تخطى إلى المحتوى

هل الكتاب المقدس أسطورة أم تاريخ؟ العلاقة بين الكتاب المقدس والمعجزات وقيامة المسيح

  • بواسطة

المحتوى

هل الكتاب المقدس أسطورة أم تاريخ؟

العلاقة بين الكتاب المقدس والمعجزات وقيامة المسيح

هل الكتاب المقدس أسطورة أم تاريخ؟ العلاقة بين الكتاب المقدس والمعجزات وقيامة المسيح
هل الكتاب المقدس أسطورة أم تاريخ؟ العلاقة بين الكتاب المقدس والمعجزات وقيامة المسيح

ترتبط قضية الكتاب المقدس والمعجزات وقيامة المسيح ارتباطًا وثيقًا في الدفاعيات المسيحية الحديثة. فكثيرًا ما تقف هذه القضايا معًا أو تسقط معًا في ذهن المعترض. فكثيرون ممن لا يؤمنون بأن المسيح قام جسديًا من بين الأموات يرفضون القيامة غالبًا لسببين رئيسيين: الأول أن «معجزات كهذه لا تحدث فعلًا»، والثاني أن «الكتاب المقدس أسطورة لا تاريخ».

لكن من المهم منذ البداية أن نوضح الترتيب المنطقي الصحيح بين هذه القضايا الثلاث: الكتاب المقدس، والمعجزات، والقيامة. لأن الذين يرفضون القيامة الحرفية والمعجزات بحجة أن الكتاب المقدس أسطورة لا تاريخ، يقلبون اتجاه البرهان. فالمنطق الصحيح يسير في الاتجاه العكسي: إذا كانت القيامة قد حدثت فعلًا، فإن افتراض أن «المعجزات لا تحدث» يكون قد سقط. وعندئذ يمكن أن تكون روايات المعجزات في الكتاب المقدس تاريخًا، لا أسطورة.

الإجابة المختصرة

لا يصح رفض قيامة المسيح لمجرد الادعاء المسبق أن الكتاب المقدس أسطورة، لأن هذا استدلال دائري. فالرافض يقول: القيامة أسطورة لأن الكتاب المقدس أسطورة، ثم يقول: الكتاب المقدس أسطورة لأنه يحتوي على معجزات غير معقولة مثل القيامة. لكن إن كانت القيامة حدثًا تاريخيًا حقيقيًا، فإن هذا وحده يكسر الفرضية الطبيعية التي تقول إن المعجزات لا تحدث. لذلك يجب فحص العهد الجديد أولًا كوثيقة تاريخية، لا الحكم عليه مسبقًا بمعايير إيمانية أو لا إيمانية خاصة.

الفكرة الأساسية: لا نبدأ بالقول إن المعجزات مستحيلة، ثم نحكم أن كل نص يذكر معجزة هو أسطورة. هذا ليس بحثًا تاريخيًا محايدًا، بل افتراض فلسفي سابق على البحث.

الاستدلال الدائري ضد القيامة

عندما يقال إن القيامة لم تحدث لأن الكتاب المقدس أسطورة، فهذا في الحقيقة يفترض المطلوب إثباته. فعندما نسأل غير المؤمن: لماذا تظن أن الكتاب المقدس أسطورة لا تاريخ؟ غالبًا تكون الإجابة: لأنه مليء بقصص معجزية لا تُصدَّق، مثل القيامة.

وهنا يظهر الدوران المنطقي بوضوح: القيامة أسطورة لأن الكتاب المقدس أسطورة، والكتاب المقدس أسطورة لأنه يحتوي على قصص معجزية أسطورية مثل القيامة.

لكن هذا لا يثبت شيئًا. بل يكرر نفس الافتراض مرتين. فالواجب هو أن نفحص أولًا: هل لدينا أسباب تاريخية كافية لقبول شهادة العهد الجديد؟ وهل القيامة ممكنة منطقيًا وتاريخيًا إذا كان الله موجودًا؟ فإن ثبتت القيامة، لم يعد من المنطقي رفض المعجزات لمجرد أنها معجزات.

