سيدعى ناصريًا – هل أخطأ متى حين قال إن الأنبياء تنبأوا بأن المسيح سيدعى ناصريًا؟

متى 2: 23 — هل نسب متى إلى العهد القديم نبوة غير موجودة؟
الإشكال
يقول متى إن يسوع جاء وسكن في الناصرة:
«وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا نَاصِرَةُ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا.»
متى 2: 23 — ترجمة سميث وفاندايك
لكن لا توجد في أي سفر من أسفار أنبياء العهد القديم نبوة بهذه الصيغة الحرفية: «إنه سيدعى ناصريًا». فهل أخطأ متى حين قال إن هذا تميم لما قيل بالأنبياء؟
الحل
متى لم يقل إن نبيًا واحدًا بعينه قال هذه العبارة حرفيًا. فهو لم يستخدم صيغة المفرد، بل قال: «ما قيل بالأنبياء»، أي بصيغة الجمع. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن آية واحدة بعينها تقول حرفيًا: «إنه سيدعى ناصريًا»، بل عن معنى عام أو خط نبوي موجود في كلام الأنبياء، ويتم في شخصية المسيح وصفته ومكانته.
وبعبارة أخرى، متى لا يقتبس هنا نصًا حرفيًا من آية واحدة، بل يلخص اتجاهًا نبويًا عامًا يشهد لشخصية المسيا كما أعلنها الأنبياء.
الاحتمال الأول: الارتباط بفكرة التكريس لله
يرى بعض المفسرين أن متى ربما يشير إلى أن المسيح أتم متطلبات بر العهد القديم وقداسته الكاملة. فالمسيح نفسه قال:
«لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ. فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.»
متى 5: 17–18 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول بولس الرسول:
«لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزًا عَنْهُ، فِي مَا كَانَ ضَعِيفًا بِالْجَسَدِ، فَاللهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الْخَطِيَّةِ، وَلأَجْلِ الْخَطِيَّةِ، دَانَ الْخَطِيَّةَ فِي الْجَسَدِ، لِكَيْ يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ.»
رومية 8: 3–4 — ترجمة سميث وفاندايك
ومن ضمن صور التكريس في الناموس نذر النذير، حيث يقول سفر العدد:
«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ، لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ.»
عدد 6: 2 — ترجمة سميث وفاندايك
فالنذير كان يفرز نفسه للرب، والمسيح تمم هذا المعنى بصورة كاملة، لأنه المكرس للآب كليًا. ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن كلمة «ناصري» ليست هي نفسها كلمة «نذير» لا في العبرية ولا في اليونانية، كما أن يسوع لم يأخذ نذر النذير بهذا المعنى الطقسي الخاص. لذلك فهذا الاحتمال لا يكون هو التفسير الأقوى إذا أُخذ وحده.
الاحتمال الثاني: الناصرة ولفظ «الغصن»
يرى آخرون أن كلمة ناصرة ترتبط من حيث الجذر أو الصدى اللغوي بكلمة عبرية قريبة هي نֵצֶר (netzer)، ومعناها «غصن» أو «فرع». وهذا مهم لأن كثيرًا من الأنبياء تحدثوا عن المسيا بوصفه الغصن.
يقول إشعياء:
«وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ.»
إشعياء 11: 1 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول إرميا:
«هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُقِيمُ لِدَاوُدَ غُصْنَ بِرٍّ، فَيَمْلِكُ مَلِكٌ وَيَنْجَحُ، وَيُجْرِي حَقًّا وَعَدْلًا فِي الأَرْضِ.»
إرميا 23: 5 — ترجمة سميث وفاندايك
«فِي تِلْكَ الأَيَّامِ وَفِي ذلِكَ الزَّمَانِ أُنْبِتُ لِدَاوُدَ غُصْنَ الْبِرِّ، فَيُجْرِي عَدْلًا وَبِرًّا فِي الأَرْضِ.»
إرميا 33: 15 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول زكريا:
«فَاسْمَعْ يَا يَهُوشَعُ الْكَاهِنُ الْعَظِيمُ أَنْتَ وَرُفَقَاؤُكَ الْجَالِسُونَ أَمَامَكَ، لأَنَّهُمْ رِجَالٌ آيَةٌ، لأَنِّي هأَنَذَا آتِي بِعَبْدِي الْغُصْنِ.»
زكريا 3: 8 — ترجمة سميث وفاندايك
«وَكَلِّمْهُ قَائِلًا: هكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ قَائِلًا: هُوَذَا الرَّجُلُ الْغُصْنُ اسْمُهُ، وَمِنْ مَكَانِهِ يَنْبُتُ، وَيَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ.»
زكريا 6: 12 — ترجمة سميث وفاندايك
وبناء على هذا الفهم، فمتى يرى في سكنى يسوع في الناصرة توافقًا مع الصورة النبوية العامة عن المسيا بصفته الغصن الخارج من نسل داود. فليس المقصود اقتباس جملة حرفية واحدة، بل الإشارة إلى موضوع نبوي واسع تكرر في الأنبياء.
الاحتمال الثالث: الناصرة كموضع احتقار ورفض
يرى مفسرون آخرون أن المقصود بكون المسيح يُدعى ناصريًا هو ارتباطه ببلدة محتقرة في نظر كثيرين. فالناصرة لم تكن مدينة ذات مجد أو مكانة اجتماعية رفيعة، بل كانت تُنظر إليها بازدراء. وهذا يظهر بوضوح في قول نثنائيل:
«فَقَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: أَمِنَ النَّاصِرَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ صَالِحٌ؟ قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: تَعَالَ وَانْظُرْ.»
يوحنا 1: 46 — ترجمة سميث وفاندايك
وبهذا المعنى، فإن لقب «ناصري» لم يكن مجرد تحديد جغرافي، بل كان يحمل نغمة احتقار اجتماعي. وهذا يناسب تمامًا ما أعلنه الأنبياء عن المسيا المتألم، الذي يكون محتقرًا ومرفوضًا من الناس.
يقول إشعياء:
«مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ، رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحَزَنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا، مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ.»
إشعياء 53: 3 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول المزمور:
«أَمَّا أَنَا فَدُودَةٌ لاَ إِنْسَانٌ. عَارٌ عِنْدَ الْبَشَرِ وَمُحْتَقَرُ الشَّعْبِ.»
مزمور 22: 6 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول دانيال:
«وَبَعْدَ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أُسْبُوعًا يُقْطَعُ الْمَسِيحُ وَلَيْسَ لَهُ، وَشَعْبُ رَئِيسٍ آتٍ يُخَرِّبُ الْمَدِينَةَ وَالْقُدْسَ، وَانْتِهَاؤُهُ بِغَمَارَةٍ، وَإِلَى النِّهَايَةِ حَرْبٌ وَخِرَبٌ قُضِيَ بِهَا.»
دانيال 9: 26 — ترجمة سميث وفاندايك
ويقول زكريا:
«وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ، الَّذِي طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ، وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ.»
زكريا 12: 10 — ترجمة سميث وفاندايك
إذن، حين يقول متى إن يسوع دُعي ناصريًا، فهو قد يكون يشير إلى هذا الخط النبوي العام: أن المسيا لن يأتي في صورة مجد أرضي ظاهر، بل سيُحتقر ويُرفض، وهذا ينسجم مع كونه من الناصرة، الموضع الذي كان الناس يحتقرونه.
الخلاصة
متى لم يخترع نبوة غير موجودة، ولم ينسب إلى العهد القديم آية لا وجود لها. هو لم يقل: «كما قال النبي» بصيغة المفرد، بل قال: «ما قيل بالأنبياء» بصيغة الجمع، مشيرًا إلى معنى نبوي عام لا إلى نص واحد حرفي.
وهذا المعنى يمكن فهمه من أكثر من زاوية: من جهة تكريس المسيح الكامل لله، أو من جهة ارتباط الناصرة بصورة الغصن التي تكلم عنها الأنبياء، أو من جهة كون الناصرة موضع احتقار، بما يوافق النبوات عن المسيا المحتقر والمرفوض.
وعليه، فقول متى إن المسيح سيدعى ناصريًا ليس خطأً، بل تلخيص لخط نبوي واسع تحقق في شخص المسيح وحياته واتضاعه ورفض الناس له.
المصدر:
Norman L. Geisler & Thomas A. Howe, When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, Victor Books, 1992, p. 328.
تنبيهات
الأقوى في عرض الموضوع دفاعيًا هو التركيز على أن متى قال «بالأنبياء» بصيغة الجمع، لا «بالنبي» بصيغة المفرد. لذلك فالمسألة ليست بحثًا عن آية حرفية واحدة، بل عن معنى نبوي عام: المسيا كالغصن، والمسيا المحتقر والمرفوض.