هل وعد المسيح بالرجوع في حياة التلاميذ؟
كيف نفهم قول المسيح: «لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان»؟

الإشكال
قال المسيح لتلاميذه عندما أرسلهم للكرازة:
«وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هذِهِ الْمَدِينَةِ فَاهْرُبُوا إِلَى الأُخْرَى، فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ» (متى ١٠: ٢٣).
والإشكال هنا أن البعض يفهم العبارة على أنها وعد من المسيح بأنه سيرجع إلى الأرض في المجيء الثاني أثناء حياة التلاميذ، أو قبل انتهاء إرساليتهم الأولى في مدن إسرائيل. لكن من الواضح أن المسيح لم يصعد إلى السماء ثم يرجع منها قبل رجوع التلاميذ من جولتهم الكرازية. فكيف نفهم هذا القول؟ وهل أخطأ المسيح في توقيت مجيئه؟
الحل
توجد تفسيرات متعددة لهذا النص، لكن ليس من الضروري أن يُفهم قول المسيح هنا عن المجيء الثاني في نهاية الدهر. فالعبارة «حتى يأتي ابن الإنسان» في هذا الموضع يمكن فهمها في سياق الإرسالية المباشرة التي أرسل فيها المسيح تلاميذه، أي إلى أن يعود المسيح ويلتحق بهم أو يجتمع بهم بعد إتمام جولتهم الكرازية.
بعبارة أبسط: المسيح قال لهم إنهم لن يُكملوا مدن إسرائيل في تلك الإرسالية قبل أن يأتي هو إليهم أو ينضم إليهم من جديد. وهذا الفهم ينسجم مع السياق المباشر، ولا يجعل النص وعدًا بحدوث المجيء الثاني أثناء حياة التلاميذ.
ومع ذلك، لأن النص صعب، فقد وُجدت له عدة تفسيرات بين المفسرين، وبعضها يربطه بأحداث لاحقة، لكن التفسير الأقرب إلى السياق المباشر هو أن المسيح يتحدث عن مجيئه إليهم بعد خدمتهم المرسلة، لا عن مجيئه الأخير في نهاية العالم.
شرح النقاط المهمة
١. تفسير النص على خراب أورشليم لا يشرح العبارة بالكامل
يرى بعض المفسرين أن قول المسيح «حتى يأتي ابن الإنسان» يشير إلى خراب أورشليم سنة ٧٠م، وانتهاء النظام اليهودي القديم المرتبط بالهيكل والذبائح. ولا شك أن خراب أورشليم كان حدثًا دينيًا وتاريخيًا كبيرًا، وقد تكلم عنه المسيح في مواضع أخرى.
لكن هذا التفسير لا يشرح بصورة كافية عبارة «حتى يأتي ابن الإنسان» في هذا النص تحديدًا، لأن العبارة هنا وردت في سياق إرسال التلاميذ للكرازة في مدن إسرائيل، لا في سياق مباشر عن خراب المدينة أو الهيكل.
٢. تفسير النص على فيضان الروح القدس أو نهضة عظيمة لا يكفي
يفهم آخرون النص على أنه يشير إلى عمل عظيم للروح القدس، أو إلى انتشار الإنجيل قبل رجوع المسيح لتأسيس ملكوته. وقد يستندون إلى قول المسيح:
«وَيُكْرَزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ هذِهِ فِي كُلِّ الْمَسْكُونَةِ شَهَادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ. ثُمَّ يَأْتِي الْمُنْتَهَى» (متى ٢٤: ١٤).
لكن هذا التفسير أيضًا يبدو أنه يتجاوز المعنى المباشر للنص في متى ١٠. فالحديث هناك عن إرسالية محددة للتلاميذ، لا عن شرح كامل لمسار الكرازة العالمية قبل نهاية الدهر.
٣. قد يكون في النص امتداد من الإرسالية القريبة إلى الإرسالية المستمرة
يرى بعض المفسرين أن المسيح ينتقل في كلامه من إرسالية التلاميذ القريبة إلى إرسالية الكنيسة المستمرة حتى انقضاء الدهر. وهذا ممكن من حيث المبدأ، لأن المسيح أعطى تلاميذه بعد القيامة إرسالية مستمرة:
«وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ. آمِينَ» (متى ٢٨: ٢٠).
لكن المشكلة في هذا التفسير أن النص نفسه في متى ١٠ لا يقدم إشارة مباشرة واضحة إلى المستقبل البعيد، ولذلك ينبغي الحذر من تحميل العبارة معنى أبعد من السياق القريب دون قرينة كافية.