دور الكتاب المقدس في الدفاعيات

ينبغي تجنب طرفين متقابلين في التعامل الدفاعي مع الكتاب المقدس: الطرف الأصولي المتشدد، والطرف الحداثي المتشكك. فكلاهما، رغم اختلافهما الشديد، يقع في خطأ مشترك: التعامل مع الكتاب المقدس بمعايير خاصة لا تُستعمل عادة مع بقية الكتب القديمة.

أولًا: الخطأ الأصولي في البدء بسلطان الكتاب

يرى بعض المدافعين أنه لا يجوز بدء الدفاعيات إلا من نقطة سلطان الكتاب المقدس. ويظنون أنه لا بد أولًا من إقناع غير المؤمن بعصمة الكتاب أو سلطانه الإلهي، ثم بعد ذلك تُناقَش بقية الأسئلة الدفاعية. لكن هذا، من الناحية التكتيكية، ليس دائمًا هو الطريق الأقوى.

تظهر المشكلة في ثلاث نقاط:

  1. يظنون أن العقل البشري الطبيعي، منفصلًا عن الكتاب، غير قادر أو غير كافٍ لتوجيه غير المؤمن نحو الإيمان.
  2. لذلك يظنون أن الترتيب الوحيد الصحيح هو أن نثبت أولًا سلطان الكتاب المقدس، ثم ننتقل إلى الأسئلة الأخرى ومعنا هذا السلاح الحاسم.
  3. ويظنون أن الكتاب المقدس يجب أن يُفسَّر منذ البداية بمعايير خاصة، لأنه ليس مجرد كلام الإنسان عن الله، بل كلمة الله للإنسان.

لكن تاريخ الدفاعيات المسيحية يبين أن المدافعين المسيحيين الأوائل وآباء الكنيسة جادلوا بفاعلية من أجل المسيحية في زمن لم يكن فيه قانون العهد الجديد قد تحدد بعد بشكل سلطوي نهائي كما عرفته الكنيسة لاحقًا. كما أن كثيرين عبر القرون وصلوا إلى الإيمان بوجود الله الخالق، وإلى إمكانية الخلاص، من خلال براهين عقلية لا تبدأ مباشرة من سلطان الكتاب. وبالطبع، الإيمان الخلاصي، بمعناه الكامل، ليس عمل العقل وحده.

كذلك، من الصعب جدًا أن تبدأ مع غير المؤمن بمحاولة إثبات سلطان الكتاب المقدس. ففي كثير من الأحيان يكون إثبات وجود الله، أو حتى تقديم حجج عن ألوهية المسيح، أوضح وأسهل وأقصر من إثبات سلطان الكتاب أولًا. لذلك اتبعت الدفاعيات التقليدية، سواء البروتستانتية أو الكاثوليكية، غالبًا ترتيبًا عكسيًا.

فبدلًا من هذا الترتيب:

  1. الكتاب المقدس معصوم.
  2. إذن المسيح معصوم.
  3. إذن المسيح إلهي.

يكون الترتيب الأكثر إقناعًا مع غير المؤمن هو:

  1. الكتاب المقدس موثوق كسجل تاريخي وكبيانات تاريخية.
  2. ادعاءات المسيح الألوهية موجودة في هذا السجل التاريخي.
  3. ثم ننتقل إلى فحص صدق هذه الادعاءات.

فأنت لا تحتاج أن تثبت عصمة الكتاب المقدس أولًا لكي تواجه إنسانًا بادعاءات المسيح عن نفسه.

