القائمة إغلاق

هل جاء المسيح ليدين العالم أم ليخلّصه؟ يوحنا 3: 17

هل جاء المسيح ليدين العالم أم ليخلّصه؟ يوحنا 3: 17

الرد على شبهة يوحنا 3: 17 ويوحنا 5: 22 و27 ويوحنا 9: 39 حول خلاص العالم ودينونة المسيح

هل جاء المسيح ليدين العالم أم ليخلّصه؟ يوحنا 3: 17
هل جاء المسيح ليدين العالم أم ليخلّصه؟ يوحنا 3: 17

تُثار شبهة حول كلام الرب يسوع عن الدينونة والخلاص. ففي يوحنا 3: 17 يقول الإنجيل إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلُص به العالم. وفي مواضع أخرى يقول المسيح: «أنا لا أدين أحدًا» و«لم آتِ لأدين العالم بل لأخلّص العالم». لكن في مواضع أخرى يعلن المسيح أن الآب أعطاه سلطان الدينونة، وأنه جاء «لدينونة» إلى هذا العالم. فهل جاء المسيح ليدين أم ليخلّص؟ وهل يوجد تناقض بين هذه النصوص؟

الإجابة المختصرة:
لا يوجد تناقض. النصوص تتكلم عن سياقات مختلفة. في مجيئه الأول، جاء المسيح أساسًا لا ليمارس الدينونة النهائية على العالم، بل ليقدّم الخلاص. أما الدينونة النهائية فمرتبطة بسلطانه كابن الإنسان وبمجيئه الثاني. كذلك توجد تفرقة بين قصد مجيئه الأول، وهو الخلاص، وبين النتيجة الواقعية لرفضه، وهي أن من يرفض النور يجلب على نفسه الدينونة.

موضع الإشكال

يقول يوحنا:

«لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.»

يوحنا 3: 17

وقال المسيح أيضًا:

«أَنْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ تَدِينُونَ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا.»

يوحنا 8: 15

وفي موضع آخر قال:

«وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.»

يوحنا 12: 47

لكن في المقابل يقول المسيح:

«وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ.»

يوحنا 5: 27

ويقول يوحنا أيضًا:

«لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ.»

يوحنا 5: 22

كما قال المسيح بعد شفاء المولود أعمى:

«لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ.»

يوحنا 9: 39

فهل جاء المسيح ليدين العالم أم لا؟

أين يقع الالتباس؟

يقع الالتباس في جمع كل النصوص تحت معنى واحد للدينونة دون تمييز بين الأزمنة والسياقات. فالدينونة قد تعني الدينونة النهائية في نهاية التاريخ، وقد تعني التمييز والكشف الروحي في الحاضر، وقد تعني العمل كقاضٍ أرضي في نزاع بشري، وقد تعني النتيجة التي تحدث حين يرفض الإنسان النور.

لذلك لا يصح أن نقرأ كل النصوص كما لو كانت تتكلم عن نفس النوع من الدينونة في نفس اللحظة. بعض النصوص تتكلم عن قصد مجيء المسيح الأول، وبعضها عن سلطانه النهائي في الدينونة، وبعضها عن تأثير حضوره وكلمته على الذين يؤمنون والذين يرفضون.

مفتاح فهم الشبهة:
في المجيء الأول، جاء المسيح ليقدّم الخلاص لا ليجري الدينونة النهائية. لكن رفض هذا الخلاص يجعل الإنسان تحت الدينونة، والمسيح نفسه سيكون الديان في النهاية. إذن الخلاص هو قصد المجيء الأول، والدينونة هي النتيجة لمن يرفض، وهي أيضًا عمل المسيح في المجيء الثاني.

أولًا: يوحنا 3: 17 يتكلم عن قصد المجيء الأول

عندما يقول يوحنا إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، فالمقصود هو أن الهدف المباشر من تجسد المسيح ومجيئه الأول لم يكن تنفيذ الدينونة النهائية على البشر، بل فتح باب الخلاص.

فالسياق نفسه يتكلم عن محبة الله وبذل الابن:

«لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.»

يوحنا 3: 16

ثم يأتي يوحنا 3: 17 ليؤكد أن إرسال الابن كان إرسال رحمة وخلاص، لا إرسال إدانة نهائية في ذلك الوقت. فالمسيح جاء أولًا كالمخلّص، مقدّمًا الحياة الأبدية لكل من يؤمن به.

ثانيًا: الدينونة النهائية مرتبطة بسلطان المسيح ومجيئه الثاني

النصوص التي تعلن أن المسيح له سلطان الدينونة لا تناقض يوحنا 3: 17، لأنها تتكلم عن سلطان المسيح النهائي كابن الإنسان. يقول المسيح:

«وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ.»

