذا للروح القدس.
ومرة أخرى يتكلم عن المخلوقات في وجودها الذهني مسميا إياها “الطبائع العاقلة” فيقول:
“صُنِعَت فيما لم تكن في الوجود“[2]
ثم يستمر موضحا الفارق بين المخلوقات أي تلك “الطبائع العاقلة” وبين “الثالوث” فيقول:
“الحياة غير الجسمية امتياز الثالوث وحده“[3]
فهو هنا بوضوح ينص لفظيا بالتمايز بين:
“[الطبيعة] التي هي غير [طبيعة الآب والابن والروح القدس]”[4]
لذلك حقا يقول “سوزومين” عن أريوس:
“يعظ في الكنيسة بأي شيء لم يثيره أحد من قبله، أي أن ابن الله لم يكن له وجود سابق، انه كان هناك وقت لم يكن موجودا فيه“[5]
أي ان كون المسيح مخلوقا من العَدم لم يثره أي أحد قبل أريوس، وأوريجانوس طبعا قبل أريوس! فإذن، أوريجانوس لم يقل ما قال به أريوس بعده.
بل أن (الأزهري) نفسه يعترف بهذا بيقول:
“لا يأخذ الاخذون على آريوس شيئا في اعتماده على أوريجانوس إلا ما كان من قول أريوس ان الكلمة اوجدت من العدم” ص 257
وهذا الفارق أصلا يحسم المسألة، ولكن كيف لا يتشقلب (الازهري) كعادته ليخفي ذلك الفارق فيقول:
“الخلاف بين أريوس وأثناسيوس بشأن مذهب أوريجانوس، لا يفضي إلى مزية تعود على الابن، فهو عند أريوس مخلوق من العدم، وعند أوريجانوس أزلي والخليقة معه ازلية، فأي خصيصة له” ص 257
انظر الى هذه الشقلبة!
- يقول (أوريجانوس) بأزلية الابن.
- يقول (أريوس) بخلقه من العدم.
فيتساوى الاثنان في (عقل الأزهري)!!
وإن كُنّا قد أوضحنا مذهب أوريجانوس من كلامه عن الفرق بين الابن والمخلوقات فسقط صياح (الأزهري) بمساواة (أوريجانوس) بين الابن والمخلوقات فماذا قصد إذن حين تكلَّم عن أزليتها؟
هذا ما نوضحه في الأوجه التالية.
الوجه الثاني: أزلية فعل الخلق
يقول (الماتريدية)[6] من أهل السنة والجماعة أن الخلق أو التكوين قديم، أما المخلوقات فهي حادثة بعد العدم، فيقول (عبد الله الهرري) المعروف (بالحبشي) في شرح الطحاوية 28 – 29:
“لا يلزم من قِدم التكوين قِدم المُكَوَّن…التكوين أزلي والمكونات حادثة …. فِعل الله أزليٌ ومفعوله حادثٌ ….. فاذا قيل: أحيا الله كذا … فالمُحيا حادث أما إحياء الله [له] فهو أزليٌ ….. إشقاء الله [للذين] أشقاهم وإسعاد [الذين] أسعدهم أزلي، وهذا الاعتقاد كان هو اعتقاد السلف“
وقال في ص 31:
“انه تبارك وتعالى كان محيي الموتى في الازل [قبل حدوث الموتى] وحدوث الموتى لا ينافي [قِدم إماتته لهم]“
فعند الكل، المخلوقات نفسها جاءت من العدم بعد ان لم تكن، اما فعل الخلق نفسه فهو قديم.
وقال أيضا:
“ناقش الاشاعرة الماتريدية في هذه المسألة فقالوا: بانه يلزمكم على ما ذهبتم اليه جعل المكوَّن ازليا قديما” الهرري ص 30-31
ثم علق:
“هذا اختلاف لفظي، اختلاف في التعبير، وكلا الفريقين على هدى، إنما الضرر الأعظم والكفر والإلحاد هو أن يقول القائل: الله تعالى يقوم به صفة حادثة كابن تيمية” الهرري ص 31.
في الفقرة السابقة لا يُقدم الهرري ردا على الإلزام بقِدم المخلوقات، وعلى أي حال من هنا يُحمل كلام أوريجانوس على ازلية أفعال الله الذي لا تقوم به الحوادث، لا أزلية المخلوقات، وان كان بهذا يتوجه كلام أوريجانوس على مذهب أهل السنة الأشاعرة والماتريدية، فماذا عن أهل الكفر والإلحاد كابن تيمية حسب وصف الهرري؟
الوجه الثالث: القدم النوعي للعالم (المخلوقات)
يزعم الوهابية ومن تابعهم أن الأزهر الأشعري وكل الفئات المشاركة في مؤتمر الشيشان سالف الذكر هم من أهل البدع أما أهل السنة فهم من يؤمنون بما يؤمن به ابن تيمية، وان تركنا أولئك ونظرنا في عقائد هؤلاء فنجد ابن تيمية يؤمن بـ “القِدم النوعي للعالم” وهو مشهور عنه، ويؤمن أيضا بـ “تسلسل الحوادث” وهذا كله معناه عند مخالفي “ابن تيمية” انه يساوي بين الله والمخلوقات – لاحظ أنها نفس تهمة الأزهري لأوريجانوس – ولكن هل يعني هذا عند شيعة (ابن تيمية المساواة بين الله والعالم فعلا؟
تنقل كاملة الكواري الاعتراض على ابن تيمية فتقول:
“القول بتسلسل الحوادث في جانب الازل بلا بداية معناه القول بقِدم العالَم“
وتقول إن الرد هو:
“لا يلزم من ذلك قِدم العالم“
وهي هنا لا توضح وجه عدم الالزام! بل تعقِّب بتعليل غير متعلِّق فتقول:
“لأن كل ما سوى الله محدث ممكن الوجود“[7] !
مرة أخرى هذا الرد لا ينفي الالزام، بل غايته توضيح ان هناك تناقضا في عقيدة القوم! ثم لا تكتفي كاملة الكواري بذلك ولكنها تزعم إلزامًا مضادا فتقول:
“القول بان الحوادث لها أول يلزم منه التعطيل قبل ذلك وان الله لم يزل غير فاعل ثم صار فاعلا“[8]
وردُّ الإلزام بإلزام مضاد ليس ردًا، انما مزيد من ابراز التناقض، فالقول بأن الحوادث لها أول هو أصلا عقيدة السلف التي نقلها الطحاوي بقوله في العقيدة الطحاوية.
الوجه الرابع: قِدم الخلق بالعِلم
ففي تاريخ 1 أغسطس 2021 نشر الأزهري صورته على الفيسبوك وكتب عليها “شرح مقدمة عقائد أهل السنة للشيخ محمد حياة السندي المدني- رحمه الله رحمة واسعة، وقد ختمناها في مجلس ما جاوز ساعتين” ولو كان (الأزهري) يعقل ما يقرأه فهذا الكُتيِّب نفسه يقول بنفس قول أوريجانوس وهو قِدم الخلق بالعلم!
فقد جاء في شرحه [9] أن “العلم” صفة أزلية لله، ثم قال عن المخلوق من العدم [الممكن] ما نصه:
“باعتبار النظر الى تعلُّق علم الله تعالى بوجود بعض الممكنات فلابد ان يوجد ذلك الممكن الذي تعلق علم الله بوجوده، لئلا ينقلب علمه جهلا، تعالى الله عن ذلك، فوجود ما وُجد او يوجد من الممكنات جائز من حيث ذاتها، لازم من حيث تعلق علم الله بوجودها في أوانه“[10]
ولا يحتاج الأمر إلى كثيرٍ من التفكير عندما تجمع النصين معًا، فتعلم أن العِلم الازلي تعلَّق بوجود المخلوقات [الممكنات] وبالتالي أصبح وجود تلك المخلوقات أزليا على الأقل في (العلم/اللوغوس).
وهذا هو نفس كلام أوريجانوس فهل يؤمن (الأزهري) أيضا بأزلية المخلوقات؟ أم عليه الآن ان يفرق بين ازلية المخلوقات في علم الله وبين (علم الله نفسه)؟
فان آمن بأزلية المخلوقات فقد أشرك وأخرج نفسه من دينه، وعليه، فليكتب كتابًا يدافع فيه إذن عن تقليده هو ويترك تقليد غيره، وان فرَّق بين الاثنين فليتراجع إذن عمَّا نسبه لأوريجانوس من عدم التفرقة بين (اللوغوس) و(المخلوقات) وليعتذر عن تكلمُه فيما لم يعقله!
على أن هذا لم يأت فقط عند (السندي) بل كل من فَقِه هذه القضية كتقرير (الهرري) في شرح الطحاوية:
“خلق الخلق على حسب علمه الأزلي وتقديره الأزلي…. فالمخلوقات التي خلقها فدخلت في الوجود، والتي ستخلق ولم تدخل في الوجود بعد كل بعلمه الازلي” [11]
وقال:
“يستحيل أن لا يعلم ما يكون من مخلوقاته قبل وجودهم إذ ذاك جهل والجهل في حق القديم محال، فثبت سبق علمه في الازل بما يكون من مخلوقاته“[12]
فظهر مما سبق ان عقائد القوم تدور في فَلَك اللوغوس القديم الذي لا يتغير والمُحيط بكل مخلوقاته، حتى وإن أنكروا لاهوته، حتى وإن زعموا مساواة أوريجانوس بينه وبين المخلوقات في أزلية ما، الا ان الحقيقة واضحة= هم مُجبرون على الاعتراف بصحة المسيحية هنا لا الأريوسية، وبأرثوذكسية أوريجانوس حتى وإن تمحكوا في الفاظ لا يعقلونها!
