هل شفى المسيح الأعمى عند دخوله أريحا أم عند خروجه منها؟
كيف نوفق بين لوقا الذي يذكر الشفاء عند الاقتراب من أريحا، ومتى ومرقس اللذين يذكرانه عند الخروج منها؟

كيف نوفق بين لوقا الذي يذكر الشفاء عند الاقتراب من أريحا، ومتى ومرقس اللذين يذكرانه عند الخروج منها؟
الإشكال
تذكر الأناجيل حادثة شفاء أعمى أو أعميين عند أريحا، لكن يبدو لأول وهلة أن هناك اختلافًا في التوقيت والمكان.
فإنجيل لوقا يقول إن الشفاء حدث عندما كان المسيح يقترب من أريحا:
«وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي» (لوقا ١٨: ٣٥).
ثم يذكر لوقا أن المسيح شفاه:
«وَفِي الْحَالِ أَبْصَرَ، وَتَبِعَهُ وَهُوَ يُمَجِّدُ اللهَ. وَجَمِيعُ الشَّعْبِ إِذْ رَأَوْا سَبَّحُوا اللهَ» (لوقا ١٨: ٤٣).
لكن متى يقول إن الشفاء حدث أثناء خروج المسيح من أريحا:
«وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ. وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ، صَرَخَا قَائِلَيْنِ: ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» (متى ٢٠: ٢٩–٣٠).
ومرقس أيضًا يذكر أن الشفاء كان عند خروج المسيح من أريحا:
«وَجَاءُوا إِلَى أَرِيحَا. وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ، كَانَ بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي» (مرقس ١٠: ٤٦).
فهل شفى المسيح الأعمى وهو داخل إلى أريحا أم وهو خارج منها؟ وهل يوجد تعارض حقيقي بين رواية لوقا وروايتي متى ومرقس؟
الحل
لا توجد صعوبة غير قابلة للحل في هذه الروايات. فهناك أكثر من تفسير ممكن يوفّق بين النصوص، وأقواها أن لوقا يتكلم عن حادثة شفاء وقعت عند دخول المسيح إلى أريحا، بينما متى ومرقس يتكلمان عن حادثة أخرى وقعت عند خروجه منها.
وهذا التفسير ينسجم مع التفاصيل الموجودة في النصوص. لوقا يذكر أعمى واحدًا عند الاقتراب من أريحا، بينما متى يذكر أعميين عند الخروج منها، ومرقس يركز على واحد منهما اسمه بارتيماوس. كذلك، لوقا يتكلم عن «جمع» أو «جماعة»، بينما متى ومرقس يشيران إلى «جمع كثير» أو «جمع غفير» عند الخروج، مما قد يدل على أن خبر الشفاء الأول انتشر داخل المدينة، فزاد عدد الجموع حول المسيح عند خروجه.
شرح النقاط المهمة
١. تفسير أول: ربما بدأ الاتصال عند الدخول وتم الشفاء عند الخروج
يرى بعض المفسرين أن ما يذكره لوقا قد يكون بدأ عند اقتراب المسيح من أريحا، وأن الأعمى ظل يتبع المسيح أو يصرخ إليه خلال مروره في المدينة، ثم تم الشفاء عند خروجه منها، وهو ما يذكره متى ومرقس.
ويستند هذا الرأي إلى أن لوقا يقول إن الأعمى صرخ أكثر من مرة:
«فَصَرَخَ قَائِلًا: يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي! فَانْتَهَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ لِيَسْكُتَ، أَمَّا هُوَ فَصَرَخَ أَكْثَرَ كَثِيرًا: يَا ابْنَ دَاوُدَ، ارْحَمْنِي!» (لوقا ١٨: ٣٨–٣٩).
لكن هذا التفسير يبدو أقل احتمالًا، لأن لوقا بعد الشفاء مباشرة يقول في بداية الإصحاح التالي:
«ثُمَّ دَخَلَ وَاجْتَازَ فِي أَرِيحَا» (لوقا ١٩: ١).
وهذا يعطي الانطباع أن الشفاء المذكور في لوقا حدث قبل دخول المدينة، لا بعد الخروج منها.
٢. تفسير ثانٍ: كان هناك أريحا القديمة وأريحا الجديدة
يرى آخرون أن الحل يكمن في وجود أريحا القديمة وأريحا الجديدة في تلك المنطقة. فبحسب هذا الفهم، يمكن أن يكون المسيح خارجًا من إحدى المنطقتين وداخلًا إلى الأخرى في نفس الرحلة.
وبهذا المعنى، لا يكون هناك تعارض بين «دخل أريحا» و«خرج من أريحا»، لأن التعبيرين قد يشيران إلى منطقتين متقاربتين تحملان الاسم نفسه أو ترتبطان بالمدينة القديمة والمدينة الجديدة.
هذا حل ممكن، لكنه ليس الحل الوحيد. فهناك احتمال آخر أكثر وضوحًا من جهة تسلسل الروايات واختلاف التفاصيل.
٣. تفسير ثالث: هناك حادثتان مختلفتان
التفسير الأقوى عند كثيرين هو أن لوقا يتكلم عن معجزة شفاء حدثت عند دخول المسيح إلى أريحا، بينما متى ومرقس يتكلمان عن معجزة أخرى حدثت عند خروجه منها.
لوقا يقول:
«وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي» (لوقا ١٨: ٣٥).
أما متى فيقول:
«وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ» (متى ٢٠: ٢٩).
ومرقس يقول:
«وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ» (مرقس ١٠: ٤٦).
إذن، من الممكن أن يكون لوقا يصف شفاء أعمى عند الدخول، بينما متى ومرقس يصفان شفاء أعميين عند الخروج، أحدهما بارتيماوس.