يوحنا 5: 27

ويقول أيضًا:

«لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ.»

يوحنا 5: 22

هذا لا يعني أن المسيح جاء في مجيئه الأول ليبدأ الدينونة الأخيرة فورًا، بل يعني أنه هو صاحب السلطان الإلهي في الدينونة، وأن الدينونة النهائية ستتم بحسب سلطانه.

وسفر الرؤيا يصف مشاهد الدينونة والملك النهائي للمسيح:

«ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ!»

رؤيا 20: 11

إذن يجب التمييز بين المجيء الأول للخلاص، والمجيء الثاني للدينونة وإتمام الملك.

ثالثًا: أحيانًا يقصد المسيح أنه لا يعمل كقاضٍ أرضي

في بعض المواضع، عندما يقول المسيح إنه لا يدين، يكون المقصود أنه لم يأتِ ليتصرف كقاضٍ أرضي يحل النزاعات المدنية أو العائلية بين الناس. مثال ذلك ما حدث عندما طلب منه رجل أن يتدخل في مسألة ميراث:

«وَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ: يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ. فَقَالَ لَهُ: يَا إِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟»

لوقا 12: 13-14

هذا لا يعني أن المسيح ليس له سلطان الدينونة النهائية، بل يعني أن رسالته في مجيئه الأول لم تكن أن يعمل كقاضٍ مدني أو وسيط ميراثي. هو جاء ليخلّص الإنسان من الخطية والموت، لا ليحل كل نزاع أرضي بحسب طلب الناس.

رابعًا: هناك فرق بين قصد المجيء ونتيجة رفضه

تمييز مهم جدًا: قصد مجيء المسيح الأول هو الخلاص، لكن النتيجة الواقعية لرفضه هي الدينونة. وهذا يظهر مباشرة في يوحنا 3 نفسه بعد الآية موضع الشبهة:

«اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.»

يوحنا 3: 18

إذن المسيح جاء ليخلّص، لكن من يرفض الإيمان به يبقى تحت الدينونة. ليست الدينونة هنا لأن المسيح جاء لكي يدمر العالم في مجيئه الأول، بل لأن رفض النور يفضح حالة القلب ويترك الإنسان في ذنبه.

خامسًا: معنى “لدينونة أتيت” في يوحنا 9: 39

عندما قال المسيح: «لدينونة أتيت أنا إلى هذا العالم»، لم يكن يقصد أنه جاء في مجيئه الأول لينفذ الدينونة النهائية، بل أن حضوره يكشف حقيقة الناس. الذين يعترفون بعمى قلوبهم يبصرون، والذين يظنون أنهم يبصرون وهم رافضون للنور ينكشف عمى قلوبهم.

قال المسيح:

«لِدَيْنُونَةٍ أَتَيْتُ أَنَا إِلَى هذَا الْعَالَمِ، حَتَّى يُبْصِرَ الَّذِينَ لاَ يُبْصِرُونَ وَيَعْمَى الَّذِينَ يُبْصِرُونَ.»

يوحنا 9: 39

ثم جاء رد الفريسيين:

«فَسَمِعَ هذَا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، وَقَالُوا لَهُ: أَلَعَلَّنَا نَحْنُ أَيْضًا عُمْيَانٌ؟»

يوحنا 9: 40

السياق يوضح أن الدينونة هنا هي كشف روحي وفرز بين من يقبل النور ومن يرفضه. فالمسيح، بمجرد حضوره وتعليمه، يصير معيارًا يكشف القلوب.

سادسًا: المسيح هو النور، ورفض النور هو الدينونة

بعد يوحنا 3: 17-18، يشرح يوحنا طبيعة الدينونة:

«وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.»

يوحنا 3: 19

هذا النص مهم جدًا. الدينونة هنا ليست أن المسيح جاء راغبًا في هلاك العالم، بل أن الناس أحبوا الظلمة أكثر من النور. فحضور النور يكشف موقف الإنسان الحقيقي: هل يأتي إلى النور أم يهرب منه؟

إذن المسيح جاء كنور ومخلّص، لكن رفض النور يجعل الإنسان محكومًا عليه من داخله ومن موقفه تجاه المسيح.

سابعًا: “أنا لا أدين أحدًا” لا تنفي سلطان الدينونة المطلق

قال المسيح:

«أَنْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ تَدِينُونَ، أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَدًا.»

يوحنا 8: 15

لكن في نفس السياق تقريبًا، يوضح أن دينونته إن دَانَ فهي حق:

«وَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَقٌّ، لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي، بَلْ أَنَا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي.»