[1] المبادئ، منشورات المكتبة البولسية، ترجمة جورج خوام البولسي ص 160
[2] المبادئ ص 161
[3] السابق
[4] السابق
[5] التاريخ الكنسي لسوزومين،تعريب د.بولا ساويرس 1/ 15/ 3
[6] في مؤتمر (الشيشان) الذي حضره (الازهر) ممثلا بشيخه (أحمد الطيب) أعلنوا أن (أهل السنة) هم (الأشاعرة والماتريدية والصوفية) وعند عودته وبعد الضغوط التي تعرض لها أضاف (الطيب) فرقة (السلفية) الى اهل السنة
[7] كاملة الكواري، قدم العالم وتسلسل الحوادث بين شيخ الإسلام ابن تيمية والفلاسفة، ص 132
[8] شرح مقدمة عقائد أهل السنة ص 132
[9] ص 28
[10] ص 35
[11] ص 33
[12] ص 56
الأزهري وإشكالية الخلق ردًا على محمد هنداوي في “أوريجانوس وإشكالية الخلق”
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
(الرد على الفصل الثالث المبحث الأول من كتاب الأزهريّ)
إعداد: خادم بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية
الجزء الأول:
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والقديس مرقس الإنجيلي والشهيد – الرد على كتاب الأزهري
الليتورجيا عمل الشعب
يبدأ فضيلة الشيخ الفصل بعنوان الليتورجيا كمصدر من مصادر التقليد دون أن يُعرِّف كلمة ليتورجيا في الأصل وتطور استخدامها. فكلمة ليتورجيَّا λειτουργία تعني «عمل الشعب»، فالكلمة مُكونة من مقطعين هما «λαός أي شعب»، «έργον أي عمل»، وحرفيًّا هو العمل الذي يقوم به الشعب، أو شركة الشعب في العبادة، سواء ما يتعلق بالصلوات اليوميَّة أو المزامير، ودورة الاحتفالات وطقوس ومراسيم الأعياد المُتعلقة إمَّا بالله أو حياة الربّ يسوع أو القديسين.
ويذكر الشيخ أنَّ:
“الصلوات الطقسية مصدر من مصادر التقليد…. وهي قابلة للتطوير وفق ما يستجد من تعليم كشجب هرطقة أو تعداد مفاهيم“[1].
وفي هذ نقول إننا لا ننكر تطور الطقوس والصلوات الليتورجيا بحسب ظروف وحاجة الكنيسة ولكن هذه النصوص فُحصت على مر العصور واقتبلت إضافات أو حذف منذ نشأتها وحتَّى اليوم[2]، يبدو أنَّ القصّة الحقيقيَّة لتطوُّر العبادة المسيحيَّة هي الانتقال من الاختلافات الكبيرة حول عناصر أساسيَّة إلى دمج وتوحيد مُتزايد للتقاليد المحليَّة. ويمكن أن نرى بدايات هذا التوجُّه (نحو التوحيد) في القرن الثاني الميلادي، ولكن التطوُّر اكتسب زخمًا أكبر بكثير في القرن الرابع، حيث توسّعت الكنيسة، ومع تزايُد التواصل- وبالتالي الوعي بالاختلافات- بين مُختلف المراكز المحليَّة، وقبل كلّ شيءكما حاولت المسيحيَّة الأرثوذكسيَّة تعريف نفسها ضدّ ما كان يُنظر إليها على أنّها حركات هرطوقيَّة؛ لأنه في مثل هذه الحالة، فإنَّ أيّ ميل للاستمرار فيما يبدو أنّه طقوس خاصّة قد فُسرت على الأرجح كعلامة على الهرطقة[3].
ولم يكلف الكاتب نفسه عناء البحث في الكتاب الذي يقتبس منه جزء مصادر الليتورجيا وينظر إلى نهاية الفصل الذي يسبقه ويقرأ كيف شرح الأسقف يوحنا يازجي تطور تاريخ الليتورجيا كفرع لاهوتيّ، أي نشأة هذا العلم وتطوره مع الزمن[4].
وعندما تحدث الكاتب عن مصادر الليتورجيا مقتبسًا من الأسقف يوحنا يازجي من فصل المصادر الليتورجيا ذكر مباشرة الكتاب المقدس ولم يذكر الديانات غير المسيحيَّة، لا أعلم السبب ولكنه أسقطها، إذ أنَّ المسيحيَّة لم تأت ماحية لما قبلها بل صارت مَسحنة كلّ ما حولها هو نوع من تجديد الخليقة بكلّ ما فيها من سياق إنسانيّ.
ثم ذكر الكاتب:
“المجموعات القانونية الليتورجية والتي تحمل أسماء الرسل ومنها التقليد الرسولي، وقوانين هيبوليتوس القبطية، والديداخي“[5].
وفي الحقيقة تُشكِّل قوانين الكنيسة القديمة واحدة من أروع أنواع الأدب المسيحيّ المُبكِّر، وتزعم أنها تُقدِّم قوانين «رسوليَّة» موثوقة بشأن مسائل السلوك الأخلاقيّ، والمُمارَسَة الليتورجية، والتهذيب والتنظيم الكنسيّ. فما تقوله هذه النصوص الرسوليَّة المنحولة فيما يتعلق بالعصر الرسوليّ نفسه قد لا يكون ذات أهمّيّة كبيرة، لكنها من المُحتمل أن تكون مصادر إرشاديَّة قديمة لفكر وممارسات الفترات التي تكونت فيها تلك النصوص.
وكما ذكر الكاتب في الحاشية يمكن النظر إلى الدراسة المنشورة في كتاب أصول العبادة المسيحيَّة[6]، لمعرفة أصول القوانين والدراسات التي جرت عليها وكيف يمكن التعامل معها والاستفادة منها.
ثم ينتقل الكاتب إلى ذكر الكتب الطقسيَّة المستخدمة في الكنيسة المصريَّة وبعد أن أنهاها كتب قائلًا:
“وبعيدًا عما تحويه هذه الكتب من تعاليم تتفق والكتاب المقدس أو تخالفه، وبعيدًا كذلك عن أصالة ما فيها من طقوس وثنية مُسّحت”[7].
ولكنه لم يذكر أيّ مثال من هذه الكتب ما يخالف تعاليم الكتاب المقدس، فكيف للخولاجي المقدس أن يخالف تعاليم الكتاب المقدس ونستطيع أن نقرأ في نسخة القمص عبد المسيح مسعودي الإشارات الكتابيَّة غالبًا لكلّ جملة من القداس. وهكذا أيضًا في الأبصلموديَّة المقدسة. وكيف نقول إنَّ كتب القطماروس بكلّ مواسمه يخالف تعاليم الكتاب المقدس وهو عبارة عن مقاطع من الأسفار الكتابيَّة؟
ويتعجب الكاتب من الطقوس والشعائر الوثنيَّة التي مُسِّحت، وأنا لا استغرب من ذلك لأنه لم يستوعب أنَّ المسيحيَّة لم تطمس أيّ هوية للبلاد التي انتشرت فيها بل كان تضفى صبغة مسيحيَّة على الطقوس هناك وتستوعب ما يمكن استيعابه، وذلك نراه واضح كلّ الوضوح عندما أشار بولس الرسول إلى مذبح لإله مجهول في (أع 17: 23) وجعله مدخلًا ليبشر باسم المسيح في هذه البلاد. وهكذا انتشرت المسيحيَّة في العالم وأحيانًا استُبدِلت مواعيد الاحتفالات الوثنيَّة باحتفالات وأعياد مسيحيَّة حتَّى لا يعود ويشترك المؤمنون مع الوثنيون.
قانون الإيمان
ويتسائل الكاتب:
“هل كانت الليتورجيا في وقت ما حاسمة خلافًا.. أوهل التجأ أحد إليها لتعضيد عقيدة أو دفع هرطقة؟ أم أنها تتطور بتطور الهرطقات.. وتُحدَّث بما تمليه عليها الوقائع والمستجدات“[8].
واعتقد أنَّ هذا السؤال استنكاري ليثبت حجته بأنَّ الليتوجيا تتطور فقط ولم تكن حاسمة في أيّ خلاف كنسيّ. ولكن الحقيقة غير ذلك إذ أنَّ الليتورجيا والتشريعات القانونيَّة المبكّرة كان حاسمة في بعض الخلافات.
عندما نناقش أوَّل مجمع كنسيّ وهو مجمع نيقية 325م يعتقد البعض أنَّ قانون الإيمان قد كُتب خلال المجمع ولكن الحقيقة غير ذلك، فقبل مجمع نيقية لم يكن تعبير “قاعدة الإيمان” يُستخدم بطريقة حرة ومقيدة بالعقيدة فحسب، بل بالطقس أيضًا ولذلك يقول بوليكراتس أسقف أفسس عندما تحدث عن عيد الفصح بأنَّه “حسب قاعدة الإيمان“[9]. ويخبرنا يوسابيوس القيصري عن قاعدة الإيمان عندما يتحدث عن مخالفة الهراطقة للإيمان الأرثوذكسيّ، فيقول:
“وطرحوا جانبًا قاعدة الإيمان القديم، ولم يعرفوا المسيح، وهم لا يحاولون معرفة ما تعلنه الأسفار الإلهيَّة”[10].
وفي الإسكندريَّة يعدد القديس كليمندس الإسكندريّ خواص قانون الإيمان: “إنَّ الإيمان له قاعدة، وإنَّ هذه القاعدة هي قانون الإيمان أو القانون الكنسيّ أو قاعدة الحقّ والتسليم”[11]. وعند ترتليان قاعدة الإيمان هي بنود الإيمان، وترتليان يؤكد على أنَّ قاعدة الإيمان هي “من الرسل وحتَّى بولس الرسول بعد اهتدائه صعد إلى أورشليم لكي يقارن قاعدة إنجيله، أي كرازته بقاعدة الإيمان عند باقي الرسل”[12]، ويقول أيضًا: “وقاعدة الإيمان هي التي بموجبها يتم فرز الهرطقات والهراطقة”[13].