لا يصح افتراض ما نريد إثباته

الصعوبة الأخرى أن غير المؤمن لن يقبل منذ البداية استخدام معايير خاصة أو افتراضات إيمانية خاصة تجاه الكتاب المقدس، لأن هذا يبدو له مصادرة على المطلوب. لذلك يجب أولًا إثبات أن الكتاب يستحق هذه المعاملة الخاصة بوصفه كلمة الله، ولا يصح أن نثبت ذلك بافتراضه من البداية.

فلو قلنا: «يجب أن تصدق الكتاب لأنه كلمة الله»، ثم قلنا: «ونعرف أنه كلمة الله لأنه يقول ذلك»، دون برهان مستقل، نكون قد وقعنا في استدلال دائري. ولهذا فالأفضل دفاعيًا أن نبدأ بالكتاب بوصفه وثيقة تاريخية قابلة للفحص، ثم ننظر إلى ما يشهد به عن المسيح.

تمييز مهم: الإيمان المسيحي لا يقلل من سلطان الكتاب المقدس، لكنه في الحوار مع غير المؤمن لا يفترض ما ينبغي أن يبرهنه. لذلك يُفحص الكتاب أولًا كوثيقة تاريخية، ثم تظهر قوته وسلطانه من خلال الشهادة للمسيح.

ثانيًا: الخطأ الحداثي في رفض المعجزات مسبقًا

على الجانب الآخر، يقع الحداثيون في الخطأ المقابل. فإذا كان الطرف الأصولي يطلب منذ البداية موقفًا إيمانيًا خاصًا تجاه الكتاب، فإن الطرف الحداثي يطلب منذ البداية موقفًا شكيًا خاصًا تجاه الكتاب. وفي الحالتين لا يُعامل الكتاب المقدس بنفس المعايير التي تُعامل بها بقية الوثائق التاريخية.

فالحداثيون يميلون إلى تفسير كل ما هو معجزي أو فوق طبيعي أو حتى غير مقبول أخلاقيًا في العصر الحديث تفسيرًا غير حرفي. وبهذا لا يقرأون النص ليخرجوا معناه منه، بل يقرأون داخله نظرة عالم حديثة مسبقة: الطبيعة المغلقة، وإنكار الخارق، ورفض المعجزات.

هذا ليس تفسيرًا للنص، بل تحميل للنص بما لم يقله. إنه أقرب إلى القراءة الإسقاطية، لا التفسير الأمين. فالحداثي لا يسمح للنص أن يتكلم بلغته وعالمه ومزاعمه، بل يحاكمه مسبقًا بحسب فلسفة حديثة غريبة عنه.

ومن اللافت أن الحداثيين يرتكبون بصورة أشد الخطأ الذي يتهمون به الأصوليين. فالأصوليون، في أسوأ الأحوال، يقرأون النص داخل نفس الرؤية التي يحتويها النص نفسه، أي الرؤية الإيمانية بوجود الله والمعجزات. أما الحداثيون فيفرضون على النص رؤية غريبة عنه، تنكر المعجزات قبل فحص الأدلة.

فالأصوليون لا يضيفون المعجزات إلى النصوص. أما الحداثيون فيحذفونها منها. وهذا يشبه تعديل البيانات لكي توافق النظرية، وهو خطأ أساسي في كل بحث رديء. وبهذا المعنى، فإن الحداثي هو الذي يتصرف هنا ضد المنهج العلمي، لأنه يغيّر المعطيات لتوافق افتراضه الفلسفي.

إعادة تعريف المسيحية ليست حلًا

يقول غير المؤمنين عادة إن المسيحية هي ما يعلّمه العهد الجديد، وأن المسيحية غير صحيحة. ويقول المسيحيون إن المسيحية هي ما يعلّمه العهد الجديد، وأن المسيحية صحيحة. أما بعض اللاهوتيين الحداثيين فيحاولون الوقوف بين الطرفين، فيقولون إن المسيحية ليست ما يعلّمه العهد الجديد بحسب ظاهره، بل هي ما ينتقونه هم من العهد الجديد، مثل أخلاق المحبة بلا معجزات ولا إعلان فائق للطبيعة، ثم يقولون إن هذه المسيحية المعاد تعريفها هي الصحيحة.

