القائمة إغلاق

متى لعن المسيح شجرة التين: قبل تطهير الهيكل أم بعده؟

متى لعن المسيح شجرة التين: قبل تطهير الهيكل أم بعده؟

كيف نفهم ترتيب الأحداث بين متى ومرقس في لعن شجرة التين وتطهير الهيكل؟

متى لعن المسيح شجرة التين: قبل تطهير الهيكل أم بعده؟كيف نفهم ترتيب الأحداث بين متى ومرقس في لعن شجرة التين وتطهير الهيكل؟
متى لعن المسيح شجرة التين: قبل تطهير الهيكل أم بعده؟
كيف نفهم ترتيب الأحداث بين متى ومرقس في لعن شجرة التين وتطهير الهيكل؟

من المواضع التي يثيرها بعض النقاد سؤال عن ترتيب الأحداث في الأناجيل: هل لعن المسيح شجرة التين قبل تطهير الهيكل أم بعده؟ فمتى يبدو كأنه يضع لعن شجرة التين بعد تطهير الهيكل، بينما مرقس يذكر أن المسيح لعن الشجرة قبل أن يطهر الهيكل، ثم يذكر في اليوم التالي أن التلاميذ رأوا الشجرة قد يبست.

لكن عند قراءة النصوص بتأنٍّ، لا نجد تناقضًا حقيقيًا. فمرقس يقدم ترتيبًا زمنيًا أكثر تفصيلًا، بينما يجمع متى الأحداث بصورة مختصرة ومركزة، دون أن يقصد تقديم جدول زمني تفصيلي لكل يوم.

موضع الإشكال

في إنجيل متى، يأتي تطهير الهيكل أولًا:

«وَدَخَلَ يَسُوعُ إِلَى هَيْكَلِ اللهِ، وَأَخْرَجَ جَمِيعَ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.»

متى 21: 12

ثم بعد ذلك يذكر متى حادثة شجرة التين:

«وَفِي الصُّبْحِ إِذْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ جَاعَ، فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ عَلَى الطَّرِيقِ وَجَاءَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا فَقَطْ، فَقَالَ لَهَا: لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ! فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ.»

متى 21: 18-19

أما مرقس، فيبدو أنه يضع لعن شجرة التين قبل تطهير الهيكل:

«وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ، فَنَظَرَ شَجَرَةَ تِينٍ مِنْ بَعِيدٍ عَلَيْهَا وَرَقٌ، وَجَاءَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهَا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا إِلاَّ وَرَقًا، لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ التِّينِ. فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: لاَ يَأْكُلْ أَحَدٌ مِنْكِ ثَمَرًا بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ. وَكَانَ تَلاَمِيذُهُ يَسْمَعُونَ.»

مرقس 11: 12-14

ثم بعد ذلك يذكر مرقس تطهير الهيكل:

«وَجَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ. وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ الْهَيْكَلَ، ابْتَدَأَ يُخْرِجُ الَّذِينَ كَانُوا يَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ فِي الْهَيْكَلِ، وَقَلَبَ مَوَائِدَ الصَّيَارِفَةِ وَكَرَاسِيَّ بَاعَةِ الْحَمَامِ.»

مرقس 11: 15

ثم في اليوم التالي يذكر مرقس أن التلاميذ رأوا الشجرة قد يبست:

«وَفِي الصَّبَاحِ إِذْ كَانُوا مُجْتَازِينَ رَأَوُا التِّينَةَ قَدْ يَبِسَتْ مِنَ الأُصُولِ.»

مرقس 11: 20

فهل حدث لعن شجرة التين قبل تطهير الهيكل أم بعده؟

ترتيب مرقس أكثر تفصيلًا من جهة الأيام

الحل أن مرقس يوضح أن المسيح قام برحلتين إلى الهيكل في يومين متتاليين. في يوم الدخول الانتصاري دخل المسيح إلى أورشليم وإلى الهيكل، لكنه لم يذكر في ذلك اليوم أنه طرد الباعة أو قلب موائد الصيارفة:

«فَدَخَلَ يَسُوعُ أُورُشَلِيمَ وَالْهَيْكَلَ، وَلَمَّا نَظَرَ حَوْلَهُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ، إِذْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ أَمْسَى، خَرَجَ إِلَى بَيْتِ عَنْيَا مَعَ الاثْنَيْ عَشَرَ.»

مرقس 11: 11

ثم يقول مرقس بعد ذلك:

«وَفِي الْغَدِ لَمَّا خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ عَنْيَا جَاعَ.»

مرقس 11: 12

إذن مرقس يميز بين يومين: اليوم الأول دخل فيه المسيح الهيكل ونظر حوله ثم خرج، واليوم التالي لعن شجرة التين في الطريق إلى الهيكل، ثم دخل الهيكل وطهره من البيع والشراء.

كيف رتب مرقس الأحداث؟

بحسب مرقس، يمكن فهم الترتيب هكذا:

اليوم الأول: دخول المسيح إلى أورشليم، ثم دخوله الهيكل ونظره إلى كل شيء، ثم خروجه إلى بيت عنيا لأن الوقت كان قد أمسى.

