كيرينيوس والاكتتاب – هل أخطأ لوقا عندما قال إن الاكتتاب كان في زمن كيرينيوس؟

الرد على شبهة لوقا 2: 2 وهل كان كيرينيوس واليًا على سورية وقت ميلاد المسيح؟
تُثار شبهة تاريخية حول قول القديس لوقا إن الاكتتاب الذي حدث وقت ميلاد المسيح جرى عندما كان كيرينيوس واليًا على سورية. ويقول المعترضون إن كيرينيوس لم يصبح واليًا على سورية إلا بعد موت هيرودس الكبير، حوالي سنة 6 ميلادية، أي بعد الزمن المعتاد لميلاد المسيح بعدة سنوات. فهل أخطأ لوقا في تسجيله التاريخي؟ وهل خلط بين اكتتاب الميلاد والاكتتاب اللاحق المعروف في سنة 6 ميلادية؟
الإجابة المختصرة هي: لا يلزم أن يكون لوقا قد أخطأ. توجد عدة حلول تاريخية ولغوية معقولة تفسر النص دون اتهام لوقا بالخطأ. فقد يكون كيرينيوس قد تولى سلطة خاصة في شأن الاكتتاب قبل ولايته الرسمية اللاحقة، أو ربما خدم في سورية في مناسبتين، أو قد يكون معنى العبارة أن هذا الاكتتاب حدث قبل ولاية كيرينيوس المعروفة على سورية. وفي كل الأحوال، لا توجد ضرورة علمية أو تاريخية لإسقاط موثوقية لوقا.
موضع الإشكال
يقول إنجيل لوقا عن أمر الاكتتاب وقت ميلاد المسيح:
«وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ صَدَرَ أَمْرٌ مِنْ أُوغُسْطُسَ قَيْصَرَ بِأَنْ يُكْتَتَبَ كُلُّ الْمَسْكُونَةِ.»
لوقا 2: 1
ثم يضيف:
«وَهذَا الاكْتِتَابُ الأَوَّلُ جَرَى إِذْ كَانَ كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ.»
لوقا 2: 2
ثم يذكر ذهاب يوسف إلى بيت لحم:
«فَصَعِدَ يُوسُفُ أَيْضًا مِنَ الْجَلِيلِ مِنْ مَدِينَةِ النَّاصِرَةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ الَّتِي تُدْعَى بَيْتَ لَحْمٍ، لِكَوْنِهِ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ وَعَشِيرَتِهِ.»
لوقا 2: 4
الإشكال أن كيرينيوس معروف تاريخيًا بوصفه واليًا على سورية في سنة 6 ميلادية تقريبًا، بعد موت هيرودس الكبير، بينما ميلاد المسيح حدث قبل موت هيرودس. لذلك يتساءل البعض: كيف يقول لوقا إن الاكتتاب كان وقت ولاية كيرينيوس؟
أولًا: لوقا نفسه يعرف الاكتتاب اللاحق ولا يخلط بينه وبين اكتتاب الميلاد
من المهم ملاحظة أن لوقا لم يكن جاهلًا بالاكتتاب اللاحق المرتبط بكيرينيوس، لأن نفس الكاتب يذكره في سفر أعمال الرسل في سياق كلام غمالائيل:
«بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ الاكْتِتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا. فَذَاكَ أَيْضًا هَلَكَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا.»
أعمال الرسل 5: 37
هذا يعني أن لوقا كان مدركًا لوجود اكتتاب معروف ارتبط باضطرابات سياسية لاحقة. ولذلك، ليس من السهل اتهامه بأنه خلط دون وعي بين حدثين، خاصة أنه في إنجيله يستخدم عبارة «الاكتتاب الأول»، وهي قد تشير إلى تمييزه بين اكتتاب أول واكتتاب آخر لاحق.
ثانيًا: كوينتيليوس فاروس كان والي سورية لكن كيرينيوس ربما تولى سلطة خاصة
أحد الحلول المعقولة أن كوينتيليوس فاروس كان والي سورية من نحو سنة 7 قبل الميلاد إلى نحو سنة 4 قبل الميلاد، وهي الفترة القريبة من زمن ميلاد المسيح. لكن فاروس لم يكن قائدًا موثوقًا أو بارعًا. وقد ظهر فشله لاحقًا بصورة كارثية في سنة 9 ميلادية عندما فقد ثلاث فرق رومانية في غابة تويتوبورغ في ألمانيا.
أما كيرينيوس فكان قائدًا عسكريًا مشهورًا وله خبرة قوية، وقد ارتبط بإخماد تمرد الهومونادينسيين في آسيا الصغرى. لذلك، عندما جاء وقت بدء اكتتاب حساس في منطقة مضطربة مثل فلسطين، من الممكن أن يكون أوغسطس قد أسند إلى كيرينيوس سلطة خاصة في هذا الأمر، بحيث يتولى الإشراف العملي على الاكتتاب، حتى مع وجود فاروس كوالي رسمي على سورية.
وبهذا المعنى، قد يكون لوقا نسب الحدث إلى كيرينيوس لأنه كان صاحب السلطة الفعلية أو المفوض الإمبراطوري في ملف الاكتتاب، لا لأنه كان بالضرورة الوالي الرسمي الوحيد في تلك اللحظة بالمعنى الإداري الضيق.
ثالثًا: منطقة فلسطين كانت حساسة وتحتاج إلى مسؤول قوي
كان الوضع في فلسطين شديد الحساسية، خاصة في أواخر حكم هيرودس الكبير. والاكتتاب لم يكن مجرد إجراء إداري بسيط، بل كان يمكن أن يُفهم كعلامة على السيطرة الرومانية، وكتمهيد للضرائب أو تنظيم الولاء السياسي. لذلك كان تنفيذ مثل هذا الاكتتاب يحتاج إلى شخصية قوية وموثوقة لدى روما.
ومن هنا يصبح تعيين كيرينيوس للإشراف على العملية، أو منحه سلطة خاصة تتجاوز سلطة فاروس في هذا الملف، أمرًا غير مستبعد. فالإمبراطورية الرومانية لم تكن تعمل دائمًا بقوالب إدارية جامدة، بل كانت تمنح أحيانًا سلطات خاصة لقادة معينين بحسب الحاجة السياسية والعسكرية.
رابعًا: ربما كان كيرينيوس واليًا أو صاحب سلطة في سورية مرتين
حل آخر اقترحه بعض الباحثين هو أن كيرينيوس ربما خدم في سورية أو مارس سلطة حاكمة هناك في مناسبتين: الأولى في الفترة الواقعة بين 12 و2 قبل الميلاد تقريبًا أثناء عمله العسكري ضد الهومونادينسيين، والثانية ابتداءً من سنة 6 ميلادية تقريبًا، وهي الولاية المعروفة تاريخيًا.
وقد استند بعض الباحثين إلى نقش لاتيني اكتُشف سنة 1764، وفسّره بعضهم على أنه يشير إلى شخص خدم كحاكم أو والي على سورية مرتين. ويرى بعض المدافعين أن هذا النقش قد يشير إلى كيرينيوس، مما يجعل من الممكن أن تكون له ولاية أو سلطة سابقة قبل الولاية المعروفة في سنة 6 ميلادية.
حتى لو لم يكن هذا الحل محل اتفاق بين كل العلماء، فهو يبيّن أن المسألة ليست بسيطة كما يصورها بعض المعترضين، وأن هناك احتمالات تاريخية يمكن أن تفسر كلام لوقا دون اتهامه بالخطأ.
خامسًا: قد يكون معنى لوقا 2: 2 أن الاكتتاب حدث قبل ولاية كيرينيوس المعروفة
هناك حل لغوي مهم يقول إن العبارة اليونانية في لوقا 2: 2 يمكن أن تُفهم بمعنى: «هذا الاكتتاب جرى قبل أن يكون كيرينيوس واليًا على سورية». وفي هذا التفسير تُترجم الكلمة التي تُنقل عادة إلى «الأول» بمعنى مقارن، أي «قبل».
هذا ليس أمرًا مستحيلًا من جهة اللغة، لأن الكلمة اليونانية المترجمة «الأول» يمكن أن تحمل معنى المقارنة في بعض السياقات. وبسبب تركيب الجملة الصعب أو غير المعتاد، يرى بعض العلماء أن هذه القراءة ليست بعيدة.
وعلى هذا الفهم، يكون لوقا نفسه يميز اكتتاب الميلاد عن الاكتتاب المعروف في زمن كيرينيوس، فيقول إن هذا الاكتتاب كان سابقًا لذلك الاكتتاب اللاحق أو سابقًا لولايته المعروفة.
سادسًا: عبارة “الاكتتاب الأول” قد تشير إلى تمييز بين اكتتابين
حتى بحسب الترجمة المعتادة «هذا الاكتتاب الأول»، يمكن أن تحمل العبارة معنى التمييز بين أكثر من اكتتاب. فلو كان هناك اكتتاب لاحق معروف في سنة 6 ميلادية، فالقول إن هذا هو «الأول» قد يكون طريقة لتمييز اكتتاب الميلاد عن الاكتتاب اللاحق الذي أثار ثورة يهوذا الجليلي.
وهذا مهم لأن المشكلة كثيرًا ما تُعرض كأن لوقا لم يعرف إلا اكتتابًا واحدًا ووضعه في المكان الخطأ. لكن وجود تعبير «الأول» وذكر الاكتتاب اللاحق في أعمال الرسل يفتحان بابًا قويًا لفهم لوقا على أنه يميز بين الأحداث لا يخلط بينها.
سابعًا: لا ينبغي تبسيط النظام الإداري الروماني أكثر من اللازم
الاعتراض يفترض أحيانًا أن مصطلح «والي» أو «حاكم» لا يمكن أن يُستخدم إلا لشخص يحمل منصبًا رسميًا واحدًا في وقت محدد. لكن العالم الروماني كان أكثر تعقيدًا. فقد توجد سلطات عسكرية، وتفويضات خاصة، ومسؤوليات مؤقتة، ونفوذ إداري في منطقة معينة، حتى مع وجود حاكم رسمي آخر.
لذلك لا ينبغي أن نحصر كلام لوقا في تصور إداري ضيق إذا كان الواقع الروماني يسمح بتداخل السلطات أو بتعيين مفوض خاص في مهمة حساسة كالاكتتاب.
ثامنًا: موثوقية لوقا التاريخية تدعو إلى التأنّي قبل اتهامه بالخطأ
لوقا يُظهر في إنجيله وسفر الأعمال اهتمامًا واضحًا بالتاريخ والجغرافيا والأسماء الرسمية والألقاب. وفي مقدمة إنجيله يعلن أنه تتبع كل شيء بتدقيق:
«رَأَيْتُ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيق، أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ.»
لوقا 1: 3
وقد دافع السير وليم رمزي عن دقة لوقا التاريخية، مشيرًا إلى أنه في إشاراته إلى عشرات البلاد والمدن والجزر لم يقع في أخطاء كما كان يظن النقاد من قبل. والواقع أن كثيرًا من الاعتراضات القديمة على لوقا تراجعت لاحقًا مع تقدم المعرفة الأثرية والتاريخية.
هذا لا يعني أن نرفض كل سؤال نقدي، بل يعني أن نكون منصفين: عندما يكون لدينا كاتب ثبتت دقته في مواضع كثيرة، ووجدت حلول معقولة لموضع صعب، فلا ينبغي أن نجعل الاتهام بالخطأ هو الخيار الأول.
تاسعًا: ما هي الحلول الممكنة باختصار؟
يمكن تلخيص الحلول المطروحة في ثلاثة اتجاهات أساسية:
الحل الأول
أن كيرينيوس لم يكن الوالي الرسمي الوحيد في ذلك الوقت، لكنه كان مفوضًا أو صاحب سلطة خاصة في شأن الاكتتاب في فلسطين، متجاوزًا أو مشرفًا على سلطة فاروس في هذا الملف.
الحل الثاني
أن كيرينيوس خدم في سورية أو مارس سلطة حاكمة هناك في مناسبتين، مرة قبل الميلاد في إطار عمله العسكري والإداري، ومرة لاحقة معروفة في سنة 6 ميلادية تقريبًا.
الحل الثالث
أن معنى لوقا 2: 2 هو أن هذا الاكتتاب حدث قبل ولاية كيرينيوس المعروفة على سورية، لا أثناءها.
وأيًّا كان الحل الذي يختاره القارئ، فالمهم أن النص لا يفرض بالضرورة نتيجة واحدة، وهي أن لوقا أخطأ.
هل يوجد تناقض حقيقي؟
لا يوجد تناقض حقيقي. التناقض يتطلب أن يكون لدينا نص كتابي يقول إن كيرينيوس لم تكن له أي سلطة أو صلة بسورية أو بالاكتتاب قبل سنة 6 ميلادية، ثم يأتي لوقا ليقول العكس. لكن هذا غير موجود. لدينا فقط معلومات تاريخية جزئية عن الولاية المعروفة لكيرينيوس في سنة 6 ميلادية، مع احتمال وجود سلطة سابقة أو مهمة خاصة أو معنى لغوي آخر في نص لوقا.
إذن المسألة ليست تناقضًا داخليًا في الكتاب، بل صعوبة تاريخية تتعلق بكيفية فهم منصب كيرينيوس وتوقيت الاكتتاب. والصعوبات التاريخية لا تُحل دائمًا باتهام النص، خاصة عندما توجد قراءات معقولة ومنسجمة مع السياق.
الخلاصة
لم يثبت أن لوقا أخطأ عندما ربط الاكتتاب بكيرينيوس. فمن الممكن أن كيرينيوس تولى سلطة خاصة في شأن الاكتتاب قبل ولايته الرسمية المعروفة، أو أنه خدم في سورية أو مارس سلطة حاكمة هناك مرتين، أو أن عبارة لوقا تعني أن هذا الاكتتاب حدث قبل ولاية كيرينيوس المعروفة على سورية. وكل هذه حلول معقولة تمنع الجزم بوجود خطأ في النص.
كما أن لوقا معروف بدقته التاريخية في مواضع كثيرة، وقد أعلن أنه تتبع الأمور بتدقيق. لذلك، لا توجد ضرورة لافتراض الخطأ في لوقا 2: 2. بل الأفضل أن نفهم النص في ضوء طبيعة الإدارة الرومانية المعقدة، وإمكانية التفويضات الخاصة، واحتمال وجود أكثر من اكتتاب أو أكثر من علاقة لكيرينيوس بسورية.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 384. Victor Books: Wheaton, Ill.