ومن المصادر الليتورجية المستخدمة في ليتورجية المعمودية في الكنيسة القبطيَّة والمعروف في علم الليتورجيات باسم قانون دير البلايزة، ونصه هو:
اعترف بإله واحد الله الآب ضابط الكلّ وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا وبالروح القدس المحيى وبقيامة الجسد وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسوليَّة.
حيث يقوم الكاهن بترديد هذا النصّ أمام الإشبين ثم يسأله ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت عن هذا الطفل؟” فيجاوبه ثلاث مرَّات قائلاً: “آمنت”[14].
وإذ بدأت الهرطقات في الانتشار، لم يعد قانون الإيمان خاصًا بطالبي العماد، إنما تم تأكيده في مجمع نيقية للاستخدام في العبادة الليتورجية. وبدأت المجامع تضع قانون الإيمان وتوحده لمواجهة الهرطقات. فكما رأينا أنَّ بذرة قانون أو قاعدة الإيمان موجودة قبل المجمع وقبل ظهور الهرطقة وتم تأكيده واستخدامه لمواجهة البدع والهرطقات.
إكرام العذراء مريم في الكنيسة المبكرة
وقد سأل الكاتب السؤال أعلاه لأنه اعتمد عليه في المطلب الثاني: الليتورجيا والعقيدة والتطور (الثيئوتوكيات ومجمع أفسس نموذجًا)[15]. وحاول أن يثبت أنَّ تكريم العذراء ظهر في الكنيسة بعد ظهور الهرطقة النسطوريَّة وبعد انعقاد مجمع أفسس وحاول الاستعانة بنصوص مقتطعة من سياقها من تفسيرات الآباء لأسفار الكتاب المقدس ليثبت أنهم لم يكرموا العذراء مريم، وأن تكريمها لم يظهر إلَّا بعد مجمع أفسس[16].
وقد أخذ الكاتب الثيؤطوكيات نموذجًا واستشهد بالدراسات الحديثة التي تثبت أنَّ الثيؤطوكيات قد صيغت في العقود التالية لمجمع أفسس، ولكن هل إكرام العذراء مريم لم يكن موجود في الكنيسة كما يدعي؟
إنَّ إكرام العذراء مريم في الكنيسة بدء مبكرًا جدًا منذ القرون الأولى، على سبيل المثال يظن البعض أنَّ مصطلح ثيؤطوكوس قد صِيغ في مجمع أفسس ولكن الحقيقة غير ذلك. “هذا المصطلح يظهر أول مرة في آباء ما قبل نيقية الذين كتبوا في القرن الرابع كلقب للسيدة العذراء القديسة مريم، ربما استخدمه كل من أوريجانوس، وديونيسيوس الأريوباغي في رسالة له إلي بولس الساموساطي لكن هذا النص ربما لا يكون نصًا أصليًا لديونيسيوس، وعند ثيؤدريت في تقليده الرسولي (436م)، أيضًا تشير يعض المراجع أن هيبوليتوس السكندري ربما استخدم هذا المصطلح، كما أن كل من غريغوريوس أسقف نيصص و يوستاسيوس الأنطاكي استخدموه، أما غريغوريوس النيزنزي فاعتبره جزء من الإيمان الأرثوكسي. لكن تحديده كمصطلح رسمي كان في مجمع أفسس عام 431م ردًا على إنكار نسطور ومهاجمته لهذا التعبير”[17].
ولرؤية إكرام العذراء في صورة أوضح أرشح للكاتب كتب صدر حديثًا من المركز الثقافي الفرنسسكاني، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى السادس للميلاد، يمكن أن نقرأ فيه باستضافة عن نشأة وتطور إكرام العذراء سواء في الصلوات أو كتابات الآباء أو تشييد كنائس باسم العذراء مريم[18].
فهل بعد كلّ هذه الشهادات من القرون المبكرة نقول إنَّ آباء الكنيسة لم يكرموا العذراء مريم الَّإ بعد الهرطقة النسطوريَّة؟
ويخلص الكاتب في نهاية هذ المطلب إلى أنَّ “الليتورجيا ما هي إلا صدى للمجامع وما أخرجته من المقررات…” نعم نؤكد مرّة أخرى أنَّ الليتورجيا تتطور ويضاف عليها لكن بالأحرى تؤكد وتثبت ما هو موجود في الأساس، بالنسبة لمصطلح ثيؤطوكوس لم يظهر فقط في كتابات الأباء بل كان أيضًا مستخدمًا في الليتورجيات والصلوات المسيحيَّة قبل انعقاد مجمع أفسس، وأقدم مصدر لدينا لهذا المصطلح هو مخطوط سكندري من القرن الثالث (حوالي 250م) معروف باسم Sub tuum Praesidium، وهو يحوي نصّ ليتورجيّ مستخدم حتَّى الآن في الكنائس القبطيَّة والبيزنطيَّة والرومانيَّة. المخطوط مكتوب باليونانيَّة ونصه:
Ὑπὸ τὴν σὴν εὐσπλαγχνίαν, καταφεύγομεν, Θεοτόκε. Τὰς ἡμῶν ἱκεσίας, μὴ παρίδῃς ἐν περιστάσει, ἀλλ᾽ ἐκ κινδύνων λύτρωσαι ἡμᾶς, μόνη Ἁγνή, μόνη εὐλογημένη.
في ظلّ حمايتكِ، نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس): لا تردي طلبتنا في وقت الشدة: لكن نجينا من الأخطار، أيتها النقية المباركة وحدكِ[19].
من كلّ ما سبق نجد أنَّ مجمع أفسس لا يشكل نقطة انطلاق فيما يتعلق بالإكرام المريميّ في مصر بل هو تأكيد على ما هو موجود بالفعل. فمنذ القرن الثاني حتَّى عهد البطريرك الأنبا ثاؤفيلوس (385-412م)، كانت قد أُجريت تحديدات لاهوتيَّة، وشُيدت الكنائس، ونُظمت صلوات، ورُسمت صور وأيقونات، وتأسست أعياد، وأُلقيت عظات، كلها إكرامًا لمريم[20].
إشكالية تناول يهوذا
ينتقل الكاتب إلى المطلب الثالث: الليتورجيا والبابا (تناول يهوذا أنموذجًا)، ويشرح الكاتب كيف “حذف البابا شنوده والأنبا بيشوي بعض ما في الكتب الطقسية”[21]، وفي الحقيقة لا أعلم لماذا يؤكد أنَّ البابا شنوده والأنبا بيشوي هما من قاما بذلك، رغم أنَّه يذكر في الفقرة نفسها أنَّ الحذف صدر عن توصيات من اللجنة المجمعيَّة للشئون الطقسيَّة تقدمت بها للمجمع المقدس وتم مناقشة الأمر “حيث أوصت اللجة بالتعديلات— في بعض عظات البصخة المقدّسة بحيث تتفق مع التسليم الرسولي في عدم مناولة غير التائبين؛ وذلك بحذف العبارات التي تشير إلى تناول يهوذا من جسد الربّ ودمه؛ وهو الشيء الذي يتعارض أيضًا مع تعليم الإنجيل!”[22].
ثم يورد الكاتب بعد ذلك اختلاف آراء الآباء حول تفسير فقرات الإنجيل الخاصّة بالعشاء الأخير، وأحب أن أوضح هنا أنَّ اختلاف التفسيرات أمرًا طبيعيًّا ويجب أن نفرق بين العقيدة والرأي[23]، فكلمة العقيدة δόγμα (دوجما) وردت في العهد الجديد خمس مرات تُرجمت فيها في الترجمة البيروتيَّة إلى أربع كلمات مختلفة، ومن هذه الآيات نفهم المعنى الأصلي لهذه الكلمة (لو 2: 1؛ أع 16: 4؛ 17: 7؛ أف 2: 15؛ كو 2: 14). وفي كتابات الآباء جاءت بمعنى رأي أو عقيدة أو إيمان، واقتداءً بسفر أعمال الرسل الذي أطلق الكلمة على الأوامر أو القضايا التي أصدرها مجمع أورشليم، وأُطلقت الكلمة على القوانين التي أصدرتها المجامع الكنسيَّة. ولا نستطيع أن نحصر العقيدة في العهد الجديد أو في كتابات الآباء تحت كلمة دوجما فقط، لأن هناك كلمات كانت أكثر استعمالاً للتعبير عن العقيدة مثل كلمات الإيمان πίστις (بيستيس) أو التعليم διδασκαλία أو διδαχή (ديداسكاليا أو ديداخي) كتعبيرات تعبر عن صيغ إيمانيَّة، مثل:
“رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ،” (أف 4: 5).
“وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ (ديداخي) الرُّسُلِ وَالشَّرِكَةِ وَكَسْرِ الخْبْزِ وَالصَّلَوَاتِ” (أع 2: 42)
أمَّا الرأي γνώμη (جنومي) أو التفسير ἑρμηνεία (هرمينيا) فهي كلمات تعطي تفسيرًا للعقيدة، أو تعطي رأيًّا مختلفًا في بعض الأمور الكنسيَّة، لكنها لا ترقى لمستوى العقيدة ويمكننا أن نعرف معنى كلمة رأي حسبما وردت في كتاب العهد الجديد، خاصّة في كتابات القديس بولس الرسول (1كو 7: 25-27؛ 7: 40؛ 2كو 8: 10). وقد وردت كلمة رأي (جنومي) في كتابات الآباء بمعانٍ كثيرة، فهي تأتي بمعنى عقل، كما تأتي لتعبر عن الرأي أو العقيدة أو الإيمان أو وجهة النظر، كما تأتي بمعنى الإرادة، وأيضًا بمعنى القرارات والأحكام والقوانين والاستشارات. أمَّا الكلمة الثانية (هرمينيا) فهي تأتي بمعنى تفسير أو شرح أو ترجمة (يو 1: 38؛ 1كو 12: 10؛ 14: 26).