اليوم الثاني: خرج المسيح من بيت عنيا، ولعن شجرة التين في الطريق، ثم دخل الهيكل وطرد الباعة والمشترين.

صباح اليوم التالي: رأى التلاميذ شجرة التين وقد يبست من الأصول، فتكلم المسيح عن الإيمان والصلاة.

بهذا الترتيب، لا توجد مشكلة في رواية مرقس، لأنه يوضح تسلسل الأيام بصورة دقيقة.

ماذا فعل متى إذن؟

متى لا ينكر هذا الترتيب، لكنه يختصر الأحداث ويجمعها بحسب الموضوع. فهو يذكر دخول المسيح إلى الهيكل وتطهيره، ثم يذكر حادثة شجرة التين في سياق واحد متصل، دون أن يفصل بين الرحلتين إلى الهيكل كما فعل مرقس.

وهذا لا يعني أن متى أخطأ، بل يعني أنه لم يكن يهدف إلى تقديم تفصيل زمني دقيق لكل حركة وكل يوم، بل كان يركز على المعنى اللاهوتي والنبوي للأحداث: دخول الملك إلى أورشليم، وتطهير الهيكل، ثم علامة شجرة التين التي تشير إلى الدين الظاهري غير المثمر.

هل كان للمسيح رحلتان إلى الهيكل؟

نعم، وهذا هو المفتاح المهم لفهم المسألة. مرقس يوضح أن المسيح دخل الهيكل في يوم دخوله الانتصاري، لكنه لم يطهره في ذلك الوقت، بل نظر حوله ثم خرج إلى بيت عنيا. وفي اليوم التالي، أثناء عودته إلى أورشليم، لعن شجرة التين، ثم دخل الهيكل وطهره.

أما متى، فيعرض الرحلتين وكأنهما مشهد واحد متصل، لأن غرضه ليس التفصيل الزمني، بل عرض الأحداث الكبرى المرتبطة بدخول المسيح إلى أورشليم وإعلان سلطانه على الهيكل وإدانة الرياء الديني.

هل هذا تناقض بين متى ومرقس؟

لا. التناقض الحقيقي يكون إذا قال أحدهما إن لعن شجرة التين حدث قبل تطهير الهيكل، وقال الآخر صراحة إنه لم يحدث إلا بعده، مع استحالة الجمع بينهما. لكن هذا ليس ما يحدث هنا.

مرقس يعطي ترتيبًا زمنيًا مفصلًا، ومتى يقدم سردًا مختصرًا ومركّزًا. متى لا يقول إن المسيح لم يذهب إلى الهيكل إلا مرة واحدة، ولا ينفي وجود الرحلتين. كما أن مرقس لا ينفي ما ذكره متى، بل يكشف تفصيلًا زمنيًا يساعدنا على فهم المشهد بدقة أكبر.

المعنى اللاهوتي في ارتباط شجرة التين بالهيكل

حادثة شجرة التين ليست مجرد معجزة دينونة على شجرة بلا ثمر، بل تأتي في سياق تطهير الهيكل. فالشجرة كان عليها ورق، لكنها بلا ثمر. وهذا يشبه صورة التدين الظاهري الذي يبدو حيًا من الخارج، لكنه بلا ثمر حقيقي أمام الله.

ولهذا تأتي حادثة التينة مع تطهير الهيكل لتعلن أن الله لا يطلب مظهرًا دينيًا فقط، بل ثمرًا حقيقيًا. فالهيكل كان ينبغي أن يكون بيت صلاة، لا مكانًا للتجارة والاستغلال:

«مَكْتُوبٌ: بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى. وَأَنْتُمْ جَعَلْتُمُوهُ مَغَارَةَ لُصُوصٍ!»

متى 21: 13

إذن، ترتيب الأحداث في مرقس يساعدنا أن نرى العلاقة القوية بين لعن التينة وتطهير الهيكل: كلاهما يكشف رفض الله للمظهر الديني العقيم الذي لا يحمل ثمرًا.

الخلاصة

لعن المسيح شجرة التين في الطريق إلى الهيكل في اليوم التالي لدخوله الانتصاري، كما يوضح مرقس. ثم في ذلك اليوم طهر الهيكل من الباعة والمشترين. وفي صباح اليوم التالي رأى التلاميذ الشجرة قد يبست من الأصول.

أما متى، فاختصر الأحداث وجمع الرحلتين إلى الهيكل في سرد واحد مركز، مما قد يعطي انطباعًا سريعًا بأن تطهير الهيكل سبق لعن شجرة التين. لكن مرقس يضيف التفصيل الزمني الذي يوضح أن المسيح قام برحلتين إلى الهيكل، وأن لعن الشجرة تم في الطريق إلى الهيكل في الرحلة الثانية.

وبذلك لا يوجد تناقض بين متى ومرقس، بل تكامل بين سرد مختصر وسرد أكثر تفصيلًا.

المصدر

Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 354.

متى لعن المسيح شجرة التين: قبل تطهير الهيكل أم بعده؟

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة