تخطى إلى المحتوى

هل السماء مُعدّة منذ الأزل أم ما زال المسيح يُعدّها؟ يوحنا 14: 2-3

  • بواسطة

هل السماء مُعدّة منذ الأزل أم ما زال المسيح يُعدّها؟ يوحنا 14: 2-3

هل يناقض قول المسيح «أنا أمضي لأعدّ لكم مكانًا» قول الكتاب إن الملكوت مُعدّ منذ تأسيس العالم؟

هل السماء مُعدّة منذ الأزل أم ما زال المسيح يُعدّها؟ يوحنا 14: 2-3
هل السماء مُعدّة منذ الأزل أم ما زال المسيح يُعدّها؟ يوحنا 14: 2-3

قال الرب يسوع لتلاميذه:

«فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا 14: 2-3).

لكن المسيح يقول أيضًا في إنجيل متى عن الملكوت:

«تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (متى 25: 34).

فهل السماء كانت مُعدّة للمؤمنين منذ تأسيس العالم، أم أن المسيح ذهب بعد قيامته وصعوده لكي يُعدّها؟ وهل يوجد تناقض بين النصين؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض. فقول متى 25: 34 يتكلم عن الملكوت من جهة وجوده وقصد الله الأزلي وإعداده العام منذ تأسيس العالم. أما قول المسيح في يوحنا 14: 2-3 فيتكلم عن الإعداد الخاص للمكان من جهة ملاءمته واستقباله لكل مؤمن بحسب تدبير الله ومكافأته. فالسماء موجودة ومُعدّة في قصد الله منذ البدء، ومع ذلك يعلن المسيح أنه يُعدّ لنا مكانًا فيها، أي يهيئ لنا موضعًا خاصًا في شركة المجد معه.

الفكرة الأساسية: متى يتكلم عن الإعداد العام للملكوت منذ تأسيس العالم، ويوحنا يتكلم عن الإعداد الشخصي لمكان المؤمنين في هذا الملكوت.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقول إن متى 25: 34 يعلن أن الملكوت كان مُعدًّا «منذ تأسيس العالم»، أي قبل مجيء المسيح بالجسد وقبل صعوده. لكن في يوحنا 14: 2 يقول المسيح: «أنا أمضي لأعدّ لكم مكانًا»، وكأن المكان لم يكن مُعدًّا بعد.

فكيف يكون المكان مُعدًّا منذ تأسيس العالم، وفي الوقت نفسه يقول المسيح إنه ذاهب ليعدّه؟

الحل: هناك فرق بين وجود السماء وإعدادها الخاص

النص الأول في متى يتكلم عن الملكوت من جهة كونه مُعدًّا في قصد الله منذ تأسيس العالم. أما النص الثاني في يوحنا فيتكلم عن إعداد المكان للمؤمنين إعدادًا خاصًا بعد إتمام عمل الفداء.

فليس المعنى في يوحنا أن السماء لم تكن موجودة أو أن الله بدأ في خلقها فقط بعد صعود المسيح. بل المقصود أن المسيح، بموته وقيامته وصعوده، يفتح الطريق للمؤمنين إلى بيت الآب، ويهيئ لهم موضعهم الخاص في شركة المجد.

إذن، الفرق ليس بين «سماء موجودة» و«سماء غير موجودة»، بل بين الملكوت المعدّ في قصد الله العام، وبين المكان المعدّ للمؤمنين في شركة المسيح.

متى 25 يتكلم عن الملكوت المُعد منذ تأسيس العالم

في متى 25: 34، يتكلم المسيح عن الملكوت بوصفه ميراثًا مُعدًّا للمباركين من الآب:

«رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ» (متى 25: 34).

هذا يشير إلى قصد الله السابق، وإلى أن الملكوت ليس فكرة طارئة أو استجابة متأخرة، بل هو داخل تدبير الله منذ البدء. فالله أعدّ المجد لشعبه بحسب علمه ومشيئته.

وبهذا المعنى، السماء أو الملكوت مُعدّ منذ تأسيس العالم، أي أن الله في قصده الأزلي سبق فأعدّ ميراث الحياة الأبدية للذين يحبونه.

يوحنا 14 يتكلم عن إعداد مكان للمؤمنين في بيت الآب

أما في يوحنا 14، فالسياق مختلف. المسيح يعزي تلاميذه قبل الصليب، ويخبرهم أنه ذاهب، لكن ذهابه ليس غيابًا بلا رجاء، بل ذهاب لأجلهم:

«أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا» (يوحنا 14: 2).

ثم يربط الإعداد بالرجوع إليهم وأخذهم إليه:

«وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا 14: 3).

إذن فالمركز هنا ليس مجرد مكان مادي، بل الوجود مع المسيح: «حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا». فإعداد المكان مرتبط بإدخال المؤمنين إلى شركة المسيح ومجده.

تمييز مهم: المسيح لا يقول إنه يخلق السماء من العدم بعد صعوده، بل يقول إنه يذهب ليعدّ لتلاميذه مكانهم في بيت الآب، على أساس عمله الخلاصي.

هناك إعداد مزدوج: السماء للمؤمن، والمؤمن للسماء

يمكن فهم الأمر أيضًا من خلال الإعداد المزدوج: الله يعدّ السماء لكل مؤمن، ويعدّ المؤمن للسماء. فالسماء من جهة القصد الإلهي موجودة ومُعدّة، لكن دخول المؤمن إلى هذا المجد يتم في المسيح وبعمله الخلاصي، ثم بعمل النعمة في حياة المؤمن.

فالمسيح يهيئ المكان، ويهيئ الأشخاص أيضًا للدخول إلى هذا المكان. لذلك لا يوجد تناقض بين أن يكون الملكوت معدًا منذ تأسيس العالم، وبين أن المسيح يمضي ليعدّ لنا مكانًا.

الأول يعلن قصد الله الأزلي، والثاني يعلن تطبيق هذا القصد في المسيح لأجل المؤمنين.

المكان السماوي يناسب كل مؤمن بحسب خدمته ومكافأته

يشير المصدر أيضًا إلى أن المؤمنين سيكون لهم مكافآت مختلفة بحسب خدمتهم وأمانتهم. وهذا يعني أن المجد السماوي، مع كونه موجودًا ومُعدًّا، يُناسب كل شخص بحسب عمل الله فيه وبحسب خدمته.

يقول الرسول بولس:

«فَإِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَبْنِي عَلَى هذَا الأَسَاسِ ذَهَبًا، فِضَّةً، حِجَارَةً كَرِيمَةً، خَشَبًا، عُشْبًا، قَشًّا، فَعَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ» (1 كورنثوس 3: 11-13).

ويقول أيضًا:

«لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا» (2 كورنثوس 5: 10).

فإن كان المؤمنون ينالون مكافآت مختلفة بحسب أمانتهم وخدمتهم، فهذا يوضح أن إعداد المكان لا يعني فقط وجود السماء، بل ملاءمة النصيب والمكافأة لكل مؤمن بحسب تدبير الله.

الإعداد لا يعني نقصًا في علم الله أو تأخرًا في قصده

عندما يقول المسيح «أمضي لأعدّ لكم مكانًا»، فلا ينبغي أن نفهم ذلك كما لو أن الله لم يكن يعرف من سيخلص، أو كما لو أن السماء لم تكن ضمن قصده منذ البداية. فالكتاب يعلن بوضوح أن الملكوت مُعد منذ تأسيس العالم.

لكن لغة المسيح في يوحنا 14 هي لغة تعزية وشركة. فهو يخبر تلاميذه أن فراقه الظاهر سيقود إلى خير أعظم لهم: سيذهب، ويتمم الفداء، ويقوم، ويصعد، ويفتح لهم طريق بيت الآب، ثم يأتي ويأخذهم إليه.

بيت الآب ليس مجرد مكان بل شركة مع المسيح

يجب ألا نختزل وعد المسيح في مجرد مكان جغرافي في السماء. فالمسيح يقول:

«حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا 14: 3).

هذا هو جوهر الوعد: الوجود مع المسيح. فالسماء هي بيت الآب، والمجد الحقيقي فيها هو الشركة مع الرب. لذلك فإعداد المكان هو أيضًا إعداد للدخول في هذه الشركة الأبدية.

المبدأ الدفاعي: لا يوجد تناقض بين الإعداد الأزلي والإعداد الخلاصي. فالملكوت مُعد في قصد الله منذ تأسيس العالم، والمسيح يُعدّ لنا مكانًا فيه بإتمام الفداء وإدخالنا إلى شركة بيت الآب.

الرد المختصر على الشبهة

متى 25: 34 يتكلم عن الملكوت المُعد منذ تأسيس العالم، أي عن قصد الله السابق ووجود الملكوت وإعداده العام. أما يوحنا 14: 2-3 فيتكلم عن إعداد المسيح لمكان المؤمنين في بيت الآب، لا بمعنى أن السماء لم تكن موجودة، بل بمعنى أن المسيح، بعمله الخلاصي، يهيئ لهم موضعهم وشركتهم ومكافأتهم في المجد. لذلك فالنصان لا يتناقضان، بل يتكلمان عن جانبين مختلفين من الإعداد السماوي.

الخلاصة

السماء أو الملكوت مُعدّ منذ تأسيس العالم بحسب قصد الله الأزلي، ومع ذلك يمضي المسيح ليعدّ لنا مكانًا بمعنى أنه يفتح لنا الطريق إلى بيت الآب، ويهيئ نصيبنا الشخصي في المجد، ويعدّنا نحن أيضًا للسماء. فالإعداد الأول عام وأزلي، والثاني شخصي وخلاصي. وبذلك لا يوجد أي تناقض بين متى 25: 34 ويوحنا 14: 2-3.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 419). Victor Books: Wheaton, Illinois.

هل السماء مُعدّة منذ الأزل أم ما زال المسيح يُعدّها؟ يوحنا 14: 2-3