يتضح من هذه الآيات أنَّ العقيدة ملزمة للجميع للإيمان بها، والعمل بمقتضاها، أمَّا الرأي فهو تفسير لهذه العقيدة، والربّ يعطي لكلّ أحد أن يفسرها بحسب روح الله وبحسب إمكانيات المفسر والمتلقي، وبحسب ظروف الزمان والمكان، على ألا يتعارض هذا التفسير مع تعاليم وتقليد الكنيسة. لا يصح إطلاقًا الاختلاف في العقيدة، ولكن ليس هناك أيّ مشكلة في الاختلاف في الرأي أو التفسير.
بالنسبة لما ذكره الكاتب عن موضوع تناول يهوذا نرى أنَّ هذا اختلاف في الأراء وليس في العقيدة وقد رأى المجمع المقدس برئاسة البابا شنوده الثالث حذف تلك الأجزاء من العظات التي تُقرأ في البصخة، لحسم هذا الخلاف. ولنؤكد أنَّه اختلاف في الرأي، فضيلة الشيخ نفسه يورد مقولة للبابا شنوده الثالث ردًا على سؤال من أسئلة الشعب إذا كان يهوذا قد تناول أم لا، فيقول البابا شنوده:
“ومع أنَّ يهوذا لو كان قد تناول من الجسد والدم، كان يتناول بدون استحقاق، غير مميز جسد الربّ، ويتناول دينونة لنفسه (1كو 11: 27-29). إلَّا أنَّ الآباء يقولون إنَّه اشترك في الفصح فقط، وخرج ليكمل جريمته…”[24].
نجد إجابة البابا شنوده شارحة ومفسرة للأمر رغم أنَّه يميل إلى رأي محدد، ونؤكد أيضًا أنَّ الآباء أنفسهم انقسموا حول إجابة هذا السؤال، فمنهم من أيد تناول يهوذا ومنهم من نفاه.
وبعد أن أورد فضيلة الشيخ الإشارات والمراجع التي تشير إلى تناول يهوذا يقول “وأضف إلى هؤلاء السابقين متى المسكين العدو اللدود لهذه اللجنة…“[25].
من أين جاء الكاتب بهذا الوصف الشنيع؟ كيف يحكم على العلاقة بين الأب متى المسيكن وبين اللجنة بالعداوة؟ ألم يقرأ أيّ من كتابات الأب متى أو حتَّى من البابا شنوده؟ ألم يقرأ المقولة الشهيرة “الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية”؟ نرى فضيلة الشيخ يحكم عليهم بالعداوة رغم أنَّه عندما زار البابا شنوده دير أبو مقار في عام 1996م استقبله وقتها الأب متى المسكين ورهبان الدير بالاستقبال الواجب داخل الكنائس والأديرة في حال زيارة البابا وبتلاوة الألحان الكنسيَّة التي تقال في حضور البابا واستقباله.
وفي كلمة الترحيب قال الأب متى: “تعلمون أيها الأحباء وكلكم رهبان، أنَّ الرهبنة في الكنيسة، وخصوصًا القبطيَّة قوامها هو سندها الإلهيّ، وخزانة تراثها ومجدها تقليدها الحي الذي نستمد منه عصارة لاهوتنا وحياتنا، فكون أن يأتي بابا الإسكندريَّة ويتكلم بيننا بشكر وصلاة للمسيح، فهو شيء يرد نفوسنا، ويشدد قوتنا وعزيمتنا. أنًّه يومًا سعيدًا في أيام برية شهيت، صحيح أنَّه زارنا قبل الآن، ولكن زيارة هذا اليوم تأتي والكنيسة في أحوج ما يكون أن يلتف البابا حول الشعب، والشعب يلتف حول البابا، وأنَّه فعل حسن لأن الكنيسة تعيد اليوم باليوبيل الفضي برجاء يمتد إلى اليوبيل الذهبي والماسي، وإلى مائه سنة يا سيدنا أنبا شنوده وتتمتع بخدمة متسعة ترعاها برعاية الأب المتفتح القلب والذهن الذي لا يغمض له جفن…”[26].
وقال البابا شنوده ردًا على هذه الكلمة: “أشكر كلمة المحبّة التي ألقاها قدس القمص متى المسكين، أب رهبان هذا الدير في عاطفة عميقة وقوية، وأشكركم على حسن استقبالكم وأشكر محبتكم وأشكر البركة التي أخذتها بدخولي هذا الدير…”[27]. نعم كانت هناك خلافات فكريَّة بينهما لكنها لم تصل أبدًا إلى حد العداوة، وبمرور الزمن خفت حدة الاحتقان بينهما، حيث قام البابا شنوده بزيارته في أثناء مرضه، ونُشر خبر الزيارة في مجلة الكرازة التي يحرّرها البابا بنفسه، وقد وصفت الأب متى المسكين بـ«القُمص المكرّم»[28].
ويخلص الكاتب في مبحثه إلى: “إن الليتورجيا مذياع لما يقرره الآباء فليست مصدرًا ذا استقلال، فهي خاضعة قديمًا لما يثبت ويرفع من حوار مع الهراطقة، وحديثًا –على ما رأينا في مثالنا- لما يتبناه القائمون على الكنيسة، وإن خالفوا الآباء“[29]. فكما قلنا إنَّ الليتورجيا تتطور وتتشكل بالفعل بحسب الوضع الكنسيّ ولكن ليس كما يقول بحسب ما يتبناه القائمون على الكنيسة وإن خالفوا الآباء، لأنه كما رأينا مسألة تناول يهوذا من عدمه اختلف الآباء في تفسير الأمر ولم يُستقر عليه وهذا ليس من العقيدة في شيء لذلك يخضع الأمر لقواعد الرأي والتفسير التي يمكن الاختلاف فيها.
[1] محمد هنداوي الأزهريّ، نقد التقليد الكنسيّ، الكنيسة المصريَّة أنموذجًا، نشر دار اللؤلؤة، الطبعة الأولى 2021، صـ151.
[2] د. رشدي واصف بهمان، مدخل إلى علم الليتورجيات، مجلة الكرمة، العدد الأول، 2004م.
[3] بول ف. براد شو، البحث عن أصول العبادة المسيحية، مصادر وطرق دراسة الليتورجية المبكرة، مراجعة وتقديم الأنبا مكاري الأسقف العام، ترجمة القس مينا القمص إسحق، الكلية الإكليريكية اللاهوتية للأقباط الأرثوذكس بالأنبا رويس، 2020م، صـ 77.
[4] الأسقف يوحنا يازجي، المصادر الليتورجية، منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقي الااهوتي، جامعة بلمند، طرابلس، لبنان، الطبعة الأولى، 2005، صـ 21-24.
[5] هنداوي، مرجع سابق، صـ 154-159.
[6] بول ف. برادشو، البحث عن أصول العبادة المسيحيةَّ، ترجمة: القس مينا القمص إسحق، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى 2021م، الفصل الرابع “قوانين الكنيسة القديمة: لُغز مُستمر”.
[7] هنداوي، مرجع سابق، صـ 161-162.
[8] هنداوي، مرجع سابق، صـ162-163.
[9] يوسابيوس القيصري، تاريخ الكنيسة 5: 24، تعريب القمص مرقس داود،
[10] المرجع السابق 5: 28.
[11] المتنوعات 7: 7، 6: 15، 6: 18.
[12] ضد ماركيون 5: 3، 1.
[13] ضد فالنتينوس 4: 1.
[14] د. جوزيف موريس فلتس، تعاليم لاهوتية في النصوص الليتورجية – الإيمان بابن الله ليتورجيًّا.
[15] هنداوي، مرجع سابق، صـ163
[16] أقدم ترنيمة محفوظة للقديسة العذراء مريم باسم ثيؤطوكوس، هو النشيد المعروف في العديد من البلدان الكاثوليكيّة الرومانيّة والأرثوذكسيّة، وقد عُثر على النصّ الأقدم لهذا النشيد في الليتورجيَّة القبطيّة لعيد الميلاد. ويسجل المخطوط الترنيمة باللغة اليونانيّة، ووفقًا للباحث Serafim Seppälä “لا توجد أسباب لاهوتيّة أو فلسفيّة محددة لرفض تأريخ النصّ في القرن الثالث”. وتستخدم الترنيمة حتّى يومنا هذا في شكل الترنيمة المعروفة الآن باسم (في ظل حمايتكِ)، وكذلك في الصلوات الأرمنيّة والبيزنطيّة والأمبروسيّة والطقوس الرومانيّة، وإلى جانب النصّ اليونانيّ، يمكن العثور على نسخ قديمة بالقبطيّة والسريانيّة والأرمنيّة واللاتينيّة، وسنتعرض لها لاحقًا، وترجمة الترنيمة هي:
في ظلّ حمايتكِ،
نلتجأ، يا والدة الإله (الثيؤتوكوس):
لا تردي طلبتنا في وقت الشدة:
لكن نجينا من الأخطار،
أيتها النقية المباركة وحدكِ.
للمزيد انظر:
مارك شريدن، من النيل إلى الرون وما بعد؛ دراسات في الأدب الرهبانيّ المبكّر والتفسير الكتابيّ، ترجمة: موريس وهيب، وبيشوي جرجس، نشر الكلية الإكليريكية، طبعة أولى نوفمبر 2019م، ص 283-298.
Frederica Matthewes-Green, The Lost Gospel of Mary: The Mother of Jesus in Three Ancient Texts, Brewster MA: Paraclete Press (2007), pp. 85–87; Michael O’Carroll, Theotokos: A Theological Encyclopedia of the Blessed Virgin Mary, Wilmington: Michael Glazier Inc (1982), p. 336; François Mercenier, L’Antienne mariale grecque la plus ancienne, Le Muséon 52 (1939), pp. 229–233; Serafim Seppälä, Elämän Äiti, Neitsyt Maria varhaiskristillisessä teologiassa, Helsinki: Maahenki (2010), p. 84.
