تخطى إلى المحتوى

هل المسيح مبارك أم حامل لعنتنا؟ غلاطية 3: 13 مبارك في ذاته… وحمل حكم اللعنة عنا على الصليب

  • بواسطة

هل المسيح مبارك أم حامل لعنتنا؟ غلاطية 3: 13

مبارك في ذاته… وحمل حكم اللعنة عنا على الصليب

هل المسيح مبارك أم حامل لعنتنا؟ غلاطية 3: 13 مبارك في ذاته… وحمل حكم اللعنة عنا على الصليب
هل المسيح مبارك أم حامل لعنتنا؟ غلاطية 3: 13 مبارك في ذاته… وحمل حكم اللعنة عنا على الصليب

قال الرسول بولس:

«اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ» (غلاطية 3: 13).

وقد يُثار اعتراض: كيف يقول بولس إن المسيح «صار لعنة لأجلنا»، بينما الكتاب يعلن أن المسيح هو المبارك القدوس، المستحق المجد والبركة إلى الأبد؟

يقول المزمور عن الملك المسياني:

«يَكُونُ اسْمُهُ إِلَى الدَّهْرِ. قُدَّامَ الشَّمْسِ يَمْتَدُّ اسْمُهُ، وَيَتَبَارَكُونَ بِهِ. كُلُّ أُمَمِ الأَرْضِ يُطَوِّبُونَهُ» (مزمور 72: 17).

ويقول سفر الرؤيا عن الحمل:

«مُسْتَحِقٌّ هُوَ الْخَرُوفُ الْمَذْبُوحُ أَنْ يَأْخُذَ الْقُدْرَةَ وَالْغِنَى وَالْحِكْمَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْكَرَامَةَ وَالْمَجْدَ وَالْبَرَكَةَ» (رؤيا 5: 12).

فهل توجد مشكلة بين كون المسيح مباركًا في ذاته، وبين قول بولس إنه حمل حكم اللعنة لأجلنا؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض. المسيح مبارك في ذاته، لأنه الابن القدوس الكامل، المستحق كل مجد وبركة. لكنه حمل لعنتنا نحن على الصليب بمعنى قضائي ونيابي، لا بمعنى أنه صار خاطئًا في طبيعته أو فاقدًا لقداسته أو بركته الذاتية. فاللعنة لم تكن صفة في شخص المسيح، بل الحكم الذي كان علينا بسبب الخطية، وقد حمله هو عنا كبديل وفادٍ لكي يفتدينا من لعنة الناموس.

الفكرة الأساسية: المسيح هو المبارك القدوس في ذاته، لكنه حمل حكم لعنتنا نحن على الصليب لأجل خلاصنا.

موضع الاعتراض

الاعتراض يقوم على الجمع بين حقيقتين كتابيتين:

  • المسيح مبارك وممجد ومستحق البركة.
  • المسيح حمل لعنة الناموس لأجلنا على الصليب.

ويحدث الإشكال عندما تُفهم العبارة الثانية وكأنها وصف لطبيعة المسيح أو حكم على شخصه القدوس، بينما بولس يتكلم عن عمله الفدائي النيابي. فالفرق كبير بين أن نقول إن المسيح في ذاته قدوس مبارك، وبين أن نقول إنه دخل مكاننا وحمل الحكم الذي كان علينا.

أولًا: المسيح مبارك في ذاته وقدوس بلا خطية

الكتاب المقدس يعلن بوضوح أن المسيح بلا خطية، كامل في قداسته وبره، ولا يوجد فيه أي فساد أو شر. يقول سفر العبرانيين:

«لأَنَّهُ كَانَ يَلِيقُ بِنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ مِثْلُ هذَا، قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ، قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ» (عبرانيين 7: 26).

ويقول بطرس الرسول عنه:

«الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ» (1 بطرس 2: 22).

إذن لا يمكن أن تُفهم عبارة غلاطية 3: 13 بمعنى أن المسيح صار خاطئًا أو فاقدًا لقداسته. هذا مستحيل كتابيًا ولاهوتيًا. المسيح هو القدوس المبارك، وما حمله على الصليب كان حكم خطايانا نحن، لا خطية في ذاته.

ثانيًا: العبارة الحاسمة هي «لأجلنا»

بولس لا يتكلم عن المسيح بمعزل عن عمل الفداء، بل يقول:

«اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا» (غلاطية 3: 13).

العبارة المفتاحية هي «لأجلنا». أي أن المسيح حمل ما كان علينا نحن. لم يكن الحكم بسبب خطية فيه، بل لأنه أخذ مكاننا كفادي وبديل. لذلك يبدأ النص بالفعل: «افتدانا». فالموضوع كله ليس إدانة للمسيح في ذاته، بل فداء لنا نحن من الحكم الذي كنا تحته.

ثالثًا: اللعنة هنا حكم قضائي حمله المسيح نيابة عنا

اللعنة في هذا السياق ليست وصفًا لطبيعة المسيح، بل حكم الناموس على الخطية، وقد حمل المسيح هذا الحكم عنا. لذلك فالصحيح أن نقول: المسيح حمل لعنتنا، أو حمل حكم اللعنة الذي كان علينا، لا أن نجعل اللعنة وصفًا له في ذاته.

هذا يشبه قول بولس في موضع آخر:

«لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ» (2 كورنثوس 5: 21).

المسيح لم يصبح خاطئًا أخلاقيًا، لأن النص نفسه يقول إنه «لم يعرف خطية». لكنه حمل موضع الخطية وحكمها لأجلنا. وبنفس المعنى، حمل لعنة الناموس لأجلنا دون أن تكون اللعنة صفة في شخصه القدوس.

تمييز مهم: المسيح لم يحمل لعنتنا لأنه خاطئ، بل لأنه فادٍ. هو القدوس الذي وقف مكان الخطاة لكي يرفع عنهم الحكم.

رابعًا: الصليب هو موضع حمل الحكم عنا

بولس يربط كلامه بالصليب، لأن التعليق على الخشبة في الناموس كان علامة على وقوع الإنسان تحت حكم العار والدينونة. والمسيح قبل طوعًا أن يدخل إلى موضع العار الظاهر، لا لأنه مستحق لذلك في ذاته، بل لأنه جاء ليحمل عنا ما نستحقه نحن.

لذلك يقول الرسول في موضع آخر عن اتضاع المسيح:

«وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ» (فيلبي 2: 8).

فالصليب ليس دليل نقص في المسيح، بل إعلان طاعته ومحبته وفدائه. القدوس حمل حكم المذنبين، والبار حمل موضع الأثمة، لكي يرفع عنا الحكم ويعطينا بركته.

خامسًا: لا تناقض بين بركة المسيح وحمله لعنتنا

التعارض يزول عندما نميز بين الجهتين:

المسيح مبارك في ذاته المسيح حمل لعنتنا لأجلنا
من جهة شخصه القدوس من جهة عمله النيابي
لأنه الابن الكامل بلا خطية لأنه أخذ مكان الخطاة
مستحق كل مجد وبركة احتمل حكم الصليب لأجل خلاصنا
البركة صفة تليق به اللعنة حكم حمله عنا لا صفة فيه

إذن لا يوجد تناقض، لأن الكتاب لا يقول إن المسيح مبارك وحامل للعنة بنفس المعنى ومن نفس الجهة. بل هو مبارك في ذاته، وحامل لعنتنا في عمل الفداء.

سادسًا: المسيح حمل الحكم لكي تصل إلينا البركة

يشرح بولس نتيجة هذا العمل مباشرة بعد غلاطية 3: 13:

«لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ» (غلاطية 3: 14).

أي أن المسيح حمل لعنة الناموس لكي ننال نحن بركة الله. هو لم يفقد بركته، بل أعطانا نحن نصيبًا في البركة من خلال فدائه. لذلك فالصليب ليس إعلانًا أن المسيح فقد مجده، بل إعلان أنه أتى ليهبنا الحياة والبركة والروح.

سابعًا: المبارك حمل ما كان علينا

هذه هي قوة الفداء المسيحي: الذي لم يكن تحت الحكم دخل مكان الذين كانوا تحته. الذي لم يعرف خطية حمل حكم الخطية. الذي هو مبارك في ذاته حمل لعنتنا لكي لا نبقى نحن تحتها.

ولهذا لا ينبغي أن نفهم غلاطية 3: 13 كإهانة لشخص المسيح، بل كإعلان لمحبة المسيح وعمق فدائه. فالكتاب لا ينقص من مجد المسيح هنا، بل يعلن أن مجده ظهر في بذله ذاته لأجلنا.

ثامنًا: هل يصح أن نقول إن المسيح صار شريرًا أو فاقدًا للبركة؟

لا إطلاقًا. المسيح لم يصر شريرًا، ولم يفقد قداسته، ولم ينفصل عن بره الذاتي. كل هذه أفكار غريبة عن الإيمان المسيحي. ما يقوله النص هو أنه حمل الحكم الذي كان علينا، كما تحمل الذبيحة البريئة موضع الخاطئ في النظام الرمزي للعهد القديم.

المسيح هو الذبيحة الطاهرة، والحمل بلا عيب، والفادي الذي حمل خطايانا. لذلك يجب أن تُشرح الآية دائمًا في إطار الفداء النيابي، لا كأنها وصف سلبي لشخص المسيح حاشاه.

تاسعًا: كيف نعبّر عن هذه العقيدة بدقة؟

الأدق أن نقول:

  • المسيح مبارك في ذاته.
  • المسيح حمل لعنتنا نحن.
  • المسيح احتمل حكم الناموس عنا.
  • المسيح أخذ مكاننا كبديل وفادٍ.
  • المسيح لم يحمل هذا الحكم بسبب خطية فيه، بل بسبب محبته وفدائه لنا.

وبهذا نحفظ كرامة المسيح وقداسته، وفي الوقت نفسه لا نفرغ النص من معناه الفدائي العميق.

المبدأ الدفاعي: لا ننسب نقصًا إلى المسيح، بل ننسب إليه فعل الفداء: حمل عنا ما كان علينا لكي يهبنا ما له من بركة وحياة.

الرد المختصر على الشبهة

غلاطية 3: 13 لا تعني أن المسيح كان فاقدًا للبركة أو أن اللعنة صارت صفة في ذاته. المسيح مبارك وقدوس وكامل بلا خطية. لكنه حمل لعنتنا نحن على الصليب بمعنى قضائي ونيابي، إذ أخذ مكاننا واحتمل الحكم الذي كان علينا بسبب الخطية. لذلك لا يوجد تناقض بين كونه مستحقًا كل بركة ومجد، وبين أنه حمل حكم الناموس عنا لكي يفتدينا ويجعل بركة إبراهيم تصل إلينا.

الخلاصة

المسيح هو المبارك القدوس في ذاته، وحمله للعنة الناموس لا يعني أن اللعنة صارت صفة فيه، بل أنه حملها عنا كفادٍ وبديل. كان الحكم علينا نحن، لكنه أخذه في الصليب لكي يفتدينا منه. لذلك فغلاطية 3: 13 لا تهين المسيح، بل تعلن مجد فدائه: المبارك حمل لعنتنا لكي يعطينا بركته.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 473). Victor Books: Wheaton, Illinois.

هل المسيح مبارك أم حامل لعنتنا؟ غلاطية 3: 13