القائمة إغلاق

كيف يقول يوحنا “الله لم يره أحد قط” بينما سنرى الله؟ يوحنا 1: 18 ومتى 5: 8 ورؤيا 22: 4 حول رؤية الله

المحتوى

كيف يقول يوحنا “الله لم يره أحد قط” بينما سنرى الله؟

الرد على شبهة يوحنا 1: 18 ومتى 5: 8 ورؤيا 22: 4 حول رؤية الله

كيف يقول يوحنا "الله لم يره أحد قط" بينما سنرى الله؟ يوحنا 1: 18 ومتى 5: 8 ورؤيا 22: 4 حول رؤية الله
كيف يقول يوحنا “الله لم يره أحد قط” بينما سنرى الله؟ يوحنا 1: 18 ومتى 5: 8 ورؤيا 22: 4 حول رؤية الله

تُثار شبهة حول موضوع رؤية الله في الكتاب المقدس. فمن جهة، يقول يوحنا: «الله لم يره أحد قط»، وكأن رؤية الله مستحيلة على الإطلاق. ومن جهة أخرى، يقول المسيح: «طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله»، ويقول سفر الرؤيا إن عبيد الله «سينظرون وجهه»، ويقول يوحنا نفسه: «سنراه كما هو». فهل يمكن رؤية الله أم لا؟ وهل يوجد تناقض بين هذه النصوص؟

الإجابة المختصرة هي: لا يوجد تناقض. فالنصوص التي تقول إن أحدًا لم يرَ الله تتكلم عن الإنسان المائت في هذه الحياة الحاضرة، لأنه غير قادر على احتمال رؤية مجد الله في كماله وجوهره. أما النصوص التي تقول إن المؤمنين سيرون الله، فهي تتكلم عن الحالة الممجدة في الحياة الآتية، حين يلبس المؤمن عدم الفساد ويُعاين الله في المجد. فما لا يستطيع الإنسان المائت أن يراه الآن، سيراه المؤمن الممجد في الأبدية.

موضع الإشكال

يقول إنجيل يوحنا:

«اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.»

يوحنا 1: 18

وفي موضع آخر يقول يوحنا:

«اَللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ. إِنْ أَحَبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَاللهُ يَثْبُتُ فِينَا، وَمَحَبَّتُهُ قَدْ تَكَمَّلَتْ فِينَا.»

1 يوحنا 4: 12

لكن المسيح يقول في الموعظة على الجبل:

«طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ.»

متى 5: 8

ويقول سفر الرؤيا عن عبيد الله في أورشليم السماوية:

«وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ.»

رؤيا 22: 4

ويقول يوحنا أيضًا:

«أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ.»

1 يوحنا 3: 2

فالسؤال هو: كيف يقول الكتاب إن أحدًا لم يرَ الله، ثم يعد المؤمنين بأنهم سيرون الله؟

أولًا: يوحنا يتكلم عن الإنسان المائت في هذه الحياة

عندما يقول يوحنا: «الله لم يره أحد قط»، فهو يتكلم عن رؤية الله في كمال جوهره ومجده بواسطة الإنسان المائت في حالته الحاضرة. الإنسان في ضعفه الحالي لا يستطيع أن يحتمل مجد الله غير المحدود.

هذا واضح أيضًا من إعلان الله لموسى. فقد طلب موسى أن يرى مجد الرب:

«فَقَالَ: أَرِنِي مَجْدَكَ.»

خروج 33: 18

لكن الرب قال له:

«لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي، لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ.»

خروج 33: 20

ثم أعطاه الله إعلانًا محدودًا يناسب حالته البشرية:

«ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي. وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى.»

خروج 33: 23

فحتى موسى، أعظم أنبياء العهد القديم، لم يُعطَ أن يرى الله في كمال مجده وجوهره. وهذا يؤكد أن المقصود ليس استحالة رؤية الله في كل معنى، بل استحالة معاينة جوهر الله الكامل في هذه الحياة المائتة.

ثانيًا: الله أعلن ذاته بطرق حقيقية لكنها غير كاملة

الكتاب يقول إن الله لم يُرَ في جوهره الكامل، لكنه لا ينفي أن الله أعلن ذاته بطرق حقيقية ومحدودة للبشر. فقد ظهر الله في رؤى، وأعلن مجده، وتكلم، وأرسل ملاكه، وظهر في إشارات منظورة، وأخيرًا أعلن ذاته في الابن الوحيد.