٤. الفهم الأقرب: المسيح يتكلم عن مجيئه إليهم بعد إرساليتهم
تفسير آخر، وهو الأقرب للسياق، أن يؤخذ الكلام بصورة مباشرة وحرفية داخل الإرسالية نفسها. فالتلاميذ خرجوا فعلًا إلى مدن إسرائيل للكرازة، والمسيح قال لهم إنهم لن يكملوا مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان، أي حتى يأتي هو إليهم أو يلتحق بهم بعد تلك الخدمة.
هذا الفهم يحافظ على المعنى القريب للنص: هناك إرسالية حالية، مدن إسرائيل، تلاميذ يذهبون للكرازة، ثم مجيء المسيح إليهم أو اجتماعه بهم بعد هذه الخدمة.
وبهذا لا يكون النص عن المجيء الثاني، بل عن مجيء المسيح إلى تلاميذه في سياق خدمتهم الأرضية.
٥. عبارة «حتى يأتي ابن الإنسان» في متى لا يلزم أن تعني دائمًا المجيء الثاني
من المهم ألا نفترض أن كل استخدام لعبارة «يأتي ابن الإنسان» يعني بالضرورة المجيء الثاني. فمع أن المسيح تكلم بوضوح عن مجيئه في المجد في مواضع أخرى، مثل قوله:
«وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ» (متى ٢٥: ٣١).
إلا أن السياق هو الذي يحدد المقصود. وفي متى ١٠: ٢٣ لا توجد قرينة واضحة تقول إن الحديث عن نهاية العالم أو الرجوع النهائي من السماء، بل السياق يتكلم عن إرسال التلاميذ وخدمتهم في مدن إسرائيل.
٦. التلاميذ لم يكونوا يتوقعون أن المسيح سيصعد إلى السماء أثناء جولتهم
لا يوجد في النص ما يشير إلى أن التلاميذ فهموا أن المسيح سيذهب إلى السماء أثناء غيابهم في تلك الجولة، ثم يعود مرة أخرى قبل أن يكملوا مدن إسرائيل. بل مثل هذا الفهم كان سيُدهشهم، لأن حديث المسيح عن ذهابه إلى الآب كان في وقت لاحق سبب اضطرابهم وسؤالهم.
فعندما تكلم المسيح عن ذهابه قال لهم:
«لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ. قَالَ لَهُ تُومَا: يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟» (يوحنا ١٤: ١–٥).
فهذا يوضح أن ذهاب المسيح إلى السماء وعودته لم يكن أمرًا مفهومًا ببساطة عندهم في تلك المرحلة المبكرة من الخدمة.
٧. كان لا بد أن يموت المسيح ويقوم قبل صعوده ورجوعه
المسيح كان قد أعلن، بطريقة نبوية، أنه سيموت ويقوم:
«أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ. فَقَالَ الْيَهُودُ: فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هذَا، فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكَلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ» (يوحنا ٢: ١٩–٢٢).
فالمجيء الثاني بالمعنى الكامل لا يكون قبل الصليب والقيامة والصعود. لذلك لا يصح أن نفهم متى ١٠: ٢٣ على أن المسيح كان يعد التلاميذ برجوعه النهائي من السماء أثناء جولتهم الكرازية الأولى.
الخلاصة
قول المسيح: «لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن الإنسان» لا يعني بالضرورة أنه وعد بالمجيء الثاني أثناء حياة التلاميذ أو أثناء جولتهم القصيرة.
التفسير الأقرب للسياق أن المسيح كان يتكلم عن إرسالية فعلية مباشرة إلى مدن إسرائيل، وأنه سيأتي إليهم أو يلتحق بهم قبل أن يكملوا كل هذه المدن. وهذا ينسجم مع المعنى الحرفي القريب للنص، ولا يضطرنا إلى القول إن المسيح حدد موعدًا للمجيء الثاني ثم لم يحدث.
لذلك، لا يوجد خطأ في وعد المسيح، ولا يوجد تناقض مع حقيقة أن المجيء الثاني لم يحدث في ذلك الوقت. الإشكال ينشأ فقط عندما نفرض على عبارة «حتى يأتي ابن الإنسان» معنى المجيء الثاني النهائي، مع أن السياق لا يلزم بذلك.
تنبيهات لاهوتية
يجب التمييز بين مجيء المسيح بمعانٍ سياقية مختلفة وبين المجيء الثاني النهائي في المجد. فليست كل عبارة عن «مجيء ابن الإنسان» تُفهم آليًا على أنها رجوع المسيح الأخير للدينونة ونهاية الدهر.
كما ينبغي الانتباه إلى أن صعوبة النص لا تعني وجود خطأ في كلام المسيح، بل تعني ضرورة قراءة النص في سياقه التاريخي والرسالي، وعدم عزله عن المرحلة التي قيل فيها.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 339). Victor Books: Wheaton, Ill.