تخطى إلى المحتوى

كيف كان سر المسيح مخفيًا ثم أُعلن للأنبياء؟ أفسس 3: 5

  • بواسطة

كيف كان سر المسيح مخفيًا ثم أُعلن للأنبياء؟ أفسس 3: 5

المقصود أنبياء العهد الجديد… لا أنبياء العهد القديم

كيف كان سر المسيح مخفيًا ثم أُعلن للأنبياء؟ أفسس 3: 5 المقصود أنبياء العهد الجديد… لا أنبياء العهد القديم
كيف كان سر المسيح مخفيًا ثم أُعلن للأنبياء؟ أفسس 3: 5 المقصود أنبياء العهد الجديد… لا أنبياء العهد القديم

قال الرسول بولس عن سر المسيح والكنيسة:

«الَّذِي فِي أَجْيَال أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ» (أفسس 3: 5).

وقد يعترض البعض قائلًا: كيف يقول بولس إن هذا السر لم يكن معروفًا في الأجيال السابقة، ثم يقول إنه أُعلن للرسل والأنبياء؟ أليس الأنبياء قد عاشوا في العهد القديم قبل بولس؟ فإذا كان السر أُعلن للأنبياء، فكيف يكون مخفيًا عن الأجيال السابقة؟

الإجابة المختصرة

لا يوجد تناقض، لأن بولس لا يقصد هنا أنبياء العهد القديم، بل أنبياء العهد الجديد الذين عاشوا في زمن الكنيسة الأولى. الدليل أن بولس يقول: «الرسل والأنبياء»، لا «الأنبياء والرسل»، وأن نفس العبارة في أفسس 2: 20 تشير إلى أساس كنيسة العهد الجديد المبنية على الرسل والأنبياء. كما أن النص نفسه يقول إن السر «أُعلن الآن»، أي في زمن الإعلان الرسولي بعد المسيح، لا في أجيال العهد القديم. لذلك فالسر كان مخفيًا في العصور السابقة، ثم أُعلن في العهد الجديد لرسل المسيح وأنبياء الكنيسة.

الفكرة الأساسية: «الأنبياء» في أفسس 3: 5 هم أنبياء العهد الجديد المرتبطون بتأسيس الكنيسة، لا أنبياء العهد القديم الذين سبقوا بولس.

موضع الاعتراض

الاعتراض يعتمد على كلمة «أنبيائه» في قول بولس:

«كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ» (أفسس 3: 5).

فيُقال: إذا كان الأنبياء قد عرفوا هذا السر، فكيف يقول بولس إنه لم يكن معروفًا في أجيال أخرى؟ لكن هذا الاعتراض يفترض أن المقصود بالأنبياء هنا هم أنبياء العهد القديم، بينما السياق يدل على أن المقصود أنبياء العهد الجديد.

أولًا: بولس يقول «الرسل والأنبياء» لا «الأنبياء والرسل»

لو كان بولس يقصد أنبياء العهد القديم، لكان الترتيب المتوقع غالبًا هو: «الأنبياء والرسل»، لأن الأنبياء سبقوا الرسل زمنيًا. لكن بولس يقول:

«لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ» (أفسس 3: 5).

هذا الترتيب مهم. فهو يضع الأنبياء بعد الرسل داخل إطار العهد الجديد، أي أن الحديث عن جماعة الإعلان في الكنيسة الأولى: الرسل وأنبياء العهد الجديد.

ثانيًا: نفس العبارة في أفسس 2 تشير إلى أساس الكنيسة

قبل ذلك بقليل، قال بولس عن الكنيسة:

«مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ» (أفسس 2: 20).

هنا أيضًا يأتي الترتيب: «الرسل والأنبياء». والسياق يتكلم عن الكنيسة كبيت الله في العهد الجديد، المبني على أساس وضعه المسيح ورسله. فالأنبياء المذكورون هنا ليسوا بالضرورة أنبياء العهد القديم، بل أنبياء الكنيسة الذين خدموا مع الرسل في مرحلة التأسيس.

وهذا ينسجم مع أفسس 3: 5، لأن بولس يستخدم نفس التعبير تقريبًا في نفس الرسالة وبنفس السياق اللاهوتي.

ثالثًا: الكنيسة كجسد واحد لم تبدأ في العهد القديم

سر أفسس 3 مرتبط بكون الأمم واليهود صاروا جسدًا واحدًا في المسيح. يقول بولس بعد ذلك مباشرة:

«أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ» (أفسس 3: 6).

المقصود ليس مجرد أن الله سيبارك الأمم، فهذا كان معروفًا في العهد القديم. بل المقصود السر الخاص بالكنيسة: أن اليهود والأمم يصيرون معًا جسدًا واحدًا في المسيح، في شركة واحدة، على أساس الإنجيل.

وهذه الكنيسة أعلن المسيح عن بنائها بعد اعتراف بطرس، إذ قال:

«وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا» (متى 16: 18).

فالمسيح يتكلم عن الكنيسة كعمل سيبنيه، لا كشيء كان قد ظهر بالفعل بنفس صورته في أزمنة العهد القديم.

تمييز مهم: العهد القديم أعلن بركة الأمم، لكن سر الكنيسة كجسد واحد في المسيح أُعلن بوضوح في العهد الجديد للرسل وأنبياء الكنيسة.

رابعًا: النص يقول صراحة «أُعلن الآن»

بولس لا يقول إن هذا السر أُعلن بنفس الوضوح في الأزمنة السابقة، بل يقول:

«كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ» (أفسس 3: 5).

كلمة «الآن» تحسم الاتجاه الزمني. الإعلان المقصود مرتبط بزمن بولس والرسل بعد مجيء المسيح، لا بزمن أنبياء العهد القديم. لذلك فبولس لا يناقض نفسه، بل يقول إن ما كان مخفيًا في الأجيال السابقة صار الآن معلنًا في زمن الكنيسة.

