لماذا قال المسيح للشاب الغني: «لماذا تدعوني صالحًا؟» هل كان المسيح ينكر ألوهيته عندما قال: «ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله»؟

الإشكال
جاء الشاب الغني إلى المسيح وسأله:
«أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيُّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» (متى ١٩: ١٦).
فأجابه المسيح:
«لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ» (متى ١٩: ١٧).
وقد يبدو من هذه العبارة أن المسيح يرفض أن يُدعى صالحًا، أو كأنه ينفي عن نفسه الألوهية، لأن الصلاح المطلق لله وحده. لكن في مواضع أخرى أعلن المسيح سلطانه الإلهي، وقَبِل اعتراف الآخرين به. فكيف نفهم هذا؟ هل كان المسيح ينكر أنه الله؟ أم كان يوجّه الشاب الغني إلى المعنى الحقيقي لكلماته؟
الحل
المسيح لم ينكر أنه الله، ولم يقل للشاب: «أنا لست صالحًا» أو «أنا لست الله». بل سأله سؤالًا كاشفًا: «لماذا تدعوني صالحًا؟» أي: هل تدرك معنى ما تقوله؟ فإذا كان الله وحده هو الصالح صلاحًا مطلقًا، وأنت تدعوني صالحًا بهذا المعنى، فهل تعترف بحقيقة هويتي؟
كان المسيح يدفع الشاب إلى مواجهة معنى لقبه: هل ينظر إلى يسوع كمجرد معلم ديني محترم؟ أم يدرك أن الصلاح المطلق الذي ينسبه إليه لا يليق إلا بالله؟
إذن، كلام المسيح ليس إنكارًا لألوهيته، بل امتحان لفهم الشاب، وكشف لسطحية استعماله لعبارة «المعلم الصالح».
شرح النقاط المهمة
١. المسيح لم يقل: «أنا لست صالحًا»
أول ما يجب ملاحظته أن المسيح لم يرفض الصلاح عن نفسه صراحة. لم يقل: «لا تدعوني صالحًا لأني لست صالحًا». بل قال:
«لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ» (متى ١٩: ١٧).
الفرق كبير بين النفي والسؤال. المسيح لا ينفي صلاحه، بل يسأل الشاب عن أساس هذا الوصف. كأنه يقول له: إن كنت تدعوني صالحًا، فهل تفهم أن الصلاح المطلق لله وحده؟ وهل تدرك ما يلزم من وصفك لي؟
٢. المسيح كان يكشف عمق كلمة «صالح»
الشاب الغني استخدم عبارة «المعلم الصالح» غالبًا كنوع من الاحترام الديني أو المجاملة الروحية. لكن المسيح لم يتركه عند مستوى الكلمات السطحية، بل أدخله إلى عمق المعنى.
في المنظور الكتابي، الصلاح المطلق الكامل ليس مجرد صفة أخلاقية عادية، بل هو صفة إلهية. الله وحده هو الصالح بالمعنى المطلق، لأنه مصدر الصلاح ومعياره.
لذلك، عندما سمع المسيح هذا اللقب، لم يرفضه، بل سأل الشاب: هل أنت واعٍ لما تقول؟
٣. السؤال يضع الشاب أمام اختيار حاسم
كلام المسيح يضع الشاب أمام سؤال عميق: إن كان يسوع صالحًا بالمعنى المطلق، فهو ليس مجرد إنسان صالح، بل هو الله الظاهر في الجسد. وإن لم يكن هو الله، فلا يصح أن يُنسب إليه الصلاح المطلق بهذا المعنى.
وبعبارة أخرى: المسيح لا يسمح للشاب أن يضعه في خانة «المعلم الصالح فقط» دون أن يواجه حقيقة شخصه. فإما أن يكون المسيح صالحًا وإلهًا، أو أن يكون مجرد إنسان يدّعي ما لا يحق له. أما أن يكون مجرد معلم أخلاقي صالح فقط، وهو في الوقت نفسه يقبل سلطانًا وهوية إلهية، فهذا موقف غير متماسك.
٤. المسيح أعلن سلطانه الإلهي في مواضع أخرى
لا يمكن تفسير متى ١٩: ١٧ على أنه إنكار لألوهية المسيح، لأن نفس الأناجيل تعلن بوضوح أن المسيح مارس سلطانًا إلهيًا.
في مرقس، عرف المسيح أفكار الكتبة في قلوبهم، ثم أعلن أن له سلطانًا أن يغفر الخطايا:
«فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَانًا عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا» (مرقس ٢: ٨–١٠).
وغفران الخطايا بهذا السلطان هو أمر يخص الله وحده، كما فهم الكتبة أنفسهم عندما قالوا:
«لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هذَا هكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ؟» (مرقس ٢: ٧).
٥. المسيح استخدم تعبيرات إلهية عن نفسه
في إنجيل يوحنا، قال المسيح لليهود:
«الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ» (يوحنا ٨: ٥٨).
وهذه العبارة تشير إلى وجوده السابق لإبراهيم، بل بصيغة تحمل دلالة إلهية عميقة. ولذلك كان رد فعل اليهود:
«فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ» (يوحنا ٨: ٥٩).
وفي موضع آخر قال:
«أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ» (يوحنا ١٠: ٣٠).
فكان رد فعل اليهود أيضًا:
«فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ» (يوحنا ١٠: ٣١).
وهذا يوضح أنهم فهموا أن كلامه يحمل إعلانًا عظيمًا عن هويته.
٦. المسيح قبل اعتراف توما به كالله
بعد القيامة، قال توما للمسيح:
«رَبِّي وَإِلهِي!» (يوحنا ٢٠: ٢٨).
ولم يوبخه المسيح على هذا الاعتراف، بل قال له:
«لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا» (يوحنا ٢٠: ٢٩).
لو كان المسيح يرفض أن يُعترف به كالله، لكان هذا هو الموضع المناسب ليصحح توما. لكنه لم يفعل، بل قبل الاعتراف وربطه بالإيمان.
٧. المسيح لم يكن مجرد معلم أخلاقي صالح
الفكرة القائلة إن المسيح كان مجرد «معلم أخلاقي صالح» دون أن يكون الله لا تصمد أمام شهادات الأناجيل. فالمسيح تكلم بسلطان فريد، غفر الخطايا، أعلن وجوده السابق، قال: «أنا والآب واحد»، وقبل اعتراف توما به: «ربي وإلهي».
لذلك، لا يمكن أن نقول إنه مجرد إنسان صالح فقط. لأن الإنسان الصالح لا يدّعي سلطانًا إلهيًا إن لم يكن له هذا السلطان حقًا. فإما أن يكون المسيح صالحًا لأنه هو الله المتجسد، أو أن تكون ادعاءاته باطلة. أما اختزاله إلى مجرد معلم صالح دون ألوهية، فهذا لا ينسجم مع النصوص.
٨. المسيح أراد أن ينقل الشاب من التدين الخارجي إلى الإيمان الحقيقي
الشاب الغني كان مهتمًا بالسؤال: «أي صلاح أعمل؟» وكان ينظر إلى الحياة الأبدية من زاوية الأعمال والإنجاز الأخلاقي. لكن المسيح وجّهه إلى الله نفسه كمصدر الصلاح، ثم كشف له لاحقًا تعلق قلبه بالغنى.
فالمسيح لم يكن يناقش لقبًا لغويًا فقط، بل كان يكشف مشكلة أعمق: الشاب يستعمل كلمات دينية محترمة، لكنه لم يدرك بعد حقيقة المسيح، ولا حقيقة قلبه، ولا حاجته إلى خلاص يتجاوز مجرد حفظ الوصايا ظاهريًا.
الخلاصة
لم ينكر المسيح ألوهيته عندما قال للشاب الغني: «لماذا تدعوني صالحًا؟ ليس أحد صالحًا إلا واحد وهو الله». بل كان يدفعه إلى فهم خطورة اللقب الذي استخدمه.
كأن المسيح يقول له: إن كنت تدعوني صالحًا، فهل تدرك أن الصلاح المطلق لله وحده؟ وهل تعترف إذن بمن أكون؟
ولأن الأناجيل نفسها تشهد أن المسيح أعلن سلطانه الإلهي وقبل اعتراف توما به كالله، فلا يصح اعتبار هذا النص إنكارًا لألوهيته. بل هو سؤال يقود الشاب إلى مواجهة الحقيقة: المسيح ليس مجرد معلم صالح؛ إما أن يكون هو الله الصالح، أو لا يصح أن يُختزل إلى إنسان صالح فقط.
تنبيهات لاهوتية
ينبغي التمييز بين سؤال المسيح التعليمي وبين النفي العقائدي. المسيح لم يقل: «أنا لست الله»، بل كشف للشاب أن وصفه له بالصلاح يحمل دلالة أعمق مما يظن.
كما يجب الانتباه إلى أن الإيمان المسيحي لا يقدم المسيح كمعلم أخلاقي فقط، بل كالكلمة المتجسد، الله الظاهر في الجسد، الذي له سلطان الغفران والحياة الأبدية.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 350). Victor Books: Wheaton, Ill.