كيف قال المسيح «لم أصعد بعد إلى أبي» مع أنه سلّم روحه للآب؟ يوحنا 20: 17
هل كان المسيح مع الآب بعد موته أم لم يكن قد صعد بعد؟

قال الرب يسوع لمريم المجدلية بعد قيامته:
«لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ» (يوحنا 20: 17).
لكن الرب يسوع قال على الصليب قبل أن يسلم الروح:
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ» (لوقا 23: 46).
وقد يعترض البعض قائلًا: إذا كان المسيح قد سلّم روحه للآب عند موته، فكيف يقول بعد القيامة إنه لم يصعد بعد إلى الآب؟ هل كان مع الآب أم لم يكن؟ وهل يوجد تناقض بين النصين؟
الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض. فالمسيح، في يوم موته، سلّم روحه البشرية للآب، وكانت روحه مع الآب كما يوضح كلامه على الصليب. أما قوله لمريم: «لم أصعد بعد إلى أبي»، فيتكلم عن الصعود الجسدي المُمجَّد إلى السماء بعد القيامة، الذي حدث بعد ذلك بنحو أربعين يومًا. إذن، روح المسيح كانت مع الآب بعد موته، لكن جسده القائم لم يكن قد صعد بعد صعودًا علنيًا وممجّدًا إلى السماء عندما تكلم مع مريم.
الفكرة الأساسية: لوقا 23: 46 يتكلم عن تسليم الروح للآب عند الموت، أما يوحنا 20: 17 فيتكلم عن الصعود الجسدي الممجد بعد القيامة.
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على المقارنة بين قول المسيح على الصليب:
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لوقا 23: 46).
وبين قوله لمريم بعد القيامة:
«لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي» (يوحنا 20: 17).
فلو كان المسيح قد استودع روحه في يدي الآب عند الموت، ألا يعني ذلك أنه كان بالفعل مع الآب؟ فلماذا يقول بعد قيامته إنه لم يصعد بعد إلى الآب؟
الحل: الفرق بين حضور الروح عند الآب والصعود الجسدي
الحل هو التمييز بين أمرين مختلفين: ذهاب روح المسيح البشرية إلى الآب عند موته، وصعود جسده القائم الممجد إلى السماء بعد قيامته.
فعندما مات المسيح على الصليب، لم يكن موته مجرد غيبوبة أو موتًا ظاهريًا. لقد أسلم الروح حقًا، وروحه البشرية استودعها في يدي الآب:
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لوقا 23: 46).
لكن هذا لا يعني أن الصعود الجسدي المعلن قد حدث في تلك اللحظة. فالجسد مات ودُفن في القبر، ثم قام في اليوم الثالث، وبعد ذلك ظهر للتلاميذ مدة معينة، ثم صعد إلى السماء جسديًا وعلنيًا.
المسيح كان مع الآب بروحه في يوم موته
يؤكد لوقا أن المسيح، في يوم موته، وعد اللص التائب قائلًا:
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لوقا 23: 43).
ثم بعد ذلك قال:
«يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي» (لوقا 23: 46).
فهذان النصان يوضحان أن المسيح، من جهة روحه البشرية، كان مع الآب بعد موته. لم يكن منفصلًا عن الآب من جهة لاهوته، ولا كانت روحه البشرية تائهة أو غائبة عن يد الآب. بل سلّم روحه للآب بثقة كاملة.
لكن جسده لم يكن قد صعد بعد عندما كلم مريم
عندما قال المسيح لمريم: «لم أصعد بعد إلى أبي»، كان يتكلم بعد قيامته وقبل صعوده العلني إلى السماء. أي أن الجسد القائم من بين الأموات لم يكن قد صعد بعد صعودًا نهائيًا منظورًا إلى السماء أمام التلاميذ.
وهذا الصعود الجسدي حدث لاحقًا، بعد أن ظهر المسيح لتلاميذه مدة أربعين يومًا. يقول سفر أعمال الرسل:
«اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ الأُمُورِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ اللهِ» (أعمال 1: 3).
ثم يصف الصعود قائلًا:
«وَلَمَّا قَالَ هذَا ارْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ. وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ» (أعمال 1: 9).
«وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلاَنِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيَضَ، وَقَالاَ: أَيُّهَا الرِّجَالُ الْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى السَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هذَا الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى السَّمَاءِ سَيَأْتِي هكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى السَّمَاءِ» (أعمال 1: 10-11).
إذن، يوحنا 20: 17 لا ينفي أن روح المسيح كانت مع الآب بعد موته، بل يقرر أن الصعود الجسدي العلني لم يكن قد حدث بعد.
تمييز مهم: الصليب يتكلم عن تسليم الروح، والقبر يتكلم عن موت الجسد ودفنه، والقيامة تتكلم عن اتحاد الجسد والروح في الحياة، والصعود يتكلم عن دخول الجسد القائم الممجد إلى السماء.
لماذا قال المسيح لمريم «لا تلمسيني»؟
قال المسيح لمريم:
«لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي» (يوحنا 20: 17).
المعنى ليس أن جسد المسيح كان ممنوعًا من اللمس مطلقًا، لأنه بعد ذلك سمح لتوما أن يلمس آثار الجراح:
«ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: هَاتِ إِصْبَعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ، وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي، وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بَلْ مُؤْمِنًا» (يوحنا 20: 27).
بل المقصود أن مريم لا ينبغي أن تتعلق به كما لو أن ظهوره بعد القيامة هو استمرار للوضع السابق قبل الصليب، أو كأنها تستطيع أن تحتفظ به أرضيًا. فالمسيح القائم يوجهها إلى حقيقة جديدة: أنه سيصعد إلى الآب، وأن علاقتها به ستدخل في مرحلة جديدة بعد القيامة والصعود.
هل كان المسيح منفصلًا عن الآب قبل الصعود؟
لا. لا يجوز أن نفهم قول المسيح «لم أصعد بعد إلى أبي» كأنه كان منفصلًا عن الآب من جهة لاهوته. فالابن لا ينفصل عن الآب في الجوهر الإلهي. المقصود هنا ليس علاقة اللاهوت بالآب، بل الحدث التدبيري التاريخي: صعود المسيح بالجسد الممجد إلى السماء.
فالمسيح من جهة لاهوته واحد مع الآب، ومن جهة روحه البشرية استودعها في يدي الآب عند موته، ومن جهة جسده القائم لم يكن قد صعد بعد حين كلم مريم.
الصعود في يوحنا 20 هو الصعود بعد القيامة لا تسليم الروح عند الموت
كلمة «أصعد» في يوحنا 20: 17 يجب أن تُفهم في سياق القيامة والظهور لمريم وإرسالها إلى التلاميذ بخبر القيامة. فالمسيح لا يتكلم عن انتقال روحه عند الموت، بل عن صعوده الآتي إلى الآب بعد إتمام الظهورات.
لذلك قال لها:
«اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلهِي وَإِلهِكُمْ» (يوحنا 20: 17).
فالرسالة التي تحملها مريم ليست أن المسيح لم يكن مع الآب أبدًا، بل أن المسيح القائم سيصعد إلى الآب، وأن التلاميذ يدخلون الآن في علاقة بنوية جديدة بفضل قيامته وانتصاره.
الرد المختصر على الشبهة
لا يوجد تناقض بين يوحنا 20: 17 ولوقا 23: 46. فعند موته، سلّم المسيح روحه البشرية للآب، وكان مع الآب من جهة روحه. أما قوله بعد القيامة: «لم أصعد بعد إلى أبي»، فيتكلم عن الصعود الجسدي الممجد الذي حدث بعد نحو أربعين يومًا كما يذكر أعمال الرسل. لذلك فالنص الأول يتكلم عن الروح عند الموت، والثاني عن صعود الجسد القائم إلى السماء.
الخلاصة
المسيح لم يناقض نفسه. لقد استودع روحه في يدي الآب عند موته، وكان مع الآب، كما قال للص التائب: «اليوم تكون معي في الفردوس». لكن جسده القائم لم يكن قد صعد بعد صعودًا علنيًا إلى السماء عندما تحدث مع مريم المجدلية. فهناك فرق بين تسليم الروح عند الموت، وبين الصعود الجسدي بعد القيامة. بهذا التمييز يزول الإشكال تمامًا.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 422). Victor Books: Wheaton, Illinois.