لكن السؤال هو: هل يسمح الكتاب المقدس بإعادة تعريف المسيحية بهذه الطريقة؟

«وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا!» (غلاطية 1: 8).

فالكتاب المقدس لا يقدم المسيحية كأخلاق عامة منفصلة عن شخص المسيح ومعجزاته وموته وقيامته. بل إن جوهر الكتاب، كلمة الله المكتوبة، هو أن يعلن لنا المسيح، كلمة الله المتجسد.

لماذا يجب الدفاع عن تاريخية الأناجيل؟

الكتاب المقدس، بوصفه كلمة الله المكتوبة، يقودنا إلى المسيح، كلمة الله المتجسد. وفي الدفاع عن ألوهية المسيح، نعتمد على المعطيات التاريخية الموجودة في الأناجيل. لذلك يجب أن ندافع عن هذه المعطيات نفسها.

ففي الحجة المعروفة عن المسيح: إما رب، أو كاذب، أو مجنون، يوجد افتراض مشترك، وهو أن يسوع ادعى الألوهية فعلًا. لكن ماذا لو لم يكن قد ادعى ذلك؟ ماذا لو كانت هذه الادعاءات أسطورة أضافها كتّاب العهد الجديد؟ ماذا لو لم يكن الكاذب هو يسوع، بل النصوص؟

هذا الاحتمال هو من أكثر الأسباب الفكرية انتشارًا لفقدان الإيمان في العصر الحديث. فليس كل من ترك الإيمان فعل ذلك بسبب مشكلة الشر أو بسبب العلم الحديث، بل كثيرون فعلوا ذلك لأنهم اعتقدوا أن النقد الكتابي والمنهج التاريخي النقدي والنقد الأعلى قد أثبتوا أن نصوص العهد الجديد مجرد أسطورة.

لكن المعطيات نفسها تجعل فرضية الأسطورة غير ممكنة.

أولًا: إذا عومل العهد الجديد كأي وثيقة قديمة، ظهر موثوقًا جدًا

إذا استخدمنا نفس المنهج المحايد والموضوعي والعلمي مع نصوص العهد الجديد كما نستخدمه مع أي وثائق قديمة أخرى، فإن هذه النصوص تظهر موثوقة بدرجة مدهشة.

لقد تعرض العهد الجديد لمحاولات كثيرة جدًا من التفكيك وإعادة التركيب والتشكيك وإزالة الطابع المعجزي، أكثر من أي كتاب آخر في التاريخ. ومع ذلك، بقي النص قائمًا وشهادته باقية. فالمشكلة ليست في ضعف النص، بل في محاولات كثيرة معقدة تريد إخضاع النص لنظرية مسبقة.

ثانيًا: حالة المخطوطات قوية جدًا مقارنة بأي نص قديم آخر

حالة مخطوطات العهد الجديد قوية جدًا بالمقارنة مع أي وثيقة قديمة أخرى. فلدينا عدد كبير جدًا من النسخ القديمة، بصورة تجعل نص العهد الجديد في وضع أفضل بكثير من نصوص كلاسيكية كثيرة يقبلها المؤرخون دون تردد.

فعلى سبيل المثال، لدينا مئات النسخ التي تعود إلى فترة مبكرة نسبيًا، بينما نصوص قديمة مشهورة أخرى، مثل الإلياذة أو حوليات تاسيتوس، تملك شواهد أقل وأبعد زمنيًا، ومع ذلك لا يتردد الباحثون عادة في التعامل معها كمصادر تاريخية حقيقية.