[17] مينا فؤاد، الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، 2010، مدونة التنوير.
[18] جبرائيل جامبيرارديني الفرنسيسكانيّ (الأب)، إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، تعريب عبد الملك سامي، نشر المركز الثقافي الفرنسيسكانيّ، طبعة أولى 2021م.
[19] الثيؤتوكوس: دراسة قصيرة وإعادة تقييم للمصطلح اللاهوتي، مرجع السابق.
[20] إكرام المصريين للعذراء مريم من القرن الأول إلى القرن السادس، مرجع سابق، صـ244.
[21] هنداوي، مرجع سابق، صـ178.
[22] الأنبامتاؤس، أسقف ديرالسريان، القرارات المجمعية الخاصة بالطقوس الكنسية، تقديم الأنبا بيشوي، الناشر: دير السيدة العذراء السريان.
[23] الجزء التالي بتصرف عن الأنبا أبيفانيوس، في محاضرة عن التمييز بين الهرطقة والرأي والعقيدة، رابط المحاضرة:
[24] البابا شودة الثالث، سنوات مع أسئلة الناس الجزء الأول، الطبعة التاسعة 1996.
[25] هنداوي، مرجع سابق، صـ182.
[26] فيديو موثق لزيارة البابا شنوده لدير أنبا مقار يوم الأحد 3 نوفمبر 1996م.
[27] المرجع السابق.
[28] عبد الله الطحاوي، فتنة طائفية أم شرارة الصراع على الهوية، مكتبة الشروق الدولية، 2013، صـ 39.
[29] هنداوي، مرجع سابق، صـ 183.
ليتورجية الكنيسة القبطية هي حياة – الرد على كتاب الأزهري
الإيمان بابن الله ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس
الإيمان بابن الله ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس
الإيمان بابن الله ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس
مقدمة :
في بحثنا لموضوع ” الإيمان بابن الله ليتورجيًا ” سنتناول بالحديث كيف أن الكنيسة تعيش عبر العصور الإيمان بكلمة الله، الابن المتجسّد، يسوع المسيح، الرب والمخلّص، في شركة واختبار حيّ لمفاعيل سر التدبير الإلهي الذي تمّمه.
ولقد عبّرت الكنيسة عن إيمانها هذا في مناسبات عديدة وبطرقٍ متنوّعة، فلقد كانت المعمودية والمحاكمات التي كانت تجرى للمسيحيين في القرون الأولى، من المناسبات المهمّة للتعبير عن هذا الإيمان كما يشهد آباء تلك الفترة، ثم جاءت نصوص الليتورجيات كسَّر الإفخارستيا مثلاً، وصلوات التسبحة، وأسبوع الآلام لتعبّر عن إيمان الآباء وما تعتقده الكنيسة في شخص يسوع المسيح ابن الله الحيّ كما سنرى:
أولاً : استخدام الكتاب المقدس ليتورجيًا:
لقد حوت أسفار العهد الجديد على اعتراف إيمان ὁmolog…a p…stewj الآباء الرسل الواضح والصريح بالثالوث الأقدس الآب والابن والروح القدس في تعبيرات بسيطة بدون التركيز على الصياغات اللاهوتية لهذا الاعتراف. وقد ركّز اعتراف الإيمان في كتابات العهد الجديد في المقام الأول على ضرورة الاعتراف بأن يسوع المسيح هو الرب ” وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس ” (1كو3:12)، وأيضًا ” لأنك إن اعترفت بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خَلُصتَ ” (رو9:10).
ويسجل لنا متى الإنجيلي كلمات الرب نفسه لتلاميذه عندما دعاهم للخدمة، وكلّفهم بحمل البشارة المفرحة، وأوصاهم قائلاً ” فكل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبى الذي في السموات، ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدام أبى الذي في السموات ” (مت32:10ـ33). بل وما “خيانة” بطرس الرسول في جوهرها إلاّ إنكاره الإيمان بابن الله أى إنكاره بمعرفة السيد المسيح.
ويمكن أن تلاحظ أيضًا ” اعتراف الإيمان ” هذا في اجتماع الجماعة العابدة والساجدة (في ليتورجيا) يصفها بولس الرسول في رسالته إلى أهل فيلبى إذ يقول ” لكي تجثوا باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض ويعترف كل لسان أن يسوع هو رب لمجد الله الآب ” (فى11:2). وما إجابة الخصي على فيلبس إلاّ اعتراف إيمان تم ـ كما سنرى ـ في عمل موقف اتخذته الكنيسة لتدعيم عمل ليتورجى: ” فأجاب وقال أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله” (أع37:8).
عقيدة أخرى شملها ” اعتراف الإيمان بابن الله ” كما جاءت في أسفار الكتاب المقدّس وهى أن الاعتراف بيسوع الرب هو الاعتراف به مسيحًا أي الممسوح بالروح القدس ذلك لأن يسوع هو المسيح وهو موضوع كل ما جاء في العهد القديم من نبوات والتي تمّت وأُكمِلَت في يسوع الناصري ، يسوع الذي جاء في الجسد ولهذا كتب معلّمنا يوحنا الإنجيلي موضحًا في رسالته الأولى قائلاً ” من هو الكذاب إلاّ الذي ينكر (عكس يعترف) أن يسوع هو المسيح ” (1يو22:2)، وفى موضع آخر من نفس الرسالة يوضح خطورة عدم الاعتراف بذلك الذي جاء في الجسد فيحذر ” كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فهو من الله وكل روح لا يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء في الجسد فليس من الله وهذا هو روح ضد المسيح ” (1يو3:4).
وعلى وجه العموم فالعهد الجديد يركز على ضرورة اعترافنا دائمًا بالله الواحد الآب والرب يسوع المسيح (بميلاده ـ موته ـ قيامته وصعوده ـ مجيئه الثاني) وبالروح القدس[1].
والشركة التي اختبرها الرسل وعاشوها وأرادوا أن يشركوا آخرين فيها هى شهادة marthr…a بالذي رأوه وسمعوه ولمسته أيديهم أى ” اعتراف إيمان ” قادهم إلى الشركة مع الآب والابن والروح القدس، هذه الشركة نفسها نقلوها حيّة وسلّموها بلا تغيير لمن بعدهم وليشترك فيها أيضًا كل من له ” اعتراف الإيمان ” أو قانون الإيمان هذا.
لأجل هذا كله نجد أن الكنيسة في استخدامها الليتورجى للكتاب المقدس وخصوصًا عند ممارستها لسر الإفخارستيا وقبل قراءة إنجيل القداس، تعلن عن نفس الإيمان الذي أعطاه الرب وكرز به الرسل وسجّله الإنجيل، وذلك لتشهد وتكرّر ـ في كل مرّة يُقام فيها السّر ـ شهادتها بأنها تمارس نفس السّر الذي أسّسه الرب يسوع نفسه من أجلنا ومن أجل خلاص نفوسنا، وبإعلان إيمانها بابن الله الحيّ تنال ـ من خلال هذا السر ـ مغفرة للخطايا، وشركة الحياة الأبدية.
ثانيًا: ولقد كانت المعمودية هى أهم المناسبات الليتورجية ـ كما سبق القول ـ للاعتراف بالإيمان أى الاعتراف بالمسيح يسوع ربًا، حيث إن المعمودية كانت تُجرى باسم الرب يسوع كما يشهد سفر الأعمال (أع16:8،5:11) ولهذا كانت الكنيسة تُعّد الموعوظين ـ أى الآتين إليها ـ لقبول المعمودية والاشتراك في الليتورجية. وكان هذا الإعداد يتطلّب دقة واهتمام لكي لا يدخل الكنيسة إلاّ من يؤمن بابن الله. ويخبرنا القديس كيرلس الأورشليمي أن الإيمان كان الموضوع الرئيسي في تعليم الموعوظين[2] حيث كان يُشرح لهم أثناء فترة الصوم الأربعيني معتقدات الكنيسة الرئيسية.
وتمدنا كتابات الآباء الرسوليين بنصوص هامة عن مضمون الإيمان بابن الله أو اعتراف الإيمان في ذلك العصر حيث يكتب القديس كليمندس الروماني: ” أليس لنا إله واحد والمسيح الواحد والروح الواحد الذي أعطانا النعمة وسكب على الكل “[3].
وقد أشار الشهيد أغناطيوس الأنطاكي إلى الإيمان بابن الله بقوله:
” ليس سوى إله واحد ظهر بابنه يسوع المسيح كلمته ” [4].
وفى نص رائع يعبّر القديس والشهيد أغناطيوس عن إيمانه هذا فيقول [لأن إلهنا يسوع المسيح قد حملته أحشاء مريم كحسب التدبير الإلهي فوُلد من ذرية داود ومن الروح القدس. وُلد واعتمد ليطهّر الماء بآلامه]، ويحذر المؤمنين قائلاً [احموا آذانكم عن أي شئ آخر سوى المسيح يسوع سليل داود المولود من مريم العذراء الذي وُلد حقًا وأكل وشرب حقًا وصُلب حقًا على عهد بيلاطس البنطي ومات حقًا أمام السمائيين والأرضيين والذين تحت الأرض وقام حقًا من الأموات. فالآب هو الذي أقامه وسيقيمنا معه وعلى مثاله نحن الذين آمنا به، وبدونه لا حياة حقيقية لنا] [5].