خامسًا: بولس يؤكد أن السر لم يُعرَّف في أجيال أخرى

بداية الآية نفسها واضحة:

«الَّذِي فِي أَجْيَال أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ» (أفسس 3: 5).

فلو كان بولس يقصد أن أنبياء العهد القديم عرفوا هذا السر بنفس المعنى، لكان هذا يناقض قوله المباشر. لكن عندما نفهم أن «الرسل والأنبياء» هم جماعة إعلان العهد الجديد، يزول الإشكال تمامًا.

سادسًا: كولوسي يوضح نفس الفكرة

يوجد نص موازٍ في كولوسي يشرح نفس المعنى بوضوح:

«السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ وَمُنْذُ الأَجْيَالِ، لكِنَّهُ الآنَ قَدْ أُظْهِرَ لِقِدِّيسِيهِ» (كولوسي 1: 26).

العبارة هنا حاسمة: السر كان مكتومًا منذ الدهور والأجيال، لكنه الآن أُظهر. وهذا يطابق أفسس 3: 5. إذن بولس لا يقول إن السر كان معروفًا لأنبياء العهد القديم، بل إنه صار ظاهرًا الآن في زمن العهد الجديد.

سابعًا: أنبياء العهد الجديد مذكورون في رسائل بولس

العهد الجديد يذكر وجود أنبياء داخل الكنيسة، لا بمعنى أن كل «نبي» يجب أن يكون من أنبياء العهد القديم. قال بولس عن المواهب والخدمات في الكنيسة:

«فَوَضَعَ اللهُ أُنَاسًا فِي الْكَنِيسَةِ: أَوَّلًا رُسُلًا، ثَانِيًا أَنْبِيَاءَ، ثَالِثًا مُعَلِّمِينَ…» (1 كورنثوس 12: 28).

وقال أيضًا:

«وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلًا، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ» (أفسس 4: 11).

فهناك أنبياء في الكنيسة الأولى، ضمن ترتيب خدمات العهد الجديد. وهؤلاء هم الأقرب لسياق أفسس 3: 5.

ثامنًا: هل لم يعرف العهد القديم شيئًا عن الأمم؟

لا ينبغي الخلط بين أمرين:

  • العهد القديم عرف أن الله سيبارك الأمم.
  • لكن سر الكنيسة كجسد واحد في المسيح لم يُعلن بنفس الوضوح والكمال إلا بعد المسيح.

فالله قال لإبراهيم:

«وَتَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ» (تكوين 22: 18).

لكن كون الأمم يصيرون شركاء في الجسد الواحد مع اليهود، بلا حاجز الناموس الطقسي، في كنيسة المسيح، هذا هو السر الذي يشرحه بولس في أفسس.

تاسعًا: السر ليس نقيضًا للعهد القديم بل اكتمالًا للإعلان

عندما يقول بولس إن السر كان مخفيًا، لا يعني أنه يناقض العهد القديم أو لا علاقة له به مطلقًا. بل يعني أن العهد القديم لم يكشفه بنفس الوضوح الذي كُشف به في العهد الجديد.

ففي العهد القديم توجد وعود وظلال وإشارات، أما في العهد الجديد فقد ظهر الإعلان كاملاً في المسيح، وأُعلن للرسل والأنبياء بالروح.

المبدأ الدفاعي: السر في الكتاب ليس أمرًا يناقض الإعلان السابق، بل أمر كان غير مُعلَن بوضوح ثم أظهره الله في الوقت المناسب.

عاشرًا: لماذا يهم هذا التمييز؟

إذا ظننا أن بولس يقصد أنبياء العهد القديم، فقد يبدو النص متوترًا: السر لم يكن معروفًا، ومع ذلك عرفه الأنبياء. أما إذا قرأنا النص داخل سياق أفسس، يتضح أن بولس يقصد أنبياء العهد الجديد المرتبطين بالرسل وببناء الكنيسة.

وهذا ينسجم مع ترتيب العبارة، ومع أفسس 2: 20، ومع كولوسي 1: 26، ومع تعليم العهد الجديد عن وجود أنبياء في الكنيسة الأولى.

الرد المختصر على الشبهة

لا يقصد بولس في أفسس 3: 5 أنبياء العهد القديم، بل أنبياء العهد الجديد. الدليل أنه يقول «الرسل والأنبياء» بنفس ترتيب أفسس 2: 20 عن أساس الكنيسة، وأنه يقول إن السر «أُعلن الآن»، لا في الأجيال السابقة. كما أن كولوسي 1: 26 يوضح أن السر كان مكتومًا منذ الدهور والأجيال، ثم أُظهر الآن لقديسي الله. لذلك لا يوجد تناقض: السر كان مخفيًا في العهد القديم، وأُعلن في العهد الجديد لرسل المسيح وأنبياء الكنيسة.

الخلاصة

أفسس 3: 5 لا يقول إن أنبياء العهد القديم عرفوا سر الكنيسة كما أُعلن لبولس والرسل. بل المقصود أن الله أعلن هذا السر الآن لرسل المسيح وأنبياء العهد الجديد بالروح. فالسر كان مكتومًا في أجيال سابقة، ثم أُظهر في زمن الكنيسة: أن الأمم شركاء في الميراث والجسد ونوال الموعد في المسيح بالإنجيل.

المصدر

Geisler, N. L., & Howe, T. A. (1992). When Critics Ask: A Popular Handbook on Bible Difficulties (p. 476). Victor Books: Wheaton, Illinois.

كيف كان سر المسيح مخفيًا ثم أُعلن للأنبياء؟ أفسس 3: 5