ولو لم تكن كتب العهد الجديد تحتوي على معجزات، أو لم تكن تقدم مطالب جذرية وغير مريحة لحياة الإنسان، لكان قبولها التاريخي أسهل بكثير عند كثير من الباحثين. وهذا يبيّن أن الرفض ليس دائمًا ناتجًا عن علم محايد، بل كثيرًا ما تحركه أحكام فلسفية أو أيديولوجية مسبقة.

كما أن المخطوطات التي نملكها ليست فقط قديمة، بل متعاضدة ومتوافقة بدرجة كبيرة. توجد فروق نصية، كما في كل نص قديم، لكنها لا تمس جوهر الإيمان المسيحي. والاكتشافات اللاحقة للمخطوطات كثيرًا ما أكدت النصوص المعروفة بدلًا من أن تقلبها.

ثالثًا: أسطورة تأليه يسوع تحتاج إلى زمن طويل غير متاح

إذا كان الإيمان بألوهية يسوع أسطورة اخترعتها أجيال لاحقة، فلا بد أن تكون هناك على الأقل فجوة من جيلين أو ثلاثة بين شهود العيان ليسوع التاريخي وبين الإيمان الشامل بيسوع المؤلَّه الأسطوري. وإلا لما أمكن للأسطورة أن تُقبل كحقيقة، لأن شهود العيان، سواء من التلاميذ أو من الأعداء، كانوا سيكذبونها.

لكننا لا نجد أي دليل على وجود جماعة مبكرة قالت: «نحن نعرف يسوع الحقيقي، وكان مجرد إنسان، أما يسوع الإلهي فهو اختراع لاحق». لا يوجد أثر تاريخي واضح لهذه الطبقة الأولى المزعومة.

وكان بعض من أرادوا نزع الطابع الأسطوري عن العهد الجديد قد ادعوا سابقًا أن النصوص لا بد أن تكون كُتبت بعد سنة 150م، حتى توجد فرصة كافية لنشوء الأسطورة. لكن لا يوجد اليوم باحث كفء ينكر أن أغلب أسفار العهد الجديد، وبخاصة رسائل بولس، ترجع إلى القرن الأول. وهذه الرسائل نفسها تفترض وتعلن ألوهية المسيح، وتدل على أن هذا الإيمان كان بالفعل جزءًا من العقيدة المسيحية العامة المبكرة.

رابعًا: لا يوجد دليل على طبقة أقدم ليسوع غير الإلهي

لو كانت هناك طبقة أسطورية أضيفت لاحقًا إلى يسوع إنساني عادي، لتوقعنا أن نجد أثرًا، ولو غير مباشر، لهذه الطبقة الأقدم. لكننا لا نجد ذلك. لا نجد داخل نصوص العهد الجديد، ولا خارجها، في المصادر المسيحية أو المعادية للمسيحية أو غير المسيحية، دليلًا على مسيحية أولى كانت تعرف يسوع كمجرد إنسان ثم جاء جيل لاحق فرفعه إلى مرتبة إلهية.

إن غياب هذا الدليل مهم جدًا. ففرضية الأسطورة لا تحتاج فقط إلى اقتراح نظري، بل تحتاج إلى أثر تاريخي يمكن تتبعه. وهذا الأثر غير موجود.

خامسًا: أسلوب الأناجيل ليس أسلوب الأسطورة

أسلوب الأناجيل ليس أسلوب الأساطير، بل أسلوب وصف واقعي، وإن لم يكن وصفًا علميًا حديثًا، لأحداث يقدّمها الكتّاب كشهادة تاريخية. ومن يعرف الفروق الأدبية يمكنه أن يقارن الأناجيل بالأدب الديني الأسطوري في العالم القديم، مثل بعض الأدب الرؤيوي بين العهدين، أو الأساطير الوثنية، فيلاحظ الفارق الكبير.

الأناجيل مليئة بتفاصيل صغيرة تشبه تفاصيل شهادة العيان أو الرواية الواقعية. كما أنها تتضمن تفاصيل كثيرة عن الحياة في فلسطين القرن الأول، يصعب على كاتب متأخر خارج ذلك الزمان والمكان أن يصطنعها بدقة. وفي الوقت نفسه لا نجد فيها مفارقات واضحة من القرن الثاني، لا في اللغة ولا في المضمون.

فلو لم تكن الأحداث التي تسجلها الأناجيل قد حدثت، لكان كتّابها قد اخترعوا نوعًا من الواقعية الأدبية الحديثة قبل ظهورها بقرون طويلة. وهذا افتراض أصعب من قبول أن الأناجيل تحفظ شهادة تاريخية حقيقية.

سادسًا: ادعاء يسوع الألوهية يفسر محاكمته وصلبه

إن ادعاء يسوع الألوهية يفسر سبب محاكمته وصلبه. فالحساسية اليهودية تجاه التجديف كانت فريدة وقوية جدًا. وفي العالم الروماني الوثني لم يكن ادعاء الألوهية يثير عادة نفس رد الفعل، لأن الموقف الشائع تجاه الآلهة كان متسعًا ومرنًا. أما في اليهودية، فادعاء الألوهية كان صادمًا وخطيرًا.

ولا تكفي السياسة لتفسير صلب يسوع. فلم تكن له طموحات سياسية، بل إن أحد أسباب رفض كثير من اليهود له أنه لم يحررهم من الاحتلال الروماني كما كانوا يتوقعون من المسيا السياسي.

فلماذا صُلب إذن؟ الاتهام السياسي بأنه منافس لقيصر كان حجة استُخدمت لتبرير إعدامه أمام الرومان، لأن القانون الروماني لم يكن يعاقب على التجديف اليهودي كجريمة تستحق الموت، كما أن اليهود لم تكن لهم السلطة القانونية الكاملة لتنفيذ أحكام الإعدام الدينية تحت الحكم الروماني.

سابعًا: لدينا أربعة أناجيل لا إنجيل واحد

ليست شهادة العهد الجديد عن المسيح مبنية على إنجيل واحد فقط. لدينا متى ومرقس ولوقا ويوحنا، أربعة أناجيل كتبها أربعة كتّاب، في أزمنة وسياقات مختلفة، ولجمهور وأهداف تأكيدية مختلفة. وهذا يسمح بالمقارنة والتحقق المتبادل.

ومن خلال هذا التعدد، يمكن تثبيت الحقائق الأساسية عن المسيح بدرجة أعلى بكثير مما نملك في كثير من الشخصيات القديمة. أما الاختلافات الموجودة فهي في أمور عرضية، مثل بعض الترتيب الزمني أو بعض التفاصيل العددية، ولا تهدم الجوهر التاريخي أو اللاهوتي للشهادة.

ثامنًا: لا يوجد دافع معقول لاختراع أسطورة تؤدي إلى الاضطهاد

إذا كان يسوع الإلهي في الأناجيل أسطورة، فمن اخترعها؟ هل اخترعها التلاميذ الأوائل؟ أم جيل لاحق؟ وما الدافع؟

حتى مرسوم ميلان سنة 313م، كان المسيحيون عرضة للاضطهاد والتعذيب والاستشهاد والكراهية بسبب إيمانهم. فلا يوجد دافع معقول يجعل إنسانًا يخترع خدعة دينية معقدة وهو يعلم أنها قد تقوده إلى الرجم أو الصلب أو قطع الرأس.

قد يضحي الإنسان من أجل ما يظنه حقًا، حتى لو كان مخطئًا. لكنه لا يضحي غالبًا من أجل كذبة يعرف هو نفسه أنه اخترعها.

تاسعًا: اليهود والمسيحيون الأوائل لم يكونوا ميالين لقبول الأساطير

لم يكن اليهود والمسيحيون في القرن الأول شعبًا ساذجًا يميل إلى خلط الأسطورة بالتاريخ. بل كانوا، بالمقارنة مع العالم الوثني المحيط، أكثر مقاومة للأساطير والتعددية الوثنية والمزج الديني.