يوحنا 8: 16

إذن المسيح لا ينفي أنه يملك سلطان الدينونة، بل يرد على طريقة الفريسيين الجسدية في الحكم. هو لا يحكم بحسب الظاهر أو الجسد كما يفعلون، ودينونته إن صدرت فهي حق لأنها متحدة مع الآب.

ثامنًا: كلمة المسيح نفسها ستكون معيار الدينونة

في يوحنا 12، يقول المسيح إنه لم يأتِ ليدين العالم بل ليخلّصه، ثم يوضح أن رفض كلمته هو ما سيدين الإنسان في اليوم الأخير:

«وَإِنْ سَمِعَ أَحَدٌ كَلاَمِي وَلَمْ يُؤْمِنْ فَأَنَا لاَ أَدِينُهُ، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ.»

يوحنا 12: 47

ثم يقول مباشرة:

«مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلاَمِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ: اَلْكَلاَمُ الَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ.»

يوحنا 12: 48

إذن لا يوجد تناقض داخل النص نفسه. المسيح لم يأتِ في مجيئه الأول لينفذ الحكم النهائي، لكنه أعلن الكلمة التي ستكون معيار الدينونة في اليوم الأخير لمن يرفضها.

تاسعًا: المسيح مخلّص وديّان معًا لكن في ترتيب صحيح

الكتاب لا يقدم المسيح كمخلّص فقط دون دينونة، ولا كديّان فقط دون خلاص. بل يعلن الاثنين معًا في الترتيب الصحيح: الآن هو يقدّم الخلاص، وفي النهاية هو الديّان العادل.

قال بطرس عن المسيح:

«وَأَوْصَانَا أَنْ نَكْرِزَ لِلشَّعْبِ، وَنَشْهَدَ بِأَنَّ هذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ مِنَ اللهِ دَيَّانًا لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ.»

أعمال الرسل 10: 42

وقال بولس في أثينا:

«لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ.»

أعمال الرسل 17: 31

فالمسيح الذي جاء ليخلّص هو نفسه الذي سيدين بالعدل. لا تناقض بين الدورين، بل اختلاف في المرحلة والسياق.

عاشرًا: هل هذا اختلاف أم تناقض؟

هذا اختلاف في السياق والمرحلة، وليس تناقضًا. يوحنا 3: 17 ويوحنا 12: 47 يتكلمان عن قصد مجيء المسيح الأول: الخلاص لا تنفيذ الدينونة النهائية. أما يوحنا 5: 22 و27 فيتكلمان عن سلطان المسيح النهائي كديّان. ويوحنا 9: 39 يتكلم عن أثر مجيئه في كشف القلوب وفرز من يقبل النور ومن يرفضه.

التناقض كان سيحدث لو قال النص إن المسيح لا يملك أي سلطان دينونة مطلقًا، ثم قال نص آخر إنه يملك هذا السلطان. لكن النصوص لا تقول ذلك. بل تقول إن مجيئه الأول كان للخلاص، وإن له سلطان الدينونة، وإن رفضه يجلب الدينونة على الرافضين.

خلاصة الفكرة:
المسيح جاء أولًا مخلّصًا، وسيظهر ديّانًا في النهاية. ومن يرفض خلاصه الآن يختار الدينونة لنفسه. لذلك لا تعارض بين أنه لم يأتِ ليدين العالم في مجيئه الأول، وبين أن الآب أعطاه كل الدينونة.

خلاصة دفاعية

يوحنا 3: 17 لا ينفي أن المسيح له سلطان الدينونة، بل يوضح أن غرض إرساله في المجيء الأول كان خلاص العالم. لذلك قال: «ليخلُص به العالم». أما النصوص التي تقول إن الآب أعطى كل الدينونة للابن، فهي تتكلم عن سلطان المسيح النهائي كابن الإنسان، وعن الدينونة الأخيرة.

كما أن قول المسيح: «لدينونة أتيت» في يوحنا 9: 39 لا يعني أنه جاء لينفذ الدينونة النهائية فورًا، بل أن حضوره كنور يكشف القلوب: من يقبل النور يبصر، ومن يرفضه ينكشف عماه. إذن المسيح مخلّص في مجيئه الأول، وديّان في سلطانه النهائي، وكلمته هي معيار الدينونة في اليوم الأخير. فلا يوجد تناقض، بل تمييز دقيق بين قصد الخلاص، وأثر الرفض، وسلطان الدينونة.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 407. Victor Books: Wheaton, Ill.

هل جاء المسيح ليدين العالم أم ليخلّصه؟ يوحنا 3: 17 — الرد على شبهة يوحنا 3: 17 ويوحنا 5: 22 و27 ويوحنا 9: 39 حول خلاص العالم ودينونة المسيح

Posted in سؤال وجواب

مقالات مرتبطة