كيف يكون المسيح باكورة الراقدين وقد قام غيره قبله؟ 1 كورنثوس 15: 20
الفرق بين الرجوع المؤقت إلى الحياة والقيامة بجسد لا يموت

قال الرسول بولس عن قيامة المسيح:
«وَلكِنِ الآنَ قَدْ قَامَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ وَصَارَ بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ» (1 كورنثوس 15: 20).
وقد يعترض البعض قائلًا: كيف يكون المسيح «باكورة الراقدين» أو أول من قام من الأموات، مع أن الكتاب المقدس يذكر حالات قيامة قبل قيامة المسيح؟ ففي العهد القديم أقام إيليا ابن الأرملة:
«فَسَمِعَ الرَّبُّ لِصَوْتِ إِيلِيَّا، فَرَجَعَتْ نَفْسُ الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ فَعَاشَ» (1 ملوك 17: 22).
وكذلك يذكر سفر الملوك الثاني أن رجلًا عاد إلى الحياة عندما مسّت عظامه عظام أليشع:
«فَلَمَّا مَسَّ الرَّجُلُ عِظَامَ أَلِيشَعَ عَاشَ وَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ» (2 ملوك 13: 21).
وفي العهد الجديد أقام المسيح لعازر:
«وَلَمَّا قَالَ هذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا! فَخَرَجَ الْمَيِّتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل» (يوحنا 11: 43-44).
فهل أخطأ بولس عندما قال إن المسيح هو الباكورة؟ أم أن هناك فرقًا بين قيامة المسيح وبين كل حالات الإقامة السابقة؟
الإجابة المختصرة
لا يوجد تناقض. الذين أُقيموا قبل المسيح عادوا إلى حياة جسدية مائتة، ثم ماتوا مرة أخرى. أما المسيح فقام قيامة حقيقية بجسد ممجد غير قابل للموت، وصار حيًا إلى أبد الآبدين. لذلك فالمسيح هو أول من قام قيامة نهائية منتصرة على الموت، لا مجرد رجوع مؤقت إلى الحياة. فلعازر وابن الأرملة وغيرهما أُعيدوا إلى الحياة، لكن الموت عاد وغلبهم لاحقًا. أما المسيح فقام لكي لا يموت أيضًا، وبقيامته افتتح قيامة المؤمنين الآتية.
الفكرة الأساسية: المسيح لم يكن أول من عاد إلى الحياة مؤقتًا، بل أول من قام بجسد خالد ممجد لا يموت. لذلك هو «باكورة الراقدين».
موضع الاعتراض
الاعتراض يقوم على أن الكتاب يذكر قيامات أو إقامات من الموت قبل قيامة المسيح، ثم يقول بولس إن المسيح هو «باكورة الراقدين». فيبدو كأن هناك تناقضًا: إذا قام آخرون قبله، فكيف يكون هو الأول؟
لكن الحل في التمييز بين نوعين مختلفين من الرجوع من الموت:
- إقامة أو إنعاش لجسد مائت يرجع إلى حياة قابلة للموت مرة أخرى.
- قيامة حقيقية بجسد ممجد خالد لا يعود الموت يتسلط عليه.
المسيح هو الأول في النوع الثاني، لا في مجرد الرجوع المؤقت إلى الحياة.
أولًا: الذين قاموا قبل المسيح ماتوا مرة أخرى
كل الأشخاص الذين أُقيموا قبل قيامة المسيح عادوا إلى نفس مستوى الحياة البشرية العادية. لقد رُدّت لهم الحياة، لكنهم لم يدخلوا إلى حالة الخلود الجسدي. لذلك ماتوا لاحقًا.
لعازر مثلًا خرج من القبر، لكنه خرج ملفوفًا بالأكفان:
«فَخَرَجَ الْمَيِّتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ، وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيل» (يوحنا 11: 44).
هذا يوضح أنه عاد إلى الحياة الأرضية العادية، لا إلى جسد القيامة النهائي. لقد احتاج أن يُحل من الأكفان، وعاش بعد ذلك كإنسان قابل للموت.
ثانيًا: قيامة المسيح كانت إلى جسد لا يموت
أما المسيح، فقيامته مختلفة. فهو لم يرجع فقط إلى الحياة السابقة ثم يموت مرة أخرى، بل قام منتصرًا على الموت نهائيًا. لذلك قال في سفر الرؤيا:
«وَالْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ! آمِينَ. وَلِي مَفَاتِيحُ الْهَاوِيَةِ وَالْمَوْتِ» (رؤيا 1: 18).
هذه العبارة لا يمكن أن تُقال عن لعازر أو ابن الأرملة أو أي شخص أُقيم قبل المسيح. وحده المسيح قام في حالة حياة لا تنتهي، وله سلطان على الموت نفسه.
ثالثًا: القيامة الحقيقية هي قيامة إلى عدم الموت
بولس يشرح في نفس الإصحاح أن القيامة النهائية تتضمن لبس عدم الفساد وعدم الموت:
«لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسَ عَدَمَ مَوْتٍ» (1 كورنثوس 15: 53).
هذا هو نوع القيامة التي افتتحها المسيح. فقيامته ليست مجرد عودة النفس إلى الجسد لفترة، بل دخول الجسد في حالة المجد وعدم الفساد. لذلك يكون المسيح هو الباكورة: أول الثمر، والضمانة، والبداية الحقيقية لقيامة المؤمنين.
تمييز مهم: الإقامة من الموت تعيد الإنسان إلى حياة قابلة للموت، أما القيامة التي افتتحها المسيح فهي حياة لا يعود الموت يملك عليها.
رابعًا: أجساد القيامة لها صفات فائقة للطبيعة
بعد القيامة، ظهر جسد المسيح الحقيقي بصفات تتجاوز حدود الجسد المائت العادي. فقد ظهر لتلميذي عمواس ثم اختفى عن أعينهما:
«فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَرَفَاهُ، ثُمَّ اخْتَفَى عَنْهُمَا» (لوقا 24: 31).
وظهر للتلاميذ والأبواب مغلقة:
«وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ» (يوحنا 20: 19).
هذه الصفات لا تعني أن جسده كان خيالًا أو غير مادي، بل تعني أن جسده صار جسد قيامة ممجدًا، له قدرة فائقة لا توجد في الجسد المائت العادي.
خامسًا: جسد القيامة ليس جسدًا غير مادي
رغم أن جسد المسيح بعد القيامة صار ممجدًا، إلا أنه لم يكن جسدًا وهميًا أو روحًا بلا جسد. المسيح نفسه قال لتلاميذه:
«انْظُرُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ: إِنِّي أَنَا هُوَ! جُسُّونِي وَانْظُرُوا، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَعِظَامٌ كَمَا تَرَوْنَ لِي» (لوقا 24: 39).
إذن، قيامة المسيح أكثر من مجرد إنعاش جسد ميت، لكنها ليست أقل من قيامة جسدية حقيقية. هو قام بنفس الجسد الذي صُلب، لكنه صار جسدًا ممجدًا غير قابل للموت.
سادسًا: المسيح قهر الموت لا مجرد تجاوزه مؤقتًا
كل الذين أُقيموا قبل المسيح خرجوا من الموت مؤقتًا، لكن الموت عاد إليهم. أما المسيح فقد قهر الموت نفسه. يقول سفر العبرانيين عن عمل المسيح:
«فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ، اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ» (عبرانيين 2: 14).
ويعلن بولس انتصار القيامة قائلًا:
«أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟» (1 كورنثوس 15: 55).
هذا الانتصار النهائي على الموت بدأ في قيامة المسيح. لذلك هو الباكورة.
سابعًا: معنى «باكورة الراقدين»
كلمة «باكورة» تعني أول الثمر، لا بمعنى أنه أول شخص عاد إلى الحياة بأي صورة، بل أول الثمر من الحصاد النهائي. فقيامة المسيح هي بداية قيامة المؤمنين وضياءها وضمانها.
فهو أول من قام في الحالة التي سيقوم عليها المؤمنون في النهاية: جسد ممجد غير فاسد وغير مائت. لذلك يقول بولس بعد ذلك:
«فَإِنَّهُ إِذِ الْمَوْتُ بِإِنْسَانٍ، بِإِنْسَانٍ أَيْضًا قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ. لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ، هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ» (1 كورنثوس 15: 21-22).
فالمسيح ليس حالة منفصلة فقط، بل رأس القيامة الجديدة ومصدر رجاء المؤمنين.
المبدأ الدفاعي: المسيح هو الباكورة لأنه أول قيامة نهائية ممجدة، وليس لأنه أول حالة رجوع مؤقت من الموت.
ثامنًا: لماذا لا تُسمى إقامة لعازر قيامة بنفس المعنى؟
إقامة لعازر كانت معجزة حقيقية عظيمة، لكنها لم تكن القيامة النهائية. لعازر عاد إلى حياته الأرضية، ثم مات لاحقًا. أما المسيح فقام إلى حياة لا تنتهي.
لذلك، إذا استخدمنا كلمة «قيامة» بمعنى عام جدًا، يمكن أن نقول إن لعازر أُقيم من الموت. لكن إذا استخدمناها بالمعنى اللاهوتي الكامل في 1 كورنثوس 15، أي القيامة بجسد غير فاسد، فالمسيح هو الأول والباكورة.
تاسعًا: قيامة المسيح ليست أقل من إقامة جسدية
من المهم أيضًا ألا نخطئ في الاتجاه الآخر. فبعض الناس قد يقولون: إذا كانت قيامة المسيح مختلفة عن إحياء لعازر، فربما كانت روحية فقط. لكن هذا غير صحيح.
قيامة المسيح كانت أكثر من إعادة حياة إلى جسد مائت، لكنها لم تكن أقل من قيامة جسدية. فالقبر صار فارغًا، والجسد الذي صُلب قام، والمسيح أظهر آثار الجراح، وقال إن له «لحمًا وعظامًا».
إذن، الفرق ليس بين قيامة جسدية وقيامة غير جسدية، بل بين جسد مائت أعيد مؤقتًا إلى الحياة، وجسد حقيقي ممجد لا يموت.
الرد المختصر على الشبهة
المسيح لم يكن أول شخص يرجع من الموت بمعنى عام، لأن الكتاب يذكر أشخاصًا أُقيموا قبله. لكنه كان أول من قام قيامة حقيقية نهائية بجسد ممجد خالد لا يعود يموت. كل من أُقيموا قبل المسيح عادوا إلى أجساد مائتة ثم ماتوا مرة أخرى. أما المسيح فقام حيًا إلى أبد الآبدين، وقهر الموت، وصار باكورة الراقدين، أي أول ثمر القيامة النهائية وضمان قيامة المؤمنين.
الخلاصة
1 كورنثوس 15: 20 لا يناقض قصص الإقامة من الموت في العهد القديم أو العهد الجديد. الفرق أن تلك الحالات كانت رجوعًا مؤقتًا إلى الحياة، أما قيامة المسيح فهي قيامة إلى عدم الموت. لذلك، المسيح هو الباكورة: أول من قام بجسد ممجد لا يموت، ورأس القيامة الجديدة التي سينالها المؤمنون فيه.
المصدر
Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 463). Victor Books: Wheaton, Illinois.