وكتب الشهيد بوليكاربوس رسالة إلى أهل فيلبى يعرّفنا في بدايتها بالتعاليم التي تسلمها منذ البدء والتي تمثل بالنسبة له “إيمان” يجب التمسك وعدم التفريط فيه فيقول:
[ من لا يعترف بأن يسوع المسيح قد جاء في الجسد فهو ضد المسيح ومن لا يسلّم بشهادة الصليب فهو من الشيطان وكل من يسئ تأويل أقوال الرب، حسب رغباته الخاصة وينكر القيامة والدينونة فهو بكر الشيطان ، لذلك فلندع الأحاديث الضالة والباطلة والأقوال الفاسدة ولنتمسك بالتعاليم التي سُلمت إلينا منذ البدء ][6].
ومن المناسبات الأخرى للاعتراف هي المحاكمات التي كانت تجرى للمسيحيين حيث كان يُرغم المسيحي على أن يقول ” يسوع أناثيما ” أي مرفوض أو ملعون، وفى محاكمة الشهيد بوليكاربوس طَلب منه الوالي أن يلعن المسيح فأجاب بوليكاربوس قائلاً: كيف ألعن ملكي[7]. وفى خطاب بلينى Pliny حاكم بيثينيا على البحر الأسود إلى الإمبراطور تراجان حوالي سنة 112 م يقول [أحاول أن أجعلهم يلعنون المسيح ][8].
وأيضًا قدَّم الشهيد يوستينوس دفاعًا رائعًا عن الإيمان المسيحي والمسيحيين أمام الإمبراطور أنطونيوس بيوس وأدار حوارًا مع اليهودي تريفو أوضح فيه الإيمان المسيحي فيقول: [ نحن نعبد الإله الحقيقي وابنه الذي جاء منه والروح الذي أعطى النبوة][9] ويوضح الشهيد يوستينوس أمام الإمبراطور إيمان المسيحيين فيقول: [ إننا نعبد الآب الذي خلق كل الأشياء بابنه يسوع المسيح وبالروح القدس….. نحن لسنا ملحدين لأننا نعبد خالق هذا العالم ولدينا أسبابًا حسنة تجعلنا نوقر (الآب) الذي علّمنا هذه الأشياء والمولود منه يسوع المسيح الذي صُلب على عهد بيلاطس البنطى والى اليهودية في عهد طيباريوس قيصر… والروح القدس الذي أعطى النبوة ][10] وفي موضع آخر يدافع عن نفس هذا الإيمان فيقول [ نحن نعلم بأن الكلمة هو بكر الآب مولود منه بدون زرع بشر، يسوع المسيح معلمنا الذي صُلب ومات وقام وصعد إلى السموات ][11].
القديس إيريناؤس وقاعدة الإيمان :
لقد عاش القديس ايريناؤس في القرن الثاني الميلادي وفي هذه الفترة كثرت الهرطقات وانتشرت ومع هذا فهو يكتب [ إن الكنيسة مبعثرة في كل أرجاء المسكونة لكن لها إيمان واحد سُلِّم من الرسل ثم إلى تلاميذ الرسل وعلى الرغم من أن لغات البشر تختلف إلاّ أن جوهر التقليد واحد في كل مكان ][12].
ولقد أوجد القديس إيريناؤس تعبيرًا رائعًا ودقيقًا استخدمه في مناسبات عديدة ليصف به محتويات العقيدة وتعاليم الكنيسة ذلك هو تعبير ” قاعدة الإيمان “[13] هذا الإيمان هو الذي أسست عليه الكنيسة ليتورجياتها وعبّرت عنه في نصوص هذه الليتورجية. ولهذا يكتب في مقالة شرح الإيمان الرسولي ضمن كتاب عن ” الكرازة الرسولية “ فيقول [ إن البند الأول من قانون إيماننا، وقاعدة البناء وأساس الخلاص هى أن: ” الله الآب غير المولود، غير المُحوى، غير المرئي إله واحد خالق الجميع”.
والبند الثاني: هو أن كلمة الله ” ابن الله، يسوع المسيح ربنا، الذي تنبأ عنه الأنبياء، الذي كل شئ به كان وبتدبير الآب في الأيام الأخيرة صار إنسانًا بين البشر وتراءى للكل لكي يُبطل الموت ولكي يجمّع كل شئ ويُظهر الحياة ويصنع شركة بين الله والإنسان”. والبند الثالث هو أن: “الروح القدس هو الذي بواسطته تنبأ الأنبياء وتعلّم الآباء بأمور الله، والذي بواسطته دخل الأبرار إلى طريق البر، كما أنه انسكب في الأيام الأخيرة بطريقة جديدة على جنس البشر مجددًا الإنسان لله ][14].
وإن كانت الأسفار المقدسة قد احتوت اعترافًا بالإيمان إلاّ أن وجود صيغة محددة للإيمان ومعروفة كانت ضرورية لمن ليس لديهم هذه الأسفار بلغتهم من الشعوب غير اليونانية واللاتينية ، فيقول ق. إيريناؤس [ هؤلاء ليس لديهم الأسفار المقدسة بلغتهم لكنهم يعرفون محتويات الرسالة والإيمان المسيحي لأنه مكتوب على قلوبهم وهم يعلنون مع الذين لديهم الأسفار الإيمان بإله واحد خلق السماء والأرض وكل ما فيهما في المسيح يسوع ابن الله الذي جاء من أجل عظم محبته للخليقة وولد من العذراء لكى يتمجد فيه الإنسان بالله ، ومات على عهد بيلاطس البنطى وقام وصعد بمجد عظيم وسيأتي في اليوم الأخير.. والروح القدس ][15].
شهادة أخرى يقدمها لنا القديس هيبوليتوس الذي استشهد عام 235م:
ومن أهم ما كتب ق. هيبوليتوس أو أبوليدس كما نسميه بالعربية ، هو كتاب ” التقليد الرسولي ” وهذا الكتاب هو أقدم ما وصل إلينا عن قواعد العبادة والخدمة الليتورجية بالكنيسة ويتضمّن أيضًا طقس رسامات درجات الكهنوت الثلاثة ثم القداس والمعمودية وفى كتاب آخر له كتب ضد هرطقة نوئيتس يذكر ق. هيبوليتوس الصيغة التي أقرها الأساقفة بسميرنا في أسيا الصغرى عن الاعتراف بالإيمان فيقول [نمجد الإله الواحد ولكن كما نعرفه ونقبل المسيح ابنًا لله الذي تألم كما هو معروف لنا ومات بالطريقة المعروفة (الصليب) وقام في اليوم الثالث وهو عن يمين الآب وسيأتي ليدين الأحياء والأموات][16].
رسالة الرسل:
في نص يرجع تاريخه إلى القرن الثاني تقريبًا ويسمى pistula Apostolourm رسالة الرسل، نرى صورة مبسّطة لاعتراف الإيمان وتتركز على بنود خمسة للإيمان.
وجاء في هذا النص شرح لمعجزة الخمس خبزات التي أشبعت الجموع حيث إن البنود الخمس للإيمان هي هذه الخبزات:
1 ـ الإيمان بالآب خالق الكون 2 ـ بيسوع المسيح فادينا
3 ـ بالروح القدس المعزى 4 ـ بالكنيسة الجامعة
5 ـ بمغفرة الخطايا[17]
السمكة تعبير مختصر عن الإيمان : ICQUS
وردت عبارة ” يسوع المسيح ابن الله المخلص ” كتعبير مختصر عن الإيمان المسيحى وكان رمز السمكة هو المُعبّر عن هذا الإيمان حيث أن حروف كلمة أخثيس ICQUS هى الحروف الأولى من هذه الكلمات الخمس.
ولقد شهد العلامة ترتليان ونقوش Abercuis بذلك كما وردت هذه العبارة في مؤلفات الكتّاب المسيحيين كقانون إيمان يعبّر عن المعتقد المسيحي.
القرن الثالث الميلادي:
تمدّنا مصادر القرن الثالث الميلادي بطريقة ممارسة الاعتراف بالإيمان. فكما كانت فرصة القدوم للمعمودية هي المناسبة الأولى التي تلزم ضرورة الاعتراف بالإيمان. فقد كانت طقوس ليتورجية المعمودية ذاتها هي المناسبة الثانية لما يتّم فيها من “استجواب” في الماء للوقوف على مدى استعداد المُعَمد لقبول هذا الإيمان والاعتراف به فيقول العلامة ترتليان “عندما نغطس ثلاث مرات نجيب إجابة أطول من تلك التي قررها الرب في الإنجيل”[18] أي اعتراف بالإيمان أكثر تفصيلاً من صيغة التعميد كما جاءت في (مت 19:28). وهذا الاستجواب كان في صورة أسئلة محدّدة يسألها الكاهن وهو يضع يده على رأس المعمد في الماء والذي يجيب في كل مرة أؤمن.
1 ـ هل تؤمن بالله الآب ضابط الكلّ؟ فيرد المُعمّد قائلاً: أؤمن به. عندئذ فليعمّده للمرة الأولى ويده على رأسه ثم يقول.
2 ـ هل تؤمن بالمسيح يسوع ابن الله الذي وُلِّد بفعل الروح القدس ومن العذراء مريم ومات وقُبر وقام حيًا من بين الأموات في اليوم الثالث وجلس عن يمين الآب وسيأتي ليدين الأحياء والأموات ؟ فيقول المُعمّد: أؤمن. عندئذ يعمده للمرة الثانية ويعود فيسأله.
3 ـ هل تؤمن بالروح القدس وبالكنيسة المقدسة وبقيامة الجسد ؟ فيقول المُعمد: أؤمن. وعليه يعمده المرة الثالثة، وعندما يخرج من الماء يدهنه الكاهن بالزيت المقدس باسم يسوع المسيح “[19].
غير أنه بانتهاء طقس المعمودية لا تنتهي الفرصة للاعتراف بالإيمان وذلك لأن كل صلاة واجتماع مسيحي يعنى الاعتراف بالإيمان لاسيما في الاجتماع الإفخارستى.
القرن الرابع:
تأتى شهادة القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو من آباء القرن الرابع (340ـ397م) لتوضّح أيضًا علاقة الإيمان بالمعمودية وأن تغطيس المُعمّد في الماء ثلاث مرات على اسم الثالوث هى فرصة لتقديم شهادة إيمانه بالأقانيم الثلاثة أو كما يسميه أمبروسيوس الاعتراف الثلاثى، وبعمل المسيح الخلاصى بموته على الصليب وقيامته من أجلنا فيقول:
[ لقد سُئلت: أتؤمن بالله الآب ضابط الكل؟ فأجبت: أؤمن. إذاك غُطست في الماء. أي دُفنت. ثم سُئلت ثانية: أتؤمن بربنا يسوع المسيح والصليب؟ فأجَبتَ: أؤمن. وغُطست في الماء. وبذلك دُفنت مع المسيح، وسئُلت مرة ثالثة: أتؤمن أيضًا بالروح القدس؟ فأجبت: أؤمن. وغُطّست مرة ثالثة، حتى أن الاعتراف الثلاثى يزيل سقطات الماضي المتكررة ][20].
وهذا الاعتراف الثلاثى ليس فقط اعتراف بتمايز الأقانيم بل وأيضًا هو شهادة إيمان للأقانيم بالتساوي إذ يضيف القديس أمبروسيوس في موضع آخر قائلاً : [ لقد غُطستم إذن (فى الماء) فتذكروا ما أجبتم به على الأسئلة، (إذ اعترفتم) بأنكم تؤمنون بالآب، وأنكم تؤمنون بالابن، وأنكم تؤمنون بالروح القدس. لم يكن الإقرار بأنكم تؤمنون بأقنوم أعظم وأقنوم عظيم وأقنوم أقل عظمة، ولكنكم ارتبطتم بنفس التأكيد، بإعلان صوتكم أنكم تؤمنون بالابن بنفس إيمانكم بالآب، وأنكم تؤمنون بالروح القدس ينفس إيمانكم بالابن، باستثناء واحد، هو أنكم تعترفون أنكم ينبغي أن تؤمنوا بصليب الرب يسوع وحده ] [21].
ونظرًا لانتشار الهرطقات والتي كان هدفها تحريف الحق لذلك كان هناك ضرورة لعدم الاكتفاء بما تمّ في المعمودية من استجواب وضرورة الاعتراف بالإيمان بعد أن يتحدّد لا في الصيغة الرسولية فقط والمعروفة لنا في العهد الجديد بل بإضافة كلمات وتعبيرات معيّنة تَرُدَ على الهرطقات المنتشرة. ومن هنا جاءت الحاجة إلى نصوص ليتورجية تعكس الإيمان المستقيم في تعبيرات ومصطلحات، عُرفت هذه النصوص باسم قوانين الإيمان والتي من بينها قانون دير البلايزة.
نصوص صلوات المعمودية [22]:
تعكس هذه النصوص إيمان الكنيسة بابن الله، يسوع المسيح، الذي هو:
أ ـ رب وإله ومخلّص : ” ربنا وإلهنا ومخلّصنا.. ” (ص11،13).
ب ـ الابن الوحيد الجنس : ” ابنك الوحيد الجنس .. ” (ص 17).
ج ـ الممسوح بدهن الفرح … عب8:1ـ12 (ص18).
د ـ الذي لم يحسب الرب عليه خط يئة ولا يوجد في فمه غش: نبوة داود مز31 (ص19).
هـ ربّ الطبيعة ـ الطبيب الحقيقي: (ص 29).
كما تكرر إيمانها واعترافها هذا في نص صلاة الكاهن على الزيت: (ص30 ).
قانون دير البلايزة:
وأخيرًا نورد صيغة الاعتراف أو قانون الإيمان المستخدم في ليتورجية المعمودية في الكنيسة القبطية والمعروف في علم الليتورجيات باسم قانون دير البلايزة:
“ اعترف بإله واحد الله الآب ضابط الكل وبابنه الوحيد يسوع المسيح ربنا وبالروح القدس المحيى وبقيامة الجسد وبالكنيسة الواحدة الجامعة الرسولية“
حيث يقوم الكاهن بترديد هذا النص أمام الإشبين ثم يسأله ثلاث مرات قائلاً: آمنت عن هذا الطفل ؟ فيجاوبه ثلاث مرات قائلاً: آمنت[23].
وهكذا تعيش الكنيسة وتمارس ليتورجيًا، إيمانها الحيّ بابن الله.
[1] رو24:4، 11:8، 1كو6:8، 2كو14:4، غل1:1، اتس10:1، كو12:5، أف20:1، 1بط21:1، 2بط2:1، 2يو2:1،3.
2 انظر كيرلس الأورشليمي: الآباء الأولون (1) كنيسة مارجرجس باسبورتنج 1970.
3 رسالة كليمندس الروماني فقرة 7.
4 مغنيسيا8 .
5 القديس أغناطيوس تراليا7.
6 الرسالة إلى فيلبى 2:7.
7 استشهاد بوليكاربوس 3:9.
8 خطاب بلينى إلى الإمبراطور تراجان 93:10.
9 الدفاع الأول: 6.
10 الدفاع الأول: 3.
11 الدفاع الأول: 21.
12 إيريناوس : ضد الهرطقات 10:1، 2:1 مجلد 549:7 .
[13] “قاعدة الإيمان” من مرادفات كلمة قانون .
14 انظر كتاب “الكرازة الرسولية” للقديس ايريناؤس، ترجمة د. نصحي عبد الشهيد و د. جورج عوض إبراهيم. المركز الأرثوذكسي للدراسات الآبائية 2005م، الفصل السادس.
[15] ضد الهرطقات 4:3 ،2 مجلد 855:7 .
16 هيبوليتوس: ضد نوئيتس1،235ـ237 .
[17] انظر كواستن جـ1 ص 25 .
[18] ترتليان : الإكليل 3 .
[19] انظر الدسقولية : ص 490
[20] عن الأسرار 7:3 :20 مجموعة S.Ch No. 25, p. 68..
[21] عن الأسرار فصل 5.
22 نصوص صلوات المعمودية عن كتاب صلوات الخدمات في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مكتبة المحبة. بدون تاريخ.
[23] المرجع السابق، ص 33ـ34 ويلاحظ أن هذا النص يردّده أيضًا الأسقف أو الأب البطريرك عند رسامته معترفًا بإيمان الكنيسة وبصفته راعيًا ومؤتمنًا ومعلّمًا لهذا الإيمان.
الإيمان بابن الله ليتورجيًا – د. جوزيف موريس فلتس
الليتورجيا والإنجيل – قراءة ليتورجية للإنجيل وقراءة إنجيلية لليتورجيا
الليتورجيا والإنجيل – قراءة ليتورجية للإنجيل وقراءة إنجيلية لليتورجيا
الليتورجيا والإنجيل – قراءة ليتورجية للإنجيل وقراءة إنجيلية لليتورجيا
الباحث رأفت موسى ذكري
أولاً: الاستخدام التاريخي والكتابي لكلمة ”ليتورجيا”:
كلمة ليتورجيا λειτουργι’α كما هو معروف هي كلمة يونانية معناها الحرفي عمل الشعب أو العمل الجماعي[1]، وكلمة الإنجيل Εὐαγγελιον هي أيضًا كلمة يونانية تعني البشارة المفرحة. غير أن مبحثنا الأساسي ليس مبحث لغوي بقدر ما هو محاولة للولوج داخل العلاقة بين المفاهيم الأساسية للكلمتين. استخدمت كلمة ليتورجيا في العالم اليوناني القديم للتعبير عن معني الخدمة الإلزامية أو الإجبارية المفروضة علي العبيد بشكل خاص أو علي الشعب بشكل عام[2]، وفي الترجمة السبعينية استخدمت الكلمة ومشتقاتها أولاً كترجمة للفعل العبري ‘ebhodha’h والذي يعني عبودية للتعبير عن عبودية الشعب العبري في مصر[3]، أو جاءت بمعني يعمل أو يشتغل[4]، أو بمعني خدمة الرب يهوة (أقليل عليكم أن اله إسرائيل أفرزكم من جماعة إسرائيل ليقربكم إليه لكي تعملوا خدمة مسكن الرب و تقفوا قدام الجماعة لخدمتها)[5]، وفي العهد الجديد جاءت الكلمة 15 مرة بثلاث صورة مختلفة[6]:
أولاً: بصيغة فعلية[7]
ثانيا: بصيغة وصفية للأشياء[8]
ثالثا : بصيغة وصفية للأشخاص[9]
هذا معناه أن الشخص أو الشيء أو العمل نفسه كلها أمور ليتورجية بمعني أنها تخص الجماعة، ولكن التساؤل متى استقر حصر المعني في الصلاة الطقسية؟ والإجابة علي هذا السؤال هي. إن الصلاة الطقسية هي التي حصرت الكلمة لان في هذه الصلاة تم حصر كل أنواع الخدمة، من خدمة فقراء أو خدمة عامة، أو أسرار كنسية أخري كالمعمودية ، الكهنوت ، الزيجة. إذا الصلاة الليتورجية هي الحدث الحاصر لكل عمل تعمله الكنيسة، وان كان هناك بعض الأعمال الآن تتم بعيداَ عن الليتورجية، إلا أنها لا تتم بمعزل عن السياق الليتورجي.
ثانيًا: الإنجيل في الليتورجيا
ما قدمناه هو نوع من أنواع الحصر اللغوي لتاريخ استخدام كلمة ليتورجيا حتى يمكننا من خلاله أن ننطلق إلى فهم العلاقة العميقة بين الليتورجيا والإنجيل.
تتميز الكنيسة القبطية بقراءات كتابية لا توجد في معظم الكنائس ، فالكنيسة القبطية تقرأ 9 قراءات يومياَ علي الأقل من الكتاب المقدس[10] بخلاف ما تقرأه من مزامير وأناجيل في صلاة الأجبية. ما كل هذا الزخم الكتابي الذي تحياه الكنيسة ؟ هذا هو سر الكنيسة. إن الإنجيل وهو البشارة المفرحة الخاصة بشخص الرب يسوع المسيح هو عمق وسر الكنيسة، يقول القمص تادرس يعقوب ملطي: نستطيع أن نقول إن من يرى الكنيسة كما هي إنما يعاين السيد المسيح رأسها؛ هي سر المسيح الذبيح وجسده [11].
الليتورجيا المسيحية تعي عمقها اللاهوتي في شخص الرب يسوع، الذي هو ابن الله الكلمة المتجسد في الزمن، سر المسيح الذي استلمته الكنيسة تفتش عنه في ” كتاب ميلاد يسوع المسيح “[12]. والبديع حقا أن الكنيسة تتعامل مع الكتاب بمرونة فنجد أن الفصل الواحد من الإنجيل يُقرأ في مناسبات مختلفة فمثلا يقرأ الفصل الخاص بالسامرية في الأحد الرابع من الصوم الكبير، وفي الأحد الثالث من الخماسين، والأول تؤكد الكنيسة فيه علي مفهوم التوبة، والثاني تؤكد فيه علي مفهوم الكرازة، والذي يوضح الهدف من القراءة الإنجيلية، هو المحتوى الموجود في القراءات الأخرى، وهكذا تستوعب الكنيسة سر عريسها منذ البشارة المفرحة التي صارت بتحية السلام لسيدتنا القديسة مريم، حتى السلام الذي تركه لنا المسيح وهو صاعد إلي أبيه جسديًا معطيها وعده بإرسال الروح الذي يذكرها بكل عملة[13]، ومؤكدًا أنه معنا إلي إنقضاء الدهر[14]. فالكنيسة لا تقرأ الإنجيل كحدث تتذكره؛ خاص بشخص المسيح الذي ظهر في التاريخ ، ولكنها تقرأ الإنجيل كمقابلة شخصية مع عريسها القائم وكأنه مذبوح والذي يعطي نفسه لها من خلال الاستعلان الافخارستي. فالكنيسة تري نفسها واقفة عند البئر مع السامرية، وتري نفسها مع التلاميذ في السفينة حيث يبدو يسوع نائما، تري نفسها مع المولود اعمي، وتستقبل من عريسها حضوره المنير، فالأشخاص الذين تقابلوا مع المسيح هم الكنيسة في كل زمان وفي كل مكان.
إذا الليتورجيا هي الذاكرة الحافظة لعمل المسيح مع الكنيسة والذي نقرأه في الإنجيل مشروحا بواسطة الاحتفال الليتورجي. والكنيسة بدون ليتورجيا لا تعدو أكثر من مجرد كيان اجتماعي، ولكن بالليتورجيا تكون الكنيسة هي جسد المسيح الذي يكمل فيها وبها بنيانه[15]. هكذا تقرأ الكنيسة الإنجيل.
ثالثًا :الليتورجيا في الإنجيل:
توجد أشارات عديدة لليتورجيا في الإنجيل، فكما وجدنا أن الليتورجيا هي الذاكرة الحافظة للخلاص، نجد أن الإنجيل هو الاستعلان الموحي به لتسجيل الحدث الخلاصي. ” ثم ابتدأ من موسى و من جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب … فلما اتكأ معهما اخذ خبزا و بارك و كسر و ناولهما فانفتحت أعينهما و عرفاه ثم اختفى عنهما “[16]. هذا النص الإنجيلي يوضح أن انفتاح العيون لفهم كلمة الله الموحي بها للبشر لن يتم إلاّ من خلال الاتحاد الافخارستي، فتلميذا عمواس لم يفهما إلاّ من خلال اتحادهما بذاك الذي قال “من يأكل جسدي و يشرب دمي يثبت في وأنا فيه “[17].
هناك كلمة هامة قالها القديس بولس حينما تكلم عن الافخارستيا “ لأنني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا أن الرب يسوع في الليلة التي اسلم فيها اخذ خبزا شكر فكسر و قال خذوا كلوا هذا هو جسدي المكسور لأجلكم اصنعوا هذا لذكري “[18]. كيف يقول بولس إني تسلمت من الرب، وهو لم يكن معهم في العشاء الافخارستي؟! هو يقول هذا طبقا لمعني كلمة “لذكري” وهي كلمة تحمل في طياتها اختزال الزمان والمكان، فكما آمن بولس أننا دفنا معه وقمنا معه وأصعدنا معه، هكذا كنا معه حينما سلم التلاميذ سر الكنيسة، ولتوضيح هذا، يجب أن نفهم معني الكلمة التي يقولها الكاهن في القداس قبل سر حلول الروح القدس ” ففيما نحن أيضًا نصنع ذكر آلامه المقدسة وقيامته من الأموات وصعوده إلى السموات وجلوسه عن يمينك أيها الآب وظهوره الثاني الآتي من السموات المخوف والمملوء مجدا، نقرّب لك قرابينك من الذي لك “.
ما معنى أننا نصنع ذكر آلامه؟ وما معني أننا نقرب لك قرابينك من الذي لك؟ يقول الكاهن في صلاة التقدمة ” … أنت هو الخبز الحي الذي نزل من السماء. سبقت أن تجعل ذاتك حملا بلا عيب عن حياة العالم. نسألك ونطلب من صلاحك يا محب البشر أظهر وجهك علي هذا الخبز وعلي هذه الكأس هذين الذين وضعناهما علي هذه المائدة الكهنوتية التي لك …”. وتذكر أنافورا القديس غريغوريوس بكلمات أكثر وضوحا ” يا الذي بارك في ذلك الزمان … يا الذي أعطى تلاميذه القديسين في ذلك الزمان الآن أيضًا يا سيدنا أعطنا وكل شعبك يا ضابط الكل ..” هذه المائدة هي مائدة الرب، وهو هو القائم في كل زمان وفي كل مكان يبارك ويقدس ويعطي. وهكذا فليس الرسول بولس فقط هو الذي يقول إن هذا ما استلمته من الرب بل كل الكنيسة تستطيع أن تقول إن هذا هو ما تسلمناه من الرب، هو عريسها قائم كل حين في وسطها. هذا ما جعل القديس أغسطينوس يقول [ إنه عندما كان السيد المسيح علي الأرض منظورًا كانت الكنيسة مختفية فيه، يفعل كل شئ لحسابها، والآن صعد السيد المسيح إلي السماء وصار مختفيًا في كنيسته، فتعمل هي كل شئ باسمه ولحسابه ][19]، كما يذكر القديس إيريناؤس [ إذا نحن نقدم ماله نعلن علي الدوام تبعيتنا واتحادنا بالجسد والروح ][20].
رابعًا: ما بين الليتورجيا والإنجيل:
إن الإشارات السابقة ـ كانت علي سبيل المثال وليس الحصر ـ توضح الترابط الشديد بين الليتورجيا والإنجيل فلا يمكن أن نحيا الإنجيل بدون الاستعلان الليتورجي، وبدون الإنجيل لا نستطيع أن نحيا الحياة التي تعلنها الليتورجيا وهي أن “… نجد نصيبًا وميراثًا مع جميع القديسين “[21].
فالإنجيل هو بشارة مفرحة تستعلن ليتورجيًا، والليتورجيا هي عمل الكنيسة يستعلن إنجيليًا، أي أن الإنجيل هو بشارة لكل العالم لإعلان حياه يسوع المسيح، هذا الإعلان تحياه الكنيسة وتستوعبه لتقدمه في شكل عبادة طقسية تشترك فيها كل الجماعة مع رأسها الذي هو عريسها. هكذا تصلي الكنيسة “ شعبك وكنيستك يطلبون إليك وبك إلي الآب معك… “[22] فالكنيسة لا تستطيع بدون المسيح أن تتقدم إلي الآب كعروس بغير غضن[23]، فالابن المتجسد هو بكر[24] ورأس الكنيسة [25] الذي تتقدم من خلاله كل البشرية التي قبلته فصاروا أبناء الله[26].
البشارة التي أعلنها الملاك جبرائيل كانت ” أن المولود هو عمانوئيل أى الله معنا“[27]، والبشارة التي أعلنها السمائيون في الميلاد للرعاة ” فرح عظيم لجميع الشعب ” [28]، فالكنيسة تحيا هذا الفرح بسبب مسيحها الكائن في وسطها بمجد أبيه والروح القدس.
[1] Il termine λειτουργια nella grecita biblica ،in (Miscellena Mohlberg)، Vol.II،Roma 1949،467ـ519
2 المرجع السابق
3 خر2: 23، 5: 9
4 خر6: 6
5 عد16: 9
[6] THE GREEK NEW TESTAMENT ،Fourth Revised Edition 1993
7 انظر (أع13: 2 ـ رو15: 27 ـ عب10: 11)
8 انظر لو1: 23 – 2كو9: 12 ـ في2: 17 ـ عب 8 :6 ،9: 21
9 انظر رو13: 6، 15: 16ـ في2: 25 – عب 1: 7 ـ14 ،8: 2
10 مزمور وإنجيل عشية وباكر ورسائل البولس والكاثيليكون والأعمال ومزمور وإنجيل القداس
11 القمص تادرس يعقوب ملطي، المسيح في سر الافخارستيا، ص43
12 مت1:1
13 يو14: 26
14 مت28 : 20
15 أف4 : 12ـ 20
16 لو24 :27ـ31
17 يو6: 56
18 1كو11: 23، 24
19 القمص تادرس يعقوب ملطي، المسيح في سر الافخارستيا ص 15.
20 ضد الهرطقات 4: 18
21 صلوات الأواشي في أنافورا القديس باسليوس.
22 أنافورا القديس غريغوريوس
23 أف 5: 24
24 رو 8: 29
25 أف 5: 23
26 يو1 : 12
27 مت 1: 23
28 لو2: 14