٤. اختلاف حجم الجموع يدعم احتمال وجود حادثتين
من التفاصيل المهمة أن لوقا يذكر وجود جمع من الناس عند اقتراب المسيح من أريحا:
«فَلَمَّا سَمِعَ الْجَمْعَ مُجْتَازًا، سَأَلَ: مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هذَا؟» (لوقا ١٨: ٣٦).
أما متى ومرقس فيؤكدان أن الجمع صار كثيرًا أو غفيرًا عند الخروج من أريحا:
«وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ مِنْ أَرِيحَا تَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ» (متى ٢٠: ٢٩).
«وَفِيمَا هُوَ خَارِجٌ مِنْ أَرِيحَا مَعَ تَلاَمِيذِهِ وَجَمْعٍ غَفِيرٍ» (مرقس ١٠: ٤٦).
لو انتشر خبر شفاء الأعمى عند دخول المدينة، فمن الطبيعي أن يزيد عدد الناس حول المسيح داخل أريحا، حتى يصبح الجمع عند خروجه «جمعًا كثيرًا» أو «جمعًا غفيرًا». وهذا ينسجم مع احتمال وجود شفاء عند الدخول ثم شفاء آخر عند الخروج.
٥. شفاء الأول قد يفسر وجود أعميين عند الطرف الآخر من المدينة
إذا كان المسيح قد شفى أعمى عند دخوله أريحا، فمن الممكن أن يكون خبر المعجزة انتشر بسرعة في المدينة. وربما ذهب الرجل الذي شُفي ليخبر آخرين، أو ربما سمع أعميان آخران بالخبر وهما جالسان في مكانهما المعتاد عند الطريق على الجانب الآخر من المدينة.
وهذا قد يفسر لماذا كان هناك أعميان عند خروج المسيح يصرخان إليه طالبين الرحمة:
«وَإِذَا أَعْمَيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا سَمِعَا أَنَّ يَسُوعَ مُجْتَازٌ، صَرَخَا قَائِلَيْنِ: ارْحَمْنَا يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ!» (متى ٢٠: ٣٠).
وقد يكون أحدهما هو بارتيماوس الذي ركز عليه مرقس وذكر اسمه:
«بَارْتِيمَاوُسُ الأَعْمَى ابْنُ تِيمَاوُسَ جَالِسًا عَلَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي» (مرقس ١٠: ٤٦).
٦. وجود أكثر من شفاء للأعمى ليس أمرًا غريبًا في خدمة المسيح
ليس من الغريب أن يكون المسيح قد شفى أكثر من أعمى في أكثر من موضع أو في نفس الرحلة. فخدمته كانت مليئة بالشفاءات والمعجزات، والإنجيليون لم يسجلوا كل ما فعله المسيح بالتفصيل.
يوحنا يقول في نهاية إنجيله:
«وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ» (يوحنا ٢١: ٢٥).
لذلك، لا يوجد ما يمنع أن تكون هناك معجزة عند دخول أريحا وأخرى عند الخروج منها، خاصة أن التفاصيل ليست متطابقة تمامًا بين الروايات.
٧. لا توجد صعوبة غير قابلة للحل
حتى لو اختلف المفسرون في التفسير الأفضل، فالمهم أن النصوص لا تفرض تناقضًا حتميًا. هناك احتمالات معقولة ومتوافقة: إما وجود أريحا القديمة والجديدة، أو وجود حادثتين مختلفتين، أو اختلاف في زاوية وصف الاقتراب والخروج.
وبحسب التفسير الأقرب هنا، لوقا يذكر شفاء أعمى عند الدخول إلى أريحا، بينما متى ومرقس يذكران شفاء أعميين عند الخروج منها. وبذلك تبقى الروايات منسجمة دون اضطرار إلى اتهام أحدها بالخطأ.
الخلاصة
لا يوجد تناقض ضروري بين لوقا ومتى ومرقس في حادثة أريحا. لوقا يذكر شفاء أعمى عندما اقترب المسيح من أريحا، بينما متى ومرقس يذكران شفاء حدث عند خروجه منها.
يمكن تفسير ذلك بعدة طرق: ربما كان هناك ارتباط بين أريحا القديمة والجديدة، أو ربما كانت هناك حادثتان منفصلتان؛ الأولى عند الدخول، والثانية عند الخروج. وهذا الاحتمال الأخير ينسجم مع اختلاف التفاصيل: لوقا يذكر أعمى واحدًا عند الدخول، ومتى يذكر أعميين عند الخروج، ومرقس يركز على بارتيماوس عند الخروج.
كما أن انتشار خبر الشفاء الأول قد يفسر زيادة الجموع عند خروج المسيح، وقد يفسر استعداد أعميين آخرين لطلب الرحمة منه على الطرف الآخر من المدينة.
إذن، الروايات يمكن فهمها بطريقة متوافقة تمامًا، ولا توجد صعوبة غير قابلة للحل في النص.
تنبيهات لاهوتية
ينبغي عدم تحويل اختلافات التفاصيل بين الأناجيل إلى تناقضات قبل فحص السياق والإمكانات التاريخية والجغرافية. كثير من الإشكالات تزول عندما ندرك أن الإنجيليين قد يركزون على أحداث مختلفة أو زوايا مختلفة من نفس الرحلة.
كما أن هذه الحادثة، سواء نظرنا إليها كمعجزة واحدة موصوفة من زوايا مختلفة أو كمعجزتين متقاربتين، تكشف رحمة المسيح واستجابته لصرخة المحتاجين، سواء عند دخول المدينة أو عند الخروج منها.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 353). Victor Books: Wheaton, Ill.

كيف نوفق بين لوقا الذي يذكر الشفاء عند الاقتراب من أريحا، ومتى ومرقس اللذين يذكرانه عند الخروج منها؟