كان اليهود الأرثوذكس يرفضون بشدة الأساطير الوثنية وتعدد الآلهة. ولذلك كان من الصعب جدًا أن يخلطوا بين قصة أسطورية وبين حدث تاريخي متعلق بالمسيا وبعمل الله في التاريخ.

كما أن الرسول بطرس يرفض صراحة فكرة أن الكرازة المسيحية مبنية على أساطير مصنوعة:

«لأَنَّنَا لَمْ نَتْبَعْ خُرَافَاتٍ مُصَنَّعَةً، إِذْ عَرَّفْنَاكُمْ بِقُوَّةِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَمَجِيئِهِ، بَلْ قَدْ كُنَّا مُعَايِنِينَ عَظَمَتَهُ» (2 بطرس 1: 16).

فالشهادة الرسولية تقدم نفسها كشهادة عيان، لا كأسطورة رمزية.

عاشرًا: شخصية المسيح في الأناجيل فوق الاختراع البشري العادي

أخيرًا، إذا قرأ الإنسان الأناجيل بقلب وعقل منفتحين، فقد يصل إلى ما وصل إليه مفكرون كبار مثل دوستويفسكي وكيركجارد: أن مجرد إنسان لا يمكن بسهولة أن يخترع هذه الشخصية كما تظهر في الأناجيل.

فالمسيح في الأناجيل ليس بطلًا أسطوريًا مبالغًا فيه، ولا معلمًا أخلاقيًا عاديًا، ولا شخصية سياسية صنعتها دعاية جماعة. بل يظهر في توازن عجيب بين السلطان والوداعة، القداسة والرحمة، القرب الإنساني والمجد الإلهي. وهذا العمق يصعب تفسيره على أنه اختراع جماعي متأخر.

الرد المختصر على الشبهة

القول إن الكتاب المقدس أسطورة لأنه يحتوي على معجزات، وإن القيامة أسطورة لأنها موجودة في كتاب أسطوري، هو استدلال دائري. والمنهج الصحيح هو أن نفحص العهد الجديد كما نفحص أي وثيقة تاريخية قديمة. وعندما نفعل ذلك، نجد أن مخطوطاته قوية، وشهادته مبكرة، وأسلوبه واقعي، وتعدد أناجيله يسمح بالمقارنة، ولا يوجد دليل على طبقة أقدم ليسوع غير الإلهي، ولا دافع معقول لاختراع إيمان يؤدي إلى الاضطهاد والموت.

لذلك، ليست فرضية الأسطورة هي التفسير الأقوى للبيانات. بل إن العهد الجديد يقدم نفسه، وتدعمه الشواهد، كسجل تاريخي يعلن المسيح المصلوب والقائم، لا كخرافة دينية متأخرة.

الخلاصة

السؤال: «هل الكتاب المقدس أسطورة أم تاريخ؟» لا يُحسم بافتراض مسبق أن المعجزات لا تحدث. فإذا كان الله موجودًا، فالمعجزة ممكنة. وإذا كانت قيامة المسيح قد حدثت، فإن الاعتراض الطبيعي على المعجزات يسقط من أساسه.

ولا ينبغي للمدافع المسيحي أن يقع في مصادرة على المطلوب، فيفترض سلطان الكتاب قبل أن يبرهنه لغير المؤمن، ولا ينبغي للحداثي أن يفترض بطلان المعجزات قبل فحص النصوص. الطريق الأكثر إنصافًا هو أن نعامل العهد الجديد كوثيقة تاريخية، ثم نرى إن كانت شهادته تقودنا إلى المسيح، كلمة الله المتجسد.

المصدر

النص الإنجليزي المرسل في السؤال.

هل الكتاب المقدس أسطورة أم تاريخ؟ العلاقة بين الكتاب المقدس والمعجزات وقيامة المسيح

الوسوم: