تخطى إلى المحتوى

إذا كان الجميع يتبررون بالمسيح، فلماذا لا يخلص الجميع؟ رومية 5: 19

  • بواسطة

إذا كان الجميع يتبررون بالمسيح، فلماذا لا يخلص الجميع؟ رومية 5: 19

الرد على شبهة رومية 5: 19: هل يعلم بولس بالخلاص الشامل لجميع البشر؟

إذا كان الجميع يتبررون بالمسيح، فلماذا لا يخلص الجميع؟ رومية 5: 19
إذا كان الجميع يتبررون بالمسيح، فلماذا لا يخلص الجميع؟ رومية 5: 19

يستشهد بعض المؤيدين لفكرة الخلاص الشامل (Universalism) بقول الرسول بولس:

«لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً، هكَذَا أَيْضًا بِإِطَاعَةِ الْوَاحِدِ سَيُجْعَلُ الْكَثِيرُونَ أَبْرَارًا.»
رومية 5: 19

ويقولون: إذا كان «الكثيرون» الذين صاروا خطاة في آدم تعني جميع البشر، فلماذا لا تعني «الكثيرون» الذين سيُجعلون أبرارًا جميع البشر أيضًا؟ أليس هذا دليلًا على أن الجميع سيخلصون في النهاية؟

الإجابة المختصرة:
لا. رومية 5: 19 لا تعلم بالخلاص الشامل. فالكتاب المقدس كله يرفض فكرة أن جميع الناس سيخلصون تلقائيًا. والمعنى الصحيح للآية يُفهم في إطار عمل المسيح الذي جعل الخلاص متاحًا للجميع، أو في إطار التبرير القضائي (Judicial Justification) الذي حققه المسيح، مع بقاء ضرورة الإيمان الشخصي لقبول هذا الخلاص.

موضع الإشكال

يعتمد الاعتراض على أن بولس يقارن بين آدم والمسيح:

  • بسبب آدم صار الجميع خطاة.
  • بسبب المسيح سيُجعل الكثيرون أبرارًا.

فإذا كان الطرف الأول يشمل جميع البشر، فلماذا لا يشمل الطرف الثاني جميع البشر أيضًا؟

أين يقع الالتباس؟

يقع الالتباس في افتراض أن التشابه بين آدم والمسيح يجب أن يكون مطابقًا في كل تفصيلة. لكن بولس نفسه يوضح أن هناك فروقًا مهمة بين الحالتين، خاصة فيما يتعلق بقبول عطية الخلاص.

مفتاح فهم الشبهة:
المسيح وفّر الخلاص للجميع، لكن الاستفادة الشخصية من هذا الخلاص تتطلب قبول الإنسان لعطية الله بالإيمان.

أولًا: الكتاب المقدس لا يعلم بالخلاص الشامل

قبل تفسير رومية 5: 19 يجب ملاحظة أن الكتاب المقدس يعلن بوضوح أن بعض الناس يرفضون الخلاص ويهلكون.

فالمسيح نفسه قال:

«وَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَابٍ أَبَدِيٍّ، وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.»
متى 25: 46

وقال أيضًا:

«مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ، وَمَنْ لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ.»
يوحنا 3: 18

لذلك لا يمكن تفسير رومية 5: 19 بطريقة تناقض تعليم المسيح الواضح.

ثانيًا: التفسير الاحتمالي (Potential View)

يرى بعض المفسرين أن بولس يتحدث عن إمكانية الخلاص التي أصبحت متاحة بسبب عمل المسيح.

فبسبب الصليب أصبح جميع البشر «قابلين للخلاص» (Savable)، لكن هذا لا يعني أن الجميع سيخلصون فعليًا.

ويستند هذا الفهم إلى أن بولس يتحدث في نفس السياق عن قبول «العطية»:

«الَّذِينَ يَنَالُونَ فَيْضَ النِّعْمَةِ وَعَطِيَّةَ الْبِرِّ.»
رومية 5: 17

فالعطية يجب أن تُقبل، وليست مفروضة على الإنسان قسرًا.

ثالثًا: التفسير القضائي (Judicial View)

يرى آخرون أن بولس يتحدث عن وضع قانوني أو قضائي (Judicial Status).

فكما كان آدم ممثل البشرية قانونيًا أمام الله، كذلك المسيح صار ممثلًا جديدًا للبشرية.

وبهذا المعنى أزال المسيح الحكم القضائي الناتج عن سقوط آدم، وفتح باب المصالحة أمام الجميع.

لكن هذا لا يعني أن كل إنسان أصبح مخلَّصًا شخصيًا بالفعل، بل يعني أن الطريق إلى الخلاص أصبح مفتوحًا للجميع من خلال المسيح.

رابعًا: الفرق بين التوفير والتطبيق

من المفيد التمييز بين أمرين:

  • توفير الخلاص (Provision): ما صنعه المسيح لأجل العالم.
  • تطبيق الخلاص (Application): ما يناله المؤمن بالإيمان.

فالمسيح مات لأجل العالم، لكن ليس كل العالم يقبل عمله.

ولهذا قال المسيح:

«لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ… لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ.»
يوحنا 3: 16

لاحظ أن الاستفادة من العمل الخلاصي مرتبطة بالإيمان.

خامسًا: بولس نفسه يربط الخلاص بالإيمان الشخصي

في نفس الرسالة يقول بولس:

«إِذًا قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللهِ.»
رومية 5: 1

فلو كان الجميع متبررين فعليًا دون استثناء، لما كان هناك معنى لربط التبرير بالإيمان.

جدول توضيحي

في آدم في المسيح
دخلت الخطية إلى البشرية فُتح طريق التبرير
السقوط وراثي الخلاص يُقبل بالإيمان
الجميع يتأثرون بآدم الجميع مدعوون إلى المسيح
إدانة دخلت إلى العالم النعمة متاحة للعالم

هل تعلم الآية بالخلاص الشامل؟

لا. لأن هذا الفهم يصطدم بعشرات النصوص التي تتحدث عن الدينونة وضرورة الإيمان والتوبة.

لذلك فالأصح أن نفهم الآية إما بمعنى أن المسيح جعل الخلاص متاحًا للجميع، أو بمعنى أنه أزال الحكم القضائي المرتبط بآدم وفتح باب الخلاص للجميع، مع بقاء ضرورة قبول هذا الخلاص بالإيمان الشخصي.

خلاصة الفكرة:
المسيح وفّر الخلاص للجميع، لكن ليس الجميع يقبلونه. لذلك لا تعني رومية 5: 19 أن جميع البشر سيخلصون حتمًا.

خلاصة دفاعية

رومية 5: 19 لا تؤيد الخلاص الشامل، لأن الكتاب المقدس يربط الخلاص بالإيمان الشخصي بالمسيح. فكما أن آدم أدخل الخطية إلى البشرية، كذلك المسيح أتاح التبرير والخلاص للبشرية. لكن الاستفادة الفعلية من هذا العمل الخلاصي تتطلب قبول عطية الله بالإيمان. لذلك لا تعني الآية أن الجميع سيخلصون، بل أن المسيح صار مصدر التبرير والخلاص لكل من يقبله.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. 1992. When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties, p. 442. Victor Books: Wheaton, Ill.

إذا كان الجميع يتبررون بالمسيح، فلماذا لا يخلص الجميع؟ رومية 5: 19