هل أخبرت النساء التلاميذ بما حدث عند القبر أم سكتن؟ كيف نفهم قول مرقس إن النساء «لم يقلن لأحد شيئًا» مع قول متى إنهن أسرعن لإخبار التلاميذ؟

يذكر إنجيل مرقس أن النساء، بعدما رأين القبر الفارغ وسمعن رسالة الملاك، خرجن هاربات وكن خائفات:
«فَخَرَجْنَ سَرِيعًا وَهَرَبْنَ مِنَ الْقَبْرِ، لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ.»
مرقس 16: 8
لكن إنجيل متى يقول إن النساء أسرعن من القبر ليخبرن التلاميذ:
«فَخَرَجَتَا سَرِيعًا مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ، رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ.»
متى 28: 8
فهل سكتت النساء ولم يخبرن أحدًا كما يقول مرقس؟ أم ذهبن ليخبرن التلاميذ كما يقول متى؟ وهل يوجد تناقض بين الروايتين؟
الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض لازم. فمرقس يصف حالة النساء في البداية، إذ خرجن من القبر في خوف ورعدة ولم يكلمن أحدًا في الطريق. أما متى فيذكر اتجاههن ونيتهن أن يذهبن لإخبار التلاميذ. ومن الممكن أيضًا أنهن سكتن في البداية بسبب الخوف، ثم أخبرن التلاميذ لاحقًا. وقد يكون بعض النساء خرجن على مراحل أو في مجموعتين، فذكر كل إنجيلي جانبًا من المشهد.
موضع الإشكال
الإشكال الظاهري يقوم على أن مرقس يقول:
«وَلَمْ يَقُلْنَ لأَحَدٍ شَيْئًا لأَنَّهُنَّ كُنَّ خَائِفَاتٍ.»
مرقس 16: 8
بينما متى يقول:
«رَاكِضَتَيْنِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ.»
متى 28: 8
فيبدو للوهلة الأولى أن مرقس ينفي الكلام تمامًا، بينما متى يثبت أنهن ذهبن لإبلاغ التلاميذ. لكن عند التدقيق في العبارتين، يظهر أن كل نص يركز على جانب مختلف.
متى لا يقول صراحة إنهن أخبرن التلاميذ في تلك اللحظة
النقطة الأولى المهمة هي أن متى لا يقول في العدد الثامن إن النساء أخبرن التلاميذ بالفعل في اللحظة نفسها، بل يقول إنهن خرجن «لتخبرا تلاميذه». أي إن النص يذكر اتجاههن وقصدهما: كانتا ذاهبتين لإبلاغ التلاميذ.
هناك فرق بين أن يقول النص: «ذهبتا لتخبرا»، وبين أن يقول: «أخبرتا فورًا». فمتى يصف مسارهن وهدفهن بعد سماع رسالة الملاك، لا يلزم أنه يصف كل ما حدث في الطريق أو حالة الصمت والخوف التي مرت بهن أولًا.
مرقس يصف الخوف الأول والصمت المؤقت
مرقس يركز على رد فعلهن الفوري بعد الخروج من القبر. فقد خرجن في حالة رهبة ورعدة وحيرة:
«لأَنَّ الرِّعْدَةَ وَالْحَيْرَةَ أَخَذَتَاهُنَّ.»
مرقس 16: 8
في هذا السياق، قوله «لم يقلن لأحد شيئًا» يمكن فهمه على أنه صمت مؤقت ناتج عن الخوف، خصوصًا في الطريق أو في اللحظات الأولى، لا إعلان أنهن لم يخبرن التلاميذ أبدًا فيما بعد.
فمن الطبيعي جدًا أن يخرج إنسان من حدث مهيب ومزلزل مثل القبر الفارغ وإعلان القيامة وهو صامت من الرهبة أولًا، ثم بعد أن يهدأ ويستجمع نفسه يتكلم ويخبر بما حدث.
الخوف لا يلغي الطاعة لكنه قد يؤخر الكلام
متى نفسه يذكر أن النساء خرجن «بخوف وفرح عظيم»:
«فَخَرَجَتَا سَرِيعًا مِنَ الْقَبْرِ بِخَوْفٍ وَفَرَحٍ عَظِيمٍ.»
متى 28: 8
إذن، الخوف موجود في رواية متى أيضًا، وليس خاصًا بمرقس وحده. لكن متى يبرز جانب الفرح والطاعة والذهاب لإخبار التلاميذ، بينما مرقس يبرز جانب الرهبة والحيرة والصمت الأول.
وبذلك لا توجد روايتان متناقضتان، بل روايتان ترسمان صورة نفسية كاملة: خوف ورعدة في البداية، ثم طاعة وإبلاغ بعد ذلك.
يمكن أن يكون الصمت عن الغرباء لا عن التلاميذ
من الممكن أيضًا أن معنى «لم يقلن لأحد شيئًا» في مرقس يشير إلى أنهن لم يتحدثن مع أي شخص في الطريق، بسبب الخوف والرهبة، وليس أنهن لم يخبرن التلاميذ مطلقًا.
أي إنهن خرجن من القبر وسرن في الطريق صامتات، لا يتوقفن لإخبار كل من يقابلنه. لكن هذا لا يمنع أنهن كن ذاهبات إلى التلاميذ، كما يقول متى، وأنهن أخبرنهم لاحقًا عندما وصلن إليهم.
قد يكون الحديث عن مجموعتين أو مراحل مختلفة
هناك احتمال آخر أيضًا، وهو أن النساء لم يغادرن كلهن القبر في لحظة واحدة أو بنفس الترتيب، بل ربما تحركن في مجموعات أو مراحل مختلفة. فمرقس قد يكون يركز على مجموعة من النساء خرجت في خوف وصمت، بينما متى يركز على نساء أخريات أو على المرحلة التي ذهبن فيها لإخبار التلاميذ.
وهذا أمر غير غريب في روايات القيامة، لأن الأناجيل تذكر أكثر من امرأة وأكثر من حركة بين القبر والتلاميذ، وكل إنجيلي يختار التفصيل الذي يخدم غرضه السردي واللاهوتي.
السياق العام يؤكد أن الخبر وصل إلى التلاميذ
من الواضح من بقية روايات القيامة أن خبر القبر الفارغ وصل إلى التلاميذ. ففي لوقا نقرأ:
«فَرَجَعْنَ مِنَ الْقَبْرِ، وَأَخْبَرْنَ الأَحَدَ عَشَرَ وَجَمِيعَ الْبَاقِينَ بِهذَا كُلِّهِ.»
لوقا 24: 9
ويذكر يوحنا أن مريم المجدلية ذهبت إلى التلاميذ:
«فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التَّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هذَا.»
يوحنا 20: 18
إذن، لا يمكن أن يكون المقصود في مرقس أن النساء لم يتكلمن أبدًا طوال حياتهن أو لم يصل الخبر مطلقًا إلى التلاميذ. المقصود الأقرب هو الصمت الأول بسبب الخوف، لا الصمت النهائي المطلق.
لماذا يذكر مرقس الخوف بهذه القوة؟
مرقس كثيرًا ما يبرز رهبة الناس أمام أعمال الله العظيمة. والقيامة ليست حدثًا عاديًا، بل حدث يهزّ القلب والعقل. لذلك يبرز مرقس الرعدة والحيرة والخوف عند النساء، لا ليقول إنهن عصين الرسالة ولم يخبرن أبدًا، بل ليظهر ضخامة الحدث ومهابته.
فالقبر الفارغ وإعلان القيامة لم يكونا مجرد خبر سعيد بسيط، بل إعلانًا إلهيًا مزلزلًا: يسوع المصلوب قام. ومن الطبيعي أن تكون الاستجابة الأولى خوفًا ورعدة قبل أن تتحول إلى شهادة وإخبار.
متى يبرز الطاعة والرسالة
أما متى فيبرز أن النساء حملن رسالة القيامة إلى التلاميذ. فالملكوت يبدأ بإعلان القيامة، والنساء يتحركن من القبر إلى التلاميذ، ثم يلتقين بالمسيح القائم:
«وَفِيمَا هُمَا مُنْطَلِقَتَانِ لِتُخْبِرَا تَلاَمِيذَهُ، إِذَا يَسُوعُ لاَقَاهُمَا وَقَالَ: سَلاَمٌ لَكُمَا. فَتَقَدَّمَتَا وَأَمْسَكَتَا بِقَدَمَيْهِ وَسَجَدَتَا لَهُ.»
متى 28: 9
متى لا يناقض مرقس، بل يضيف ما حدث في مسارهن نحو إتمام الرسالة.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض حقيقي. لكي يكون هناك تناقض، يجب أن يقول مرقس إن النساء لم يخبرن التلاميذ أبدًا، ويقول متى إنهن أخبرنهم فورًا في نفس اللحظة وبنفس المعنى. لكن النصين لا يقولان ذلك.
مرقس يقول إنهن في البداية، بسبب الخوف، لم يقلن لأحد شيئًا. ومتى يقول إنهن خرجن راكضات بقصد إخبار التلاميذ. ويمكن الجمع بينهما بسهولة: سكتن أولًا بسبب الخوف، ثم أخبرن لاحقًا. أو لم يتكلمن مع أحد في الطريق، لكنهن ذهبن إلى التلاميذ. أو تحدث كل إنجيلي عن مجموعة أو مرحلة مختلفة.
الاختلاف بين الروايتين يثري المشهد
رواية مرقس تعطينا الانفعال الأول: رهبة، خوف، حيرة، وصمت. ورواية متى تعطينا الحركة التالية: ذهاب، طاعة، وفرح، ثم لقاء مع المسيح القائم. وعندما نجمع الروايتين، نحصل على صورة أعمق: القيامة أحدثت رهبة حقيقية، لكنها أيضًا أطلقت شهادة حقيقية.
فالنساء لم يكنّ شخصيات جامدة بلا مشاعر، بل شهودًا حقيقيين مررن بالخوف والفرح معًا، ثم حملن خبر القيامة.
الخلاصة
لم يتناقض مرقس ومتى في رواية النساء عند القبر. مرقس يذكر أن النساء خرجن من القبر في خوف ورعدة، ولم يقلن لأحد شيئًا في البداية. أما متى فيذكر أنهن خرجن راكضات بقصد إخبار التلاميذ. ويمكن أن يكون الصمت مؤقتًا بسبب الخوف، ثم تكلمن لاحقًا. كما يمكن أن يكون المقصود أنهن لم يتكلمن مع أحد في الطريق، بل ذهبن لإبلاغ التلاميذ.
إذن، رواية مرقس تركز على الرهبة الأولى أمام حدث القيامة، ورواية متى تركز على الطاعة والذهاب لإعلان الخبر. والروايتان متكاملتان: القيامة أدهشتهن وأخافتهن أولًا، ثم دفعتهن إلى الشهادة بأن المسيح قام.
المصدر
Geisler, Norman L., and Thomas A. Howe. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties. Victor Books, Wheaton, Illinois, 1992, p. 377.