القائمة إغلاق

إذا كان المسيح هو الله، فلماذا لم يصنع قوات كثيرة؟ كيف نفهم قول مرقس إن يسوع «لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة»؟

إذا كان المسيح هو الله، فلماذا لم يصنع قوات كثيرة؟ كيف نفهم قول مرقس إن يسوع «لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة»؟

إذا كان المسيح هو الله، فلماذا لم يصنع قوات كثيرة؟ كيف نفهم قول مرقس إن يسوع «لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة»؟
إذا كان المسيح هو الله، فلماذا لم يصنع قوات كثيرة؟ كيف نفهم قول مرقس إن يسوع «لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة»؟

يقول إنجيل مرقس عن المسيح في وطنه:

«وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً، غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ.»

مرقس 6: 5

ثم يضيف النص مباشرة:

«وَتَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ.»

مرقس 6: 6

وهنا يطرح البعض سؤالًا: إذا كان المسيح هو الله، والله كلي القدرة، فكيف يقول الكتاب إن المسيح «لم يقدر» أن يصنع قوات كثيرة هناك؟ هل يعني هذا أن قدرته كانت محدودة؟ وهل يناقض هذا ألوهيته؟

الإجابة المختصرة هي: لا. المسيح، بصفته الله، كلي القدرة. لكنه، في التجسد، اتخذ طبيعة بشرية حقيقية أيضًا. وبصفته الإله المتجسد، لا يمارس المسيح دائمًا كل قدرته الإلهية في كل موقف، بل يعمل بحسب قصد الآب وحكمة الرسالة. وعبارة «لم يقدر» في مرقس 6: 5 لا تعني عجزًا ذاتيًا في القدرة، بل امتناعًا أخلاقيًا ورساليًا بسبب عدم إيمانهم.

موضع الإشكال

الإشكال يأتي من الجمع بين حقيقتين كتابيتين. من جهة، يعلن الكتاب ألوهية المسيح بوضوح:

«فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ.»

يوحنا 1: 1

كما يعلن المسيح بعد القيامة:

«دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ.»

متى 28: 18

ومن جهة أخرى، يقول مرقس:

«وَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَصْنَعَ هُنَاكَ وَلاَ قُوَّةً وَاحِدَةً.»

مرقس 6: 5

فكيف يكون المسيح كلي القدرة، ثم يقال عنه إنه «لم يقدر»؟

المسيح إله كامل وإنسان كامل

لفهم النص، يجب أولًا أن نتذكر عقيدة التجسد. المسيح ليس إنسانًا عاديًا فقط، ولا هو إله ظهر في شكل إنسان دون ناسوت حقيقي. بل هو الإله المتجسد: إله كامل وإنسان كامل، في شخص واحد.

لذلك، ما يصدق على المسيح من جهة طبيعته الإلهية لا يلزم أن يصدق بنفس الطريقة من جهة طبيعته الإنسانية. فهو، من جهة لاهوته، كلي القدرة ولا يعتريه تعب أو ضعف. لكنه، من جهة ناسوته الحقيقي، اختبر التعب والجوع والعطش والنوم والألم.

فالكتاب يقول عن الله:

«إِنَّهُ لاَ يَنْعَسُ وَلاَ يَنَامُ حَافِظُ إِسْرَائِيلَ.»

مزمور 121: 4

ومع ذلك يقول يوحنا عن المسيح في ناسوته:

«فَإِذْ كَانَ يَسُوعُ قَدْ تَعِبَ مِنَ السَّفَرِ، جَلَسَ هكَذَا عَلَى الْبِئْرِ.»

يوحنا 4: 6

فهل التعب ينفي ألوهية المسيح؟ لا. بل يثبت حقيقة ناسوته. كذلك، يجب أن نميز بين ما يخص لاهوته وما يخص ناسوته، دون أن نقسم شخصه أو ننكر إحدى طبيعتيه.

كلي القدرة في لاهوته، حقيقي الناسوت في تجسده

المسيح كلي القدرة من جهة لاهوته، لكنه في تجسده عاش حياة بشرية حقيقية. لم يكن يتصرف كمن يستعرض القدرة الإلهية في كل لحظة، بل كمن جاء ليتمم مشيئة الآب في طريق الاتضاع والفداء.

لذلك، لا يصح أن نأخذ كل تعبير مرتبط باتضاع المسيح أو خدمته الأرضية وكأنه نفي للاهوته. فالتجسد يعني أن الابن الأزلي دخل التاريخ، وأخذ صورة العبد، وعاش حياة بشرية حقيقية، دون أن يفقد لاهوته.

«الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلَّهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ.»

فيلبي 2: 6-7

هذا الإخلاء لا يعني أنه تخلّى عن لاهوته، بل أنه لم يستخدم مجده الإلهي بطريقة استعراضية، بل عاش في اتضاع حقيقي كعبد.

امتلاك القدرة لا يعني استخدامها دائمًا

النقطة الثانية المهمة هي أن امتلاك المسيح لكل سلطان لا يعني أنه يختار أن يمارس هذا السلطان في كل موقف وبأي طريقة. فالله قادر على كل شيء يوافق طبيعته ومشيئته، لكنه لا يفعل كل ما يقدر عليه لمجرد إظهار القدرة.

المسيح لم يكن صانع عجائب للاستعراض، ولا كان يستخدم المعجزات لإجبار غير المؤمنين على الإيمان، ولا كان يلقي القدسات أمام المستهزئين. معجزاته كانت علامات للملكوت، وأعمال رحمة، وشهادة للحق، لا عروضًا أمام قلوب رافضة.

لذلك، عندما رفضه أهل وطنه، لم يكن الأمر عجزًا في قوته، بل امتناعًا مقصودًا بحسب حكمة رسالته.

معنى «لم يقدر» هنا أخلاقي لا ذاتي

عبارة «لم يقدر» في مرقس 6: 5 لا تعني أن قدرة المسيح فشلت أو عجزت أمام عدم إيمانهم. بل المقصود أنه لم يكن مناسبًا أو موافقًا لقصد خدمته أن يصنع قوات كثيرة وسط عدم الإيمان والعناد.

أي إن عدم القدرة هنا ليس عدم قدرة ميتافيزيقية أو حقيقية في الذات، بل ضرورة أخلاقية ورسالية. بمعنى: لم يكن المسيح ليفعل ذلك، لأنه لا يستخدم المعجزات بطريقة تخالف قداسة رسالته وحكمة عمله.

نحن نستخدم هذا الأسلوب في الكلام كثيرًا. فنقول مثلًا: «لا أستطيع أن أفعل هذا»، ليس لأننا نفتقد القدرة الجسدية أو التقنية، بل لأن ضميرنا أو حكمتنا أو مبادئنا تمنعنا. فالمعنى: لا يليق، لا يصح، لا يتفق مع القصد.

النص نفسه يقول إنه صنع بعض المعجزات

من المهم أن نلاحظ أن مرقس لا يقول إن المسيح عجز تمامًا عن صنع أي معجزة. بل يقول:

«غَيْرَ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مَرْضَى قَلِيلِينَ فَشَفَاهُمْ.»

مرقس 6: 5

إذن، حتى في ذلك الموضع، صنع المسيح أعمال شفاء. وهذا وحده يثبت أن النص لا يتكلم عن فقدان القدرة، بل عن رفض المسيح أن يصنع قوات كثيرة هناك بسبب عدم إيمانهم.

فلو كان النص يقصد عجزًا حقيقيًا، لما قال مباشرة إنه شفى مرضى قليلين. لكنه يقول إن المسيح لم يصنع قوات كثيرة، لا لأنه غير قادر، بل لأن الجو الروحي كان جو رفض وعدم إيمان.

سبب الامتناع: عدم إيمانهم

مرقس يشرح السبب بوضوح:

«وَتَعَجَّبَ مِنْ عَدَمِ إِيمَانِهِمْ.»

مرقس 6: 6

وفي النص الموازي في متى، تأتي العبارة أوضح:

«وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِمْ.»

متى 13: 58

إذن، المشكلة لم تكن في قدرة المسيح، بل في حالة الناس. هم لم يأتوا إليه بإيمان وطلب واحتياج، بل قابلوه بالاحتقار والرفض، قائلين:

«أَلَيْسَ هذَا هُوَ النَّجَّارَ ابْنَ مَرْيَمَ، وَأَخَا يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَيَهُوذَا وَسِمْعَانَ؟ أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ ههُنَا عِنْدَنَا؟ فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ.»

مرقس 6: 3

لم يكن رفضهم ناتجًا عن نقص في الأدلة فقط، بل عن عثرة داخلية واحتقار لشخصه بسبب معرفتهم الظاهرية به.

المعجزات ليست تسلية ولا استعراضًا

المسيح رفض في أكثر من موضع أن يصنع المعجزات كنوع من الاستعراض. فعندما طلب منه الناس آية بروح عدم إيمان، لم يستجب لطريقتهم. وعندما جرّبه الشيطان أن يلقي نفسه من جناح الهيكل ليستعرض الحماية الإلهية، رفض ذلك.

«قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضًا: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلهَكَ.»

متى 4: 7

فالمسيح لا يصنع المعجزة لإرضاء الفضول أو إقناع العناد أو التسلية الدينية. المعجزة عنده علامة رحمة وحق، لا أداة استعراض.

عدم الإيمان لا يقيّد قدرة الله بل يغلق القلب أمام عمله

يجب أن نميز بين قولين:

القول الخطأ: عدم إيمان الإنسان يقيّد قدرة الله ذاتيًا، كأن الله يصبح عاجزًا.

القول الصحيح: الله في حكمته قد يرفض أن يعمل وسط قلوب مصرة على الرفض، لأنهم لا يطلبون الحق ولا يقبلون النعمة.

عدم الإيمان لا يجعل الله ضعيفًا، لكنه يجعل الإنسان غير مستعد لاستقبال عمل الله. فالمشكلة ليست في قدرة الله، بل في موقف الإنسان من الله.

هل يعني هذا أن الإيمان يخلق المعجزة؟

لا. الإيمان لا يخلق قدرة الله، ولا يجبر الله على فعل المعجزة. الله هو صاحب السلطان، والمعجزة من عمله ونعمته. لكن الإيمان هو الموقف اللائق لاستقبال عمل الله، بينما العناد والاستهزاء يغلقان النفس أمامه.

لذلك، ليس المقصود أن قدرة المسيح كانت تعتمد على إيمان الناس لكي تعمل، بل أن المسيح لم يشأ أن يصنع قوات كثيرة في وسط رفضهم، لأن المعجزات لا تُعطى كعرض أمام العناد.

الفرق بين القدرة والإرادة

المسيح كان قادرًا أن يصنع قوات كثيرة، لكنه لم يُرِد أن يفعل ذلك في ذلك الموضع بسبب عدم إيمانهم. فالفرق كبير بين «لا يستطيع لأنه عاجز» و«لا يستطيع لأنه لا يليق ولا يتفق مع قصده».

النوع الأول نقص في القدرة، وهذا لا ينطبق على المسيح. أما النوع الثاني فهو امتناع أخلاقي ورسالي، وهذا هو المقصود في مرقس 6: 5.

هل يناقض هذا ألوهية المسيح؟

لا. النص لا يناقض ألوهية المسيح. بل عندما يُقرأ في سياقه، يؤكد أمرين معًا: المسيح يمتلك قدرة حقيقية حتى إنه شفى مرضى في ذلك الموضع، لكنه لا يستخدم قوته بطريقة منفصلة عن حكمته وقداسة رسالته.

ألوهية المسيح لا تعني أنه يجب أن يصنع كل معجزة ممكنة في كل مكان، ولا أن يستجيب لكل تحدٍّ صادر عن عدم الإيمان. بل ألوهيته تظهر أيضًا في سلطانه على أن يعمل أو يمتنع بحسب الحق والحكمة.

الخلاصة

قول مرقس إن المسيح «لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة» لا يعني أن المسيح كان عاجزًا أو محدود القدرة. فالنص نفسه يقول إنه شفى مرضى قليلين، ومتى يوضح أن السبب هو عدم إيمانهم.

المسيح، من جهة لاهوته، كلي القدرة. ومن جهة ناسوته، عاش حياة بشرية حقيقية. لكنه، في خدمته الأرضية، لم يستخدم قدرته الإلهية للاستعراض أو لإجبار الرافضين على الإيمان. لذلك كان امتناعه في وطنه امتناعًا أخلاقيًا ورساليًا، لا عجزًا حقيقيًا في القدرة.

إذن، لا توجد مشكلة في ألوهية المسيح. المشكلة كانت في عدم إيمانهم، لا في قدرته. فهو لم يصنع قوات كثيرة هناك لأنه لم يشأ أن يلقي المعجزات أمام قلوب رافضة ومتعثرة.

المصدر

Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 371.

إذا كان المسيح هو الله، فلماذا لم يصنع قوات كثيرة؟ كيف نفهم قول مرقس إن يسوع «لم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة»؟

Posted in سؤال وجواب