وهذا هو معنى يوحنا 1: 18 كاملًا:

«اَللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.»

يوحنا 1: 18

أي أن الله غير المنظور في جوهره قد أعلنه الابن الوحيد إعلانًا كاملًا وصادقًا. فالآية لا تنفي معرفة الله، بل تؤكد أن معرفة الله الحقيقية تأتي من خلال الابن الذي في حضن الآب.

ثالثًا: رؤية الله في المستقبل تخص المؤمن الممجد لا الإنسان المائت

أما النصوص التي تقول إن المؤمنين سيرون الله، فهي تتكلم عن حالة المجد، لا عن الحالة البشرية الضعيفة الآن. المؤمنون في الأبدية لن يبقوا في ضعف الجسد المائت كما هو الآن، بل سيُقامون ويمجدون، وعندئذ يستطيعون أن يعاينوا الله كما يليق بالحالة الجديدة.

يقول بولس:

«فَإِنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسَ عَدَمَ مَوْتٍ.»

1 كورنثوس 15: 53

فما يعجز عنه الإنسان في حالته المائتة الآن، يقدر عليه في حالة المجد التي يعطيها الله. لذلك لا يتناقض قول «الله لم يره أحد قط» مع الوعد المستقبلي: «سيعاينون الله».

رابعًا: هناك فرق بين الرؤية الآن والرؤية في المجد

بولس يشرح الفرق بين المعرفة الحالية والمعرفة المستقبلية:

«فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ.»

1 كورنثوس 13: 12

الآن معرفتنا حقيقية لكنها غير كاملة. نحن نرى آثار الله وأعماله وإعلانه، ونفهمه من خلال كلمته وخلقه وعمل الروح، لكننا لا نراه في كماله كما سنراه في المجد. أما في الحياة الآتية، فستكون الرؤية «وجهًا لوجه».

إذن الكتاب يميز بين رؤية غير مباشرة الآن، ورؤية مباشرة مباركة في الأبدية.

خامسًا: رؤية الله في الخليقة ليست مثل رؤية جوهره

الله أعلن أمورًا حقيقية عن نفسه من خلال الخليقة. يقول بولس:

«لأَنَّ غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ. إِذْ مَعْرِفَةُ اللهِ ظَاهِرَةٌ فِيهِمْ، لأَنَّ اللهَ أَظْهَرَهَا لَهُمْ. لأَنَّ أُمُورَهُ غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ تُرَى مُنْذُ خَلْقِ الْعَالَمِ مُدْرَكَةً بِالْمَصْنُوعَاتِ، قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلاَهُوتَهُ، حَتَّى إِنَّهُمْ بِلاَ عُذْرٍ.»

رومية 1: 18-20

لكن هذه الرؤية من خلال الخليقة هي معرفة غير مباشرة. نحن نرى آثار قدرة الله وحكمته ولاهوته، لكننا لا نرى جوهر الله مباشرة. أما الرؤية الموعودة في الأبدية فهي أعمق وأكمل، حيث يعرف المؤمن الله بطريقة مباشرة مباركة.

سادسًا: “طوبى للأنقياء القلب” وعد أخروي لا مجرد رؤية جسدية الآن

قول المسيح:

«طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ.»

متى 5: 8

لا يعني أن كل مؤمن نقي القلب يرى الله الآن بعينيه الجسديتين في كمال مجده. بل يتضمن وعدًا روحيًا وأخرويًا. النقاوة تجعل الإنسان مؤهلًا للشركة مع الله، وهذه الشركة تبلغ كمالها في الملكوت عندما يرى المؤمنون الله في المجد.

فالمسيح لا يناقض يوحنا، بل يتكلم عن غاية الطهارة والإيمان: معاينة الله في الحياة الأبدية.

سابعًا: رؤية وجه الله في الرؤيا هي ذروة بركة المؤمن

يقول سفر الرؤيا عن الحالة الأبدية:

«وَلاَ تَكُونُ لَعْنَةٌ مَا فِي مَا بَعْدُ. وَعَرْشُ اللهِ وَالْخَرُوفِ يَكُونُ فِيهَا، وَعَبِيدُهُ يَخْدِمُونَهُ. وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ.»

رؤيا 22: 3-4

هذا لا يصف حالة الإنسان المائت الآن، بل الحالة النهائية في الخليقة الجديدة، حيث تزول اللعنة، ويكون عرش الله والخروف في وسط شعبه، ويرى عبيده وجهه. هذه هي قمة الرجاء المسيحي: الشركة المباشرة مع الله.

