هل كان كلام المسيح غريبًا حين قال: «دع الموتى يدفنون موتاهم»؟
هل طلب المسيح من الأموات جسديًا أن يدفنوا الأموات، أم كان يتكلم عن الموت الروحي؟

الإشكال
في إنجيل متى، جاء شخص يريد أن يتبع المسيح، لكنه طلب أولًا أن يذهب ويدفن أباه. فجاء رد المسيح:
«فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: اتْبَعْنِي، وَدَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ» (متى ٨: ٢٢).
ونجد نفس المعنى في إنجيل لوقا:
«فَقَالَ لآخَرَ: اتْبَعْنِي. فَقَالَ: يَا سَيِّدُ، ائْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلًا وَأَدْفِنَ أَبِي. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: دَعِ الْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ» (لوقا ٩: ٥٩–٦٠).
والاعتراض هنا هو: كيف يقول المسيح: «دع الموتى يدفنون موتاهم»؟ فالميت لا يستطيع أن يدفن أحدًا. أليس هذا الكلام غير منطقي أو غير مفهوم؟
الحل
لم يكن المسيح يتكلم هنا عن أموات جسديًا يدفنون أمواتًا جسديًا، بل كان يتكلم عن أناس أموات روحيًا. فالمسيح استخدم كلمة «الموتى» بمعنيين في نفس العبارة: الموت الروحي أولًا، ثم الموت الجسدي ثانيًا.
أي إن معنى العبارة: دع الأموات روحيًا يهتمون بأمر دفن الأموات جسديًا، أما أنت فاتبعني ونادِ بملكوت الله.
وهذا المعنى منسجم تمامًا مع تعليم الكتاب المقدس عن حالة الإنسان البعيد عن الله. فالرسول بولس يقول:
«وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا» (أفسس ٢: ١).
ويقول أيضًا:
«وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ، بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ» (أفسس ٢: ٥).
إذن، الكتاب يستخدم تعبير «الموت» ليس فقط عن انفصال النفس عن الجسد، بل أيضًا عن حالة الإنسان الروحية حين يكون منفصلًا عن الله بسبب الخطية.
شرح النقاط المهمة
١. المسيح لم يطلب شيئًا مستحيلًا حرفيًا
المسيح لم يكن يقول إن الجثث أو الأموات جسديًا يمكنهم أن يقوموا بعملية الدفن. هذا ليس المقصود من الكلام. المقصود أن هناك أشخاصًا أحياء جسديًا، لكنهم أموات روحيًا، يمكنهم أن يتولوا هذا الأمر.
وبهذا يزول الإشكال الظاهري؛ لأن العبارة ليست عبثية، بل هي تعبير روحي عميق يميز بين الموت الجسدي والموت الروحي.
٢. القضية لم تكن مجرد جنازة، بل ترتيب الأولويات
المسيح قال للرجل: «اتبعني». لكن الرجل أجاب بأنه يريد أولًا أن يهتم بأمر عائلته. فالقضية هنا ليست مجرد عمل اجتماعي أو عائلي، بل سؤال عن الأولوية النهائية: من يأتي أولًا، العائلة أم المسيح؟
لا يعني هذا أن المسيح يحتقر العائلة أو يرفض إكرام الوالدين؛ فالكتاب واضح في وصية إكرام الأب والأم:
«أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ» (أفسس ٦: ٢).
لكن عندما تصبح حتى العلاقات العائلية سببًا لتأجيل الطاعة للمسيح أو الهروب من الدعوة، يضع المسيح الأمر في موضعه الصحيح: التلمذة له لها الأولوية العليا.
٣. كلام المسيح يكشف الحالة الروحية لعائلة الرجل
تشير إجابة المسيح إلى أن عائلة هذا الرجل كانت، على الأرجح، غير مؤمنة. ولذلك وصفهم المسيح بأنهم «موتى»، لا بمعنى أنهم ماتوا جسديًا، بل بمعنى أنهم أموات روحيًا.
فالكتاب يصف الذين يعيشون بعيدًا عن الحياة في الله بأنهم أموات بالذنوب والخطايا. ومن هنا، فالمسيح يقول للرجل إن عائلته غير المؤمنة يمكن أن تتولى أمر الدفن، أما هو فقد دُعي إلى أمر أعظم: أن يتبع المسيح وينادي بملكوت الله.
٤. التلمذة المسيحية تتطلب التزامًا عاليًا
كلام المسيح هنا ليس قاسيًا بمعنى أنه ضد الرحمة أو ضد العائلة، بل هو حاسم في إظهار تكلفة التلمذة. فاتباع المسيح ليس إضافة جانبية في حياة الإنسان، بل هو ولاء كامل وأولوية فوق كل أولوية أخرى.
ولهذا قال المسيح في موضع آخر:
«مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي» (متى ١٠: ٣٧).
فالمسيح لا يطلب كراهية العائلة، بل يرفض أن تأخذ العائلة مكان الله في قلب الإنسان. المحبة العائلية صالحة، لكنها لا تكون فوق طاعة المسيح.
٥. عبارة المسيح تحمل دعوة عاجلة لا تأجيل فيها
قال المسيح في لوقا:
«وَأَمَّا أَنْتَ فَاذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ اللهِ» (لوقا ٩: ٦٠).
هذا يوضح أن المسيح لم يكن يناقش فكرة الدفن في ذاتها، بل كان يضع أمام الرجل دعوة عاجلة: إعلان ملكوت الله. فهناك لحظات تكون فيها الدعوة الإلهية واضحة ومباشرة، ولا يجوز للإنسان أن يختبئ وراء أعذار تبدو محترمة لكي يؤجل الطاعة.
الخلاصة
قول المسيح: «دع الموتى يدفنون موتاهم» ليس كلامًا عبثيًا ولا أمرًا مستحيلًا، بل هو استخدام مقصود لتعبير «الموت» بمعنيين: الموت الروحي والموت الجسدي.
المعنى هو: دع الأموات روحيًا يدفنون الأموات جسديًا، أما أنت فقد دُعيت إلى اتباع المسيح وإعلان ملكوت الله.
فالمسيح لا ينكر أهمية العائلة، ولا يلغي إكرام الوالدين، لكنه يعلن أن التلمذة له تأتي أولًا. لأن المسيح ليس مجرد معلم بين معلمين، بل هو الرب الذي له الحق أن يطلب من الإنسان الولاء الكامل والطاعة غير المؤجلة.
تنبيهات لاهوتية
لا ينبغي فهم كلام المسيح كدعوة إلى إهمال الواجبات العائلية أو احتقار دفن الموتى. فالكتاب يعلّم بوضوح احترام الوالدين والاهتمام بالمسؤوليات الإنسانية. لكن النص يتكلم عن حالة خاصة، فيها دعوة مباشرة من المسيح لرجل يريد أن يتبعه، وفيها كشف عن أولوية التلمذة فوق كل ارتباط آخر.
كما يجب الانتباه إلى أن تعبير «الموتى» في الكتاب المقدس يمكن أن يشير إلى الموت الروحي، أي حالة الإنسان المنفصل عن الله بسبب الخطية. وهذا الاستخدام الكتابي يشرح لماذا لم تكن عبارة المسيح متناقضة أو غير منطقية.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 336). Victor Books: Wheaton, Ill.