ثامنًا: “سنراه كما هو” لا يعني أننا نصير الله

يقول يوحنا:

«نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ.»

1 يوحنا 3: 2

هذا وعد عظيم، لكنه لا يعني أن المؤمنين سيصيرون آلهة أو سيدركون الله إدراكًا لا نهائيًا كما يدرك الله ذاته. بل يعني أنهم سيُشابهون المسيح في المجد والقداسة، وسيرونه في حقيقة مجده كما أعلن ذاته لهم.

فالرؤية المباركة لا تلغي الفرق بين الخالق والمخلوق، لكنها تعطي المؤمن معرفة مباشرة وفرحًا كاملًا في حضرة الله.

تاسعًا: الرؤية المباركة هي ذروة خلاص المؤمن

يسمي اللاهوتيون هذه الرؤية “الرؤية الطوباوية” أو “الرؤية المباركة”، أي رؤية الله وجهًا لوجه في المجد. وهي ليست مجرد رؤية بصرية عادية، بل معرفة مباشرة وشركة كاملة وفرح غير منقطع في حضور الله.

في هذه الحياة، نعرف الله بالإيمان، وبكلمته، وبعمل الروح القدس، وبإعلانه في المسيح. أما في الحياة الآتية، فستبلغ هذه المعرفة كمالها. لذلك يقول بولس: «حينئذ وجهًا لوجه».

وهذه الرؤية هي الذروة الروحية لخلاص المؤمن، لأن أعظم عطية في السماء ليست مجرد الراحة أو النجاة من الألم، بل الله نفسه.

عاشرًا: لا يوجد تناقض لأن الزمن والحالة مختلفان

التناقض الحقيقي يتطلب أن يقول الكتاب إن الإنسان في نفس الحالة ونفس الزمن يستطيع ولا يستطيع رؤية الله بنفس المعنى. لكن هذا غير موجود. يوحنا 1: 18 يتكلم عن الإنسان في هذه الحياة، وعن عدم رؤية الله في جوهره الكامل. أما متى 5: 8 ورؤيا 22: 4 و1 يوحنا 3: 2 فتتكلم عن المؤمنين في حالة المجد والحياة الأبدية.

إذن الاختلاف ليس تناقضًا، بل تمييز بين الحاضر والمستقبل، وبين الإنسان المائت والإنسان الممجد، وبين المعرفة غير المباشرة والمعاينة المباركة.

ما دور المسيح في إعلان الله غير المنظور؟

يوحنا لا يكتفي بأن يقول إن أحدًا لم يرَ الله، بل يكمل قائلًا:

«اَلابْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.»

يوحنا 1: 18

هذا يعني أن الله غير المنظور صار معروفًا لنا في الابن الوحيد. المسيح هو إعلان الآب الكامل. لذلك قال الرب يسوع لفيلبس:

«اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا الآبَ؟»

يوحنا 14: 9

فالمسيح لا يناقض حقيقة أن الله غير منظور في جوهره، بل هو الطريق الذي به نعرف الله معرفة حقيقية. وفي المجد، ستكتمل هذه المعرفة بالرؤية المباشرة المباركة.

الخلاصة

لا يوجد تناقض بين قول يوحنا: «الله لم يره أحد قط» وبين وعد الكتاب أن الأنقياء القلب سيعاينون الله وأن عبيده سينظرون وجهه. فالأول يتكلم عن الإنسان المائت في هذه الحياة، الذي لا يستطيع أن يحتمل رؤية الله في كمال مجده وجوهره. أما الثاني فيتكلم عن المؤمنين في الحالة الممجدة في الحياة الأبدية.

الآن نعرف الله معرفة حقيقية لكنها غير مباشرة، من خلال خليقته وكلمته وإعلانه في الابن. أما في المجد، فسنراه وجهًا لوجه، في الرؤية المباركة التي تمثل قمة رجاء المؤمن. وما عجز عنه الإنسان المائت الآن، سيناله الإنسان الممجد بنعمة الله في الأبدية.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 402. Victor Books: Wheaton, Ill.

كيف يقول يوحنا إن أحدًا لم يرَ الله بينما سنرى الله؟ الرد على شبهة يوحنا 1: 18 ومتى 5: 8 ورؤيا 22: 4 حول رؤية الله – كيف يقول يوحنا “الله لم يره أحد قط” بينما سنرى الله؟ يوحنا 1: 18 ومتى 5: 8 ورؤيا 22: 4 حول رؤية الله

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة